المقالة الأولى

 

 

عنصر الحقيقة

 

 

مقدمات ومسائل

إن من دســـاتير أهل العلم المحققين الاســـتنادَ إلى مقدمات، بلوغاً إلى الهدف والقصد. لذا ننصب سُلَّماً ذا اثنتي عشرة مرتبة:

 

 

 

المقدمة الأولى

من الأصول المقررة: أنه إذا تعارض العقلُ والنقلُ، يعدّ العقلُ أصلاً ويؤوّل النقل، ولكن ينبغي لذلك العقل أن يكون عقلاً حقاً.([1])

ثم قد تحقق أيضاً: أن مقاصدَ القرآن الأساسية وعناصرَه الأصلية المنبثة في كل جهاته أربعةٌ: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدل.

أي إن القرآن هو وحدَه الكفيلُ بالإجابة عن الأسئلة التي تسألها الحكمةُ من الكائنات: من أين؟ وبأمرِ مَن تأتون؟ مَن سلطانُكم ودليلكم وخطيبكم؟ ما تصنعون؟ وإلى أين تصيرون؟

ولهذا فذِكرُ الكائنات في القرآن الكريم -مما سوى المقاصد- إنما هو ذكرٌ استطرادي لبيان طريق الاستدلال على الصانع الجليل بانتظام الصنعة.

نعم، الانتظام يشاهَد، بل يُظهر نفسَه بكل وضوح. فالصنعةُ المنتظمة تشهد على وجود الصانع وعلى قصده وإرادته شهادةً صادقة قاطعة، إذ تتراءى في كل جهة من جهات الكون وتتلألأ من كل جانب.. وتعرض جمال الخلق إلى أنظار الحكمة، حتى لكأن كلَّ مصنوع لسانٌ يسبّح بحكمةِ صانعه، كلُّ نوع يشهد مشيراً بإصبعه إلى حكمة الصانع.

فمادام المقصد هو هذا، وما دمنا نتعلم من كتاب الكائنات الرموزَ والإشارات الدالة على الانتظام، وأن النتيجة الحاصلة واحدة، فكيفما كان تشكُّل الكائنات في ذاتها، فلا علينا، إذ لا تتعلق بنا.

ولكن كلّ فرد من أفراد الكائنات، الذي دخل ذلك المجلسَ القرآني الرفيع موظفٌ بأربع وظائف:

الأولى: إعلان عظمةِ الخالق الجليل بانتظامه واتفاقه مع غيره.

الثانية: إظهارُه أن الإسلامَ زبدةُ العلوم الحقيقية، حيث إن كلاً من الأفراد موضوعٌ وخلاصةٌ لعلم من العلوم الحقيقية .

الثالثة: إثبات تَطابُق الإسلام مع القوانين والنواميس الإلهية الجارية في العالم، وانطباقه عليها، لينمو الإسلام ويترعرع بإمدادِ تلك النواميس الفطرية، حيث إن كلَّ فرد من الكائنات نموذجٌ لنوع.

نعم، إن الإسلام، الدينَ المبين، يتميّز بهذه الخاصية عن سائر الأديان المترددة بين الهوى والهوَسات، لفقدانها الجذور العريقة الممدة لها؛ فتارة تضيء وأخرى تنطفئ، وتتغير بسرعة.

الرابعة: توجيه الأفكار إلى حقائق الأشياء والحثُّ عليها والتنبيه إليها، من حيث إن كل فرد منها نموذجٌ لحقيقة من الحقائق.

فمثلاً: إن القَسَم بالأجرام العلوية والسفلية في القرآن الكريم، إنما هو لتنبيه الغافلين دوماً وحثِّهم على التفكير. فالقَسَم القرآني قرعُ العصا لمن غطّ في نوم الغفلة.

فالذي تَحقق الآن هو الآتي:

إن القرآن الكريم الذي هو معجز، وفي أسمى بلاغة وأرفعِها، يسلك بلا ريب أوضحَ طرق الاستدلال وأصوبها وأقصرها وأوفقها لأساليب اللغة العربية، أي إنه يراعي حسيّات العوام لأجل إفهامهم وإرشادهم، أي يذكر الدليلَ -وهو انتظام الكون- بوجه يكون معروفاً لديهم وتأنَس به عقولُهم.. وبخلافه يكون الدليلُ أخفى من المدَّعَى مما ينافي طريق الإرشاد ومنهجَ البلاغة ومذهبَ الإعجاز.

فمثلاً: لو قال القرآن: أيها الناس! انظروا إلى الكرة الأرضية الطائرة في انجذاب ونَشوَة والسائرةِ في جو الفضاء، وتأملوا في الشمس المستقرة مع حركتها والأجرام العلوية المرتبط بعضُها ببعض بالجاذبة العامة، وتدبّروا في العناصر الكثيرة المرتبط بعضُها ببعض بأواصرَ كيماوية في شجرة الخلقة المنتشرة فروعُها في الفضاء غير المحدود.. لتتصوروا عظمةَ الصانع!! أو انظروا بمجهر عقولكم إلى قطرة ماء، التي تستوعب عالَماً من الحيوانات، بأن الله على كل شيء قدير.!!

فلو قال القرآن هذا، أمَا كان الدليلُ أخفى وأغمضَ من المدَّعَى وأحوجَ إلى التوضيح؟ أما كان ذلك تنويراً للحقيقة بشيء مظلم بالنسبة لهم! أو تكليفَهم بأمرٍ غير معقول هو مغالطة أنفسهم تجاه بداهة حسّهم!

إن إعجاز القرآن أجلّ وأطهر من أن يقع على ذيله الصافي اللامعِ غبارُ إخلال الأفهام. ولقد لوّح القرآنُ الكريم إلى المقصد الحقيقي في معاطف الآيات البينات وتلافيفها، كما جعل قسماً من ظواهر الآيات مناراً ومرشداً إلى المقصد، كالكناية عليه.

ومن الأصول المقررة أيضاً: أن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى "المعاني الأولى" كما يعبِّر عنها فنُّ البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى "المعاني الثانوية". فكما إذا قيل: "طويلُ النّجاد" فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخصُ طويلَ القامة وإن لم يكن له سيف. وكما تكون الكلمة الواحدة في كلامٍ قرينةَ المجاز([2]) للاستعارة، فإن طائفة من الآيات الكريمة، كأنها كلمة واحدة لكلام الله، تكون قرائن لحقائقِ وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وأدلاّء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.

حاصل الكلام: من لم يضع هذه الحقيقة نصبَ العين، وعجزَ عن موازنة الآيات، ولم يتمكن من الحُكم بينها حكماً عدلاً، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاةَ: إن القرآن يقول: ﴿لَا تَقْرَبوا الصَّلاَة﴾.. أما ما بعده فلستُ حافظاً للآية! ألاَ يكون هذا موضع هزء في نظر الحقيقة؟!

 

[1]() وذلك إذا كان العقل قطعي الدلالة والنقل ظني الدلالة، فيؤول الظني ليوافق القطعي. أما إذا كانا قطعيين فلا تعارض أصلا. وأما إذا كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.(المحقق)

[2]() أي الإشارة التي تخص المجاز، أي التي تجعل الكلمة مجازاً حتماً وهي القيد الذي يحول الكلمة عن معناها الحقيقي.

Ekranı Genişlet