رسالة الخطأ

  • Warning :array_merge(): Argument #2 is not an array في risale_navigasyon() (السطر 186 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).
  • Warning :sort() expects parameter 1 to be array, boolean given في risale_navigasyon() (السطر 188 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).
  • Warning :sort() expects parameter 1 to be array, null given في onceki_sonraki_sayfa_getir() (السطر 69 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).
  • Warning :Invalid argument supplied for foreach() في onceki_sonraki_sayfa_getir() (السطر 71 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).
  • Warning :sort() expects parameter 1 to be array, null given في onceki_sonraki_sayfa_getir() (السطر 69 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).
  • Warning :Invalid argument supplied for foreach() في onceki_sonraki_sayfa_getir() (السطر 71 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/inc/rnk.islemler.inc).

 

 

 

تأليف

 

 

ترجمة

 

 

 

 

 

 

 

 

إفادة مرام

 

حينما كنت أتدبّر في بعض الآيات الكريمة خطرت على قلبي نكاتٌ لطيفة، فدوّنتُها على صورة ملاحظات ومذكرات.. فيا قارئي العزيز لا تضجر من أسلوبي الموجز فلست غنياً بالألفاظ كما لا أحب الإسراف. ولا تعجبني الألفاظ المنمّقة.. خذ من كل شيء أحسنَه. سر على هذه القاعدة. فما لا يعجبك ولا يروق لك دعه لي، ولا تعترض.

سعيد

 

 

 

 

 

 

﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾(العصر:3)

سنبين حكمة "الإطلاق" فقط. فالقرآن الكريم يترك "الصالحات" مطلقةً دون قيد يقيّدُها، ومبهمةً دون أن يشخّصها.

وذلك: أن الفضائل والأخلاق، وكذا الحُسن والخير، أغلبُها أمورٌ نسبية، تتغير كلما عبرَت من نوع إلى آخر، وتتباين كلما نزلت من صنف إلى صنف، وتختلف كلما بدّلت مكاناً بمكان، وتتبدل باختلاف الجهات، وتتفاوت ماهيتُها كلما علَت من الفرد إلى الجماعة ومن الشخص إلى الأمة.

فمثلاً: الشجاعة والكرم في الرجل تدفعانه إلى النخوة والتعاون، بينما تسوقان المرأة إلى النشوز والوقاحة وخرق حقوق الزوج.

ومثلاً: إن عزة النفس التي يشعر بها الضعيفُ تجاه القوي، لو كانت في القوي لكانت تكبّراً، وكذا التواضع الذي يشعر به القويُّ تجاه الضعيف، لو كان في الضعيف لكان تذللاً.

ومثلاً: إن جدّية ولي الأمر في مقامه وقارٌ، بينما لينُه ذلةٌ؛ كما أن جديّته في بيته دليلٌ على التكبر، ولينَه دليل على التواضع.

ومثلاً: إن تفويض الأمر إلى الله في ترتيب المقدمات كسل، بينما في ترتّب النتيجة توكّل؛ كما أن رضا المرء بثمرة سعيه وقسمتهِ قناعةٌ يقوي فيه الرغبة في السعي، بينما الاكتفاءُ بالموجود تقاصرٌ في الهمة.

ومثلاً: إن صفح المرء -عن المسيئين- وتضحيتَه بما يملك عملٌ صالح، بينما هو خيانةٌ إن كان متكلماً عن الغير -باسم الجماعة- وليس له أن يتفاخر بشيء يخصّه، ولكن يمكنه أن يفخر باسم الأمة من دون أن يهضم حقها.

وهكذا رأيت في كل مما ذكرنا مثالاً، فاستنبط بنفسك؛ إذ القرآن الكريم خطاب إلهي شامل لجميع طبقات الجن والإنس، ولكل العصور، والأحوال والظروف كافة.

وحيث إن الحُسن النسبي والخير النسبي كثير جداً، فإن إطلاق القرآن إذن في "الصالحات" إيجاز بليغ لإطناب طويل. وإن سكوته عن بيان أنواع الصالحات كلام واسع.

* * *

﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾(الانفطار:14)

العاقبةُ دليل العقاب، الحدس يدل عليه؛ فعاقبة المعصية التي تقع في الدنيا أمارةٌ حدسية على أن عاقبتَها تؤول إلى عقاب؛ لأن أي إنسان كان يرى -حدساً وبتجربته الخاصة- أن المعصية تنجرّ إلى عاقبة سيئة وخيمة -رغم عدم وجود علاقة طبيعية بينهما- فهذه الكثرة الكاثرة من التجارب الشخصية، والتي تقع في ميدان واسع جداً، لا تكون نتيجةَ مصادفةٍ قط. فلو أخذنا هذه التجارب الشخصية بنظر الاعتبار، ظهر لدينا أن نقطة الاشتراك بينها هي طبيعة المعصية المستلزمة للعقاب. فالعقاب إذن لازم ذاتي للمعصية.

ولما كان هذا اللازم الضروري يترتب -على الأغلب- في الدنيا على طبيعة المعصية وحدها، فلاشك أن ما لم يترتب عليه في هذه الدنيا سيترتب عليه في الدار الآخرة.

فيا ترى هل هناك أحدٌ لم يمر بتجربة في حياته قال فيها: إن فلاناً قد جوزي بما أساء!.

* * *

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾(الحجرات:13)

أي: لتعارفوا، فتعاونوا، فتحابّوا، لا لتناكروا فتعاندوا فتتعادوا!

إذ كما أن هناك روابط تربط الجندي بفصيله وفَوجه ولوائه وفرقته في الجيش، وله واجب ووظيفة في كلٍّ منها؛ كذلك كل إنسان في المجتمع له روابط متسلسلة ووظائف مترابطة. فلو اختلطت هذه الروابط والوظائف ولم تُعيَّن وتحدَّدْ لَمَا كان هناك تعاون ولا تعارف.

فنمو الشعور القومي في الشخص إما أن يكون إيجابياً أو سلبياً:

فالإيجابي ينتعش بنمو الشفقة على بني الجنس التي تدفع إلى التعاون والتعارف.

أما السلبي فهو الذي ينشأ من الحرص على العِرق والجنس الذي يسبب التناكر والتعاند. والإسلامُ يرفض هذا الأخير.

* * *

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾(هود:6).

الرزق ذو أهمية عظيمة كأهمية الحياة في نظر القدرة الإلهية، إذ القدرةُ هي التي تُخرج وتوجِد الرزق، والقَدَر يُلبِسه اللباسَ المعين، والعنايةُ الإلهية ترعاه.

فالقدرة الإلهية -بفعّالية عظيمة- تحوّل العالمَ الكثيف إلى عالم لطيف. ولأجل أن تكسب ذراتُ الكائنات حظاً من الحياة فإنها تعطيها الحياة بأدنى سبب وبحجة بسيطة، وبالأهمية نفسها تُحضِر القدرةُ الرزقَ متناسباً مع انبساط الحياة.

فالحياة محصَّلَةٌ مضبوطةٌ أي مشاهَدة محدَّدة، أما الرزق فغير محصّل -أي لا يحصل آنياً- وإنما بصورة تدريجية ومنتشرة تدفع الإنسان إلى التأمل فيه.

ومن وجهة نظر معينة يصح أن يقال: إنه ليس هناك موتٌ جوعاً. لأن الإنسان لا يموت قبل أن ينتهي الغذاء المدخر على صورة شحوم وغيرها.

أي إن المرض الناشئ من ترك العادة هو الذي يسبب موتَ الإنسان وليس عدم الرزق.

* * *

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾(العنكبوت:64).

الحياة الحقيقية إنما هي حياة الآخرة، فذلك العالم هو عينُ الحياة، فلا ذرة من ذراتها إلا ونابضة بالحياة، ولا تعرف الموت إطلاقاً.

ودنيانا حيوان أيضاً؛ إذ إن كرتنا الأرضية أشبه ما تكون بكائن حي، لأن آثار الحياة ظاهرة عليها؛ فلو فرضنا أنها صَغُرت بحجم البيضة، أَمَا كانت حيواناً؟ أو إنْ جرثومة صغيرة كبرت وعظمت عِظَمَ الكرة الأرضية، أمَا كانت تشبهها؟ وحيث إن الكرة الأرضية حيةٌ، فلها روح إذن.

نعم، إن العالم الذي هو إنسان مكبّر، يُظهر من آثار الحياة بما يتضمن من منظومات الكائنات ما يظهره الجسد بين أعضائه وأجزائه، كالتساند والتجاوب والتعاون، بل تبقى هذه الآثار الحياتية للجسد قاصرةً دون تلك الآثار.

فلو صغر العالمُ صغرَ الإنسان وتحولت نجومُه إلى ما يشبه الذرات والجواهر المفردة، أمَا يكون حيواناً ذا شعور؟

فهذه الآية الكريمة تلمّح إلى سر عظيم:

إن مبدأ الكثرة هو الوحدة، وإن منتهاها أيضاً إلى الوحدة. فهذا دستور فطري. فلقد خَلقت القدرةُ الإلهية من القوة التي أودعتها في الكائنات -وهي فيض تجليها وأثر إبداعها- قوةً جاذبة عامة، متصلة مستقلة محصلة بإحسانها على كل ذرة من ذرات الوجود جاذبة خاصة بها، فأوجدتْ رابطةَ الكون. فكما أن في الذرات محصَّلة القوى الجاذبة الناشئة من القوة المودَعة فيها، فهي ضياء القوة، واستحالةٌ لطيفة من إذابتها، كذلك فإن محصل قطرات الحياة المنتشرة على الكائنات كافة ولمعانها، إنما هي حياة عامة تعم الوجود جميعاً.. نعم، هكذا يقتضي الأمر.فأينما وُجدت الحياة فثمّ الروح. والروح مثل الحياة أيضاً منتهاها بدايةُ تجلِّي فيضٍ لروح.

فمبدأ الروح هذا أيضاً تجلٍ للحياة الخالدة التي سميت لدى المتصوفة بـ"الحياة السارية".

وهكذا ترى أن سبب الالتباس الذي وقع فيه أهلُ الاستغراق ومنشأَ شطحاتهم هو التباس هذا الظل مع الأصل لديهم.

* * *

﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾(البقرة:154).

والشهداء يشعرون أنهم أحياء، وأنهم ما ماتوا، إذ الشهيد يَعدّ نفسه حياً، لأنه لا يذوق ألَم السكرات فيرى حياتَه التي ضحّى بها مستمرةً غير منقطعة، بل يجدها أنزهَ وأسمى من حياته.

وحياة الشهيد وحياة الميت نظير هذا المثال:

رجلان يريان فيما يرى النائم أنهما يتمتعان بلذائذ لطيفة في تجوالهما خلال بستان بديع. فأحدهما يشعر أن ما يراه هو رؤيا ليس إلاّ، فلا يستمتع متعة كاملة. أما الآخر فلا يعلم أنه رؤيا، بل يعتقد أن ما يراه هو حقيقة، فيستمتع تمتعاً كاملاً.

وحيث إن عالم الرؤيا ظل عالم المثال، وهذا ظل لعالم البرزخ، لذا أصبحت دساتيرُ هذه العوالم متماثلة.

* * *

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾(المائدة:32).

هذه الآية الكريمة حق خالص ولا تنافي العقل قطعاً، وهي حقيقة محضة لا مبالغة فيها قط، إلاّ أن النظر الظاهري يدعو إلى التأمل:

فالجملة الأولى:

تضع اعظم دستور للعدالة المحضة التي تقرِّر: لا يُهدر دمُ بريء ولا تزهق روحه حتى لو كان في ذلك حياةُ البشرية جمعاء، فكما أن كليهما في نظر القدرة الإلهية سواء فهما في نظر العدالة سواء أيضاً. وكما أن نسبة الجزئيات إلى الكلي واحدة كذلك الحق في ميزان العدالة، النسبة نفسها. ولهذا فليس للحق صغير وكبير.

أما العدالة الإضافية فهي تفدى بالجزء لأجل الكل بشرط أن يكون لذلك الجزء المختار الرضا والاختيارُ صراحة أو ضمناً، إذ عندما يتحول "أنا" الأفرادِ إلى "نحن" الجماعةِ ويمتزج البعض بالبعض الآخر مولِّداً روحَ الجماعة، يرضى الفرد أن يضحي بنفسه للكل.

وكما يتراءى النور كالنار، تتراءى أحياناً شدةُ البلاغة مبالغةً.

وهنا نقطة البلاغة تتركب من ثلاث نقاط:

أولاها: لإظهار عدم محدودية استعداد العصيان والتهور المغروز في فطرة الإنسان. فكما أن له قابلية غير محدودة للخير فله قابلية غير متناهية للشر أيضاً؛ بحيث إن الذي تَمَكَّن فيه الحرصُ والأنانية يصبح إنساناً يريد القضاء على كل شيء يقف دون تحقيق حرصه، حتى تدمير العالم والجنس البشري إن استطاع.

ثانيتها: لزجر النفس، بإظهار قوة الاستعداد الفطري الكامن، في الخارج. أي بإظهار الممكن في صورة الواقع، بمعنى أن بذرة العِرق النابض بالغدر والعصيان كأنها انفلقت من طَور القوة إلى طور الفعل. فهذه الجملة تُحوِّل الإمكانات إلى وقوعات، لتثمر قابلياتها حتى تأخذ شكل شجرة الزقوم، وذلك لينزل التنفير والانزجار إلى أعماق النفس. وهو المطلوب. وهكذا تكون بلاغة الإرشاد.

ثالثتها: قد تظهر القضية المطلقة أحياناً قضية كلية، وقد تظهر القضية الوقتية المنتشرة في صورة قضية دائمة. بينما يكفي لصدق القضية وصحتها -منطقاً- أن ينال فرد في زمان معين حكماً. أما إذا صارت كمية ذات أهمية فعندها تكون القضية صحيحة عرفاً.

إن في كل ماهية أفراداً خارقين، أو فرداً في منتهى الكمال لذلك النوع، كذلك لكل فرد زمانٌ خارقٌ لظروف وشرائط عجيبة بحيث إن سائر الأفراد والأزمنة بالنسبة لذلك الفرد الخارق والزمان الخارق تكون بمثابة ذرات لا قيمة لها أو كأسماك صغيرة بالنسبة للحوت الضخم.

وبناء على هذا السر الدقيق فإن الجملة الأولى رغم أنها قضية كلية ظاهراً فإنها ليست دائمة. إلاّ أنها تضع أمام أنظار البشر أرهب قاتل من حيث الزمان.

نعم، سيكون زمان تُسبب فيه كلمة واحدة في توريطَ جيش كامل في الحرب، وطلقةٌ واحدة في إبادةِ ثلاثين مليون نسمة وكما حدث.([1]) وستكون هناك أحوال بحيث إن حركة بسيطة تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، وفعل صغير يرديه إلى أسفل سافلين.

فهذه الحالات التي هي قضايا مطلقة أو منتشرة زمانياً تؤخذ بنظر الاعتبار لنكتة بلاغية عظيمة.

فالأفراد العجيبون والأزمنة العجيبة تُترك على الإطلاق والإبهام. فمادام الولي في الناس، وساعة الإجابة في الجمعة، وليلة القدر في شهر رمضان، واسم الله الأعظم في الأسماء الحسنى، والأَجَل في العمر، مجهولاً؛ سيظل لسائر الأفراد قيمتهم وأهميتهم. بينما إذا تعيّن أولئك الأفراد وتلك الأزمنة تسقط أهمية سائر الأفراد والأزمنة. فإن عشرين سنة من عمر مبهم أفضل من ألف سنة من عمر معلوم النهاية؛ حيث الوهم يمتد إلى الأبدية ويجعلها محتملة الوقوع فتُقنع النفس في العمر المبهم. بينما في العمر المعين يكون كمن يتقرب إلى الإعدام خطوة خطوة بعد مضي نصف العمر.

تنبيه: هناك آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة وردت بصورة مطلقة إلا أنها عُدّت كلية، وهناك أخرى منتشرة مؤقتة إلا أنها عدّت دائمة، وهناك أخرى مقيدة إلا أنها اعتُبرت عامة.

فمثلاً: ورد بهذا المعنى: إن هذا الشيء كفر. أي لم تنشأ هذه الصفة من الإيمان، أي أنها صفةٌ كافرة. ويكون ذلك الشخص قد كَفَر لهذا السبب. ولكن لا يقال: إنه كافر؛ ذلك لأنه يملك صفات أخرى بريئة من الكفر قد نشأت من الإيمان، فهو إذن يحوز أوصافاً أخري نابعة من الإيمان، إلاّ إذا عُلم يقيناً أن تلك الصفة قد نشأت من الكفر، لأنها قد تنشأ من أسباب أخرى. ففي دلالة الصفة شك، وفي وجود الإيمان يقين، والشك لا يزيل اليقين، فينبغي للذين يجرؤون على تكفير الآخرين بسرعةٍ أن يتدبروا!

الجملة الثانية:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

الإحياء باعتبار المعنى الظاهري المجازي يبين دستورَ تضاعف الحسنات تضاعفاً غير محدود. ولكن بمعناه الأصلي، يرمز إلى قَطْع دابرِ الشرك والاشتراك من الأساس في الخلق والإيجاد. لأن التشبيه الموجود في هذه الجملة وفي الآية الكريمة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان:28) يفهّم معنى الاقتدار. فالتشبيهان يستلزمان -حسب القاعدة المنطقية- "عكس النقيض": من لا يقتدر على إحياء الناس جميعاً لا يقتدر على إحياء نفس واحدة.

بمعنى أن الآية الكريمة تدل إشارة إلى هذا المعنى:

ما دامت قدرة الإنسان -والممكنات- غير مقتدرة بالبداهة على خلق السماوات والأرض فلا يمكن أن تخلق شيئاً أبداً ولو حجيرة واحدة.

بمعنى أن من لا يملك قدرة قادرة على تحريك الأرض والنجوم والشموس كلِّها كتحريك خرز المسبحة وتدويرها، ليس له أن يدّعى الخلق والإيجاد في الكون قطعاً.

أما ما يصنعه البشر ويتصرف فيه، فإنما هو كَشْفٌ لجريان النواميس الإلهية في الفطرة، وانسجامٌ معها واستعمالُها لصالحه.

فهذا الحد من الوضوح البيّن في البرهان وسطوعه إنما هو من شأن إعجاز القرآن. والآية الكريمة الآتية تثبت ذلك:

﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ لأن القدرة الإلهية ذاتية لا يتخللها العجز، وهي متعلقة بالملكوتية فلا تتداخل فيها الموانع، ونِسَبُها قانونية، فالجزء يكون في حكم الكل والجزئيُّ في حكم الكلي.

النقطة الأولى:

إن القدرة الإلهية الأزلية ضرورية للذات الجليلة المقدسة.

أي أنها بالضرورة لازمة للذات المقدسة، فلا يمكن أن يكون للقدرة منها فكاك مطلقاً، لذا فمن البديهي أن العجز الذي هو ضد القدرة لا يمكن أن يَعرض للذات الجليلة التي استلزمت القدرة، لأنه عندئذ سيجتمع الضدان، وهذا محال.

فما دام العجز لا يمكن أن يكون عارضاً للذات، فمن البديهي أنه لا يمكن أن يتخلل القدرةَ اللازمة للذات أيضاً.. ومادام العجز لا يمكنه أن يدخل في القدرة مطلقاً فبديهي إذن أن القدرة الذاتية ليست فيها مراتب، لأن وجود المراتب في كل شيء يكون بتداخل أضداده معه، كما هو في مراتب الحرارة التي تكون بتخلل البرودة، ودرجات الحسن التي تكون بتداخل القُبح.. وهكذا فقس.

أما في الممكنات فلأنه ليس هناك لزومٌ ذاتي حقيقي أو تابع؛ أصبحت الأضدادُ متداخلة بعضها مع البعض الآخر، فتولّدت المراتبُ ونتجت عنها الاختلافاتُ، فنشأت منها تغيرات العالم. وحيث إنه ليست هناك مراتب قط في القدرة الإلهية الأزلية، لذا فالمقدَّرات هي حتماً واحدةٌ بالنسبة إلى تلك القدرة، فيتساوى العظيم جداً مع المتناهي في الصغر، وتتماثل النجوم مع الذرات، وحشرُ جميع البشر كبعث نفس واحدة.

المسألة الثانية: أن القدرة الإلهية تتعلق بملكوتية الأشياء..

نعم، إن لكل شيء في الكون وجهين كالمرآة:

أحدهما: جهة الـمُلك وهي كالوجه المطلي الملوَّن من المرآة.

والأخرى هي جهة الملكوت وهي كالوجه الصقيل للمرآة.

فجهة الملك، هي مجالُ وميدانُ تجوّلِ الأضداد، ومحلُّ ورودِ أمور الحُسن والقُبح والخير والشر والصغير والكبير والصعب والسهل وأمثالها.. لذا وضعَ الخالق الحكيم الأسبابَ الظاهرة ستاراً لتصرفاتِ قدرته، لئلا تَظهر مباشرةُ يد القدرة الحكيمة بالذات على الأمور الجزئية التي تَظهر للعقول القاصرة التي ترى الظاهر، كأنها خسيسة غير لائقة، إذ العظمة والعزّة تتطلب هكذا.. إلاّ أنه سبحانه لم يعط التأثير الحقيقي لتلك الأسباب والوسائط؛ إذ وحدة الأحدية تقتضي هكذا أيضاً.

أما جهة الملكوت، فهي شفافة صافية نزيهة في كل شيء، فلا تختلط معها ألوانُ ومزخرفات التشخصات... هذه الجهة متوجهة إلى بارئها دون وساطة، فليس فيها ترتب الأسباب والمسبّبات ولا تسلسلُ العلل، ولا تدخل فيها العليّةُ والمعلولية ولا تتداخل الموانع، فالذرة فيها تكون شقيقةَ الشمسِ.

إن القدرة هي مجردة، أي ليست مؤلفة ومركبة، وهي مطلقة غير محدودة، وهي ذاتية أيضاً. أما محل تعلقها بالأشياء فهي دون وساطة، صافيةٌ دون تعكر، ودون ستار ودون تأخير، لذا لا يَستكبر أمامها الكبيرُ على الصغير، ولا تُرجَّح الجماعةُ على الفرد ولا يتبجّح الكل أمام الجزء ضمن تلك القدرة.

المسألة الثالثة: نسبة القدرة قانونية..

﴿وَلِلهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾(النحل:60) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(الشورى:11)

فهذه المسألة الغامضة سنقرّبها إلى الذهن ببعض الأمثلة؛ حيث التمثيل يقرب التصوير إلى الأذهان.

المثال الأول: "الشفافية"

إن تجلّي ضوء الشمس يُظهر الهويةَ نفسَها على سطح البحر أو على كل قطرة من البحر، فإذا كانت الكرة الأرضية مركّبة من قِطَع زجاجية صغيرة شفافة مختلفة تقابل الشمس دون حاجز يحجزها، فضوء الشمس المتجلي على كل قطعة على سطح الأرض وعلى سطح الأرض كلها يتشابه ويكون مساوياً دون مزاحمة ودون تجزؤ ودون تناقص.. فإذا افترضنا أن الشمس فاعل ذو إرادة وأعطت فيضَ نورها وإشعاع صورتها بإرادتها الأرض، فلا يكون عندئذٍ نشرُ فيضِ نورها على جميع الأرض أكثَر صعوبة من إعطائها ذرة واحدة.

المثال الثاني: "المقابلة"

هب أنه كانت هناك حلقة واسعة من البشر يحمل كلُّ واحد منهم مرآة بيده، وفي مركز الدائرة رجل يحمل شمعة مشتعلة، فإن الضوء الذي يرسله المركز إلى المرايا في المحيط واحد، ويكون بنسبة واحدة، دون تناقص ودون مزاحمة ودون تشتّت.

المثال الثالث: "الموازنة"

إن كان لدينا ميزان حقيقي عظيم وحساس جداً وفي كفتيه شمسان أو نجمان، أو جبلان، أو بيضتان، أو ذرتان.. فالجهد المبذول هو نفسه الذي يمكن أن يرفع إحدى كفتيه إلى السماء ويخفضَ الأخرى إلى الأرض.

المثال الرابع: "الانتظام"

يمكن إدارة أعظم سفينة -لأنها منتظمة جداً- كأصغر دمية للأطفال.

المثال الخامس: "التجرد"

إن الميكروب مثلاً كالكركدن يحمل الماهية الحيوانية وميزاتها، والسمك الصغير جداً يملك تلك الميزة والماهية المجردة كالحوت الضخم، لأن الماهية المجردة من الشكل والتجسم تدخل في جميع جزيئات الجسم من أصغر الصغير إلى أكبر الكبير وتتوجه إليها دون تناقص ودون تجزؤ، فخواص التشخصات والصفات الظاهرية للجسم لا تُشوِش ولا تتداخل مع الماهيّة والخاصة المجرّدة، ولا تُغيِّر نظرة تلك الخاصة المجردة.

المثال السادس: "الطاعة"

إن قائد الجيش بأمره: "تَقَدمْ" مثلما يحرّك الجندي الواحد فإنه يحرّك الجيش بأكمله كذلك بالأمر نفسه. فحقيقةُ سرِّ الطاعة هي أن لكل شيء في الكون -كما يشاهَد بالتجربة- نقطةَ كمال، وله ميل إليها، فتضاعُف الميل يولّد الحاجة، وتضاعُف الحاجة يتحول إلى شوق، وتضاعف الشوق يكوّن الانجذاب، فالانجذاب والشوق والحاجة والميل.. كلّها نوىً لامتثال الأوامر التكوينية الرّبانية وبذورُها من حيث ماهية الأشياء.

فالكمال المطلق لماهيات الممكنات هو الوجود المطلق، ولكن الكمال الخاص بها هو وجودٌ خاص لها يُخرج كوامن استعداداتها الفطرية من طَور القوة إلى طور الفعل... فإطاعة الكائنات لأمرِ "كُنْ" كإطاعةِ الذرة الواحدة التي هي بحكم جندي مطيع. وعند امتثال الممكنات وطاعتها للأمر الأزلي: "كُن" الصادرِ عن الإرادة الإلهية تندمج كليّاً الميولُ والأشواقُ والحاجاتُ جميعها، وكل منها هو تجلٍّ من تجلّيات تلك الإرادة أيضاً. حتى إن الماء الرقراق عندما يتلقى -بمَيلٍ لطيفٍ منه- أمراً بالانجماد، يَظهر سرّ قوة الطاعة بتحطيمه الحديد.

فإن كانت هذه الأمثلة الستة تَظهر لنا في قوة الممكنات المخلوقات وفي فعلها وهي ناقصة ومتناهية وضعيفة وليست ذات تأثير حقيقى، فينبغي إذن أن تتساوى جميع الأشياء أمام القدرة الإلهية المتجلّية بآثار عظمتها.. وهي غير متناهية وأزليةٌ، وهي التي أوجدت جميع الكائنات من العدم البحت وحيّرت العقول جميعها، فلا يصعب عليها شيء إذن. ولا ننسى أن القدرة الإلهية العظمى لا توزن بموازيننا الضعيفة الهزيلة هذه، ولا تتناسب معها، ولكنها تُذكَر تقريباً للأذهان وإزالةً للاستبعاد ليس إلاَّ.

نتيجة الأساس الثالث وخلاصته: ما دامت القدرة الإلهية مطلقة غير متناهية، وهي لازمة ضرورية للذات الجليلة المقدسة، وأن جهة الملكوت لكل شيء تُقابلها وتتوجه إليها دون ستار ودون شائبة، وأنها متوازنة بالإمكان الاعتباري الذي هو تَساوي الطرفين، وأن النظام الفطري الذي هو شريعة الفطرة الكبرى مطيع للفطرة وقوانينِ الله ونواميسِه، وأن جهة الملكوت مجردة وصافية من الموانع والخواص المختلفة... لذا فإن أكبر شيء كأصغره أمام تلك القدرة، فلا يمكن أن يُحْجِم شيءٌ أيّاً كان أو يتمرّد عليها. فإحياءُ جميع الأحياء يوم الحشر هينّ عليه كإحياء ذبابة في الربيع، ولهذا فالآية الكريمة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أمرٌ حق وصدق جلي لا مبالغة فيه أبداً.

* * *

﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾(آل عمران:64)

نورد نكتة واحدة من بين أُلوف نكات هذه الآية الكريمة:

إنه بقطع النظر عن مشرب الصوفية، فإن الإسلام يرفض الواسطة ويقبل الدليل، وينفي الوسيلة ويثبت الإمام؛ بينما غيره من الأديان يقبل الواسطة. فبناء على هذا السر الدقيق يستطيع النصراني أن يصبح متديناً إذا أشغل مقامات من حيث الثروة والمنصب. بينما في الإسلام: العوامُّ هم المتمسكون بالدين أكثر من ذوي الثروات والمناصب؛ وذلك لأن النصراني ذا المقام يحافظ على نصرانيته وأنانيته بقدر تعصبه في دينه، فلا ينقص ذلك من تكبره وغروره، بينما المسلم يبتعد عن التكبر والغرور بقدر تمسكه بالدين، بل ينبغي له أن يتنازل عن عزة المنصب.

ومن هنا فالنصرانية ربما تتمزق بهجوم العوام المظلومين على الظالمين الذين يَعُدّون أنفسهم خواص النصارى، حيث النصرانية تُعِين تحكّمهم. بينما الإسلام لا ينبغي أن يتزعزع لأنه ملك العوام أكثرَ من الخواص الدنيويين.

* * *

﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام:164)

تُمثل هذه الآية الكريمة أعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية. أما الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾(الأحزاب:72) فتُبين استعدادَ الإنسان إلى الظلم الرهيب المغروز في فطرته.

والسر في ذلك هو: أن القوى والميول المودَعة في الإنسان لم تُحَدَّد، خلافاً للحيوان؛ لذا فإن الميل للظلم وحبّ الذات يتماديان كثيراً وبشكل مخيف.

نعم، إن حب الإنسان لنفسه، وتحريَ مصلحته وحده، وحبه لذاته وحده، من الأشكال الخبيثة لـ"أنا والأنانية"، وإذا ما اقترن العناد والغرور بذلك الميل تولدت فظائع بشعة بحيث لم يعثر لها البشر على اسم بعدُ. وكما أن هذا دليل على وجوب وجود جهنم كذلك لا جزاء له إلاّ النار.

ولنتناول هذا الدستور في:

نطاق الشخص:

يحوز الشخص أوصافاً كثيرة؛ إن كانت صفةٌ منها تستحق العِداء، فيقتضي حصرَ العِداء في تلك الصفة وحدها، حسب القانون الإلهي الوارد في الآية الكريمة، بل على الإنسان أن يشفق على ذلك الشخص المالك لصفات بريئة كثيرة أخرى ولا يعتدي عليه؛ بينما الظالم الجهول يعتدي على ذلك الشخص لصفة جانية فيه، لما في طبيعته من ظلم مغروز، بل تَسري عداوته لأوصاف بريئة فيه، حيث يخاصم الشخص نفسه، وربما لا يكتفي بالشخص وحده فيشمل ظلمُه أقاربَ الشخص بل كلَّ من في مسلكه، علماً أن تلك الصفة الجانية قد لا تكون نابعة من فساد القلب، وربما هي نتيجة أسباب أخرى، حيث إن أسباباً كثيرة تولد الشيء الواحد، فلا تكون الصفة جانية، بل حتى لو كانت تلك الصفة كافرة أيضاً لا يكون الشخص جانياً.

وفي نطاق الجماعة:

نشاهد أن شخصاً حريصاً، قد طرح فكراً ينطوي على رغبة، فقال بدافع الانتقام أو بدافعِ اعتراضٍ جارح: سيتبعثر الإسلام ويتشتت، أو ستمحى الخلافة. فيتمنى أن يُهانَ المسلمون -العياذ بالله- وتُخنق الأخوةُ الإسلامية، لكي يَظهر صدق كلامه ويَشبع غرورُه وأنانيته فحسب، بل يحاول إيضاح ظلم الخصم الجاحد في صورةِ عدالةٍ، باختلاقِ تأويلات وحذلقات لا تخطر على بال.

وفي نطاق المدنية الحاضرة:

نشاهد أن هذه المدنية المشؤومة قد أعطت البشريةَ دستوراً ظالماً غداراً، بحيث يزيل جميعَ حســـــناتها، ويبين السرَّ في قلق الملائكة الكرام لدى استفسارهم ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾(البقرة:30) إذ لو وُجد خائن واحد في قصبة، فإنها تقضي بتدميرها وبمن فيها من الأبرياء، ولو وجد عاصٍ واحد في جماعة فهي تقضي بالقضاء على تلك الجماعة مع أفرادها وعوائلها وأطفالها. ولو تحصّن من لا يخضع لقانونها في جامع أياصوفيا فإنها تقضي بتخريب ذلك البناء المقدس الذي هو أثمن من مليارات الذهب. وهكذا تحكُم هذه المدنية بوحشية رهيبة.

فلئن كان المرء لا يؤاخَذ حتى بجريرةِ أخيه، فكيف تدان ألوفُ الأبرياء في قصبةٍ أو في جماعة لوجودِ مخرِّب واحد فيها. علماً أنه لا تخلو مدينة أو جماعة منهم.

* * *

 

 

 

[1]() لقد كانت طلقة جندي أطلقت على ولي عهد النمسا سبباً في إشعال نار الحرب العالمية الأولى التي ذهب ضحيتها ثلاثون مليون نسمة. (المؤلف)

 

 

Ekranı Genişlet