« إنَّ التوكل والقناعة والاقتصاد خزينةٌ عظيمة، وكنـزٌ ثمين لا يعوضان بشيء.» هل يمكنكم شرح هذه العبارة؟

تفاصيل السؤال

« إنَّ التوكل والقناعة والاقتصاد خزينةٌ عظيمة، وكنـزٌ ثمين لا يعوضان بشيء.» هل يمكنكم شرح هذه العبارة؟

الجواب

الأخ / الأخت العزيز,

«ولا تظنن أن التوكلَ هو رفضُ الأسباب وردُّها كليا، وإنما هو عبارة عن العلمِ بأن الأسبابَ هي حُجُب بيَدِ القدرة الإلهية، ينبغي رعايتُها ومداراتها، أما التشبثُ بها أو الأخذُ بها فهو نوع من الدعاء الفعلي. فطلبُ المسَبَّباتِ إذن وترقّبُ النتائج لا يكون إلاّ مِن الحقِّ سبحانه وتعالى، وأنّ المنةَ والحمدَ والثناءَ لا ترجعُ إلاّ إليه وحدَه.»(1)

التوكّل خصلة رفيعة، وسجية سامية، ووسيلة لترقّي روح الإنسان. وهو رابطة معنوية بين العبد وربه. فالإنسان الذي يتوكّل على الله يكون قد توجّه إليه بقلبه. وهذا التوجّه في حد ذاته نتيجة. سواء تحققت الغاية الدنيوية أم لم تتحقق، فقد حصل الثمر الأخروي؛ إذ ذاقت الروح لذة الطمأنينة، ونالت حظها من صفاء ذكر الله والتسليم له. وذكر الله، أي تذكّره واستحضاره، ليس مقصورًا على العبادات التي نعرفها فقط؛ فالصبر والتسليم والرضا والخوف والرجاء، كل واحد منها ذكر مستقل. وينبغي أن نعدّ التوكّل أيضًا ذكرًا ساميًا من هذا القبيل.

يبذل المسلم الأسباب كاملة من أجل أن يعيش حياة الدنيا براحة وطمأنينة أكبر. لكنه يدرك جيدًا أن هذه الدنيا ليست موضع اللذة والمتعة، وإنما هي ميدان امتحان، وهي مزرعة الآخرة. وفي الامتحان والمزرعة مشقة. أما الراحة فهي بعد الامتحان، والحصاد يكون بعد انتهاء الزراعة. ولذلك يكون الإنسان مستعدًّا نفسيًا لمصائب الدنيا ومشقاتها. فهو يرى الجميع ضيوفًا، وكل شيء مؤقتًا. ولا يعطي أي حادثة أكثر من قيمتها الحقيقية، فيقضي عمره بطمأنينة.

يبدو التوكّل والكسل متقاربين في الظاهر. فالتوكّل هو انتظار النتيجة من الله بعد الأخذ بالأسباب. أما الكسل فهو انتظار النتيجة من دون الأخذ بالأسباب. فمثلًا، الطريق للحصول على سنابل القمح هو حرث الأرض، وبذر البذور، وسقيها، ثم في النهاية معرفة النتيجة من الله وانتظارها منه.

والواقع أن التوكّل من أعظم أسباب الطمأنينة. فالإنسان أمامه مراحل ومنازل كثيرة؛ فقبل دخول القبر يمر غالبًا بالأمراض والمصائب والعجز والشيخوخة أيضًا. فهل يستطيع الإنسان أن يعيش في جميع هذه المراحل من دون توكّل؟ فالمريض، بعد مرحلة الفحص وتناول الدواء، يدخل مرحلة انتظار الشفاء. والطبيب أيضًا ينتظر بجانبه أن يتعافى.

وهذا الانتظار المزدوج ليس إلا توكّلًا على الله. فالتوكّل، كما أنه حصن في مواجهة المرض، فهو كذلك أقوى درع في مواجهة رياح الشيخوخة الباردة التي تهبّ على وجه الإنسان بقوة أكبر، حاملةً معها خبر الموت.

والمؤمن، لأنه يعلم أن تدبير كل شيء وزمامه بيد قدرة الله، لا يقلق ولا يضطرب من شيء. ويعلم المؤمن أنه إذا قدّر الله له مصيبة فلا مفرّ منها، وإذا لم يقدّرها الله فلن تستطيع أي قوة أن تضرّه. وهذا التوكّل وهذا التفكير يريحان المؤمن ويجعلانه شجاعًا.

والإنسان الذي يتوكّل على الله بعد إيمانه به إيمانًا تحقيقيًا لا يخاف من شيء، ولا يرتجف أمام أي حادثة. فكما أن مصدر الشجاعة هو الإيمان الحقيقي، فإن مصدر الجبن هو انعدام الإيمان وغياب التوكّل. ومثل هؤلاء يحملون جميع أعباء الدنيا على ظهورهم، فيرزحون تحت ثقلها.

ولأن التوكّل ثمرة من ثمار الإيمان، فكلما كان الإيمان أكثر رسوخًا وقوة، كان التوكّل كذلك أقوى بقدر ذلك.

والخلاصة: «من آمن بالقدر أمِنَ من الحزن»، ومن اتكأ على التوكّل تخلّص من الأمراض الروحية، وسعد وهنئ في الدارين.

وبعد أن يؤدي العبد المتوكّل ما يقع عليه من واجبات بدقة، ثم يتوكّل على الله رب العالمين، فإنه لا يعطي الأضرار والأخطار التي قد تأتي من عالم المخلوقات أهمية أكثر مما ينبغي. فهو يعلم أن عالم الهواء تحت أمر الله، فلا يخاف من العاصفة. ويعلم جيدًا أن هذا العنصر جماد لا إرادة له، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا من تلقاء نفسه. لكنه، كما أُخبر في آية كريمة، يأخذ بعين الاعتبار أن الأضرار التي قد يسببها هذا العنصر لا تصيب العصاة وحدهم، بل قد تمسّ الأبرياء أيضًا؛ ولذلك يلجأ إلى ربه ويعتصم برحمته.

القناعة: هي الرضا بالنتيجة التي أنعم الله بها، بعد الأخذ بالأسباب وأداء الواجبات التي تقع على عاتق الإنسان. وكما قال رسول الله ﷺ: «كُنْ قَنعًا تكن أشكرَ النَّاسِ.» (ابن ماجه، الزهد).

أما الاقتصاد فهو استعمال هذه النتيجة، أي هذا الإحسان، في موضعه ومن دون إسراف. وإذا تأملنا، نلاحظ أنه لا يتحدث هنا عن مقدار المال، ولا عن كثرة المال أو قلته.

إن ما في يد الإنسان من مال وثروة ومنصب وغنى ونحو ذلك أمور فانية، وهي وسيلة للابتلاء، ومعرّضة في كل لحظة لأن تزول من يده. أما التوكّل والقناعة والاقتصاد، باعتبارها من ثمار الإيمان ومن الخصال السامية، فهي كالكنوز. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث، فهو دائمًا سعيد ومطمئن وغني.

والإنسان المحروم من هذه الخصال، مهما امتلك من مال وثروة، فإنه يفكر في أن مكروهًا أو مصيبة قد تصيبه في أي لحظة، وأن تلك النعم قد تخرج من يده في أي وقت، فيستولي عليه القلق ويضطرب قلبه. ويخاف ويرتجف أمام كل حادثة، ويقول: «ترى هل تصيبني هذه المصيبة؟» فيجعل حياته عذابًا على نفسه. ومن هذه الناحية، فإن التوكّل ثروة لا تنفد، وأعظم غنى.

فقد يقع الإنسان في الذل والفقر في أي لحظة. وقد تؤدي أي أزمة أو مصيبة إلى إتلاف ماله وممتلكاته في لحظة واحدة. ومن هنا فإن الغنى الحقيقي والراحة والسعادة تكمن في التوكّل والقناعة والاقتصاد. فلا يجرفها السيل، ولا تذهب بها الريح.

 

----------------------

(1) الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون، المبحث الأول.

 

 

أسئلة إسلامية

المؤلف:
أسئلة إسلامية
قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة