المسألة الرابعة
إن قوة الكلام وقدرته: أن تتجاوب قيوده، وتتعاون كيفياته، ويمد كلٌ بقدره مشيراً إلى الغرض الأصلي ويضع إصبعه على المقصد. فيكون مثالاً ومصداقاً لدستورِ:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ([1])
وكأن القيود مسيل ووديان، والمقاصد حوض في وسطها يستمد منها.
حاصل الكلام: يلزم التجاوب والتعاون والاستمداد، لئلا تتشوش صورة الغرض المرتسمة على شبكة الذهن والملتقطة بنظر العقل.
إشارة: ينشأ التناسب ويتولد الحسن ويلمع الجمال بنشوء الانتظام من هذه النقطة.
فتأمل في كلام رب العزة ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾([2])(الأنبياء:46) المسوقةِ للتهويل، وتخويف الإنسان، وتعريفِه بعجزه وضعفه. فبناءً على القاعدة البيانية: "ينعكس الضد من الضد" ترى الآية الكريمة تُبين تأثير القليل من العذاب بقصد التهويل والتخويف، فكل طَرَف من الكلام يُمِدّ المقصد -وهو التقليل- عن جهته وذلك بـ:
التشكيكِ والتخفيف في لفظ "إنْ".
والمسِّ وحده دون الإصابة في "مسّت".
والتقليلِ والتحقير في مادةِ "نفحةٌ" وصيغتِها وتنكيرها.
والتبعيضِ في "مِن".
والتهوين في "عذاب" بدلاً من نكال.
وإيماء الرحمة في "ربك".
كل ذلك يهول العذاب ويعظمه بإراءة القليل، إذ إنْ كان قليلُه هكذا فكيف بعظيمه.. نسأل الله العافية!
تنبيه: هذا نموذج نسوقه لك، إن قدرت فقس عليه؛ فإن جميع الآيات القرآنية يتلألأ عليها هذا الانتظام والتناسب والحسن. ولكن قد تتداخل المقاصد وتتسلسل، وتصبح توابع، كل منها مقارنة مع الأخرى دون اختلاط. فلابد من الحذر والانتباه، لأن النظرة العابرة كثيراً ما تَزِلّ في هذه المواضع.
[1]() لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الآلوسي 8/417؛ البحر المديد لابن عجيبة 4/113؛ البرهان للزركشي 2/160.
[2]() ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (الأنبياء:46)
