ما المقصود بالنكتة السادسة من المكتوب التاسع والعشرين؟
ما المقصود بالنكتة السادسة من المكتوب التاسع والعشرين؟
الأخ / الأخت العزيز,
الواحدية، هي ختم حقيقة التوحيد على عموم الكون.
أما الأحدية، فهي حالة ظهور المعنى والختم نفسه الذي على عموم الكون والموجودات، في نموذج صغير وصورة مصغّرة منه، كما لو كُتبت سورة يس بحروف صغيرة في حرف واحد.
فكما أن الله تعالى أظهر وجوده ووحدانيته على أصغر مخلوق، فقد أظهرهما أيضًا على الكون كله. فعندما يُعبّر عن ختم التوحيد على أصغر مخلوق بالأحدية، يُعبّر عن ختم التوحيد على عموم الكون كله بالواحدية.
تتجلى أسماء الله تعالى وصفاته في الكون على صورتين:
الأولى: تجلياتها العظيمة والجليلة على عموم الكون.
والثانية: تجلياتها الصغيرة على جزء من الكون وعلى جزئياته.
فتُسمّى تجليات أسمائه وصفاته التي تتجلى في عموم الكون بالعظمة والكبرياء الواحدية.
أما تجلياتها في جزئه الذي هو بمثابة نموذج صغير منه، فتُسمّى الأحدية.
وعندما نقول في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أي: «إياك وحدك نعبد»، فإننا نعبّر بصيغة الجمع عن معنى الواحدية.
لكن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، أثناء شرحه، يتناول المسألة أيضًا بأسلوب الأحدية ضمن الواحدية.
فهو يعبّر عن جميع ذرات الجسد بأنها تؤدي الخطاب نفسه في صورة جماعة صغيرة.
ثم ينتقل إلى جميع أهل التوحيد على وجه الأرض، فيقولون الدعاء والخطاب نفسيهما.
وفي النهاية ينتقل إلى عموم الكون والموجودات، فيلفت النظر إلى أوسع دوائر التوحيد وأعظمها.
وهنا تأخذ الدوائر، بالنسبة إلى بعضها بعضًا، معنى الأحدية والواحدية.
فمثلًا، جماعة الذرات والخلايا في جسم الإنسان تعبّر عن الأحدية بالنسبة إلى أهل التوحيد على وجه الأرض. أما جماعة أهل التوحيد على وجه الأرض، فتأخذ معنى الواحدية. وبالنسبة إلى عموم الموجودات، تبقى جماعة أهل التوحيد على وجه الأرض في دائرة الأحدية، بينما يكون عموم الموجودات هو الواحدية.
وهنا ثلاث دوائر، إحداها: العبادات التي يؤديها جميع أهل التوحيد على وجه الأرض بلسان الحال ولسان المقال.
والدائرة الثانية: العبادات التي يؤديها عموم الكون والموجودات التي فيه بلسان الحال. فكل نوع من أنواع الموجودات في الكون يسبّح الله تعالى ويذكّره بلسانه الخاص به. والوظائف والمصالح الخاصة بكل نوع تُعدّ بمثابة عنوان للعبادات الحالية التي يؤديها ذلك النوع.
والدائرة الثالثة: العبادات الحالية التي تؤديها جميع الذرات التي تعمل في جسم الإنسان. وكذلك فإن آلاف الأحاسيس والمشاعر المركّبة في روح الإنسان تؤدي، وكأنها جماعة واحدة منسجمة، ما يشبه الصلاة.
إن جميع الذرات واللطائف التي تعمل في جسم الإنسان، وإن بدت في الظاهر ومن حيث الكيفية كأنها عالم صغير، فإنها في الحقيقة، من حيث الحقيقة والوظيفة والكمية، عالم كبير.
فكما يمكن أن تكون الكيفية موجودة في الكمية، يمكن أن تكون الكمية موجودة في الكيفية أيضًا. وماهية الإنسان صغيرة من حيث الكمية، لكنها كبيرة من حيث الكيفية؛ لأن ماهية الإنسان مثال مصغّر للكون، فهي من هذه الجهة أكبر. وكذلك فإنها من حيث البدن والمادة، أي من حيث الكمية، لا تتجاوز مقدار الذرة.
فالإنسان الذي يتذكر ربه دائمًا بهذا الوعي، ويفكر في أن جميع احتياجاته لا يقضيها إلا هو سبحانه، وأن جميع الخيرات بيده وحده، وأنه لا يستطيع أن يأمن من شر أعدائه إلا به، يقول: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (إياك وحدك نعبد، ومنك وحدك نطلب العون).
وهذا القول مخاطبة الحاضر؛ أي إن الإنسان بدلًا من أن يتحدث عن الله تعالى بصيغة الغائب، يخاطبه مباشرة. فمثلًا، يتجاوز مقام قول: «ما أرحم الله وما أكرمه!»، ويرتقي إلى مقام مخاطبته مباشرة بقوله: «ما أرحمك وما أكرمك!»
وهذه الحال ليست خاصة بالصلاة. فكما أن المؤمن عندما يقرأ سورة الفاتحة في الصلاة، يكون من بداية الفاتحة إلى قبل قوله «إِيَّاكَ نَعْبُدُ...» في مخاطبة الغائب، ثم ينتقل من ذلك إلى مخاطبة الحاضر، فإنه كذلك في أعماله اليومية وتفكّراته، يفكر في الحوادث ويقيّمها أولًا بصيغة الغائب، ثم يلجأ مباشرة إلى حكمة الله تعالى وقدرته، فينسب كل شيء إليه، ويرجوه منه، ويخاف منه وحده. فمثلًا، عندما يبدأ عملًا صالحًا يقول: «بسم الله» (باسم الله)، وهذه مخاطبة الغائب. ثم يدخل مباشرة في مخاطبة الحاضر عندما يلجأ إلى الله تعالى قائلًا: «يا رب، لا تجعلني أخجل، ووفّقني بفضلك!»
أسئلة إسلامية
