"الذي جعلكِ تملّين وتسأمين من تكرار الصلاة هو توهمكِ الأبدية والخلود..." لماذا يكون الأمر كذلك؟ وما المقصود بقوة الوهم؟
"الذي جعلكِ تملّين وتسأمين من تكرار الصلاة هو توهمكِ الأبدية والخلود..." لماذا يكون الأمر كذلك؟ وما المقصود بقوة الوهم؟
الأخ / الأخت العزيز,
إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا يخضع لامتحان في كيفية استخدام ما وهبه الله تعالى من رأس مال مادي ومعنوي؛ أي أعضاء الجسد من جهة، وما أودع في الروح من مشاعر وأحاسيس وقوى ولطائف مختلفة من جهة أخرى.
ومن جملة هذه المواهب الروحية «قوة الوهم».
فإذا استعمل الإنسان هذه القوة في موضعها الصحيح، استطاع أن يعمل لدنياه بنشاط واجتهاد، كما يتمكن - كما بُيِّن في مبحث «الأنا» - من أن يتأمل بدرجة ما في صفات الله تعالى وشؤونه من خلال ما أُعطي من صفات وقدرات.
ما وظيفة قوة الوهم؟
يعلم الإنسان بعقله أن هذه الدنيا فانية، وأنه سيذوق الموت يومًا ما كما يذوقه سائر الناس.
وهذه المعرفة تمنعه من الانغماس الكامل في الدنيا ونسيان الآخرة.
لكن الإنسان مع ذلك مطالب بالعمل في الدنيا وإعمارها والسعي فيها، وهنا يأتي دور قوة الوهم؛ إذ تجعل الإنسان يعمل وكأنه سيعيش طويلًا، فيخطط ويزرع ويبني ويتعلم ويجتهد.
دور الوهم في معرفة صفات الله
يعلم الإنسان بعقله أيضًا أن ما عنده من حياة وعلم وإرادة وقدرة وسمع وبصر، وكذلك ما عنده من رحمة وغضب وغيرها من الأحوال، ليست ملكًا حقيقيًا له، وإنما هي عطايا وهبات من الله تعالى.
لكن عندما تعمل قوة الوهم، ينسب هذه الصفات إلى نفسه على سبيل الاعتبار، فيقول:
«أنا أرفع هذا الحجر بقوتي، فالله سبحانه يدبر الكون كله بقدرته اللامتناهية.»
فالمقارنة التي توصله إلى فهم بعض معاني صفات الله تحصل بواسطة قوة الوهم.
وكذلك عندما يقول:
«علمي»، «قدرتي»، «سمعي»، «بصري»...
فإن هذا التعبير قائم على عمل قوة الوهم.
أما العقل فإنه يدرك جيدًا أن هذه الصفات ليست ملكًا ذاتيًا للإنسان، وإنما هي أمانات مودعة لديه.
كيف يؤدي سوء استعمال الوهم إلى السآمة من الصلاة؟
إذا استُعملت قوة الوهم استعمالًا خاطئًا، توهّم الإنسان أنه سيبقى في الدنيا إلى الأبد.
وعندئذٍ لا ينظر إلى الصلوات الخمس على أنها عبادة هذا اليوم فقط، بل يتخيلها ممتدة إلى جميع أيام المستقبل التي يتوهم أنه سيعيشها.
فيجمع في ذهنه عددًا هائلًا من الصلوات، ثم يتصور أنه عاجز عن الاستمرار في هذا الالتزام الضخم، فيشعر بالثقل والملل، وقد يدفعه ذلك إلى التهرب من الصلاة.
ولهذا قيل:
«الذي جعلكِ تملّين وتسأمين من تكرار الصلاة هو توهمكِ الأبدية والخلود..»
أي أن سبب الشعور بثقل العبادة ليس العبادة نفسها، بل تخيل الإنسان أنه سيبقى في الدنيا دائمًا، فيحمّل نفسه دفعة واحدة أعباء مستقبلٍ طويلٍ متوهم، بدل أن يركز على أداء واجبه في يومه الحاضر.
والله أعلم.
أسئلة إسلامية
