ما الحكمة من خلق الكواكب؟ وهل توجد فيها مخلوقات؟ وما الحكمة من خلق بعض النجوم أو الكواكب التي لم يرها أحد؟

تفاصيل السؤال

ما الحكمة من خلق الكواكب؟ وهل توجد فيها مخلوقات؟ وما الحكمة من خلق بعض النجوم أو الكواكب التي لم يرها أحد؟

الجواب

الأخ / الأخت العزيز,

«فإن أجلَّ نتيجة لخلق الكائن الحي هو الحظوة بالظهور أمام نظر الفاطر الجليل الذي يريد أن يرى بذاته جمالَ صنعته وجمال فطرته وجمال تجليات أسمائه في المرايا الصغيرة.»(1)

إن الله تعالى يريد أن يرى بذاته جمالَ صنعته وجمال فطرته وجمال تجليات أسمائه، رؤية تليق بالذات الإلهية وعلى نحوٍ لا نعلمه.
ومن هذه الناحية، حتى لو لم يوجد في الكون أي مخلوق ذي شعور، فإن هذا الكون سيظل يؤدي وظيفته ويعبّر عن غايته. واتساعه الكبير مهم جدًا لتحقيق هذه الغاية.
ومع ذلك، فإن لله تعالى مخلوقات لا تُحصى من الملائكة والروحانيين، والمهمة الأساسية لجميع هذه المخلوقات هي قراءة الرسائل الدالة على الله وفهمها، ثم أداء وظائف الشكر والتسبيح من خلال المخلوقات الجميلة التي خلقها الله تعالى.

وبحسب ما أثبته العلم، فإن أشعة الشمس (بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية) تصل إلى عالمنا في ثماني دقائق. ويُقال إن هناك نجومًا لم يصل ضوؤها إلى عالمنا منذ أن نشأ الكون.

إن هذا الاتساع المذهل لعالم الفضاء يُظهر أمام أنظارنا لا نهائية قدرة خالقه، وعظمته وكبرياءه. وهذه العوالم الشاسعة قد عُمّرت بما لا نهاية له من الملائكة وغيرهم من الروحانيين.

ومن أعماق البحار حيث توجد الأسماك وسائر الكائنات الحية، إلى أقصى أطراف الفضاء، كل مكان مليء بالمخلوقات التي تسبّح الله تعالى وتعظّمه.

فالنجوم والكواكب براهين نيرة تُظهر عظمة الله تعالى بوضوح، وتعلن عن وجوده. وهي شواهد على وحدانيته تعالى وعلى قدرته اللامتناهية. والملائكة، سكان تلك العوالم، يذكرون الله بألف لسان، ويتأملون الكون بألف عين.

وكل نجم وكوكب بمنزلة سفينة عظيمة من سفن الله تعالى. وهذه النجوم مملوءة بالروحانيين الذين يسبّحون الله تعالى ويحمدونه ويكبّرونه بمئة ألف لسان. والقصيدة الآتية الواردة في كتاب المكتوبات تلخّص ما سبق بيانه:

«واستمع إلى النجوم أيضاً، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ.

لترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.

إنَّها جميعاً تهتف وتقول معاً بلسان الحق:

نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال

نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.

نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.

فنحن أُلوفُ العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.

نحن أُلوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.

فنحن لأهل السماوات مساجدُ سيارة ومساكنُ دوّارة وأوكار سامية عالية ومصابيحُ نوّارة وسفائنُ جبارة وطائراتٌ هائلة!

نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال وخوارق صنعة حكيم ذي جلال. ونوادر حكمة ودواهي خلقة وعوالم نور.

هكذا نبيّن مائة ألف برهانٍ وبرهان، بمائة ألف لسانٍ ولسان، ونُسمعها إلى مَن هو إنسان حقاً.

عَميَتْ عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع أقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق.    

سكّتُنا واحدة، طُرّتُنا واحدة، مسبّحاتٌ نحن عابداتٌ لربنا، مسخّراتٌ تحت أمره.

نذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقة ذكر درب التبانة.» (2)

والإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان. وكل مسلم يؤمن بأن لله تعالى مخلوقات لطيفة تُسمى الملائكة. وهم يسبّحون الله، ويؤدون كذلك الوظائف الأخرى التي كُلّفوا بها. وهذه الموجودات النورانية التي لا تعصي الله ليست خاضعة للابتلاء مثل البشر؛ ففطرتها صافية، وهي معصومة، ومقاماتها ثابتة.

إن الله تعالى الذي سخّر في جسم الإنسان، وهو مثال صغير لهذا العالم المادي، العقل والذاكرة والخيال وآلاف الأحاسيس كالحب والخوف والفضول وغيرها، لم يترك هذا الكون المهيب خاليًا، بل عمّره كذلك بالملائكة.

وبما أن الإنسان يعيش في جزء صغير جدًا ومحدود من هذا الكون العظيم، فإن كثيرًا من الأماكن في الأرض تبدو في الظاهر خالية. ولكن توجد في الأماكن التي لا يعيش فيها البشر مخلوقات أخرى روحانية، تُسمى الملائكة والجن والروحانيات. وقد لخّص الأستاذ ذلك في عبارة موجزة فقال:
« وهذه الجبال الخاوية، وتلك الصحارى المقفرة كلُّها عامرة ومأهولة بعباد اللّٰه المكرمين، بالملائكة الكرام.» (3)

ولأن الملائكة خُلقوا قبل البشر، فقد كُلّفنا بالإيمان بهم. وهم أيضًا كانوا موجودين عندما أخبر الله تعالى الملائكة بخلق الإنسان لأول مرة. وقد تناول القرآن الكريم هذا الموضوع في عدة آيات.

وقبول وجود الملائكة أصل من أصول الإيمان الستة. ولكننا نرى أن زيادة علمنا بوظائفهم وباستسلامهم لله تعالى تمنحنا أيضًا نظرة مختلفة من ناحية إيماننا بالله تعالى.

ومن أهم الأمراض التي تخدعنا أننا نفكر في الحياة وكأنها مقتصرة على حياة الإنسان فقط، ونقبلها على هذا الأساس. والحال أن هناك حتى على وجه الأرض طبقات كثيرة مختلفة من الحياة. فمثلًا، السمك يعيش في الماء، بينما لا يستطيع الإنسان أن يعيش في الماء. والدودة تعيش تحت التراب، بينما يعيش الإنسان فوق التراب، وهكذا.

إن ظروف حياة الملائكة والجن والروحانيين تختلف كثيرًا عن ظروف حياة الإنسان. فقد يستطيع روحاني أو جني أن يعيش بسهولة في مركز الشمس، بينما لا يستطيع الإنسان أن يعيش في حرارة تبلغ خمسين درجة. ولذلك لا ينبغي النظر إلى الكون والحوادث من خلال حياة الإنسان وحدها. فقد خلق الله الكون مسجدًا، وخلق الملائكة والروحانيين جماعة ذلك المسجد. والإنسان لا يشكّل في مسجد الكون هذا إلا صفًا واحدًا، أما الصفوف الباقية فقد ملأها الله تعالى بمخلوقاته الأخرى. والنجوم والمجرات التي تبدو لنا خالية وفارغة لها سكان يناسبونها، وطريقة حياتهم لا تعتمد، مثل حياة الإنسان، على الهواء والماء والأكل والشرب.

وقد جهّز الله تعالى الكون بالملائكة التي تمثل كل مخلوق فيه وتقوم بالوكالة عنه. فكل مَلَك ينوب عن المخلوق الذي وُكّل به، لا يكتفي بتمثيل عبادته وتسبيحه وتقديمهما إلى الله تعالى بالنيابة عنه، بل يتصرف في ذلك المخلوق كما يتصرف الإنسان في أعماله الاختيارية. أي إن المَلَك يصبح بمنزلة نوع من الروح لذلك المخلوق.

فمثلًا، إذا كان المَلَك الموكّل بشجرة بمنزلة روحها، فإن الشجرة تكون بالنسبة إلى ذلك الروح بمنزلة الجسد. وكما أن الروح يتصرف في جميع بدن الإنسان، فإن المَلَك يتصرف في تلك الشجرة. وتنشأ بين المَلَك والشجرة علاقة تشبه العلاقة بين الجسد والروح. وللمَلَك أيضًا نصيب كبير في تصوير الآية للكائنات غير الحية بأنها تسبّح بطريقة حية وواعية.

وفي الكون، من الذرات إلى المجرات، هناك مَلَك يمثّل كل موجود وكل مخلوق ويقوم بالوكالة عنه. وعبارة الأستاذ: «كل قطرة مطر لها مَلَك موكل بها » تشير أيضًا إلى هذا المعنى. فالله تعالى قد وكّل ملائكة ليس بالذرات فحسب، بل حتى بالجسيمات. وكما أن المَلَك الموكّل بالعرش يثير العقول بعظمته وهيبته، فإن الملائكة الموكّلين بالذرات يثيرون العقول كذلك. ومن هذه الجهة، فإن لله تعالى نُظّارًا يراقبون كل مخلوق من مخلوقاته ويتفقدونه، وهم كثيرون جدًا.

 

 

-------------------------

1 - الشعاعات الشعاع الثاني ص:16

2 -المكتوبات، المكتوب الرابع.

3 - اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون.

 

 

أسئلة إسلامية

المؤلف:
أسئلة إسلامية
قرئت 3 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة