ان أحد أنواع معجزات الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم هو امتثال الأشجار لأوامره كامتثال البشر، وانخلاعها من اماكنها ومجيئها اليه. فهذه المعجزة المتعلقة بالاشجار هي متواترةٌ من حيث المعنى كفوران الماء من اصابعه المباركة ولها صور متعددة وقد رُويت بطرق كثيرة.
نعم! يصح ان يقال ان خبر انخلاع الشجرة من موضعها ومجيئها ممتثلة لأمر الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم متواتر تواتراً صريحاً(1)، حيث قد رويت هذه الرواية من قبل صحابة كرام صادقين معروفين، امثال: علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ويعلى بن مرة وجابر وانس بن مالك، وبُريدة واسامة بن زيد وغيلان بن سلمة، وغيرهم فأخبر كلٌ منهم عن هذه المعجزة المتعلقة بالاشجار إخباراً ثابتاً قاطعاً. ونقلها عنهم مئات من ائمة التابعين بطرق مختلفة، في بداية كل طريق صحابي جليل، اي كأنها نقلت الينا نقلاً متواتراً مضاعفاً؛ لذا فلا يداخل هذه المعجزة ريبٌ ولا شبهة قط، فهي في حكم المتواتر المعنوي المقطوع به.
فهذه المعجزة وإن تكررت مرات عدة، الاّ اننا سنبين عدداً من صورها الصحيحة الكثيرة، ونوردها في بضعة امثلة:
المثال الاول:
- روى ابن ماجة والدارمي والبيهقي عن انس بن مالك وعلي، وروى البزار والبيهقي عن عمر، ان ثلاثة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين قالوا: كان الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم قد حزن حزناً شديداً من تكذيب الكفار له (قال: اللّهم! أرني آية لا أبالي من كذّبني بعدها). وفي رواية أنس (ان جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم ورآه حزيناً: أتحب ان أريك آية. قال: نعم! فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى شجرةٍ من وراء الوادي، فقال: أدعُ تلك الشجرة، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: مُرها فلترجع، فعادت الى مكانها)(2).
المثال الثاني:
- روى القاضي عياض ـ علاّمة المغرب ـ في كتابه (الشفاء) بسند عال صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:
(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فدنا منه اعرابي، فقال: يا اعرابي: اين تريد؟ قال: الى اهلي. قال: هل لك الى خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد ان لا إله الاّ الله وحده لا شريك له وان محمداً عبدهُ ورسوله. قال: مَن يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرةُ السَّمُرة(3)، وهي بشاطيء الوادي، فاقبلت تخدّ الارض، حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فَشهِدت أنه كما قال. ثم رجعت الى مكانها)(4).
وعن بُريْدَة عن طريق ابن صاحب الاسلمي بنقل صحيح: (سأل اعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية، فقال له: قل لتلك الشجرة، رسول الله يدعوك. قال:
فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقُها، ثم جاءت تَخدّ الارض تَجرُّ عروقها(5) مُغيّرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: السلام عليك يا رسول الله قال الاعرابي: مُرها فلترجع الى منبتها، فَرَجَعَت فدلّت عروقها فاستوت. فقال الاعرابي: ائذن لي أسجُد لك. قال: لو امرتُ احداً أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها، قال: فأذنْ لي أن أقبِّلَ يديك ورجليك، فأذن له)(6).
المثال الثالث:
- روى مسلم واصحاب الكتب الصحاح الاخرى عن جابر رضي الله عنه: أنه قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (ذهب رسول الله يقضي حاجته، فلم يَرَ شيئاً يستتر به، فاذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الى احداهما، فأخذ بغصنٍ من اغصانها، فقال: انقادي عليّ بأذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، وذكر انه فعل بالاخرى مثل ذلك حتى اذا كان بالمنصف(7) بينهما، قال: التئما عليّ باذن الله. فالتأمتا)(8) فجلس خلفها، وبعد ان قضى حاجته، أمر أن يعود كل منهما الى مكانها.
- (وفي رواية أخرى، فقال: يا جابر! قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله إلحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما. فزحفت حتى لحقت بصاحبتها. فجلس خلفهما، فخرجتُ أحضر، وجلستُ احدّث نفسي، فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، والشجرتان قد أفترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفةً فقال برأسه هكذا يميناً وشمالاً)(9).
المثال الرابع:
- روى اسامة بن زيد ـ احد قواد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه الايمن ـ : كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن لقضاء الحاجة مكان خالٍ يستر عن أعين الناس، فقال: (هل ترى من نخلٍ أو حجارة؟ قلت: أرى نخلات متقاربات، قال: انطلق وقل لهُن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج(10) رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك. فقلت ذلك لهن، فوالذي بعثُه بالحق لقد رأيتُ النخلات يتقاربن حتى اجتمعن والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاماً خلفهن، فلما قضى حاجته، قال لي: قل لهن يفترقن، فوالذي نفسي بيده لرأيتهن والحجارةُ يفترقن حتى عُدن الى مواضعهن)(11).
وقد روى هاتين الحادثتين اللتين رواهما جابر واسامة كل من يعلى بن مرة، وغيلان بن سلمة الثقفي، وابن مسعود في غزوة حنين.
المثال الخامس:
- ذكر علامة عصره الامام ابن فورك ـ الذي كان يسمى بالشافعي الثاني كناية عن اجتهاده الكامل وفضله ـ:(انه صلى الله عليه وسلم سار في غزوة الطائف ليلاً وهو وَسِنٌ، فاعتَرضهُ سدرةٌ(12)، فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين الى وقتنا)(13).
المثال السادس:
- ذكر يعلى بن سيابه(14):(أن طلحة أو سَمُرة جاءت فاطافت به ثم رجعت الى منبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:انها استأذنت ان تسلّم عليّ). اي استأذنت من رب العالمين.
المثال السابع:
- روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: (آذنَت(15) النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا له شجرةٌ) وذلك حينما جاء جن نصيبين في بطن النخل الى النبي صلى الله عليه وسلم للاسلام، فأعلَمَت شجرةٌ خبر مجيئهم النبي.
(وعن مجاهد عن ابن مسعود في هذا الحديث: ان الجن قالوا مَن يَشهَدُ لك؟ قال: هذه الشجرة) فأمر الشجرَة (تعالى يا شجرة! فجاءت تجرُّ عروقَها لها قعاقع)(16).
وهكذا، فقد كفت معجزة واحدة طائفة الجن. أفلا يكون مَن يسمع الف معجزة ومعجزة من امثالها ثم يكابر ولا يؤمن اضلَّ من ذلك الشيطان الذي حدّث القرآن عنه بقول الجن: ﴿يقولُ سَفيهُنا على الله شططاً﴾)(الجن: 4) ؟
المثال الثامن:
- روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه (انه صلى الله عليه وسلم قال لاعرابي: أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق من هذه النخلة أتشهد اني رسول الله؟ قال: نعم! فدعاه فجعل ينقز حتى أتاه. فقال: ارجع، فعاد الى مكانه)(17).
وهكذا، فهناك امثلة غزيرة كالتي ذكرناها روُيت كلها بطرق عديدة، ومن المعلوم انه اذا اتحدت بضعة خيوط رفيعة صارت حبلاً قوياً.. فمثل هذه المعجزة المتعلقة بالشجرة وقد رويت بطرق متعددة، وعن مشاهير الصحابة الكرام لابد انها في قوة التواتر المعنوي، بل انها متواترة تواتراً حقيقياً. ولا ريب أنها حينما انتقلت الى التابعين اخذت طابع التواتر، لا سيما الطرق التي سلكها اصحاب الصحاح كالبخاري ومسلم وابن حبان والترمذي وغيرهم، انما هي طريق صحيحة لا شائبة فيها. بل أن رؤية اي حديث كان في البخاري انما هو كاستماعه من الصحابة الكرام بعينهم.
تُرى اذا عَرفت الاشجار رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرَّفَته وصدَّقَتْ رسالته وسلّمت عليه، وزارته، وامتثلت أمره ـ كما رأينا في الامثلة المذكورة آنفاً ـ فكيف لا يَعرف ولا يؤمن به ذلك البليد الجماد الذي يسمي نفسَه إنساناً؟ أليس هو عارٍ عن العقل والقلب؟ أفلا يكون أدنى من الشجر اليابس وأتفه من الحطب الذي لا يستحق الاّ إلقاءه في النار؟.(*)
___________________________________
(1) انظر النظم المتناثر من الحديث المتواتر ص 137.
(2) حسـن : الشفا (1/ 302) اورده الهـيثمي في المجـمــع (9/ 10) وقـال: رواه البزار وابو يعـلى واسـناد ابي يعلى حسن. وفي كنزالعمال (2/ 354) زاد نسبته الى البيهقي في الدلائل وحسن اسناده.
(3) (السَمُرة): شجرة عظيمة ذات شوكة من الطلح ــ( تخد)ّ: تشق. - (مغيّرة): مسرعة.
(4) صحيح: الشفا (1/ 298). وفي مجمع الزوائد (8/ 292) قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابو يعلى والبزار. واورده ابن كثير في البداية (6/ 125) وعزاه للحاكم . وقال الحافظ: وهذا اسناد جيد ولم يخرجوه ولا رواه أحمد. وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب (4/ 16 رقم 3836) قال المحقق: قال البوصيري: رواه ابو يعلى بسند صحيح والبزار والطبراني وابن حبان في صحيحه. وعزاه في المشكاة (5925) الى الدارمي في سننه، وصححه المحقق.
(5) (دلت عروقها): ادخلتها الارض. (المخشوش): البعير يجعل في انفه عود عليه حبل لينقاد.
(6) الشفا (1/299). اورده الهيثمي في المجمع (9/10) وليس فيه ذكر السجود، وقال: رواه البزار وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف. وقال الخفاجي: رواه البزار مسنداً (3/49).
(7) (المنصف): نصف الطريق. (أحضر): اسرع في العدو.
(8) جزء من حديث طويل رواه مسلم (3006 - 3014) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة ابي اليسر.
(9) الشفا (1/ 299) من غير طريق مسلم (الخفاجي 3/ 51).
(10) (مخرج): مكان خرج اليه لقضاء حاجته فيه - (ركاماً): بعضها فوق بعض. (الوسن): قريب من النعاس.
(11) حسن: الشفا (1/ 300)، وذكره الحافظ في المطالب (4/ 8 - 10 رقم 3830) قال الحافظ (لأبي يعلى) : اسناده حسن وفيه ضعف ولكن له شاهد من طريق يعلى عند أحمد، قال المحقق: في المسندة (هذا اسناده حسن، معاوية بن يحيى الصدفي ضعيف، ولكن لحديثه شاهد من طريق يعلى بن مرة، اخرجه احمد وغيره) وقال البوصيري: رواه ابو يعلى باسناد حسن وتقدم وله شواهد في الباب.
قلت: وحديث يعلى بن مرة اورده الهيثمي في المجمع (9/ 5ــ 6) وقال: رواه احمد باسنادين والطبراني بنحوه واحد اسنادي احمد رجاله رجال الصحيح.
(12) (سدرة): من اسماء الاشجار.
(13) الشفا (1/ 301) الخفاجي (3/ 57).
(14) صحيح: الشفا (1/ 301). في حديث صحيح رواه احمد والبيهقي والطبراني (الخفاجي 3/ 53). واورده الهيثمي في المجمع (9/6 ــ7) وقال: رواه الطبراني بنحوه الاّ انه قال: ثم أتى على قبرين، واسناده حسن.
(15) (آذنت): اَعْلَمَتْ. (قعاقع): صوت السلاح. (العذق): العرجون من النخلة. (ينقز): يثبّ صعداً.
(16) رواه البخاري في فضائل اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب ذكر الجن ومسلم (450).
(17) صحيح: رواه الترمذي (3632 تحقيق أحمد شاكر) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي تحفة الاحوذي (3707): هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي تصحيح الترمذي نظر، فالحديث في سنده شريك القاضي وفيه كلام، ولـكـن للحـديـث شواهد يـتـقـوى بها وردت بعدة سـياقات وبالـفاظ مختلفة، ففي المجــمع (9/ 10): رواه ابو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير ابراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة. ورواه ايضاً ابو نعيم في الدلائل بنحو ما في المجمع والحديث بغير سياق عند أحمد، وصححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه المسند (3/ 293).
(*)الاشارة التاسعة – المكتوب التاسع عشر ص (166)
2-)
معجزاته صلى الله عليه وسلم في اخباره عن المستقبل
يذكر في التاريخ رجال ادّعوا معرفة الغيب والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، والقليل منهم استطاع أن يصيب في بعض ما قاله دون مراعاةٍ للدقة في التفاصيل، أما أن يوجد في البشرية من يُخبر بعشرات من الأمور المستقبلية بأوصافٍ شاملة ودقّة مذهلة، بحيث يشهد الواقع على صحّة كل ما تنبّأ به دونما أخطاء، فذلك أمرٌ لا سبيل إلى معرفته أو الوصول إليه إلا بوحي من الله عزّ وجل، وهو ما جعل إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم – عن الأحداث والوقائع التي كانت في حياته وبعد مماته وجهاً من وجوه الإعجاز .
فقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن كثيرٍ من الغيوب التي أطلعه الله عليها نذكر منها :
ثبت انه صلى الله عليه وسلم أخبر فاطمة: أنها (أول أهله لحوقاً به)(1).. أي أول من يموت بعده صلى الله عليه وسلم فيتبعه من أهل البيت. وبعد ستة أشهر وقع ما قال.
وثبت أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم : (اخبر أبا ذر رضي الله عنه بتطريده) أي من المدينة المنورة (وبعيشه وحده وبموته وحده)(2) ، وبعد عشرين سنة وقع الأمر كما أخبر.
وأيضاً انه صلى الله عليه وسلم استيقظ من النوم في بيت أم حرام (خالة أنس بن مالك فتبسم قائلاً: (ناسٌ من امتي عرضوا عليّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثَبجَ هذا البحر (3) ملوكاً على الأسرَّة، فقالت: ادع يا رسول الله ان اكون معهم، فدعا لها) (4). وبعد أربعين سنة اصطحبت زوجها عُبادة بن الصامت لفتح قبرص وتوفيت هناك. وقبرها الآن هناك معروف يزار.
وثبث انه صلى الله عليه وسلم قال: (ان في ثقيف كذّاباً ومُبيراً) (5) فاخبر عن المختار المشهور الذي إدّعى النبوة، وسفاك الدماء الحجاج الظالم الذي قتل مائة ألف نفس (6).
وثبت ايضاً انه قال: ( لتُفْتَحَنَّ القسطنطينية، فَلَنِعْمَ الأميرُ أميرها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش)(7) فأفاد بهذا انه ستَفتح مدينة استانبول بيد المسلمين، وسيكون لمحمد الفاتح مرتبة عالية: (نِعمَ الأمير). وظهر الأمر كما قال.
و ثبت كذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ان الدِّين لو كان منوطاً بالثريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارس)(8) مشيراً الى الذين أنجبتهم بلاد فارس من العلماء والأولياء أمثال الأمام ابي حنيفة النعمان.
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (عالمُ قريش يَملأ طباق الأرض علماً)(9) ، مشيراً بذلك الى الامام الشافعي.
وأخبر صلى الله عليه وسلم: (أن الأمة ستفترق الى ثلاث وسبعين فرقة وان الناجية منها أهل السنة والجماعة)(10).
وقال صلى الله عليه وسلم : (القَدَرية مجوس هذه الأمة)(11) ، مشيراً بذلك الى طائفة القدرية المنكرين للقَدر، والتي هي منقسمة الى شعب وفرق كثيرة.
وكذا أخبر عن فرق كثيرة، اذ ثبت انه قال لعلي ما معناه: ان مثلك مثل عيسى عليه السلام، ستكون سبباً في هلاك فئتين من الناس:
احداهما من فرط المحبة والاخرى من فرط العداوة(12). حيث افرط النصارى في حب عيسى عليه السلام حتى تجاوزوا الحد المشروع فيهلكون وقالوا: انه ابن الله ــ حاش لله ـ واليهود أيضاً أفرطوا في العداوة له فانكروا نبوته ومنزلته الرفيعة. وكذلك سيفرط فريق من الناس في الحب لك ويتعدّون الحدّ المشروع فيهلكون، اذ قال صلى الله عليه وسلم في حقهم: (لهم نبزٌ يُقال لهم الرافضة)(13) ، وفريق آخر سيفرطون في العداء لك وهم (الخوارج وقسم من المغالين في موالاة الأمويين وهم (الناصبة ).
فان قيل:
ان القرآن الكريم يأمر بحب آل البيت، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فلربما يشكّل هذا الحب عذراً، حيث ان أهل الحب أهل انتشاء وسكر ـ أي ذاهلون ـ فَلِمَ لا تَنتفع الشّيعة ولا سيما الرّافضة من هذا الحب ولا ينقذهم من العذاب، بل نرى العكس من ذلك فانهم يدانون من فرط الحب كما أشار اليه الحديث الشريف؟!.
الجواب: ان الحب قسمان
أحدهما: حب (بالمعنى الحرفي) وهو حب عليّ والحسن والحسين وآل البيت محبة لله وللرسول وفي سبيلهما. فهذا الحب يزيد حب الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون وسيلة لحب الله عز وجل فهذا الحب مشروع، لا يضر افراطُه، لانه لا يتجاوز الحدود ولا يستدعي ذم الغير وعداوته.
وثانيهما: حب (بالمعنى الاسمي) وهو حبهم حباً ذاتياً، ولأجلهم، اي حب عليّ من أجل شجاعته وكماله، وحب الحسن والحسين من أجل فضائلهما ومزاياهما الكاملة فحسب، من غير تذكّر للنبي صلى الله عليه وسلم ، حتى ان منهم من يحبهم ولو لم يعرف الله ورسوله. فهذا الحب لا يكون وسيلةً لحب الله ورسوله. واذا ما كان في هذا الحب افراط فانه سيفضي الى ذم الغير وعداوته.
وهكذا أفرط منهم ـ كما ذكر في الحديث الشريف ـ في الحب لعليّ وتبرأوا من أبي بكر وعمر، فوقعوا في خسارة عظيمة. فكان هذا الحب السلبي ـ غير الايجابي ـ سبباً لخسارتهم .
ونقل نقلاً صحيحاً انه صلى الله عليه وسلم حذّر الأمة من أنهم (اذا مشوا المُطَيطاء(14) وخَدَمَتْهم بناتُ فارس والروم ردَّ الله بأسَهُم بينهم وسلّط شِرارَهم على خِيارِهم)(15). وبعد ثلاثين سنة وقع الأمر كما قال.
وثبت كذلك انه صلى الله عليه وسلم أعلَمَ أصحابه: (بفتح خيبر على يَدي عليّ)(16).
وفي غد يومه وقعت المعجزة النبوية ـ فوق ما كان يُتوقع ـ فأخذ عليّ باب القلعة بيده وجعله ترساً. ولما تم أمر الفتح رماه في الأرض، وكان الباب عظيماً، حتى انه لم يستطع ثمانية رجال ـ وفي رواية اربعون رجلاً ـ رفعه من الارض(17).
وقال صلى الله عليه وسلم : (لا تقومُ الساعةُ حتى تَقتَتِلَ فئتان عظيمتان دعواهُما واحدة)(18) فأخبر عن الحرب التي وقعت في صفين بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما.
ومما أخبر به صلى الله عليه وسلم : (ان عماراً تَقتُلُه الفئةُ الباغية)(19) ، وبعد ذلك قُتل في حرب صفين. فاحتج علي به من ان الموالين لمعاوية هم الفئة الباغية، ولكن معاوية أوّل الحديث. وقال عمرو بن العاص: البغاة هم قاتلوه فقط، ولسنا جميعاً بغاة.
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (ان الفتنَ لا تَظهر ما دام عمر حياً)(20). فكان الأمر كما أخبر.
(ولما اُسِرَ سُهيل بن عمرو ـ قبل اسلامه ـ يوم بدر قال عمر: يا رسول الله انه رجل مفوّه فَدَعني انتزع ثنيتيه السفليتين، فلا يقوم خطيباً عليك بعد اليوم)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وعسى ان يقومَ مقاماً يَسرُّك يا عمر)(21). فكان كذلك اذ حينما وقعت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، تلك الحادثة العظمى التي كلَّ الصبرُ فيها، قام أبو بكر الصديق رضى الله عنه مُعزّياً المسلمين في المدينة المنورة ومثبّتاً قلوبَ الصحابة فخطب فيهم خطبة بليغة. وقام سهيل أيضاً في مكة المكرمة يحذو حذو أبي بكر، فالقى خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، حتى ان كلمات الخطبتين تواردت على معنى واحد، الى حدٍ ما.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لسُراقة: (كيف بك اذا اُلبستَ سوارَيْ كسرى)(22) وفي عهد عمر رضي الله عنه سقطت دولة كسرى وجاءت زينة كسرى وحليه فألبسها عمرُ سراقةَ وقال: (الحمد) الذي سَلَبهما كِسرى والْبَسهما سُراقةَ(23) وصدّق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : (اذا هَلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه(24)) فكان الأمر كما أخبر.
وأخبر صلى الله عليه وسلم رسولَ كسرى: (ان الله سلّط على كسرى ابنَه شهَرَوَيه فقَتَله في وقت كذا..)(25) فلما حقق ذلك الرسول وقتَ مقتل كسرى، ايقنَ ان قتلَه كان في نفس الوقت الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم فأسلم بسبب ذلك.
واسمُ ذلك الرسول (فيروز) كما ورد في بعض الروايات
وأخبر عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسله سراً الى كفار قريش. فأرسل صلى الله عليه وسلم علياً والمقداد رضي الله عنهما بأن في الموضع الفلاني جارية معها رسالة. فأتوني بها، فذهبا واتيا بالرسالة في المكان الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستدعى حاطباً وقال له: ما الذي حَمَلك على هذا؟ فابدى عذره فقَبِل منه(26). وهذه رواية صحيحة ثابتة.
وثبت أيضاً انه صلى الله عليه وسلم قال في عتبة ابن أبي لهب: (يأكله كلبُ الله)(27) فأخبر عن عاقبته المفجعة، وبعد مدة من الزمن ذهب عتبة متوجهاً نحو اليمن فجاءه سبع وأكله. فصدّق دعاءه عليه.
ونقل نقلاً صحيحاً: (ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمر بلالاً رضي الله عنه بأن يعلو ظهر الكعبة ويؤذن عليها. وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام وهم رؤساء قريش جلوس في فناء الكعبة. فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيداً اذ لم ير هذا اليوم. وقال الحارث: أما وَجَد محمدٌ مؤذناً غير هذا الغراب الأسود!
فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، ولو تكلمتُ لأخْبَرَتْه هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد علمتُ الذي قلتُم وذكرَ مقالتهم.
فقال الحارث وعتاب: نشهدُ انكَ رسولُ الله، ما اطّلع على هذا أحدٌ كان معنا فنقول به)( 28).
فيامن لا يؤمن بهذا النبي الكريم ويا أيها الملحد!
تأمل في هذين العنيدين من رؤساء قريش كيف رأيا نفسيهما مضطرَّين الى الايمان، بما سَمِعاه من أخبارٍ غيبي واحد. فما أفسد قلبك وانتَ تسمع ألوفَ المعجزات من امثالها وكلها ثابتة بطرق التواتر المعنوي ومع ذلك لا يطمئن قلبُك... فلنرجع الى الصدد.
وثبت أيضاً انه صلى الله عليه وسلم (أخبر بالمال الذي تركه عمُّه العباس رضي الله عنه عند أم الفضل (زوجه) بعد أن كتمه)(29) (فلما أسر ببدر وطُلبَ منه الفداء فقال: لا مال لي). فقال له صلى الله عليه وسلم: ما صنع المال الذي وضعتَه عند أم الفضل. فقال: (ما عَلِمَه غيري وغيرُها. فأسلَمَ)(30).
وثبت أيضاً: ان الساحر الخبيث لبيد اليهودي عمل سحراً ليؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فشدّ الشعر على مشط، ودسّه في بئر، فأمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم علياً والصحابة؛ أن يذهبوا الى البئر الفلانية ويأتوا بأدوات السحر، فذهبوا وأتوا بها، وكان كلما انحلَّت منه عقدةٌ وَجَد الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من الخفة(31).
وثبت أيضاً، ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قال لجماعة فيها أبو هريرة وحذيفة: (ضرسُ احدكم في النار مثلُ اُحد)(32)، فأخبر عن ردّة واحدة من تلك الجماعة وبيّن عاقبته الوخيمة. قال أبو هريرة: (فذهب القوم ــ يعني ماتوا ــ وبقيتُ أنا ورجل، فقُتِل مرتداً يومَ اليَمامة)(33). وظهرت حقيقة خبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وثبت أيضاً (بقضية عُمَير مع صفوان حين سارَّه وشارَطَه على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ) مقابل مبلغٍ عظيمٍ من المال (فلما جاء عُمير النبي صلى الله عليه وسلم قاصداً لقتله، وأطْلَعَه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر والسر ــ ووضع يده على صدره ــ أسلم)(34).
هذا وقد وقع كثيرٌ من أمثال هذه الأنباءات الغيبية الصادقة، وذكرتها كتب الصحاح الستة المعروفة مع أسانيدها. واغلب ما ذكر في هذه الرسالة من الحوادث انما هو في حكم المتواتر المعنوي، وهي قطعية الثبوت ويقينية، وقد نقلها البخاري ومسلم في صحيحَيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، على ما هو عليه أهل العلم والتحقيق، علماً أنها بُيّنَت في كتب السنن الصحيحة الأخرى كالترمذي والنسائي وابي داود ومستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل ودلائل البيهقي مع اسانيدها.
فيا أيها الملحد الغافل! لا تلق الكلام جزافاً فتقول:
ان محمداً صلى الله عليه وسلم رجل عاقل ذكي! ثم تَدع الامر هكذا وتنصرف، فهذه الاخبار الصادقة التي تمس الامور الغيبية لا تخلو من أمرين اثنين؛ اما انك تقول: ان هذا الرجل له نظرٌ ثاقب وعبقرية واسعة جداً، أي له عينٌ بصيرة ترى الماضي والمستقبل معاً والعالم أجمع، فيعلم بها كل شيء وكل حادث، فاقطار الارض والعالم كله شرقاً وغرباً تحت نظر شهوده، وله من الدهاء العظيم ما يمكنه ان يكشف جميع أمور الماضي والمستقبل.! فهذه الحالة لا يمكن كما ترى ان تكون في بشر قط. واذا ما وقعت في اي فردٍ فهو اذاً خارق للعادة وله موهبة رفيعة منحها له ربُّ العالمين.. وهذا الامر بحد ذاته معجزة عظمى.. أو ينبغي لك أن تؤمن بأن ذلك الشخص الكريم مأمور وتلميذ يتلقى الارشاد والتعليمات ممن يرى كل شئ، وله القدرة بالتصرف في كل شئ في الكون كله والازمان جميعاً، فكل شيء مكتوب في لوحه المحفوظ، يعلّم منه تلميذه ما شاء متى شاء. فثبت اذاً ان محمداً صلى الله عليه وسلم يتلقى الدرسَ من معلمه الأزلي سبحانه ويبلّغه كذلك.
وثبت ايضاً انه صلى الله عليه وسلم حينما بعث خالداً بن الوليد ليحارب اكيدر ـ رئيس دومة الجندل(35) ـ قال له: (انك سَتَجده يَصيد البَقَر)(36) ـ اي البقر الوحشي ـ وأخبره بأنه سيأتي به أسيراً من غير مقاومة منه. وذهب خالد ورآه كما وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فأخذه أسيراً وأتى به.
وثبت أيضاً انه صلى الله عليه وسلم أعلم (قريشاً بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحمهم، وانها أبْقَت فيها كل اسمٍ لله، فوجدوها كما قال)(37)، وهي معلقة على الكعبة.
وثبت أيضاً انه صلى الله عليه وسلم أخبر عن ظهور الطاعون عند فتح بيت المقدس. ففي عهد عمر انتشر وباء الطاعون انتشاراً فظيعاً بحيث ان عدد الذين توفوا نتيجة الأمراض سبعون الف شخص خلال ثلاثة أيام(38).
وثبت أيضا انه صلى الله عليه وسلم أخبر عن وجود البصرة(39) وبغداد(40) قبل ان تعمُرا، وأخبر عن جبي خزائن الارض الى مدينة بغداد.
وأخبرهم صلى الله عليه وسلم عن (قتالهم الترك)(41) والأمم التي حول بحر الخزر ثم بعد ذلك يدخل اكثر هؤلاء الامم في دين الاسلام، وسيحكمون العرب بينهم حيث قال: (يوشَكُ ان يَكثُر فيكم العَجَم يأكلون فيئَكُم ويضربون رِقَابكم)(42).
وقال صلى الله عليه وسلم : (هلاكُ أمتي على يدي اُغيلمةٍ من قريش)(43) فأخبر عن يزيد والوليد وأمثالهم من الرؤساء الأشرار في الأمويين.
وأخبر صلى الله عليه وسلم عن وقوع ردّة في بعض الاماكن كاليمامة(44).
وقال في غزوة الخندق: (ان قريشاً والأحزاب لا يغزونني أبداً وانا أغزوهم)(45) وكان الأمر كما أخبر.
وثبت كذلك انه صلى الله عليه وسلم أخبر قبل وفاته بشهرين: (بأن عبداً خُيِّرَ فاختار ما عند الله)(46).
وقال في حق زيد بن صوحان: (يَسبقُهُ عضوٌ الى الجنة، فقُطعت يدهُ في الجهاد)(47) وأصبحت شهيدة، يوم نهاوند، فسبقته الى الجنة.
***
وهكذا فان جميع ما بحثناه من أمور الغيب انما هو نوع واحد فقط من بين عشرة أنواع من معجزاته صلى الله عليه وسلم ، فنحن لم نعرف بعدُ عُشر معشار هذا النوع، وقد بينّا اجمالاً أربعة أنواع من الاخبار الغيبي في الكلمة الخامسة والعشرين الخاصة باعجاز القرآن.
فتأمل الآن في هذا النوع، وضمّه الى الانواع الاربعة الاخرى التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم بلسان القرآن، وانظر كيف يشكل برهاناً قاطعاً لامعاً على الرسالة بحيث يذعن مَن لم يختل عقلُه وقلبُه ويصدّق بأن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم انما هو رسول يخبر عن الغيب من لدن خالق كل شئ وعلام الغيوب.(*)
_______________________________
(1) صحيح: الشفا 1/ 340 ( عن عائشة رضي الله عنها قالت: دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيها، فسارّها بشئ، فبكت ثم دعاها فسارها فضحكت، قالت: فسألتها عن ذلك فقالت: سارّني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفى فيه فبكيتُ. ثم سارني فأخبرني اني أول اهل بيته أتبعه فضحكت) رواه البخاري (4/248، 5/26 ومسلم (4/1904 برقم 2450) والامام احمد في مسنده (6/77، 240، 282، 283) والترمذي في المناقب.
(2) حسن: الشفا (1/343) في حديث رواه احمد وابن راهويه وابن ابي اسامة والبيهقي (على القاري 1/ 701) واورده الحافظ ابن كثير (عن ابن مسعود في حديث طويل فيه قول ابن مسعود عند رؤيته جنازة ابي ذر. قال: صدق رسول الله يرحم الله ابا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويعيش وحده. فنزل فوليه بنفسه حتى أجنّه) اسناده حسن ولم يخرجوه (البداية والنهاية 5/ 8 ــ9) واورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (4/116برقم 4109). وانظر الاصابة (387، 4/ 64) والمجمع (9/332) قال الهيثمي: رواه أحمد من طريقين... ورجال الطريق الاولى رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه باختصار. اهـ .
(3) (ثبج البحر): وسطه ومعظمه وقيل ظهره.
(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس ورواه احمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ام حرام (صحيح الجامع الصغير 6/24 رقم 6620).
(5) صحيح: عن اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قالت: أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثنا:( ان في ثقيف كذاباً ومبيراً) رواه احمد ومسلم (4/1971) واللفظ له.
(6) صحيح: قال الترمذي: ويقال الكذاب: المختار بن ابي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف (جامع الاصول 10/99 رقم 7567) وورد ان هشام بن حسان قال:( احصي ما قتل الحجاج صبراً فوجد مئة الف وعشرين الفاً) اخرجه الترمذي ت (521) قال المحقق: اسناده الى هشام بن حسان صحيح. (جامع الاصول 10/99 رقم 7568). والقتل صبراً: أي من غير حرب كمن يضرب عنقه أو يحبس الى أن يموت.
(7) صحيح: رواه احمد وابنه في زوائده (4/235) ورواه البخاري في التاريخ الصغير (139) والحاكم (4/422) وقال: صحيح الاسناد ووافقه الذهبي. ورواه الخطيب في التلخيص (91/1) وابن عساكر (16/223/2) واورده الهيثمي في المجمع (6/218)، وقال: رواه احمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات. ورواه ابن خيثمة في التاريخ (2/10/101) (مخطوط الرباط) وابن قانع في المعجم (ق 15/2). واورده الالباني في الاحاديث الضعيفة (878) وضعفه فما أصاب لأنه لم يذكر علة قادحة في سند الحديث يصار اليها.
(8) روى البهاري ومسلم والترمذي عن ابي هريرة: (لو كان الايمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس) وفي مسلم رواية اخرى مشابهة (وأخرجه البخاري في كتاب التفسير- سورة الجمعة (اللؤلؤ والمرجان 3/183 برقم 1650).
(9) ضعيف جداً كما في سلسلة الاحاديث الضعيفة (1/390 - 392) وتذكرة المرضوعات (112). وقد رواه احمد بصيغة التمريض، ورواه الطيالسي مرفوعاً بلفظ مقارب وللحديث شواهد كثيرة منها ما ذكره الخطيب الامام الشافعي كما قال احمد وغيره. قال البيهقي وابن حجر: طرق هذا الحديث اذا ضمت بعضها الى بعض أفادت قوة، وعلم ان للحديث اصلاً (باختصار من كشف الخفاء 2/53-54).
(10) صحيح: راجع الهامش (10) من الاشارة الخامسة.
(11) حسن: رواه ابو داود والحاكم عن ابن عمر، (صحيح الجامع الصغير وزيادته 4/150) وأشار ابن حجر الى تحسينه كما في المشكاة (3/305).
(12) في حديث رواه احمد (الفتح الرباني للساعاتي 23/ 134) وقال الساعاتي: رواه الحاكم بزيادة في المستدرك وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: (الحكم وهّاه ابن معين) قال الهيثمي: رواه عبد الله والبزار باختصار وابو يعلى أتم منه، وفي اسناد عبد الله وابن يعلى الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف، وفي اسناد البزارمحمد بن كثير القرشي الكوفي وهو ضعيف (مجمع الزوائد 9/ 133). وعزاه التبريزي في المشكاة (3/246 رقم 693) الى الامام احمد، قال المحقق: انما رواه ابنه عبد الله في زوائد المسند 1/ 160 واسناده ضعيف. والحديث له شاهد بالمعنى نفسه وباسناد صحيح: (عن ابي السوار قال: قال علي: ليحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي وليـبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي) اورده الامام احمد في (فضائل الصحابة) قال المحقق: اسناده صحيح (2/ 565 رقم 952).
(13) ورد في حديث الرسول y:(لهم نبز يسمون الرافضة) جزء من حديث رواه الطبراني عن ابن عباس واسناده حسن (مجمع الزوائد 10/22) وورد الحديث بعدة الفاظ ومن عدة طرق راجع المصدر السابق و (الفتح الرباني للساعاتي 24/ 20 - 21) والمسند بتحقيق احمد شاكر (2/ 137 برقم 880) وقال اسناده ضعيف من طريق حسن بن حسن بن علي بن ابي طالب.
(14) (المطيطاء): مشية فيها مدّ اليدين والتبختر والخيلاء.
(15) صحيح: روى الترمذي عن ابن عمر (2262 تحقيق احمد شاكر) وقال: هذا حديث غريب اي ضعيف وتابعه محقق جامع الاصول (10/ 40 برقم 7503) فما حالفهم التوفيق. فالحديث صحيح، صححه محقق الجامع الصغير (813) وفصّل القول فيه في سلسلة الاحاديث الصحيحة (954)... والحديث له شاهد من حديث ابي هريرة اورده الهيثمي في المجمع (10/ 237) وقال: رواه الطبراني في الاوسط واسناده حسن.
(16) قال رسول الله yيوم خيبر: (لاعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يُحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله... ) الحديث رواه البخاري (5/171) في المغازي باب غزوة خيبر، وفي الجهاد باب دعاء النبي yالى الاسلام والنبوة، وباب فضل من أسلم على يديه رجل، وفي فضائل اصحاب النبي yباب مناقب علي بن ابي طالب. ورواه مسلم (برقم 2406) في فضائل الصحابة باب فضائل علي رضي الله عنه، ورواه احمد (5/ 333) كلهم من حديث سهل بن سعد. ورواه البخاري (7/ 366) ومسلم (برقم 1807) واحمد (4/ 52) عن سلمة بن الاكوع.
(17) ضعيف: ذكر السيوطي في (الدرر المنتثرة 118): (ان علياً حمل باب خيبر( اخرجه الحاكم من طرقه عن جابر بلفظ: ان علياً لما انتهى الى الحصن اجتذب احد أبوابه فألقاه بالارض فاجتمع عليه بعدُ سبعون رجلاً، فكان جهدهم ان اعادوا الباب، قال السيوطي: واخرجه ابن اسحق في سيرته عن ابن رافع: (وان سبعة لم يقلبوه ) اهــ قال رافع – مولى رسول الله y- راوي الحديث: (فلقد رأيتني في نفر معي وانا ثامنهم نُجهد على ان نقلب ذلك الباب فما استطعنا ان نقلبه) وقد رويت روايات اخرى كثيرة لا تخلو من ضعف، راجع (البداية والنهاية لابن كثير 4/189 - 190). وكشف الخفاء (1168).
(18) رواه احمد والبخاري ومسلم وابو داود والترمذي عن ابي هريرة (صحيح الجامع الصغير وزيادته 6/ 174 رقم 7294).
(19) الشفا (1/ 339). رواه مسلم عن ام سلمة بلفظ (تقتل عماراً الفئة الباغية) (4/ 2236) ورواه ايضاً عن ام سلمة بلفظ: (تقتلك الفئة الباغية) (4/ 2236 برقم 2916) كتاب الفتن واشراط الساعة. ورواه أحمد عن ابي سعيد الخدري عن ابي قتادة بنفس هذا اللفظ (الفتح الرباني للساعاتي 22/330) وروى البخاري هذا الحديث بغير الالفاظ السابقة في كتاب الصلاة: باب التعاون في بناء المسجد، وفي كتاب الجهاد: (باب مسح الغبار عن الرأس (1/122) وقد أورده السيوطي في الاحاديث المتواترة عن قرابة ثلاثين صحابياً (الفتح الرباني للساعاتي 23/ 142) وانظر النظم المتناثر في الحديث المتواتر (126).
(20) في حديث رواه البخاري (4/ 238) ومسلم (4/ 2218) والترمذي وغيرهم عن حديفة قال: ليس عليك منها بأس يا امير المؤمنين ان بينك وبينها باباً مغلقاً..
(21) رواه البيهقي وشيخه الحاكم عن الحسن بن محمد مرسلاً (على القاري 1/ 704) الخفاجي (3/218). واورده الحافظ في الاصابة (3573، 2/93 - 94) وعزاه البيهقي في الدلائل. واخرجه الحاكم (4/282) وسكت عليه هو والذهبي.
(24) رواه البخاري 2/254، ومسلم (4/2236 - 2237) بدل (اذا هلك) (قد مات) والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (تحفة الاحوذي 6/462 - 463) كلهم عن ابي هريرة رضي الله عنه.
(25) صحيح: رواه البيهقي (الخفاجي 3/ 211 علي القاري 1/ 700) وعن دحية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهبوا الى صاحبكم فأخبروه ان ربي قد قتل ربَّه الليلة) يعني كسرى رواه ابو نعيم (صحيح الجامع الصغير وزيادته 875 قال المحقق: حديث صحيح) (سلسلة الاحاديث الصحيحة ت 1427).
(26) اصل الحديث رواه البخاري (5/184 - 185) وفي التفسير باب سورة الممتحنة، ومسلم (برقم 2494) في فضائل الصحابة، وابو دواود والترمذي وأحمد (1/80) من حديث علي.
(27) في حديث رواه الحاكم والبيهقي وابن اسحق من طرق صحيحة مسندة (الخفاجي 3/139) (علي القاري 1/664) وورد في كنز العمال (438 - 439) وعزاه مصنفه الى ابن عساكر، الا انه وضع شرطاً خلاصته ان ما عزاه الى ابن عساكر فهو من قبيل الضعيف، (1/10) وقال السيوطي في الخصائص (1/366): اخرجه ابن اسحاق وابو نعيم من طرق اخرى مرسلة.
(28) (الخفاجي 3/ 219 - 220) الشطر الاول اورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. (4366). أما الحوار بين زعماء قريش فقد عزاه محقق زاد المعاد (3/ 409 - 410) الى ابن هشام (2/ 413).
(29) رواه احمد عن ابن عباس والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة بسند صحيح (الخفاجي 3/ 206 وعلي القاري 1/ 699) قال الهيثمي في المجمع (6/ 85): رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسم وبقية رجاله ثقات.
(30) الشفا (1/ 343)، (الخفاجي 3/ 207).
(31) اصل الحديث رواه البخاري (4/ 148) في كتاب الطب وكتاب الادب. ورواه مسلم (4/ 1719 - 1720 برقم 2189) ورواه ابن ماجة بغير لفظهما (3545 في كتاب الطب 31/ باب السحر 45). ورواه أحمد (4/ 367) عن زيد بن أرقم و 6/ 57، 63، 97) عن عائشة بالفاظ مختلفة. راجع تعليقات محقق المشكاة على الحديث (3/ 174 برقم 5893).
(32) الشفا (1/ 342). رواه الطبراني عن رافع بن خديج بسند صحيح (الخفاجي 3/ 203) واخبار الرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أحد النفر في النار هو في (المجمع) (8/289 - 290) وفيه الواقدي وهو ضعيف وفي المجمع ايضاً (8/ 290) بنفس المعنى عن أوس بن خالد، قال الهيثمي: رواه الطبراني واوس بن خالد لم يرو عنه غير على بن زيد وفيهما كلام وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ . وروى مسلم عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ان ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل احد وغلظ جلده مسيرة ثلاث (4/ 2189) وانظر المشكاة (3/ 103).
(33) الشفا (1/342).
(34) الشفا (1/342 - 343). واصل الحديث في مجمع الزوائد (8/286 - 287) قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وللحديث شواهد اخرى. ففي المجمع ايضاً (8/284 - 286) من حديث محمد من جعفر بن الزبير، قال الهيثمي. رواه الطبراني مرسلاً واسناده جيد. اهـ . وروى عن عروة بن الزبير باسناد حسن مرسل، افاده الهيثمي. وانظر البداية والنهاية (3/313).
(35) (دومة الجندل): موضع بين مكة وبرك الغمامة أو بين الحجاز والشام.
(36) الشفا (1/ 344) كما رواه ابن اسحق والبيهقي (الخفاجي 3/218) وفي زاد المعاد تحقيق الارناؤوط (5/538 - 539) قال المحقق: رواه ابن هشام (2/526) وابن كثير (4/30).
(38) وردت احاديث عديدة عن هلاك هذه الامة بالطاعون، انظر البخاري عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف (7/168) ومسلم عنه (4/ 1740 برقم 2219) ورواه أحمد ومالك (الفتح الرباني للساعاتي 23/ 86).
(39) صحيح: في حديث عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أنس! ان الناس يمصرون امصاراً، فان مصراً منها) يقال له: البصرة رواه داود (صحيح الجامع الصغير وزيادته 6/ 268 برقم 7736 قال المحقق: صحيح) وفي المشكاة (برقم 5433): رواه ابو داود عن ابي بكرة قال المحقق: اسناده جيد.
(40) وفي الشفا (1/ 344) (تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى اليها خزائن الارض يخسف بها يعني بغداد) رواه ابو نعيم عن جرير، والخطيب في تاريخه (علي القاري 1/ 703) واورده ابن كثير في البداية 10/ 102 من طرق قال عنها انها ضعيفة لا تصح.
(41) (الشفا 1/ 337) عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك.. ) الحديث رواه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي وابن ماجة (صحيح الجامع الصغير وزيادته 6/ 173).
(42) صحيح: الشفا (1/ 341). رواه البزار والطبراني بسند صحيح من حديث طويل (الخفاجي 3/194) (على القارى 1/ 692). قال الهيثمي في المجمع (7/ 310): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.
(43) رواه البخاري (4/ 242) كتاب المنافقين ورواه ايضاً بلفظ (هلكت) كتاب الفتن (9/ 60) عن ابي هريرة ورواه أحمد بهذا اللفظ وبغيره (2/288، 296، 301، 304، 324، 377، 520، 536 وفي 4/ 66، 5/ 38) ورواه الطيالسي (برقم 2508).
(44) روى البخاري (4/ 247) ومسلم (4/ 1781 رقم 2274) عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فاهمني شأنهما فأوحى الي في المنام ان انفخهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما كذابين يخرجان بعدي. فكان احدهما العنسي والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة).
(45) عن صرد الخزاعي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الاحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). اخرجه البخاري 4109، 4110 واحمد 4/ 262 وغيرها.
(46) في حديث رواه الشيخان والترمذي (3/ 306 - 307، التاج). ففي البخاري في فضائل اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سدوا الابواب الا باب ابي بكر، وباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة، وفي المساجد،باب الخوخة والممر في المسجد .وفي مسلم (برقم 2382) وعند الترمذي من نفس الطريق وبغير لفظ 3661(تحقيق احمد شاكر)
(*) الاشارة البليغة الثالثة – المعجزات الاحمدية –المكتوب التاسع عشر ص(137)
3-)
معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في بركة الطعام
نشير الى بضع امثلة من المعجزات النبوية التي تخص بركة الطعام وثبتت بروايات صحيحة قاطعة وبالتواتر المعنوي. ونرى من الأنسب ان نقدّم بين يديها مقدمة.
المقدمة
ان الامثلة التي سترد حول معجزة بركة الطعام كل منها قد روي بطرق متعددة، بل ان قسماً منها روي بستة عشر طريقاً، وقد وقع
معظم هذه الامثلة امام جماعة غفيرة من الصحابة الكرام المنزّهين عن الكذب والذين لهم المنزلة الرفيعة في الصدق والامانة.
مثال للتوضيح:
يروي احدهم انه: اكل سبعون رجلاً من صاعٍ(2) وشبعوا جميعاً. فالرجال السبعون يسمعون هذه الرواية التي يحكيها احدهم، ثم لا يخالفونه ولا ينكرون عليه، اي أنهم يصدّقونه بسكوتهم.
فالصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم اجمعين كانوا في ذروة الصدق والحق حيث انهم عاشوا في خير القرون وهم محفوظون من الاغضاء على الباطل، فلو كان يرى احدهم شيئاً ولو يسيراً من الكذب في اي كلام كان لما وسعه السكوت عليه قطعاً، بل كان يردّه حتماً.
لذا فالروايات التي نذكرها فضلاً عن انها رويت بطرق متعددة فقد سكت عنها الآخرون تصديقاً بها، اي كأن الجماعة قد رووها فالساكت منهم كالناطق بها فهي اذن تفيد القطعية كالمتواتر المعنوي.
ويشهد التأريخ ـ والسيرة خاصة ـ أن الصحابة الكرام قد وقفوا أنفسهم بعد حفظ القرآن الكريم لحفظ الحديث الشريف، أي حفظ احواله صلى الله عليه وسلم وافعاله واقواله، سواء منها المتعلقة بالاحكام الشرعية أم بالمعجزات، ولم يهملوا ـ جزاهم الله خيراً ـ اية حركة مهما كانت صغيرة من سيرته المباركة، بل اعتنوا بها وبروايتها، ودوّنوها في مدوّنات لديهم، ولا سيما العبادلة السبعة وبخاصة ترجمـان القرآن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهكذا حُفظت الاحاديث في عهد الصحابة الكرام حتى جاء كبار التابعين بعد ثلاثين أو أربعين سنة فتسلّموها غضةً طريةً منهم وحفظوها بكل امانة واخلاص، فكتبوها ونقلها عنهم بعد ذلك الائمة المجتهدون وألوف المحققين والمحدّثين وحفظوها بالكتابة والتدوين، ثم تسلّمها ـ بعد مضي مائتي سنة من الهجرة ـ اصحاب الكتب الستة الصحيحة المعروفة وفي مقدمتهم البخاري ومسلم، ثم جاء دور النقّاد واهل الجرح والتعديل، وبرز منهم متشددون ـ امثال ابن الجوزي ـ فميّزوا الاحاديث الموضوعة التي دسّها بعض الملاحدة وجهلة الناس على الاحاديث الصحيحة. ثم اعقبهم علماء أفاضل ذوو تقوى وورع امثال جلال الدين السيوطي وهو العلاّمة الامام الذي تشرف بمحاورة الرسول صلى الله عليه وسلم فتمثل له في اليقظة سبعين مرة ــ كما يصدّقه أهل الكشف من الاولياء الصالحين ـ فميّزوا جواهر الاحاديث الصحيحة من سائر الكلام والموضوعات.
وهكذا ترى ان الاحاديث ـ والمعجزات التي سنبحث عنها ــ قد انتقلت الينا سليمة صحيحة بعد ان تسلّمها مالا يعد ولا يحصى من الأيدي الأمينة (فالحمدلله، هذا من فضل ربي).
وعليه فلا ينبغي أن يخطر بالبال: كيف نعرف أن هذه الحوادث التي حدثت منذ مدة سحيقة قد ظلت مصونة سالمة من يد العبث؟
أمثلة حول معجزات بركة الطعام:
المثال الأول:
- اتفقت الصحاح الستة، وفي مقدمتها البخاري ومسلم في حديث أنس رضي الله عنه (قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عروساً بزينب، فعَمِدَتْ أمي أمّ سُلَيم الى تمر وسمن وأقط، فصنعت حيساً فجعلته في تور(3) فقالت: يا أنس! اذهب بهذا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثتْ بهذا اليكَ امي، وهي تقرئك السلام، وتقول: ان هذا لك منّا قليل يا رسول الله! فذهبت فقلت)، فقال: (ضعْهُ) ثم قال: (اذهب فادعُ لي فلاناً) وفلانا وفلاناً رجالاً سمّاهم (وادعُ مَن لقيتَ) فدعوتُ مَن سمّى ومَن لقيتُ فرجعتُ فاذا البيت غاص باهله، قيل لأنس: عددكم كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمئة. فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله ثم جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه، ويقول لهم: (اذكروا اسم الله، وليأكل كلُّ رجل مما يليه) قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة،
ودخلت طائفة، حتى اكلوا كلهم قال لي: (يا أنس! ارفع) فرفعتُ، فما ادرى حين وضعتُ كان اكثر ام حين رفعتُ(4).
المثال الثاني:
- نزل النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً عند ابي ايوب الانصاري فذات يوم (صنعَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولابي بكر رضي الله عنه من الطعام زُهاء ما يكفيهما. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ ثلاثين من أشرافِ الانصار! فدعاهم فأكلوا حتى تركوا. ثم قال: ادعُ ستين، فكان مثلُ ذلك، ثم قال: ادعُ سبعين فاكلوا حتى تركوه، وما خرج منهم أحدٌ حتى اسلم وبايع، قال ابو ايوب: فأكل من طعامي مئة وثمانون رجلاً)(5).
المثال الثالث:
- (حديث سلمة بن الاكوع، وابو هريرة، وعمر بن الخطاب (وابو عمرة الانصاري رضي الله عنهم، فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فدعا ببقية الازواد(6)، فجاء الرجل بالحَثْية من الطعام، وفوق ذلك ، واعلاهم الذي اتي بالصاع من التمر، فَجَمعه على نطْعٍ. قال سلمة: فحرزته، كَربضةِ العنز، ثم دعا الناس باوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء الاّ ملأوه، وبقي منه قدر ما جُعل واكثر، ولو ورده أهلُ الارض لكفاهم)(7).
المثال الرابع:
ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومئة) في سفر (وذكر في الحديث أنه عُجن صاعٌ من طعام، وصُنعَت شاةٌ فشويَ سواد بطنها قال: وايم الله ما من الثلاثين ومئة الاّ وقد حزَّ لهُ حزّةً من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فاكلنا اجمعون، وفضل في القصعتين، فحملته على البعير)(8).
المثال الخامس:
ثبت في الصحاح أيضاً:
- (حديث جابر في اطعامه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق(9) وقال جابر: فاُقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وان بُرمَتنا لتَغُط كما هي وان عجيننا ليخبز)(10) وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قد وضع في ذلك العجين والقدر من ماء فيه المبارك ودعا بالبركة. فيعلن جابر مقسماً بالله معجزة البركة هذه في حضور الف من الصحابة مُظهراً علاقتهم بها.
فهذه الرواية قطعية وكأن الف رجل قد رواها.
المثال السادس:
- وثبت في الصحاح أن ابا طلحة عمَّ خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس رضي الله عنه يقول:
ان الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم اطعَمَ مما أتى به أنسُ تحت ابطه من قليل خبز شعير زهاء ثمانين رجلاً حتى شبعوا. وكان صلى الله عليه وسلم أمر بأن يجعل ذلك الخبز ارباً ارباً، ودعا بالبركة، وان البيت ضاق بهم فكانوا يأكلون عشرة عشرة، ورجعوا كلهم شباعاً(11).
المثال السابع:
- ثبت في صحيح مسلم والشفا وغيرهما ان جابراً الانصاري يقول: (ان رجلاً اتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه، فاطعَمَه شطر وَسْق شعير، فما زال يأكل منه هو وأمراتُه وضيفه حتى كالَه) ليعرفوا ما نقصَ منه، فرأوا أنه زالت منه البركة، وصار ينقص شيئاً فشيئاً. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: (لو لم تَكِلْهُ لأكلتم منه ولقام بكم)(12).
المثال الثامن:
- تبين الصحاح كالترمذي والنسائي والبيهقي وكتاب الشفاء (عن سمرة بن جندب: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقصعةٍ فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون)(13).
وبناء على ما ذكرناه في المقدمة، هذه الواقعة الواردة في البركة ليست رواية سمرة فقط، بل كأنه ممثلٌ عن تلك الجماعات التي أكلت من ذلك الطعام. فيعلن هذه الرواية بدلاً منهم.
المثال التاسع:
- يروى رجال ثقاة كصاحب الشفاء وابن أبي شيبة والطبراني بسند جيد وعلماء محققون: (عن ابي هريرة: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ان ادعوَ له اهلَ الصفة) وهم فقراء المهاجرين الذين كان ينوف عددهم على مائة. والذين كانوا قد اتخذوا الصفّة في المسجد مأوىً لهم ( فتتبَّعتُهم حتى جمعتُهم. فوُضعَت بين ايدينا صفحةٌ، فأكلنا ما شئنا، وفرغنا، وهي مثلها حين وُضعت، الاَّ أن فيها أثر الاصابع)(14).
فابو هريرة يدلي بهذا الخبر باسم اصحاب الصفة مستنداً الى تصديقهم. فهي رواية قطعية اذاً وكأن جميع أهل الصفة رووها. فهل يمكن ان يكون هذا الخبر خلاف الحق والصواب ثم لا ينكر عليه اولئك الصادقون الكاملون ولا يردّونه؟.
المثال العاشر:
- ثبت برواية صحيحة أن الامام علياً رضي الله عنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قومٌ يأكلون الجدعة ويشربون الفرق) اي منهم من يأكل فرع الجمل ويشرب اربع اوقيات من الحليب (فصنع لهم مُدّاً من طعامٍ فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعسّ) اي اناء من خشب حليباً يكفى لثلاثة أو اربعة (فشربوا حتى رووا. وبقي كأنه لم يشرب)(15).
فهذا مثال واحد لمعجزة بركة الطعام وهو بقطعية شجاعة علي رضي الله عنه وصدقه.
المثال الحادي عشر:
- ثبت برواية صحيحة (في انكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بقصعة من اربعة امدادٍ أو خمسة ويذبح جزوراً(16) لوليمتها. قال: فاتيته بذلك فطعن في رأسها، ثم ادخل الناس رُفقة رفقة يأكلون منها، حتى فرغوا، وبقيت منها فضلةٌ، فبرّك فيها وأمر بحملها الى ازواجه، وقال: (كلن واطعمن مَن غشيكن)(17) حقاً! ان مثل هذا الزواج الميمون لحريٌّ بمثل هذه المعجزة في البركة.
المثال الثاني عشر:
- روى جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن ابيه زين العابدين عن علي رضي الله عنه: (ان فاطمة طبخت قدراً لغذائهما ووجّهت علياً الى النبي صلى الله عليه وسلم ليتغذى معهما، فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صفحةً صفحة ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلي ثم لها ثم رفعت القدر وانها لتفيض، قالت: فأكلنا منها ما شاء الله)(18).
فعجباً من أمرك ايها الانسان لِمَ لا تصدّق بهذه المعجزة الباهرة تصديق شهود بعد ما سمعت ان رواتها من السلسلة الطاهرة، حتى الشيطان نفسه لا يجد سبيلاً لأنكارها!
المثال الثالث عشر:
- روى الائمة امثال ابي داود وأحمد ابن حنبل والبيهقي عن دُكَين الأحمسي بن سعيد المزين، وعن الصحابي الذي تشرف هو واخوته الستة بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو نعمان بن مقرن الأحمسي المزين، ومن رواية جرير ومن طرق متعددة ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: (أمر عمر بن الخطاب ان يزود اربعمائة راكب من أحمس. فقال: يا رسول الله ما هي الاّ أصوع(19) قال: اذهب، فذهب فزوَّدهم منه. وكان قدر الفصيل الرابض من التمر، وبقي بحاله)(20).
هكذا وقعت معجزة البركة هذه، وهي تتعلق باربعمائة رجل، لا سيما بعمر رضي الله عنه. فهؤلاء جميعاً هم الرواة لأن سكوتهم حتماً تصديق للرواية. فلا تقل انها خبر آحاد ثم تمضي الى شأنك فأمثال هذه الحوادث وان كانت خبر آحاد، الاّ انها تورث الطمأنينة في القلب لانها بمثابة التواتر المعنوي.
المثال الرابع عشر:
- ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم حديث جابر رضي الله عنه (في دَين أبيه، وقد كان بَذَل لغرماء أبيه أصلَ مالِهِ ليقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفافُ دَينهم، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره بجدِّها ــ أي قطعها ــ وجعلها بيادر في أصولها، فمشى فيها ودعا، فأوفي منه جابر غُرماء ابيه وفَضَل مثل ما كانوا يجدُّون كل سنة، وفي رواية مثل ما اعطاهم، قال: وكان الغرماء يهودَ فعجبوا من ذلك)(21).
وهكذا فهذه المعجزة الباهرة في بركة الطعام ليست برواية يرويها جابر واشخاص معدودون فقط وانما هي متواترة من حيث المعنى يرويها جميع هؤلاء الرواة ممثلين لكلّ من تتعلق به هذه الرواية.
المثال الخامس عشر:
- يروى العلماء المحققون رواية صحيحة، وفي مقدمتهم الأمام الترمذي والبيهقي، عن ابي هريرة رضى الله عنه انه قال: أصاب
الناس مخمصةٌ في احدى الغزوات ــ وفي رواية في غزوة تبوك ـ (فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شئ؟ قلتُ: نعم شئٌ من التمر في المزود(22)) وفي رواية خمس عشرة تمرة (قال فأتني به، فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة. ثم قال ادعُ عشرة، فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا، قال: خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبَّه، فقبضتُ على أكثر مما جئتُ به، فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة ابي بكر وعمر الى أن قُتل عثمان فانتهبَ مني فذهب. وفي رواية فقد حملتُ من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله)(23).
وهكذا، فان معجزة البركة التي يرويها ابو هريرة، وهو الذي تتلمذ على معلم الكون وسيده محمد صلى الله عليه وسلم ولازم مدرسة الصفة وبزّ فيها بالحفظ بدعاء النبي له، فهذا الصحابي الجليل يروي هذه الرواية في مجمع من الناس ــ كغزوة تبوك ــ فلا بد ان تكون هذه الرواية متواترة من حيث المعنى، وقوية متينة بقوة الجيش كله اي كما لو كان الجيش كله يرويها.
المثال السادس عشر:
- ثبت في صحيح البخاري والصحاح الاخرى: ان الجوع اصاب ابا هريرة، (فاستَتَبعَه النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد لبناً في قدح أهدي اليه، وأمره أن يدعو أهل الصفة. قال: فقلتُ ما هذا اللبن فيهم، كنت أحقَّ أن اصيب منه شربةً أتقوى بها، فدعوتُهم)، وكانوا ينوفون على المائة، فأمر صلى الله عليه وسلم أن اسقيهم (فجعلتُ اُعطي الرجل فيشرب حتى يروى. ثم يأخذه الآخر حتى رَوِى جميعهم قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدحَ وقال: بقيتُ انا وانت، اقعد فاشرب. فشربت ثم قال: اشرب. وما زال يقولها وأشربُ حتى قُلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً. فأخذ القدح وحمد الله وسمّى وشرب الفضلة)(24). فهنيئاً لك مائة الف مرة يا رسول الله.
فهذه المعجزة السليمة من شوائب الشك والخالصة اللطيفة كاللبن قد روتها كتب الصحاح وفي مقدمتها صحيح الامام البخاري الذي كان حافظاً لخمسمائة الف حديث. فهي اذن رواية لا ريب فيها قط وصادقة وثابتة كأنها مشهودة رأي العين، مثلما رواها تلميذ المدرسة الأحمدية المقدسة، مدرسة الصفّة، ذلك التلميذ الموثوق الحافظ ابو هريرة، رواها باسم اصحاب الصفة جميعهم وأشهدهم عليها.
فالذي لا يتلقى هذا الخبر تلقياً كأنه يشاهده، فهو إما فاسد القلب أو فاقد العقل.
تُرى هل من الممكن أن صحابياً جليلاً مثل ابي هريرة الصادق الذي بذل حياته في حفظ الحديث النبوي، أن يحط من قيمة ما حفظه من الاحاديث النبوية فيورد ما يثير الشك والشبهة ويقول ما يخالف الحق والواقع، وهو الذي سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) حاشاه عن ذلك.
فيارب بحرمة بركة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هب لنا البركة فيما منحتنا من ارزاق مادية ومعنوية.
نكتة مهمة
بديهي انه كلما اجتمعت اشياء واهية ضعيفة تقوّت. واذا اُبرمت خيوط رفيعة واتحدت صارت عروة وثقى لا تنفصم. وقد اوردنا هنا ستة عشر مثالاً لقسمٍ من خمسة عشر قسماً من نوع معجزة البركة التي تمثل نوعاً من خمسة عشر نوعاً من انواع المعجزات، وكل
مثال اوردناه قويٌ في حد ذاته وكاف وحده لإثبات النبوة. ولو فرضنا ــ فرضاً محالاً ــ بأن بعضاً منها ضعيف غير قوي في ذاته، فلا يجوز الحكم عليه بأن المثال لا يقوى دليلاً على المعجزة لأنه يتقوى بأتفاقه مع القوي.
ثم ان اجتماع هذه الامثلة الستة عشر التي هي في درجة التواتر المعنوي يدل على معجزة كبرى قوية، ولو مُزجَت هذه المعجزة مع سائر الاقسام الاربعة عشر من معجزاته صلى الله عليه وسلم حول البركة التي لم تذكر هنا، لغدت معجزة هائلة كالحبال المتحدة التي لا انفصام لها. ثم انك لو اضفت هذه المعجزة الهائلة القوية الى سائر انواع المعجـزات الاربع عشرة لرأيـت برهـاناً قوياً لا يـتزلـزل، برهـاناً باهراً على النـبوة الصادقة.
وهكذا فعماد النبوة الأحمدية عماد كالطود الاشم تتشكل من مجموعة هذه المعجزات.
ولا شك انك ادركت الآن مدى سخافة وبلاهة مَن يرى هذا البناء الشامخ العامر للنبوة ثم يظن أنها تهوى بشبهات واهية ترد الى ظنه من جزئيات الامثلة.
نعم! ان تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام تدل دلالة قاطعة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وانه مأمور محبوب لدى ذلك الرحيم الكريم الذي يمنح الرزق ويخلقه. وهو عبد كريم لديه بحيث يبعث له مستضافات مملوءة بانواع من الرزق ـ خلافاً للمعتاد ـ من العدم ومن خزائن الغيب التي لا تنفد.
ومعلوم أن الجزيرة العربية شحيحة بالماء والزراعة بحيث ان اهاليها ـ لا سيما في صدر الاسلام ـ كانوا في ضيق من المعيشة وشدة منها وشحة من الماء والتعرض للعطش. فبناء على هذه الحكمة، فقد ظهرت اهم المعجزات الاحمدية الباهرة ظهوراً في الطعام والماء.
فهذه المعجزات انما هي بمثابة اكرام رباني، واحسان الهي، وضيافة رحمانية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، يكرمه حسب الحاجة، فهي
اكرام اكثر من ان تكون دليلاً على النبوة. لأن الذين رأوا هذه المعجزات، كانوا مؤمنين ايماناً قوياً بالنبوة. فالمعجزة كلما ظهرت يتزايد الايمان ويتقوى، وهكذا تزيدهم هذه المعجزات نوراً على نور ايمانهم.
_______________________________
(1) الشفا (1/ 343) في حديث رواه ابن عدي والبيهقي مسنداً، ولفظ البيهقي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سرّه ان ينظر الى رجل تسبقه بعض اجزائه الى الجنة فلينظر الى زيد بن صوحان) وفي اسناده هذيل بن بلال ضعفه البيهقي (علي القاري 1/ 702) (الخفاجي 3/ 214) قال الهيثمي (9/ 398): رواه ابو يعلى وفيه من لم اعرفهم. وعزاه ابن حجر لأبي يعلى في المطالب العالية (4/ 91 برقم 4047) قال المحقق: سكت عليه البوصيري.
(2) (الصاع) : الذي يكال به، وهو اربعة امداد، والمد ما يقارب 875غم.
(5) الشفا (1/ 292) رواه الطبراني وفي اسناده من لم اعرفهم (المجمع 8/ 303) وزاد الخفاجي نسبته الى البيهقي (3/ 33) وعلي القاري (1/ 604).
(6) (الازواد): جمع زاد - (الحثية): ما يملأ اليدين - (نطع): بساط من ادم - (حرزته): قدّرته - (الربضة): جلوس العنز. (سواد البطن): الكبدــ (حزّ): قطع بالسكين.
(7) رواه البخاري في الشركة: باب الشركة في الطعام، وفي الجهاد: باب حمل الزاد في الغزو، ومسلم (برقم 1729). وحديث ابي هريرة وعمر رضي الله عنهما رواه مسلم برقم (27).
(8) رواه البخاري في الهبة: باب قبول الهدية من المشركين، وفي البيوع: باب الشراء والبيع مع المشركين واهل الحـرب، وفـي الاطعــمة: بـاب مـن أكـل حتـى شـبع. ومسـلم (2057) واحـمد (الفتـح الربـانـي للـساعـاتــي 22/ 55).
(9) (العناق): الانثى من اولاد المعز ولم يتم لها سنة ـ(برمتنا لتغط): اي قدرنا تغلي غلياناً.(شطر وسق): نصف حمل.
(10) رواه البخاري في المغازي: باب غزوة الخندق، وفي الجهاد: باب من تكلم بالفارسية، ومسلم (29 30).
(11) عن انس قال: قال ابو طلحة لأم سُليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شئ؟ قالت: نعم، فأخرجت اقراصاً من شعير ثم ذهبتُ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ارسلك ابو طلحة؟ ) قلت: نعم، فقال لمن معه: (قوموا) فجئت ابا طلحة فأخبرته. فقال ابو طلحة: يا ام سُليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم. قالت: الله ورسوله اعلم. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هلمي ما عندك يا أم سليم) فأتت بذلك الخبز، فأمر به ففُتَ وعصرت عليه عكة لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ان يقول، ثم قال: (ائذن لعشرة) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: (ائذن لعشرة) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: (ائذن لعشرة) حتى اكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون. (البخاري 4/ 234 - 235) ومسلم كتاب الاشربة 2040 والسياق للبخاري) ورواه أحمد (الفتح الرباني للساعاتي 22/ 59) وغيرهم.
(12) رواه مسلم (2281).
(13) صحيح: (عن سمرة كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل تقوم عشرة وتقعد عشرة، فقلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شي تعجب؟ ما كانت تمد الاّ من ههنا وأشار بيده الى السماء) رواه الترمذي 2629 (تحقيق أحمد شاكر) وقال: هذا حديث حسن صحيح، واقره محقق جامع الاصول (8913) والحديث اخرجه الدارمي برقم (157/ 32 - 33). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرهما محقق المشكاة (5928).
(14) عن ابن ماجه طرف من آخره، رواه أحمد ورجاله موثقون. وقال في الرواية الثانية، رواه كله الطبراني باسنادين واسناده حسن.
(15) الشفا (1/ 293). رواه أحمد والبيهقي بسند جـيد (الخفاجي 3/ 36) واورده الهيـثمي في المجــمع (8/ 302 - 303) وقال: رواه البزار واللفظ له واحمد باختصار والطبراني في الاوسط باختصار ايضاً ورجال أحمد واحد اسنادي البزار رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة. اهـ. واورد الهيثمي حديثاً نحوه (8/ 302) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. والحديث بنفس المعنى في (فضائل الصحابة) 1220 واسناده صحيح كما قال المحقق.
(16) (جزور): رأس من الابل ناقة أو جملاً سميت بها لأنها مما يجزر.
(17) الشفا (1/ 297).
(18) الشفا (1/ 294) رواه ابن سعد منقطعاً لأن محمداً ووالده لم يدركا علياً، فقول الحلبي رواية الباقر عن علي مرسلة فيه نوع مسامحة (علي القاري 1/ 608)، وللحديث شاهد بمعناه أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (4/ 73 برقم 4001) وحسّنه المحقق، وفي سنده ابن لهيعة وهو سئ الحفظ، وحديثه حسنٌ بالمتابعات، فلا يخشى من سوء حفظه، وصحيح اذا كان عن العبادلة الثلاثة لأنه حدّث قبل احتراق كتبه ، كما صرح بذلك الحافظ وغيره وهذه منها، فعند ابي يعلى عن عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة فحديث جابر صحيح.
(19) (اصوع): جمع صاع - (الفصيل): ولد الناقة الصغير.
(20) اورده الامام أحمد بسياق طويل عن دُكين. قال الساعاتي: رواه ابو داود، قال المنذري واخرجه البخاري في التأريخ الكبير. قال الساعاتي: وليس لدكين في مسند الامام احمد سوى هذا الحديث. ورواه الامام احمد من اربعة طرق اجمعها ما ذكرته هنا وسنده جيد، وسكت عنه ابو داود والمنذري (الفتح الرباني 22/ 58 باختصار) قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح (8/ 304).
(23) الشفا (1/ 295) واورده الحافظ ابن كثير في تأريخه وعزاه للامام أحمد ورواه الترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه (الفتح الرباني 22/ 56) واورده التبريزي في المشكاة (3/ 191 برقم 5933) وقال: رواه الترمذي، قال المحقق: وضعفّه بقوله غريب. وحسّنه محقق جامع الاصول، والحديث عند الترمذي (برقم 3838 تحقيق أحمد شاكر)، وانظر جمع الفوائد (12/ 481).
(24) رواه البخاري في الاستئذان: باب اذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن، وفي الرقاق: باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وتخليهم عن الدنيا، والحديث عند الترمذي (2479 - تحقيق أحمد شاكر) باختلاف يسير في اوله وليس عندها ذكر للمائة رجل. والله اعلم.
(*)الاشارة البليغة السابعة – المكتوب التاسع عشر ص(148)
4-)
معجزة حنين الجذع
ان الذي يؤيد هذه المعجزات المتعلقة بالشجرة هو معجزة حنين الجذع المنقولة نقلاً متواتراً.
نعم! ان حنين الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لفراقه عنه - راقاً مؤقتاً - أنينَه امام جماعة غفيرة من الصحب الكرام يؤيد الأمثلة التي اوردناها في المعجزات المتعقلة بالاشجار ويقوّيها. لأن الجذع من جنس الاشجار، فالجنس واحد، الاّ
ان هذه المعجزة متواترة بالذات، بينما الاقسام الاخرى متواترة نوعاً، اذ ان اكثر جزئياتها وامثلتها لا يرقى الى مستوى التواتر الصريح.
كان المسجد النبوي مسقوفاً على جذوع نخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا خطب يقوم الى جذع منها، فلما صُنِع له المنبر، وكان عليه، سمع لذلك الجذع صوت كصوت العشار(1) وهو يئن ويبكي، حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده عليه، وتكلم معه وعزّاه وسلاّه، فسكت الجذع.
نُقلت هذه المعجزة بطرق كثيرة جداً نقلاً متواتراً.
نعم! ان معجزة حنين الجذع مشهورة ومنتشرة، والخبر بها من المتواتر الصريح(2) فقد رواها مئات من ائمة التابعين بخمسة عشر طريقاً عن جماعة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وهكذا نقلوها الى مَن خلفهم. وممن رواها من علماء الصحابة: انس بن مالك ـ خادم النبي ـ وجابر بن عبد الله الانصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وابو سعيد الخدري، وابي بن كعب، وبُريدة، وام المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليهم وكلٌ من هؤلاء على رأس طريق من طرق رواة الحديث.
فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من اصحاب الصحاح هذه المعجزة الكبرى المتواترة ونقلوها الينا.
عن جابر رضي الله عنه، يقول: (كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخلٍ فكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا خطب يقوم الى جذع منها، فلما صُنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكت)(3) لم يتحمل الجذع فراقه صلى الله عليه وسلم.
وعن انس:(4) (حتى ارتجّ المسجد لخواره).
وعن سهل بن سعد:(5) (وكَثُر بكاء الناس لما رأوا به من بكاء وحنين).
وعن اُبَي بن كعب:(6) (حتى تصدّع وانشق) لشدة بكائه.
زاد غيره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان هذا بكى لما فقد من الذكر)(7) وزاد غيره: (والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا الى يوم القيامة) تحزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم (8) وفي حديث بُريدة: لما بكى الجذع وضع الرسول يده الشريفة عليه وقال: (ان شئت اردَّك الى الحائط(9) الذي كنت فيه، ينبت لك عروقك ويكمل خلقُك ويجدّد لك خوص وثمرةٌ. وان شئت اغرسك في الجنة فيأكل اولياء الله من ثمرك. ثم اصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني اولياء الله واكون في مكان لا ابلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلتُ. ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء)(10).
قال الامام ابو اسحاق الاسفرائني ـ وهو من ائمة علماء الكلام ـ ان الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم لم يذهب الى الجذع بل (دعاه الى نفسه فجاءه يخرق الارض فالتزم. ثم امره فعاد الى مكانه)(11).
يقول اُبَي بن كعب: وبعد ظهور هذه المعجزة: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم به فدفن تحت المنبر)، (فكان اذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى اليه. فلما هدم المسجد لتجديده اخذه اُبَى فكان عنده الى ان اكلته الأرض وعاد رفاتاً)(12).
وحينما كان الحسن البصري يحدّث بهذا الى طلابه يبكي ويقول:
(يا عباد الله! الخشبةُ تحنّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً اليه لمكانه فانتم أحق ان تشتاقوا الى لقائه)(13).
ونحن نقول: نعم! ان الاشتياق اليه ومحبته انما هو باتباع سنته السنية وشريعته الغراء.
- نكتة مهمة:
فان قيل: لِمَ لم تشتهر تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام والتي اشبعت الفاً من الناس في غزوة الخندق بصاع من طعام، ولا تلك المعجزات التي تخص الماء التي اروت الفاً من الناس بما فار من الماء من اصابع الرسول المباركة صلى الله عليه وسلم. لِمَ لم تنقلا بطرق كثيرة مثلما اشتهرت معجزة حنين الجذع ونقلت. مع ان كلاً من تلك الجماعتين - لتي وقعت المعجزة امامهما - كثر من جماعة معجزة حنين الجذع؟
الجواب:
ان المعجزات التي ظهرت قسمان:
احدهما: ما يظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم لتصديق دعوى النبوة، ويكون حجة لها، فيزيد ايمان المؤمنين ويسوق اهل النفاق الى الاخلاص والايمان، ويدعو اهل الكفر الى حظيرة الايمان. ومعجزة حنين الجذع من هذا القبيل، لذلك رآها العوام والخواص واعتُني بنشرها اكثر من غيرها.
اما معجزة الطعام ومعجزة الماء، فهي كرامة اكثر من كونها معجزة، بل اكرام إلهي اكثر من الكرامة، بل ضيافة رحمانية ـ حسب ما دعت اليه الحاجة ـ اكثر من إكرام إلهي. فهما وان كانتا دليلين على دعوى النبوة، ومعجزتين لها، الاّ ان الغاية الاساس هي:
ان الجيش الذي يبلغ قوامه زهاء الف رجل، كان في حاجة ماسة الى الطعام والشراب فأمدّهم الله سبحانه وتعالى من خزائن الغيب بأن اشبع من صاع من طعام ألفَ رجلٍ كما يخلق سبحانه من نواةٍ واحدة ألف رطل من التمر، كذلك أروى زهاء الف من المجاهدين في سبيل الله ، حينما اصابهم العطش، ارواهم بماء مبارك كالكوثر، اذ اجراه سبحانه من اصابع قائدهم الاعظم صلوات الله وسلامه عليه. لذلك لم تصل درجة معجزة الطعام والماء الى درجة حنين الجذع. الاّ ان جنس تينك المعجزتين ونوعهما بحسب الكلية متواتر كتواتر حنين الجذع.
ثم ان كل فرد قد لا يرى بركة الطعام وفوران الماء من الاصابع بالذات بل يرى أثره، ولكن كل من كان في المسجد النبوي قد سمع بكاء الجذع، لذا ذاع اكثر..
فان قيل:
ان الصحابة الكرام رضي الله عنهم اهتموا اهتماماً بالغاً بملاحظة جميع احواله صلى الله عليه وسلم وحركاته ونقلوها بأمانة واعتناء، فلِمَ رُويت امثال هذه المعجزة العظيمة بعشرين طريقاً فقط ولم ترو ــ في الاقل ــ بمائة طريق؟ ولِمَ تأتي اكثر الروايات عن أنس وجابر وابي هريرة، ولم يأتِ عن طريق ابي بكر وعمر الاّ القليل منها.
الجواب: الشق الاول من السؤال مضى جوابه في الاساس الثالث من الاشارة الرابعة.
أما جواب الشق الثاني فهو: ان الانسان اذا احتاج الى الدواء يراجع الطبيب، واذا احتاج الى بناء يراجع المهندس واذا احتاج الى تعلم الشريعة يأتي المفتى ويستفتيه.. وهكذا فقد كانت مهمة بعض علماء الصحابة منحصرة في حمل الحديث ونشره ونقله الى العصور الأخرى. فكانوا يسعون بكل ما آتاهم الله من قوة في هذه الغاية. فابو هريرة رضي الله عنه كرّس جميع حياته لحفظ الحديث النبوي في الوقت الذي كان عمر رضي الله عنه منهمكاً في حمل اعباء الخلافة وسياسة الدولة. لذا اعتمد على هؤلاء الصحابة: ابي هريرة وانس وجابر وامثالهم في نقل الحديث الشريف الى الامة، فندرت الرواية عنه. ثم ان الراوي الصادق المصدَّق من قبل الجميع يُكتفى بروايته ولا داعي الى رواية غيره، ولذلك ينقل بعض الحوادث المهمة بطريقين او ثلاث.
___________________________________
(1) (العشار): النوق الحوامل.
(2) انظر النظم المتناثر في الحديث المتواتر 134 - 135.
(3) صحيح البخاري (4/ 237 - 238)، والنسائي (3/ 102) كلهم من حديث جابر وبالفاظ مختلفة.
(4) صحيح: كما رواه الترمذي (3631 - تحقيق احمد شاكر) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب قال: وفي الباب عن اُبّي وجابر وابن عمر وسهل بن سعد وابن عباس وام سلمة اهـ. انظر جامع الاصول (8899).
(5) كما رواه الشيخان (الخفاجي 3/ 62).
(6) صحيح: كما رواه الشافعي في مسنده وابن ماجه والدارمي والبيهقي (الخفاجي 3/ 62) ورواه عبدالله من زياداته في المسند، وفيه رجل لم يسّم وعبدالله بن عقيل وفيه كلام وقد وثق (تحفة الاحوذي 3/ 22). والحديث تشهد له احاديث الباب السابقة وهي صحيحة كما مرّ.
(8) في رواية ابن عباس وفيه: (فأتاه فاحتضنه فسكن، قال: ولو لم احتضنه لحنّ الى يوم القيامة) قال العلامة احمد شاكر في تحقيق المسند: اسناده صحيح. ثم قال: ذكر الحافظ ابن كثير في التاريخ (6/ 125) حنين الجذع بالاسانيد الكثيرة الصحاح من رواية ثمانية من الصحابة، ثم ختم الباب بما روى ابو حاتم الرازي عن عمرو بن سواد قال: (قال لي الشافعي: ما اعطي الله نبياً ما اعطى الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اعطي عيسى احياء الموتى! فقال: اعطي محمداً الجذع الذي كان يخطب الى جنبه حتى هئ له المنبر، فلما هيء له المنبر حنّ الجذع حتى سُمع صوته فهذا اكبر من ذلك) (2236) تحقيق المسند. وقد اورد ايضاً احاديث باسانيد صحيحة في حنين الجذع نذكر ارقامها وعلى سبيل المثال: (2237) عن انس (2400) عن ابن عباس، وعن انس (2401) عن ابن عباس وعن انس (3430) عن ابن عباس (3431) عن انس (3432) عن انس.
(9) (الحائط): البستان.
(10) في حديث طويل رواه احمد والشافعي وابن ماجه وفي اسناده عند الجميع عبد الله بن محمد بن عقيل، قال النسائي: ضعيف، وقال ابو حاتم لين، وقال الترمذي: صدوق سمعت محمداً (يعني البخاري) يقول: كان احمد واسحاق والحميد، يحتجون بحديث ابن عقيل (ملخصاً من الفتح الرباني 22/ 49).
(11) الشفا (1/ 304).
(12) الشفا (1/ 304) رواه عبد الله بن الامام احمد في زوائده وتخريجه في الهامش (8).
(13) الشفا (1/305) ولله درّ القائل من أهل الفضائل.
والقى حتى في الجمادات حبه فكانت لأهداء السلام له تهدى
وفارق جذعاً كان يخطب عنده فأنّ انين الأم اذ تجد الفقدا
يحنّ اليه الجذع يا قوم هكذا اما نحن اولى أن نحنّ له وجدا
اذا كان جذعٌ لم يطق بُعد ساعة فليس وفاء أن نطيق له بعداً
(علي القاري 1/ 626).
(*)الاشارة العاشرة - المكتوب التاسع عشر ص(171)
5-)
معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في الماء
تبين قسماً من المعجزات التي تتعلق بالماء.
المقدمة
ان الحوادث التي تقع بين اظهر الناس، اذا ما نُقلت بطريق الآحاد ولم تُكذَّب فهي دلالة على صدق وقوعها، لان فطرة الانسان مجبولة على ان يفضح الكذب ويرفضه. ولا سيما اولئك الذين لا يسكتون على الكذب وهم الصحب الكرام، وبخاصة اذا كانت الاحداث تتعلق بالرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم ، وبالاخص ان الرواة هم من مشاهير الصحابة. فيكون راوي ذلك الخبر الواحد حينذاك كأنه ممثل لتلك الجماعة التي شاهَدَتْه شهود عيان. علماً ان كل مثال من امثلة المعجزات المتعقلة بالماء التي سنبحث عنها قد رُوي بطرق متعددة، عن كثير من الصحابة الكرام وتناوله ائمة التابعين وعلماؤهم بالحفظ وسلّموا كل رواية منها بأمانة بالغة الى الذين يأتون من بعدهم في العصور الاخرى. فتلقاه العصر الذي بعدهم بجدّ وامانة ونقلوه بدورهم الى علماء العصر التالي، وهكذا تعاقبت عليه الوف العلماء الأجلاء في كل عصر وكل طبقة، حتى وصل الى يومنا هذا، فضلاً عن ان كتباً للاحاديث قد دوّنت في عصر النبوة وسُلّمت من يد الى يد حتى وصلت الى ايدي ائمة الحديث من امثال البخاري ومسلم فَوعوها وعياً كاملاً، وميّزوا هذه الروايات حسب مراتبها، وقاموا بجمع كل ما هو صحيح خالٍ من شائبة الشبهة في صحاحهم، فارشدونا الى الصواب.. جزاهم الله خيراً.
مثال: ان فوران الماء من اصابع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسقيه كثيراً من الناس، حادث متواتر. نقلته جماعة غفيرة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بل محال كذبهم. فهذه المعجزة اذاً ثابتة قطعاً، فضلاً عن انها قد تكررت ثلاث مرات امام ثلاث جماعات عظيمة.
فقد روت الحادثة برواية صحيحة جماعة من مشاهير الصحابة، وفي مقدمتهم أنس (خادم الرسول صلى الله عليه وسلم) وجابر وابن مسعود ونقلها الينا ـ بسلسلة من الطرق ـ ائمةُ الحديث امثال البخاري ومسلم والامام مالك وابن شُعيب وقتادة رضوان الله تعالى عليهم اجمعين.
وسنذكر تسعة امثلة فحسب من المعجزات المتعلقة بالماء.
المثال الاول:
- ثبت في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما:(عن انس بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه).(قال: اُتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم باناء وهو بالزوراء(1)، فوضع يده في الاناء، فجعل الماء ينبع من بين اصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة، قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة)(2).
فأنت ترى ان انساً رضي الله عنه يخبر عن هذه الحادثة بوصفه ممثلاً عن ثلاثمائة رجل. فهل يمكن الاّ يشترك اولئك الثلاثمائة في هذا الخبر معنىً وهل يمكن ألاّ يكذبوه ـ حاشاه ـ إن لم تكن هذه الحادثة قد حدثت فعلاً؟.
المثال الثاني:
- ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم: (عن سالم بن ابي الجعد عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوةٌ(3)، فتوضأ، فجهش الناس نحوهُ فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب، الاّ ما بين يديك. قال جابر: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يثور من بين اصابعه، كامثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قال سالم: قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة الف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة)(4) فترى ان رواة هذه المعجزة يبلغون الفاً وخمسمائة رجل من حيث المعنى لأن الانسان مفطور على ان يفضح الكذب ويقول للكذب هذا كذب، فكيف بهؤلاء الصحابة الكرام الذين ضحوا بارواحهم واموالهم وآبائهم وابنائهم واقوامهم وقبائلهم في سبيل الحق والصدق؟ فضلاً عن انه محال ان يسكتوا على الكذب بعدما سمعوا التهديد المرعب في الحديث الشريف (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . فماداموا لم يعترضوا على الخبر بل قبلوه ورضوا به، فقد أصبحوا اذاً مشتركين في الرواية ومصدِّقين لها من حيث المعنى.
المثال الثالث:
- تروى الكتب الصحاح (ومنها البخاري ومسلم)(5) في ذكر غزوة (بُواطٍ)(6) أن جابراً قال: (قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر نادِ الوضوء) فقيلَ لا يوجد لدينا الماء. فأراد ماء يسيراً. (فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فغمزه(7)، وتكلّم بشئ لا ادري ما هو. وقال: نادِ بجفنة الركب، فاتيتُ فوضعتها بين يديه، وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم بَسَط يده في الجفنة وفرّق اصابعه.
وصبّ جابرٌ عليه وقال: بسم الله! قال: فرأيت الماء يفور من بين اصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا. فقلت هل بقي احدٌ له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى).
فهذه المعجزة الباهرة متواترة من حيث المعنى، لأن جابراً كان في مقدمة المشاهدين فمن حقه اذاً ان يتكلم هو فيها، ويعلنها على لسان القوم حيث كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم آنذاك.
- وفي رواية ابن مسعود في الصحيح: (ولقد رأيتُ الماء ينبعُ من بين اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ). (8)
يا ترى اذا روى صحابة ثقاة اجلاء من امثال انس وجابر وابن مسعود وقال كل منهم: (رأيت)، أمن الممكن عدم رؤيتهم؟
وبعد؛ وَحِّد هذه الامثلة معاً، لترى مدى قوة هذه المعجزة الباهرة، لأن الطرق الثلاثة اذا ما توحدت فستثبت الرواية اثباتاً قاطعاً بالتواتر المعنوي، من ان الماء كان يفور من أصابعه صلى الله عليه وسلم فهذه المعجزة أعظم وأسمى من تفجير موسى عليه السلام الماء من اثنتي عشر عيناً من الحجر لأن انفجار الماء من الحجر شئ ممكن له نظيره حسب العادة، ولكن لا نظير لفوران الماء من اللحم والعظم كالكوثر السلسبيل.
المثال الرابع:
- روى الامام مالك في كتابه القيّم (الموطأ(9) عن أجلة الصحابة (عن معاذ بن جبل في قصة غزوة (تبوك) انهم وردوا العين وهي تبض بشئ من ماء(10) مثل الشراك) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : اجمعوا من مائها (فغرفوا من العين بايديهم حتى اجتمع في شئ. ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه واعاده فيها فَجَرت بماء كثير فاستقى الناس) حتى قال في حديث ابن اسحاق (فانخرق من الماء مالَه حِسّ كحس الصواعق. ثم قال: يوشِك يا معاذ إن طالت بك حياةٌ ان ترى ما هاهنا قد ملئ جناناً) وكذلك كان.
المثال الخامس:
- روى البخاري عن البراء، ومسلم عن سلمة بن الاكوع، وعن طرق اخرى في كتب الصحاح الاخرى (كنا يوم الحديبية اربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، حتى لم نترك فيها قطرة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومجّ في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استسقينا حتى روينا ورَوَت أو صَدَرَت ركائبنا)(11) قال البراء: فأمر صلى الله عليه وسلم بدلو من مائها، فأتينا بها، فألقى ريقه من فمه المبارك ودعا، ثم بعد ذلك أفرغ الدلو في البئر ففارت وارتفعت ملء فمها فأرووا انفسهم وركابهم.
المثال السادس
- روى ائمة الحديث، امثال مسلم وابن جرير الطبري وغيرهما عن ابي قتادة انه قال: (ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدّاً لأهل مؤتة عندما بلغه قَتْل الامراء)(12) وكانت لديّ مِيضأة. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (احفظ على مِيضأتك فانه سيكون لها نبأ) وبعد ذلك أخذ العطش يشتد بنا وكنا اثنين وسبعين ـ وفي رواية الطبري كنا زهاء ثلاثمائة ـ فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (ائت ميضأتك. فأتيتُها فأخَذَها ووضع فمه في فمها ولم ادر أتنفسَ فيها أم لا؟ ثم بعد ذلك جاء أثنان وسبعون رجلاً فشربوا منها وملأوا اوعيتهم ثم بعد ذلك أخذتها ـ أي الميضأة(13) ـ فبقيت مثل ما كان)(14) فتأمل في هذه المعجزة الباهرة وقل:
اللّهم صلّ وسلم عليه وعلى آله بعدد قطرات الماء.
المثال السابع:
- روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين حين اصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطشٌ في بعض اسفارهم (كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم... فاشتكى اليه الناس من العطش فنزل... ودعا عليا فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا أمرأة بين مُزادتين... فجاءا بها الى النبي صلى الله عليه وسلم... ودعا النبي صلى الله عليه وسلم باناء ففرّغ فيه من افواه المزادتين، ونودي في الناس اسقوا فاستقوا... وانه ليُخيّل الينا انها اشدّ ملأة منها حين ابتدأ فيها).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجمعوا لها فجمعوا لها... حتى جمعوا لها طعاماً فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها... قال لها: تعلمين ما رُزئنا من مائكِ شيئاً ولكن الله هو الذي أسقانا... الى اخر الحديث)(15).
المثال الثامن:
- روى ابن خزيمة حديث (عمر رضي الله عنه في جيش العسرة، وذكر ما اصابهم من العطش حتى ان الرجل لينحُر بعيرَه فيـعـصر فَرْثَه فيشـرَبُه، فرغـب ابو بكر رضي الله عنه الى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء. فرفع يديه فلم يُرجعهما حتى قالت(16) السماء فانسكبت فملأوا ما معهم من آنية ولم تجاوز العسكر)(17).
فهذه معجزة احمدية محضة لا دخل للمصادفة فيها قط.
المثال التاسع:
- عن عمرو بن شعيب (حفيد عبد الله بن عمرو بن العاص ) الذي وثّقه الائمة الاربعة من اصحاب السنن في تخريجه الاحاديث: (أن ابا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو رَديفُه بذي المجاز: عطشتُ وليس عندي ماء. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وضرب بقدمه الارض فخرج الماء، فقال اشرب)(18).
قال احد العلماء المحققين: هذه الحادثة كانـت قبـل النبوة لذا فهي من الارهاصات. وتفجر عينُ عرَفَه بعد مضي الف سنة يُعدّ من الاكرامات الإلـهية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهكذا فالمعجزات المتعلقة بالماء، وان لم تبلغ تسعين مثالاً من امثال هذه التسعة الاّ انها رويت بتسعين وجهاً.
والامثلة السبعة الاولى قوية، وقطعية، كالتواتر المعنوي. اما المثالان الاخيران ــ وان لم تكن طرقهما قوية ومتعددة ورواتهما كثيرة الاّ ان اصحاب الحديث كالامام البيهقي والحاكم رووا عن عمر رضي الله عنه معجزة ثانية حول السحاب تأييداً للمعجزة في المثال الثامن التي رواها سيدنا عمر. والرواية هي أنه: (اصاب الناس في بعض مغازيه صلى الله عليه وسلم عطش فسأله عمر الدعاء، فدعا، فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم ثم اقلعت)(19) وكأن السحاب كان مأموراً لأن يروى الجيش وحده ـ حيث امطر حسب الحاجة ــ فكما تؤيد هذه الحادثة المثال الثامن وتقويّه، وتبينه رواية ثابتة قاطعة. فان ابن الجوزي ــ الذي يتشدد ويرّد حتى بعض الاحاديث الصحيحة ويجعلها في عداد الموضوعات ــ يقول: ان هذه الحادثة وقعت في غزوة بدر ونزلت في حقها الآية الكريمة: ﴿ويُنزِّلُ عَليكُم مِن السّماء ماء لِيُطَهّركُم بِه﴾(الانفال: 11).
فهذه معجزة احمدية محضة لا دخل للمصادفة فيها قط.
فما دامت هذه الآية قد نزلت في حقها وبيَّنتها بوضوح، فلاشك اذاً في وقوعها.
وقد تكرر كثيراً نزول المطر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل ان تنزل يداه المرفوعتان وهي معجزة مستقلة بحد ذاتها. وقد استسقى النبي صلى الله عليه وسلم احياناً وهو على المنبر، ونزلت الامطار قبل ان يخفض يده. وقد ثبت هذا عن طريق متواتر.(*)
________________________
(1) (الزوراء): مكان مرتفع قريب من المسجد النبوي، وثمة سوقها.
(2) رواه البخاري في الوضوء: باب التماس الوضوء اذا حانت الصلاة، وفي الانبياء: باب علامات النبوة في الاسلام. ومسلم (2279). والحديث وردت بروايات اخرى من نفس الطريق في الموطأ (1/32) والنسائي (1/60) والترمذي (3635 تحقيق أحمد شاكر).
(3) (الركوة): اناء من جلد يستعمل للماء.
(4) رواه البخاري في الانبياء: باب علامات النبوة، وفي المغازي: باب غزوة الحديبية، وفي تفسير سورة الفتح: باب: (اذ يبايعونك تحت الشجرة)، وفي الأشربة: باب شرب البركة والماء المبارك. ومسلم برقم (1856).
(5) جزء من حديث طويل من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن ابي اليسر وجابر رضي الله عنهم رواه مسلم (3006 الى 3014) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة ابي اليسر.
(6) (بواط): هي ثاني غزواتهص، وهي اسم لجبال بقرب الينبع.
(7) (غمزه) اي وضع يده فيها - (الجفنة): كالقصعة لفظاً ومعنى وهي التي تشبع عشرة.
(8) رواه البخاري (4/ 235) في الانبياء: باب علامات النبوة، والترمذي (3637 تحقيق أحمد شاكر) واخرجه ايضاً النسائي من نفس الطريق (1/ 60) وبغير لفظ.
(11) حديث البراء رواه البخاري (4/ 234) في الانبياء: باب علامات النبوة، وفي المغازي، وحديث سلمة بن الاكوع رواه البخاري في الشركة: باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، وفي الجهاد: باب حمل الزاد في الغزو. ومسلم برقم (1729). ورواه أحمد(الفتح الرباني للساعاتي 22/ 61).
(12) وهم زيد بن حارثة وجعفر بن ابي طالب وعبد الله بن رواحة، وذلك انه صلى الله عليه وسلم أرسل بكتاب الى ملك بُصرى فقتل رسوله في مؤتة، ولم يقتل رسول له قبله، فعقد للسرية لواء دفعه لزيد واوصاهم وقال: ان قتل زيد فأميركم جعفر فان قتل جعفر فأميركم عبد الله بن رواحة.(الخفاجي3/26)ــ المترجم.
(13) (الميضأة): آلة الوضوء.
(14) رواه مسلم 681 ومن نفس الطريق رواه أبو داود (437 - 441) بلفظ مقارب.
(15) رواه البخاري في التيمم باب الصعيد الطيب، وضوء المسلم يكفيه من الماء.وباب التيمم ضربة، وفي الانبياء: باب علامات النبوة، ومسلم (682).
(16) (قالت): غيّمت - (رديفه): راكب خلفه. (ذي المجاز): سوق عند عرفة
(17) اورده الهيثمي في المجمع (6/ 194) عن ابن عباس وقال: رواه البزار والطبراني في الاوسط ورجال البزار ثقات. وزاد في كنز العمال (12/ 353) نسبته الى ابن جرير وجعفر الغريابي في دلائل النبوة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن وشعب الايمان فالحديث صحيح او حسن.
(18) في حديث رواه ابن سعد عن اسحق بن الازرق (الخفاجي 3/ 29) (الشفا 1/ 290).
ومن انواع معجزاته صلى الله عليه وسلم نوع عظيم، وهو الخوارق التي ظهرت بدعائه. فهذا النوع لاشك فيه ومتواتر تواتراً حقيقياً، وامثلتها وجزئياتها وفيرة جداً لا تحصر، وقد بلغ كثير من امثلتها درجة المتواتر، بل صارت مشهورة قريبة من التواتر، ومنها ما نقله ائمة عظام بحيث يفيد القطعية فيه كالمتواتر المشهور.
ونحن هنا نذكر على سبيل المثال بعضاً من امثلتها الكثيرة جداً التي هي قريبة من المتواتر، أو التي هي بدرجة المشهور، كما سنذكر جزئياتٍ من كل مثال:
المثال الاول:
- روى ائمة الحديث وفي مقدمتهم البخاري ومسلم ان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء كان يستجاب في الحال، وحدث ذلك مراراً كثيرة، حتى انه كان يرفع يديه احياناً للاستسقاء وهو على المنبر، فيستجاب له قبل ان ينزل، وهذه الروايات ثابتة بلغت حد التواتر. وقد ذكرنا آنفاً: انه اصاب الناس عطش في السفر، فكان السحاب يتراكم في كل مرة يحتاجون الى الماء فيسقوا ثم يقلع.
- بل كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم يستجاب حتى قبل النبوة، فكان عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى بوجهه الكريم في صباه، فكان المطر ينزل، وقد اشتهرت هذه الحادثة حتى ذكرها عبد المطلب في بعض اشعاره.
صلى الله عليه وسلم ولقد استسقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس عم النبي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقال: (اللّهم إنا كنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانّا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون)(1).
- وروى الشيخان ان الرسول صلى الله عليه وسلم سئل ان يغيثهم الله بالمطر (فدعا صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فسقوا ثم شكوا اليه المطر فدعا فصحوا)(2).
المثال الثاني:
- وردت رواية مشهورة قريبة من التواتر انه صلى الله عليه وسلم حينما كان المؤمنون قلة ويكتمون ايمانهم وعبادتهم (دعا بعزّ الاسلام بعمر رضي الله عنه أو بابي جهل فاستجيب له في عمر) اذ قال: (اللّهم اعزّ الاسلام بابي جهل بن هشام او بعمر بن الخطاب، فأصبح فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم)(3) فكان سبباً لعزّ الاسلام ولذلك دُعي بالفاروق.
المثال الثالث:
ولقد دعا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة لمقاصد شتى فاستجيب له استجابةً خارقة، حتى وصلت كرامة تلك الادعية درجة الاعجاز.
من ذلك ما روى البخاري ومسلم وغيرهما أنه: (دعا لابن عباس: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل)(4) فَسُمّي بعدُ الحبر وترجمان القرآن حتى كان عمر رضي الله عنه يأذن لابن عباس - مع حداثة سنّه - ان يجلس في مجلس اكابر الصحابة الاجلاء(5).
- وروى البخاري وغيره (عن انس رضي الله عنه قال: قالت امي: يا رسول الله خادمك أنس ادعُ الله له. قال: اللّهم أكثر ماله وولَده وبارك له فيما آتيته، وفي رواية عكرمة قال انس: فوالله ان مالي لكثير وان وَلَدي وولد ولدى ليعادّون اليوم على نحو المائة. وفي رواية فما اعلم أحداً اصاب من رخاء العيش ما اصبتُ، ولقد دفنتُ بيديّ هاتين مائة من ولدي لا اقول سقطاً ولا ولد ولد)(6) وكان كل ذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
- وروى الامام البيهقي وغيره من ائمة الحديث انه صلى الله عليه وسلم (دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة) وهو احد العشرة المبشرين بالجنة فاصاب مالاً وفيراً ببركة ذلك الدعاء حتى أنه (تصدّق مرّةً بعَير فيها سبعمائة بَعير وَرَدَتْ عليه تحمل من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها واحلاسها)(7) فما شاء الله في هذه البركة وتبارك الله.
وروى البخاري وغيره انه صلى الله عليه وسلم دعا لعروة بن ابي الجعد بالبركة في تجارة له. فقال: (فلقد كنت اقوم بالكناسة(8) فما أرجع حتى أربح أربعين الفاً. وقال البخاري في حديثه، فكان لو اشترى التراب ربح فيه)(9).
- (ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه فما اشترى شيئاً الاّ ربح فيه)(10) حتى اشتهر في زمانه بالثروة والمال بمثل ما اشتهر بالكرم والسخاء.
ولهذا النوع امثلة كثيرة جداً اوردنا هذه الاربعة على سبيل المثال.
- وروى الامام الترمذي: انه صلى الله عليه وسلم دعا لسعد بن ابي وقاص فقال: اللّهم استجب لسعد اذا دعاك(11). فكان مستجاب الدعوة يرهب الناس من دعائه عليهم.
- (وقال لابي قتادة: افلح وجهُك، اللّهم بارك له في شَعره وَبَشَره. فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة)(12). وقد اشتهرت هذه الرواية الثابتة.
- وعندما أنشد الشاعر المشهور النابغة بين يديه صلى الله عليه وسلم:
بَلَغنا السما في مجدنا وسَنائِنا وإنّا نريد فوق ذلك مظهراً
قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: الى اين يا أبا ليلى؟ قال: الى الجنة يا رسول الله.
ثم أنشد قصيدة اخرى تحمل معاني جليلة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْضُض الله فاك) (فما سقطت له سن، وكان احسن الناس ثغراً، اذا سقطت له سنٌ نبتت له اخرى. وعاش عشرين ومائة. وقيل اكثر من هذا)(13).
- وفي رواية صحيحة انه صلى الله عليه وسلم دعا لعلي رضي الله عنه، فقال: اللّهم
اكفه الحر والقر، فكان ببركة هذا الدعاء (يلبس في الشتاء ثياب الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حرّ ولا برد)(14).
- (ودعا لابنته فاطمة الاّ يجيعها الله. قالت: فما جعتُ بعد)(15).
- (وسأله الطفيل بن عمرو آيةً لقومه، فقال: اللّهم نوِّر له. فسطع له نورٌ بين عينيه، فقال: يا رب اخاف ان يقولوا: مُثْلَة، فتحول الى طرف سوطه، فكان يضئ في الليلة المظلمة، فسمي ذا النور)(16).
فهذه الحوادث لا ريب في رواياتها قط.
- (عن ابي هريرة قال: قلت: يا رسول الله انى اسمع منك حديثاً كثيراً أنساه. قال: ابسط رداءك فبسطتُه. قال: فغرف بيديه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيتُ شيئاً بعده)(17).
فهذه الحوادث من الاحاديث المشهورة.
المثال الرابع:
نبين عدة امثلة في صدد استجابة ادعيةٍ دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من الناس.
- الأول: جاء الخبر الى النبي صلى الله عليه وسلم بتمزيق ملك الفرس المسمى بَرْويز كتابَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللّهم مَزّقه. فمُزِّق كلَّ ممزق اذ قتل شيرويه ابن الملك اباه بالخنجر، ومزَّق سعد بن ابي وقاص مُلكه (فلم تبق له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في اقطار الدنيا)(18) بينما ظل مُلك قيصر وسائر الملوك لاحترامهم كتب الرسول صلى الله عليه وسلم اليهم.
- الثاني: ثبت بالحديث المشهور القريب من المتواتر - وبما ترمز اليه الآية الكريمة - انه اجتمع رؤساء قريش في المسجد الحرام وعاملوا النبي صلى الله عليه وسلم معاملة سيئة فدعا عليهم، وسمّاهم. قال ابن مسعود: (فلقد رأيتُهم قُتلوا يوم بدر)(19).
- الثالث: ودعا على مضر وهي قبيلة عظيمة، بما كذبته، (فأُقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسُقوا)(20) هذه الرواية قريبة من التواتر.
المثال الخامس:
هو استجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي دعا به على رجال معينين، نذكر على سبيل المثال ثلاثة من بين امثلته الكثيرة.
- الاول: دعا على عتبة بن ابي لهب، وقال: (اللّهم سلّط عليه كلباً من كلابك)(21). فسافر عتبة بعد ذلك فجاء اسد يبحث عنه، فاخذه من بين القافلة وأكله. هذه الحادثة مشهورة نقلها ائمة الحديث وصححوها.
- الثاني: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سرية وعلى رأسها عامر بن الأضبط ، وكان محلـِّم بن جثَّامة في معيته، فاغتاله محلـِّم غدراً، فلما جاء الخبر الى النبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: اللّهم لا تغفر لمحلِّم، فمات محلـِّم بعد سبعة أيام. (فلفظته الارض ثم وورى فلفظته مرات، فالقوه بين صُدِّين وضموا عليه بالحجارة - الصُّدُّ جانب الوادي)(22).
الثالث: (وقال لرجل رآه يأكل بشماله: كل بيمينك، قال: لا استطيع فقال: لا استطعت، فلم يرفعها الى فيه)(23).
المثال السادس:
سنذكر عدة خوارق ثابتة ثبوتاً قطعياً من تلك التي ظهرت بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وبلمسه.
- الاول: ان النبي صلى الله عليه وسلم اعطى شعرات من شعره الى خالد بن الوليد (سيف الله) ودعا له بالنصر، فوضعها خالد في قلنسوته (فلم يشهد بها قتالاً الاّ رُزق النصر)(24).
- الثاني: ان سلمان الفارسي كان عبداً لليهود، فكاتبه (مواليه على ثلاثمائة ودية يغرسها لهم كلها تَعْلَقُ وتُطعم وعلى اربعين اوقية من ذهب، فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده الاّ واحدةً غرسها غيره، فأخذت كلها الاّ تلك الواحدة فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردّها فأخذت - وفي كتاب البزار - فاطعم النخلُ من عامه الاّ الواحدة فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فاطعمت من عامها. واعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن ادارها على لسانه، فوزن منها لمواليه اربعين اُوقية وبقي عنده مثل ما اعطاهم)(25) هذه الحادثة هي من الخوارق المهمة التي مرت بحياة سلمان الفارسي رضي الله عنه، رواها الائمة الثقات.
الثالث: (كان لأم مالك الصحابية عكةٌ(26) تُهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمناً فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تعصرها ثم دفعها اليها، فاذا هي مملوءة سمناً فيأتيها بنوها يسألونها الأدْمَ وليس عندهم شئ، فتعمد اليها، فتجد فيها سمناً، فكانت تقيم إدمَها حتى عصرتها)(27) فلم يجدوا فيها شيئاً بعد ذلك.
المثال السابع:
ان المياه المرة تتحول الى عذبة حلوة وتفوح منها رائحة طيبة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولمسه لها. نسوق بضعة امثلة فقط:
- الاول: روى البيهقي وائمة الحديث ان بئر (قبا) كانت تنزف في بعض الاحيان (وسكب من فضل وضوئه في بئر قبا فما نَزَفَت بعد)(28).
- الثاني: روى ابو نعيم في دلائل النبوة، ورجال الحديث. انه كان في دار أنس بئر فبزق صلى الله عليه وسلم فيها ودعا (فلم يكن في المدينة اعذب منها)(29).
- الثالث: روى ابن ماجه انه (اُتي بدلو من ماء زمزم فمجّ فيه فصار اطيب من المسك)(30).
- الرابع: روى الامام احمد بن حنبل أنه صلى الله عليه وسلم اُتي بدلو من بئر فمجّ فيه ثم افرغ فيها فصارت اطيب من المسك(31).
- الخامس: روى حماد بن سلمة وهو من الرجال الموثوقين الذين يروي عنهم الامام مسلم، أنه صلى الله عليه وسلم ملأ (سقاء ماء بعد أن أوكاه ودعا فيه) وأعطاه لصحابة كرام وأمرهم ألاّ يحلّوه الاّ للوضوء. (فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلّوه فاذا به لبن طيب وزبدة في فمه)(32).
هذه الامثلة الخمسة الجزئية مشهورة بعضها، وينقلها ائمة اعلام. فهذه والتي لم نذكرها هنا بمجموعها تحقق بالتواتر المعنوي هذه المعجزة تحققاً كاملاً.
المثال الثامن
الشياه التي درّ ضرعها باللبن ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولمسه إياه بعد أن كان قد جفّ. هناك امثلة كثيرة جداً لهذا الاّ اننا نذكر ثلاثة منها مشهورة وثابتة.
- الاول: روت جميع كتب السير الموثوق بها أن الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم لما هاجر ومعه ابو بكر الصديق مرّ على خباء عاتكة بنت خالد الخزاعي المدعوة بأم معبد، فنزل عندها وكان لها شاة عجفاء لا لبن فيها. فقال لها: أليس بها لبن؟ فقالت أم معبد: ليس فيها دم فمن اين اللبن؟. فمسّ صلى الله عليه وسلم ظهرها ومسح ضرعها، ثم قال: ائتوا باناء واحلبوها، فحلبوها فشرب صلى الله عليه وسلم هو وابو بكر الصديق وبقيت في الاناء بقية فشرب مَن كان في الخباء الى ان شبعوا جميعاً. وهكذا بقيت تلك الشاة مباركة قوية(33).
- الثاني: قصة شاة ابن مسعود رضي الله عنه وهي:
(عن ابن مسعود قال: كنت ارعى غنماً لعقبة بن ابي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قال: قلت: نعم ولكني مؤتمن. قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟. فأتيته بشاة فمسح ضرعها، فنزل لبن فحلبه في اناء، فشرب وسقى ابا بكر…)(34) وكان هذا سبب اسلام ابن مسعود رضي الله عنه.
- الثالث: قصة (غنم حليمة السعدية(35) مرضعته صلى الله عليه وسلم)، وهي قصة مشهورة حيث كان في تلك السنة قحطٌ اصاب أرض قومها، فكانت الأغنام عجافة، جافاً الضروع، لم ترع حتى الشبع. فلما اُرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الى حليمة السعدية صارت اغنامها تأتي المرعى وقد رعت كثيراً ودرّ لبنـها، وغــنم قومـها على خلاف ذلك. وما ذاك الاّ ببركته صلى الله عليه وسلم.
وهـنـاك امثلة كثيرة اخرى في كتب السير، والـتـي اوردنـاها تكـفي ما نـحن بصدده.
المثال التاسع:
نذكر بضعة امثلة من الامثلة الكثيرة المشهورة للخوارق التي ظهرت عند مسح الرسول صلى الله عليه وسلم رؤوس بعضهم ووجوههم بيده ودعائه لهم:
- الاول: (مسح على رأس عُمير بن سعد وبرّك، فمات وهو ابن ثمانين، فما شاب)(36).
- الثاني: (ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامى ودعا له، فهلك وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيض وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرّت يدُه عليه من شعره أسود، فكان يُدعى الأغر)(37).
- الثالث: (ومسح رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو صغير، وكان دميماً ودعا له بالبركة فَفَرَع الرجال طولاً وتماماً)(38).
- الرابع: (سَلَت(39) الدم عن وجه عائذٍ بن عمرو وكان جُرحَ يوم حُنين ودعا له فكان له غرّة كغُرة الفرس)(40).
- الخامس: (مسح وجه قتادة بن مِلحان فكان لوجهه بريقٌ حتى كان يُنظَر في وجهه كما يُنظَر في المرآة)(41).
- السادس: (نضح في وجه زينب (وهي صغيرة) بنت ام سلمة نضحة من ماء) كان يتوضأ به (فما يُعرف كان في وجه امرأة من الجمال مابها)(42).
وهناك امثلة كثيرة كهذه الجزئيات التي اوردناها رواها ائمة الحديث فهي بمجموعها تفيد التواتر المعنوي وتبين وقوع المعجزة الاحمدية المطلقة. فحتى لو فرضنا كل واحد من هذه الامثلة خبراً آحادياً، وضعيفاً، فان مجموعها يكون بحكم المتواتر المعنوي، لانه لو نقلت حادثة ما في صور متباينة وروايات مختلفة، فهذا يعني ان الحادثة واقعة لا شك فيها الا ان رواياتها وصورها مختلفة او ضعيفة.
فمثلاً: اذا سُمع في مجلس دويّ، فقال بعضهم: انهدم بيت فلان، وقال آخر: انهدم بيت شخص آخر. وقال آخر: بيت فلان.. وهكذا فكل رواية من هذه الروايات مع انها آحادية وضعيفة أو مخالفة للواقع الا ان الحادثة الاصلية لاشك في وقوعها، وهي انهدام بيت. فالروايات بمجموعها تفيد قطعية وقوع الحادثة وهي متفقة في الاصل. بينما الامثلة الجزئية التي ذكرناها روايات صحيحة كلها، حتى أن بعضاً منها بلغ درجة المشهور. فلو فرضنا كلاً منها ضعيفة لكانت دلالة مجموعها ايضاً دلالة قطعية على وجود المعجزة الاحمدية مثلما دلت الروايات في المثال على انهدام بيت من البيوت .
وهكذا فكل نوع من انواع المعجزات الاحمدية الباهرة ثابت لا ريب فيه. وما جزئياتها الا نماذج وصور مختلفة لتلك المعجزة المطلقة.
وكما ان يده صلى الله عليه وسلم واصابعه وريقه ونفثه واقواله - اي دعاءه - منشأ لكثيرمن المعجزات، فان جميع لطائفه الاخرى وحواسه واجهزته مدار لكثيرمن الخوارق ايضاً. وقد بينت كتب السيرة والتاريخ تلك الخوارق واوضحت كثيراً من دلائل النبوة التي هي في سيرته وصورته وجوارحه ومشاعره صلى الله عليه وسلم. (*)
__________________________________
(1) حديث الاستسقاء بالعباس رواه البخاري (2/ 35) كتاب الاستسقاء(5/ 25) باب مناقب الصحابة.
(3) صحيح: رواه الترمذي (3684) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، وأقره محقق المشكاة (6036) فوهم لأن الرواية التي في المشكاة عن ابن عباس قال فيها الترمذي (3766 تحفة الاحوذي): هذا حديث غريب من هذا الوجه. وحديث ابن عباس اخرجه احمد في المسند كما قال صاحب تحفة الاحوذي، وحديث ابن عمر عزاه محقق جامع الاصول (7428) لأحمد وابن سعد في الطبقات والبيهقي في دلائل النبوة. وصححه ابن حبان. وحديث ابن عمر وابن عباس حسنهما محقق جامع الاصول.
(4) الشفا (1/ 327) كما رواه الشيخان (على القاري 1/ 661) (الخفاجي 3/ 130). والحديث بهذا السياق ليس في الصحيحين بل هو عند احمد وغيره باسناد صحيح: قال الارناؤوط في تخريج (جامع الاصول 9/ 63) وانما هي عند احمد في المسند (1/ 264، 314، 328، 335). رواها ايضاً ابن حبان والطبراني، وليست في الصحيحين بهذا اللفظ، ولذلك قال المصنف رحمه الله: ولم اجده في الكتابين، وقال الحميدي: هذه الزيادة ليست في الصحيحين، وقال الحافظ في (الفتح) وهو كما قال... وذكر الحافظ في موضع آخر: وهذه اللفظة: (اللّهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) اشتهرت على الألسنة حتى نسبها بعضهم للصحيحين ولم يصب والحديث عند احمد بهذا اللفظ. اورده الحاكم في المستدرك (4/ 534) وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه واقره الذهبي. وانما روى منه مسلم قوله (اللّهم فقهه) اهـ ورواه البخاري (1/29) بلفظ (اللّهم علّمه الكتابة ). وفي رواية له (5/34) (اللّهم علّمه الحكمة) ورواه الترمذي وابن ماجه بالفاظ مقاربة... وقد ذكرت كل هذا ليتبين للقارىء الكريم كيف أن الاستاذ النورسي معذور في نسبته الحديث بهذا السياق للصحيحين اذ ان كبار المحدثين امثال التبريزي وعلى القارئ والقاضي عياض والخفاجي وغيرهم قد وقعوا في مثل هذا الامر علماً انهم متخصصون في الحديث وهم بين المصادر الحديثية، بينما الاستاذ النورسي الذي اكرمه الله بكتابة هذه المعجزات بعيد عن المصادر كلياً. علماً ان الحديث الذي ذكره الاستاذ صحيح. فالحمد لله الذي تتم بفضله الصالحات.
(5) صحيح: اخرجه احمد (1/ 338) وبنفس الاسناد اورده في فضائل الصحابة برقم (1871) وصححه المحقق، والحديث عند البخاري وابي نعيم وابن سعد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي (راجع تخريجه مفصلاً في فضائل الصحابة).
(6) انظر البخاري (8/ 93، 100) ومسلم برقم (2480، 2481) ورواه احمد (6/ 430، 3/ 190) وانظر تحفة الاحوذي (10/ 330) ومسلم (4/ 1929) والفتح الرباني (22/ 203) بسياقات مختلفة مع السياق المذكور.
(9) (عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعطاه ديناراً يشتري له به شاةً فاشترى له به شاتين. فباع احداهما بدينار وجاءه بدينار وشاةٍ، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه) البخاري 4/ 252 باب علامات النبوة. ورواه احمد (الفتح الرباني 22/ 326) وفيه: فقال: (اللّهم بارك له في صفقة يمينه) فلقد رأيتني اقف بكناسة الكوفة فاربح اربعين الفاً قبل ان اصل الى اهلي...
(10) صحيح: الشفا (1/ 327). رواه ابو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد 5/ 286) (المطالب العالية برقم(4077،4078) ورواه احمد ورجاله ثقات، كذا في المجمع.
(11) صحيح: رواه الترمذي في المناقب (3752، 5/ 649) باب مناقب سعد بن ابي وقاص. ورواه ابن حبان في صحيحه (برقم 12215) والحاكم (3/ 499) وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن ابي عاصم في السنة (138 ب) وابو نعيم في الحلية (1/ 93) وفي الدلائل (3/ 206) واخرجه ابن سعد (3/ 142) بغير هذا السند (المشكاة 3/ 251 برقم 6116) و (تحفة الاحوذي 3835، 10/ 253 - 254) (فضائل الصحابة 2/ 750 برقم 1038) (جامع الاصول 10/ 16 برقم 6535) قال المحققون الثلاثة: اسناده صحيح.
(13) على القارئ (1/ 661). والاصل مشابه لعلي القاري والخفاجي. وفي الاصابة:
بلغنا السما مجدُنا وجــدودنا وانا لنبغي فوق ذلك مظهراً
وكذا في اخبار اصبهان لأبي نعيم، ومسند الحارث (2/6) وقد اخرج بعضه البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما كلهم من طريق يعلى بن الاشدق، وهو ساقط الحديث لكنه توبع، كذا في الاصابة، واما سند الحارث ففيه من لم يُسمَّ (المطالب العالية رقم 4065) (الاصابة رقم 8639) وقد ذكر ان الحديث رواه الشيرازي في الالقاب وذكر للحديث طرق اخرى. وذكر سياق الحديث ابن كثير في البداية والنهاية (6/ 168) وعزاه للحافظ ابو بكر البزار والبيهقي من طريق اخرى، زاد فيها بعد ذكره لسياق الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: أجدت لا يفضض الله فاك. قال يعلى: فلقد رأيته ولقد اتى عليه نيفٌ ومائة سنة وما ذهب له سن.
(14) قال الهيثمي في المجمع، عن عبد الرحمن بن ليلى (9/ 122): في احد اسانيد هذا الحديث، رواه الطبراني في الاوسط واسناده جيد. وفي كتاب فضائل الصحابة للامام احمد برقم (950) واسناده ضعيف لاجل محمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى. ورواه ابن ماجة (117،1/43 - 44). والحديث ضعّفه محقق الفضائل، واخرجه في المسند الامام احمد ( 1/ 99، 133) بالسند ذاته وحسّنه العلامة احمد شاكر في تحقيقه المسند (2/ 120) . وقال الخفاجي (3/ 133): رواه البيهقي وابن ماجه بسند صحيح متصل بعلي رضي الله عنه.
(15) الشفا (1/ 328) في حديث رواه البيهقي عن عمران بن الحصين (الخفاجي 3/134). قال الهيثمي في المجمع (9/ 203): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله وثقوا.
(16) الشفا (1/328) رواه ابن اسحق بلا سند والبيهقي عنه وابن جرير من طريق الكلبي (الخفاجي 3/ 134) (على القارى 1/ 662).
(17) رواه البخاري (1/ 41، 4/ 253) واللفظ له. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن ابي هريرة (10/ 334 برقم 3923 تحفة الاحوذي). اهــ. انظر تحقيق الارناؤوط على جامع الاصول (9/ 95). وقد ورد الحديث بغير هذا السياق، انظر البخاري (3/ 68) كتاب البيوع و (3/ 143) كتاب الحرث والمزارعة (9/ 133) كتاب الاعتصام. ومسلم برقم (2492) ورواه احمد (2/ 240، 274، 427) وانظر الفتح الرباني (22/ 405،409ــ 410) والترمذي (10/ 334 - 335 برقم 3924)، وابو نعيم في الحلية (1/ 381) والاصابة برقم (1190) والبداية والنهاية (6/ 162).
(18) الشفا (1/ 328) في حديث رواه البخاري (6/ 10) واحمد (الفتح الرباني 22/ 159) من حديث ابن عباس.
(19) عن ابن مسعود قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى عند البيت وابو جهل واصحاب له جلوس..
وقد نحرت جزور بالامس. فقال ابو جهل: ايكم يقوم الى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد اذا سجد، فانبعث اشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وانا قائم انظر، لو كان لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق انسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم اقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي yصلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان اذا دعا دعا ثلاثاً واذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: (اللّهم عليك بقريش ثلاث مرات) فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: (اللّهم عليك بابي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وامية بن خلف وعقبة بن ابي معيط، وذكر السابع ولم احفظه فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رأيت الذين سمّى صـرعى يوم بـدر ثم سحبوا الى القليب قلـيـب بدر) (صحــيح:مـسـلم 3/ 1418 برقم 1794) ورواه البخاري (5/ 57، 94). ورواه أحمد (1/ 417).(20) عن ابي الضحى عن مسروق قال: اتيت ابن مسعود فقال: ان قريشاً ابطوا عن الاسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها واكلوا الميتة والعظام فجاءه ابو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وان قومك هلكوا فأدع الله، فقرأ ﴿فارتقب يوم تأتي السماءُ بدخانٍ مبين﴾ ثم عادوا الى كفرهـم فذلك قوله تعـالى: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ يوم بدر، قال: وزاد اسباط عن منصور: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث فاطبقت عليهم سبعاً وشكا الناس كثرة المطر. قال: اللّهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة من رأسه فسقوا الناس حولهم (البخاري 2/ 37 كتاب الاستسقاء باب اذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط).
(22) حسن: أخرجه ابن ماجة 3930 من حديث عمران بن الحصين. قال البوصيري في الزّوائد عن الطريق الأولى: هذا اسناد حسن. والسّميط وثّقه العجلى، وروى له مسلم في صحيحه، وعاصم هو الأحول، ويروى له مسلم ايضاً في صحيحه، وذكره ابن حبّان في الثّقات. وسويد بن سعيد مختلف فيه. أهـ . قلت: والحديث حسن له متابع أخرجه ا بن ماجة، وقال البوصيري: هذا اسناد حسن، لأن اسماعيل بن حفص مختلف فيه وباقي رجال الاسناد ثقات. أهـ.
(23) الشفا (1/ 329). في حديث رواه مسلم عن سلمة برقم (2021).
(24) صحيح: الشفا (1/ 331). في حديث رواه الطبراني وابو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح. وجعفر سمع من جماعة من الصحابة، فلا ادري سمع من خالد ام لا؟ كما في مجمع الزوائد (9/ 349) قال محقق المطالب العالية: قال البوصيري: رواه ابو يعلى بسند صحيح (المطالب العالية 4/90 رقم 4044).
(25) حسن: جزء من حديث طويل جداً فيه سياق قصة اسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه. والحديث اخرجه أحمد (5/ 441 - 442) وابن سعد في الطبقات (4/ 53 - 57) من حديث ابن عباس واورده الهيثمي في (المجمع) (9/ 332 - 336) وقال: رواه احمد كله والطبراني في الكبير بنحوه ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن اسحق وقد صرح بالسماع اهــ. وحسّنه صاحب سلسلة الاحاديث الصحيحة (894) وقال: وروى قطعة منه الحاكم (2/ 16) من هذا الوجه. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. كذا قالا!
(26) (عكة): صفن من جلد يوضع فيه السمن غالباً.
(27) الشفا (1/ 332) في حديث رواه مسلم برقم (2280) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(30) الشفا (1/ 332) رواه ابن ماجه برقم (659) قال في الزوائد: اسناده منقطع، لأن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من ابيه شيئاً، قاله ابن معين وغيره. اهـ. وانظر تخريج الحديث الذي يليه، فالحديث صحيح.
(31) صحيح: رواه أحمد من طريقين (22،67 الفتح الرباني) قال الساعاتي: اخرجه ابن ماجه من طريق عبد الجبار بن وائل عن ابيه... ثم قال. قلت: وعلى هذا فالحديث صحيح لأن عبد الجبار اخرج له مسلم والاربعة، وعلقمة اخرج له مسلم والاربعة في رفع اليدين والله اعلم.
(32) الشفا (1/ 334). رواه ابن سعد (الخفاجي 3/ 160).
(33) اصل الحديث: عن حزام بن هشام عن ابيه عن جده حُبيش بن خالد - رواه في (شرح السنة) وابن عبد البر في (الاستيعاب) وابن الجوزي في كتاب (الوفاء) وفي الحديث قصة. (المشكاة برقم 5943. قال المحقق: وكذلك رواه الحاكم (2/ 109) وصححه ووافقه الذهبي... قلت: وحديث ام معبد في المجمع (8/ 313) عن ام معبد باختصار. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير حزام بن هشام بن حبيش وابيه وكلاهما ثقة. وفي المجمع ايضاً (6/ 58) من حديث قيس بن النعمان قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. قلت: ومنه تعلمان الحديث بطرقه صحيح فالحمد لله على فضله. وانظر القصة في البداية والنهاية (3/ 190 ـ 191) وزاد المعاد (3/ 55 - 57) وابن سعد في الطبقات (1/ 230 - 231).
(34) صحيح: رواه أحمد. قال العلامة احمد شاكر في تحقيق المسند: اسناده صحيح ونقله ابن كثير في التاريخ (6/102) عن هذا الموضع، ثم قال: ورواه من حديث ابي عوانة عن عاصم (تحقيق المسند 5/210 رقم 3598).
(35) قالت حليمة (فيما رواه ابن اسحق وابن راهويه وابو يعلى والطبراني والبيهقي وابو نعيم): قدمت مكة نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء (اي مجدبة)، فقدمتُ على أتان لي ومعي صبي لنا وشارف لنا (اي ناقة مسنة) والله ما تبض بقطرة (اي ماتدر قطرة لبن) وما ننام ليلنا ذلك اجمع مع صبينا ولا نجد في ثديي ما يغذيه ولا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة فوالله ما علمت من امرأة الا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه اذ قيل انه يتيم من الاب، فوالله ما بقي من صواحبي امرأة الاّ أخذت رضيعاً غيره، فلما لم اجد غيره قلت لزوجي: اني لأكره ان ارجع من بين صواحباتي وليس معي رضيع، لانطلقنّ الى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فاذا به مدرج في ثوب صوف ابيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حريرة خضراء راقداً على قفاه يغط، فاشفقت ان اوقظه من نومه لحسنه وجماله فدنوت منه رويداً فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكاً ففتح عينيه ينظر اليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وانا انظر فقبلته بين عينيه واعطيته ثديي الايمن فاقبل عليه بما شاء من لبن، فحوّلته الى الايسر فأبى وكان تلك حاله بعدُ. قالت: فروى وروى اخوه. ثم أخذته فما هو الاّ ان جئت به الى رحلي فاقبل عليّ ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روى وشرب اخوه حتى روى. فقام صاحبي تعني زوجها الى شارفنا تلك فاذا بها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا وبتنا بخير ليلة فقال صاحبي: يا حليمة والله اني لأراك قد أخذت نسمة مباركة. ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين اخذناه فلم يزل الله يزيدنا خيراً. قالت حليمة: فودعت ام النبي صلى الله عليه وسلم ثم ركبت أتاني واخذته بين يديّ فسبقت دواب الناس الذين كانوا معي وهم يتعجبون منها ثم قدمنا منازل بني سعد ولا اعلم ارضاً من ارض الله أجدب منها. وكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب انسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم اسرحوا حيث يسرح راعي غنم بنت ابي ذؤيب فتروح اغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن وتروح اغنامي شباعاً لبناً، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه، وفصلته وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان... الخ. (كذا ورد في تعليق الساعاتي على ترتيب المسند - الفتح الرباني/ 192 - 193) واورده الهيثمي بسياق قريب من هذا وقال : رواه ابو يعلى والطبراني بنحوه الاّ انه قال: ..حليمـة بـنـت ابي ذؤيـب ورجـالهما ثقـات (مجـمع الزوائد 8/ 220 - 221) وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. قال المحقق: قال البوصيري: رواه ابن حبان في صحيحه عن ابي يعلى... ورمز المحقق لحسنه.
(36) الشفا (1/ 334).
(37) الشفا (1/ 334).
(38) الشفا (1/ 335).
(39) (سلت): مسح.
(40) الشفا 1/ 334) قال الهيثمي في (المجمع) (9/ 412) رواه الطبراني وفيه منْ لم اعرفهم .
(41) الشفا (1/ 334) عن حيان بن عمير قال مسح النبي صلى الله عليه وسلم وجه قتادة بن ملحان ثم كبّر، فبلي منه كل شئ غير وجهه. قال فحضرته عند الوفاة فمـرت امـرأة فرأيتها في وجهـه كما أراها في المـرآة (الاصــابة لابن حــجـر 3/ 225) ورواه بغير هذا السياق الامام أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 5/ 319).
(42) الشفا (1/ 334) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (الخفاجي 3/ 163) وام سلمة هي ام المؤمنين رضي الله عنها وزينب بنتها ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولدت في ارض الحبشة، فقدمت بها امها، وهي اخت الزبير من الرضاعة. قال الهيثمي في (المجمع) (9/ 259): رواه الطبراني وام عطاف لم اعرفها.
(*)الاشارة الرابعة عشرة – المكتوب التاسع عشر ص (192)
اي الخوارق التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها،
وهي على ثلاثة اقسام:
القسم الاول
ما أخبرت به التوراة والانجيل والزبور وصحف الانبياء عليهم السلام عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
وهو ثابت بنص القرآن الكريم.
نعم، فما دامت تلك الكتب كتباً سماوية، واصحابها هم انبياء كرام عليهم السلام، فلابد ان اخبارها عمن سيضئ بالنور الذي يأتيه نصف المعمورة، وينسخ الاديان الاخرى، ويغيّر ملامح الكون، اقول لابد ان ذكرها لهذه الذات المباركة ضروري وقطعي. أفيمكن لتلك الكتب التي لا تهمل حوادث جزئية الاّ تذكر اعظم حادثة في تاريخ البشرية تلك هي حادثة البعثة المحمدية؟ واذا كان لابد لها أن تبحث عنها وتذكرها، فهي إما ستكذّبها كي تصون دينها وكتابها من النسخ والتخريب، أو ستصدّقها، أي تصدق ذلك النبي الحق كي تحافظ على دينها وكتابها من تسرب الخرافات وتسلل التحريفات، ولما كان الاصدقاء والاعداء متفقين على عدم وجود اية امارة في تلك الكتب للتكذيب مهما كانت، فهناك اذاً امارات التصديق. فما دام التصديق قائماً بصورة مطلقة، وان هناك علة قاطعة، وسبباً اساساً يقتضي وجود هذا التصديق، فنحن بدورنا سنثبت ذلك التصديق بثلاث حجج قاطعة تدل على وجوده:
الحجة الاولى:
ان الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم تلى عليهم آيات كريمة يتحداهم بها، وكأنه يقول لهم بلسان القرآن الكريم: ان كتبكم تصدّق ما تشتمل عليه شمائلي واوصافي وتصدّق ما ابلّغه للعالمين.
﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (آل عمران: 93) ﴿فَقُل تعالوا ندعُ ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لَعْنَتَ الله على الكاذبين﴾ (آل عمران: 61).
ومع هذا التحدي الواضح لم يتقدم حبر من أحبار اليهود، ولا قس من قسس النصارى الى اظهار خلاف ما يقوله صلى الله عليه وسلم . فلو كان هناك شئ مهما كان طفيفاً من هذا القبيل لأعلنه اولئك الكفار والمنافقون من اليهود ذوو العناد والحسد، وهم كثيرون في كل مكان وزمان.
فكان التحدي؛ إما ان يجدوا أيّ خلاف كان فيما يبلّغ من اوامر الله سبحانه، أو سيجاهدهم جهاداً لا هوادة فيه، وهم لعجزهم عن الأتيان بخلاف ما يبلّغ آثروا الحرب والدمار والهجرة، اي انهم لم يجدوا شيئاً كي يلزموه. ولو وجدوا خلاف قوله لكان اظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والاموال وتخريب الديار.
الحجة الثانية:
لقد خالطت آيات التوراة والانجيل والزبور كلماتٌ غريبة عنها، لتوالي ترجماتها، والتباس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة مع آياتها، حيث ان آياتها ليس فيها الاعجاز الذي في آيات القرآن الكريم، فضلاً عما قام به الجهلاء وذوو الاغراض السيئة من تحريفات في تلك الكتب، فزادت من تلك التحريفات والتغييرات حتى ان العلامة المشهور رحمة الله الهندي(1) ألزم الحجة علماء اليهود والنصارى باظهار الوف من التحريفات في الكتب السابقة.
ومع هذا القدر من التحريفات، فقد استخرج في هذا العصر العالم المشهور حسين الجسر - رحمه الله - مائة وعشرة أدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم من تلك الكتب واثبتها في كتابه المسمى بــ (الرسالة الحميدية) وقام المرحوم اسماعيل حقي المناسطري بترجمة الكتاب الى اللغة التركية، فمن اراد فليراجعه.
ثم ان كثيراً من علماء اليهود والنصارى قد أقروا: ان في كتبنا أوصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، منهم هرقل من ملوك الروم الذي اعترف قائلاً: (ان عيسى عليه السلام قد بشّر بمحمد صلى الله عليه وسلم) كما اعترف صاحب مصر (المقوقس، وابن صوريا، وابن أخطب واخوه كعب بن أسد والزبير بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود) ورؤسائهم قائلين: (نعم، ان اوصافه موجودة في كتبنا، ومذكورة فيها).
كما ان كثيراً من مشاهير علماء اليهود والنصارى قد نبذوا الخصومة والعناد وآمنوا بالاسلام بعدما رأوا أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، وبيّنوها لغيرهم من العلماء، فألزموهم الحجة. منهم: عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وابي ياسر، وشامول - صاحب تُبعّ - كما آمن تبّع قبل البعثة غياباً، وإبناسَعْية وهما أسيد وثعَلبة اللذان ناديا في قبيلة بني النضير منددَين بهم عندما حاربت الرسول صلى الله عليه وسلم قائلَين: (والله هو الذي عَهِد اليكم فيه ابن هَيْبان). وابن هيْبان هذا هو الرجل العارف بالله الذي كان قد نزل ضيفاً على بني النضير قبل البعثة، وقال لهم: (قريبٌ ظهور نبي هذا دار هجرته) وتوفي هناك، الاّ ان قبيلة بني النضير لم تلق بالاً لهما، فأصابهم ما أصابهم.
كما آمن من علماء اليهود: ابن ياسين، ومخيريق، وكعب الاحبار قبيلة بني النضير لم تلق بالاً لهما، فأصابهم ما أصابهم.
كما آمن من علماء اليهود: ابن ياسين، ومخيريق، وكعب الاحبار، وامثالهم كثير ممن رأوا نعت الرسول صلى الله عليه وسلم في كتبهم وألزموا الحجة من لم يؤمنوا.
وممن اسلم من علماء النصارى بحيراء الراهب - كما مرّ سابقاً - وذلك عندما ذهب صلى الله عليه وسلم مع عمه ابي طالب الى الشام، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فصنع بحيرا طعاماً لقافلة قريش، اكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر واذا بالغمامة التي تظل القافلة باقية في مكانها، قال فالذي اريده اذاً ما زال باقياً هناك فارسل عليه من يأتي به، وقال لعمه ابي طالب: عُدْ به الى مكة، فاليهود حسّاد يكيدون له، فإنا نجد اوصافه في التوارة.
وقد آمن كل من نسطور الحبشة ومليكها النجاشي، لمّا رأيا اوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتابهم. واعلن العالم النصراني المشهور ضغاطر اوصافه صلى الله عليه وسلم بين الروم، فاستشهد. وقد آمن ايضاً حارث بن ابي شمر الغساني - العالم النصراني المشهور - ورؤساء الروحانيين في الشام، وملوكها اي صاحب ايليا، وهرقل، وابن ناطور، وجارود، وامثالهم، لمّا رأوا اوصافه صلى الله عليه وسلم في كتبهم. الاّ ان هرقل لم يعلن ايمانه حرصاً على الحكم والسلطة.
وامثال هؤلاء كثير مثل سلمان الفارسي الذي كان نصرانياً، وما ان رأى اوصافه صلى الله عليه وسلم حتى أخذ يتحرى عنه ولما رآه أسلم. وكذلك تميم وهو عالم جليل، والنجاشي ملك الحبشة المشهور، ونصارى الحبشة، واساقفة نجران.. فهؤلاء كلهم يخبرون بالاتفاق: اننا آمنا لما رأينا اوصافه صلى الله عليه وسلم في كتبنا.
الحجة الثالثة:
سنذكر على سبيل المثال فحسب، آيات من التوراة والأنجيل والزبور(2) التي تبشر بالرسول صلى الله عليه وسلم .
الاول: هناك آية في الزبور ما معناه.
(الـّلـّهم ابعث لنا مقيم السنة بعد الفترة) ومقيم السنة هو من اسمائه صلى الله عليه وسلم .
وآية الأنجيل:
(قال المسيح اني ذاهب الى أبي وابيكم ليبعث فيكم الفارقليطا)(3) اي ليبعث فيكم أحمد.
وآية اخرى من الانجيل:
(واني اطلب من ربي فيعطيكم فارقليطاً يكون معكم الى الابد)(4).
والفارقليط: الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الكتب(5).
وآية التوراة:
(ان الله قال لأبراهيم. إنّ هاجر تلد ويكون من ولدها مَن يدُه فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة اليه بالخشوع)(6).
وآية اخرى في التوراة:
(وقال يا موسى اني مقيم لهم نبياً من بني اخوتهم مثلك وأجري قولي في فمه والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فانا انتقم منه)(7).
وآية ثالثة في التوراة:
(قال موسى: رب اني اجد في التوراة أمة هم خير امة اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، فاجعلهم امتي، قال: تلك امة محمد).
تنبيه:
لقد عبّرت الكتب عن اسم محمد صلى الله عليه وسلم باسماء سريانية ضمن اسماء عبرية فمثلاً: (مشفَّح، مُنْحَمنا، حمياطا) وغيرها من الاسماء التي ترد بمعنى محمد في اللغة العربية. أما الاسم الصريح (محمد) صلى الله عليه وسلم فلم يأت الاّ نادراً، وهذا قد حرّفه اليهود لحسدهم وعنادهم، منها آية الزبور:
(يا داود يأتي بعدك نبي يسمى احمد ومحمداً صادقاً سيداً، امته مرحومة). وقد اعلن عن وجود هذه الآية الآتية في التوراة قبل ان تلعب فيها ايدي التحريف كثيراً، كلٌ من عبد الله بن عمرو بن العاص وهو احد العبادلة السبعة الذين لهم اطلاع واسع على الكتب السابقة، وعبد الله بن سلام وهو من مشاهير علماء اليهود الذي سبق أقرانه في الاسلام، وكعب الاحبار وهو من علماء اليهود. الآية تخاطب سيدنا موسى عليه السلام، ثم تتجه الى النبي الذي سيأتي:
(يا ايها النبي انا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للاميين، أنت عبدي، سمّيتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الاسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا اله الاّ الله)(8).
وآية اخرى من التوراة:
(محمد رسول الله مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام. وامته الحمّادون) ولفظ (محمد) في هذه الآية قد ورد باسم سرياني يعني محمد.
وايضاً آية اخرى من التوراة:
(انت عبدي ورسولي سميتك المتوكل). فهذه الآية تخاطب الذي سيبعث بعد موسى عليه السلام من بني اسماعيل الذين هم اخو بني اسحاق(9)
وآية اخرى من التوراة:
(عبدي المختار ليس بفظٍ ولا غليظ)(10) والمختار هو المصطفى وهو اسم من اسماء النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد جاءت تعاريف متنوعة تخص (رئيس العالم) الذي بُشّر به بعد عيسى عليه السلام في الانجيل، منها: (معه قضيب من حديد يقاتل به وامته كذلك) فقضيبٌ من حديد يعني السيف. اي سيأتي من هو صاحب السيف، وامته مأمورة بالجهاد، كما وصفهم القرآن الكريم في ختام سورة الفتح:
﴿وَمَثلُهم في الانجيل كَزَرعٍ أخَرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَه فاستَغْلظَ فاستوى على سُوقه يُعجِبُ الزُرّاعَ ليغيظَ بهم الكفّار﴾ (الفتح: 29)
وهناك آيات كثيرة اخرى مشابهة لهذه في الانجيل(11).
جاءت في الباب الثالث والثلاثين من الكتاب الخامس من التوراة هذه الآية:
(وقال: جاء الرب من سيناء واشرق لنا من ساعيرا ستعلن من جبل فاران ومعه الوف الاطهار في يمينه).
فهذه الآية مثلما تخبر عن نبوة موسى عليه السلام باقبال الحق من طورسينا، فهي تخبر عن نبوة عيسى عليه السلام بــ (اشرق لنا من ساعيرا) وفي الوقت نفسه تخبر عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بظهور الحق من فاران التي هي جبال الحجاز بالاتفاق، فالآية تخبر بالضرورة عن نبوته صلى الله عليه وسلم. أما (ومعه الوف الأطهار في يمينه) فهي تصدّق حكم الآية الكريمة في ختام سورة الفتح في: ﴿ذلك مَثَلهُمْ في التوراة﴾ ... اذ تصف اصحابه صلى الله عليه وسلم بالاطهار القديسين وهم الاولياء الصالحون.
وجاءت هذه الآية في الباب الثاني والاربعين من كتاب اشعيا:
(ان الحق سبحانه سيبعث صفيه في آخر الزمان وسيرسل اليه الروح الأمين وهو جبرائيل يعلّمه ثم بعد ذلك يعلم الناس كما علّمه جبرائيل، ويحكم بين الناس بالحق، وهو نورٌ سيُخرج الناس من الظلمات الى النور. وقد علمني ربي ما سيقع فاقول لكم). فهذه الآية تبين بوضوح تام اوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم .
وفي الباب الرابع من كتاب النبي ميخائيل الآية الآتية:
(ستكون في آخر الزمان أمة مرحومة تعبد الحق وتوثر الجبل المقدس، ويجتمع اليها خلق كثير هناك من كل اقليم تعبد الرب ولا تشرك به).
فهذه الآية تبين (عَرَفة) والخلق الكثير هم الحجاج الذين يقصدون ذلك الجبل المقدس ويعبدون الله، وان الامة المرحومة هي امة محمد، حيث ان هذا الوصف شعارهم.
وفي الباب الثاني والسبعين من الزبور هذه الآية:
(انه يملك من البحر الى البحر، ومن الانهار الى اقاصي الارض، وترده الهدايا من اليمن والجزائر، وتسجد له الملوك وتنقاد اليه، ويصلّى عليه كل وقت ويدعى له بالبركة كل يوم. وتشع انواره من المدينة، وسيدوم ذكره ابد الآباد، وان اسمه موجود قبل ان تخلق الشمس، وسيبقى اسمه ما بقيت الشمس).
فهذه الآية صريحة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، فهل جاء بعد نبي الله داود عليه السلام نبيٌ غير محمد صلى الله عليه وسلم الذي اعلن الدين شرقاً وغرباً، وجعل الملوك يعطون له الجزية صاغرين، وانقاد له الملوك والسلاطين انقياد خضوع ومحبة، وتوهب له الصلوات والادعية يومياً من خمس البشرية، وبزغت انواره من المدينة؟.. فهل هناك غيره؟.
والآية العشرون من الباب الرابع عشر من انجيل يوحنا (المترجم الى التركية) هي: (لا اتكلم ايضاً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شئ او ليس له عندي مثيل)(12).
فعبارة سيد العالم هو فخر العالم، وهو عنوان مشهور لسيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم.
والآية السابعة من الباب السادس عشر من انجيل يوحنا:
(لكني اقول لكم الحق انه خير لكم ان انطلق، لأنه ان لم انطلق لا يأتيكم المعزّي)(13)فهل المسلّي بعد عيسى عليه السلام غير محمد صلى الله عليه وسلم .فهو الذي ينقذ البشرية من حكم الزوال والاعدام الابدي فيسليها، وهو سيد العالمين وفخر الكائنات.
والآية الثامنة من الباب السادس عشر من انجيل يوحنا:
(ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى برٍ وعلى دينونة) (اي يلزمهم على الخطيئة والصلاح والحكم) فالذي يبدل فساد العالم الى صلاح، وينقذ الناس من الآثام والخطايا والشرك، ويبدل اسس السياسة والحاكمية في الدنيا، من يكون غير محمد صلى الله عليه وسلم ؟.
والآية الحادية عشرة من الباب السادس عشر من انجيل يوحنا: (لقد جاء زمان قدوم سيد العالم) أو (وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دِينْ). فلابد ان المراد بسيد العالم(14) هو سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم .
والآية الثالثة عشرة من الباب الثاني من انجيل يوحنا: (اذا جاء روح الحق ذاك، فهو الذي يرشدكم الحق كله، لأنه لا ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بالآتي من الامور).
فهذه الآية صريحة في حق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. فمن غيره صلى الله عليه وسلم دعا الناس جميعاً الى الحق؟ ومن غيره لا ينطق الاّ بالوحي، ويقول ما يسمعه من جبرائيل عليه السلام؟ ومن غيره يخبر عن احداث القيامة والآخرة إخباراً مفصلاً؟
ثم ان في صحف الانبياء اسماء للرسول صلى الله عليه وسلم تفيد معنى (محمد) (احمد) (المختار) (مصطفى) وذلك باللغة السريانية والعبرية:
ففي صحف شعيب عليه السلام؛ هناك: (مشفّح) وهي بمعنى: (محمد) كما انه في التوراة اسم (منحمنّا) وهذا بمعنى اسم (محمد). كما جاء في الزبور (حمياطا) وهو بمعنى نبي الحرم. وفيه ايضاً (المختار)، وقد جاء في التوراة اسم (الحاتم، الخاتم)، وجاءت كلمة (مقيم السنة) في كل من التوراة والزبور. وفي صحف ابراهيم والتوراة: (مازماز). وفي التوراة ايضاً (أحيد).
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
(اسمى في القرآن محمد وفي الانجيل أحمد وفي التوراة اُحيد، وانما سميت اُحيِدَ لأني اُحيد عن امتي نار جهنم)(15) ومن الاسماء النبوية التي وردت في الانجيل (صاحب القضيب والهراوة) فلا شك انه اعظم نبي بين الانبياء بجهاده وجهاد امته. وكذلك: (انه صاحب التاج) فهذه الصفةخاصة به صلى الله عليه وسلم اذ الامة العربية هم المعروفون بالعمامة والعقال بين الامم والتاج والعمامة بمعنى واحد. فصاحب التاج المذكور في الانجيل ليس الاّ الرسول صلى الله عليه وسلم . وفيه كذلك: البارقليط أو الفارقليط، ومعناه كما جاء في تفسير الانجيل: انه الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعو الناس الى الحق. وقد قال عيسى عليه السلام في الانجيل: (ساذهب كي يجئ سيد العالم) فهل غير محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بعد عيسى عليه السلام، وترأس العالم وفرّق بين الحق والباطل، وارشد الناس الى الخير والصلاح. اي ان عيسى عليه السلام كان يبشّر دوماً انه سيأتي احدهم بعدي ولا تبقى الحاجة اليّ فانا مقدمة له. كما يصرح بذلك القرآن الكريم: ﴿واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسولُ الله اليكُم مُصَدقاً لما بين يَديّ من التوراة ومبشّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمُه احمد﴾ (الصف: 6).
نعم ان عيسى عليه السلام قد بشّر أمته كثيراً بانه سيجئ سيد العالم(16) ورئيسه ويذكره باسماء مختلفة سواء بالسريانية أو العبرية. فالعلماء المحققون يرون ان هذه الاسماء تعني: أحمد، محمد، الفارق بين الحق والباطل.
سؤال: لِمَ بشّر عيسى عليه السلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم اكثر من غيره من الانبياء عليهم السلام بينما اكتفى الآخرون بالاخبار عنه فقط؟
الجواب: لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد انقذ عيسى عليه السلام من تكذيب اليهود ومن افتراءاتهم الشنيعة، وانقذ دينه من تحريفات فظيعة، فضلاً عن انه اتى بشريعة سمحاء بدلاً من تلك الشريعة التي ارهقت بني اسرائيل الذين لا يؤمنون بعيسى عليه السلام فهذه الشريعة الغراء جامعة للاحكام مكملة لما هو ناقص في شريعة عيسى عليه السلام. ومن هنا تأتي بشارة عيسى عليه السلام بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي رئيس العالم..
وهكذا نرى كيف ان التوراة والانجيل والزبور وسائر صحف الانبياء قد اعتنت بنبي آخر الزمان وتضم آيات كثيرة نعوته، كما بينا نماذج منها. فهو مذكور باسماء ونعوت مختلفة في تلك الكتب. تُرى من يكون نبي آخر الزمان الذي ذكرته جميع كتب الانبياء ذكراً جاداً الى هذا الحد، في آيات مكررة منها، غير محمد صلى الله عليه وسلم ! (*)
_________________________________
(1) (1818 - 1891) وذلك في كتابه (اظهار الحق) الذي يعدّ من ادق الدراسات النقدية للتوراة والانجيل، وسبب تأليفه له هو: أنه اثناء الاحتلال البريطاني للهند، أخذ المبشرون يهاجمون الاسلام بعنف، فتصدّى لهم علماء كثيرون، فعقدت اول مناظرة رسمية بين رئيس المبشرين ومؤلف الكتاب، في 10/3/1854. ودوّنت محاضر الجلسات التي حضرها رجالات الهند، فكانت النتيجة ان انسحب المبشر بعد ان قامت عليه الحجة الدامغة ولما يتم النقاش. وهاجر رحمة اللّه بعد الثورة الهندية ضد الانكليز سنة 1857 الى مكة واتصل به السلطان عبد العزيز خان ومن بعده السلطان عبد الحميد الثاني فألف كتابه هذا (اظهار الحق) في استانبول وتُرجم الى لغات عدة، وهو الذي اسس المدرسة الصولتية في مكة والتي ما زالت قائمة - المترجم. (عن كتاب اكبر مجاهد في التاريخ الشيخ رحمت اللّه الهندي. ترجمه من الاردية احمد حجازي السقا). - المترجم.
(2) اورد الاستاذ اغلب هذه الآيات باللغة العربية، وعندما حاولتُ ارجاع كل آية الى مصدرها في الاناجيل وجدت اختلافاً كبيراً بين طبعاتها وتفاوتاً واضحاً في ترجماتها المختلفة رغم الاحتفاظ بالمعنى العام، لذا ادرجتها كما ذكرها الاستاذ في الأصل.ـ المترجم.
(3) انجيل يوحنا - الاصحاح الرابع عشر.ـ المترجم.
(4) انجيل يوحنا - الاصحاح الرابع عشر.ـ المترجم.
(5) ولكن يبدو أن المترجمين قد تركوا لفظ فارقليط في تراجمهم للانجيل لشهرته لدى المسلمين في النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولقد تتبع رحمة الله الهندي في (اظهار الحق) اختلاف الترجمات في مختلف الطبعات ابتداءً من اقدم طبعاتها. - المترجم.
(6) سفر التكوين - الاصحاح السابع عشر. - المترجم.
(7) سفر التثنية. - الاصحاح الثامن عشر. - المترجم.
(8) (اشعيا) الاصحاح42ــ المترجم.
(9) سفر التثنية - الاصحاح 18. - المترجم.
(10) سفر التثنية - الاصحاح 18. - المترجم.
(11) يورد الاستاذ المؤلف هذه الآيات في الأنجيل باللغة التركية مشيراً الى مواضعها.ــ المترجم.
(12) الآية الثلاثون من الاصحاح 14 من انجيل يوحنا (طبعة جمعيات الكتاب المقدس).ــ المترجم.
(13) في طبعة الموصل سنة 1876 (لايأتيكم الفارقليط).ــ المترجم.
(14) نعم! أعظم به من سيد، ينقاد له كل عصر ثلاثمئة وخمسون مليون شخص انقياد طاعة وحب منذ الفٍ وثلاثمئة سنة، ويستسلمون لأوامره، ويجددون معه البيعة يومياً بالسلام عليه. - المؤلف.
(15) عن ابن عباس رضي الله عنه (الانوار المحمدية من المواهب اللدنية 143) - المترجم.
(16) لقد رأى الرحال التركي المشهور (اولياجلبي) في مقبرة شمعون الصفا انجيلاً مكتوب على جلد الغزال فقرأ فيه الآية الآتية:
(ايتون) مولود (آزربيون) من نسل ابراهيم (بروفتون) يصبح نبياً (لوغسلين) ليس كذاباً (بنت افنزولات) يكون مولده بمكة (كه كالوشير) يأتي بالصلاح والرشاد (تونو منين) اسمه المبارك (مواميت) (محرّفة عن – محمد - ) احمد محمد (ايسفيدوس) الذين معه ويتبعونه (تاكرديس) هم اساس هذه الدنيا (بيست بيث) وهو سيد العالم. - المؤلف.
(*) كليات رسائل النور –الاشارة السادسة عشر من المكتوب التاسع عشر ص(219)
ان فلاسفة ماديين – ومن يقلّدونهم تقليداً اعمى – يريدون ان يطمسوا ويخسفوا معجزة انشقاق القمر الساطع كالبدر، فيثيروا حولها اوهاماً فاسدة، اذ يقولون: (لو كان الانشقاق قد حدث فعلاً لعرفه العالم، ولذكرته كتب التاريخ كلها!).
الجواب: ان انشقاق القمر معجزة لإثبات النبوة، وقعت امام الذين سمعوا بدعوى النبوة وانكروها، وحدثت ليلاً، في وقت تسود فيه الغفلة، واُظهِرت آنياً، فضلاً عن ان اختلاف المطالع ووجود السحاب والغمام وامثالها من الموانع تحول دون رؤية القمر، علماً ان اعمال الرصد ووسائل الحضارة لم تكن في ذلك الوقت منتشرة؛ لذا لا يلزم ان يرى الانشقاق كلُ الناس، في كل مكان، ولا يلزم ايضاً ان يدخل كتب التاريخ.
فاستمع الآن الى نقاط خمس فقط من بين الكثير منها، تبدد باذن الله سُحبَ الاوهام التي تلبّدت على وجه هذه المعجزة الباهرة:
- النقطة الاولى:
ان تعنت الكفار في ذلك الزمان وذلك المحيط معلوم ومشهور تاريخاً، فعندما أعلن القرآن الكريم ﴿وانشق القَمَر﴾ وبلغ صداه الآفاق، لم يجرؤ أحد من الكفار - وهم يجحدون القرآن - ان يكذّب بهذه الآية الكريمة. اي ينكر وقوع الحادثة. اذ لو لم تكن الحادثة قد وقعت فعلاً في ذلك الوقت، ولم تكن ثابتة لدى اولئك الكفار، لاندفعوا بشدة ليبطلوا دعوى النبوة، ويكذّبوا الرسول صلى الله عليه وسلم . بينما لم تنقل كتب التأريخ والسير شيئاً من اقوال الكفار حول انكارهم حدوث الانشقاق، الا ما بيّنته الآية الكريمة ﴿ويقولوا سحرٌ مستمرٌ﴾ وهو ان الذين شاهدوا المعجزة من الكفار قالوا: هذا سحر فابعثوا الى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا؟. ولما حان الصباح أتت القوافل من اليمن وغيرها فسألوهم، فأخبروهم: انهم رأوا مثل ذلك. فقالوا: إن سحر يتيم ابي طالب قد بلغ السماء!
- النقطة الثانية:
لقد قال معظم ائمة علم الكلام، من امثال سعد التفتازاني: (ان انشقاق القمر متواتر، مثل فوران الماء من بين اصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم وارتواء الجيش منه، ومثل حنين الجذع من فراقه صلى الله عليه وسلم الذي كان يستند اليه اثناء الخطبة، وسماع جماعة المسجد لأنينه. اي ان الحادثة نقلته جماعة غفيرة عن جماعة غفيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فالحادثة متواترة تواتراً قطعياً كظهور المذنب قبل الف سنة وكوجود جزيرة سرنديب التي لم نرها).
وهكذا ترى أن إثارة الشكوك حول هذه المسألة القاطعة وامثالها من المسائل المشاهدة شهوداً عياناً انما هي بلاهة وحماقة، اذ يكفي فيها انها من الممكنات وليست مستحيلاً.
علماً ان انشقاق القمر ممكن كانفلاق الجبل ببركان.
- النقطة الثالثة:
ان المعجزة تأتي لأثبات دعوى النبوة عن طريق اقناع المنكرين، وليس ارغامهم على الايمان. لذا يلزم اظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم الى القناعة والاطمئنان الى صدق النبوة. أما أظهارها في جميع الاماكن، أو أظهارها اظهاراً بديهياً بحيث يضطر الناس الى القبول والرضوخ فهو منافٍ لحكمة الله الحكيم ذي الجلال، ومخالف ايضاً لسر التكليف الإلهي. ذلك لأن سر التكليف الإلهي يقتضي فتح المجال امام العقل دون سلب الاختيار منه.
فلو كان الخالق الكريم قد ترك معجزة الانشقاق باقية لساعتين من الزمان، واظهرها للعالم اجمع ودخلت بطون كتب التاريخ كما يريدها الفلاسفة لكان الكفار يقولون انها ظاهرة فلكية معتادة. وما كانت حجة على صدق النبوة، ولا معجزة تخص الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم. او لكانت تصبح معجزة بديهية ترغم العقل على الايمان وتسلبه من الاختيار وعندئذٍ تتساوى ارواح سافلة كالفحم الخسيس من امثال ابي جهل، مع الارواح العالية الصافية كالالماس من امثال ابي بكر الصديق رضي الله عنه، اي لكان يضيع سر التكليف الإلهي.
ولأجل هذا فقد وقعت المعجزة آنياً، وفي الليل، وحين تسود الغفلة، وغدا اختلاف المطالع والغمام وامثالها حُجباً امام رؤية الناس لها. فلم تدخل بطون كتب التاريخ.
- النقطة الرابعة:
ان هذه المعجزة التي وقعت ليلاً، وآنياً، وعلى حين غفلة، لا يراها كل الناس دون شك في كل مكان. بل حتى لو ظهرت لبعضهم، فلا يصدِّق عينه، ولوصدّقها، فان حادثة كهذه مروية من شخص واحد لا تكون ذات قيمة للتاريخ.
ولقد ردّ العلماء المحققون ما زيد في رواية المعجزة من أن القمر بعد انشقاقه قد هبط الى الارض! قالوا: ربما ادخل هذه الزيادة بعض المنافقين ليسقطوا الرواية من قيمتها ويهونوا من شأنها.
ثم ان في ذلك الوقت: كانت سُحب الجهل تغطى سماء انكلترا، والوقت على وشك الغروب في اسبانيا، وامريكا في وضح النهار، والصباح قد تنفس في الصين واليابان.. وفي غيرها من البلدان هناك موانع اخرى للرؤية. فلا تشاهد هذه المعجزة العظيمة فيها.
فاذا علمت هذا فتأمل في كلام الذي يقول: (ان تأريخ انكلترا والصين واليابان وامريكا وامثالها من البلدان لا تذكر هذه الحادثة، اذن لم تقع!). اي هذرٍ هذا.. ألا تباً للذين يقتاتون على فتات اوربا..
النقطة الخامسة:
ان انشقاق القمر ليس حادثة حدثت من تلقاء نفسها، بناء على اسباب طبيعية وعن طريق المصادفة! بل أوقعها الخالق الحكيم - رب الشمس والقمر - حدثاً خارقاً للسنن الكونية، تصديقاً لرسالة رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم ، واعلاناً عن صدق دعوته، فابرزه سبحانه وتعالى وفق حكمته وبمقتضى سر الارشاد والتكليف وحكمة تبليغ الرسالة، وليقيم الحجة على من شاء من المشاهدين له، بينما اخفاه - اقتضاء لحكمته سبحانه ومشيئته - عمن لم تبلغهم دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم من الساكنين في اقطار العالم، وحَجَبه عنهم بالغيوم والسحاب وباختلاف المطالع وعدم طلوع القمر، أو شروق الشمس في بعض البلدان وانجلاء النهار في اخرى وغروب الشمس في غيرها.. وامثالها من الاسباب الداعية الى حَجب رؤية الانشقاق.
فلو اُظهرت المعجزة الى جميع الناس في العالم كله فإما انها كانت تبرز لهم نتيجة اشارة الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم واظهاراً لمعجزة نبوية، وعندها تصل الى البداهة، اي يضطر الناس كلهم الى التصديق، اي يُسلب منهم الاختيار، فيضيع سر التكليف، بينما الايمان يحافظ على حرية العقل في الاختيار ولا يسلبها منه.. أو أنها تبرز لهم كحادثة سماوية محضة، وعندها تنقطع صلتها بالرسالة الأحمدية ولا تبقى لها مزيّة خاصة.
الخلاصة:
ان انشقاق القمر لا ريب في امكان وقوعه. فلقد أثبت اثباتاً قاطعاً. وسنشير هنا الى وقوعه بستة براهين قاطعة(1) من بين الكثير منها، وهي: اجماع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم اجمعين وهم العدول. واتفاق العلماء المحققين من المفسرين لدى تفسيرهم ﴿وانشق القَمَر﴾ ونقل جميع المحدّثين الصادقين في رواياتهم وقوعه بأسانيد كثيرة وبطرق عديدة(2). وشهادة جميع اهل الكشف والالهام من الأولياء الصادقين الصالحين و تصديق ائمة علم الكلام المتبحرين رغم تباين مسالكهم ومشاربهم. وقبول الامة التي لا تجتمع على ضلالة كما نص عليه الحديث الشريف.
كل ذلك يبين انشقاق القمر ويثبته اثباتاً قاطعاً يضاهي الشمس في وضوحها.
حاصل الكلام:
كان البحث الى هنا باسم التحقيق العلمي، إلزاماً للخصم. اما بعد هذا فسيكون الكلام باسم الحقيقة ولأجل الايمان. فقد نطق التحقيق العلمي هكذا. أما الحقيقة فتقول:
ان خاتم ديوان النبوة صلى الله عليه وسلم وهو القمر المنير لسماء الرسالة، وقد سمَتْ ولايةُ عبوديته الى مرتبة المحبوبية، فاظهرت الكرامة العظمى والمعجزة الكبرى بالمعراج، اي بجولان جسمٍ ارضي في آفاق السموات العلى، وتعريف اهل السموات به، فأثبتت بتلك المعجزة ولايتَه العظمى لله ومحبوبيته الخالصة له وسمّوه على اهل السموات والملأ الاعلى.. كذلك فقد شق سبحانه القمر المعلق في السماء والمرتبط مع الارض باشارة من عبده في الأرض، فاظهر لأهل الارض معجزته هذه، اثباتاً لرسالة ذلك العبد الحبيب، فعرج صلى الله عليه وسلم الى أوج الكمالات بجناحَي الولاية والرسالة النورانيين كالفلقين المنيرين للقمر حتى بلغ قاب قوسين أو أدنى واصبح فخراً لأهل السموات ولأهل الارض معاً. (*)
عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والتسليمات ملء الارض والسموات.
(1) أي ان هناك ست حجج قاطعة على وقوع انشقاق القمر في ستة انواع من الاجماع. ولكن للأسف لم نوف هذا المقام حقّه من البحث فظل مقتضباً .ـ المؤلف.
(2) نذكر ثلاثة احاديث متفق عليها:
1ـ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اشهدوا) ـ متفق عليه ـ.
2ـ وعن انس رضي الله عنه ان اهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يريهم آية فأراهم انشقاق القمر ـ متفق عليه ـ.
3ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان القمر انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ـ متفق عليه. راجع: مسند الامام احمد 1/377، 413، 447، 456، 3/ 207، 220، 275، 278، 4/ 81 ورواه الطيالسي برقم 295، 1891، 1960 . وتفسير ابن كثير ( 6/ 469) لمعرفة تواتر الحادثة.ـ المترجم.
(*)معجزة انشقاق القمر- [ذيل الكلمة التاسعة عشرة والحادية والثلاثين] –المكتوب التاسع عشر ص(271)
9-)
معجزاته صلى الله عليه وسلم في الحجارة والجبال
نذكر من بين امثلتها الكثيرة ثمانية امثلة:
المثال الاول:
- روى البخاري وعلاّمة المغرب القاضي عياض عن ابن مسعود - خادم صلى الله عليه وسلم - انه قال: (لقد كُنّا نَسْمعُ تَسبيحَ الطعامِ وهو يُؤكَل)(1).
المثال الثاني:
- وثبت كذلك عن انس وابي ذر رضي الله عنهما، قال أنس(2) (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفاً من حصىً فسبّحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيحَ، ثم صبَّهن في يد ابي بكر رضي الله عنه فسبّحن، ثم في ايدينا فما سبّحن).
- وروى مثله ابو ذر رضي الله عنه(3) وذكر انهن سبّحن في كف عمر رضي الله عنه ثم وضعهن على الارض فخرسن، ثم اخذهن ووضعهن في كف عثمان، فسبّحن ثم وضعهن في ايدينا فخرسن.
المثال الثالث:
- ثبت بنقل صحيح عن علي وجابر وعائشة رضي الله عنهم انه ما كان يمر النبي صلى الله عليه وسلم بجبل ولا حجر الاّ وقال:السلام عليك يا رسول الله، ففي رواية علي رضي الله عنه قال: (كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج الى بعض نواحيها، فما استَقبلَهُ شجرةٌ ولا جبلٌ الاّ قال له: السلام عليك يا رسول الله)(4).
- وفي رواية جابر رضي الله عنه قال: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ بحجر ولا شجرٍ الاّ سجد له)(5) اي: كل منهما ينقاد له ويقول: السلام عليك يا رسول الله.
- وفي رواية أخرى (عن جابر بن سمرة رضي الله عنه(6): عنه صلى الله عليه وسلم: اني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ) اي قبل ان ابعث (قيل: انه اشارة الى الحجر الاسود).
- (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلتُ لا امرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ الا قال: السلام عليك يا رسول الله)(7).
المثال الرابع:
- (وفي حديث العباس رضي الله عنه(8) اذ اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه) وهم عبدالله وعبيد الله والفضل وقثم (بملاءة(9) ودعا لهم السّتر من النار) اذ قال: يا رب هذا عمي صنو ابي وهؤلاء بنوه فاسترهم من النار كستري اياهم بملاءتي. (فأمّنت أسكُفَة الباب وحوائط البيت: آمين آمين) واشتركن في الدعاء.
المثال الخامس:
- روت الكتب الصحاح متفقة وفي المقدمة البخاري وابن حبان وابو داود والترمذي عن أنس(10) وابي هريرة(11) وعن عثمان ذي النورين(12) وسعيد بن زيد(13) احد العشرة المبشرين بالجنة انه: (صعد النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر وعثمان اُحُداً، فرجف بهم) من مهابتهم أو من سروره وفرحه، (فقال: أثبت اُحُد فانما عليك نبي وصدّيق وشهيدان).
فبهذا الحديث ينبئ صلى الله عليه وسلم عن شهادة عمر وعثمان إخباراً غيبياً.
وقد نقل - تتمة لهذا المثال - انه لما هاجر الرسول yمن مكة وطلبته كفار قريش صعد على جبل ثُبير، (قال له ثبير(14): اهبط يا رسول الله فانّى اخاف ان يقتلوك على ظهري فيعذّبني الله. فقال له حراء: اليّ يا رسول الله).
من هذا يستشعر أهلُ القلب والصلاح الخوف في ثبير والأمن والاطمئنان في حراء.
يفهم من مجموع هذه الامثلة ان الجبال العظيمة مأمورة ومنقادة كأي فرد من الافراد وهي كأي عبدٍ مخلوق يسبّح الله تعالى وله وظيفة خاصة به، وانه يعرف النبي صلى الله عليه وسلم ويحبّه.. فما خُلقت الجبال
باطلاً.
المثال السادس:
(وروى ابن عمر رضي الله عنهما(15) ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر: ﴿وما قَدَروا الله حق قدره﴾(الانعام:91) ثم قال: يمجِّد الجبارُ نفسه يقول: انا الجبار انا الجبار انا الكبير المتعال. فَرجَف المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ عنه).
المثال السابع:
- عن حبر الامة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنه، وعن ابن مسعود(16) - من علماء الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين، انه قال: (كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة فلما دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسجدَ عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده اليها ولا يمسّها. ويقول: ﴿جَاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كانَ زَهُوقاً﴾(17) (الاسراء:81) فما اشار الى وجه صنمٍ الاّ وقع لقفاه ولا لقفاه الاّ وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم)(18).
المثال الثامن:
- هو قصة بحيراء الراهب المشهورة(19) وهي: ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج قبل البعثة مع عمه ابي طالب وجماعة من قريش الى نواحي الشام. ولما وصلوا الى جوار كنيسة الراهب جلسوا هناك (وكان الراهب لا يخرج الى أحَد فخرج وجعل يتخللهم حتى اخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمةً للعالمين) فقال له أشياخ من قريش: ما عِلمُك؟ فقال: انه لم يبق شجر ولا حجر الاّ خرّ ساجداً له ولا يسجد الاّ لنبي). (ثم قال واقبل صلى الله عليه وسلم وعليه غمامةٌ تظلّه فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه الى فئ الشجرة فلما جلس مالَ الفئ اليه)(20).
***
وهكذا فهناك ثمانون مثالاً كهذه الامثلة الثمانية.
فاذا وحَّدْتَ هذه الامثلة الثمانية لأصبحت قوية لا يمكن ان تنال منها شبهة مهما كانت.
فهذا النوع من المعجزات (اي تكلم الجمادات) يشكّل دليلاً جازماً على اثبات دعوى النبوة، وهو في حكم التواتر من حيث المعنى. فكل مثال يستمد قوة اخرى من قوة الجميع تفوق قوته الفردية. مَثَله في هذا، مثل رجل ضعيف انخرط في سلك الجيش، فيتقوى حتى يستطيع ان يتحدى الفاً من الرجال، او كعمود ضعيف لو ضم مع اعمدة قوية يتقوى.
فكيف اذا كانت الروايات كلها صحيحة ورصينة؟.(*)
_______________________________
(1) جزء من حديث رواه البخاري(4/ 235)، وفي الانبياء: باب علامات النبوة، ورواه الترمذي (3712 تحفة الاحوذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد مرّ تخريج بعض اجزائه.
(2) الشفا (1/ 306) في حديث رواه ابن عساكر في تأريخه (الخفاجي 3/ 70). ورواه الطبراني والبزار عن أنس... وذكر العراقي: انه ضعيف (الاحاديث المشكلة في الرتبة 112). وفي كنز العمال من طريقين الاولى عن الحسن عن أنس والثانية عن ثابت البناني عن أنس وعزاهما لابن عساكر.
(3) الشفا (1/ 306) الحديث في المجمع (5/ 179) عن ابي ذر، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الاوسط، وفيه محمد بن ابي حميد وهو ضعيف، وله طريق احسن من هذا في علامات النبوة واسناده صحيح. قال عنه الهيثمي (8/298 - 299): رواه البزار باسنادين ورجال احدهما ثقات وفي بعضهم ضعف. وفي كنز العمال (35409، 35410) من حديث ابي ذر عزاهما لابن عساكر. وفي الفتح (6/590) قال الحافظ: وأما تسبيح الحصى فليست له الاّ هذه الطريقة الواحدة مع ضعفها (اي من حديث ابي ذر). قلت: تعلم من التخريج السابق ان لحديث تسبيح الحصى اكثر من طريق.
(4) رواه الترمذي (363 تحقيق أحمد شاكر) وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي بعض نسخ تحفة الاحوذي (3705) هذا حديث حسن غريب. ورواه الدارمي برقم (21،1 / 19 - 20) وضعفه محقق جامع الاصول (8893 ) وفي المجمع (8/ 260) عن الامام علي رضي الله عنه بنحوه، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الاوسط والتابعي ابو عمارة الحواني لم اعرفه، وبقية رجاله ثقات. وفي كنز العمال (2/ 365) زاد نسبته للدورقي والحاكم والبيهقي في الدلائل، ورمز في الكنز لضعفه.
(7) الشفا (1/ 307)، في حديث صحيح رواه البزار في مسنده (الخفاجي 3/71) وقال الهيثمي في المجمع (8/259): رواه البزار عن شيخه عبدالله بن شبيب وهو ضعيف.
(8) حسن: في المجمع (9/ 269 - 270) عن عبد الله بن الغسيل قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بالعباس وقال: ياعم اتبعني ببنيك فانطلق ستة من بنيه الفضل وعبدالله وعبيد الله وعبد الرحمن وقثم ومعبد فأدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً وغطاهم بشملة له سوداء مخططة... الحديث قال الهيثمي: رواه الطبراني في الاوسط وفيه جماعة لم اعرفهم، وفي المجمع (9/ 270) بنفس المعنى عن ابي اسيد الساعدي... الحديث، قال الهيثمي: رواه الطبراني واسناده حسن. اهـ.
(9) (الملاءة): الازار او الملحفة. (اسكفة): العتبة وما يعلوه الداخل من البيت.
(10) حديث انس رواه البخاري في فضائل اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وابو داود (4651) والترمذي (3781 تحفة الاحوذي) وقال: وفي الباب عن عثمان وسعيد بن زيد وابن عباس وسهل بن سعد وانس بن مالك وبريدة الأسلمي. هذا حديث صحيح.
(11) حديث ابو هريرة رواه مسلم برقم (2417) والترمذي (3698) من نفس الطريق وبأكثر من رواية. راجع هامش (37) للاشارة الخامسة.
(12) صحيح: حديث عثمان رضي الله عنه رواه الترمذي (3783 تحفة الاحوذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وزاد المباركفوري نسبته الى النسائي والدار قطني وقال ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً.
(13) صحيح: اخرجه الحاكم (3/ 450) وقال: هذا حديث غريب صحيح الاسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. واحمد (1/187، 188، 189) وابو داود وابن ماجه والترمذي 3782 (تحفة) وقال: هذا حديث صحيح غريب. وصحّحه ابن حبان 2198، واسناده حسن في الصحيحة 875 والحديث صحيح بشواهده.
(14) (ثبير): جبل بالمزدلفة عن يسار الذاهب الى منى. وكان هذا قبل توجهه صلى الله عليه وسلم الى غار ثور الذي اختفى فيه عند الهجرة. (الخفاجي 3/75). - المترجم.
(15) في حديث رواه مسلم (6/ 132 - 133) (مسلم هامش النووي)، والنسائي واحمد في مسنده والرواية بلفظه (الخفاجي 3/ 75)، الشفا (1/ 38).
(16) حديث عبد الله بن مسعود اخرجه البخاري في المغازي: باب اين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، وفي المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر أو تخرق الزقاق، وفي تفسير سورة بني اسرائيل باب: (وقل جاء الحق وزهق الباطل) ومسلم (برقم 1781) والترمذي (3137) وابن حبان (1702).
(17) الحديث الى هنا عند البخاري ومسلم والترمذي وما بعده عند غيرهم.
(18) حديث ابن عباس رضي الله عنه، في المجمع (6/ 176) قال الهيثمي، رواه الطبراني ورجاله ثقات ورواه البزار باختصار وفيه ايضاً حديثاً بمعناه من حديث ابي هريرة رضي الله عنه وفيه: (فيسقط الصنم ولم يمسه) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الاوسط والكبير بنحوه وفيه عاصم بن عمر العمري وهو متروك ووثقه ابن حبان وقال: يخالف ويخطئ وبقية رجاله ثقات.
(19) صحيح: قصة الراهب من حديث ابي بكر بن ابي موسى الاشعري عن ابيه، والحديث رواه الترمذي (3699 تحفة الاحوذي) وقال: هذا حديث حسن غريب. اهــ قال الجزري: اسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح أو احدهما. قال الحافظ في الاصابة: رجاله ثقات، والحديث صححّه محقق المشكاة (5918، 3/ 186) وأما ما ذكر ابو بكر وبلال فخطأ ظاهر كما قال أهل العلم. اهــ ويحتمل انها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته كما نقل صاحب تحفة الاحوذي عن المواهب اللدنية، فالحديث دون الزيادة الأخيرة صحيح.
(20) الشفا (1/ 308).
(*)الاشارة الحادي عشرة - المكتوب التاسع عشر ص (167)
10-)
النبي يعرفك على نفسه
هذه بعض الأحاديث تحدث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقال :
- :{ إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم }.(1)
- :{ أنا النبي لا كذب * أنا إبن عبد المطلب }.(11)
- :{ لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشَر الناسُ على قدَمَيَّ، وأنا العاقِب ـ والعاقِبُ: الذي ليس بعده نبيٌّ ـ، وقد سماه الله رَؤوفاً رحيماً }.(12)
- :{عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( تَسَمَّوْا باسْمِي ، ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار } .(13)
- :{ ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه وأنت، فقال نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ).(14)
- :{ إني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد }.(15)
- :{ آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد فإنما أنا عبد }.(16)
- :{ سددوا، وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحد الجنة بعمله...ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة }.(19)
- :{ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه }. (20)
- :{اني لم ابعث لعانا وانما بعثت رحمة }(21)
- :{ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }.(22)
- :{ إني بعثت بالحنيفية السمحة }.(23)
- :{ والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني } (24)
- :{ أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة }.(25)
- :{ فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم. ونصرت بالرعب. وأحلت لي الغنائم. وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً. وأرسلت إلى الخلق كافة. وختم بي النبيون }. (26)
- :{ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة }. (30)
اعترف كل من عرفه حق المعرفة بعلو نفسه وصفاء طبعه وطهارة قلبه ونبل خلقه ورجاحة عقله وتفوق ذكائه وحضور بديهته وثبات عزيمته ولين جانبه.
______________________________
(1) رواه الترمذي، وقال : حسن صحيح
(2) الترمذي (3570)
(3) رواه مسلم.
(3) رواه أحمد والترمذي
(4) رواه أحمد والترمذي
(5) البخاري - كتاب الايمان
(6) مسلم 2364
(7) البخاري- باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(8) وفي صحيحي ابن حبان والحاكم من حديث العرباض بن سارية مرفوعا
11-)
حكمة كثرة معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتنوعها
إن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً ومتنوعة جداً، وذلك لأن رسالته عامة وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزات تشهد له، ولنوضح ذلك بمثال:
لو قَدِم سفير كريم من لدن سلطان عظيم لزيارة مدينة عامرة بأقوام شتى، حاملاً لهم هدايا ثمينة متنوعة، فان كل طائفة منهم
ستُوفد في هذه الحال ممثلاً عنها لاستقباله بأسمها والترحيب به بلسانها.
كذلك لما شرَّف العالَم السفيُر الأعظم صلى الله عليه وسلم لملك الأزل والأبد، ونوَّره بقدومه، مبعوثاً من لدن رب العالمين إلى أهل الأرض جميعاً، حاملاً معه هدايا معنوية وحقائق نيّرة تتعلق بحقائق الكائنات كلها، جاءه من كل طائفة مَن يرحب بمقدمه ويهنؤه بلسانه الخاص، ويقدِّم بين يديه معجزة طائفته تصديقاً بنبوته، وترحيباً بها، ابتداء من الحجر والماء والشجر والانسان، وانتهاء بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلاً منها يردد بلسان الحال: أهلاً ومرحباً بمبعثك.
إن بحث تلك المعجزات كلها يحتاج الى مجلدات لكثرتها وتنوعها، وقد ألّف العلماء الأصفياء مجلدات ضخمة حول تفاصيل دلائل النبوة والمعجزات، إلاّ أننا هنا نكتفي باشارات مجملة إلى ما هو قطعي الثبوت والمتواتر معنىً من الأنواع الكلية لتلك المعجزات.
ان دلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم قسمان:
الأول: الحالات التي سُميت بالأرهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبل النبوة ووقت الولادة.
الثاني: دلائل النبوة الاخرى وهذا ينقسم الى قسمين:
أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده صلى الله عليه وسلم تصديقاً لنبوته.
ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة صلى الله عليه وسلم وهذا ايضاً قسمان:
الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.
الثاني: ما ظهر منها في أمور خارجة عن ذاته الشريفة، أي في الآفاق والكون. وهذا أيضاً قسمان:
قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضاً:
القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية،
وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمان المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعاً، كل نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكل نوع منها نماذج عدة مكررة.
القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها - بما علّمه الله سبحانه - وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر.
ونحن الآن نستهل بهذا القسم الأخير للوصول الى فهرس متسلسل عام(1) (*).
_________________________
(1) آسف لأني لم استطع الكتابة كما كنتُ أنوي، فقد كتبتُ كما خطر على القلب دونما إختيار. ولم اتمكن من مراعاة التسلسل الذي في هذا التقسيم. - المؤلف.
(*)الاشارة البليغة الثالثة المكتوب التاسع عشر ص (116)
12-)
من معجزاته صلى الله عليه وسلم ذاته المباركة
إن أعظم معجزة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد القرآن الكريم هو ذاته المباركة، أي ما اجتمع فيه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق السامية والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداء والأولياء على أنه أعلى الناس قدراً وأعظمهم محلاً وأكملهم محاسن وفضلاً. حتى إن بطل الشجاعة الإمام علي رضي الله عنه يقول: (إنا كنا إذا حمي البأس - ويروى اشتد البأس - واحمرّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم)... وهكذا كان صلى الله عليه وسلم في ذروة ما لا يرقى إليها أحد غيره من كل خصلة حميدة كما هو في الشجاعة.
نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب (الشفا في حقوق المصطفى) للقاضي عياض المغربي، فقد أجاد فيه حقاً وفي بيانها أيّما إجادة، وإثبتها في أجمل تفصيل.
***
ثم إن الشريعة الغراء التي لم يأت ولا يأتي مثلها هي معجزة أخرى عظيمة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حتى اتفق الأعداء والأصدقاء عليها..
نحيل تفصيل هذه المعجزة وبيانها إلى جميع ما كتبناه من (الكلمات) الثلاث والثلاثين، و(المكاتيب) الثلاثة والثلاثين و(اللمعات) الإحدى والثلاثين و(الشعاعات) الثلاثة عشر.
ثم المعجزة العظمى.. تلك هي معجزة (انشقاق القمر) التي رويت روايات متواترة وهي ثابتة ثبوتاً قاطعاً لا تقترب منها شبهة. فقد رويت بطرق عديدة وبصورة متواترة عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والإمام علي، وأنس، وحذيفة، وأمثالهم كثير من الصحابة الأجلاء رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فضلاً عن تأييد القرآن الكريم وإعلانه تلك المعجزة في: ﴿اقتربت الساعةُ وانشقّ القمر﴾ بل لم يسع كفار قريش وهم أهل عناد وتعنت أن ينكروا هذه المعجزة، ولكنهم قالوا: (إنه سحر) أي أن انشقاق القمر أمر ثابت مقطوع به حتى من قبل الكفار أنفسهم إلا أنهم أوّلوا الحادثة بأنها سحر.
نحيل إلى رسالة انشقاق القمر التي هي ذيل (رسالة المعراج).
ثم إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أظهر المعجزة العظمى معجزة (المعراج) لأهل السماء كما أظهر لأهل الأرض معجزة (انشقاق القمر). فنحيل إلى رسالة (المعراج) وهي الكلمة الحادية والثلاثون، التي أثبتت صدق تلك المعجزة وأظهرتها بوضوح، إلاّ أننا سنذكر هنا ما هو مقدمةٌ لتلك المعجزة وهي سفره صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وطلب قريش منه وصف بيت المقدس صبيحة المعراج، وما حصل في هذا السفر من معجزة أيضاً.
فعندما أخبر الرسول الكريم صبيحة ليلة المعراج عن سفره، كذّبته قريش وقالوا : إن كنت حقاً قد ذهبت إلى بيت المقدس فصف لنا أبوابه وجدرانه وأحواله.
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (فكربتُ كرباً ما كربتُ مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه)(1) أي رُفع له بيت المقدس وبدأ يصفه وهو ينظر إليه، فتيقنتْ قريش من الخبر (وقالوا: متى تجئ) أي القافلة التي رآها الرسول في الطريق، (قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولّى النهار، ولم تجئ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزيد له في النهار ساعة وحبست الشمس)(2).
فأنت ترى أن الارض تعطّل وظيفتها ساعة من نهار تصديقاً لخبره صلى الله عليه وسلم ، وتشهد على صدقه الشمس الضخمة.. ترى ما أشقاه ذلك الذي لا يصدق كلام هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي عطلت الأرض وظيفتها وحبست الشمس نفسها تصديقاً لكلامه. وما أسعد أولئك الذين نالوا شرف امتثال أوامره صلى الله عليه وسلم... تأمل في هذا وقل:
الحمد لله على الإيمان والإسلام.
* * *
___________________________________
(1) الشفا (1/ 191)، رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: باب الإسراء، وفي تفسير سورة الإسراء. ومسلم برقم (170) والترمذي (2132 - تحقيق أحمد شاكر) ونص الحديث: (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما كذبتني قريش قمتُ في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه).. وللبخاري زيادة على هذا الحديث في رواية أخرى.
(2) الشفا (1/ 284) قال علي القاري (1/ 591 - 592): وقد قال بعضهم حديث ردّ الشمس له صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضي له في الشفاء عن الطحاوي من طريقين... قال ابن تيمية: العجب من القاضي مع جلالة قدره وعلو خطره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهماً صحته وناقلا ثبوته موثقاً رجاله. اهـ. وفي المواهب قال شيخنا قال أحمد: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، ولكن صححه الطحاوي والقاضي عياض وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث ابي هريرة اهـ. قال القسطلاني: وروى الطبراني أيضاً في معجمه الكبير بإسناد حسن وذكر السيوطي في (الدرر المنتثرة 193) كلاماً مشابهاً لهذا وعقبه: وقد ادّعى ابن الجوزي انه موضوع فأخطأ كما بينته في مختصر الموضوعات وفي التعقيبات اهـ انظر الأحاديث الواردة في هذا: في المجمع (8/296) والفتح (6/155) وسلسلة الأحاديث الضعيفة 972 ففيها تحليل حول الموضوع.
(*)الإشارة السابعة عشرة – المكتوب التاسع عشر ص(236)
فان قلت: مَن هذا الشخص الذي نراه قد صار شمساً للكون، كاشفاً بدينه عن كمالات الكائنات، وما يقول؟
قيل لك: انظر واستمع ما يقول! ها هو يخبر عن سعادة ابدية ويبشّر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس اليها. وهو دلاّلُ محاسن سلطنة الربوبية ونظّارُها، وكشافُ مخفيات كنوز الاسماء الالهية ومعرِّفها.
فانظر اليه من جهة وظيفته؛ تَرَه برهانَ الحق وسراجَ الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة..
ثم انظر اليه من جهة شخصيته تره مثال المحبةِ الرحمانية، وتمثال الرحمة الربانية، وشرفَ الحقيقة الانسانية، وأنورَ أزهرِ ثمراتِ شجرة الخلقة.
ثم انظر كيف احاط نورُ دينه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب قريبٌ من نصف الارض ومن خُمس بني آدم هديةَ هدايته بحيث تُفدي لها ارواحها.
فهل يمكن للنفس والشيطان ان يناقشا بدون مغالطة في مدّعيات مثل هذا الشخص، لاسيما في دعوىً هي اساس كل مدعياته وهو " لاإله إلاّ الله " بجميع مراتبه؟ .. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:59
14-)
الله يعرفك على نبيه
باسمه سبحانه
ايها المستخلف المبارك
الله يعرفك على نبيه
اختص الله تبارك وتعالى عبده ورسوله محمد عليه الصلاة والسلام دون غيره ودلل على جليل رتبته وشرف منزلته عند ربه عز وجل
ذلكم رسول الله؛ صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، صاحب الغرّة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيّد بجبريل، خير الخلق في طفولته، وأطهر المطهرين في شبابه، وأنجب البشرية في كهولته، وأزهد الناس في حياته، وأعدل القضاة في قضائه، وأشجع قائد في جهاده؛ اختصه الله بكل خلق نبيل؛ وطهره من كل دنس وحفظه من كل زلل، وأدبه فأحسن تأديبه وجعله على خلق عظيم؛ فلا يدانيه أحد في كماله وعظمته وصدقه وأمانته وزهده وعفته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد
أفضل المخلوقات وأكرم البريات،
صاحب الوجه الأنور ،
والجبين الأزهر،
والخلق الأكمل،
15-)
وفاة رسول الله
كيف كان وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 14 حديثاً فقال :
باب: ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس بن مالك قال: (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة يوم الإثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف والناس خلف أبي بكر، فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمهم وألقى السجف، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر ذلك اليوم)
2- عن عائشة، قالت: (كنت مسندة النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري- أو قالت: إلى حجري- فدعا بطست ليبول فيه، ثم بال، فمات)
3- عن عائشة، أنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: (اللهم أعني على منكرات- أو قال على سكرات- الموت)
4- عن عائشة، قالت: (لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم)
5- عن عائشة، قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه،
فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه». ادفنوه في موضع فراشه.
6- عن ابن عباس، وعائشة، أن أبا بكر، (قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما مات)
7- عن عائشة، أن أبا بكر، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على ساعديه، وقال: (وانبياه، واصفياه، واخليلاه)
8- عن أنس قال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا)
9- عن عائشة، قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين)
10- عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء، ودفن من الليل»
وقال سفيان: (وقال غيره: يسمع صوت المساحي من آخر الليل)
11- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء)
12- عن سالم بن عبيد، وكانت له صحبة قال: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأفاق،
فقال: «حضرت الصلاة»؟
فقالوا: نعم.
فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر أن يصلي للناس»
- أو قال: بالناس-
قال: ثم أغمي عليه، فأفاق،
فقال: «حضرت الصلاة؟»
فقالوا: نعم.
فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»،
فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، إذا قام ذلك المقام بكى فلا يستطيع، فلو أمرت غيره
قال: ثم أغمي عليه فأفاق
فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب أو صواحبات يوسف»
قال: فأمر بلال فأذن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة،
فقال: «انظروا لي من أتكئ عليه»،
فجاءت بريرة ورجل آخر، فاتكأ عليهما فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومأ إليه أن يثبت مكانه، حتى قضى أبو بكر صلاته، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض،
فقال عمر: والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا
قال: وكان الناس أميين لم يكن فيهم نبي قبله، فأمسك الناس،
فقالوا: يا سالم، انطلق إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه،
فأتيت أبا بكر وهو في المسجد فأتيته أبكي دهشا، فلما رآني
قال: أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلت: إن عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا،
فقال لي: انطلق،
فانطلقت معه، فجاء هو والناس قد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: يا أيها الناس، أفرجوا لي، فأفرجوا له فجاء حتى أكب عليه ومسه،
فقال: {إنك ميت وإنهم ميتون}
ثم قالوا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم،
فعلموا أن قد صدق، قالوا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيصلى على رسول الله؟
قال: نعم،
قالوا: وكيف؟
قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، حتى يدخل الناس،
قالوا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم،
قالوا: أين؟
قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب.
فعلموا أن قد صدق، ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه واجتمع المهاجرون يتشاورون،
فقالوا: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر،
فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير،
فقال عمر بن الخطاب: من له مثل هذه الثلاث {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} من هما؟
قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة.
13- عن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد،
قالت فاطمة: واكرباه،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا الموافاة يوم القيامة)
14- عن ابن عباس، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان له فرطان من أمتي أدخله الله تعالى بهما الجنة)
فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟
قال: (ومن كان له فرط يا موفقة)
قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟
قال: (فأنا فرط لأمتي، لن يصابوا بمثلي)
16-)
هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم
هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم
جاء في صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر رضي الله عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين إلى المدينة، جاء يستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الآخر في الهجرة. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: «وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟» قال: «نعم» . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده، وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر «1» .
وفي هذه الأثناء رأت قريش أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، فحذروا خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم.
فاجتمعوا له في دار الندوة (وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فاجتمع رأيهم أخيرا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا، ثم يعطى كل منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعا، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمره بالهجرة، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة «2» .
قالت عائشة فيما يروي البخاري: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: «هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها» .
فقال أبو بكر: «فدا له أبي وأمي. والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» ، قالت: فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرج من عندك» ، فقال أبو بكر: «إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله» . قال: «فإني قد أذن لي في الخروج» ، فقال أبو بكر: «فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ» ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «بالثمن» .
قالت عائشة: فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق «3» .
وانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما يعلمون من صدقه وأمانته.
وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقوله الناس عنهما في بياض النهار، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من الأخبار. وأمر عامر بن فهيرة (مولاه) أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى، إلى الغار (غار ثور) ليطعما من ألبانها، وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء.
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد، كلاهما عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة. آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، قالت: وانطلق بها معه» .
قالت: «فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه قال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك»«4» .
ولما كانت عتمة تلك الليلة التي هاجر فيها النبي صلّى الله عليه وسلم اجتمع المشركون على باب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتربصون به ليقتلوه، ولكنه عليه الصلاة والسلام خرج من بينهم وقد ألقى الله عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليا رضي الله عنه في مكانه نائما على فراشه، وطمأنه بأنه لن يصل إليه أي مكروه.
وانطلق رسول الله وصاحبه أبو بكر إلى غار ثورليقيما فيه، وكان ذلك على الراجح في اليوم الثاني من ربيع الأول الموافق ٢٠ أيلول سنة (٦٢٢ م) بعد أن مضى ثلاث عشرة سنة من البعثة، فدخل أبو بكر قبل الرسول صلّى الله عليه وسلم فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم بنفسه، فأقاما فيه ثلاثة أيام، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر يخبرهما بأخبار مكة، ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من الغنم، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر أثره بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر.
أما المشركون فقد انطلقوا- بعد أن علموا بخروج النبي صلّى الله عليه وسلم- ينتشرون في طريق المدينة ويفتشون عنه في كل المظانّ، حتى وصلوا إلى غار ثور، وسمع الرسول وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبي صلّى الله عليه وسلم: «لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا» . فأجابه عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» «5» .
فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله..
ولما انقطع الطلب عنهما خرجا، بعد أن جاءهما عبد الله بن أرقط (وهو من المشركين، كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية إلى المدينة بعد أن اطمأنّا إليه، وواعداه مع الراحلتين عند الغار) فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد الله بن أرقط.
وكان قد جعل مشركو مكة لكل من أتى برسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل منهما.
وذات يوم، بينما كان جماعة من بني مدلج في مجلس لهم، وبينهم سراقة بن جعشم، إذ أقبل إليهم رجل منهم فقال: إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراهما محمدا وأصحابه. فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراه أن يثني عزم غيره عن الطلب، فقال له: إنك قد رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبث في المجلس ساعة، وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول فعثرت به فرسه فخرّ عنها، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبي صلّى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخرّ عنها ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان.
فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى وصل إليهم، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا له: لا حاجة لنا، ولكن عم عنا الخبر، فقال: كفيتم «6» .
ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول ... وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما.(*)
______________
(1) البخاري: ٤/ ٢٥٥
(2) سيرة ابن هشام: ١/ ١٥٥ وطبقات ابن سعد: ٢١٢
(3) في طبقات ابن سعد: أنها شقت نطاقها فأوكأت بقطعة منه الجراب، وشدت فم الجراب بالباقي فسميت ذات النطاقين.
(4) سيرة ابن هشام: ١/ ٤٨٨ وترتيب مسند الإمام أحمد: ٢٠/ ٢٨٢
(5) متفق عليه.
(6) متفق عليه، والتفصيل للبخاري: ٤/ ٢٢٥- ٢٥٦
(*) فقه السيرة النبوية
17-)
ملامح رسول الله
كيف كانت ملامح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفاته الخَلقية ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في الصفات الخَلقية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمع تحته 14 حديثاً فقال :
باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، أنه سمعه يقول: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء}
2- عن أنس بن مالك قال: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط أسمر اللون، إذا مشى يتكفأ }
3- عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول:{ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه اليسرى، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا قط أحسن منه}
4- عن البراء بن عازب قال: { ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل }
5- عن علي بن أبي طالب قال: { لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم }.
6- عن عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب قال: كان علي إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
{ لم يكن رسول الله بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما ينحط في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم }.
قال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وسلم: «الممغط : الذاهب طولا». وقال: ( سمعت أعرابيا يقول في كلامه: تمغط في نشابته أي مدها مداً شديداً.
والمتردد: الداخل بعضه في بعض قصراً.
وأما القطط: فالشديد الجعودة.
والرجل الذي في شعره حجونة: أي تثن قليل.
وأما المطهم فالبادن الكثير اللحم.
والمكلثم: المدور الوجه.
والمشرب: الذي في بياضه حمرة.
والأدعج: الشديد سواد العين.
والأهدب: الطويل الأشفار.
والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل.
والمسربة: هو الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة.
والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين.
والتقلع: أن يمشي بقوة.
والصبب الحدور، نقول: انحدرنا في صبوب وصبب.
وقوله: جليل المشاش يريد رءوس المناكب.
والعشرة: الصحبة،
والعشير: الصاحب.
والبديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر أي فجأته)
7- عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال:
{ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرقها، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف- أو قال: شائل الأطراف- خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقي بالسلام}
8- عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول:{ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب}
قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين، قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب.
9- عن جابر بن سمرة قال:{ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر}
10- عن أبي إسحاق قال: { سأل رجل البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر}
11- عن أبي هريرة قال: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر}
12- عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {عرض علي الأنبياء، فإذا موسى عليه السلام ضرب من الرجال، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم، يعني نفسه، ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية}
13- عن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل يقول:{ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري، قلت: صفه لي، قال: كان أبيض مليحا مقصدا}
14- عن ابن عباس قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه}
18-)
السنة هي تمام الاعتدال والاستقامة
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد خلق في افضل وضع وأعدله وفي اكمل صورة واتمها، فحركاته وسكناته قد سارت على وفق الاعتدال والاستقامة، وسيرته الشريفة تبين هذا بياناً قاطعاً وبوضوح تام، بأنه قد مضى وفق الاعتدال والاستقامة في كل حركة من حركاته متجنباً الافراط والتفريط.
نعم لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثل امتثالا كاملا قوله تعالى (فاستقم كما اُمرت) (هود: 112) فالاستقامة تظهر في جميع افعاله واقواله واحواله ظهوراً لا لبس فيه.
فمثل:ان قواه العقلية قد سارت دائماً ضمن الحكمة التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، مبرأة عما يفسدها ويكبتها من افراط وتفريط اي الغباء والخب.
وان قواه الغضبية قد سارت دائماً ضمن الشجاعة السامية التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، منزهة عما يفسدها من افراط وتفريط اي الجبن والتهور.
وان قوته الشهوية قد اتخذت محور الاستقامة دائما وهي العفة واستقامت عليها باسمى درجات العصمة، فصفت من فساد تلك القوة من افراط وتفريط اي الخمود والفجور.
وهكذا فانه صلى الله عليه وسلم قد اختار حد الاستقامة في جميع سننه الشريفة الطاهرة وفي جميع احواله الفطرية وفي جميع احكامه الشرعية، وتجنب كليا من الظلم والظلمات اي الافراط والتفريط، والاسراف والتبذير، حتى انه قد اتخذ الاقتصاد له دليلا متجنبا الاسراف نهائيا، في كلامه وفي اكله وفي شربه.
وقد ألفت في تفصيل هذه الحقائق آلاف المجلدات، الا اننا اكتفينا بهذه القطرة من البحر، اذ العارف تكفيه الاشارة.
اللهم صل على جامع مكارم الاخلاق ومظهر سـر (وانك لعلى خلق عظيم) الذي قال:( من تمسك بسنتي عند فساد امتي فله اجر مائة شهيد).
ما هو شكل خَاتَمِ النُّبُوَّةِ الذي كان في بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في خَاتَمِ النُّبُوَّةِ وجمع تحته 8 أحاديث فقال :
باب ما جاء في خَاتَمِ النُّبُوَّةِ:
1- عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع. فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة.
2- عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدة حمراء مثل بيضة الحمامة.
3- عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعلت، يقول لسعد بن معاذ يوم مات: (اهتز له عرش الرحمن)
4- عن عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: حدثني إبراهيم بن محمد، من ولد علي بن أبي طالب قال: كان علي، إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث بطوله-
وقال: ( بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين )
5- عن أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا زيد، ادن مني فامسح ظهري)، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم قلت: وما الخاتم؟ قال: ( شعرات مجتمعات )
6- عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة، يقول: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( يا سلمان ما هذا؟ ) فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك، فقال: ( ارفعها، فإنا لا نأكل الصدقة ) قال: فرفعها، فجاء الغد بمثله، فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( ما هذا يا سلمان؟ ) فقال: هدية لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( ابسطوا )
7- عن أبي نضرة العوقي قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني خاتم النبوة- فقال: ( كان في ظهره بضعة ناشزة )
8- عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد، فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع حولها خيلان كأنها ثآليل، فرجعت حتى استقبلته، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال: ( ولك ) فقال القوم: أستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، ولكم، ثم تلا هذه الآية {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}.
20-)
صفة إدام رسول الله
كيف كانت صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 33 حديثاً فقال:
.باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الإدام الخل)
2- عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: (ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)
3- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نعم الإدام أو الأدم: الخل)
4- عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري، فأتي بلحم دجاج فتنحى رجل من القوم فقال: ما لك؟ فقال: إني رأيتها تأكل شيئا فحلفت أن لا آكلها قال: (ادن فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج)
5- عن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده قال: (أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى)
6- عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري قال: فقدم طعامه وقدم في طعامه لحم دجاج وفي القوم رجل من بني تيم الله أحمر كأنه مولى قال: فلم يدن فقال له أبو موسى: «ادن، فإني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منه»، فقال: إني رأيته يأكل شيئا فقذرته فحلفت أن لا أطعمه أبدا.
7- عن أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة)
8- عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة)
9- عن أنس بن مالك قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الدباء فأتي بطعام، أو دعي له فجعلت أتتبعه فأضعه بين يديه لما أعلم أنه يحبه)
10- عن حكيم بن جابر، عن أبيه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عنده دباء يقطع فقلت: ما هذا؟ قال: « نكثر به طعامنا »
11- عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا من شعير، ومرقا فيه دباء وقديد، قال أنس: «فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء حوالي القصعة» فلم أزل أحب الدباء من يومئذ.
12- عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل)
13- عن الحجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن يوسف، أن عطاء بن يسار، أخبره أن أم سلمة، أخبرته أنها (قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ)
14- عن عبد الله بن الحارث قال: (أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شواء في المسجد)
15- عن المغيرة بن شعبة قال: ضفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتي بجنب مشوي، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز، فحز لي بها منه قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فألقى الشفرة فقال: «ما له تربت يداه؟». قال: وكان شاربه قد وفى، فقال له: (أقصه لك على سواك) أو (قُصَّهُ على سواك)
16- عن أبي هريرة قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها)
17- عن ابن مسعود قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع) قال: (وسم في الذراع، وكان يرى أن اليهود سموه)
18- عن أبي عبيد قال: طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا وقد كان يعجبه الذراع فناولته الذراع ثم قال: (ناولني الذراع)، فناولته ثم قال: (ناولني الذراع) فقلت: يا رسول الله، وكم للشاة من ذراع فقال: (والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت)
19- عن عائشة، قالت: (ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غبا، وكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجا)
20- عن مسعر قال: سمعت شيخا، من فهم قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أطيب اللحم لحم الظهر)
21- عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الإدام الخل)
22- عن أم هانئ، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أعندك شيء؟) فقلت: لا إلا خبز يابس وخل، فقال: (هاتي، ما أقفر بيت من أدم فيه خل)
23- عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
24- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري أبو طوالة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
25- عن أبي هريرة، أنه (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من أكل ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ )
26- عن أنس بن مالك قال: (أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق)
27- عن عبيد الله بن علي، عن جدته سلمى، أن الحسن بن علي، وابن عباس، وابن جعفر أتوها فقالوا لها: اصنعي لنا طعاما مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحسن أكله. فقالت: يا بني لا تشتهيه اليوم قال: بلى اصنعيه لنا. قال: فقامت فأخذت من شعير فطحنته، ثم جعلته في قدر، وصبت عليه شيئا من زيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته إليهم، فقالت: (هذا مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحسن أكله)
هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخضب شعره؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في خضاب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 5 أحاديث فقال :
باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن إياد بن لقيط قال: أخبرني أبو رمثة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن لي، فقال: (ابنك هذا؟) فقلت: نعم أشهد به، قال: (لا يجني عليك، ولا تجني عليه) قال: ورأيت الشيب أحمر قال أبو عيسى: (هذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وأفسر؛ لأن الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الشيب. وأبو رمثة اسمه: رفاعة بن يثربي التيمي)
2- عن عثمان بن موهب قال: سئل أبو هريرة: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم»
قال أبو عيسى: (وروى أبو عوانة هذا الحديث عن عثمان بن عبد الله بن موهب، فقال: عن أم سلمة)
3- عن الجهدمة، امرأة بشر ابن الخصاصية، قالت: (أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته ينفض رأسه وقد اغتسل، وبرأسه ردع من حناء) أو قال: «ردغ» شك في هذا الشيخ.
4- عن أنس قال: (رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبا)
5- قال حماد: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: (رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوبا)
22-)
تسريحة شعر رسول الله
هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسرح شعره؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 5 أحاديث فقال :
باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة، قالت: (كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض)
2- عن أنس بن مالك قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر القناع حتى كأن ثوبه ثوب زيات)
3- عن عائشة قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل)
4- عن عبد الله بن مغفل، قال:(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبا )
5- عن حميد بن عبد الرحمن ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترجل غبا )
ما دام الكون موجوداً بالفعل ولا يمكن انكاره، فلا يمكن ان يُنكَر كذلك ما هو بمثابة ألوانِه وزينته، وضيائه واتقانه، وانواع حياته، واشكال روابطه من الحقائق المشهودة، كالحكمة، والعناية، والرحمة، والجمال، والنظام، والميزان، والزينة، وامثالها من الحقائق..
فمادام لا يمكن انكار هذه الصفات والافعال، فلا يمكن انكار موصوف تلك الصفات، ولا يمكن انكار فاعل تلك الافعال ونور شمس تلك الاضواء، اعني ذات (الله) الاقدس جلّ جلالُه (الواجب الوجود)، الذي هو الحكيم، الرحيم، الجميل، الحكم، العدل..
وكذا لا يمكن انكار مَن هو مدارٌ لظهور تلك الصفات والافعال، بل مَن هو مدارٌ لعرض كمالاتها، بل تحقق تجلياتها، ذلكم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، الرائد الاكبر، والمعلم الاكمل، والداعية الاعظم، وكشاف طلسم الكائنات، والمرآة الصمدانية، وحبيب الرحمن.. فلا يمكن انكار رسالته قطعاً، لأنها اسطع نور في هذا الكون كسطوع ضياء عالم الحقيقة ونور حقيقة الكائنات .
عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد عاشرات الايام وذرات الأنام. (*)
______________________________
(*) كليات رسائل النور - اللمعات - ص: 538
24-)
ضحك رسول الله
كيف كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 9 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن جابر بن سمرة قال: (كان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسما، فكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين وليس بأكحل)
2- عن عبد الله بن الحارث بن جزء، أنه قال: (ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم)
3- عن عبد الله بن الحارث قال: (ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما)
4- عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم أول رجل يدخل الجنة وآخر رجل يخرج من النار، يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من كبارها فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها ههنا)
قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
5- عن جرير بن عبد الله قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك)
6- عن جرير قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم)
7- عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: («إني لأعرف آخر أهل النار خروجا، رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة»
قال: «فيذهب ليدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب، قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه، فيقول: نعم»
قال: «فيقال له: تمن»
قال: «فيتمنى، فيقال له: فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا»
قال: «فيقول: تسخر بي وأنت الملك»
قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.)
8- عن علي بن ربيعة قال: شهدت عليا، أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب
قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله،
ثم قال: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون}.
ثم قال: الحمد لله ثلاثا، والله أكبر ثلاثا، سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت له: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك
فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟
قال: (إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب غيرك)
9- عن عامر بن سعد قال: قال سعد: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه. قال: قلت: كيف كان؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان يقول كذا وكذا بالترس يغطي جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلما رفع رأسه رماه فلم يخطئ هذه منه- يعني جبهته- وانقلب الرجل، وشال برجله: (فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه).
قال: قلت: من أي شيء ضحك؟
قال: من فعله بالرجل.
إن لسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة منابع،
هي: أقواله، وأفعاله، وأحواله.
وهذه الأقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة أقسام:
الفرائض، النوافل، عاداته صلى الله عليه وسلم.
ففي قسم الفرائض والواجب، لامناص من الاتباع، والمؤمن مجبر على هذا الاتباع بحكم إيمانه. والجميع بلا استثناء مكلفون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على إهماله أو تركه عذاب وعقاب.
وفي قسم النوافل، فأهل الإيمان هم مكلفون به أيضا حسب الأمر الاستحبابي، ولكن ليس في ترك النوافل عذاب ولاعقاب. غير أن القيام بها واتباعها فيه أجر عظيم. وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير.
وأما عاداته صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جداً تقليدها واتباعها حكمة ومصلحة سواء في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا فضلا عن أنها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعادات بحكم العبادة.
نعم، مادام - عليه الصلاة والسلام - متصف بأسمى مراتب محاسن الاخلاق، باتفاق الأولياء والاعداء.وأنه صلى الله عليه وسلم هو المصطفى المختار من بين بني البشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع.. وما دام هو أكمل إنسان، بل أكمل قدوة ومرشد
بدلالة آلاف المعجزات، وبشهادة العالم الإسلامي الذي كونه، وبكمالاته الشخصية بتصديق حقائق ما بلغه من القرآن الحكيم.. وما دام ملايين من أهل الكمال قد سموا في مراتب الكمالات، وترقوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا إلى سعادة الدارين... فلابد أن سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحركاته هي أفضل نموذج للإقتداء وأكمل مرشد للاتباع والسلوك وأحكم دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسا في تنظيم حياته.
فالسعيد المحظوظ هو من له أوفر نصيب من هذا الاتباع للسنة الشريفة.
ومن لم يتبع السنة فهو في خسران مبين إن كان متكاسلا عنها.. وفي جناية كبرى إن كان غير مكترث بها.. وفي ضلالة عظيمة إن كان منتقداً لها بما يومئ التكذيب بها.(*)
______________________
(*) كليات رسائل النور – اللمعة الحادية عشر ..ص:94
26-)
صفة سيف رسول الله
كيف كانت صفة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة سيف النبي صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 4 أحاديث فقال :
باب ما جاء في صفة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس قال: (كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة)
2- عن سعيد بن أبي الحسن قال: (كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة)
3- عن طالب بن حجير، عن هود وهو ابن عبد الله بن سعد، عن جده قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة) قال طالب: فسألته عن الفضة فقال: (كانت قبيعة السيف فضة)
4- عن ابن سيرين قال: (صنعت سيفي على سيف سمرة بن جندب، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حنفيا)
27-)
نعل رسول الله
كيف كان نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 11 حديثاً فقال :
باب ما جاء في نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ( لهما قبالان )
2- عن ابن عباس قال: ( كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثني شراكهما )
3- عن عيسى بن طهمان قال: ( أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان ) قال: فحدثني ثابت بعد عن أنس، أنهما كانتا نعلي النبي صلى الله عليه وسلم.
4- عن عبيد بن جريج، أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: ( إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها )
5- عن أبي هريرة قال: ( كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان )
6- عن السدي قال: حدثني من سمع عمرو بن حريث يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين مخصوفتين)
7- عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا)
8- عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل، يعني الرجل، بشماله، أو يمشي في نعل واحدة.
9- عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، فلتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع)
10- عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ما استطاع في ترجله وتنعله وطهوره)
11- عن أبي هريرة قال: (كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان وأبي بكر وعمر)، (وأول من عقد عقدا واحدا عثمان)
28-)
دعاء النبي من اسباب فتح دار الآخرة
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
{اللهم ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذابَ النار ] ( البخاري :4522)
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
فياللعجب! .. مايطلب هذا الذي قام على الارض وجمَعَ خلفَه جميع الانبياء، افاضل بني آدم، ورفع يديه متوجهاً الى العرش الاعظم ويدعو دعاءً يُؤمِّن عليه الثقلان، ويُعلَم من شؤونه انه شرف نوع الانسان، وفريد الكون والزمان، وفخر هذه الكائنات في كل آن؛ ويستشفع بجميع الاسماء القدسية الالهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الاسماء عين ما يطلب هو .
فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضاء.
فلو لم يوجَد مالا يُعد من الاسباب الموجبة لاعطاء السعادة الابدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات - المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة - على وجود الاخرة، وكذا جميع الاسماء القدسية، اسباباً مقتضية لها؛ لكفى دعاءُ هذا الشخص النوراني لان يبني ربُّهُ له ولأبناء جنسه الجنة، كما يُنشئ لنا في كل ربيع جناناً مزينة بمعجزات مصنوعاته.
فكما صارت رسالته سبباً لفتح هذه الدار الدنيا للامتحان والعبودية، كذلك صار دعاؤه في عبوديته سبباً لفتح دار الآخرة للمكافأة والمجازاة.
فهل يمكن ان يتداخل في هذا الانتظام الفائق، وفي هذه الرحمة الواسعة، وفي هذه الصنعة الحسنة بلاقصور، وفي هذا الجمال بلا قبح، بدرجة انطق امثال الغزالي بـ " ليس في الامكان ابدع مما كان " ..
وان تتغير هذه الحقائق بقبحٍ خشين، وبظلم مُوحش، وبتشوش عظيم؛ اذ سماع ادنى صوت في ادنى خلق في ادنى حاجة وقبولها باهمية تامة، مع عدم سماع ارفَع صوتٍ ودعاءٍ في اشد حاجة، وعدم قبول احسن مسؤول، في اجمل امل ورجاء؛ قبحٌ ليس مثله قبح، وقصورٌ لايساويه قصور، حاشا ثم حاشا وكلاّ.. لايقبل مثلُ هذا الجمال المشهود بلا قصور مثل هذا القبح المحض، والاّ لانقلبت الحقائقُ بانقلاب الحُسن الذاتي قبحاً ذاتياً. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:63
29-)
دروس وعبر من الهجرة النبوية
دروس وعبر من الهجرة النبوية
في البداية لابد من مقدمة عن مفهوم الهجرة في الإسلام
«إن الله عز وجل جعل قداسة الدين والعقيدة فوق كل شيء، فلا قيمة للأرض والوطن والمال والجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب أو الزوال، ولذا فرض الله على عباده أن يضحوا بكل ذلك- إذا اقتضى الأمر- في سبيل العقيدة والإسلام» .
و«إن سنّة الله تعالى في الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التي تتمثل في العقيدة السليمة والدين الحق هي الحافظة للمكاسب والقوى المادية، فمهما كانت الأمة غنية في خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادي المتمثل في الوطن والمال والعزة يغدو أكثر تماسكا وأرسخ بقاء وأمنع جانبا. ومهما كانت فقيرة في أخلاقها مضطربة تائهة في عقيدتها فإن سلطانها المادي المتمثل فيما ذكرنا يغدو أقرب إلى الاضمحلال والزوال. والتاريخ أعظم شاهد على ذلك» .
ولذلك شرع الله عز وجل مبدأ التضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين عندما يقتضي الأمر ذلك. فبه يضمن المسلمون لأنفسهم المال والوطن والحياة، وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه.
وحسبنا دليلا على هذه الحقيقة هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. لقد كانت بحسب الظاهر تركا للوطن وتضييعا له، ولكنها كانت في واقع الأمر حفاظا عليه وضمانة له، ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه. فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه- بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته- إلى وطنه الذي أخرج منه، عزيز الجانب، منيع القوة، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولا حقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأي سوء..
نتأمل الآن في قصة هجرته عليه الصلاة والسلام لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم:
١- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرته عليه الصلاة والسلام، استبقاؤه لأبي بكر رضي الله عنه دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في هذه الرحلة.
وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر وأنه أقرب أصحابه إليه وأولاهم بالخلافة من بعده، ولقد عززت هذه الدلالة أمور كثيرة أخرى مثل استخلافه عليه الصلاة والسلام له في الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلي عنه غيره. ومثل قوله في الحديث الصحيح: «لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا» (1)
ولقد كان أبو بكر رضي الله عنه- كما رأينا- على مستوى هذه المزية التي أكرمه الله بها، فقد كان مثال الصاحب الصادق بل والمضحي بروحه وكل ما يملك من أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولقد رأينا كيف أبى إلا أن يسبق رسول الله صلّى الله عليه وسلم في دخول الغار كي يجعل نفسه فداء له عليه الصلاة والسلام فيما إذا كان فيه سبع أو حية أو أي مكروه ينال الإنسان منه الأذى، ورأينا كيف جنّد أمواله وابنه وابنته ومولاه وراعي أغنامه في سبيل خدمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذه الرحلة الشاقة الطويلة.
ولعمري، إن هذا هو الذي يجب أن يكون عليه حال كل مسلم آمن بالله ورسوله. ولذا يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (2)
٢- قد يخطر في بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهجرة النبي عليه الصلاة والسلام، ويتساءل: لماذا هاجر عمر علانية متحديا المشركين دون أي خوف ووجل، على حين هاجر رسول الله مستخفيا محتاطا لنفسه؟ أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي عليه الصلاة والسلام؟! ..
والجواب: أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم آخر غير رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يعدّ تصرفه تصرفا شخصيا لا حجة تشريعية فيه، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى.
أما رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فهو مشرّع، أي إن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعا لنا، ولذلك كانت سنته التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته
وتقريره. فلو أنه فعل كما فعل عمر، لحسب الناس أن هذا هو الواجب! .. وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر، والتخفي عند الخوف. مع أن الله عز وجل أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبيب الله تعالى وإرادته.
لأجل ذلك، استعمل الرسول صلّى الله عليه وسلم كل الأساليب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل، حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتدّ بها واستعملها، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده، واستعان بأحد المشركين- بعد أن أمنه- ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفيا، إلى آخر ما عبّأه من الاحتياطات المادية التي قد يفكر بها العقل، ليوضح بذلك أن الإيمان بالله عز وجل لا ينافي استعمال الأسباب المادية التي أراد الله عز وجل بعظيم حكمته أن يجعلها أسبابا.
وليس قيامه بذلك بسبب خوف في نفسه، أو شكّ في إمكان وقوعه في قبضة المشركين قبل وصوله المدينة. والدليل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعد ما استنفد الأسباب المادية كلها، وتحلق المشركون حول الغار الذي يختبئ فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وصاحبه- بحيث لو نظر أحدهم عند قدمه لأبصر الرسول صلّى الله عليه وسلم- استبد الخوف بقلب أبي بكر رضي الله عنه على حين كان يطمئنه عليه الصلاة والسلام قائلا: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ، ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشيء من الخوف والجزع في تلك الحال.
لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذن، وظيفة تشريعية قام بها، فلما انتهى من أدائها، عاد قلبه مرتبطا بالله عز وجل معتمدا على حمايته وتوفيقه، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على الله عز وجل، ولكن لا ينافي ذلك احترام الأسباب التي جعلها الله في هذا الكون أسبابا.
ومن أبرز الأدلة على هذا الذي نقوله أيضا، حالته صلّى الله عليه وسلم عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه. لقد كان من مقتضى كل تلك الاحتياطات الهائلة التي قام بها أن يشعر بشيء من الخوف من هذا العدوّ الذي يجدّ في اللحاق به. ولكنه لم يشعر بشيء من ذلك، بل كان مستغرقا في قراءته ومناجاته لربه لأنه يعلم أن الله الذي أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرّهم كما بيّن في كتابه المبين.
٣- وفي تخلف علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم في أداء الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذي كان المشركون واقعين فيه. ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويرونه ساحرا أو مخادعا لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقا،
فكانوا لا يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلا عنده! .. وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما هو بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به وخوفا على زعامتهم وطغيانهم من اتباعه.
٤- ثم إننا نلمح في النشاط الذي كان يبذله عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، ذاهبا آيبا بين الغار ومكة، يتحسس الأخبار وينقلها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبيه، وفيما بدا على أخته أسماء رضي الله عنها من مظاهر الاهتمام والجد في تهييء الزاد والراحلة واشتراكها في إعداد العدة لتلك الرحلة، نلمح في ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم ذكورا وإناثا في سبيل الله عز وجل ومن أجل تحقيق مبادئ الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي. فلا يكفي أن يكون الإنسان منطويا على نفسه مقتصرا على عباداته، بل عليه أن يستنفد طاقاته وأوجه نشاطه كلها سعيا في سبيل الإسلام. وتلك هي مزية الشباب في حياة الإسلام والمسلمين في كل زمن وعصر.
وإذا تأملت فيمن كان حول النبي صلّى الله عليه وسلم إبان دعوته وجهاده، وجدت أن أغلبيتهم العظمى كانوا شبانا لم يتجاوزوا المرحلة الأولى من عمر شبابهم، ولم يألوا جهدا في تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه.
٥- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلم فينبغي أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها. وفي مقدمتهم البخاري ومسلم.
فأضفها إلى معجزاته الأخرى التي سبق الحديث عنها، فيما مضى.
٦- ومن أبرز المعجزات الخارقة في قصة هجرته عليه الصلاة والسلام خروجه صلّى الله عليه وسلم من بيته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه، فقد علق النوم بأعينهم جميعا حتى لم يحس به أحد منهم، وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤوسهم من التراب الذي ألقاه رسول الله عليها إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس ٣٦/ ٨] .
لقد كانت هذه المعجزة بمثابة الإعلان لهؤلاء المشركين وغيرهم في كل عصر ووقت، بأن ما قد يلاقيه الرسول وصحبه من ألوان الاضطهاد والعذاب على أيديهم مدة من الزمن في سبيل دينه، لا يعني أن الله قد تخلى عنهم وأن النصر قد ابتعد عن متناولهم. فلا ينبغي للمشركين وسائر أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك، فإن نصر الله قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى.
٧- وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا. لقد كانوا
يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم، حتى إذا هبّ النهار ليدبر، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم الثاني، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه عليه الصلاة والسلام ومقدمه عليهم، ولقد بادلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحبة ذاتها، حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بني النجار من حوله، وهن ينشدن ويتغنين بمقدمه، قائلا: «أتحببنني؟ والله إن قلبي ليحبكن» .
يدلنا كل ذلك أن محبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليست في مجرد الاتّباع له، بل المحبة له هي أساس الاتباع وباعثه، فلولا المحبة العاطفية في القلب لما وجد وازع يحمل على الاتباع في العمل.
ولقد ضلّ قوم حسبوا أن محبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليس لها معنى إلا الاتباع والاقتداء. وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلا بوازع ودافع، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية التي تهز المشاعر وتستبد بالعواطف. ولذلك جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته عليه الصلاة والسلام، بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. وهذا يدلّ على أن محبة الرسول من جنس محبة الوالد والولد أي مصدر كل منهما العاطفة والقلب وإلا لم تصح المقارنة والمفاضلة بينهما.(*)
اعلم! ان للمحيط الزماني والمكاني تأثيراً عظيماً في محاكمات العقول!.. فان شئت فتعال، نخلع هذه الخيالات الزمانية والعصرية والمحيطية، ونتجرّد من هذا اللباس الملوّث؛ ثم نخوض في بحر الزمان السيال، ونَسبَحُ فيه الى ان نخرج الى عصر السعادات التي هي الجزيرة الخضراء فيما بين العصور والدهور. فلننظر الى جزيرة العرب التي هي المدينة الشهباء في تلك الجزيرة الزمانية. ولنلبس ما نسج لنا ذلك الزمانُ، وخاطه لنا ذلك المحيط، حتى نزور - ولو بالخيال - قطبَ مركزِ دائرةِ الرسالة، وهو على رأس وظيفته يعمل.
فافتح عينيك وانظر! فان اول ما يتظاهر لنا من هذه المملكة: شخصٌ خارقٌ، له حسنُ صورةٍ فائقة، في حُسن سيرة رائقة؛ فها هو آخذ بيده كتاباً مُعجزاً كريماً، وبلسانه خطاباً موجزاً حكيماً يبلّغ خطبة ازلية ويتلوها على جميع بني آدم، بل على جميع الجن والانس، بل على جميع الموجودات.
فيا للعجب!.. مايقول؟ نعم، يقول عن أمر ٍجسيم، ويبحث عن نبأٍ عظيم؛ إذ يشرح ويحل المعمّى العجيبة في سرّ خِلقة العالم، ويفتح ويكشف الطلسم المغلق في سر حكمة الكائنات، ويوضح ويبحث عن الاسئلة الثلاثة المعضلة التي اشغلت العقول واوقعتها في الحيرة؛ اذ هي الاسئلة التي يَسأل عنها كلُّ موجود، وهي: مَن أنت؟ ومِن اين؟ والى اين؟ .. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:57
31-)
خُلُق رسول الله
كيف كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في خُلُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 15 حديثا فقال :
.باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره (فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)
2- عن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك فكان يقبل بوجهه وحديثه علي، حتى ظننت أني خير القوم،
فقلت: يا رسول الله، أنا خير أو أبو بكر؟
قال: «أبو بكر»
فقلت: يا رسول الله، أنا خير أو عمر؟
فقال: «عمر»،
فقلت: يا رسول الله، أنا خير أو عثمان؟
قال: «عثمان»،
فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني فلوددت أني لم أكن سألته.
3- عن أنس بن مالك قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم)
4- عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عنده رجل به أثر صفرة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلما قام قال للقوم: (لو قلتم له يدع هذه الصفرة)
5- عن عائشة، أنها قالت: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزىء بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)
6- عن عائشة، قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما أو امرأة)
7- عن عائشة، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم في ذلك غضبا، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما)
8- عن عائشة، قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده،
فقال: «بئس ابن العشيرة» أو «أخو العشيرة»، ثم أذن له، فألان له القول،
فلما خرج قلت: يا رسول الله، قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟
فقال: (يا عائشة، إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه)
9- عن الحسن بن علي قال: قال الحسين: سألت أبي، عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه،
فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام)
10- عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: لا)
11- عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)
12- عن أنس بن مالك قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد)
13- عن عمر بن الخطاب، أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما عندي شيء ولكن ابتع علي، فإذا جاءني شيء قضيته)
فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر،
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا،
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري، ثم قال: (بهذا أمرت)
14- عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زغب فأعطاني ملء كفه حليا وذهبا)
15- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها)
32-)
لباس رسول الله
كيف كان لباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 16 حديثاً فقال :
باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أم سلمة، قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص)
2- عن أم سلمة، قالت: ( كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص)
3- عن أم سلمة، قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه القميص)
4- عن أسماء بنت يزيد قالت: (كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ)
5- عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة لنبايعه، وإن قميصه لمطلق، أو قال: زر قميصه مطلق، قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم.
6- عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يتكئ على أسامة بن زيد عليه ثوب قطري قد توشح به، فصلى بهم.
7- عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء، ثم يقول: (اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)
8- عن أنس بن مالك قال: (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه الحبرة)
9- حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه) قال سفيان: أراها حبرة.
10- عن البراء بن عازب قال: (ما رأيت أحدا من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كانت جمته لتضرب قريبا من منكبيه)
11- عن أبي رمثة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران)
12- عن قيلة بنت مخرمة قالت: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أسمال مليتين كانتا بزعفران وقد نفضته ) وفي الحديث قصة طويلة.
13- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالبياض من الثياب ليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم)
14- عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البسوا البياض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم)
15- عن عائشة قالت: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود)
16- عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكمين.
33-)
عمامة رسول الله
كيف كانت عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 4 أحاديث فقال :
باب ما جاء في عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن جابر قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء)
2- عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر وعليه عمامة سوداء)
3- عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه)
قال نافع: (وكان ابن عمر، يفعل ذلك)
قال عبيد الله: (ورأيت القاسم بن محمد، وسالما يفعلان ذلك)
4- عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عصابة دسماء)
34-)
عبادة رسول الله
كيف كانت عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 24 حديثا فقال :
.باب ما جاء في عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن المغيرة بن شعبة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا)
2- عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه قال: فقيل له: أتفعل هذا وقد جاءك أن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا)
3- عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه فيقال له: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا)
4- عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فقالت: (كان ينام أول الليل ثم يقوم، فإذا كان من السحر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا أفاض عليه من الماء، وإلا توضأ وخرج إلى الصلا)
5- عن معن، عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، أنه أخبره أنه بات عند ميمونة وهي خالته قال: «فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منها، فأحسن الوضوء، ثم قام يصلي»
قال عبد الله بن عباس: (فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي ثم أخذ بأذني اليمنى ففتلها فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين- قال معن: ست مرات- ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح).
6- عن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)
7- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل بالليل منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة)
8- عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين).
9- عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: لأرمقن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فتوسدت عتبته، أو فسطاطه (فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة)
10- عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره أنه سأل عائشة، كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: (يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)
11- عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن».
12- عن عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل تسع ركعات»
13- عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة بن اليمان، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الليل قال: فلما دخل في الصلاة قال: «الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع ركوعه نحوا من قيامه وكان يقول: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم» ثم رفع رأسه فكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: «لربي الحمد، لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى» ثم رفع رأسه، فكان ما بين السجدتين نحوا من السجود، وكان يقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام
«شعبة الذي شك في المائدة والأنعام»)
14- عن عائشة، قالت: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة)
15- عن عبد الله بن مسعود قال: «صليت ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء»
قيل له: وما هممت به؟ قال: «هممت أن أقعد وأدع النبي صلى الله عليه وسلم»
16- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك)
17- عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه، فقالت: (كان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس)
18- عن حفصة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته قاعدا ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)
19- عن أبا سلمة بن عبد الرحمن، أخبره أن عائشة، أخبرته (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس)
20- عن ابن عمر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته)
21- عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: حدثتني حفصة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين حين يطلع الفجر وينادي المنادي»
قال أيوب: (وأراه قال: خفيفتين)
22- عن ابن عمر قال: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء)
قال ابن عمر: (وحدثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النبي صلى الله عليه وسلم)
23- عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة، عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين)
24- عن أبي إسحاق قال: سمعت عاصم بن ضمرة يقول: سألنا عليا، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهار، فقال: إنكم لا تطيقون ذلك قال: فقلنا: من أطاق ذلك منا صلى، فقال: (كان إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، ويصلي قبل الظهر أربعا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين)
ان ما يعرّف لنا ربَّنا لايعد ولايحد، فمن البراهين الكبيرة والحجج الكلية
برهان ناطق مفسر لكتاب العالم وحجة الله على الانام فلنذكر من بحر معرفته رشحة
اعلم! ان ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة.
فان قلت: ماهو؟ وما ماهيته؟
قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الارض مسجدَه، ومكةُ محرابَه، والمدينةُ منبرَه.. وهو امامُ جميع المؤمنين يأتمون به صافّين خلْفَهُ.. وخطيبُ جميع البشر يُبين لهم دساتير سعاداتهم.. ورئيسُ جميع الانبياء، يزكّيهم ويصدّقهم بجامعية دينه لأساسات اديانهم.. وسيدُ جميع الاولياء، يرشدهم ويربيّهم بشمس رسالته.. وقطبٌ في مركز دائرةِ حلقةِ ذكرٍ تركّبَتْ من الانبياء والاخيار والصديقين والابرار المتفقين على كلمته الناطقين بها.. وشجرةٌ نورانية عروقها الحيوية المتينة، هي الانبياء باساساتهم السماوية، واغصانُها الخضرة الطرية وثمراتُها اللطيفة النيرة، هي الاولياء بمعارفهم الالهامية. فما من دعوىً يدّعيها الاّ ويشهد لها جميعُ الانبياء مستندين بمعجزاتهم، وجميعُ الاولياء مستندين بكراماتهم. فكأن على كل دعوى من دعاويه خواتمَ جميع الكاملين؛ اذ بينما تراه قال: (لا إله إلاّ الله) وادعى التوحيد فاذا نسمع من الماضي والمستقبل من الصفّين النورانيين - اي شموسِ البشر ونجومِه القاعدين في دائرة الذكر - عينَ تلك الكلمة، فيكررونها، ويتفقون عليها، مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم. فكأنهم يقولون بالاجماع: "صَدَقْتَ وبالحَق نَطقتَ " .
ولاحدّ للوهم ان يَمُدّ يَده لردّ دعوىً تأيدتْ بشهاداتِ مَن لايحد من الشاهدين الذين تزكّيهم معجزاتُهم وكراماتُهم.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:55
36-)
ميراث رسول الله
ماذا وَرَّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 7 أحاديث فقال :
.باب: ما جاء في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عمرو بن الحارث، أخي جويرية له صحبة قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة)
2- عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟
فقال: أهلي وولدي،
فقالت: ما لي لا أرث أبي؟
فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث»، ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله، وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه.
3- عن أبي البختري، أن العباس، وعليا، جاءا إلى عمر يختصمان يقول كل واحد منهما لصاحبه: أنت كذا، أنت كذا، فقال عمر، لطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد: أنشدكم بالله أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مال نبي صدقة، إلا ما أطعمه، إنا لا نورث؟»
وفي الحديث قصة.
4- عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة).
5- عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)
6- عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: دخلت على عمر فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد، وجاء علي، والعباس، يختصمان،
فقال لهم عمر: أنشدكم بالذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة»
فقالوا: اللهم نعم وفي الحديث قصة طويلة.
7- عن عائشة، قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا»
قال: (وأشك في العبد والأمة)
37-)
موقف رسول الله من الشعر
ما هو موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعر ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر و جمع تحته 9 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر:
1- عن عائشة، قالت: قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟
قالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة، ويتمثل بقوله: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود)
2- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)
3- عن جندب بن سفيان البجلي قال: أصاب حجر أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدميت،
فقال: (هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت)
4- عن البراء بن عازب قال: قال له رجل: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا عمارة؟
فقال: لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ولى سرعان الناس تلقتهم هوازن بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)
5- عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة يمشي بين يديه، وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر،
فقال صلى الله عليه وسلم: (خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل)
6- عن جابر بن سمرة قال: (جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم)
7- عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)
8- عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته مائة قافية من قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، كلما أنشدته بيتا
قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ( هيه ) حتى أنشدته مائة- يعني بيتا-
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كاد ليسلم)
9- عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أو قال: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)
38-)
صفة أكل رسول الله
كيف كانت صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 5 احاديث فقال :
.باب ما جاء في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن لكعب بن مالك، عن أبيه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعق أصابعه ثلاثا)
2- عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث)
3- عن أبي جحيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أما أنا فلا آكل متكئا )
4- عن ابن لكعب بن مالك، عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن)
5- عن مصعب بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع)
39-)
ماذا كان يقول رسول الله قبل الطعام وبعده
ماذا كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعده ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعده وجمع تحته 6 احاديث فقال :
.باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعدما يفرغ منه:
1- عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقرب طعاما، فلم أر طعاما كان أعظم بركة منه، أول ما أكلنا، ولا أقل بركة في آخره، فقلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟ قال: (إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا، ثم قعد من أكل ولم يسم الله تعالى فأكل معه الشيطان)
2- عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه فليقل: بسم الله أوله وآخره)
3- عن عمر بن أبي سلمة، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام فقال: (ادن يا بني فسم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك)
3- عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين)
4- عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: (الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا)
5- عن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو سمى لكفاكم)
6- عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)
40-)
كحل رسول الله
هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتحل ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 6 أحاديث فقال :
باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر)
2- وزعم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه)
3- عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثا في كل عين)
وقال يزيد بن هارون، في حديثه: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين)
4- عن جابر هو ابن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر)
5- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، وينبت الشعر)
6- عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر)
41-)
صفة إزار رسول الله
كيف كانت صفة إزار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة إزار رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 4 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في صفة إزار رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة، كساء ملبداً وإزاراً غليظاً، فقالت: (قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين)
2- عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي، تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشي بالمدينة، إذا إنسان خلفي يقول: (ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى) فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحاء قال: (أما لك في أسوة؟) فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.
3- عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كان عثمان بن عفان، يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: (هكذا كانت إزرة صاحبي)، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
4- عن حذيفة بن اليمان قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي أو ساقه فقال: (هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين)
42-)
تناول رسول الله للفاكهة
ما هي الفاكهة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلها؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 7 احاديث فقال :
.باب ما جاء في فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عبد الله قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب)
2- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب)
3- عن أنس بن مالك قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرطب)
4- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل البطيخ بالرطب)
5- عن أبي هريرة قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا وفي مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه)
قال: ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر.
6- عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: بعثني معاذ بن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر من قثاء زغب، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القثاء، فأتيته به وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها فأعطانيه)
7- عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زغب، فأعطاني ملء كفه حليا)
أو قالت: ذهبا.
43-)
رؤية رسول الله في المنام
هل يمكن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وكيف يكون ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام و جمع تحته 10 أحاديث فقال :
.باب: ما جاء في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام:
1- عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)
2- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتصور»
أو قال: (لا يتشبه بي)
3- عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني»
4- عن عاصم بن كليب قال: حدثني أبي، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثلني»
قال أبي: فحدثت به ابن عباس، فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن علي فقلت: شبهته به،
فقال ابن عباس: (إنه كان يشبهه)
5- عن عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي- وكان يكتب المصاحف-( قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام زمن ابن عباس قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم،
فقال ابن عباس: إن رسول الله كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني»، هل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الذي رأيته في النوم؟
قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرجلين، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره-
قال عوف: ولا أدري ما كان مع هذا النعت-
فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق)
6- قال عوف الأعرابي: (أنا أكبر من قتادة)
7- قال أبو قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رآني- يعني في النوم- فقد رأى الحق)
8- عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي)
وقال: (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)
9- قال عبد الله بن المبارك: (إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر)
10- عن ابن سيرين قال: (هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)
44-)
فراش رسول الله
كيف كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 3 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة قالت: (إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف)
2- عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: سئلت عائشة، ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟ قالت: (من أدم حشوه من ليف)
3- وسئلت حفصة، ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك؟
قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: (ما فرشتم لي الليلة)
قالت: قلنا: هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك
قال: (ردوه لحالته الأولى، فإنه منعتني وطاءته صلاتي الليلة)
45-)
مزاح رسول الله
كيف كان مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 9 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو أسامة، عن شريك، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين»
قال محمود: قال أبو أسامة: (يعني يمازحه)
2- عن أنس بن مالك قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
قال أبو عيسى: وفقه هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح وفيه أنه كنى غلاما صغيرا فقال له: يا أبا عمير. وفيه أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به. وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم:(يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)
لأنه كان له نغير يلعب به فمات، فحزن الغلام عليه فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم:( يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ )
3- عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا
قال: (إني لا أقول إلا حقا)
4- عن أنس بن مالك، أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني حاملك على ولد ناقة)
فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟
فقال صلى الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا النوق)
5- عن أنس بن مالك، أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه) وكان صلى الله عليه وسلم يحبه وكان رجلا دميما فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره،
فقال: من هذا؟ أرسلني.
فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يشتري هذا العبد) فقال: يا رسول الله، إذا والله تجدني كاسدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكن عند الله لست بكاسد)
أو قال: (أنت عند الله غال)
6- عن الحسن قال: ( أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة،
فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز»
قال: فولت تبكي
فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز»
إن الله تعالى يقول: {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا})
46-)
مصيّر ليل البشر نهاراً
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
انظر! الى هذا الشخص النوراني كيف ينشر من الحقيقة ضياءً نَوّاراً، ومن الحق نوراً مضيئاً! حتى صيّر ليل البشر نهاراً وشتاءه ربيعاً، فكأن الكائنات تبدل شكلُها فصار العالم ضاحكاً مسروراً بعدما كان عبوساً قمطريراً.
إذ: اذا لم نستضئ بنوره نرى في الكائنات مأتماً عمومياً، ونرى موجوداتها كالاجانب والاعداء، لايعرف بعضٌ بعضاً، بل يعاديه؛ ونرى جامداتها جنائز دهاشة، ونرى حيواناتها واناسيها ايتاماً باكين بضربات الزوال والفراق. ونرى الكائنات بحركاتها وتنوعاتها وتغيّراتها ونقوشها ملعبة التصادف منجرة الى العبثية مهملة لامعنى لها. ونرى الانسان قد صار بعَجزه المزعج وفقره المعجز وعقله الناقل لأحزان الماضي ومخاوف المستقبل الى رأس الانسان، ادنى واخسر من جميع الحيوانات. فهذه هي ماهية الكائنات عند مَن لم يدخل في دائرة نوره.
فانظر الآن بنوره، وبمرصاد دينه، وفي دائرة شريعته، الى الكائنات كيف تراها؟ انظر! قد تبدل شكلُ العالم، فتحول بيتُ المأتم العمومي مسجدَ الذكر والفكر ومجلس الجذبة والشكر.. وتحول الاعداء الاجانب من الموجودات احباباً واخواناً.. وتحول كلّ من جامداتها الميتة الصامتة حياً مؤنساً مأموراً مسخراً، ناطقاً بلسان حاله آيات خالقه، وتحول ذوو الحياة منها - الايتام الباكون المشتكون - ذاكرين في تسبيحاتهم، شاكرين لترخيصاتهم عن وظائفهم.. وتحولت حركات الكائنات وتنوعاتها وتغيراتها من العبثية والمهملية وملعبة التصادف الى صيرورتها مكتوبات ربانية وصحائف آيات تكوينية ومرايا اسماءٍ إلهية، حتى ترقى العالمُ وصار كتاب الحكمة الصمدانية.
وانظر الى الانسان كيف ترقى من حضيض الحيوانية العاجزة الفقيرة الذليلة الى اوج الخلافة، بقوة ضعفه، وقدرة عجزه، وسَوق فقره، وشوق فاقته، وشوكة عبوديته، وشعلة قلبه وحشمة ايمان عقله. ثم انظر كيف صارت اسبابُ سقوطه من العجز والفقر والعقل اسبابَ صعوده بسبب تنورها بنور هذا الشخص النوراني!
ثم انظر الى الماضي، ذلك المزار (1) الاكبر في ظلماته، كيف استضاء بشموس الانبياء وبنجوم الاولياء! والى الاستقبال تلك الليلة الليلاء في ظلماته، كيف تنور بضياء القرآن وتكشف عن بساتين الجنان!.
فعلى هذا؛ لو لم يوجَد هذا الشخص لسقطت الكائناتُ والانسانُ، وكل شئ الى درجة العدم، لاقيمة ولااهمية لها، فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة من
مثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرِّف المحقق، فاذا لم يكن هذا فلا تكن الكائنات، اذ لامعنى لها بالنسبة الينا. فما اصدق ما قالَ مَنْ " قوله الحق وله الملك " : (لولاكَ لَولاكَ لَما خَلقتُ الاَفلاكَ).. (2) (*)
_______________
(1) المقبرة.
(2) اي: ان هذا حديث قدسي. وقد تكلم علماء محققون حول هذا الحديث ، فمنهم من اقره، ومنهم من ضعفه ومنهم من انكره ولعلّ قول على القاري في شرح الشفا (1 / 6) يعدّ خلاصة جيدة، اذ يقول:"انه صحيح معنىً ولو ضعف مبنى " وايده ابن تيمية من حيث صحة معناه في الفتاوى ( 11 / 96 - 98)
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:57
47-)
صوم رسول الله
كيف كان صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 15 حديثاً فقال :
باب ما جاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة، عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر».
قالت: (وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان)
2- عن أنس بن مالك، أنه سئل عن صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان يصوم من الشهر حتى نرى أن لا يريد أن يفطر منه، ويفطر منه حتى نرى أن لا يريد أن يصوم منه شيئا. وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته مصليا، ولا نائما إلا رأيته نائما).
3- عن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر منه، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم منه، وما صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان)
4- عن أم سلمة، قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»
5- عائشة، قالت: (لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه لله في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله)
6- عن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وقلما كان يفطر يوم الجمعة)
7- عن عائشة، قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس)
8- عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)
9- عن عائشة، قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس)
10- عن عائشة، قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان)
11- عن يزيد الرشك قال: سمعت معاذة، قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: «نعم». قلت: من أيه كان يصوم؟ قالت: «كان لا يبالي من أيه صام»
12- عن عائشة، قالت: (كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء ترك).
13- عن علقمة قال: سألت عائشة، أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص من الأيام شيئا؟ قالت: (كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق)
14- عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة فقال: «من هذه؟» قلت: فلانة لا تنام الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا»، وكان أحب ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه.
15- عن أبي صالح قال: سألت عائشة، وأم سلمة، أي العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالتا: (ما ديم عليه وإن قل)
48-)
انتفاء الحيلة في الدعوة
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
{انْ هوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى }.( النجم : 4 )
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
اعلم! ان كنت عارفاً بسجية البشر، انه لايتيسر للعاقل ان يدّعي في دعوى فيها مناظرة كذباً يخجل بظهوره، وان يقوله بلا حجاب وبلا مبالاة وبلا تأثر يشير الى حيلته، وبلا تصنّع وتهيّج يُوميان الى كذبه، في انظار خصومه النقادة، ولو كان شخصاً صغيراً، ولو في وظيفة صغيرة، ولو بحيثية حقيرة، ولو في جماعة صغيرة، ولو في مسألة حقيرة.
فكيف يمكن تداخل الحيلة ودخول الخلاف في مدّعيات مثل هذا الشخص الذي هو موظف عظيم، في وظيفة عظيمة، بحيثية عظيمة، مع انه يحتاج لأمنية عظيمة، وفي جماعة عظيمة، وفي مقابلة خصومة عظيمة، وفي مسألة عظيمة، وفي دعوى عظيمة؟ وها هو يقول ما يقول بلا مبالاة بمعترض، وبلا تردّد وبلا حجاب وبلا تخوف وبلا تأثر، وبصفوةٍ صميمية، وبجذبة خالصة، وبطرزٍ يحرِّك اعصاب خصومه بتزييف عقولهم وتحقير نفوسهم وكسر عزّتِهم، باسلوب شديد علوي.
فهل يمكن تداخل الحيلة في مثل هذه الدعوى من مثل هذا الشخص في مثل هذه الحالة المذكورة؟ كلاَّ (انْ هوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى) (النجم : 4) .
نعم، ان الحقَّ اغنى من ان يُدلِّس، ونظر الحقيقة اعلى من ان يُدلَّس عليه! ..
نعم، ان مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرهُ النفّاذ منزّهٌ من ان يلتبس عليه الخيال بالحقيقة.. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:60
49-)
ان اسم الله (الحكم) و(الحكيم) يقتضيان بداهة نبوة محمد
(( يصح ان يقال: ان اسم الله (الحكم) و(الحكيم) يقتضيان بداهة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، ويدلان عليها ويستلزمانها.
نعم! مادام الكتاب البليغ بمعانيه ومراميه، يقتضي بالضرورة معلماً بارعاً لتدريسه.. والجمال الفائق يقتضي مراةً يتراءى فيها، ويُري بها جمالَه وحُسنه.. والصنعةُ البديعة تستدعي منادياً داعياً اليها..
فلابد ان يوجد بين بني البشر الذي هو موضع خطاب كتاب الكون الكبير المتضمن مئات المعاني البليغة والحِكَم الدقيقة في كل حرف من حروفه، اقول:
لابد ان يوجد رائدٌ اكمل، ومعلمٌ اكبر، ليرشد الناس الى ما في ذلك الكتاب الكبير من حِكم مقدسة حقيقية.. وليعلّم وجود الحِكَم المبثوثة في ارجائه ويدل علىها.. وليكون مبعث ظهور المقاصد الربانية في خلق الكون، بل السبب في حصولها.. وليرشد الى مايريد الخالق اظهارَه من كمال صنعته البديعة، وجمال اسمائه الحسنى، فيكون كالمرآة الصافية لذلك الكمال البديع والجمال الفائق.. ولينهض بعبودية واسعة - باسم المخلوقات قاطبة - تجاه مظاهر الربوبية الواسعة، مثيراً الشوقَ وناثراً الوجدَ في الآفاق براً وبحراً ملفتاً انظار الجميع الى الصانع الجليل بدعوةٍ ودعاء، وتهليل وتسبيح وتقديس، ترنّ به ارجاء السماوات والارض.. وليقرع اسماع جميع ارباب العقول بما يلقّنه من دروس مقدسة سامية وارشادات حكيمة من القرآن الحكيم.. وليبين بأجمل صورة واجلاها بالقرآن العظيم المقاصد الإلهية لذلك الصانع (الحكم الحكيم).. وليستقبل بأكمل مقابلة وأتمهامظاهر الحكمة البالغة والجمال والجلال المتجلية في الآفاق. فانسانٌ هذه مهمته، انسان ضروري وجوده،بل يستلزمه هذا الكون،كضرورة الشمس ولزومها له.
فالذي يؤدي هذه المهمات، وينجز هذه الوظائف على اتم صورة ليس الا الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم كما هو مشاهد؛ لذا فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.
نعم! مثلما يقتضي التجلي الاعظم لاسم (الحكم والحكيم) - في اوسع مداه - الرسالة الاحمدية، فان اغلب الاسماء الحسنى؛ (الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب) وامثالها، تستلزم الرسالة الاحمدية في اعظم تجلياتها واحاطتها بالكون كله، استلزاماً قاطعاً لا ريب فيه.
فمثلاً:
ان الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم (الرحيم) تظهر بوضوح بمَن هو (رحمة للعالمين)..
وان التحبب الإلهي، والتعرف الرباني - اللذين هما من تجليات اسم (الودود) - يفضيان الى نتيجتهما ويجدان المقابلة بـ(حبيب رب العالمين)..
وان جميع انواع الجمال: من جمال الذات الى جمال الاسماء، وجمال الصنعة والاتقان، وجمال المصنوعات، والمخلوقات، كل انواع الجمال – التي هي تجلٍ من تجليات اسم (الجميل) - تشاهَد في تلك المرآة الاحمدية، وتُشهد بها..
بل حتى تجليات عظمة الربوبية، وهيمنة سلطنة الالوهية انما تُعرف برسالة هذا الداعية العظيم الى سلطان الربوبية وتتبين بها، وتُفهم عنها، وتؤخذ منها وتُصدّق بها..
وهكذا فأغلب الاسماء الحسنى انما هي برهان باهر على الرسالة الاحمدية كما مر آنفاً..)) (*)
____________________
(*) كليات رسائل النور- اللمعة الثلاثون - النكتة الثالثة النقطة الخامسة ص(536)
50-)
مشية رسول الله
كيف كانت مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 3 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أبي هريرة قال: (ولا رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث)
2- عن عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: أخبرني إبراهيم بن محمد، من ولد علي بن أبي طالب قال: كان علي إذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب)
3- عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب)
51-)
تعطر رسول الله
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعطر ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما جمع تحته 5 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها)
2- عن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك، لا يرد الطيب، وقال أنس: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب)
3- عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن)
4- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)
5- عن أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده، فإنه خرج من الجنة)
52-)
تواضع رسول الله
كيف كان تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 16 حديثا فقال :
.باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)
2- عن أنس بن مالك، أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن لي إليك حاجة، فقال: (اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك).
3- عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف من ليف)
4- عن أنس بن مالك قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب. ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات).
5- عن أنس بن مالك قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم فقال: (اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة).
6- عن أنس بن مالك قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم)
قال: (وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك)
7- عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا،
فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر»
قال الحسن: (فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه. فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباها عن مدخله ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا).
8- قال الحسين: فسألت أبي، عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: ( كان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مساءلتهم عنه وإخبارهم بالذي ينبغي لهم
ويقول: « ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة »،
لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة يعني على الخير)
9- قال: فسألته عن مخرجه كيف يصنع فيه؟
قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة)
10- قال: فسألته عن مجلسه،
فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحلم وحياء وأمانة وصبر، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب)
11- عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت)
12- عن جابر قال: (جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس براكب بغل ولا برذون)
13- عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: (سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسف وأقعدني في حجره ومسح على رأسي)
14- عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث وقطيفة، كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلما استوت به راحلته قال: (لبيك بحجة لا سمعة فيها ولا رياء)
15- عن ثابت البناني، وعاصم الأحول، عن أنس بن مالك، أن رجلا خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب منه ثريدا عليه دباء قال: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الدباء وكان يحب الدباء»
قال ثابت: فسمعت أنسا يقول: (فما صنع لي طعام أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع)
16- عن عمرة، قالت: قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟
قالت: (كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه)
53-)
استقبال رسول الله في المدينة
وصل رسول الله صلّى الله عليه وسلم قباء، فاستقبله من فيها وأقام فيها بضعة أيام نازلا على كلثوم بن هدم، حيث أدركه فيها علي رضي الله عنه بعد أن أدّى عنه الودائع إلى أصحابها. وأسس النبي صلّى الله عليه وسلم هناك مسجد قباء، وهو المسجد الذي وصفه الله بقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ.. الآية [التوبة ٩/ ١٠٨] .
ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على ما ذكره المسعودي «1» فالتفّت من حوله الأنصار، كل يمسك زمام راحلته يرجو النزول عنده فكان صلّى الله عليه وسلم يقول لهم: «دعوها فإنها مأمورة» ، فلم تزل راحلته تسير في فجاج المدينة وسككها حتى وصلت إلى مربد «2» لغلامين يتيمين من بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ههنا المنزل إن شاء الله» . وجاء أبو أيوب فاحتمل الرحل إلى بيته، وخرجت ولائد من بني النجار- فيما يرويه ابن هشام- فرحات بمقدم النبي صلّى الله عليه وسلم، وجواره لهن، وهنّ ينشدن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال عليه السلام لهنّ: «أتحببنني؟» فقلن: «نعم» فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكنّ» .
دروس مستفادة
تكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا. لقد كانوا
يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم، حتى إذا هبّ النهار ليدبر، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم الثاني، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه عليه الصلاة والسلام ومقدمه عليهم، ولقد بادلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحبة ذاتها، حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بني النجار من حوله، وهن ينشدن ويتغنين بمقدمه، قائلا: «أتحببنني؟ والله إن قلبي ليحبكن» .
يدلنا كل ذلك أن محبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليست في مجرد الاتّباع له، بل المحبة له هي أساس الاتباع وباعثه، فلولا المحبة العاطفية في القلب لما وجد وازع يحمل على الاتباع في العمل.
ولقد ضلّ قوم حسبوا أن محبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليس لها معنى إلا الاتباع والاقتداء. وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلا بوازع ودافع، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية التي تهز المشاعر وتستبد بالعواطف. ولذلك جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته عليه الصلاة والسلام، بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. وهذا يدلّ على أن محبة الرسول من جنس محبة الوالد والولد أي مصدر كل منهما العاطفة والقلب وإلا لم تصح المقارنة والمفاضلة بينهما.(*)
_________________________
(1) مروج الذهب: ٢/ ٢٧٩، ط بيروت.
(2) أرض يجفف فيها التمر.
(*) فقه السيرة النبوية
54-)
خف رسول الله
كيف كان خف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في خف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثان فقال :
باب ما جاء في خف رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما.
2- عن الشعبي قال: قال المغيرة بن شعبة: «أهدى دحية للنبي صلى الله عليه وسلم خفين، فلبسهما».
وقال إسرائيل: عن جابر، عن عامر، «وجبة فلبسهما حتى تخرقا» لا يدري النبي صلى الله عليه وسلم أذكى هما أم لا.
55-)
جلسة رسول الله
كيف كانت جلسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 3 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن قيلة بنت مخرمة، أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفصاء قالت: (فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق)
2- عن عباد بن تميم، عن عمه، (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى)
3- عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد احتبى بيديه)
56-)
قراءة رسول الله
كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 8 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة، عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت (قراءة مفسرة حرفا حرفا)
2- عن قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ( مدا).
3- عن أم سلمة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول: {الحمد لله رب العالمين} ثم يقف،
ثم يقول: {الرحمن الرحيم} ثم يقف،
وكان يقرأ {ملك يوم الدين}.
4- عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة، عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟
قالت: «كل ذلك قد كان يفعل قد كان ربما أسر وربما جهر». فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
5- عن أم هانئ، قالت: (كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل وأنا على عريشي)
6- عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}».
قال: (فقرأ ورجع)
وقال معاوية بن قرة: ( لولا أن يجتمع الناس علي لأخذت لكم في ذلك الصوت)
أو قال: (اللحن)
7- عن قتادة قال: (ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم حسن الوجه، حسن الصوت، وكان لا يرجع)
8- عن ابن عباس قال: (كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ربما يسمعها من في الحجرة وهو في البيت).
57-)
كلام رسول الله
كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 3 أحاديث فقال :
.باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة، قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه)
2- عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه)
3- عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، فقلت: صف لي منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه باسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة، وإن دقت لا يذم منها شيئا غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا، ولا ما كان لها، فإذا تعدي الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام)
58-)
خاتم رسول الله
كيف كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 8 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس بن مالك قال: (كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق، وكان فصه حبشيا)
2- عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من فضة، فكان يختم به ولا يلبسه.
3- عن أنس بن مالك قال: (كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة فصه منه)
4- عن أنس بن مالك قال: (لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما فكأني أنظر إلى بياضه في كفه)
5- عن أنس بن مالك قال: (كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر)
6- عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً حلقته فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله.
7- عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.
8- عن ابن عمر قال: (اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق، فكان في يده ثم كان في يد أبي بكر، ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس نقشه: محمد رسول الله)
59-)
حياء رسول الله
كيف كان حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 2 حديثان فقال :
.باب ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه)
2- عن مولى لعائشة قال: قالت عائشة: (ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم)
أو قالت: (ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط)
لا ريب ان مالك هذا الكون وربّه يخلق ما يخلق عن علمٍ ويتصرف في شؤونه عن حكمة، ويدير كل جهة عن رؤية ومشاهدة، ويربي كل شئ عن علم وبصيرة، ويدبّر الأمر قاصداً اظهار الحِكمَ والغايات والمصالح التي تتراءى من كل شئ.
فما دام الخالق يعلم، فالعالِمُ يتكلم. وحيث انه سيتكلم، فسيكون كلامه حتماً مع مَن يفهمه من ذوي الشعور والفكر والادراك، بل مع الانسان الذي هو افضل انواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعهم لتلك الصفات.
ومادام كلامه سيكون مع نوع الانسان، فسيتكلم، اذاً مع مَن هو أهل للخطاب من الكاملين من بني الانسان الذين يملكون أعلى استعداد وأرفع أخلاق والذين هم أهلٌ لأن يكونوا قدوة للجنس البشري وأئمة له.
فلا ريب انه سيتكلم مع محمد صلى الله عليه وسلم الذي شهد بحقه الاولياء والخصماء بأنه صاحب أسمى أخلاق وأفضل استعداد، والذي اقتدى به خُمس العالم، وانضم تحت لوائه المعنوي نصف الارض، واستضاء المستقبل بالنور الذي بُعث به طوال ثلاثة عشر قرناً من الزمان، والذي يصلّي عليه أهل الايمان والنورانيون من الناس دوماً ويدعون له بالرحمة والسعادة والثناء والحب، ويجددون معه البيعة خمس مرات يومياً وقد تكلم معه فعلاً. وسيجعله رسوله حتماً وقد جعله فعلاً.وسيجعله قدوة وإماماً للناس كافة وقد جعله فعلاً.(*)
_______________________
(*) الاشارة البليغة الاولى المكتوب التاسع عشر ص(113)
61-)
صفة خبز رسول الله
كيف كانت صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 8 احاديث فقال:
.باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة، أنها قالت: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم)
2- عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: (ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير)
3- عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا هو وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)
4- عن سهل بن سعد، أنه قيل له: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي؟- يعني الحوارى- فقال سهل: (ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله عز وجل تعالى)،
فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (ما كانت لنا مناخل).
قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: (كنا ننفخه فيطير منه ما طار ثم نعجنه)
5- عن يونس، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: (ما أكل نبي الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق)
قال: فقلت لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: «على هذه السفر»
6- عن مسروق قال: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام وقالت: (ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت). قال: قلت لم؟ قالت: (أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم)
7- عائشة، قالت: (ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض)
8- عن أنس قال: (ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا أكل خبزا مرققا حتى مات)
62-)
شَعر رسول الله
كيف كان شَعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 8 أحاديث فقال :
باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس بن مالك قال:( كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصف أذنيه)
2- عن عائشة، قالت:( كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة)
3- عن البراء بن عازب قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، وكانت جمته تضرب شحمة أذنيه)
4- عن قتادة قال: قلت لأنس: كيف كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (لم يكن بالجعد ولا بالسبط، كان يبلغ شعره شحمة أذنيه)
5- عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر)
6- عن أنس: (أن شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إلى أنصاف أذنيه)
7- عن ابن عباس: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه)
8- عن أم هانئ، قالت: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا ضفائر أربع )
63-)
دلال السعادة الابدية
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
اعلم ! ان هذا الشخص، المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية؛ كما انه برهانٌ ناطقٌ صادقٌ على الوحدانية، ودليلٌ حقٌّ بدرجة حقانية التوحيد.. كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الابدية؛ بل كما انه بدعوته وبهدايته سببُ حصول السعادة الابدية ووسيلة وصولها.. كذلك هو بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة ووسيلة ايجادها.
فان شئت فانظر اليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة وُسعَتها صيّرت هذه الجزيرة، بل الارض، مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظر انه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجةٍ كأنه هو امامٌ في محراب عصره واصطفّ خلفَه، مقتدين به جميعُ افاضل بني آدم، من آدم الى هذا العصر الى آخر الدنيا، في صفوف الاعصار مؤتَمّين به ومؤمنّين على دعائه.. ثم استمع ما يفعل في تلك الصلاة بتلك الجماعة. فها هو يدعو لحاجةٍ شديدةٍ عظيمةٍ عامةٍ بحيث يشترك معه في دعائه الارضُ، بل السماء، بل كل الموجودات، فيقولون بألسنة الاحوال: نعم يا ربَّنا تقبل دعاءه، فنحن ايضاً نطلبه، بل مع جميع ما تجلى علينا من اسمائك، نطلب حصول ما يطلب هو.. ثم انظر الى طوره في طرز تضرعاته كيف يتضرّع بافتقارٍ عظيم ٍفي اشتياق شديد وبحزن عميق في محبوبية حزينة! بحيث يهيّج بكاء الكائنات فيبكيها فيُشركُها في دعائه.. ثم انظر لأيّ مقصدٍ وغاية يتضرع؛ ها هو يدعو لمقصدٍ لولا حصول ذاك المقصد لسقط الانسانُ بل العالم بل كل المخلوقات الى اسفل سافلين لاقيمة لها ولا معنى. وبمطلوبه تترقى الموجوداتُ الى مقامات كمالاتها.. ثم انظر كيف يتضرع باستمدادٍ مديد، في غياث شديد، في استرحام بتودد حزين، بحيث يُسمع العرشَ والسموات، ويهيّج وجدَها، حتى كأن يقول العرش والسموات: آمين اللهم آمين.. ثم انظر ممّن يطلب مسؤولَه؟ نعم، يطلب من القدير السميع الكريم ومن العليم البصير الرحيم، الذي يسمع اخفى دعاءٍ من اخفى حيوانٍ في اخفى حاجة، إذ يجيبه بقضاء حاجته بالمشاهدة، وكذا يبصر ادنى املٍ في ادنى ذي حياة في ادنى غاية؛ إذ يوصله اليها من حيث لايحتسب بالمشاهدة، ويُكرم ويَرحم بصورة حكيمة، وبطرز منتظم؛ لايبقى ريب في ان هذه التربية والتدبير من سميع عليم ومن بصير حكيم. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:62
64-)
مبشر البشر
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
انظر واستمع ما يقول! ها هو يبحث عن حقائق مدهشة عظيمة، ويُنذر البشر ويبحث عن مسائل جاذبة للقلوب، لازمة جالبة للعقول الى الدقة (1) فيبشّر البشر. ومن المعلوم ان شوقَ كشفِ حقائق الاشياء، قد ساق الكثيرين من اهل (المَرَق) (2) الى فداء الارواح.
ألا ترى انه لو قيل لك: ان أفديتَ نصفَ عمركَ او نصف مالك، لنزل من القمر او المشتري شخصٌ يخبرك بغرائب احوالهما ويخبرك بحقيقة استقبالك، اظنك ترضى بالفداء؟ فياللعجب! ترضى لدفع (مَرَقِك) بترك نصف العمر والمال، ولاتهتم بما يقول هذا ويصدِّقه اجماعُ اهل الشهود وتواتر أهل الاختصاص من الانبياء والصديقين والاولياء والمحققين؛ فيبحث عن شؤون سلطانٍ: ليس القمرُ في مملكته الاّ كذبابٍ يطير حول فراشٍ، يطير ذلك الفراشُ حول سِراج ٍمن القناديل التي اسرجها في منزلٍ أعدّه لضيوفه المسافرين من الوفِ منازله! ..
وكذا يخبر عن عالمٍ هو محل الخوارق والعجائب، وعن انقلاب عجيب، فرضاً لو انفلقت الارضُ وتطايرت جبالُها كالسحاب ما ساوتْ عُشر معشار عشير غرائب ذلك الانقلاب.
فان شئت فاستمع من لسانه امثال: (اذا الشَّمسُ كُوِّرَتْ) و (اذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) و (اذا زُلْزِلَتِ الارضُ زِلْزالَهَا)و (القَارِعَةُ) ..
وكذا يخبر بتحقيقٍ عن استقبال؛ٍ ليس الاستقبال الدنيوي بالنسبة اليه الا كقطرةِ سرابٍ بلا طائلٍ بالنسبة الى بحر بلا ساحل.. وكذا يبشّر عن شهودٍ بسعادةٍ؛ ليست السعادة الدنيوية بالنسبة اليها الا كبرقٍ زائل بالنسبة الى شمس سرمدية.
نعم، تحت حجاب هذه الكائنات - ذات العجائب - عجائبٌ، تنتظرنا وتنظر الينا. ولابد لاخبار تلك العجائب والخوارق شخصٌ عجيب خارق يشاهِد ثم يشهَد، ويبصُر ثم يُخبر.
نعم، نشاهد من شؤونه واطواره انه يشاهد ثم يشهَد فينذر ويبشّر. وكذا يخبر عن مرضيات رب العالمين ومطالبه منّا وهكذا.. من عظائم مسائل لامفرّ منها، وعجائب حقائق لامنجأ منها، ولا سعادة بدونها.
فيا حسرةً على الغافلين! وياخسارةً على الضالين! وياعجباً من بلاهة اكثر الناس! كيف تَعامَوا عن الحق وتصامّوا عن هذه الحقيقة! لا يهتمون بمثل هذا الذات في عجائبه، مع ان من شأن مثله ان تُفدى له الارواحُ ويُسرع اليه بترك الدنيا وما فيها. (*)
_______________
(1) اي الملاحظة والتدبر وإنعام النظر.
(2) اي الولع واللهفة والرغبة الملحة والاهتمام . ويستعملها الاستاذ في اماكن متفرقة ويعقبها بمعناها العربي.
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:61
65-)
صفة قدح رسول الله
كيف كانت صفة قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثان فقال :
.باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك، قدح خشب غليظا مضببا بحديد فقال: (يا ثابت، هذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم)
2- عن أنس قال: (لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشراب كله، الماء والنبيذ والعسل واللبن)
66-)
الرسول هو المثال النموذج لما بينه القرآن
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
لقد وصف الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الحكيم بقوله:
(وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم) (القلم: 4).
ووصفه الصحب الكرام كما وصفـتـه الصحابيـة الجلـيلـة الصـديـقة عـائشـة رضي الله عنها قائلة: (كان خُلُقهُ القرآن) (1).
اي: ان محمدا صلى الله عليه وسلم هو المثال النموذج لما بينه القرآن الكريم من محاسن الاخلاق، وهو افضل من تمثلت فيه تلك المحاسن، بل انه خلق فطرة على تلك المحاسن.
ففي الوقت الذي ينبغي ان يكون كل من افعال هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم واقواله واحواله، وكل من حركاته نموذج اقتداء للبشرية، فما اتعس اولئك المؤمنين من امته الذين غفلوا عن سنته صلى الله عليه وسلم ممن لايبالون بها او يريدون تغييرها فما اتعسهم وما اشقاهم! (*)
______________________
(1) جزء من حديث عائشة رضي الله عنها. اخرجه مسلم 746 واحمد 6/54، 91، 163 وابو داود 1342 والنسائي 3/199 ــ 200 والدارمي.
(*) كليات رسائل النور – اللمعة الحادية عشر ..ص:95
67-)
تكأة رسول الله
كيف كانت صفة تكأة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 5 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن جابر بن سمرة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره)
2- عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(«ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا قال: «وشهادة الزور،» أو «قول الزور» قال: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى قلنا: ليته سكت)
3- عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أنا فلا آكل متكئا)
4- عن علي بن الأقمر قال: سمعت أبا جحيفة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا آكل متكئا)
5- عن جابر بن سمرة قال:(رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة)
من المعلوم ان رفع عادةٍ صغيرة (كالتتون) (1) مثلاً، من طائفة صغيرة بالكلية قد يَعسَرُ على حاكم عظيم بهمّة عظيمة، مع أنّا نرى هذا الذات ها هو قد رفع بالكلية؛ عاداتٍ عظيمة كثيرة، من اقوام عظيمة متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسياتهم، بقوة جزئية، وهمةٍ قليلة وفي زمان قصير، وغَرسَ بدلها برسوخ تام في سجيتهم عادات عالية، وخصائل غالية.
فانظر الى " عمر " رضى الله عنه قبل الاهتداء وبعده، تَرَه نواةً قد صار شجرةً باسقة.
وهكذا يتراءى لنا من خوارق اجراآته الاساسية الوف ما رأينا، فمن لم يَرَ هذا العصر نُدخل في عينه هذه الجزيرة!. فليجرّب نفسه فيها.
فليأخذوا مائة من فلاسفتهم وليذهبوا اليها وليعملوا مائة سنة هل يتيسر لهم ان يفعلوا بالنسبة الى هذا الزمان جزءٌ من مائة جزءٍ مما فعل سيدُنا في سنةٍ بالنسبة الى ذلك الزمان؟! . (*)
_______________
(1) التتون : التبغ والتدخين.
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:60
69-)
اتكاء رسول الله
هل اتكأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثان فقال :
.باب ما جاء في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكيا فخرج يتوكأ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قطري قد توشح به فصلى بهم)
2- عن الفضل بن عباس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه وعلى رأسه عصابة صفراء فسلمت عليه، فقال: «يا فضل» قلت: لبيك يا رسول الله قال: «اشدد بهذه العصابة رأسي» قال: ففعلت، ثم قعد فوضع كفه على منكبي، ثم قام فدخل في المسجد وفي الحديث قصة.
70-)
محركه قوة قدسية
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم
ان ما يعرّف لنا ربَّنا لايعد ولايحد، فمن البراهين الكبيرة والحجج الكلية
برهان ناطق مفسر لكتاب العالم وحجة الله على الانام فلنذكر من بحر معرفته رشحة
فان شئت ان تعرف ان ما يحرّكه، انما هو قوّة قدسية. فانظر الى إجراآته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الاقوام الوحشية في هذه الصحراء العجيبة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، القاسية قلوبُهم بدرجة يدفن احدُهم بنتَه حيةً بلا تأثّر! كيف رفع هذا الشخص جميع اخلاقهم السيئة والوحشية، وقلعَها في زمان قليل! وجهّزهم باخلاق حسنة عالية، فصيّرهم معلمي العالم الانساني واساتيذ (1) الامم المتمدنة. فانظر ليست سلطنته على الظاهر فقط، بقوة الخوف كسائر الملوك، بل ها هو يفتح القلوب والعقول، ويسخِّر الارواح والنفوس حتى صار محبوبَ القلوب ومعلم العقول ومربي النفوس وسلطان الارواح. (*)
_______________
(1) جمع استاذ
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:59
71-)
حجامة رسول الله
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 6 حديثا فقال :
.باب ما جاء في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن حميد قال: سئل أنس بن مالك عن كسب الحجام،
فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه وقال: «إن أفضل ما تداويتم به الحجامة»،
أو (إن من أمثل دوائكم الحجامة)
2- عن علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأمرني فأعطيت الحجام أجره)
3- عن ابن عباس قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين وبين الكتفين، وأعطى الحجام أجره ولو كان حراما لم يعطه)
4- عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا حجاما فحجمه وسأله: «كم خراجك؟»
فقال: ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعا وأعطاه أجره.
5- عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين)
6- عن أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بملل على ظهر القدم)
72-)
رسول الله وصلاة الضحى
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صلاة الضحى و جمع تحته 8 حديثا فقال :
باب صلاة الضحى:
1- عن يزيد الرشك قال: سمعت معاذة، قالت: قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: (نعم، أربع ركعات ويزيد ما شاء الله عز وجل)
2- عن أنس بن مالك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات)
3- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها حدثت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قط أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود)
4- عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟
قالت: (لا إلا أن يجيء من مغيبه)
5- عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها)
6- عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشمس فقلت: يا رسول الله، إنك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشمس فقال: (إن أبواب السماء تفتح عند زوال الشمس فلا ترتج حتى تصلى الظهر، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير)
قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: ( نعم ).
قلت: هل فيهن تسليم فاصل؟ قال: ( لا )
7- عن عبد الله بن السائب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)
8- عن علي، أنه (كان يصلي قبل الظهر أربعا، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها عند الزوال ويمد فيها)
73-)
تقنع رسول الله
هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع الدهن على رأسه ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته حديثاً واحداً فقال :
.باب ما جاء في تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس بن مالك قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات)
قوله يكثر القناع : هو دهن الرأس بالطيب
74-)
عَيْشُ رسول الله
كيف كان عَيْش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في عَيْش رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 12 حديثا فقال :
باب ما جاء في عَيْش رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط في أحدهما، فقال: ( بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة مغشيا علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنونا، وما بي جنون، وما هو إلا الجوع )
2- عن مالك بن دينار قال: (ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز قط ولا لحم، إلا على ضفف).
قال مالك: سألت رجلا من أهل البادية: ما الضفف؟ قال: (أن يتناول مع الناس)
3- عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ (لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)
4- عن عائشة، قالت: (إن كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء)
5- عن أبي طلحة قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين»
قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، كان أحدهم يشد في بطنه الحجر من الجهد والضعف الذي به من الجوع)
6- عن أبي هريرة قال:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟»
قال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه، والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟»
قال: الجوع يا رسول الله،
قال صلى الله عليه وسلم: «وأنا قد وجدت بعض ذلك» فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلا كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟
فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها، فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا تنقيت لنا من رطبه؟»
فقال: يا رسول الله، إني أردت أن تختاروا، أو تخيروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد».
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذبحن ذات در»،
فذبح لهم عناقا أو جديا، فأتاهم بها فأكلوا،
فقال صلى الله عليه وسلم: «هل لك خادم؟»
قال: لا.
قال: «فإذا أتانا سبي فأتنا».
فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اختر منهما»
فقال: يا رسول الله، اختر لي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المستشار مؤتمن، خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفا».
فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حق ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا بأن تعتقه
قال: فهو عتيق،
فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي)
7- عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله عز وجل، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله، لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام ما نأكل إلا ورق الشجر والحبلة حتى تقرحت أشداقنا، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير، وأصبحت بنو أسد يعزروني في الدين. لقد خبت وخسرت إذا وضل عملي)
8- عن عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوي قال: سمعت خالد بن عمير، وشويسا أبا الرقاد، قالا:
بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان وقال: انطلق أنت ومن معك، حتى إذا كنتم في أقصى بلاد العرب، وأدنى بلاد العجم فأقبلوا، حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان،
فقالوا: ما هذه؟
قالوا: هذه البصرة فساروا حتى إذا بلغوا حيال الجسر الصغير،
فقالوا: ههنا أمرتم، فنزلوا- فذكروا الحديث بطوله- قال:
فقال عتبة بن غزوان: (لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة قسمتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار وستجربون الأمراء بعدنا)
9- عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال)
10- عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبان بن يزيد العطار، قال: حدثنا قتادة،
عن أنس بن مالك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف»
قال عبد الله: (قال بعضهم: هو كثرة الأيدي).
11- عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنه انقلب بنا ذات يوم حتى إذا دخلنا بيته ودخل فاغتسل، ثم خرج وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن
فقلت له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟
فقال: «هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير» فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا.
75-)
شراب رسول الله
ماذا كان يشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثين فقال :
.باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن عائشة، قالت: (كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد)
2- عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه وخالد على شماله،
فقال لي: (الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا)
فقلت: ما كنت لأوثر على سؤرك أحدا،
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أطعمه الله طعاما، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله عز وجل لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه).
ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن)
76-)
الشيب في شعر رسول الله
هل كان في شَعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيب؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 8 أحاديث فقال :
باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (لم يبلغ ذلك، إنما كان شيبا في صدغيه،ولكن أبو بكر، خضب بالحناء والكتم)
2- عن أنس قال:(ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا أربع ع شرة شعرة بيضاء)
3- عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:(كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيب، وإذا لم يدهن رئي منه)
4- عن عبد الله بن عمر قال:(إنما كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء)
5- عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبت، قال: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت)
6- عن أبي جحيفة قال: قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت، قال: (قد شيبتني هود وأخواتها)
7- عن أبي رمثة التيمي، تيم الرباب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي، قال: فأريته، فقلت لما رأيته: (هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر)
8- عن سماك بن حرب قال: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم شيب؟ قال: (لم يكن في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم شيب إلا شعرات في مفرق رأسه، إذا ادهن واراهن الدهن)
77-)
نوم رسول الله
كيف كان نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 6 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)
وفي رواية : (يوم تجمع عبادك)
2- عن حذيفة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: (اللهم باسمك أموت وأحيا)،
وإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)
3- عن عائشة، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات)
4- عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام وصلى ولم يتوضأ» (وفي الحديث قصة)
5- عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)
6- عن أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه)
اعلم! ان هذا البرهان النوراني الذي دل على التوحيد وأرشد البشر اليه، كما انه يتأيد بقوة ما في جناحَيه: نبوةً وولايةً من الاجماع والتواتر.. وكذا تصدّقه اشاراتُ الكتب السماوية من بشارات التوراة والانجيل والزبور وزُبُر الاولين.. وكذلك تصدّقه رموزات الارهاصات الكثيرة المشهودة.. وكذا تصدّقه بشارات الهواتف الشائعة المتعددة.. وكذا تصدّقه شهادات أهل الكهانة المنقولة بالتواتر.. وكذا تصدقه دلالات الف معجزات من امثال شق القمر ونبعان الماء من الاصابع كالكوثر، ومجئ الشجر بدعوته، ونزول المطر في آن دعائه، وشبع الكثير من طعامه القليل، وتكلم الضب والذئب والظبي والجمل والحجر الى الفٍ مما بيّنَه الرواةُ الثقاة والمحدّثون المحققون.. وكذا تصدّقه شريعته الجامعةُ لسعادات الدارين. (*)
اعلم! انه كما تصدّقه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدّقه الدلائل الأنفسية؛ اذ اجتماع اعالي جميع الاخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق.. وكذا جمعُ شخصيته المعنوية في وظيفته افاضل جميع السجايا الغالية والخصائل النزيهة.. وكذا قوة ايمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته.. وكذا كمال وثوقه بشهادة سِيَره وكمال جدّيته وكمال متانته.. وكذا قوة امنيته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه، تصدّقه في دعوى تمسكه بالحق وسلوكه على الحقيقة، كما تصدّق الاوراقُ الخضرة والازهار النضرة والاثمار الطرية حياةَ شجرتها. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:56
80-)
وضوء رسول الله عند الطعام
هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ قبل تناول الطعام ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام وجمع تحته 2 حديثين فقال :
كيف كان يشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في صفة شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 10 أحاديث فقال :
باب ما جاء في صفة شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن عباس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم )
2- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وقاعدا )
3- عن ابن عباس قال: ( سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم )
4- عن النزال بن سبرة قال: ( أتى علي، بكوز من ماء وهو في الرحبة فأخذ منه كفا فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثم شرب وهو قائم )، ثم قال: (هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل )
5- عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يتنفس في الإناء ثلاثا إذا شرب، ويقول: ( هو أمرأ وأروى )
6- عن ابن عباس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس مرتين )
7- عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كبشة، قالت: (دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته )
8- عن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك، يتنفس في الإناء ثلاثا، وزعم أنس، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا )
9- عن أنس بن مالك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم وقربة معلقة فشرب من فم القربة وهو قائم، فقامت أم سليم إلى رأس القربة فقطعتها )
10- عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب قائما )
82-)
سن رسول الله
كم كان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 6 أحاديث فقال :
.باب: ما جاء في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن ابن عباس قال: (مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشرا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين)
2- عن جرير، عن معاوية، أنه سمعه يخطب قال: «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين» وأبو بكر وعمر، وأنا ابن ثلاث وستين.
3- عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو ابن ثلاث وستين سنة)
4- عن عمار مولى بني هاشم قال: سمعت ابن عباس يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين.
5- عن دغفل بن حنظلة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين )
6- عن أنس بن مالك، أنه سمعه يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء).
83-)
بكاء رسول الله
كيف كان بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 6 أحاديث فقال :
.باب ما جاء في بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن مطرف وهو ابن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء)
2- عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»
فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل
قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»،
فقرأت سورة النساء، حتى بلغت {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}
قال: فرأيت عيني رسول الله تهملان.
3- عن عبد الله بن عمرو قال: انكسفت الشمس يوما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، حتى لم يكد يركع ثم ركع، فلم يكد يرفع رأسه، ثم رفع رأسه، فلم يكد أن يسجد، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، ثم رفع رأسه، فلم يكد أن يسجد، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي،
ويقول: «رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفرك».
فلما صلى ركعتين انجلت الشمس، فقام فحمد الله تعالى وأثنى عليه،
ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا فافزعوا إلى ذكر الله تعالى)
4- عن ابن عباس قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة له تقضي فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه وصاحت أم أيمن
فقال- يعني صلى الله عليه وسلم-: «أتبكين عند رسول الله؟» فقالت: ألست أراك تبكي؟
قال:( إني لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تنزع من بين جنبيه، وهو يحمد الله عز وجل)
5- عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي»
أو قال: (عيناه تهراقان)
6- عن أنس بن مالك قال: شهدنا ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله جالس على القبر فرأيت عيينه تدمعان، فقال: «أفيكم رجل لم يقارف الليلة؟»
قال أبو طلحة: أنا قال: «انزل» فنزل في قبرها.
84-)
في أي يد كان يتختم رسول الله
في أي يد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع خاتمه ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه وجمع تحته 10 أحاديث فقال :
باب ما جاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه:
1- عن علي بن أبي طالب:( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه في يمينه )
2- عن حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبي رافع، يتختم في يمينه فسألته عن ذلك فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وقال عبد الله بن جعفر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه)
3- عن عبد الله بن جعفر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه)
4- عن جابر بن عبد الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه)
5- عن الصلت بن عبد الله قال: كان ابن عباس، يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه)
6- عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة، وجعل فصه مما يلي كفه، ونقش فيه محمد رسول الله، ونهى أن ينقش أحد عليه) وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس.
7- عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما)
8- عن أنس بن مالك: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه)
وقال أبو عيسى: (هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا إلا من هذا الوجه)
9- وروى بعض أصحاب قتادة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان يتختم في يساره) (وهو حديث لا يصح أيضا).
10-عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب فطرحه صلى الله عليه وسلم وقال: (لا ألبسه أبدا) فطرح الناس خواتيمهم.
85-)
صلاة رسول الله في البيت
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في البيت ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صلاة التطوع في البيت و جمع تحته 1 حديثاً واحداً فقال :
.باب صلاة التطوع في البيت:
1- عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد
قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد
قال: (قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة)
86-)
صفة درع رسول الله
كيف كانت صفة درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة درع النبي صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثان فقال :
باب ما جاء في صفة درع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن الزبير بن العوام قال: كان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أوجب طلحة)
2- عن السائب بن يزيد، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه يوم أحد درعان، قد ظاهر بينهما)
87-)
صفة مغفر رسول الله
كيف كانت صفة مغفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في صفة مغفر النبي صلى الله عليه وسلم وجمع تحته 2 حديثان فقال :
باب ما جاء في صفة مغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه مغفر، فقيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: ( اقتلوه)
2- عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر قال: فلما نزعه جاءه رجل، فقال له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: «اقتلوه» قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ محرما.
88-)
رسول الله والسمر
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر مع اهل بيته ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر و جمع تحته 2 حديثان فقال :
.باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر:
1- عن عائشة، قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نساءه حديثا،
فقالت امرأة منهن: كأن الحديث حديث خرافة
فقال: (أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهرا، ثم ردوه إلى الإنس فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة)
2- حديث أم زرع :
عن عائشة، قالت: جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا:
فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث.
قالت السابعة: زوجي عياياء أو غياياء طباقاء كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلا لك.
قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد طويل النجاد عظيم الرماد قريب البيت من الناد.
قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح وأشرب فأتقمح،
أم أبي زرع فما أم أبي زرع، عكومها رداح، وبيتها فساح،
ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة،
بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع، طوع أبيها وطوع أمها، ملء كسائها، وغيظ جارتها،
جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا،
قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها،
فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا،
وقال: كلي أم زرع، وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
قالت عائشة: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع)
89-)
أسماء رسول الله
ما هي أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أورد الإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى في كتابه الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية باباً في ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم و جمع تحته 2 حديثان فقال :
.باب: ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء»
(أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي)
2- عن حذيفة قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة فقال:
(أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، وأنا المقفى، وأنا الحاشر، ونبي الملاحم)