[خدمة الإيمان فوق كل شيء]

إن طلاب رسائل النور الحقيقيين يرون خدمة الإيمان فوق كل شيء. بل حتى لو مُنحوا درجة القطبية يرجّحون عليها خدمة الإيمان حفاظا على الإخلاص.

نحن طلاب رسائل النور؛ وظيفتُنا الخدمة، خدمةُ الإيمان والقرآن، وعدم التدخل في أمور اللّٰه، وعدم بناء خدمتنا على تلك الأمور الذي يومئ إلى ما يشبه التجربة والاختبار. فضلا عن أننا نهتم بالنوعية دون الكمية.

 

137
_________________

 

لقد أدت أسباب رهيبة منذ سالف الزمن إلى تدهور الأخلاق واستحباب الدنيا على الآخرة وتفضيلِها عليها في كل شيء. فضمن هذه الأحوال المحيطة، فإن فتوحات الإيمان التي تكسبها رسائل النور حتى الآن، وكسرَها لصولة الزنادقة وهجوم الضلالة، وإنقاذَها إيمانَ مئات الألوف من الناس المنكوبين، وتربيتها مئات بل ألوفَ المؤمنين الحقيقيين الذين يعادل كلٌّ منهم مائة ألفٍ من غيرهم، أثبتت إثباتا قاطعا بحوادث واقعية - وستثبت بإذن الله في المستقبل- إخبار المخبر الصادق r وصدّقته تصديقا فعليا. وقد ترسخت في العروق إلى درجة لا يمكن لأي قوة كانت أن تجتثها بإذن الله من صدر الأناضول، حتى يأتي بإذنه تعالى في آخر الزمان أصحابُها الحقيقيون في الدائرة الواسعة للحياة، أي السيد المهدي وطلابه، فيوسّعون تلك الدائرةَ وتتسنبل البذورُ المزروعة، فنشاهد نحن ذلك المشهد من قبورنا ونشكر ربنا.

*        *        *

[ورطة المتدينين]

إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيق عليه مواردها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضاً، ومن التمسك بعادات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت.

فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجاباً دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جعلها أمراً ثانوياً أو ثالثياً بالنسبة له. لذا جوزي الإنسان على خطئه هذا بلطمة قوية شديدة حوّلت دنياه إلى جحيم لا تطاق. وهكذا يتورط المتدينون أيضاً في هذه المصيبة الرهيبة، ولا يشعر قسم منهم أنهم قد وقعوا في الورطة.

وأذكر مثالاً: رأيت عدداً من الأشخاص -من أهل التقوى- يرغبون في الدين ويحبون أن يقيموا أوامره كي يوفقوا في حياتهم الدنيوية ويفلحوا في أعمالهم. حتى إن منهم من يطلب الطريقة الصوفية لأجل ما فيها من كرامات وكشفيات، بمعنى أنه يجعل رغبته في الآخرة وثمارها تكئةً ومرتبة سُلّمٍ للوصول إلى أمور دنيوية،

 

138
_________________

 

ولا يَعلم هذا أن الحقائق الدينية التي هي أساس السعادة الدنيوية كما هي أساس السعادة الأخروية، لا تكون فوائدُها الدنيوية إلاّ مرجِّحة ومشوقة، فإذا ارتقت تلك الفائدة إلى مرتبة العلة لِعَمَلِ البر، فإنها تبطله، وفي الأقل يفسد إخلاصه، ويُذهب ثوابه. وقد ثبت بالتجربة أن أفضل منقذ من ظلم هذا العصر المريض الغادر المشؤوم ومن ظلماته الدامسة؛ هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة. يشهد على صدق هذا أربعون ألف شاهد.

بمعنى أن القريبين من دائرة رسائل النور إن لم يدخلوها، فهناك احتمال قوي لهلاكهم.

نعم، إن هذا العصر قد جعل حتى المسلمين يستحبّون الحياة الدنيا ويرجّحونها على الآخرة على علم منهم ورغبة فيهم، كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾(إبراهيم:3).

*        *        *

[مصير الأبرياء من الكفار في البلايا]

باسمه سبحانه

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

لقد مسّ مسّاً شديداً مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس... ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى أن هذه المصائب وأمثالها تنطوي على نوع من الرحمة والمجازاة -حتى على الكافر- بحيث يهوّن تلك المصيبةَ، فتظل هيّنة بسيطة بالنسبة إليهم. وأصبح هذا التنبيه مرهماً شافياً لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئاً عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.

نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى -التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صغاراً وإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، من أي دين كانوا. فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهوّن عليهم تلك المصيبة. أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فإن كانوا أبرياء مظلومين، فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم من جهنم،

 

139
_________________

 

لأن الدين -ولاسيما الإسلام- يُستر بستار اللامبالاة في آخر الزمان، وأن الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام سيحكم ويتكاتف مع الإسلام. فيمكن القول بلا شك: إن ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات "الفترة"، وما يقاسونه من الويلات تكون بحقهم نوعاً من الشهادة. ولاسيما الكهول وأهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.

وقد بلغني من الحقيقة أن تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب النابعة من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم، ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.

وبهذا وجدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذِّب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ الله شكراً لا نهاية له.

أما أولئك الظالمون الذين يسعّرون نار تلك الفتن والنكبات، أولئك السفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها إشباعاً لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.

ولكن إن كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يهرعون إلى نجدة المظلومين، ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا بد أن النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرة جداً بحيث تجعل تلك الويلات بحقهم مدار شرف واعتزاز لهم بل وتُحبّبها إليهم

*        *        *

[العمل لأسس الإسلام أولى]

إخوتي!

لقد أرسلت في هذه الأيام برفقة طلابي الأعزاء رسالتين تخصان "الرموز الثمانية" أرسلتهما إلى مكان ما، إلاّ أن الطريق انسدّ، فلم تُرسلا. فكررت مطالعتهما بدقة.

 

140
_________________

 

وساءلتُ فكري: تُرى لماذا أُسدل الستار أمام هذا المسلك الذي يتسم بالتوافقات والذوق والجمال والاهتمام واللطف-بحساب الجُمّل بالأبجدية والجفر- ووُجّهنا إلى سلوك طريق آخر واستُعملنا فيه؟ فأُخطر علـى قلبي فجأةً: إن الانشغال بذلك المسلك الذي يفتح مغاليق تلك الأسرار الغيبية يُلحق الضرر بالعمل لأسس الإسلام. فهذا العمل هو أهم من ذلك المسلك وأثمن منه وأقوم، وهو محور الحاجة العامة ويَسد الحاجة الماسة للجميع بالعمل لأسس الإسلام، وهو خدمةُ خزينةِ الحقائق الإيمانية والاستفادة منها. ولهذا وُجّهنا إلى سلوك هذا الطريق، لأن الانشغال بذلك المسلك يجعل المرء يَدَع أعظم المقاصد وأجلّها -وهي الحقائق الإيمانية- في درجة تالية.

*        *        *

[المقصد الأول هو الحقائق الإيمانية]

إخوتي الأعزاء الأوفياء!

لمناسبة تلقي أحد إخوتنا الصادقين المدققين في هذه الأيام صفعةَ تأديب طفيفة من جراء عدم أخذه بالحذر، ولمناسبة استفسار "فيضي" و"أمين" وأخذهما الحيرة من اتخاذي طور عدم الرغبة في تلقي أي خبر عن أحوال العالم وأخبار السياسة والحرب وعدم الاهتمام بها في غضون هذه الشهور الأربعة رغم علاقتي بها بقدر آلاف الأشخاص.. فأقول لهذه المناسبات، لزم أن أبحث ولو جزئيا عن حقيقة طالما بحثت عنها وبينتها كثيرا. وهى الآتية:

بينما ينبغي أن تكون الحقائق الإيمانية أول مقصد وأسبقه في هذا الزمان، وأنْ تبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي أن تكون خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور أجلّ وظيفة وموضع اهتمام ولهفة ومقصودة بالذات، إلاّ أن أحوال العالم الحاضرة ولاسيما الحياة الدنيوية ولاسيما الحياة الاجتماعية والحياة السياسية خاصة وأخبار الحرب العالمية بالأخص -التي هي تجل من تجليات غضب الله النازل عقاباً لضلالة المدنية الحاضرة وسفاهتها- والتي تستميل الناس إلى جانبها وتهيج الأعصاب والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكّنتْ فيه الرغباتِ الفاسدة المضرة بدلاً من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة. فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمور ومازال، ولقّحهم بأفكاره ومازال، بحيث جعل العلماء الذين هم خارج دائرة رسائل النور،

 

136
_________________

 

بل بعض الأولياء يُنـزلون حكمَ الحقائق الإيمانية إلى الدرجة الثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيُولُون حبهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم. حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.

فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، فإن خدمة رسائل النور والانشغالَ بها قد أسقطا من عيني التياراتِ السياسية الحاضرة، إلى درجة لم أهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.

ثم إن طلاب رسائل النور الخواص وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة لا ينبغي لهم أن يورثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين، ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم؛ فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النورَ والمهمة النورانية، وأعطاهم لعباً مُظلِمةً ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يَمُدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية. فمن الخطأ التنـزلُ إلى مشاهدة لعبهم المظلمة على حساب وظيفتنا. فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان لنا.

تحياتنا إلى الأخوة جميعا فردا فردا ونهنئهم بعيدهم السعيد.

الباقي هو الباقي
 سعيد النورسي

*        *        *

[الحاجة إلى رسائل النور]

إن مباشرة هؤلاء الشيوخ الطيبين الأميين بالكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر. وتفضيلَهم لها على أي شيء آخر لأجل خدمة رسائل النور، وكذا تلقّي أولئك الأطفال الأبرياء الدرس من رسائل النور، وما استنسخوه من رسائل...

إن سعي هؤلاء جميعا سعيا جادا في هذا الزمان لَيبين بوضوح أن رسائل النور فيها من الذوق المعنوي والنور الجاذب بحيث تعجز الوسائل المستعملة في المدارس لحث التلاميذ على القراءة والكتابة أمام هذا الذوق والانشراح والسرور الذي تمنحه رسائل النور، حتى تدفعُ أولئك الأطفال والشيوخ إلى هذا العمل الجاد.

 

142
_________________

 

وكذا تُبين هذه الحالة: أن رسائل النور تترسخ ولن يقتلعها أي شيء كان بفضله تعالى بل ستدوم إلى الأجيال المقبلة بإذنه تعالى.

إن سعي هؤلاء الشيوخ الأميين ضمن دائرة رسائل النور كهؤلاء التلاميذ الأطفال الأبرياء، وقسمٍ من الرعاة، وفي هذا الزمان بالذات وتحت هذه الظروف العصيبة، وتفضيلَهم ذلك السعي على أي شيء آخر يبين أن الحاجة إلى رسائل النور في هذا الزمان أكثر من الحاجة إلى الخبز، بحيث إن الفلاحين والرعاة يرون الحاجة الضرورية في حقائق رسائل النور أكثر من الحاجات الدنيوية الضرورية.

 

*        *        *

[ما تكسبه رسائل النور طلابها]

حقيقة كُتبت لإخواني في قسطموني بعثتها إليكم علّها تفيدكم:

إن الذي تطلبه رسائل النور ثمنا لما تُكسبه طلابَها الصادقين الثابتين من مغانم ومكاسب عظيمة جدا ومن نتائج عظيمة جليلة هو؛ الوفاء الخالص الكامل والثبات الدائم الذي لا يتزعزع.

نعم، إن الإيمان التحقيقي الذي يمكن أن يُكسَب خلال خمس عشرة سنة تُكسبه رسائلُ النور في خمسة عشر أسبوعا وإلى بعضهم في خمسة عشر يوما. يَشهد على هذا عشرون ألفا من الشهود بتجاربهم في غضون عشرين سنة. وكذا تُكسب رسائلُ النور كلَّ طالب من طلابها ثوابَ ألوف الدعوات الخالصة المقبولة التي تلهج بها ألسِنةُ الطلاب كل يوم، وكذا الأعمال الصالحة التي أنجزها ألوفٌ من أهل الصلاح والتقوى، وذلك حسب دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.

والدليل على أنها تجعل كل طالب حقيقي صادق ثابت من حيث العمل في حكم ألوف الأشخاص ما ورد من الإخبارات الثلاثة ذات الكرامة عن الإمام علي رضي الله عنه وكراماته الغيبية وكذا بشارات الشيخ الكيلاني (قُدس سره) وتقديره للعاملين،

 

143
_________________

 

وإشارات القرآن المبين من أن أولئك الطلاب الخالصين يكونون من أهل السعادة ومن أهل الجنة. فتلك الإشارات والبشارات دليل وأيّ دليل. نعم، إن كسبا كهذا يستحق ذلك الثمن بلا شك.

وما دامت الحقيقة هي هذه، فينبغي للقريبين من دائرة رسائل النور من أرباب العلم وأهل الطريقة وأصحاب المشارب الصوفية الانضمام إلى تيار النور، ليمدّوه بما لديهم من رأسمال سابق، والسعيُ لتوسيع دائرته وحث طلابه وبث الشوق في نفوسهم، وإذابة الأنانية وإلقائها كقطعة ثلج في حوض الماء السلسبيل للجماعة ليغنم ذلك الحوض الكوثري كاملا. وإلاّ فمن يفتح نهجا جديدا ويسلك طريقا آخر، يضرّ هذه الجادة القرآنية المستقيمة القويمة من دون أن يشعر، ويتضرر هو بنفسه أيضا، بل قد يكون عملُه نوعا من العون للزندقة دون شعور منه.

حذار.. حذار.. أيها الإخوة من أن تقذفكم التيارات الدنيوية ولاسيما السياسية منها ولاسيما التيارات التي تلفت الأنظار نحو الخارج، إلى التفرقة، إذ تجعلكم بعد ذلك عاجزين ضعفاء أمام الفرق الضالة المتحدة... فحذار أن يجري فيكم حُكم ذلك الدستور الشيطاني والعياذ باللٰه: "الحب في السياسة والبغض في السياسة" بدلا من الدستور الرحماني (الحب في الله والبغض في الله )([1]) إذ عندها تعادون أخا لكم هو في الحقيقة كالملاك وتولون الحب لرفيق في السياسة وهو كالخناس، وتبدون الرضا لظلمه، وتشاركونه في جنايته ضمنا. فحذار حذار من هذا!

نعم، إن السياسة الحاضرة تفسد القلوب، وتدع الأرواح الحساسة في عذاب. فالذي يروم سلامة القلب وراحة الروح عليه أن يترك السياسة.

نعم، إن كل إنسان في الوقت الحاضر، على الكرة الأرضية قاطبة، له نصيبه من المصائب الجارية إما قلبا أو روحا أو عقلا أو بدنا، ويعاني من العذاب والرهق ما يعاني، ولاسيما أهل الضلالة والغافلين، حيث إنهم غافلون عن الرحمة الإلهية الشاملة والحكمة السبحانية الكاملة.

 

144
_________________

 

فمن حيث إنسانيتُهم وعلاقتهم بالبشرية يتعذبون بالآلام الرهيبة المفجعة التي تعانيها البشرية في الوقت الحاضر، فضلا عن آلامهم أنفسهم، ذلك لأنهم قد تركوا وظائفهم الحقيقية وأمورهم الضرورية وأعاروا سمعهم بلهفة إلى مالا يعنيهم من صراعات سياسية وشؤون آفاقية، وحوادث خارجة عن طوقهم، ويتدخلون فيها حتى جعلوا أرواحهم حائرة وعقولهم ثرثارة، وسلبوا من أنفسهم الإشفاق والرثاء عليهم، حسب قاعدة "الراضي بالضرر لا يُنظر له" أي من يرضى لنفسه بالضرر لا يستحق النظر إليه برحمة. فلا يُرثى لهم ولا يُشفق عليهم، فهم الذين قد سببوا نزول البلاء بهم.

إنني أخال أنه في خضم هذه الأهوال والحرائق التي نشبت في الكرة الأرضية لا يَقدر على الحفاظ على سلامة قلبه وراحة روحه إلاّ أهل الإيمان وأهل التوكل والرضى الحقيقي، ومنهم أولئك الذين انضموا إلى دائرة رسائل النور بوفاء تام. فهم مصانون من تلك الأهوال أكثرَ من غيرهم. وذلك لأنهم يرون أثر الرحمة الإلهية وزبدَتها ووجهَها في كل حادثة وفي كل شيء، لمشاهدتهم الأمور بمنظار نور دروس الإيمان التحقيقي الذي تلقوه من رسائل النور. فهم يشاهدون في كل شيء كمال الحكمة الإلهية، وجمال عدالتها، لذا يجابهون المصائب -التي هي من إجراءات الربوبية الإلهية بالبشر- بالتسليم التام لأمر الله فيبدون الرضى به، ولا يقدّمون شفقتهم على الرحمة الإلهية كي يقاسوا العذاب والألم.

وهكذا بناء على هذا، فالذين يريدون تذوق السعادة واللذة حتى في الحياة الدنيوية -فضلا عن الحياة الأخروية- يمكنهم أن يجدوها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية.

تنبيهان نابعان من خاطرتين وردتا في هذه الأيام:

الأول: لقد فكرت في السيدات اللائي انتسبن إلى رسائل النور في هذه المدينة، إنهن ثابتات لا يهزّهن شيء كغيرهن من السيدات. وإذا بهذا الحديث "عليكم بدين العجائز"([2]) أُخطر على قلبي: أي عليكم باتباع الدين الخالص والعقيدة الراسخة التي لدى العجائز في آخر الزمان.

 

145
_________________

 

نعم، إن العجائز من السيدات ضعيفاتٌ وذوات حسّ مرهف وعطف وحنان، لذا فهن أكثر حاجة من غيرهن إلى ما في الدين من سلوان ونور يفيض بالشفقة وإلى التفاتة رحمانية تتقطر بالرحمة، وإلى نقطة استناد ونقطة استمداد، الموجودة كلها في الدين. فالثبات الكامل من مقتضى فطرتهن. لذا فإن رسائل النور التي تفي بتلك الحاجة إيفاءً تاما في الوقت الحاضر، تجد الانشراح في أرواحهن وتستقر في قلوبهن أكثر من أي شيء آخر.

التنبيه الثاني: لقد جاءني أشخاص مختلفون عديدون في هذه الأيام، حسِبتُهم قد أتوني لأمور الآخرة. ولكن فهمت أنهم قد أتوني للاستشارة والدعاء لهم بالتوفيق في أمور التجارة، أو يراجعوننى لرفع الكساد وعدم التوفيق في أعمالهم ولينجوا من الخسارة والأضرار.

ففكرت، ماذا أعمل مع هؤلاء وماذا أقول لهم؟ فخطر على القلب فجأة: لا تكن أبلَهَ، ولا تتكلم ببلاهة، فتَدَعهم في بلاهتهم. لأن الذي أُلقيتْ عليه مهمةُ تحضيرِ مضاداتٍ لسموم الثعابين وهو منهمك بدفعها عن الناس، لو تَرك مهمته وسعى لمعاونة مَن هو بين الثعابين ومعرّض لهجمات الذباب -مع وجود معاونين له كثيرين- إنما هو أبله بلا شك. والذي يستنجد به أبله أيضا. وتلك المحاورة أيضا محاورة بلهاء.

نعم، إن الأضرار الطفيفة الموقتة للحياة الدنيوية الفانية القصيرة بالنسبة للحياة الأخروية الخالدة إنما هي كلسع الذباب. بينما أضرار الحياة الأخروية هي كلدغ الثعابين.

*        *        *

146
_________________

 

-------------------------------

([1]) انظر: أبو داود، السنن 2؛ أحمد بن حنبل، المسند 5/146؛ البزار، المسند 9/461؛ وانظر: الطيالسي، المسند 101؛ ابن أبي شيبة، المصنف 6/170،172، 7/80.

([2]) الغزالي، إحياء علوم الدين 3/78؛ السخاوي، المقاصد الحسنة 290؛ السيوطي، الدرر المنثترة 14؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة 14؛ العجلوني، كشف الخفاء 2/92.

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet