نوح عليه السلام
هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبى البشر عليه السلام.
وكان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، فيما ذكره ابن جرير وغيره.
وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة، وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة: أن رجلا قال: يا رسول الله أنبى كان آدم ؟ قال: نعم مكلم.
قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون.
فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الاصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد فكان اول رسول بعث إلى أهل الارض، كما يقول أهل الموقف يوم القيامة.
وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنة يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة،
كان أول رسول بعثه الله إلى أهل الارض، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبى حيان، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، قال: "…..
فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الارض، وسماك الله عبدا شكورا، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك عزوجل ؟ فيقول: ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي "
ولما بعث الله نوحا عليه السلام، دعاهم إلى إفراد عبادة الله وحده لا شريك له، وألا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه،
وأنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار، والسر والاجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، وكل هذا لم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الاصنام والاوثان.
ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان، وتنقصوه وتنقصوا من آمن به، وتوعدهم بالرجم والاخراج، ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم.
" قال الملا من قومه " أي السادة الكبراء منهم: " إنا لنراك في ضلال مبين ".
" قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين "
أي لست كما تزعمون من أني ضال، بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين، أي الذى يقول لشئ كن فيكون " أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ".
وقالوا له فيما قالوا:"ما نراك إلا بشرا مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى،وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين".
تعجبوا أن يكون بشرا رسولا، وتنقصوا من اتبعه ورأوهم أراذلهم.
وقد قيل إنهم كانوا من أفناد الناس وهم ضعفاؤهم، كما قال هرقل: وهم أتباع الرسل، وما ذاك إلا لانه لامانع لهم من اتباع الحق.
وقولهم " بادى الرأى " أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية.
وهذا الذى رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضى الله عنهم: فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر، بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر.
وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم كما قال تعالى: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون " أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم.
وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته.
وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه، وصاه فيما بينه وبينه، ألا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقى.
وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق، ولهذا قال: " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ".
ولهذا: " قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين " أي إنما يقدر على ذلك الله عزوجل، فإنه الذى لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر، بل هو الذى يقول للشئ كن فيكون.
وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " تسلية له عما كان منهم إليه، " فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، أي لا يسوأنك ما جرى فإن النصر قريب والنبأ عجيب.
" واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ".
وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم، ورأى أنهم لا خير فيهم، وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق، من فعال ومقال، دعا الله عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته
وأجاب طلبه قال الله تعالى: " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ".
وقال تعالى " قال رب إن قوم كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين " وقال تعالى: " فدعا ربه أني مغلوب فانتصر "
فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم.
فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك، وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها.
وقد قال بعض علماء السلف: لما استجاب الله له، أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة، فغرسه وانتظره مائة سنة، ثم نجره في مائة أخرى، وقيل في أربعين سنة.
قال محمد بن إسحق عن الثوري: وكانت من خشب الساج، وقيل من الصنوبر وهو نص التوراة.
قال الثوري: وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا، وأن يطلى ظاهرها وباطنها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء.
وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا.
وهذا الذى في التوراة على ما رأيته.
وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع.
وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا، وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور.
وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
{فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ".
فتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه، أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، وأن يحمل معه أهله، أي أهل بيته، إلا من كان كافرا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التى لا ترد، فكان منهم ابنه " يام " الذي غرق " ومن آمن " أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك.
قال الله تعالى: " وما آمن معه إلا قليل " هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم الاكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة، والترغيب والوعيد أخرى.
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة: فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم، وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا.وقيل كانوا عشرة.
وأما امرأة نوح وهى أم أولاده كلهم: وهم حام وسام، ويافث، ويام،وعابر، فقد ماتت قبل الطوفان، وقيل إنها غرقت مع من غرق، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها.
قال الله تعالى: " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ".
أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه، كما قال تعالى: " والذى خلق الازواج كلها، وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا
سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية " وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ "
قال الله تعالى: " وهى تجرى بهم في موج كالجبال " وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الارض قبله ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الارض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها.
كما قال تعالى: " فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر ".
والدسر المسامير " تجرى بأعيننا " أي بحفظنا وكلاءتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها " جزاء لمن كان كفر ".
وقد ذكر ابن جرير وغيره: أن الطوفان كان في ثالث عشر من شهر آب في حساب القبط.
وقال تعالى: " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " أي السفينة
" لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ".
قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل في الارض خمسة عشر ذراعا، وهو الذى عند أهل الكتاب.
وقيل ثمانين ذراعا، وعم جميع الارض طولها والعرض، ولم يبق على وجه الارض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف،
" وقيل يا أرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى، وغيض الماء وقضى الامر، واستوت على الجودى، وقيل بعدا للقوم الظالمين ".
أي لما فرغ من أهل الارض، ولم يبق بها أحد ممن عبد غير الله
عزوجل، أمر الله الارض أن تبتلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر، " وغيض الماء " أي نقص عما كان، " وقضى الامر " أي وقع بهم الذى كان قد سبق في علمه وقدره
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة - يعنى إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر كيف تجرى ؟ قال: سوف تعلمون.
فلما فرغ ونبع الماء وصار السكك خشيت أم الصبى عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبى ! ". والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا.
ثم قال تعالى: " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ".
هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الارض، وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها، أن يهبط من السفينة التى كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودى، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور، " بسلام منا وبركات " أي اهبط سالما مباركا عليك، وعلى أمم ممن سيولد بعد، أي من أولادك، فإن الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام.
قال تعالى: " وجعلنا ذريته هم الباقين "، فكل من على وجه الارض اليوم من سائر أجناس بنى آدم، ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم: سام، وحام، ويافث.
وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الاولاد إلا بعد الطوفان، وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذى غرق، وعابر مات قبل الطوفان.
والصحيح أن الاولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة.
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وتوع الطوفان، واعترف به آخرون منهم وقالوا: إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا.
وقد أجمع أهل الاديان الناقلون عن رسل الرحمن، مع ما تواتر عند الناس في سائر الازمان، على وقوع الطوفان، وأنه عم جميع البلاد، ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد ; استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم، وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم.
ذكر شئ من أخبار نوح نفسه عليه السلام
قال الله تعالى: " إنه كان عبدا شكورا "
قيل: إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله.
صيام نوح عليه السلام عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر ويوم الاضحى ".
حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن زمعة - هو ابن أبى صالح - عن سلمة بن دهران ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادى عسفان قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال هذا وادى عسفان. قال: " لقد مر بهذا نوح وهود وإبراهيم على بكران لهم حمر خطمهم الليف، أزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق ".
وصيته لولده عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم - قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة بالديباج فقال: " ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس، أو قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ورفع كل راع ابن راع ".
قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: " ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ! " ثم قال: " إن نبى الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه: إنى قاص عليك وصية; آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والارضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله.
ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة ضمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده. فإن بها صلات كل شئ، وبها يرزق الخلق.
وأنهاك عن الشرك والكبر " قال: يقلت - أو قيل - يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه، فلما الكبر ؟ أن يكون لاحدنا نعلان حسنتان لهما شرا كان حسنان ؟ قال: " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها ؟ قال " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا دابة يركبها ؟ قال: " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: " لا " قلت - أو قيل - يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: " سفه الحق وغمط الناس ".
قبر نوح عليه السلام: فروى ابن جرير والازرقي عن عبد الرحمن ابن سابط أو غيره من التابعين مرسلا، أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام.
وهذا أقوى وأثبت من الذى يذكره كثير من المتأخرين، من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكر.
5-)
نبي الله إدريس عليه السلام
قال الله تعالى:{ وَاذكُر فِي الكِتابِ إِدريسَ إِنَّهُ كانَ صِدّيقًا نَبِيًّا﴿٥٦﴾وَرَفَعناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴿٥٧﴾}(سورة مريم)
فإدريس عليه السلام قد أثنى عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب
وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام
وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين وقد قال طائفة من الناس : إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخط بالرمل فقال : [ إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك ]
يزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيرة الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء
وقوله تعالى : { ورفعناه مكانا عليا } هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر به وهو في السماء الرابعة وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال : سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له : ما قول الله لإدريس : { ورفعناه مكانا عليا } ؟ فقال كعب : أما إدريس فإن الله أوحي إليه : إني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال : إن الله أوحي لي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جنياحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال : وأين إدريس ؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت : يا للعجب بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول : كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض ؟ فقبض روحه هناك فذلك قول الله عز و جل : { ورفعناه مكانا عليا }
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها وعند فقال لذلك الملك : سل لي ملك الموت كم بقي من عمري ؟ فسأله وهو معه : كم بقي من عمره ؟ فقال : لا أدري حتى أنظر فنظر فقال : إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر
وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { ورفعناه مكانا عليا } قال : إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم
وقال الوفي عن ابن عباس في قوله : { ورفعناه مكانا عليا } رفع إلى السماء السادسة فمات بها وهكذا قال الضحاك والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغيره واحد وقال الحسن البصري : { ورفعناه مكانا عليا } قال : إلى الجنة وقال قائلون : رفع في حياة أبيه : " يرد بن مهلاييل " والله أعلم وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل
قال البخاري : ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس : أن إلياس هو إدريس واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء : أنه لما مر به عليه السلام قال له : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا : فلو كان في عمود نسبه لقال كما قالا له
وهذا لا يدل ولا بد لأنه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولى العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين (*)
_________________
(*) قصص الأنبياء ابن كثير - باب ذكر إدريس عليه السلام
6-)
هود عليه السلام
نبي الله هود عليه السلام
وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ويقال هود بن عبد الله ابن رباح الجارود بن عاد بن عوص بن إرم ابن سام ابن نوح عليه السلام ذكره ابن جرير وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح وكانوا عربا يسكنون الأحقاف - وهي جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها " الشحر " واسم واديهم " مغيث " وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام كما قال تعالى : { ألم ترى كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي مثل القبيلة وقيل مثل العمد والصحيح الأول كما بيناه في التفسير وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه : " منهم أربعة من العرب : هو وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية وزعم وهب ابن منبه أن أباه أول من تكلم بها وقال غيره: أول من تكلم بها نوح وقيل آدم وهو الأشبه وقيل غير ذلك والله أعلم ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب العاربة وهم قبائل كثيرة : منهم عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم ومدين وعملاق وجاسم وقحطان وبنو يقطن وغيرهم وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل والمقصود أن عادا - وهم عاد الأولى - كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان وكانت أصنامهم ثلاثة صمدا وصمودا وهرا فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليم السلام فدعاهم إلى الله فكذبوه وخالفوه وتنقصوه فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته وإستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة : { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } أي هذا الأمر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يرتجى منها النصر والرزق ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين } أي ليس الأمر كما تظنون ولا تعتقدون : { أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغوعدم الزيادة فيه والنقص منه ويستلزم أداءه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم ولا يبتغي منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص لله عز و جل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ولهذا قال : { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } أي أما لكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطرتكم التي خلقتم عليها وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ولهذا قال مؤمن " يس " : { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } وقال قوم هود له فيما قالوا : { يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بؤمنين * إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه وعندنا أنه إنما أصابك هذا لأن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك وهو قولهم : { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } { قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } وهذا تحد منه لهم وتبرأ من آلهتهم وتنقص منه لهم وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا بريء منها لاعن لها فكيدوني ثم لا تنظرون أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ولا أفكر فيكم ولا أنظر إليكم { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } أي أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه فلست أبالي مخلوقا سواه لست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبد الله ورسوله وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله : { يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون } وهكذا قال الخليل عليه السلام : { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما اشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم } { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا كما قال تعالى : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } وقال تعالى : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى إلا أن قالوا بعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } ولهذا قال لهم هود عليه السلام : { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } أي ليس هذا بعجيب فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله : { أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون } استعبدوا الميعاد وأنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما وقالوا : هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين } أي يموت قوم ويحيا آخرون وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة : أرحام تدفع وأرض تبلع وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذا الدار بعد كل ستة وثلاثين ألف سنة وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل يستميل عقل الفجرة من بني آدم الذي لا يعقلون ولا يهتدون كما قال تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم متقرفون } وقال لهم فيما وعظهم به : { أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون ما صنع لعلكم تخلدون } يقول لهم : أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها لأنه لا حاجة لكم فيه وما ذاك إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى : { ألم ترك كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد } فعاد إرم هم عاد الأولى الذين يسكنون الأعمدة التي تحمل الخيام ومن زعم أن " إرم " مدينة من ذهب وفضة وهي تنتقل في البلاد فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه وقوله : { وتتخذون مصانع } قيل هي القصور وقيل بروج الحمام وقيل مآخذ الماء { لعلكم تخلدون } أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة { وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وقالوا له مما قالوا : { أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } أي أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف آباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه ؟ فإن كنت صادقين فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك كما قالوا : { سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين } أما على قراءة فتح ( الخاء ) فالمراد به اختلاق الأولين أي إن هذا الذي جئت به إلا اختلاق منك أخذته من كتب الأولين هكذا فسر غير واحد من الصحابة والتابعين وأما على قراءة ضم ( الخاء واللام ) فالمراد به الدين أي إن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين الآباء والأجداد من الأسلاف ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا نزال متمسكين به ويناسب كلا القراءتين الأولي والثانية قولهم : { وما نحن بمعذبين } قال : { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي قد استحققتم بهذا المقالة الرجس والغضب من الله أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ؟ اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان أي لم ينزل علي ما ذهبتم إليه دليلا ولا برهانا وإذ أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد * * *
وقد ذكر الله تعالى خبر أهلاكهم في غير ما آية كما تقدم مجملا ومفصلا كقوله : { فأنجيناه والذي معه برحمه منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين } وكقوله : { ولما جاء أمرنا فنجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله وابتعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } وكقوله : { فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين } وقوله تعالى : { فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } وأما تفصيل أهلاكهم فكما قال تعالى : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم } كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب ولهذا قال تعالى : { بل هو ما استعجلتم به } أي من وقوع العذاب وهو قولهم : { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } ومثلها في الأعراف وقد ذكر المفسرون وغيرهم ها هنا الخبر الذي ذكر الإمام محمد بن إسحاق بن يسار قال : فلما أبوا إلا الكفر بالله عز و جل أمسلك عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال : وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من سلالة معليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذا ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهذة ابنة الخيبري قال : فبعث عاد وفراد قريبا من سبقين رجلا ليستسقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالإنصراف عمل شعرا يعرض لهم فيه بالإنصراف وأمر القينتين أن تغنيهم به فقال :
( ألا يقيل ويحك قم فهبنم ... لعل الله يصبحنا غماما )
( فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما )
( من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما )
( وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامى )
( وأن الوحش يأتيهم جهارا ... ولا يخشى لعاد سهاما )
( وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم تماما )
( فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما ) قال : فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثة : بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء : اختر لنفسك - أو لقومك - من هذا السحاب فقال : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد : اخترت رماد رمددا لا تبقى من عاد أحدا لا والدا يترك ولا ولدا إلا جعلته همدا إلا بني اللوذية الهمدا قال : وهم بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال : ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة قال : وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا : هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها } أي تهلك كل شيء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها " مهد " فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا : ما رأيت يا مهد ؟ قالت : رأيت ريحا فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم : الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك قال : واعتزل هود - عليه السلام - فيما ذكر لي - في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ماتلين عليه الجلود وتلذ الأنفس وإنها لتمر على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وذكر تمام القصة وقد روى الإمام أحمد حديثا في مسنده يشبه هذه القصة فقال : حدثنا زيد بن الخباب حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري قال : خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فمررت بالزبذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقال لي : يا عبد الله إن لي إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق إذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال : فجلست قال : فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت فقال : " هل كان بينكم وبين بني تميم شيء " ؟ فقلت : نعم وكانت لنا الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي ذي بالباب فأذن لها فدخلت فقالت : يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا قال : فحميت العجوز واستوفزت وقالت : يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال : قلت : إن مثلي ما قال الأول : معزى حملت حتفها حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال : هيه وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث مني ولكن يستطعمه قلت : إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له : " قيل " فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما : الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودى منها : اختر فأومأ إلى سحابة منها سودا فنودي منها : خذها رمادا رمددا ولا تبقى من عاد أحدا قال : فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا قال أبو وائل : وصدق : وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا : لا تكن كوافد عاد وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة ومن طريقه رواه ابن ماجه وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي وعاد الأولى قبل الخليل وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى ولا يشبه كلام المتقدمين وفيه أن في تلك السحابة شرر نار وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين : هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب { سخرها عليها سبع ليال وثمانية أيام حسوما } أي كوامل متتابعات قيل : كان أولها الجمعة وقيل الأربعاء { فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤس لها وذلك لأن الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال : { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر } أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } ومن قال إنه اليوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرآن فإنه قال في الآية الأخرى : { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات } ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشئومة وهذا لا يقوله أحد وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم وقال تعالى : { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } أي التي لا تنتج خيرا فإن الريح المنفردة لا تثير سحابا ولا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ولهذا قال : { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ] وأما قوله تعالى : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الأولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وثم الأولى ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي من الحديث عن عائشة رضي الله عنها وأما قوله : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } فإن عادا لما رأوا هذا العارض وهي الناشيء في الجو كالسحاب ظنوه سحابا ممطرا فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمه فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال الله تعالى : { بل هو ما استعجلتم به } أي من العذاب ثم فسره بقوله : { ريح فيها عذاب أليم } يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة فكما منوا بشدتهم وبقوتهم وقالوا : من أشد منا قوة ؟ سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم وهو الريح العقيم ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الأمر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقي منهم فأرسلها الله عليهم شررا ونارا كما ذكره غير واحد ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين وجمع لهم بين الريح الباردة والمذاب النار وهو أشد ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون والله أعلم وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس حدثنا ابن فضيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها { قالوا هذا عارض ممطرنا } فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ] وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد عن إسماعيل بن زكريا الكوفي عن أبي مالك عن مسلم الملائي عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا : هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ] قالت : عتت على خرانها حتى خرجت من خلال الأبواب : قلت : وقال غيره : خرجت بغير حساب والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر ثم اختلف فيه على مسلم الملائي وفيه نوع اضطراب والله أعلم وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه لغة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري إن جعلناه مفسرا لهذه القصة وأصرح منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال : حدثنا أبو بكر الظاهر حدثنا ابن وهب قال : سمعت ابن جريج حدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا عصفت الريح قال : [ اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ] قالت : وإذا غيبت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سرى عنه فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال : لعله يا عائشة كما قال قوم عاد : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجه من حديث ابن جريج طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف أنبأنا عبد الله بن وهب أنبأنا عمرو - وهو ابن الحارث - أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم وقالت : كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قالت : يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية ؟ فقال : [ يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ! قد عذب قوم نوح بالريح ] وقد رأى إليه أولا فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الأحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الأولى والله أعلم بالصواب وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف وأخرجه البخاري و أبو داود من حديث ابن وهب وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطه القبلى يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم (*)
_________________
(*) قصص الأنبياء ابن كثير - باب قصة هود عليه السلام
7-)
الآيات التي ورد فيها اسم نبي الله إسحاق عليه السلام
هذه المناجاةُ اللطيفة التي نادى بها رائدُ الصابرين سيدُنا أيوب عليه السلام مجرّبةٌ، وذاتُ مفعول مؤثّر، فينبغي أن نقتبس من نور هذه الآية الكريمة ونقول في مناجاتنا: "ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".
وقصة سيدنا أيوب عليه السلام المشهورة، نلخصها بما يأتي:
إنه عليه السلام ظل صابراً رَدَحاً من الزمن يكابد ألَمَ المرض العضال، حتى سرت القروحُ والجروحُ إلى جسمه كله، ومع ذلك كان صابراً جلداً يرجو ثوابَه العظيم من العلي القدير. وحينما أصابت الديدانُ الناشئة من جروحه قلبَه ولسانَه اللذين هما محلُّ ذكر اللّٰه وموضعُ معرفته، تضرّع إلى ربّه الكريم بهذه المناجاة الرقيقة: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ خشية أنْ يصيب عبادتَه خللٌ، ولم يتضرع إليه طلباً للراحة قط. فاستجاب اللّٰه العلي القدير لتلك المناجاة الخالصة الزكية استجابةً خارقة بما هو فوق المعتاد، وكشف عنه ضرَّه وأحسنَ إليه العافيةَ التامة وأسبغَ عليه ألطافَ رحمته العميمة.
وهنا خمس نكات.
النكتة الأولى
إنه إزاء تلك الجروح الظاهرة التي أصابت سيدَنا أيوبَ عليه السلام، توجد فينا أمراضٌ باطنية وعللٌ روحية وأسقامٌ قلبية، فنحن مصابون بكلّ هذا. فلو انقلبنا ظاهراً بباطن وباطناً بظاهر، لظهرنا مُثقَلين بجروحٍ وقروح بليغة، ولَبَدَت فينا أمراضٌ وعللٌ أكثر بكثير مما عند سيدنا أيوب عليه السلام، ذلك لأن كلَّ ما تكسبه أيدينا من إثم، وكلَّ ما يلج إلى أذهاننا من شبهة، يشقّ جروحاً غائرةً في قلوبنا، ويفجّر قروحاً دامية في أرواحنا.. ثم إن جروحَ سيدنا أيوب عليه السلام كانت تهدّد حياتَه الدنيا القصيرة بخطر، أما جروحُنا المعنوية نحن فهي تهدد حياتَنا الأخروية المديدة بخطر.. فنحن إذن محتاجون أشد الحاجة إلى تلك المناجاة الأيوبية الكريمة بأضعافِ أضعاف حاجته عليه السلام إليها. وبخاصةٍ إن الديدان المتولدة من جروحه عليه السلام مثلما أصابت قلبَه ولسانَه، فإن الوساوس والشكوك -نعوذ باللّٰه- المتولدة عندنا من جروحنا الناشئة من الآثام والذنوب تصيب باطنَ القلب الذي هو مستقرُّ الإيمان فتزعزعُ الإيمانَ فيه، وتمسّ اللسانَ الذي هو مترجم الإيمان فتُسلبه لذةَ الذكر ومتعتَه الروحية، ولا تزال تنفّره من ذكر اللّٰه حتى تُسكته كلياً.
نعم، الإثمُ يتوغل في القلب ويمدّ جذورَه في أعماقه، وما ينفك ينكُتُ فيه نكتاً سوداء حتى يتمكن من إخراج نور الإيمان منه، فيبقى مظلماً مقفراً، فيغلظ ويقسو.
نعم، إن في كل إثم وخطيئةٍ طريقاً مؤدياً إلى الكفر، فإن لم يُمحَ ذلك الإثم فوراً بالاستغفار يتحولْ إلى دودة معنوية، بل إلى حية معنوية تعض القلبَ وتؤذيه.
ولنوضح ذلك بما يأتي:
مثلاً: إن الذي يرتكب -سراً- إثماً يُخجَل منه، وعندما يستحي كثيراً من اطلاع الآخرين عليه، يثقُل عليه وجودُ الملائكة والروحانيات، ويرغب في إنكارهم بأمارة تافهة.
ومثلاً: إن الذي يقترف كبيرة تُفضي إلى عذاب جهنم، إنْ لم يتحصّن تجاهها بالاستغفار، فما إنْ يسمع نذيرَ جهنم وأهوالَها يرغب من أعماقه في عدم وجودها، فيتولد لديه جرأةٌ لإنكار جهنم من أمارة بسيطة أو شبهة تافهة.
ومثلاً: إن الذي لا يقيم الفرائضَ ولا يؤدي وظيفةَ العبودية حق الأداء وهو يتألم من توبيخ آمره البسيط لتقاعسه عن واجب بسيط، فإنّ تكاسله عن أداء الفرائض إزاء الأوامر المكررة الصادرة من اللّٰه العظيم، يورثه ضِيقاً شديداً وظلمةً قاتمةً في روحه، ويسوقُه هذا الضيقُ إلى الرغبة في أن يتفوّه ويقول ضمناً: "ليته لم يأمر بتلك العبادة!" وتثير هذه الرغبةُ فيه الإنكارَ، الذي يُشمّ منه عداءً معنوياً تجاه ألوهيته سبحانه!، فإذا ما وردت شبهةٌ تافهة إلى القلب حول وجوده سبحانه، فإنه يميل إليها كأنها دليل قاطع. فينفتح أمامَه بابٌ عظيمٌ للهلاك والخسران المبين. ولكن لا يدرك هذا الشقي أنه قد جعل نفسه -بهذا الإنكار- هدفاً لضيق معنوي أرهبَ وأفظعَ بملايين المرات من ذلك الضيق الجزئي الذي كان يشعر به من تكاسله في العبادة، كمن يفرّ من لسع بعوضة إلى عض حية!
فليُفهَم في ضوء هذه الأمثلة الثلاثة سرّ الآية الكريمة: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(المطففين:14).
النكتة الثانية
مثلما وُضّح في "الكلمة السادسة والعشرين" الخاصة بالقدر أن الإنسان ليس له حق الشكوى من البلاء والمرض بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنَّ اللّٰه سبحانه يجعل ما ألبسَه الإنسانَ من لباس الوجود دليلا على صنعته المُبدعة، حيث خلقه على صورة نموذج (موديل) يفصّل عليه لباسَ الوجود، يبدّلُه ويقصُّه ويغيّرُه، مبيناً بهذا التصرف تجليات مختلفة لأسمائه الحسنى. فمثلما يستدعي اسمُ "الشافي" المرضَ، فإن اسم "الرزاق" أيضاً يقتضي الجوعَ. وهكذا فهو سبحانه مالكُ المُلك يتصرف في مُلكه كيف يشاء.
الوجه الثاني: أنَّ الحياة تتصفّى بالمصائب والبلايا، وتتزكّى بالأمراض والنوائب، وتجد بها الكمال وتتقوى وتترقى وتسمو وتثمر وتنتج وتتكامل وتبلغ هدفَها المراد لها، فتؤدي مهمتَها الحياتية. أما الحياةُ الرتيبة التي تمضى على نسق واحد وتمر على فراش الراحة، فهي أقربُ إلى العدم الذي هو شرّ محضٌ منه إلى الوجود الذي هو خيرٌ محض. بل هي تُفضي إلى العدم.
الوجه الثالث: أنَّ دار الدنيا هذه ما هي إلاّ ميدانُ اختبار وابتلاء، وهي دارُ عمل ومحل عبادة، وليست محلَّ تمتّع وتلذذ ولا مكان تسلّم الأجرة ونيل الثواب.
فمادامت الدنيا دارَ عمل ومحلَّ عبادة، فالأمراضُ والمصائب عدا الدينية منها وبشرط الصبر عليها تكون ملائمةً جداً مع ذلك العمل، بل منسجمةً تماماً مع تلك العبادة، حيث إنها تمد العملَ بقوة وتشدّ من أزر العبادة، فلا يجوز التشكّي منها، بل يجب التحلي بالشكر للّٰه بها، حيث إن تلك الأمراضَ والنوائب تحوّل كلَّ ساعة من حياة المصاب عبادةً ليوم كامل.
نعم، إن العبادة قسمان: قسم إيجابي وقسم سلبي..
فالقسم الأول معلوم لدى الجميع، أما القسم الآخر فإن البلايا والضر والأمراض تجعل صاحبَها يشعر بعَجزه وضَعفه، فيلتجئ إلى ربه الرحيم، ويتوجّه إليه ويلوذ به، فيؤدي بهذا عبادة خالصة. هذه العبادة خالصةٌ زكيّةٌ لا يدخل فيها الرياءُ قط. فإذا ما تجمّل المصابُ بالصبر وفكّر في ثواب ضرّه عند اللّٰه وجميلِ أجره عنده، وشكَر ربَّه عليها، تحولت عندئذ كلُّ ساعة من ساعات عمره كأنها يومٌ من العبادة، فيغدو عمرُه القصير جداً مديداً طويلاً، بل تتحول -عند بعضهم- كلُّ دقيقة من دقائق عمره بمثابة يوم من العبادة.
ولقد كنتُ أقلق كثيراً على ما أصاب أحد إخوتي في الآخرة وهو "الحافظ أحمد المهاجر" بمرض خطير، فخطر إلى القلب ما يأتي: "بشّره، هنّئه، فإن كلَّ دقيقة من دقائق عمره تمضي كأنها يومٌ من العبادة". حقاً إنه كان يشكر ربَّه الرحيم من ثنايا الصبر الجميل.
النكتة الثالثة
مثلما بينّا في "الكلمات" السابقة أنه إذا ما فكّر كلُّ إنسان فيما مضى من حياته فسَيردُ إلى قلبه ولسانه "وا أسفاه"، أو "الحمد للّٰه". أي إما أنه يتأسف ويتحسر، أو يحمد ربَّه ويشكره. فالذي يقطّر الأسف والأسى إنما يكون بسبب الآلام المعنوية الناشئة من زوال اللذائذ السابقة وفراقها، ذلك لأن زوالَ اللذة ألَمٌ، بل قد تورث لذةٌ زائلةٌ طارئةٌ آلاماً دائمة مستمرة، فالتفكر فيها يُعصِر ذلك الألَمَ ويُقطّر منه الأسف والأسى، بينما اللذةُ المعنوية والدائمة الناشئة من زوال الآلام المؤقتة التي قضاها المرء في حياته الفائتة، تجعل لسانَه ذاكراً بالحمد والثناء للّٰه تعالى.. هذه حالةٌ فطرية يشعر بها كل إنسان، فإذا ما فكر المصاب -علاوة على هذا- بما أدّخر له ربُّه الكريم من ثوابٍ جميل وجزاءٍ حَسن في الآخرة وتأملَ في تحوُّل عمره القصير بالمصائب إلى عمر مديد، فإنه لا يصبر على ما انتابه من ضُرّ وحده، بل يرقى أيضاً إلى مرتبة الشكر للّٰه والرضا بقَدَره، فينطلق لسانُه حامداً ربَّه وقائلاً: "الحمد للّٰه على كلِّ حال سوى الكفر والضلال".
ولقد سار مثلا عند الناس: "ما أطولَ زمنَ النوائب!". نعم، هو كذلك ولكن ليس بالمعنى الذي في عُرفِ الناس وظنِّهم من أنه طويل بما فيه من ضيق وألَم، بل هو طويلٌ مديد كالعمر الطويل بما يُثمر من نتائج حياتية عظيمة.
النكتة الرابعة
لقد بينّا في "المقام الأول للكلمة الحادية والعشرين": أنَّ الإنسان إنْ لم يشتّت ما وهَبه البارئ سبحانه من قوةِ الصبر، ولم يبعثرها في شعاب الأوهام والمخاوف، فإنّ تلك القوة يمكن أن تكون كافيةً للثبات حيال كل مصيبة وبلاء، ولكن هيمنةَ الوهم وسيطرةَ الغفلة عليه والاغترارَ بالحياة الفانية كأنها دائمة.. يؤدي إلى الفتّ من قوة صبره وتفريقها إلى آلام الماضي ومخاوف المستقبل، فلا يكفيه ما أودعه اللّٰه من الصبر على تحمّل البلاء النازل به والثبات دونه، فيبدأ ببث الشكوى حتى كأنه يشكو اللّٰه للناس، مبدياً من قلة الصبر ونفاده ما يشبه الجنون. فضلاً عن أنه لا يحق له أن يجزع جزعَه هذا أبداً؛ ذلك لأن كل يوم من أيام الماضي -إن كان قد مضى بالبلاء- فقد ذهب عسرُه ومشقتُه وتركَ راحتَه، وقد زال تعبُه وألَمُه وترك لذتَه، وقد ذهب ضنكُه وضيقُه وثبت أجرُه، فلا يجوز إذن الشكوى منه، بل ينبغي الشكر للّٰه تعالى عليه بشوق ولهفة. ولا يجوز كذلك الامتعاضُ من المصيبة والسخط عليها بل ينبغي ربطُ أواصر الحب بها؛ لأن عمر الإنسان الفاني الذي قد مضى يتحول عمراً سعيداً باقياً مديداً بما يعاني فيه من البلاء. فمن البلاهة والجنون أن يبدد الإنسانُ قسماً من صبره ويهدره بالأوهام والتفكر في البلايا التي مضت والآلام التي ولّت. أما الأيام المقبلة، فحيث إنها لم تأت بعدُ ومجهولةٌ مبهمة، فمن الحماقة التفكرُ فيها من الآن والجزعُ عمّا يمكن أن يصيب الإنسان فيها من مرض وبلاء. فكما أنه حماقةٌ أن يأكل الإنسانُ اليوم كثيراً من الخبز ويشرب كثيراً من الماء لما يمكن أن يصيبَه من الجوع والعطش في الغد أو بعد غد، كذلك التألّم والتضجرُ من الآن لما يمكن أن يُبتلى به في المستقبل من أمراض ومصائب هي الآن في حكم العدم، وإظهارُ الجزع نحوها دون أن يكون هناك مبرر واضطرار، هو بلاهةٌ وحماقة إلى حدٍّ تسلب العطفَ على صاحبها والإشفاق عليه. فوق أنه قد ظلم نفسه بنفسه.
الخلاصة: إن الشكر مثلما يزيد النعمةَ، فالشكوى تزيد المصيبةَ وتسلب الترحم والإشفاقَ على صاحبها.
لقد ابتُلى رجل صالح من مدينة "أرضروم" بمرض خطير وبيل، وذلك في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، فذهبتُ إلى عيادته وبثَّ لي شكواه قائلا: لم أذُق طعمَ النوم منذ مائة يوم.
تألمتُ لشكواه الأليمة هذه، ولكن تذكرتُ حينها مباشرة وقلت: "أخي! إن الأيام المائة الماضية لكونها قد ولّت ومضت فهي الآن بمثابة مائة يوم مُسرِّة مفرحة لك، فلا تفكر فيها ولا تشكُ منها، بل انظر إليها من زاوية زوالها وذهابها، واشكر ربك عليها. أما الأيام المقبلة فلأنها لم تأتِ بعدُ، فتوكّل على رحمة ربك الرحمن الرحيم واطمئن إليها. فلا تبكِ قبل أن تُضرَب، ولا تخف من غير شيء، ولا تمنح العدمَ صبغةَ الوجود. اصرف تفكيرك في هذه الساعة بالذات، فإن ما تملكه من قوة الصبر تكفي للثبات لهذه الساعة. ولا تكن مثلَ ذلك القائد الأحمق الذي شتّت قوته في المركز يميناً وشمالاً في الوقت الذي التحقت ميسَرةُ العدو إلى صفوف ميمنة جيشه فأمدَّتْها، وفي الوقت الذي لم تكُ ميمنةُ العدو متهيئة للحرب بعد.. فما إن علِم العدو منه هذا حتى سدّد قوةً ضئيلة في المركز وقضى على جيشه.
فيا أخي لا تكن كهذا، بل حشِّد كل قواك لهذه الساعة فقط، وترقّب رحمة اللَّه الواسعة، وتأمل في ثواب الآخرة، وتدبّر في تحويل المرض لعمرك الفاني القصير إلى عمر مديد باق، فقدِّم الشكرَ الوافر المسرّ إلى العلي القدير بدلاً من هذه الشكوى المريرة".
انشرح ذلك الشخص المبارك من هذا الكلام وانبسطت أساريره حتى شرع بالقول: "الحمد للَّه. لقد تضاءل ألمي كثيراً".
النكتة الخامسة
وهي ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:
إنَّ المصيبة التي تعدّ مصيبةً حقاً والتي هي مُضرةٌ فعلاً، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء إلى اللّٰه سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع. أما المصائبُ التي لا تمس الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائبَ، لأن قسماً منها:
تنبيهٌ رحماني يبعثه اللّٰه سبحانه إلى عبده ليوقظَه من غفلته، بمثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها، فيرميها بحجر، والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذّرها من أمر خطير مضر، فتعود إلى مرعاها برضى واطمئنان. وهكذا النوائبُ الظاهرة؛ فإن الكثير منها تنبيه إلهي، وإيقاظ رحماني للإنسان.
أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارةٌ للذنوب.
وقسم آخر أيضاً من المصائب هو منحةٌ إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسانَ، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته.
أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض -فكما ذكرنا آنفا- فهي ليست بمصيبة حقيقية، بل هي لطفٌ رباني، لأنه تطهيرٌ للإنسان من الذنوب وغسلٌ له من أدران الخطايا، كما ورد في الحديث الصحيح: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى، إِلاَّ حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ" .( 1)
وهكذا فإن سيدنا أيوب عليه السلام لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطميناً لراحته، وإنما طلب كشفَ الضر من ربه عندما أصبح المرضُ مانعاً لذكر اللّٰه لساناً، وحائلاً للتفكر في ملكوت اللّٰه قلباً. فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصةً كاملة. فيجب علينا نحن أيضاً أن نقصد -بتلك المناجاة- أول ما نقصد: شفاءَ جروحنا المعنوية وشروخنا الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب، وعلينا الالتجاء إلى اللّٰه القدير عندما تَحُول الأمراضُ المادية دون قيامنا بالعبادة كاملة، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع، ونستغيثه دون أن يبدر منا أيُّ اعتراض أو شكوى، إذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ إلى الاعتراض على قضائه وقدَره، وإظهارِ التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقدٍ للقدر الإلهي العادل واتهامٍ لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدرَ يُصرَع ومَن يتهم الرحمةَ يُحرم منها. إذ كما أن استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسراً، فإن مقابلة المبتلَى مصيبتَه بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء.
المسألة الثانية:
كلما استعظمتَ المصائب المادية عظُمَت، وكلما استصغرتَها صغُرت. فمثلاً: كلما اهتم الإنسان بما يتراءى له من وهْم ليلاً يضخم ذلك في نظره، بينما إذا أهمله يتلاشى. وكلما تعرض الإنسان لوكر الزنابير ازداد هجومُها، وإذا أهملها تفرقت.
فالمصائب المادية كذلك، كلما تعاظمها الإنسان واهتم بها وقلق عليها تسربت من نافذة الجسد إلى القلب واستقرت فيه، وعندها تتنامى مصيبةٌ معنوية في القلب وتكون ركيزةً للمادية منها فتستمر الأخيرة وتطول. ولكن متى ما أزال الإنسانُ القلقَ والوهم من جذوره بالرضا بقضاء اللّٰه، وبالتوكل على رحمته، تضمحل المصيبةُ المادية تدريجياً وتذهب، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقُها بانقطاع جذورها.
ولقد عبّرتُ عن هذه الحقيقة يوماً بما يأتي: ( 2)
ومن الشكوى بلاءٌ.
دعها يا مسكين وتوكلْ.
نجواكَ للوهابِ فسَلِّم.
فإذا الكلُّ عطاء.
وإذا الكلُّ صفاء.
فبغير اللّٰه، دنياك متاهاتٌ وخوف!
أفيشكو مَن على كاهله يحمل كلَّ الراسيات
كحبّة رملٍ ضئيلة؟
إنما الشكوى بلاءٌ في بلاء.
وأثامٌ في أثام وعناء!
أنت إنْ تَبْسُم في وجه البلاء.
عادت الأرزاءُ تذوي وتذوب.
تحت شمس الحق حبّاتِ بَرَد!
فإذا دنياك بَسمة،
بسمةٌ من ثغرها ينسابُ ينبوعُ اليقين.
بسمةٌ نشوى بإشراق اليقين.
بسمةٌ حيرى بأسرار اليقين.
نعم، إن الإنسان مثلما يخفف حدَّة خصمه باستقباله بالبِشر والابتسامة، فتتضاءل سَورة العداوة وتنطفئ نارُ الخصومة، بل قد تنقلب صداقةً ومصالحةً، كذلك الأمر في استقبال البلاء بالتوكل على القدير يُذهِبُ أثره.
المسألة الثالثة:
أن لكل زمان حُكمَه، وقد غيّر البلاءُ شكلَه في زمن الغفلة هذا، فلا يكون البلاءُ بلاءً عند البعض دوماً، بل إحساناً إلهياً ولطفاً منه سبحانه. وأرى المبتلَيْنَ بالضر في هذا الوقت محظوظين سعداء بشرط ألاّ يمس دينَهم، فلا يولد المرض والبلاء عندي ما يجعلهما مضرَّين في نظري حتى أُعاديهما، ولا يورثانني الإشفاق والتألم على صاحبهما، ذلك ما أتاني شاب مريض إلاّ وأراه أكثر ارتباطاً من أمثاله بالدين، وأكثر تعلقاً منهم بالآخرة.. فأفهم من هذا أن المرض بحق هؤلاء ليس بلاء، بل هو نعمةٌ من نعمه سبحانه التي لا تعد ولا تحصى، حيث إن ذلك المرض يمد صاحبَه بمنافع غزيرة من حيث حياته الأُخروية ويكون له ضرباً من العبادة، مع أنه يمس حياته الدنيا الفانية الزائلة بشيء من المشقة.
نعم، قد لا يستطيع هذا الشاب أن يحافظ على ما كان عليه في مرضه من الالتزام بالأوامر الإلهية فيما إذا وجد العافية، بل قد ينجرف إلى السفاهة بطيش الشباب ونزواته وبالسفاهة المستشرية في هذا الزمان.
خاتمة
إن اللّٰه سبحانه قد أدرج في الإنسان عجزاً لا حد له، وفقراً لا نهاية له، إظهاراً لقدرته المطلقة وإبرازاً لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بحيث يتألم بما لا يحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لا يعد من الجهات، إظهاراً للنقوش الكثيرة لأسمائه الحسنى. فأبدعه سبحانه على صورة ماكنة عجيبة تحوي مئات الآلات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها ومهمتها وثوابها وجزاؤها، فكأن الأسماء الإلهية المتجلية في العالم الذي هو إنسان كبير تتجلى أكثرُها أيضاً في هذا الإنسان الذي هو عالم أصغر، وكما أن ما فيه من أمور نافعة -كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها- تدفعه إلى الشكر وتسوق تلك الماكنة إلى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الإنسانُ كأنه ماكنة شكر. كذلك الأمر في المصائب والأمراض والآلام وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليبَ الأخرى لتلك الماكنة إلى العمل والحركة وتثيرها من مكمنها فتفجّر كنوزَ العجز والضعف والفقر المندرجة في الماهية الإنسانية. فلا تمنح المصائبُ الإنسانَ الالتجاء إلى البارئ بلسان واحد، بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض يغدو قلماً يتضمن آلاف الأقلام، فيكتب مقدّرات حياته في صحيفة حياته أو في اللوح المثالي، وينسج لوحةً رائعة للأسماء الإلهية الحسنى، ويصبح بمثابة قصيدة عصماء ولوحة إعلان.. فيؤدي وظيفة فطرته.(*)
______________________
(1) البخاري، المرضى 1، 2، 13، 16؛ مسلم، البر 14؛ الدارمي، الرقاق 57؛ أحمد بن حنبل، المسند 1/371، 441، 2/303، 335، 3/4، 18، 38، 48، 61، 81.
(2) جاءت ترجمة هذه الفقرة بشيء من التصرف. وأصلها في "المكتوب السادس".
(*) كليات رسائل النور - اللمعة الثانية ص(10)
10-)
الآيات التي ورد فيها اسم نبي الله داوود عليه السلام
ان مناجاة سيدنا يونس بن متى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - هي من اعظم انواع المناجاة واروعها، ومن ابلغ الوسائل لإستجابة الدعاء وقبوله(1).
تتلخص قصته المشهورة بأنه - عليه السلام - قد أُلقي به الى البحر، فالتقمه الحوت، وغشيته امواج البحر الهائجة، واسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه. فداهمته الرهبة والخوف من كل مكان وانقطعت امامه اسباب الرجاء وانسدت ابواب الامل.. واذا بمناجاته الرقيقة وتضرعه الخالص الزكي:
(لا إله إلاّ أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين) (الانبياء:87) يصبح له في تلك الحالة واسطة نجاة ووسيلة خلاص.
وسـر هذه المناجاة العظيم هو:
ان الاسباب المادية قد هوت كلياً في ذلك الوضع المرعب، وسقطت نهائياً فلم تحرك ساكناً ولم تترك أثراً، ذلك لان الذي يستطيع ان ينقذه من تلك الحالة، ليس الاّ ذلك الذي تنفذ قدرتُه في الحوت، وتهيمن على البحر وتستولي على الليل وجو السماء؛ حيث أن كلا من الليل الحالك والبحر الهائج والحوت الهائل قد اتفق على الانقضاض عليه، فلا ينجيه سبب، ولا يخلصه أحد، ولايوصله الى ساحل السلامة بأمان، الاّ من بيده مقاليد الليل وزمام البحر والحوت معاً، ومَن يسخّر كل شئ تحت امره.. حتى لو كان الخلق اجمعين تحت خدمته عليه السلام ورهن اشارته في ذلك الموقف الرهيب، ما كانوا ينفعونه بشئ!.
أجل لاتأثير للاسباب قط.. فما أن رأى عليه السلام بعين اليقين ألاّ ملجأ له من امره تعالى إلاّ اللواذ الى كنف مسبب الاسباب، انكشف له سرُّ الأحدية من خلال نور التوحيد الساطع، حتى سخرتْ له تلك المناجاةُ الخالصة الليل والبحر والحوت معاً، بل تحوّل له بنور التوحيد الخالص بطنُ الحوت المظلم الى مايشبه جوف غواصة أمينة هادئة تسير تحت البحر، واصبح ذلك البحر الهائج بالامواج المتلاطمة مايشبه المتنزه الآمن الهادئ، وانقشعت الغيوم عن وجه السماء - بتلك المناجاة - وكشف القمر عن وجهه المنير كأنه مصباح وضئ يتدلى فوق رأسه..
وهكذا غدت تلك المخلوقات التي كانت تهدده وترعبه من كل صوب وتضيق عليه الخناق، غدت الآن تسفر له عن وجه الصداقة، وتتقرب اليه بالود والحنان، حتى خرج الى شاطئ السلامة وشاهد لطف الرب الرحيم تحت شجرة اليقطين.
فلننظر بنور تلك المناجاة الى انفسنا.. فنحن في وضع مخيف ومرعب أضعاف أضعاف ما كان فيه سيدنا يونس عليه السلام، حيث ان:
ليلنا الذي يخيم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلنا اذا نظرنا اليه بنظر الغفلة يبدو مظلماً مخيفاً، بل هو أحلك ظلاماً واشد عتامة من الليل الذي كان فيه سيدنا يونس عليه السلام بمائة مرة..
وبحرنا، هو بحر الكرة الارضية، فكل موجة من امواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو اذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف رهبة البحر الذي ألقي فيه عليه السلام.
وحوتنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهي حوت يريد ان يلتقم حياتنا الابدية ويمحقها. هذا الحوت اشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس عليه السلام؛ اذ كان يمكنه ان يقضي على حياة امدها مائة سنة، بينما حوتنا نحن يحاول افناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.
فما دامت هذه حقيقةَ وضعنا، فما علينا إذن إلاّ الاقتداءُ بسيدنا يونس عليه السلام والسير على هديه، مُعرضين عن الأسباب جميعاً، مُقبلين كلياً على ربنا الذي هو مسبّب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين: ﴿لا إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ مدركين بعين اليقين أنْ قد ائتمر علينا -بسبب غفلتنا وضلالنا- مستقبلُنا الذي يرتقبنا، ودنيانا التي تضمنا، ونفوسُنا الأمّارة بالسوء التي بين جنبينا، موقنين كذلك أنه لا يقدر أن يدفع عنا مخاوفَ المستقبل وأوهامه، ولا يزيل عنا أهوال الدنيا ومصائبها، ولا يُبعد عنا أضرار النفس الأمّارة بالسوء ودسائسها، إلاّ مَن كان المستقبلُ تحت أمره، والدنيا تحت حُكمه، وأنفسُنا تحت إدارته.
تُرى مَن غيرُ خالق السماوات والأرضين يعرف خلجات قلوبنا، ومَن غَيرُه يعلم خفايا صدورنا، ومَن غَيرُه قادر على إنارة المستقبل لنا بخلق الآخرة، ومَن غيرُه يستطيع أن ينقذنا من بين ألوف أمواج الدنيا المتلاطمة بالأحداث؟! حاشَ للّٰه وكلاّ أن يكون لنا منجٍ غيرُه ومخلّصٌ سواه، فهو الذي لولا إرادتُه النافذة ولولا أمرُه المهيمن لَما تمكّن شيءٌ أينما كان وكيفما كان أن يمد يدَه ليغيث أحداً بشيء!
فما دامت هذه حقيقةَ وضعنا فما علينا إلاّ أن نرفع أكفّ الضراعة إليه سبحانه متوسلين، مستعطفين نظرَ رحمته الربانية إلينا، اقتداءً بسر تلك المناجاة الرائعة التي سخّرت الحوتَ لسيدنا يونس عليه السلام كأنه غواصة تسير تحت البحر، وحوّلت البحرَ متنـزّهٍ جميلٍ، وألبَست الليلَ جلباب النور الوضيء بالبدر الساطع. فنقول: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.. فنلفت بها نظرَ الرحمة الإلهية إلى مستقبلنا بقولنا: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ﴾ ونلفتها إلى دنيانا بكلمة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ونرجوها أن تنظر إلى أنفسنا بنظر الرأفة والشفقة بجملة: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. كي يعمّ مستقبلنا نور الإيمان وضياء بدر القرآن، وينقلب رعبُ ليلنا ودهشتُه إلى أمن الأُنس وطمأنينة البهجة. ولتنتهي مهمةُ حياتنا ونختتم وظيفتَها بالوصول إلى شاطئ الأمن والأمان دخولا في رحاب حقيقة الإسلام، تلك الحقيقة التي هي سفينة معنوية أعدّها القرآن العظيم، فنبحر بها عباب الحياة، فوق أمواج السنين والقرون الحاملة لجنائز لا يحصرها العد، ويقذفها إلى العدم بتبدل الموت والحياة وتناوبهما الدائبين في دنيانا وأرضنا. فننظر إلى هذا المشهد الرهيب بمنظار نور القرآن الباهر، وإذا هو مناظر متبدّلة، متجددة، يُحَوِّل تجدُّدُها المستمر تلك الوحشة الرهيبة النابعة من هبوب العواصف وحدوث الزلازل للبحر إلى نظرٍ تقْطر منه العبرةُ، ويبعث على التأمل والتفكر في خلق اللّٰه. فتستضيء وتتألق ببهجةِ التجدد ولطافةِ التجديد. فلا تستطيع عندها نفوسُنا الأمّارة على قهرنا، بل نكون نحن الذين نقهرُها بما منَحنا القرآن الكريم من ذلك السر اللطيف، بل نمتطيها بتلك التربية المنبثقة من القرآن الكريم. فتُصبِح النفسُ الأمّارة طوعَ إرادتنا، وتغدو وسيلةً نافعة ووساطةَ خير للفوز بحياة خالدة.
الخلاصة: إنَّ الإنسان بما يحمل من ماهية جامعة يتألم من الحمّى البسيطة كما يتألم من زلزلة الأرض وهزّاتها، ويتألم من زلزال الكون العظيم عند قيام الساعة. ويخاف من جرثومة صغيرة كما يخاف من المذنبات الظاهرة في الأجرام السماوية. ويحب بيتَه ويأنس به كما يحب الدنيا العظيمة. ويهوى حديقته الصغيرة ويتعلق بها كما يشتاق إلى الجنة الخالدة ويتوق إليها.
فما دام أمرُ الإنسان هكذا، فلا معبودَ له ولا ربَّ ولا مولى ولا منجىً ولا ملجأ إلاّ مَن بيده مقاليدُ السماوات والأرض وزمام الذرات والمجرات، وكل شيء تحت حُكمه، طوعَ أمره.. فلابد أن هذا الإنسان بحاجة ماسة دائماً إلى التوجّه إلى بارئه الجليل والتضرع إليه اقتداءً بسيدنا يونس عليه السلام. فيقول: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
(1)عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"دعوة ذى النون اذ دعا في بطن الحوت، قال: لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، فانه لم يدع بها رجل مسلم في شئ إلاّ استجاب الله له".
حديث صحيح: اخرجه احمد (1/170) والترمذي(3572 ـ تحفة) والحاكم (1/505 و2/283 ) وصححه، ووافقه الذهبي، والحديث عزاه السيوطي في الجامع الصغير للنسائي والبيهقي في شعب الايمان والضياء في المختارة وحسنه الحافظ في تخريج الاذكار.
(*) كليات رسائل النور – اللمعة الاولى ص (6)
13-)
الآيات التي ورد فيها اسم نبي الله هارون عليه السلام
أخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم : { إني جاعل في الأرض خليفة } أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } وقال تعالى : { ويجعلكم خلفاء الأرض } فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه
فقالت الملائكة سائلين على وجه الإستكشاف والإستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الإعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقيل علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة وقال عبد الله بن عمر : كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور
وعن ابن عباس نحوه وعن الحسن ألهموا ذلك وقيل : لما أطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له السجل رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر
وقيل : لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا
ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال : { وعلم آدم الأسماء كلها } قال ابن عباس : هي هذه الأسماء لا يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها
وقال مجاهد : علمه اسم الصحفة والقدر حتي الفسوة والفسية وقال مجاهد : علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد وقال الربيع : علمه أسماء الملائكة وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته والصحيح : أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما
وذكر البخاري هنا ما رواه هو و مسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ يجمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ] وذكر تمام الحديث
{ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } قال الحسن البصري : لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة : لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا وذلك قوله : { إن كنتم صادقين }
وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير
قالوا : { سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك كما قال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }
{ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } أي أعلم السر كما أعلم العلانية وقيل : إن المراد بقوله : { اعلم ما تبدون } ما قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها } وبقوله : { وما كنتم تكتمون } المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والنفاسة على آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير
وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة : { وما كنتم تكتمون } قولهم : لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه
وقوله : { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فهذه أربع تشريفات : خلقه بيده الكريمة ونفخه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له وتعلميه أسماء الأشياء
ولهذا قال له موسى حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي : [ أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ] وهكذا يقول له أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى
وقال في الآية الأخرى : { لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين }
قال الحسن البصري : قال إبليس وهو أول من قاس وقال محمد بن سيرين : أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس رواهما ابن جرير
ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الإعتبار ثم هو فاسد في نفسه فإن الطين أنفع وخير من النار لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق
ثم إن آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه ولهذا أمر الملائكة بالسجود له كما قال : { وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين * قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدارءه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين
وشرع في الإعتذار بما لا يجدي عنه شيئا وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان * وكفى بربك وكيلا }
وقال في سورة الكهف : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إبلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا وإستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليه فإن مخلوق من نار كما قال وكما جاء في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ]
قال الحسن البصري : لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط وقال شهر بن حوشب : كان من الجن فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليه جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه
قال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون : كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل وفي رواية عنه : الحارث قال النقاش : وكنيته أبو كردوس قال ابن عباس : وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم ومن أكثرهم علما وعبادة وكان من أولى الأجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيما
وقال في سورة ص : { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أستكبر وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين }
وقال في سورة الأعراف : { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل - هو عبد الله بن عقيل الثقفي - حدثنا موسى بن المسيب وعن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ] (*)
___________________
(*) قصص الأنبياء ابن كثير - باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
18-)
أنبياء الله في القرآن
باسمه سبحانه
قال تعالى : ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]
ما من شك أن كل أمة من أمم الأرض قد أرسل الله لها رسولا وبعث في كل أمة نذيرا منهم ، وأرسل الله نبيَّه محمدًا ، وختم به رسالاته، فكانت رسالته رحمة وهدى للعالمين، فلم يَأْتِ رسول الله ليختلف مع الآخرين، فيقول تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9].
بل منذ بداية الدعوة الإسلاميَّة والقرآن يتنزَّل بالآيات التي تشرح قصص الأنبياء؛ انطلاقًا من كون الرسالة التي نزلتْ عليهم جميعًا واحدة مهما اختلفت العصور والأماكن منذ خلق الله آدم إلى أن ختم الله رسالاته بمحمد وهدفها واحد؛ وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم إلى طريق الحقِّ تبارك وتعالى،وان الدينٌ واحد، يدعو إلى عبادة ربٍّ واحد وإن اختلفت الشرائع في الأحكام الفرعيَّة، وجاء القرآن الكريم معبِّرًا عن هذا المعنى فكان واضحًا غاية الوضوح في بيان حقيقة العَلاقة بين الرسل جميعًا؛ حيث قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 163، 164].
وعلى الرغم من قناعتنا أن رسول الله هو أفضل البشر وسيِّد الخَلْق، إلاَّ أن القرآن الكريم يأمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء دون تفرقة بينهم؛ فيقول الله واصفاً الإيمان الأمثل الذي يجب أن تتحلَّى به أُمَّة الإسلام: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].
فالإسلام يسع ويشمل كل الرسالات، و ولائه لكافَّة الرسل، ويوحد دين الله ، ويرجع جميع الرسالات إلى أصلها الواحد، والإيمان بها جملة كما أرادها الله لعباده.
فتكذيب رسول واحد من الرسل تكذيب لجميع الأنبياء والمرسلين
هذه هي الخلفية التي كان يضعها رسول الله في ذهنه عند الحديث عن الأنبياء والمرسلين.
فالإسلام ينظر إلى الأنبياء جميعًا نظرة تبجيل وتعظيم
والأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم واتفقت الكلمة على أنهم أنبياء ورسل (25) نبياً ورسولاً، وقد ذكرهم الله بأسمائهم الصريحة في كتابه المبين،
1- آدم عليه السلام " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ " [الإسراء:61]