«وهو أنَّ قسماً من أهل الحقيقة يحظون باسم اللّٰه "الودود" من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم.» هل يمكنكم توضيح هذه الجملة؟
«وهو أنَّ قسماً من أهل الحقيقة يحظون باسم اللّٰه "الودود" من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم.» هل يمكنكم توضيح هذه الجملة؟
الأخ / الأخت العزيز,
من أقوى وأجمل الطرق لمعرفة الله، السير من الأثر إلى المؤثّر؛ أي معرفة صاحب الأثر انطلاقًا من آثاره.
إن الكون والآثار الرائعة المعروضة فيه، هي تجليات لأسماء الله تعالى وصفاته، وكلٌّ منها نافذة تُظهر وجوده ووحدانيته. فإذا نُظر إلى هذه النوافذ بعين الإيمان، أشرقت فيها أنوار المعرفة. وتتجلّى أسماء الله وصفاته على كل أثر. ويتوصل الإنسان إلى الله بتتبّع هذه التجليات. وتتجلّى في هذه التجليات أسماء الله الحسنى الكثيرة. وكل صاحب مسلك ومشرب يتخذ أحد هذه الأسماء أساسًا له، وينظر إلى الكون والآثار من خلال منظار ذلك الاسم، ويتعلق بذلك الاسم، ويصل إلى الله بواسطة خيط تجلّي ذلك الاسم.
إن الكون، بما فيه من جميع أنواع الجمال والكمال المادي والمعنوي، يخبر عن جمال هذا التقدير الإلهي وكماله؛ فهو رشحات من ذلك البحر وتجليات من ذلك الشمس. وإن الأفعال الكاملة والآثار الفريدة الموجودة في الكون دليل على أن ذات الله تعالى وشؤونه وأسماءه وصفاته متصفة بكمال لا نهاية له.
فمثلًا: يغلب في رسائل النور، إلى جانب سائر الأسماء، اسما الرحيم والحكيم؛ فالأستاذ يقرأ لنا الكون وآثاره من خلال نافذة هذين الاسمين، ويُمكّننا من الوصول إلى الله. فـالرحيم هو دلالة شفقة الله تعالى اللامتناهية، والحكيم هو كونه يجعل كل شيء ذا حكمة وفائدة. ويظهر معنى هذين الاسمين وتجليهما ظاهرًا في كل موجود وكل مخلوق في الكون، فتشرق أنوار المعرفة. ولا سيما في عصرنا، حيث يهيمن العلم والفلسفة، فإن الانتقادات والهجمات التي تأتي منهما على الإسلام لا يمكن مواجهتها إلا بمعنى اسم الحكيم. وفي رسائل النور غلبة لهذا الاسم في سيادة التفكر والإثبات.
وكما أن أصحاب كل مسلك ومشرب يتخذون أحد الأسماء أساسًا لهم، فإن بعض رجال أهل الحقيقة قد اتخذوا أيضًا اسم الله الودود أساسًا لهم. وحاولوا الوصول إلى الله بتتبّع تجليات اسم الودود.
وكما أن الله يريد أن يعرّفنا بنفسه من خلال آثاره الحكيمة والصنائع البديعة، فإنه يريد أيضًا أن يحبّب نفسه إلينا من خلال تزيينه وإحسانه وإكرامه الذي لا يُحصى. فمعنى هذا التحبيب وتجليه من لوازم اسم الودود.
ويشير الأستاذ إلى هذا المعنى على النحو الآتي:
« ثم إن التزيينات البديعة والجمال المبتسم على النباتات والحيوانات التي تملأ وجه المخلوقات قاطبة، وجميعَ المظاهر الجمالية عليها، تدل على أن وراء ستار الغيب مدبّرا يريد أن يعرِّف نفسَه ويحبّبها بهذه المخلوقات الجميلة البديعة وتدل على وجوب وجوده ووحدانيته.
إذن فالتزييناتُ الرائعة في الأشياء، وما في مظاهرها من جمال بديع، وكيفياتها المتسمة بالحكمة، كلُّها تدل قطعا على صفتَي التعريف والتوّدد. وهاتان الصفتان (التعرف والتودّد) تشهدان بالبداهة على صانع قدير معروف ودود، فضلا عن شهادتهما على وحدانيته سبحانه.»(1)
«وهكذا على غرار هذه الأمثلة الثلاثة، ففي كل اسم من ألف اسم من الأسماء الإلهية الحسنى طبقاتُ حُسنٍ وجمالٍ وفضلٍ وكمالٍ كثيرة جدا. كما أنّ فيها مراتبَ محبةٍ وفخر وعزة وكبرياء كثيرة جدا. ومن هنا قال الأولياء المحققون الذين حظَوا باسم الودود: إنّ جوهر الكون كلِّه هو المحبة وإن حركة الموجودات بالمحبة. فقوانينُ الانجذاب والجذب والجاذبية التي تجرى في الموجودات إنما هي آتية من المحبة.
وقد قال أحدهم:
كلُّ ذرات الوجود في نشوةِ المحبة.
الفَلَكُ نشوان والمَلَك نشوان
النجومُ والسماوات نشاوى
القمر والشمس والأرض نشاوى
والعناصر والنباتات والأشجار نشاوى.
بمعنى أن كل شيء نشوان من شراب المحبة بتجلي المحبة الإلهية، كلّ حسب استعداده. ومن المعلوم أن كل قلب يُحب مَن يُحسن إليه، ويُحب الكمال الحقيقي ويَعشق الجمال السامي ويزيد حُبَّه لمن يُحب مَن يُحبهم ويشفق عليهم ويُحسن إليهم.
ترى ما مدى العشق والمحبة التي تليق بمَن له في كل اسم من أسمائه ألفُ كنـزٍ وكنـز من الإحسان والإنعام.. ومن يُسعد كلَّ مَن نُحبُّهم.. ومن هو منبعُ ألوف أنواع الكمالات.. ومن هو مبعثُ ألوف طبقات الجمال.. ومن هو مسمَّى ألف اسم واسم.. وهو الجميل ذو الجلال والمحبوب ذو الكمال.
ألا يُفهم من هذا مدى الأحقية في نشوة الكون طراً بمحبّته؟
ولأجل هذا السر قال قسم من الأولياء الذين نالوا شرف الحظوة باسم "الودود": "لمعة من محبة اللّٰه تغنينا عن الجنة". ومن ذلك السر أيضا، ورد في الحديث الشريف ما معناه: إن رؤية جمال اللّٰه في الجنة تفوق جميع لذائذ الجنة.
فكمالات المحبة ومزاياها هذه، إنما تحصل ضمن دائرة الواحدية والأحدية بأسمائه سبحانه وبمخلوقاته. بمعنى: أن ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليست كمالات قطعا.»(2)
------------------------
-
الكلمات، الكلمة الثالثة والثلاثون، النافذة السابعة والعشرون.
-
الكلمات، الكلمة الثانية والثلاثون، المقام الثاني.
أسئلة إسلامية
