فاطمة الزهراء رضي الله عنها
هي فاطمة بنت سيدنا محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم،
وأمُّها السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، و نسل الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يستمرّ إلّا عن طريق فاطمة الزهراء رضي الله عنها
كنيتها: أم أبيها، وأم السبطين، وأم الحسنين
لقبها : الزهراء ، البتول
مولدها ونشأتها:
ولدت السيدة فاطمة الزهراء وُلِدت فاطمة رضي الله عنها قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بخمس سنواتٍ، في العام الذي أعادت فيه قريش بناء الكعبة، وعليه فقد كان عُمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين ولادتها خمسة وثلاثين عاماً.
صفاتها :
كانت للسيّدة فاطمة رضي الله عنها العديد من الصفات التي تميّزت بها عن غيرها، وفيما يأتي بيان البعض منها: أشبه الناس برسول الله كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها أشبه الناس سمتاً وهدياً ودَلّاً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت: (ما رأَيْتُ أحدًا كان أشبهَ سمتًا وهَدْيًا ودَلًّا، والهدى والدال، برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من فاطمةَ كرَّمَ اللهُ وجَهْهَا؛ كانت إذا دخَلَتْ عليه قام إليها، فأخَذَ بيدِها وقبَّلَها وأَجْلَسَها في مجلسِه، وكان إذا دخَلَ عليها قامت إليه، فأَخَذَتْ بيدِه فقَبَّلَتْه وأَجَلَسَتْه في مجلسِها)، ويُراد بالسَّمت: الخشوع، والتواضع، أمّا الهدي فهو: الوقار، والسكينة، والدَلّ: حُسن الخُلق، وطِيب الكلام.
أكثر الناس صبراً كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها من أكثر الناس صبراً، على الرغم من عِظَم المصائب التي مرّت بها في حياتها، ومن ذلك: وفاة أمّها في حياتها عندما كانت صغيرةً وذلك في مكّة المُكرَّمة قبل الهجرة إلى المدينة. فَقْدها لأخواتها حيث فقد في حياتها رقيّة، فأمّ كلثوم، فزينب. صعوبة الحياة التي كانت تعيشها يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك: "لقد تزوّجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها". وكان قد أرشدهما الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ما يغنيهما عن مُرّ الحياة ومشقّتها، فقال لهما: (ألَا أدُلُّكُما علَى خَيْرٍ ممَّا سَأَلْتُمَا؟ إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما -أوْ أوَيْتُما إلى فِرَاشِكُما- فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، واحْمَدَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وكَبِّرَا أرْبَعًا وثَلَاثِينَ، فَهو خَيْرٌ لَكُما مِن خَادِمٍ).
قصة زواج فاطمة الزهراء من عليّ بن أبي طالب:
وافق النبيّ عليه الصلاة والسلام على خِطبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ابنته فاطمة الزهراء، ولمّا سَمِعَ علي رضي الله عنه جواب النبيّ سجد شُكراً لله تعالى؛ لِما تفضّل الله وامتنّ به عليه من مصاهرته لنبيّه، ودعا لهما النبيّ بالبركة، والذرّية الطيّبة. وشهد على زواجهما جمعٌ من الصحابة، منهم: أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وطلحة بن عُبيدالله، والزُّبير من المهاجرين، وغيرهم من أنصار الصحابة، وكان الصدّيق والخطّاب قد خَطبا فاطمة قبل عليّ، إلّا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام ردّهما ردّاً جميلاً، كأنّه أراد أن يخصّ عليّ بن أبي طالب بها.
أبناء فاطمة الزهراء وبناتها :
رُزِقت السيّدة فاطمة رضي الله عنها بعددٍ من الأبناء والبنات، ويُشار إلى أنّ جميعهم كانوا من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم: الأبناء الحسن، والحسين، ومُحسن. البنات زينب، وأمّ كلثوم
فضائل السيدة فاطمة الزهراء:
تمتلك السيّدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها منزلةً رفيعةً في الإسلام، ويظهر ذلك جليّاً في العديد من الأمور، والتي منها أنّها: خير نساء العالمين وقد عدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاطمة من أفضل نساء الأرض، كما ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ قال: (حُسْبُكَ من نساءِ العالمينَ مَرْيَمُ ابنةُ عِمْرانَ وخديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ وفاطمةُ بنتُ مُحَمَّدٍ وآسِيَةُ امرأةُ فِرْعَوْنَ) كذلك سيّدة نساء أهل الجنة في الحديث قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:(إنَّ هذا مَلَكٌ لم ينزِلْ الأرضَ قطُّ قبلَ اللَّيلةِ، استأذَنَ ربَّه أن يُسلِّمَ عليَّ ويُبشِّرَني بأنَّ فاطمةَ سيِّدَةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ، وأنَّ الحسنَ والحُسَينَ سَيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ)
مَحبّة النبيّ لفاطمة الزهراء كانت السيّدة فاطمة رضي الله عنها من أحبّ الناس إلى قلب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أهل بيته،
ومن مظاهر حبّه لها: طريقة استقبال النبي لها كان يقوم صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها إذا دخلت عليه، ويُقبّلها على رأسها، ويُجلسها في مَجْلِسه؛ تكريماً لها، ولمنزلتها عنده، روى الإمام البخاريّ في صحيحه عن الصحابيّ المسور بن مخرمة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي).
كما أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يكره ما تكرهُه ابنته فاطمة.
بدء النبي بالسلام عليها كان صلّى الله عليه وسلّم يبدأ بالدخول والسلام على فاطمة الزهراء إن رجع من سفرٍ أو غزوٍ، فيدخل المدينة بعد أن اشتاقت نفسه إليها، ويدخل المسجد فيصلّي فيه ركعتين، كما روى كعب بن مالك في الحديث الطويل في قصة تخلّفه عن غزوة تبوك. إذ قال كعب رضي الله عنه: (كان إذا قدِم مِن سفرٍ فعَل ذلك: دخَل المسجدَ فصلَّى فيه ركعتينِ)، ثمّ كان النبي عليه السلام يذهب إلى بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها، ممّا يدلّ على شدّة حبّه ومودّته لها، وإكرامه إيّاها، وعلى مكانتها ومنزلتها رضي الله عنها.
دفاعها عن أبيها الكريم:
كانت فاطمة رضي الله عنها تدافع عن أبيها، وأحد تلك المواقف أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها رأت أبا جهل يضع على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأحشاء، فأسرعت لإزالتها وهي تبكي؛ حرقة على أبيها، وقد كانت تقول له دائماً: "أنا أنصرك يا أبتاه"! وهي فتاة ضعيفة صغيرة السن لا تقوى على ذلك، وإنما لتخفّف عن أبيها وتسانده
موقف السيدة فاطمة عند وفاة النبي: حين دخلت عليه في آخر لحظات حياته، وبعد أن أكرمها، ورحّب بها، وأجلسها إلى جانبه، أسرَّ لها حديثاً فبكت، ثمّ أسرَّ لها مرةً أخرى فضحكت؛ وذلك أنّه أخبرها في الأولى أنّه ميّتٌ، وفي الثانية أنّها أوّل أهله لحاقاً به. وفي ذلك روى البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: (أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَرْحَبًا بابْنَتي ثُمَّ أجْلَسَهَا عن يَمِينِهِ، أوْ عن شِمَالِهِ، ثُمَّ أسَرَّ إلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أسَرَّ إلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلتُ: ما رَأَيْتُ كَاليَومِ فَرَحًا أقْرَبَ مِن حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قالَ: فَقالَتْ: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى قُبِضَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلْتُهَا. فَقالَتْ: أسَرَّ إلَيَّ: إنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّه عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، ولَا أُرَاهُ إلَّا حَضَرَ أجَلِي، وإنَّكِ أوَّلُ أهْلِ بَيْتي لَحَاقًا بي. فَبَكَيْتُ، فَقالَ: أما تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ، أوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لذلكَ).
وفاة السيدة فاطمة الزهراء:
تُوفِّيت في الثالث من شهر رمضان من السنة الحادية عشرة للهجرة النبويّة، وكانت قد أوصت قبل وفاتها أن تُغسّلها أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فغسّلتها مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ثمّ صلّى عليها مع العبّاس بن عبدالمطلب -رضي الله عنه.
2-)
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
هوعبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي .
كنيته :أبو بكر
لقبه :عتيق ، والصدِّيق .ولُقّب بـ " الصدّيق " لأنه صدّق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالغ في تصديقه كما في صبيحة الإسراء وقد قيل له : إن صاحبك يزعم أنه أُسري به ، فقال : إن كان قال فقد صدق !
مولده :ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر
صفته :كان أبو بكر رضي الله عنه أبيض نحيفاً ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، ناتئ الجبهة ، وكان يخضب بالحناء والكَتَم .
وكان رجلاً اسيفاً أي رقيق القلب رحيماً .
فضائله :
ما حاز الفضائل رجل كما حازها أبو بكر رضي الله عنه
قال ابن عمر رضي الله عنهما : كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فنخيّر أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم . رواه البخاري .
وروى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر . وقال : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ ، فأقبلت إليك فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر - ثلاثا - ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثَـمّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى إلى النبي فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعّر ، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله والله أنا كنت أظلم - مرتين - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صَدَق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين - فما أوذي بعدها .
فقد سبق إلى الإيمان ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه ، واستمر معه في مكة طول إقامته رغم ما تعرّض له من الأذى ، ورافقه في الهجرة .
وهو ثاني اثنين في الغار مع نبي الله صلى الله عليه وسلم
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدّثه قال : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الغار دخل قبله لينظر في الغار لئلا يُصيب النبي صلى الله عليه وسلم شيء .
ولما سارا في طريق الهجرة كان يمشي حينا أمام النبي صلى الله عليه وسلم وحينا خلفه وحينا عن يمينه وحينا عن شماله .
ولذا لما ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر ، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر ، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر ، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك . فقال :يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني ؟ قال : نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك ، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة ، فدخل واستبرأ ، قم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل . فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر . رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة .
ولما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ماله كله في سبيل الله .
وهو أول الخلفاء الراشدين ، ولقبه المسلمون بـ " خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم "
في الصحيحين عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها قالت : لما مَرِضَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَضَهُ الذي ماتَ فيه أَتاهُ بلالٌ يُؤْذِنهُ بالصلاةِ فقال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصَلّ . قلتُ : إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ [ وفي رواية : رجل رقيق ] إن يَقُمْ مَقامَكَ يبكي فلا يقدِرُ عَلَى القِراءَةِ . قال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ . فقلتُ مثلَهُ : فقال في الثالثةِ - أَوِ الرابعةِ - : إِنّكنّ صَواحبُ يوسفَ ! مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ ، فصلّى .
ولذا قال عمر رضي الله عنه : أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ؟!
وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .
وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر . رواه البخاري ومسلم .
وقد أُمرنا أن نقتدي به رضي الله عنه
قال عليه الصلاة والسلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، وهو حديث صحيح .
وكان أبو بكر ممن يُـفتي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
ولذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .
وأبو بكر رضي الله عنه حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك .
وأنفق ماله كله لما حث النبي صلى الله عليه وسلم على النفقة
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما . قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ! قال عمر قلت : والله لا أسبقه إلى شيء أبدا . رواه الترمذي .
ومن فضائله أنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة . قال : قلت : من الرجال ؟ قال : أبوها . رواه مسلم .
ومن فضائله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه أخـاً له .
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله . قال : فبكى أبو بكر ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مِن أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سُـدّ إلا باب أبي بكر .
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . قال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لست تصنع ذلك خيلاء . رواه البخاري في فضائل أبي بكر رضي الله عنه .
ومن فضائله رضي الله عنه أنه يُدعى من أبواب الجنة كلها
قال عليه الصلاة والسلام : من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان . فقال أبو بكر : ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر . رواه البخاري ومسلم .
ومن فضائله أنه جمع خصال الخير في يوم واحد
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصبح منكم اليوم صائما ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة .
ومن فضائله رضي الله عنه أن وصفه رجل المشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لما ابتلي المسلمون في مكة واشتد البلاء خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . قال ابن الدغنة : إن مثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج ، أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْهُ أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له قال أبو بكر : إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . رواه البخاري .
أعماله :
من أعظم أعماله سبقه إلى الإسلام وهجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وثباته يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن أعماله قبل الهجرة أنه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله ، وهم : بلال بن أبي رباح ، وعامر بن فهيرة ، وزنيرة ، والنهدية وابنتها ، وجارية بني المؤمل ، وأم عُبيس .
ومن أعظم أعماله التي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدين
فقد كان رجلا رحيما رقيقاً ولكنه في ذلك الموقف ، في موقف حرب المرتدين كان أصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الذي عُرِف بالصلابة في الرأي والشدّة في ذات الله
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر : يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟ قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق .
لقد سُجِّل هذا الموقف الصلب القوي لأبي بكر رضي الله عنه حتى قيل : نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الردّة ، وبأحمد يوم الفتنة .
فحارب رضي الله عنه المرتدين ومانعي الزكاة ، وقتل الله مسيلمة الكذاب في زمانه .
ومع ذلك الموقف إلا أنه أنفذ جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد إنفاذه نحو الشام .
وفي عهده فُتِحت فتوحات الشام ، وفتوحات العراق
وفي عهده جُمع القرآن ، حيث أمر رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يجمع القرآن
وكان عارفاً بالرجال ، ولذا لم يرضَ بعزل خالد بن الوليد ، وقال : والله لا أشيم سيفا سله الله على عدوه حتى يكون الله هو يشيمه . رواه الإمام أحمد وغيره .
وفي عهده وقعت وقعة ذي القَصّة ، وعزم على المسير بنفسه حتى أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بزمام راحلته وقال له : إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد : شِـمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك . وارجع إلى المدينة ، فو الله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا ، فرجع أبو بكر رضي الله عنه وأمضى الجيش .
وكان أبو بكر رضي الله عنه أنسب العرب ، أي أعرف العرب بالأنساب .
زهـده :
مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا
عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال : يا عائشة أنظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبح فيها والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين ، فإذا مت فاردديه إلى عمر ، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه : رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك .
ورعـه :
كان أبو بكر رضي الله عنه ورعاً زاهداً في الدنيا حتى لما تولى الخلافة خرج في طلب الرزق فردّه عمر واتفقوا على أن يُجروا له رزقا من بيت المال نظير ما يقوم به من أعباء الخلافة
قالت عائشة رضي الله عنها : كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه ، فجاء يوماً بشيء ، فأكل منه أبو بكر ، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهّنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته ، فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه . رواه البخاري .
وفاته :
توفي في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة .
3-)
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
بسم الله الرحمن الرحيم
هي خديجة بنت خويلد بن أسْد القرشيَّة
وأمُّها فاطمة بنت زائدة العامرية،
كنيتها: أمُّ القاسم،
لقبها : كانت تُلقَّب في الجاهليَّة بالطَّاهرة.
وهي أمُّ المؤمنين وأولى زوجات النبيِّ محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمُّ أولاده، وهي أوَّل من آمن به وصدَّقه عندما أنزل الله وَحيه عليه، وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي بشَّره بأنه نبيُّ الأمَّة.
مولدها ونشأتها:
ولدت السيدة خديجة رضي الله عنها في مكة سنة (68) ثمانٍ وستينَ قبل الهجرة، وكانت تَكبُر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخمسة عشر عاماً. وقد نشأت وترعرعت في بيت جاهٍ وفخارٍ فكانت من أشراف قريشٍ وأكابرهم. كان ثراؤها وثراء آبائها وأجدادها معروفاً في بطون العرب، وكانت ترسل كلَّ عامٍ الرِّجال في تجارتها إلى بلاد الشَّام، وكانت ذات تدقيق وتبصُّرٍ فيمن تختاره منهم لتؤمِّنه على سلامة أموالها وربحها فتختار ذوي الخبرة المخلصين في عملهم والمعروفين بنزاهتهم وأمانتهم وعفَّة أنفسهم.
فلما بلغها من صدق حديث محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وعِظَم أمانته عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى بلاد الشَّام فخرج في تجارتها إلى سوق بصرى بحوران ليتَّجر لها، وعاد غانماً رابحاً، ولفت نظرها ما كان عليه صلَّى الله عليه وسلَّم من خُلقٍ قويم، وحياءٍ وأمانة، فمالت نفسها إليه، ورغبت أن يكون زوجاً لها.
أزواج خديجة بنت خويلد وأولادها قبل النبي كانت أمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها قد تزوّجت قبل زواجها بالنبي عليه الصلاة والسلام مرّتين، ولها من زوجيها أربعة أبناءٍ، تفصيل ذلك فيما يأتي:
عُتيق بن عابد بن مخزوم: وأنجبت منه هند، و قد أدركت الاسلام وأسلمت، وتزوّجت، ولم يُذكر أنّها روت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
أبو هالة بن زرارة الأسيدي التميمي: وهو مالك بن النبّش، وأنجبت خديجة منه ابنها هند؛ الذي عُرف بروايته لحديث صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال عنه أبو عمر: "كان فصيحاً بليغاً، وصف النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فأحسن وأتقن"، وقد قُتل مع علي بن أبي طالب يوم موقعة الجمل، وأنجبت أيضاً هالة، وقد أدرك الاسلام وأسلم، وقال فيه ابن حبان: "هالة بن خديجة زوج النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم له صحبةٌ"، وأنجبت الطاهر، وأسلم، وقد أرسله رسول الله إلى اليمن عاملاً.
وقد امتنعت خديجة رضي الله عنها عن استقبال الراغبيين بالزواج بها بعد وفاة زوجها الثاني، ورفضت جميع من تقدّم لخِطبتها، وكانت ذات جاهٍ، ومالٍ، وجمالٍ، سعى الكثير من رجال قريش وأشرافها لخِطبتها، وقدّموا في سبيل ذلك الأموال، إلّا أنّها رفضت الزواج من أحدٍ منهم، ثمّ أكرمها الله عزّ وجلّ بالزواج من مُحمدٍ عليه الصلاة والسلام،
وكانت قد انشغلت بالتجارة، وتنمية أموالها؛ بأن تستأجر الرجال ليخرجوا عاملين بأموالها، وقد اشتُهر قومها بالتجارة إلى بلاد الشام واليمن صيفاً شتاءً، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ).
قصة زواج السيدة خديجة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
تزوَّج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خديجة رضي الله عنها قبل نزول الوحي عليه بخمسة عشرة سنةٍ تقريبا، وكانت خديجة تكبر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخمسة عشر سنة؛ حيث كان عمره حين تزوجها خمساً وعشرين سنة بينما كان عمرها أربعين. وزوَّجها منه عمُّها عمرو بن أسد، فقال حين خطبها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد، هذا الفحل لا يُقدَع أنفه".
أما عن سبب زواجها فقد ذكرنا أن خديجة رضي الله عنها كانت ذات نسبٍ وشرفٍ ومال، وكانت امرأةً تاجرةً تستأجر الرجال فترسلهم إلى بلاد الشام بمالها وتجارتها، وقد سمعت عن رسول الله كرم أخلاقه وصدق حديثه وأمانته فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجراً إلى الشَّام على أن تعطيه ضعف ما تعطي غيره من التُّجار، فقبل صلَّى الله عليه وسلَّم. وخرج صلى الله عليه وسلم مع غلامٍ لخديجة اسمه ميسرة إلى الشّام حتى استظلَّا تحت شجرةٍ قريبةٍ من صومعة راهب من الرهبان، فأتى الرَّاهب ميسرة فسأله عن هذا الرجل وعلم أنه من قريش، فقال: "ما نزل تحت هذه الشجرة قطُّ إلا نبيّ"، ثم باع سلعته وربح ضعف ما كانوا يربحون، وحدَّث ميسرة خديجة رضي الله عنها بأمر الراهب وأخبرها بما ربحوا في تجارتهم فسُرَّت بذلك وأرسلت إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت له: "إني قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك"، ثم عرضت عليه نفسها، فلما قبل صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّم أعمامه أبا طالبٍ وحمزة والعبَّاس فذهبوا إلى عمِّ خديجة فخطبوها إليه فتزوجها صلَّى الله عليه وسلَّم.
أولاد السيدة خديجة من الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم
أنجبت خديجة رضي الله عنها زينب، ثم رقيَّة، ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة الزَّهراء، وولدت له من الأولاد القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله الذي كان يُلَقَّب بالطَّيِّب والطَّاهر، وقد ماتا صغاراً، ومن الجدير بالذِّكر أن جميع أولاد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من خديجة إلا ولده إبراهيم فهو من جاريته مارية.
فضائل السيدة خديجة :
أول من لجأ إليها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعدما نزل عليه الوحي جبريل أول مرَّة مختلياً بغار حراء، فلجأ إليها خائفاً وقائلاً: زملوني، فزملته وطمأنته حتى ذهب عنه الرَّوع، وأخبرها بما جرى معه وكيف خشي على نفسه فما كان منها إلا أن تقول: (كَلّا أبْشِرْ، فَواللَّهِ، لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، واللَّهِ، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ). ثم انطلقت به إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل الذي كان يقرأ التوراة والإنجيل، فبشَّره بالنبوَّة.
أول من آمنت من النَّاس وصدَّقت بما أُنزل على محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.
تثبيتها للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وتبشيرها له، والوقوف بجانبه والتخفيف عنه حين يصدُّه الناس ويكذبونه، فكانت فرجاً من الله للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسكناً له.
خير نساء الجنة، وقد قرن الله بينها وبين مريم بنت عمران في الخيريَّة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (خَيرُ نِسائِها مَريمُ بِنتُ عِمرانَ ، و خيرُ نِسائِها خَديجةُ بِنتُ خُوَيْلِدٍ)،
كما أنها واحدةٌ من النساء الأربع (مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد) اللواتي بوَّأهُنَّ الله بأرفع المنازل.
إرسال الله السلام إليها مع جبريل عليه السلام وأمره نبيَّه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصبٍ لا صخبٌ فيه ولا نصب، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّ النبي عليه السلام قال: (أَتَى جِبْرِيلُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: هذِه خَدِيجَةُ قدْ أتَتْ معهَا إنَاءٌ فيه إدَامٌ، أوْ طَعَامٌ أوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هي أتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا ومِنِّي وبَشِّرْهَا ببَيْتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ، ولَا نَصَبَ).
لم يتزوج عليها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حتى ماتت؛ لأنها أغنته عن غيرها، وهذه الفضيلة انفردت بها السيدة خديجة عن سائر أمهات المؤمنين.
حبُّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لها رزقٌ رزقه الله إياه وفضيلةٌ حاصلة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنِّي رُزِقْتُ حُبَّها)، كما أنه كان يرتاح لسماع صوتٍ يشبه صوتها كقدوم هالة أختها عليه فيكرمها من باب حسن العهد بزوجته خديجة. وقد تربّعت خديجة رضي الله عنها في قلب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانت من أحبّ نسائه إليه، فوقعت الغِيرة منها في قلب عائشة رضي الله عنها على الرغم من أنّها متوفيةٌ، وفي ذلك روى الإمام مسلم في صحيحه: (ما غِرْتُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا علَى خَدِيجَةَ وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قالَتْ: وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ قالَتْ: فأغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلتُ: خَدِيجَةَ، فَقالَ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا).
إكثار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من ذكرها ومبالغته في تعظيمها والثناء عليها ومدحها أمام النَّاس؛ وذلك لشرفها وقدرها عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أنه كان يصل من يودُّها ويكرم صويحباتها، وإذا ذكرها رقَّ قلبه لها فاستغفر لها حتى يقطع عليه عارض.
مناقب السيدة خديجة العفة والطهارة هاتان الصِّفتان أول ما يبرز من ملامح شخصية خديجة رضي الله عنها؛ فقد كانت تُلَقَّب في الجاهليَّة بـ "الطَّاهرة" في ظل مجتمعٍ مليءٍ بالفواحش والبغي، وهذا يدل على أنها بلغت مبلغاً من العفَّة والطَّهارة حتى لُقِّبت بهذا اللَّقب تماماً كما كان لقب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم "الصَّادق الأمين" في ذات البيئة التي قلَّما تجد فيها رجلاً متحلياً بمثل هذه الصفات.
الحكمة والفطنة قد عُرف عنها أنها حازمةٌ عاقلة، وتمثل ذلك في مواقف تجلَّت فيها عقلانيَّتها وذكاؤها؛ كسياستها في تسيير أمور تجارتها، واختيار زواجها من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وطريقة عرض نفسها عليه بصورة تحفظها وتُعلي شأنها، بالإضافة إلى كيفيَّة استقبالها أمر الوحي وتقبُّله كحدثٍ غير عادي بعيدٍ عن الأوهام، وبلاغة كلماتها في تثبيت رسول الله والتخفيف من خشيته، ثم حكمتها في أخذه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ورقة بن نوفل. الصَّبر على الأذى ونصرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذه المرأة العاقلة لم تتزعزع ثقتها برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا بدعوته التي كانت سببا لحقد بعض من أهله عليه وإيذائهما في تطليق بناتهما، بل كان عاقبة صبرها ودعائها أن أبدلهما الله بأزواجٍ أكثر خُلُقا وغنىً، ولا ننسَ رضاءها واحتسابها وثباتها في محنة الحصار ودعمها المستمر للإسلام والمسلمين.
وفاة خديجة بنت خويلد توفّيت السيدة خديجة في السنة العاشرة من البعثة، بعد المقاطعة التي كانت لبني هاشم، وكانت قد بلغت من العمر حينها خمساً وستين سنةً، ودُفنت في مقبرة الحُجون، وقد دفنها الرسول، إلّا أنّه لم يصلِ عليها؛ إذ لم تكن صلاة الجنازة مشروعةً، وكان ذلك بعد وفاة عمّ الرسول أبي طالب بمدةٍ قصيرةٍ، فذكر الحاكم أنّها توفيت بعده بثلاثة أيامٍ، وقيل بشهرين وخمسة أيامٍ كما نقل ابن الجوزي، وسمّي ذلك العام بعام الحزن؛ لما كان فيه من تتابع الأحزان على النبي؛ بموت عمّه ثمّ زوجته.
4-)
عثمان بن عفان رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، الأموي المكي، ثم المدني أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، أبو ليلى.
كنيته : كُنّي في الجاهلية بأبي عمرو، ثم حينما أنجبت زوجته رقية -رضي الله عنهما- طفلاً؛ كُنّي بأبي عبد الله،
لقبه : ذي النورين، ويرجع سبب تلقيبه بهذا الاسم إلى كونه تزوج اثنتين من بنات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد تزوج من السيدة رقية أولاً، وبعد وفاتها تزوج بالسيدة أم كلثوم.
وُلد في السنة السادسة من الفيل، وأسلم قديمًا، وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة.
وتزوج رقية بنت الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر لتمريضها، بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك.
وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة
أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه رباطًا، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدًا، ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط"
وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله! عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله! علي مائتا بعيرٍ بأحلاساها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله عليّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء"
وأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عثمان بن عفان في حاجة الله وحاجة رسوله"، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا عثمان، إنه لعل الله يقمصك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني".
أخرج ابن عساكر من طرق: أن عثمان كان رجلًا ربعة: ليس بالقصير، ولا بالطويل، حسن الوجه، أبيض مشربًا حمرة، بوجهه نمشات جدري، كثير اللحية، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، خدل الساقين، طويل الذراعين، شعره قد كسا ذراعيه، جعد الرأس أصلع، أحسن الناس ثغرًا، جمته أسفل من أذنيه يخضب بالصفرة، وكان قد شد أسنانه بالذهب.
وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"
أعماله :
بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليالٍ
قال الزهري: ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئًا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب، لأن عمر كان شديدًا عليها، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست
في خلافته كانت فتوحات كثيرة و زاد في البيت الحرام، ووسعه واشترى أماكن للزيادة،
وكذالك زاد في مسجد المدينة ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من الحجارة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع.
وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان.
وفاته :
وكان قتل عثمان في أوسط أيام التشريق من سنة خمس وثلاثين، وقيل: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة، ودفن ليلة السبت، بين المغرب والعشاء، في حش كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن به، وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة، وقيل: إحدى وثمانون سنة قال قتادة: صلى عليه الزبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه.
5-)
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة إلى عدنان.
وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، قد أسلمت وهاجرت.
كنيته : أبو الحسن،
لقبه : أبو تراب؛ وكان أحب أسماء علي رضي الله عنه إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى به، وما سماه أبا تراب إلا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه غاضب يومًا فاطمة فخرج، فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقد امتلأ ظهره ترابًا فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب"
مولده ونشأته:
رُوي عن ابن إسحاق أنّه وُلد قبل البعثة بعشر سنواتٍ، وهو ما رجّحه ابن حجر العسقلاني.
وأخرج أبو يعلى عن علي -رضي الله عنه- قال: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين،وقيل: دون ذلك،
قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قط لصغره.
ولما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة،أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة.
وكان علي شيخًا سمينًا، أصلع، كثير الشعر، ربعة إلى القصر عظيم البطن، عظيم اللحية جدًّا، قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن، آدم شديد الأدمة.
وعلي رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو أول خليفة من بني هاشم، وأبو السبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن الأرقم وسليمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما ورد لعلي رضي الله عنه.
أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" .
وعن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدكون ليلتهم أيهم يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
و عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: { نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُم } (آل عمران) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا، وفاطمة، وحسنًا، حسينًا فقال:اللهم هؤلاء أهلي.
وأخرج الترمذي عن أبي سريحة، وأبو زيد بن الأرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كنت مولاه فعلي مولاه) وفي روايات اخرى زيادة ( اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).
وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل يا رسول الله سمهم لنا؟ قال: علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر، والمقداد، وسلمان.
وعن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي مني، وأنا من علي.
وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
وأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إِلَيّ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليًّا.
وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا مدينة العلم، وعلي بابها"
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثماني عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.
خلافته:
قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم
و في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين خرج طلحة والزبير واخذا عائشة معهم يطلبون بدم عثمان فلقوا علياً في البصرة وكانت وقعة الجمل وقتل فيها طلحة والزبير
ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ عليًّا فسار إليه، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أيامًا، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، فخرجت عليه الخوراج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء، فبعث إليهم ابن عباس، فخاصمهم وحجهم، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل، فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، ذلك سنة ثمان وثلاثين،
وفاته :
انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان، ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ علي سحرًا، فقال لابنه الحسن، رأيت الليلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: "ادع الله عليهم"، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرًا لي منهم، وأبدلهم بي شرًّا لهم مني، ودخل ابن الذباح المؤذن على علي، فقال: الصلاة، فخرج علي من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشد عليه الناس من كل جانب، فأمسك وأوثق، وأقام علي الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلًا، وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة.
وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه.
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة.
6-)
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
هو عُمر بن الخطّاب بن نُفيل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عُدي بن كعب بن لؤي القُرَشيّ العدوي، ويُكنّى بأبي حفص، وأُمُّهُ حنتمة بنتُ هاشم بن المُغيرة من قبيلةِ بني مخزوم، وقيل: هي حنتمة بنت هشام بن المُغير، فتكونُ أُختاً لأبي جهل، وعلى الأول فتكونُ ابنة عَمِّه.
كنيته : أبو حفص
لقبه : الفاروق ، وأمير المؤمنين و لقب بالفاروق لأنه كان يفرق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم.
مولده :وُلد بعد عامِ الفيل بثلاثِ عشرة سنة، وقال - رضيَ الله عنه - عن مولدِه: إنّهُ وُلد بعد حرب الفُجار بأربعِ سِنين.
صفته وفضائله: كان أبيض البشرة مع حمرة خفيفة، أصلع الرأس، وله لحية طويلة كان يخضبها بالحناء، وكانت طويلة في المقدمة وتقصر عند العارضين، وكان رضي الله عنه فارع الطول جسيما ،
أمضى نصفَ حياتهِ في الجاهليّة، وكان من أبناءِ قُريش الذين تعلّموا القِراءة والكِتابة، وتحمَّل المسؤولية مُنذُ صِغره، ونشأ نشأةً قاسية، فلم يعرف النّعيم والتّرف، حيثُ كان يرعى الإبل لأبيه وخالاتهِ من بني مخزوم، وكان لمُعاملةِ أبيهِ القاسية له أثرٌ في نفسه، وكان يذكُرها في كبرِه وأسلم قديمًا بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.
أخرج الترمذي عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل ابن هشام".
وأخرج عن البراء -رضي الله عنه- قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو على أثري، ثم قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- معه
أخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحدًا هاجرمختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد.
وتمتّع عُمر بن الخطّاب رضيَ الله عنه بِصفاتٍ تدلُّ على إيمانه، واستعدادهِ لليومِ الآخر، فقد كان عادلاً، رحيماً، مُتواضعاً، كثير الخوف من الله تعالى؛ وظهرَ ذلك بكَثرةِ مُحاسبتهِ لنفسه، فقال: أكثروا من ذكرِ النار، و في ذاتِ يوم ذكّرهُ أعرابي بموقف يوم القيامة، فبكى رضيَ الله عنه وبُلَّت لحيتهُ من دُموعه، وكان يُخصّص وقتاً يستمعُ فيه لأُمورِ العامة، ويُقبلُ عليهم، ويخاف سؤال الله تعالى له يوم القيامة فيما قصّر في حقّ رعيِّته، حتى وإن كانت من الحيوانات، فجاء عنه قوله: لو مات جديٌ في الفرات لخشيتُ أن يسألني الله تعالى عنه. كما أنّهُ رضي الله عنه كان زاهداً؛ وظهر زُهدهُ بتفكّره في الدُنيا، وأنّها دارُ ابتلاءٍ واختبار، وأنَّها طريقٌ للآخرة، وبيقينه أنّ الإنسانَ فيها غريب وكعابرِ سبيل، وأنّها فانية ولا بقاءَ فيها لأحد، وأنّ الآخرة هي الباقية، على الرغمِ من بسط الدُّنيا بين يديه، وفُتحت البلاد في عهده، كما اتّصف أيضاً بالورع، والتواضع، والحِلم.
وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
والشيطان يخاف منه، وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك"
كما كان رضي الله عنه جريئًا في الحق، ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم.
أخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"
كان رضي الله عنه ذا نظرةٍ ثاقبةٍ بالإضافة إلى علمه، وتمتع برؤيته الحكيمة للأمور.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر"
وافق رأيه القرآن في الكثير من الأمور، وفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي مقام إبراهيم، وفي تحريم الخمر، فزاد خصلة خامسة، وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تحريمها.
اهتم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالرعية وكل الناس ولم يفرق بين أحد. وذلك عندما تولى رضي الله عنه خلافة المسلمين بعد أبي بكر. لقد حرص على الاهتمام برعيته، حيث قام بكل شؤونهم، ورعاية مصالح الرعية، وطبق العدل بين كل طبقات المُجتمع. ولمّ يُفضّل شخصً على غيره، وكان رضي الله عنه يُقرّب منه السابقين إلى الإسلام وأيضًا أهل الفضل والعلم.
أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرًا". فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟
أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوسًا بباب عمر، فمرت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين، قال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، ولا تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء، وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين
وقال خزيمة بن ثابت : كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.
أخرج البيهقي وأبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجه عمر جيشًا، ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم، قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن
قال العسكري: هو أول من سُمّي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ من الهجرة، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عس بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من حرم المتعة، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، وأول من فتح الفتوح ومسح السواد، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من قال: أطال الله بقاءك، قاله لعلي، وأول من قال: أيدك الله قاله لعلي. هذا آخر ما ذكره العسكري.
وقال النووي في تهذيبه: هو أول من اتخذ الدرة، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال: لقد قيل بعده: لدرة عمر أهيب من سيفكم، قال: وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار، وأول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل.
وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.
قال ابن سعد: اتخذ عمر دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق، والسويق، والتمر، والزبيب، وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي، وزاد فيه ووسع وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت
وفاته :
قال الزهري: كان عمر -رضي الله عنه- لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدنية، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له عمر أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطًا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: أو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسًا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفًا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس1، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنى منه طعنه ثلاث طعنات. أخرجه ابن سعد.
وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبًا، فلما اغتم فيه قتل نفسه.
وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تفِ أموالهم فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده -تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى وقيل له: أوصِ يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا في مثل ذلك من الوصية، فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل في موضع هناك مع صاحبيه،
أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد.
من المعلوم أن درجة النبوة هي أعلى درجة يصل إليها المؤمن وهي خاصة بالأنبياء فقط،
فهل الدرجة التي تليها وهي درجة الصديقية والشهادة والصلاح خاصة بأناس معينين مثل الصحابة، أو السلف وقد انتهت؟ أم من الممكن أن ينالها الناس إلى قيام الساعة؟
نعم هي باقية وليست قاصرة على طبقة بعينها ومما يدل على ذلك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ فقال: إني شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وصمت رمضان وقمته وآتيت الزكاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء].
قال المنذري: رواه البزار بإسناد حسن وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان.
وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: [التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء].
وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المفسرين وغيرهم أن ذلك عام في كل من هذه صفته،
قال ابن الجوزي في زاد المسير: الجمهور على أن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين عام في جميع من هذه صفته،
وقال عكرمة: المراد بالنبيين هاهنا محمد، والصديقين أبو بكر، وبالشهداء عمر وعثمان وعلي، وبالصالحين سائر الصحابة.
فالواجب على الأمة الإعتراف لهؤلاء الأماجد بالفضل، وتعظيمهم وتبجيلهم، وعدم هضمهم حقهم، بل هنا دعوة قرآنية للإنضمام إلى الجماعة الصالحة،
وقال تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً } (الفتح :18)
وهذه فضيلة سجلها القرآن للصحابة الكرام حيث جمعهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصفه لهم بأنهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم، وفي آخر الآية وعد من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه - وهم الصحابة - بالكرامة في الآخرة، وبالشرف التام، والمقام الرفيع، والنور الظاهر .
وفي الآية الثانية إعلان رضا من الله سبحانه عن الصحابة الكرام ممن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان، بأنه سبحانه علم صدق قلوبهم، وثباتها على الإيمان فأثابهم على صبرهم، ووعدهم فتح مكة في القريب العاجل .
- هؤلاء هم الأخيار الأبرار وأهل الخير والصلاح الذين باعوا أنفسهم لله مضحِّين بها من أجل دينهم وإعلاء كلمة الله في الأرض، وطلباً لمرضاته ورغبةً في ثوابه، لا يتحرّون إلا وجهه، وإلا إنقاذ المُظطهَدين من الأغلال التي عليهم.
الصالحون :
قال الله تعالي: {والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ}(العنكبوت:9)
الصالحون الذين صلح ظاهرهم وباطنهم سريرتهم وعلانيتهم فصلحت أعمالهم
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: وأما الصالحون فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته.
العلماء:
قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (الأنبياء:7).
العلماء العارفون بالكتاب الذين قاموا بما جاء به صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وهداية وإرشاداً وصبراً وجهاداً
ولقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم فضل العلم فقال:[ إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر] (الترمذي:2682)، ومن ورث الخير كان من أهله.
المُتّقون:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة : 2).
- هم سابقون إلى الخيرات والحسنات والصالحات، وهم السابقون إلى القُربات وإلى الجنات، لا يحزنهم الفزع الأكبر، لأنّهم ملأوا الحياة أمناً وأماناً، وصنعوا منها جنّة مصغّرة، فاستحقوا الجنّة الكُبرى.
العُقلاء من الناس هم الذين يحفظون عهد الله الذي وصّاهم به، وهو أوامره ونواهيه التي كلّف بها عباده، ويهابون ربّهم إجلالاً وتعظيماً، ويرجونَ له وقاراً، ويدفعون الجهل بالحلم، والأذى بالصبر، والسّيِّئ من الأعمال بالأعمال الصالحة،
للمُخبتين أربع صفات: فإذا ذُكِرَ الله (في وعيده أو عقوباته أو في حكمٍ من أحكامه)، خافت وارتعشت لذكره قلوبهم، فكأنّهم بين يَدَيه واقفون ولجلاله وعظمته مشاهدون. وهم الصابرون في السراء والضراء والأمراض والمصائب والمِحَن وسائر المكاره والإبتلاءات. وهم المؤدُّون صلاتهم في أوقاتها بخشوع، والمقيمون لها بما تأمرهم به من صلاح وتنهاهم عنه من فساد. وهم المُنفقون ممّا رزقهم الله من فضله في وجوه البر والخير والإحسان.
المهاجرون هم الذين ألجأهم الظلم إلى تركِ أوطانهم وهجران ديارهم وأموالهم، ففرّوا بدينهم ابتغاء مرضاة الله، وعسى أن يجدوا فسحة في المَهْجَر ينطلقونَ من خلالها إلى ما يمكن لمجتمعات أخرى أن تستنهض به واقعها، وأن تثري به تجربتها.
اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه واتباعه الطيبين الطاهرين
الهداة المهديين أمناء دعوته
وقادة ألويته نجوم الهدى
ومصابيح الرشاد.
8-)
سَعْد بن أَبي وقاص رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو سَعْد بن أَبي وقاص القرشي الزهري، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ، يَلْتَقِي في نسبه مع النبي فِي كلاب بن مرة، وهو من بني زهرة وهم فخذ آمنة بنت وهب أم الرسول، لذلك يعد من أخوال النبي.
وأمُّه : حَمْنَةُ بنت سفيان بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ
أخوته:
عامر بن أبي وقاص، من السابقين الأولين، ومن مهاجرة الحبشة، شهد غزوة أحد، وكان يحمل الرسائل من قادة جيوش المسلمين في الشام إلى الخليفة في المدينة المنورة، وقد كان نائباً لأبي عبيدة على إمارة جند الشام.
عتبة بن أبي وقاص، اختلف في إسلامه، وقيل أنه هو الذي كسر رَباَعِيَة النبي في غزوة أحد وأنه مات كافرًا، وهو والد هاشم بن عتبة.
عمير بن أبي وقاص، أسلم مبكرًا، وقتل في غزوة بدر وهو في ابن ست عشرة سنة.
كنيته: أبو إسحاق
مولده ونشأته:
ولد سعد في مكة سنة ثلاث وعشرون قبل الهجرة النبوية (23 ق.هـ/599 م)، فنشأ في قريش، بين شبابها وساداتها، ويتعرف على الحجاج الوافدين إلى مكة المكرمة في أيام الحج ومواسمها، واشتغل في بري السهام وصناعة القسي، مما جعله بارعا في الرمي،و الصيد والغزو.
أسلم سعد بن أبي وقاص وهو ابن سبع عشرة 17 سنة من عمره، وكان من أوائل الذين دخلوا في الإسلام عن طريق أبي بكر الصديق، وقد أخفقت جميع محاولات رده وصده عن الإسلام.
ولإسلام سعد بن أبي وقاص قصة مع والدته، فقد غضبت أم سعد بإسلامه غضبا شديدا، وحاولت جاهدة أن ترده عن دينه، إلا أنها لم تفلح.
كان رجلا قصيرا ، دحداحا ، غليظا ، ذا هامة ، شثن الأصابع ، أشعر الجسد ، يخضب بالسواد ، آدم ، أفطس ،
فضائل ومناقب:
أحد العشرة ، وأحد السابقين الأولين ، وأحد من شهد بدرا والحديبية ، وأحد الستة أهل الشورى .
عن جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل سعد بن مالك فقال رسول الله: " هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله " لأن أم النبي صلى الله عليه وسلم زهرية ، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، ابنة عم أبي وقاص .
عن أبي عثمان أن سعدا قال : نزلت هذه الآية في وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما قال : كنت برا بأمي ، فلما أسلمت ، قالت: يا سعد ، ما هذا الدين الذي قد أحدثت ؟ لتدعن دينك هذا ، أو لا آكل ، ولا أشرب ، حتى أموت ، فتعير بي ، فيقال : يا قاتل أمه ، قلت: لا تفعلي يا أمه ، إني لا أدع ديني هذا لشيء ، فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة ، وأصبحت وقد جهدت ، فلما رأيت ذلك ، قلت : يا أمه ، تعلمين والله لو كان لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني، إن شئت فكلي أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت .
عن أبي إسحاق قال: أشد الصحابة أربعة: عمر ، وعلي ، والزبير ، وسعد .
عن ابن عمر قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة " . فطلع سعد بن أبي وقاص .
عن عائشة بنت سعد قالت : قال سعد : اشتكيت بمكة ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني ، فمسح وجهي وصدري وبطني ، وقال : " اللهم اشف سعدا " فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده صلى الله عليه وسلم على كبدي حتى الساعة .
عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ، ورققنا . فبكى سعد بن أبي وقاص ، فأكثر البكاء . فقال: يا ليتني مت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا سعد ، أتتمنى الموت عندي ؟ " فردد ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : " يا سعد ، إن كنت خلقت للجنة ، فما طال عمرك أو حسن من عملك ، فهو خير لك "
عن عائشة قالت: أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فقال: " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة " . قالت: فسمعنا صوت السلاح ، فقال رسول الله: من هذا ؟ قال سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله جئت أحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه .
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ ، وهو من جانب الجحفة . فانكفأ المشركون على المسلمين ، فحماهم سعد يومئذ بسهامه ، فكان هذا أول قتال في الإسلام ،
عن ابن مسعود قال : اشتركت أنا ، وسعد ، وعمار ، يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة ، فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء .
قال سعد: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد قبلي . ولقد رأيته ليقول لي: " يا سعد ، ارم فداك أبي وأمي " . وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم . ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق السمر ، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام ، لقد خبت إذا وضل سعيي .
عن سعيد بن المسيب ، سمعت سعدا يقول : نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال : " ارم ، فداك أبي وأمي "
عن سعد قال : رأيت رجلين عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويساره يوم أحد ، عليهما ثياب بيض ، يقاتلان عنه كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد .
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد : " اللهم استجب لسعد " ثلاث مرات .
عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ، حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله تعالى ، فخلوا في ناحية ، فدعا سعد ، فقال : يا رب ، إذا لقينا العدو غدا ، فلقني رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده ، أقاتله ، ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه ، حتى أقتله وآخذ سلبه . فأمن عبد الله ، ثم قال: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده ، فأقاتله ، ويقاتلني ، ثم يأخذني ، فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدا قلت لي: يا عبد الله ، فيم جدع أنفك وأذناك ؟ فأقول: فيك وفي رسولك ، فتقول : صدقت .
قال سعد : كانت دعوته خيرا من دعوتي ، فلقد رأيته آخر النهار ، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط .
دعا سعد بن أبي وقاص فقال: يا رب ، بني صغار، فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة .
ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد ، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية ونصر الله دينه . ونزل سعد بالمدائن ، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده ، واستأصل الله الأكاسرة .
وفي سنة إحدى وعشرين شكا أهل الكوفة سعدا أميرهم إلى عمر ، فعزله .
عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر، فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي. فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشي لا أخرم منها، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين . فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق . فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة ، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة ، إلا قالوا خيرا ، حتى أتوا مسجدا لبني عبس ، فقال رجل يقال له أبو سعدة: أما إذ نشدتمونا بالله ، فإنه كان لا يعدل في القضية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يسير بالسرية ، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا ، فأعم بصره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك . فإذا سئل كيف أنت ؟ يقول : كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد .
عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه لما أصيب، جعل الأمر شورى في الستة وقال: من استخلفوه فهو الخليفة بعدي ، وإن أصابت سعدا، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي، فإنني لم أنزعه، يعني عن الكوفة، من ضعف ولا خيانة .
قال الزهري: لما استخلف عثمان ، عزل عن الكوفة المغيرة ، وأمر عليها سعدا .
عن عامر بن سعد أن أباه سعدا ، كان في غنم له ، فجاء ابنه عمر ، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فلما انتهى إليه ، قال: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك ، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة ، فضرب صدر عمر ، وقال: اسكت ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله عز وجل يحب العبد التقي الغني الخفي " .
اعتزل سعد الفتنة ، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ،
عن مصعب بن سعد ، أن رجلا نال من علي ، فنهاه سعد، فلم ينته، فدعا عليه. فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات .
وفاته:
توفي بالعقيق في قصره ، على سبعة أميال من المدينة، وحمل إليها ،وذلك في سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية (55 هـ/674 م)وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودُفِن بالبقيع، كان سعد آخر المهاجرين وفاة، عن أم سلمة أنها قالت: لما مات سعد ، وجيء بسريره، فأدخل عليها، جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كان سعد قد اعتزل في آخر عمره، في قصر بناه بطرف حمراء الأسد .
9-)
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو ، وقيل عبد الكعبة ، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن
وأمُّه هي الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة.
كنيته: أبو محمد .
مولده ونشأته:
ولد عبد الرحمن بن عوف بعد عام الفيل بعشر سنين، يَصغر الرّسول صلى الله علي وسلم بعشر سنوات، نشأ في مكة المكرمة، ويُعّد من الصحابة السابقين الأولين في الإسلام. أسلم على يد أبو بكر الصديق ،وكان يبلغ من العمر حين ذلك ثلاثون عاما، وكان اسلامه قبل أن يدخل النبى دار الأرقم بن أبي الأرقم، ثم أسلم معه أخوه الأسود بن عوف ،وكان يحمل قبل إسلامه اسم عبد عمر وغيرّه الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى عبد الرحمن.
شارك عبد الرحمن المسلمين بالهجرتين، ورافق الرّسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، وفي حادثة المُؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ حيث آخى الرّسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سَعد بن الرّبيع الخزرجي أحد النقباء ، وتزوّج من ابنةِ ملك دومة الجندل تماضر بنت الأصبغ الكلبي.
اشتهر عبد الرحمن بن عوف بعظم ثروته وكان أكثر ماله من التجارة، قال أبو عمر: «كان تاجرًا مجدودًا في التجارة، وكسب مالًا كثيرًا، وخلَّف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، فكان يدخل منه قوت أهله سنة.»
كان عبد الرحمن بن عوف أبيض ، أعين ، أهدب الأشفار ، أقنى ، طويل النابين الأعليين ، ربما أدمى نابه شفته ، له جمة أسفل من أذنيه ، أعنق، ضخم الكتفين.
فضائله و مناقبه:
من مناقبه أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة ، وأنه من أهل بدر الذين قيل لهم اعملوا ما شئتم ومن أهل هذه الآية : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، عن عمرو بن وهب الثقفي قال : كنا مع المغيرة بن شعبة ، فسئل : هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الأمة غير أبي بكر ؟ فقال : نعم . فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ، ومسح على خفيه وعمامته ، وأنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ، وأنا معه ، ركعة من الصبح ، وقضينا الركعة التي سبقنا .
عن الشعبي عن ابن أبي أوفى قال : شكا عبد الرحمن بن عوف خالدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا خالد ، لا تؤذ رجلا من أهل بدر ; فلو أنفقت مثل أحد ذهبا ، لم تدرك عمله " . قال: يقعون في فأرد عليهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تؤذوا خالدا ; فإنه سيف من سيوف الله ، صبه الله على الكفار " .
عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف في سرية وعقد له اللواء بيده .
ولما هاجر إلى المدينة كان فقيرا لا شيء له ، فآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء ، فعرض عليه أن يشاطره نعمته ، وأن يطلق له أحسن زوجتيه ، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك ، ولكن دلني على السوق . فذهب فباع واشترى وربح ، ثم لم ينشب أن صار معه دراهم ، فتزوج امرأة على زنة نواة من ذهب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد رأى عليه أثرا من صفرة : " أولم ولو بشاة " ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل .
عن الزهري قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف ، ثم تصدق بأربعين ألف دينار ، وحمل على خمس مائة فرس في سبيل الله ، ثم حمل على خمس مائة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة .
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا ابن عوف ، إنك من الأغنياء ، ولن تدخل الجنة إلا زحفا ، فأقرض الله تعالى ، يطلق لك قدميك . قال: فما أقرض يا رسول الله ؟ فأرسل إليه: أتاني جبريل فقال: مره ، فليضف الضيف ، وليعط في النائبة ، وليطعم المسكين " .
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مجمع أن عمر قال لأم كلثوم بنت عقبة ، امرأة عبد الرحمن بن عوف: أقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انكحي سيد المسلمين عبد الرحمن بن عوف ؟ " قالت: نعم .
عن الزهري حدثني عبيد الله بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فلم يعطه . فخرج يبكي . فلقيه عمر فقال: ما يبكيك ؟ فذكر له ، وقال: أخشى أن يكون منعه موجدة وجدها علي . فأبلغ عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لكني وكلته إلى إيمانه " .
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خياركم خياركم لنسائي " فأوصى لهن عبد الرحمن بحديقة ، قومت بأربع مائة ألف .
قال عبد الله بن جعفر الزهري: حدثتنا أم بكر بنت المسور ، أن عبد الرحمن باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار ، فقسمه في فقراء بني زهرة ،وفي المهاجرين ، وأمهات المؤمنين، قال المسور : فأتيت عائشة بنصيبها ، فقالت: من أرسل بهذا ؟ قلت: عبد الرحمن . قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون " ، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة .
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى ،
عن ابن عمر ، أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنفصل منها ؟ قال علي: نعم . أنا أول من رضي ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنك أمين في أهل السماء ، أمين في أهل الأرض " .
عن الزهري ، عن سعيد أن سعيد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس . أي ادع إلى نفسك . فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك! إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس .
عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف : ثلث يقرضهم ماله ، وثلث يقضي دينهم ، ويصل ثلثا .
عن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد . فمرض طلحة ، فجاء عبد الرحمن يعوده ، فقال طلحة: أنت والله يا أخي خير مني . قال: لا تفعل يا أخي ، قال: بلى والله ؛ لأنك لو مرضت ما عدتك .
ضمرة بن ربيعة: عن سعد بن الحسن قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده .
عن عروة أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله ، فكان الرجل يعطى منها ألف دينار .
وعن الزهري أن عبد الرحمن أوصى للبدريين ، فوجدوا مائة ، فأعطى كل واحد منهم أربع مائة دينار ، فكان منهم عثمان ، فأخذها .
وعن الزهري: أن عبد الرحمن أوصى بألف فرس في سبيل الله .
قال إبراهيم بن سعد: عن أبيه عن جده : سمع عليا يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف: اذهب يا ابن عوف ، فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها (الرنق : الكدر) .
قال سعد بن إبراهيم ، عن أبيه قال: رأيت سعدا في جنازة عبد الرحمن بن عوف ، وهو بين يدي السرير ، وهو يقول: واجبلاه ! .
وفاته:
توفي عبد الرحمن بن عوف سنة (32 هـ /656 م ) في خلافة عثمان بن عفان، وعاش خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، ودُفِن في البَقِيع، وصلَّى عليه عثمان بن عفان، ويقال الزبير بن العوام، ورُوِى أنه أُغمي عليه قبل وفاته ،وكان قد أَوصى لمن بقي من أهل غزوة بدر لكل رجل أَربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأَخذوها، و ، وأَخذها عثمان فيمن أَخذ: وأَوصى بأَلف فرس في سبيل الله .
10-)
الزُّبَيْرُ بن العَوَّام رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب
وأمُّه صفيه بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
له قرابة من النَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم من جِهَتَين؛ فأمّه صفية بنت عبدالمطَّلب عمَّة رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم وأيضًا هو ابنُ أخي أمِّ المؤمنين خديجة بنت خُوَيْلد، زوْج النَّبيّ صلَّى الله عليْه وسلَّم.
كنيته: أبا عبدالله
لقبه : حواري رسول الله
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل نبي حوارياً، وحواري الزبير ".
مولدها ونشأتها: كان مولد الزبير في العام الثامن والعشرين قبل الهجرة (28 ق.هـ / 594 م)
وكانت أمه صفية تضربه ضربا شديدا وهو يتيم فقيل لها قتلته أهلكته، قالت: إنما أضربه لكي يدب ، ويجر الجيش ذا الجلب .
وكسر يد غلام ذات يوم فجيء بالغلام إلى صفية فقيل لها ذلك فقالت: كيف وجدت وبرا، أأقطا أم تمرا، أم مشمعلا صقرا.
أسلم وهو في ريْعان شبابه،بدعوةٍ من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان عمره حينها خمسة عشر سنةً، وتلقّى بسبب إسلامه صنوفاً مختلفةً من العذاب من قبل قومه، ولذلك كان أحد المهاجرين إلى الحبشة، ثمّ هاجر إلى المدينة المنورة مع زوجته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وكان ابنهما عبد الله بن الزبير أول مولودٍ في المدينة للمسلمين
وصَفَه أهل السِّيَر بأنَّه كان رجُلاً طويلاً فارع الطُّول، إذا ركب الفرَس تخطُّ رِجْلاه بالأرض، خفيف اللّحية والعارضَين، يَميل إلى السمرة
وكان - رضِي الله عنْه - رجلاً غنيًّا كريمًا يُنفق ولا يُبالي، له من المماليك ألف مَملوك كلهم يؤدّي إليه الخراج، فكان لا يُدخِل بيتَه منها شيئًا، يتصدَّق به كلّه.
المناقب والفضائل : حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، و أحد أوائل المسلمين، و أول من سل سيفاً في الإسلام، شارك في جميع الغزوات في حياة النبي،
وقد هاجر الهِجْرَتين؛ الأولى: إلى الحبشة، والثَّانية: إلى المدينة، آخى النَّبيُّ صلَّى الله عليْه وسلَّم بيْنه وبين عبدالله بن مسعود.
قال عنه عُمر بن الخطَّاب: "إنَّه ركنٌ من أرْكان هذا الدِّين"، وهو أحد العشَرة المبشَّرين بالجنَّة، بشَّره النَّبيّ صلَّى الله عليْه وسلَّم بالجنَّة وهو على قيد الحياة، وأحد الستة أهل الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليتم اختيار الخليفة من بينهم.
روى الليث ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : أسلم الزبير ، ابن ثمان سنين ، ونفحت نفحة من الشيطان أن رسول الله أخذ بأعلى مكة ، فخرج الزبير وهو غلام ، ابن اثنتي عشرة سنة ، بيده السيف ، فمن رآه عجب ، وقال : الغلام معه السيف ، حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ما لك يا زبير " ؟ فأخبره وقال : أتيت أضرب بسيفي من أخذك .
مِن مواقفه العظيمة ما رواه البخاريُّ ومسلم من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليْه وسلَّم قال يوم الأحزاب: ((مَن يأتينا بخبر القوم؟))، فقال الزبير: أنا، ثمَّ قال: ((مَن يأتينا بخبر القوم؟))، فقال الزبير: أنا، ثمَّ قال: ((مَن يأتينا بخبر القوْم؟))، فقال الزبير: أنا، ثمَّ قال: ((إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًّا، وإنَّ حواريّ الزُّبير)) ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: أنَّ الزبير قال: لقد جمع لي رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يومئذٍ أبوَيْه، فقال: ((فِداك أبي وأمي)).
ومن مواقفه العظيمة كذلك ما حدث في فتح مصْر، عندما استعْصت على جيش المسلمين، ودام الحصار سبعةَ أشهُر، فتقدَّم وقال: أهَب نفسي لله وللمُسْلمين، فوضع سلَّمًا وأسنده إلى جانب الحِصْن ثمَّ صعد عليْه، وأمر بقيَّة الجنود إذا سمِعوا تكبيراتِه أن يُجيبوه جميعًا، ثمَّ رمى بنفسِه في الحِصْن، فلم يشْعُر الأعداء إلاَّ والزُّبير داخل الحصن، فبدأ يضْرِب بسيْفِه حتَّى وصل إلى الباب وفتحه، وكبَّر المسلمون ودخلوا الحِصْن، وكان الفتح الكبير.
وكان له موقف بطولي رائع في معركة اليرموك الشَّهيرة، وكان عدد جيْش الروم مائَتَي ألف مقاتل - كما يذكر المؤرخون.
روى البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عُرْوة عن أبيه، أنَّ أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قالوا للزُّبير يوم اليرموك: "ألا تشدّ فنشدّ معك؟"، فقال: إنّي إن شددتُ كذبْتُم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليْهِم حتَّى شقَّ صفوفَهم فجاوَزَهم وما معه أحد، ثمَّ رجع مقبِلاً، فأخذوا بلِجامه، فضربوه ضربتَين على عاتقِه، بينهما ضربة ضربَها يوم بدر، قال عروة: كنتُ أُدْخِل أصابعي في تلك الضَّربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبدالله بن الزُّبَير يومئذٍ، وهو ابنُ عشْر سنين، فحمله على فرسٍ ووكل به رجلاً.
ومن مواقفه العظيمة التي تدلُّ على شجاعته وقوَّته: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه، قال: قال الزُّبير: لقيتُ يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجَّج لا يُرى منه إلاَّ عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليْه بالعنزة فطعنْتُه في عينه فمات، قال هشام: فأخبرتُ أنَّ الزُّبير قال: لقد وضعتُ رجْلي عليه، ثمَّ تمطَّأت، فكان الجهد أن نزعْتُها وقد انثنى طرفاها، قال عرْوة: فسأله إيَّاها رسولُ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم فأعطاه، فلمَّا قُبض رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم أخذها، ثمَّ طلَبها أبو بكر فأعطاه، فلمَّا قُبض أبو بكر سألها إيَّاه عمر فأعطاه إيَّاها، فلمَّا قُبض عمر أخذها، ثمَّ طلبها عثمانُ منْه فأعطاه إيَّاها، فلمَّا قتل عثمان وقعتْ عند آل عليّ، فطلبها عبدالله بن الزبير فكانتْ عنده حتَّى قُتل.
ومِن مواقفه أنَّ الزُّبير ضرب يوم الخندق عثمان بن المغيرة بالسَّيف على مغفره فقطعه إلى القربوس، فقالوا: ما أجودَ سيفَك! فغضب الزُّبير، يريد أنَّ العمل ليده لا للسَّيف
وعن أسماء قالت : عندي للزبير ساعدان من ديباج ، كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهما إياه ، فقاتل فيهما .
وروى يحيى بن يحيى الغساني ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قال الزبير : ما تخلفت عن غزوة غزاها المسلمون إلا أن أقبل فألقى ناسا يعقبون .
وعن الثوري قال : هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة : حمزة ، وعلي ، والزبير .
حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، أخبرني من رأى الزبير وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي .
وفاته: بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان خرج إلى البصرة يطالب بالقصاص ممن قتلوا عثمان، وكانت موقعة الجمل. فكان قتْله بعد معركة الجمَل، ذكَر أهل السِّيَر أنَّه انسحب من المعركة في مكانٍ يقال له: وادي السباع
فأدْركه في الوادي رجُل يُقال له: عمْرو بن جرموز وهو نائِم في القائلة، فهجم عليْه فقتله، وقيل: إنَّه قتله وهو يصلِّي غيلة، ثمَّ أخذ سيْفه وذهب إلى عليّ؛ لينال منزلة عنده، فرفض عليٌّ أن يأذَن له، وقال: بشِّر قاتل ابنِ صفيَّة بالنار، سمعت رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم يقول: ((إنَّ لكلّ نبيٍّ حواريًّا، وإنَّ الزُّبير بن العوَّام حواري)) ، ولمَّا رأى عليّ سيفَ الزبير قال: "إنَّ هذا السَّيف طالما فرج الكرب عن وجْه رسولِ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم".
وكان قتْله - كما قال البُخاري وغيرُه -: في رجبٍ سنة ستٍّ وثلاثين من الهجرة (36 هـ / 656 م)، وله أربع وستُّون سنة.
11-)
طَلْحَة بن عُبَيْد اللّه رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
هو طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، القرشي التيمي المكي ،
يجتمع نسبه مع نسب النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي.
وأمه هي أخت الصحابي العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه، وكانت تلقب باسم الصعبة بنت الحضرمي من بني الصدف.
كنيته: أبو مُحمَّد
لقبه: بطلحة الخير، وطلحة الفياض
مولده ونشأته:
وُلِد طلحة في مكة قبل الهجرة بثمانية وعشرين عامًا (28 ق.هـ/594 م)
ونشأ وكبر في قبيلة قريش،و كان تاجراً، يسافر إلى الشام لكي يجمع البضاعة ويرجع بها إلى مكة حتى يتاجر بها كما كان يفعل رجال قبيلة قريش.
كان طلحة بن عبيد الله من السابقين الأولين، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، حيث كان من الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، ولمّا أَسلم آخى النبي بَيْنَه وبين الزبير بن العوام، ولم يهاجر طلحة إلى الحبشة لأنه كان من أكابر قريش، فلم يكن يناله من العذاب ما ينال ضعفاء المسلمين، فلم يحتج للهجرة إلى الحبشة.
ولمّا هاجر طلحة بن عُبيد الله إلى المدينة نزل على أسعد بن زرارة، وآخى النبي بينه وبين أبي أيوب الأنصاري،
وعن موسى بن طلحة قال: «كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعًا، إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعًا».
قال ابن منده: «كان رجلا آدم، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط، حسن الوجه، إذا مشى أسرع، ولا يغير شعره.»،
فضائله ومناقبه :
طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده، وكان ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله ، ثم هاجر، فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره .
عن عقبة بن علقمة اليشكري ، سمعت عليا يوم الجمل يقول: سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " طلحة والزبير جاراي في الجنة " .
وعن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: " أوجب طلحة " .
وقال ابن أبي خالد عن قيس قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد شلاء .
وعن جابر قال: لما كان يوم أحد ، وولى الناس ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجلا ، منهم طلحة ، فأدركهم المشركون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من للقوم ؟ قال طلحة: أنا ، قال: كما أنت . فقال رجل: أنا. قال: أنت ، فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: من لهم ؟ قال طلحة: أنا. قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: أنت. فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: من للقوم ؟ قال طلحة: أنا ، فقاتل طلحة، قتال الأحد عشر، حتى قطعت أصابعه ، فقال: حس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت: باسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون" ثم رد الله المشركين
وعن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا: جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجة مربعة ، وقطع نساه - يعني العرق -، وشلت أصبعه، وكان سائر الجراح في جسده، وغلبه الغشي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مكسورة رباعيته، مشجوج في وجهه ، قد علاه الغشي ، وطلحة محتمله ، يرجع به القهقرى ، كلما أدركه أحد من المشركين ، قاتل دونه ، حتى أسنده إلى الشعب .
وعن ابن عمران قاضي المدينة ، أن طلحة فدى عشرة من أسارى بدر بماله ،
عن الحسن البصري أن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له بسبع مائة ألف. فبات أرقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه .
وعن سلمة بن الأكوع قال: ابتاع طلحة بئرا بناحية الجبل، ونحر جزورا ، فأطعم الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت طلحة الفياض " .
وعن موسى بن طلحة، عن أبيه قال : لما كان يوم أحد ، سماه النبي صلى الله عليه وسلم طلحة الخير. وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر، طلحة الجود .
وعن قبيصة بن جابر قال: صحبت طلحة ، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.
عن جابر أنه سمع عمر يقول لطلحة: ما لي أراك شعثت واغبررت مذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لعله أن ما بك إمارة ابن عمك - يعني أبا بكر - قال: معاذ الله، إني سمعته يقول: " إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت، إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة ". فلم أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ولم يخبرني بها فذاك الذي دخلني. قال عمر: فأنا أعلمها. قال: فلله الحمد، فما هي؟ قال: الكلمة التي قالها لعمه، قال: صدقت .
قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله منكم - يعني أبا هريرة - نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم ، قال: أما أن قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع ، فلا أشك ، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت ، وكنا إنما نأتي رسول الله غدوة وعشية ، وكان مسكينا لا مال له ، إنما هو على باب رسول الله ، فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع ، وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ؟
ولَمَّا حدث الخلاف بين الصحابة حول أيهما أولى: استقرار الأمور وبيعة علي رضي الله ، أم القصاص لعثمان رضي الله عنه، كان طلحة مع الرأي الثاني، الذي كان يميل إلى تقديم القصاص، ولكن ورغم ذلك جاء علي رضي الله عنه، وناشد طلحة أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع طلحة، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فلحقه سهمٌ غادرٌ، ممن يريدون إشعال الفتن، ويضرهم أن يتَّحدَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن علقمة بن وقاص الليثي قال : لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان ، عرجوا عن منصرفهم بذات عرق ، فاستصغروا عروة بن الزبير ، وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما ، قال : ورأيت طلحة ، وأحب المجالس إليه أخلاها ، وهو ضارب بلحيته على زوره ، فقلت: يا أبا محمد ، إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها ، إن كنت تكره هذا الأمر ، فدعه ، فقال: يا علقمة ، لا تلمني ، كنا أمس يدا واحدة على من سوانا ، فأصبحنا اليوم جبلين من حديد ، يزحف أحدنا إلى صاحبه ، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان ، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي ، وطلب دمه .
وعن حكيم بن جابر قال: قال طلحة: إنا داهنا في أمر عثمان ، فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه ، اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى .
كان طلحة أول من بايع عثمان بن عفان؛ حيث بايعه في مجلس الشورى، ثم كان من جملة أنصار عثمان بن عفان في الفتنة، فلما قُتِل عثمان؛ ندم على ترك نصرته.
عن يحيى بن سعيد ، عن عمه ، أن مروان رمى طلحة بسهم ، فقتله، ثم التفت إلى أبان ، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك .
عن طلحة بن مصرف أن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات ، فنزل عن دابته وأجلسه ، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته ، وهو يترحم عليه ، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة و قال: بشروا قاتل طلحة بالنار .
وفاته:
وكان قتله في سنة ست وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة (36هـ/656م) في جمادى الآخرة، وقيل في رجب، وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها، وقبره بظاهر البصرة .
وكان أول من استشهد في معركة الجمل حيث أصابه سهماً رماه مروان ابن الحكم، فظل طلحة ينزف حتى مات
قيل قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم، وقومت أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم .
12-)
أبو عبيدة بن الجراح
بسم الله الرحمن الرحيم
أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنها
هوعامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، القرشي الفهري المكي يجتمع في النسب هو والنبي صلى الله عليه وسلم في فهر. وقد انقرض نسل أبي عبيدة.
وأمُّه: أميمة بنت عثمان بن جابر بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر، ونقل ابن حجر أن أم أبي عبيدة أدركت الإسلام وأسلمت.
كنيته: أبو عبيدة،واسمه عامر.
لقبه: أمين الأمة
مولده ونشأته:
ولد سنة 40 قبل الهجرة النبوية/584م، وعُرِف في الجاهليَّة بالحِكمة والفِطنة والرأي السَّديد والذَّكاء، واشترك مع أبي بكر بذلك، فكان النَّاس يقولون: "داهِيَتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة بن الجرَّاح"، ويُقصد بذلك الذّكاء والفطنة والرأي السديد،
لمَّا بعث الله تعالى سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام آمن معه سيِّدنا أبو بكر الصِّديق، ثمَّ انطلق مع رسول الله يتخيَّر النَّاس ويدعوهم سرَّاً، فاستبشر بأبي عبيدة، فحدَّثه عن الإسلام، فلقي منه قبولاً واستجابةً، فتوجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أبي سلمة بن عبد الأسد، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون فكرَّر عليه شرح الإسلام، فأسلم مع نفرٍ آخرين جميعاً في ذات الَّلحظة، وكان ذلك في بدايات الدَّعوة قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم. وقد كان عُمْر أبي عبيدة آنذاك خمسةً وعشرون عاماً، ممَّا يدلُّ على أنَّه دخل الإسلام باختياره، فهذا السِّنُّ الذي يكون الإنسان فيه قد اكتملت قدراته العقليّة والجسديّة، فلا يزيحه عن رأيه ومبدئه أيُّ إغراءٍ، فقد وجد أبو عبيدة في الإسلام الحقَّ الذي يبحث عنه، والعدالة بأبهى صورها، ممَّا ساعده على البقاء والثَّبات على دينه،
هاجر أبو عبيدة إلى الحبشة لم يُطل بها اللَّبث، وهاجر من مكة إلى المدينة المنورة، فنزل على كلثوم بن الهدم الأوسي، وبعد وصول النبي محمد إلى دار الهجرة، آخى بين المهاجرين والأنصار، عن أنس بن مالك: أن رسول الله آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة (زيد بن سهل بن الأسود الخزرجي).
وكان رجلا نحيفا معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالًا، أجنأ (في كاهله انْحِناء على صدره)، أثرم (أي أنه قد كسرت بعض ثنيته).
فضائله ومناقبه:
أحد السابقين الأولين ، ، وأحد العشرة المبشرين بالجنَّة، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسماه أمين الأمة ، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزوات كلها، ومناقبه شهيرة جمة .
عن يزيد بن رومان قال: انطلق ابن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلم بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم .
وقد شهد أبو عبيدة بدرا، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه ، فحسن ثغره بذهابهما ، حتى قيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة.
وعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لكل أمة أمينا ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " .
عن الحسن ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما منكم من أحد إلا لو شئت لأخذت عليه بعض خلقه ، إلا أبا عبيدة ".
وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة غير مرة ، منها المرة التي جاع فيها عسكره ، وكانوا ثلاث مائة ، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : لا ، نحن رسل رسول الله ، وفي سبيل الله ، فكلوا ،
وأشار أبو بكر به يوم السقيفة، يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة ، وحرب مسيلمة الكذاب ، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام ، فبعث أبا عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة ، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ، ونصر الله المؤمنين ، فجاءت البشرى ، والصديق في مرض الموت ، ثم كانت وقعة فحل ووقعة مرج الصفر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ، ثم بعث إليه لينجد من بالشام ، فقطع المفاوز على برية السماوة ، فأمره الصديق على الأمراء كلهم ، وحاصروا دمشق ، وتوفي أبو بكر ، فبادر عمر بعزل خالد ، واستعمل على الكل أبا عبيدة ، فجاءه التقليد ، فكتمه مدة ، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه ، فكان فتح دمشق على يده ، فعند ذلك أظهر التقليد ؛ ليعقد الصلح للروم ، ففتحوا له باب الجابية صلحا ، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي ، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح .
عن ابن عمر: أن عمر حين قدم الشام ، قال لأبي عبيدة : اذهب بنا إلى منزلك ، قال : وما تصنع عندي ؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي . قال : فدخل ، فلم ير شيئا ، قال : أين متاعك ؟ لا أرى إلا لبدا وصحفة وشنا ، وأنت أمير ، أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة ، فأخذ منها كسيرات ، فبكى عمر ، فقال له أبو عبيدة : قد قلت لك : إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين ، يكفيك ما يبلغك المقيل . قال عمر : غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة .
عن مالك: أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف ، أو بأربع مائة دينار ، وقال للرسول : انظر ما يصنع بها ، قال: فقسمها أبو عبيدة ، ثم أرسل إلى معاذ بمثلها ، قال : فقسمها ، إلا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه ، فلما أخبر الرسول عمر، قال : الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا .
عن أبي الحسن عمران بن نمران ، أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيض لثيابه ، مدنس لدينه! ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات.
وفاته:
توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة(18هـ/639م)، وله ثمان وخمسون سنة، في طاعون عمواس، وصلى عليه معاذ بن جبل ، ودفن ببيسان بالشام. طاعون عمواس منسوب إلى قرية عمواس ، وهي بين الرملة وبين بيت المقدس
أرسل عمر بن الخطاب جيشًا إلى الأردن بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ونزل الجيش في عمواس بالأردن ، فانتشر بها مرض الطاعون أثناء وجود الجيش وعلم بذلك عمر ، فكتب إلى أبي عبيدة يقول له : إنه قد عرضت لي حاجة ، ولا غني بي عنك فيها ، فعجل إلي .
فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب عرف أن أمير المؤمنين يريد إنقاذه من الطاعون فتذكر قول النبي: “الطاعون شهادة لكل مسلم” .فكتب إلى عمر يقول له: إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟! قال: لا ، وكأن قد (أي : وكأنه مات) .
فكتب أمير المؤمنين إليه مرة ثانية يأمره بأن يخرج من عمواس إلى منطقة الجابية حتى لا يهلك الجيش كله، فذهب أبو عبيدة بالجيش حيث أمره أمير المؤمنين، ومرض بالطاعون، فأوصى بإمارة الجيش إلى معاذ بن جبل ،
ويوجد ضريح أبي عبيدة بن الجراح في بلدة دير علا في منطقة الأغوار الوسطى شمال غرب الأردن. كما يوجد حاليا “مزار أبي عبيدة” في “غور البلاونة” على الطريق العام الذي يقطع غور الأردن من الشمال إلى الجنوب، وعلى بعد أربعين كيلاً من مدينة السلط. وكان الظاهر بيبرس قد بنى على قبر أبي عبيدة مَشهداً، وأوقف عليه وقفاً ريعه للمؤذّن والإمام.
13-)
سَعِيد بن زَيْد
بسم الله الرحمن الرحيم
سَعِيد بن زَيْد رضي الله عنه
هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى ويصل نسبه إلى كعب بن لؤي القرشي وهو ابن عم عمر بن الخطاب و زوج أخته فاطمة بنت الخطاب، التي كانت سبباً في إسلام عمر، كما كانت أخت سعيد بن زيد وهى عاتكة بنت زيد زوجة عمر.
وكان والده زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين اتبعوا دين إبراهيم عليه السلام، فلم يكن يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة حيث كان يقول لقومه: يا معشر قريش والله لا آكل ما ذُبح لغير الله، والله ما أحد على دين ابراهيم غيري، وكان الخطاب عمه و أيضا أخاه من أمه ، فكان يلومه على فراق دينه وقد آذاه ، فنزح عنه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء ، فوكل به الخطاب شبابا سفهاء لا يدعونه يدخل مكة ، فكان لا يدخلها إلا سرا، فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل يسأل عن الدين القيم ، فرأى النصارى واليهود ، فكره دينهم، وقال: اللهم إني على دين إبراهيم ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم عليه السلام كما ينبغي ، ولا رأى من يوقفه عليها ، وهو من أهل النجاة ، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث أمة وحده ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مات قبل البعثة.
قال سعيد قلت: يا رسول الله ، إن أبي كان كما قد رأيت وبلغك ولو أدركك لآمن بك واتبعك فاستغفر له. قال: " نعم ، فأستغفر له ، فإنه يبعث أمة وحده " .
وأمُّه: فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية كانت من السابقين إلى الإسلام
وامرأته: هي فاطمة ابنة عمه الخطاب، أخت عمر
كنيته: أبو الأعور
مولده ونشأته:
ولد سعيد بن زيد في مكة قبل البعثة النبوية ببضع عشرة سنة؛
كانت نشأته في كنف أبيه زيد بن عمرو بن نفيل، والذي كان على دين نبي الله إبراهيم عليه السلام، (فلم يكن زيد يعبد الأصنام، ولا يشرك بالله شيئاً)، فحري بمن نشأ وترعرع في هذا البيت، أن يسارع إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدعوا إليه، فكان سعيد من السابقين في الإسلام، فقد أسلم على يد أبي بكر الصديق ، لما عرض عليه الإسلام فلبّى دون تأخر، وكان إسلامه هو وزوجته فاطمة بنت الخطاب قبل أن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم مركزاً لدعوته.
و قد جعل الله سعيد بن زيد وزوجته سبباً في هداية عمر بن الخطاب، وذلك أن عمر كان متجهاً لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ، فلقيه أحد الصحابة ممن يكتمون إسلامهم وسأله إلى أين يابن الخطاب؟ فقال لأقتل محمد، فقال وهل تظن بني هاشم تاركيك، عليك بأختك وصهرك فقد تبعا محمد، فتوجه إلى بيت أخته فاطمة، وسألها عن حقيقة اتباعها لدين محمد فأجابته بالموافقة فضربها على وجهها وأدماها، لكن الله شرح صدره للإسلام عندما رأى دماء أخته.
وكان من المهاجرين الأولين، وآخى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين أَبِي بْن كعب،
وكان سعيد رجلا ، آدم ، طويلا ، أشعر
فضائله ومناقبه:
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، ومن السابقين الأولين، أسلم سعيد قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم .
عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اسكن حراء; فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ". وعليه النبي، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد.
لم يحضر معركة بدر ولكن عد في البدريين ذكر ابن سعد في " طبقاته " عن الواقدي، عن رجاله قالوا: لما تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصول عير قريش من الشام، بعث طلحة وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر، يتحسسان خبر العير، فبلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك، حتى مرت بهم العير، فتساحلت، فبلغ نبي الله الخبر قبل مجيئهما، فندب أصحابه، وخرج يطلب العير، فتساحلت وساروا الليل والنهار، ورجع طلحة وسعيد ليخبرا، فوصلا المدينة يوم الوقعة، فخرجا يؤمانه، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجورهما.
وشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة.
ولم يكن من الستة الذين حددهم عمر ليتم اختيار الخليفة من بينهم، ليس لأنه أقل منهم في الرتبة أو المنزلة، وإنما تركه عمر؛ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ; لأنه ختنه وابن عمه، وأخرج منها ولده وعصبته.
و كان من جملة من بايع لعثمان بن عفان بعد انتهاء الشورى له، ثم بايع عليًا بعد مقتل عثمان، ولم يُذكَر في الأحداث والغزوات في عهد عثمان، وليس له ذكرًا في فتنة مقتل عثمان، ولا في وقعتي الجمل صفين، ويُرجّح أنه كان من معتزلي الفتنة. فظل يسكن في أرضه بالعقيق،
وأثناء ولاية مروان بن الحكم للمدينة المنورة، ولم يبايع سعيد ليزيد بن معاوية، فلمّا كتب معاوية إلى مروان بالمدينة أن يبايع لابنه يزيد للخلافة من بعده، جاء رجل من أهل الشام وقال لمروان: «ما يحبسك؟» قال: «حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع؛ فإنه سيد أهل البلد، إذا بايع بايع الناس»، قال الشامي: «أفلا أذهب فآتيك به؟»، فذهب الشامي إلى سعيد بن زيد وقال له: «انطلق فبايع.» قال سعيد: «انطلق، فسأجيء فأبايع»، فقال الشامي: «لتنطلقن، أو لأضربن عنقك.» قال: «تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم أنا قاتلتهم على الإسلام.» فرجع الشامي إلى مروان، فأخبره، فقال له مروان: اسكت. ثم ماتت أحد أمهات المؤمنين وكانت قد أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: «ما يحبسك أن تصلي على أم المؤمنين.» قال: «انتظر الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يصلي عليها.» فقال الشامي: «استغفر الله.».
عن هشام بن عروة، عن أبيه أن أروى بنت أويس ادعت أن سعيد بن زيد أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله؟ سمعته يقول: " من أخذ شيئا من الأرض طوقه إلى سبع أرضين " قال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فأعم بصرها، واقتلها في أرضها. فما ماتت حتى عميت، وبينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتت.
وفاة
توفي سعيد بن زيد بالعَقيق، و حُمِل إلى المدينة فدفن فيها، وذلك في سنة إحدى وخمسين من الهجرة النبوية (51هـ/671م)، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وغسله سعد بن أبي وقاص، وكفنه، وخرج معه، ونزل في قبره، ومعه ابن عمر .