كيف ينبغي أن نفهم إصرار أستاذنا على ضرورة الاستغناء عن الأجر المادي والمعنوي القادم من الناس؟
كيف ينبغي أن نفهم إصرار أستاذنا على ضرورة الاستغناء عن الأجر المادي والمعنوي القادم من الناس؟
الأخ / الأخت العزيز,
الاستغناء: هو ألا يكون الإنسان تحت مِنّة أحدٍ سوى الله تعالى.
وقد ذكر الأستاذ النورسي رحمه الله أسباب مبدأ الاستغناء على النحو الآتي:
( الأول: أن أهل الضلال يتهمون العلماء باتخاذهم العلمَ مغنَماً. فيهاجموهم ظلماً وعدواناً بقولهم: "إنهم يجعلون العلم والدين وسيلةً لكسب معيشتهم" فيجب تكذيبُ هؤلاء تكذيباً فعلياً.
الثاني: نحن مكلّفون باتباع الأنبياء -عليهم السلام- في نشر الحق وتبليغه. والقرآن الكريم يذكر الذين نشروا الحق أنهم أظهروا الاستغناءَ عن الناس بقولهم : ﴿إِنْ أجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّٰه﴾.. ﴿إِنْ أجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّٰه﴾. وأن الآية الكريمة: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْألُكُمْ أجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ في سورة يس، تفيد معاني جمّة، ومغزى عميقاً، فيما تخص مسألتنا هذه.
الثالث: لقد بُيّن في "الكلمة الأولى": "يلزم الإعطاء باسم اللّٰه، والأخذ باسم اللّٰه". ولكن الذي يحدث غالباً هو أنّ المعطي غافلٌ، فيعطي باسم نفسه، فيتمنّن ضمناً، أو أنّ الآخذَ غافل يُسنِد الشكرَ والثناء الخاص بالمنعم الحقيقي إلى الأسباب الظاهرية فيخطئ.
الرابع: إنَّ التوكل والقناعة والاقتصاد خزينةٌ عظيمة، وكنـزٌ ثمين لا يعوضان بشيء. لا أريد أن أسدّ أبواب تلك الخزائن والكنوز التي لا تنفد بأخذ المال من الناس. فشكراً للرزاق ذي الجلال بآلاف المرات إنه لم يُلجئني منذ طفولتي إلى البقاء تحت منّة أحدٍ من الناس. فأرجو من رحمته تعالى معتمداً على كرمهِ أن يُمضي بقيةَ عمري أيضاً بتلك القاعدة.
الخامس: لقد اقتنعتُ قناعة تامة منذ حوالي سنتين بأماراتٍ وتجاربَ كثيرة؛ أنني لست مأذوناً بقبول أموال الناس ولاسيما هدايا الميسورين والموظفين، إذ أتأذى بقسمٍ منها،
بل يُدفع به إلى الأذى ليحول دون أكلها، وأحياناً يُحوَّل إلى صورة تضرني. فهذه الحالة إذن أمرٌ معنوي بعدم أخذ أموال الناس ونهيٌ عن قبولها.
وكذا، فإن فيّ استيحاشاً من الناس، لا أستطيع قبولَ زيارة كل شخص في كل حين. فقبول هدايا الناس، يلزمني قبولي زيارتَهم في وقت لا أريدُها أخذاً بمراعاة شعورهم. وهذا ما لا أحبّذه.
إنني أفضّل أن آكل كسرةَ خبزٍ يابس، وأن ألبَسَ ثوباً فيه مائة رقعة ورقعة ينقذني من التصنع والتملق، على أن آكل أطيَبَ حلوى الآخرين، وألْبَسَ أفْخَرَ ملابسهم وأضطر إلى مراعاة مشاعرهم وهذا ما أكرهه.
السادس: إنَّ السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر الموثوق حسب مذهبنا (الشافعي): "يُحرم قبولُ ما يوهَب لك بنية الصلاح، إن لم تكن صالحاً".
نعم إن إنسان هذا العصر يبيع هديتَه البخسة بثمن باهظ، لحرصه وطمعه، فيتصور شخصاً مذنباً عاجزاً مثلي ولياً صالحاً، ثم يعطيني رغيفاً هديةً. فإذا اعتقدتُ أنني صالح -حاش للّٰه- فهذا علامة الغرور، ودليل على عدم الصلاح. وإنْ لم أعتقد صلاحي، فقبول ذلك المال غير جائز لي.
وأيضاً إن أخذ الصدقة والهدية مقابلَ الأعمال المتوجهة للآخرة يعني قطفَ ثمراتٍ خالدةٍ للآخرة، بصورة فانية في الدنيا.)(1)
إن إصرار أستاذنا على هذا الاستغناء أمر بالغ الأهمية. فقد يحدث، إذا حصل نوع من التراخي أو اللامبالاة، أن تُوجَّه اتهامات خطيرة إلى الجماعة. ولذلك فإن موضوعي الاقتصاد والاستغناء مهمان جدًا لطلاب رسائل النور.
ويمكننا نحن أيضًا تطبيق هذه المبادئ في حياتنا. ولعل بعض هذه الأسباب خاص بالأستاذ النورسي رحمه الله ولا يتعلق بنا، ولكن الأخذ بالنقاط التي تنطبق علينا وتطبيقها هو الأفضل.
ويمكننا تطبيق هذا المبدأ بصورة أكبر في الأمور المتعلقة بالخدمة. أي إن تبادل الهدايا بين الأصدقاء والأقارب يمكن أن يستمر في حياتنا الخاصة، لكن من المهم جدًا والمؤثر أن نُشعر الناس بالاستغناء في مجال الخدمة. ولذلك، عند التحرك باسم الخدمة، ينبغي أن يكون الإنسان في حالة استغناء تام. أما إذا طُبّق ذلك في حياتنا الخاصة أيضًا، فقد يُفهم على أنه غرور، كما أنه يتعارض مع تبادل الهدايا الذي هو من السنة. وينبغي التمييز جيدًا بين الأمرين.
والأجر المقصود هنا ليس الراتب الذي يتقاضاه العامل مقابل عمله، بحيث يكون تركه متعذرًا. وإنما المقصود هنا هو المنافع التي تُعرض على الإنسان مقابل بعض الخدمات الدينية دون أن يبذل في مقابلها جهدًا، ورفض هذه المنافع هو الاستغناء. أما تعاون المسلمين فيما بينهم، وتضامنهم، ومساعدتهم بعضهم لبعض، وإزالة ضيق المحتاجين، فهو أمر جميل جدًا ومن أوامر ديننا.
وأما المال الذي يقترضه التاجر على أن يرده، فلا يدخل في نطاق الاستغناء. فإذا طلب المال بلا مقابل وعلى ألا يرده، كان ذلك تسولًا ووقاحة. أما طلب المساعدة على أساس ردّها، فلا حرج فيه.
وإنما الأصل أن يعتمد الإنسان على أيدي الناس وأن يكون طماعًا، فهذا مخالف للفطرة.
--------------------------
(1) (المكتوبات، المكتوب الثاني).
أسئلة إسلامية
