سنة 1953
بعد براءة الأستاذ سعيد النورسي من محكمة إسطنبول، عاد إلى "أميرداغ".
وفي أحد أيام رمضان خرج وحده يتجول في الحقول المحيطة بالمدينة وعريف شرطة مع ثلاثة من أفراده يتعقبونه.
ولم يستطع أن يتم تجواله، إذ لحقه هؤلاء وعرضوا عليه أن يلبس القبعة. وعندما قادوه إلى مركز الشرطة احتج الأستاذ على هذه المعاملة، وأرسل عريضة إلى وزارة العدل وإلى وزارة الداخلية في أنقرة، شجب فيها هذه التصرفات الرعناء، كما أرسل صورة من عريضته إلى أحد طلابه في أنقرة ليتتبع الموضوع عند المراجع الرسمية ويبلغ النواب المهتمين بالحادثة.
ومن أنقرة قرر بعض طلابه إرسال نسخة من هذه العريضة إلى جـريـدة إسلامية تصدر في "صامسون" باسم "الجهاد الأكبر" (Büyük Cihad) حيث نشرت هناك.
519
__________________________
في هذه الأثناء وقعت حادثة الصحفي المعروف "أحمد أمين يالمان"(*) إذ حاول شاب مسلم أن يغتاله، فأطلق عليه عدة رصاصات لم تنل منه مقتلاً.
وقد استغلت هذه الحادثةَ استغلالاً كبيراً كلُّ الجرائد والمجلات المعادية للإسلام التي غاظها جو الحرية النسبي الذي بدأت تتنفسه الحركات الإسلامية في تركيا، فأرادت أن تظهر بأن إعطاء أية حرية لمثل هذه الحركات ستكون نتيجتها ظهور الرجعية والإرهاب.. الخ.
كانت حملة صحفية رهيبة لم يستطع رجال الحزب الديمقراطي الحاكم أن يقفوا أمامها، هذا فوق وجود جناح معاد للإسلام في هذا الحزب أيضاً. فصدرت الأوامر بغلق جميع الجرائد والمجلات الإسلامية، واعتقال جميع الكتّاب والمفكرين المسلمين العاملين فيها.
وأعتقل في هذه الحملة من الاعتقالات المدير المسؤول عن جريدة "الجهاد الأكبر" وأحد طلبة النور وهو السيد "مصطفى صونغور" وسيقا معاً إلى المحكمة في مدينة "صامسون" وقد أصدرت المحكمة قرارها بالحكم عليهما، ولكن محكمة التمييز ألغت هذا القرار وأصدرت قرارها بالبراءة.
وكانت في هذه الأثناء تنطلق بيانات وآراء في الصحف ضد توسع حركة النور في البلاد. وتبدأ التحريات في خمس وعشرين منطقة بتركيا وتبلغ فتح الدعاوى، مستهدفة الحكم على قريب من ستمائة طالب من طلاب النور. إلاّ أنهم لا يجدون جرماً ولا شيئاً يكون مستند اتهام في رسائل النور أو طلاب النور.
وفتحت دعوى في مدينة "صامسون" ضد الأستاذ بديع الزمان بسبب مقالة نشرت في جريدة "الجهاد الأكبر" تحت عنوان "أكبر برهان" وطلب مثوله أمام محكمة "صامسون"، ولكن الأستاذ كان آنذاك مريضاً، فضلاً عن تقدمه في السن.
وبالرغم من حصوله على تأييد طبي من طبابة قضاء "أميرداغ" وكذلك من مدينة "أسكي شهر" إلاّ أن محكمة صامسون أصرت على حضوره.
520
__________________________
وبناء على هذا الإصرار توجه إلى إسطنبول([1]) في طريقه إلى صامسون. ولكن مرضه اشتد بعد وصوله إلى إسطنبول، فلم يعد بإمكانه مواصلة السفر فاستحصل تقريراً طبياً من الهيئة الصحية، وأرسله إلى المحكمة.
كان هذا التقرير الطبي يؤيد بأن حالة الأستاذ بديع الزمان لا تسمح له أبداً بالسفر لا براً ولا بحراً ولا جواً، ولكن المدعي العام بالرغم من هذا التقرير الطبي الواضح القاطع، كان يطالب بشدة بحضوره ومثوله أمام المحكمة.
واستناداً إلى التقرير الطبي قررت المحكمة أن تقوم محكمة إسطنبول باستجواب الأستاذ نيابة عنها.
دفاع أمام محكمة إسطنبول
«ساق أعداؤنا المتسترون دوائر العدل ضدي مرة أخرى في شهر رمضان الشريف. المسألة في حقيقتها ذات علاقة بمجموعة شيوعية سرية. فقد أرسلوا إليّ مخالفين للقانون مخالفة كاملة، ثلاثة جنود جندرمة مسلحين مع رأس عرفاء وأنا في السهول والجبال وحدي بغير رفقة. قائلين: "أنت لا تلبس القبعة"، وأخذوني جبراً إلى مركز الشرطة.
فأقول لمنتسبي العدل كلهم الذين يبتغون العدل: لا مفّر في محكمة الحشر الكبرى من العقاب لمن يذيقونني من العذاب الوجداني منذ سنتين بحججهم التافهة ومخالفتهم العجيبة للقانون حيث ينبغي حقاً أن يتهموهم بمخالفة القانون إذ يخرقون القانون باسم القانون من خمسة وجوه فيعتدون على القوانين الإسلامية بخسمة وجوه. نعم..
521
__________________________
أفي الأرض كلها قانون يتهم رجلاً منعزلاً منذ خمسة وثلاثين عاماً عازفاً عن الأسواق والأرياف، لأنه لم يضع فوق رأسه قبعة الإفرنج؟.
إن من في قلبه ذرة وجدان لينفر ويكره أن يكلِّف بقوة القانون رجلاً بلبس القبعة ليشبه القسيسين الأجانب، رجلاً منـزوياً لا يختلط بالناس ولا يريد أن يشغل روحه في شهر رمضان الشريف بشيء قبيح مثل هذا -وخلافاً للقانون- وينقطع عن لقاء أخلائه حتى لا يتذكر الدنيا، بل لا يستدعي طبيباً ولا يأخذ دواء مع شدة مرضه حتى لا ينشغل روحُه وقلبُه ببدنه. مع أن شرطة خمس محاكم وخمس ولايات لم يتعلقوا بما يلبس في رأسه منذ ثمان وعشرين سنة، وفي هذه الكرّة الأخيرة خاصة في محكمة إسطنبول العادلة أمام أنظار أكثر من مائة شرطي وتجوله شهرين راجلاً كيفما شاء، ومع أن محكمة التمييز قررت إجازة القانون للبس "البريه" (بديل القبعة) ومع إقرار عدم إلزام لبسها للنساء ولحاسري الرأس وللجنود العسكريين وللموظفين الرسميين وانعدام المصلحة في لبسها، فلا تقع مسؤولية قانونية على من يلبس البريه وعدّه زياً رسمياً، فأنا لست موظفاً.
فإن ردّ ذاك بالقول: إنما أنا مأمور منفّذ، قيل له: وهل يؤمر الناس بشيء حسب الهوى ليكون قانوناً جبرياً فيدفع عن نفسه بأنه مأمور؟ وفي القرآن الحكيم آية في النهي عن التشبه باليهود والنصارى، وفيه أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّٰه وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(النساء:59) أي أمر بإطاعة أولي الأمر، ولكن بشرط عدم التناقض مع إطاعة اللّٰه ورسوله، فيقدر أن يتصرف منفذاً تلك الطاعة. والحال أن قوانين العرف الإسلامي في هذه المسألة، تأمر بالشفقة على المرضى وتنهى عن إيذاءهم، والرحمة بالغرباء والبعد عن إيلامهم، ودفع النصب والأذية عن خدام القرآن وعلوم الإيمان في سبيل اللّٰه. وإن تكليف رجل انقطع عن الناس وتَرَك الدنيا لأهلها بلبس قبعة القسيسين نقضٌ للقانون بمخالفة القانون ومصادرةٌ لقوانين العرف الإسلامي من مائة وجه، لا من عشرة وجوه، واعتداءٌ على هذه القوانين القدسية من أجل أمر بالهوى. ولا مكان للشك أو الشبهة في أن تصرفاً مثل هذا مع رجل بلغ حافة القبر أنهكه المرض وأضناه الهرم، وغريب ومنعزل عن الناس وتارك للدنيا منذ خمس وثلاثين سنة لكي لا يخالف السنة السنية،
522
__________________________
إنما هو ثمرة مؤامرة خبيثة ضد الوطن والشعب والإسلام والدين لحساب الفوضى والشيوعية المستترة، كذلك ضد نواب البرلمان ذوي الدين، وحتى ضد الديمقراطيين عموماً، الذين ينوون خدمة الإسلام والوطن ويحاربون التخريبات الأجنبية الرهيبة. فليحذر النواب المتدينون ولا يتركوني وحيداً في الدفاع ضد هذه المؤامرة الخبيثة.
إن خادم الحقيقة القرآنية المضحي الذي رفض الهوان ولم يقف احتراماً لقائد قوات الروس إذ مرّ أمامه قصداً ثلاث مرات، فشمخ برأسه أمام التهديد بالإعدام من أجل صون العزة الإسلامية، واستهان بتهديد الإعدام من أجل شرف الإسلام فواجه قائد الإنكليز المحتلين لإسطنبول ومصدّري الفتاوى تحت تأثيره، بقوله في المطبوعات: "ابصقوا في وجوه الظالمين الصفيقة"، ولم يلتفت إلى غضب مصطفى كمال وسط خمسين نائباً في المجلس حين قال له: "تارك الصلاة خائن" ولم يداهن في الجواب أمام المحكمة العسكرية العرفية إذ قال: أنا مستعد للتضحية بروحي من أجل مسألة واحدة للشريعة، واختار الانزواء ثمانيا وعشرين سنة حتى لا يتشبه بالكفار، إن قيل له بصراحة وبخلاف القانون: "تلبس القبعة على رأسك فتشبه أحبار اليهود وقسس النصارى وتخالف إجماع علماء الإسلام أو تعاقب"، فإنه يفتدى الحقيقة القرآنية بروحه مائة مرة بلا تردد وبشهادة سيرته، ولو مزقوه إرباً إرباً وألقوه في نار كالجحيم، بله الحبس الدنيوي والعقاب والتعذيب!.
فما الحكمة في القوة المعنوية في تحمل هذا المضحي، لأشد الظلم النمرودي من أعداء الوطن والدين المستترين، وفي عدم مواجهته القوة المادية بالرد المادي التخريبي؟ فها أنا أعلن لكم ولأهل الوجدان كلهم جميعاً أن القرآن الحكيم قد علّمه ذلك لئلاّ يتضرر تسعون بريئاً بسب زنادقة ملحدين نسبتهم عشرة في المائة، ومن أجل المحافظة على الأمن والنظام في الداخل بقوته كلها، ومن أجل نصب حارس في قلب كل إنسان بدروس النور. ولولا ذلك، لانتقمتُ في يوم واحد من أعدائي الذين ظلموني مدة ثمان وعشرين سنة. فتراه لا يدافع ضد من يهين عزته وكرامته حفاظاً على الأمن من أجل الأبرياء، ويقول: أنا مستعد للتضحية بحياتي الدنيوية من أجل ملة الإسلام، بل حتى بحياتي الأخروية إن لزم الأمر.
523
__________________________
وأخيراً وبعد انتهاء جميع الإجراءات اللازمة أصدرت المحكمة قرارها بالبراءة، إذ لم تجد في تلك المقالة ما يؤاخذ عليها».
مراحل متنوعة من سيرته في إسبارطة
أسس طلاب النور النشيطون في "أورفة" و"دياربكر" مدرسة نورية في كل منهما. وبدأت دروس علمية بقراءة رسائل النور على الجماعة الحاضرة من كل أصناف الشعب، وجُلّهم من طلاب المدارس والشباب. فأنعشوا طلبة العلم الشريف (العلوم الشرعية) الضرورية في ذلك الزمان، وأوفوا بخدمة إيمانية جليلة في المناطق الشرقية.
وانتهت محاكمة "أفيون" أيضاً. إذ أظهر تقرير هيئة شورى الشؤون الدينية التي دققت رسائل النور سنة 1956 سمة الخدمة في التكامل الإيماني والأخلاقي لرسائل النور، فاستندت محكمة أفيون إلى هذا التقرير لتبرئة رسائل النور ورفع الحظر عنها واكتسب قرار المحكمة الصفة القطعية.
بعد قرار البراءة في محكمة أفيون، أصدر حاكم التحقيق في "إسبارطة" أيضاً قراراً بعدم قانونية المحاكمة. فاجتازت رسائل النور منافذ العدل واكتسبت حرية عامة وشاملة ولقيت قبولاً حسناً.
مع دوام خدمة رسائل النور في أرجاء الأناضول، لم تحصر المدارس النورية، في أنقرة وإسطنبول ودياربكر وأورفة خاصة، بل تعدت ذلك إلى أرجاء واسعة في البلاد.
وفي أنقرة، سعى أهل الحمية والطلبة الجامعيون في نشر مجموعات رسائل النور في الأرجاء بطبعها بالمطابع، وإيصالها إلى الجمهور للإفادة منها بالأحرف الجديدة (اللاتينية) خاصة.
عودة إلى مدينة الذكريات "بارلا"
بعد قضائه ما يقارب ثلاثة أشهر في إسطنبول، حنّ الأستاذ إلى زيارة المدن التي قضى فيها فترات لا يمكن نسيانها من حياته.
فزار "أميرداغ" ثم توجه إلى "أسكي شهر" ومنها إلى "إسبارطة" بقى فيها ثمانين يوماً.
524
__________________________
ومن إسبارطة توجّه مع رهط من طلابه إلى مدينة الذكريات بارلا.. المدينة التي شهدت أول انبثاق لحركة النور ولرسائل النور.. ومنها انتشرت إلى الأرجاء "الكلمات" و"المكتوبات" و"اللمعات" التي تمثل أنوار هداية القرآن الحكيم.. فـبارلا هي المركز الأول لمدرسة رسائل النور. المدينة التي سيق إليها منفيا قبل خمس وعشرين سنة، فبارك اللّٰه له في أيام النفي، وجعل تلك الأيام من أعز الأيام على قلبه، وجعل ذكريات هذه البلدة من أحب الذكريات إلى نفسه.
وها هو يعود إليها، في يوم رائق من أيام الربيع، حاملاً ثقل تلك السنين الحافلة بالأحداث والمواقف والابتلاءات...يعود إليها طليقاً يحف به بعض ثمار دعوته.. طلاب يتلألأ النور في جباههم المضيئة، وتطفح قلوبهم بحب اللّٰه ورسوله.
ويسمع أهل البلدة بقدوم الأستاذ، فيخرجون رجالاً ونساءً، وأطفالاً وشباباً لرؤيته. ويقفز الأطفال الصغار وهم يرددون: "جاء الشيخ.. جاء الشيخ!"
إنهم لم يروا هذا الشيخ الوقور، ولكنهم سمعوا عنه من آبائهم وأمهاتهم.
وبينما كان الأستاذ يتقدم نحو البيت الذي بقي فيه ثماني سنوات، إلى البيت الذي كان أول مدرسة نورية، مرّ من أمام بيت تلميذه القديم "مصطفى جاويش"([2]) وهو النجار الذي عمل له الغرفة غير المسقّفة بين أغصان الشجرة التي كان يقضي فيها ساعات العبادة والتأمل.
مرّ أمام دار تلميذه ورأى القفل الكبير على باب الدار. كان تلميذه القديم الوفي قد توفي سنة 1937، بينما كان الأستاذ يعيش في منفاه في "قسطموني". مات هذا الرجل ولذلك لم يتيسر له لقاؤه بعد خروجه من بارلا. ولم يشعر إلا والدموع تتساقط من عينيه وتبلل خده.
وأخيراً وصل إلى بيته السابق، إلى مدرسته الأولى حيث كانت شجرته الحبيبة تنتصب أمامه وكأنها -هي الأخرى- ترحب به.. جاشت في نفسه العواطف وطلب من طلابه ومن الأهالي أن يتركوه وحده.
525
__________________________
ثم ذهب إلى تلك الشجرة التي قضى معها أكثر من ثماني سنوات احتضنها وأجهش ببكاء طويل.
كانت هذه الشجرة قطعة من حياته، ومن ذكرياته. كم من ليال قضاها بين أغصانها يتهجد ويذكر اللّٰه! كم من ساعات قضاها يؤلف رسائل النور ويسمع حفيف أغصانها وأوراقها وتغريد الطيور عليها. كم من ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الحالكة أرق في غرفته، فلم يكُن له أنيس في وحدته غير صوت هذه الشجرة تعصف بها الرياح، أو يسمع صوت قطرات الأمطار على أوراقها. لقد كانت له أنساً في وحدته، وسلوة في وحشته، وصديقاً في غربته.
وها هو الآن يرجع إليها بعد عشرين عاماً يتحسسها، ويريد أن يضمها إلى صدره ولا يتمالك نفسه من البكاء عند لقائها.
بعد ذلك صعد إلى غرفته، واختلى بنفسه هناك مدة ساعتين تقريباً. كان يبكي وهو يستعيد ذكريات أيامه الطويلة التي قضاها هنا، وكان الناس والطلاب المحيطون بالبيت يسمعون نشيج الشيخ فتدمع أعينهم كذلك.
وإنه لمظهر من مظاهر تجليات الرحمة الإلهية اللانهائية. ففي زمن قد سلف، نفي من شرقي الأناضول إلى أرجاء "إسبارطة"، ومنها إلى ناحية "بارلا" بين الجبال، لعله يموت هنا ويخبو ذكره. ولكن لم تثنه عن سبيل دعوة القرآن والإيمان حوادث العصر التي أحاطت بالأمم والشعوب وغيرت العقول والتصورات. فقد أيقن بيقين إيماني في روحه، بأن الشعب سوف يحتضن يوماً الحقيقة التي يدعو إليها، وسوف يكون سعيد الوحيد، ألف سعيد، ومائة ألف سعيد، وبأن فتوحات وانتشار الحقائق الإيمانية التي يخاطب بها الإنسانية آتية لا محالة، وبأن غيوم الظلمات المحيطة بالآفاق الإسلامية زائلة بنور الهداية التي اقتبسها من القرآن، وينشط الروح من جديد في الإيمان الذي يظنونه آيلاً إلى الموت، فيبعث النفوس ويعيد الحياة إلى أمة الإسلام.
526
__________________________
سنة 1956
محكمة أفيون تبرئ ساحة رسائل النور
كانت محكمة أفيون قد شكلت لجنة من الخبراء لتدقيق رسائل النور سنة 1948م وإبداء الرأي حولها، ورؤية ما إذا كانت تحوي ما يؤاخذ عليه القانون التركي.
وقد استمرت هذه المحكمة طوال ثماني سنوات وأخيراً أصدرت قرارها في 11/9/1956 استناداً إلى التقرير المقدم من لجنة الخبراء في 25/5/1956 بأن هذه الرسائل تخلو من أي عنصر مخالف للقانون.
طبع رسائل النور
كان هذا القرار يعني إمكانَ طبع رسائل النور وتوزيعها علناً، وفعلاً شمّر طلاب النور عن سواعدهم، فبدأت المطابع في إسطنبول وفي أنقرة، وفي صامسون وفي أنطاليا بطبع هذه الرسائل. وكانت الملزمات يؤتى بها إلى الأستاذ قبل الطبع فيقوم بتصحيحها.
كان الأستاذ فرحاً بطبع رسائل النور ويقول: "هذا هو عيد رسائل النور. كنت أنتظر مثل هذا اليوم، لقد انتهت مهمتي إذن، وسأرحل قريبا".
وعندما كان يخرج لأمرٍ ما سرعان ما يعود قائلاً لطلابه: لا بد أن الملزمات قد جاءت.. لا يجوز لنا أن ندعها تنتظر. يجب العودة حالا.([3])
سنة 1957
في الانتخابات العامة
جرت الانتخابات العامة في تركيا في هذه السنة، وكان هناك حزبان رئيسان يتنافسان فيها على الحكم وهما: الحزب الديمقراطي الحاكم وحزب الشعب الجمهوري المعارض مع أحزاب صغيرة لا تؤثر كثيراً في سير الانتخابات.
وبالرغم من أن الحزب الديمقراطي لم يكن حزباً إسلامياً، إلاّ أن جو الحرية الذي ساد تركيا عقب توليه الحكم، وانحسار موجة العداء الوحشي للإسلام، كل ذلك كان يعطي مسوغاً كافياً للحركات الإسلامية في تركيا أن تصوت بجانب الحزب الديمقراطي.
ومع أن الأستاذ سعيد النورسي لم يدخل الحياة السياسية ولم يؤلف حزباً سياسياً ولم يعلن عن أية نشاطات سياسية كانت، إلاّ أنه قرر التصويت للحزب الديمقراطي في تلك الأيام ليحول دون مجيء حزب الشعب إلى السلطة. وفعلاً ذهب إلى صندوق الاقتراع وأدلى بصوته لصالح الحزب الديمقراطي.([4])
527
__________________________
------------------------------
[1]() قضى الأستاذ في إسطنبول ثلاثة أشهر تقريباً -من أوائل مايس إلى نهاية تموز- أمضى معظمها في بيت أحد طلابه المقربين "محمد فرنجي".
في تلك السنة (1953م) كانت إسطنبول تتهيأ للاحتفال بمرور خمسمائة عام على فتحها. وقد أقيم فعلاً احتفال مهيب دعي إليه الأستاذ بديع الزمان مع المدعوين الرسميين، وفي هذا الاحتفال التقى بطريرك الروم "آشنو كراس". وأثناء اللقاء جرى بينهما الحوار الآتي:
سعيد النورسي: يمكن أن تكونوا من أهل النجاة يوم القيامة إذا آمنتم بالدين النصراني الحق بشرط الاعتراف بنبوّة سيدنا محمد r وبالاعتراف بالقرآن الكريم كتاباً من عند اللّه.
البطريرك: إنني اعترف بذلك.
سعيد النورسي: حسناً، فهل تعلنون ذلك أمام الرؤساء الروحانيين الآخرين؟
البطريرك: أجل، إنني أقول ذلك ولكنهم لا يقبلون. (ش) 405.
وحضر في هذه الأثناء مستشرق إنكليزي إسطنبول. وألقى محاضرة حول "السموات السبع" مشككاً فيها. فوزع طلاب النور في اليوم التالي منشورا يتضمن تفسير الأستاذ حولها من "إشارات الإعجاز" ولما اطلع عليه المستشرق المذكور اختصر محاضرته في ذلك اليوم وأنهى سلسلة محاضراته التي كان من المقرر أن تدوم خمسة أيام وغادر إسطنبول دون أن يعقب. (من محمد فرنجي، Son Şahitler 4 ص356).
[2]() اللمعات، اللمعة العاشرة.
[3]() (ش) 413.
[4]() (ش) 416.
