الباب الثاني
سعيد الجديد
179
__________________________
الفصل الأول
مولد سعيد الجديد
ملاحظة
يجد القارئ الكريم أننا استرجعنا التسلسل التاريخي إلى سنة 1919م، وذلك ليسهل عليه متابعة هذه الفترة التي تبدأ بعد عودة الأستاذ النورسي من الأسر والتي تمثل مراحل المخاض لظهور "سعيد الجديد" الذي وضعت على كاهله مهمة دعوة الإيمان والقرآن في أحلك فترة مرت بها الأمة. وفي الحقيقة أننا لو استرجعنا سيرته من بدايتها لشاهدنا أن القدر الإلهي قد ساق سعيداً الطفل منذ نعومة أظفاره وهيأه لحمل هذه الأمانة؛ فنرى اللقمة الحلال ومخايل النبوغ منذ صباه، وانكشاف مواهبه عن ذكاء حاد، وقوة ذاكرة مذهلة، مع الإباء والشمم، وتشرفه ببشارة الرسول r واغترافه العلوم بشتى أنواعها، وسلوكه مسلك الزهد والورع، وانقلابه الفكري لدى سماعه بمؤامرة خبيثة تحاك حول القرآن الكريم وتوجهه الكلي نحوه، ثم جهاده الفعلي لإنقاذ دولة الخلافة آنذاك وما أعقبه من مكابداته النفسية في الأسر، وصحوته الروحية هناك وعودتها بعد فكاكه من الأسر ثم ما حدث في وجدانه من تحول عظيم بنذير الشيخوخة والتفكر بالموت وتوحيد قبلة توجّهه إلى القرآن الكريم بعد قراءته لكتاب الشيخ الكيلاني والإمام الرباني، وظهور بوادر تحول هائل في حياته حتى رغب في الانزواء عن الناس فانسحب إلى تل يوشع ودخل مسلك التفكر والتأمل نافضاً ما علق في فكره من لوثات الفلسفة فكتب معاناته النفسية وانقلابه الروحي وانكشافه القلبي في "مثنويّه" حتى اكتمل سعيداً جديداً في طريق قرآني هو: العجز والفقر والشفقة والتفكر، علماً أنه لم ينس واجبه في التبليغ في هذه الفترة إذ تصدى لدسائس الإنكليز وسعى سعياً حثيثاً في أنقرة لتوجيه دفة الانقلاب لصالح الإسلام إلا أنه شاهد علامات الدجال والسفياني على من بيده السلطة فتيقن أنه لا يمكن المواجهة إلا بإعجاز القرآن فاعتزل أمور السياسة كلياً متوجها إلى "وان" ليستعد لحمل الأمانة الثقيلة.. وهكذا نشاهد كيف أمرّته العناية الإلهية من مرحلة إلى أخرى لينصرف "سعيد الجديد" كلياً إلى مهمة إنقاذ الإيمان.
180
__________________________
سنة 1919م/1336هـ
عودة الصحوة الروحية
«عندما رجعت من الأسر، كنت أسكن مع ابن أخي "عبد الرحمن" في قصر على قمة "جاملجة" في إسطنبول. ويمكن أن تعتبر هذه الحياة التي كنت أحياها حياة مثالية من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا؛ ذلك لأنني قد نجوت من الأسر، وكانت وسائل النشر مفتوحة أمامي في "دار الحكمة الإسلامية" وبما يناسب مهنتي العلمية، وأن الشهرة والصيت والإقبال عليّ تحفّ بي بدرجة لا استحقها، وأنا ساكن في أجمل بقعة من إسطنبول "جاملجة"، وكل شيء بالنسبة لي على ما يرام، حيث إن ابن أخي "عبد الرحمن" -رحمه اللّٰه- معي، وهو في منتهى الذكاء والفطنة، فهو تلميذ ومضحّ وخادم وكاتب معاً، حتى كنت أعدّه ابناً معنوياً لي.
وبينما كنت أحس بأني أسعد إنسان في العالم، نظرت إلى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، وإذا بتلك الصحوة الروحية التي أحسست بها في الأسر في جامع "قوصتورما" تبدأ بالظهور. فأخذتُ أنعم النظر وأفكر مدققاً في تلك الحالات التي كنت ارتبط بها قلبياً، وكنت أظنها أنها هي مدار السعادة الدنيوية. فما من حالة أو سبب دققت النظر فيه، إلاّ رأيت أنه سبب تافه وخادع، لا يستحق التعلق به، ولا الارتباط معه. فضلاً عن ذلك وجدت في تلك الأثناء عدم الوفاء وفقدان الصداقة من صديق حميم، يُعدّ من أوفى الأصدقاء لي، وبشكل غير متوقع وبصورة لا تخطر لي على بال.. كل ذلك أدى إلى النفرة والامتعاض من الحياة الدنيا، فقلت لقلبي: ياتُرى هل أنا منخدع كلياً؛ فأرى الكثيرين ينظرون إلى حياتنا التي يُرثى لها من زاوية الحقيقة نظر الغبطة؟ فهل جُنَّ جنون جميع هؤلاء الناس؟ أم أنا في طريقي إلى الجنون، لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين بلهاء؟! وعلى كل حال.. فالصحوة الشديدة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني أرى أولاً فناءَ ما أرتبط به من الأشياء المعرّضة للفناء والزوال!
ثم التفتّ إلى نفسي، فوجدتها في منتهى العجز!.. عندها صرختْ روحي وهي التي تنشد البقاء دون الفناء وقد تشبثت بالأشياء الفانية متوهمة فيها البقاء، صرخَتْ من أعماقها:
مادمتُ فانية جسماً فأي فائدة أرجوها من هذه الفانيات؟
181
__________________________
وما دمتُ عاجزة فماذا أنتظر من العاجزين؟..
فليس لدائي دواء إلاّ عند الباقي السرمدي،
عند القدير الأزلي.
فبدأت أبحث وأستقصي.. راجعت أول ما راجعت، تلك العلوم التي اكتسبتها سابقاً، أبحث فيها عن السلوة والرجاء. ولكن كنت -ويا للأسف- إلى ذلك الوقت مغترفاً من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظناً مني -ظناً خطأ جداً- أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنوّر الفكر، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيراً، بل أصبحت عائقة أمام سموي المعنوي». ([1])
إزالة العوائق عن طريق القلب
«قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد أمراضاً قلبية. ([2]) إذ حينما سار "سعيد الجديد" في طريق التأمل والتفكر، انقلبت تلك العلوم الأوروبية الفلسفية وفنونها التي كانت مستقرة إلى حدٍّ ما في أفكار "سعيد القديم" إلى أمراض قلبية، نشأت منها مصاعب ومعضلاتٌ كثيرة في تلك السياحة القلبية. فما كان من "سعيد الجديد" إلاّ القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة. ([3]) حيث إن سعيداً القديم والمفكرين، قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي يقبلون شيئاً منها، ويبارزونها بأسلحتها، ويعدّون قسماً من دساتيرها كأنها العلوم الحديثة فيسلّمون بها.
182
__________________________
ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل، إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور. وكأنهم بهذا يقوّون الإسلام. ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليلاً، ولأن فيه شيئاً من التهوين لشأن الإسلام،فقد تركتُ ذلك المسلك. وأظهرت فعلاً أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبداً أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها..
ففي المسلك السابق؛ تُظن الفلسفة عميقة، بينما الأحكام الإسلامية ظاهرية سطحية، لذا يُتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الإسلام. ولكن هيهات! أنّى لدساتير الفلسفة من بلوغ تلك الأحكام». ([4])
انتصار القلب
«وبينما كنت في هذه الحالة، إذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمةً من العلي القدير، وفضلاً وكرماً من عنده سبحانه، فغسلتْ أدران تلك المسائل الفلسفية، وطهرت روحي منها -كما هو مبين في كثير من الرسائل- إذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية، يغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فأينما كنت أتوجه بنظري في تلك المسائل فلا أرى نوراً ولا أجد قبساً، ولم أتمكن من التنفس والانشراح، حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن "لا إله إلا هو" فمزّق ذلك الظلام وبدده. فانشرح صدري وتنفس بكل راحة واطمئنان.. ولكن النفس والشيطان، شنّا هجوماً عنيفاً على العقل والقلب وذلك بما أخذاه من تعليمات وتلقياه من دروس من أهل الضلالة والفلسفة. فبدأت المناظرة النفسية في هذا الهجوم حتى اختتمت وللّٰه الحمد والمنّة بانتصار القلب وفوزه». ([5])
نذير الشيخوخة وتذكّر الموت
«حينما أفقت على صبح المشيب، من نوم ليل الشباب، نظرت إلى نفسي متأملاً فيها، فوجدتها كأنها تنـحدر سعياً من علٍ إلى سـواء القبر، مثلـما وصفـها نيازي المصري:
بناء العمر يذوي حجراً إثر حجر غافلاً يغط الروح وبناؤه قد اندثر
183
__________________________
فجسمي الذي هو مأوى روحي بدأ يتداعى ويتساقط حجراً إثر حجر على مرّ الأيام.. وآمالي التي كانت تشدّني بقوة إلى الدنيا بدأت أوثاقها تنفصم وتنقطع. فدب فيّ شعور بدنو وقت مفارقة من لا يحصى من الأحبة والأصدقاء، فأخذت أبحث عن ضماد لهذا الجرح المعنوي الغائر، الذي لا يرجى له دواء ناجع كما يبدو!. لم أستطع أن أعثر له على علاج، فقلت أيضاً كما قال نيازي المصري:
حكمة الإله تقضي فناء الجسد والقلب تـــوّاق إلى الأبـــــــــــد
لهف نفسي مــن بــــــــلاء وكمـد حار لقمان في إيجاد الضمد
وبينما كنت في هذه الحالة إذا بنور الرسول الكريم r الذي هو رحمة اللّٰه على العالمين، ومثالها الذي يعبّر عنها، والداعي إليها، والناطق بها، وإذا بشفاعته، وبما أتاه من هدية الهداية إلى البشرية، يصبح بلسـماً شافياً، ودواءً ناجعاً لذلك الداء الوخيم الذي ظننته بلا دواء، ويـبدل ذلك اليأس القـاتم الذي أحاطني إلى نور الرجاء الســاطع.([6])
وحينما وطأتْ قدماي عتبة الشيخوخة، كانت صحتي الجسدية التي ترخي عنان الغفلة وتمدّها قد اعتلّت أيضاً فاتفقت الشيخوخة والمرض معاً على شن الهجوم عليّ، وما زالا يكيلان على رأسي الضربات تلو الضربات حتى أذهبا نوم الغفلة عنّي. ولم يكن لي ثمة ما يربطني بالدنيا من مال وبنين وما شابههما، فوجدت أن عصارة عمري الذي أضعته بغفلة الشباب، إنما هي آثام وذنوب، فاستغثتُ صائحاً مثلما صاح نيازي المصري:
ذهب العُمر هباءً، لم أفز فيه بشيء
ولقد جئتُ أسير الدرب، لكنْ
رحل الرّكبُ بعيداً
وبقيتْ
ذلك النائي الغريب
وبكيتْ
همتُ وحدي تائهاً أطوي الطريق
184
__________________________
وبعينيّ ينابيع الدموع
وبصدري حرقة الشوق
حار عقلي..!
كنت حينها في غربة مضنية، فشعرت بحزن يائس، وأسف نادم، وحسرة ملتاعة على ما فات من العمر. صرخت من أعماقي أطلب إمداد العون، وضياء الرجاء.. وإذا بالقرآن الحكيم المعجز البيان يمدّني، ويسعفني، ويفتح أمامي باب رجاء عظيم، ويمنحني نوراً ساطعاً من الأمل والرجاء يستطيع أن يزيل أضعاف أضعاف يأسي، ويمكنه ان يبدد تلك الظلمات القاتمة من حولي. ([7])
نعم، إنني مصداق لما قيل:
وعينيَ قد نامت بليلِ شبيبتي ولم تنتبه إلاّ بصبح مَشيب
إذ أشد أوقات انتباهي في شبيبتي رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي!... ([8])
فحينما خالط بعض شعرات رأسي البياض الذي هو علامة الشيخوخة، وكانت أهوال الحرب العالـمية الأولى وما خلفه الأسر لدى الروس من آثار عميقة في حيـاتي عمّقت فيّ نوم غفلة الشباب. وتلا ذلك استقبال رائع عند عودتي من الأسر إلى إسطنبول، سواء من قبل الخليفة أو شيخ الإسلام، أو القائد العام، أو من قبل طلبة العلوم الشرعية، وما قوبلت به من تكريم وحفاوة أكثر مما أستحق بكثير.. كل ذلك ولّد عندي حالة روحية فضلاً عن سكرة الشباب وغفلته، وعمّقتْ فيّ ذلك النوم أكثر، حتى تصورت معها أن الدنيا دائمة باقية، ورأيت نفسي في حالة عجيبة من الالتصاق بالدنيا كأنني لا أموت.
ففي هذا الوقت، ذهبت إلى جامع بايزيد في إسطنبول، وذلك في شهر رمضان المبارك لأستمع للقرآن الكريم من الحفاظ المخلصين ([9]) فاستمعت من لسان أولئك الحفاظ ما أعلنه القرآن المعجز بقوة وشدة، خطابه السماوي الرفيع في موت الإنسان وزواله، ووفاة ذوي الحياة وموتهم، وذلك بنص الآية الكريمة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾(آل عمران:185).
185
__________________________
نفذ هذا الإعلان الداوي إلى صماخ أذني مخترقاً وممزقاً طبقات النوم والغفلة والسكرة الكثيفة الغليظة حتى استقر في أعماق أعماق قلبي.
خرجت من الجامع، فرأيت نفـسي لبضـعة أيام، كأن إعصـاراً هائلاً يضـطرم في رأسي بما بقي من آثار ذلك النوم العميق المستقر فيّ منذ أمد طويل، ورأيتني كالسفينة التائهة بين أمواج البحر المضطربة البوصلة. كانت نفسي تتأجج بنار ذات دخان كثيف.. وكلما كنت أنظر إلى المرآة، كانت تلك الشعرات البيضاء تخاطبني قائلة: انتبه!.
نعم، إن الأمور توضحت عندي بظهور تلك الشعرات البيضاء وتذكيرها إياي، حيث شاهدت أن الشباب الذي كنت أغتر به كثيراً، بل كنت مفتوناً بأذواقه يقول لي: الوداع! وأن الحياة الدنيا التي كنت أرتبط بحبها بدأت بالانطفاء رويداً رويداً، وبدت لي الدنيا التي كنت أتشبث بها، بل كنت مشتاقاً إليها وعاشقاً لها، رأيتها تقول لي: الوداع! الوداع! مشعرة إياي، بأنني سأرحل من دار الضيافة هذه، وسأغادرها عما قريب. ورأيتها - أي الدنيا - هي الأخرى تقول: الوداع، وتتهيأ للرحيل.
وانفتح إلى القلب من كلية هذه الآية الكريمة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ومن شموليتها ذلك المعنى الذي يتضمنها، وهوأن البشرية قاطبة إنما هي كالنفس الواحدة، فلا بد أنها ستموت كي تبعث من جديد، وأن الكرة الأرضية كذلك نفسٌ فلا بد أنها سوف تموت ويصيبها البوار كي تتخذ هيأة البقاء وصورة الخلود، وأن الدنيا هي الأخرى نفسٌ وسوف تموت وتنقضي كي تتشكل بصورة "آخرة".
فكرت فيما أنا فيه؛ فرأيت أن الشباب الذي هو مدار الأذواق واللذائذ ذاهب نحو الزوال، تارك مكانه للشيخوخة التي هي منشأ الأحزان، وأن الحياة الساطعة الباهرة لفي ارتحال، ويتهيأ الموت المظلم المخيف -ظاهراً- ليحل محلها.
ورأيت الدنيا التي هي محبوبة وحلوة ومعشوقة الغفاة ويُظن أنها دائمة، رأيتها تجري مسرعة إلى الفناء.
186
__________________________
ولكي أنغمس في الغفلة وأخادع نفسي ولّيت نظري شطر أذواق المنـزلة الاجتماعية ومقامها الرفيع الذي حظيت به في إسطنبول والذي خُدعت به نفسي وهو فوق حدي وطوقي من حفاوة وإكرام وسلوان وإقبال وإعجاب.. فرأيت أن جميعها لا تصاحبني إلاّ إلى حد باب القبر القريب منى، وعنده تنطفئ.
ورأيت أن رياءً ثقيلاً، وأثرة باردة وغفلة مؤقتة، تكمن تحت الستار المزركش للسمعة والصيت، التي هي المثل الأعلى لأرباب الشهرة وعشاقها، ففهمت أن هذه الأمور التي خدعتني حتى الآن لن تمنحني أي سلوان، ولا يمكن أن أتلمس فيها أي قبس من نور.
ولكي أستيقظ من غفلتي مرة أخرى وأنتبه منها نهائياً، بدأت بالاستماع كذلك لأولئك الحفاظ الكرام في "جامع بايزيد" لأتلقى الدرس السماوي للقرآن الكريم.. وعندها سمعت بشارات ذلك الإرشاد السماوي من خلال الأوامر الربانية المقدسة في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا﴾(البقرة: 25).
وبالفيض الذي أخذتُه من القرآن الكريم تحريت عن السلوة والرجاء والنور في تلك الأمور التي أدهشتني وحيّرتني وأوقعتني في يأس ووحشة، دون البحث عنها في غيرها من الأمور. فألف شكر وشكر للخالق الكريم على ما وفقني لأن أجد الدواء في الداء نفسه، وأن أرى النور في الظلمة نفسها، وأن أشعر بالسلوان في الألم والرعب ذاتهما.
فنظرت أول ما نظرت إلى ذلك الوجه الذي يُرعب الجميع ويُتوهم أنه مخيف جداً.. وهو وجه "الموت" فوجدت بنور القرآن الكريم، أن الوجه الحقيقي للموت بالنسبة للمؤمن صبوح منور، على الرغم من أن حجابه مظلم والستر الذي يخفيه يكتنفه السواد القبيح المرعب. وقد أثبتنا وأوضحنا هذه الحقيقة بصورة قاطعة في كثير من الرسائل وبخاصة في "الكلمة الثامنة" و"المكتوب العشرين" من أن الموت ليس إعداماً نهائياً، ولا فراقاً أبدياً، وأنما هو مقدمة وتمهيد للحياة الأبدية وبداية لها. وهو إنهاء لأعباء مهمة الحياة ووظائفها ورخصة منها وراحة وإعفاء، وهو تبديل مكان بمكان، وهو وصال ولقاء مع قافلة الأحباب الذين ارتحلوا إلى عالم البرزخ.. وهكذا، بمثل هذه الحقائق شاهدت وجه الموت المليح الصبوح. فلا غرو لم أنظر إليه خائفاً وجلاً، وإنما نظرت إليه بشيء من الاشتياق -من جهة- وعرفت في حينها سراً من أسرار "رابطة الموت" التي يزاولها أهل الطرق الصوفية.
187
__________________________
ثم تأملت في "عهد الشباب" فرأيت أنه يُحزن الجميع بزواله، ويجعل الكل يشتاقون إليه وينبهرون به، وهو الذي يمر بالغفلة والآثام، وقد مرّ شبابي هكذا! فرأيت أن ثمة وجهاً دميماً جداً بل مسكراً ومحيراً تحت الحلة القشيبة الفضفاضة الملقاة عليه، فلو لم أكن مدركاً كنهه لكان يبكيني ويحزنني طوال حياتي الدنيا، حتى لو عمرت مائة سنة حيال بضع سنين تمضي بنشوة وابتسامة، كما قال الشاعر الباكي على شبابه بحسرة مريرة:
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً فأُخبرَه بما فَعلَ المَشيبُ
نعم، إن الذين لم يتبينوا سر الشباب وماهيته من الشيوخ يقضون شيخوختهم بالحسرة والنحيب على عهد شبابهم كهذا الشاعر. والحال أن فتوة الشباب ونضارته إذا ما حلت في المؤمن المطمئن الحصيف ذي القلب الساكن الوقور، وإذا ما صُرفت طاقة الشباب وقوته إلى العبادة والأعمال الصالحة والتجارة الأخروية، فإنها تصبح أعظم قوة للخير وتغدو أفضل وسيلة للتجارة، وأجمل وساطة للحسنات بل ألذها.
نعم، إن عهد الشباب نفيس حقاً وثمين جداً، وهو نعمة إلهية عظمى، ونشوة لذيذة لمن عرف واجبه الإسلامي ولمن لم يسئ استعماله. ولكن الشباب إن لم تصحبه الاستقامة، ولم ترافقه العفة والتقوى، فدونه المهالك الوبيلة، إذ يصدّع طيشه ونزواته سعادة صاحبه الأبدية، وحياته الأخروية، وربما يحطم حياته الدنيا أيضاً. فيجرعه الآلام غصصاً طوال فترة الهرم والشيخوخة لما تنعم به من مذاقات ولذائذ في بضع سنين.
ولما كان عهد الشباب لا يخلو من الضرر عند أغلب الناس، فعلينا إذن نحن الشيوخ أن نشكر اللّٰه شكراً كثيراً على ما نجّانا من مهالك الشباب وأضراره. هذا، وإن لذات الشباب زائلة لا محالة، كما تزول جميع الأشياء. فلئن صُرف عهد الشباب للعبادة، وبذل للخير والصلاح لكان دونه ثماره الباقية الدائمة، وعنده وسيلة الفوز بشباب دائم وخالد في حياة أبدية.
ثم نظرت إلى "الدنيا" التي عشقها أكثر الناس، وابتُلُوا بها، فرأيت بنور القرآن الكريم أن هناك ثلاث دنىً كلية قد تداخل بعضها في البعض الآخر:
الأولى: هي الدنيا المتوجهة إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فهي مرآة لها.
188
__________________________
الثانية: هي الدنيا المتوجهة نحو الآخرة، فهي مزرعتها.
الثالثة: هي الدنيا المتوجهة إلى أرباب الدنيا وأهل الضلالة فهي لعبة أهل الغفلة ولهوهم.
ورأيت كذلك أن لكل أحد في هذه الدنيا دنيا عظيمة خاصة به، فهناك إذن دنىً متداخلة بعدد البشر. غير أن دنيا كل شخص قائمة على حياته الشخصية، فمتى ما ينهار جسم شخص فإن دنياه تتهدم وقيامته تقوم. وحيث إن الغافلين لا يدركون انهدام دنياهم الخاصة بهذه السرعة الخاطفة؛ فهم يفتنون بها، ويظنونها كالدنيا العامة المستقرة من حولهم.
فتأملت قائلاً: لا شك أن لي أيضاً دنيا خاصة -كدنيا غيري- تتهدم بسرعة فما فائدة هذه الدنيا الخاصة إذن في عمري القصير جداً؟!.. فرأيت بنور القرآن الكريم أن هذه الدنيا -بالنسبة لي ولغيري- ما هي إلاّ متجر مؤقت، ودار ضيافة تملأ كل يوم وتخلى، وهي سوق مقامة على الطريق لتجارة الغادين والرائحين، وهي كتاب مفتوح يتجدد للبارئ المصور، فيمحو فيه ما يشاء ويثبته بحكمة. وكل ربيع فيها رسالة مرصعة مذهّبة، وكل صيف فيها قصيدة منظومة رائعة، وهي مرايا تتجدد مظهرة تجليات الأسماء الحسنى للصانع الجليل، وهي مزرعة لغراس الآخرة وحديقتها، وهي مزهرة الرحمة الإلهية، وهي مصنع موقت لتجهيز اللوحات الربانية الخالدة التي ستظهر في عالم البقاء والخلود. فشكرتُ اللّٰه الخالق الكريم أجزل شكر على خلقه الدنيا بهذه الصورة. بيد أن الإنسان الذي مُنح حباً مقبلاً إلى وجهَيِ الدنيا الحقيقيَين المليحين المتوجهين إلى الأسماء الحسنى وإلى الآخرة، أخطأ المرمى وجانب الصواب عندما استعمل تلك المحبة في غير محلها، فصرفها إلى الوجه الفاني القبيح ذي الغفلة والضرر حتى حق عليه الحديث الشريف "حب الدنيا رأس كل خطيئة"».([10])
189
__________________________
سنة 1921م/1339هـ
إرشاد القرآن الكريم
«بعدما رجعت من الأسر، سيطرت الغفلةُ عليّ مرة أخرى طوال سنتين من حياتي في إسطنبول، حيث الأجواء السياسية وتياراتها صرفت نظري عن التأمل في نفسي، وأحدثت تشتتاً في ذهني وفكري.
فحينما كنت جالساً ذات يوم في مقبرة أبي أيوب الأنصاري رضي اللّٰه عنه وعلى مرتفع مطلّ على وادٍ سحيق، مستغرقاً في تأمل الآفاق المحيطة بإسطنبول، إذا بي أرى كأن دنياي الخاصة أوشكت على الوفاة، حتى شعرت -خيالاً- كأن الروح تنسل منها انسلالاً من بعض نواحيّ. فقلت: تُرى هل الكتابات الموجودة على شواهد هذه القبور هي التي دعتني إلى هذا الخيال؟
أشحتُ نظري عن الخارج وأنعمت النظر في المقبرة دون الآفاق البعيدة فألقى في روعي: أن هذه المقبرة المحيطة بك تضم مائة إسطنبول! حيث إن إسطنبول قد أفرغت فيها مائة مرة، فلن تُستثنى أنت وحدك من حكم الحاكم القدير الذي أفرغ جميع أهالي إسطنبول هنا، فأنت راحل مثلهم لا محالة..!
غادرت المقبرة وأنا أحمل هذا الخيال المخيف، ودخلت الغرفة الصغيرة في محفل جامع أبى أيوب الأنصاري رضي اللّٰه عنه والتي كنت أدخلها مراراً في السابق فاستغرقت في التفكير في نفسي: "إنما أنا ضيف! وضيف من ثلاثة أوجه؛ إذ كما أنني ضيف في هذه الغرفة الصغيرة، فأنا ضيفٌ كذلك في إسطنبول، بل أنا ضيف في الدنيا وراحل عنها كذلك، وعلى المسافر أن يفكر في سبيله ودربه.
نعم، كما أنني سوف أخرج من هذه الغرفة وأغادرها، فسوف أترك إسطنبول ذات يوم وأغادرها، وسوف أخرج من الدنيا كذلك".
وهكذا جثمت على قلبي وفكري وأنا في هذه الحالة، حالةٌ أليمة محزنة مكدّرة. فلا غرو إنني لا أترك أحباباً قليلين وحدهم، بل سأفارق أيضاً آلاف الأحبة في إسطنبول،
190
__________________________
بل سأغادر إسطنبول الحبيبة نفسها وسأفترق عن مئات الآلاف من الأحبة كما أفترق عن الدنيا الجميلة التي ابتلينا بها.
ذهبتُ إلى المكان المرتفع نفسه في المقبرة مرة أخرى، فبدا لي أهالي إسطنبول جنائز يمشون قائمين مثلما يظهر الذين ماتوا شخوصاً متحركة في الأفلام السينمائية، فقد كنت أتردد إليها أحياناً للعبرة! فقال لي خيالي: ما دام قسم من الراقدين في هذه المقبرة يمكن أن يظهروا متحركين كالشخوص السينمائية، ففكّر في هؤلاء الناس كذلك، إنهم سيدخلون هذه المقبرة حتماً، واعتبرهم داخلين فيها من الآن.
وبينما كنت أتقلب في تلك الحالة المحزنة المؤلمة إذا بنور من القرآن الحكيم وبإرشاد من الشيخ الكيلاني قدس سرّه يقلب تلك الحالة المحزنة ويحولها إلى حالة مفرحة مبهجة، ذات نشوة ولذة، حيث ذكّرني النور القادم من القرآن الكريم ونبهني إلى ما يأتي:
"كان لك صديق أو صديقان من الضباط الأسرى عند أسرك في "قوصترما" في شمال شرقي روسيا، وكنتَ تعلم حتماً أنهما سيرجعان إلى إسطنبول. ولو خَيّرك أحدهما قائلاً: أتذهب إلى إسطنبول أم تريد أن تبقى هنا؟ فلا جرم أنك كنت تختار الذهاب إلى إسطنبول لو كان لك مسكة من عقل، بفرح وسرور حيث إن تسعمائة وتسعة وتسعين من ألف حبيب وحبيب لك هم الآن في إسطنبول، وليس لك هنا إلاّ واحد أو اثنان، وهم بدورهم سيرحلون إلى هناك. فالذهاب إلى إسطنبول بالنسبة لك إذن ليس بفراق حزين، ولا بافتراق أليم.. وها أنتذا قد أتيت إليها، ألم تصبح راضياً شاكراً؟ فلقد نجوتَ من بلد الأعداء، من لياليها الطوال السوداء، ومن شتائها القارس العاصف، وقدمت إسطنبول الزاهية الجميلة، كأنها جنة الدنيا! وهكذا الأمر حيث إن تسعاً وتسعين من مائة شخص ممن تحبهم منذ صغرك حتى الآن، قد ارتحلوا إلى المقبرة. تلك التي تبدو لك موحشة مدهشة، ولم يظل منهم في هذه الدنيا إلاّ واحد أو اثنان، وهم في طريقهم إليها كذلك. فوفاتك في الدنيا إذن ليست بفراق، ولا بافتراق، وإنما هي وصال ولقاء مع أولئك الأحبة الأعزاء.
نعم، إن أولئك -أي الأرواح الباقية- قد تركوا مأواهم وعشهم المندرس تحت الأرض، فيسرح قسم منهم بين النجوم، وقسم آخر بين طبقات عالم البرزخ".
191
__________________________
وهكذا ذكّرني ذلك النور القرآني.. ولقد أثبت هذه الحقيقة إثباتاً قاطعاً كلٌ من القرآن الكريم، والإيمان، بحيث مَن لم يفقد قلبه وروحه، أو لم تغرقه الضلالة لا بد أن يصدق بها كأنه يراها؛ ذلك لأن الذي زيّن هذه الدنيا بأنواع ألطافه التي لاتحد وبأشكال آلائه التي لا تُعد مُظهراً بها ربوبيته الكريمة الرؤوف، حفيظاً حتى على الأشياء الصغيرة الجزئية جداً -كالبذور مثلاً- ذلك الصانع الكريم الرحيم، لا بد -بل بالبداهة- لا يُفني هذا الإنسان الذي هو أكمل مخلوقاته وأكرمها وأجمعها وأهمّها وأحبها إليه، ولا يمحوه بالفناء والإعدام النهائي، بلا رحمة وبلا عاقبة -كما يبدو ظاهراً- ولا يضيّعه أبداً.. بل يضع الخالق الرحيم ذلك المخلوق المحبوب تحت التراب الذي هو باب الرحمة موقتاً، كي يعطي ثماره في حياة أخرى، كما يبذر الفلاح البذور على الأرض.
وبعد أن تلقيت هذا التنبيه القرآني، باتت تلك المقبرة عندي مؤنسة أكثر من إسطنبول نفسها، وأصبحت الخلوة والعزلة عندي أكثر لطافة من المعاشرة والمؤانسة، مما حدا بي أن أجد مكاناً للعزلة في "صَاري يَرْ" على البسفور. وأصبح الشيخ الكيلاني رضي اللّٰه عنه أستاذاً لي وطبيباً ومرشداً بكتابه "فتوح الغيب"، وصار الإمام الرباني رضي اللّٰه عنه(*) كذلك بمثابة أستاذ أنيس ورؤوف شفيق بكتابه "مكتوبات" فأصبحت راضياً كلياً وممتنّاً من دخولي المشيب، ومن عزوفي عن مظاهر الحضارة البراقة ومتعها الزائفة، ومن انسلالي من الحياة الاجتماعية وانسحابي منها، فشكرت اللّٰه على ذلك كثيراً». ([11])
أزمة روحية حادة
«ففي سنة 1339ہ مررت بأزمة روحية حادة، واعتراني قلق قلبيّ رهيب وانتابنى اضطراب فكرى مخيف. فاستمددت حينها من الشيخ الكيلاني مدداً قوياً جداً، فأمدني بهمته وبكتابه "فتوح الغيب" حتى جاوزت ذلك القلق والاضطراب». ([12])
توحيد القبلة في القرآن
«هوت صفعات عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس "سعيد القديم" الغافل، ففكّر في قضية أن "الموت حق". ووجد نفسه غارقاً في الأوحال.. استنجد، وبحث عن طريق، وتحرى عن منقذ يأخذ بيده..
192
__________________________
رأى السبل أمامه مختلفة.. حار في الأمر وأخذ كتاب "فتوح الغيب" للشيخ عبد القادر الكيلاني رضي اللّٰه عنه وفتحه متفائلاً، فوجد أمامه العبارة الآتية:
"أنت في دار الحكمة فاطلب طبيباً يداوي قلبك" ([13]).. يا للعجب!. لقد كنت يومئذ عضواً في "دار الحكمة الإسلامية" وكأنما جئت إليها لأداوي جروح الأمة الإسلامية، والحال أنني كنت أشد مرضاً وأحوج إلى العلاج من أي شخص آخر.. فالأولى للمريض أن يداوي نفسه قبل أن يداوي الآخرين.
نعم، هكذا خاطبني الشيخ: "أنت مريض.. ابحث عن طبيب يداويك!"
قلت: "كن أنت طبيبي أيها الشيخ!"
وبدأت أقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات.. كان شديد اللّهجة يحطم غروري، فأجرى عمليات جراحية عميقة في نفسي.. فلم أتحمل.. لأني كنت اعتبر كلامه موجهاً إليّ.
نعم، هكذا قرأته إلى ما يقارب نصفه.. لم أستطع إتمامه.. وضعت الكتاب في مكانه، ثم أحسست بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلفت مكانها لذائذ روحية عجيبة.. عدت إليه، وأتممت قراءة كتاب "أستاذي الأول". واستفدت منه فوائد جليلة، وأمضيت معه ساعات طويلة أصغى إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة.
ثم وجدت كتاب "مكتوبات" للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد في رسالتين منه لفظة "ميرزا بديع الزمان"، فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي "ميرزا" وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان. فقلت: يا سبحان اللّٰه. إن هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأن لقب سعيد القديم كان بديع الزمان، ومع أنني ما كنت أعلم أحداً قد اشتهر بهذا اللقب غير "الهمذاني" الذي عاش في القرن الرابع الهجري. فلا بد أن يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولا بد أن حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلكما الرسالتين.. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: "وَحِّد القبلةَ" أي أتبع إماماً ومرشداً واحداً ولا تنشغل بغيره! ([14])
193
__________________________
لم توافق هذه الوصية -آنذاك- استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أيهما أتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيراً وكانت حيرتي شديدة جداً، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم أستطع أن أكتفي بواحد منهما.
وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحمانيّ من اللّٰه سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:
"إن بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلاّ في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من أن يرتشف حق الارتشاف فيضَ ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا أن نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب وأصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته. فـ"الكلمات" والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل أيضاً مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية"». ([15])
على عتبة سعيد الجديد
«كنت في إسطنبول شهر رمضان المبارك، وكان آنئذٍ سعيد القديم -الذي انشغل بالفلسفة- على وشك أن ينقلب إلى سعيد الجديد.. في هذه الفترة بالذات وحينما كنت أتأمل في المسالك الثلاثة المشار إليها في ختام سورة الفاتحة بـ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ رأيت تلك الحادثة الخيالية وهي حادثة أشبه ما تكون بالرؤيا.
194
__________________________
سجلتها في حينها في كتابي "اللوامع" ([16]) على صورة سياحة خيالية وبما يشبه النظم. وقد حان الآن وقت ذكر معناها وشرحها، حيث إنها تسلط الأضواء على الحقيقة المذكورة.
كنت أرى نفسي وسط صحراء شاسعة عظيمة، وقد تلبدت السماء بسحب قاتمة مظلمة، الأنفاس تكاد تختنق على الأرض كافة، فلا نسيم ولا ضياء ولا ماء، كل ذلك مفقود.
توهمت أن الأرض ملأى بالوحوش والضواري والحيوانات الضارة، فخطر على قلبي أن في الجهة الأخرى من الأرض يوجد نسيم عليل وماء عذب وضياء جميل، فلا مناص إذاً من العبور إلى هناك.. ثم وجدتني وأنا أُساق إلى هناك دون إرادتي.. دخلت كهفاً تحت الأرض، أشبه ما يكون بأنفاق الجبال، سرتُ في جوف الأرض خطوة خطوة وأنا أشاهد أن كثيرين قد سبقوني في المضي من هذا الطريق تحت الأرض دون أن يكملوا السير، إذ ظلوا في أماكنهم مختنقين، فكنت أرى آثار أقدامهم، وأسمع -حيناً- أصوات عددٍ منهم.. ثم تنقطع الأصوات.
فيا صديقي الذي يرافقني بخياله في سياحتي الخيالية هذه!
إن تلك الأرض هي "الطبيعة" و"الفلسفة الطبيعية"، أما النفق فهو المسلك الذي شقه أهل الفلسفة بأفكارهم لبلوغ الحقيقة، وأما آثار الأقدام التي رأيتها فهي لمشاهير الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو. ([17]) وما سمعته من أصوات هو أصوات الدهاة كابن سينا والفارابي.. نعم، كنت أجد أقوالاً لابن سينا وقوانين له في عدد من الأماكن، ولكن كانت الأصوات تنقطع كلياً، بمعنى أنه لم يستطع أن يتقدم، أي إنه اختنق.. وعلى كل حال فقد بينت لك بعض الحقائق الكامنة تحت الخيال لأخفف عنك تلهفك وتشوقك.. والآن أعود إلى ذكر سياحتي:
استمر بي السير، وإذا بشيئين يجعلان بيدي؛ الأول: مصباح كهربائي، يبدد ظلمات كثيفة للطبيعة تحت الأرض. والآخر: آلة عظيمة، تفتت صخوراً ضخمة هائلة أمثال الجبال فينفتح لي الطريق.
195
__________________________
وهُمِس في أذني آنذاك أن هذا المصباح والآلة، قد منحتا لك من خزينة القرآن الكريم.. وهكذا فقد سرت مدة على هذا المنوال، حتى رأيت نفسي قد وصلت إلى الجهة الأخرى، فإذا الشمس مشرقة في سماء صافية جميلة لا سحاب فيها، واليوم يوم ربيع بهيج، والنسيم يهب كأن فيه الروح، والماء السلسبيل العذب يجري، فقد رأيت عالَماً عمّته البهجة ودبّ الفرح في كل مكان، فحمدتُ اللّٰه.
ثم نظرت إلى نفسي، فرأيت أني لا أملكها ولا أستطيع السيطرة عليها، بل إن أحداً يختبرني، وعلى حين غرة رأيت نفسي مرة أخرى في تلك الصحراء الشاسعة، وقد أطبقت السحب القاتمة أيضاً فأظلمت السماء، والأنفاس تكاد تختنق من الضيق.. وأحسست سائقاً يسوقني إلى طريق آخر، إذ رأيت أني أسير في هذه المرة على الأرض وليس في جوفها في طريقي إلى الجهة الأخرى.. فرأيت في سيرى هذا أموراً عجيبة ومشاهد غريبة لاتكاد توصف؛ فالبحر غاضب عليّ، والعاصفة تهددني وكل شيء يلقي أمامي العوائقَ والمصاعب. إلاّ أن تلك المشاكل تُذلّل بفضل ما وُهب لي من القرآن الكريم من وسيلة سياحية. فكنت أتغلب عليها بتلك الوسيلة.. وبدأت أقطع السير خطوة خطوة، شاهدت أشلاء السائحين وجنائزهم ملقاة على طرفي الطريق، هنا وهناك فلم يُنهِ هذه السياحة إلاّ واحدٌ من ألف..
وعلى كل حال فقد نجوت من ظلمات تلك السحب الخانقة، ووصلت إلى الجهة الأخرى من الأرض، وقابلت الشمس الحقيقية الجميلة، وتنفستُ النسيم العليل، وبدأت أجول في ذلك العالم البهيج كالجنة، وأنا أردد: الحمد للّٰه.
ثم رأيت أنني لن اُترَك هنا، فهناك مَن كأنه يريد أن يريني طريقاً آخر، فأرجعَني في الحال إلى ما كنت عليه.. تلك الصحراء الشاسعة.. فنظرت فإذا بأشياء نازلة من الأعلى كنـزول المصاعد "الكهربائية" بأشكال متباينة وأنماط مختلفة بعضها يشبه الطائرات وبعضها شبيه بالسيارات، وأخرى كالسلال المتدلية.. وهكذا. فأيّما إنسان يمكن أن يتعلق بأحد تلك الأشياء، حسب قابليته وقوته، فإنه يُعرج به إلى الأعلى.. فركبت إحداها، وإذا أنا في دقيقة واحدة فوق السحب وعلى جبال جميلة مخضوضرة، بل لا تبلغ السحب منتصف تلك الجبال الشاهقة.. وتُشاهد في كل مكان أجمل ضياء، وأعذب ماء وألطف نسيم..
196
__________________________
وحينما سرحت نظري إلى الجهات كلها رأيت أن تلك المنازل النورانية -الشبيهة بالمصاعد- منتشرة في كل مكان. ولقد كنت شاهدت مثلها في الجهة الأخرى من الأرض في تلكما السياحتين السابقتين.. ولكن لم أفهم منها شيئاً، بيد أنى الآن أفهم أن هذه المنازل إنما هي تجليات لآيات القرآن الحكيم.
وهكذا فالطريق الأول: هو طريق الضالين المشـار إليه بـ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهو مسلك الذين زلّوا إلى مفهوم "الطبيعة" وتبنّوا أفكار الطبيعيين.. وقد شعرتم مدى صعوبة الوصول إلى الحقيقة من خلال هذا السير المليء بالمشكلات والعوائق.
والطريق الثاني: المشار إليه بـ﴿المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ فهو مسلك عَبَدة الأسباب والذين يحيلون الخلق والإيجاد إلى الوسائط، ويسندون إليها التأثير، ويريدون بلوغ حقيقة الحقائق، ومعرفة اللّٰه جل جلاله عن طريق العقل والفكر وحده، كالحكماء المشائين.
أما الطريق الثالث: المشار إليه بـ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ فهو الصراط المستقيم والجادة النورانية لأهل القرآن، وهو أقصر الطرق وأسلمه أيسره، ومفتوح أمام الناس كافة ليسلكوه، وهو مسلك سماوي رحماني نوراني». ([18])
السنة النبوية مصابيح الهدى
«إنّي شاهدت في سيري في الظلمات، السُّنَن السَّنية نجوماً ومصابيح، كلُّ سنَّةٍ، وكلُّ حَدٍّ شرعي يتلمع بين ما لا يُحصر من الطرق المظلمة المضلّة. وبالانحراف عن السنة يصير المرء لعبة الشياطين، ومركَب الأوهام، ومعرض الأهوال، ومطية الأثقال -أمثال الجبال- التي تحملها السنةُ عنه لو اتّبعها.
وشاهدتُ السننَ كالحبالِ المتدلّية من السماء، من استمسك ولو بجزئي استَصعد واستسعد، ورأيتُ مَن خالَفَها واعتمدَ على العقل الدائر بين الناس، كمَن يريد أن يبلُغَ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمّق كما تَحمّقَ فرعون بـ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾(غافر:36). ([19])
197
__________________________
فعندما كان يسعى هذا السعيد الفقير إلى اللّٰه، للخروج من حالة "سعيد القديم" ارتج عقلي وقلبي وتدحرجا ضمن الحقائق إزاء إعصار معنوي رهيب، فقد شعرت كأنهما يتدحرجان هبوطا تارة من الثريا إلى الثرى وتارة صعدا من الثرى إلى الثريا، وذلك لانعدام المرشد، ولغرور النفس الأمارة.
فشاهدت حينئذ أن مسائل السنة النبوية الشريفة بل حتى أبسط آدابها، كل منها في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن، وكل منها في حكم مفتاح مصباح يضيئ ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة.
وبينما كنت أرى نفسي في تلك السياحة الروحية أرزح تحت ضغط مضايقات كثيرة وتحت أعباء أثقال هائلة، إذا بي أشعر بخفة كلما تتبعت مسائل السنة الشريفة المتعلقة بتلك الحالات، وكأنها كانت تحمل عني جميع الأثقال وترفع عن كاهلي تلك الأعباء. فكنت أنجو باستسلام تام للسنة من هموم التردد والوساوس مثل: "هل في هذا العمل مصلحة؟ ترى هل هو حق؟". وكنت أرى أني متى ما كففت يدي عن السنة تشتد موجات المضايقات وتكثر، والطرق المجهولة تتوعر وتغمض، والأحمال تثقل.. وأنا عاجز في غاية العجز ونظري قصير، والطريق مظلمة. بينما كنت أشعر متى ما اعتصمت بالسنة، وتمسكت بها أن الطريق تتنور من أمامي وتظهر كأنها طريق آمنة سالمة، والأثقال تخف والعقبات تزول.
نعم، هكذا أحسست في تلك الفترة فصدقت حكم الإمام الرباني بالمشاهدة، حيث يقول: "بينما كنت أقطع المراتب في السير والسلوك الروحاني، رأيت أن أسطع ما في طبقات الأولياء، وأرقاهم وألطفهم وآمنهم وأسلمهم هم أولئك الذين اتخذوا اتباع السنة الشريفة أساسا للطريقة، حتى كان الأولياء العوام لتلك الطبقة يظهرون أكثر بهاءً واحتشاماً من الأولياء الخواص لسائر الطبقات".
نعم، إن الإمام الرباني مجدد الألف الثاني ينطق بالحق، فالذي يتمسك بالسنة الشريفة ويتخذها أساساً له، لهو أهل لمقام المحبوبية في ظل حبيب اللّٰه صلى الله وعليه وسلم ». ([20])
198
__________________________
سلكتُ طريقاً غير مسلوك بين العقل والقلب
«إن عقلي قد يرافق قلبي في سيره فيعطي القلبُ مشهودَه الذوقي ليد العقل؛ فيبرزه العقلُ على عادته في صورة المبرهَن التمثيلي. ([21])
[وسجل في مقدمات مؤلفاته في هذه الفترة:]
هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقتٍ مدهش، والكلمات إنما تولدتْ في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيه الأنوارُ مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا؛ إذ سلكتُ طريقاً غير مسلوك، في برزخٍ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود. فكلما صادفتُ نوراً نصبتُ عليه علامة لأتذكّره بها. وكثيراً ما أضع كلمةً على ما لا يمكن لي التعبير عنه، للإخطار والتذكير، لا للدلالة.. فكثيراً ما نصبتُ كلمة واحدة على نور عظيم..ثم شاهدت أن أولئك الأنوار الذين يمدونني في بطون أرض الظلمات ما هم إلاّ شعاعات شمس القرآن تمثلوا لي مصابيح..
اللّٰهم اجعل القرآن نوراً لعقولنا، وقلوبنا، وأرواحنا ومرشداً لأنفسنا.. آمين. ([22])
أرى مسائل تلك الرسائل وسائلَ وسلالم.. للصعود إلى الزنابيل النورانية المتدليّة من عرش الرحمن التي هي الآيات الفرقانية. فما من مسألةٍ منها إلاّ ويماسّ رأسُها قدمَ آيةٍ من الفرقان؛ فمسائلها وإن حصلت لي أول ما حصلت شهودية وحدسية وذوقية، لكن لدخولي في صحراء الجنون مع رفاقة عقلي مفتوح الجفون -فيما يغمض فيه ذوو الأبصار- لفّ عقلي على عادته ما رآه قلبي في مقاييسه ووزنه بموازينه واستمسكه ببراهينه.. صارت مسائل هذه الرسائل من هذه الجهة كأنها مبرهنة استدلالية، فيمكن لمن ضلّ من جهة الفكر والعلم أن يستفيد منها ما يُنجيه من مزالق الأفكار الفلسفية، بل يمكن أن يستخرج منها بالتهذيب والتنظيم والإيضاح عقائد إيمانية وعلمَ كلامٍ جديد في غاية القوة والرصانة لردّ ضلالات أفكار هذا الزمان، بل يمكن لمن اختلط عقلهُ بقلبه، أو التحق قلبُهُ بعقله المتشتت في آفاق الكثرة أن يستنبط منها طريقة كسكة الحديد متينةً أمينة يسلك فيها تحت إرشاد القرآن الكريم.. كيف لا، وكل ما في رسائلي من المحاسن ما هو إلاّ من فيض القرآن..
199
__________________________
وللّٰه الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذا الطريق.
نعم، مَن استمسكَ به استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. ([23])
لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار والعقول. كلا! بل فيض أفيض على روحٍ مجروح وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الكريم، ولا تظنه أيضاً شيئاً سيالاً تذوقه القلوب وهو يزول. كلا! بل أنوارٌ من حقائق ثابتة انعكست على عقلٍ عليلٍ وقلبٍ مريضٍ ونفسٍ عمي.
إني ما أدري كيف صار عقلي ممزوجاً بقلبي، فصرت خارجاً عن طريق أهل العقل من علماء السلف وعن سبيل أهل القلب من الصالحين، فإن وافقتُهما فبها ونعمت وإن خالفتُ في كلامي أي السبيلين منهما فهو مردود عليّ.
إنّ ما يصادفك في المسائل من صورة البرهان والاستدلال ليس برهاناً حتى يقال: فيه نظر! بل مبادئ حدسية قيدت وعقدت واستحفظت بأنوار اليقين المفاضة من القرآن الكريم. ([24])
إنه يمكن أن يذهب الموفَّق من الظاهر إلى الحقيقة بلا مرور على برزخ الطريقة؛ وقد رأيتُ من القرآن طريقا إلى الحقيقة بدون الطريقة، أي المشهورة. وكذا رأيت طريقاً موصلاً إلى العلوم المقصودة بدون المرور على برزخ العلوم الآلية». ([25])
عرض مراحل السير نحو سعيد الجديد
«كان سعيد القديم -قبل حوالي خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكاً ومدخلاً للوصول إلى حقيقة الحقائق، داخلاً في عداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة. وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها -كأكثر أهل الطريقة- بل جهد كل الجهد أولاً لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إيّاه مداومة النظر في كتب الفلاسفة.
200
__________________________
ثم أراد -بعد أن تخلّص من هذه الأسقام- أن يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة، المتوجهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب، فرأى أن لكلٍ من أولئك العظماء خاصيّة جاذبة خاصة به، فحار في ترجيح بعضهم على بعض.
فخطر على قلب ذلك السعيد القديم الممخض بالجروح - ما في مكتوبات "الإمام الرباني" من أمره له غيباً: "وحِّد القبلة" أي إن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلاّ، وإن توحيد القبلة إنما يكون بأستاذية القرآن فقط، فشرع بإرشادٍ مِن ذلك الأستاذ القدسي بالسلوك بروحه وقلبه على أغرب وجه، واضطرته نفسه الأمارة بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية.
وخلال سلوكه ذلك المسلك ومعاناته في دفع الشكوك، قَطَع المقامات، وطالع ما فيها، لا كما يفعله أهل الاستغراق مع غض الأبصار، بل كما فعله الإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، مع فتح أبصار القلب والروح والعقل، فسار فيها -أي في المقامات- ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلها، منفتحةً من غير غضٍ ولا غمض. فحمداً للّٰه على أن وُفِّق على جمع الطريقة مع الحقيقة بفيض القرآن وإرشاده، حتى بيّن برسائل النور التي ألفها "سعيد الجديد" حقيقةَ:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد([26])
لقد كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوك في تلك المقامات، ساعياً بالقلب تحت نظَارَة العقل، وبالعقل في حماية القلب كالإمام الغزالي والأمام الرباني وجلال الدين الرومي، فبادر إلى ضماد جراحات قلبه وروحه، وخلّص نفسه من الوساوس والأوهام. وبخلاصه منها انقلب سعيد القديم إلى سعيد الجديد، فألّف بالعربية ما هو بحكم المثنوي الشريف -الذي هو أصلاً بالفارسية- رسائل عدة في أوجز العبارات. وكلما سنحت له الفرصة أقدم على طبعها، وهي: "قطرة، حباب، حبة، زهرة، ذرة، شمة، شعلة ودروس أخرى" مع رسالتين بالتركية وهما: "لمعات ونقطة". ([27])
201
__________________________
وبيّن ذلك المسلك في غضون نصف قرن من الزمان في رسائل النور التي لم تقتصر على جهاد النفس والشيطان، بل أصبحت شبيهة بمجموعة كلية واسعة من "المثنوي" تنقذ الحيارى المحتاجين وتنتشل المنساقين إلى الضلالة من أهل الفلسفة.
إن المناظرة الجارية بين ذينك السعيدين -سعيد القديم والجديد- كانت دافعة للشيطان، قاهرةً للنفس، حتى غدت رسائل النور طبيبة حاذقة لذوي الجراحات من طلاب الحقيقة، وأصبحت مُلزمةً ومُسكتةً لأهل الإلحاد والضلالة». ([28])
ما كتبتُ إلاّ ما شاهدت
«إني قد ســـاقني القدر الإلهي إلى طريق عجيب، صادفتُ في سيري فيه مهالك ومصائب وأعداء هائلةً، فاضطربتُ، فالتجأت بعجزي إلى ربي.. فأخذت العنايةُ الأزلية بيدي، وعلّمني القرآنُ رشدي، وأغاثتني الرحمة فخلصتني من تلك المهالك. فبحمد اللّٰه صرتُ مظفراً في تلك المحاربات مع النفس والشيطان اللذين صارا وكيلين فضوليين لأنواع أهل الضلالات..
فأولاً ابتدأت المشاجرةُ بيننا في هذه الكلمات المباركة وهي:
سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إله إلاّ اللّٰه، واللّٰه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللّٰه.. فوقع تحت كلٍ من هذه الحصون الحصينة ثلاثون حرباً.
202
__________________________
فكلُّ جملة، بل كل قيد في هذه الرسالة نتيجة مظفريةٍ لحرب لم يبق للعدوّ في شئ منها مطمَع وأدنى ممسك.. فما كتبتُ إلاّ ما شاهدتُ.. بحيث لم يبق لنقيضه عندي إمكانٌ وهمي.. ([29])
وإنني أعترف وأنادي بأعلى صوتي: بأني عاجز، قاصر في الإفهام، لكن أقول تحديثاً بالنعمة وأداء للأمانة بأني لا أخدعكم، إنما أكتب ما أشاهد أو أتيقن عين اليقين أو علم اليقين». ([30])
سنة 1922م/1339هـ
نفور من الحياة الاجتماعية وانقلاب روحيّ
«بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الأولى، لبثت في إسطنبول لخدمة الدّين في "دار الحكمة الإسلامية" حوالي ثلاث سنوات. ولكن بإرشاد القرآن الكريم وبهمّة الشيخ الگيلاني، وبانتباهي بالشيخوخة، تولّد عندي سأم وملل من الحياة الحضارية في إسطنبول، وبت أنفر من حياتها الاجتماعية البهيجة، فساقني الشوق والحنين المسمى بـ"داء الغُربة" إلى بلدتي، إذ كنت أقول: ما دمت سأموت فلأمت إذن في بلدتي. ([31])
نعم، هكذا جاءني النفور من تلك الحياة الدنيوية البهيجة في إسطنبول التي ظاهرها اللذة، من ذلك التأمل والنظر في شعيراتٍ بيضاء لرأسي ولحيتي، ومن عدم الوفاء الذي بدر من الصديق الوفي المخلص.. حتى بدأت النفس بالبحث والتحري عن أذواق معنوية بدلا عما افتتنت به من أذواق، فطلبت نوراً وسلواناً في هذه الشيخوخة التي تبدو ثقيلة ومزعجة ومقيتة في نظر الغافلين. فللّٰه الحمد والمنّة وألف شكر وشكر له سبحانه أن وفقني لوجدان تلك الأذواق الإيمانية الحقيقية الدائمة في "لا إله إلاّ هو" وفي نور التوحيد بدلا من تلك الأذواق الدنيوية التي لا حقيقة لها ولا لذة فيها، بل لا خير في عقباها. وله الحمد أن وفقني كذلك لأجد الشيخوخة خفيفة الظل أتنعم بدفئها ونورها بخلاف ما يراه أهل الغفلة من ثقل وبرودة. ([32])
203
__________________________
ففي بداية شيخوختي ومستهلها، ورغبة منّى في الانزواء والاعتزال عن الناس، بحثَتْ روحي عن راحة في الوحدة والعزلة على "تل يوشع" المطل على البسفور. ([33]) فلما كنت -ذات يوم- أسرح بنظري إلى الأفق من على ذلك التل المرتفع، رأيت بنذير الشيخوخة لوحة من لوحات الزوال والفراق تتقطر حزناً ورقة، حيث جُلتُ بنظري من قمة شجرة عمري، من الغصن الخامس والأربعين منها، إلى أن انتهيت إلى أعماق الطبقات السفلى لحياتي، فرأيت أن في كل غصن من تلك الأغصان الكائنة هناك ضمن كل سنة جنائز لا تحصر من جنائز أحبابي وأصدقائي وكل مَن له علاقة معي، فتأثرت بالغ التأثر من فراق الأحباب وافتراقهم، وترنمت بأنين "فضولي البغدادي"(*) عند مفارقته الأحباب قائلاً:
كلما حنَّ الوصــال عَذبٌ دمعي مادام الشهيق
لقد بحثتُ من خلال تلك الحسرات الغائرة عن باب رجاء، وعن نافذة نور، أسلّى بها نفسي، فإذا بنور الإيمان بالآخرة يغيثني ويمدّني بنور باهر، إنه منحني نوراً لا ينطفئ أبداً، ورجاءً لا يخيب مطلقاً. ([34])
وعلى "تل يوشع" المطل على البسفور بإسطنبول، عندما قررت ترك الدنيا، أتاني أصحاب أعزاء، ليثنوني عن عزمي ويعيدوني إلى حالتي الأولى، فقلت لهم: "دعوني وشأني إلى الغد، كي أستخير ربي". وفي الصباح الباكر خطرت هاتان اللوحتان إلى قلبي، وهما شبيهتان بالشعر، إلاّ أنهما ليستا شعراً، وقد حافظت على عفويتهما وأبقيتهما كما وردتا لأجل تلك الخاطرة الميمونة...
اللوحة الأولى (وهي لوحة تصور حقيقة الدنيا لدى أهل الغفلة)
لا تدعُني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.
إذ لما صارت الغفلة حجاباً، وسترتْ نور الحق..
رأيت الموجودات كلها، فانية مضرة
إن قلتَ: الوجود! فقد لبسته، ولكن كم عانيت من البلاء في العدم.
وإن قلتَ: الحياة! فقد ذقتها، ولكن كم قاسيت العذاب.
إذ صار العقل عقاباً، والبقاء بلاءً
والعمر عين الهواء، والكمال عين الهباء.
204
__________________________
والعمل عين الرياء، والأمل عين الألم.
والوصال عين الزوال، والدواء عين الداء.
والأنوار ظلمات، والأحبابُ أيتاماً.
والأصوات نعيات، والأحياء أمواتاً.
وانقلبت العلوم أوهاماً، وفي الحِكَم ألف سقم.
وتحولت اللذائذ آلاماً، وفي الوجود ألف عدم.
وإن قلتَ: الحبيب! فقد وجدته، آه! كم في الفراق من ألم.
اللوحة الثانية (وهي لوحة تشير إلى حقيقة الدنيا لدى أهل الهداية)
لما زالت الغفلة، أبصرت نور الحق عياناً.
وإذا الوجود برهان ذاته، والحياة مرآة الحق..
وإذا العقل مفتاح الكنـز، والفناء باب البقاء.
وانطفأت لمعة الكمال، وأشرقت شمس الجمال..
فصار الزوال عين الوصال، والألم عين اللذة.
والعمر هو العمل نفسه، والأبد عين العمر.
والظلامُ غلاف الضياء، وفي الموت حياة حقة..
وشاهدت الأشياء مؤنسة، والأصوات ذكراً..
فالموجودات كلها ذاكرات مسبحات.
ولقد وجدت الفقر كنـز الغنى وأبصرت القوة في العجز.
إن وجدت اللّٰه فالأشياء كلها لك.
نعم، إن كنت عبداً لمالك الملك، فملكه لك..
وإن كنت عبداً لنفسك معجباً بها فأبصر بلاءً وعبئاً بلا عدٍ وذقها عذاباً بلا حد.
وإن كنت عبداً للّٰه حقاً مؤمناً به، فأبصر صفاءً بلا حدٍ، وذق ثواباً بلا عد ونَل سعادة بلا حدٍ.
205
__________________________
وقرأت قصيدة الأسماء الحسنى للشيخ الكيلاني قُدس سره ([35]) بعد عصر يوم من أيام شهر رمضان المبارك -وذلك قبل خمس وعشرين سنة- فوددت أن أكتب مناجاة بالأسماء الحسنى، فكُتب هذا القدر في حينه، إذ إنني أردت كتابة نظيرة لمناجاة أستاذي الجليل السامي، ولكن هيهات، فإني لا أملك موهبة في النظم. لذا عجزت، وظلت المناجاة مبتورة...»
هو الباقي
هو الحَكَمُ العدلُ له الأرض والسماءُ حكيمُ القضايــا نحن في قَبْض حُكمه
هو القــــادرُ القيومُ لـه العرش والثــــراء عليمُ الخفايــــا والغيوب في مُلـــكــــــــه
هو الفاطرُ الودودُ له الحُسن والبـهـــاءُ لطيفُ المزايــا والنقـوش في صُنـعــــــه
هو الملكُ القدوسُ لـه العز والكبرياء جليلُ المرايـــا والشـــؤون في خــلقـــــه
هو الدائمُ البـــاقي له المـلك والبقـــــــاءُ بديع البـرايـــــا نحن من نقش صُنـــعــــه
هو الرزاقُ الكـافي له الحمد والثنـــــــاء كريمُ العطايــــا نحن مِن ركبِ ضيـفـــه
هو الخالقُ الوافي له الجــودُ والعطـــاء جميل الهدايـــا نحن من نسـج علمــــه
هو الراحمُ الشـافي له الشــــكر والثنــاء سميعُ الشكايـــــا والدعاءِ لخـَــلـقِــــــــــــه
هو الغفّار الرحيمُ لــه العفوُ والرضــــاء غفـور الخطـايـــــا والذنـــوبِ لـعبـــــــــده
206
__________________________
الواقعة التي حوّلت "سعيد القديم" إلى "سعيد الجديد"
استمع إلى هذه الواقعة الخيالية التي تتمثل فيها حقيقةُ حياةِ الدنيا. تلك الواقعة التمثيلية([36]) التي رآها "سعيد القديم" فحوّلته إلى "سعيد الجديد" وهي:
«رأيتُ نفسي كأني أسافر في طريقٍ طويل، أي أُرسَل إلى مكانٍ بعيد، وكان سيدي قد خصّص لي مقدارَ ستين ليرة ذهبية يمنحني منها كلَّ يومٍ شيئاً، حتى دخلتُ إلى فندقٍ فيه ملهى فطفقتُ أبذّر ما أملك -وهي عشرُ ليرات- في ليلةٍ واحدة على مائدة القمار والسهر في سبيل الشهرة والإعجاب. فأصبحتُ وأنا صفر اليدين لم أتّجر بشيء، ولم آخذ شيئاً مما سأحتاج إليه في المكان الذي أقصده، فلم أوفّر لنفسي سوى الآلام والخطايا التي ترسبتْ من لذات غير مشروعة، وسوى الجروح والغصّات والآهات التي ترشحت من تلك السفاهات والسفالات.. وبينما أنا في هذه الحالة الكئيبة الحزينة البائسة إذ تمثّل أمامي رجلٌ. فقال:
"أنفقَت جميع رأسمالك سدىً، وصرتَ مستحقاً للعقاب، وستذهب إلى البلد الذي تريدُه خاويَ اليدين. فإن كنتَ فطناً وذا بصيرة فبابُ التوبة مفتوحٌ لم يغلق بعدُ. وبإمكانك أن تدّخر نصف ما تحصل عليه، مما بقي لك من الليرات الخمس عشرة لتشتري بعضاً مما تحتاج إليه في ذلك المكان." استشرتُ نفسي فإذا هي غير راضية بذلك.
فقال الرجل: "فادّخر إذن ثُلُثَه". ولكن وجدتُ نفسي غير راضية بهذا أيضاً.
فقال: "فادّخر ربُعَهَ"، فرأيتُ نفسي لا تريد أن تَدَع العادةَ التي ابتُليت بها. فأدار الرجلُ رأسه وأدبر في حدّةٍ وغيظٍ ومضى في طريقه. ثم رأيتُ كأن الأمور قد تغيّرت، فرأيت نفسي في قطار ينطلق منحدراً بسرعة فائقة في داخل نفق تحت الأرض، فاضطربت من دهشتي، ولكن لا مناص لي حيث لا يمكنني الذهابُ يميناً ولا شمالاً. ومن الغريب أنه كانت تبدو على طرفَي القطار أزهارٌ جميلة جذابة وثمارٌ لذيذة متنوعة فمددتُ يدي -كالأغبياء- نحوَها أُحاول قطفَ أزهارها وأحصل على ثمراتها، إلاّ أنها كانت بعيدةَ المنال، الأشواكُ فيها انغرزتْ في يدي بمجرد ملامستها فأدْمَتها وجرحَتها والقطارُ كان ماضياً بسرعة فائقة فآذيتُ نفسي من دون فائدة تعود عليّ.
207
__________________________
فقال أحد موظفي القطار: "أعطني خمسة قروش لأنتقيَ لك الكميةَ المناسبة التي تريدُها من تلك الأزهار والأثمار، فإنك تخسر بجروحك هذه أضعاف أضعاف ما تحصل عليه بخمسة قروش فضلاً عن أن هناك عقاباً على صنيعك هذا، حيث إنك تقطفها من غير إذن". فاشتدّ عليّ الكربُ في تلك الحالة فنظرت أتطلّع من النافذة إلى الأمام لأتعرّف نهايةَ النفق، فرأيت أن هناك نوافذَ كثيرةً وثغوراً عدة قد أحلّت محلَّ نهاية النفق وأن مسافري القطار يُقذَفون خارجاً من القطار إلى تلك الثغور والحفر، ورأيت أن ثغراً يقابلني أنا بالذات أُقيمَ على طرفيه حجرٌ أشبهُ ما يكونُ بشواهدِ القبر، فنظرت إليها بكل دقة وإمعان فرأيتُ أنه قد كُتب عليهما بحروفٍ كبيرة اسم «سعيد» فصرختُ من فرقي وحيرتي: يا ويلاه! وآنذاك سمعتُ صوت ذلك الرجل الذي أطال عليّ النصح في باب الملهى وهو يقول:
- هل استرجعتَ عقلك يا بني وأفقتَ من سكرتك؟.
- نعم ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن خارتْ قواي ولم يبقَ لي حولٌ ولا قوة.
- تُب وتوكّل.
- قد فعلت.
ثم أفقتُ وقد اختفى سعيدٌ القديم ورأيتُ نفسي سعيداً جديداً». ([37])
مسلك التفكر
«وعندما انقلب سعيد القديم إلى سعيد الجديد قبل ثلاثة وعشرين عاماً، سالكاً مسلك التفكر، بحثتُ عن سرّ «تفكرُ ساعةٍ خير من عبادة سنة». ([38]) وفي كل عام أو عامين كان ذلك السرّ يغيّر من شكله فينتج إما رسالة عربية أو رسالة تركية. وقد دامت تلك الحقيقة وهي تتلبّس الأشكال المختلفة ابتداء من رسالة "قطرة" العربية، وانتهاء إلى رسالة "الآية الكبرى"، حتى أخذت شكلها الدائمي في "الحزب النوري". ([39]) ومنذ عشرين عاماً، كلما تملّكني الضيق وأصاب الفكرَ والقلبَ إرهاقٌ، ولجأت إلى قراءة قسم من ذلك الحزب بتأمل، فإذا به يزيل ذلك الضيق والسآمة والإرهاق.
208
__________________________
وقد تكرر ألف مرة، ومع ذلك لم يترك أي أثر للملل والتعب -الناتجين عن الانشغال طوال خمس أو ست ساعات من الليل- بقراءة سُدس ذلك الحزب قبيل الفجر. نعم، إن هذه الحال تدوم حتى الآن». ([40])
مسلك العجز والفقر والشفقة والتفكر في مثال "الرشحة" ([41])
«سنفرض أنفسنا نحن الثلاثة "الزهرة" و"القطرة" و"الرشــحة". إذ لا يكفي ما افترضناه مـن شـــعور فيها، فنلحق بها عقولَنـــا أيضــاً. أي أن ندرك أن تلك الثــلاثــة مثلما تستفيض من شــمسها الماديــة، فنحن كذلك نســتفيض من شــمسنا المعنويــة.
فأنت أيها الصديق الذي لا ينسى الدنيا ويوغل في الماديات وقد غلظتْ نفسُه وتكاثفت! كن "الزهرة". لأن استعدادك شبيه بها، إذ إن تلك الزهرة تأخذ لونا قد تحلل من ضياء الشمس وتمزج مثال الشمس من ذلك اللون، وتتلون به في صورة زاهية.
أما هذا الفيلسوف الذي درس في المدارس الحديثة، والمعتقد بالأسباب، والذي يشبهه "سعيد القديم"، فليكن "القطرة" العاشقة للقمر، الذي يمنحها ظل الضياء المستفاد من الشمس فيعطي عينَها نوراً فتتلألأ به... ولكن "القطرة" لا ترى بذلك النور إلا القمر، ولا تستطيع أن ترى به الشمس، بل يمكنها رؤية الشمس بإيمانها.
ثم إن هذا الفقير الذي يعتقد أن كل شئ منه تعالى مباشرة، ويعدّ الأسباب حجابا، ليكن هو "الرشحة"، فهي رشحة فقيرة في ذاتها، لا شئ لها كي تستند إليه وتعتمد عليه كالزهرة وليس لها لون كي تشاهد به، ولا تعرف أشياء أخرى كي تتوجه إليها. فلها صفاء خالص يخبئ مثال الشمس في بؤبؤ عينها...»
[وبعد الإيضاح يختم البحث بالآتي:]
«وهذا صديقكم الثالث الشبيه بـ"الرشحة" فقير، عديم اللون، يتبخر بسرعة بحرارة الشمس، يدع أنانيته ويمتطي البخارَ فيصعد إلى الجو، يلتهب ما فيه من مادة كثيفة بنار العشق، ينقلب بالضياء نوراً، يمسك بشعاع صادر من تجليات ذلك الضياء ويقترب منه.
209
__________________________
فيا مثال الرشحة! ما دمت تؤدي وظيفة المرآة للشمس مباشرة، فكن أينما شئت من المراتب، فيمكنك أن تجد نافذة نظارة صافية تطل منها إلى عين الشمس بعين اليقين، فلا تعاني صعوبة في إسناد الآثار العجيبة للشمس إليها، إذ تستطيع أن تسند إليها أوصافها المهيبة بلا تردد، فلا يمكن أن يمسك يَدك ويكفّك شيءٌ قطعاً عن إسناد الآثار المذهلة لسلطنتها الذاتية إليها. فلا يحيرك ضيق البرازخ ولا قيد القابليات ولا صغر المرايا، ولا يسوقك إلى خلاف الحقيقة شئ من ذلك لأنك صاف وخالص تنظر إليها مباشرة، ولذلك فقد أدركت أن ما يشاهَد في المظاهر ويُرى في المرايا ليس شمساً، وإنما نوع من تجلياتها وضرب من انعكاساتها المتلونة، وأن تلك الانعكاسات إنما هي دلائل وعناوين لها فحسب، ولكن لا يمكنها أن تُظهر آثار هيبتها جميعاً.
ففي هذا التمثيل الممتزج بالحقيقة يُسلَك إلى الكمال بطرق ثلاثة مختلفة متنوعة، فهم يتباينون في مزايا تلك الكمالات وفي تفاصيل مرتبة الشهود، إلا أنهم يتفقون في النتيجة، وفي الإذعان للحق، وفي التصديق بالحقيقة». ([42])
أقرب طريق إلى الله
«للوصول إلى اللّٰه سبحانه وتعالى طرائق كثيرة، وسبل عديدة. ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم، إلاّ أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم.
وقد استفدت من فيض القرآن الكريم -بالرغم من فهمي القاصر- طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً هو: طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر.
نعم، إن العجز كالعشق طريق موصل إلى اللّٰه، بل أقرب وأسلم، إذ هو يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية. والفقر مثله يوصل إلى اسم اللّٰه "الرحمن". وكذلك الشفقة كالعشق موصل إلى اللّٰه إلا أنه أنفذ منه في السير وأوسع منه مدى، إذ هو يوصل إلى اسم اللّٰه "الرحيم". والتفكر أيضاً كالعشق إلا أنه أغنى منه وأسطع نوراً وأرحب سبيلاً، إذ هو يوصل السالك إلى اسم اللّٰه "الحكيم".
210
__________________________
وهذا الطريق يختلف عما سلكه أهل السلوك في طرق الخفاء -ذات الخطوات العشر كاللطائف العشر- وفي طرق الجهر -ذات الخطوات السبع حسب النفوس السبعة- فهذا الطريق عبارة عن أربع خطوات فحسب، وهو حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية.
ولا يذهبن بكم سوء الفهم إلى الخطأ. فالمقصود بالعجز والفقر والتقصير إنما هو إظهار ذلك كله أمام اللّٰه سبحانه وليس إظهاره أمام الناس.
أما أوراد هذا الطريق القصير وأذكاره فتنحصر في: اتباع السنة النبوية، والعمل بالفرائض، ولا سيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان، والعمل بالأذكار عقبها، وترك الكبائر.
أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم فهي: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾(النجم:32) تشير إلى الخطوة الأولى. ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّٰهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم﴾(الحشر:19) تشير إلى الخطوة الثانية. ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء:79) تشير إلى الخطوة الثالثة. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾(القصص:88)، تشير إلى الخطوة الرابعة.
وفيما يلي إيضاح هذه الخطوات الأربع بإيجاز شديد:
الخطوة الأولى
كما تشير إليها الآية الكريمة ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ وهي: عدم تزكية النفس. ذلك لأن الإنسان -حسب جبلّته وبمقتضى فطرته- محبٌ لنفسه بالذات، بل لا يحب إلا ذاته في المقدمة، ويضحي بكل شئ من أجل نفسه، ويمدح نفسه مدحاً لا يليق إلا بالمعبود وحده، وينـزّه شخصه ويبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسه أصلاً ويدافع عنها دفاعاً قوياً بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعه اللّٰه فيه من أجهزة لحمده سبحانه وتقديسه إلى نفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾(الفرقان:43) فيعجب بنفسه ويعتد بها.. فلا بد إذن من تزكيتها فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها.
الخطوة الثانية
كما تلقّنه الآية الكريمة من درسِ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّٰهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. وذلك: أن الإنسان ينسى نفسه ويغفل عنها، فإذا ما فكر في الموت صرفه إلى غيره،
211
__________________________
وإذا ما رأى الفناء والزوال دفعه إلى الآخرين، وكأنه لا يعنيه بشيء، إذ مقتضى النفس الأمارة أنها تذكر ذاتها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف. فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة هي: العمل بعكس هذه الحالة، أي عدم النسيان في عين النسيان، أي نسيان النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت.
الخطوة الثالثة
هي ما ترشد إليه الآية الكريمة: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ وذلك: أن ما تقتضيه النفس دائماً أنها تنسب الخير إلى ذاتها، مما يسوقها هذا إلى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر، وأن يرى كل محاسنه وكمالاته إحساناً من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾(الشمس:9).
وهي أن تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، (أي كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام اللّٰه، وغناها في فقرها إليه).
الخطوة الرابعة
هي ما تعلّمه الآية الكريمة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. ذلك لأن النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعاً من الربوبية، وتضمر عصيانا حيال معبودها الحق. فبإدراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسان من ذلك وهي أن كل شئ بحد ذاته، وبمعناه الاسمي "زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم"، إلاّ أنه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه "شاهد، مشهود، واجد، موجود".
فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفةُ أن عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، أي إذا رأت ذاتها وأعطت لوجودها وجوداً، فإنها تغرق في ظلماتِ عدمٍ يسع الكائنات كلها. يعني إذا غفلت عن موجدها الحقيقي وهو اللّٰه، مغترة بوجودها الشخصي فإنها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم.
212
__________________________
ولكن عندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقاً أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي. فتظفر بوجود غير متناه وتربح وجود جميع المخلوقات.
نعم، من يجد اللّٰه فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلاّ تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله.
خاتمة
إن هذا الطريق هو أقصر وأقرب من غيره، لأنه عبارة عن أربع خطوات. فالعجز إذا ما تمكن من النفس يسلّمها مباشرة إلى "القدير" ذي الجلال، بينما إذا تمكن العشق من النفس -في طريق العشق الذي هو أنفذ الطرق الموصلة إلى اللّٰه- فإنها تتشبث بالمعشوق المجازي، وعندما ترى زواله تبلغ المحبوب الحقيقي.
ثم إن هذا الطريق أسلم من غيره، لأنه ليس للنفس فيه شطحات أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير حتى يتجاوز حده.
ثم إن هذا الطريق طريق عام وجادة كبرى، لأنه لا يضطر إلى إعدام الكائنات ولا إلى سجنها، حيث إن أهل "وحدة الوجود" توهموا الكائنات عدماً، فقالوا: "لا موجود إلا هو" لأجل الوصول إلى الاطمئنان والحضور القلبي. وكذا أهل "وحدة الشهود" حيث سجنوا الكائنات في سجن النسيان فقالوا: "لا مشهود إلاّ هو" للوصول إلى الاطمئنان القلبي.
بينما القرآن الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الإعدام ويطلق سراحها من السجن، فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وإنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي إنه يستخدمها بالمعنى الحرفي ويعزلها عن المعنى الاسمى من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم. فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شئ.
وزبدة الكلام: أن هذا الطريق لا ينظر إلى الموجودات بالمعنى الاسمي، أي لا ينظر إليها على أنها مسخرة لنفسها ولذاتها، بل يعزلها من هذا ويقلدها وظيفةَ، أنها مسخرة للّٰه سبحانه». ([43])
213
__________________________
----------------------
[1]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الحادي عشر. لا بد أن نذكّر "أن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الإنسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.
أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسـن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو. وحيث إنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسـفة في أغلب أجزائها وذلك بنصبها موازين دقيقة، ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معززة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة". الملاحق، ملحق أميرداغ 1.
[2]() المثنوي العربي النوري، قطرة من نور معرفة اللّٰه، خاتمة.
[3]() اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكرة الخامسة.
[4]() المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، القسم السابع.
[5]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الحادي عشر.
[6]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الثالث.
[7]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الرابع.
[8]() المثنوي العربي النوري، حبة من نواتات ثمرة القرآن.
[9]() وللأستاذ النورسي خواطر قيّمة في جامع بايزيد جديرة بالتذكير، لم ندرجها هنا خشية الإطالة، نذكر منها: بيانه الإعجاز في "ن" نعبد، لدى إثباته أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية. (المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، القسم الأول). ومحاورة مع الشيطان، لدى إثباته أن القرآن الكريم كلام اللّه (المكتوبات، المكتوب السادس والعشرون).
[10]() السيوطي، الدرر المنتثرة ص 97؛ أبو نعيم، حلية الأولياء 6/388؛ المناوي، فيض القدير 3/368؛ المنذري، الترغيب والترهيب 3/178؛ العجلوني، كشف الخفاء، 1/ 496.
[11]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء العاشر.
[12]() اللمعات، اللمعة الثامنة.
[13]() أصل العبارة: "يا عباد اللّٰه أنتم في دار الحكمة، لا بد من الواسطة، اطلبوا من معبودكم طبيباً يطبّ أمراض قلوبكم مداوياً يداويكم..." وذلك في المجلس الثاني والستين من كتاب الفتح الرباني الذي كان مطبوعا في طبعاته الأولى مع كتاب فتوح الغيب في مجلد واحد موسوم بـ"فتوح الغيب".
[14]() نص العبارة: "وحيث قد طلبت الهمة من كمال الالتفات فبشرى لك ترجع سالماً وغانماً، لكن لا بد من أن تراعي شرطاً واحداً وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعل قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه إلى التفرقة.ومن الأمثال المشهورة: إن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلاً". (المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الإمام الرباني 1 ص87. ترجمة: محمد مراد).
[15]() المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة الثالثة.
[16]() المنشور ملحقاً بمجموعة "الكلمات".
[17]() وإن قلت: فما تكون أنت حتى تنازل هؤلاء المشاهير؟ فهل أصبحت نظير ذبابة حتى تتدخل في طيران الصقور؟ وأنا أقول: لما كان لي أستاذ أزلي وهو القرآن العظيم، فلا أراني مضطراً أن أبالي -ولو بقدر جناح ذبابة- في طريق الحقيقة والمعرفة بأولئك الصقور الذين هم تلاميذ الفلسفة الملوثة بالضلالة والعقل المبتلى بالأوهام. فمهما كنت أدنى منهم درجة إلا أن أستاذهم أدنى بدرجات لا حدّ لها من أستاذي، فبفضل أستاذي وهمته لم تستطع المادة التي أغرقتهم أن تبلل قدمي. نعم، إن الجندي البسيط الحامل لأوامر سلطان عظيم وقوانينه يمكنه أن ينجز من الأعمال ما لا ينجزه مشير لدى ملك صغير.(المؤلف).
[18]() الكلمات، الكلمة الثلاثون.
[19]() المثنوي العربي النوري، ذيل القطرة.
[20]() اللمعات، اللمعة الحادية عشرة.
[21]() المثنوي العربي النوري، شعلة من أنوار شمس القرآن.
[22]() المثنوي العربي النوري، مقدمة المؤلف، تنبيه.
[23]() المثنوي العربي النوري، ذيل الحباب، إفادة المرام؛ وانظر أيضًا، قطرة، خاتمة.
[24]() المثنوي العربي النوري، شمة من نسيم هداية القرآن، إفادة المرام.
[25]() المثنوي العربي النوري، شمة (3).
[26]() لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.
[27]() بدأ بتأليف هذه الرسائل في الأشهر الأخيرة من سنة 1921م وأتمها في 4/1923.
والتي طبعت منها باللغة العربية:
1-قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922).
2-شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط. 1922).
3-حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط. 1922).
4-زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923).
5-ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922)وذيل الذرة (ط. 1923).
6-باب من عمان القرآن وذيل الحباب (ط. 1923).
7-شعلة من أنوار شمس القرآن (ط. 1923).
وطُبعت منها باللغة التركية:
8-لمعات (ط. 1921).
9- نقطة من نور معرفة اللّٰه جل جلاله (ط. 1921).
[28]() المثنوي العربي النوري، مقدمة المؤلف.
[29]() المثنوي العربي النوري، قطرة من بحر التوحيد، إفادة المرام.
[30]() المثنوي العربي النوري، شمة، إفادة المرام.
[31]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الثالث عشر.
[32]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الحادي عشر.
[33]() اتخذ دعاء "الجوشن الكبير" و"الاسم الأعظم" وردا له في تل يوشع. (ب) 882 عن لمعه لر (عثمانية).
[34]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الخامس.
[35]() تبدأ القصيدة بالآتي:
شرعت بتوحيد الإله مبسملا سـأختم بالذكر الحميد مجملا
وأشهد أن اللّٰه لا ربّ غيـــــــره تنزّه عن حصـر العقول مكملا
ويختمها بالأبيات الآتية:
أنا الحسني الأصلِ عبدُ لقـــــــــادرٍ دعيتُ بمحي الدين في دوحة العلا
وصلّ على جَدّي الحبيب محمدٍ بأحلى ســــــلام في الوجود وأكملا
مع الآل والأصحاب جمعاً مؤبدا وبعدُ فحــمـــد اللّٰه خـتـــــــــــــــــماً وأولا
(عن مجموعة الأحزاب للكمشخانوي 1 ص575)
[36]() اخترنا هذه الواقعة من بين الوقائع الثلاث التي يذكرها الأستاذ النورسي عن تحوله من سعيد القديم إلى سعيد الجديد. ومن أراد التفصيل فليراجع المبحث الثاني من الكلمة الثالثة والعشرين.
[37]() الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون.
[38]() العجلوني، كشف الخفاء، 1/371؛ ابن أبي شيبة، المصنف، 7/190؛ الإمام أحمد، الزهد، 1/139؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1/136؛ أبو نعيم، حلية الأولياء، 1/209.
[39]() تأملات فكرية باللغة العربية على صورة مناجاة.
[40]() الملاحق، ملحق قسطموني.
[41]() لكي يتمكن القارئ من الإلمام الكافي بهذا الموضوع فليراجع -إن شاء- الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الثاني.
[42]() الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الثاني.
[43]() الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، خاتمة.
