الباب الأول

 

حياته الأُولى

 

55
__________________________

 

الفصل الأول

المولد والنشأة

 

سنة 1877م/1294هـ

هويته الشخصية

«الاسم واللقب: بديع الزمان سعيد..

اسم الوالد: ميرزا.([1])

اسم الوالدة: نورية.([2])

تاريخ الولادة: سنة 1293.([3])

مسقط الرأس: قرية "نُوْرْس" التابعة لناحية "إسباريت" المرتبطة بقضاء "خيزان" من أعمال ولاية "بتليس".

الملة: مسلم.

الشكل: طويل القامة، عسليّ العيون، حنطي اللون.

العلامات الفارقة: بلا.([4])

[وعلاوة على ما سبق سجل في الوثيقة التي أملاها في "دار الحكمة الإسلامية" المعلومات الآتية:]

 

57
__________________________

 

اسمي: "سعيد"، لقبي: "بديع الزمان" اسم والدي: "ميرزا"

لا أنتسب إلى سلالة معروفة -شافعي المذهب- أحد مواطني الدولة العلية العثمانية.

في مستهل دراستي العلمية درستُ عند أخي عبداللّٰه ما يقارب السنتين في ناحية إسپاريت. ثم انضممت إلى حلقة تدريس الشيخ محمد الجلالي(*) فأكملت الدروس المقررة كلها، وذلك في قصبة "بايزيد" التابعة لولاية "أرضروم". ثم بدأت بتدريس شتى العلوم في مدينة "وان" طوال خمس عشرة سنة.

وعندما أعلنت الحرب الحاضرة -العالمية الأولى- اشتركت فيها بصفة قائد المتطوعين. ووقعتُ أسيراً بيد الروس في "بتليس" ثم هربت من الأسر وعدت إلى إسطنبول. وأصبحت عضواً في دار الحكمة الإسلامية منذ تأسيسها.

فقدتُ إجازتي العلمية التي أخذتها من الشيخ محمد الجلالي في أثناء الأسر.

لي سبعة عشر مؤلفاً باللغة العربية، هي: إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، تعليقات، قزل إيجاز، الخطبة الشامية.([5])

وبقية المؤلفات باللغة التركية وهي: نقطة، شعاعات، سنوحات، مناظرات، محاكمات، طلوعات، لمعات، رموز، إشارات، خطوات ستة، إيكي مكتب شهادتنامه سي [المحكمة العسكرية العرفية] حقيقت جكردكلري [نوى الحقائق].

أتكلم باللغة التركية والكردية كما أقرأ وأكتب باللغة العربية والفارسية».([6])

أسرته

«إنني لم أشاهد والدتي الرؤوفة منذ التاسعة من عمري، فلم أحظ بتبادل الحوار اللطيف معها في جلساتها، فبتّ محروماً من تلك المحبة الرفيعة.

 

58
__________________________

 

ولم أتمكن من مشاهدة أخواتي الثلاث([7]) منذ الخامسة عشرة من عمري، حيث ذهبن مع والدتي إلى عالم البرزخ. فبتّ محروماً من كثير من ألطاف الرحمة والاحترام التي تشيع في أجواء الجلسات الأخوية الطيبة اللذيذة في الدنيا.

ولم أشاهد أيضاً أخويّ من ثلاثة إخوة([8]) منذ خمسين سنة -رحمهم اللّٰه- فبتّ محروماً من السرور المنبثق من الأخوة الودود والشفقة العطوف في مجالسة أولئك الأعزاء المتقين العلماء.

وعندما كنت أتجول اليوم مع أبنائي المعنويين الأربعة الذين يعاونونني في شؤوني، أُخطر على قلبي بيقين جزءٌ من بذرة الجنة التي ينطوي عليها الإيمان، مثلما أظهرتها رسائل النور.

وحيث إنني قضيت حياتي عزباً فلم أنجب الأولاد. لذا بتّ محروماً من مَذاقات محبتهم البريئة ومن ابتهاجهم وانشراحهم.

ومع كل هذا ما كنت أشعر بهذا النقص قط، حيث أنعم سبحانه وتعالى عليّ في هذا اليوم معنىً في منتهى الذوق واللذة فضمد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهات ثلاث:

الأولى: إنه عوضاً عن اللذة الآتية من العطف الخاص لوالدتي، أحسن الرحيم سبحانه وتعالى عليّ، أُلوفاً من الوالدات اللائي يستفدن من رسائل النور استفادة تفوق المعتاد ويتذوقن منها أذواقاً روحية خالصة، بـمثل ما جاء في الحديث الشريف "عليكم بدين العجائز"([9]) المذكور في رسائل النور.

وعوضاً عن السرور والبهجة والعطف الأخوي الناشئ من مجالسة أخواتي الثلاث -رحمهن اللّٰه- أحسن المولى الكريم عليّ بالألوف من السيدات والشابات، وجعلهن سبحانه وتعالى في موضع أخوات لي، فأستفيد من دعواتهن وتعلقهن بـرسائل النور ألوفاً من الفوائد والثمرات المعنوية والمسرات الروحية، وهناك أمارات عديدة على صدق هذا القسم الثاني يعرفها إخوتي.

 

59
__________________________

 

وعوضاً عن حرماني من العون المادي والمعنوي الذي كان يمدني به في الدنيا أخَوايَ المرحومان ومن عطفهما ورأفتهما، فقد أحسن سبحانه وتعالى برحـمته عليّ بمئات الألوف من إخوة حقيقيين مضحين في خدمة رسائل النور يحملون عطفاً خالصاً ويـمدّون إليّ يد العون بل يفدون رأسمال حياتهم الأخروية فضلاً عن حياتهم الدنيوية.

وعوضاً عن حرماني من أذواق العطف والحنان النابعة من الأولاد -حيث لا أولاد لي في الدنيا- أنعم سبحانه وتعالى عليّ بمئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث استفادتهم من رسائل النور مستقبلاً. فحوّل سبحانه وتعالى هذه العواطف الثلاث والشفقة الرؤوفة الجزئية إلى مئات الألوف منها».([10])

أخوه عبد المجيد (*)

«إن أخي عبد المجيد، قد شعر بانهيار واضطراب شديدين بسبب انتقال ابن أخي عبد الرحمن إلى رحمة اللّٰه. ولأحوال أليمة وأوضاع محزنة ألـمّت به، كان يأمل مني ما لا أقدر عليه من هـمة ومدد معنوي. ومع أني ما كنت أتراسل معه، إلا أنني بعثت إليـه فجأة بضع رسائل من "الكلمات". كتب إليّ بعد أن قرأها: لقد نجوتُ -والحمد للّٰه- فقد كنت على وشك الجنون، ولكن بفضل اللّٰه أخذت كل كلمة من تلك "الكلمات" موقع مرشد لي. ولئن فارقت مرشداً واحداً فقد وجدت -دفعة واحدة- مرشدين كثيرين([11]) فنجوت والحمد للّٰه. وأنا بدوري تأملت في حاله، فعلمت أنه حقاً قد دخل مسلكاً جميلاً وقد نجا بفضل اللّٰه من أوضاعه السابقة.([12]) وهو من طلابي العاملين المخلصين المضحين.. كان يملك داراً أنيقة جميلة في "وان" وحالته المعاشية على ما يرام، فضلاً عن أنه كان يزاول مهنة التدريس.. فعندما استوجبت خدمة القرآن ذهابي إلى مكان بعيد عن المدينة "وان" على الحدود، أردت استصحـابه، إلا أنه لم يوافق. وكأنه رأى أنه من الأفضل عدم ذهابي أنا كذلك، حيث قد يشوب العمل للقرآن شيء من السياسة وقد يعرّضه للنفي، وفضّل المكوث حيث هو ولم يشترك معنا.

 

60
__________________________

 

ولكن جاءته اللطمة الرحمانية بما هو ضد مقصوده، وعلى غير توقع منه، إذ أُخرج من المدينة وأُبعد عن منـزله الجميل وأُرغم على الذهاب إلى "أرغاني"».([13])

ابن أخته عُبيد

«كان ابن أختي "عبيد" أحد طلابي، قد استشهد بقربي بدلاً عنى، في الحرب العالمية الأولى. فرأيت في المنام رؤيا صادقة عندي: أنني قد دخلت قبره الشبيه بمنـزل تحت الأرض، رغم أنى في الأسر على بعد مسيرة ثلاثة أشهر منه، وأجهل مكان دفنه. ورأيته في طبقة حياة الشهداء. وقد كان يعتقد أنني ميت، وذكر أنه قد بكى عليّ كثيـراً، ويعتقد أنه ما زال على قيد الحياة، إلاّ أنه قد بنى له منـزلاً جميلاً تحت الأرض حذراً من استيلاء الروس».([14])

ابن أخيه عبد الرحمن(*)

«لقد تركني ابن أخي "عبد الرحمن" منذ ثماني سنوات، وعلى الرغم من تلوثه بغفلات الدنيا وشبهاتـها وأوهامها فإنه كان يحمل تجاهي ظناً حسناً بما يفوق حدي بكثير. لذا طلب مني أن أسعفه وأمده بما ليس عندي وليس في طوقي من همة. ولكن همة القرآن ومدده قد أغاثه، وذلك بأن أُوصِلَ إليه "الكلمة العاشرة" التي تخص "الحشر" قبل وفاته بثلاثة أشهر. فأدت تلك الرسالة دورها في تطهيره من لوثات معنوية وكدورات الأوهام والشبهات والغفلة، حتى كأنه قد ارتفع إلى ما يشبه مرتبة الولاية، حيث أظهر ثلاث كرامات في رسالته التي كتبها إليّ قبل وفاته، وقد أدرجت رسالته تلك ضمن فقرات المكتوب السابع والعشرين فليراجَع».([15])

 

61
__________________________

 

نسبه ([16])

«إن الخبراء في محكمة "دنيزلي" قالوا عن طلاب النور -حسب اعتقاد بعضهم-: إذا ادّعى سعيد النورسي أنه المهدي فإن جميع طلابه يصدّقونه برحابة صدر. وأنا قد قلت لهم في المحكمة: إنني لا أستطيع أن أعدّ نفسي من آل البيت حيث إن الأنساب مختلطة في هذا الزمان بما لا يمكن تمييزها، بينما مهدي آخر الزمان سيكون من آل البيت. رغم أنني بـمثابة ابن معنوي لسيدنا علي كرم اللّٰه وجهه وتلقيت درس الحقيقة منه، وإن معنىً من معاني آل محمد محمد صلى الله وعليه وسلم يشمل طلاب النور الحقيقيين، فأعدّ أنا أيضاً من آل البيت، إلاّ أن هذا الزمان هو زمان الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور -بأية جهة كانت- الرغبة في الأنانية وحب الشخصية والتطلع إلى المقامات والحصول على الشرف وذيوع الصيت، وكل ذلك منافٍ لسر الإخلاص تماماً.

فأنا أشكر ربي الجليل بما لا نهاية له من الشكر أنه لم يجعلني أُعجب بنفسي، لذا لا أتطلع إلى مثل هذه المقامات الشخصية التي تفوق حدي بدرجات لا تعد ولا تحصى، بل لو أُعطيت مقامات رفيعة أخروية فإنني أجد نفسي مضطراً إلى التخلي عنها لئلا أخلّ بالإخلاص الذي في النور. هكذا قلت للخبراء وسكتوا...»([17])

مخايل النبوغ في عهد الصبا

«لقد حدّثتُ خيالي في عهد صباي: أيَّ الأمْرين تُفضّل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم، أم وجوداً باقياً مع حياة اعتيادية شاقة؟ فرأيته يرغب في الثانية ويضجر من الأولى، قائلاً: إنني لا أريد العدم بل البقاء ولو كان في جهنم!.([18])

وحينما كنت صبياً خُسف القمر، فسألت والدتي: ما هذا الذي حدث للقمر؟.

قالت: ابتلعته الحية!.

قلت: ولكنه يتبين!

 

62
__________________________

 

قالت: إن الحيات في السماء شفافة كالزجاج تشف عما في بطنها.

كنت أتذكر هذه الحادثة كثيراً وأسائل نفسي: كيف تدور خرافة بعيدة عن الحقيقة إلى هذه الدرجة على لسان والدتي الحصيفة الجادة في كلامها؟.

ولكن حينما طالعت علم الفلك رأيت أن الذين يقولون كما تقول والدتي، قد تلقوا التشبيه حقيقةً واقعيةً؛ لأن الفلكيين شبهوا القوسين الناشئين من تداخل دائرة الشمس، وهي منطقة البـروج ومدار درجاتها، مع دائرة القمر وهي ميل القمر ومدار منازله، شبهوهما تشبيهاً لطيفاً بحيتين ضخمتين، وسموهما تنينين، وأطلقوا على إحدى نقطتي تقاطع تلك الدائرتين "الرأس" والأخرى "الذنب". فحينما يبلغ القمر الرأس والشمس الذنب تحصل حيلولة الأرض -كما يصطلح عليها الفلكيون- أي تقع الأرض بينهما تماماً، وعندها يخسف القمر. أي كأن القمر يدخل في فم التنين، حسب التشبيه السابق.

وهكذا عندما سرى هذا التشبيه العلمي الراقي بمرور الزمن إلى كلام العوام غدا التشبيه تنيناً عظيماً مجسماً يبتلع القمر!.([19])

وفي حوالي التاسعة من عمري وجميع الأهلين وأقاربي ينتسبون إلى الطريقة النقشبندية ويستمدون من شيخ مشهور هناك هو "الغوث الخيزاني"([20]) كنت على خلافهم أقول: أيها الشيخ الكيلاني أقرأ لك سورة الفاتحة جد لي ما ضيعتُه من جوز مثلاً أو أي شيء تافه آخر. وإنه لأمر عجيب فواللّٰه لقد أمدني الشيخ بدعائه وهمته ألف مرة. ولهذا ما قرأت من أوراد وأذكار طوال حياتي إلاّ وأهديتها أولاً إلى حضرة الرسول الأعظم صلى الله وعليه وسلم ثم إلى الشيخ الكيلاني، وعلى الرغم من أنني منتسب إلى الطريقة النقشبندية بثلاث جهات([21]) فإن محبة الطريقة القادرية ومشربَـها يجري فيّ حكمه دون اختيار مني، إلاّ أن الانشغال بالعلم كان يعيق الاشتغال بالطريقة الصوفية.([22])

 

63
__________________________

 

ومع ذلك كنت أحمل حالة روحية تتسم بالفخر والاعتـزاز، يوم كنت في العاشـرة من عمري، بل حتى أحياناً بصورة حب للمدح والثناء. فكنت أتقلد طور بطل عظيم ورائد كبير وصاحب عمل عظيم خلاف رغبتي.

فكنت أقول لنفسي: ما هذا الظهور والاختيال ولاسيما في الشجاعة، وأنت لا تساوي شروى نقير؟ فكنت حائراً وجاهلاً بالجواب. ولكن منذ شهرين، أجيبت تلك الحيرة، بأن رسائل النور كانت تُشعر بنفسها بحس مسبَق. أما أنت فلست إلاّ بذرة صغيرة لا تساوي شيئاً ولكن لإحساسك قبل الوقوع تعدّ تلك العناقيد الفردوسية رسائل النور كأنها ملكك، فتزهو وتتباهى.

أما قريتنا "نورس" فإن أهلها وطلابي القدامي يعرفون أن أهالينا كانوا يحبون المدح والثناء عليهم كثيراً لإظهارهم أنهم السابقون في الشجاعة والإقدام، فيرغبون تقلّد طور البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكة كبيرة.

فكنت أعجب من نفسي ومن طورها هذا. والآن عرفت السر بإخطار حقيقي:

أن أولئك النورسيين، يتباهون لأن قريتهم "نورس" ستكسب فخراً عظيماً بنور رسائل النور، حتى إن الذين لم يسـمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ. فهؤلاء النورسيون يظهرون شكرانهم -بحس مسبق- لتلك النعمة الإلهية على صورة زهو وتباهٍ.

نعم، إنه عندما كان جميع كردستان يتخذ وضع المفتخر المختال بغزارة الطلاب والأئمة والعلماء المتخرجين بهمة وجهود "الشيخ عبد الرحمن تاغي"([23]) الشهير والملقب بـ"سيدا"([24]) في ناحيتنا "إسباريت" التابعة لقضاء "خيزان" كنت أشعر بينهم أيضاً ضمن تلك المناظرات العالية والهمة العالية والدائرة الواسعة العلمية والصوفية، كأن أولئك العلماء سيفتحون الأرض كلها. فكنت أستمع -وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري- مناقب العلماء القدامى المشهورين والأولياء العظام والسـادة الأقطاب، ويرد إلى قلبي: أن هؤلاء الطلاب العلماء سيفتحون آفاقاً عظيمة في العلم والدين. إذ لو تفوق أحدهم بشيء من الذكاء فالاهتمام يوجّـه إليه، وإن ظهر أحدهم في مسألة لدى مناظرة علمية يفتخر ويزهو كثيراً.

 

64
__________________________

 

فكنت أتحيّر من هذا، إذ كانت عندي تلك المشاعر أيضاً. حتى كان بين شيوخ الطرق الصوفية وضمن دائرتهم في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا مسابقة تثير الحيرة لم أقف عليها في مدن أخرى إلى هذا الحد.([25]) فإن شئت فاذهب بخيالك إلى مجلس "سيدا" قدّس سره في قرية "نورشين".. وما أظهرت من المدنية الإسلامية بصحبته القدسية، تَرَ فيها ملوكاً في زي الفقراء وملائكة في زي الأنـاسي. ثم اذهب إلى "باريس" وادخل في لجنة الأعاظم تَرَ فيها عقارب، تلبسوا بلباس الأناسي، وعفاريت تصوروا بصور الآدميين».([26])

 

سنة 1885م/1303هـ

خطواته نحو العلم وشيوخه

«أقسم باللّٰه إن أرسخ درس أخذته، وكأنه يتجدد عليّ، إنما هو تلقينات والدتي رحمها اللّٰه ودروسها المعنوية، حتى استقرت في أعماق فطرتي وأصبحت كالبذور في جسدي، في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم أنى قد أخذت دروساً من ثمانين ألف شخص،([27]) بل أرى يقينا أن سائر الدروس إنما تبنى على تلك البذور. بمعنى أنى أشاهد درس والدتي -رحمها اللّٰه- وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولي من عمري، البذور الأساس ضمن الحقائق العظيمة التي أراها الآن وأنا في الثمانين من عمري.([28])

وكانت بداية تحصيل العلم سنة (1885م-1303هـ) بتعلّم القرآن الكريم([29]) "حيث ساقته حالته الروحية إلى مراقبة ما يستفيضه أخوه الكبير عبد اللّٰه من العلوم فأعجب بمزاياه الراقية وتكامل خصاله الرفيعة بتحصيله العلوم، وشاهد كيف أنه بزّ أقرانه في القرية وهم لا يستطيعون القراءة والكتابة. فدفعه هذا الإعجاب إلى شوق عظيم جاد لتلقي العلم؛

 

65
__________________________

 

لذا شدّ الرحال إلى طلبه في القرى المجاورة لـ"نورس" حتى حطها في قرية تاغ عند مدرسة الملا محمد أمين أفندي إلاّ أنه لم يتحمل المكوث فيها، فتركها.

فعاد إلى قريته "نورس" وهي المحرومة من كتّاب أو مدرسة لتلقي العلم، واكتفى بما يدرّســـه لــه أخوه الكبير "الملا عبد اللّٰه" في أثنـــاء زيــارتــه الأســـبوعية للعائلة.

وبعد مدة قصيرة ذهب إلى قرية برمس ومن بعدها إلى "مراعي شيخان" -أي شيخ تاغي- ثم إلى قرية نورشين وبعدها إلى قرية خيزان ولرفضه التحكم به تشاجر في قرية "برمس" مع أربعة من الطلاب، حيث اتفق هؤلاء الأربعة على مشاكسته باستمرار مما دفعه إلى المثول بين يدي الشيخ سيد نور محمد شاكياً إليه هؤلاء الأربعة قائلاً باعتزاز: "أيها الشيخ المحترم! أرجو أن تقول لهؤلاء ألاّ يأتوا للشجار معي جميعاً فليأتوا مثنى مثنى!".

انشرح الشيخ سيد نور محمد من هذه الرجولة المبكرة في "سعيد الصغير" وقال ملاطفاً: "أنت تلميذي، لن يتعرض لك أحد".

وبعد هذه الحادثة أُطلق عليه "تلميذ الشيخ" فظل في هذه المدرسة مدة، ثم تركها ذاهباً مع أخيه الملا عبد اللّٰه إلى قرية "نورشين".

وكان يحق لكل عالم حصل على إجازة العالِمية أن يفتح كتّاباً "مدرسة" في القرية التي يرغب فيها حسبةً للّٰه. وتقع مصاريف الطلاب عليه إن كان قادراً على ذلك، وإلاّ فالأهلون يتداركونها من الزكاة والصدقات والتبـرعات. بمعنى أن العالم عليه التدريس مجاناً والأهلون يتعهدون بدفع احتياجات الطلاب ولوازمهم. إلاّ أن سعيداً الصغير كان ينفرد من بين الطلاب جميعهم في عدم أخذه الزكاة من أحد".([30])

الإباء والشمم

على الرغم من أن سعيداً القديم كان فقير الحال منذ أيام طفولته، كما أن والده كان فقير الحال كذلك، فإن عدم قبوله الصدقات والهدايا من الآخرين، بل عدم استطاعته قبولها إلا بمقابل، رغم حاجته الشديدة جدا، وعدم ذهاب "سعيد" قط في أي وقت من الأوقات لأخذ الأرزاق من الناس وعدم تسـلمه الزكاة من أحد -عن علم- كما كانت العادة جارية في كردستان،

 

66
__________________________

 

حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهلين وتسد مصاريفهم من أموال الزكاة. أقول إني على قناعة تامة الآن من أن حكمة هذا الأمر هي:

عدم جعل رسائل النور -التي هي خدمة سامية خالصة للإيمان والآخرة- في آخر أيامي وسيلة لمغانم الدنيا، وعدم جعلها ذريعة لجرّ المنافع الشخصية.

فلأجل هذه الحكمة أُعطيتْ لي هذه الحالة، حالة النفور من تلك العادة المقبولة وتلك السجية غير المضرة، والهروب منها، وعدم فتح يد المسألة من الناس. فرضيتُ بالعيش الكفاف وشدة الفقر والضنك. وذلك لئلا يفسد الإخلاص الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية لرسائل النور.

وأشعر كذلك أن في هذا الأمر إشارة فيها مغزى، بأن هذه الحاجة هي التي ستدفع أهل العلم في الأزمان الآتية إلى الانهماك بهموم العيش حتى يُغلبوا على أمرهم.([31])

 

 

سنة 1891م/1308هـ

بشارة الرسول الكريم صلى الله وعليه وسلم

ظل مدة في "نورشين" ثم انتقل إلى "خيزان" ثم ترك الحياة الدراسية وعاد إلى كنف والديه في قرية "نورس" وظل فيها حتى اخضرّ الربيع.

وفي هذه الأثناء رأى فيما يرى النائم: أن القيامة قد قامت، والكائنات بعثت من جديد. ففكر كيف يتمكن من زيارة الرسول الأعظم صلى الله وعليه وسلم، ثم تذكر أن عليه الانتظار في بداية الصراط الذي يـمرّ عليه كل فرد، فأسرع إليه.. وهكذا مرّ به جميع الأنبياء والرسل الكرام فزارهم واحداً واحداً وقبّل أيديهم وعندما حظي بزيارة الرسول الأعظم صلى الله وعليه وسلم هوى على يديه فقبلهما ثم طلب منه العلم. فبشّره الرسول صلى الله وعليه وسلم: "سيوهب لك علم القرآن ما لم تسأل أحداً".([32])

فجّرت هذه الرؤيا شوقاً عظيماً فيه نحو طلب العلم. فاستأذن والده للذهاب إلى ناحية "أرواس" لتلقي العلم من الملا محمد أمين أفندي ولكن عندما أوصى الأخير أحد طلابه بتدريسه شعر سعيد الصغير بأنه قد ترفّع عن تدريسه فثقل عليه الأمر وحزّ في نفسه،

 

67
__________________________

 

حتى إنه اعترض على أستاذه في إحدى الدروس قائلاً: "إنه ليس كذلك.. ياسيدى! ثم ذكّره بترفعه عن تدريسه".

وبعد مدة وجيزة قضاها في "أرواس" قصد مدرسة "مير حسن ولي"، وما إن شاهد هناك عدم الاهتمـام بالطلاب الجدد أيضاً ترك سبعةً من دروس الكتب المقررة وبدأ بالكتاب الثامن، ثم ذهب للاستجمام في قصبة وسطان (كَواش) لمدة شهر. ومن بعده توجّه برفقة صديقه "الملا محمد" نحو بايزيد وهي قضاء على الحدود الإيرانية تابعة لولاية "أغري".([33])

الدراسة الحقة

بدأت دراسته الحقة في "بايزيد"، إذ لم يكن قد قرأ حتى الآن سوى مبادئ النحو والصرف، وقد قرأ إلى "الإظهار".([34])

وفي ذلك الوقت لم يبد على سعيد ذكاء خارق أو قوة معنوية وحدها بل ظهرت عليه أيضاً حالة عجيبة كانت خارجة عن نطاق استعداده وقابليـاته كلها، بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادئ الصرف والنحو خلال سنة أو سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه أكمل قراءة ما يقرب من خمسين كتابا خلال ثلاثة أشهر، وقد استوعبها وأُجيز عليها وتسلم الشهادة بإكمالها.([35])

"دامت هذه الدراسة الجادة والمكثفة ثلاثة أشهر على يد الشيخ محمد الجلالي" والغريب أنه أتم قراءة جميع الكتب المقررة للطلاب في شرقي الأناضول، ابتداءً من "ملا جامي"(*) إذ كان يقرأ من كل كتاب درساً أو درسين وربما إلى عشرة دروس، من دون أن يتم الكتاب ثم يبدأ بغيـره. وعندما استفسر منه أستاذه "الشيخ محمد الجلالي" عن سبب قيامه بهذا العمل -المخالف للعرف السائد- أجاب: "ليس في طوقي قراءة جميع هذه الكتب وفهمها، فهذه الكتب شبيهة بصندوق الجواهر، ومفتاحها لديكم. وكل ما أرجوه منكم إرشادي إلى ما يحتويه هذا الصندوق، أعني ماذا تبحث هذه الكتب، لكي أختار منها ما يوافق طبعي".

 

68
__________________________

 

وعندما سأله أستاذه: "أيّ من هذه العلوم يوافق طبعك؟" أجاب: "لا أستطيع التمييز بين هذه العلوم، فكلها سواء عندي، فإما أن أفهم جميعها حق الفهم أو لا أفهم منها شيئا".

كان يقرأ في هذه الشهور الثلاثة يومياً ما يقارب مئتي صفحة أو يزيد من متون أمهات الكتب أمثال: "جمع الجوامع"([36]) و"شرح المواقف"([37]) و"ابن حجر"([38]) مع الفهم التام من دون معونة أحد. إلى حد أنه ما كان يُسـأل سؤالا عن أي علم كان إلاّ ويجيب عنه إجابة شافية، فاستغرق في القراءة والدراسة حتى انقطعت علاقته مع الحياة الاجتماعية.

وكان نادراً ما يتكلم، ويقضي معظم أوقاته عند ضريح الشيخ "أحمد الخاني"(*) الأديب الكردي الشهير وخاصة في الليالي، علماً أن الناس يترهبون من دخوله نهاراً. ولهذا كان الناس يقولون: إنه حظي بفيض من "أحمد الخاني" ويسندون وضعه هذا إلى كرامة الشيخ.

ثم قرر الذهاب إلى بغداد -لزيارة علمائها- وتزيا بزي الدراويش وانطلق يقطع الجبال الوعرة والغابات الكثيفة ليل نهار مشياً على الأقدام، سالكاً مسلك الزهاد، حيث بدأ بمزاولة الرياضة الروحية وممارسة التزهد، حتى هزل يوماً بعد يوم ونحل جسمه ولم يعد يطيق هذا النوع من الرياضـة، إذ كان يكتفي بقطعة من الخبز طوال ثلاثة أيام، سعياً لبلوغ حالة الحكماء الذين ينظرون إلى الرياضة الروحية إنها توقد الفكر.

واتخذ القاعدة النبوية الجليلة "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"([39]) دستوراً لحياته من زاوية التصوف الذي وصفه الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" فترك كل ما فيه شبهة، حتى بدأ يقتات على الأعشاب، إلى أن وصل بتليس.([40])

 

69
__________________________

 

زي العلماء

«عندما كنت في الرابعة عشر من العمر وجدت موانع حالت دون قيام أحد من الأساتذة على وضع العمامة ولفِّها على رأسي وإلباسي الجبة، كدليل على الشهادة العلمية، كما كانت العادة جارية سابقاً. فما كان لبس الجبة الخاصة بالعلماء والكبار يلائم سني الصغير..

كان العلماء في ذلك الوقت، قد اتخذوا موقف المنافس لي أو التسليم التام فلم يتمكنوا أن يتقلدوا طور الأستاذ. وحيث إن عدداً من الأولياء العظام قد ارتحلوا من الدنيا، لذا لم يجد أحد في نفسه الكفاءة ليلبسني الجبة أو يضع على رأسي العمامة.([41])

"كان ذلك في "بتليس" عندما توجه إلى الشيخ محمد أمين أفندي وحضر يومين في حلقة درسه، وكلّفه الشيخ أن يلبس زي العلماء "الجبة" ويدع زي الدراويش ولكنه ردّ تكليفه قائلا: "إنني لم أبلغ بعدُ الحُلم، فلا أجدني لائقا بلبس ملابس العلماء، وكيف أكون عالماً وأنا مازلت صبياً؟"».([42])

إلى الأخ الملا عبد الله

ثم ذهب إلى أخيه "الملا عبداللّٰه" في مدينة شيروان فقال له الملا عبد اللّٰه:

لقد أنهيتُ كتاب "شرح الشمسية"([43]) فما قرأت أنت؟

بديع الزمان: لقد قرأت ثمانين كتاباً!

الملا عبد اللّٰه: ماذا تعني؟

بديع الزمان: لقد أنهيت الكتب المقررة كلها بل قرأت كتباً أخرى علاوة عليها.

الملا عبد اللّٰه: إذن سأمتحنك.

بديع الزمان: أنا مستعد. سل ما بدا لك!

 

70
__________________________

 

ثم امتحنه الملا عبد اللّٰه بتوجيه الأسئلة إليه، ولما أصغى إلى أجوبته السديدة، قدّر فيه كفاءته العلمية، حتى اتخذه أستاذاً له، مع أن بديع الزمان كان قبل ثمانية أشهر تلميذاً لديه.([44])

[وجرت بينهما في هذه الفترة المحاورة الآتية:]

ميزان دقيق في محاورة

«جرت بيني وبين أخي الكبير الملا عبد اللّٰه رحمه اللّٰه هذه المحاورة، سأوردها لكم:

كان أخي المرحوم من خواص مريدي الشيخ ضياء الدين(*) قدس سره. وهو من الأولياء الصالحين. وأهلُ الطرق الصوفية لا يرون بأساً في الإفراط في حب مرشدهم والمبالغة في حسن الظن بهم، بل يرضون بهذا الإفراط والمبالغة، لذا قال لي أخي ذات يوم: "إن الشيخ ضياء الدين على علم واسع جداً واطلاع على ما يجري في الكون، بمثل اطلاع القطب الأعظم!.."، ثم سرد الكثير من الأمثلة على خوارق أعماله وعلو مقامه.. كل ذلك ليغريني بالانتساب إليه والارتباط به.

ولكني قلت له: "يا أخي الكريم، أنت تغالي! فلو قابلت الشيخ ضياء الدين نفسه لألزمته الحجة في كثير من المسائل، وإنك لا تحبه حباً حقيقياً مثلي! لأنك يا أخي الكريم تحب ضياء الدين الذي تتخيله في ذهنك على صورة قطب أعظم له علم بما في الكون! فأنت مرتبط معه بهذا العنوان وتحبه لأجل هذه الصفة، فلو رُفع الحجاب وبانت حقيقته، لزالت محبتك له أو قلّت كثيراً! أما أنا -يا أخي- فأُحب ذلك الشخص الصالح والولي المبارك حباً شديداً بمثل حبك له، بل أوقره توقيراً يليق به وأجلّه وأحترمه كثيراً، لأنه مرشد عظيم لأهل الإيمان في طريق الحقيقة المستهدية بالسنة النبوية الشريفة. فليكن مقامه الحقيقي ما يكون، فأنا مستعد لأن أضحي بروحي لأجل خدمته الإيمانَ. فلو أُميط اللثام عن مقامه الحقيقي فلا أتراجع ولا أتخلى عنه ولا أقلل من محبتي له، بل أوثق الارتباط به أكثر، وأُوليه محبة أعظم وأبالغ في توقيره. فأنا إذن يا أخي الكريم أُحب ضياء الدين كما هو وعلى حقيقته؛ أما أنت فتحب ضياء الدين الذي في خيالك".([45])

 

71
__________________________

 

ولما كان أخي المرحوم عالماً منصفا حقاً، فقد رضي بوجهة نظري وقبلها وقدرها».([46])

الرجولة المبكرة

«إن مناظرة "سعيد" في ذلك الزمن البعيد لعلماء أجلاء وهو بعدُ في فترة الصبا، وإجابته عن أسئلتهم الغامضة -من دون أن يسأل أحداً- إجابة صائبة رغم كونـها في أعقد المسائل، هذه الحالة التي ظهرت، أعترف اعترافا قاطعا، وأعتقد جازماً أنها ليست ناشئة من حدة ذكائي، ولا من خارق استعدادي قط. فأنا الذي كنت صبياً صغيراً، مبتلىً بأمور كثيرة، مبتدِئاً بعد في العلوم، سارح الفكر، ومثيراً للمناقشات، فما كان في طوقي قطعا الإجابة على أسئلة علماء أفذاذ، بل كنت أُغلب في مناقشات صغار العلماء وصغار طلاب العلم، لذا فأنا على اقتناع تام بأن إجاباتي الصائبة تلك، ليست ناشئة من استعدادي ولا من ذكائي.

فلقد كنت طوال السنوات السبعيـن الماضية في حيرة من هذا الأمر، ولكن الآن -بفضل اللّٰه وإحسانه- فهمت حكمة منها وهي: أنه ستُمنح شجرةٌ طيبة لعلوم المدارس الدينية التي هي بمثابة بذرة العلوم وسيكون لخادم تلك الشجرة حسّاد ومعارضون كثيرون.

وهكذا فإن قيام أصحاب المشارب والمسالك المختلفة بين المسلمين في هذا الزمان بانتقاد عمل خدام تلك الشجرة (شجرةِ النور) ولاسيما من علماء الدين سواء بسبب المنافسة أو بسبب اختلاف المشارب، فضلا عما تثير رسائل النور كثيراً من عرق علماء الدين، كما كان دأب أهل السنة والمعتزلةِ سابقًا في دحض بعضهم بعضًا ونشرِ مؤلفاتٍ في تفنيد آراء الآخرين والظهور عليهم.. أقول بينما كان الأمر لا بد أن يؤول إلى هذا أراد اللّٰه سبحانه أن يجري الأمر على خلاف تلك العادة المتبعة منذ القدم. فألْفُ شكر وشكر للّٰه سبحانه. وأنا على اعتقاد جازم أن سبب عدم تأليفهم أيّ كتاب لنقد رسائل النور أو الاعتراض عليها إنما هو: إجابةُ سعيد الصغير إجابة صائبة على علماء عظام، في ذلك الوقت. إذ تلك الإجابات السديدة قد فتّت من عضد شجاعتهم وجرأتهم، حتى إنهم لم يتصدوا لرسائل النور ولم يعارضوها رغم مخالفتهم لها مشرباً، ورغم ما يحملون من روح المنافسة والغيرة العلميتين.

لذا اقتنعتُ اقتناعا تاماً أن هذه هي حكمة واحدة لعدم قيام العلماء بالاعتراض على الرسائل،

 

72
__________________________

 

إذ لو بدأ الاعتراض لكان أعداؤنا المتسترون والملحدون ومن يوالونـهم يتخذون ذلك الاعتراض ذريعة مهمة جداً لتهوين شأن رسائل النور وعلماء الدين معا. فالحمد للّٰه حمداً لا حد له، لم يقاوم رسائل النور حتى أولئك العلماء الرسميون الذين تعرضت لهم الرسائل كثيراً».([47])

 

سنة 1892م/1309هـ

إلى سعرد

بعد أن مكث مدة شهرين عند أخيه، ذهب إلى مدرسة "الملا فتح اللّٰه أفندي" في سعرد، فسأله الشيخ:

- كنت تقرأ "السيوطي"([48]) في السنة الماضية فهل تقرأ "الملا جامي"([49]) هذه السنة.؟

- نعم... لقد أنهيت قراءة الجامي.

فأيّما كتاب سأله عنه، أجاب بأنه أتمه. فتعجب من أمره إذ كيف يستطيع أحد أن يقرأ كل هذه الكتب في هذه الفترة القصيرة، حتى عبّر عن حيرته بأسلوب الملاطفة والمزاح:

- كنت مجنوناً في السنة الماضية، فهل ما زلت على جنونك؟

أجابه الملا سعيد:

- قد يكتم الإنسان الحقيقة عن الآخرين لئلا يداخله الغرور وليكسر نفسه الأمارة بالسوء، ولكن الطالب لا يستطيع سوى قول الحقيقة المحضة لأستاذه الذي يجلّه أكثر من والده. فإن تفضلتم بالأمر فأنا على استعداد للامتحان في الكتب التي ذكرتها.

فبدأ "الملا فتح اللّٰه" بطرح الأسئلة. فما سأل سؤالاً من أي كتاب كان إلاّ وكان الجواب شافياً ووافياً.

وممن شاهد هذه المحاورة "الملا علي الصوران" الذي بدأ يتلقي الدرس من "الملا سعيد" علماً أنه كان قبل سنة واحدة أستاذاً لأستاذه.

 

73
__________________________

 

ثم سأله "الملا فتح اللّٰه": "حسناً.. إن ذكاءك خارق، ولكن دعنا نرى قوة حفظك! فهل تستطيع أن تحفظ بضعة أسطر من كتاب "مقامات الحريري" بعد قراءتها مرتين؟"

وتناول الملا سعيد الكتاب، وقرأ منه صحيفة واحدة مرة واحدة، فإذا بها كافية لحفظها. وقرأها لأستاذه حفظاً، فلم يملك أستاذه نفسه من القول في إعجاب ودهشة: "إن اجتماع الذكاء الخارق مع القابلية الخارقة للحفظ في شخص واحد من أندر الأمور".

وهناك حفظ "الملا سعيد" كتاب "جمع الجوامع" عن ظهر قلب بقراءته ساعة أو ساعتين في اليوم لمدة أسبوع. مما دفع هذا الأمر "الملا فتح اللّٰه" إلى كتابة العبارة الآتية على غلاف الكتاب: "قد جمع في حفظه جمع الجوامع جميعه في جمعة".

وبدأ أستاذه "الملا فتح اللّٰه" بالثناء عليه والإعجاب به في جلساته مع العلماء قائلاً: لقد أتى إلى مدرستنا طالب في أوج شبابه، وأجاب عن كل ما سألته عنه دون توقف، فأعجبت بذكائه النادر وعلمه الوافر أيما إعجاب.([50])

ولهذا شاعت أحواله في "سعرد" مما أثار فضول علمائها، فأقبلوا عليه يمتحنونه ويحاولون إحراجه بأسئلتهم وذلك في اجتماع واسع حضره "الملا فتح اللّٰه" أيضاً. وكان بديع الزمان كلما يوجَّه إليه سؤال يـمعن النظر في وجه أستاذه "الملا فتح اللّٰه" ويجيب وكأنه ينظر إلى كتاب ويقرأ، فالعلماء الذين شاهدوا هذا المنظر حكموا بأنه شاب خارق وأثنوا على ذكائه وعلمه ومنـزلته.

وما لبث خبر هذا الشاب أن شاع وانتشر بين الأهلين في "سعرد" حتى بدأ الناس يوقرونه كتوقيرهم لولي من الصالحين، مما أثار الحسد عند بعض العلماء وطلاب العلوم الآخرين. ولما كانوا غير قادرين على منازلته والتغلب عليه في ساحة المعرفة وميدان العلوم حاول بعض الشباب إيذاءه بالقوة والصراع والعراك. فطرق سمع أهالي "سعرد" هذا الخبر فحالوا دون ذلك وأنقذوه من بين أيديهم، ووضعوه في غرفة حفاظاً عليه، ولكنـه لفرط حبه لأهل العلم، اندفع من الغرفة خارجاً وقرر أن يدافع عن معارضيه من طلاب العلوم حتى لو قضوا عليه، وذلك لئلا يكونوا هدفاً للجهلاء. فتوجّه إلى أحد الطلاب قائلاً: "اقتلوني... ولكن حافظوا على شرف العلم ومكانته".

 

74
__________________________

 

وانصرف دون أن يهاجمه أحد من الطلبة... وهكذا زال الخلاف.

ولكن عندما ســـمع متصرف مدينة "سعرد" الخبر أرســـل إلى الملا سعيد ثلة من الجندرمة ليبلغوه أنه أمر بنفي المعارضين له حفاظاً عليه وأنه يستدعيه لمقابلته. ولكن بديع الزمان خاطب رئيس الجندرمة: "نحن طلاب العلم، قــد نتخاصم، ثم نتصالح ونتصافى فيما بيننا. فلا نرى من المناسب أن يتدخل من ليس من مسلكنا فيما يدور بيننا.على أن الخـطـأ قــد صـــدر منـي فأرجـو إبـلاغ المتصرف اعتـذاري عـن المجيء".

كان الملا سعيد في هذه الأثناء في الخامسة عشر من عمره يتمتع بقوة البدن والنشاط فضلاً عن إفحامه جميع العلماء مما جعلهم يطلقون عليه "سعيدي مشهور" أي السعيد المشهور، حيث أعلن في "سعرد" أنه مستعد للإجابة عن أي سؤال كان يرد منهم دون أن يسأل أحداً سؤالاً.

عاد مرة أخرى إلى "بتليس" وطرق سمعه أن هناك سوء تفاهم بين "الشيخ محمد أمين أفندي" وشيوخ خيزان فحذّر الناس من مغبة الغيبة التي لا تليق بالمسلمين. فشكوه إلى "الشيخ محمد أمين أفندي" الذي قال: "إنه مازال صبياً ليس أهلاً للخطاب".

بلغ هذا الكلام سمع الملا سعيد، وهو الذي لا يتحمل أدنى من هذا الكلام. فحضر مجلس الشيخ، وقبّل يده وقال: "سيدي... أرجو التفضل بامتحاني، فإنني على استعداد لأن أثبت أنني أهل للخطاب".

فأعدّ "الشيخ أمين أفندي" ستة عشر سؤالاً من أعقد المسائل لمختلف العلوم([51]) ليوجهها إلى "الملا سعيد". ولم يتوان الملا سعيد من الإجابة عليها جميعاً.

وبعدها ذهب إلى "جامع قريشي" وبدأ بموعظة الناس وإرشادهم. وعلى إثره بدأ قسم من أهالي بتليس بتأييد بديع الزمان ومناصرته والآخرون بدؤوا يناصرون "الشيخ محمد أمين أفندي". فخشي متصرف المدينة من وقوع احتكاك بين الجماعتين فأصدر أمره بنفي الملا سعيد من المدينة إلى شيروان.

وقدّر اللّٰه أن تفوته صلاة الفجر ذات يوم. وما إن علم خصماؤه هذا الأمر حتى أشاعوا في المدينة: قد ترك الملا سعيد الصلاة.

 

75
__________________________

 

وعندما سئل: "لماذا يتكلم الناس جميعاً هذا الكلام؟"

قال: "إنه لا يشيع أمرٌ لا أساس له بين الناس بهذه السرعة. فالخطأ مني، وقد عوقبتُ به بعقوبتين، أولاها: عتاب اللّٰه سبحانه، والأخرى: كلام الناس عليّ.

أمــا الســــبب الأســــاس لهذا الأمــــر فهو تركي الـورد الشــــريف الـــذي اعتـدت على قراءتــه كل ليــلة. فلقد أحـسّــتْ روحُ النـــاس هــذه الحقيقة إلاّ أنـهـا لــــم تســتوعبها تماماً ولـــم تعـرف الخـطـأ فأطلقت اســــــماً آخــــر على تلك الحقيقة".

وفي شيروان جاءه رجل من إحدى قرى سعرد وقال له: "لقد ظهر في سعرد عالم صغير يترواح عمره بين الرابعة عشر والخامسة عشر عاماً ولكنه غلب كل علماء المدينة، لذا أرجو منكم الذهاب إلى هناك لمناظرته".

لبّى سعيد هذه الدعوة وتهيأ للسفر معه، وبعد أن تركا المدينة وسارا لمدة ساعتين سأل سعيد مرافقه الداعي عن أوصاف ذلك الفتى العالم. فقال له: "إنني لا أعرف اسمه، ولكنه كان يلبس ملابس الدراويش عند قدومه مدينتنا ثم تزيّا بزي طلاب المدارس الدينية، وأفحم جميع العلماء".

عند ذلك علم سعيد بأن ذلك العالم الفتى لم يكن إلاّ نفسه، أي إنه كان مسافراً لمناظرة نفسه! لذا رجع إلى شيروان. ثم ذهب إلى إحدى قصبات مدينة سعرد تُدعى تِيلُّو([52]) حيث اعتكف هناك.([53])

 

سنة 1894م/1311هـ

انزواؤه في تِيلُّو

«كنت آنذاك منـزوياً -كحالي الآن- تحت قبة خالية، فكانوا يأتون لي بالحساء، وكنت أقوم بإعطاء النمل حبات الحساء واكتفي بغمس الخبز في سائل الحسـاء. سألوني في محكمة "أسكي شهر" عن السبب فقلت: "إن أمة النمل وكذلك النحل تعيـش في نظام جمهوري، وأعطي النمل الحبات احتراماً لنظامها الجمهوري".

 

76
__________________________

 

ثم قالوا: "أنت تخالف بذلك السلف الصالح".

فأجبتهم: "لقد كان الخلفاء الراشدون خلفاء ورؤساء جمهورية في الوقت نفسه. فالصديق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان دون شك بمثابة رئيس جمهورية للعشرة المبشرة وللصحابة الكرام. ولكن ليس تحت عنوان أو شكل فارغ، بل كل منهم رئيس جمهورية متدين يحمل معنى العدالة الحقيقية والحرية الشرعية".([54])

«وفي أثناء اعتكافه في تيلّو حفظ من كتاب "القاموس المحيط" للفيروزآبادي حتى باب السين. وعندما سئل عن سبب قيامه بذلك أجاب: "إن القاموس يورد المعاني المختلفة لكل كلمة، وقد خطر لي أن أضع قاموساً أنحو فيه عكس هذا المنحى، أي أورد فيه عدد الكلمات المختلفة التي تشير إلى المعنى نفسه"».([55])

دفع الظلم

وفي إحدى الليالي رأى في المـنام الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وهو يخاطبه:ملا سعيد! اذهب إلى رئيس عشيرة ميران "مصطفى باشا"،([56]) وادعه إلى الهداية والرشاد والإقلاع عن الظلم، وليقم الصلاة ويأمر بالمعروف.. واقتله إن لم يستجب.

بادر الملا سعيد إلى الذهاب إلى عشيرة ميران قاصداً خيمة مصطفى باشا، ولكن لم يجده فجلس ليأخذ قسطاً من الراحة. وما إن دخل مصطفى باشا الخيمة حتى هبّ الحاضرون قياماً، احتراماً له، سوى الملا سعيد لم يحرك ساكناً. لمح الباشا ذلك فسأل أحد أمراء العشيرة "فتاح آغا" عن هذا الشاب فأعلمه أنه "ملا سعيد المشهور" وحاول الباشا كظم غيظه، وهو الذي ما كان ينشرح للعلماء، وسأل الملا سعيد:

- لِمَ أتيت إلى هنا؟

- جئت لإرشادك إلى الحق، فإما أن تتخلّى عن الظلم وتقيم الصلاة، أو أقتلك!

 

77
__________________________

 

لم يتحمل الباشا هذا الكلام فاندفع خارج الخيمة، وتجول قليلاً ثم عاد إليها وكرر السؤال نفسه.

فأجابه الملا سعيد: "لقد قلت لك... جئت من أجل ما ذكرت!"

أشار الباشا إلى السيف المعلق بعماد الخيمة وقال بسخرية:

- أبهذا السيف الصدئ تقتلني!؟

- اليد هي التي تقطع لا السيف!

مرة أخرى ترك الباشا الخيمة وهو يفور غضباً، ثم دخلها مخاطباً الملا سعيد: "إن لي جمعاً غفيراً من العلماء في منطقة الجزيرة (جزيرة ابن عمر) وسأعقد مناظرة علمية فيما بينكم، فإن أقمت الحجة عليهم وألزمتهم، أنفّذ طلبك وإلاّ فسألقيك في النهر".

قال الملا سعيد: "كما أنه ليس من شأني إلزام جميع العلماء، فليس باستطاعتك أن تلقيني في النهر. ولكن إن تفوقت عليهم أطلب منك بندقية "ماوزر" لأقتلك بـها إن لم تحافظ على وعدك".

عقب هذه المشادة العنيفة ذهبا معاً على الخيول إلى الجزيرة، ولم يتكلم الباشا مع ملا سعيد طول الطريق. ولما وصلا إلى أحراش "باني خاني" أخلد الملا سعيد إلى النوم بعد أن أصابه الإرهاق. ولما أفاق وجد علماء الجزيرة ومعهم كتبهم ينتظرون ساعة المناظرة.

انعقد المجلس... وبعد تبادل السلام دارت أقداح الشاي على الحاضرين ولكن العلماء كانوا في شغل شاغل عن الشاي، إذ كانوا يقلبون صفحات الكتب، مأخوذين بشـهرة الملا سعيد ومنتظرين أسئلته، بينما لم يحفل الملا سعيد بالأمر، ولم يكتف بشرب شايه، بل بدأ بارتشاف الشاي الموضوع أمام اثنين أو أكثر ممن حوله من العلماء المشغولين بالنظر في الكتب.

وعندها خاطب مصطفى باشا العلماء وهو يراقب مجرى الأمور: "على الرغم من أنني لست متعلماً فإنني أرى أنكم ستُغلَبون أمام الملا سعيد في مناظرتكم، لأني لاحظت أن انكبابكم على الكتب ألهاكم عن شرب الشاي، بينما شرب الملا سعيد شايه ثم عدداً من أقداح غيره".

 

78
__________________________

 

بدأ الملا سعيد بالملاطفة وشيء من المزاح مع العلماء ثم قال: "أيها السادة! لقد عاهدت ألاّ أسأل أحداً، وها أنا منتظر أسئلتكم".

فاطمأن العلماء! وبدؤوا بطرح ما يقارب الأربعين سؤالاً. وأجاب الملا سعيد عن الأسئلة كلها إجابات صائبة، سوى سؤال واحد أخطأ في جوابه، دون أن ينتبه إليه العلماء، حيث صدرت من الجميع علامات التصديق.

وبعد أن انفضّ المجلس، تبعهم الملا سعيد قائلاً: "أرجو المعذرة.. لقد سهوت في جواب السؤال الفلاني ولم تفطنوا إليه. والجواب الصحيح هو كذا وكذا..."

فقالوا: "حقاً إنك قد ألزمتنا الحجة، فإننا معترفون بذلك!"

ثم باشر قسم من هؤلاء العلماء يجلسون منه مجلس الطالب لينهلوا من فيض علمه. أما مصطفى باشا فقد وفى بوعده وأهدى إلى الملا سعيد بندقية "ماوزر" وبدأ بإقامة الصلاة.

خرج مصطفى باشا معه يوماً إلى سباق الخيل، ودبّر خفية جلب فرس جموح للملا سعيد. فامتطى الفرس وهو الشاب في مقتبل السـادسة عشر من العمر وأخذ يوجهها يمنة ويسرة، إلاّ أن الفرس اندفعت إلى وجهات مخالفة. ومهما حاول ضبطها لم يفلح، حتى انطلقت إلى موضع أطفال يلعبون ويمرحون، فطرح أحدهم أرضاً -وهو ابن أحد سادات الجزيرة- وصار الطفل تحت أقدام الفرس يضطرب. سارع الناس للنجدة، ولكنهم رأوا أن الطفل لا حراك له فهمّوا حالاً بقتل الملا سعيد وسلّوا خناجرهم، وعندها وضع الملا سعيد يده على مسدسه، وخاطبهم:

 في نظر الحقيقة؛ إن اللّٰه سبحانه هو الذي أمات الطفل، أما في ظاهر الأمر فالفرس هي القاتلة. وإذا ما نظر إلى الأمر من زاوية السبب، فإن "مصطفى الأقرع" الذي أعطاني الفرس هو الذي قتله... إذن فلننظر أولاً إلى الطفل، إن كان ميتاً فلنتعارك. ثم نزل من على الفرس واحتضن الطفل، ولما لم يجد فيه حراكاً غمسه في ماء بارد، وأخرجه حالاً. ففتح الطفل عينيه مبتسماً، وظل الناس في حيرة مما حدث.

 

79
__________________________

 

وبعد أن ظل مدة في الجزيرة توجه مع أحد طلابه "الملا صالح" إلى بيرو وهي منطقة بدو العرب. ومكث فيها مدة حتى طرق سمعه أن مصطفى باشـا قد عاد إلى عادته القديمة في ظلم الناس. فذهب إليه وأبدى له النصائح مدة ثم هدده قائلاً: "أوَ بدأت بالظلم مرة أخرى؟ سأقتلك باسم الحق".

ولكن كاتب الباشا تدخل في الأمر وهدّأ الموقف، بينما الملا سعيد استمر في تعنيفه الباشا وتوبيخه لكثرة مظالمه، فلم يتحمل الباشا هذه الإهانات وهمّ بقتله فحال شيوخ عشيرة "ميران" دون ذلك. ثم تقرّب نجل الباشا "عبد الكريم" من الملا سعيد ورجاه قائلا: لا تكترث بصنيع أبي إنه لا يسمع كلاماً من أحد.. عقيدته فاسدة.. أرجوك رجاء خالصاً أن تتشـرف إلى مكان آخر.. فمال الملا سعيد إلى كلام عبد الكريم ورجائه، وغادر المكان متوغلاً في صحراء "بيرو" وإذا به يصادف الأشقياء المسلحين بالحراب والخناجر، ولما كان الملا سعيد يحمل بندقية أطلق عليهم عدة عيارات نارية، فانصرفوا. واستمر في سيـره إلاّ أنه بعد مدة رأى نفسه محاصراً بين عدد من قطاع الطرق، وعندما همّوا بقتله لمحه أحدهم وقال: "إنه شخص مشهور شاهدته في عشيرة "ميران"".

وما إن سمعوا هذا الكلام حتى أخلوا سبيله معتذرين منه، بل أرادوا مرافقته لئلا يصيبه أذى في تلك الأماكن الخطرة. فردّ الملا سعيد طلبهم واستمر في طريقه وحده.

وبعد أيام وصل إلى ماردين، فأراد علماؤها الاعتراض عليه وإفحامه في المناقشات، ولكنهم لم يوفقوا، بل رضوا به أستاذاً لهم، لما لمسوا منه من قدرة علمية فائقة، رغم أنه شاب وفي عمر أبنائهم.

وفي هذه الأثناء التقى طالبين؛ أحدهما من طلاب السيد "جمال الدين الأفغاني" والآخر من منتسبي الطريقة السنوسية، فاطلع بوساطتهما على منهج السيد جمال الدين الأفغاني والطريقة السنوسية".([57])

بداية اهتمامه بالسياسة وأمور العالم الإسلامي

لقد التقيت شخصاً فاضلاً حوالي مدينة ماردين وذلك قبل الانقلاب([58]) بست عشرة سنة، فأرشدني إلى الحق وبيّن لي المسلك المعتدل القويم في السياسة.

 

80
__________________________

 

فأفقت من نومي برؤيا -كمال- المشهور([59]) حيث إنني بايعت السلطان سليم وقبلت فكره في الاتحاد الإسلامي، لأن ذلك الفكر هو الذي أيقظ الولايات الشرقية، فهم قد بايعوه على ذلك.

فالشـرقيون الآن هم أولئك لم يتغيروا. فأسلافي في هذه المسألة هم: السيد "جمال الدين الأفغاني"، ومفتي الديار المصـرية الشيخ "محمد عبده". ومن العلماء الأعلام "علي سعاوي"، والعالم "تحسين". والشاعر "نامق كمال" الذي دعا إلى الاتحاد الإسلامي والسلطان سليم الذي قال:

إن مغبة الاختلاف والتفرقة يقلقانني حتى في قبري

فسلاحنا في دفع صولة الأعداء إنما هو الاتحاد

إن لم تتحد الأمة فإنّي أتحرق أسىً.([60])

كرامة الصلاة

ولأنه أبدى نشاطاً دائباً ومناصرة للمنادين بالحرية واهتماماً بالأمور الاجتماعية والسياسية، قرر متصرف ماردين سوقه مكبلاً بالأغلال إلى مدينة بتليس بصحبة اثنين من الجندرمة.

وفي طريقهم إلى "بتليس" حان وقت الصلاة، فطلب من الجندرمة فك القيود إلاّ أنهما أبيا، ففكّها بيسر كمن يفك منديلاً، وألقاها أمامهما. فظل الجندرمة مبهوتين من هذا الأمر، وعداه كرامة. فقالا متوسلَين راجيين:

- كنا حراسك إلى الآن، أما بعد الآن فنحن خدامك!

وحينما كان يُسأل: كيف انحلّت القيود؟ يقول: وأنا كذلك لا أعلم وإن هو إلاّ كرامة الصلاة ليس إلاّ.([61])

وطرق سمعه يوماً في "بتليس" أن الوالي وعدداً من الموظفين يشربون الخمر فثارت ثائرته وقال:

 

81
__________________________

 

لن يرتكب هذا الفعل شخص يمثل الحكومة في مدينة مسلمة مثل بتليس! فذهب فوراً إلى مجلس الخمر، ووعظهم موعظة بليغة أولاً، واستهلها بحديث شريف حول الخمر، ثم أخذ ينهال عليهم بكلام جارح، وكانت يده على مسدسه يتوقع إشارة من الوالي للتعدي عليه. إلاّ أن الوالي كان حليماً صبوراً لم ينبِس ببنت شفة.

وعندما انصرف الملا سعيد من المجلس قال له مرافق الوالي:

- ماذا فعلتم إن كلامكم هذا يوجب الإعدام.

- لم يرد على خاطري الإعدام، بل كنت أحسب العقاب سجناً أو نفياً.. وعلى كل حال.. ما ضرّ إن متّ في سبيل دفع منكر واحد!

وبعد ما يقرب من ساعتين من عودته من المجلس، أرسل إليه الوالي شرطيين لاستدعائه.. فدخل عليه واستقبله الوالي بإعظام وإجلال، وهمّ بتقبيل يده، وقال:

لكل أحد أستاذ قدوة، فأنت أستاذي القدوة.([62])

شفقة الوالدين

«عندما كانت تُنقل أخبار سيئة إلى والدي ووالدتي، كأن يقول أحدهم: إن ابنكم قد قُتل أو ضُرب أو سُجن، كان أبى يبتهج ويضحك كلما سمع مثل هذه الأخبار، ويقول: ما شاء اللّٰه... قد كبر إذن ابني حتى يُظهر بطولة أو عملاً عظيماً بحيث يتكلم عنه الناس. أما والدتي فكانت تبكي بكاءً مراً مقابل سرور والدي. ثم أظهر الزمان أن والدي كان محقاً في كثير من الأحيان».([63])

النظر الحرام

«مكثت سنتين في مضيف الوالي المرحوم "عمر باشا" في بتليس بناء على إصراره الشديد ولفرط احترامه للعلم والعلماء.. كان له من البنات ست؛ ثلاث منهن صغيرات وثلاث بالغات كبيرات..

 

82
__________________________

 

ومع أني كنت أعيش معهم في سكن واحد طوال سنتين إلاّ أنني لم أكن أميّز بين الثلاث الكبيرات؛ إذ لم أكن أسدد النظر إليهن كي أعرفهن وأميّز بينهن. حتى نـزل أحد العلماء يوماً ضيفاً عليّ، فعرفهن في ظرف يومين فقط وميّز بينهن، فأخذت الحيرة الذين من حولي، لعدم معرفتي إياهن. وبدؤوا بالاستفسار: "لماذا لا تنظر إليهن؟". فكنت أجيبهم: "صون عزة العلم يمنعني من النظر الحرام!"».([64])

حفظ المتون

وعندما ناهز الملا سعيد سن البلوغ في بتليس، بدأت سانحاته القلبية وفيوضاته الوهبية -التي كان يتغلب بها على العلماء في مناظراته- تقل شيئاً فشيئاً. ولا يعرف السبب الحقيقي في هذا التغير الذي طرأ على حالاته، فلربـما هو من مقتضيات سن البلوغ، أو من اهتمامه بالأمور الاجتماعية والسياسية. لذا انكب على حفظ المتون من كل علم، فحفظ عن ظهر قلب خلال سنتين من متون الكتب كـ"المطالع"([65]) و"المواقف" وأمثالهما من الكتب التي تردّ الشبهات وتدفع الشكوك الواردة على الدين، فضلاً عن حفظه متون كتب العلوم الآلية كالنحو والصرف والمنطق وغيرها، ومتون كتب العلوم العالية كالتفسير وعلم الكلام والحديث والفقه. فبدأ بحفظ متن كتاب "المرقاة"([66]) دون حواشيه وشروحه، ثم قارن بين وجهة نظره ومبلغ فهمه، وما ورد في حواشي الكتاب وشروحه. فرأى أن جميع مسائله مطابقة لما في ذهنه، إلاّ في ثلاث كلمات، لم تتطابق مع الشرح. واستحسن العلماء عمله هذا وأعجبوا به.

ولهذا اهتم بحفظ تلك المتون من أمهات الكتب الإسلامية في مختلف العلوم والفلسفة، لتصبح مفاتيح للحقائق القرآنية، ورداً للشبهات الواردة على الدين.([67])

[واستمر على ذلك حتى نهاية عمره فيقول عن نفسه:] «إن ومضة نور معنوي، في دماغ إنسان يملك قوة حافظة لا تتجاوز حجم ظفر، هذا الشخص أدرج في دماغه كلمات تسعيـن كتابا، ويتم قراءة هذا الجزء فقط من حافظته في ثلاثة أشهر بمعدل ثلاث ساعات يومياً، ويمكنه أن يراجع ويخرج من تلك الحافظة ما يشاء ومتى يشاء مما شاهده وسمعه وما تراءى أمامه من صور ومعان وكلمات أعجب بها أو تحير منها، أو رغب فيها..

 

83
__________________________

 

مع جميع الصور والأصوات طوال عمره الذي ناهز الثمانين.. كل ذلك مجموعة في صحيفة تلك الحافظة. لذا يرى أن تلك الحافظة كأنها مكتبة ضخمة نسقت فيها المحفوظات منتظمة مرصوفة».([68])

«فكانت تلك الملَكة نعمة عظمى إذ لو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقر في القلب، فما من علم بدأت به سابقا إلاّ وكنت أكتبه في روحي لحرماني من الكتابة الجيدة».([69])

درس أخير

وقد أشاع أحدهم ذات يوم قولاً: إن الشيخ محمداً الكفروي(*) قد دعا بسوء على الملا سعيد. فما إن سمع هذا الخبر حتى انطلق إلى زيارة الشيخ الكفروي.. فتلقاه الشيخ بالترحاب وحضر الملا سعيد درساً له، كان هذا الدرس هو الدرس الأخير الذي تلقاه سعيد الشاب».([70]) حيث ارتجل الشيخ الدرس بـ"الحمد للّٰه الذي قدّر مقادير الأشياء بقدرته، وصوّر تصاوير الأشكال بحكمته، والصلاة على محمد محيط مركز دائرة النبوة، وعلى آله حبيب كسـوة الفتوة والمروة، ما دارت على سطوح الأفلاك والنجوم، وما سارت في روايا الغبراء الغيوم".([71])

«نعم، إن الدرس الأخير والأكثر بركة قد تلقيته من الشيخ محمد الكفروي قدس سره الذي أظهر شفقته وعطفه عليّ بما يفوق حدي بكثير».([72])

وفي إحدى الليالي يرى في ما يراه النائم أن الشيخ محمد الكفروي يخاطبه: "يا ملا سعيد تعال لزيارتي، فإني سأرحل". ويبادر إلى زيارته حالاً. ولكن يشاهد رحيل الشيخ طائراً من البيت. وينـتبه من النوم، وينظر إلى الساعة فإذا هي السابعة -حسب التوقيت الغروبي- (أي منتصف الليل) ثم يعود إلى النوم ثانية. وفي الصباح يسمع نداء النعي يتصاعد من بيت الشيخ، فيذهب لاستقصاء الخبر فيعلم أنه قد توفي في الساعة السابعة مساءً ويرجع محـزوناً مردداً ﴿إنَّا لِلّٰهِ وَإنَّا إلَيهِ رَاجِعُون﴾ رحمة اللّٰه عليه... آمين.([73])

 

84
__________________________

 

سنة 1897م/1314هـ

جهوده في المصالحة بين العشائر

لما لم يكن في مدينة "وان" عالم معروف دعاه الوالي "حسن باشا" إليها فذهب إليها واستقر فيها خمس عشرة سنة، قضاها في التجوال بين العشائر لإرشـادهم وفي تدريـس الطلاب، فضلاً عن تكوين علاقات مع الوالي والموظفين في المدينة. كان جلّ اهتمامه في هذه الفترة المصالحة بين العشائر؛ فما كان يطرق سمعه نزاع بين العشائر إلاّ ويتوجه إليهم ويرشدهم، حتى إنه استطاع إجراء الصلح بين "شكر آغا" و"مصطفى باشا" رئيس عشيرة ميران بينما أخفقت الإدارة العثمانية من فض النـزاع بينهما. وعندها خاطب الملا سعيد مصطفى باشا:

- ألم تتب إلى الآن؟

- "سَيْدَا" إنني طوع كلامك!

وقدّم له فرساً مع كمية من النقود إلاّ أن الملا سعيد رفض ذلك قائلاً: "ألم تسمع أنني لم آخذ مالاً من أحد لحد الآن؟ فكيف آخذه من أمثالك من الظالمين! يبدو أنكم قد أفسدتم توبتكم! وعلى هذا لا تصل إلى الجزيرة بسلامة". وفعلاً مات مصطفى باشا في الطريق لم يصل إلى الجزيرة. وكأن دعاءه عليه قد استجيب.([74])

اطلاعه على العلوم الحديثة في "وان"

وقد اقتنع يقيناً ان أسلوب علم الكلام القديم قاصر عن ردّ الشبهات والشكوك الواردة حول الدين، فينبغي استحصال العلوم الحديثة أيضاً.

وقد حقق تشخيصه الداء هذا -وهو الشاب اليافع- تـهيئةَ الأجواء للخدمة القرآنية العظيمة والعمل الإسلامي الجليل في المستقبل، إذ وفقه سبحانه وتعالى بعد حوالي ثلاثين سنة لتأليف رسائل النور التي تجدد في علم الكلام.

فطفق يطالع كتب العلوم الحديثة حتى استحصل على أسسها من تاريخ وجغرافية ورياضيات وجيولوجيا وفيزياء وكيمياء وفلك وفلسفة وأمثالها من العلوم.

 

85
__________________________

 

وذلك خلال مدة قصيرة جداً. وسبر أغوار هذه العلوم بنفسه دون معونة أحد ودون اللجوء إلى مدرس يدرّسها إياه.

فمثلاً: حفظ عن ظهر قلب خلال أربع وعشرين ساعة كتاباً في الجغرافية، قبل أن يناظر في اليوم التالي مدرس الجغرافية ويلزمه الحجة في دار الوالي "طاهر باشا".

وعلى الشاكلة نفسها ألزم مدرس الكيمياء، بعد أن حفظ كتاباً في الكيمياء غير العضوية.

كان الوالي طاهر باشا يوجه أسئلة -علمية فلسفية- إليه مستخرجاً إياها من بطون الكتب الأوروبية وكان يجيب عن تلك الأسئلة أجوبة قاطعة مع أنه لم يطلع على تلك الكتب ولم يك يتقن اللغة التركية بعدُ، حيث بدأ التكلم بها حديثاً. وعندما شاهد -بعد فترة- تلك الكتب علم أن "طاهر باشا" يستخرج الأسئلة منها، فباشر بدراستها وهضم مضامينها في مدة قصيرة.

وخلال فترة بقائه في "وان" وضع طريقة خاصة به في التدريس تختلف عن الطرق المـتبعة آنذاك في المدارس الدينية، استخلصها من العلوم الحديثة التي استوعبها ومن ممارسته تدريس الطلاب، ومن أساليب الدراسة في المنطقة عامة آخذاً بنظر الاعتبار متطلبات العصر الحاضر وحاجاته الملحة. وترتكز طريقته هذه على إعطاء الحقائق الدينية "ممتزجة بالعلوم الحديثة" بأسلوب قريب لمدارك أبناء هذا العصر وإثباتها بأوضح أسلوب وعرضها بما يلائم تفكيرهم.

وذات يوم ذكر لـطاهر باشا وجود الجليد على قمم جبال "باشيد" حتى في شهر تموز، فاعترض عليه طاهر باشا قائلاً: لا تبقى الثلوج قطعاً على تلك القمم في شهر تموز.. وفي أثناء قضائه الصيف في مصايف باشيد و"بيت الشباب" تذكر هذه المحاورة التي جرت بينهما فكتب إليه رسالة هي أول رسالة له باللغة التركية وهي:

"يا باشـا! الجليد يكسو قمة باشيد.. لا تنكر ما لا تراه عينك.. لا ينحصر كل شيء ضمن معلوماتك.. والسلام".

وفي أثناء المناقشات العلمية مع طاهر باشا طرح عليه السؤال الآتي: "لو فرضنا وجود خمسة عشر مسلماً وخمسة عشر غير مسلم. وقد اصطف كل غير مسلم وراء مسلم في صف واحد.

 

86
__________________________

 

وطلب إجراء قرعة خمس عشرة مرة بحيث تقع على غير المسلم في كل مرة. فكيف يمكن إجراء التقسيم؟"

فأجاب: "هناك مائة وأربعة وعشرون احتمالاً لهذا". ثم أعقب قوله: "إنني أحدث مسألة أكثر إشكالاً من هذه فاجعلها باحتمال ألفين وخمسمائة". فأوجد مسألة باحتمال ألفين وخمسمائة، بحيث يكون عدد المسلمين خمسين شخصاً وعدد غير المسلمين خمسين شخصاً وقدّمها إلى طاهر باشا ضمن رسالة ألّفها في الرياضيات بيد أنها فقدت في إحدى الحرائق التي نشبت في مدينة "وان".

وهكذا كانت تدور مناقشات رياضية وعلمية أمثال هذه بكثرة، مما يبين الذكاء الخارق الذي كان يتمتع به، فما من مسألة رياضية طرحت أمامه إلاّ وحلهّا في ذهنه ويسبق الجميع في أمثال هذه المسابقات الذهنية.

وهكذا لتعدد مواهبه ولذكائه الخارق وقوة ذاكرته، أطلق العلماء عليه لقب "بديع الزمان".([75])

لقب بديع الزمان

«إن هذا الفقير، الغريب، النورسي، الذي يستحق أن يُطلق عليه اسم بدعة الزمان إلاّ أنه اشتهر -دون رضاه- بـ"بديع الزمان". فهذا المسكين يستغيث ألماً من حرقة فؤاده على تدني الأمة ويقول: آه.. آه… وا أسفى.. لقد انخدعنا فتركنا جوهر الإسلام ولبابه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره».([76]) [وعندما سئل]: "أنت تذيّل مقالاتك وتمضيها باسم بديع الزمان وهذا يومئ إلى المدح؟"

"الجواب: كلا، ليس للمدح! وإنما أريد أن أُبيّن -بهذا الإمضاء- تقصيري. وتعليلي هو: أن البديع يعني "الغريب" فأخلاقي غريبة كمظهري، وأسلوب بياني غريب كملابسي، كلها مخالفة للآخرين. فأنا أرجو بلسان حال هذا العنوان عدم جعل المحاكمات العقلية والأساليب المتداولة والرائجة مقياساً لمحاكماتي العقلية ومحكاً لأساليب بياني".

 

87
__________________________

 

ثم إن قصدي من البديع هو "العجيب" فلقد أصبحتُ مصداقاً لما قيل:

إليّ لَعَمْري قَصْدُ كُلِّ عَجيبَةٍ        كَأني عَجيبٌ في عُيُون العَجَائب([77])

هذا وإن لقب "بديع الزمان" الذي مُنِحتُه مع عدم استحقاقي له، ليس لي وإنما هو اسم معنوي لرسائل النور، قد قُلّد مؤلفها الظاهر إعارة وأمانة. والآن أعيد ذلك الاسم الأمانة إلى صاحبه الحقيقي".([78])

«نعم، إن الأهمية كلها منحصرة في رسائل النور، المعجزة القرآنية، حتى إن ما كنت أحمله سابقاً من اسم "بديع الزمان" هو ملكها، وقد أُعيد إليها أيضاً. ولا جرم أن رسائل النور ملك القرآن ومعناه.([79]) إذ قبل خمس وخمسين سنة شبّه أستاذي المرحوم "الملا فتح اللّٰه"([80]) من سعرد، سعيداً القديم ببديع الزمان "الهمذاني"(*) فأعطى اسم بديع الزمان له».([81])

 

سنة 1899م/1316هـ

انقلابه الفكري

إنه لجدير بالأهمية والتأمل، أن مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316هـ) إذ كان يهتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها. أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم "طاهر باشا" أن أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منه أن وزير المستعمرات البريطاني(*) قد قال:

"ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم". فثارت ثائرته واحتدّ وغضب.. وغيّر اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه.. جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى إدراك معاني القرآن الكريم وإثبات حقائقه. ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته.

 

88
__________________________

 

وأصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً وأستاذاً له([82]) حتى إنه أعلن لمن حوله: "لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها".([83])

 

 

 سنة 1906 م/1324هـ

خادم القرآن

هذا التاريخ يطابق اتخاذ مؤلّف رسائل النور طور خادم القرآن بتوجهه المباشر إلى الحكمة القرآنية، بعد أن أكمل العلوم الآلية. وبعد هذا التاريخ بسنة ذهب إلى إسطنبول وبدأ بجهاده المعنوي.([84])

[وظل خادماً للقرآن طوال حياته حتى إنه أجاب الحاكم في آخر محكمة له:]

«إنني لست أهلاً لكلمات الثناء التي أضفاها عليّ موكليَّ المحترمون، إذ إنني لست سوى خادم عاجز للقرآن وللإيمان. ليس عندي ما أقوله سوى هذا». ([85])

 

89
__________________________

 

------------------------

[1]() وكان والده "الصوفي ميرزا" ورعاً يُضرب به المثل، لم يذق حراماً، ولم يطعم أولاده من غير الحلال. حتى إنه إذا ما عاد بمواشيه من المرعى شد أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين.(ش) 54. وقد توفي في العشرينات ودفن في مقبرة قرية "نورس" وشاهد قبره مكتوب عليه "مرزه".

[2]() عندما سئلت والدته: ما طريقتك في تربيـة أولادك حتى حازوا هذا الذكاء النادر؟ أجابت: لم أفارق صلاة التهجد طوال حياتي إلا الأيام المعذورة شرعا. ولم أرضع أولادي إلا على طهر ووضوء. (ب/59).

[3]() حسب التاريخ الرومي الذي كان يستعمل رسمياً في أواخر الدولة العثمانية وتبدأ فيه السنة أول (مارس)، وهذه السنة توافق سنة 1294 هـ و1876-1877م.

[4]() من الوثيقة التي أملاها الأستاذ النورسي حين قبوله عضواً في "دار الحكمة الإسلامية" (ش)  198.

[5]() والرسائل الباقية ضمت في المثنوي العربي النوري.

[6]() (ش)  204.

[7]() وهن: درية: هي والدة "عُبيد" توفيت قبل الحرب العالمية الأولى. وخانم: وهي العالمة الفاضلة التي توفيت في الحج أثناء الطواف سنة 1945 "الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الحادية عشرة" ومرجان: وهي أصغرهن جميعاً.

[8]() وهم: عبد اللّٰه: توفي عام 1914 وهو والد "عبد الرحمن" تلميذ الأستاذ النورسي وابنه المعنوي. ومحمد: توفي سنة1951. وعبد المجيد: توفي سنة 1967. فأبناء السيد ميرزا بالتسلسل هم: درية، خانم، عبد اللّٰه، سعيد، محمد، عبد المجيد، مرجان.

[9]() الغزالي، إحياء علوم الدين، 3/78؛ الآمدي، الإحكام، 4/230؛ العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، 6/370؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ص 290؛ السيوطي، الدرر المنتثرة، ص 14؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة، ص 124؛ العجلوني، كشف الخفاء، 2/92.

[10]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[11]() حيث نفي إلى أرغاني ونفي الأستاذ النورسي إلى بوردور. ويقصد بالمرشدين الكثيرين رسائل النور.

[12]() المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة الثالثة.

[13]() اللمعات، اللمعة العاشرة. وأرغاني قضاء يبعد عن مدينة "وان" 500 كم غرباً.

[14]() المكتوبات، المكتوب الأول.

[15]() المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة الثالثة؛ ويراجع الملاحق، ملحق بارلا.

[16]() ينقل شهود كثيرون أن الأستاذ النورسي كان قد ذكر في مجالسه الخاصة: أن نسبه ينتهي من جهة الأب إلى الإمام الحسن ومن جهة الأم إلى الإمام الحسين رضي اللّٰه عنهما إلا أنه لم يصرح بذلك في رسائله حفاظاً على الإخلاص وتجنبا عن إحراز مقام معنوي في نظر الناس. فمثلاً: "يا أخي إن المنتسب إلى سيدنا علي رضي اللّٰه عنه هو أنا، فما أتاني من شئ إلا من سبيله..". "Son Şahitler 1 ص240".

    ومثلا: "يا أخي صالح إنك سيد -من أهل البيت- حقاّ، ونورية كذلك سيدة، ومرزا أيضا سيد". Son Şahitler 3 ص 201 ". ومثلا: "إنني سيد -من أهل البيت- ولكن احذر أن تذكر هذا لأحد، فوالدتي حسينية، ووالدي حسني". "Son Şahitler 3 ص 238 ".

    وقد حقق الباحثون نجم الدين شاهين أر وعبد القادر بادللي، ومحمد ملا زاهد الملازكردي، نسب الأستاذ النورسي وتوصلوا إلى الآتي: "والده: صوفي ميرزا بن علي بن خضر بن ميرزا خالد بن ميرزا رشان، من عشيرة إسباريت. أما والدته: فهي نورية بنت ملا طاهر من قرية "بلكان" التي تبعد عن قرية "نورس" ثلاث ساعات. وهي من عشيرة خاكيف. والعشيرتان من قبائل الأكراد الهكارية".

[17]() الملاحق، ملحق أميرداغ 1.

[18]() الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الثامنة؛ الكلمات، الكلمة العاشرة، الحقيقة الحادية عشرة.

[19]() اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة؛ الكلمات، اللوامع؛ صيقل الإسلام، محاكمات عقلية.

[20]() هو الشيخ صبغة اللّٰه الأرواسي وهو خليفة السيد طه النهري الذي هو خليفة مولانا خالد النقشبندي.

[21]() حيث إن والديه وأستاذه منتسبون إلى هذه الطريقة.

[22]() اللمعات، اللمعة الثامنة.

[23]() 1247-1304/1884م.

[24]() كلمة تطلق على العلماء بمعنى الأستاذ. في المناطق الشرقية من تركيا على الأغلب.

[25]() الملاحق، ملحق أميرداغ 1.

[26]() المثنوي العربي النوري، حباب من عمان القرآن.

[27]() أي إنه قد أخذ الدرس من كل ما حوله حتى من الذباب، حيث يقول: "إني رأيت نفسي مغرورة بمحاسنها. فقلتُ: لا تملكين شيئاً!. فقالت: فإذن لا أهتم بما ليس لي من البدن.. فقلت: لا بد أن لا تكوني أقل من الذباب.. فإن شئتِ شاهداً فانظري إلى هذا الذباب، كيفَ ينظِّفُ جناحَيهِ برجليهِ ويمسحُ عينيه ورأسه بيديه! سبحان من ألهَمَه هذا، وصيّره أستاذاً لي وأفحمَ به نفسي!". المثنوي العربي النوري، قطرة، ذيل القطرة.

[28]() اللمعات، اللمعة الرابعة والعشرون.

[29]() Şualar, Birinci Şua.

[30]() T. Hayat, ilk hayatı.

[31]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[32]() ورؤيا مشابهة لهذه سجلها الأستاذ في ختام بحثه حول أهمية القرآن وهيمنته في صيقل الإسلام، السانحات.

[33]() T. Hayat ilk hayatı.

[34]() T. Hayat ilk hayat؛ و"الإظهار" كتاب في النحو للبركوي.

[35]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[36]() جمع الجوامع في أصول الفقه: لتاج الدين عبد الوهاب السبكي(727-771 هـ) وهو مختصر مشهور جمعه من زهاء مائة مصنف، له شروح كثيرة وحواشٍ كثيرة، وممن نظمه شعراً الطوخي والغزي والسيوطي وسماه "الكوكب الساطع".

[37]() المواقف في علم الكلام، للعلامة عضد الدين الإيجي المتوفي (756 هـ) وهو كتاب جليل القدر شرحه علماء أجلاء منهم الجرجاني والكرماني والأبرى وغيرهم.

[38]() المقصود كتاب "تحفـة المحتـاج في شرح المنهاج" لابن حجر الهيتمي المكي، وهـو شرح منهاج الطالبين للإمام النووي الشافعي.

[39]() البخاري، البيوع 3؛ الترمذي، القيامة 60؛ أحمد بن حنبل، المسند، 3/153.

[40]()       T. Hayat ilk hayatı.

[41]() الملاحق، ملحق قسطموني، جبة مولانا خالد.

[42]()       T.Hayat, ilk hayatı.

[43]() الشمسية: رسالة في قواعد المنطق للقزويني المعروف بالكاتبي (600-675هـ)، شرحها التفتازاني والتحتاني (766) شرحا جيدا. ولكونه متداولاً بين الطلبة، سماه (تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية).

[44]()       T.Hayat, ilk hayatı.

[45]() لأنك تطلب لمحبتك ثمناً غالياً جداً، إذ تفكر أن يقابل محبتك بما يفوق ثمنها مائة ضعف، والحال أن أعظم محبة لمقامه الحقيقي تظل زهيدة جداً. (المؤلف).

[46]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[47]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[48]() المقصود: البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك.

[49]() المقصود: الفوائد الضيائية لعبدالرحمن جامي.

[50]() فكان الملا فتح اللّٰه أول من أطلق على الملا سعيد لقب "بديع الزمان" كما سيرد.

[51]() إحدى تلك المسائل مذكورة في مجموعة صيقل الإسلام، ختام قزل إيجاز.

[52]() "تيلّو" قصبة تمتاز إلى الآن بتخريج العلماء الصالحين، تبعد عن مدينة سعرد سبع كيلو مترات.

[53]()       T.Hayat, ilk hayatı.

[54]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[55]()       T.Hayat, ilk hayatı

[56]() كان السلطان عبد الحميد الثاني قد منح رتبة الباشوية له ولبعض رؤساء العشائر الكردية في شرقي البلاد حيث كان هؤلاء يؤلفون بأتباعهم المسلحين "ميليشيات" تقوم بمهمة الحراسة على الحدود مع روسيا وتعاون الجيش النظامي، وتحفظ الأهالي من هجمات العصابات الأرمنية المسلحة، ويضمن السلطان بهذه الطريقة ولاء رؤساء هذه العشائر للدولة ويحول دون قيامهم بحركات عصيان ضدها.

[57]()       T. Hayat, ilk hayatı

[58]() المقصود إعلان المشروطية الثانية 24/7/1908م أي كان وصوله إلى ماردين سنة 1892 أو 1893م.

[59]() آثار بديعية ص 462. والمقصود كتاب "رؤيا" للشاعر نامق كمال الذي نُشر في مصر سنة 1908 وكان من المؤمنين بالحرية والاتحاد الإسلامي.

[60]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[61]()       T.Hayat, ilk hayatı، والحادثة مذكورة في مذكرات الملا عبد المجيد حيث سمعها بالذات من السيد إبراهيم أحد اللذين أخذا سعيداً الشاب إلى بتليس. (ب)  97، (ش)  74.

[62]()       T. Hayat, ilk hayatı

[63]() الملاحق، ملحق أميرداغ 1.

[64]() الملاحق، ملحق أميرداغ 1.

[65]() مطالع الأنوار في المنطق للقاضي الأرموي. اعتنى بشأنه الفضلاء شرحاً وتعليقاً.

[66]() مرقاة الوصول إلى علم الأصول: كتاب في المذهب الحنفي لمحمد بن فرامروز الخسروي (ت: 885هـ).

[67]()       T. Hayat, ilk hayatı

[68]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[69]() الملاحق، ملحق بارلا.

[70]()       T. Hayat, ilk hayatı

[71]() (ب) 101، (ش) 70.

[72]() (ب) 101 عن ملحق بارلا ص166 - ط. أنوار.

[73]()       T. Hayat, ilk hayatı

[74]()       T. Hayat, ilk hayatı

[75]()       T. Hayat, ilk hayatı.

[76]() صيقل الإسلام، محاكمات عقلية.

[77]() للمتنبي، انظر شرح ديوان أبي الطيب المتنبي 1/267، دار الكتب العلمية ط/1، بيروت.

[78]() الشعاعات، الشعاع الثامن، الرمز السابع.

[79]() الشعاعات، الشعاع الثامن، الرمز الثامن.

[80]() ت: 1317هـ / 1900م

[81]() (ب) 76 من ملحق أميرداغ مخطوط.

[82]() الشعاع الأول. وقد ذكر مصطفى صونغور لي مرارا ما سمعه من أستاذه: "لقد أصبح ما يقرب من تسعين كتاباً حفظته مدارج للصعود إلى حقائق القرآن الكريم. ولما بلغت تلك الحقائق شاهدت أن كل آية كريمة تحيط بالكون وتستوعبه. فلقد كفاني القرآن الكريم من مراجعة أي شيء آخر" (ش) 81، (ب) 119.

[83]()       T. Hayat, ilk hayatı.

[84]() الشعاع الأول. حيث سعى لإنشاء مدرسة الزهراء، ونشَر المقالات في الصحف وخدمات أخرى جليلة.

[85]()       T. Hayat, ilk hayatı.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet