الرسالة الثانية عشرة
الرسالة القيمة
نُقْطَةٌ
من نور معرفة اللّٰه جل جلاله ([1])
409
_____________________
إيضاح
إذا ما دخلتُ بستاناً فلا أجني إلاّ الأجوَدَ من الثمرات، حتى إذا ما تعبتُ في قطفها أجد المتعة واللذة. ولو وقع نظري على الفاسدة منها، أصرفه عنها، آخذاً بالقاعدة: «خذ ما صفا دع ما كدر»... هكذا أنا، فأرجو أن يكون قرّائي أيضاً مثلي.
يقال: إنَّ كلامَك لا يُفهم بوضوح.
- نعم ! ما حيلتي.. هكذا ترد السانحاتُ إلى القلب.. فبينما أجدني كأنني أتكلم فوق منارة عالية، إذا بي -في أحيان أخرى- أُنادي من قعر بئر عميقة.
فيا قارئي العزيز! أرجو أن تلاحظ في هذه الرسالة:
أنَّ المتكلم: هو قلبي العاجز.
أما المخاطَب: فهو نفسي العاصية.
بينما المستمع: هو ذلك الياباني([2]) الذي يتحرى الحقيقة.
وسنشير في هذه الرسالة إلى ما نقصده بالذات، وهو التوحيد، في أربعة براهين عظيمة من بين براهينه التي لا تُحصر.
آمنت باللّٰه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى، والبعث بعد الموت حق، أشهد أن لا إله إلاّ اللّٰه، وأشهد أن محمداً رسول اللّٰه.
سعيد النورسي
410
_____________________
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين .
إن مقصودَنا ومطلوبنا هو:﴿اللّٰه لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾( البقرة:255) فمن بين براهينه الكلّية التي لا تُعدّ نورد هنا أربعة منها:
البرهان الأول: هو محمد r. (وقد بسطنا هذا البرهان في رسالة «شعاعات»).([3])
البرهان الثاني: هذا الكون وهذا الإنسان الأكبر، ذلك الكتاب الكبير المنظور.
البرهان الثالث: هو القرآن الكريم.. ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه وهو الكلام المقدس.
البرهان الرابع: الوجدان الحي، أو الفطرة الشاعرة، الذي يمثّل البرزخَ ونقطةَ اتصال عالمَي الغيب والشهادة. فالفطرةُ الشاعرة أو الوجدان نافذةٌ إلى العقل يُنشر منها شعاعُ التوحيد.
البرهان الأول: وهو حقيقة محمد r
تلك المجهَّزة بالرسالة والإسلام، فمن حيث الرسالة تتضمن شهادةَ أعظمِ إجماعٍ وأوسعِ تواترٍ لجميع الأنبياء عليهم السلام. ومن حيث الإسلام تحمل روحَ الأديان السماوية كلها وتصديقَها المستند إلى الوحي.
فالرسول الكريم r يبين للبشرية جمعاء وجودَ اللّٰه ووحدانيته في جميع أقواله الصادقة المصدّقة بمعجزاته الباهرة، وبشهادة الأنبياء عليهم السلام وتصديق الأديان كلها. فهو r يُظهر ذلك النورَ باسم المصطفين الأخيار من البشرية الذين اتحدوا في هذه الدعوة.
تُرى هل يمكن أن يتسلل الباطلُ إلى مثل هذه الحقيقة الباهرة التي تنال هذا القدر من التصديق، وتبصرها العيونُ النافذة في الحقائق، فتراها واضحة جلية خالصة لا شائبة فيها؟.. كلا.. ثم كلا.
411
_____________________
البرهان الثاني: وهو كتاب الكون
نعم ! إن حروفَ هذا الكتاب ونقاطه فرداً فرداً أو مجموعة، يتلو كلٌّ بلسانه الخاص: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾( الإسراء:44). ويبيّن وجودَ الخالق العظيم ووحدانيته.. فكلُّ ذرة في الكون تشهد شهادة صادقة على وجوب وجود الخالق الحكيم جلّ جلالُه. فبينما تراها تتردّد بين إمكانات واحتمالات غير متناهية، في صفاتها وذاتها وأحوالها ووجودها، إذا بها تنتعش وتسلك طريقاً معيناً، وتتصف بصفة معينة، وتتكيف بحالة منتظمة، وتسير وفق قانون مسدَّد، وتتوجه إلى قصد معين.. فتنتج حِكَماً ومصالحَ تُبهر الألباب.. فتزيد سطوعَ الإيمان باللّٰه في اللطيفة الربانية الممثِّلة لنموذج عوالم الغيب في الإنسان. أفلا تنادي الذرةُ بلسانها الخاص وتصرّح بقصد صانعها الجليل، وبحكمته البالغة؟. فكلُّ ذرة من الذرات كما أنها تدل على الخالق الحكيم بوجودها المنفرد وبصفاتها الخاصة وبكيفياتها المعينة: فإن هذه الدلالة تتزايد، باعتبار كون الذرة جزءاً من مركبات متداخلة متصاعدة، ومن حيث الإمكانات والاحتمالات التي تسلكها، إذ لها في كل مركّب مقامٌ، وفي كل مقام نسبةٌ معينة وارتباط معين، وفي كل نسبة لها وظيفةٌ خاصة، وفي كل موقع تحافِظ على التوازن العام، وفي كل وظيفة تثمر مصالحَ شتى وحِكماً عديدة. في كل مرتبة إذن تتلو الذرةُ بلسانها الخاص دلائلَ وجوب وجود صانعها الجليل وتُظهر قصدَ خالقها الحكيم، وكأنها ترتّل الآيات الكريمة الدالة على الوحدانية. مَثلُها في هذا كمثل الجندي الذي له وظيفة معينة وارتباط خاص مع كلٍّ من فصيله وفرقته والجيش كله.. ألاَ تكون إذن البراهينُ الدالة على اللّٰه سبحانه وتعالى أكثر بكثير من عدد ذرات الكون، فما يُقال من أن: «الطرق إلى اللّٰه بعدد أنفاس الخلائق» إنما هي حقيقة صادقةٌ لا مبالغة فيها قط، بل قد تكون قاصرة.
سؤال: لماذا لا يَرى الجميعُ بعقولهم الخالقَ العظيم ؟
الجواب: لكمال ظهوره جلَّ وعلا، ولعدم الضد.
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ
فهذا الكتاب الكوني العظيم يتجلى فيه النظامُ بوضوح تام بحيث يظهر النّظام كالشمس في رابعة النهار، فتظهر معجزةُ القدرة في كل كلمة أو حرف فيه.
412
_____________________
فتأليفُ هذا الكتاب البديع فيه من الإعجاز الباهر بحيث لو فرضنا -فرضاً محالاً- أن كلَّ سبب من الأسباب الطبيعية فاعلٌ مختار، لسجدَت تلك الأسبابُ جميعاً -بكمال العجز- أمام ذلك الإعجاز، قائلة: «سبحانك... لا قدرة لنا... إنك أنت العزيز الحكيم». فإنك ترى أن في هذا الكتاب من النَّظم الدقيق المتشابك المتساند بحيث يلزم لإيجاد نقطة في مكانها الصحيح قدرةٌ مطلقة تستطيع إيجاد الكون كلِّه، وذلك لأن كل حرف من حروفه -ولاسيما ما كان ذا حياة- له وجهٌ ناظر إلى كل جملة من جُمل الكتاب، وله عينٌ شاخصة إليها، بل إن كل كلمة فيه لها ارتباط وثيق مع كلمات الكتاب كلها.. فالذي خلق عينَ البعوضة إذن هو خالقُ الشمس أيضاً، والذي نظّم معدة البرغوث هو الذي ينظّم المنظومة الشمسية. فإن شئت راجع كتاب «السانحات» لترى حقيقة الآية الكريمة: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان:28). ولتشهد كيف يقطُر شهدُ الشهادة الصادقة من لسان معجزة القدرة، النحل، الذي يمثّل كلمةً صغيرة من هذا الكتاب. أو إن شئت فتأمل في نقطةٍ من هذا الكتاب، في حيوان مجهري لا يُرى بالعين المجردة، لتشهد كيف أنه يمثل نموذجاً مصغراً للكائنات. فالذي كتَبَه على هذه الصورة المعجزة كتب الكائنات. فلو أمعنت النظر فيه لرأيته يضم من المكائن الدقيقة والأجهزة البديعة ما يثبت لك يقيناً؛ أنه لا يمكن أن يفوَّض أمرُه إلى الأسباب الجامدة البسيطة الطبيعية التي لا تميز بين الإمكانات، إلاّ إذا توهمتَ أن في كل ذرة شعورَ الحكماء وحكمةَ الأطباء ودهاءَ الساسة والحكام، وأنها تتحاور فيما بينها دون وساطة !!. وما هذا إلاّ خرافة يخجل منها الخرافيون. فلا يمكن أن تكون تلك الماكنة الحية الصغيرة إذن إلاّ معجزة قدرة إلهية. ألاَ ترى أن العقول تنبهر أمامها؟ فهي إذن ليست من صنع الأسباب الطبيعية، بل من إبداع مَن يقدر على إيجاد الكائنات كلها وينظم شؤونها، إذ هو محال أن يجتمع أُس أساس تلك الأسباب المادية وهو: القوة الجاذبة والقوة الدافعة معاً في جزء لا يتجزأ للقيام بتلك الصنعة الحكيمة.
نعم! إن ما يظنونه أساساً لكل شيء من جذب ودفع وحركة وقوة وأمثالها، إنما هو ناموسٌ إلهي يمثل قوانين عادات اللّٰه، واسم لها.
413
_____________________
فهذه القوانين مقبولةٌ بشرط ألاّ تنتقل من كونها قاعدةً إلى طبيعة فاعلة، ومن شيء ذهني إلى حقيقة خارجية، ومن أمرٍ اعتباري إلى حقيقة مشهودة، ومن آلةِ قياس إلى مؤثر حقيقي.
سؤال: مع أن هذه الشهادة قاطعة، فكيف إذن يعتقد البعضُ بأزلية المادة، وتشكُّل الأنواع من حركات الذرات (أي بالمصادفة) وأمثالها من الأمور ؟
الجواب: لمجرد إقناع النفس بشيء آخر (غير الإيمان باللّه)، ولأنهم لا يدركون فساد الفكرة بالنظر السطحي التقليدي، ينشأ لديهم هذا الاحتمالُ. ولكن إذا قصَد الإنسانُ وتوجّه بالذات إلى إقناع نفسه، فلابد أنه سيقف على محالية الفكرة وبُعدها عن المنطق والعقل. ولو اعتقد بها فلا يعتقد إلاّ بسبب التغافل عن الخالق سبحانه. فما أعجبَ الضلالَ!... إنَّ مَن يضيق عقلُه عن أزلية اللّٰه سبحانه وإيجاده الأشياء كلها -وهي صفة لازمة ضرورية للذات الجليلة- كيف يعطي تلك الأزلية والإيجاد إلى ذرات غير متناهية وإلى أشياء عاجزة ؟. فلقد اشتهرت حادثة: أنه بينما كان الناس يراقبون هلال العيد، ولم يره أحدٌ، إذا بشيخ هرم يحلف أنه قد رأى الهلال، ثم تبين أن ما رآه لم يكن هلالاً بل شعرة بيضاء مقوسة قد تدلت من حاجبه! فأين تلك الشعرة من الهلال ؟ وأين حركات الذرات من تشكيل الأنواع؟.
إنَّ الإنسان لكونه مكرّماً فطرةً يبحث عن الحق دوماً، وأثناء بحثه يعثر على الباطل أحياناً فيخفيه في صدره ويحفظه. وقد يقع الضلالُ -بلا اختيار منه- على رأسه أثناء تنقيبه عن الحقيقة، فيظنه حقاً، فيلبسه كالقلنسوة على رأسه.!
سؤال: ما هذه «الطبيعة» و«القوانين» و «القوى» التي يسلّون بها أنفسهم؟
الجواب: إنَّ الطبيعة هي شريعة إلهية كبرى أوقعت نظاماً دقيقاً بين أفعالِ وعناصرِ وأعضاءِ جسد الخليقة المسمى بعالم الشهادة. هذه الشريعة الفطرية هي التي تسمى بـ«سنة اللّٰه» و «الطبيعة» وهي محصلةُ وخلاصةُ مجموعِ القوانين الاعتبارية الجارية في الكون.
أما ما يسمونه بـ«القوى» فكل منها هو حُكمٌ من أحكام هذه الشريعة.
و«القوانين» كل منها عبارة عن مسألة من مسائلها.
ولكن لاستمرار أحكام هذه الشريعة واطّراد مسائلها توهَّم الخيالُ فجسّمها في «الطبيعة» واعتبرها موجوداً خارجياً مؤثّراً وحقيقةً واقعية فاعلة، بينما هي أمر اعتباري ذهني.
414
_____________________
فترى النفوسُ التي ترى الخيالَ حقيقةً والأمرَ الاعتباري الذهني أمراً خارجياً ألبَست هذه الطبيعة طورَ المؤثر الحقيقي. والحال لا يقنع القلبُ بأي مبرر، ولا يعجب الفكر بأي مسوغ، بل لا تأنس الحقيقة بكون هذه الطبيعة الجاهلة مصدراً للأشياء. فما ساقهم إلى هذه الفكرة غير المعقولة إلاّ توهمُهم إنكار الخالق الجليل، وذلك لعجزهم عن إدراك آثار قدرته المعجزة المحيرة للعقول.
فالطبيعة؛ مطبعةٌ مثالية وليست طابعة، نقشٌ لا نقاشة، قابلة للانفعال لا فاعلة، مِسطر لا مصدر، نِظام لا نَظّام، قانون لا قدرة، شريعة إرادية لا حقيقة خارجية.
فلو قدِم شخص في ريعان الشباب إلى هذا العالم البديع مباشرة، ودخل قصراً فخماً مزيناً بأروع الآثار، وافترض لنفسه أن ليس هناك من أحد خارج البناء قد قام بتشييده وتزيينه، وبدأ يتحرى السبب الفاعل في أرجاء القصر، ووقع بصرُه على كتاب جامع لأنظمة القصر وخارطته، فإنه يتصور -من جهله- أن هذا الكتاب هو الفاعل، لما ينعكس في شعوره من البحث عن علّة حقيقية، فيضطر إلى هذه العلة بسبب افتراضه الموهوم مقدماً!. وهكذا البعض يسلّي نفسه بالطبيعة بسبب تغافله عن الخالق الجليل، فيضطر إلى خداع نفسه بنفسه، ويتيه في مثل هذه الأمور الخارجة عن منطق العقل.
والشريعة الإلهية اثنتان:
إحداهما: الشريعة الآتية من صفة الكلام التي تنظّم أفعال العباد الاختياريةَ.
والثانية: الشريعة الآتية من صفة الإرادة التي تسمى بالأوامر التكوينية والشريعة الفطرية وهي محصلة قوانين عادات اللّٰه الجارية في الكون.
فكما أن الشريعة الأولى عبارة عن قوانين معقولة، فإن الشريعة الثانية أيضاً عبارة عن مجموع القوانين الاعتبارية، والتي تسمى -خطأً- بالطبيعة فهذه القوانين لا تملك التأثير الحقيقي ولا الإيجاد اللذين هما من خواص القدرة الإلهية.
ولقد شرحنا -أثناء بياننا التوحيد- أن كل شيء مرتبط بالأشياء جميعاً، فلا شيء يحدث من دون الأشياء جميعاً. فالذي يخلق شيئاً قد خلق جميع الأشياء، لذا فليس الخالق لشيء إلاّ الواحد الأحد الصمد. بينما الأسباب الطبيعية التي يسوقها أهل الضلالة هي متعددة،
415
_____________________
فضلا عن أنها جاهلة لا يعرف بعضها بعضاً. علاوة على أنها عمياء، وليس بين يديها إلاّ المصادفة العمياء.. فـ ﴿قُلِ اللّٰه ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾(الأنعام:91).
الخلاصة: أنَّ الإعجاز الباهر الظاهر في النظام والتناسق والاطراد المشاهَد في كتاب الكون الكبير -وهو برهاننا الثاني على التوحيد- يظهر بوضوح تام كالشمس الساطعة أنّ الكون وما فيه ليس إلاّ آثار قدرة مطلقة وعلم لا يتناهى وإرادة أزلية.
سؤال: بمَ يثبت النظام والانتظام والتناسق ؟.
الجواب: إنَّ العلوم الكونية التي توصل إليها الإنسانُ، هي كالحواس لنوع الإنسان وكالجواسيس تكشف له عن مجاهيلَ لا يصلها بنفسه. فبالإستقراء التام يمكنه أن يتوصل إلى كشف ذلك النظام بتلك الحواس والجواسيس. فكل نوع من أنواع الكائنات قد خصّ بعلم أو في طريقه إلى ذلك، لذا يُظهر كلُّ علمٍ ما في نوعه من انتظام ونظام بكليّة قواعده، لأنَّ كل علم في الحقيقة عبارة عن دساتير وقواعد كلية. وكليةُ القواعد تدل على حسن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكليةُ. فالإنسان مع أنه قد لا يحيط بنفسه بالنظام كلّه إلاّ أنه يدركه بجواسيس العلوم، فيرى أن الإنسان الأكبر -وهو العالَم- منظّمٌ كالإنسان الأصغر سواءً بسواء. فما من شيء إلاّ ومبنيّ على أُسس حكيمة، فلا عبث، ولا شيء سدىً. فبرهانُنا هذا ليس قاصراً -كما ترى- على أركان الكائنات وأعضائها، بل يشمل الخلايا وجميع الكائنات الحية، بل يشمل الذرات جميعاً، فكلها لسانٌ ذاكر يلهج بالتوحيد، والجميع يذكرون معاً: «لا إله إلاّ اللّٰه» .
البرهان الثالث: هو القرآن الحكيم
إذا ما ألصقتَ أذنك إلى صدر هذا البرهان الناطق ستسمع حتماً أنه يردد: «لا إله إلاّ هو». فبرهانُنا هذا يمثل شجرة عظيمة متشعبة الأغصان والفروع، تتدلى منها ثمرات الحق والحقيقة من كل جانب بغزارة ووفرة وحيوية، بحيث لا تدع لأحد أن يداخله ريبٌ من أن بذرتها الأصيلة -وهي التوحيد- قوية، حقة، حية؛ إذ لا يخفى أن البذرة الفاسدة لا تؤتي شجرتها الثمار الغضة كل حين.
أما غصن هذه الشجرة الوارفة الممتد إلى عالم الشهادة. فهو يحمل أثمار الأحكام الصائبة الحقة، مثلما أن الغصن العظيم الممتد إلى عالم الغيب غنيٌّ بالثمرات اليانعة الحقة للتوحيد والإيمان بالغيب.
416
_____________________
فإذا ما شُوهد هذا البرهان العظيم من جميع جوانبه لَعُلِم يقيناً أنَّ الذي يعلنه واثق كل الثقة، من نتيجته -وهي التوحيد- ومطمئن اطمئناناً لا يشوبه تردد قط، إذ يبني جميع الأمور على هذه النتيجة الرصينة، بل يجعلها حجر الزاوية لكل شيء في الوجود.. فمثل هذا الأساس الراسخ لا يمكن أن يكون تكلّفاً وتصنّعاً البتة، بل يجعل الإعجاز الباهر على هذا البرهان مستغنياً عن تصديق الآخرين له، فأنباؤه كلها صدق، ثابتة وحق وحقيقة بنفسها.
نعم، إن الجهات الست لهذا البرهان المنير شفافة رائقة، فعليه الإعجاز الظاهر، وتحته: المنطق والدليل، وفي يمينه: استنطاق العقل، وفي يساره: استشهاد الوجدان، أمامُه وهدفه: الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، نقطة استناده: الوحي المحض.. أ فيجرأ وهْمٌ أن يقتحم هذا الحصن الحصين ؟
وهناك أصول أربعة للعروج إلى عرش الكمالات وهو «معرفة اللّٰه» جلّ جلاله:
أولها: منهج الصوفية، المؤسَّس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي.
ثانيها: منهج علماء الكلام المبني على «الحدوث والإمكان» في إثبات واجب الوجود.
ومع أن هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن الكريم، إلاّ أن البشر قد أفرغهما في صور شتى، لذا أصبحا منهجين طويلين، وذوَيْ مشاكل، فلم يبقيا مصانين من الأوهام والشكوك.
ثالثها: مسلك الفلاسفة المشوب بالشكوك والشبهات والأوهام.
رابعها وأَولاها: طريق القرآن الكريم الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، وبجزالته الساطعة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق إلى اللّٰه، وأقربه إلى اللّٰه، وأشمله لبني الإنسان.
ولبلوغ عرش هذا الأصل هناك أربع وسائل: الإلهام، التعليم، التزكية، التدبر.
هذا وإن للقرآن الكريم في معرفة اللّٰه سبحانه، وإثبات وحدانيته طريقين:
الأول: دليل العناية والغاية.
إنَّ جميع الآيات الكريمة التي تُعُدّ منافعَ الأشياء، وتذكر حِكَمها، هي نسّاجة لهذا الدليل، ومظاهر لتجلي هذا البرهان.
417
_____________________
وزبدة هذا الدليل هي: إتقان الصنع في النظام الأكمل في الكائنات، وما فيها من رعاية المصالح والحِكم، إذ النظام المندمج في الكائنات، وما فيه من رعاية المصالح والحِكم، يدل على قصد الخالق الحكيم وحكمته المعجزة، وينفي نفياً قاطعاً وَهمَ المصادفة والاتفاق الأعمى. لأن الإتقان لا يكون دون اختيار. فكل علم من العلوم الكونية شاهدُ صدق على النظام، ويشير إلى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في أغصان الموجودات، ويلوّح في الوقت نفسه إلى الحِكم والفوائد المستترة في ثنايا انقلاب الأحوال وتغيّر الأطوار.
فإن شئت فانظر إلى علم الحيوان والنبات. فقد ثبت فيهما أن الأنواع التي يزيد عددها على مئتي ألف نوع، كلٌّ له أصل معيّن، وجدّ أكبر -مثلما الإنسان له أصل وهو آدم عليه السلام- وكل فرد من هذه الأنواع الوفيرة كأنه ماكنة بديعة عجيبة تبهر الأفهام. فلا يمكن أن تكون القوانين الموهومة الاعتبارية والأسباب الطبيعية العمياء الجاهلة، موجِدةً لهذه السلاسل العجيبة من الأفراد والأنواع. أي أن كل فرد، وكل نوع، يعلن بذاته أنه صادرٌ مباشرةً من يد القدرة الإلهية الحكيمة.
ويذكّرنا القرآن الكريم بهذا الدليل، في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾(الملك:3) بل يبيّنه على أفضل وأكمل وجه، إذ كما أنه يأمرنا بالتفكر في المخلوقات فإنه يقرّر في الأذهان هذا الدليل (دليل العناية) بتعداده الفوائد والنعم، ومن بعد ذلك الإحالة إلى العقل في خواتيم الآيات وفواصلها. فينبه العقلَ ويحرك الوجدان في أمثال هذه الآيات: ﴿.. أوَ لا يعلمون﴾ ﴿.. أفلا يعقلون﴾ ﴿.. أفلا تتذكرون﴾ ﴿.. فاعتبروا..﴾ .
الدليل القرآني الثاني: هو دليل الاختراع
وخلاصته: أنَّ اللّٰه تعالى أعطى لكل فرد ولكل نوع، وجوداً خاصاً، هو منشأُ آثاره المخصوصة، ومنبعُ كمالاته اللائقة، إذ لا نوعَ يتسلسل من الأزل. لأنه من الممكنات ولبطلان التسلسل. وأن الحقائق لا تنقلب بل ثابتة، والأنواع المتوسطة لا تدوم سلاسلُها، أما تحوُّل الأصنافِ فهو غير انقلاب الحقائق، إذ ما يسمّونه من تغيّر صوَرِ المادة ما هو إلاّ حادث، لأن حدوث بعضها مشهود، وبعضها الآخر يثبت بالضرورة العقلية. فالقوى والصور من حيث إنها عرضية لا تشكّل التباين الجوهري الموجود في الأنواع. فلا يكون العرَض جوهراً.
418
_____________________
ففصائل الأنواع إذن وميزات عموم الأعراض وخواصها قد أُبدع واختُرع من العدم البحت، أما التناسل في السلسلة فهو من الشرائط الاعتبارية الاعتيادية. فيا عجباً كيف تستوعب أذهانُ الضلالة أزليةَ المادة -وهي تنافي الأزلية قطعاً- بينما تعجز تلك الأذهان عن إدراك أزلية الخالق الجليل التي هي من ألزم صفاته الضرورية؟
ثم كيف وجدت الذراتُ المتناهية في الصغر قوةً وثباتاً بحيث تقاوم أوامر القدرة الإلهية، وتبقى أزلية، بينما الكون بعظمته منقاد إلى تلك الأوامر انقيادَ طاعة وخضوع؟ وكيف يُسنَد الإبداع والإيجاد -وهما من خواص القدرة الإلهية- إلى أعجز شيء وأهونِه وهو الأسباب؟.
فالقرآن الكريم يرسّخ هذا الدليل في آياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد، ويقرر: أن لا مؤثر إلاّ اللّٰه وحده. فالأسباب لا تأثير لها تأثيراً حقيقياً، وإنما هي ستائرُ أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يَرى العقلُ مباشرةَ يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر، إذ إن لكل شيء جهتين:
إحداهما: جهة المُلك: وهي كالوجه الملوَّن المطلي للمرآة، تردُه الأضدادُ، وتصبح حقيرة، عظيمة، قبيحة، شريرة.. إلخ. فالأسباب في هذا الوجه موجودة لأجل إظهار العظمة والعزة.
والجهة الثانية: جهة الملكوت: وهي كالوجه الشفاف للمرآة. هذه الجهة جميلة في كل شيء، إذ لا تأثير للأسباب فيها، فالوحدانية تقتضي هذا. وحيث إن كلاً من الحياة والروح والنور والوجود قد خرج من يد القدرة الإلهية دون وساطة فالوجهان شفافان جميلان، أي: جميل مُلكاً وملكوتاً.
البرهان الرابع: هو وجدان الإنسان المسمى بالفطرة الشاعرة.
لاحظ النكات الأربع التالية:
أولاها: أنَّ الفطرة لا تكذب، ففي البذرة ميَلان للنمو، إذا قال: سأنبت، سأثمر، فهو صادق. وفي البيضة ميلان للحياة، إذا قال: سأكون فرخاً، فيكون بإذن اللّٰه، وهو صادق.
419
_____________________
وإذا قال ميلانُ التجمد في غَرفة من ماء: سأحتل مكاناً أوسع، فلا يستطيع الحديد -رغم صلابته- أن يكذّبه، بل صدقُ قوله يفتت الحديد. فهذه الميول إنما هي تجليات الأوامر التكوينية الصادرة من الإرادة الإلهية.
النكتة الثانية: لا تقتصر حواسُّ الإنسان الظاهرة والباطنة على الحواس الخمس المعروفة: حاسة السمع والذوق والبصر.. إلخ، وإنما له نوافذ كثيرة مطلّة إلى عالم الغيب، فله حواس كثيرة غير معلومة. أمثال حاسة السَوق وحاسة الشوق التي لا تَكذب ولا تَزل.
النكتة الثالثة: لا يمكن أن يكون شيءٌ موهوم مبدءاً لحقيقة خارجية. فنقطة الاستناد والاستمداد حقيقتان ضروريتان مغروزتان في الفطرة والوجدان، حيث إن الإنسان مكرم وهو صفوة المخلوقات، فلولاهما لتردى الإنسان إلى أسفل سافلين، بينما الحكمة والنظام والكمال في الكائنات يردّ هذا الاحتمال.
النكتة الرابعة: أنَّ الوجدان لا ينسى الخالق مهما عطّل العقلُ نفسَه وأهمل عمله، بل حتى لو أنكر نفسه فالوجدان يبصر الخالق ويراه، ويتأمل فيه ويتوجه إليه. والحدس -الذي هو سرعة انتقال في الفهم- يحرّكه دائماً. وكذا الإلهام -الذي هو الحدس المضاعف- ينوّره دوماً. والعشق الإلهي يسوقه ويدفعه دوماً إلى معرفة اللّٰه تعالى، ذلك العشق المنبعث من تضاعف الشوق المتولد من تضاعف الرغبة الناشئة من تضاعف الميلان المغروز في الفطرة. فالانجذاب والجذبة المغروز في الفطرة ليس إلاّ من جاذب حقيقي.
وبعد ما تبين لك هذه النكات، أمعِن في الوجدان لترى كيف أنه برهان مودع في نفس كل إنسان يثبت التوحيد، ولتشاهد أيضاً أن قلب الإنسان مثلما ينشر الحياة إلى أرجاء الجسد؛ فالعقدة الحياتية فيه وهي معرفة اللّٰه، تنشر الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في مواهبه واستعداداته غير المحدودة، كلٌّ بما يلائمه، فتُقَطِّر فيها اللذة والنشوة وتزيدها قيمة وأهمية، بل تبسطها وتصقلها.. فهذه هي نقطة الاستمداد.
والمعرفة الإلهية نفسها هي نقطة استناد للإنسان أمام تقلبات الحياة ودوّاماتها، وأمام تزاحم المصائب والنكبات وتواليها عليه، إذ الإنسان إن لم يعتقد بالخالق الحكيم الذي كلُّ أمره نظام وحكمة، وأسند الأمور والحوادث إلى المصادفات العمياء،
420
_____________________
وركن إلى ما يملكه من قوة هزيلة لا تقاوم شيئاً من المصائب، فإنه سينهار حتماً من فزعه وخوفه من هول ما يحيط به من بلايا، وسيشعر بحالات أليمة تذكّره بعذاب جهنم. وهذا ما لا يتفق وكمالَ روح الإنسان المكرّم، إذ يستلزم سقوطه إلى هاوية الذل والمهانة، مما ينافي النظام المتقن القائم في الكون كله، أي إن هاتين النقطتين: نقطة الاستمداد والاستناد ضروريتان لروح الإنسان. فالخالق الكريم ينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين -نقطة الاستمداد ونقطة الاستناد- فمهما أطبق العقلُ جفنه ومهما أغمض عينه.. فعيون الوجدان مفتّحةٌ دائماً.
وهكذا فشهادة هذه البراهين الأربعة العظيمة القاطعة تدلنا على: أن الخالق الجليل كما أنه واجب الوجود، أزلي، واحد، أحد، فرد، صمد، عليم، قدير، مريد، سميع، بصير، متكلم، حي، قيوم، فهو متصف كذلك بجميع الأوصاف الجلالية والجمالية، لأن ما في المخلوقات من فيض الكمال إنما هو مقتبس من ظل تجلي كمال خالقه الجليل، فبالضرورة يوجد في الخالق سبحانه من الحُسن والجمال والكمال ما هو أعلى بدرجات غير متناهية وبمراتب مطلقة من عموم ما في الكائنات من الحُسن والكمال والجمال. ثم إن الخالق سبحانه منـزّه عن كل النقائص، لأن النقائص إنما تنشأ عن افتقار استعداد ماهيات الماديات وقابلياتها، وهو سبحانه وتعالى منـزّه عن الماديات مقدس متعال عن لوازمَ وأوصاف نشأت عن إمكان ماهيات الكائنات. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾(الشورى:11).
فسبحان مَن اختفى لشدة ظهوره..سبحان مَن استتر لعدم ضده.. سبحان مَن احتجب بالأسباب لعزته.
سؤال: ما ترى في «وحدة الوجود»؟
الجواب: إنه استغراق في التوحيد، وتوحيدٌ ذوقي لا ينحصر في نظر العقل والفكر؛ إذ إن شدة الاستغراق في التوحيد -بعد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية- يُفضي إلى وحدة القدرة، أي؛ لا مؤثر في الكون إلاّ اللّٰه. ثم يؤدي هذا إلى وحدة الإدارة، وهذا يسوق إلى «وحدة الشهود» ثم إلى «وحدة الوجود». ومن بعدها رؤية وجود واحد ثم إلى رؤية موجود واحد... فشطحات علماء الصوفية التي هي من قبيل المتشابهات لا تقام دليلاً على هذا المذهب. فالذي لم تتخلص روحُه من تأثير الأسباب، ولم تتجرد من دائرتها، إذا ما تكلّم عن وحدة الوجود يتجاوز حدَّه.
421
_____________________
والذين يتكلمون به إنما حصروا نظرهم في «واجب الوجود» حصراً؛ بحيث تجرّدوا عن الممكنات فأصبحوا لا يرون إلاّ وجوداً واحداً، بل موجوداً واحداً.. نعم، إن رؤية النتيجة ضمن الدليل، أي رؤية الصانع الجليل ضمن موجودات العالم شيء ذوقي ولا يمكن بلوغها إلاّ باستغراق ذوقي. فإدراك حقيقة جريان التجليات الإلهية في جداول الأكوان، وسريان الفيوضات الإلهية في ملكوتية الأشياء، ورؤية تجلي الأسماء والصفات في مرايا الموجودات.. أقول: إن إدراك هذه الحقائق أمرٌ ذوقي. إلاّ أن أصحاب مذهب وحدة الوجود لضيق الألفاظ عبّروا عن هذه الحقيقة بالألوهية السارية والحياة السارية في الموجودات، وحينما حصر أهلُ الفكر والعقل هذه الحقائق الذوقية في مقاييس فكرية وعقلية جعلوها مصدر كثير من الأوهام والأفكار الباطلة.
ثم إن ما لدى الفلاسفة الماديين، ومن وهنَت عقيدتُهم من المفكرين من مذهب «وحدة الوجود» وما لدى الأولياء منه بوناً شاسعاً وفروقاً كثيرة بل إنهما متضادان ونقيضان. فهناك خمسة فروق بينهما:
الفرق الأول: أن علماء الصوفية قد حصروا نظرهم في «واجب الوجود» واستغرقوا في التأمل فيه بكل قواهم حتى أنكروا وجودَ الكائنات ولم يعودوا يرون في الوجود إلاّ هو. أما الآخرون (الفلاسفة الماديون وضعفاء الإيمان) فقد صرفوا كلَّ تفكيرهم ونظرهم في المادة حتى ابتعدوا عن إدراك الألوهية بل أوْلَوا المادة أهميةً عظيمة حتى جعلتهم لا يرون من الوجود إلاّ المادة، بل تمادوا في الضلالة بحيث مزجوا الألوهية في المادة بل استغنَوا عنها لشدة حصرهم النظر في الكائنات.
الفرق الثاني: أنَّ ما لدى الصوفية من «وحدة الوجود» تتضمن «وحدة الشهود» في حين ما لدى الآخرين يتضمن «وحدة الموجود».
الفرق الثالث: أنَّ مسلك الأولياء مسلك ذوقي؛ بينما مسلك الآخرين مسلك عقلي.
الفرق الرابع: يحصر الأولياء نظرهم في الحق تعالى ثم ينظرون نظراً تبعياً ثانوياً إلى المخلوقات، بينما الآخرون يحصرون نظرهم أولاً وبالذات في المخلوقات.
422
_____________________
الفرق الخامس: أنَّ الأولياء عبّادُ اللّٰه ومحبّوه، بينما الفلاسفة يعبدون أنفسهم وهواهم، فأين الثرى من الثريا.. وأين الضياء الساطع، من الظلمة الدامسة.
تنوير:
لو افترض -مثلاً- أن الكرة الأرضية قد تشكلت من قطع زجاجية صغيرة جداً ومختلفة الألوان، فلا شك أن كل قطعة ستستفيض من نور الشمس حسب تركيبها وجرمها ولونها وشكلها.
فهذا الفيض الخيالي ليس الشمسَ بذاتها ولا ضياءها بعينه.
فلو نطقت ألوانُ الأزهار الزاهية المتجددة والتي هي تجليات ضياء الشمس وانعكاسات ألوانه السبعة، لقال كل لون منها: إنَّ الشمس مثلي. أو إن الشمس تخصّني أنا.
آنْ خَياَلاَتِى كِه دَامِ اَوْلِياسْت عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتاَنِ خُدَاسْت([4])
ولكن مشرب أهل وحدة الشهود هو: الصحو والتمييز والانتباه، بينما مشرب أهل وحدة الوجود هو: الفناء والسُكر. والمشرب الصافي هو مشرب الصحو والتمييز.
(تَفَكَّرُوا فِي آلاَءِ اللّٰه وَلاَ تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ فَإنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا ) ([5])
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ ذِي الْقِدَمِ
هُوَ الَّذِي أبْدَعَ اْلأشْياَ وَأنْشَأَهَا فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ مُسْتَحْدَثُ النَّسَمِ([6])
* * *
هذا ولم يُدرج هنا القسم الثاني -الذي يخص بقاء الروح- من رسالة «نقطة» حيث أوفته حقّ الإيفاء «الكلمة التاسعة والعشرون» و«الكلمة العاشرة – الحشر». فنحيل القارئ الكريم إليهما. أما القسم الثالث الذي هو عبارة عن أربعة عشر درساً فقد نُشر مستقلاً تحت عنوان «المدخل إلى النور».
سعيد النورسي
423
_____________________
-----------------------------
([1]) طبعت هذه الرسالة باللغة التركية لأول مرة بمطبعة «أوقاف» باستانبول سنة 1337هـ (1918م) على أبواب ثلاثة ولم يدرج الأستاذ المؤلف هنا إلاّ الباب الأول منها فترجمناه كاملاً.
([2])حضر القائد العام الياباني الجنرال Nogi Maresuke استانبول سنة 1907 م. أي أواخر حكم السلطان عبد الحميد الثاني، ووجّه جملة من الأسئلة حول العقيدة وعلامات الساعة إلى المشيخة الإسلامية، فوجّه العلماء بدورهم تلك الأسئلة مع أسئلة أخرى إلى الأستاذ النورسي، أورد قسماً من أجوبته التي تخص العقيدة في المقالة الثالثة في مؤلفه " المحاكمات"، وفصله في رسالة " نقطة من معرفة اللّٰه جل جلاله"، وخصّ "الشعاع الخامس" للأجوبة التي تخص أشراط الساعة والدجال.
([3]) «شعاعات من معرفة النبي r » رسالة صغيرة من مؤلفات سعيد القديم.
([4]) «إن الخيالات التي هي شِراكُ الأولياء إنما هي مرآة عاكسة تعكس الوجوه النيرة في حديقة اللّٰه» والبيت لجلال الدين الرومي في مثنويه ج1 / 3 .
([5])الطبراني، المعجم الأوسط 6456 ؛ اللالكائي، السنة 1 / 119 /1-2 ؛ البيهقي، شعب الإيمان 1 / 75 .
([6]) ينسب إلى الإمام علي كرّم اللّٰه وجهه، ديوان الإمام علي ص 185 - بيروت.
