الفصل الرابع
أوراق من الذكريات([1])
الصلاة في أوقاتها
كان الأستاذ جمّ الخشوع في صلاته ويقرأ الآيات آية بعد آية، وبعدما يقف منتصباً للصلاة ينوي ثم يكبر بـ"اللّٰه أكبر" بصوت عال جداً يكاد دويه يهز البيت الخشبي الذي يسكنه، وكانت الرهبة تملأنا ونحن خلفه مأمومون.
كان يهتم كثيراً بأوقات الصلاة وحريصاً عليها كل الحرص، وأسوق هنا مثالاً:
خرجنا يوماً من إسبارطة إلى أميرداغ ولم يبق إلاّ خمس دقائق للوصول إلى أميرداغ وإذا بوقت الصلاة قد حان، فنظر الأستاذ إلى ساعته فأقام بنا الصلاة. ولم يكن الأستاذ يبالي بالبرد القارس ولا بالمطر إذا ما حان وقت الصلاة. فكنا نؤديها في أوقاتها في الحل والترحال، وكان يقول:
«إن أكثر من مائة مليون شخص من كل أرجاء العالم الإسلامي يجتمعون في الجامع المعظم ويشكلون جماعة كبرى لأداء كل صلاة في وقتها، فكل فرد من هذه الجماعة يدعو للجماعة كلها بقوله: ﴿اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ فهذه الآية الكريمة تصبح بمثابة دعاء وشفيع لكل فرد من أفراد الجماعة. نفهم من هذا: عِظم الثواب غير المتناهي والأخروي الذي يناله الفرد المؤدي صلاته في أوقاتها فالذي لا يشترك إذن مع هذه الجماعة لا يحصل على حظه من ذلك الثواب، مثله في هذا: الجندي الذي لم يجلب قصعته لأخذ طعامه من المطبخ الرئيس فلا يستلم أرزاقه المخصصة، أي إن الذي لا يؤدي الصلوات في أوقاتها كأنه لا يأخذ أرزاقه المعنوية من القدر الرئيس في المطبخ المعنوي للجماعة الكبرى».([2])
582
__________________________
تسبيحات الأستاذ
يقول ملا حميد: "كنت أنشرح كثيراً عندما أصلي مقتدياً بالأستاذ، كان قيامه للصلاة يزيد الإنسان رهبة وخشوعاً. وكان يرشدنا إلى أن التسبيحات والأذكار عقب الصلاة إنما هي بحكم نوى وبذور للصلاة، وكان يسبّح ويذكر اللّه بصوت رخيم حزين، فعندما يقول: "سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه" كنا نسمعه يصدر على مهل من أعماق أعماق قلبه.
إنني شخصياً لم أرَ مثل الأستاذ قط مَن يصلي ثم يسبح بهذا الخشوع والحزن، مع أنني رأيت كثيراً من الشيوخ والعلماء.
وعندما كان يقول: "لا اله إلاّ اللّٰه" ويبدأ بالتسبيحات ويستمر بها يصبح صوته كفرقعة المدافع في قوته وشدته، فلو كان عنده شخص من أهل الطريقة الصوفية إذن لأخذته الجذبة والشوق!".([3])
أذكار الليل
كان الأستاذ ينام قليلاً ويأكل قليلاً جداً بحيث لا يكفي لإشباع حاجة الإنسان الاعتيادي وكان يقول لنا: "النوم الفطري والطبيعي هو خمس ساعات في اليوم".
وكان من عاداته -التي لم يتخل عنها طوال حياته المباركة- أن يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد، وكان على وضوء دائم، وكان جيران الأستاذ في إسبارطة وبارلا وأميرداغ يقولون لنا: "كلما نظرنا إلى بيت الأستاذ في الليل رأينا مصباحه الخافت مضاء، ونسمع أنين أذكاره الحزين ودعاءه الرقيق".([4])
الأشهر الثلاثة
عندما كان الأستاذ في إسبارطة، حلت الشهور الثلاثة: رجب، شعبان، رمضان. فقام بتوزيع أجزاء القرآن الكريم، لكل طالب جزء من التلاوة اليومية ليختم القرآن الكريم كل يوم في هذه الشهور المباركة، فيرفع إلى الملأ الأعلى قرآناً كاملاً من طلاب النور في "ساو، قوله أونلو، أتابَيْ، بازانون" فحظيت هذه النواحي ببركة ختم القرآن يومياً بعمل الأستاذ هذا.
583
__________________________
وفي الوقت نفسه كان الأستاذ يدعو اللّٰه سبحانه كثيراً ويذكر أسماء الطلاب في دعائه مستشفعاً برسول اللّٰه r ومنادياً باسمه وأصحابه الكرام.
وكان يستيقظ من الليل مبكراً ليصلي صلاة التهجد وينهي أوراده وتسبيحاته قبل صلاة الفجر بساعة، ثم يتضرع باسطاً يديه للدعاء رافعاً بهما إلى السماء، فيطيل في الدعاء بمقدار ساعة كاملة تقريباً، ونحن في هذا الوقت لا نجرؤ على دخول غرفة الأستاذ حتى يفرغ من دعائه، علماً أنه كان ينام بعد صلاة العشاء مباشرة دون انتظار شيء.([5])
ليالي رمضان
كان الأستاذ في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك يقيم الليل كله ولا ينام وما كان يسمح لنا أن ننام أيضاً. وفي أكثر الأحيان كان يتفقدنا فإذا رأى أحدنا نائماً يرش عليه الماء ويوقظه، فعلمنا السهر. فكنا نقيم الليالي المباركة ونبقى مستيقظين حتى صلاة الفجر وبعدها ننام. وكان يذكرنا بالحديث الشريف: «تَحَرّوا لَيلَة القَدر في الوتر من العَشر الأوَاخرِ من رَمضَان».([6]) ويعلمنا بأن هذه الليالي تتضمن ليلة مباركة هي ليلة القدر يعادل الثواب فيها ثواب عبادة ثمانين سنة.
وكان الأستاذ ينشغل بأوراده طوال شهر رمضان ويقرأ جزءاً واحداً كاملاً من القرآن الكريم كل يوم ويحثنا على التلاوة فكنا نقرأ جزءاً كل يوم أيضاً. وكان يعطينا من زكاة فطره. ويقول لنا: "أنتم طلاب علوم، يمكنكم أن تتبادلوا فيما بينكم زكاة الفطر". فنقوم بتطبيق ما يأمرنا به. فكنا نبتاع القمح بتلك الدراهم. ففي بعض الأحيان كنا نوصي بعمل الخبز. ولا نصرف شيئاً ولا ننفق إلاّ باقتصاد تام.([7])
[وقد لخص لي الأخ الكبير "مصطفى صونغور" مداومة الأستاذ على قراءة الأذكار والأوراد بالآتي:]
كان الأستاذ لا يسمح قطعاً بترك الأذكار الواردة سنةً مؤكدة عقب الصلوات وهي "سبحان اللّٰه، الحمد للّٰه، اللّٰه أكبر" ثلاثاً وثلاثين مرة وكذا "لا إله إلا اللّٰه" كما ورد ذلك في رسالته في "ملحق قسطموني" حول المتكاسل في الأذكار وكان يدعو بدعاء "ترجمان الاسم الأعظم" الذي يبدأ "سبحانك يا اللّٰه، تعاليت يارحمن، أجرنا من النار، بعفوك يارحمن" عقب صلاة الصبح والعصر.
584
__________________________
أما بين المغرب والعشاء فكان يذكر ما ورد في بداية "اللمعات" من دعاء سيدنا يونس وأيوب عليهما السلام.
وبالنسبة لدعاء الجوشن الكبير والأوراد القدسية للشاه النقشبند، فقد داوم عليهما وبيّن أهميتهما في نهاية "اللمعة الثالثة عشرة". أما "دلائل النور" فهي مختارات من الصلوات المشهورة لدى الأولياء كالشيخ الگيلاني والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي والجنيد البغدادي وأمثالهم من الأقطاب. ولم يبين الأستاذ لهذه الصلوات وقتاً معيناً، وقد شاهدناه في سجن أفيون سنة 1949 يقرؤها قبل الفجر بعد انشغاله بالعبادات أربع ساعات ليلاً. ولكن عندما تجاوز به العمر في سنة 1954 قال قصرت أورادي إلى ساعتين.
وعلاوة على ذلك كان يقرأ "السكينة" و"التحميدية" تسع عشرة مرة يومياً، وقد شاهدناه يقرأ ذلك الدعاء ونحن داخلون عليه للدرس. إلاّ أننا لم نسمع عنه ولم نشاهد أنه خصص وقتاً معيناً لقراءته.
وحسب ما أدركنا من الأستاذ، إنه ليس هناك قيد لقراءة الأدعية كلها يومياً. أو تخصيص قراءة أحد الأدعية يومياً. بل الأفضل أن يقرأ مقداراً معيناً من دعاء الجوشن يومياً.
التجويد المعنوي
كان الأستاذ يقرأ في الصلوات الجهرية -عندما كان في بارلا- ولاسيما صلاة الصبح السورَ التي تبدأ بـ"الحمد للّٰه".. وكانت قراءته قراءة فوق المعتادة، فكأنه كان يشرح الآيات ويفسرها حيث كانت قراءته تحيط بروحه، فتشعر كأن هالة من نور إلهي يغمرك. فقراءته كانت تختلف تماماً عن قراءة غيره من قراء القرآن. فقد كان يقرأه حسب معناه أي حسب التجويد المعنوي.
بتّ ليلة عنده في بارلا. كان يقوم الليل كله إلا قليلاً أما مصلياً أو ذاكراً أو مسبحاً. وما كان ينام إلا قليلاً.([8])
585
__________________________
شاركني في الدعاء
كان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة. وكنت أحياناً أراه وهو يصلي فلا أستطيع النوم. وعندما كان يراني مستيقظاً يقول لي: ما دمت مستيقظاً فتعال وشاركني في الدعاء.
ولكني كنت أجهل قراءة أي دعاء، فكان يقول لي: سأدعو أنا وردِّد أنت بعدي: آمين، فأنا أدعو بدعاء سيدنا يونس عليه السلام([9]) وبدعاء "أويس القرني"([10]) وأطرق باب رحمة اللّٰه بهما.
وكنت أغفو أحياناً في أثناء الدعاء فكان ينظر إليّ ويقول: لقد كنتُ أنا أيضاً مثلك.. ولكنك ستتعود.([11])
لا راحة بعد اليوم
عندما كان ينشغل الأستاذ بعباداته وتضرعاته ومناجاته كان يجلس جلسة التشهد في الصلاة، وكان يطيل هذا النوع من الجلوس ساعات طوالا، حتى إنه من جراء هذا الجلوس تقرحت إصبع قدمه.
فذات يوم طلب من أحد طلابه وهو -مَلاّ رَسُول-(*) مرهماً لمداواة إصبعه الذي كان منهمكاً في إيقاد الحطب وإشعاله في الموقد. فالتفت إليه ملا رسول قائلاً: ونحن أيضاً نخشى اللّٰه ونخافه يا أستاذنا، ولكنك ترتعد من خشيتك حتى تكاد مرارتك تنفجر. فلو كنت تجلس مطمئناً مثلنا لما تقرحت إصبعك!
فأجابه قائلاً: ملا رسول! ملا رسول! لقد جئنا إلى هنا لكي نظفر بحياة أبدية خالدة، بهذا العمر القصير والدنيا القصيرة. أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أدّعي الجنة وأطلبها.. لا يجوز هذا أبداً...! فلا أجرؤ على العيش كما أهوى!
كان الأستاذ يقول هذا وملا رسول يضع المرهم على الجرح أملا بالشفاء.([12])
586
__________________________
كيف كان يقضي أوقاته؟
يقول أحد تلاميذه: على جوانب نبع "الزرنباد" الصافي القريب من جبل "أرَك" تتكاثف الأشجار وتلتف أغصانها وتتشابك، صنعنا للأستاذ ما يشبه منصة خشبية كي يجلس عليها فوق الشجر. أما نحن فكنا نجلس على الأرض تحت ظلال الأشجار.
كان الأستاذ لا يصرف وقته سدى قط، فلا أراه إلا قائماً يصلي أو داعياً متضرعاً أو مسبحاً ذاكراً أو متأملاً في ملكوت السماوات والأرض، فهو حتماً منشغل بشغل يهمه. وحينما يزوره الأصدقاء كان يكلمهم، ويأخذ معهم بأطراف الحديث، وأول ما يبادرهم بالسؤال: هل من مسجد في قريتكم؟ وأي درس يدرّسه أئمة المساجد؟ فإذا أجابه الزائر بأنه ليس لديهم مسجد ولا معلم يعلمهم كان يتألم كثيراً ويحزن، ويعجب من أمرهم كيف يعيشون في مكان ليس فيه مسجد ولا مرشد؟!
وكان يغضب كثيراً من الغيبة والكذب ولا يسمح -بأي حال- لأحد أن يغتاب أحداً عنده.([13])
لم يؤذ حتى النملة
بدأ الجو يبرد شيئاً فشيئاً حيث الشتاء مقبل ونحن لازلنا على جبل أرك، كنا نتوقع هطول أمطار غزيرة وتساقط الثلوج بكثرة وكان المكان الذي نبقى فيه هو على شكل ربوة أو مرتفع صغير، فأراد الأستاذ أن نبني غرفة. فبدأنا ببناء الغرفة على هذا المرتفع، وعندما حفرنا الأساس وجدنا مملكة للنمل، ولما رأى الأستاذ النمل أمرنا بالتوقف، فسألناه عن السبب، قال: هل يجوز بناء بيت بهدم بيت آخر؟ لا تخربوا بيوت هذه الحيوانات. احفروا في مكان آخر غيره.
فبدأنا نحفر في مكان آخر فوجدنا مملكة أخرى أيضاً للنمل، وحفرنا ثالثة فوجدنا الشيء نفسه. وهكذا تكررت العملية ثلاث مرات. فسألني أحد الطلاب الذي كان يساعدني في هذا العمل: هل سيستمر الأمر هكذا؟ علينا أن نحفر في مكان ما فإذا ظهر النمل واريناه التراب لئلا يراه الأستاذ ومن بعد ذلك نستمر بالحفر،
587
__________________________
وإلا فسوف نظل إلى العشاء ولما نقم بشيء، فليس في هذه المنطقة شبر إلا وفيها مملكة للنمل.
وعلى كل حال بنينا غرفة صغيرة للأستاذ هناك، فكان الأستاذ كلما يرى النمل ويشاهد مملكته في الغرفة يقدم له البرغل والسكر وفتات الخبز.
فسألناه عن سبب تقديمه السكر للنمل فأجابنا ضاحكاً: فليكن السكر شاياً لهم!([14])
كان الأستاذ شديد الشفقة والرأفة بالأحياء فلم أره طول حياته يؤذي حيواناً حتى النمل.([15])
نظرة حرام
يقول تلميذه: عندما كنا مع الأستاذ في جبل "أرك"، أعددت مجموعة من الأسئلة علني أجد جوابها عنده، ولكن أثناء حديثه في جلستنا الاعتيادية أخذت جواب أسئلتي من دون أن أسأله عنها، وبقى لدىّ سؤال واحد فقط دون جواب، وهو سؤال يتعلق بالنظر إلى النساء.. ظل السؤال يدور في صدري من دون أن أبوح به، وإذا بالأستاذ يضرب فخذه بقوة ويقول: أنا لست راضياً عن أعمال سعيد القديم وتصرفاته، سوى ثلاث حالات كانت عنده، فأنا راض عنها... ثم قال: كنت أستبدل كل أسبوع ملابسي وأختار أجملها وأكثرها أناقة أيام كنت في إسطنبول ذات الحياة البراقة البهيجة.. كنت أذهب إلى أجمل مناطقها حتى إن أصدقائي العلماء التفتوا إلى هذه الظاهرة، فعينوا أحدهم -دون علمي- مراقباً لتصرفاتي وأوصوه بملاحظة جميع ما أقوم به واعمل.
وبعد مضي ثلاثة أيام -من المراقبة الخفية- جمعتنا جلسة معهم، فقالوا لي:
يا أخانا سعيد أنت على حق مهما عملت من عمل، فأنت مسدّد إلى الحق وسيوفقك اللّٰه.
استغربت هذا الكلام ومن حكمهم هذا عليّ، وعندما استفسرت عن السبب. قالوا:
كنا نراقبك منذ ثلاثة أيام، ونحصي تصرفاتك في جميع مناطق إسطنبول،
588
__________________________
ومن دون علمك، فلم نر ما يخالف الإسلام قط بل رأيناك منهمكاً بنفسك دون الآخرين، ولهذا نسأل اللّٰه أن يوفقك في مسعاك...
نعم، يا إخوتي! كما أن ناراً صغيرة بل حقيرة -كعود الكبريت- تحرق غابة عظيمة كثيفة تدريجياً وتجعلها أثراً بعد عين، كذلك النظرة إلى النساء تحرق عمل المؤمن اليومي شيئاً فشيئاً.. وأخشى أن تكون عاقبتها وخيمة. ثم أضاف: إن سعيداً القديم وهو في عنفوان شبابه وفي قلب إسطنبول وطوال عشر سنوات لم ينظر نظرة حرام ولو مرة واحدة وللّٰه الحمد.([16])
إصلاح الأسس
كان الأستاذ يعظ الناس في جامع "نورشين" أيام الجمع، فكان الحديث في الوعظ يدور حول مسائل الحشر، والآخرة، والتوحيد وما شابهها من مسائل الإيمان الأساسية وحقائقه الكبرى. فسأله "ملا رسول" ذات يوم قائلا: أخي الأستاذ، نحن لا نكاد نفهم موعظتك فكيف غيرنا؟! فأجابه الأستاذ: نعم، إن مواعظي غير مفهومة غالباً، لأن غايتي إصلاح الأسس التي يبنى عليها الإيمان، فإذا أصبح الأساس صلباً قوياً فلا يؤثر فيه مؤثر بعد حتى الزلازل. فليجلس أحدكم إذاً بجنبي كي يذكرني عندما يصبح الموضوع غامضاً، لأبسطه بسطاً وأشرحه واضحاً.([17])
حياة كلها عمل
في صباح يوم جميل من أيام الربيع، ذهبت لأجمع الحطب، وكان الأستاذ يعاونني في العمل، فلم أقبل منه ذلك. فقلت: أستاذي الكريم إنني أكفيك العمل فلا تتعب نفسك.
أجابني قائلاً: أخي، إن همتي وغيرتي لا تسمحان لي بالقعود وأنت تعمل أمامي. فلو عرفتَ ما في الغيرة والهمة من خير لكنت تقضي عمرك كله دون أن تخلد إلى الراحة، فما كانت تفوتك دقيقة فارغة..
حقاً لقد كانت حياته كلها عملاً.([18])
589
__________________________
حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة
يقول ملا حميد: في أول زيارتي للأستاذ وأنا أحسبه شيخاً من شيوخ الصوفية بادرني بالقول وقبل أن أتكلم بشيء: "أخي أنا لست شيخاً، أنا إمام كالغزالي والإمام الرباني، فأنا مثلهم إمام، فعصرنا عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة".
الرعاية باتباع السنة
وفي إحدى زياراتي للأستاذ شربنا الشاي عنده، ولم أنهِ ما في القدح من شاي، وبقيت فيه فضلة منه، فقال لي الأستاذ: أخي أنت لا تعرف السنّة.
كان يقصد إرشادنا بأن إنهاء الشيء في القدح سنة من سنن الرسول صلى الله وعليه وسلم وترك الفضلة فيه إسراف والإسراف خلاف السنة.([19])
أثر التواضع
كنت طالباً في كلية الآداب، بينما أنا جالس في الصف أستمع إلى الدرس إذ جاء أحدهم وقال لي: إن رجلاً في الباب يطلبك فأسرع إليه، فلما أتيته رأيت شاباً رشيقاً وجميلاً يرتدي زي القرويين، عرّف نفسه قائلاً: أنا المعلم "مصطفى صونغور" جئت إليك من عند الأستاذ.
وأخذ يضمني إلى صدره، وأنا في حالة خجل شديد لا أرغب في الاحتضان، حيث كنت أقول في نفسي كيف أحتضن هذا القروي وأنظار الطلاب من أهل المدينة مصوبة إلينا، فقد رأيت أن نفسي تستنكف الموقف الحرج. ولكن شخصية هذا الشاب القوية وإخلاصه التام وتضحيته في سبيل الإيمان وحبه الجم لرسائل النور قد أثرت فيّ كثيراً. فالذي أريد أن أقوله هو أن رسائل النور والأستاذ نفسه يكسبان الإنسان حالة صميمة وخالصة وجادة، ويجعلان الإنسان يتوجه إلى الباري عز وجل بقلب سليم وبتواضع حقيقي دون غرور أو حب للنفس، حيث يصبح الإنسان فعلا في حالة فطرية جميلة وبصورة دائمة، لأنه ينظر دائماً إلى الوجه الحسن من أمور الدنيا ولا يفكر إلا بالجميل منها.
590
__________________________
فهذه الحالات كانت تبرز بشكل أوضح عند الأستاذ. وأينما التقيتَ مع أي طالب من طلاب النور إلا ورأيت فيه هذه الصفات الخاصة فتغمرك أخوة خالصة وتواضع جاد. ولذلك عندما رأيت الأستاذ لأول مرة أخذتني الحيرة من شدة تواضعه. حتى دفعني هذا التواضع الشديد منه إلى أن أسأل أحد طلابه قائلا: هل يعرف الأستاذ القراءة والكتابة؟ وهل يعرف اللغة العربية؟
وعلى الرغم من أن الأستاذ لا يتحدث عن نفسه قط، بل كان جلّ حديثه حول رسائل النور إلا أن تعامله معك كصديق حميم وأخ مخلص يجعلك تنجذب إليه سواء أكنت طالباً أم صديقاً، فترتبط معه من صميم قلبك، فهو يحاول ربطك بحقائق القرآن ورسائل النور التي هي تفسيره في هذا العصر.([20])
القول اللين
يقول أحد تلاميذه: عندما كان أحد المسؤولين من ذوي المناصب العالية يأتي لزيارة الأستاذ كان يذكر له أولا محاسنه وفضائله، ويشوقه بهذا الكلام الطيب إلى الإيمان ويحبب إليه خدمة الإيمان. فعندما كنا في "أميرداغ" كان علينا أن نقدم تقريراً طبياً حول حالة الأستاذ الصحية إلى المحكمة في "صامسون". وكان الناس يعتقدون بأن طبيب المدينة هو رجل ملحد شيوعي وأنه يعادي الأستاذ. ولم نكن نعتقد بأن هذا الطبيب سيكتب التقرير المطلوب للأستاذ، ولكن قبل زيارة الطبيب وحينما أتي الطبيب لزيارته كان الأستاذ متمدداً على فراشه يعاني من مرض شديد ومع هذا جلس مع الطبيب ساعات طويلة وحده. فبقدر ما فهمنا بعد ذلك من هذه الجلسة، أن الأستاذ قد تكلم مع الطبيب عما عاناه من مصاعب ومشاق، وأن غايته في الحياة ليست سوى الإيمان. ثم بين له أنه بحاجة إلى تقرير طبي، ولكنه قال للطبيب: لا أطلب منك أن تزودني بالتقرير باسمك، لأنني أخشى عليك الأذى. بل حوِّله إلى مدينة "أسكي شهر". ثم أعطاه الأستاذ كتاب "الحجة الزهراء" وأوصاه بالصلاة.. ولما خرج الطبيب من غرفة الأستاذ قال: يا خسارتنا.. لم نتعرف على هذا العالم من قبل.. فقد أصبحت مديناً لربي بقضاء الفوائت.([21])
591
__________________________
بل خادماً للقرآن
يذكر أحد الطلاب: كنا جالسين مع الأستاذ ذات يوم، فقال: كان بعض الطلاب -في سجن أفيون- يبدون شيئاً من الضيق والضجر. وعندما كنت أرى منهم هذا الوضع أتألم وأحزن. فقلت يوماً: يا رب أليس لي بين هؤلاء طالب؟ (أي طالب مخلص لا يبدي تذمراً) ولم أكمل الدعاء بعد حتى قام "طاهري موطلو"(*) قائلاً: نعم يا أستاذي!
فسررت لهذا الكلام سروراً بالغاً. وكان خير تسلية لي في حينه.
كان الأستاذ يطلق على الأخ طاهري بـ"الرائد". وحقاً لقد كان يتصف بخصال وشمائل قلما تجدها في غيره، فقد كان يصوم الأشهر الثلاثة طوال ثلاثين سنة من عمره، ولم أر منه أن صلى الوتر بعد العشاء وإنما كان يقوم الليل ويصلي التهجد ثم يوتر. لقد كان كنـز الدعوات لطلاب النور. وكان في طاعة تامة لأوامر الأستاذ ويطبقها بحذافيرها. لذا لم أسمع من الأستاذ أن قال لأحد من طلبة النور مثلما قاله للأخ طاهري، حين قال بحقه: "إن الأخ طاهري ولي من أولياء اللّٰه الصالحين، فعليه أن لا يعد نفسه أنه في الدنيا".
وفي أحد الأيام قال الأستاذ له: أتريد أن تعدّ نفسك في هذه الدنيا -أي تميل إليها قليلاً-؟ أم تريد أن تستخدم عاملاً وخادماً للقرآن الكريم؟ فأجاب: أستاذي الحبيب أرجوك.. بل خادماً للقرآن.
فقال الأستاذ ملتفتاً إلينا: بارك اللّٰه فيه، إنه حقاً ولي من الصالحين!
كان الأخ طاهري أكبرنا سناً، كما أنه أكثرنا عملا في سبيل القرآن؛ فما كانت تفوته كلمة أثناء قراءته القرآن الكريم أو أثناء تصحيحه الرسائل. ولقد ضحى بحياته كلها في سبيل خدمة القرآن. فإخلاصه الكامل في العمل كان يزيدنا نشاطاً وحيوية وشوقاً إلى خدمة الإيمان مهما كانت الظروف... كان رحمه اللّٰه مخلصاً للّٰه. كل عمله كان للّٰه. كنا نتخذه أباً معنوياً لنا لشدة شفقته علينا... لم يعرف التعب إليه سبيلاً ولم نره ملّ يوماً من العمل... رحمه اللّٰه رحمة واسعة.([22])
592
__________________________
لا تعب في الخدمة
لم يكن للأستاذ أي وقت فراغ طول حياته؛ فهو إما يقرأ أو يصحح أو يُقرأ له وهو يستمع.. كان في كلامه لطافة جمة وفيض كبير، إذ ما كنا لنتضايق ولا نملّ حتى لو طال الدرس من الصباح حتى المساء، وما كنا نضجر لو مشينا طريقاً طويلاً معه وابتلينا بمصاعب معه أو نال منا الجوع ما نال. وكلما شعرنا بضيق ننظر إلى وجهه الوضاح فترتاح نفوسنا وتنشرح صدورنا ونتحمس للعمل بشوق أكثر دون توقف ليلاً ونهاراً، رغم أننا قد لا ننام. فقد كنا نسهر الليالي الطوال من دون أن نشعر بالتعب لأجل الخدمة في نشر حقائق القرآن.([23])
لا حياة لنصف إنسان
عندما كان كتاب "تاريخ حياة الأستاذ" تحت الطبع، وصلت رسالة إلى الأستاذ يسأل فيها صاحبها عن جواز الصورة الفوتوغرافية، قرأنا الرسالة على الأستاذ فتبسم وطلب قلم رصاص وجئنا له بالقلم فمر بخط على عنق الصورة وقال معقباً: لا حياة لنصف إنسان. فابعثوا له بالجواب مقروناً بهذه الصورة بهذا الشكل.
وهناك حادثة شبيهة بهذه وهي أنه: بعدما أخلي سبيل الأستاذ من سجن "أفيون" أستأجر بيتاً وبقي الأخ زبير معه في خدمته وملازمته.
وفي أحد الأيام جاء الأخ طاهري من مدينة إسبارطة لزيارة الأستاذ فبات ليلة واحدة ضيفاً عند الأستاذ. فكان الأخ طاهري يخرج محفظته من جيبه كلما أراد أن يدخل الصلاة لاحتواء النقود على صورة إنسان. وفي الصباح الباكر وبعد أن ودع الأخ طاهري أستاذنا قصد محطة نقل المسافرين، وعندما همّ بقطع تذكرة السفر فطن أنه نسي محفظته في دار الأستاذ، وأسرع بالرجوع إلى دار الأستاذ واستأذن بالدخول وأتاه الأخ زبير بمحفظته فلمحه الأستاذ وقال له: "لا تكرر هذا مرة أخرى، فلا حياة لنصف إنسان!".([24])
593
__________________________
لا أعمل بالرؤيا
في أحد الأيام بعث أحد الإخوة من مدينة "دياربكر" برسالة إلى الأستاذ يكتب فيها ما رآه أحد الإخوة هناك من رؤيا صالحة.
فقد رأى فيما يرى النائم مجلساً يحضره الرسول العظيم r ومعه الخلفاء الراشدون رضي اللّٰه عنهم والشيخ عبدالقادر الكيلاني قدس اللّٰه سره، فيدخل عليهم جبريل عليه السلام ويقول لهم: إن طبع الرسائل ونشرها والقيام بخدمة القرآن على هذه الشاكلة المعنوية قد انتهى دوره حيث جاء دور الجهاد المادي.
قرأنا الرسالة على الأستاذ، فطلب الأستاذ ورقاً وقلماً في الحال وأملى علينا هذا الجواب: إن ما رأيتموه من رؤيا يا أخي هو رؤيا مباركة ولكنها تحتاج إلى تأويل وتعبير وتفسير، فالجهاد المادي في الرؤيا هو الجهاد المعنوي في سبيل خدمة الإيمان، لأن الظهور على الأعداء والغلبة عليهم لا يقتصر على الجهاد المادي، فرؤياكم إشارة إلى انتصار البراهين الإيمانية المعنوية الساطعة على الكفر المطلق، فإياكم والتأويل المادي، والظن بأن الجهاد هو جهاد مادي فحسب، هذا فضلاً عن أنني لا أعمل بالرؤيا.([25])
خدمة الإيمان
كان الأستاذ يرشد طلابه في دروسه التي يمليها علينا قائلاً:
«إخواني، إن وظيفتنا هي خدمة الإيمان والقرآن الكريم بإخلاص تام. أما توفيقنا ونجاحنا في العمل وإقبال الناس إلينا ودفع المعارضين عنا، فهو موكول إلى اللّٰه سبحانه، فنحن لا نتدخل في هذه الأمور. وحتى لو غُلبنا فلا ينقصنا هذا شيئاً من قوتنا المعنوية ولا يقعدنا عن خدمتنا، فعلينا بالثقة والاطمئنان والقناعة انطلاقاً من هذه النقطة.
مثال هذا: "كان جلال الدين خوارزم شاه -وهو أحد أبطال الإسلام الذي انتصر على جيش جنكيز خان انتصارات عديدة-.. كان يتقدم جيشه إلى الحرب، فخاطبه وزراؤه ومقربوه: سيظهرك اللّٰه على عدوك، وتنتصر عليهم! فأجابهم: إن ما عليّ هو الجهاد في سبيل اللّٰه اتباعاً لأمره سبحانه، ولا حق لي فيما لم أكلف به من شؤونه، فالنصر والهزيمة إنما هي من تقديره هو سبحانه.
594
__________________________
وأنا أقول مقتدياً بذلك البطل: "إن وظيفتي هي خدمة الإيمان، أما قبول الناس للإيمان والرضى به فهذا أمر موكول إلى اللّٰه. فأنا عليّ أن أؤدي ما عليّ من واجب، ولا أتدخل فيما هو من شؤونه سبحانه"».([26])
حسن الظن
لم يكن الأستاذ يقبل أن يغتاب أحد أمامه، فإذا ما قلنا في مجلسه: يا أستاذنا إن فلاناً قال كذا وكذا، يجيبنا بقوله: "أنتم على خطأ، إنه صديق حميم لي، وهو من قراء رسائل النور، وشخص مثله لا يقول ما تذكرونه عنه. كأنكم تريدون أن تقطعوا ما بيننا من علاقات ووشائج".
وأحياناً كانت ترده رسالة أو يقول له أحدهم: إن العالم الفلاني يعادي الأستاذ ورسائلَ النور، ويقول الأستاذ: إن هذا الرجل هو من أهل العلم فهو صديقنا، فيضطر القائل أن يسكت. وكان دائماً يحاول أن يؤَوِّل الأمور بحسن الظن ويحثنا على ذلك ويقول: "نحن مكلفون بحسن الظن".
الترابط الوثيق
ذات مرة جاءت من مدينة "قونيا" جماعتان من طلاب النور لزيارة الأستاذ فشكت الجماعة الأولى من تصرفات الجماعة الثانية إلى الأستاذ قائلين: إنهم لا يأخذون حذرهم ولا يحتاطون للأمر بل يقومون بإلقاء الدرس في المسجد. والجماعة الثانية شكت أيضاً من الجماعة الأولى، فقال لهم: "إخوتي! إن الإسلام لا حاجة له بخدمتكم وعملكم بقدر ما هو بحاجة ماسة إلى تساندكم وترابطكم، فعليكم أن تقرؤوا بين حين وآخر كلا من رسائل: "الإخلاص" و"الأخوة" و"الهجومات الست" فيما بينكم ذلك لأن تساندكم وإخلاصكم وثباتكم وصلابتكم السائدة فيما بينكم منذ البداية ستكون مفخرة لهذه البلاد".
وعندما كان الأستاذ يدرّس مواضيع الفداء والتضحية يذكر طلابه في الولايات الشرقية ذكراً حسناً ويضرب بهم الأمثال العالية.([27])
595
__________________________
كيف كانت الرسائل تكتب؟
عندما كنا نذهب إلى الأخ الحافظ توفيق الشامي كان يرينا الأماكن التي ألف الأستاذ فيها الرسائل ويدلنا عليها. وفي إحدى زياراتنا له قال: أذكر لكم خاطرة من حياة الأستاذ وكيف كان يؤلف الرسائل:
"كنا نذهب مع الأستاذ للتجوال في المروج الخضر فيجلس هو في مكان مناسب وينظر إلى نقطة معينة، ويتكلم بصورة سريعة جداً. وأنا أكتب كل ما يقوله بسرعة أيضاً ويؤشر بيده إليّ ويقول: أكتب يا أخي.. وهو يركز نظره في نقطة معينة وبعد ذلك يقول: قف، قد انقطع..اذهبْ إلى طرد الذباب (عبارة ترمز إلى الذهاب للتدخين بعيداً عنه).
والحقيقة أنني كنت أدخن بكثرة. فأذهب إلى مكان بعيد عن الأستاذ وأجلس وراء صخرة فأدخن ثم أرجع إلى الأستاذ ونستمر بالكتابة أيضاً.
هنالك رسائل قد أُلفت خلال ساعة أو ساعتين. وايم اللّٰه لقد كنت أستنسخ الرسائل نفسها في البيت فلم أكن أنهيها لا في ساعة أو ساعتين ولا في يوم أو يومين بل أكثر".([28])
مرض العصر
كان الأستاذ يتحدث في أغلب دروسه عن: الأخوة والإخلاص. فكان يشخّص مرض زماننا هذا بـ: الغرور والأنانية وحب النفس.
قال الأخ زبير يوماً: أستاذي الحبيب! إنني أكاد أرتعد من خوفي من الغرور والأنانية.
فأجابه الأستاذ: نعم، خف وارتعد من الغرور. ففي هذا الزمان -وهو زمان الغفلة عن اللّٰه- ترى أصحاب الأفكار المنحرفة عن الدين يجعلون كل شيء آلة ووسيلة لمصالحهم الخاصة، فتراهم يستخدمون الدين والعمل الأخروي وسيلة لمغانم دنيوية. ألا أن حقائق الإيمان والعمل لنشر رسائل النور.. هذا العمل المقدس لا يمكن أن يكون وسيلة لجر مغانم دنيوية قط، ولن تكون غايته سوى رضى اللّٰه سبحانه... بيد أن الاصطدامات التي تحدث جراء التيارات السياسية الضالة تجعل المحافظة على الإخلاص، والحيلولة دون جعل الدين وسيلة للدنيا عسيرة..
596
__________________________
والحل الوحيد أمام هذه التيارات هو الاستناد إلى العناية الإلهية واستمداد القوة منها.([29])
مزيداً من القراءة
مضت أعوام عديدة، ونحن مع الأستاذ ولم نر منه أنه صرف جزءً من وقته سدى، بل كان يقرأ الرسائل أو يصحح ما كان منها مستنسخاً أو يستقرئ وهو يستمع. ففي السنوات الأخيرة ظهر جهاز التسجِيل وبدأنا نقرأ الرسائل ونسجلها على أشرطة التسجيل ثم نقدمها إلى الأستاذ ليسمعها وكان يشوّق الزائرين قائلا لهم: ظهر جهاز جديد يحفظ رسائل النور ويقرؤها بشكل جميل وجذاب.
كان الأستاذ يسألنا في بعض الأحيان قائلا: "كم صفحة قرأتم اليوم؟" وكنا نجيبه: "قرأنا ثلاث أو خمس صفحات". فيقول: "أما أنا فقد قرأت مأتي صفحة، وبالرغم من عجزي عن الكتابة فأكتب بشكل بطئ جداً. فقراءتي تختلف عن قراءتكم. فأنتم تقرؤون قراءة سطحية كقراءة الجرائد، ولكني أقرأ مع فهم المعاني والمقاصد وهاكم انظروا إلى تصحيحاتي كذلك".
هذا وكان الأستاذ عندما يريد أن يقلب صفحات الرسائل كان يقلبها ببطء واعتناء من غير أن يؤذي الورقة ومن دون أن يبلل إصبعه لقلب الصفحة.([30]) ويقول لنا: "الحمد للّٰه، لقد قرأت اليوم هذا القدر فاستفدت كثيراً، فاليوم انشرح صدري وتوسع إيماني كثيراً". أو يقول: "سبحان اللّٰه! استفدت من هذه الرسالة استفادة جمة حتى كأنني لم أرها من قبل أبداً". ويقول: "إخواني، انظروا! إنني قد قرأت إلى هذا الحد، فلم أجد فيه خطأ قط، فعند تأليف رسائل النور ساعدتنا العناية الإلهية والحفظ الرباني. فهذا الأمر لا يأتي من مهارتنا ولا من قابليتنا بل هو إحسان إلهيّ وكرم منه ولطف بالإنسان العاجز". ويقول: "لقد التحم في تأليف رسائل النور طي المكان وطي الزمان. أي إنها أصبحت تنهي أعمالاً كثيرة في زمن قصير وهذا التسخير الرباني إحسان من اللّٰه تعالى، وأنا أكتبها كما تُلهَم إلى قلبي وبشكلها الأصلي فلا أجرؤ على تغييرها".([31])
597
__________________________
قاعدة في القراءة
في أحد الأيام كان الأستاذ يقرأ "الحزب النوري"([32]) ويشرحه لنا وسألني عن مقدار ما فهمته من الدرس فأجبته بعدم الفهم، فبدأ الأستاذ يوضح الدرس أكثر فأكثر حتى فهمت الدرس فهماً تاماً. فخطر على قلبي: "إنني قد تكاملت إذ بدأت أفهم اللغة العربية جيداً". ففي أثناء الدرس كنت قد فهمت كل شئ، ولكن ما إن خرجت من غرفة الأستاذ حتى وجدت دماغي وكأنه قد مسح مسحاً فلم يبق فيه شئ.
سألني الأستاذ ذات مرة في نهاية الدرس عن مدى فهمي له أيضاً. فأجبته قائلاً: "لم أفهم الدرس جيداً". فالتفت إلي ولطمني بلطف براحة يده قائلاً: "إنك فهمت الدرس كله، فيكفيك هذا القدر من الفهم. أخشى أن يدخل شيء في نفسك فتقولَ: لقد تكاملتُ إذن، وعندها لا تكون مؤهلاً للخدمة القرآنية. إذا لم تفهم الدرس أكثر من هذا فاكتف بهذا القدر منه".
وساق مثلاً حول فهم الدرس وهو: "إذا دخلت جماعة في بستان فإنهم يتناولون من الفواكه كل بحسب ما تصل إليه قامته ويده. فالطويل يقطف من الأغصان العالية، والقصير يقطف من الأغصان الواطئة، والقسم الآخر لا يقطفون ولكن يدوسون عليها بأقدامهم ويسحقونها، فإن كنت أنت ممن تشم رائحتها فحسب يكفيك ذلك. فاقنع بهذا واشكر اللّٰه عليه".([33])
كان يعلمنا كيف نفكر
كان الأستاذ يرتقي التلال التي تشرف على مدينة إسبارطة ليشاهد فيما حواليها من مناظر الفطرة ومشاهد الطبيعة، وكانت الطريق مكسوة بأشجار الفواكه وخاصة العنب. فيمسك الأستاذ بعنقود منها -دون أن يقطعه- ويعدّ حباته مبيناً لنا ما فيه من بدائع الصنعة الإلهية والإتقان الرباني فيقول: "انظروا وتأملوا في حلويات القدرة الإلهية هذه"..
598
__________________________
فكان يعلمنا بهذا كيف نفكر في مخلوقات اللّٰه المبثوثة في معرض اللّٰه.. وهكذا كنا نتلقى دروساً إيمانية في التدبر وفق منهج القراءة في كتاب الكون المفتوح أمامنا.([34])
زيارة المقابر
كلما كان الأستاذ يمر على قبر سواء على الطريق أو في المقبرة، يدعو لهم بالخير.
وذات يوم وقف على مقبرة وقال: "إن شواهد هذه القبور تذكرنا بالآخرة، وتنذرنا، فهي كالمعلم الحي لنا حيث هي شاخصة أمامنا. ألا ترون أن هذه الأحجار ترشدنا إلى دروس بليغة بلسان حالها وكأنها تقول لنا: "أنتم أيضاً قادمون إلى هنا... لامناص".
وهكذا كان يعلمنا كيفية التفكير في الأمور كلها، وعلمنا أدب زيارة القبور.([35])
مطالعة الكون
عندما كان الأستاذ يتجول في السهول الممتدة على مد البصر وبين المروج المزدهرة بالأثمار والأزهار، كان يتصفح كتاب الكون المنظور بنظراته الدقيقة الواعية ويقرأ ما وراءه من معان ورموز، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً بين يديه بكل اهتمام وذوق، وكان يقول لنا في أثناء ذهابنا وإيابنا في السيارة: "هل تطالعون كتاب الكون أيضاً؟"
كان للأستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار أيضاً. فعندما يرى كلباً -مثلاً- في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول: "هل لديكم كسرة خبز؟" فيأخذها ويعطيها للكلب.
ويقول: هذه حيوانات وفية، وإن عدْوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها.
وكان عندما يرى في السهول السلحفاة -مثلاً- على حوافي السواقي يقول: "ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم".
599
__________________________
وأحياناً عندما كان الأستاذ يرى مملكة النمل أو يرانا نحرك حجراً وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول: لا تقلقوا راحة هذه الحيوانات.
وعندما كان يلتقي في تجوله صيادي الأرانب والطيور يقول لهم: "لا تروعوا هذه الحيوانات ببنادقكم ولا تؤذوا غيرها".
وهكذا وبهذا الأسلوب كان ينصح الصيادين الهواة. حتى جعل الكثيرين منهم يتخلون عن الصيد.
وعندما يلتقي الرعاة في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في مروج بين الجبال والوديان والسهول، يلاطفهم ويقول لهم: "إنكم إذا ما أديتم الصلاة في أوقاتها الخمسة خلال اليوم يصير اليوم بكامله بمثابة عبادة لكم، لأنكم برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية فإن انتفاع بني البشر من أصوافها ولحومها وألبانها هو بحكم الصدقة لكم، فلا تؤذوا إذن هذه الحيوانات البريئة النافعة".
ولم نكن نرى الأستاذ في تجواله في الفلوات فارغاً دون عمل أبداً؛ فهو إما ينشغل بقراءة "الجوشن أو دلائل النور، خلاصة الخلاصة، حزب النوري، التحميدية، السكينة، الأوراد القدسية"([36]) التي كان يقرؤها كل يوم حتى أثناء تناول الشاي أحياناً. وكنا نقرأ له من رسائل النور وهو يستمع ويتأمل ويتفكر أو يصحح رسائل النور المستنسخة.
وفي تجوالنا هذا كان الأستاذ يتسلق أعالي الأشجار العالية ويفضل الصلاة على الصخور المرتفعة. وكان يقول لنا: "لو كان فيّ قوة شبابكم هذا لما نزلت من هذه الجبال".
فكان يطالع ويتدبر في آيات كتاب الكائنات الكبير دائماً.
وعندما كنا في جبل "جام" ونحتاج إلى أخشاب الأشجار فالأستاذ كان يمنعنا من قطع الأشجار كيفما اتفق بقوله: لا تقطعوا الأشجار فإنها تذكر اللّٰه وتسبحه.([37])
600
__________________________
دروس النور والسياسة
كان الأستاذ يرشد الذين يأتون إلى زيارته من السياسيين والمهتمين بالأمور الاجتماعية قائلا لهم: "إن طلاب النور ليست لهم أية علاقة مع السياسة، فيجب والحالة هذه ألا يتوجس أهل الدنيا من طلاب النور خيفة أبداً لأننا نعمل للآخرة وليس للدنيا. وبما أن غاية المنتسبين لرسائل النور هو إرضاء اللّٰه -سبحانه- وحده فهم بقدر استطاعتهم لا يرغبون في أن يتدخلوا بأمور السياسة وتياراتها في المجتمع، لأن الذين يأتون لتلقي الدروس الإيمانية لا يمكن أن ينظر إليهم نظرة الأغيار إذ لا فرق بين صديق وعدو في أثناء الدرس".
وذات يوم قال أيضاً: "في الدروس الإيمانية لا يمكن التفرقة بين الطلاب، فإن كان ابن مصطفى كمال جالساً في درس من دروس النور مع ابن عبد المجيد -يقصد أخاه- لا يميّز بينهم، فكل واحد يأخذ نصيبه من الدرس. بينما مسألة الانحياز في السياسة إلى طرف معين يفسد هذا المعنى فيفسد الإخلاص، ولهذا السبب فقد تحمل طلاب النور المصاعب والأهوال والمضايقات لكي لا يصبح النور آلة لأي شيء، فلم يمدوا أيديهم إلى السياسة. وبما أن رسائل النور قد حطمت الكفر المطلق وحطمت الفوضى المتسترة تحت الكفر المطلق وقاومت الاستبداد المطلق الذي يلبسه الكفر المطلق فإنها من هذه الجهة فقط قد تمس السياسة.
كان الأستاذ قد أثبت من خلال المصاعب والمتاعب التي مرت عليه خلال خمس وعشرين سنة بالمحاكمات وغيرها بأنه لا يستبدل ملك الدنيا كلها وسلطنتها بأدنى مسألة إيمانية.([38])
الحذر
كنا نشتري له رغيفاً واحداً في الأسبوع وعند الشراء كان يتفحص الخبز بدقة لأنه كان هناك من يريد الإضرار بالأستاذ بدس السم في طعامه، فنحن أيضاً كنا لا نأخذ ما يعطيه الخباز لنا، بل نختار بأنفسنا ما نريده. أما عند شرائنا اللبن فقد كنا نختار ماعوناً واحداً من بين مئات المواعين، فلا عجب في هذا العمل إذ الأستاذ قد سُمَّم سبع عشرة مرة.
601
__________________________
وعندما كنا نجلب الماء للأستاذ كان الناس يريدون أن يساعدونا لمعرفتهم لنا أننا خدام الأستاذ فكنا لا نتكلم مع أحد قطعاً ولا نعطي الترمس لأحد حتى لو كان من طلاب النور، كنا نضع كل ما نشتريه للأستاذ في إناء مغلق مسدود وذلك تجنباً من التسمم.([39])
لا يُدخل طعاماً على طعام
كان الأستاذ يأكل قليلاً جداً، وما كان يدخل الطعام على الطعام قط إلا بعد مرور خمس ساعات كاملة، وما كان يشرب الماء بعد الأكل إلا بعد ساعتين كاملتين. حيث كان ينظر إلى الساعة فإن كان باقياً عشر دقائق كي تكمل الساعتان يقول: لم يحن بعد موعد شرب الماء.
كان يشرب الماء بارداً جداً، فكنا نذهب إلى إسبارطة لشراء الثلج من صيدلية هناك -حيث لم تكن الثلاجات متوفرة حينها- ونضع الثلج ونحفظه في ترمس خاص.([40])
دأبه مع طلابه: الاستشارة وتقسيم الأعمال
لقد ضحى الأخ زبير بحياته كلها في سبيل خدمة الإيمان عن طريق نشر رسائل النور وخدمة الأستاذ، فلو كانوا يقطعونه إرباً إرباً لكان ينهض ويهب قائلاً: "رسائل النور.. رسائل النور".([41])
وإذا كان طريح الفراش من شدة المرض ويسمع أن الشرطة قد قدمت إليه، كان يقوم ويعتدل ولا يكاد يظهر عليه أثر المرض، لئلا يبدو الضعف منه أمامهم. ولو حصل أن كتبت مقالة في الصحف حول الإيمان والإسلام والشجاعة والفداء فهو أول من يتهم. وهو بدوره لا يتراجع ولا يتنازل أبداً عما قاله فيستمر في محاججتهم. كان الأخ زبير يطبق نفس ما يفعله الأستاذ، وكان الأستاذ يأتمنه على خدمته بل على أشغاله الخاصة وكثيراً ما كان يحوّل الموضوعات الاجتماعية والسياسية أولاً إلى الأخ زبير. أما الأخ صونغور فكان الأستاذ كثيراً ما يكلّفه بأمور المقابلات الضرورية مع رجال الدولة وتوجيه بعض الرسائل التي تمس الحياة الاجتماعية.
602
__________________________
كان دأب الأستاذ دائماً أن يفتح باباً للعقل والتفكير لدى طلابه فلا يسلب الإرادة من الإنسان كلياً بل كان يشير إلى ما يأمر به إشارة فحسب. فكان ينادي "زبير" مثلاً ويستشيره: "هل نعمل كذا وكذا يا زبير؟"
فالأخ زبير ما كان يعمل شيئاً ولا يكتب أية رسالة إلا بأمر الأستاذ واستشارته. فقد كانت حياته كلها موقوفة لرسائل النور، فيقوم برسائل النور ويجلس برسائل النور وينام برسائل النور وهو مع رسائل النور لا يفارقها ساعة.
للّٰه دره من تلميذ مخلص متفان لا يجارى ولا يكاد يكون له مثيل في شرف هذه الخدمة العظيمة بين طلبة النور كلهم.([42])
جنود في الخدمة
عندما دخلت رسائل النور المطابع، وبدأت بالانتشار لم تكن ترى الأستاذ جالساً في مكانه قط بل كان في حركة دائبة وفي فعالية مستمرة ونشاط دائم، كان فرحاً سعيداً دائماً بل يكاد يطير من فرحه.
وكنا نذهب أحياناً مشياً على الأقدام أو بالسيارة إلى مناطق مختلفة كحدائق الزهور في إسبارطة، أو حدائق بارلا، أو حافات بحيرة أغريدر، أو المقبرة، وغيرها من الأماكن، فقد كانت هذه الأماكن تعدّ بمثابة منازل نور صغيرة، فكنا نجول فيها ثم نعود وقد امتلأت قلوبنا بأفراح ملء الدنيا من مباهج النور ومعاني الإيمان.
كان الأستاذ يركب فرساً وكان أحدنا يأخذ بزمام الفرس والثاني يمسك الأستاذ خشية سقوطه وذلك لكبر سنه والثالث يحمل سجادته وترمسه وإبريقه. هكذا كنا نسير مشياً على الأقدام إلى أن نقطع الطريق من أغريدر إلى بارلا. ومتى ما كان يرانا الأستاذ دون عمل، أو قاعدين بلا شغل يقول: "هيا.. تعالوا ليقرأ أحدكم الدرس، وليذهب الآخر إلى جلب الماء، وليعد الثالث الطعام".
هكذا كان يفعل دائماً فكنا جنوداً في معسكر الجهاد ولخدمة الإيمان من خلال رسائل النور.([43])
603
__________________________
لكل عصر مجدده
في عام 1953 ذهبت لزيارة بديع الزمان في قونيا، وجلست عنده فسرّته زيارتي إليه وانشرح كثيراً لاستمراري في المدرسة الدينية وقال: "إني أعتبر هذه المدارس كالمدارس المباركة في العصور السابقة". ثم قال: "لو كان مولانا "جلال الدين الرومي" في هذا العصر لكتب رسائل النور ولو كنت أنا في ذلك العصر لكتبت "المثنوي".([44]) ذلك لأن خدمة الإيمان والقرآن في عصره كانت على ذلك النمط (أي بالمثنوي) وأما الآن فإن الخدمة على منهج رسائل النور.
ثم أفهمني بعلو شأن رسائل النور وكيف أن الخطط المرسومة ضد الإسلام من قبل الشيوعية والصهيونية قد دحضتها رسائل النور. ثم استمر بالقول: إن مجابهتهم والتصدي لهم أو حتى النقاش معهم لا يكون إلا بقراءة رسائل النور، فالرسالة الواحدة تقابل آلاف الخطط الخفية ضد الإسلام حيث إنها تخاطب جميع الطبقات ابتداءً من الأمي وانتهاء إلى الفيلسوف. فالحقائق التي فهمتموها من الأمثلة التي تسوقها رسائل النور تكفيكم. كالذي يدخل بستاناً مزدهراً بالتفاح يكفيه ما تصل إليه يده أما الذي لاتصل إليه يده فذلك من حصة طويلي القامة. فالذي لا يستوعب رسائل النور عليه ألاّ ييأس من عدم فهمها، فإنني أيضاً محتاج إلى رسائل النور مثلكم فكلما أقرأها مرة بعد مرة آخذ قسطاً من درسي وأفهم أكثر.([45])
أنا "لا شيء"
في الوقت الذي كان كتاب "تاريخ حياة الأستاذ" أثناء الطبع صمم الأخ "عبد النور" غلاف الكتاب وهو عبارة عن صورة الأستاذ يضع الحجر الأساس لجامع توغاي في إسبارطة، فذهبت إلى زيارة الأستاذ وفي يدي تصميم الغلاف. فسأل الأستاذ: ماذا بيدك؟ قلت: غلاف كتاب تاريخ الحياة يا أستاذي وقد صممه الأخ عبدالنور.
وما إن رأى الأستاذ الصورة حتى غضب غضباً شديداً وقال: "ما هذه الصورة؟ أنتم تهتمون بشخصيتي أكثر مما أستحق، فأنا أعد الاهتمام والاحترام لشخصي إهانة لي، لأنكم بذلك تتعلقون بي وليس برسائل النور -المرتبطة بالقرآن الكريم- فأنا لا أحب نفسي...
604
__________________________
إنني لا شيء، أنا عدم، فلا تنتظروا مني شيئاً من الخوارق"... وبعد ذلك مزق الصورة المرسومة على الغلاف ورماها في سلة المهملات.([46])
الباب المفتوح
في أحد الأيام، والأستاذ جالس معنا، تكلم عن كيفية أعمال طلاب النور ونوعيتها وعن خدمتهم وعددهم وكميتهم، وعقّب كلامه قائلاً: "أخي ليس هناك إنسان لا يفتح اللّٰه قلبه للإسلام، فعلى الذين يعملون في خدمة الإسلام أن يكونوا نابهين واعين، إذ الإنسان يشبه قصراً ذا مائة باب، ولا بد أن هناك باباً يدخل منه إلى ذلك القصر، ثم تفتح الأبواب كلها. بيد أن منافقي آسيا وزنادقة أوروبا منذ ألف سنة يعملون بالمكر والدسائس حتى أعموا عيون أبناء هذا الوطن وحجروا على عقولهم، فصدوا تسعةً وتسعين باباً أمام الإسلام إلا باب الفطرة فهو مفتوح دائماً. فالمؤمن بفراسته يمكنه أن يكشف الباب المفتوح، وعند الدخول من هذا الباب سوف تفتح الأبواب المسدودة الأخرى لأجل الإسلام. فإذا ما غذّي الإنسان بموازين رسائل النور الملائمة لفطرته، ولم يستعجل الأمور وأخذ بالإخلاص وتمسك به فسينشرح بإذن اللّٰه قلب الشخص المعادي للإسلام. أما إذا ما بنى الإنسان عمله على الاستعجال، ومناقشة الأمور الجانبية واتهام الشخص المقابل، فهذا يعني أنه يتوجه إلى الأبواب المسدودة فيتسبب في غلق الباب المفتوح كذلك.
إن رسائل النور تهتم بالمحاكمات العقلية، وأخذ الأمور بالمسلمات المنطقية والفطرية، ثم تأخذ بيد القارئ إلى دائرة الإسلام الفسيحة.
وعلى غرار هذا الكلام كان الأستاذ يحثنا ويشوقنا ويقينا من الشطط لنسعى مخلصين في أعمالنا ونخدم القرآن والإيمان.([47])
الطالب الأمثل في خدمة القرآن
أصيب الأخ زبير بمرض شديد ذات يوم حتى لم يطق الاشتراك في الدرس، فطلب منا أن نراعيه ونساعده. فدخلنا إلى الأستاذ -أنا والأخ صونغور- لتلقي الدرس منه،
605
__________________________
فسأل الأستاذ عن الأخ زبير: "أين هو؟" فأردنا أن نكتم مرضه عنه ونبين حجة أخرى بأنه ذهب إلى السوق! إلا أننا لم نوفق إلى إقناع الأستاذ بهذه الحجة. فغضب الأستاذ وقال: "لا لن أدرّس درساً ما لم يحضر زبير، اذهبوا إليه وايتوا به حيثما كان". وعندما جئناه بزبير غضب غضباً شديداً وقال: "كنت أظن أن زبيراً إذا قُطع رأسه -وليس إصبعه- فإن جسده يأتي مهرولاً بلا رأس يردد "رسائل النور.. رسائل النور".. لقد خيّب أملي بمرض مسّ إصبعه. إني أريد طالباً لا يهتم بشيء ولو قطعت يده كاملة وليست إصبعه. فلن تكون هذه الأمور -وأمثالها- حجة للتقاعس عن هذه الدعوة المقدسة دعوة القرآن الكريم. إن "سعيداً" لم يتراجع قط عن التضحية برأسه في سبيل دعوة الحق بل ضحى بكل ما لديه لرسائل النور. يتطلب رسائل النور طلاباً يفدونها بكل شئ في سبيل إعلاء كلمة اللّٰه.
وفي هذه الأثناء خطر إلى قلبي - ما أعجب أمركم يا أستاذي! إنكم تعاتبون الأخ زبيرا بهذا العتاب المر وهو مَن هو في التضحية والفداء... إذن لم تجد رسائل النور لحد الآن طالباً لها. فتوجه الأستاذ نحوي مباشرة وقال: "لقد وجدنا أنا ورسائل النور طالبنا المخلص".
نعم، كان الأستاذ يريد أن يرشد طلابه في شخص زبير.
وكان الأستاذ بنفسه يتابع مراحل الطبع وينشغل مع ما ألف حول رسائل النور وكان يكلف زبير بقراءة الجرائد ليقرأها له. وكان يبحث معه الموضوعات الاجتماعية، فعلاقة الأستاذ مع زبير كانت تختلف تماماً عن علاقته معنا.([48])
الكمية تخدع
كان الأستاذ يطلب منا دائماً أن نكون صادقين وصبورين ومضحين وثابتين في الخدمة القرآنية. قال لي ذات مرة: "يا ترى كم عدد الطلاب الذين يقرؤون رسائل النور في مدرستكم؟" فأجبته: "سبعون طالباً". فقال: "يا للعجب، كنت أظن أن في تلك المدرسة طالباً واحداً يقرأ رسائل النور ولكنك تقول بأنهم سبعون شخصاً!"... ومضى قائلاً: "أخي! إن الكمية دائماً تخدع الإنسان، ولكن الأهم هو النوعية، فلئن أصبحتَ وسيلة لتعريف رسائل النور إلى شخصين اثنين يبحثان بفطرتهما عن رسائل النور،
606
__________________________
وكنتَ سبباً لإنقاذ إيمانهما فقد أنجزت وظيفتك طوال حياتك الدراسية، فالإخلاص ليس في الكمية بل في النوعية، وهذه هي الخدمة القرآنية.. ثم حدثتْ أحداث لم يبق منهم فعلاً إلاّ طالب واحد..!"
بعد هذا التقيت الأستاذ في إسبارطة وقال لي: "لا تعط الرسالة لأي شخص كان إلاّ بعد معرفته معرفة جيدة، فكما لا يُعطَى الحصانُ اللحمَ فلا يُعطَى الأسدُ العشب. بل أعط الحصان العشب والأسد اللحم، فإن لم يطلب منك أحد رسائل النور عدة مرات فلا تعطها له، فنحن لسنا ببائعي كتب، بل نعطي الرسالة من يشعر بالحاجة الماسة إليها، والمتلهفَ لها".
هكذا كان الأستاذ ينبهنا دائماً على الأخذ بالحيطة والحذر في مثل هذه الأمور.([49])
الإيمان أولاً
يروي الأستاذ "علي أوزك"([50]): "عندما قدمت إلى إسطنبول من مصر وأنا مازلت طالباً في الأزهر الشريف، استفسرت عن الأستاذ النورسي، فوجدته ساكناً في منطقة "الفاتح" في بيت خشبيّ قديم، ولدى زيارتي له في غرفته رأيته متمدداً على فراشه -من المرض- سلمت عليه، فرد السلام، ولكن حينما أخبرته بأن الشيخ مصطفى صبري(*) يخصك بالسلام، جلس معتدلاً وقال بتقدير وإكبار:
- وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته.. وماذا يقول الأستاذ مصطفى صبري؟
- سيدي الأستاذ يسأل الشيخ مصطفى صبري عن عدد طلابكم!
- لي خمسمائة ألف طالب وخادم للقرآن الكريم!
- يقول الشيخ مصطفى صبري.. إذن ماذا ينتظر؟ ولماذا لا يبدأ بجهاد إسلامي مع هذا العدد من طلابه؟
- بلّغ سلامي له أولا، ثم قل له: "إن دعوتنا هي الإيمان، والجهاد يلي الإيمان، وإن زماننا هذا هو زمان خدمة الإيمان ووظيفتنا هي الإيمان وخدمتنا تنحصر في الإيمان..".
607
__________________________
ثم تكلم بإسهاب عن موضوعات إيمانية، وعن كيفية القيام بخدمة الإيمان، وعندما أردت المغادرة قام ليودعني فقبلت يده وودعته.
ولما رجعت إلى مصر، زرت الشيخ مصطفى صبري، وكان طريح الفراش، وقد أنهكه المرض وأدركته الشيخوخة، حدثته عما دار بيني وبين الأستاذ النورسي في تركيا، فاستمع لي جيداً. ثم قال: "حقاً إن الأستاذ النورسي هو المحق. نعم، إن ما قاله صدق وصواب، فقد وفقه اللّٰه في مسعاه، أما نحن، فقد أخطأنا، حيث ثبت هو في البلاد ونحن غادرناها".
وهكذا استصوب مصطفى صبري عمل بديع الزمان وقوله.
كرامة الحقائق الإيمانية
لقد بدأتُ أفهم سبب حدوث كرامات لبديع الزمان من خلال الحوادث التي مرت.
فالسبب الأول هو أن بديع الزمان كان خادماً للإسلام وفي ظروف صعبة وعصيبة جداً وتحت شروط صارمة لا تسمح لخدمة الإسلام، بل يمكن القول إنها ظروف يستحيل فيها العمل للإسلام. ولكي تستمر وتدوم هذه الخدمة فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تظهر على يده هذه الكرامات.
أما السبب الثاني فهو أنّ تعلّم الإسلام في تركيا أصبح غير ممكن أو مستحيلاً "طوال ربع قرن اعتباراً من العشرينات إلى سنة 1950". وعدم التعلم هذا يؤدي حتماً إلى انعدام الحياة المعنوية. فحقاً إن أهل الضلالة في تلك الظروف كانوا يحقرون ويستهينون بالإسلام والمسلمين. فشخصية كبديع الزمان وهو يعاني الغربة والشيخوخة والفقر إن لم تكن له كرامات فمن ذا يرتبط به ولماذا؟
لذا ترى الأشخاص الذين ارتبطوا به برباط وثيق في بداية الأمر هم في الأغلب قد جذبتهم هذه الكرامات التي ساقها اللّٰه على يده. فلذلك ترى أن قسماً من طلاب النور قد تركوا بيوتهم وأعمالهم، وأخذوا على عاتقهم حفظ الإيمان ثقة ببديع الزمان وما يقوم به من أعمال من دون أن يهتموا ماذا سيصبح مصيرهم، فذهبوا معه إلى المحاكم وإلى السجون دون أن يعلموا لماذا، وكيف، وأين؟..
608
__________________________
فإذا نظرنا إلى التاريخ الحديث فنادراً ما نرى أشخاصاً محظوظين كبديع الزمان تقتدي به جموع غفيرة وهو يتقدمهم في زمن المستحيلات. وهنا أحب أن أوضح هذه الحقيقة أيضاً فأقول:
إن الحقائق الإيمانية التي تطرحها رسائل النور من ضرب الأمثال والأدلة الثابتة تؤثر على الإنسان بدرجة الكرامات، فأنا شخصياً كنت أبحث منذ سنوات طويلة عن جواب على بعض الأسئلة التي كانت تدور في ذهني فما استطعت أن أجدها في أي مكان، وأخيراً وجدتها في رسائل النور بشكل واضح لا غبار عليه ولا ضباب. وإذا نظرنا الآن إلى تاريخ حياة بديع الزمان نرى أن حياته وأسلوب عيشه هي بحد ذاتها كرامة. فقد ترك أهله وبيته وكل ما يمت بصلة إلى نفسه ومنفعته الشخصية، وكانت المشنقة أمام عينيه دائماً فأمضى شطراً طويلاً من حياته المديدة في السجون والمَنافي لأجل قول الحق وتفهيم الحقائق الإيمانية للناس. أما أنا فإن السبب الأساس الذي دفعني إلى جانب بديع الزمان وقراءة رسائل النور هو أنني كنت أقول: "لماذا يتجول هؤلاء السكيرون والمخمورون ولاعبو القمار بكل راحة واطمئنان وحرية بينما يظل خدام الإيمان والقرآن كبديع الزمان في السجون ويقضي حياته كلها هناك؟ فإذن يتحتم عليّ أن أضع يدي بيده لأساعده بكل ما أستطيع مساعدته ومساندته".
ففي عام 1954-1955 كنت أقوم بنشر رسائل النور بل حتى تلك التي أعجز عن قراءتها([51]) فالذين كنت أعطيهم من هذه الرسائل يقولون لي: "عمّ تبحث هذه الكتب؟" فأقول لهم: "أنتم معلمون وعلماء فيمكنكم قراءتها والوقوف عليها، أما أنا فلا أستطيع القراءة. ولكني سأحاول التعلم، فبديع الزمان خادم الإسلام في السجن الآن ونحن نقوم بمؤازرته. فاقرؤوا أنتم واشرحوها لنا". وقد كانوا بدورهم يشرحون لي ما كتبه الأستاذ، وأنا يغمرني الفرح والسرور.([52])
609
__________________________
قبلت الهدية ولكن..
ذهبت إلى زيارة الأستاذ سنة 1953. وسألني عن الشيخ طاهر (وهو من مدينة بتليس) فأجبته أنه قد ارتحل إلى الآخرة. فقام الأستاذ من فراشه وأصلح من هندامه واستعد للدعاء. وقال: "اللّهم أسعده برحمتك، إنه كان يجمع مؤلفاتي عندما كان الناس ينفرون منها. إنه حافظ عليها بإخلاص". ثم التفت إليّ وقال: "أرجو أن تكتب إلى أهله برقية عزاء باسمي حالما تصل إلى هناك، وتبين فيها مشاركتي لأحزانهم".
وفي زيارة أخرى، عندما كان الأستاذ في فندق "آق شهر" أخذت معي زوجاً من الجوارب من صنع مدينة "بتليس" هدية للأستاذ. فقلت له: "أستاذي! أرجو أن تقبلها مني هدية متواضعة، فهي من مدينة "بتليس"! فأخذها بيده، ثم قال: لقد قبلت هديتك وأخذتها، ولكن ألبسها أنت بدلاً عني.([53])
* * *
610
__________________________
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ
يَا اَللّه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ،
يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعظم وبحرمة القرآن المعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم ﷺ، أدخل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب «الملاحق».. آمين. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين. واعف عن ذنوب هذا العبد العاجز الضعيف سعيد.. آمين
باسم جميع طلاب النور
سعيد النورسي
* * *
611
__________________________
----------------------------
[1]() لقد جمع الباحث الدؤوب "نجم الدين شاهين أر" مشاهداتِ معظم الذين عاصروا الأستاذ النورسي وسجّل ذكرياتهم عنه في أربعة مجلدات موسومة بـ Son Şahitler وترجم أبني البار "أسيد" مقتطفات منها ونشرت تحت أسم "ذكريات عن سعيد النورسي" وقد انتقيت نماذج من تلك الذكريات بما يناسب المقام.
[2]() ذكريات عن سعيد النورسي ص58.
[3]() ذكريات عن سعيد النورسي ص10.
[4]() ذكريات عن سعيد النورسي ص60.
[5]() ذكريات عن سعيد النورسي ص62.
[6]() البخاري، ليلة القدر 2؛ مسلم، صيام 5؛ أبو داود، رمضان 5؛ الترمذي، صوم 71.
[7]() ذكريات عن سيعد النورسي ص61.
[8]() ذكريات عن سعيد النورسي ص36.
[9]() المقصود الآية الكريمة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
[10]() هذا الدعاء موجود في أغلب كتب الأدعية، ويستهل الدعاء بـ"إلهي أنت ربي وأنا العبد، وأنت الخالق وأنا المخلوق..". انظر الكلمات، الكلمة الثانية والثلاثون، مناجاة؛ وقد شرحه الأستاذ في المكتوبات، المكتوب العشرين، المقام الثاني.
[11]() ذكريات عن سعيد النورسي ص10.
[12]() ذكريات عن سعيد النورسي ص11.
[13]() ذكريات عن سعيد النورسي ص11.
[14]() المقصود غذاء أساسيا لهم..
[15]() ذكريات عن سعيد النورسي ص14. ويذكر الأستاذ أن أربعة من القطط جاءته ضيوفاً عليه..الخ في المكتوب الحادي والعشرين من المكتوبات؛ وأورد خاطرة له حول ذكر القطط: يارحيم.. يارحيم. وذلك في الكلمة الرابعة والعشرين من الكلمات.
[16]() ذكريات عن سعيد النورسي ص15. (ش) 248-249. من ملا حميد، والمقصود بالحالات المرْضية الثلاث لدى سعيد القديم: تجنبه النظرة الحرام، والكذبَ، وقبول شيء من الناس.
[17]() ذكريات عن سعيد النورسي ص18.
[18]() ذكريات عن سعيد النورسي ص27.
[19]() ذكريات عن سعيد النورسي ص34.
[20]() ذكريات عن سعيد النورسي ص40.
[21]() ذكريات عن سعيد النورسي ص44.
[22]() ذكريات عن سعيد النورسي ص56.
[23]() ذكريات عن سعيد النورسي ص63.
[24]() ذكريات عن سعيد النورسي ص64.
[25]() ذكريات عن سعيد النورسي ص65.
[26]() ذكريات عن سعيد النورسي ص66.
[27]() ذكريات عن سعيد النورسي ص68.
[28]() ذكريات عن سعيد النورسي ص69.
[29]() ذكريات عن سعيد النورسي ص69.
[30]() وهذا الأدب الجميل قد توارثه العلماء من تقليبهم صفحات المصحف الشريف وكتب التفاسير والحديث النبوي الشريف.
[31]() ذكريات عن سعيد النورسي ص70.
[32]() رسالة صغيرة باللغة العربية في التوحيد، تفجر التفكير الرفيع بأنوار التوحيد التي تغمر الموجودات، وتعرض الموجودات دلائل ناطقة للتوحيد ابتداء من السموات إلى الذرات ضمن تسلسل تفكيري توحيدي عميق، فتكسب القلب الاطمئنان وتوسع مدارك الفكر وآفاق الخيال، وتعد هذه الرسالة نواة رسالة "الآية الكبرى". نشرت ضمن كتاب "التفكر الإيماني الرفيع".
[33]() ذكريات عن سعيد النورسي ص73.
[34]() ذكريات عن سعيد النورسي ص74. يذكر الأستاذ في «الكلمات، الكلمة الثانية والعشرون الآتي: لقد أحصيتُ ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق -بغلظ إصبعين- تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال في بستان كرمه. فكانت مائة وخمسة وخمسين عنقوداً. وأحصيتُ حبّات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين حبة. فتأملت وقلت: لو كانت هذه الساق الهزيلة خزانة ماء معسّل، وكانت تعطي ماءً باستمرار لما كانت تكفي أمام لفح الحرارة ما ترضعه لمئاتِ الحبات المملوءة من شراب سكر الرحمة. والحال أنها قد لا تنال إلاّ رطوبة ضئيلة جداً، فيلزم أن يكون القائم بهذا العمل قادراً على كل شيء. فـ«سبحان من تَحيَّرُ في صنعه العقول». ويذكر في الكلمة التاسعة والعشرون منها إحصاءه لعدد أغصان شجرة اللوز وعدد فروعها بل حتى عدد ما في أزاهيرها من خيوط.
[35]() ذكريات عن سعيد النورسي ص74.
[36]() هذه أسماء الأدعية التي يتضمنها كتاب "حزب أنوار الحقائق النورية"؛ منها أدعية مأثورة عن الرسول r، ومنها عن الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم، ومنها بعض أدعية الأولياء الصالحين من السلف أو بعض فقرات أدعية الأستاذ النورسي نفسه.
[37]() ذكريات عن سعيد النورسي ص75.
[38]() ذكريات عن سعيد النورسي ص77.
[39]() ذكريات عن سعيد النورسي ص79.
[40]() ذكريات عن سعيد النورسي ص80.
[41]() حيث إن رسائل النور تفسير القرآن الكريم لهذا العصر.
[42]() ذكريات عن سعيد النورسي ص80.
[43]() ذكريات عن سعيد النورسي ص83.
[44]() الذي كتبه جلال الدين الرومي بالفارسية
[45]() ذكريات عن سعيد النورسي ص87.
[46]() ذكريات عن سعيد النورسي ص87.
[47]() ذكريات عن سعيد النورسي ص92.
[48]() ذكريات عن سعيد النورسي ص93.
[49]() ذكريات عن سعيد النورسي ص94.
[50]() ذكريات عن سعيد النورسي ص95. وهو أستاذ اللغة العربية وعميد المعهد الإسلامي العالي في إسطنبول، له مؤلفات قيمة في اختصاصه.
[51]() حيث إنها بالحروف العربية.
[52]() ذكريات عن سعيد النورسي ص96، من إسماعيل حكيم أوغلو - كاتب روائي إسلامي له مؤلفات كثيرة.
[53]() ذكريات عن سعيد النورسي ص99.
