رسالة الخطأ

Notice :Trying to get property of non-object في include() (السطر 342 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/templates/risaleoku.tpl.php).

 

 

حادثة 31 مارت [13 نيسان 1909م] ([1])

«لقد شاهدتُ الحركة الرهيبة التي حدثت في 31 مارت لبضع دقائق، فسمعت مطالب عدة؛ فكما إذا أديرت ألوان سبعة بسرعة لا يظهر إلاّ اللون الأبيض فكذلك لم يظهر من تلك المطالب إلاّ لفظ الشريعة التي تخفف فساد تلك المطالب المتباينة من الألف إلى الواحد، وتنقذ العوام من الفوضى والاضـطراب، والتي تحافظ حفاظاً معجزاً على السياسة من أن تكون لعبة بيد الأفراد. فأدركت أن الأمر ينساق إلى الفسـاد؛ إذ الطاعة قد اختلت، والنصائح لا تجدي؛ وإلاّ كنت اندفع إلى إطفاء تلك النار مثلما كنت أطفئ غيـرها، ولكن العوام هم الأغلبية، وأصدقائي غافلون وبسطاء، وأنا أظهر بمظهر الشهرة الكاذبة.

فبعد ثلاث دقائق انسحبتُ ذاهباً إلى "باقركُويْ"([2]) كي أحُول بين معارفي وبين المشاركة في الأمر. وأوصيت كل من قابلني بعدم المشاركة. فلو كان لي نية في المشاركة -بمقدار أنملة- لكنت أظهر على مسرح هذا الحدث ظهوراً عظيماً حيث إن ملابسي تعلن عني وشهرتي التي لا أريدها ذائعةٌ بين الجميع. وربما كنت أثبت وجودي بمقاومة جيش الحركة إلى "أياستافانونس".([3]) ولو وحدي ثم أموت بشرف ورجولة. وعندئذٍ كان تدخلي في الأمور من البديهيات. فلا تبقى حاجة إلى التحقيق.

 

128
__________________________

 

وفي اليوم الثاني استفسرت من الجنود المطيعين -الذين هم يمثلون عقدة الحياة لنا - فقالوا إن الضباط قد لبسوا ملابس الجنود، فالطاعة ليست مختلة كثيراً.

ثم كررت السؤال: كم من الضباط أصيبوا؟ فخدعوني قائلين: أربعة فقط، وهؤلاء كانوا من المستبدين. وسوف تنفذ آداب الشريعة وحدودها.

ثم تصفحت الجرائد ورأيت: أنها أيضاً ترى تلك الحركة حركة مشروعة وتصورها على هذه الصورة، ففرحت من جهة، لأن أقدس غاية لديّ هي تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقاً كاملاً. ولكن يئست أشد اليأس وتألمت كثيراً باختلال الطاعة العسكرية. فخاطبت الجنود بلسان جميع الجرائد وقلت:

"أيها الجنود! إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بإثم واحد فإنكم بعصيانكم تظلمون حقوق ثلاثين مليوناً من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين. لأن شرف العثمانيين وعامة المسلمين وسعادتهم ولواء وحدتهم قائمة -بجهة- في طاعتكم.

ثم إنكم تطالبون بالشريعة ولكنكم تخالفونها بعصيانكم هذا".

ولقد باركتُ حركتهم وشجاعتهم لأن الصحف التي هي ألسنة كاذبة للرأي العام قد أظهرت لنا أن حركتهم مشـروعة. فلقد تمكنت -بتقديرهم هذا- أن أؤثّر بنصيحتي فيهم. فهدّأتُ العصيان إلى حدٍ ما. وإلاّ لما كان الأمر يكون سهلاً.([4])

ولكن وا أسفى، لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سداً أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى المشروطية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبع حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمة بالإلحاد وعدم الاكتراث بالدين.([5])

 

 

129
__________________________

 

ولقد رأيت في حادثة (31 مارت) حالة قريبة من هذا: عندما نادى من كانوا يجودون بأرواحهم للإسلام من أصحاب الهمم بالدعوة إلى المشروطية، والذين كانوا يعتقدون أن نعمة المشروطية غاية المنى وجوهر الحياة، وجدّوا في تطبيق تفرعاتها وفق الشـريعة مرشدين المسؤولين في الدولة وموجهين لهم للتوجه إلى القبلة في صلاة العدالة طالبين إعلاء الشريعة المقدسة حقاً بقوة المشروطية، وإبقاء المشروطية بقوة الشريعة، محمّلين مخالفة الشريعة السيئات السابقة جميعَها، فما إن نادى هؤلاء بهذا النداء وقاموا بتطبيق بعض الأمور الفرعية إذا ببعض مَن لا يميّز يمينه عن شماله يبرز أمامهم ويجابهونهم ظناً منهم أن الشريعة تشد أزر الاستبداد -حاشـاها- فقلّدوا كالببغاء منادين: "إنّا نطالب بالشريعة" فاختفى الهدف ولم يعد يُفهم القصـد الحقيقي، وانجر الوضع إلى ما رأيتم. ومعلوم أن الخطط قد مُهّدت وحيكت من قبل. فلما آل الأمر إلى هذا هجم بعض من يتقنع كذباً بالحميّة على ذلك الاسم السامي، واعترضوا متعدين عليه. فدونكم نقطة سوداء مظلمة جديرة بالاعتبار.([6]) ذلك أن ما يسمى بحادثة 31 مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هُيأت -تحت أسباب اعتيادية- استعداداً طبيعياً بحيث ورد -من عند اللّٰه- على لسان القائمين بها اسم الشريعة المظهرة معجزتها دوماً رغم أن نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.

ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فانه يُدين -أمام اللّٰه- تلك الصحف التي أطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.

فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسباب السبعة والأحوال السبع التي أدّت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقة بجلاء وهي كالآتي:

1- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.

2- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.

3- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرر وصُمّم عليه.

 

 

130
__________________________

 

4- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والآداب الدينية.

5- الكشف عن قاتل السيد "حسن فهمي"(*) بعد أن تم تضخيم موضوع اغتياله.

6- تسـوية موضوع الضباط "آلايلي"([7]) الذين اُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافهم.

7- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية على التصـرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.

بيد أن الأرضية الآسنة كانت مهيأة، والخطط والمنـزلقات كانت جاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جداً ضحية لها.

إن أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء "الأحزاب" وغلو الصحف في المجادلات المبالغ فيها بالكذب عوضاً عن بلاغة الكلام...»([8])

إرجاعه الجنود إلى الطاعة

«ذهبت بصحبة العلماء يوم الجمعة إلى الجنود الذين تمردوا في الوزارة الحربية. وقد أخضعت ثمانية طوابير إلى الطاعة بخطب مؤثرة جداً. ولقد أظهرتْ نصائحي فوائدها بعد مدة. أذكر لكم صورة خطابي:

أيها العساكر الموحِّدون!

إن شرف ثلاثين مليوناً من العثمانيين وثلاثمائة مليون من المسلمين وكرامتهم وسعادتهم ورمز وحدتهم منوطة -من جهة- بطاعتكم. إن كان -الضباط- يظلمون أنفسهم بخطيئة واحدة فإنكم بعصيانكم هذا تظلمون ثلاثمائة مليون من المسلمين. لأنكم بعصيانكم هذا تلقون الأخوة الإسلامية إلى التهلكة.

اعلموا جيداً! أن مركز الجندي عظيم جداً، إذ هو أشبه ما يكون بالمعمل، فإذا اختل دولاب منه يختل العمل في المعمل كله.

 

 

131
__________________________

 

ألا إن الجنود الأفراد لا يتدخلون بالسياسة، والانكشاريون([9]) خير شاهد على هذا. إنكم تطالبون بالشريعة إلاّ أنكم تخالفونها وتلوثونها.

إنه ثابت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجربة أن الطاعة فرض لولى الأمر المستقيم المتديِّن القائم بالحق؛ فأول ياء أموركم هم ضباطكم. فكما أن مهندساً ماهراً وطبيباً حاذقاً إذا ما ارتكب الآثام لا تتضرر مهنة الطب والهندسة كذلك ضبـاطكم الذين هم منورو الفكر ومثقفون ومطلعون على فنون الحرب وذوو الغيرة والشهامة وهم المؤمنون. فلا تظلموا العثمانيين جميعاً والمسلمين بعصيانكم لأوامرهم جراء حركة جزئية غير مشروعة تصدر منهم، ذلك لأن العصيان ليس ظلماً واحداً بل هو تجاوز على حقوق ملايين من الأفراد. أنتم تعلمون أن راية التوحيد الإلهي محمولة على يد شجاعتكم. وقوة تلك اليد في الطاعة والنظام، حيث إن ألفاً من المطيعين المنظمين يعدل مائة ألف من السائبين. وغني عن البيان فإن ثلاثين مليوناً من العثمانيين لم يقوموا بمثل هذه الانقلابات الدموية طوال مائة سنة، فلقد قمتم بها بطاعتكم من دون إراقة دماء.

وأضيفُ أيضاً؛ إن إضاعة ضابط ذي حمية وثقافة ودراية يعني إضاعةَ قوتكم المعنوية، لأن الغالب في الوقت الحاضر هو الشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية. وأحياناً يعدل مثقف واحد منهم مائة من غيرهم. فالأجانب يسعون أن يغلبوكم بهذه الشجاعة، إذ الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.

خلاصة الكلام: إني أبلغكم ما أمره الرسول الأعظم r وهو: أن الطاعة فرض، فلا تعصوا ضباطكم. فليحيا الجنود، ولتعش المشروطية المشروعة.([10])

وقد سمعت أن قسماً من الجنود بدؤوا ينتسبون إلى بعض الجمعيات، فتذكرت الحادثة الرهيبة للانكشاريين. فقلقت كثيراً واضطربت، فكتبت في إحدى الصحف:

إن أسمى جمعية وأقدسها في الوقت الحاضر، هي جمعية الجنود المؤمنين.

 

132
__________________________

 

فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية. إذ إن أقدس هدف لأقدس جمعية في العالم هو الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة اللّٰه. فالجنود المؤمنون قاطبة يدعون إلى هذا الهدف. ألا إن الجنود هم المراكز، فعلى الأمة والجمعيات أن ينتسبوا إلى الجنود، إذ الجمعيات الأخرى ما هي إلاّ لجعل الأمة جنوداً في المحبة والأخوة. أما الاتحاد المحمدي الذي هو شامل لجميع المؤمنين فهو ليس جمعية ولا حزباً، إذ مركزه وصفّه الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.

فليس هناك مؤمن ولا جندي فدائي سواءً أكان ضابطاً أو جندياً خارج عن هذا الاتحاد، لذا فلا داعي للانتساب إلى جمعيات أخرى. ومع هذا فلا أتدخل في أمور بعض الجمعيات الخيرة التي لها الحق في أن تطلق على نفسها الاتحاد المحمدي».([11])

سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث (31) مارت

«حينما كانت العدالة والاستقامة قد التبستا مع الرجعية، صيّر الاستبداد الشديد في المشروطية السجن مدرسةً لي.([12])

لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (31) مارت:

إنني طالب شريعة، لذا أزن كل شيء بميزان الشريعة، فالإسلام وحده هو ملّتي، لذا أُقيّم كل شيء وأنظر إليه بمنظار الإسلام، وإنني إذ أقف على مشارف عالم البرزخ الذي تدعونه "السجن" منتظراً في محطة الإعدام، القطار الذي يقلني إلى الآخرة أشجب وأنقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة، فخطابي ليس موجهاً إليكم وحدكم وإنما أوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر، فلقد انبعثت الحقائق من قبـر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾(الطارق:9) فمن كان أجنبياً غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهيئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق.([13]) تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال:

 

133
__________________________

 

قروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب إسطنبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟

فأنا الآن مثل ذلك القروي مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.

لذا فإن إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقاباً لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاع العقاب عليّ فعذّبوني وجداناً، فما دونه ليس عذاباً ولا عقاباً بل فخراً وشرفاً.

لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد. إلاّ أنها الآن تعادي الحياة بأكملها؛ فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق، فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.

لقد كنت آمل أن يهيأ لي موضع لأبيّن فيه أفكاري، وها قد أصبحت هذه المحكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.

في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري: "وأنت أيضاً قد طالبت بالشريعة!"

قلت: "لو كان لي ألف روح، لكنت مستعداً لأن أضحي بها في سبيل حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. أقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون.. فها أنا أبدأ بخطابي:

أيها القادة! أيها الضباط!

إن خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:

إذا محاسني اللاتي أدلّ بها        كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟([14])

وفي البداية أقول: "إن الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة، وإن اتُّهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب؛ فلئن أُعدمتُ ظلماً فإني أغنم ثواب شهيدين معاً، وإن لبثت في السجن فهو بلا ريب أفضل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية إلاّ لفظها، فالموت مظلوماً هو خير من العيش ظالماً".

 

134
__________________________

 

وأقول كذلك: "إن بعضاً ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية أو باستغلال الدين لأجل السياسة ليستروا على سيئاتهم وجرائمهم. إن عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم وكيف نبني العدالة على أقوالهم؟. فضلاً عن أن الإنسان، إذ لا يسلم من تقصير ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخِبّ. ولكن جمع تقصيرات متفرقة وقعت في مدة مديدة ومن تصرف أشخاص كثيرين -والتي يمكن تفاديها بما يتخللّها من محاسن- وتوهّم صدورها من شخص واحد في وقت واحد يجعل ذلك الشخص مستحقاً لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.

والآن سنباشر بذكر جناياتي البالغة إحدى عشرة جناية ونصف جناية"...([15])

(هذا الدفاع الرائع الشجاع طبع مرتين في وقته ونشر، وعندما كان يُنتظر صدور حكم الإعدام من تلك المحكمة الرهيبة حكمت ببراءة بديع الزمان -علماً أنها علقت الكثيرين على أعواد المشانق- ولكن بديع الزمان بدلاً من أن يشكر المحكمة على قرارها سار من منطقة بايزيد -حيث المحكمة- إلى منطقة السلطان أحمد ويعقبه جمّ غفير من الناس، ويهتفون: فلتعش جهنم للظالمين ولتعش جهنم للظالمين).([16])

براءته من المحكمة ودفاعه عن الأبرياء

 ألقيتُ هذه الأسـئـلة في اليوم الثاني من تبرئتي على مسامع خورشيد باشا رئيس المحكمة العسكرية العرفية الأولى، وعلى غيره عدة مرات، وذلك دفاعاً عن المسجونين الأبرياء.([17])

ما جزاء من يتعرض لإنسان تشكّل في صورة ثعبان، ولولي صالح تقمص صفة شقيّ، وللمشروطية التي لبست لباس الاستبداد، وما هم في الحقيقة سوى ثعابين وشقاة ومستبدين؟

هل يكون المستبد شخصاً فرداً واحداً؟ أم يمكن أن يكونوا أشخاصاً عديدين مستبدين؟ وأرى أن القوة يجب أن تكون في القانون، وإلاّ فسيتوزع الاستبداد ويشتد أكثر بالمنظمات.

 

135
__________________________

 

أيّهما أضرّ: إعدام بريء أم العفو عن عشرة جناة؟

أفلا يزيد من سبل النفاق والتفرقة تشديدُ الخناق على أرباب المسالك والفكر، علماً أنه لا يغلبهم؟

أيمكن بغير رفع المحسوبية والامتيازات حصول اتحاد الأمة الذي هو معدن حياتنا الاجتماعية؟

إذا عَدّت فرقة معينة نفسها صاحبة امتيازات على الآخرين، وألجأت الناس إلى الظهور بـمظهر المخالف للمشروطية، وذلك بكثرة تعرض تلك الفرقة لهم وجرحها لمشاعرهم، فعلى من يقع الذنب لو تعرض الجميع للاستبداد العنيد المتستر تحت اسم المشروطية التي تقلدته تلك الفرقة؟

على من تقع المسؤولية فيما لو ترك بستانيّ باب البستان مفتوحاً، ودخل فيه من دخل، ثم ظهر حدوث السرقات؟

لو منحت حرية الفكر والكلام للناس، ثم حوسب شخص على كلامه أو فكره، أفلا يكون ذلك خطة مدبّرة لدفع الأمة المنكوبة إلى النار؟

نرى الجميع يعاهدون المشروطية ويقسمون بها، بينما المعاهد هو نفسه مخالف لمسمّى المشروطية أو ساكت عن مخالفيها، ألا يحتاج ذلك إلى كفّارة اليمين؟ ألا تكون الأمة إذن كاذبة؟ أفلا يعتبر إذَن الرأى العام النـزيه كاذباً ومعتوهاً؟

حاصل الكلام: إن المهيمن على الوضع الحاضر استبداد شديد وتحكم صارم، وذلك من حيث الجهل المتفشي، وكأن الاستبداد والتجسس قد تناسخا روحاً.([18])

خلاصة لهذه الفترة:

«كان سعيد الشاب يتضايق فطرةً من أن يحدد شيء حركته ويقيد أسلوب حياته، ويرغبُ في أن يبقى حراً طليقاً في أطوار حياته وأسلوب معيشته بعيداً عن ضغوط الأوامر وأغلال القوانين، فكان يردد دائماً: "إنني لا أحدد حريتي بأي قانون اعتباطي".

 

136
__________________________

 

وقد شوهد منه هذا التوق إلى الحرية في صفحات حياته كلها، فلم يرضخ لقوانين الضلالة الرهيبة والزندقة الواردة من أوروبا، ورفض أي انقياد كان للاستبداد الرهيب الناشئ من الفلسفة الطبيعية وسعى لبيان حقيقة الإسلام المتضمنة للحرية الشرعية الحقة والحضارة المثلى.

وكان الطابع العام لحياة بديع الزمان في إسطنبول طابعاً سياسياً إلى حد ما، إذ كان يحمل فكرة خدمة الدين عن طريق السياسة، فدفعه عشقه لخدمة الدين إلى هذا الطريق. فناصـر الدعوة إلى الحرية وعارض بشدة جمعية الاتحاد والترقي عندما شاهد من ظلمهم، بل ما كان يتردد أن يصدع في وجوههم قائلاً: لقد اعتديتم على الدين وتعرضتم لغيرة اللّٰه وأدرتم ظهوركم للشريعة.. احذروا فإن العاقبة وخيمة!.

وبعد إعلان الدستور ناصر جمعية "الاتحاد المحمدي" التي بدأت تتوسع بسرعة في زمن قصير حتى انضم إليها خمسون ألفاً من الأعضاء في كل من "آدا بازاري" و"إزميت" بعد نشـر مقالة بديع الزمان.. وفي هذه الفترة تعاقبت مقالاته في الصحف الدينية([19]) وخطبه التي كان يلقيها للحيلولة دون تفسير الحرية تفسيراً خاطئاً وتغييـر مجراها الحقيقي. ولإعلام الناس أن الرضى بالمشروطية يكون مشروطاً بالشرع.. فاستفاد الناس والسياسيون والعلماء من تلك المقالات والخطب أيما استفادة.

وكان يبشر الناس دوماً ببزوغ الفجر الصادق لسعادة آسيا الدنيوية، وذلك بانتباه الروح الملية بشرط الامتثـال بالأوامر الشرعية، لئلا تفلت تلك اليقظة الملية. وكان يحذّر قائلاً: "إن لم نقبل المشروطية المشروعة، والحرية الشرعية ولم يطبقا على الوجه المطلوب فسوف نضيعهما وستحل إدارة مستبدة محلهما"».([20])

 

 

137
__________________________

 

سنة 1910م/1328هـ

في طريقه إلى "وان"

«لم يلبث في إسطنبول، بل غادرها إلى "وان" عن طريق "باطوم". وفي طريقه إلى "وان" مرّ على مدينة "تفليس" وصعد على "تل الشيخ صنعان"».([21])

محاورة مع البوليس الروسي

«قبل عشر سنوات ذهبت إلى "تفليس" وصعدت تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء أراقبها. اقترب مني أحد رجال البوليس فقال:

- بم تنعم النظر؟

قلت: أخطط لمدرستي!

قال: من أين أنت؟

قلت: من بتليس

قال: وهنا تفليس!

قلت: بتليس وتفليس شقيقتان

قال: ماذا تعني؟

قلت: لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستظهر عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيُمزّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا وأنشئ مدرستي.

قال: هيهات! إنني أحار من فرط أملك؟

قلت: وأنا أحار من عقلك! أيمكن أن تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعاً ولكل ليل نهاراً.

قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.

 

138
__________________________

 

قلت: ذهبوا لكسب العلم، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكُفؤ يدرس في إعدادية الإنكليز. وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز.. وها هو القفقاس والتركستان اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس..إلخ.

فيا هذا! إن هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شيء».([22])

تأليف رجتة العوام "المناظرات"

وبعد وصوله إلى "وان" بدأ بإلقاء دروسه الاجتماعية ومحاضراته العلمية، متجولاً بين القبائل والعشائر مرشداً إياهم بأسلوب المحاورة ضمن أسئلة وأجوبة، ثم نشرها في رسالة -باللغة التركية- أسماها "المناظرات"([23]) وكان يُجري في الوقت نفسه محاورات مع السياسيين والمسؤولين بغية نشر أنوار الإسلام في صفوفهم.([24])

من مقدمة الرسالة

«اعلموا أني لما سافرت ثاني سنتي المشروطية، قافلاً من العصر الذي تمثله إسطنبول، منحدراً إلى القرون الوسطى، متجولاً بين عشائر الأكراد، مترحلاً من بساتين الربيع رحلة الصيف إلى الخريف، متنقلاً رحلة الشتاء في البلاد العربية.. اتخذت من الجبال والبيد مدرسة درّست فيها المشروطية لهم. فحينئذ تراءى لي من شبهاتهم أنهم تصوروا المشروطية بصورة غريبة، واطلعت على شبهاتهم وأسئلتهم فإنها من واد واحد. فلأجل تشخيص المرض ألقيت إليهم مفتاح الكلام، فقلت فاسألوا حتى يداويه جوابي، فاستصوبوا.. لأن طبيعتهم المدارسةُ بالمناظرة والمناقشة..

فتعميماً للفائدة كتبت أسئلتهم معانقة بأجوبتي حتى توازرها، فينطق كتابي بدلاً عني، ويشافه عشائر الأكراد وأمثالهم الذين ما رأيتهم، وليترجم بلسان الأسئلة عن الذين لا يطيق لسانهم إظهار ما في ضمائرهم.

 

 

139
__________________________

 

أعني أن هذا الكتاب يجيب بدلاً عني، ويسأل بدلاً عنهم. ويعاون أطباء السياسة على تشخيص العلة..

فيا أهل الحمية أنبهكم إلى أن الأكراد وأمثالهم صاروا -ويصيرون- أهل المشروطية فكراً.. ولكن بعض المأمورين لا يتمثلون الشورى فعلاً.. وهذا أشكل من ذاك. مع أن مدرّس العوام الذين عقولهم في عيونـهم هو "الفعلُ".([25])

[وعندما نظر إلى (المناظرات) بعد مدة طويلة كتب الآتي:]

أولاً: إن هذا المؤلَّف الذي طبع في مطبعة "أبو الضياء" سنة 1329 (1913م) هو الدرس الذي ألقاه سعيد القديم بين عشائر الأرتُوش ولاسيما عشائر "كَوْدَان ومَامْخُورَان"، لأجل إفهام الشورى الشرعية للعشائر فهماً صائباً وحملهم على قبولها، وذلك في السنة الثالثة من عهد الحرية، ولكن لم أحصل على هذا المؤلّف مع الأسف رغم بحثي عنه منذ ثلاثين سنة، إلاّ أن أحدهم حصل على نسخة منه فأرسلها إليّ.

طالعت الكتاب بإمعان وبعقل سعيد القديم وبسانحات سعيد الجديد، فأدركت أن سـعيداً القديم شعر بحسّ عجيب مسبق -قبل الوقوع- الوقائعَ المادية والمعنوية التي تحدُث الآن، فقد شعر بها قبل حوالي أربعين سنة. إذ إنه شـاهد ما وراء ستار العشائر الكردية، الخونةَ الذين جعلوا هذا الزمان قناعاً لهم وهم الملحدون الجاهلون الحقيقيون والرجعيون الذين يحاولون تحت ستار الوطنية إرجاع هذه الأمة إلى عاداتها السابقة قبل عهد الإسلام. فتكلم سعيد القديم معهم بشدة وحاورهم بعنف.

ثانياً: قرأت الصفحات التي يبدو فيها أن بين المستمعين لدرسي ذاك، وليّ عظيم -دون علمي به- فقد اعترض اعتراضاً شديداً في ذلك المقام إذ قال: "أنت تغالي وتفرط، إذ تُظهر الخيال عينَ الحقيقة وتُهيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصر آخر الزمان والفساد يستشري وسينقلب من سيء إلى أسوأ".

وكان الجواب في الكتاب:

لماذا تكون الدنيا ميدان تقدمٍ وترقٍ للجميع، وتكون لنا وحدنا ميدان تأخر وتدنٍ. فهل الأمر هكذا؟ فها أنذا آليتُ على نفسي ألاّ أخاطبكم، فأدير إليكم ظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقبل:

أيا من اختفى خلف عصر شاهق لما بعد ثلاثمائة سنة،([26]) يستمع إلى كلمات النـور بصمت وسكون، ويلمحنا بنظر خفي غيبي.. أيا من تتسمّون بـ"سعيد وحمزة، وعمر وعثمان وطاهر ويوسف وأحمد وأمثالهم" إنني أتوجه بالخطاب إليكم:

ارفعوا هاماتكم وقولوا: "لقد صدقت" وليكن هذا التصديق ديْناً في أعناقكم. إن معاصريّ هؤلاء وإن كانوا لا يعيرون سمعاً لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكلم معكم عبـر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي -المسمّى بالتاريخ- إلى ذرى مستقبلكم الرفيع. ما حيلتي لقد استعجلت وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة، إن ما يزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهير يانعة في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا.. إنكم إذا جئتم لتعبروا إلى سفوح الماضي، عوجوا إلى قبورنا، واغرسوا بعض هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة».([27])

 

140
__________________________

 

-------------------------

[1]() نشب عصيان بين أفراد الطابور العسكري الذي كان قد أُرسل من قبل الاتحاديين من مدينة سلانيك إلى إسطنبول لحماية المشروطية. فقد ثار الجنود وحبسوا ضباطهم في الثكنة واجتمعوا في منتصف ليلة 31 مارت 1325 رومي (الموافق 22ربيع الأول 1327هـ) في ميدان "السلطان أحمد" حيث انضم إليهم بعض الجنود من المعسكرات الأخرى معلنين عصياناً دام أحد عشر يوما، راح ضحيته بعض الأشخاص.. وساد جو من الهرج والمرج وإطلاق الرصاص عبثاً، وكان الجنود يهتفون: نريد الشريعة.. نريد الشريعة.. انتهت هذه الحادثة بوصول جيش الحركة الذي وجّهه الاتحاديون من سلانيك، بقيادة "محمود شوكت باشا" لقمع العصيان وإعادة سلطة الاتحاديين فوصل إلى إسطنبول في 23/4/1909. فسيطر على الوضع. كما أُعلنت الأحكام العرفية وشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة المسؤولين عن هذه الحادثة. (وعزل السلطان عبدالحميد في 27/4/1909 الموافق ليوم 6 ربيع الآخر 1327 الساعة 32-1 زوالية، رغم أن الحاميات الموجودة في إسطنبول وخاصة حامية قصر يلدز كانت أقوى بكثير من جيش الحركة إلا أن السلطان رفض بشدة طلب قواده تشتيت هذا الجيش لئلا تراق الدماء من أجله (عن "تاريخ الدولة العثمانية" لإسماعيل دانشمند 4/375).

[2]() أحد أحياء إسطنبول.

[3]() منطقة في ضواحي إسطنبول (يشيل كوي).

[4]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[5]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[6]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[7]() ضباط آلايلي: هم الضباط الذين ترقوا من الجندية، ولم يكونوا من خريجي الكلية الحربية.

[8]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[9]() الانكشارية: نظام عسكري للمشاة في الدولة العثمانية، أسسه السلطان أورخان.قدم خدمات كبيرة للدولة في أوائل عهدها، ثم فسد وأصبح مشكلة للدولة، حتى استطاع السلطان محمود الثاني إلغاءه وأسس بدلاً منه نظاماً عسكرياً حديثا.

[10]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[11]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[12]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[13]() حيث يشاهد جثث خمسة عشر من المشنوقين عبر النافذة.

[14]() للبحتري من قصيدة يمدح بها علي بن مر.

[15]() والنص الكامل للدفاع في مجموعة صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[16]()       T. Hayat, ilk hayatı

[17]() (ب)  257 عن آثار بديعية  257.

[18]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[19]() نقلنا منها مقالة فقط. ومن أراد التوسع فليراجع صيقل الإسلام.

[20]()       T. Hayat, ilk hayatı

[21]()       T. Hayat, ilk hayatı

[22]() صيقل الإسلام، السانحات.

[23]() ثم ترجمها إلى العربية ونشرها تحت عنوان "رجتة العوام" / صيقل الإسلام، المناظرات.

[24]()       T. Hayat, ilk hayatı

[25]() الصيقل الإسلامي، النص العربي 122 ط. أنقرة

[26]() المقصود لما بعد ألف وثلاثمائة سنة.

[27]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet