نماذج من رسائل من سجن دنيزلي

فوائد دخولنا السجن

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت، ليلة القدر، مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما أملك، وأودعكم أمانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.

 

 

394
__________________________

 

ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمون «من آمَنَ بالقَدرِ أمِنَ مِنَ الكَدَرِ» كافٍ ويغني، إلاّ أنني أقول: لقد شاهدت شهود يقين السلوانَ الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾(الطور:48) وذلك:

بينما كنت أتأمل في قضائنا شهر رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فأشهدها شهود عيان أنها محض العناية الإلهية لي ولرسائل النور ولكم ولشهر رمضاننا ولإخوتنا.

وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة أذكر بضع فوائد منها فقط:

أولاها: أنها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلباً على المرض.

ثانيتها: أن الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم والقرب منكم في هذه السنة أيضاً، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها إزاء لقاء واحد منكم والمجيء إلى "إسبارطة".

ثالثتها: أن جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في "قسطموني" أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهَد أن يد عناية ربانية وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بـ: "الخيرُ فيما اختاره اللّٰه" وتستقرئ رسائل النور -التي أفكر فيها دوماً- حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.

إنه إزاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيراً، فضلاً عن آلامي، ووقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الأثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.

ثم إن الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا أن الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست إلاّ متجراً موقتاً، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا أن المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة،

 

395
__________________________

 

قد بدّلت -هذه الفوائد- التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: "الحمد للّٰه على كل حال سوى الكفر والضلال".

فإلى جانب هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص إخوتَنا، وتخص رسائل النور، وشهرَنا المبارك، شهرَ رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتكم تلك الفوائد على القول: "يارب لك الحمد والشكر، حقاً إن هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا". وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.

لا تعاتبوا -يا إخوتي- الذين أصبحوا السبب في وقوع الحادثة، إن هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، إلاّ أنها جاءت مخففة معنىً وستزول بسرعة بإذن اللّٰه، فلا تتألموا بل استرشدوا بالآية الكريمة: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾(البقرة: 216)».([1])

أقل المشاق في سبيل أعظم غاية

«مع تهنئتي لكم بعيدكم السعيد مرة أخرى، أقول: لا تتأسفوا على عدم اللقاء فيما بيننا لقاءً ظاهرياً، فنحن في الحقيقة معاً دائماً. وستدوم هذه المعية في طريق الأبد بإذن اللّٰه. وإنني على قناعة من أن الأثوبة الأبدية التي تكسبونها في عملكم في سبيل الإيمان والفضائل والمزايا الروحية والمباهج القلبية التي تحصلون عليها تزيل الغموم والضجر الذي ينتابكم موقتاً في الوقت الحاضر.

نعم، إنه لم يحصل لحد الآن نظير ما حصل لطلاب النور بمعاناتهم أقل مشاق في سبيل أعظم عمل مقدس. نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحي الحياتَينِ معاً له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم. فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنـزل بنا بالرضى والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته».([2])

 

396
__________________________

 

وسائل الأعداء لتشتيت الإخوة

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

إن ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.

نعم يا إخوتي، لا داعي للإخفاء، إن أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية، فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملاً بأن يفرّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:

أولاً: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.

ثانياً: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.

ثالثاً: إن الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل متعها المخدرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الأخوّة فيما بينهم مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة.. هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا أيضاً.. إلاّ أنهم انخدعوا، لأن مسلك رسائل النور قد أسس على الإخلاص التام، وترك الأنانية، واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان أن مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا أيضاً هو في الإيمان. فضلاً عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أياً كانت أن تبلغها. لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن اللّٰه، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون».([3])

سيرحب بكم أهل الحقيقة

«إخوتي الأعزاء الصدّيقين!

إن الذين اجتازوا الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين -القديمة والجديدة([4])- ولم يتزعزعوا،

 

397
__________________________

 

ولم يدَعُوا درسهم الإيماني، ولم يتخلوا عن صفة الطالب مهما كانت الظروف، ولم تنل من معنوياتهم هذه الكثرةُ الهائلة من الهجمات.. إن هؤلاء يرحب بهم الملائكة والروحانيون، كما سيرحب بهم أهلُ الحقيقة والجيلُ المقبل. فأنا مقتنع بهذا، ولكن الضيق المادي شديد لوجود المرضى والفقراء المساكين فيما بينكم. فتجاه هذا الأمر، ليكن كلٌ منكم مسلياً لكلٍ من أولئك، وقدوة حسنة له في الصبر والأخلاق، وأخاً شفيقاً عليه في التساند واللطف، ومخاطباً ذكياً ومجيباً عن أسئلته في أثناء الدرس الإيماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر. نعم، هكذا أتصور الأمر وأتسلى به يا إخوتي يا من أحبهم أكثر من روحي.

سأرسل لكم يوماً جبة مولانا خالد قدس سره(*) والتي عمرها مائة وعشرون سنة. فكما أنه قد ألبسنيها فأنا بدوري سأرسلها إليكم متى شئتم، ليلبسها كلًٌ منكم باسمه».([5])

حكمة القدر الإلهي في سَوقنا إلى السجن

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

إن حكمة واحدة لعدالة القدر الإلهي في سوقنا إلى المدرسة اليوسفية لـ"دنيزلي" هو حاجة المسجونين فيها وأهاليها وربما موظفيها ومأموري دائرة العدل، إلى رسائل النور وإلى طلابها أكثر من أي مكان آخر. وبناءً على هذا فقد دخلنا امتحانا عسيرا بوظيفة إيمانية وأخروية، إذ ما كان إلاّ واحدٌ أو اثنان من كل عشرين أو ثلاثين مسجوناً يؤدون صلاتهم ويوفون حقها من تعديل الأركان، ولكن ما إن دخل أربعون أو خمسون طالباً من طلاب النور وكلهم يؤدون صلاتهم أداءً تاماً دون استثناء إلاّ كان لهم درساً بليغاً وإرشاداً فعلياً بلسان الحال، بحيث يزيل هذا الضيق والضجر والرهق بل قد يحببه. فمثلما يرشد طلاب النور إلى هذا الأمر بأفعالهم وأحوالهم، نأمل من رحمته تعالى أن يجعلهم -بما يحملون من إيمان تحقيقي في قلوبهم- قلعة حصينة، ينقذون بها أهل الإيمان من سهام شبهات أهل الضلال.

إنه لا ضير مما يفعله أهل الدنيا من منعنا عن مخاطبة الآخرين ولقائهم؛ إذ لسان الحال أفصح من لسان المقال وأكثر تأثيراً منه.

 

398
__________________________

 

فما دام دخول السجن هو لأجل التربية، فإن كانوا يحبون الأمة حقاً فليسمحوا بلقاء المسجونين مع طلاب النور كي يحصلوا في شهر واحد بل في يوم واحد على التربية المرجوة حصولها في أكثر من سنة. وليصبحَ أولئك المسجونون أفراداً نافعين للبلاد والعباد وينقذوا مستقبلهم وآخرتهم.

لو كان عندنا رسالة "مرشد الشباب" لكانت تنفع كثيراً. نسأل اللّٰه أن ييسر دخولها هنا».([6])

لو رفع الحجاب

«إخواني الأعزاء الصديقين!

تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول "الشيخ ضياء الدين" بيني وبين أخي الكبير المرحوم "الملا عبد اللّٰه". ثم فكرت فيكم. وقلت في قلبي: إن الذي يُظهر ثباتاً إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: لو رفع الحجاب (حجاب الغيب) وبدا لي كل منهم في درجة الأولياء الصالحين، بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية فلا يزيد شيء في نظري عنهم ولا أغير ما أُولِيهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر إلاّ قليلاً، وكذلك لو بدوا لي أشخاصاً اعتياديين من العوام، فلا أنقص أبداً مما أمنحهم في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنـزلة رفيعة.

هكذا قررت، لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شيء، فالمقامات الشخصية والمزايا التي يضفيها حسن الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة فيقل حسن الظن وبالتالي المحبةُ. زد على ذلك أن صاحب الفضيلة والمزية يشعر بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع كي يحافظ على مكانته في نظرهم.

فشكراً للّٰه بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة».([7])

 

399
__________________________

 

ستسطع الأنوار

«إخوتي!

على الرغم من أن هذا الوضع -السجن- قد سبب نوعاً من التوجس والخيفة إزاء رسائل النور لدى الموالين -للحكومة- ولدى قسم من الموظفين، إلاّ أنه سبّب في المعارضين جميعاً ولدى أهل الدين والموظفين ذوي العلاقة اهتماماً واشتياقاً نحوها.

لا تقلقوا يا إخوتي ستسطع تلك الأنوار».([8])

تكاتفوا تعاونوا

«إخوتي الأعزاء!

عندما كنت اقرأ ورداً عظيماً في هذا اليوم، يوم الجمعة، وردتم بخاطري وقلتم بلسان الحال: "ماذا سنعمل لننجو من هذا البلاء؟"، فورد إلى قلبي ما يلي:

تكاتفوا، تعاونوا، يداً بيد في تساند رصين، لأن تحرز البعض من الآخر وتجنبه عن رسائل النور وعني، وردّه الأنوار ورفضه لها، والتزلف للقوى الخفية التي تريد إزهاقنا.. لا يأتي بشيء سوى الضرر.

فأنا أطمئنكم يا إخوتي، إنه لو كنت أعلم أن تبرئتكم مني تنجيكم من البلاء لكنت أسمح لكم بتحقيري وإهانتي واغتيابي، أصفحها لكم. ولكن القوة الخفية التي تريد سحقنا تعرفكم جيداً ولا تنخدع بمثل هذه الأمور بل تتشجع بسحق أكثر كلما رأت ضعفكم وانسحابكم من الميدان، ثم إن مسلكنا هو الخلة والأخوّة فلا سبيل فيه للأثرة وحب الذات والحسد. فعليكم النظر إلى مزايا رسائل النور، وليس إلى نقائصَ وتقصيراتٍ كثيرة لشخص ضعيف مثلي».([9])

 

400
__________________________

 

مجالسة الإخوان

«إن لقاء الأصدقاء ومجالسة الإخوان منبعٌ ثرٌ للسلوان، لما يعاني منه الإنسان من سرعة تبدل هذه الحياة الدنيا، ومن زوالها وفسادها، ومن فنائها وفناء متعها التي لا تجدي شيئاً، ومن صفعات الفراق والافتراق التي تنـزلها بالإنسان..

نعم، قد يقطع إنسان مسافة عشرين يوماً ويصرف مائة ليرة لأجل لقاء أخيه لساعات معدودة. ففي هذا الزمان العجيب الذي قلما يوجد فيه صديق صدوق، لا تعد هذه المشقات والمصاعب التي نزلت بنا مع ضياع الأموال ذات أهمية تذكر إزاء رؤية أربعين أو خمسين من الأصدقاء الصادقين والإخوة المخلصين دفعة واحدة طوال شهرين من الزمان، ومجالستهم ومحاورتهم في سبيل اللّٰه، والتسلي بهم وتسليتهم تسلية حقيقية. فأنا شخصياً كنت أرضى بهذه المصاعب والمشقات رجاء رؤية واحد من إخوتي هنا فحسب بعد فراقي عنهم عشر سنوات.

اعلموا أن الشكوى اعتراض على القدر والشكر تسليم له».([10])

تضاعف الثواب

«إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!

لِمَا أنكم قد ارتبطتم برسائل النور رغبة بثواب الآخرة، وأداءً لنوع من العبادة، فلا شك أن كل ساعة من ساعاتكم -تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة- تصبح في حكم عبادة عشرين ساعة، والعشرين ساعة من العمل في خدمة القرآن والإيمان -لما فيها من جهاد معنوي- تكسب أهمية مائة ساعة، والمائة ساعة التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من إخوة طيبين -كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص- وعقد أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم -بالقوة المعنوية- والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَراً، وتناوله رزقه المقدّر له فيها، نوالاً للثواب..

 

401
__________________________

 

تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا، والتجمل بالصبر وتحمل جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة».([11])

الإكثار من الدعوات

«إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!

أبيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا أخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من إكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.

إن ما أقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت أقاسيه في شهر في سجن "أسكي شهر". لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونياً ظالماً، كي يجدوا مبرراً من قولي: "كفى إلى هذا الحد" النابع من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سبباً لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته أكاذيبهم.

إنني أصبر شاكراً، وأعدّه أثراً خارقاً من آثار إحسانٍ إلهيّ، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب أكثر ونوال أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: "خير الأمور أحمزها"([12]) لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.

ثم إن المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين أننا قد نذرنا حياتنا لحقيقة جليلة أسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. ولذلك ما ينبغي أن يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة إلى أن نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم لا بد أن تفضل به علينا».([13])

 

402
__________________________

 

الأخذ بالحذر

«إخوتي الأعزاء الصادقين!

إنني محظوظ وشاكر للّٰه بوجودي قريباً منكم وفي بناية واحدة (من السجن)، رغم أنني لا أقابلكم وجهاً لوجه. وأحياناً يخطر إلى قلبي أخذ تدابير لازمة دون اختيارٍ مني. فمثلاً:

لقد أرسل الماسونيون إلى الزنزانة المجاورة لنا سجيناً جاسوساً وكذاباً. ولما كان التخريب سهلاً -ولا سيما في مثل هؤلاء الشباب الطائشين- علمت أن الزنادقة يسعون لبث الفساد وهدم الأخلاق إزاء قيامكم بالإرشاد والإصلاح، لما لمست من هذا المدعو أذى مؤلماً وإفساداً لأولئك الشباب.

فيا إخوتي!

يلزم -بل في غاية الضرورة- أخذ الحذر الشديد تجاه هذا الوضع، وعدم إبداء مشاعر الاستياء من المسجونين السابقين قدر الإمكان، وعدم فسح المجال ليستاءوا منكم، والحيلولةُ دون حدوث التفرقة والثنائية، مع التحلي بضبط النفس والتجمل بالصبر.

ويلزم على إخواننا المحافظةُ على قوة التساند والأخوّة وذلك بإبداء التضحية وترك الأنانية والتواضع قدر الإمكان.

إن الانشغال بأمور الدنيا يؤلمني، فأعتمد على فطنتكم لأنني لا أستطيع التوجه إليها من غير اضطرار».([14])

سنصمد تجاه الويلات

«إخوتي!

لقد أصبح ضرورياً بيان مسألة أُخطرت صباح هذا اليوم إزاء كل احتمال:

كثيراً ما تحرت نفسي وشيطاني منذ عشرين عاماً الحقائق التي استنبطناها من القرآن، والتي هي أشبه بالشمس أو النهار لا تقبل أي شك أو ريب أو تردُّد قائلَين: "ما رأي الفلاسفة المتزندقة تجاه هذا وما مستندهم؟"

 

403
__________________________

 

ولما لم تجد نفسي وشيطاني ثلمة أو نقصاً، سكتا. وأعتقد أن الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني الحساسين جداً والعاملين معاً، قادرة على حمل أشد الناس تمرداً على الصمت والسكوت أيضاً.

وما دمنا نعمل من أجل حقيقة هي من أهمّ الحقائق وأجلّها، وأشدها ثبوتاً ورسوخاً؛ ولا يمكن تقييمها أو تقديرها بأي قيمة مادية مهما كانت، ويهون بذل النفس والروح والصديق والحبيب، بل الدنيا بأسرها في سبيل تحققها، فلا بد إذن من أن نصمد بكمال المتانة والصبر تجاه جميع الويلات والمحن التي قد تنـزل بنا، وأن نواجه بصدر رحب جميع مضايقات الأعداء. إذ من المحتمل جداً أن يُحرَّكَ ضدنا مشايخ أو علماء متظاهرون بالتقوى، مخدوعون بأنفسهم أو بتحريض غيرهم لهم.. وتجاه موقف كهذا، لا بد لنا من المحافظة على وحدتنا وتساندنا، وعدم تضييع الوقت معهم في الجدل والنقاش الفارغ».([15])

خاطرة أخيرة من دنيزلي

على الرغم من صدور قرار البراءة وإعادة الكتب المصادَرة من محكمة دنيزلي،([16]) منع الأستاذ النورسي من السفر، لحين وصول الأمر من أنقرة فظل في هذه الفترة في فندق "شهر" ما يقرب من شهرين في دنيزلي وإخوتُه طلابُ النور سافر كلٌّ إلى بلده.([17]) «فكنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق شهر عقب إطلاق سراحنا من سجن دنيزلي أتأمل فيما حواليّ من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جَذْلَى بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبح للّٰه في حلقات ذكر وتهليل.

مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيداً.. فخطر على البال -فجأة- موسمَا الخريف والشتاء وانتابتني غفلة،

 

404
__________________________

 

إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال.. وبدأت أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألماً شديداً حتى اغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!.

وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقة المحمدية عليه الصلاة والسلام يغيثني -مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه- فبدّل تلك الأحزان والغموم التي لا حدود لها مسرات وأفراحاً لا حد لها، فبتّ في امتنان أبدي ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيض واحد من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوانَ في أرجاء نفسي وأعماق وجداني..»([18])

وجاء الأمر بنفيه إلى قضاء أميرداغ -رغم البراءة وتصديق محكمة التمييز- فسافر إليها في أغسطس/1944 وظل في أحد الفنادق أسبوعين لحين إيجار غرفة له، كان يدفع إيجارها.([19])

 

 

405
__________________________

 

------------------------------

[1]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[2]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[3]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[4]() المقصود: سجن "أسكي شهر" و"دنيزلي".

[5]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[6]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[7]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[8]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[9]() T. Hayat, Denizli hayatı.

[10]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[11]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[12]() أي أقواها وأشدها (انظر كشف الخفاء 1/155).

[13]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[14]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[15]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.

[16]() قرار المحكمة بالبراءة بالإجماع برقم 199/136 في 15/6/1944 مع إعادة جميع الكتب المصادرة، أما قرار تصديق التمييز لقرار محكمة دنيزلي بالبراءة فهو برقم 30005/2193 في 30/12/1944 وتحت عدد 2019 فأصبحت بموجبه رسائل النور قضية محكمة.

[17]()       T. Hayat, Emirdağ hayatı.

[18]() الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، خاتمة المسألة العاشرة.

[19]()       T.Hayat, Emirdağ hayatı.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet