"قال لي أحدهم يوما وهو كبير سنا وجسما ورتبة..." هل يمكنكم إعطاء معلومات عن هوية صاحب السؤال وشخصيته؟
"قال لي أحدهم يوما وهو كبير سنا وجسما ورتبة..." هل يمكنكم إعطاء معلومات عن هوية صاحب السؤال وشخصيته؟
الأخ / الأخت العزيز,
لقد كان الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يركّز على الأفكار لا على الأشخاص، فيناقش الآراء ويجيب عنها دون التعرض لأصحابها. وذلك لأن ذكر أسماء الأشخاص قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى الغيبة، ولا سيما إذا نُشرت هذه الغيبة كتابةً على نطاق واسع، فإن خطرها يكون أكبر.
ولذلك تجنب هذا المسلك تمامًا.
ومع أنه ذكر في مبحث الغيبة أن غيبة الفاسق المجاهر بمعصيته قد تكون جائزة، إلا أنه قيّد ذلك بشروط مهمة، منها أن يكون الكلام خاليًا من الأغراض الشخصية، وأن يكون لمجرد بيان الحق وتحقيق المصلحة.
وقد اختار الأستاذ عدم نقل السؤال بصورته المباشرة، بل أشار إلى بعض صفات صاحبه، وهذا يستحق التأمل.
فقوله:
«قال لي أحدهم يوماً وهو كبير سنا وجسما ورتبة...»
يدل على أن صاحب السؤال لم يكن كبيرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما كان كبيرًا من حيث العمر والجسم والرتبة أو المنصب فقط. وفي ذلك إشارة إلى أن السؤال نفسه يحمل طابعًا ساذجًا أو طفوليًا.
فنحن نرى أحيانًا طفلًا يقف فوق طاولة ثم يقول لأبيه:
"لقد أصبحت أطول منك!"
والحقيقة أن الذي جعله يبدو أطول هو ارتفاع الطاولة، فإذا نزل منها ظهر طوله الحقيقي.
وكذلك المناصب والمراتب؛ فكبر المنصب أو علوّ المكانة الوظيفية لا يجعل الإنسان عظيمًا في ذاته، وإنما يمنحه لفترة محدودة صلاحيات أوسع، وقد يجعله يحظى باحترام يمتزج أحيانًا بالخوف أو المجاملة.
ومن جهة أخرى، فإن علو الرتبة والمنصب قد يكون وسيلة لتحقيق مصالح عظيمة إذا استُخدم في موضعه الصحيح، لكنه في الوقت نفسه امتحان صعب؛ لأنه قد يزيد من الغرور والكبرياء.
ويرى الكاتب أن الذي شجّع ذلك الشخص على توجيه مثل هذا السؤال الساذج إلى عالم كبير كالأستاذ بديع الزمان هو شعوره بالقوة المستمدة من منصبه ورتبته.
أما قوله:
«إنّ أداء الصلاة حسن وجميل، ولكن تكرارها كل يوم، وفي خمسة أوقات كثير جدا فكثرتها هذه تجعلها مملّة!..»
فقد يُفهم منه لأول وهلة أن الرجل لا يعترض على الصلاة نفسها، بل على تكرارها واستمرارها، وأن هذا ناتج عن الكسل.
غير أن المعروف عنه - بحسب النص - أنه كان في الحقيقة معارضًا للصلاة ذاتها، لكنه أخفى مقصده الحقيقي وراء عبارة: «إنّ أداء الصلاة حسن وجميل»، وجعل اعتراضه منصبًّا على كثرتها.
ومع ذلك، فإن الغاية الأساسية من كتابة هذا الدرس لم تكن الرد على ذلك الشخص بعينه، بل إرشاد جميع النفوس التي قد تردد هذا الكلام أو تحمل المعنى نفسه. ولذلك فإن شخصية صاحب السؤال ومقصده الخاص ليسا محل اهتمام رئيسي.
ولهذا ينبغي لنا أيضًا أن نلتزم بهذا المنهج الدقيق؛ فإذا واجهنا مثل هذه الآراء فعلينا أن نرد على الفكرة نفسها، وأن نراعي في جوابنا أيضًا من قد يقع في الخطأ نفسه من الآخرين، وألا نفضح صاحب الفكرة أو نُشهِّر به ما لم توجد مصلحة شرعية معتبرة تقتضي ذلك.
والله أعلم.
أسئلة إسلامية
