Most Read in the Category of زاد الفكر

1-) الروح في نظر الفلاسفة

 

    والآن نعرض آراء بعض الفلاسفة المشهورين الذين لهم باع في هذا الموضوع :

    إن آراء سقراط(1) في الروح لجديرة بالاهتمام. وهو يعتبر من أشهر فلاسفة العصور الأولى وأكثرهم تأثيراً في نفوس الفلاسفة الذين أتوا من بعده.

    إذ كانت الماهية الإنسانية والنفس البشرية موضع اهتمامه في حل معضلة المسائل الفلسفية. فبنى بذلك نظام فكره الفلسفي واستحق عنوان الفيلسوف الأول الذي مال الى الدائرة الأنفسية.

    ونستطيع تلخيص آراءه حول الروح كما يأتي :

    إن نفس الإنسان يعني ( روحه ) موجودة في زاوية من عالم الموجودات قبل وجود أجسامهم. ومن ثم تتحد مع الجسم. فالجسم كالآلة التي تحركها الروح، وهو بمثابة إناء لها. وتعود الأرواح إلى المنابع التي جاءت منها بعدما تتفسخ وتتحلل الأجسام. وان اتحاد النفس (الروح ) مع الجسد يعود لغايتين مهمتين :

  1. التكامل.
  2. البقاء.

    ويرى سقراط بأن الإنسان قائم بالروح. وليس للجسم أهمية تذكر سوى اعتباره آلة لتطبيق أعمال الروح، ومركزاً يديره سلطان.فالروح رغم أنها لا تُرى في بدنها إلاّ أنها تتصرف فيه وتديره. وان الجسد فانٍ ومؤقت ومعرّض للزوال. ولكن الروح أبدية ودائمية.

    وعندما سُئل سقراط : لِمَ أتى الإنسان إلى هذه الدنيا ؟ وما هي وظيفته ؟ فكان جوابه : إن وظيفة الإنسان هي انسلاله من الأذواق الزائلة للعالم السفلي وسوق روحه بالسياط نحو الأهداف السامية. هذه هي غاية مجيئه إلى الدنيا.

    وقد آمن سقراط بحقيقة الحشر الجسماني والبعث بعد الموت وصدّقها. ونرى عقيدته هذه من خطابه الذي ألقاه أمام القضاة عند محاكمته ؛ قال لهم : « إن الموت الذي هو عبارة عن انتقال الروح من هذه الدنيا، ليس فناءً، بل هو نجاة وتحرر. وفي الحقيقة إن الموت هو رحلة ينتقل الإنسان من خلالها من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة. وان جميع الأموات أحياء يعيشون في عالم آخر »

    ونستمع الآن إلى فيلسوف آخر من مشاهير القرون الأولى ؛ وهو أفلاطون(2). وقد قسم أفلاطون الموجودات إلى قسمين اثنين : العلوي والسفلي. وقال إن الروح هي من الموجودات العلوية. وكانت تعيش في أول الأمر في مقامها العالي ( عالم المثال )، وكانت شاكرة من حياتها، وتمتلك علماً ولها جناحين الأول يسمى بـ « الحق » والثاني بـ « الخير ». وبعدما نزلت هذه الروح إلى الأرض فقدت جناحيها. وان غايتها الأساس في هذه الدنيا هي إعادة الجناحين المفقودين من جديد. أي كسب صفاتها الحق والخير مرة أخرى.

    هذا وقد قسم أفلاطون النفس البشرية إلى أقسام ثلاثة :

  1. النفس الشهوانية.
  2. النفس الغضبية.
  3. النفس الناطقة.

     فالنفس الناطقة هي الروح، وهي بداية ومنشأ التفكر، وهي منبع قابلية التفكير في الإنسان. وقد خلقها الله تعالى بدون وسيلة. وليس لها أي شكل ولا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وهي الجوهر والأصل الذي يحرك الجسم. أي أنها تتمتع بقابلية الحركة الذاتية برغبتها ومشيئتها. وهي بسيطة لا تتجزأ ولا تنفصل، وليست مجسمة. وهي مركز جميع أنواع الفعاليات وأنها لاهوتية وأبدية.

    وهنا نلتمس الفكر الموجود لدى سقراط والقائل بـ « وجود الروح قبل وجود الجسد » موجوداً أيضاً عند أفلاطون. ويستمر بقاء الروح بعد تجزأ الجسد. وان الروح حياة محضة، والموت عبارة عن افتراق الروح من الجسد. وتبقى حية بعد مفارقتها الجسد وذلك بمقتضى طبيعتها.   

    وان الانسان يحس ويدرك بوساطة نفسه (روحه). وفي الروح اعتباران : الاول : إنساني والآخر حيواني. ويكون اتصال الروح بالجسد من جهة التدبير والتصرف. وكما لا تتشابه سيماء الانسان بعضها مع بعض، فان ارواحه كذلك لا تتشابه بعضها مع البعض الآخر. حيث تتمايز الارواح فيما بينها. والروح ليست منفعلة بل هي فاعلة.

    ويلتقي أرسطو(3) مع أفلاطون في فكره من ان الروح ليست جسماً بل هي جوهر. وانها في رأيه حادثة أي انها ليست أزلية، بل تخلق مع الجسد. وبعد فناء الجسد تبقى النفس وتعيش الى الأبد.

    [ وفي رأي أرسطو ؛ ان الروح هي مبدأ الحياة. والحياة هي عبارة عن حركة. وكما ان كل حركة تحتاج الى سرعة محركة ومادة متحركة، فان في الانسان الحي كذلك تعتبر الروح هي المحركة والجسم هو المتحرك. وكما ان الروح ليست جزءاً من الجسد، فانها ليست خارجة عنه أيضاً.

    ويختلف أرسطو مع أفلاطون في نقطة واحدة، وهي : ان الروح ليست هي المتحرك بالذات. بل في رأيه انها تتصرف وتحرك دون أن تتحرك هي. وان حركتها لا تشبه حركة رجل يمشي على الأرض، بل انها شبيهة بحركة شخص جالس في القارب وسط البحر ].

    والروح ليست مادية، وهي تظهر جميع حركات الجسد وتديره.. وهي مبدأ الوظائف الحيوية.

    ويعتقد أرسطو في قوله بأن (( الروح هي صورة الجسد )) : بأن الجسد خلق للروح. وان غايته هي خدمة الروح. وهو أيضاً بمثابة آلة للروح وقد خلق في هيئة تساعده للقيام بوظائف وغايات راقية ونظم في أنسب شكل.

    وقد تصور أرسطو في قوله : بأن الحياة تنكشف في ظل الروح بأن الروح خمسة أنواع وهي :

  1. النفس الغذائية.
  2. النفس الحسية.
  3. النفس المحرّكة.
  4. النفس الشهوانية.
  5. النفس العقلية.

    أما ديكارت(4) فهو الآخر أدلى بملاحظاته حول الروح. وهو معروف باهتمامه المفرط بالفكر. يقول : ان الروح هي الفكر. والفكر هو الذي يجعل الروح جوهراً. وفي ظل الروح تستطيع الروح أن تعرف نفسها. وتمتلك الروح قابلية التفكر وهي تقوم بذلك أينما كانت. وتمتلك أيضاً قوة العلم. وكما ان وجود الروح لا يعتمد على وجود الجسد، فانها ليست محاطة به أيضاً. وليس لها أي شكل ولا تقبل التجزئة. وبذلك لا تسري عليها عملية تفسخ الجسد، وانها لا تموت.

    وأما مالبرانش (6) فانه يستند بأفكاره في هذا الموضوع الى الله تعالى والى الإيمان به. ويقول :كما ان جميع الحوادث هي غاية الاسباب والوسائل، فان روح الانسان لا تستطيع الادراك والشعور بدون تأثير من الله تعالى.

    وتختلف الروح مع الجسد اختلافاً تاماً ؛ ولا توجد أي رابطة بينهما. وانها ليست حرة طليقة، بل أنها مرتبطة في فعالياتها مع الله. وان المعارف الموجودة في روح الانسان هي من لدن العليم الحكيم.

    وفي هذا المجال نذكر آراء الفيلسوف المعاصر برجسون(7) الذي عيّن مساراً جديداً في علم الوجود، وأجرى انقلاباً في عالم الفلسفة ليرتفع بذلك الى موقع متميز.

    وفي نظر برجسون ان لشعورنا قشراً ولباً. فجهة القشر هي طبقة العقل والذكاء والمنطق والعلم. حيث تكون هذه الطبقة ملائمة وموافقة للشروط العملية للحياة المادية والاجتماعية وفي فعاليات هذا القسم تجري قوانين العليّة. فلا حرية في هذه الجهة، بل هناك تحديد وتعيين.

    أما القسم الآخر فهو الشعور الباطني. ونستطيع أن نطلق عليه بـ (( أنا )). ويعرض هذا القسم كيف تحتلف عما كانت لدى القسم الأول من العمل والمنطق والتعيين. فالقسم الأول أصبح كثيفاً ومستقراً بصورة (( أنا )) فهو في اتحاد مستمر وفي ذوبان وحلول دائميين وهذا القسم هو مجال (( أنا )) الحقيقي.

    ويرى برجسون أيضاً أن علاقة الروح مع المادة هي شبيهة بعلاقة الدماغ مع الحافظة. وهناك نوعان من الحافظة :

  1. الحافظة الميكانيكية.
  2. الحافظة الحقيقية.

    فالحافظة الميكانيكية هي لأجل ايجاد روابط مع عالم المادة. أما الحافظة الحقيقة فهي الخيال والخواطر. وقد توصل برجسون نتيجة أبحاثه الى هذه القناعة : ان الدماغ ليس هو الحافظة. وإنما الدماغ هو محل استناد الحافظة وآلة طابعة له. وان منبع التفكر هو الحافظة الميكانيكية.

    ولا يمكن في أي حال من الأحوال اعتبار الدماغ بأنه الحالة الروحية كالتفكر. وفي الحقيقة لم يرد ظهور موجودات روحية كالتفكر والذكاء من المادة. فوظيفة الدماغ هي عبارة عن مساعدة عناصر التفكر والشعور للاتصال مع الواقع، والوسيلة للتلائم مع ضرورات الحال.

    والظاهر ان برجسون يجد مسألة الادراك التي يقوم العلماء الماديون بإيضاحها بواسطة العلوم الطبيعية، هي مسألة روحية بحتة. ويقبل بوجود حقيقة مختلفة تماماً عن هوية الانسان، وبوجود مخلوق معنوي وحقيقي لا يتصف بأية صفة.

    ويرى هذا الفيلسوف المشهور ان الجسم آلة في يد الروح. وان الروح تستفيد من الجسم في توضيح أفكارها. والجسم متوجه نحو العمل باستمرار. فوظيفة الجسم هي العمل : وليست لديه أية قابلية تساعده على اظهار حادثة واحدة من حوادث العقل. وان هذه الحوادث هي أثر قوة مادية وخارجة عما وراء الجسم. وهذه القوة سواء يطلق عليها (( النفس )) أو (( الروح )) فالنتيجة واحدة.

    وقد أثبت برجسون في منهجه الذي وضعه، بأن الانسان مخلوق مكون من اتحاد شيئين أحدهما مادي والآخر معنوي. فحطم بذلك عقائد فريقين الأول يؤمن بوجود المادة وحدها، والآخر لم يقبل حقيقة سوى الروح.

    وكما بينا في فصل (( الدلائل النقلية على وجود الروح )) بأن صاحب القول الحق في موضوع الروح هو الذات الأقدس الله جل جلاله الذي خلق هذه الروح. ومن ثم أقوال الأنبياء (عليهم السلام) المستندة الى الوحي الإلهي. ومن بعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء. أما الفلاسفة فان آرائهم مقبولة بنسبة تطابقها مع الوحي الإلهي. وبما أن العقل المجرد لا يكفي لاحاطة الحقيقة من كل جوانبها، فان آراء الفلاسفة لا يمكن قبولها بعينها. وان كل واحد منهم استطاع التقرب من الحق بنسبة معينة، واظهار جهة واحدة من أوجه الحقيقة وذلك حسب قابلية وسعة عقله الشخصي. لذا ينبغي أن يوزن كلامهم بميزان الدين الحق، وقبول أفكارهم المستخلصة من هذا الميزان بكل تقدير، وعدم أخذ آرائهم الخاطئة بنظر الاعتبار.(*)

   

  ________________  

(1) سقراط Socrates : ( 468 – 400 ق . م .) فيلسوف يوناني . استعمل منهج التحاور وأصبح يعرف بمنهج ( التهكم ) . قضى عمره في تدريس جماعة دروساً في الأخلاق والفلسفة . ووجه نظر الفلسفة المشتغلة في المادة الى مواضع أخلاقية . ولم يكتب سقراط شيئاً . وكان يعتقد كما ذكر تلميذه ( أفلاطون ) بوجود الله الواحد الأحد ، وبذلك ناقش في هذا الموضوع مع كثير من المتألهين . ومات سقراط الذي كان لا يحتمل الباطل مسموماً من قبل أعداءه في أثينا .

« المترجم »

(2) أفلاطون Plato : (427 – 347 ق.م) فيلسوف يوناني وتلميذ سقراط ، ولد في أثينا واستخدم أفلاطون منهج الجدل وكتب على نطاق واسع تعاليم سقراط بعد وفاته . ووقف أفلاطون في كتابه « شولن » على اختلاف الروح والجسد . وتناول في كتابه « الدولة » شكل الدولة وأصنافها وأداتها .

    « المترجم »

(3) أرسطو Arıstole:  ( 384- 322 ق. م ) فيلسوف يوناني وتلميذ افلاطون . ولد في مقدوزنيا وهو من مؤسسي علم المنطق ودافع عن الوقعية . وأصبح استاذاً للأسكندر . وان (منطق ) أرسطو لا يزال مستمراً في يومنا هذا . وترجمت كتبه الى لغات عديدة منها العربية . (المترجم) .

(4) ديكارت Descarte : (1596-1650م) : فيلسوف فرنسي وعالم رياضي وفيزيائي ، تجول في أوروبا وهو من مؤسسي الهندسة التحليلية . ومن كتبه الرئيسة هي ((مبادئ الفلسفة )) و (( مقال في المنهج )) . (المترجم) .

(5) مالبرانش : نقولا Malebranche ( 1638- 1715م ) فيلسوف فرنسي ديكارتي . تطرف في الثنائية التي تفرق بين العقل والجسم . وأنشأ فيها مذهب (التوفقية) . وله كتاب ((البحث عن الحقيقة)) ترجم الى الانكليزية . (المترجم) .

(6) برجسون : هنري (1859-1941م) فيبسوف فرنسي ، أصبح سنة 1900 أستاذاً بالكوليج دي فرانس . وظفر (1927) بجائزة نوبل في الأدب . وهو ثنائي في فلسفته . ومن مؤلفاته الرئيسة ((الزمن والارادة الحرة)) و (( المادة والذاكرة)) و ((الضحك)) وبعضها ترجم الى العربية . (المترجم) .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


2-) آراء علماء الإسلام وفلاسفة الغرب في الروح

 

    أعطى علماء الإسلام وفلاسفة الغرب جُلّ اهتمامهم بموضوع الروح. وتناولوها فكراً وتأليفاً. وسنقدم أولاً خلاصة آراء علماء الإسلام حول الروح، ومن ثم نعرض بإيجاز آراء الفلاسفة في نفس الموضوع.

   

    الروح عند علماء الإسلام :

    إذا أمعنا كتب الفلسفة وعلم الكلام، نرى ان حكماء الإسلام أمثال : ( الكندي، والفارابي، وابن رشد.. الخ ) متفقين في وجود الروح. ونكتفي هنا بتقديم زبدة آراء (ابن سينا) لكون أفكاره منتظمة وموزونة.

    ففي نظر ابن سينا(1) يتكون الإنسان من الجسم والروح. وعندما يكون جسم الإنسان مهيأً للعمل تُرسل الروح إليه. فيكون الجسم كمملكة أو كمصنع لتلك الروح.

    وبظهور الجسم إلى الوجود تظهر الروح معه. وتكسب هذه النفس الناطقة (الروح) صفة الأبدية عند دخولها الجسم، فلا تفنى بعد خروجها من الجسم.وان نجاة هذه الروح تكون بالعلم والفضيلة. وتكتسب الروح هذه الفضيلة عند وجودها داخل الجسم. ويسرد ابن سينا هذه الأدلة في هذا الموضوع كما يلي :

    1- توجد في الإنسان آثار وعلامات عديدة لا يمكن إيضاح ماهيتها ما لم نؤمن بوجود الروح. ومن أهم هذه العلامات ؛ هي الحركة والإدراك. ويوجد في طبيعة جسم الإنسان السكون والبطالة. فالحركة هي ضد هذه الطبيعة الجسمانية. إذن فان حركة أي جسم تحتاج إلى ماهية خارجة عن وجود الجسم نفسه.

    وبناءً على هذه القاعدة، ولأجل حركة الجسم والتخلص من العطالة والسكون الموجودين في طبيعة جسم الآنيان، يقتضي وجود ماهية خارجة عن ذلك الجسم. وهذه الماهية هي الروح.

    ونظراً لعدم وجود الإدراك في طبيعة المادة، فيقتضي عدم وجوده أيضاً في طبيعة مادة جسم الإنسان. بينما الإنسان هو صاحب الإدراك ويمتلك إدراكاً قوياً. وبما إن هذا الإدراك هو ليس من خصائص الجسم، فلابد أنه يصدر من ماهية أخرى. وتلك هي الروح.

    2- فكرة الـ ( أنا ) :.. فنحن عندما ننهمك في أمر هام أو نريد شيئاً ننشغل به عن كل شيء من حولنا وعن كل جزء من أجزاء بدننا، فنحصر كل تفكيرنا في ذاتنا التي تريد الشيء أو بتعبير آخر ( الأنا ) الذي أريد، وهذا ( الأنا ) عند ابن سينا النفس وليس الجسم. وهذا الأنا أو الذات مغايرة للبدن.

    3- ان الوحدة الموجودة في أفعال النفس تُظهر وحدة المصدر. يقول ابن سينا : « تأمل أيها العاقل في أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجوداً في جميع أمرك حتى أنك تتذكر كثيراً ما جرى من أحوالك فأنت إذن ثابت مستمر لا شك في ذلك. وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتاً مستمراً بل هو أبداً في التحلل والانتقاص …

    4- هب أن شخصاً ولد في كامل قواه العقلية والبدنية، ثم غطى وجهه بحيث لا يرى شيئاً مما حوله وتُرك في الهواء أو بالأحرى في الخلاء كي لا يحس بأي احتكاك أو اصطدام أو مقاومة، ووضعت أعضاؤه وضعاً يحول دون تماسها أو تلاقيها، فانه لا يشك بالرغم من كل هذا في وجوده وإن كان يصعب عليه إثبات وجود أي جزء من أجزاء جسمه. فحاجة الإنسان إلى الأعضاء، هي لإقامة علاقات وارتباطات مع المخلوقات. أما وجوده فانه يعرف نفسه حتى لو لم تكن هذه الأعضاء.إذن إن هذه المعرفة هي من صفات (الروح).

    5- لا شك ان الجسم الحيواني والآلات الحيوانية إذا استوفت سن النمو وسن الوقوف أخذت في الذبول والتنقص وضعف القوة وكلال المنّة. وذلك عن الأناقة على الأربعين سنة. ولو كانت القوة الناطقة العاقلة قوة جسمانية آلية لكان لا يوجد أحد من الناس في هذه السنين إلاّ وقد أخذت قوته هذه تنقص. ولكن الأمر في اكثر الناس على خلاف هذا. بل العادة جرت في الأكثر انهم يستفيدون ذكاء في القوة العاقلة وزيادة بصيرة. فإذن ليس قوام القوة النطقية بالجسم والآلة. فإذن هي جوهر قائم بذاته.

    6- الحياة في نظر ابن سينا، هي قوة مستقلة تخالف الحس والحركة وتقتضيهما في الوقت نفسه. فالأعضاء المشلولة رغم أنها محرومة من الحس والحركة إلاّ انها ليست محرومة من الحياة. إذن هناك شيئاً ما يمسك بهذه الأعضاء ويقيها من التحلل، وهذا الشيء هو الروح.  

    والآن نعرض خلاصة أفكار إمام العلوم العقلية والنقلية حجة الإسلام الإمام الغزالي(2)  (رحمه الله) :

    في نظر الإمام الغزالي (رحمه الله) يوجد في الإنسان كائن ثابت وأصيل إلى جانب جسده وهو الروح. وان الروح هي التي تتصرف في الجسد وليس للجسد أي تصرف في الروح.والإنسان الميت يُرى جسده ولكن روحه لا تُرى. فمثلاً عندما يطبق الإنسان أجفانه فان الموجودات تحجب عن نظره، حتى انه لا يستطيع رؤية نفسه. مع ذلك انه يعلم ان شخصه موجود ولا يساوره في ذلك أي شك. بمعنى ان الإنسان الأساس هو الذي يعرف استقلالية وجوده وان هذا الوجود لا يرتبط بجسده وأطرافه. وهذا الوجود ليس سوى الروح. أما الجسد فهو قالب الروح ومعملها ومدرستها ومعسكرها.

    ويقول الغزالي (رحمه الله) : « الروح هو جوهر وليس بعرَض لأنه يعرف نفسه وخالقه ويدرك المعقولات وهذه علوم، والعلوم أعراض ولو كان موضوعاً والعلم قائم به لكان قيام العرض بالعرض وهذا خلاف المعقول. »(3).

    «.. ولا هو جسم لأن الجسم قابل للقسمة والروح لا ينقسم لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء منه علم بالشيء الواحد وبالجزء الآخر منه جهل بذلك الشيء الواحد بعينه فيكون في حالة واحدة عالِماً بالشيء وجاهلاً به فيتناقض »(4).

    ( وقيل له ) ما حقيقة هذه الحقيقة وما صفة هذا الجوهر وما وجه تعلقه بالبدن أهو داخل فيه أو خارج عنه أو متصل به أو منفصل عنه ؟ قال ( رحمه الله ) : لا هو داخل ولا هو خارج ولا هو منفصل ولا متصل لأن مصحح الاتصاف بالاتصال والانفصال الجسمية والتميز وقد انتفيا عنه فانفك عن الضدين كما ان الجماد لا هو عالِمٌ ولا هو جاهل لأن مصحح العلم والجهل الحياة فإذا انتفت انتفى الضدان »(5).

    ويشبّه الإمام الغزالي البدن بالمملكة فيقول :

    « مثَل نفس الإنسان في بدنه أعني النفس اللطيفة (الروح) كمَثَل مَلِك في مدينته ومملكته فان البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة الصنّاع والعملة. والقوة العقلية المفكّرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل، والشهود له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة والعبد الجالب للميرة كذاب مكّار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى أنه لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة. كما ان الوالي في مملكته إذا كان مستغنياً في تدبيراته بوزيره ومستشيراً له ومُعرضاً عن إشارة هذا العبد الخبيث مستدلاً بإشارته في آن الصواب في نقيض رأيه وأدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمراً له مسلطاً من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوساً لا سائساً ومأموراً مدبراً لا أميراً مدبراً، استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه. فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدّبت بحمية الغضب وسلطتها على الشهود واستعانت بأحدهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عَدلَ عن هذه الطريق كان كمَنْ قال الله تعالى فيه { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ }(الجاثـية: 23) وقوله تعالى { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ }(لأعراف: 176)  { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأوى } (النازعـات:40-41) »(6).

    وفي نظر الإمام الغزالي (رحمه الله) ان الروح جوهر قائم بذاته، وأنها أبدية ودائمية. فكما أنها تعرف نفسها، فهي تعرف صفات خالقها ووجوده. أي أنها تعرف نفسها وخالقها حتى وإن كانت غافلة عن الكائنات.

    وحينما سُئِل (رحمه الله) : « فما الروح ؟ وما حقيقته وهل هو حالٌ في البدن حلول الماء في الإناء أو حلول العرض في الجوهر أم هو جوهر قائم بنفسه ؟ فقال : هذا سؤال عن سر الروح الذي لم يؤذَن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كشفه لِمَن ليس له أهلاً له، فإن كنتَ من أهله فاسمع واعلم أن الروح ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في الإناء ولا هو عرَض يحل القلب والدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالِم بل هو جوهر وليس بعرَض لأنه يعرف نفسه وخالقه ويدرك المعقولات. والعرض لا يتصف بهذه الصفات »(7).

    « فان قيل : هل هو في جهة ( فقال ) : هو منزه عن الحلول في المحال والاتصال بالأجسام والاختصاص بالجهات فان كل ذلك صفات الأجسام وأعراضها والروح ليس بجسم ولا عرض في جسم بل هو مقدس عن هذه العوارض »(8)

    « فان قيل : لِمَ مُنِع الرسول r عن إفشاء هذا السر وكشف حقيقة الروح لقوله تعالى {  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي }(الإسراء: 85). فقال : لأن الأفهام لا تحتمله لأن الناس قسمان عوام وخواص. أما من غلب على طبعه العامية فهذا لا يقبله ولا يصدقه في صفات الله تعالى فكيف يصدقه في حق الروح الإنسانية ؟ »(9).

    ويقول ( رحمه الله ) في صدد توضيحه نفخ الروح لسيدنا آدم عليه السلام :

    « القصد هو : وإن كان معناه انه جزء من الله تعالى فاض على القلب كما يفيض المال على السائل فيقول أفضتُ عليه من مالي فهذه تجزئة لذات الله وقد أبطلتم هذا وذكرتم ان إفاضته ليست بمعنى انفصال جزء منه ( فقال ) هذا كقول الشمس لو نطقت وقالت أفضت على الأرض من نوري فيكون صدقاً ويكون معنى النسبة ان النور الحاصل من جنس نور الشمس بوجه من الوجوه وإن كان في غاية الضعف بالإضافة إلى نور الشمس. وقد عرفت ان الروح منزه عن الجهة والمكان وفي قوته العلم بجميع الأشياء والاطلاع عليها وهذه مضاهاة ومناسبة فلذلك خص بالإضافة وهذه المضاهاة ليست للجسمانيات أصلاً »(10).

    « ( فقيل له ) : ما معنى قوله تعالى { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق. (فقال) كل ما يقع عليه مساحة وتقدير وهو عالم الأجسام وعوارضها يقال أنه من عالم الخلق. والخلق هنا بمعنى التقدير وليس الإيجاد والإحداث يقال خَلَق الشيء أي قدّره. وما لا كمية له لا تقدير فيقال أنه أمر رباني.

    فعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز وهو ما لا يدخل تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه »(11).

    « (فقيل له) أتتوهم ان الروح ليس مخلوقاً وإن كان كذلك فهو قديم. (فقال) قد توهم هذا جماعة وهو جهل بل نقول ان الروح غير مخلوق بمعنى انه غير مقدر بكمية ولا مساحة فانه لا ينقسم ولا يتحيز.»(12).

    بعد أن عرضنا خلاصة آراء حجة الإسلام الإمام الغزالي (رحمه الله) عن الروح، نستمع قليلاً إلى الإمام « فخرالدين الرازي »(13) صاحب « التفسير الكبير ». يقول (رحمه الله) ن الروح :

    « ان أساس الإنسان هو الروح. والجسد هو بمثابة معسكر لترقي مرتب الروح. ومما ينبغي معرفته هم : انه رغم تبدل البدن، فان شخصية الإنسان باقية إلى نهاية عمره. والمتغير هو الخلايا التي بحكم أحجار البناء. وان الاختلاف بين المتغير والثابت واضح وبيّن. وهي حقيقة يدركها العقل. إذن ينبغي وجود شيء غير هذا الجسد ».

    وقد كتب الإمام الرازي (رحمه الله) سبعة عشرة حجة عند تفسيره لقوله تعالى { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ } وهنا نقدم قسماً من هذه الحجج :

    الحجة الأولى :

    ان الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجه الهمة نحو أمر معين مخصوص فانه في تلك الحالة يكون غافلاً عن جميع أجزاء بدنه وعن أعضائه وأبعاضه مجموعها ومفصلها وهو في تلك الحالة قد يقول غضبتُ واشتهيتُ وسمعتُ كلامك وأبصرتُ وجهك، فتاء الضمير كناية عن نفسه. فهو في تلك الحالة عالِمٌ بنفسه المخصوصة وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه و [يكون] المعلوم غير معلوم. فالإنسان يجب أن يكون مغايراً لجملة هذا البدن ولكل واحد من أعضائه وأبعاضه.

    الحجة الثانية :

    ان كل أحد يحكم عقله بإضافة واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول رأسي وعيني ويدي ورجلي ولساني وقلبي. والمضاف غير المضاف إليه. فوجب أن يكون الشيء الذي هو الإنسان مغايراً لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الأعضاء. فإن قالوا قد يقول نفسي وذاتي فيضيف النفس والذات إلى نفسه فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه وهو محال، قلنا قد يراد به هذا البدن المخصوص وقد يراد بنفس الشيء وذاته الحقيقية المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا، فإذا قال نفسي وذاتي فان كان المراد البدن فعندنا انه مغاير لجوهر الإنسان. أما إذا أريد بالنفس والذات المخصوصة المشار إليها بقوله أنا فلا نسلم ان الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك الشيء إلى نفسه بقوله إنساني وذلك لأن عين الإنسان ذاته فكيف يضيفه مرة أخرى إلى ذاته. 

    الحجة الثالثة :

    ان الإنسان يجب أن يكون عالِماً. والعلم لا يحصل إلاّ في القلب فيلزم أن يكون الإنسان عبارة عن الشيء الموجود في القلب. وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل، وهذه الجثة. إنما قلنا إن الإنسان يجب أن يكون عالِماً لأنه فاعل مختار، والفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القلب والاختيار وهما مشروطان بالعلم. لأن ما لا يكون مقصوداً امتنع القصد إلى تكوينه فثبت ان الإنسان يجب أن يكون عالِماً بالأشياء.

    الحجة الرابعة :

    أي إذا تكلمتَ مع زيد وقلتَ له افعل كذا أو لا تفعل كذا فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ولا أنفه ولا فمه ولا شيئاً من أعضاءه بعينه. فوجب أن يكون المأمور والمنهي والمخاطب شيئاً مغايراً لهذه الأعضاء. وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي غير هذا الجسد.

    الحجة الخامسة :

    قوله تعالى } يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً { والخطاب بقوله تعالى } ارْجِعِي { إنما هو متوجه عليها حال الموت فدل هذا على ان الشيء الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون حياً راضياً عن الله ويكون راضياً عنه الله. والذي يكون راضياً ليس إلاّ الإنسان فهذا يدل على ان الإنسان بقي حياً بعد موت الجسد، والحي غير الميت.فالإنسان مغاير لهذا الجسد.

    الحجة السادسة :

    ان الإنسان قد يكون حياً حال ما يكون البدن ميتاً. فوجب كون الإنسان مغايراً لهذا البدن. والدليل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } فهذا النص صريح في أن أولئك المقتولين أحياء والحس يدل على أن هذا الجسد ميت.

    الحجة السابعة :

    ان الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء، فان ذلك الإنسان يجد من قلبه وعقله انه هو عين ذلك الإنسان الذي كنت موجوداً قبل ذلك إلاّ أنه يقول انهم قطعوا يدي ورجلي وذلك برهان يقيني على أن ذلك الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والابعاض وذلك يبطل قول مَن يقول الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة(14).  

    والآن نقدم آراء شمس سماء التصوف مولانا جلال الدين الرومي في موضوع الروح وهو يصفها في أبيات تحمل معاني سامية وقيّمة كاللآلئ وعميقة كالبحار.

    والرومي كسائر أعلام التصوف يقسم الإنسان إلى جسد وروح. فالروح عنده هي الأساس والجسد هو القائم بها. والروح عزيزة والجسد حقير. الروح سلطان والجسد قصره. والروح باقية والجسد فان.

 

    وفي المثنوي الشريف يقول الرومي عن الروح :

منزل الأرواح صدق ووفاء

منزل الأجسام لون وطلاء

تسكن الأرواح أجساد الأنام

وهي نور كيف تحيا في الظلام

قال سبّوح إله الملكوت

فاطر الأكوان قدسي النعوت

أسكن الأرواح أوكار الصور

فاستجابت حين ناداها القَدَر

هذه الأرواح أطيار الجنان

فارقت أوطانها للامتحان

هي كالعطر طوته الزهرات

وهي كالفكر حوته الكلمات

إنما الألفاظ نطق ورسوم

والمعاني روح هاتيك الجسوم

هبطت من وقتها من لا زمان

وثوت في أرضها من لا مكان

عالمُ الغيب له السر المصون

أمره في خلقه كن فيكون

كلّم الورد بسر فابتسم

عن أريج علم الطير النغم

وهو أيضاً قال سراً للحجر

فجلا منه عقيقاً للنظر

وهو قد أفضى بسر للسحاب

فالتوت من فيضه حمر الهضاب

عندما أوحى بسر للتراب

صار إنساناً له الكون استجاب

وتجلى سره للانبياء

فتساموا فوق معراج السماء

كم عروس جليت للناظرين

وهي لا تهدى لكل الخاطبين

انزع الأصبع عن سمع اليقين

تستجب روحك للروح الأمين

فيد الجسم با انشق الحجر

ويد الروح لها انشق القمر(15)

 

    والآن نستمع إلى المفسر والمتصوف الكبير « إسماعيل حقي البورسوي »(16) في تفسير قوله تعالى { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } من تفسيره القيّم « روح البيان » وهو يقول :

    [قال حضرت شيخي وسندي روّح الله روحه الطاهرة في شرح تفسير سورة الفاتحة للشيخ صدرالدين القنوي (قدس سره) ؛ الخلق : عالم العين والكون والحدوث روحاً وجسماً. والأمر : عالم العلم والإله والوجوب. وعالم الخلق تابع لعالم الأمر، إذ هو أصله ومبدأه { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي }.

    وفي التأويلات النجمية ؛ ان الله تعالى خلق العوالم الكثيرة، ففي بعض الروايات خلق ثلاثمائة وستين ألف عالَم ولكنه جعلها محصورة في عالَمَين اثنين وهما الخلق والأمر كما قال تعالى { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } (الأعراف :54 )، فعبّر عن عالم الدنيا وما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس بالخَلق. وعبّر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة وهي العقل والقلب والسر والروح والبصيرة بالأمر. فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي خلقها الله تعالى للبقاء من الروح والعقل والعلم واللوح والعرش والكرسي والجنة والنار. وسمي عالم الأمر أمراً لأنه أوجده بأمر كن من لا شيء بلا واسطة شيء كقوله تعالى { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }(مريم:9). ولما كان أمره قديماً فما كوّن بالأمر القديم وإن كان حادثاً كان باقياً. وسمي عالم الخلق خلقاً لأنه أوجده بالوسائط من شيء كقوله تعالى { وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ }(لأعراف: 185)، فلما ان الوسائط كانت مخلوقة من شيء مخلوق سماه خلقاً خلقه الله للفناء.

    فتبين ان قوله تعالى { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } إنما هو لتعريف الروح معناه انه من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء، وانه ليس للاستبهام كما ظن جماعة ان الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا ان النبي r لم يكن عالماً به جلّ منصب حبيب الله عن أن يكون جاهلاً بالروح مع أنه عالم بالله وقد مَنّ الله عليه بقوله { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }(النساء:113). أحسبوا ان علم الروح مما لم يكن يعلمه ؟ ألم يخبر أن الله علّمه ما لم يكن يعلم ؟. فأما سكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظاراً للوحي حين سألته اليهود فقد كان لغموض يرى في معنى الجواب ودقة لا تفهمها اليهود لبلادة طبعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقيدتهم فنه وما يعقلها إلاّ العالِمون وهم أرباب السـلوك والسائرون إلى الله كـ (الإمام الغزالي)](17).

    أما المرشد والمفكر الكبير بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) الذي ألفّ موسوعة إيمانية رائعة تسد حاجة هذا العصر وتخاطب مدارك أبنائه تلك هي الرسائل التي استقاها من فيض نور القرآن الكريم وتعالج القضايا والمقاصد الأساسية التي يدور عليها القرآن الكريم : « التوحيد وحقيقة الآخرة، وصدق النبوة، وعدالة الشريعة ». فقد أدى حق هذا الموضوع، وطرح أفكاره بتعابير بليغة ووجيزة في مجال هذه الحقيقة الإنسانية التي أشغلت كثيراً من الأذهان.

    ويأتي كلامه في موضوع الروح في المرتبة الأولى بالنسبة للنظريات التي طرحت لحد الآن. وصاغه بعبارات تليق به، وأنطق ما ينبغي إنطاقه في اجمل شكل.

    والآن نقدم قسماً من أفكاره وملاحظاته الواردة حول هذا الموضوع محيلين تفاصيلها إلى كليات رسائل النور :

    « الروح قانون أمري، حيّ، شاعر، نوراني، وذات حقيقة جامعة، معدّة لاكتساب الكلية والماهية الشاملة وقد ألبِسَت وجوداً خارجياً »(18) .

    « إن الروح قانون ذو وجود خارجي، وناموس ذو شعور، وهو آتٍ من عالَم الأمر وصفةِ الإرادة، كالقوانين الفطرية الثابتة الدائمة. وقد كستْه القدرةُ الوجودَ الحسي، وجعلتْ سيالةً لطيفة صَدَفَةً لذلك الجوهر. إن الروح الموجود أخ للقانون المعقول. كلاهما  دائـمي وكلاهما  آت ٍ من  عالــم  الأمـر. ولو ألبست القدرةُ الأزلية قوانين الأنواع وجوداً خارجياً لأصبحت روحاً، ولو طرح الروحُ الشعورَ، لأصبح قانوناً لا يموت أيضا.»(19)

    « لقد ثبت بالتجربة أن المادة ليست أساساً وأصلاً ليبقى الوجود مسخّراً من أجلها وتابعاً لها، بل هي قائمة بـ« معنى»، وهذا المعنى هو الحياة.. هو الروح..

    وترينا المشاهدة والملاحظة كذلك ان المادة لا تكون مطاعة حتى يُرجّع إليها كل شئ، وإنما هي وسيلة مطيعة خادمة لإكمال حقيقة معينة.. هذه الحقيقة هي الحياة.. وأساسها.. هو الروح.

    ومن البديهي ان المادة ليست هي الحاكمة حتى يُستجدى على بابها وتطلب أو تنتظر منها الكمالات والـمُثُل. بل هي  محكومة تسير وفق أساس معيّن وتتحرك بإشارته.. هذا الأساس هو الحياة.. هو الروح، هو الشعور..

    وتقتضي الضرورة كذلك ان لا ترتبط بالمادة الأعمال والـمُثُل ولا تُبنى على ضوئها، إذ انها ليست لبّاً ولا أصلاً ولا أساساً ولا ثابتاً مستقراً، وإنما هي قشرة وغلاف وزَبَد وصورة مهيأة للتشقّق والذوبان والتمزق.

    ألا يُشاهَد كيف أن الحيوانات الدقيقة التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة تملك احساسات حادة وقوية حتى أنها تسمع همسات بنى جنسها وترى مواد رزقهم!!.

    ان هذا يبيّن لنا بوضوح: ان المادة كلّما صغرت ودقت ازداد انطباع ملامح الحياة وآثارها عليها، واشتدّ نور الروح فيها، أي ان المادة كلما دقت وابتعدت عن مادّيتنا كأنها تقترب اكثر من عالم الروح، وعالم الحياة، وعالم الشعور، فيتجلّى نور الحياة وحرارة الروح بشدّة اكثر..

    فهل من الممكن ان يترشح كل ما نرى من ترشحات الحياة والمشاعر والروح وتنساب رقراقة من أغطية المادّة، ولا يكون العالم الباطن الكائن تحت ستار المادة مملوءاً بذوي المشاعر وبذوي الأرواح؟ وهل من الممكن ان يرجع إلى المادة ويسند إليها وإلى حركتها كل ما في عالم الشهادة من ترشحات غير محدودة للمعاني والروح والحقيقة ومنابع لمعاتها وثمراتها، وتتوضح بها وحدها!؟.. كلاّ ثم كلاّ.. بل ان هذه المظاهر غير المحدودة المترشحة، ولمعاتها تظهر لنا ان عالم الشهادة المادي هذا إنما هو ستار منقش مزركش ملقىً على عالم الملكوت والأرواح.»(20)

    وقد وضع بديع الزمان النورسي (رحمه الله) نهجاً في إثبات وجود الروح وبقائها يجلب الأنظار إليه، ففي البداية يطمئن عقل الإنسان ووجدانه بالدلائل الأنفسية، ومن ثم يقوّي ويحكم العلم والمعرفة الذي يكتسبها الإنسان بالدلائل الآفاقية.

    وعن الدلائل الأنفسية يقول ( رحمه الله ) :

    «  أن كل من يدقق النظر في حياته ويفكر مليّاً في نفسه يدرك أن هناك روحاً باقيةً.

نعم. انه بديهي أن كل روح رغم التبدل والتغير الجاري على الجسم عبر سني العمر تظل باقية بعينها دون أن تتأثر، لذا فما  دام الجسد يزول ويستحدث - مع ثبات الروح - فلابدّ ان الروح حتى عند انسلاخها بالموت إنسلاخاً تاماً، وزوال الجسد كلّه، لا يتأثر بقاؤها ولا تتغير ماهيتها.. أي أنها باقية ثابتة رغم هذه التغيرات الجسدية، وكل ما هنالك ان الجسد يبدّل أزياءه تدريجياً طوال حياته مع بقاء الروح، أما عند الموت فيجرد نهائياً وتثبت الروح. فبالحدس القطعي بل بالمشاهدة نرى ان الجسد قائم بالروح، أي ليست الروح قائمة بالجسد، وإنما الروح قائمة ومسيطرة بنفسها. ومن ثم فتفرّق الجسد وتبعثره بأي شكل من الأشكال وتجمّعه لا يضر باستقلالية الروح ولا يخـل بها أصلاً. فالجسد عــشّ الــروح ومســكنها وليــس بردائـها. وإنما رداء الــروح غــلاف لطــيف وبــدن مثــالي ثــابت إلى حــدٍّ ما ومتناسب بلطافته معها. لذا لا تتعرّى الروح تماماً حتى في حالة الموت بل تخرج من عشّها لابسة بدنها المثالي وأرديتها الخاصة بها.»(21).

 

    وبعد اثبات وجود الروح، يوجه النورسي الأنظار إلى بقائها، وهو يقول :

    « وكذلك يمكن الإحساس وجداناً بالحدس القطعي، بأن ركناً أساساً في كيان الإنسان يظل باقياً بعد موته. وهذا الركن الأساس هو الروح، حيث أن الروح ليست معرضة للانحلال والخراب؛ لأنها بسيطة ولها صفة الوحدة. اذ الانحلال والفساد هما من شأن الكثرة والأشياء المركبة. وكما بيّنا سابقاً فان الحياة تؤمّن طرزاً من الوحدة في الكثرة، فتكون سبباً  لنوع من البقاء أي أن الوحدة والبقاء هما أساسا الروح حيث تسري منهما إلى الكثرة. لذلك فإن فناء الروح إما أن يكون بالهدم والتحلّل أو بالإعدام؛ فأما الهدم والتحلّل فلا تسمح لهما الوحدة والتفرد بالولوج، ولا تتركهما البساطة للإفساد، وأما الإعدام فلا تسمح به الرحمة الواسعة للجواد المطلق، ويأبى جُوده غير المحدود أن يستردّ ما أعطى من نعمة الوجود إلى روح الإنسان اللائقة والمشتاقة إلى ذلك الوجود.»(22).

    « ورأيت فيه ( القلب ) ايضاً قابلية تمثل مجموع العالم كالخريطة والفهرستة والأنموذج والتمثال.. وان المركز فيه لا يقبل إلاّ الواحد الأحد.. ولا يرضى إلاّ بالأبد والسرمد.. فهذه النواة وهي حبة القلب - ماؤه الإسلام وضياؤه الإيمان - فان اطمأنتْ تحت تراب العبودية والإخلاص، وسُقيت بالإسلام، وانتبهتْ بالإيمان، انبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الأمر هي روحٌُ لعالمه الجسماني. وإن لم تُسق بقيت نواةً يابسةً منكمشة لائقة للإحراق بالنار إلى ان تنقلب إلى النور.»(23).

    « انه كما لا تزاحم ولا تصادم بين عالم الضياء وعالم الحرارة وعالم الهواء وعالم الكهرباء (والالكتريقية) وعالم الجاذبة إلى عالم الأثير والمثال والبرزخ. تجتمع الكلُّ  بلا اختلاط معك في مكانك بلا تشكّ من أحدٍ منكم، من مزاحمةِ أخيه.. فهكذا يمكن ان يجتمع كثيرٌ من انواع العوالم الغيبية الواسعة في عالم أرضنا الضيقة. وكما لا يعوقنا الهواء من السير ولا يمنعنا الماءُ من الذهاب ولا يمنع الزجاجُ مرورَ الضياء ولا يعوقُ الكثيف أيضاً نفوذَ شعاع (رونتكن) ونورِ العقل وروح المَلَك، ولا يمنع الحديدُ سيلانَ الحرارة وجريان (الالكتريق) ولا يعوق شئ سريانَ الجاذبة وجولان الروح وخدّامه وسيران نور العقل وآلاته.. كذلك هذا العالمُ الكثيف لا يمنع ولا يعوق الروحانيات من الدوران، والجن من الجولان، والشيطان من الجريان، والمَلَك من السيران..»(24).

    «  ان المعنى يبقى واللفظ يتبدل، واللب يبقى والقشر يتمزق، والجسد يبقى واللباس يتخرّق، والروح يبقى والجسد يتفرق، و "أنا" يشب والجسد يشيب، والواحد يبقى والكثير يبلى، والوحدة تديم والكثرة تتمزق، والنور يبقى والمادة تتحلل. 

    "فالمعنى " الذي يبقى من أول العمر إلى الآخر، مع تبديله لأجسادٍ، وانتقاله في أطوار، وتدحرجه على أدوار مع محافظة وحدانيته، يدل على انَّه يتخطى على الموت أيضاً وينسل من كلاليبه، متشقق الجسد، عريان الروح، سالماً في طريق الأبد. »(25).

    « ان قلت: ان الإنسان ذرة بالنسبة إلى أرضه، وأرضه ذرة بالنسبة إلى الكائنات. وكذا فرده ذرة إلى نوعه ونوعه ذرة بالنسبة إلى شركائه في الاستفادة في هذا البيت العالي. وكذا جهة استفادة البشر بالنسبة إلى فوائد وغايات هذا البيت ذرة، والغايات التي تحس بها العقول ذرة بالنسبة إلى فوائده في الحكمة الأزلية والعلم الإلهي فكيف جعل العالم مخلوقاً لأجل البشر واستفادته علة غائية؟.

    قيل لك: نعم! ولكن مع كل ما مرّ لأجل وُسعة روح الإنسان وتبسط عقله وانبساط استعداده وكثرة وانتشار استفادته من الكائنات.. وأيضاً لأجل عدم المزاحمة والتجزي والمدافعة في جهة الاستفادة كنسبة الكلي إلى جزئياته - إذ الكلي بتمامه موجود في كل من جزئياته لا مزاحمة ولا تجزء - جعل القرآن الكريم جهة استفادة البشر التي هي غاية فذة من ألوف ألوف غايات السماء والأرض في منزلة العلة الغائية كأنها هي العلة بالنظر إلى الإنسان. أي ان الإنسان يستفيد من الأرض عرصةً لبيته والسماء سقفا له والنجوم قناديل والنباتات ذخائر، فحقّ لكل فرد أن يقول: شمسي وسمائي وأرضي. »(26).

    « يمكن القول بأن وجود الملائكة والعالم الروحاني ثابت كثبوت وجود الإنسان والحيوان، فكما بَيّنا في المرتبة الأولى من  " الكلمة الخامسة عشرة " : ان الحقيقة تقتضي قطعاً، والحكمة تستدعي يقيناً: ان تكون للسماوات - كما هي للأرض - من ساكنين، ولا بدّ أنهم ذوو شعور، وهم متلائمون معها كل التلاؤم. وفي مصطلح الدين يسمّى أولئك الساكنون من ذوي الأجناس المختلفة بـ  " الملائكة "  و " الروحانيات ".

    نعم، ان الحقيقة تقتضي هكذا.. فرغم ضآلة كرتنا الأرضية وصغرها قياساً إلى السماء فان ملأها بمخلوقات ذوات مشاعر - بين حين وآخر - وإخلاءها منهم وتزيينها بآخرين جُدد يشير، بل يصرح:

ان السماوات ذات البروج المشيدة - وكأنها قصور مزيّنة - لابد أنها ملأى أيضاً: بذوي حياة مدركين واعين  الذين هم نور الوجود، ومن ذوي الشعور الذين هم ضياء الأحياء، وان تلك المخلوقات - كالأنس والجن - هم كذلك: مشاهدو قصر هذا العالم الفخم.. ومطالعو كتاب الكون هذا.. والداعون الأدلاّء إلى سلطان الربوبية.. ويمثلون بعبوديتهم الكلية الشاملة: تسابيح الكائنات، وأوراد الموجودات الضخمة...»(27)

    «... القيام بالشكر الكلي، ووزن النِعم المدخرة في خزائن الرحمة الإلهية بموازين الحواس المغروزة في جسمك.

    فتح الكنوز المخفية للأسماء الإلهية الحسنى بمفاتيح الأجهزة المودعة في فطرتك، ومعرفة الله جلّ وعلا بتلك الأسماء الحسنى.

     إدراك درجات القدرة الإلهية والثروة الربانية المطلقتين، بموازين العجز والضعف والفقر والحاجة المنـطـوية في نفـسك، إذ كما تُدرك أنـواع الأطعمة ودرجاتها ولذاتها، بدرجات الجوع وبمقدار الاحتياج إليها، كذلك عليك فهم درجات القدرة الإلهية وثروتها المطلقتين بعجزك وفقرك غير المتناهيين. فهذه الأمور وأمثالها هي مجمل "غايات حياتك". »(28) (*).

 

_____________________

(1) ابن سينا (980-1037م ) أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا ؛ فيلسوف مصري وطبيب مسلم . لقب بالشيخ الرئيس ، ولد في أفشنه ، قرب بخارى ، ودرس العلوم الشرعية والعقلية ، تجاوزت مصنفاته المئتين بين كتب ورسائل تدل على سعة ثقافته وبراعته في العلوم الفلسفية وغير الفلسفية منها (الشفاء) و (القانون) و (النجاة) . توفي ودفن في همذان . (المترجم)

(2) الإمام الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي ولد في طوس من أعمال خراسان عام (1085م) وتوفي فيها عام (1111م) . فقيه ومتكلم وفيلسوف وصوفي ومصلح ديني واجتماعي ، صاحب رسالة روحية ، كان لها أثرها في الحياة الإسلامية . درس علوم الفقهاء وعلم الكلام على إمام الحرمين ، وعلوم الفلاسفة وبخاصة الفارابي وابن سينا وعلوم الباطنية . اشتغل بالتدريس في المدرسة النظامية وارتحل إلى بلاد كثيرة منها دمشق وبيت المقدس والقاهرة والإسكندرية والمكة المكرمة والمدينة المنورة . (المترجم)

(3) المضنون الصغير على هامش كتاب الإنسان الكامل ص91-93 .

(4) المصدر السابق .

(5) المصدر السابق .

(6) إحياء علوم الدين ج1 ص6 .

(7) المضنون الصغير ص91.

(8) نفس المصدر السابق ص93

(9) المضنون الصغير ص 95 .

(10) المصدر السابق ص95

(11) المصدر السابق ص95

(12) المصدر السابق ص95

(13) فخر الدين الرازي (1149-1206م) : هو فخرالدين ابو عبدالله محمد . متكلم وفيلسوف ، ومفسر للقرآن ، كان أبوه خطيباً ، ولهذا سمى ابنه « ابن خطيب الري » درس في الري والمراغة على كبار العلماء . كان شافعياً أشعرياً . ناظر المعتزلة ، واشتغل بالتدريس في الحيرة . لقّب بشيخ الإسلام وانقطع في أواخر أيامه للوعظ وتلاوة القرآن ، متصرفاً عن المجادلات الكلامية . له مصنفات كثيرة منها « أصول الشافعية والمحصول ومناقب الإمام الشافعي » وهي في الفقه . (المترجم)

(14) التفسير الكبير – المجلد / 11 ص41

(15) من كتاب الأعلام الخمسة للشعر الإسلامي . ترجمة محمد حسن الأعظمي والصاوي علي شعلان « المترجم »

(16) اسماعيل حقي ( 1654 – 1725 م ) : من أشهر علماء العثمانيين وشعرائهم وواحد من كتّاب التصوف ، اطلع في أدرنة على فروع المعارف والطريق الجلوتية . بدأ التأليف في العشرين من عمره بمدينة (بورصة) ، أدى فريضة الحج ووصل إلى عدة بلاد ، استقر في بورصة حيث شيّد مسجداً ورباطاً (1724-1725) . ألّف على ما يربي مائة مصنف ما بين رسائل في التصوف وكتُب في الدين طبع بعضها . ومن أهمها ( روح البيان ) وهو تفسير للقرآن و( روح المثنوي ) وهو شرح لمثنوي مولانا جلال الدين الرومي ، و( فرح الروح ) وقد طبع ببولاق والقسطنطينية .

« المترجم » 

(17) تفسير روح البيان 5/ ص198 .

(18) الكلمات ص611 .

(19) المكتوبات ص602 .

(20) الكلمات ص 600 -601

(21) الكلمات ص 610 – 611

(22) الكلمات ص 611

(23) المثنوي العربي النوري ص220

(24) المثنوي العربي النوري ص244

(25) المثنوي العربي النوري ص69

(26) إشارات الإعجاز ص 203-204

(27) الكلمات ص594

(28) الكلمات ص138

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف


3-) حقيقة الروح ؟ ما هي الروح ؟

 

توجد في الإنسان حقيقة، وان ماهية هذه الحقيقة تختلف مع جسم الإنسان وتختلف مع الأفعال التي يقوم بها ذلك الجسم. ولا توجد أية نقطة مشتركة بينها وبين صفات الجسم بحيث يمكن المقارنة بينهما. لذا فان خصائص وصفات هذه الماهية لا تتوفر في بناء الجسم.

    ومن المعلوم، إن أي جسم لا يمكن أن تتحول من شكل إلى آخر ما لم يترك الشكل الأول تماماً. فمثلاً : من المحال أن يكون أي جسم هندسي مثلثاً ومربعاً في آن واحد. فلا يمكن أن يظهر بالشكل الثاني ما لم يفقد الشكل الأول. وكذلك لا يمكن تسجيل تلاوتين من القرآن الكريم في آن واحد على شريط واحد.

    ولكن في الإنسان توجد ماهية تستطيع أن تحتفظ بخطط وبرامج لا تعد ولا تحصى وصوراً وأشكالاً ونقوشاً عديدة وبأدق تفاصيلها ودون أن تختلط مع بعضها البعض، ودون أن تظهر فيها أية أزمة أو ضيق في المكان. وكل شكل فيها يخالف الآخر دون نسيان أو محو أو تغيير. وتستوعب هذه الماهية علوم كثيرة ومتنوعة في شتى المجالات. فتفكر وتدرك العلاقات التي تربط الأسباب بالغايات وتنظم الأفكار، وبذلك تحول المطالب والرغبات الموجودة في القوى إلى الأفعال وآرائها إلى العمل والبديهيات. فلا يمكن اعتبار هذه الصفات من خصائص الجسم ولا من خصائص الدم واللحم والعظم. بل هي صفات الماهية الموجودة في داخل الإنسان. وان هذه الماهية لا تهرأ مع الجسد بل تترقى وتنمو كلما خار الجسد. فمثلما يكون جسد الإنسان في فترة طفولته وشبابه طرياً، فان فكره لم يكتمل في نموه. أما في هرمه فان الفكر يصبح نشيطاً وحيوياً بالعلوم والتجارب مقابل اعتلال الجسد.

    ان في الإنسان شوقاً وحرصاً نحو العلم والمعرفة ولديه رغبة كبيرة في البحث والاستدلال. وهذه الصفات هي من صفات تلك الماهية.

    وعندما يصغي إلى عالمه الداخلي فان يسمع أصداء معنوية كثيرة، فيعلم يقيناً ان هذه الأصداء لم تصدر من الجسد، وإنما هي صادرة من عالم آخر يختلف كلياً عن الجسد. فهذه الأصداء تخبرنا عن عالم الروح.  

    وان للإنسان علاقة مع ماضيه وحاضره ومستقبله. فميدان عمله ليس محصوراً في مكان وزمان معينين، وإنما يتعدى كل الأزمنة والأمكنة. فله علاقة مع أصدقائه وأقاربه وأجداده بل مع دينه ومقدساته وأمته ودينه. فهذه الصفات جميعاً تخبرنا عن تلك الماهية الموجودة في الإنسان.

    وبين حين وآخر يثور الإنسان ويغضب ويهدد ويشمئز وينفّر ويقلق ويهين الآخرين ويحبهم ويحبونه. ويتزين بالعلم ويتعمق في التفكير والتدبر، ويتجاوز مشاكله بالصبر. ويحمل بين جنباته شوقاً واشتياقاً كبيرين، ويدرك بالحدس القطعي الأسرار الموجودة وراء ألف حجاب وحجاب. فيمد يده إلى الأزل ويتعانق مع الأبد. وحتى لو أفترض أن هذا الإنسان عاش حياة أبدية في هذه الحياة الدنيا، فانه لن يطرأ أي تغيير على تلك الصفات جميعاً. لأنه يحمل ماهية واسعة تحيط بجميع تلك الحوادث. وان هذه الصفات هي صفات تلك الماهية أيضاً.

    وان لكل عضو في الإنسان وظائف معينة، فمثلاً : ان وظيفة العين هي الرؤية، ووظيفة الأذن هي السمع، إلاّ أن هذه الأعضاء لا تستطيع بذاتها إصدار حكم في تقدير المعلومات التي تكتسبها. أي ان العين لا تستطيع بذاتها أن تحكم على خطأ أو صواب شيء ما، وكذلك الأذن. وقس على ذلك جميع الأعضاء.

    إذن إن هناك ماهية تكتسب هذه الأعضاء قيمتها منها وتحركها وتؤثر فيها وتثبتها على رأي عن طريق التميز. وان هذه الصفات هي تشير إلى وجود تلك الحاجة.

    تأملوا إنساناً خرج إلى سياحة خيالية للمشاهدة والمعرفة. وبعد أن جمع هذا السائح جميع العلوم في الدنيا وجعلها كباقة ورد ووضعها في عقله، وركب مركبة فضائية فصعد إلى  الفضاء وجال بين ألوف النجوم وبين طبقات السماء وشاهد نظام المجرات وانتقل بين مالا تحصى من العوالم، فانه يستطيع احتفاظ جميع الحقائق التي سبق إليها علمه وشاهده بعينه، في فكره وعقله وينقلها إلينا بعينها. فلو انتقل هذا السائح بعدما أحاط بعلمه على ماهية الأشياء في هذه الدنيا إلى ما وراء السماوات حتى ارتقى إلى العرش الأعلى واستمتع بالمناظر الأبدية فان مرآة تلك الماهية لا يمكن أن تقول ((حسبي ما شاهدت فلا طاقة لي أن أشاهد واسجل المزيد)). بل العكس من ذلك، فان تلك القابلية ستزداد عند كل منظر ممتع ومشهد عجيب. وأما جسمه فانه ثابت لا يطرأ عليه أي تغيير. إذن إن هذه الماهية الموجودة في الإنسان تحمل سعة تحيط بالحوادث والوقائع إلى الأبد. فما هي العلاقة بين هذه الماهية وبين الجسد؟. إن هذه الصفات والخصائص التي لها قابلية الوصول إلى الأبدية،  تخبرنا عن تلك الماهية التي تتحكم في أجسامنا.

 ((... نظرت إلى نفسي وتأملت فيها ورأيت أن الذي خلق الحيوانات من قطرة ماء خلقني أيضاً منها، وبرأني معجزة من معجزاته، وشق سمعي وبصري ووضع دماغاً في رأسي وقلباً في صدري ولساناً في فمي بحيث خلق في ذلك الدماغ والقلب واللسان مئات من الموازين الدقيقة والمقاييس الرقيقة التي تتمكن من أن تزن وتعرف جميع هدايا الرحمن المدخرة في خزائن الرحمة الإلهية وعطاياه الكريمة، وادرج في تلك الأعضاء ألوفاً من الآلات التي تتمكن من أن تفتح كنوز تجليات الأسماء الإلهية التي لا نهاية لها، وأمد تلك الآلات والأجهزة معرّفات معينة مساعدة بعدد الروائح والطعوم والألوان))[1] .

    لو أمعن النظر في العبارات البليغة المذكورة آنفا، نرى إنها تشير قبل كل شي إلى ((أنا)). وان منشأ هذه الـ ((أنا)) ليس من قطرة ماء، وإنها ليست هي العين ولا الأذن ولا اللسان. وفي الوقت نفسه ليست هي القلب ولا الرأس ولا الدماغ. وان هذه الـ ((أنا)) هي الروح. أما الجسد فهو بمثابة عش للروح. فكما لا يمكن تصور قصر بلا سلطان كذلك لا يمكن أن يتصور جسد إنسان بدون روح.

    للروح الإنساني جهتان :

     الأولى أنها متأثرة أي إنها تحت التأثير. فالحكيم القدير قد أرسل رسله لترقي وسمو هذه روح، وجعل الأنبياء مرشدين ومعلمين ومربين في تعليم أرواح الإنس. وبوساطة الوحي بيّن سبحانه أسرار الأزل والأبد لتتصفى تلك الأرواح وتترقى في السعادة والكمال. فالأرواح التي تلقت حقائق الوحي الإلهي وحقائق أحاديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واستسلمت لها وتأثرت بها تكتسب كيفية وقيمة يعجز القلم عن وصفها.

    والجهة الثانية للروح هي أنها مؤثرة. ويكون تأثيرها من جهات عديدة. فهي مؤثرة في جسدها، فتقوم بإدارة وتشغيل جميع الأعضاء وسوقها إلى الهدف المطلوب. وهي مؤثرة في العالم الخارجي والمادي أيضاً. فتقوم بالبناء والإنشاء والتخطيط والترتيب. وتقوم أيضاً بمد يدها إلى ميادين عديدة بقوة العلم والتكنولوجيا مستفيدة من القوانين الموجودة في الكون، سائقة المدنية إلى الترقي.

    وكذا فالروح مؤثرة في نظام العالم، ومؤثرة في الأمن والاستقرار وفي الحياة الاجتماعية والسياسية. فتقوم بالتوجيه والإدارة والتأثير وتعمل على الإثارة وتكوّن المجتمع طبقاً لعقيدتها ورغبتها.

    الخلاصة:

  • إن روح الإنسان في علاقة مستمرة مع عالم الشهادة وعالم الغيب. فتأخذ الفيض من عالم الغيب، وتؤثر بعلمها ومعرفتها في عالم الشهادة.
  • الروح قائمة بذاتها. ولكنها حادثة ومخلوقة وهي اللطيفة الربانية والجوهر الفرد التي تدرك بذاتها وتتصرف في الجسد بوساطة الأعضاء والحواس. وإنها أبدية ولكنها ليست أزلية وان أبديتها ثابتة بالكتاب والسنة. وهي تدرك، وان الدماغ هو أهم المراكز التي تتعلق بعملية الإدراك. وهي ليست عرضاً حلّ في الجسد. بل إنها الجوهر.
  • لا تحتاج الروح إلى استعمال أعضاء الجسم في كل آن لفهم وإحساس الموجودات في الكون المنظور. لأنها لا تستطيع السماع والرؤية في عالم المنام دون أن تستعمل حاستي السمع والبصر.

        من ناحية أخرى هناك فرق بين ماهية الروح وماهية الجسد. فلا يحمل أحدهما حمل الآخر. ومن الحقائق المعلومة: ان الذرات لا تحمل في ماهيتها صفات مثل الحياة والعلم والإرادة. وان جميع الكائنات الحية وغير الحية تكونت من ذرات جامدة لا تمتلك خصائص كالعلم والإرادة. فهذه الذرات لا تستطيع تكوين نفسها أو تكوين جسد كائن آخر. وان هذه الذرات التي هي كجنود مطيعين لأوامر الخالق الحكيم استخدمت في تأليف كتاب الكائنات هذا كاستخدام ذرات الحبر في كتابة أي كتاب. أو إنها استخدمت في إنشاء أجساد ضيوف قصر الكائنات كاستخدام الأحجار في بناء أي قصر. ومن المعلوم انه لا يستوي الحبر والمعنى ولا يستوي القصر والضيف. لأن لضيوف هذا القصر خصائص معينة كالتفكر والشفقة والرحمة والمحبة والخوف، وهي في حكم المعدوم في أحجار القصر. وكذلك صفات وخصائص روح الإنسان، فهي معدومة في الذرات والجزيئات التي تشكل قفص الروح وهو الجسد. بل هي صفات وخصائص معنوية تخص الحياة وليست مادية. وان هذه الحياة المعنوية ليست سوى الروح. فما دام هذه الحياة موجودة فمن البلاهة إنكار الروح. لأن الذرات التي تكوّن مادة جسم الإنسان تحتاج إلى محرّك ومدبّر لحركتها. فالمحرّك الذي يحرك هذه الذرات هو الروح. فلولا هذه الروح لأصبح الجسد كمعمل تعطلت فيه جميع دواليبه ومكائنه.

    وهناك صفات تختلف درجاتها من إنسان إلى آخر كالكرم واللطف والشجاعة. فعندما تكون إحداها في إنسان كالقطرة نرى أنها كالبحر في الآخر. فلوا أسندت هذه الصفات إلى المادة لتساوت مراتبها في جميع بني البشر. لأن صفات المادة ثابتة لا تتغير. لذا فان جميع هذه الصفات تصدر من ماهية معينة، وهذه الماهية هي الروح. بل هي مركز جميع الصفات كالعلم والمعرفة. وبما أن الروح هي لطيفة ربانية وجوهر مجرد من المادة، فان الإنسان لم يستطيع إدراك ماهيتها. ويعلن أهل العلم والحكمة- مع قبولهم بوجود الروح- عجزهم عن معرفة ماهيتها، وان الله تعالى وحده هو العليم بها.

    إن الآية الكريمة } وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً { تعتبر نقطة انطلاق جميع العلماء في بحثهم عن الروح. فمهما عملوا من بحوث دقيقة وعميقة في مجال الروح فانهم لن يصلوا إلى حقيقتها.

 وهناك أشياء كثيرة لا نعرف ماهيتها وكنهها رغم علمنا وإقرارنا بوجودها فمثلا : إننا لا نرى قوى الجاذبية والدافعة التي تربط الشمس بالمجرات ولا نرى القوة الحرارية والكهربائية بعيوننا، إلاّ إننا نؤمن بوجودها من نتائجها وآثارها ورغم ذلك لا نستطيع الإحاطة بحقائقها وماهيتها. وكذلك الروح فهي مجهولة بالنسبة إلينا من جهة ماهيتها. إلاّ إنها تُظهر نفسها بآثارها وفعاليتها.

    نعم ان الإنسان يدرك بوجود معامل ومصانع تعمل في جسمه وتتحير منها العقول. ولا يستوي العامل والمعمل. بناءً على ذلك فان القائم على تشغيل معمل الجسد هو كائن في ماهية مختلفة عن الجسد. وكذلك لا يستوي المدبِّر والمدبَّر والمربِّي والمربَّى والمحرِّك والمحرَّك وان ذلك المدبِّر والمربِّي والمحرِّك إنما هو الروح.

    ومن المعلوم انه عندما يشيّد أي قصر فانه لا يشيّد لأجل أحجاره ومواده الإنشائية التي يتكون منها القصر، ولا لأجل زينته وزخرفه وشكله، وإنما يشيّد ويهيأ لأجل سلطان يليق بمقامه. وكذلك جسد الإنسان فانه وجِدَ لأجل سيده الذي يسكن في قصر الجسد وليس  لأجل خلايا الجسد.وكما يحتاج السلطان في تنظيم إدارة مملكته إلى رئيس وزراء ووزراء كالداخلية والخارجية وغيرهم، فان سلطان الروح كذلك يحتاج إلى العقل الذي يعتبر بمثابة رئيس الوزراء وحواس داخلية وخارجية بمثابة وزيرا الداخلية والخارجية. فإذا ما قلنا بأن العقل هو رئيس الوزراء لسلطان الروح، فان القلب يُعد كرسياً لعرش سلطنته. وعندما يتولد أي معنى في القلب كـ ((بسم الله)) فانه بعدما يصدّقه الفكر يظهر ككلمة وبعدها ككتابة. وهذه العلامة هي من آثار وفعاليات الروح. ورغم عدم رؤية الروح فان وجودها يعرف من حركاتها وفعاليتها في مملكة الجسد. فهي حاضرة وناظرة في كل خلية من خلايا الجسد. فمثلا لو أخذنا جسم إنسان ميت فإننا لا نرى أي علامة حيوية في أي جزء من أجزاءه. إذن هناك حقيقة مستقلة ذات شعور فارقت الجسد وهي ليست من جنسه. وهذه الحقيقة ليست سوى الروح. ففي هذه حالة إن وجود الروح حقيقة لا ريب فيها.

    في أحد الأيام كان بدوياً يمشي في الصحراء فيصيب بعيره الوهن فجأة ويموت فيتعجب البدوي من موت بعيره فيخاطبه: (( إذن هناك شيء آخر في باطنك يحملني ويحمل عنك أثقالك، تُرى ما هي القوة التي كانت تحملنا جميعا؟))

    كان البدوي محقاً في ذلك لأن ذلك الجسد كان قبل قليل يمشي ويرى ويحمل الأثقال. إذن إن شيئاً ما قد خرج من ذلك الجسد ولم يره البدوي. وذلك الشيء ليس سوى الروح.

    وكما إن الإدارة المنتظمة لمملكة تُرينا وجود سلطان لها، فان الجسد أيضاً يرينا حاكم ومتصرف فيه وهو الروح. فكما انه من الغرابة لقائد يدير مملكة أن ينكر نفسه، كذلك فانه من الغرابة بألف درجة أن تنكر الروح نفسها والتي تدير الجسم بأكمله...

    ويدرك الإنسان المتأمل بأن أي عضو في جسمه لم يُخلق لذاته، أي أن العين لم تُخلق للعين، والأذن لم تُخلق للأذن وهكذا سائر الأعضاء. بل العكس من ذلك فان كل عضو من هذه الأعضاء إنما خلق لأجل خدمة مخلوق آخر.

    وتدل الخصال والمزايا التي يمتاز بها الإنسان كالتصور والتفكر والإرادة، خلافاً لسائر المخلوقات، بأن لها منشأ يختلف تماماً عمّا هو في سائر المخلوقات.

     إن قوانين الجاذبة والدافعة التي تساعد على تكوين الجزيئات في الذرة هي نوع حياة لها. وفي النباتات إضافة إلى الذرات التي تكوّن البناء المادي الخارجي للنبات توجد حياة أخرى وقانوناً خاصاً له تؤمّن نمو النبات. وفي الحيوانات كذلك- خلافاً عمّا هي موجودة في النباتات- توجد الروح المتكونة من مجموعة من الحواس وتمتلك نوعاً من الإرادة. أما في الإنسان فإنها تشاهد حياة مجهزة بحواس متنوعة وبشعور وفكر وإدراك تفوق سائر المخلوقات.

    ورغم ضلال الماديين بإنكارهم الروح عندما قالوا: (( إن الروح ليست موجودة في الحقيقة، وإنما عبارة عن مجرد مفهوم )) إلاّ انهم لم ينجوا من إقرارهم بوجودها بقولهم ((ولكن الروح ماهية لا ندركها نحن.)). وفي الحقيقة إن في إنكارهم للروح تصديق لها. لأن المصدِّق والمنكر لوجودها هو الروح نفسها. إلاّ ان الإنكار يدل على جهلها والتصديق يدل على علمها. لأن الإنكار والتصديق كل منها عبارة عن فعل والفعل يحتاج إلى الفاعل. والفاعل هنا ليس سـوى الروح المعبر عنها بـ (( أنا)) في الجمل ((أنا اصدّق ذلك)) أو ((أنا أنكر ذلك)).

    ولا يمكن لأي منصف أن يكون غافلا عن هذه الحقيقة التي هي أساس الجسم. لأن حقيقة الروح تُعكس من مرآة الوجدان. أي أن الإنسان المنصف يعلم وجداناً بوجود ماهية تقوم بإدارة وسوق هذا الجسم. وان تصديق الوجدان لشيء ما هو حُكمٌ علمي ولا يمكن إنكاره لأن إنكار هذه الحقيقة يولد مشاكل يصعب حلها وبذلك لا يمكن حل سر الخلق ولا يمكن التوصل إلى إدراك غاية الإنسان والكون.

    نعم كما أن ماهية الروح عالية إلى درجة بحيث لا يمكن لإدراك الإنسان استيعابها. كذلك فان وجودها لاشك فيه ولا شبهة. وان إنكار سلطان الروح الذي يحكم جسد الإنسان وإعطاء خصائصها للمادة الصماء العمياء الجامدة التي لا حياة لها، يسوق البشرية إلى وحشة قاتمة.

     لنوضح ذلك بحكاية تمثيلية:

رجلان شاهدا سفينة تتحرك، ولم يكونا قد رأيا سفينة من قبل فسأل أحدهما الآخر:

  • مَن الذي يدير هذا الجسم؟. أجابه الثاني:
  • لا أحد ؛ انه يدير نفسه بنفسه فلو كان له مدبراً غيره لرأيناه بأعيننا.

وكان الأول عاقلاً ذا بصيرة، فقال لصاحبه:

  • يا صديقي انك على خطأ. لابد أن لهذا المركب البحري من مدبر. ولا يمكننا إنكار وجوده لعدم رؤيتنا له لأنه لا يمكن الحكم بنفي شيء لعدم رؤيتنا لذلك الشيء. انظر أننا لم نكن نرى هذا المركب قبل قليل. ولكنه كان موجوداً فلو أنكرنا ذلك لكان خطأ. وينبغي لك أن تقر بأن هذا الجسم يتحرك ويدار بعلم وإرادة وحكمة. لذا فان أحداً ما يأمر بحركته ويعين اتجاهه ويوقفه أينما شاء. الحاصل انه لابد لهذا المركب من قائد. 

وأبدى الثاني برأي آخر:

  • ألا تستطيع أجزاء هذا المركب أن تدير نفسها دون وجود قائد له؟.
  • لا يمكن ذلك لأن تلك الأجزاء لا تمتلك عقلاً ولا فكراً ولا علماً. وأنها عاجزة عن معرفة نفسها ووظائفها ناهيك عن إدارة المركب.

    ولكن الرجل الثاني عاندا وأصر قائلاً :

  • ربما ان وقود المركب هو الذي يسيره.

فأجابه صاحبه:

  • وهذا لا يمكن أيضاً. لأن الوقود الذي تقول عنه هو كأجزاء المركب لا يمتلك عقلاً ولا شعوراً ولا علماً فكيف يقوم بأعمال ذات علم وشعور.
  • إذن ففي هذه الحالة فان الجسم يدبّر نفسه بنفسه.
  • لقد أخطأت لأن هذا الجسم يتكون من الأجزاء التي ذكرناها آنفاً. بناء عليه فان هذا الجسم كأجزائه لا يمتلك عقلاً ولا شعوراً فهو أعمى واصم وجاهل. لا يعرف نفسه ولا يعرف البحر. وان قيل بأن هذا الجسم يدير نفسه ويعين اتجاهه بنفسه فهي خرافة بعيدة عن العقل كمَن يقول ان القلم يكتب بنفسه.

    فبهت الرجل الثاني أمام هذا البرهان دون أن ينطق بشيء.

     ان المركب المذكور في المثال هو جسد الإنسان وأما القائد فهو الروح. أما القصد من أجزاء المركب فهو أعضاء الجسم. والوقود هي الدم والسوائل والطاقة الموجودة في جسم الإنسان، وأما الرجلان فالأول هو المؤمن الذي يصدق بوجود الروح والثاني هو الإنسان المادي الذي ينكر وجود الروح . (*)

 

_________________________________

(1) (الشعاعات / الشعاع الرابع ص76-77)   
(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 


4-) علاقة الروح مع العقل والوجدان

 

علاقة الروح مع العقل:

    العقل هو مستشار الروح وبوساطته تسيطر الروح على الحواس والقوى أمثال الشهوية والغضبية والبهيمية: فتحطم إفراط هذه القوى وتفريطها، وتكسبها الاستقامة وبوساطة العقل تدفع الروح المفاسد وتجلب المنافع وتحمي الجسم وتصونه من مهالك الدنيا والآخرة. ونتيجة مشورتها مع العقل تحوّل القوى التي هي كسموم قاتلة ودساسة إلى ترياق واكسير. وتترجم القابليات غير المتناهية للشر والعصيان إلى طاعة وخير غير متناهية.

    والروح تفتح خزائن الرحمة وكنوز الحكمة غير المتناهية في الكائنات وبذلك يجد الإنسان سبل السعادة الأبدية.

    وهناك نقطة مهمة وهي: إن العقل لا يكون مرجعاً في كل المسائل. فلأجل إيجاد الحقائق والوصول إلى الله تعالى ينبغي له مراجعة الكتب الإلهية والدساتير الربانية والاستمداد من الكتاب والسنة. وإلاّ فان العقل يَضلّ ويُضلّ ويَزلّ ويُزلّ.

 

علاقة الروح مع الوجدان:

    الوجدان هو قوة تمييز العقل. وان الروح تتحرك بتنظيم وتدبير العقل. والعقل يتحرك بتنظيم وتدبير الوجدان. ففي هذه الحالة تنتظم الأحوال المتعلقة بالعقل بوساطة الوجدان فالوجدان أشبه ما يكون بمحكمة التمييز فهو الذي يحكم في صحة أفعال وحركات العقل أو خطأها.

    ويكون العقل مسؤولاً بأفكاره وتصرفاته تجاه الوجدان وان العقل الذي لا يأخذ على عاتقه مسؤولية مراجعة الوجدان يكون مغلوباً تجاه رغبات النفس دائماً، ويشترط في عروج الروح إلى عرش الكمالات، امتزاج العقل مع الوجدان.

    ويحتاج الوجدان أيضاً إلى نور لرؤية الحقيقة. وهذا النور هو القرآن الكريم. وبهذا النور يصبح مرشداً صادقاً للروح.

    ويقوم الوجدان في داخل الإنسان بوظيفة مشرف ومفتش وآمر معنوي. وهذه اللطيفة مكونة من مفاهيم مجردة عن المادة كالعدالة والاستقامة والغضب والظلم. وهي قوة عالمة وتعلم أنها عالمة. نعم أن العلم غير الذي يعلم انه يعلم. وعندما نتأمل قليلاً نسمع الخطاب الرباني الأزلي { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  }(الأعراف: 172)  الموجه إلى أعماق أرواحنا وهذا الخطاب ينادي أسماع أرواحنا كل حين بـ {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ }(الحشر:19).

    ويقول بديع الزمان سعيد النورسي ( رحمه الله ) : « ان الوجدان لا ينسى الخالق مهما عطّل العقلُ نفسه وأهمل عمله، بل حتى لو أنكر نفسه فالوجدان يبصر الخالق ويراه. ويتأمل فيه ويتوجه إليه. والحدس- الذي هو سرعة انتقال في الفهم - يحرّكه دائماً.وكذا الإلهام - الذي هو الحدس المضاعف - ينورّه دوماً. والعشق الإلهي يسوقه ويدفعه دوما إلى معرفة الله تعالى، ذلك العشق  المنبعث من تضاعف الشوق المتولد من تضاعف الرغبة الناشئة من تضاعف الميلان المغروز في الفطرة. فالانجذاب والجذبة المغروز في الفطرة ليس إلاّ من جاذب حقيقي »[1](*).

___________________

(1) المثنوي العربي النوري / ص431

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


5-) دلائل نقلية على وجود الروح

 

    إن أهم مصدر في بحث أية حقيقة كانت هو ((المتخصصين)). وان من إحدى الصفات المتميزة بل المهمة في المجتمعات الراقية هي احترام المتخصصين ورعايتهم لتقسيم الأعمال. والسبيل الوحيد للحصول على المعلومات الموثوقة والصحيحة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية هو مراجعة رجال متخصصين قضوا حياتهم ومساعيهم في مجال معين. ومن المقتضيات عزة العلم هي احترام التخصص وهو ضروري عقلاً وديناً وحكمة ووجدانا.. ولهذا السبب ولأجل الحصول على إجابات صحيحة وموثوقة لأسئلة مثل :((ما هي الروح ولماذا خُلِقت؟)) ينبغي مراجعة ذوي الاختصاص في هذا المجال.

    والآن نتأمل: هل يستطيع العلم إعطائنا معلومات صحيحة وموثوقة تخص الروح وحقيقتها؟ ومن المعلوم إن العلوم النظرية تقوم على أساس دراسة المخلوقات عن طريق التجارب والاختبارات فتبحث عن ((كيف)) وقعت الحوادث ولكنها لا تقف عند (( لماذا)) وقعت الحوادث. فتبقى الروح والحقائق التابعة لها في هذه الحالة تبقى خارج ساحة فعالية العلوم النظرية.

    أما الفلسفة: فإنها تقف على ((لماذا)) وقعت الحوادث فتبحث عن اصل الأشياء وعن الإنسان وعن الخلق والأزل والأبد والروح. ولكن عندما ندقق تاريخ الفلسفة تظهر لنا شبهات ومتناقضات بعدد الفلاسفة. ففي هذه الحالة أي سبيل من سبل الفلاسفة يتبع، وكلام أي منهم يؤخذ بنظر الاعتبار؟ وفي الحقيقة أظهر اكثر الفلاسفة قبولهم بوجود الروح إلاّ انهم وقعوا في متناقضات كثيرة في حقيقة الروح وماهيتها وغاياتها فانحرفوا عن الحقيقة.

    إن الفلاسفة الذين يبحثون عن حقائق جميع الأشياء لو بحثوا بمقتضى وظائفهم عن الوحي ودققوا في معانيه وعلموا بحقائقها لاجتازوا الصعوبات الكبيرة التي تجابههم بسهولة ويسر،  ولتخلصوا من الأوهام ولكسبوا حق ريادة الناس وإرشادهم. 

    وعند تدقيقنا المذاهب الفلسفية نرى أن اغلب الفلاسفة لم يدخلوا تحت نور الوحي الإلهي. فتكلموا عن أشياء وحكموا عليها من عند أنفسهم مستغنين عن أحكام من سواهم في هذا الموضوع ظناً منهم أن لهم نصيبٌ في الخلق وانهم في درجة الكمال ولم يروا عجزهم وفقرهم ونقصهم أي انهم لم يتفكروا في هذه الحقائق: ((مَن خلقني؟)) ((ومَن صنعني؟)) ((ومَن يطعمني بتدبيره وعنايته؟)). ومن الجدير بالإعجاب إن هؤلاء الفلاسفة غافلين عن إن إنكارهم المعتمدة لديهم وإرادتهم مخلوقة مثلهم.

    ولاسيما فلاسفة الماركسيين والماديين فانهم ارسوا قواعد بنيان فلسفتهم على أسس من الحقد والاغبرار والإنكار فذهبوا إلى إنكار الله وإنكار الفطرة والروح والأخلاق الفاضلة وجميع الحقائق السامية، فعبدوا المادة وأرادوا بذلك تسلية أنفسهم وأنى لهذه الأرواح الخبيثة التي تعادي جميع العقائد والفضائل وتتلذذ بالإنكار والجمود بالتكلم عن الروح ؟.

    ففي هذه الحالة لا تعد العلوم النظرية ولا الفلاسفة من قبيل أهل التخصص في موضوع الروح. وان صاحب القول في هذا الموضوع هم الأنبياء (عليهم السلام) والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء. لأن أولئك الذوات لن يتكلموا من عند أنفسهم بل يترجمون الوحي الإلهي.

    ومن الأصول المقررة ((إن الصانع يعلم، والعاِلم يتكلم )) وبناءً على هذه القاعدة فالحكم الحقيقي والقاطع عن الروح إنما لخالق الروح.

    نعم إن صاحب المعمل هو صاحب القول في شؤونه وهو الوحيد الذي يُسأل عن عمل المعمل وغايته وله القول الفصل فيه. إذن فالمصدر الذي يتكلم عن الروح هو القرآن الكريم الذي هو منبع الحق ومعدن الحقائق. 

    نعم. إن القران الكريم هو شمس عالم المعنى وبه تتنور الأرواح وتنجو القلوب من الظلمات. وكما انه بديهي من أن الشمس تعطي ضوئها لجميع النباتات وبهذا الضوء تنمو هذه النباتات كذلك فان القرآن الكريم الذي هو شمس عالمنا المعنوي يعطي لأرواح تابعيه الانكشاف ولعقولهم الاستقامة ولقلوبهم النور. وهو النور الذي يضيء الماضي والحاضر والأبد. وهو الذي أزال ظلمات الجاهلية المتراكمة على القلوب من الإنكار واليأس والغم.  فعرفت العقول- التي دخلت تحت نور القرآن- سيدتها التي هي أرواحها وصدقتها إلى جانب انكشاف حقائق عديدة لها. وقد أثبتت تلك الشمس الأزلية وأظهرت وجود الروح للعقول السليمة وبقطعية لا ريب فيها.

    بعد هذه التفاصيل نكتفي بعدد من الآيات الكريمة تخص الروح:

1- } وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ { (البقرة:154)

    نفهم من هذه الآية الكريمة معنيين:

    الأول: رغم عدم رؤيتنا موت الجسد. يقول الله تعالى لنا لا تقولوا ((أموات)). بمعنى إن هناك ماهية لا تموت مع موت الجسد وهي الروح.

    الثاني: تبين الآية الكريمة بان كيفية تلك الحياة لا يعرفها إلاّ الذين يعيشونها.

    وبهذه الآية الجليلة يبين الله تعالى لنا بوضوح وجود حياة حقيقية لا ندركها بعقولنا وشعورنا.

2- } وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ { (آل عمران 169- 170).

    تخبرنا هذه الآيات عن وجود طبقة حياة أخرى وتحت عناية الله تعالى رغم موت الجسد. وان أهل هذه الطبقة من الحياة يُرزقون من نعيم الجنة بفرح وسرور. وبهذه الآية يبن لنا الحق سبحانه وتعالى بان الأرواح قائمة بذاتها ولا ترتبط بأجسادها وتبقى بعد موت الأجساد.

3- }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً { (النساء:56)

    ففي هذه الآية الجليلة إشارة إلى مادة تفنى بالحرق وإلى حقيقة لا تفنى بالحرق. وان هذه الحقيقة هي الروح. فالروح ثابتة ولباسها- الذي هو الجسد- محكوم عليه الزوال. ونعلم جميعاً بأن جسدنا في تغيير مستمر منذ اللحظة التي خلقنا فيها، و تقابلها وجود حقيقة  ثابتة لا تتغير أبداً. فإذا كان الحال هكذا في الحياة الدنيا، فكيف بها في الحياة الأخرى فان إنكارها من البلاهة، ومثل مَن ينكرها كمَن ينكر هذه الحياة. 

4-  } وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاًّ قَلِيلاً { (الإسراء:85).

     يتبين لنا في هذه الآية وجود الروح. وان ماهية هذه الروح وكيفيتها محجوبة عنا بأستار، وان علمنا في هذا المجال جزئي قليل. الاعتقاد بوجودها أمر معقول. أما التعمق في ماهيتها فانه تهور والاشتغال به عبث.

5- }النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ { (غافر:46).

    فلو لم تكن هناك حقيقة ثابتة رغم موت الجسد وتفسخه فكيف إن آل فرعون يعرضون على النار؟.

6-  }يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *  ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي { (الفجر27-30).

    في هذه الآية خطاب صريح وواضح إلى الروح. فلولا المخاطَب لم يكن الخطاب. والمطلوب من الروح هو الرضا والعبودية بينما لا يكون الطلب من ((لاشيء )).

7- }اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ { (الزمر:42)

    إن النفس التي قضى عليها الموت أو أرسلت إلى اجل مسمى في هذه الآية ليست سوى الروح.

    وللرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توضح معنى الروح. نسوق هنا قسماً منها.

     بيّن الرسول الكريم r- كما هو شأنه في جميع المواضيع- بنور الوحي الإلهي الإيضاح الكامل في موضوع الروح. فأقواله r كما هو ثابت باتفاق العقول السليمة هي المصدر الأمين في جميع الحقائق الإلهية وجميع أسرار ماهيات الأشياء بعد القرآن الكريم. لأن الرسول الكريم rوصل قاب قوسين أو أدنى. حيث اجتاز مراحل الإدراك التي لم يبلغها أي نبي من قبله ورأى يقيناً جميع الحقائق التي لم يشاهدها أي عارف بالله. حتى أن جبريل u وقف عند حد واجتازه الرسول rدون أن يزيغ بصره أو أن يطغى إلى أن وصل بين دائرة الإمكان والحدوث. وعلا إلى أفق الكمالات التي لم يبلغ إليها أي عارف قبله. ورأى المقامات العالية التي تدار منها جميع المكونات وسمع صرير أقلام كتابة مقدرات البشر.

    لقد أرسل الله تعالى محمدا rإلى العالمين لإرشادهم إلى طريق الحقيقة، وجعله نموذجاً للإنسانية جميعاً. وخصه من بين الأنبياء بالتفاتة كريمة من لدنه بجعله مظهراً لفيض كلي وشامل. لذا ينبغي علينا أن نصدّقه بكل ما ينطق به وكل ما ينطق به هو الحقيقة.

  • ( عن جابر بن عبدالله t قال قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي اخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء.  قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ) [1].

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قالَ : قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r الأرواح جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ) [2].     

- ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إذا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا قَالَ حَمَّادٌ فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إلى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إلى آخِرِ الأجَلِ قَالَ وَإِنَّ الْكَافِرَ إذا خَرَجَتْ رُوحُهُ قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ قَالَ فَيُقَالُ انْطَلِقُوا بِهِ إلى آخِرِ الأجَلِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا ) [3].

 - ( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاثٍ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) [4].

   - ( وقالَ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأوي إلى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ وَحُسْنَ مُنْقَلَبِهِمْ قَالُوا يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ عَلَى رَسُولِهِ r{ ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ } رواه الإمام احمد  [5] (*).

 

___________________

(1) كشف الخفاء1/265) (شرح المواهب اللدنية 1/46

(2) صحيح مسلم / 2638

(3) رواه مسلم (2872 )

(1) رواه الترمذي والإمام احمد .

(2) الروح لابن القيم ص55

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف


6-) تحضير الأرواح

 

    بعد ظهور موضة (( تحضير الأرواح )) في الغرب، انتشرت هذه الظاهرة في بلاد الشرق، ولاسيما بين الطبقات الراقية في المجتمع الشرقي حيث وجدت الظاهرة استعداد هذه الطبقة لقبولها بسهولة. لذا رأينا من المفيد بحث هذا الموضوع بكل جوانبه :

    ان الذين يزعمون العمل في ((تحضير الأرواح )) إنما يخدعون قسماً من الغافلين والسذج من الناس وبأشكال مختلفة.

    واهم أشكاله المنتشرة هي : إن الوسيط في تحضير الأرواح يقوم بترتيب عدد من الفناجين وعرض بعض الحروف على الطاولة. ويقال ان الوسيط يفيد بذلك اسم الروح التي يقوم بتحضيرها. وبعد ذلك تهتز الفناجين. وتُسمع أصوات من الطاولة. وفي هذه الأثناء تتحرك الحروف يميناً وشمالاً. فاهتزاز هذه الحروف _كما يزعمون _ هو محاولة الروح لتوضيح أجوبتها.

     هل هناك علاقة حقيقة بين الأرواح وبين ظاهرة تحضير الأرواح ؟ وهل ان الأرواح التي أحضرِت – كما يزعمون _ من قبل الوسيط وتكلّمت هي أرواح الموتى حقيقة ؟ وإذا كانت هذه الأرواح ليست بأرواح الموتى فمَن الذي يُخرج الأصوات عند الضرب على الطاولة ؟.   

    يمكن الحصول على جواب هذه الأسئلة فقط في ضوء دلائل عقلية ونقلية للعلم والمنطق.

    في البداية نبين ما يلي : ليس هناك أي شيء في الكائنات عبثاً لا غاية له ولا مالك، ولم يُترك أي شيء لحاله، ولا أحيل إلى المصادفة قط. وان كل مخلوق في الكائنات _ سواء كان حياً أو جامداً هو اثر نظام متقن وتحت مراقبة وتأثير شديدين، وليس هناك شيء خارج نطاق قوانين الإحاطة والشمول التي وضعها الله تعالى.

    ومن يمعن النظر في هذه القوانين الجارية بنظام وانتظام مستمرين، يعلم يقيناً بان الذات الأقدس- جل جلاله – الذي يدير هذه الحياة بهذه القوانين، لابد انه سيديمها بعد موتها بعلمه المحيط وإرادته المطلقة

    ومن ثم فان الله تعالى خلق روح الإنسان من بين مخلوقاته في اشرف واكرم ماهية، وزينها بمزايا راقية، وجعل سبحانه الكائنات متوجهة إلى هذا الإنسان، واتخذه مخاطباً وخليلاً له من بين المخلوقات قاطبة. فهذا يرينا بوضوح بان الذات ذا الجلال سبحانه لا يمكن تسليم تصرف هذه الروح التي ملّكها هذه المزايا السامية وجعلها مظهراً لهذه الصفات إلى أيدي أخرى ولا يتركها ألعوبة بيد السفهاء.

     والإنسان ليس له الإرادة في التصرف في جسده فمثلا: انه لا يعرف كيفية تقسيم الغذاء بعد تناوله في معدته، وكيفية توزيعه إلى الأعضاء الأخرى. فإذا كان الإنسان غافلاً عن هذه التصرفات التي تحدث داخل جسده، فكم يكون ادعاءه ذلك حول تصرفه في الأرواح مضحكاً !

    ان كل ما في السماوات والأرض هو تحت تصرف الله تعالى. بناء على ذلك فان الأرواح لم تُترَك لإرادتها، ولو كانت كذلك فان قسماً من هذه الأرواح لا ترغب حتى المجيء إلى الدنيا، وان جاءت فإنها تأبى الخروج منها بعد ذلك.

    والآية الكريمة { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } تفيد بوضوح تام إن روح الإنسان هي من أمر الله. فأي قوة تستطيع التأثير على روح هي من أمر الله. وأي قوة تستطيع اخذ زمام التصرف من هذه الروح ؟

    وهناك عديد من الآيات وردت في القران الكريم تتحدث عن روح الإنسان : وإنها لا تبقى سائبة بعد موت الإنسان بل إنها إما في حفرة من حفر النار أو في روضة من رياض الجنة.

    فالآية الكريمة { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (الأنفال:50)  نزلت في حق الكفار. وان الآية { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } (غافر:46)  تبين بوضوح ان الكفار يُعرضون على النار إلى أن تقوم الســـاعة. أما المؤمنين فيقول الله تعالى:{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل:32).

     وهناك أحاديث شريفة كثيرة تتحدث عن عذاب القبر وعن أحوال الموتى. منها : يقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أو حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ ))[1].

        وفي حديث آخر (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قُبِرَ الْمَيِّتُ أو قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إلى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلاّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إليه حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ فلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِك َ ))[2].

    نفهم من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة آنفة الذكر بأن الروح كبقية المخلوقات في هذه الكائنات ليست سائبة تسرح حيث تشاء بل تحاسَب في القبر إما حساباً يسيراً أو حساباً عسيراً.

    ومن الجدير بالذكر، كما ان العالم ليس منحصرا على المادة، كذلك الروح فأنها ليست منحصرة على الإنسان فحسب، بل هناك عوالم روحانية لانهائية تضم مخلوقات لانهائية أيضاً _ كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الشياطين وغيرها من العوالم الروحانية التي لا يعلم عددها إلاّ الله سبحانه.

     والآن نخوض في تفاصيل علاقة هذه العوالم مع دعوة (( تحضير الأرواح )):

ان طائفة الملائكة التي خُلقت من (( نور )) هي اكبر طائفة لهذه المخلوقات. فهم عبادٌ مُكرمون يعبدون الله وحده ولا يعصونه أبداً. وانهم مشغولون دائماً بوظائف الذكر والتسبيح والعبادة والمعرفة ويعملون بأمره تعالى وقوته وباسمه ولحسابه. فهذه المخلوقات المقدسة التي تعتبر جميع أعمالها مبنية على الخير المطلق، لاشك أنها لا تنزل ولا تلبي لدعوة الإنسان العاصي، ولا تتبع الوسطاء في عملية تحضير الأرواح.

    وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين بان أرواح الإنسان والملائكة تحت تصرف الهي. منها :

{عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(التحريم:6).

{ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } (الأنبياء :26-27)

{ وَلَهُ مَنْ فِي السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } (الأنبياء:19-20).

     نفهم من ذلك ان الوسطاء لا يستطيعون جلب الملائكة.لأن الملائكة عباد مكرمون ومنزهون عن مثل هذه الأعمال الدنيئة. ولا يمكن أن يكونوا وسيلة لجلب الأخبار للوسطاء.

    أما أرواح الإنسان، فإنها تنقسم إلى أربعة أنواع من حيث الدرجة والمرتبة:

  1. أرواح الأنبياء (عليهم السلام) والأولياء (رضوان الله تعالى عليهم):

    ان هؤلاء الذوات النورانيون والصفوة المختارة من بين المخلوقات هم قادة البشرية. وكل منصف وعاقل وصاحب عقيدة سمحة يصدق بان هذه الأرواح العالية والمقبولة عند الله والمفضلة على الملائكة لا يمكن أن تنزل وتحضر بنداء إنسان سافل آثم.

 

2- أرواح الشهداء:

    يقول الله تعالى : { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ } (البقرة:154).

     يعتبر الشهداء بحكم الأولياء لدى جميع المفسرين. إلاّ ان الشهيد يعيش في مرتبة حياة أخرى تسمى بـ (( حياة الشهداء))، فيتبين من ذلك ان أرواح هذه الزمرة المجاهدة التي أفدت بحياتها في سبيل الله لا يمكن أن تكون آلة بيد الوسطاء السفلة.

3- أرواح المؤمنين المذنبين:

    بما ان هذه الأرواح آمنت بالله وباليوم الآخر، إلاّ أنها لم تعمل الصالحات بل تمادت في المعاصي والذنوب. فهي تتعرض لعذاب القبر. ولم يرد إلى الأذهان بأن هذه الأرواح تأتي إلى الوسطاء لأنها تُحاسب في القبر وتلقى من الأذى ما يُشغلها عن التجوال كيفما تشاء.

4- أرواح الكفار:

    ان هذه الأرواح التي لم تؤمن بالله ولا برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا بالقرآن ولا باليوم الآخر ثابت بالكتاب والسنة تكون معرضة لعذاب اليم وابدي في قبرها. فمَن يسمح لهذه الأرواح التي تكون مخاطبَة من قِبَل قهّار ذو الجلال أن تأتي وتحرك المناضد؟. 

    يتبين مما سبق بأنه من المحال أن تحضر الملائكة وأرواح الإنسان إلى الوسطاء. ويضرب على الطاولة ؟. إذن فمَن الذي يحضر مع الوسطاء ويضرب على الطاولة ؟!.

    للإجابة على هذا السؤال نرى من المفيد أن نقف قليلاً على الحكم المترتبة والمتعلقة بخلق الإنسان. ففي الآية الكريمة { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً }(الإنسان:2) إشارة إلى أن الإنسان أرسِل إلى هذه الدنيا لأجل الامتحان والاختبار. فالدنيا ميدان سباق فتحت بابها للإنسان. وبهذا السباق تتميز الأرواح الطيبة التي هي كالألماس من الأرواح الخبيثة التي هي كالفحم. ويتم تمييز الصالحين من الطالحين : وهذا ما يقتضي خلق الشياطين.

    وكما وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تصرّح بان الشياطين هم مخلوقات بعيدة عن الخير وقريبة من الشر، ومسلطون على الإنسان. منها قوله تعالى :

    { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ }( الأعراف : 11_ 18 )

في هذه الآيات الكريمة نقطتان تتعلقان بمسألتنا عن قريب :

    الأولى : ان إبليس سأل ربه أن يمهله ويبقيه حياً إلى يوم القيامة.

    والثانية : صد إبليس للإنسان عن طريق الحق بإتيانه عن أمامه وخلفه ويمينه وشماله. لذا فانه يقوم دائما بإثارة الرغبات السفلية والحيوانية لدى الإنسان،بخداعه وصده عن طريق الحق. وان إحدى سبل إغفال الشيطان هي : استخدامه الوسطاء كمهرج، وإفساده البشرية ونقل أخبار كاذبة لهم.

    ولنوضح هذه الحقيقة، وهي انه ليس للشياطين سلطان على المؤمنين الذي يعرفون ربهم ويتبعون كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  ويعملون الصالحات في ميدان الامتحان هذا. وإنما يكون سلطانه على ضعاف الإيمان والذين لا يعملون الصالحات وواقعون في السفاهة، والبعيدون كل البعد عن أمر الله. أي انه يضل الذين لم يستفيدوا من نور القرآن الكريم استفادة كاملة بسوقهم إلى السيئات والمعاصي جاعلًا منهم ألعوبة وسخرية له. وانه ينتهز من كل فرصة تتاح له ليسيطر على هذا الصنف من البشر.

    لذا يستطيع المسلم النجاة من الوقوع في حبائل هؤلاء العابثين بمعرفته أن كل حركة لا تليق بأوامر الله تعالى هي من آثار الشياطين. ومن الناس مَن ينجذب إلى غفلات الشياطين الذين يزينون هذا المسلك الباطل بزينة العلم مظهرين جاذبيته وحلاوته. ولكن الله تعالى ينزل على رؤوس هؤلاء الأشخاص هذه الآيات الجليلة والمليئة بالمعجزات وبالعظات كالنجم الثاقب ويجعلهم في ارذل وأحط مرتبة : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } (الشعراء:221-223).

    نعم ان الأرواح الحاضرة في ما يدعى في تحضير الأرواح  والذين يضربون على المناضد ويخرجون أصواتاً ؛ هم شياطين ومردة الجن. يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) في هذا الخصوص : (( ولما كانت هذه المسألة _ تحضير الأرواح والتنبؤ بالغيب _ آتية من الأجانب ونابعة من الفلسفة فقد تؤدي إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين. حيث يمكن استعمالها استعمالاً سيئاً، إذ لو كان فيها صدق واحد ففيها عشرة أكاذيب. ولا محك ولا مقياس لتمييز الصدق عن الكذب. وبهذه الوسيلة يلحق الجن _ الذين يعينون الأرواح الخبيثة _ الضرر بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضاً، ذلك لأنها اخبارات تنافي حقائق الإسلام وتعارض عقائده العامة مع انها تزاول باسم أمور روحية معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواح طيبة مع انهم أرواح خبيثة، بل انهم يسعون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلمات مقلدين أسماء أولياء عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم..)) ( الملاحق- ص388).

    ورأينا من المناسب درج عبارات لمولانا جلال الدين الرومي[3] تتعلق بالموضوع نفسه:

    (( لو سلط الجن على الإنسان وغلبه لضاعت صفات الإنسانية)).

    (( وكل ما يقوله هو كلام الجن. سواء من بداية الجملة أو نهايتها فانها في الحقيقة هي للجن)).

    (( في هذه الأثناء ذهبت شخصية الإنسان، ويحكم عليه الجن كلياً، فيتكلم التركي بالعربية بدون الهام.)).

    وفي صدد تسلط الجن على الإنسان نشير إلى حديث شريف رواه البخاري عند تفسيره الآية : { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أو كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إليه كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ{ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا [4].

     وتعتبر الدراسة الفكرية التي أجراها الأستاذ احمد نعيم بابان زاده[5] أحد مدرسي (دار الفنون) القدماء في ضوء هذا الحديث الشريف حول الجن، جديرة بالاهتمام والتقدير.ويفيد بابان زاده في القسم الأول من دراسته بان الله تعالى هو الذي يعلم عدد أنواع المخلوقات. وان الكائنات الحية لا تشمل الإنسان والحيوان فحسب، بل هناك إلى جانب تلكما الطائفتين، مخلوقات لطيفة كالملائكة والجن. ويستشهد بأحاديث نبوية شريفة وشهادات واخبارات الأولياء والأصفياء. وبعدما يوضح بان الملائكة هم مخلوقات نورانية لا تحيد عن أمر الله تعالى مقدار ذرة. يقول عن طائفة الجن : ((الجن كالإنس يعيش على الأرض فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. ويدخل قسم منهم في أشكال مختلفة. وان وجود هذه المخلوقات – الملائكة والجن- ثابت بالكتاب والسنة. وإنكارها هو كفر لأنه تكذيب للكتاب والسنة.

ويضيف احمد نعيم بان العلم لا يحيط بكل الحقائق قائلا : ((عندما يقول العلم يوماً : أني اعلم كل شيء، فانه انحرف عن غايته الأصلية وانقلب إلى الجهل. ولكن غاية العلم ليست هي إنكار الحقائق، بل هي السبر في غورها. وان إنكاره الحقائق يجعله عقيماً ودون جدوى)).

    وينتقد احمد نعيم أقوال قسم من المفكرين، منها قولهم: (( نقبل بكل ما يصدقه العلم، ولا نحكم على ما يصدقه)). فيقول في هؤلاء:  (( فإذا كانت هذه الفلسفة نابعة من شوق بحث الحقيقة، فلِمَ لا يُبحث عن الخبر الصحيح المستند للنبوة المحمدية والمبرهن بتأييد سديد من جانب العقل والنقل؟. وان الشخص الذي يبحث عن الحقيقة لو ولّى وجهه شطرها وبذل جهده قليلاً نحوها لتوصل إليها مطمئناً.))

    ويستمر احمد نعيم: (( هناك صور في بعض الكتب يقال بأنها صور التقطت للأرواح، بينما الحقيقة هي ان هذه الصور لا تمت بأية صلة بالأرواح )) ويضيف قائلاً: (( ربما هي صور تتعلق بالجن بأنواعها الإفرنجي، وذوات الحركات البعيدة وللطائفة الشيطانية.)). ويوضح بابان زاده قائلاً : ان اهتزاز الطاولة والفناجين التي عليها إنما هو حاصل من قبل الشياطين ومردة الجن دون أن تتدخل فيها أيدي الوسطاء.

    ويقدم احمد نعيم دليله في هذا الموضوع. وهو( كروكس) من مشاهير علماء الفيزياء والفلك في إنكلترا حيث يقول فيه: (( عندما اخبر كروكس الجمعية الملكية البريطانية العالية عن تجاربه التي أجراها على آلات فيزيائية، كان الرد عليه بأنه (( مخدوع)) ومقيد العيون. فرد هو بدوره على المنكرين قائلاً : (( لنقبل بأنني قد خُدِعت ولكن كيف بالآلات الفيزيائية فهل خدعت هي الأخرى وقيدت عيونها؟.))

    ويؤكد بابان زاده ان هناك جمعيات كثيرة في الغرب تعمل في مجال بحث أسرار وحقائق الجن وكيفية إقامة الروابط والاتصال معهم. وهناك مئات المجلات والنشرات تنشر في هذا المجال، حتى يؤكد وجود مئات من أساتذة الجامعات في الغرب لا يرون الاشتغال في هذا المجال عاراً لهم، منهم رئيس جامعة برمنكهان Lazarref & Charles & Oliver.

    ويصرح احمد نعيم في هذا المجال بهذه الحقيقة مؤكداً: (( ان معلومات هؤلاء الأشخاص في هذا الباب عن الجن ناقصة وعقيمة وبلا محك ولا مقياس. لذا فهي بدائية جداً ولا يؤخذ منها. أما نحن المسلمين، فان اعتقادنا وإيماننا في هذا الباب هو البيانات التي اخبر بها الصادق المصدوق r والذي وسعت علوم معرفته بالوحي الإلهي. فحكمنا محدود بحدود كلام ذلك الصادق الأمين r ونقبل به كما سمعناه منه. ولا نضيف عليه شيء من عندنا. وان التكلم عن علماء الغرب- سواء تطابقت آرائهم معنا أم لا- هو لأجل التوضيح  ان إنكارهم الوحي وضيق ساحاتهم العلمية وقيامهم بإنكار الحقائق والأشياء المجهولة دون تأمل أو تدبر فيها، وكلامهم الهذر هو خطر جسيم باسم الحقيقة وكفر والحاد باسم العلم.)).(*)

 

_____________________

(1) رواه الترمذي من حديث ابي سعيد .

(2) رواه الترمذي في سننه .

(3)  مولانا جلال الدين الرومي (604-672هـ ) : عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم. ثم متصوف صاحب (المثنوي) المشهور بالفارسية المستغني عن التعريف في ستة وعشرين ألف بيت. وصاحب الطريقة المولوية ولد في بلخ (بفارس) استقر في قونية سنة (623هـ) عرف بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية فتولى التدريس بـ( قونية) في أربع مدارس بعد وفاة أبيه سنة (628هـ). من مؤلفاته ديوان كبير .(المترجم)

(4) رواه البخاري برقم (4434) .

(5)  احمد نعيم بابان زاده (1876- 1934م) : ولد في بغداد من عائلة كردية. وانهى دراسته الابتدائية فيها ثم انتقل إلى استانبول حيث أنهى دراسته العالية. ومن ثم عمل أستإذا جامعياً في نفس الجامعة التي تخرج منها . اكثر من الكتابة في المجلات والصحف العثمانية فكتب في مجلة (ثروت فنون) التي ظهرت في أواخر عهد السلطان عبد الحميد. وكتب في مجلة (صراط مستقيم) التي أقامها الإسلاميون عام 1908 للرد على دعاة الفكر القومي، كما كتب في مجلة (سبيل الرشاد) وهي امتداد طبيعي لمجلة (صراط مستقيم). (المترجم)

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


7-) اثبات وجود الشياطين

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

ان لأبليس دسيسة كبرى هي أنه يجعل الذين اتبّعوه يُنكرون وجودَه. سنذكر شيئاً حول هذه المسألة البديهية، وجود الشياطين. حيث يتردد في عصرنا هذا في قبولها اولئك الذين تلوثت أفكارهم بالفلسفة المادية، فنقول:

اول:مثلما هو ثابت بالمشاهدة ثبوتاً قطعياً وجود ارواحٍ خبيثة في اجساد بشرية في عالم الانسان، تنجز وظيفة الشيطان واعماله. كذلك ثابت ثبوتاً قطعياً وجود

ارواح خبيثة بلا اجساد في عالم الجن، فلو ان هؤلاء اُلبسوا أجساداً مادية لأصبحوا تماماً مثل اولئك البشر الاشرار. وكذلك لو تمكن شياطين الانس - الذين هم على صور بشرية -من نزع اجسادهم لأصبحوا أبالسة الجن.

فبناء على هذه العلاقة الوطيدة ذهب أحد المذاهب الباطلة الفاسدة الى "أن الارواح الخبيثة الشريرة المتجسدة بصورة اُناسي تتحول الى شياطين بعد موته"!.

ومن المعلوم انه اذا ما فسد الشئُ الثمين يكون فسادهُ أشدَّ من فساد الشئ الرخيص، كما هو في فساد اللبن او الحليب حيث يمكن ان يؤكلا، أما اذا فسدَ الدهنُ فلا يمكن أكلُه، إذ قد يكون كالسمّ. وهكذا الانسان الذي هو اكرم المخلوقات بل ذروتها وقمّتها، اذا فسد فانه يكون أفسد وأحط من الحيوان الفاسد نفسه. فيكون كالحشرات التي تأنس بالعفونة وتريحها الروائح الكريهة، وكالحيّات التي تلتذ بلدغ الآخرين.بل يتباهى بتلذذه بالأخلاق الدنيئة النابتة في مستنقع الضلالة، ويستمرئ الاضرار والجرائم الناجمة في ظلمات الظلم. فيكون اذن قريناً للشيطان ومتقمصاً لماهيته..

نعم، ان الدليل القاطع على وجود شياطين الجنّ هو وجود شياطين الانس.

ثاني:ان مئات الدلائل القطعية في "الكلمة التاسعة والعشرين" لاثبات وجود الملائكة والعالم الروحاني، هي بدورها دلائل لاثبات وجود الشياطين ايضاً. نحيل إليها.

ثالث:ان وجود الملائكة الذين هم بحكم الممثلين والمشرفين على ما في أمور الخير الموجودة في الكون من قوانين كما أنه ثابت باتفاق الاديان، كذلك وجود الشياطين والارواح الخبيثة الذين هم ممثلو الامور الشريرة والمباشرون لها وتدور حولهم قوانينها، فانه قطعي الثبوت حكمةً وحقيقة. بل قد يكون وجود سببٍ وستارٍ مستتر من كائن ذي شعور في ممارسة الامور الشريرة اكثر ضرورةً، وذلك لعجز كل شخص أن يرى الحُسنَ الحقيقي لجميع الامور، كما ذكرنا في مستهل "الكلمة الثانية والعشرين". فلأجل الاّ تحدّثه نفسُه باعتراضٍ على امورِ الخالق سبحانه بما يُتوهم من نقصٍ او شرّ ظاهريين، ويتهم رحمته او ينتقد حكمته او يشكو بغير حقٍ، جعل الخالق الكريم

الحكيم العليم وسائط واسباباً ظاهرية مادية ستاراً لأمور قَدَره، وحُجُباً لتتوجه اليها الاعتراضات والانتقادات والشكاوى، ولا تتوجه اليه سبحانه وتعالى. فقد جعل الامراض والمصائب مثلاً أسباباً وستاراً للأجل، لكي لاتتوجه الاعتراضات وتصل الى مَلَك الموت "عزرائيل عليه السلام". وجعل مَلَكَ الموت نفسه حجاباً لقبض الارواح، لئلا تتوجه الشكاوى والانتقادات الناتجة من الأمور التي يُتوهم أنها بغير رحمة إليه سبحانه وتعالى..وهكذا وبقطعية اكثر اقتضت الحكمة الرّبانية وجود الشياطين لتتوجه اليهم الاعتراضات الناشئة من الشرور والأضرار والفساد.

رابع:كما ان الانسان عالمٌ صغير، كذلك العالم انسانٌ كبير، فهذا الانسان يمثّل خلاصة الانسان الكبير وفهرسه، فالنماذج المصغّرة في الانسان لابد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودةٌ في الانسان الأكبر بالضرورة.

فمثل:ان وجود القوة الحافظة في الانسان دليل قطعي على وجود اللوح المحفوظ في العالم.وكذلك يشعر كلٌ منا ويحسّ أن في قرارة نفسه وفي زاوية من زوايا قلبه آلةً وعضواً للوسوسة وهي اللمّة الشيطانية التي هي لسانُ شيطانٍ يتكلم بتلقينات القوة الواهمة، هذه القوة قد تحولت بفسادها الى شيطان مصغر، لأنها لاتتحرك الاّ ضدَ اختيار الانسان واِرادته وخلاف رغباته الحقيقية. ان هذا الذي يشعر به كلُ انسان حساً وحَدْساً في نفسه دليلٌ قطعي على وجود الشياطين الكبيرة في العالم الكبير. ثم ان هذه اللمّة الشيطانية وتلك القوة الواهمة تُشعران بوجود نفسٍ شريرةٍ خارجية تنفث في الاُولى وتستنطق الثانية وتستخدمها كالاذن واللسان.(*)

______________________________

(*) اللمعة الثالثة عشرة - الاشارة العاشرة - ص: 125


8-) هل تتلاقى الأرواح ؟

 

    من المكن تلاقي الأرواح بعضها ببعض. بل ان هذا التلاقي واقعٌ ومشهود. وأسطع دليل على هذه الحقيقة هو « الرؤيا الصادقة ». وان هذا التلاقي لا يمكن أن يقع من قِبل الوسطاء والدجالين الذين أصبحوا ألعوبة بيد الشياطين ومردة الجن. لأن سبل ارتباطهم مع الأرواح مسدودة. بل يتم التلاقي بالسمو الروحاني للتقرب إلى عالم الأرواح والاطلاع على أحوالهم وذلك بقطع مراتب أمثال الفناء في الله والبقاء في الله. والسبيل إلى هذا السمو يمر من عبادة الله مخلصاً والانقياد التام لأوامره سبحانه ونيل رضاه. وهذه الجادة هي جادة الأولياء والأصفياء الذين يطلق عليهم بـ « الخواص الأفذاذ ». نعم ان هذه الطائفة المباركة تستطيع الالتقاء مع عالم الأرواح لمقاصد وغايات تتعلق بعالم الملكوت، ولفيوضات وبركات وأسرار وحقائق تتعلق بعالم المعنى.

    ومن مقتضيات ألطاف رب العالمين وعنايته أن تقوم علاقات بين أهل الولاية الذين أفنوا أنفسهم في سبيل مرضاة الله مع قسم من العوالم المعنوية والنورانية.

    نعم، فكما ان مشاهدة الأولياء الذين هم مظهر تجلي اسم « اللطيف » للأرواح والاستفادة من فيوضاتها وبركاتها ولا سيما رؤية روحانية سيدنا رسول الله r والاستفاضة منها، وسيرهم ومشاهدتهم في عالم الملكوت واطلاعهم على أسرارها والاستفادة من الموائد المعنوية النورانية اللطيفة لا تخالف الحكمة الإلهية، كذلك فان هذه الأحوال لا تخالف القدرة الإلهية ولا تعتبر خارج الممكنات.  

    وهناك روايات عديدة في آثار السلف الصالح يمكن الرجوع إليها في هذا الخصوص. وفي صدد تأييد هذه الحقائق يؤكد لنا الأستاذ بديع الزمان النورسي (رحمه الله ) بقوله :

    ((... بل الحقيقة عينها والأدب المحض والاحترام اللائق هو أن يحصل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني – بالسير والسلوك – إلى مرتبة القربية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.))(1).

    ((... غير ان تحضير الأرواح الطيبة ليس هو بالشكل الذي يقوم به المعاصرون من إحضار الأرواح إلى مواقع لهوهم وأماكن ملاعبهم والذي هو هزل رخيص واستخفاف لا يليق بتلك الأرواح الموقرة الجادة، التي تعمّر عالماً كله جد لا هزل فيه، بل يمكن تحضير الأرواح بمثل ما قام به أولياء صالحون لأمر جاد ولقصد نبيل هادف من أمثال- محي الدين بن عربي – الذين كانوا يقابلون تلك الأرواح الطيبة متى شاءوا، فأصبحوا هم منجذبين إليها ومنجلبين لها ومرتبطين معها ومن ثم الذهـاب إلى مواضعها والتقرب إلى عالمها والاســتفادة من روحانيتها..))(2)

     نعم ان الذي جعل هذه الطائفة النورانية تسمو وتترقى وتستفيض إنما هو القرآن الكريم. فاستنبطوا منه الأسرار الربانية والحقائق الإلهية.

    نعم، ان جميع المجتهدين استنبطوا أدلة اجتهاداتهم العظيمة وبراهينها من هذه المائدة الربانية. وان جميع الصدّيقين ترقوا إلى قمة الصدّيقية بالمعارف المستنبطة من هذه المائدة. وان جميع حكماء الإسلام ترقوا إلى مرتبة المحققين بحكم هذه المائدة. وان سجود العابدين للمعبود بالحق هو بلطافة وفيوضات هذه المائدة. وان الذي اشبع جميع الأولياء والعارفين بالمشاهدة والمعرفة وجذبهم لها إنما هو فيض وذوق هذه المائدة. وان جميع الأقطاب ترقوا إلى مقام الإرشاد بتعليم وتربية هذه المائدة. وان الذي رفع جميع الفقهاء الأفذاذ إلى مرتبة الحاكم العادل إنما هو دساتير وأسس هذه المائدة. وان الذي أوصل جميع المتكلمين إلى شواهق المنطق والفكر إنما هي حجج وبراهين هذه المائدة. حيث ان القرآن الكريم هو كلام خالق الأكوان. وهو – القرآن الكريم – مربّي الإنسان ومرشد الإنسانية، ووسيلة الهداية وأصدق دليل للبشرية. وبهذا يكون التلاقي مع الأرواح مخصوصاً للطائفة النوارنية التي نشأت وتربّتْ بتربية هذا الكتاب العظيم.(*)

 

_________________

(1) الملاحق ص390 .

(2) الكلمات – ص285 .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف
 


9-) خواص الروح

 

إدراك الروح للحوادث :

    تسيطر الروح على الشعور والإدراك والاختصاص والإرادة. وتكتسب الروح قيمتها اعتبارها باتخاذها هذه الحواس كوسائل. لنوضح ذلك بمثال: لكي نشم رائحة معينة يمس الهواء الأنف. وان هذا التماس يضع تأثيراً في الأنف. فهذا التأثير هو الحس وفي الحال يصل الحس الحادث إلى الذهن بوساطة الأعصاب. ونقش الرائحة في الذهن وتسمى هذه العملية بالانطباع. ويعقب هذا الانطباع حصول العلم وهو كنتيجة تمييز الذهن للرائحة عن غيرها وتسمى هذه الحالة بالاختصاص. أما الإدراك فهو قيام العقل بتعيين مصدر الرائحة وبيان سببها. وتظهر المعرفة بقيام الروح بالبحث والتدقيق عن مصدر الرائحة وعن حقيقتها وصفاتها. ويسمى ترجيح أحد الشقين أي تقبّل الرائحة أو عدم تقبلها بـ (الإرادة). وهكذا سائر حواس الجسم كالبصر والسمع واللمس والذوق. إذن فان الحواس الخمسة تخدم الحس والأعصاب تخدم الاختصاص والدماغ يخدم الإدراك.

    وان كيفية تكوّن الإدراك جدير بالإعجاب والدهشة، إذ كيف يظهر العلم والشعور في مركز الدماغ بحركة سريعة وخارقة في جسم الإنسان وكيف تنتقل الحركة الناتجة من الخلايا إلى الشعور في الدماغ وبدورها تعلم بها الروح وتظهر المعرفة ؟. فلا تستطيع الفلسفة ولا علم النفس من إيضاح هذه المسألة العجيبة كأعجوبة الروح. حيث توجد بين طيات هذه المسألة أسرار وحجب عظيمة يصعب حلها ويتشكل انكشافها.

 

وحدة الروح وعدم تجزئتها :

    ان الروح واحدة وبسيطة، وليست مركبة. وبما أنها ليست مركبة فإنها لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تبلى بتأثير الزمان والمكان والحوادث الخارجية. وهناك قوانين عديدة احتفظت بواحديتها وبساطتها منذ أن خلقت الكائنات ولم تتأثر فيها الحوادث كقانون الجاذبية. والروح كهذه القوانين وأمثالها تحتفظ بوجودها وتدوم إلى الأبد. حيث تعتبر أقوى من هذه القوانين؛ لأنها تمتلك الحياة. بل هي في أرقى مراتبها ؛ لأنها صاحبة إرادة. وهي مكمَّلة ؛ لأنها تمتلك إدراكاً. وهي عفيفة ؛ لأنها لطيفة. ولها قابلية جامعة وغنية؛ لأنها فهرستة الكائنات وحقيقتها وخلاصتها. وإنها تليق بالأبد وتشتاق لها؛ لأنها مرآة الصمدانية.

    إذن فهذه الصفات هي التي تخبرنا عن وحدة الروح وعدم انقسامها. وحتى إنساناً عادياً لم يرتق فكره للكمال عندما يقول (أنا) فانه لا يقصد بها أعضاء جسمه كالعين والأذن والسن. بل انه يريد بها ماهية مجردة خارجة عن جسمانيته المادية. وهذه الماهية هي واحدة لا تتعدد. وان هذه الوحدة ثابتة عقلًا كما هي معروفة حساً ووجداناً.

    وان حاكمية الروح على الجسد إنما تكون بوحدتها. ومن المعلوم أن أي إنسان عندما يريد استمرار حياته بصحة وسلامة ويسعى لجلب المنافع له ودرء المفاسد عنه إنما يكون ذلك بحاكميته على جسده. وهذا برهان باهر على وجود الروح. أي ان حياة الإنسان تدوم وتثمر عندما تكون جميع حواسه الظاهرة والباطنة تحت إمرة روح واحدة.

    فالعين تكون بمثابة نافذة للروح. والأرجل تمشي إلى الاستقامة التي تريدها الروح والأذن تسمع على حساب الروح.

    زبدة القول: إن جميع القوى والشهوات تدخل تحت إمرة الروح. وبالعكس عندما تتحرك كل قوة أو كل عضو على حده ولم تكن مساعيها وجهودها لحساب مركز واحد فان الجسد يغدو خراباً مهجوراً بينما الحقيقة هي: أن اليد عندما تمسك بشيء ما فإنها لا تمسكه لذاتها أو باسمها، والأرجل لا تمشي لذاتها. والعيون لا ترى لذاتها. وقس على ذلك بقية الحواس. وان جميع هذه الحواس تقدّم خدمات مفيدة بارتباطها مع مركز واحد وبتلقيها الأوامر من روح واحدة ومَن ينكر وجود الروح يلزم له قبول أرواح بعدد الذرات. وهنا نتذكر المثال الذي ضربه الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله:

    ((إن تجليات الشمس وانعكاساتها الضوئية، وبريق لمعانها المشاهَد على قطرات الماء الرقراقة المتلألئة، أو على القطع الزجاجية المتناثرة هنا وهناك على سطح الأرض، مما يخيل للناظر السطحي النظر أنها صور لشميسات مثالية. فان لم تنسب – هذه الانعكاسات واللمعات- إلى الشمس الحقيقية التي تطالعنا بشعائها يلزم الاعتقاد بشمس طبيعية فطرية صغيرة ظاهرية تملك صفات الشمس نفسها وتتصف بخصائصها، موجودة- وجوداً فعلياً - في تلك القطعة الزجاجية الصغيرة – التي لا تسع لأدنى شيء- أي يلزم الاعتقاد بوجود شموس بعدد ذرات القطع الزجاجية.))[1].

    وكما في هذا المثال، وفي حالة إنكار روح واحدة، لزم لكل خلية من خلايا الدماغ أو خلايا القلب القيام بجميع وظائف الروح. وعندئذ تقوم خلية واحدة من خلايا الدماغ بوظائف حاسة  السمع والبصر والذوق والشم، وأحوال الإنسان من البهجة والحزن والإثارة والسكينة والتفكير والتخيل وفي آن واحد. وهذا بعيد عن العقل مئات المرات.

 

سعة الروح :

     لسعة الروح وإحاطتها جهتان :

     الأولى : تتكون من حواس باطنة والثانية من حواس ظاهرية. وتتسع الروح بحواسها الباطنة إلى درجة بحيث تبقى الكائنات إلى جانبها صغيرة وتصبح مظروفاً للروح. (( إن ميدان اشتغال الإنسان، ومساير جولان الهمة، أوسع من أن يُحاط به. فقد يجول في ذرة أو يسبح في قطرة، وينحبس في نقطة مع انه قد يضع العالم نصب عينيه، وقد يُدخل الكائنات في عقله حتى يتطاول إلى رؤية الواجب الوجود ومشاهدته))[2]. فتصبح الروح كمركز اتصالات تستقبل الأصداء من كل الجهات وتحاول حل المعميات الكبيرة كالكائنات والحياة والروح وتبحث عن منشأ العالم وسر الخلق.

    أما بجهتها الثانية : أي بحواسها الظاهرية، تنفتح الروح إلى العالم الخارجي فتقف على الألوان بوساطة العيون وعلى الروائح بوساطة الأنف وعلى عالم الأصوات بوساطة الأذن وعلى الأذواق بوساطة اللسان. ويعبر بديع الزمان النورسي عما ذكرنا بقوله: (( العين حاسة تطل الروح منها على العالم))[3] .لأن الروح تطالع كتاب الكائنات بوساطة العين وتبحث وتدقق فيه. فتصبح كمشاهد لتجليات صفات الله. وقد خلق الله العين بظرافة وزينها بالأهداب وحفظها بوساطة الأجفان. فالروح كستائر الليل تفتح وتسد هذه الأعضاء اللطيفة وتشاهد العالم وتتلذذ بلطافة الألوان. ومن جهة أخرى تصبح الروح مفتشاً ماهراً وشاكراً في مطبخ القدرة الصمدانية وخزائن الرحمة بوساطة حاسة الذوق في اللسان. وكما إن الوزراء يعينون السلطان في إقامة علاقات داخلية وخارجية له، فان الحواس والأعضاء تصبح وسائل في سعة تصرف الروح.

 

الروح مصدر السرور والألم:

    يأتي السرور والألم للإنسان من مصدرين. الأول : الآلام واللذات الجسمانية الواقعة بوساطة الحواس. والآخر : السرور والاضطرابات الروحية الواقعة من صفات الروح مثل الخيال والتصور والتفكر. وقد قيل:  يبرأ الجرح السوء، ولا يبرأ الكلام السوء[4]

وكما قال الشاعر :

                جراحات السنان لها التئام 

ولا يلتأم ما جرح اللسان[5]

    وقد عبر الشاعر هنا عن الآلام الجسمانية بـ ( جراحات السنان) وعن الآلام الروحية بـ(جرح اللسان).

    ولما كان الإنسان لا يتكون من مادة فحسب فانه يواجه آلاماً وأحزاناً وخوفاً ووداً. وبتأمل قليل منه يدرك بأن الآلام واللذات التي يُظن بأن الجسم يحس بها تعود إلى الروح. وبما أن الروح هي التي تحس بالألم واللذة عن طريق أي عضو من أعضاء الجسم فان الألم أو اللذة ينسبان لذلك العضو. وبخروج الروح من الجسد، لن تبقى فيه صفات أو حواس أمثال العلم والإرادة والشعور واللذة والقلق والخوف والمحبة. فجميع هذه الصفات من اللذات والآلام إنما تعود إلى الروح.     

    ويستطيع أي إنسان أن يميز بوجدانه الآلام واللذات الروحانية مثل اللذة والخوف والبهجة والمحبة والسعادة عن الآلام واللذات الجسمانية.

    فلولا الروح لما اخذ الجسد نصيبه من الآلام واللذات. فجذور اللذة والألم هي في أعماق الروح. 

    نعم، ان السرور بعد مروره من مركز سيطرة العقل والمنطق ومن مصفاة الوجدان يقوم بترنيم أناشيد نجاح الروح وظفرها. ومثلما ان كل نصر كبير هو كلمات  السرور للروح. فان السرور الكبير هو الحان النصر للروح. وتوجد في موقع ظهور السرور والبهجة صولة تقدّم، وكلما كان هذا التقدم رفيعاً كان المصدر الذي يخرج منه السرور عميقاً ومتأصلاً. ومثل ذلك الآلام والاضطرابات فإنها تسوق الروح إلى الكمالات وتصيفها وتنميها شرط التوكل والتسليم.(*)

_________________________

(1) اللمعات – اللمعة الثالثة والعشرون – رسالة الطبيعة ص275 لبديع الزمان سعيد النورسي .

(2) المثنوي العربي النوري ص188 لبديع الزمان سعيد النورسي

(3) الكلمات – الكلمة السادسة . ص23

(4) زهر الأكم في الأمثال والحِكم / اليوسي 1/72

(5) فصل المقال في شرح كتاب الأمثال / تأليف : أبو عبيد البكري - تحقيق : إحسان عباس 1/24

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف


10-) التناسخ

التناسخ [1] 

يُطلق التناسخ على الاعتقاد الباطل الذي يقبل بانتقال الأرواح من جسد إلى آخر. وتعتبر الأجساد – في ضوء هذا الاعتقاد الباطل – بمثابة قوالب للأرواح، فتنتقل الروح من قالب إلى آخر ومن جسد إلى جسد. ومن ثم تنتقل بعد تركها لجسدها الأخير إلى جسد أي حيوان يعيش في البر والبحر والجو، ومنه تنتقل إلى حيوان آخر ومنه تعود إلى جسد إنسان آخر، وهكذا تدوم حياتها بانتقالها بين الأجساد. حتى ان أقواماً بدائيون كانوا يعتقدون ان روح الإنسان في بداية أمرها تنتقل إلى المعادن ومن ثم إلى النباتات ومنها إلى الإنسان وبذلك تتكون دورة مستمرة بانتقالها من جسد إلى آخر. وحاول فيثاغورس[2] وضع عبارته التالية : (( تنتقل الروح من جسد إلى آخر عندما تتغلب على المادة)) في إطار نظرية فلسفية. فتلقت هذه النظرية قبولاً من قبل الناس البسطاء فكرياً حتى بداية القرون الأولى. فانحرفوا بذلك ظناً منهم ان رغبة البقاء الأبدية الموجودة في فطرتهم تسكن وتطمئن بهذه النظرية. وذلك إما لعدم إيمانهم بالكتب السماوية أو بعدهم عن رسالات الأنبياء ( عليهم السلام) أو لعدم استيعاب عقولهم الضيقة بوجود المنازل الأبدية الخالدة لله سبحانه في الدار الآخرة.

    وبمرور الزمن البس هذا الاعتقاد طابعاً فلسفياً.

 

تاريخ التناسخ:

    هناك آراء عديدة حول مكان ظهور التناسخ لأول مرة. ويشير قسم من المصادر إلى أن هذه النظرية ظهرت في مصر القديمة. وإلى هذا ذهب المؤرخ هيرودوت. وكان الاعتقاد آنذاك بأن روح الإنسان الميت تنتقل إلى جسد الحيوانات ولاسيما جسد الطيور والثعابين لتستمر حياتها. وكان المصريون القدماء يؤمنون بخروج روح الإنسان عقب وفاته وانتقالها إلى جسد حيوان ومن ثم عودتها إلى جسد إنسان آخر بعد دخولها في أجساد الحيوانات في البر البحر والجو. وكان بناء الأهرامات في عصر الفراعنة بوحي من هذه الخرافة.

واستناد إلى قسم من المصادر فان هذه السفسطة القديمة انتقلت إلى اليونان بوساطة فيثاغورس الذي كان يدرس في مصر، ومنها انتقلت إلى الدول الغربية.

    أما في الشرق فان فكرة التناسخ ظهرت في الهند بشكل واسع. وكانت أقوام المناطق الحارة الواقعة على ضفاف نهري الكانج والسند على اعتقاد بان روح الإنسان بعد موته تستمر في أجساد الطيور.

    وعندما نلقي نظرة إلى تاريخ الأديان تظهر لنا أن هذه الخرافة قبل ظهورها في الهند ومصر، كانت سائدة عند أقوام بدائية كانوا يؤمنون بآلهة عديدة. ونجد أيضاً آثار هذه فكرة عند الطوطمية [3] .

    وكان الإنسان القديم يعتقد بان روح الإنسان لا تنتقل إلى إنسان آخر فحسب. بل إلى الحيوانات والنباتات أيضاً. ولذا أطلق على انتقال الروح من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر بـ (( النسخ)) وعلى انتقالها من جسد إنسان إلى جسد حيوان بـ(( المسخ)) وعلى انتقالها إلى النباتات بـ (( الرسخ)). وعلى انتقالها إلى المعادن والجمادات بـ (( الفسخ)).

    وظهرت هذه الخرافة بأشكال متعددة في اليونان القديم وفي مصر والهند والصين وإيران. فمثلا ان فكرة التناسخ كانت هي السائدة في الهند، بحيث شملت جميع الموجودات. وعند البوذية والبراهمة تحولت هذه الفكرة إلى شكل باطني وخفي. وفي النهاية ظهرت بهذا الاعتقاد : (( تبلغ الأرواح الطاهرة والبريئة إلى نيروانا. أما الأرواح المذنبة العاصية فإنها تتجول في أجساد الحيوانات حتى تتطهر من ذنوبها)).

    أما المصريون القدماء، فقد اعتقدوا بان التناسخ يكون بانتقال روح الإنسان إلى الحيوانات ومن ثم عودتها إلى إنسان آخر.

    وفي اليونان القديمة، وحسب علمنا من تاريخ الفلسفة، كان فيثاغورس وأفلاطون هما في مقدمة الذين حاولوا تلبيس زي الفلسفة على فكرة التناسخ. ومن بعدهما اتباع أفلاطون الجدد.

    وان هذه الفكرة القديمة التي ظهرت بشكل بدائي في مصر قد أخذت شكلاً باطنياً في الهند، وألبِسَتْ لباساً فلسفياً في اليونان، وأما في إيران فقد أعطيَ لهذا الاعتقاد الباطل زخرفاً دينياً ومذهباً أخلاقياً. وحازت هذه الفكرة على مؤيدين من طوائف دينية كالزرادشتية والمزدكية. وكما وجدت هذه الفلسفة الباطلة- التي أتت قديما من إيران- موطأ قدم لدى قسم من غلاة الشيعة وذلك تحت ستار التشيع. ويأخذ الإنسان الأسى عندما يرى مَن يؤمن بهذه السفسطة في عصرنا هذا عصر العلم والفن والفكر!.وان هؤلاء إنما يعيشون خيالاً في العصور الأولى وهم تحت وطأة دوامة هذا العصر.

    والظاهر، ان هذا الاعتقاد الذي ساد في اليونان القديم والهند ومصر وغيرها من البلدان في ذلك الوقت قد فقد تأثيره وأهميته بمرور الزمن، ولا سيما بانتشار الإسلام حيث مسحه نهائياً من الأفكار.

    لكن هناك مَن يريد عرض هذه السفسطة من جديد في عصرنا الحاضر. وفي مقدمتهم الفرنسي كارلس فورييه Charles Fourrier وبيير ليروى Pierre Lerou  وهما من المتشددين الاشتراكيين الذي لا يؤمنون بالروح حسب اعتقادهم الباطل. فالتفوا حول فكرة التناسخ هذه وذلك بقصد الضرر بالإيمان بالآخرة المذكور في الأديان السمأوية. ومهدوا لفكرتهم تلك قواعد وأسس أولية. أما اليوم فان المتعلقين بهذه الخرافة هم وحدهم يشيعون هذه الخرافة ويعلنونها بين الناس.

 

دلائل داحضة لدعوة التناسخ :

    لا توجد لفكرة التناسخ التي تعادي أسس وعقائد جميع الأديان السمأوية أية نقطة استناد علمي. وان عدد الذين يدعون إلى هذه الفكرة ضئيل جداً يكاد لا يدخل ضمن الإحصائيات الموجودة في سكان العالم.

    وقبل الدخول في تفاصيل الأدلة التي تدحض هذه الفكرة نشير إلى :

    ان كل فرد وكل مخلوق في الكائنات من النجوم إلى الذرات إنما هو تحت تصرف وحاكمية إرادة مطلقة وعلم محيط وقدرة جليلة. وهو من آثار نظام كامل. أي ان جميع الموجودات يظهر إلى الوجود ويرحل بتدبير الله وتنظيمه، ويقوم بوظائفه بإرادة الله تعالى وعلمه المطلقين. فالشموس الضخمة والمجرات الواسعة العظيمة بعملها وحركاتها المنتظمة التي خلقها الله والتي لا تخرج من محورها طرفة عين، ترينا أن الأرواح والأجساد ليست حرة طليقة تتجول كيفما تشاء،  ولا تخالف هذا النظام البديع. وان فكرة التناسخ التي تفصل الروح عن هذا النظام، تخالف تماماً الحكمة الإلهية. وهي افتراء كبير للصفات القدسية لله سبحانه أمثال اللطف والكرم والإحسان والعناية.

    نعم ان حكمة الله ورحمته تفند هذه الخرافة القبيحة، فهل من الممكن الإلهية التي جعلت هذا الإنسان خليفة الأرض وسلطان الكون وسخرت له السماوات والأرض وخلقته في فطرة سامية بحيث اصبح خلاصة هذا الكون وثمرته، وأبدعته في صورة كاملة، وفي استعداد جامع وواسع، أن تسقط هذه الروح التي تحمل هذه الماهية إلى آلاف الدركات وتنقلها بين أجساد الفئران والكلاب والثعابين... والأقبح من كل هذا في أجساد القردة ؟ وهل تسمح بذلك عدالة الله وحكمته ورحمته وشفقته ولطفه وإحسانه ؟ وهل تليق هذه الأفعال بعظمة الحكيم الجليل ؟ كلا وحاشا.

     ولقد أولى ديننا الحنيف اهتماماً كبيراً بالإنسان، حيث نهى أن تداس القبور[4]. فالحق سبحانه الذي لم يسمح بدهس العظام في المقابر ولا التراب المضيف لهذا العظام، كيف يسمح بأجساد الحيوانات أن تحمل روح الإنسان ؟ وان الإنسان ليجيش غضباً عندما يقال له ((كلب)).

    فهل يسمح الحق سبحانه أن تدخل روح هذا الإنسان في جسد كلب ويربطه في باب ولده؟ وهل يسمح سبحانه بأن تدخل روح هذا الإنسان في جسد حمار ويحمل ابنه على ظهره ؟ وهل يُطلق على مَن يصدّق بهذه السفسطة الشنيعة بأنه (( إنسان ))؟

    ومن ثم فان دعوة التناسخ تخالف وعد الله سبحانه. لأن أوامر الله ونواهيه تقتضيان تحقق هذا الوعد. وبما انه سبحانه قد وعد المؤمنين بالجنة، فانه سيفي بوعده، وسيعاقب الأشرار والجاحدين لألوهيته، والكفار والمنافقين بعذاب خالد، والمنافقون دعاة التناسخ بعذاب أليم.    

    ومن ثم ان فكرة التناسخ لا تتوافق وإرسال الرسل والأنبياء _ عليهم السلام _ وإنزال الكتب السمأوية. فلو تُرِكت الأرواح سائبة وتائهة وحبلها على غاربها تتصرف في نفسها كيفما تشاء، لم تبق هناك حاجة إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب. لأن دعوة الأنبياء جميعاً بعد توحيد الله واثبات وجوده هي حياة الآخرة والحشر. وان الله تعالى أرسل رسله لتأمين كمال ورقي نوع الإنسان وصرف نظرهم إلى الحياة الخالدة. ولكن التناسخ يناقض تماماً هذه الحقائق.  

    ومن ثم فان القرآن الكريم يدحض فكرة التناسخ بتلقيننا : ان الإنسان هو أكرم المخلوقات وان السماوات والأرض والليل والنهار والحيوان النبات سُخّرت له. وانه عُيّن خليفة في الأرض وخُلِق في أحسن تقويم. وتسعى ملائكة لحفظه وأخرى تراقب أعماله.

    ويبين لنا القرآن الكريم أيضاً بأن للمؤمنين جنان سرمدية وللكافرين نيران خالدة.

    بعد إلقاء هذه النظرة القصيرة على تناقض فكرة التناسخ، سنحاول إيضاح الموضوع بشكل واسع:

 

  • تناقض التناسخ من جهة نظر المنطق والقانون:

    إذا كان التناسخ موجوداً وواقعاً، فينبغي أن يشمل كل فرد من الإنسان. وأن يتذكر هذا الإنسان جميع الأجساد التي عاش فيها والأعمال التي قام بها تلك الأجساد. فهذه الخرافة التي يروّج لها الملحدون ويصرون على ذلك، لا وزن لها من وجهة نظر المنطق والمحاكمة العقلية، ولا يصدقها المليارات من البشر ولا يعلمون عنها شيئاً ولا يعيشونها. إذن فما الغاية من تمكين هذه الخرافة في أذهان الناس؟ والحقيقة إن هذا الموضوع لجدير بالتأمل والاعتبار.

    ان الذين يعملون في هذا المجال هم ثلاث طوائف:

    الأولى: عدد من الأطفال.

    الثانية: علماء النفس.

    الثالثة: هم الكذابون الذين يؤمنون بأفكار مادية.

    وحتى يومنا هذا ادعى عدد من الأطفال بأنهم عاشوا في أجساد أخرى. والحال إن هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-7 سنوات، لا وزن لأقوالهم في نظر العلم والقانون. لأنهم لم يبلغوا سن الرشد. فلا يمكن إثبات المسألة بأقوال هؤلاء الأطفال الذين يعيشون أيام طفولتهم وليست لديهم قابلية التمييز ليفرقوا بين الحقيقة والخيال. لأنهم تحت تأثيرات نفسية خارجية تجعلهم يشغلون الناس المحيطين بهم ويجلبون انتباههم إليهم وتشجيعهم إياهم.

    إذن لا وزن لأقوال الأطفال والتي هي ثمرة خيالهم وبعيدة عن الحقيقة من الناحية العلمية. ولاسيما أن عدد الذين أسندت إليهم هذه الفكرة حسب الإحصائيات لا يتجاوز خمسة أطفال. لذا فالدليل الذي استند إليه آهل فكرة التناسخ والحبل الذي تعلقوا به لإثبات دعواهم الباطلة ليس سوى هذيان هؤلاء الأطفال.

    أما الطائفة الثانية فهم علماء النفس. وان الموازنة العقلية لهؤلاء مختلة، وعباراتهم متناقضة. ومن الواضح إن الانشغال بعبارات هؤلاء الناس المرضى – المحتاجين للعلاج - ، والبحث فيها ليس سوى إضاعة الوقت عبثاً. وان أقوالهم مردودة وغير معتمدة حتى من جهة نظر القانون.

    وأما الطائفة الأخيرة فهم أشخاص يتحركون ويعملون باسم فكرة معينة ولقصد معين. وان غاية هؤلاء الأشخاص الماديين الذين يكفرون بالله وباليوم الآخر هي إفساد الأمة وتحطيم الميول السليمة في الفطرة نحو الدين الإسلامي وزعزعة عقيدة العوام مقابل منافع مالية ومادية وذلك باصطناع وقائع لا أساس لها. واستخدام عدد من المغفلين كشريط مسجل لتضليل أفكار العوام.

    الحاصل: لا يمكن إكساء ثوب الحقيقة على هذه الخرافة التي تستند على ادعاءات لا اصل لها لعدد من الأطفال أو جماعة من علماء النفس أو مجموعة من أشخاص غافلين.

 

- التناسخ تنافي قوانين الفطرة:

    نستطيع القول بان هناك قوانين كثيرة لا تعد ولا تحصى وضعت لتنظيم الكائنات ولدوام وبقاء الحياة. وبواسطة هذه القوانين تتحقق الموازنة والتناسب والإدارة والنظام بين الأشياء وان مبدع هذه القوانين الشاملة في الكائنات جميعا هو الله تعالى بديع السماوات والأرض.

    وان القوانين التي نشاهدها في جميع زوايا الكون أمثال التقدير والموازنة والرحمة والشفقة والربوبية والرزاقية والمالكية، تُرينا ان كل شيء في الكون من الذرات إلى المجرات لم يُخلَق عبثاً. وان الروح أيضاً لم تُترَك سدىً، وان هذه القوانين وغيرها تنافي فكرة التناسخ. ولنقف على ثلاثة من هذه القوانين باختصار:

    أولاً: التناسخ تنافي قانون التقدير والموازنة :

     ان كل شيء في الكائنات هو نتيجة خطة وبرنامج وتقدير وتعيين ومقياس وميزان. فكما ان قميصاً جميلاً يخبرنا عن علم الخياط وعن دقة قياسه وتقديره ومهارته، كذلك فان التوازن والنظام والانتظام الدقيق المشاهَد في كل شيء في الكائنات يخبرنا عن ((قانون التقدير والموازنة))، ويُرينا عدالة الله وعلمه وحكمته وإرادته. ولو أمعنا النظر في الكائنات نرى ان جمال الأشياء جميعاً وتناسبها وتوازنها ونظامها وجاذبيتها إنما نابع من قانون (( التقدير والموازنة )) لأن الجمال الموجود في الأشياء يستند إلى ميزان دقيق ومقياس حساس وإلى تقدير وتعيين ماهرَيْن وتناسب ونظام عاليين. لنوضح ذلك ببعض الأمثلة: هناك قسماً من القوانين يستفاد منه الإنسان في حياته. فتحويل الدهونات والمواد الغذائية في جسم الإنسان بعد تجزئتها إلى الطاقة إنما يكون ضمن موازنة تامة. وفي خلق الإنسان ذكراً أو أنثى يوجد ميزان وموازنة. وهناك توازن مستمر في الولادات والوفيات. وموازنة بين الأرض والشمس وان ظاهرتي المد والجزر تُرينا الموازنة الموجودة بين الأرض والقمر، وان تكاثر البكتريا النافعة والضارة هو ضمن موازنة. وكذلك تكاثر جميع الحيوانات إنما يكون ضمن الموازنة.

    إذن ان قانون الموازنة موجود في الكائنات وليس بمقدور أي شيء تجاوز حدود هذا القانون.    

    وان حركات الأرض وتبدل المواسم إنما يكون بهذا القانون، وان النظام الموجود في جميع الذرات يستند إلى قانون الموازنة. وان جميع طبقات السماوات والمجرات قائمة بهذا القانون  فكل هذا يُرينا بأن هذا القانون يحكم في جميع زوايا الكون.

    وان هذا القانون شامل وذو اتجاهات عديدة. فهناك في الكائنات موازنة فيزيائية وموازنة حياتية وموازنة الجسد والروح.

    فلنبدأ بالموازنة الحياتية: ان تجزئة المواد الغذائية والدهونات في أجسام ذوي الحياة وتحويلها إلى الطاقة إنما تكون ضمن موازنة تامة. وان ولادات الأحياء ومعيشتها وموتها إنما تشير إلى هذا القانون.

    أما الموازنة الفيزيائية : فجميع طبقات السماء وجميع المجرات قائمة بهذه الموازنة. وان جميع الموجودات من نظام الذرات إلى المنظومة الشمسية يدخل ضمن هذا القانون. وقد نظم البناء الفيزيائي لكل شيء وموازنته طبقاً لوظيفته. فمثلا ان البناء الفيزيائي للشمس والقمر يناسب وظيفة كل منها والتي تعتبر كالروح لها. فلا الشمس بمقدورها القيام بوظيفة القمر ولا القمر يستطيع أداء وظيفة الشمس.

    نستدل من هذا ان الكائنات من أقصاها إلى أقصاها قد قيست وفُصّلت بعلم الهي، ووضعت تحت مراقبته الحكيمة.

    وان قانون الموازنة موجود أيضاً بين روح الحيوان وجسده. وقد ألبس الصانع الحكيم لكل روح جسداً يناسب ماهيتها ومزاجها. فمثلاً ان جسد الغنم يناسب تماماً مع روحه الأليفة، وتخيلوا ماذا يحصل لو ألبِس هذا الغنم بجسد الأسد. في هذه الحالة فان روح الغنم تلك لن تكون مفترسة حتى وان حملت رأس أسد ومخالبه. وقس على ذلك جميع الحيوانات. فمثلًا تختلف روح الغزال عن روح الأسد، وروح السمك تختلف عن روح الطير وذلك من ناحية خلقتها ورغباتها. والخلاصة : ان الأرواح تختلف فيما بينها من ناحية الماهية اختلافاً كلياً.

    ونستدل كذلك بأن الله تعالى الذي خلق روح الإنسان بأحسن صورة وأكمل هيئة لن ينزلها من مرتبة أعلى عليين إلى دركة اسفل سافلين. وانه سبحانه لا يسمح بدخول روح الإنسان الذي يعيش في القصور إلى جسد الأرنب الذي يعيش في الثغور، أو إلى جسد ضفدع يعيش في المياه الآسنة، أو إلى جسد فأرة تطاردها القطط. فهذه الأحوال جميعاً تنافي قانون الموازنة المذكور آنفاً.

    ثانيا: التناسخ تنافي قانون الامتياز:

     ان الله تعالى يحفظ هوية كل مخلوق وشخصيته حفظاً دقيقاً. ويطلق على هذا الحفظ بقانون الامتياز. ومن المعلوم ان ماهية كل نوع في الكائنات مختلفة. فلا يمكن أن تتغلب ماهية مخلوق إلى ماهية مخلوق آخر. إذ من المحال أن تنقلب حقائق الأشياء إلى أضدادها، وتفقد خصائصها. فمثلاً ان صفات التفاح، لا تفارق التفاح ولا تنتزع منه. ولم نرَ في يوم من الأيام تحول التفاح إلى الكمثري أو إلى أي فاكهة أخرى. ويسري هذا القانون على النجوم والشموس والأنهار والجبال والبساتين. لان كل شيء في الكائنات فريد بشخصيته. فمثلاً لا يوجد على خارطة العالم سوى ( جبل همالايا) واحد وسوى (نهر نيل) واحد. وحتى البحار فإنها تحافظ على هويتها فلا يبغي بحر على آخر.

    وهذا القانون ساري المفعول في هذه الكائنات بحكمة وحساسية، وليست الأنواع فحسب، بل ان كل فرد فيها يتميز عن باقي الأفراد بصفاته الخاصة المعروفة لديها وبتجاعيد سيماه الخاصة وبخصائصها الفريدة.

    فمثلاً : ان كل فرد من أفراد البشر يختلف تماماً عن سائر بني جنسه من حيث ملامح سيمائه وصورة بنانه. وقد وضع هذا القانون لحفظ الحقوق العامة فيما بينهم. فلو كان جميع البشر حاملاً نفس السيماء والشكل والخاصية، لما عرف الناس بعضهم بعضاً ولضاعت الحقوق ولانقرضت الحياة.

    ومن المعلوم ان صفات الأشياء وخصائصها لا تنفصل عن ماهيتها. فمثلاً: كما ان بناء أجسام النحل والذباب يختلف بعضه عن البعض بصورة عامة. فانه يختلف أيضاً في تفرعاته. فمثلاً ان بناء أجنحة وأرجل النحل يختلف عن بناء أجنحة وأرجل الذباب لوجود علامات فارقة عديدة تميز هذه الكائنات بعضها من البعض. وكذلك أرواح الحيوانات واستعداداتها، فإنها تختلف بعضها عن بعض. فإذا كانت روح النحل تواقة إلى التلذذ بحدائق الأزهار، فان روح الذباب تجد لذتها في حفر المجاري. وبمنظار هذا المثال نستطيع مشاهدة الحيوانات الأخرى وقياسها. فلا يمكن انفصال الخصائص الذاتية لنوع من أنواع الحيوانات وانتقالها إلى نوع آخر. وتظهر هذه الحالة واضحة بين الإنسان وبين أنواع الحيوانات بدرجة اكبر. فمثلاً: لو فرضنا ان روح الإنسان دخلت في جسد حيوان، فينبغي لها أن تدخل فيه بإدراكها وتفكيرها وباستعداداتها كالخطابة والكتابة والفن وبجميع خصائصها. عندئذ يلزم ظهور فلاسفة ومفكرين وعلماء في الحيوانات. ولأصبحت لهذه الحيوانات مدنية خاصة، وثقافة وعلوم وآداب خاصة لها.

     فما دام ان هذا القانون يقضي بعدم وجود التناسخ بين الإنسان والحيوانات وبين أفراد الحيوانات نفسها، فانه ينفي وجوده بين أفراد البشر أيضاً. لان كل إنسان يختلف تماماً عن الآخر من بني جنسه بعلمه ومعرفته وبإيمانه واعتقاده، وبدرايته وذكائه، وبشفقته ورحمته وبحميته وشجاعته.

    فمثلاً : ان روح الإمام الغزالي- رحمه الله – تختلف تماماً عن الأرواح الأخرى بعلمها العالي وبوجدانها المقدس. فلو كان التناسخ ممكناً، لوجب مجيء ( نسخ كثيرة ) من الإمام الغزالي حتى يومنا هذا. وعدداً من ابن سينا وعدداً من أفلاطون. أما الحقيقة والصواب فإنها تكذّب هذا الادعاء.

    وان استمرار شخصية الإنسان وهويته في مراحل عمره الطويل وفي جميع وظائفه التي يعمل فيها بعد دراسته في المدارس وتخرجه منها، يظهر: أن سجل عمل الإنسان لا يفارقه حتى بعد موته. فيحاسَب في المحكمة الكبرى على أعماله جميعاً صغيرها وكبيرها قليلها وكثيرها. وان العدالة المطلقة للحق سبحانه ستتجلى في الحشر بأسطع صورها. والإنسان ليس المخلوق الوحيد الذي يُحشر ويُحاسب، بل ان جميع الحيوانات ستُحشر بهوياتها وتُحاسب. وهي حقيقة يقتضيها قانون الامتياز[5]. 

    ان الغاية العظمى لهذا القانون وحكمته الجليلة ونتيجته المهمة تتوجه إلى الآخرة، لذا فان كل فرد عند الميزان الأكبر يُحاسب على الخير والشر بتعبير الآية الكريمة :{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } (الزلزلة:7-8). ونتيجة هذا الحساب يصبح كل فرد من أهل الجنة مظهراً لألطاف مختلفة حسب إيمانه وتقواه وعمله الصالح، ويتعرض كل فرد من أهل النار لنوع من العذاب يناسب كفره وعصيانه. وان تحقق ظهور هذه الحقيقة العظمى يتوقف على احتفاظ كل فرد بهويته وشخصيته التي تخالف تماماً شخصيات وهويات الأفراد الأخرى.

 

ثالثا : التناسخ تنافي قانون الرزاقية :

    ان رزق كل نوع قد قُدّر وعُيّن حسب شخصية النوع وهويته وتقديره وقيمته. وان الله تعالى الذي وهب الإنسان أعلى مراتب الحياة المتضمنة للشعور والإدراك وقابلية النطق، قد بسط أمام هذا الإنسان العاجز موائد نِعَم ظريفة ولطيفة ومغذية وخاصة به تختلف عن نِعَم سائر المخلوقات نوعاً وكمّاً.

    فمثلا : عندما يكتفي الدجاج بأخذ العلف والذرة، فان الإنسان يتغذى على الدجاج والبيض. وعندما تأكل الشاة الأعشاب والأشواك، فان الإنسان يتناول الغنم ويشرب حليبه المغذي.

    وكما ان الإنسان ينفق مالاً كثيراً على مراسم يقيمها في حياته كالأفراح ، فان الرزاق الكريم الذي أولى اهتماماً كبيراً لهذا الإنسان لا يمكن البتة أن يأخذه من مائدته الإنسانية هذه ويُجلسه في جسد حيوان ويبسط أمامه مائدة حيوان. ولا تسمح بذلك حكمة الخالق ورحمته.

 

_ التناسخ تحقير لشرف وقيمة الإنسانية :

    خلق الله سبحانه الإنسان في أسمى ماهية واكمل جامعية وسخر له جميع النباتات والحيوانات.

    فمثلا : ان الأشجار بثمارها، والبقرة بحليبها والغنم بلحمه تسرع لإمداد هذا الإنسان، وتعمل لأجله. فهو زينة الكون وخليفة الأرض. وان جميع محتويات الكون قد رتب ونظم لأجل هذا الإنسان المكرّم. وان ما في هذا الكون من زينة وحشمة يُظهر شرف هذا الضيف الكريم ومقبوليته ووزنه عند الله تعالى. ومن المعلوم ان الإنسان خُلق لعبادة الله ومعرفته، لذا فقد جهزه العليم القدير باستعدادات جامعة وأجهزة ثمينة.

    نعم، ان لهذا الإنسان الذي حمل الأمانة الكبرى التي أبت السماوات والأرض من حملها، والذي هو ثمرة الكون ونتيجته، لابد من غاية عظيمة ومهمة بل اعظم من هذا الكون نفسه. وهذه الغاية هي _ كما ذكرت آنفا _ عبادة الله ومعرفته ومحبته ونيل رضاه. وبذلك ينال المكانة التي تليق بجنة الخلد ويعيش فيها حياة أبدية بجسده وروحه.

    وهكذا فان خرافة التناسخ تنافي ماهية الإنسان وحقيقته وقيمته. ومن المعلوم ان الحكيم الرحيم الذي وهب  للإنسان هذه المكانة السامية لا يمكن تذليل روحه وتحقيرها واستخفافها بإسقاطها إلى دركات سفلى، ولا يسمح لهذه الروح أن تدخل إلى جسد حيوان عاجز وهو مسخر له. فلا يُنزل _ سبحانه _ هذه الروح التي كالألماس إلى دركة الفحم.

 

_ سفسطة التناسخ تخالف امر الله وإرادته :

    ان تصرف الله سبحانه محيط بالكون. والإنسان _ كأي مخلوق _ ليس خارج نطاق هذا التصرف. فهو في تغير مستمر في كل زمان ومكان بأفكاره وميوله ورغباته. وهذا التغير يشمل الجسم أيضاً. أي ان هذا الجسم في تغير وتجديد مستمرين بدوران دمه وتجديد خلاياه. وإلى هذه الحقيقة التي ندركها ونعيشها إشارات بليغة في كتاب الله العزيز في قوله تعالي : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَـــــنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِـكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ }(المؤمنون:12-16 ).  

    فهذه الآيات الكريمة تبين لنا الأطوار والمراحل التي يمر بها الإنسان منذ نشأته الأولى إلى بعثه يوم القيامة والتي هي تحت تصرف الله تعالى. وفيها بيان لتسعة مراحل وأسرار تعود إلى خلق الإنسان :

1_ خلق سيدنا آدم عليه السلام من سلالة من طين وفي اكمل صورة ومن غير نطفة وذلك قبل إيجاد شكل وقالب البشر.

2_ بيان تصرف قدرة الله تعالى في خلق النطفة واســـتقرارها في رحم الأم ((فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ))لأجل بقاء نسل الإنسان ودوامه.

3_ توجيه الأنظار إلى الترقي والتربية في ماهية الإنسان في تحول النطفة إلى العلقة.

4- تحويل العلقة إلى المضغة.

5- خلق العظام وهي الأركان والأعمدة الأساسية التي تشكّل هيكل الجسد.

6- كسوة العظام باللحم. وفي هذه المرحلة توجيه العقول والوجدان إلى الجمال والحكمة الموجودين في تصرف الخالق سبحانه.

7_ وبذكره ((ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ )) يبين لنا سبحانه بعرضه أمام أنظارنا جميع الأجهزة المادية والمعنوية المتعلقة بالإنسان، بأنه خلق هذا الإنسان في احسن واكمل والطف تقويم وبذلك تم خلق الإنسان بطوله وقامته وإدراكه وحواسه ووجدانه وروحه وقلبه وصيّره صنعة خارقة واثر لطيف و(( فهرسته غرائب الأسماء الحسنى )) و(( مقياس لشؤون وصفات الله )) و (( ميزان لعوالم الكائنات)).

    والذات الأقدس الله جل جلاله الذي خلق هذا الإنسان بهذه الكيفية هو (( احسن الخالقين))، والإنسان هو احسن المخلوقات. فهل يعقل الإنسان الذي خلقه الله بهذه الفطرة السامية أن ينزل روحه إلى دركة الحيوانات ؟ ويقلّب هذا الجوهر النفيس إلى قطعة زجاج عادية؟.

8- بعد ذلك يذوق الإنسان طعم الموت بإرادة الله تعالى.

9- وأخياًر بعثه وإحياءه يوم القيامة.

    إن هذه المراحل التسع المذكورة في الآيات ترينا بان حياة الإنسان بجميع صفاتها ولحظاتها ليست خارجية عن تصرف الله وإرادته. وان حكمة الحاكم الحكيم اقتضت خلق الإنسان بهذه الدرجة الراقية لأجل حمله أمانات عظمى، وتكليفه بتكاليف عظيمة. وأن يكون مؤهلاً للسعادة الأبدية وذلك بإيمانه وأخلاقه وعمله الصالح.

    إذن فالخالق العليم لا يترك هذا الإنسان حبله على غاربه لا في دنياه ولا في أخرته. اجل فكما ان آيات عديدة في القرآن تبين قيام الساعة ومحاسبة الإنسان على أعماله، وان الدعوة المقدسة للأنبياء والرسل هي الإيمان بالله وباليوم الآخر، فما أهمية وساوس وأوهام أهل التناسخ إزاء هذه الحقائق الساطعة كالشمس ؟

 

_ خرافة التناسخ تخالف إرادة الإنسان :

إذا أخذنا التناسخ بعين الاعتبار وتناولناه كفكرة فإننا نواجه احتمالين :

الأول : إما أن يكون التناسخ بأمر الله وإرادته.   

والثاني : أو أن يحصل باختيار الروح ومشيئتها.

وقد أثبتت محالية الشق الأول في التفاصيل التي ذكرت آنفا.

أما الاحتمال الثاني : فهو انتهاج الروح مسلكين في انتقالها من جسد إلى آخر، فإما بشعور أو بدون شعور. فإذا كانت الروح بدون شعور فيعني ذلك أنها لا إرادة لها. لأن جميع حركاتها هي خارج العقل والإدراك. أما إذا كانت ذات شعور فان هذا الاحتمال يعني سفسطة مخجلة ومبنية على محالات غير نهائية. لأن ذلك يعني بان للروح قابلية الترجيح، وإذا كانت لديها هذه القابلية، فهي تمتلك شعوراً وبذلك تمتلك مزايا أمثال الاستحسان والانتقاء والتمييز. لأن الترجيح يستند على الشعور وعلى المحاكمة العقلية. ولما كانت الروح تمتلك شعوراً ومحاكمة عقلية فعندئذ لا ترجح الدخول في جسد أي حيوان. إذن من المحال دخول روح الإنسان إلى أجساد النباتات والحيوانات.

    ولنفرض ان الروح تنتقل بإرادتها إلى جسد الحيوانات، فعندئذ تواجهنا معضلات لا يمكن حلها فمثلاً : تقتضي هذه الفرضية أن تدخل الروح في جميع الحيوانات دون توقف أو ملل وحتى إنها تدخل من رحم هذه الحيوانات دون خجل. وبتعبير أدق، ان هذه الفرضية تفتح باباً إلى السفسطة كدخول الأرواح إلى نطف وبيوض الحيوانات جميعاً والتي تعيش في البر والبحر والجو. أو أنها تتواجد مع الكروموسومات والجينات وفي كل آن.

    وهذا النهج الباطل والمحال والبعيد عن العقل لا تقبله حتى الحيوانات، وليس الإنسان وحده فحسب.

    وهناك محال آخر يرد إلى الذهن وهو : لو افترض أن الروح اختارت أباً وأماً. فينبغي لها أن تكون حاضرة عند اجتماعهما في الفراش. ترى أين يكون مكان انتظار هذه الروح عندئذ ؟

    وسواء كان الانتظار في الخارج أو في الداخل، فان محالات عديدة ستظهر منها : ان الروح ينبغي لها أن تقيم معاهدة اتفاق مع الجينات الذكرية والأنثوية المجتمعة في الأعضاء التناسلية، ومع الرحم ومع الشهوة التي تساعد على التلقيح والطاقة التي تولد هذه الشهوة، والجسد الذي يتولد الطاقة ومع المواد التي تغذي الجسم، وباختصار شديد ينبغي للروح القيام باتفاق مع جميع الكائنات. وهذه من المحلات الواضحة. وبذلك تنحصر عمل الجينات الذكرية والأنثوية ضمن قانون الشهوة. والحال ان هذا القانون كلي وشامل لجميع طبقات الحياة. فمن البلاهة، بل هو عين إنكار وجود الله أن يسند هذا القانون الإلهي إلى روح الإنسان العاجز وإلى إرادة الجينات الذكرية والأنثوية ووضعه تحت أمرتها. فضلاً عن ظهور تساؤلات ومحالات لا تعد في الموضوع.

    ومن الحقائق المعلومة، ان نمو الجسد في الرحم مرتبط مع قانون النشوء والنماء. وبما انه يوجد انتظاماً كاملاً في الجسد فينبغي ذلك وجوب وجود علم وقدرة وإرادة لانهائية لبناءه. ومن الهذيان إسناد خطط وبرامج هذا الجسد المخلوق في غاية الاهتمام والانتظام ومطرز بِحَكم دقيقة، إلى روح جاهلة وعاجزة. وإذا ما أخذت بهذه السفسطة فما يكون الرد على هذه التساؤلات ؟: لنفترض ان الروح وجدت نطفة الحيوان الذي ترغبه، فهل هي التي تقرر ظهور الذكر أو الأنثى من هذه النطفة أو تفعل ذلك نتيجة فحص تقوم به في أي مختبر كان ؟ وهل هي التي تسوق الحيوانات المنوية لتصبح ذكراً أو أنثي ؟. أو تدخل تارة في جسد حيوان ذكر وتارة أخرى في جسد حيوان أنثى ؟ عندئذ هل تعيش هذه الروح ذكراً حيناً من الزمن وأنثى حيناً آخر ؟  أو ان هذه الروح تدخل جسد حيوان ذكر إن كانت ذكراً وتدخل جسد حيوان أنثى إن كانت أنثى؟ ولماذا لا تتذكر ماهيتها ولا تتذكر الأجساد التي دخلتها وعاشت فيها كذكر أو أنثى عند مجيئها إلى الحياة؟ ولم يتذكرها المليارات من الناس، ويتذكرها أطفال لا يتجاوز عددهم الخمسة أو يتذكرها مجاذيب علم النفس؟.

   وإذا ما تخاصم اكثر من روح واحدة على رحم واحد، فما هو الحل لفصل نزاعهم ؟ وهل الحل بواسطة الاقتراع، أم بواسطة الجدال أو الاقتناع ؟.

    ومن ثم بأي صفة تدخل الروح إلى جسد الحيوان ؟

    نستنتج مما سبق، ان خرافة التناسخ باطلة وسفسطة من وجهة نظر المنطق والمحاكمة العقلية والحكمة والحقيقة والحق والقانون والعقل والوجدان. وقد لوحظ أيضاً في ضوء هذه الإيضاحات بأن دعوى التناسخ تنافي نواميس الكون. وان كل قانون من قوانين الكون يصرخ بلسان الحكمة والحقيقة بطلان هذه الخرافة. ومن ناحية أخرى فان دعوى التناسخ هي استهزاء وجناية عظيمة تجاه الحكيم المطلق وعدالته ورحمته وعنايته.

    والآن نتأمل : ترى هل توجد دعوة غير هذه الدعوة تفوقها في الخرافة والبطلان ؟ وإذا لم تكن هذه الدعوة دعوة رجعية وعصبية غليظة، فما تكون إذن ؟!

 

_ التناسخ تخالف علاقة الروح والجسد :

    لنطرح أمام دعاة التناسخ هذا التساؤل : ان كل بيت يُرّتب ويُنظّم حسب ساكنه ووزنه وقامته. فالقصر يبنى للسلطان والقفص يصنع لطيور الكناري. وان هذه العلاقة توجد بأكمل صورها بين الروح والجسد. فالحكيم المطلق - سبحانه _ خلق جسد الغنم مطابقاً لروحه الأليفة، وخلق جسد الأسد مطابقاً لروحه الخشنة. وان الدلائل التي تثبت ذلك كثيرة بعدد أنواع المخلوقات بل بعدد أفرادها.

    وان الرحيم ذا الكمال قد البس لروح الإنسان _ التي خلقها مرشحة للسعادة وزينها وجهزها بالعقل والقوة الحافظة والخيال وبحواس ظاهرية وباطنية _ جسداً مناسباً للقيام بوظائف راقية أمثال التفكر والعبادة والشكر. ومن المعلوم  ان خاصية أي ماهية لا تنفصل عنها ولا تفارقها. وبناءً على هذه الحقيقة ؛ لو افترض ان روح الإنسان دخل جسد حيوان، فان هذه الروح تطلب الاستمرار في تفكيرها وتأملاتها والتعبير عما تدركها وترغب في عرض وتشهير معرفتها أمام الأنظار. وعندما لا يليق هذا الجسد ولا يناسب هذه الوظائف فان الروح لا تستطيع إدامة حياتها فيه وحتى ان الروح التي تعيش أحياناً في ضجر وضيق في بعض أجساد الإنسان، لاشك أنها لا تستطيع العيش في أجساد الحيوانات.

    لذا فان المتشبثين بفكرة التناسخ يرون الروح التي هي ضيف كريم فارقت الجسد بعد إنهاء وظيفتها في الدنيا، بأنها تارة تدخل القفص وتخاف الناس، وتارة تحل في جسد الأسد فتهاجم الغزال، وأخرى ترسلها إلى جسد الضفادع لتعيش في الماء وبهذا يضعون أمام هذا الضيف اللطيف أحياناً الرمل وأحياناً جسد حيوان ميت، وأخرى علفاً، وبذلك يخالفون الحكمة والحقيقة بعصيانهم هذا. وأحياناً يُدخلون هذا الضيف الذي يتناول الدجاج في حياته إلى جسد دجاج ليكون بعد ذلك طعاماً للإنسان أو فريسة للثعالب.

    وان أهل التناسخ عندما يدخلون روح الصراصر التي تخشى من كل صوت وتقتات على الفضلات في الخلاء، إلى جسد نمر فإنها تصبح شجاعة ومفتونة بلحم الغزال. وكذلك يجعلون الروح الواحدة تدخل إلى أجساد عديدة في يوم واحد. فمثلاً تدخل هذه الروح إلى جسد الغنم صباحاً، وتنتقل إلى جسد ثور في المساء، وبعدها تنتقل إلى جسد البقر لتعيش قليلًا وتنتقل إلى جسد القرد في الليل وترقد فيه.

   ويرى أهل التناسخ، ان النمر الذي يهاجم الغزال ربما كان غزالاً بالأمس. أو ان أحد أفراد أهل التناسخ الذي يهمس بهذه السفسطة ربما كان ثعبان بالأمس.

    فحذاري.. حذاري من أفكار أهل التناسخ المسمومة، لأنها ربما هي من مخلفات طور الثعبان الذي عاشوا فيه ؟!..

    الحاصل، ان النظام والتطابق والموازنة المكملة الموجودة بين الأجساد والأرواح، ترينا ان الله الذي خلق روح الإنسان وجعلها مركزاً للكون ومتحضرة منذ أن خلقها، وشرح صدرها بالعلم والمعرفة وخليفة في الأرض وقائداً على قافلة المخلوقات، لا يرضى أن يجعلها حقيرة وذليلة بإدخالها بعد موت الإنسان في أجساد الحيوانات والنباتات والمعادن.(*)

 

___________________

(1) التناسخ : عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر، من غير تخلل زمان بين التعلقين، للتعشق الذاتي بين الروح والجسد.

 ( التعريفات للجرجاني )

(2) فيثاغورس : (582 – 507 ق . م ) فيلسوف يوناني ولد في ساموس . أسس جماعة دينية في كروتونا كانت تؤمن يتناسخ الأرواح . وضرورة الحياة المطهرة من الشهوة .

( الموسوعة العربية الميسرة 2/1342 )

(3) الطوطمية : طوطم : حيوان يرتبط باسم العشيرة عند الشعوب البدائية وبخاصة أهالي استراليا الأصليين . ويعتبر لحمه محرماً على أفرادها الذين يعتقدون انهم انحدروا منه ، ويحملون لذلك اسمه (مثل عشيرة القنغر ) ولذلك فانه يجب عليهم القيام نحوه بشعائر وطقوس معينة في مواسم خاصة . وبعض العشائر تتخذ طوطمها من النباتات أو من الكائنات المادية أو حتى (وهو نادر) من الظاهرات الطبيعية . ويحرم النظام الطوطمي قيام صلات جنسية بين أفراد الطوطم الواحد لانهم اخوة وأخوات لانحدارهم من طوطم واحد . ولذا كان الزواج الداخلي محرماً . وينتشر النظام الطوطمي في استراليا  وميلانيزيا وشمال أمريكا ، ولا توجد نظرية واحدة مقبولة تماما عن اصل هذا النظام . (الموسوعة العربية الميسرة 2/1166)

(4) في حديث رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ .

(5) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقُ إلى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تُقَادَ الشَّاةُ الْجَلْحَاءُ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


11-) أنواع الإمكان

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

للإمكان انواع واقسام هي:

الإمكان العقلي والإمكان العرفي والإمكان العادي.

فان لم تكن الحادثة الواقعة ضمن الامكان العقلي، فانها تردّ وترفض. وان لم تكن ضمن الإمكان العرفي ايضاً فإنها تكون معجزة، ولاتكون كرامةً بيسر.

وان لم تكن لها نظير عُرفاً وقاعدةً فلا تقبل إلاّ ببرهان قاطع بدرجة الشهود.

فبناءً على هذا، فان الاحوال الخارقة للعادة المروية عن السيد احمد البدوي (قدس سره)(1)

الذي لم يذق طعاماً طوال اربعين يوماً، انما هي ضمن دائرة الامكان العرفي، وتكون كرامة له، بل ربما هي عادة خارقة له.

نعم ! ان روايات متواترة تنقل عن السيد احمد البدوي (قدس سره) أنه اثناء استغراقه الروحاني كان يأكل كل اربعين يوماً مرة واحدة.

فالحادثة وقعت فعلاً، ولكن ليست دائماً، وانما حدثت بعض الاحيان من قبيل الكرامة.

وهناك احتمال ان حالته الاستغراقية كانت غير محتاجة الى طعام، لذا اصبحت بالنسبة اليه في حكم العادة.

وقد رويت حوادث كثيرة موثوقةً من هذا النوع من الاعمال الخارقة عن اولياء كثيرين من امثال السيد احمد البدوي (قدس سره).

فان كان الرزق المدّخر يدوم اكثر من اربعين يوماً - كما اثبتنا في النقطة الاولى - وان الانقطاع عن الطعام طوال تلك الفترة من الامور الممكنة عادةً،

وانه قد رويت تلك الحالات روايات موثوقة من اشخاص افذاذ، فلابد الاّ تُنكر قطعاً.(*)

_______________

(1) السيد البدوي: 596ـ 675هـ / 1200 ـ 1276م احمد بن علي بن ابراهيم الحسيني، أبو العباس البدوي.المتصوف، صاحب الشهرة في الديار المصرية. أصله من المغرب، ولد بفاس، وطاف البلاد وأقام بمكة والمدينة، ودخل مصر في ايام الملك الظاهر بيبرس، فخرج لاستقباله هو وعسكره، وانزله في دار ضيافته، وزار سورية والعراق سنة 634هـ وعظم شأنه في بلاد مصر فانتسب الى طريقته جمهور كبير بينهم الملك الظاهر. وتوفي ودفن في طنطا حيث تقام في كل سنة سوق عظيمة يفد إليها الناس من جميع انحاء القطر المصري احتفاءاً بمولده، لم يذكر له مترجموه تصنيفاً غير "حزب - مخطوط -"و"وصايا" و"صلوات". وقد افرد بعضهم سيرته في كتب، منها كتاب»السيد البدوي« لمحمد فهمي عبداللطيف. (الاعلام للزركلي 1/175). ـ المترجم.

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الثانية عشرة - ص: 99

 


12-) الايمان يقتضي الدعاء

باسمه سبحانه

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)

ايها المستخلف المبارك

كما أن الإيمان يقتضي "الدعاء" ويتّخذُه وسيلةً قاطعةً ووساطةً بين المؤمن وربّه، وكما أن الفطرةَ الإنسانية تتلهف إليه بشدةٍ وشوق،

فإن اللّٰه سبحانه وتعالى أيضا يدعو الإنسان إلى الأمر نفسه بقوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾(الفرقان:77) وبقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(غافر:60).

ولعلك تقول: " إننا كثيرا ما ندعو اللّٰه فلا يُستجابُ لنا رغم أن الآيةَ عامة تُصرّح بأنّ كل دعاءٍ مستجاب ".

الجواب: إنّ استجابةَ الدعاءشيء، وقبولَه شيء آخر. فكلُّ دعاءٍ مستجاب، إلاّ أن قبولَه وتنفيذَ المطلوب نفسه منوط بحكمةِ اللّٰه سبحانه.

فمثلا: يستصرخ طفل عليل الطبيبَ قائلا: أيها الطبيب انظرْ إليّ واكشِفْ عني. فيقول الطبيب: أمرُك يا صغيري.

فيقول الطفل: اعطني هذا الدواء. فالطبيبُ حينذاك إمّا أنه يُعطيه الدواء نفسَه، أو يعطيه دواءً أكثر نفعا وأفضل له، أو يمنع عنه العلاجَ نهائيا. وذلك حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ.

وكذلك الحق تبارك وتعالى - وله المثل الأعلى - فلأنه حكيم مطلق ورقيب حسيب في كل آن، فهو سبحانه يستجيب دعاءَ العبد، وباستجابته يُزيل وحشَته القاتمةَ وغربتَه الرهيبة، مُبدلا إياها أملا وأنسا واطمئنانا. وهو سبحانه إما أنه يَقبل مَطلبَ العبد ويستجيب لدعائه نفسه مباشرة، أو يمنحه أفضلَ منه، أو يردّه، وذلك حسب اقتضاء الحكمة الربانية، لا حسبَ أهواء العبد المتحكمة وأمانيّه الفاسدة.

وكذا، فالدعاء هو ضرب من العبودية، وثمارُ العبادة وفوائدُها أخروية. أما المقاصدُ الدنيوية فهي "أوقاتُ" ذلك النوع من الدعاءوالعبادة، وليست غاياتها.

فمثلا: صلاةُ الاستسقاء نوع من العبادة، وانقطاع المطر هو وقتُ تلك العبادة. فليست تلك العبادةُ وذلك الدعاءلأجل نـزولِ المطر.

فلو أدّيَتْ تلك العبادةُ لأجل هذه النية وحدَها إذن لكانت غير حريّة بالقبول، حيث لم تكن خالصةً لوجه اللّٰه تعالى..

وكذا وقتُ غروبِ الشمس هو إعلان عن صلاة المغرب، ووقتُ كسوف الشمس وخسوف القمر هو وقتُ صلاةِ الكسوف والخسوف.

أي إن اللّٰه سبحانه يدعو عبادَه إلى نوعٍ من العبادة لمناسبة انكساف آية النهار وانخساف آية الليل اللتين تومئان وتُعلنان عظمتَهُ سبحانه.

وإلاّ فليست هذه العبادة لانجلاء الشمس والقمر الذي هو معلوم عند الفلكي..

فكما أن الأمر في هذا هكذا فكذلك وقتُ انحباس المطر هو وقتُ صلاةِ الاستسقاء، وتهافتُ البلايا وتسلطُ الشرور والأشياء المضرة هو وقتُ بعض الأدعية الخاصة، حيث يدرك الإنسانُ حينئذٍ عجزَه وفقرَه فيلوذ بالدعاء والتضرع إلى باب القدير المطلق.

وإذا لم يدفع اللّٰهُ سبحانه تلك البلايا والمصائبَ والشرور مع الدعاءالملحّ، فلا يُقالُ: إن الدعاءَ لم يُستجبْ، بل يقال: إنّ وقت الدعاءلم ينقضِ بعدُ.

وإذا ما رفع سبحانه بفضله وكرمه تلك البلايا وكشفَ الغمةَ فقد انتهى وقتُ الدعاءإذن وانقضى.

وبهذا فالدعاء سرّ من أسرار العبودية. والعبودية لابد أن تكون خالصةً لوجه اللّٰه، بأن يأوي الإنسانُ إلى ربِّه بالدعاء مُظهرا عجزَه، مع عدم التدخل في إجراءات ربوبيته، أو الاعتراض عليها، وتسليمُ الأمر والتدبير كلّه إليه وحدَه، مع الاعتماد على حكمته من دون اتهامٍ لرحمته ولا القنوط منها.

نعم، لقد ثبت بالآيات البيّنات أن الموجودات في وضعِ تسبيحٍ للّٰه تعالى؛ كل بتسبيح خاص، في عبادة خاصة، في سجود خاص، فتتمخّض عن هذه الأوضاع العبادية التي لا تعدّ ولا تحصى سبُلُ الدعاء المؤدية إلى كنف ربٍّ عظيم.

إما عن طريق " لسان الاستعداد والقابلية "؛ كدعاء جميع النباتات والحيوانات قاطبة، حيث يبتغي كلُّ واحدٍ منهما من الفيّاض المطلق صورةً معينةً له فيها معانٍ لأسمائه الحسنى. أو عن طريق " لسان الحاجة الفطرية " كأدعية جميع أنواع الأحياء للحصول على حاجاتها الضرورية التي هي خارجة عن قدرتها، فيطلب كلُّ حيٍ من الجواد المطلق؛ بلسان حاجته الفطرية عناصرَ استمرار وجوده التي هي بمثابة رزقها.

أو عن طريق " لسان الاضطرار "، كدعاء المضطرّ الذي يتضرع تضرعا كاملا إلى مولاه المغيب، بل لا يتوجّه إلاّ إلى ربّه الرحيم الذي يلبّي حاجته ويقبل التجاءَه.

فهذه الأنواع الثلاثة من الدعاء مقبولة إن لم يطرأ عليها ما يجعلُها غير مقبولة.

والنوع الرابع من الدعاء، هو "دعاؤنا" المعروف، فهو أيضا نوعان:

أحدهما: دعاء فعلي وحالي.

وثانيهما: دعاء قلبي وقولي.

فمثلا: الأخذُ بالأسباب هو دعاء فعلي، علما أنّ اجتماع الأسباب ليس المرادُ منه إيجاد المسبَّب. وإنما هو لاتخاذ وضع ملائم ومُرضٍ للّٰه سبحانه لِطَلَب المسبَّب منه بلسان الحال. حتى إن الحراثةَ بمنـزلةِ طَرْقِ بابِ خزينةِ الرحمةِ الإلهية. ونظرا لكون هذا النوع من الدعاء الفعلي موجّه نحو اسم " الجواد " المطلق وإلى عنوانه فهو مقبول لا يُردُّ في أكثر الأحيان.

أما القسم الثاني: فهو الدعاء باللسان والقلب. أي طلبُ الحصولِ على المطالب غير القابلة للتحقيق والحاجات التي لا تصلُ إليها اليدُ. فأهمُّ جهةٍ لهذا الدعاء وألطفُ غاياته وألذُّ ثمراته هو أن الداعي يُدرك أن هناك مَن يسمع خواطرَ قلبه، وتصل يدُه إلى كل شيء، ومَن هو القادرُ على تلبية جميع رغباته وآمالِه، ومَن يرحم عجزَه ويُواسي فقرَه.

فيا أيها الإنسان العاجز الفقير! إياك أن تتخلّى عن مفتاح خزينةِ رحمةٍ واسعةٍ ومصدر قوةٍ متينة، ألاَ وهو الدعاءُ.

فتشبَّثْ به لترتقيَ إلى أعلى علّيي الإنسانية، واجعل دعاءَ الكائنات جزءا من دعائك.

ومن نفسك عبدا كليا ووكيلا عاما بقولك ﴿إياكَ نَسْتَعينُ﴾ وكن أحسنَ تقويمٍ لهذا الكون. (*)

______________

كليات رسائل النور – الكلمات ص:356

 

 


13-) يا نارُ كوني

باسمه سبحانه

﴿قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على ابراهيم﴾ (الانبياء:69).

ايها المستخلف المبارك

هذه الآية الكريمة تبين معجزة سيدنا ابراهيم عليه السلام، وفيها ثلاث اشارات لطيفة:

أولاها: النار - كسائر الاسباب - ليس أمرها بيدها، فلا تعمل كيفما تشاء حسب هواها وبلا بصيرة، بل تقوم بمهمتها وفق أمر يُفرض عليها. فلم تحرق سيدنا ابراهيم لانها أُمرت بعدم الحرق.

ثانيتها: ان للنار درجة تحرق ببرودتها، أي تؤثر كالاحتراق.

فالله سبحانه يخاطب البرودة بلفظة:(سلاماً)(1) بأن لا تحرقي انتِ كذلك ابراهيم، كما لم تحرقه الحرارة.

أي أن النار في تلك الدرجة تؤثر ببرودتها كأنها تحرق، فهي نار وهي برد.

نعم ان النار - كما في علم الطبيعيات - لها درجات متفاوتة، منها درجة على صورة نار بيضاء لا تنشر حرارتها بل تكسب مما حولها من الحرارة، فتجمد بهذه البرودة ما حولها من السوائل، وكأنها تحـرق ببرودتــها.

وهكـذا الزمهــرير لـون من الوان النار تحرق ببرودتها، فوجوده اذن ضروري في جهنم التي تضم جميع درجات النار وجميع أنواعها.

ثالثتها: مثلما الايمان الذي هو (مادة معنوية) يمنع مفعول نار جهنم، وينجي المؤمنين منها. وكما ان الاسلام درع واقٍ وحصن حصين من النار، كذلك هناك (مادة مادية) تمنع تأثير نار الدنيا، وهي درع أمامها، لان الله سبحانه يجري اجراءاته في هذه الدنيا - التي هي دار الحكمة - تحت ستار الاسباب وذلك بمقتضى اسمه (الحكيم)، لذا لم تحرق النار جسم سيدنا ابراهيم عليه السلام مثلما لم تحرق ثيابه وملابسه ايضاً. فهذه الآية ترمز الى:

(يا ملة ابراهيم! اقتدوا بابراهيم! كي يكون لباسكم لباس التقوى وهو لباس ابراهيم، وليكون حصناً مانعاً ودرعاً واقياً في الدنيا والآخرة تجاه عدوكم الاكبر، النار. فلقد خبأ سبحانه لكم مواداً في الارض تحفظكم من شر النار، كما يقيكم لباس التقوى والايمان الذي ألبستموه أرواحكم، شر نار جهنم.. فهلموا واكتشفوا هذه المواد المانعة من الحرارة واستخرجوها من باطن الارض والبسوها).

وهكذا وجد الانسان حصيلة بحوثه واكتشافاته مادة لا تحرقها النار، بل تقاومها فيمكنه ان يصنع منها لباساً وثياباً.

فقارن هذه الآية الكريمة، وقس مدى سموها وعلوها على اكتشاف الانسان للمادة المضادة للنار، واعلم كيف انها تدل على حلة قشيبة نسجت في مصنع (حنيفاً مسلماً) لا تتمزق ولا تخلق وتبقى محتفظة بجمالها وبهائها الى الابد.(*)

___________

(1) يذكر احد التفاسير أنه: لولم يقل (سلاماً) لكانت تحرق ببرودتها. ـ المؤلف

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :288

 


14-) المصطلحات المتعلقة بالروح العقل

 

العقل :

    وهو قوة وهبت للانسان لادارك عوالم المادية والمعنوية. وبواسطة العقل يكسب الانسان العلم والحكمة. وان العقل رغم تقربه من المادة من جهة الفعل والتدبير، إلاّ انه مجرد عن المادة في ذاته. وهو جوهر بحيث جعله الله تعالى – بإحسانه – نوراً لروح الانسان وليستكشف بوساطته حقائق الأشياء.

    والعقل نور يرتقي به الانسان الى قمة الكمالات. وهو آلة ادراك يتميز بها الانسان عن الحيوان. وهو أساس جميع الفضائل والمعارف. وقد خلقه الله تعالى ليكون أساس الذين وركن العالم. حيث توجهت اليه الاديان. وكما ان نظام العالم وميزانه قائم به، فان السعادة الأبدية تتحقق بوساطته.

    ويتوصل العقل في مسألة معينة الى حكم قطعي بايجاده النقاط المشتركة بين الاشياء والحوادث. وذلك بترتيب تلك الاشياء والحوادث وتحليلها حسب قواعد المنطق. فيطبق نتائج العقيدة أو المبدأ في الفعل والعمل. ويقوم العقل بتأمين التطابق بين المفاهيم والموجودات الخارجية. فيدرك بوساطة القياس وبمعاونة معلوماته ما كان مجهولاً له. وبتفكره من الجزئي الى الكلي ومن الكلي الى الجزئي يتوصل الى النتائج.وبذلك يعمل العقل على حل أسرار الموجودات وماهيتها وحقائقها بعلوم ظاهرية ونظرية.

    وللعقل ثلاث مراتب : الحكمة والتهور والغباوة.

    فالحكمة : هي مرتبة الوسط للعقل. وهي امتثال الحق بعدما يراه حقاً واجتناب الباطل بعد ما يراه باطلاً. وبوساطة الحكمة يقوم العقل بجلب المنافع ودرء المفاسد. وبذلك يؤدي هذا العقل صاحبه الى التقوى والعمل الصالح.

    أما التهور، فهي مرتبة الافراط في العقل. ويمتلك صاحبها ذكاءً مكّاراً يُظهر به الحق باطلاً والباطل حقاً.

    وأما الغباوة : فهي المرتبة التي لا يعي صاحبها أبسط الأشياء ولا يكون لديه علم بها.

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (( أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، ثم قال لها أدبر فأدبرَ ثم قال الله عزوجل، وعزتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أكرم عليّ منك، بكَ آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب ))(1).

    ويقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (( أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خلقه ))(2).

    وقد قسم حكماء الإسلام العقل الى أربع مرتب :

    1- العقل الخيالي : وهو عبارة عن استعداد مطلق لادراك العلم والحكمة. أي انه قوة جاهزة لكسب العلم. مثال ذلك عقل الاطفال.

    2- العقل المَلَكي : يعرف العقل – في هذه المرتبة – الحقائق المتعلقة بالاشياء بصورة صحيحة ومستقيمة. أما المجهولة منها فانه يتوصل اليها عن طريق القياس.

    3- العقل الفعلي : ينتقل العقل في هذه المرتبة بعمل جاد وبسرعة الى النظريات. وبذلك يمكنه التوصل الى حقيقة أي شيء بتوجه قليل منه. فمثلاً يستطيع الوصول الى علم خلال ساعة واحدة او يوم واحد، في حين لا يستطيع أي شخص الحصول عليه خلال سنة واحدة. 

    4- العقل المستفاد : وهذه المرتبة هي هبة من الله تعالى. ويعبر عن هذه المرتبة بالعلم الحضوري. حيث تكون العلوم النظرية حاضرة لديه. أي ان العلوم والحقائق النظرية تكون مكشوفة وظاهرة لدى الشخص الذي يكون مظهراً لهذه المرتبة. وهذا المقام يختص بالأنبياء والخواص من الأولياء.

 

القلب :

    ينظر الى القلب بمعنيين الأول : مادي، والآخر معنوي.

    1- القلب المادي : وهو قطعة لحمية صنوبرية الشكل تتكون من عضلات قوية. وهو في هذا المعنى يقوم بتوزيع الدم الذي يعتبر ماء الحياة الى انحاء الجسم. وهذا القلب هو مفتاح الحياة. فالحياة قائمة بعمله، ومتى ما توقف عن العمل انتهت الحياة.

    2- القلب المعنوي : لقد أطلق أهل المعرفة والحكمة على القلب المعنوي – الذي هو سر إلهي ومعكس الأسرار الربانية – باللطيفة الربانية. وسبب تسمية هذه اللطيفة بالقلب لتقلبها باستمرار، وان الله سبحانه بلطفه وكرمه أحسن الى عباده بهذا القلب الذي هو محل المعرفة والفيوضات وذلك لإظهار معرفته ومحبته سبحانه لهم.

    فمعرفة العبد ومحبته لله تعالى تكون بهذا القلب. والقلب هو مهد ومسكن ومنبع ومركز جميع الفضائل والرذائل. وهو في انشراح دائم وفي تحول مستمر من حال الى حال عند قيامه بوظائفه المودعة لديه بشوق ونشوة. وتقوم هذه اللطيفة المليئة بالأسرار بعرض نتائج فعاليتها الجياشة المكنونة لديها وإظهار أسرارها الباطنة عن طريق اللسان والعين والأذن واليدين والرجلين.

    فينبغي عدم فتح باب قصر مليء بالأسرار أو فتح زبانة حوض مليء بالماء مرة واحدة دون علم ومعرفة. ولا بد لأية ثكنة عسكرية من تعليمات الدخول للثكنة والخروج منها. فعلى الانسان أن لا يسمح بكل ما يسمعها من الكلمات بالدخول الى قلبه او الخروج منه.

    أوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام : (( يا موسى إني خلقتُ في صدر عبدي قصراً سميته القلب. فجعلت المعرفة أرض هذا القصر، والايمان سماؤه، والشوق شمسه، والمحبة قمره، والهمة ترابه، والخوف رعده، والرحمة مطره، والوفاء شجره، والحكمة ثمراته، والفراسة نهاره، والمصائب ليله. وجعلت أبوابه العلم والحلم واليقين والصدق، ومفتاحه هو الفكر. ولن يطلع عليه سواي )).

    ويقول الشيخ عبدالقادر الكيلاني(3) - قدس سره – في إيضاحه هذه الحقيقة : (( أول ما يشرق في قلب المؤمن هو نجم الحلم. ومن ثم قمر العلم، فشمس المعرفة. فيعيش هذا المؤمن حياته بضياء الحلم وينوّر أخرته بنور العلم. وينظر الى مولاه بشمس المعرفة. 

    والآن نبين طبقات القلب ونتطرق بايجاز الخصائص المتعلقة بأطوار هذه الطبقات :

    للقلب المعنوي سبع طبقات، فكما ان في كل طبقة من طبقات السماء مقاماً لنبي من الأنبياء – عليهم السلام – فكذلك ان في كل طبقة من طبقات القلب طور وحال مسيطر عليها.

    يطلق على سماء الطبقة الاولى للقلب بـ ( الصدر )، حيث ينشرح الصدر ويتسع بالايمان والمعرفة. والصدر في الانسان شبيه بعالم الفضاء، فمثلما تسير النجوم والشموس في مسارها في عالم الفضاء، فان لطائف وحواس مختلفة تسير وتجول في فضاء صدر الانسان.

    نعم ان الصدر هو ميدان جميع المعارف الإلهية والقدسية، وسماء نجوم المعنويات وعرش الفيوضات والكمالات. ومن هذا العرش ينهمر الطمأنينة والسرور كالمطر. وبذلك ينشرح صدر الانسان ويطمئن قلبه.   

    وفي هذه الحالة تستطيع الروح بلطف الله جل جلاله أن تتغلب على كل مشكلة في حاضرها ومستقبلها وفي الدنيا والآخرة. وتخرج من الضلالة الى الهدى ومن الاتراح الى الافراح ومن الضيق الى السعة وذلك مثلما شرح الله صدره نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعله أوسع من الفضاء ووهب له كمال الاطمئنان والراحة والانشراح.

    أما سماء الطبقة الثانية فهو ( القلب )، والقلب هو محل الايمان وفيه بشع نور الهداية. وهذا القلب يحب الله ويتوجه اليه ويتلذذ من معرفته سبحانه.

    ويطلق على سماء الطبقة الثالثة بـ ( الشغاف) وفيه يشع نور المحبة وتسطع شمس العشق والشوق. ومن هذا الطور يتلذذ الانسان بحلاوة الايمان ولذة المعرفة والمحبة. ويكون قلب الانسان سليماً وعقله كاملاً.

    ويطلق على سماء الطبقة الرابعة بـ ( الفؤاد )، وفيها يحصل نو المشاهدة والكشف والكرامة. وفيها تنزاح حجب عوالم المعنى والملكوت. وهذه الطبقة يتوج اليها النظر الإلهي.

    ويطلق على سماء الطبقة الخامسة بـ ( حب القلوب ). وفي هذه الطبقة تكون محبة الله في أكمل مرتبة ومن ثم تنقلب هذه المحبة الى العشق، وفيها يترك حب الدنيا كلها.

    وسماء الطبقة السادسة هي ( السويداء ). وهذه الطبقة هي خزينة الأسرار الربانية. وفيها تشع أنوار العلوم الباطنة. وتشبه هذه السماء بمرآة ذات وجهين تتوجه الى عالم الشهادة وعالم الغيب معاً. وبنسبة لمعان هذه المرآة تنكشف لها أسرار لا يعلمها حتى الملائكة. بقول الرسول r (( لي مع الله وقت لا يَسَعني فيه مَلَك مقرّب ولا نبي مرسل ))(4).

    ويقول الشاعر

           سويداء قلبي أصبحت حرَماً لكم

                                               تطوف بها الأسرار من عالم اللطف

    وأما سماء الطبقة السابعة فهي (( سر القلوب )) وهذه الطبقة هي محل تجلي الأنوار. وان الله تعالى يفتح في قلوب عباده الذين اصطفاهم وشاء لهم الخير باباً يريهم من خلاله عوالم العجائب والغرائب.

    وقد استنبط علماؤنا الأجلاء كل طبقة من هذه الطبقات السبع من آية قرآنية معينة.

 

الوجدان :

    عندما يتصور الانسان بفكره شيئاً ويصدقه الوجدان بعد ذلك نتيجة المحاكمة يكون هذا العلم علماً يقينياً، أي علماً بعيداً عن الشك والريب. وبهذا التصديق يتعلق اطمئنان القلب وسكينته. والوجدان ميزان حساس يزن الكيفيات والحالات من الألم والرجاء والسرور والحزن والمحبة والعداوة والحسن والقبح والحق والباطل. وانه لا يخطأ أبداً ولا يغفل النفس الناطقة ( الروح ). والوجدان حس معنوي يزن الأفعال والتصرفات والأفكار والآمال والميول الحسنة والشريرة.

    ومثلما يقوم الانسان بوجدانه بأداء وظائفه تجاه خالقه، فانه يقوم أيضاً بمسئوليته تجاه مجتمعه. والخلاصة ان الوجدان هو ميزان الانسان.  

 

القوة الخيالية :

    الخيال هو احدى خزائن الحس المشترك.ويقوم الحس المشترك بتحويل المعلومات المكتسبة بوساطة الحواس الخمس الى الخيال. فمثلاً يقوم الحس المشترك بالتقاط الصور المرئية والاصوات المسموعة ويسلمها الى الخيال قبل ضياعها وتشتتها. فهو يودع كل ما تلتقطها الحواس الخمس من الاشكال الى الخيال. كما هو الحال في جهاز التصوير الذي يثبت الصور على الورق. وكذلك الانسان فانه يستطيع التعرف على الشكل الذي رآه مسبقاً او الصوت الذي سمعه من قبل. ويستطيع أيضاً بوساطة هذه القوى بين فترة واخرى تخيل معالم مدينة سبق له أن زارها او صوت سمعه.

    والوظيفة الاخرى للخيال هي خزن المادة الاساسية التي يحتاج اليها الذهن. أي بمعنى إعداد الاشياء التي تأتي من الخارج بوساطة الحس المشترك وجعلها رأس مال للذهن.

    ان مثل الخيال كمثل رحى يقوم بتصنيف المعادن المركبة المستخرجة من الجبال. فكما ان هذه المعادن المركبة تصنف حسب خواص كل معدن بعد مرورها في مصافي كيمياوية عديدة، فان الأفكار الأولية المركبة التي سلمها الحس المشترك الى الخيال، تصنف وتحلل بعد مرورها في مصفى التصور. وان المعلومات المكتسبة في الحافظة تكون مسجلة ومثبتة تحت أصناف، بينما تكون هذه المعلومات مشتتة متبعثرة وغير نظامية في الخيال.

    وللخيال وظيفة اخرى، وهي معاونته الانسان على أعمال سينجزها في المستقبل. فمثلاً ان الانسان يتخيل بالشيء الذي يرغبه ومن ثم يتصوره وأخيراً يبحث عن سبل تحقيق ذلك الشيء. نعم لو آمن الانسان بتحقيق ما في خياله لمستقبله فان ثقته تزداد وينجو من اليأس. وأما إن لم يعتمد على ذلك فانه يقع في اليأس. فالخيال في هذه الحالة يصبح عالم الآمال ومصدر تسلي كبير للانسان. فمثلاً لو خسر تاجر في تجارته سنة واحدة، فانه لا يقلق بذلك  لتخيله ربحه في المستقبل فيتسلى بذلك. 

    وان الأشياء المتخيلة يمكن أن تكون سبباً للسعادة وللشقاوة والطالة على حد سواء. لأن الانسان لو لم يتحكم على خياله بفكره، فان هذا الخيال سيولد سفسطات كثيرة، فيظهر الأشياء المضرة والباطلة أشياء جميلة. فالخاصية المهمة للانسان هي تمييز الحقيقة عن الخيال. وذلك بتحكمه على التصورات.

 

القوة الحافظة :

    وهي مركز تسجيل الأشكال والصور والأصوات والمعاني والخواطر والحوادث والألوان والكيفيات. بمعنى انها أرشيف العقل. فهذه الأشكال والصور الصادرة من الحواس الباطنة والظاهرة تنسج على هذه القوة. فمثلاً : عندما يلتقي شخصان للمرة الثانية فان أحدهما يعرف الآخر، لأن صورة كل واحد منهم طبعت في حافظة الآخر عند اللقاء الأول. و تتقوى هذه الحافظة بوساطة الدقة والتكرار والاعتناء.

 

القوة الوهمية :

    وهي القوة التي تشغل الانسان بالمخاوف والأوهام. حيث تقوم هذه القوة بتصوير الأشياء الممكنة او المحالة بضخامة وبصورة غريبة. فيستطيع الانسان بهذه القوة تخيل آلاف الشموس أو تخيل وجود جبل القاف(5). او طير العنقاء(6) الذي لا اصل لههما.

    واذا ما غلب الانسان أمام قوته الوهمية، فانه يظهر سفسطات وخدع تخالف الدلائل النقلية والعقلية وتخالف الحق والحقيقة. وجميع المعتقدات الباطلة هي من ثمار تغلب هذه القوة. وان غاية اعطاء هذه القوة للانسان هي لأجل الامتحان والاختبار فحسب. وقد أستعاذ أولياء عظام من غلبة الوهم على الفهم.

 

القوة المتصرفة :

    سجل علماء الفلاسفة وجود قوة يطلق عليها بالقوة المتصرفة، وهي الحس الخامس. وتتصرف في هذه القوة القوى الوهمية والعقلية.أي ان القوة المتصرفة تعبر بمثابة مصنع لهاتين القوتين.

    ويطلق أيضاً على هذه القوة بالقوة المفكرة باعتبارها مختبر العقل، وبالقوة المتخيلة باعتبارها محل عمل القوة الوهمية. أي ان الإنسان يستطيع بهذه القوة استنباط أشياء لا حقيقة لها بتصرفه في الصور التي يحس بها بعد تحليلها وتركيبها. فمثلاً : يصور إنساناً له رأسان وأربعة أرجل.

    وعندما تعمل القوة العقلية في مصنع القوة المتصرفة فانها يطلق عليها بـ ( القوة المفكرة ) ولكن القوة الوهمية لا تستطيع التقرب منها. وأما اذا ما تخلى العقل عن وظيفته في هذا المصنع فان القوة الوهمية تبدأ بعملها.

 

الحس المشترك :

    وهو القوة الموضوعة في مقدمة الدماغ. ويقوم هذا الحس بجمع المعلومات والاشكال والصور والاصوات الملتقطة من قبل الحواس الخمس من العالم الخارجي ونقلها إلى الحواس الباطنة.

    وتُجمع صور الاشياء الملتقطة من قبل الحواس الظاهرة في هذا الحس. ويمكن تشبيه هذا الحس بجهاز التلفزيون الذي يقوم بالتقاط وبث الصور والاصوات والاشكال والالوان. فوظيفة الحس المشترك هي ترجمة الايعازات الواردة من الخارج الى الداخل وبالعكس.

    ان المعاني المتولدة في القلب تصل الى الدماغ بشكل مجرد، ومنه الى الحس المشترك بعد مرورها من صفحات التخيل والتصور والتعقل الموجودة في الدماغ ومن ثم تلبس صورتها وتنتقل من الحس المشترك بعد تعلقها بالارادة الى العالم الخارجي عن طريق الحواس الظاهرة.

 

القوة الشهوية :

    هي القوة التي تأخذ الاشياء النافعة وتكتسبها. ويطلق عليها أيضاً بـ ( القوة المحركة ). وبوساطة هذه القوة تتحقق الرغبات والآمال. (( وتفريط القوة الشهوية الخمودة وعدم الاشتياق الى شيء ؛ وافراطها الفجور بأن يشتهي ما صادف حلّ أو حرم. ووسطها العفة بأن يرغب في الحلال ويهرب عن الحرام وقس على الأصل كل فرع من فروعاته من الأكل والشرب واللبس وأمثالها ))(7).

 

القوة الغضبية :

    يطلق على القوة الدافعة للمضرات بـ (القوة الغضبية). وعن طريق هذه القوة يحافظ الانسان على حياته بدرئه المفاسد عن نفسه. ويقول بديع الزمان النورس – رحمه الله – في توضيحه هذه القوة : (( تفريط القوة الغضبية الجبانة أي الخوف مما لايخاف منه والتوهم. وافراطها التهوّر الذي هو واد الاستبداد والتحكم والظلم، ووسطها الشجاعة أي بذل الروح بعشق وشوق لحماية ناموس الاسلامية واعلاء كلمة التوحيد ))(8).

    (( وإن لم تسلك القوة الغضبية طريق الشجاعة التي هي حد الاستقامة، هوت بالافراط في تهور وتجبر ذي أضرار بالغة وظلم شنيع وبالتفريط الى كثير من التخوف والتجبن المذل المؤلم فتعاني عذاباً وجدانياً دائماً جزاءً لما ارتكب من خطأ فقدها حد الاستقامة ))(9).

 

النفس :

    قسّم أرباب المعرفة والحكمة النفس في الانسان الى أقسام أربعة : النفس الطبيعية، النفس النباتية، النفس الحيوانية، النفس الانسانية.

    1- النفس الطبيعية :

    وهي القوة التي تربط أجزاء من الانسان بعضها مع البعض الآخر وتمنعه من التجزء والتحلل.

    2- النفس النباتية :

    وهذه القوة تساعد الانسان على النمو. ومن وظائفها هي البحث عن الرزق والحصول عليه، والاكل والشرب. وعملية الهضم في المعدة، وتقسيم الغذاء المفيد للجسم الى الاعضاء واخراج الضار والغير الضروري منه وطرحه خارج الجسم، وتحضير النطف الضرورية لدوام النسل.

    3- النفس الحيوانية :

    وهي قوة الديمومة والشهوة والحركة.

    4- النفس الانسانية (النفس الناطقة) :

    وهي جوهر مجرد عن المادة، او هي الجسم اللطيف عليها بالروح. والروح هي سلطان الجسد. ولكنها تقوم باجراء تصرفاتها في اجزاء الجسد عن طريق النفس الحيوانية.

    هذا وقد شبه اهل التفسير، الروح الطبيعية بالمشكاة ؛ والروح النباتية بالفتيلة، والروح الحيوانية بالوقود، والروح الانسانية بالزجاجية.

 

طبقات النفس :

    1- النفس الأمّارة :

    تكون هذه النفس تابعة لالقاءات الشيطان واغراءاته وبدون اعتراض، وهي دائماً تأمر بالمنكر فتجعل الانسان تابعاً لميول ولذات غير مشروعة وبهذه الصورة تكون النفس الامارة عدوة المؤمن. وفي الحديث الشريف اشارة الى هذه النفس في قوله صلى الله عليه وسلم( أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك (10).

     2- النفس اللوامة :

    وهي النفس التي تلوم ذاتها وتتعذب بعذاب الوجدان، باحساسها بالندم على ما قام بها من سيئات تحت ضغط وتضييق النفس الأمارة. وهذه النفس مهما لامت ذاتها وقيّمتها، فانها تميل الى السيئات وترغب بها. حتى انها لم تتطهر تماماً من بعض مخلفات النفس الأمارة. حيث تستمر استمالتها نحو الشهوة غير المشروعة، ولكنها تتألم من هذا الموقف.

    وان هذه النفس رغم قيامها بعبادتها لله تعالى، فانها تميل الى الرياء. إلاّ ان وجدانها يكون قلقاً من هذا الرياء. وانها ليست بريئة تماماً من المخاطر والزلل.

    ولكي ينجو الانسان من مخاطر هذه النفس يلزم عليه اشباع فكره وعقله بالحقائق الايمانية ومجاهدة هذه النفس. عندئذ يطمئن قلبه ويفيض بالمحبة وباللذة المعنوية. فلا يكون مغلوباً أمام وساوس نفسه، ولا ينخدع بتلقينات شهوته.

    3- النفس الملهمة :

    ينجو الانسان من النفس اللوامة ويدخل في النفس الملهمة باتباعه القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبتركه المحرمات والدخول في دائرة التقوى. وان سبب تسميتها بهذا الاسم هو : لأجل الالهام الحاصل من الله تعالى على صاحب هذه النفس من فيض وانوار وحكم ومعارف. وفي هذه المرتبة تبرز مزايا عالية كالعلم والحلم والعفة والصبر والتواضع والتواصي بالحق والجهاد.

    4- النفس المطمئنة :

    وهي النفس المتصفة بالأخلاق الحسنة، واطمأنت وحظيت بالقرب الإلهي وتطهرت من الصفات القبيحة. والانسان المالك لهذه النفس يكون حليماً وسليماً ومتوكلاً، وجاعلاً حركاته مطابقة للسنة النبوية المطهرة، وبذلك يمطئن قلبه. لذا يجد المصاحب لهذا الانسان المالك لهذه النفس السكينة والسرور، ويتعين لديه العلم الوهبي بعد انتقاله الى مرتبة معينة. فيكون عالماً بأسرار القرآن الكريم وحقائق الأشياء.

    5- النفس الراضية :

    يطلق على النفس التي تركت جميع رغباتها وشهواتها المشروعة والغير المشروعة، وبلغت لديها رغبة تحصيل مرضاة الله تعالى، مرتبة الكمال بالنفس الراضية. وفي هذا المقام من النفس لم يبق أي اثر للعجز البشري، فتكون حركاتها في سبيل مرضاة الله تعالى.

    6- النفس المرضية :

    وهي النفس التي حظيت برضاء الله تعالى وقبوله، وان صاحب هذه النفس قد بلغ درجة الكمال في نسيان الرغبات البشرية وإن كانت في دائرة الحلال. واستسلم كلياً لارادة الله تعالى. فمثل هذا الانسان يعفو ويصفح عن جميع الاهانات المتوجهة اليه. فيشفق ويرحم الجميع وينورهم بالمعارف ويخلصهم من ظلمات الجهل ويكون ممن يؤثرون على أنفسهم، وتكون روحه وقلبه بمثابة ينابيع الانوار ومصدر الاسرار.

    7- النفس الكاملة :

    يطلق على النفس التي بلغت درجة الكمال في العلم والورع والخلق الحسن وأخذت على عاتقها وظيفة ارشاد الناس، بالنفس الكاملة. ويكون صاحب هذه النفس والذي بلغ مقام الارشاد في مجال المعرفة، موظفاً معنوياً لاكمال مقامات الآخرين. فيكون خطابه علوماً وحِكماً، وتفيض قلوب اصحابه بمحبة الله تعالى(11).

 

 

قوى النفس الجسمانية (النباتية والحيوانية ) :

    للنفس الجسمانية خمس قوى :

  1. القوة الغذائية : وهي قوة الأكل والشرب وأخذ الغذاء.
  2. القوة النامية : وهي قوة النشوء والنماء.
  3. القوة المولدة : وهي قوة التوالد والتكاثر.
  4. القوة المصورة : وهي القوة التي تلبس صوراً وأشكالاً للاشياء المتولدة من القوة المولدة. حيث تأخذ النطف المستقرة في الارحام او النوى المزروعة تحت التراب باذن الله تعالى بوساطة هذه القوة أشكالاً وصوراً معينة.

    وهاتان القوتان الأخيرتان ضرورية لدوام النوع وبقائه.

    5- القوة المميزة :

    وهي القوة التي تميز الغذاء الطازج عن الكثيف وترسله الى المكان المناسب له. وتقوم بتوزيع أفضل الأغذية الى الدماغ ومن ثم الى الكريات البيض وبعدها الى الاعضاء الاخرى وذلك حسب أهمية الغذاء.

    القوى الهضمية :

    تنقسم هذه القوى الى أقسام أربعة :

    1- القوة الجاذبة :

    وهي القوة التي تحمل الغذاء الحاصل الى الأماكن المحتاجة له. ولولا هذه القوة لتسرب الغذاء كالماء الجاري وتوقفت الحياة.

    2- القوة الماسكة (المحافظة) :

    تُسلم الأغذية الحاصلة من قبل القوة الجاذبة الى القوة الماسكة بوساطة هذه القوة، وتبقى الأغذية في الجسم الى فترة معينة لحين قيام القوة الهاضمة بوظيفتها.

    3- القوة الهاضمة :

    تقوم هذه القوة بهضم الغذاء الذي احتفظ من قبل القوة الماسكة. ويكون الغذاء المهضوم جزءاً من الجسم. وذلك بمعاونة القوة الجاذبة. ولهذه القوة أربع مصافي وهي : الفم والمعدة والكبد والامعاء الدقيقة والغليظة.

    4- القوة الدافعة :

    وهي القوة التي تدفع المواد الغير النافعة الى الخارج.

 

    الجوهر :

     وهو الاصل الثابت الذي تجري عليه تغيرات وتبدلات الحوادث.

    وينقسم الجوهر الى قسمين : الأول مادي، والآخر معنوي. فالمواد الأساس هي الجوهر المادي، أما الأجسام والمواد المختلفة في الشكل والخصائص والناتجة من مركبات المواد الاساس فهي العرضي.

    أما الجوهر المعنوي : فهو يضم جميع الروحانيات. فالروح الانساني هي جوهر، وبدنه هو العرض.

    وقد اتضح مما سبق ان في الانسان ماهية ثابتة لا تتغير بتغير جسده ألاَ وهي الجوهر. أما القسم المتغير منه فهو العرض. (*)  

 

______________

(1) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابي أمامة وأبو نعيم من حديث عائشة باسنادين ضعيفين .

(2) الكشكول ؛ محمد بهاءالدين العاملي ص3 .

(3) الشيخ عبدالقادر الكيلاني : ابن ابي صالح ابو محمد الجيلي ، ولد سنة 470هـ . ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه على ابي سعيد المخزمي الحنبلي . كان من سادات المشايخ من مصنفاته : كتاب الغنية وفتوح الغيب والفتح الرباني . توفي وله تسعون سنة ودفن بالمدرسة التي كانت له سنة 561 هـ . (المترجم) .

 (4) يقول الامام الرباني في مكتوباته عن هذا الحديث الشريف (( بعد تسليم صحة هذا الحديث أن بعض المشايخ قد أراد بالوقت الواقع في الحديث وقتاً مستمراً أي لي مع الله وقت مستمر ، فلا إشكال . ( وثانياً ) ان الوقت المستمر قد تعرض فيه أحياناً كيفية خاصة يمكن أن يكون المراد بالوقت الوقت النادر ويكون المراد به هذه الكيفية النادرة . فعلى هذا يرتفع الإشكال أيضاً . ويمكن أن يكون في حديث ( وقرة عيني في الصلاة ) اشارة الى هذه الكيفية النادرة . ( وورد ) أيضاً في الخبر أقرب ما يكون العبد من الرب في الصلاة . وقال الله تعالى }  وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ { ولا شك ان كل وقت يكون القرب الإلهي فيه أزيد يكون مجال الغير فيه أشد انتفاء ففهم من هذا الحديث وهذه الآية أيضاً ان ذلك الوقت في الصلاة . )). المكتوبات ج1 ، ص307 . (المترجم)

(5) جبل القاف : قال المفسرون انه جبل محيط بالدنيا وهو من زبرجد خضراء منه خضرة السماوات ووراءه عالم وخلائق لا يعلمهم إلاّ الله . (كتاب عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات ) للقزويني ج2 ، ص239 .(المترجم).

(6) العنقاء : طائر خرافي في أساطير المصريين القدماء يقال انه لما بلغ ( 500 ) سنة من عمره أحرق نفسه ، وبرزت في رماده عنقاء أخرى . وهو رمز البعث او الخلود . كان موضوعاً محبباً عند الوثنين والمسيحيين . عرفه العرب وعدوه في شعرهم أحد المستحيلات الثلاثة – في المثل السائر – وهي : العنقاء والغول والخل الوفي . ( المترجم ) .

(7) اشارات الاعجاز ص33.

(8) اشارات الاعجاز ص33.

(9) الشعاعات / ص650

(10) (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) رواه البيهقي في الزهد باسناد ضعيف وله شاهد من حديث أنس .. والمشوهور على الألسنة (أعدى عدوك ..) إ . هـ . (كشف الخفاء 1/143) . قال العراقي في تخريج الإحياء (كتاب عجائب القلب).اخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس ، وفيه محمد بن عبدالرحمن بن غزوان احد الوضاعين . إ . هـ . . وقال الزبيدي في شرح الإحياء 7/206 تعقيباً على العراقي . ووجدت بخط ابن حجر ما نصه : وللحديث طرق اخرى غير هذه من حديث انس . (المترجم) .

(11) ( ألاَ أنبئكم بخياركم ، خياركم الذي اذا رؤوا ذُكر الله ) رواه احمد في مسنده وابن ماجه عن اسماء بنت يزيد . حديث حسن .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


15-) تجلي اسم الله الحفيظ

 

باسمه سبحانه

{ فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يَره * ومَن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يَره }(الزلزال:7- 8) 

ايها المستخلف المبارك

يا مَن يريد ان يرى دليلاً على حقيقة الآيتين الكريمتين اللتين تشيران الى التجلي الأتم لاسم الله "الحفيظ".

ان التجلي الاعظم لاسم الله الحفيظ ونظير الحقيقة الكبرى لهاتين الآيتين مبثوثٌ في الارجاء كافة، يمكنك أن تجده بالنظر والتأمل في صحائف كتاب الكائنات، ذلك الكتاب المكتوب على مِسطر الكتاب المبين وعلى موازينه ومقاييسه.

خذ- مثلاً - غَرفةً بقبضتك من اشتات بذور الازهار والاشجار، تلك البذيرات المختلطة والحبّات المختلفة الاجناس والانواع وهي المتشابهة في الاشكال والاجرام، أدفن هذه البُذيرات في ظلمات تراب بسيط جامد،ثم اسقها بالماء الذي لاميزان له ولايميز بين الاشياء فاينما توجهه يسيل ويذهب. ثم عُدْ اليه عند الربيع الذي هو ميدان الحشر السنوي، وانظر وتأمل كيف ان مَلَك الرعّد ينفخُ في صُوره في الربيع كنفخ اسرافيل، مُنادياً المطر ومُبشراً البذيرات المدفونة تحت الارض بالبعث بعد الموت. فانت ترى ان تلك البذيرات التي هي في منتهى الاختلاط والامتزاج مع غاية

التشابه تمتثل تحت انوار تجلّي اسم "الحفيظ"، إمتثالاً تاماً بلا خطأ الأوامر التكوينية الآتية اليها من بارئها الحكيم. فتلائم اعمالها وتوافق حركاتها مع تلك الاوامر بحيث تستشف منها لمعان كمال الحكمة والعلم والارادة والقصد والشعور.

الا ترى كيف تتمايز تلك البذيرات المتماثلة، ويفترق بعضها عن البعض الآخر. فهذه البُذيرة قد صارت شجرة تينٍ تنشر نِعم الفاطر الحكيم فوق رؤوسها وتنثرها عليها وتمدّها الينا بايدي اغصانها. وهاتان البُذيرتان المتشابهتان بها قد صارتا زهرة الشمس وزهرة البنفسج.. وامثالها كثير من الازهار الجميلة التي تتزين لأجلنا وتواجهنا بوجه طليق مبتسم متوددةً الينا.. وهناك بذيراتٌ اخرى قد صارت فواكه طيبة نشتهيها، وسنابل ملأى، واشجاراً يافعة، تثير شهيتنا بطعومها الطيبة، وروائحها الزكية، واشكالها البديعة فتدعونا الى انفسها، وتُفديها الينا، كي تصعد من مرتبة الحياة النباتية الى مرتبة الحياة الحيوانية. حتى نمت تلك البذيرات نمواً واسعاً الى حد صارت تلك الغرفة منها - باذن خالقها - حديقة غنّاء وجنةً فيحاء مزدهرة بالازهار المتنوعة والاشجار المختلفة، فانظر هل ترى خطأً او فطوراً { فارجع البصر هل ترى من فطور } (المُلك:3).

لقد اظهرت كلُ بذرة بتجلي اسم الله الحفيظ واحسانه ما ورثَته من ميراث ابيها واصلها بلا نقصان وبلا التباس.

فالحفيظ الذي يفعل هذا الحفظ المعجِز يشير به الى إظهار التجلي الاكبر للحفيظية يوم الحشر الاكبر والقيامة العظمى.

نعم، ان اظهار كمال الحفظ والعناية في مثل هذه الامور الزائلة التافهة بلا قصور، لهو حجةٌ بالغة على محافظة ومحاسبة ما له اهمية عظيمة وتأثير ابدي كأفعال خلفاء الارض وآثارهم، واعمال حملة الامانة واقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الاحد وسيئاتهم..

{ أيحسَبُ الانسانُ أنْ يُترَكَ سُدىً..} (القيامة: 36) بلى إنه لمبعوثٌ الى الابد، ومرشّحٌ للسعادة الابدية او الشقاء الدائم، فيحاسَبُ على السَبَد واللَّبَد(1) فاما الثواب واما العقاب.

وهكذا فهناك ما لا يحد ولا يُعد من دلائل التجلي لإسم الله الحفيظ، وشواهد حقيقة الآية المذكورة.

فهذا المثال الذي تنسج على منواله ليس الاّ قبضة من صُبرة(2)، او غرفة من بحر، او حبة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء(3)، وقطرة من زلال السماء، فسبحانه من حفيظ رقيب وشهيد حسيب.

{ سُبحَانَكَ لا عِلمَ لَنا إلاّ ما عَلمتَنا إنكَ أنتَ العَليمُ الحَكيم }(*)

_________________________

(1) السَبَد: جمع أسباد: القليل من الشعر، يقال: »ما له سبدٌ ولا لَبَد« أي لا شعر ولاصوف، يقال:لمن لا شئ له (انظر مجمع الامثال للميداني). ــ المترجم.

(2) الصُبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. ـ المترجم.

(3) الفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع: الفيافي. ـ المترجم.

(*) اللمعة السابعة عشرة - ص: 208


16-) تليين الحديد نعمة إلهية عظمى

باسمه سبحانه

﴿وألنّا لَهُ الحديدَ﴾ (سبأ:10)

﴿وآتيناهُ الحكمةَ وفصلَ الخطاب﴾ (ص:20)

ايها المستخلف المبارك

هاتان الآيتان تخصان معجزة سيدنا داود عليه السلام.

والآية الكريمة ﴿وأسَلنا له عَينَ القِطرِ﴾ (سبأ:12) تخص معجزة سيدنا سليمان عليه السلام.

فهذه الآيات تشير الى:

ان تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، اذ يبين الله به فضل نبيٍ عظيم. فتليين الحديد وجعله كالعجين، واذابة النحاس وايجاد المعادن وكشفها هو اصل جميع الصناعات البشرية، واساسها. وهو أم التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه.

فهذه الآية تشير الى النعمة الإلهية العظمى في تليين الحديد كالعجين وتحويله اسلاكاً رفيعة واسالة النحاس، واللذان هما محور معظم الصناعات العامة، حيث وهبها الباري الجليل على صورة معجزة عظمى لرسول عظيم وخليفة للارض عظيم.

فما دام سبحانه قد كرم مَن هو رسولٌ وخليفة معاً، فوهب للسانه الحكمة وفصل الخطاب، وسلّم الى يده الصنعة البارعة، وهو يحض البشرية على الاقتداء بما وهب للسانه حضاً صريحاً، فلابد ان هناك اشارة ترغّب وتحضّ على ما في يده من صنعة ومهارة.

فسبحانه يقول بالمعنى الاشاري لهذه الآية الكريمة:

يا بني آدم! لقد آتيت عبداً من عبادي اطاع اوامري وخضع لما كلفته به، آتيت لسانه فصل الخطاب، وملأتُ قلبه حكمةً ليفصل كل شئ على بينة ووضوح.

ووضعت في يده من الحقيقة الرائعة ما يكون الحديد كالشمع فيها، فيغيّر شكله كيفما يشاء، ويستمد منه قوة عظيمة لإرساء اركان خلافته وادامة دولته وحكمه. فما دام هذا الامر ممكناً وواقعاً فعلاً، وذا أهمية بالغة في حياتكم الاجتماعية فانتم يابني آدم إن اطعتم اوامري التكوينية تُوهَب لكم ايضاً تلك الحكمة والصنعة، فيمكنكم بمرور الزمن ان تقتربوا منهما وتبلغوهما.

وهكذا فان بلوغ البشرية أقصى امانيها في الصناعة، وكسبها القدرة الفائقة في مجال القوة المادية، انما هو بتليين الحديد وباذابة النحاس - القطرـ فهذه الآيات الكريمة تستقطب انظار البشرية عامة الى هذه الحقيقة، وتلفت نظر السالفين وكسالى الحاضرين اليها، فتنبه اولئك الذين لا يقدرونها حق قدرها. (*)

_______________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :282

 


17-) اسرار الكاف والنون في قوله تعالى (اِيَّاكَ نَعْبُدُ)

 

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

 في "الكاف" نكتتان:

احداهم:تضمن الخطاب بسر الالتفات (1) للاوصاف الكمالية المذكورة، اذ ذكرها شيئاً شيئاً يحرّك الذهن ويُعدّه ويملأُهُ شوقاً ويهزه للتوجه الى الموصوف.فـ"اياك" أي: يامن هو موصوف بهذه الصفات.

والاخرى:ان الخطاب يشير الى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون المقروء كالمُنْزَل، فينجر طبعاً وذوقاً الى الخطاب. فـ "ايّاك" يتضمن الامتثال بـ(أُعْبُدْ رَبَّكَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ).(2)

والتكلم مع الغير في (نعبد) لوجوه ثلاثة:

أي نعبد نحن معاشر أعضاء وذرّات هذا العالم الصغير - وهو أنا - بالشكر العرفي الذي هو إطاعة كلٍ لما أُمر به.. ونحن معاشر الموحّدين نعبدك باطاعة شريعتك.. ونحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية(3) ونسجد بالحيرة والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك.

وجه النظم: ان "نعبد" بيان وتفسير لـ "الحمد" ونتيجة ولازم لـ(مالك يوم الدين).

واعلم!ان تقديم "اياك" للاخلاص الذي هو روح العبادة. وان في خطاب الكاف رمزاً الى علة العبادة لان من اتصف بتلك الاوصاف الداعية الى الخطاب استحق العبادة. (*)

 

نكتة:اسرار النون

وما في نون (نعبُدُ) من سر الجماعة، يصور للمصلي المتنبه سطحَ الارض مسجداً، اصطفّ فيه - مع المصلي - جميعُ المؤمنين، ويرى نفسه في تلك الجماعة العظمى. وبما في اجماع الانبياء والأولياء على ذكر "لا إله إلاّ الله" من توافق الاصوات يتيسرُ للذاكرِ ان يرى الزمانَ "حلقة ذكرٍ" تحت رياسة "إمام الانبياء".. في يمين الماضي "الانبياء" قاعدون.. في يسار الاستقبال "الاولياء" جالسون.. يذكرون الله بصوتٍ يسمعه مَن ألقى السمعَ وهو شهيد. فان كان حديد السمع والبصيرة استمع الذكر من مجموع المصنوعات ايضاً ورأى نفسه في حلقة ذِكرها..(**)

_____________________

 

(1) الالتفات: هو العدول عن الغيبة الى الخطاب او التكلم، او على العكس (التعريفات).

(2) اصل الحديث رواه البخارى ومسلم، وفيه: ما الاحسان؟ قال: ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك (متفق عليه) ورواية الطبرانى: اُعبدالله كأنك تراه. وهو حديث صحيح (صحيح الجامع الصغير 1049)

(3) اى ننقاد ونخضع ونطيع.

(*) كليات رسائل النور- إشارات الإعجاز- ص: 30

(**) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري - ص: 162


18-) الافراط والتفريط في تفضيل الصحابة

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

نشير اشارة قصيرة الى مسألة ضُخّمت الى درجة كبيرة بحيث دخلت كتب العقائد وتسلسلت مع أسس الايمان، تلك هي مسألة النزاع بين أهل السنة والشيعة.والمسألة هي:

ان أهل السنة والجماعة يقولون:ان سيدنا علياً رضي الله عنه هو رابع الخلفاء الراشدين، وان ابا بكر الصديق رضي الله عنه هو أفضل منه وأحق بالخلافة، فتسلم الخلافة اولاً.

والشيعة يقولون: ان حق الخلافة كان لعلي رضي الله عنه الاّ أنه ظُلمَ، وعلي رضي الله عنه أفضل من الكل.

وخلاصة ما يوردونه من أدلة لدعواهم هي انهم يقولون: ان ورود أحاديث شريفة كثيرة في فضائل سيدنا علي رضي الله عنه، وكونه مرجعاً للاكثرية المطلقة من الاولياء والطرق الصوفية، حتى لُقّب بسلطان الاولياء، مع مايتصف به من صفات فائقة في العلم والشجاعة والعبادة، فضلاً عن العلاقة القوية التي يظهرها الرسول صلى الله عليه وسلم به وبآل البيت الذين يأتون من نسله.. كل ذلك يدلّ على أنه الافضل. فالخلافة كانت من حقه ولكن اُغتصبت منه.

الجواب:ان إقرار سيدنا علي نفسه مراراً وتكراراً، واتباعه الخلفاء الثلاثة وتوليه وظيفة شيخ القضاة، وكونه من اهل الحل والعقد طوال عشرين سنة وأكثر..كل ذلك يجرح دعوى الشيعة.

ثم ان الفتوحات الاسلامية وجهاد الاعداء زمن الخلفاء الثلاثة، بخلاف ما حدث زمن خلافة علي رضي الله عنه من حوادث وفتن، تجرح أيضاً دعوى الشيعة من جهة الخلافة.

أي ان دعوى أهل السنة والجماعة حق.

فان قيل:

ان الشيعة قسمان:

أحدهما: شيعة الولاية.

والآخر: شيعة الخلافة.

فليكن هذا القسم الثاني غير محق باختلاط السياسة والاغراض في دعاواهم، ولكن لا اغراض ولا اطماع سياسية في القسم الاول. فضلاً عن ذلك فقد التحقت شيعة الولاية بشيعة الخلافة.

أي ان قسماً من الاولياء في الطرق الصوفية يرون ان سيدنا علياً رضي الله عنه هو الافضل، فيصدّقون دعوى شيعة الخلافة الذين هم بجانب السياسة.

الجواب:

انه ينبغي النظر الى سيدنا علي رضي الله عنه من زاويتين اَو من جهتين:

الجهة الاولى: النظر اليه من زاوية فضائله الشخصية ومقامه الشخصي الرفيع.

الجهة الثانية: هي من زاوية تمثيله الشخص المعنوي لآل البيت. والشخص المعنوي لآل البيت يعكس نوعاً من ماهية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

فباعتبار الجهة الاولى: ان جميع اهل الحقيقة وفي مقدمتهم سيدنا علي يقدّمون سيدنا ابابكر وعمر رضي الله عنهما، فقد رأوا مقامهما اكثر رفعة في خدمة الاسلام والقرب الإلهي.

ومن حيث الجهة الثانية اي كون سيدنا علي رضي الله عنه ممثلاً عن الشخص المعنوي لآل البيت(1). فالشخص المعنوي لآل البيت من حيث كونه ممثلاً للحقيقة المحمدية، لايرقى اليه شئ بالموازنة. وكثرة الاحاديث النبوية الواردة في الثناء على سيدنا علي رضي الله عنه وبيان فضائله هي لأجل هذه الجهة الثانية. ومما يؤيد هذه الحقيقة رواية صحيحة بهذا المعنى: (ان نسل كل نبي منه، وانا نسلي من علي)(2)

اما سبب كثرة انتشار الاحاديث بحق شخصية سيدنا علي رضي الله عنه والثناء عليه أكثر من سائر الخلفاء الراشدين فهو: ان أهل السنة والجماعة وهم أهل الحق، قد نشروا الروايات الواردة بحق سيدنا علي رضي الله عنه تجاه هجوم الأمويين والخوارج عليه وتنقيصهم من شأنه ظلماً. بينما الخلفاء الراشدون الآخرون لم يكونوا عرضة الى هذه الدرجة من النقد والجرح، لذا لم يروا داعياً لنشر الاحاديث الذاكرة لفضائلهم.

ثم انه صلى الله عليه وسلم قد رأى بنظر النبوة ان سيدنا علياً رضي الله عنه سيتعرض الى حوادث أليمة وفتن داخلية، فسلاّه، وأرشد الأمة باحاديث شريفة من امثال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)(3) وذلك لينقذ سيدنا علياً من اليأس وينجي الأمة من سوء الظن به.

ان المحبة المفرطة التي يوليها شيعة الولاية لسيدنا علي رضي الله عنه وتفضيلهم له من جهة الطريقة لايجعلهم مسؤولين بمثل مسؤولية شيعة الخلافة، لأن اهل الولاية ينظرون نظر المحبة الى مرشديهم حسب مسلكهم. ومن شأن المحب؛ الغلو والافراط والرغبة في أن يرى محبوبه أعلى من مقامه. فهم يرون الأمر هكذا فعلاً.

فأهل الأحوال القلبية يمكن ان يُعذروا اثناء غليان المحبة لديهم وغلبتها عليهم، ولكن بشرط الاّيتعدى تفضيلهم الناشئ من المحبة الى ذم الخلفاء الراشدين وعداوتهم، وألاّ يخرج عن نطاق الاصول الاسلامية.

اما شيعة الخلافة فنظراً لدخول الاغراض السياسية فيها، فلا يمكنهم أن ينجوا من العداء والاغراض الشخصية، فيفقدون حق الاعتذار لهم، ويُحرمون منه. حتى انهم يظهرون انتقامهم من عمر في صورة حب علي وذلك لان القومية الايرانية قد جُرحت بيد سيدنا عمر رضي الله عنه. حتى اصبحوا مصداق القول: لا لحب علي بل لبغض عمر. وان خروج عمرو بن العاص على سيدنا علي رضي الله عنه وقتال عمر بن سعد سيدنا الحسين رضي الله عنه في المعركة الفجيعة المؤلمة، كل ذلك أورث الشيعة غيظاً شديداً وعداءً مفرطاً لإسم عمر.

أما شيعة الولاية فليس لهم حق انتقاد أهل السنة والجماعة. لان اهل السنة كما لا يُنقصون من شأن سيدنا علي رضي الله عنه فهم يحبونه حباً خالصاً جاداً، ولكنهم يحترزون من الافراط في الحب الوارد ضرره وخطره في الحديث الشريف.

اما الثناء النبوي لشيعة علي رضي الله عنه كما ورد في احاديث نبوية فانما يعود الى أهل السنة والجماعة لانهم هم المتبعون لسيدنا علي رضي الله عنه على وفق الاستقامة، لذا فهم شيعة سيدنا علي رضي الله عنه.

وقد جاء في حديث صحيح صراحة؛ ان خطورة الغلو في محبة سيدنا علي رضي الله عنه كخطورة الغلو في محبة سيدنا عيسى عليه السلام على النصارى.(4)

فان قالت شيعة الولاية: انه بعد قبول فضائل خارقة لسيدنا علي رضي الله عنه لايمكن قبول تفضيل سيدنا الصديق رضي الله عنه عليه.

الجـــواب:

اذا ماوضع في كـفة ميزان الفضـائل الشخـصيـة لسيـدنا ابي بـكر رضي الله عنه أو فضائل سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، وما قام كل منهما من خدمات جليلة من حيث وراثة النبوة زمن خلافتهما، ووضع في الكفة الاخرى المزايا الخارقة لسيدنا علي رضي الله عنه ومجاهدات الخلافة في زمانه وما اضطر اليه من معارك داخلية داميةأليمة وما تعرض له بهذا من سوء الظن، فلا ريب ان كفة سيدنا الصديق رضي الله عنه او كفة سيدنا عمرالفاروق رضي الله عنه أو كفة سيدنا ذي النورين رضي الله عنه هي التي تكون راجحة. وهذا الرجحان هو الذي شاهده اهل السنة والجماعة، وبنوا تفضيلهم عليه.

ثم ان رتبة النبوة اسمى وارفع بكثير من درجة الولاية بحيث ان جلوة بوزن درهم من النبوة تفضل رطلاً من جلوة الولاية، كما اثبتناه في الكلمة الثانية عشرة والكلمة الرابعة والعشرين من الكلمات، فمن زاوية النظر هذه؛ فإن حصة كل من الصديق والفاروق رضي الله عنهما من حيث وراثة النبوة وتأسيس احكام الرسالة قد زيدت من الجانب الإلهي، فالتوفيق الذي حالفهما في زمن خلافتهما قد صار دليلاً لدى اهل السنة والجماعة. وحيث ان فضائل سيدنا علي الشخصية لاتُسقط من حكم تلك الحصة الزائدة الكثيرة الآتية من وراثة النبوة، فقد اصبح سيدنا علي رضي الله عنه شيخ القضاة للشيخين المكرمين زمن خلافتهما، وكان في طاعتهما.

ان أهل الحق، اهل السنة والجماعة الذين يحبون سيدنا علياً رضي الله عنه ويوقّرونه، كيف لايحبون مَن كان سيدنا علي رضي الله عنه نفسه يحبهما ويجلّهما؟

لنوضح هذه الحقيقة بمثال: رجل ثري جداً وزع ميراثه وامواله الطائلة على اولاده. فأعطى لاحدهم عشرين رطلاً من الفضة واربعة ارطال من الذهب، واعطى لآخر خمسة ارطال من الفضة وخمسة ارطال من الذهب، واعطى لآخر ثلاثة ارطال من الفضة وخمسة ارطال من الذهب، فلا شك ان الاخيرين رغم انهما قد قبضا أقل من الأول كمية الاّ انهما قبضا أعلى منه نوعيةً.

وهكذا في ضوء هذا المثال، ان الزيادة القليلة في حصة الشيخين من ذهب حقيقة الأقربية الإلهية المتجلية من وراثة النبوة وتأسيس احكام الرسالة ترجح على الكثير من الفضائل الشخصية وجواهر الولاية والقرب الإلهي لسيدنا علي رضي الله عنه. فينبغي في الموازنة النظر من هذه الزاوية وأخذها بنظر الاعتبار، والاّ تتغير صورة الحقيقة ان كانت الموازنة تعقد مع الشجاعة والعلم الشخصي وجانب الولاية.

ثم ان سيدنا علياً رضي الله عنه لايباريه احد من جانب كونه الممثل في ذاته الشخص المعنوي لآل البيت، والذي تجلى في هذه الشخصية المعنوية من حيث الوراثة النبوية المطلقة. وذلك لان السر العظيم للرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب.

أما شيعة الخلافة فلا حق لهم غير الخجل أمام أهل السنة والجماعة. لأن هؤلاء يُنقصون من شأن سيدنا علي رضي الله عنه في دعواهم الحبَّ المفرط له بل يفضي مذهبهم الى وصمه بسوء الخلق - حاشاه - حيث يقولون:ان سيدنا علياً رضي الله عنه قد ماشى سيدنا الصديق والفاروق رضي الله عنهما مع انهما غير محقين واتقى منهما تقاةً، وباصطلاح الشيعة انه عمل بالتقية. بمعنى انه كان يخافهما وكان يرائيهما في اعماله! ان وصف مثل هذا البطل الاسلامي العظيم الذي نال اسـم:اسدالله واصبح قائداً لدى الصديقين ووزيراً لهما.. اقول ان وصفه بانه كان يرائي ويخاف ويتصنع بالحب لمن لايحبهم حقاً، واتباعه لغير المحقين اكثر من عشرين عاماً ومسايرتهما تحت سطوة الخوف، ليس من المحبة في شئ. وسيدنا علي رضي الله عنه يتبرأ من مثل هذه المحبة.

وهكذا فان مذهب أهل الحق لا ينقص من شأن سيدنا علي رضي الله عنه بأية جهة كانت ولا يتهمه في اخلاقه قطعاً ولايسند الى مثل هذا البطل المقدام الخوف، ويقولون: لولم يكن سيدنا علي رضي الله عنه يرى الحق في الخلفاء الراشدين لما كان يعطيهم الولاء لدقيقة واحدة وما كان ينقاد لحكمهم أصلاً.

بمعنى:انه رضي الله عنه قد عرف انهم على حق واقرّ بفضلهم فبذل شجاعته الفائقة في سبيل محبة الحق.

نحصل مما سبق:

انه لاخير في الافراط والتفريط في كل شئ. وان الاستقامة هي الحد الوسط الذي اختاره اهل السنة والجماعة، ولكن مع الاسف كما تستر بعض أفكار الخوارج والوهابية بستار اهل السنة والجماعة فان قسماً من المفتونين بالسياسة والملحدين ينتقدون سيدنا علياً رضي الله عنه ويقولون: انه لم يوفق كاملاً في ادارة دفة الخلافة لجهله حاشاه - بالسياسة فلم يقدر على ادارة الأمة في زمانه. فازاء هذا الاتهام الباطل من هؤلاء اتخذ الشيعة طور الغيظ والاستياء من اهل السنة. والحال ان دساتير اهل السنة واسس مذهبهم لاتستلزم هذه الافكار بل تثبت عكسها. لذا لا يمكن إدانة أهل السنة بافكار ترد من الخوارج ومن الملحدين قطعاً، بل ان أهل السنة هم أكثر ولاءً وحباً من الشيعة لسيدنا علي رضي الله عنه. فهم في جميع خطبهم ودعواتهم يذكرون سيدنا علياً بما يستحقه من الثناء وعلو الشأن ولاسيما الاولياء والاصفياء الذين هم باكثريتهم المطلقة على مذهب أهل السنة والجماعة، فهم يتخذونه مرشدهم وسيدهم.فماينبغي للشيعة ان يجابهوا اهل السنة بالعداء تاركين الخوارج والملحدين الذين هم اعداء الشيعة وأهل السنة معاً. حتى يترك قسم من الشيعة السنة النبوية عناداً لأهل السنة!.

وعلى كل حال فقد أسهبنا في هذه المسألة حيث انها قد بحثت كثيرا ً بين العلماء.

فيا اهل الحق الذين هم اهل السنة والجماعة!

ويا ايها الشيعة الذين اتخذتم محبة اهل البيت مسلكاً لكم!

ارفعوا فوراً هذا النزاع فيما بينكم، هذا النزاع الذي لامعنى له ولاحقيقة فيه، وهو باطل ومضر في الوقت نفسه. وان لم تزيلوا هذا النزاع فان الزندقة الحاكمة الان حكماً قوياً تستغل أحدكما ضد الآخر وتستعمله أداة لإفناء الآخر، ومن بعد افنائه تحطّم تلك الاداة ايضاً.

فيلزمكم نبذ المسائل الجزئية التي تثير النزاع، لانكم اهل التوحيد بينكم مئات الروابط المقدسة الداعية الى الأخوة والاتحاد. (*)

 

________________

(1) ذكر ابن الجوزي في كتاب مناقب الامام احمد بن حنبل ص 163 حول التفضيل مايأتي:

قال عبد الله بن احمد بن حنبل: حدث ابي بحديث سفينة، فقلت ياأبتي ماتقول في التفضيل ؟ قال: في الخلافة ابو بكر وعمر وعثمان. فقلت: فعلي بن ابي طالب ؟ قال: يابني علي بن ابي طالب من اهل البيت لايقاس بهم أحد. ــ المترجم.

(2)والحديث نصّه: ان الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب علي بن ابي طالب (اخرجه الطبراني برقم 2630 عن جابر رضي الله عنه، وفي سنده يحيى بن العلاء كذاب. وساق الذهبي هذا الحديث في ترجمته (الميزان 4/398) وقال الهيثمي في المجمع (10/333) فيه يحيى بن العلاء وهو متروك. والحديث اخرجه الخطيب في التاريخ من حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال ابن الجوزي: حديث لايصح فيه المرزبان قال ابن الكاتب كذاب ومن فوقه الى المنصور ما بين مجهول وغير موثوق به أهـ، وفي الميزان (2/586) قال الذهبي في ترجمته عبد الرحمن بن محمد الحاسب: لايُدرى من ذا، وخبره كذب روى الخطيب...الخ، ثم ساق الحديث. وانظر فيض القدير 2/223 ـ 224 وضعيف الجامع الصغير برقم 1589.

(3)حديث صحيح: اخرجه احمد 4/368 و 370 و 382 والترمذي برقم 3797 واحمد في فضائل الصحابة برقم 959 و1007 و 1021 و 1048 و1167 و 1206 وللحديث شواهد عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم انظر تفصيل ذلك في الاحاديث الصحيحة برقم 1750 وقال ابن حجر وهذا حديث كثير الطرق جداً استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد منها صحاح ومنها حسان انظر الفيض 6/218، ومع كون الحديث يبلغ حدّ التواتر فقد ضعفه ابن حزم وابن تيمية رحمهما الله تعالى.

(4) ونصه: عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ياعلي فيك مثل من عيسى ابغضته اليهود حتى بهتوا أمه واحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له"وقال علي: "يهلك فيّ رجلان مفرط في حبي ومفرط في بغضي". أخرجه عبدالله في زيادات المسند(1/160) والنسائي في الخصائص (27) وابن الجوزي في العلل المتناهية1/223 والبخاري في التاريخ 2/1/257 واحمد في فضائل الصحابة برقم 1087 و1221 و1222واسناده ضعيف من اجل الحكم بن عبدالملك القرشي انظر ترجمته في الميزان 1/577والتهذيب 2/431. وقال الحاكم في المستدرك صحيح الاسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقول: "الحكم وهاه ابن معين" اهـ. والحديث اورده الهيثمي في المجمع9/133 وقال رواه عبدالله والبزار باختصار وابو يعلى أتم منه وفي اسناد عبدالله وابي يعلى الحكم بن عبدالملك وهو ضعيف وفي اسناد البزار محمد بن كثير القرشي وهو ضعيف اهـ.

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الرابع - ص: 32

 


19-) تكامل الروح

 

    تتكامل الروح بالترقي في الخصال الرفيعة التي تمتلكها ؛ كالإيمان والعلم والعبادة والتفكر والتقوى والعمل الصالح. وسنقف بإيجاز على قسم من هذه الخصال:

التفكر:

    هو قوة تفتح البصيرة وتساعد الإدراك على النمو بوساطة العلم والتجربة والفكر والمحاكمة العقلية. والتفكر هو التعمق في الإدراك في المحاكمة العقلية للحقائق الأنفسية والأفاقة، وفي مطالعة الحقائق الربانية المتجلية في الإنسان والكائنات. ويجد الإنسان بهذا التفكر منبع هذه الحقائق وأصلها فيزنها بميزان الإدراك. وان الروح التي اكتسبت خبرة في التفكر عن طريق المطالعة المستمرة تسير نحو عرش الكمالات.

    وبالتفكر ينجو الإنسان من التقليد والسطحية. وبذلك يستطيع دفع كل أنواع الشكوك والوساوس التي تهاجمه.

    وتعتبر المحاكمة العقلية والمنطق والحجج والبراهين بمثابة أركان وأجنحة وقوائم للتفكر. وبوساطة هذه الأركان يستطيع الإنسان الولوج إلى حقائق عديدة من باب حقيقة واحدة. فيستنبط من أساس واحد آلاف النتائج.ويصل من حقائق ثابتة ومعلومة إلى حقائق كانت مجهولة لديه. فتتولد في دمائه أفكاراً جديدة. وتفتح آفاقاً جديدة في عقله.

    ونسوق هنا بعض الأمثلة حول الروح التي ارتقت إلى هذا المقام وكيف ترى الحقائق الثابتة في الكائنات:

    من الحقائق القطعية الثابتة هي: (( لا يمكن وجود أية صنعة بدون صانع)) أي ان الحرف الواحد لابد له من كاتب والإبرة لابد لها من صانع. ولا يمكن الوقوف على أية صنعة دون أن نفكر في صانعها. وتصل الروح إلى هذه الحقيقة بالتفكر. وتعلم يقينا أن كل موجود في الكون يدل بوجوده على الصانع الحكيم. فترى الروح في ضوء هذه الحقيقة الموجِد الحقيقي من فعل إيجاد هذه الكائنات. وتدرك أيضاً من معاني جليلة وشؤون إلهية أمثال الإكرام والإحسان واللطف المتجلية في الكائنات وجود الذات الكريم واللطيف والمحسن والمكرم- جلت صفاته-.

    ويمكن رؤية الأفعال الإلهية الظاهرة على الكائنات أمثال التنظيم والتقدير والتزيين والإحياء والإماتة والذي يشير كل فعل منها إلى اسم من الأسماء الإلهية الحسنى. وذلك من خلال منظار هذا المثال:

    حينما ينظر الإنسان إلى كلمة ما فانه يفهم بوجود كاتب لهذه الكلمة. وإذا ما نظر إلى كتاب ما فانه يدرك بأن كاتبه قد رتبه صحيفة صحيفة وسطراً سطرا. فيرى في كل جملة من جمله علم كاتبه ومهارته وقابليته وغايته ومقصده. ويفهم أيضاً ان هذا الكتاب يُريه علم كاتبه وقدرته وإرادته وشخصيته. ويدرك يقيناً بأن هذا الكتاب ظهر من تلك الصفات وان كاتبه موجود قبل وجود الكتاب. وبنفس النظرة ينظر الإنسان إلى الكائنات. فيعلم يقيناً بأن كتاب الكائنات هذا ظهر من صفات أمثال الإرادة والحياة والقدرة والعلم. وان الذات الأقدس – جل جلاله – الموصوف بهذه الصفات موجود قبل وجود كتاب الكائنات ويدرك بأن هذا العلم يُظهر كمال صانعه ومهارته ومعرفته وصفاته. فيرى معجزات صانعه الغير المحدودة ومهاراته التي لا تعد وينشرح لها.

    مثال آخر: عندما ينظر الإنسان إلى معمل ما، فانه يفهم بأن هذا المعمل صُمم بميزان وتقدير ورتبت أجزاؤه بحكمة ومهارة ومتأملاً في الغايات التي يعمل المعمل لأجلها. وبعد مشاهدته هذا التوازن والانتظام في المعمل ينتقل ذهنه إلى معرفة علم صانعه وكمالاته الفائقة. وانطلاقاً من هذا المثال، ينظر هذا الإنسان إلى هذه الكائنات متأملاً ضخامتها وكمالها المثيرة للدهشة فيرى بإعجاب شديد عملها المنتظم رغم ضخامتها هذه ويشاهد بكل تقدير ان أجزاء المعمل ودواليبه تعمل كيد واحدة وان موقع كل منها ثابت فيقدّس ربه الأعلى قائلا ( سبحان الله) ويشكره ويثني عليه بقوله ( الحمد الله) ويعظمه ويبجله قائلا ( الله اكبر). فيرى الكرامات والألطاف والإحسان الناتج من هذا المعمل ويتأمل رحمة ربه الواسعة وكرمه الواسع وغناه المطلق فيقول : (( ان الخالق الرحيم سبحانه يطلب من البشرية شكراً وحمداً إزاء ما أغدق عليها من النعم والآلاء.))[1] ويصدقه في ذلك وجدانه.

 

العلم والمعرفة :

    ان معرفة الله هي اعظم علم تسمو به روح الإنسان إلى التكامل، وهي أساس كل الحقائق المنتخبة وكالنور الذي ينور العقول والقلوب، والفرقان بين الحق والباطل والفيصل بين الخير والشر، وبهذه المعرفة تتولد في الإنسان رغبةً وشوقاً في طلب الدنيا والآخرة، وتتكامل بها روحه، وان هذه المعرفة هي النور التي تتولد في القلوب وبها تظهر حقائق جميع الأشياء، وان معرفة الله هي من اشرف العلوم ولولا هذه المعرفة لنزلت لطائف الإنسان وحواسه كالعقل والقلب والروح من درجة الألماس إلى دركة قطع زجاجية عادية.

    والفرد الذي لا نصيب له من هذه المعرفة الإلهية تكون كمالاته ناقصة حتى لو استوعب العلوم الأخرى. فكما ان صحة الجسد قائمة بالغذاء، فان صحة الروح والقلوب قائمة بمعرفة الله.

    (( اعلم يقينا ان أسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الإنسانية.. هو (( الإيمان بالله))..واعلم ان أعلى مرتبة للإنسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (( معرفة الله)) التي في ذلك الإيمان.. واعلم ان أزهى سعادة للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو (( محبة الله)) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم ان أصفى سرور لروح الإنسان وأنقى بهجة لقلبه.. هو (( اللذة الروحية)) المترشحة من تلك المحبة.

أجل: ان جميع أنواع السعادة الحقيقية، والسرور الخالص، والنعمة التي ما بعدها، واللذة التي لا تفوقها لذة، إنما هي في (( معرفة الله)).. في(( محبة الله)). فلا سعادة، ولا مسرة، ولا نعمة حقاً بدونها.

    فكل مَن عرف اللهَ تعالى حق المعرفة، وملأ قلبه من نور محبته سيكون أهلاً لسعادة لا تنتهي ولنعمة لا تنضب، ولأنوار وأسرار ولا تنفد، وسينالها إما فعلاً وواقعاً أو استعداداً وقابليةً. بينما الذي لا يعرف خالقه حق المعرفة ولا يكن له ما يليق من حب وود، يُصاب بشقاء مادي ومعنوي دائميين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يحصر.

    نعم! هذا الإنسان اليائس الذي يتلوى ألماً من فقده مولاه وحاميه، ويضطرب من تفاهة حياته وعدم جدواها، وهو عاجز وضعيف بين جموع البشرية المنكودة.. ماذا يغنيه عما يعانيه ولو كان سلطان الدنيا كلها!!.

    فما أشد بؤس هذا الإنسان المضطرب في دوامة حياة فانية زائلة وبين جموع سائبة من البشر إن لم يجد مولاه الحق، ولم يعرف مالكه وربه حق المعرفة ! ولكن لو وجد ربه وعرف مولاه ومالكه لالتجأ إلى كنف رحمته الواسعة. واستند إلى جلال قدرته المطلقة.. ولتحولت له الدنيا الموحشة روضة مؤنسة، وسوق تجارة مربحة.))[2].

    نعم، فكما ان لكل شئ مركزاً. فان للعلوم والمعارف مركزاً أيضاً. وهذا المركز هو معرفة الله. وبهذه المعرفة تحيا العلوم الأخرى وتكسب الأبدية. وكل علم لا يرتبط بهذا المركز ولا موقع له في هذه المعرفة فهو لاشيء ولا يتجاوز الوهم. وان ترقي وكمال العلوم والفنون المدنية بمعناها الحقيقي رهن بمخالفة هذه العلوم للمعرفة الإلهية وبما تظهرها من المعرفة. وإلاّ فان هذه الحقائق الثمينة تبقى بدون نتيجة ومجرد خيال.

    من المعلوم ان كل عزة إن لم تتقوى بالعلم والمعرفة فان نهايتها الحتمية هي الذلة. فكما ان الشمس تساعد في أن تظهر الأرض كحلة خضراء، فان العلم والمعرفة تجعلان القلب والحواس والوجدان ربيعاً اخضر. والعلم الحقيقي هو العلم الذي يهب الحياة لهذه الحواس. وبإحياء هذه الحواس ونموها يصل الإنسان إلى الحقيقة، فتتفتح بصيرته وبذلك يستطيع رؤية الحقائق الثابتة في الكائنات. وبتفكره في هذه الحقائق يتوصل إلى معرفة الله. وهكذا تتفتح أمامه أبواب حقائق عظيمة أمثال الرسالة والنبوة والحشر.

 

العبادة:

    هي تعظيم المعبود بحق الذي هو الله Y وتكبيره وتسبيحه وتحميده. والعبادة هي سجود العبد في الحضرة الإلهية بمحبة وشوق مُظهراً عجزه وفقره إزاء كمال ربوبيته سبحانه. أي رؤية عظمة الله تعالى في إذلال نفسه، وجعل ذلته مرآةً لعزة الربوبية. وهذه الحالة هي اعظم عزة لوجدان البشر. اجل ان العبادة الحقيقية هي التجاء العبد بعجزه المطلق إلى قدرة الله المطلقة. والعبادة هي كسب رضا الله تعالى وذلك بالاجتناب عن اقل حركة تنافي عظمته تعالى، وإظهار ذله أمام عزته. والعبادة هي طاعة ذات شعور يتوجه بها الإنسان بجسده وروحه وظاهره وباطنه. وهي الوثيقة وسند الانتساب إلى الله الملك القدوس.

    وعندما يقوم العبد بأداء وظيفة عبوديته لله تعالى يتجرد من أنانيته تماماً، ويسجد بكل أدب وخشوع لمعبوده Y، والقيام بمثل هذه العبادة تجعل أسمى محبة تتحد مع اكبر خوف في نقطة واحدة في روح الإنسان. وتجعل الإنسان يحمل في ظاهره وفي باطنه معاً تعظيماً مع غاية الذلة. فتطمئن قلبه وتسمو روحه.

    ويكسب الإنسان في ظل العبادة خبرة يستطيع تقييم جميع الحوادث بميزان القرآن الكريم. وبهذه العبادة يحرز الإنسان الاستقامة في حركاته وأحواله الدنيوية والأخروية فهي تعلمه بأن أعماله الدنيوية هي وسيلة لنيل حياة أبدية. وتبعده عن أمور لا تعنيه وتشغله بحقائق سامية.

    والعبادة تجعل الإنسان يميز الحلال من الحرام، وتقوّمه على أسس سليمة وبذلك ينال الإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية الأمن والسلامة والطمأنينة.

    والعبادة تعلّم الإنسان محبة الله وتلقي في قلبه محبة رسول الله r، ولا تجعل الوقت يمر سدىً والعمر هباءً منثوراً. والعبادة هي الصراط المستقيم الذي يوصل العبد إلى الله سبحانه لنيل رضاه. وان أسمى كمالات الروح هو الظفر بهذا الرضى، أي ان العبادة هي إحدى الشروط لنيل رضى الله والوصول إلى السعادة الأبدية. وقد بُشّر الإنسان المؤمن الذي يؤدي الصلوات في أوقاتها بأن جميع أعماله الدنيوية الداخلة في نطاق الشريعة هي بحكم عبادة له. وعلاوة على ذلك أن له بشارة أخرى وهي ان بكل كلمة طيبة تنطقه في صلاته أو خارجها مثل ( سبحان الله، الحمد الله، ولا إله إلا الله، والله اكبر..) يُخلق الله له منها ملائكة تستغفر له إلى الأبد.

    ويلخص لنا الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) الذي ظل دؤوباً في دعوة الناس إلى التقوى والعمل الصالح بعزم ثابت وإخلاص تام، معنى العبادة وأهميتها بقوله:

   (( ان العبادة هي التي ترسخ العقائد وتصيرها حالاً وملكةً، إذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمّها وتربها العبادة- التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي –  تكن آثارها وتأثيراتها ضعيفة. والعبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش والمعاد.. وسبب للكمال الشخصي والنوعي.. وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه.

    وان العبادة هي لتوجيه الأفكار إلى الصانع الحكيم. والتوجه لتأسيس الانقياد. والانقياد للإيصال إلى الانتظام الأكمل والارتباط به واتباع النظام لتحقيق سر الحكمة. والحكمة يشهد عليها إتقان الصنع في الكائنات.

    ان الإنسان كالشجر الذي علّق على ذروته كثير من خطوط الآلة البرقية، قد التفت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة إليه قوانين الفطرة، وانعكست متمركزة فيه أشعة النواميس الإلهية في الكائنات. فلا بد للبشر أن يتممها ويربطها وينتسب إليها ويتشبث بأذيالها ليسري بالجريان العمومي حتى لايزلق ولا يطرد ولا يلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي إلاّ بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.

    ان الإنسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الإيمانية والملكات الإسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها ملكة راسخة فإنما هي العبادة.

    فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء قيمته.. وأيضاً هي العلة لانكشاف استعداده ونموه ليناسب السعادة الأبدية. وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضاً هي السبب لتحديد قواه والجامها.. وأيضاً هي الصيقل لرَيْن الطبيعة على أعضائه المادية والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ إلى عالم مخصوص ونوع إذا شف.. وأيضاً هي الموصل للبشر إلى شرفه اللائق وكماله المقدر.. إذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب..

    وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر.))[3].

 

محبة الله ومخافة الله:

    ان المحبة والخوف غُرِزا في فطرة الإنسان. وان سر وحكمة منحها للإنسان هو لحب الله والخوف والرجاء منه سبحانه خوفاً يليق بذاته الأقدس.

    ولكي يتحقق النظام في المجموعة الشمسية والحصول على النتيجة المرجوة من هذا النظام، يلزم على القوى الجاذبة والدافعة الارتباط مع مركز واحد. وكذلك روح الإنسان، فانه لا تترقى إلى الكمالات التي تشتاق إليها بانتظام وانسجام إلاّ بارتباط شعور المحبة والخوف لدى هذا الإنسان مع الله سبحانه.

    (( لقد جُبِل هذا الإنسان على محبة غير متناهية لخالق الكون، وذلك لأن الفطرة البشرية تكُنّ حياً للجمال، ووداً للكمال، وافتناناً بالإحسان، وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال والإحسان حتى تصل إلى أقصى درجات العشق ومنتهاه ))[4].

    (( فما دامت الفطرة  البشرية تملك استعداداً غير محدود للمحبة تجاه الإحسان والجمال والكمال.. وان لخالق الكون جمالاً مقدّساً غير متناهٍ، ثبوته متحقق بداهة بآثاره الظاهرة في الكائنات.. وان له كمالاً قدسياً لا حدود له، ثبوته محقق ضرورة بنقوش صنعته الظاهر في هذه الموجودات.. وان له إحساناً غير محدود ثابت الموجود يقيناً، يمكن لمسه ومشاهدته ضمن إنعامه وآلائه الظاهرة في جميع أنواع الأحياء.. ولابد انه سبحانه يطلب محبة لا حدّ لها من الإنسان الذي هو اجمع ذوي الشعور صفة، وأكثرهم حاجة، وأعظمهم تفكراً، أشدهم شوقاً إليه ))[5].

    ويلزم على الإنسان أيضاً أن يخاف الله، وذلك كما انه سبحانه رحمن ورحيم، فانه كذلك قهار وجبار وعزيز وجليل فمَن يمس عزة جلاله سبحانه فان مصيره نار جهنم. نعم ان لمالك هذه الكائنات المهيبة لابد من عقاب شديد لمَن يعصيه.

    وان المحبة والخوف في الإنسان تثمران التقوى والعمل الصالح الذين يعتبران من الأسس العظيمة لترقي وسمو هذا الإنسان.

     نعم ان الإنسان ينال مرتبة الرضا بمحبته لله وخوفه منه وطاعته له سبحانه.

    والأستاذ بديع الزمان النورسي (رحمه الله) يفصل لنا تكلما الصفتين ؛ الخوف والمحبة في الإنسان بأسلوب وجيز :

    (( لقد أودع الله سبحانه جهازين في فطرة الإنسان، ليكونا وسيلتين للخوف وللمحبة، وتلك المحبة والخوف إما سيتوجهان إلى الخلق أو إلى الخالق. علماً ان الخوف من الخلق بلية أليمة، والمحبة المتوجهة نحوه أيضاً مصيبة منغصة : إذ انك أيها الإنسان تخاف من لا يرحمك، أو لا يسمع استرحامك. فالخوف إذا في هذه الحالة بلاء اليم..

    بمعنى: ان ما تحبه من أشياء إما إنها لا تعرفك أو يحقّرك أو لا يرافقك بل يفارقك، بل يفارقك وأنفك راغم.

   فما دام الأمر هكذا : فاصرف هذه المحبة والخوف إلى مَن يجعل خوفك تذللاً لذيذاًَ ومحبتك سعادة بلا ذلة.

    نعم! ان الخوف من الخالق الجليل يعني وجدان سبيل إلى رأفته ورحمته تعالى للالتجاء إليه. فالخوف بهذا الاعتبار هو سوط تشويق يدفع الإنسان إلى حضن رحمته تعالى. إذ من المعلوم ان الوالدة تخوّف طفلها لتضمه إلى صدرها. فذلك الخوف لذيذ جداً لذلك الطفل لأنه يجذب ويدفع الطفل إلى صدر الحنان والعطف. علماً أن شفقة الوالدات كلهن ما هي إلاّ لمعة من لمعات الرحمة الإلهية. بمعنى ان في الخوف من الله لذة عظيمة. فلئن كان للخوف من الله لذة إلى هذا الحد، فكيف بمحبة الله سبحانه، ألاَ يفهم كم من اللذائذ غير المتناهية فيها.

    ثم ان الذي يخاف من الله ينجو من الخوف من الآخرين. ذلك الخوف المليء بالقساوة والبلايا.

ثم ان المحبة التي يوليها الإنسان إلى المخلوقات إن كانت في سبيل الله لا تكون مشوبة بألم الفراق.))[6].

    وبقي أن أقول، ان المحبة والخوف هما عنصران مهمان في الحياة الاجتماعية. وتسيران معاً وبانتظام. بل هما أساس الانتظام ومفتاح النظام في إدارة جميع طبقات الحياة الاجتماعية، ابتداءً من إدارة بيت صغير إلى إدارة قرية ومدينة ومملكة. وتتحقق هذه الإدارة في الحياة الاجتماعية بالاحترام والشفقة والإطاعة بين الناس. وبمخافة الله تتقوم الميول تجاه أشياء غير مشروعة.(*)

 

______________________

(1) اللمعات / اللمعة التاسعة عشرة ص 212 .

(2) المكتوبات / المكتوب العشرون ص283 .

(3) إشارات الإعجاز / ص147-149 .

(4) اللمعات / اللمعة الحادية عشرة ص91 .

(5) المصر نفسه / ص91

(6) الكلمات / الكلمة الرابعة والعشرون ص411 .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


20-) غاية الروح

 

    غاية: هي ما لأجله وجود الشيء(1). أو هي أحد أسباب وجود الشيء. أي إن أحد أسباب وجود الشيء هي الغايات المترتبة والثمار المرجوة من ذلك الشيء.

    والغاية هي سبب تقويم الشيء وبقاءه فمثلاً لا تتساوى أهمية وقيمة مصنعين أحدهما ينتج أبر الخياطة والآخر يصنع عقولاً إلكترونية. فقيمة كل مصنع تتناسب مع رفعة غايته. ولكل شيء في الكون غاية، وهي سبب وجود ذلك الشيء. حيث تقاس قيمة كل شئ بغايته. وهذه الحقيقة هي قانون نافذ وشامل في جميع الموجودات.

    والإنسان هو اكمل ثمرة لشجرة الكائنات وانفس نتيجة لها. وان إسراع جميع الموجودات لإمداد الإنسان وتمركز فوائدها فيه ترينا أن الغاية من خلق الكائنات هي الإنسان بل الأصح هي روح الإنسان. وحتى الكائنات فإنها تخدم الروح، بل جسد الإنسان أيضاً هو الآخر يخدم الروح. فإذا كانت الكائنات كالقصر فان الإنسان يعتبر كمنزل لها. وإذا كانت الأولى مسكناً لها فان الثاني رداء لها. وان الله تعالى خلق هذه الروح في كيفية أهلتها لتكون محل المعارف ومنبع الفضائل ومركز اتصالات مع العوالم الأخرى، ومُسخِراً لها كل شيء.

    وان المسرات التي يشعرها الإنسان في روحه، والأفكار العالية التي تمر في ذهنه، والحقائق السامية المتولدة في قلبه تظهر لنا بان غاية الإنسانية الثمينة من جهة كيفيتها لابد أن تكون اكبر من الكائنات نفسها. فلا يمكن أن تكون الكائنات وما فيها هي الغاية المرجوة لروح الإنسان التي خلقت للبقاء والأبد ومتوجهة إليهما. وان أي افتراض من هذا القبيل يخالف قوانين (( الترقي)) و((التكامل)) لأن كل حقيقة في الكون إنما هي حامل بالتي تليها. فكما أن البذرة تحمل الشجرة في داخلها أو البيضة تحمل الفرخ، والسحاب يحمل المطر. فكذلك الروح فإنها تحمل حقيقة اكبر من نفسها ومن الكائنات وهذه الحقيقة هي الإيمان بالله واتخاذه سبحانه معبوداً حقيقياً والاستمداد منه وحده وذلك بانكشاف أسرار العبودية لروح الإنسان وتلك غاية الروح.

    لنوضح ذلك بمثال: لو فرضنا إن للعقل الإلكتروني المصنوع في المعمل قابلية التفكير. فان هذا العقل ينظر- قبل كل شئ- إلى قابليته وكفاءته، فيفكر في الأهمية المعطاة له وفي صناعته الدقيقة وفي المصنع الضخم الذي يعمل لأجله: فيقول لنفسه: ((لابد أن تكون لي من وظيفة تجاه هذه التكاليف التي صرفت لأجلي، ولم أترَك حبلي على غاربي وان وجودي ليست غايتي، أي ان هذا المصنع لم يصنعني كي أكون ((أنا)). بل صنعني لأجل غايات مدونة في فهرستتي.

    وكذلك الإنسان- كما في المثال أعلاه- فانه نُسج في مصنع الكائنات  بألف نقش ونقش. وألبِسَ في رأسه تاج العقل الذي يستطيع به معرفة وقياس جميع أجزاء الكائنات وزُيِّن صدره بأحاسيس دقيقة وأعضاء لطيفة. وله موقع ووزن يتميز بهما عن الآخرين في نظام الموجودات. فهو سلطان الأرض واشرف الموجودات وثمرة الكائنات.فلو تأمل هذا الآنيان في قابلياته الذاتية وفي أهميته في الكائنات وفي علاقاته مع الموجودات، أدرك حينئذ قائلاً : ((إنني احمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها. ولي خاصية أتميز بها عن سائر الموجودات. إذ إنني أقدم جميع تسبيحات الموجودات وعباداتها بشعور وإدراك تامين إلى الحضرة الربانية. فلذلك خُلِقتُ.))

    وبعد ذلك يتعمق اكثر فاكثر في تأمله مسطراً أفكاره وهو يقول :(( وأكرمني ربي بموائد عظيمة وغنية بقوامها وجمالها ولطافتها وشكلها وطعمها ورائحتها.))

    (( ان ربي الرحيم قد جعل لي الدنيا مأوىً ومسكناً، وجعل لي الشمس والقمر سراجاً ونوراً، وجعل لي الربيع باقة وردٍ زاهية، وجعل لي الصيف مائدة نعمة، وجعل لي الحيوان خادماً ذليلاً، وأخيراً جعل لي النبات زينةً وأثاثاً وبهجةً لداري ومسكني)) [2].

    أما شعوري: فقد خُلِق في كيفية ووسعة بحيث يسع لفهم وإدراك هذه العوالم الضخمة والتجوال في طبقاتها الواسعة ويحمل قابلية بحيث يتجاوز بها الزمان والمكان ويحس بها الحقيقة المطلقة ما وراء هذا الكون الفسيح.

    أما قلبي: فقد زُيِّن بألطف الحواس وارقها ورُكِّبَت فيه محبة تحيط بالكائنات، وشفقة تحتضن جميع المخلوقات.

    أما حياتي: فـ ((إنها فهرس الغرائب التي تخص الأسماء الإلهية الحسنى..

ومقياس مصغر لمعرفة الشؤون الإلهية وصفاتها الجليلة..

 وميزان للعوالم التي في الكون..

 ولائحة لمندرجات هذا العالم الكبير..

 وخريطة لهذا الكون الواسع..

وفذلكة لكتاب الكون الكبير..

 ومجموعة مفاتيح تفتح كنوز القدرة الإلهية الخفية..

وأحسن تقويمٍ للكمالات المبثوثة في الموجودات، والمنشورة على الأوقات والأزمان.)) [3] .

    نعم، ان الاستعدادات والخصائص الموجودة لديّ تُظهر بأني مخلوقٌ لأجل معنىً اكبر، ولمقصد أسمى. لذا فان الكائنات برمتها سُخّرَتْ لي. وان المصاريف التي صُرِفَتْ لأجلي والعناية التي شملتني إنما هي لأجل حملي غاية تليق بالإنسانية. فما دامت هذه الكائنات خادمة لي فإني لا اخدم مَن يخدمني. وان الكائنات فتحت حضنها لتحفظ لي حياتي وبقائها، ولِمَنْ افتح قلبي إذن؟ ولما كنت أنا خليفة الأرض. فمَن هو سلطان قلبي؟ وأنا تاج الكائنات فمَن هو تاج قلبي؟ وأنا غاية الكائنات فما هي غايتي أنا ؟.

    نعم ان الحكيم المطلق الذي جعل الإلكترون يدور حول النواة لغاية معينة، لا يعقل أن يترك روح الإنسان دون غاية أو ثمرة.

    وبمعرفة غاية الروح ينحل طلسم خلق الكائنات، فتتجلى حكمة البارئ سبحانه ورحمته وعنايته بكل لمعانها.

    وتدل الآية الكريمة  { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ } (الذريات:56)  بأن غاية الروح هي العبادة والشكر وان الكائنات وما فيها هي وسائل وسبل لوصول الروح إلى تلك الغاية السامية فكلمة ((لِيَعْبُدُونِ )) تتضمن التسبيح والتحميد والتكبير. وفيها التعظيم والتوحيد والتهليل والذكر والفكر والشكر. ولكي تؤدي الروح هذه الوظائف جميعاً، فان الحكيم المطلق سبحانه خلقها كميزان حساس ومقياس حقيقي وخريطة مكملة ومرآة جامعة وتقويم جميل. وان الغاية القصوى من خلق هذه الروح في احسن تقويم هي: الفهم الجميل للجميل المطلق الجمال سبحانه والتعرف على كمال صفاته الجميلة. وأن تفنى بإرادتها الجزئية في أمر ومشيئة وإرادة الله الكلية.

    لذا فالروح خُلِقت للقيام بهذه الوظائف العلوية بكمال القيام لتصبح مقياساً وميزاناً لشؤون وصفات وأسماء الله تعالى.

    وبوسع الإنسان قراءة اسم ( الحكيم) عند مشاهدته الحكمة والانتظام في خلق الأشياء. واسم (الرزاق) في إعاشة المخلوقات. واسمَيْ (العليم) و(القدير) في خلق الأشياء بعلم وقدرة. فيبلغ بجهده وهمته إلى تسعة وتسعون اسماً بل إلى ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية الحسنى.

    وبما انه لا يوجد اسم بدون مسمى ولا صفة بدون موصوف وبعدما قرأ وشاهد هذا الإنسان تجليات الأسماء الإلهية وصفاته على الكائنات، ازداد شوقاً لرؤية الذات الأقدس وجماله المطلق. فيظهر كل ما في وسعه من جهد ليكون مظهراً لرؤيته الأبدية سبحانه. فيعلم يقيناً بأن العبادة له وحده، وان الشكر يليق بشأنه وحده، والحمد يخص ألوهيته وحده، فيسلّم روحه وقلبه وجميع لطائفة لآمره تعالى في غاية الامتنان وفي حيرة ووجد يهزان العرش والفرش. ولنستمع لهذه الحقيقة من بديع الزمان النورسي (رحمه الله ) وهو يقول:

    (( ان ماهية حياتي هي مخزن مفتاح كنوز الأسماء الإلهية.. وخريطة مصغرة لنقوشها البديعة.. وفهرس تجلياتها.. ومقياس دقيق وميزان حساس لوزن حقائق الكون الكبرى.. وكلمة حكيمة مكتوبة تَعرف وتُعرِّف وتَفهم وتُفهِّم الأسماء الجليلة القيمة للحي القيوم.))[4].

    نعم،ان الرحيم الكريم الذي خلق الإنسان في فقر مطلق يضع أمام روحه لوحة عظيمة من الحمد والشكر بتربيته إياه في غاية الكرم والشفقة. وان القصد من إنعام الله على الإنسان هو اطلاع الروح على هذه المعاني القدسية ومعرفة الحق سبحانه بأسمائه وصفاته الحسنى أمثال  المنعم والمحسن والمجمل والمفضل ومقابلتها بالمحبة لإحسانه سبحانه والشكر لنعمه والتودد لإكرامه.

    وكذا فان القدير ذا الجلال بخلقه الإنسان في عجز مطلق قد وضع أمام نظر روحه لوحة تأمل واسعة ابتداء من تدبير خلية واحدة في الجسم إلى تنظيم السماوات والأرض، ودعاه سبحانه إلى تقديره وتحسينه وتكبيره وتبجيله وتعظيمه. حيث تُظهر وتُقرأ حقائق إلهية عديدة على هذه اللوحات أمثال الحكمة والعناية والعدالة والعلم والإرادة. وجُهزّت الروح بآلات وحواس وصفات عديدة تؤهلها لتكون مظهراً ومرآةً لإدراك هذه الحقائق. وان الله الذي خلق هذه الكائنات الجميلة لإظهار تجليات أسماءه الحسنى والذي يعتبر كل اسم منها في غاية الحسن والجمال، قد خلق الإنسان في ماهية تؤهله مقابلة جمال خالقه وجلاله وكماله بالتحسين والتقدير والتبجيل والتعظيم والتحميد.

    فالغاية القصوى لهذا الإنسان هي : (( أن يفي بوظائفه المتطلعة إلى مقاصد لانهاية لها، وأن يُعلن عجزه وفقره بجنب الله تعالى بعبوديته، وأن يرى بنظره الواسع تسبيحات الموجودات، فيشهد على ذلك ويطّلع على ما تمده الرحمة الإلهية من أنعام وآلاء فيشكر الله عليها، وأن يعاين معجزات القدرة الربانية في هذه المصنوعات فيتفكر فيها ويتأمل وينظر إليها بنظر العبرة والإعجاب. ))[5].                                                 

    ونختم بحثنا هذا كذلك مع إيضاح لمؤلف رسائل النور (رحمه الله) وهو يقول: (( لقد علمتُ بجزيئات صفات كالعلم والسمع والبصر والإرادة التي تتصف بها حياتي الخاصة وأفعالي التي أؤديها بشعور، علمتُ بها – بنسبة صغري إلى عِظَم الكون – الصفات الكلية المحيطة لخالقي من علم وإرادة وسمع وبصر وحياة وقدرة وفهمت بها كذلك شؤونه الجليلة أمثال المحبة والغضب والرأفة والشفقة فآمنت بتلك الصفات والشؤون الجليلة وصدّقتُ بها وشهدتُ عليها ووجدت منها طريقاً آخر إلى معرفة الله. ))[6]

    إذن فغاية الروح هي الترقي وقطع المراتب في محبة الله، والعروج إلى الكمالات.(*)

 

____________________

(1) التعريفات للجرجاني (المترجم )

(2) الكلمات / الكلمة الثالثة والعشرون 371

(3) الكلمات / الكلمة الحادية عشرة ص139

(4) الشعاعات / الشعاع الرابع ص82 .

(5) الكلمات / الكلمة الثالثة والعشرون ص 367

(6) الشعاعات / الشعاع الرابع ص83

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


21-) معجزات الانبياء تشير الى الاختراعات

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك  

يبيّن القرآن الكريم ان الانبياء عليهم السلام قد بُعثوا الى مجتمعات انسانية ليكونوا لهم ائمة الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسه ان الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّاداً للبشرية واساتذة لها في تقدمها المادي ايضاً. أي انه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعاً كاملاً في الامور المادية والمعنوية؛ اذ كما يحض القرآنُ الكريم الانسانَ على الاستزادة من نور الخصال الحميدة التي يتحلى بها الانبياء عليهم السلام، وذلك عند بحثه عن كمالاتهم المعنوية، فانه عند بحثه عن معجزاتهم المادية ايضاً يومئ الى إثارة شوق الانسان ليقوم بتقليد تلك المعجزات التي في ايديهم، ويشير الى حضّه على بلوغ نظائرها، بل يصح القول: ان يد المعجزة هي التي أهدت الى البشرية الكمال المادي وخوارقه لاول مرة، مثلما أهدت اليها الكمال المعنوي. فدونك سفينة نوح عليه السلام وهي احدى معجزاته، وساعة يوسف عليه السلام، وهي احدى معجزاته. فقد قدمتهما يدُ المعجزة لاول مرة هدية ثمينة الى البشرية.

وهناك اشارة لطيفة الى هذه الحقيقة، وهي اتخاذ أغلب الصناع نبياً من الانبياء رائداً لصنعتهم وقطباً لمهنتهم.

فالملاحون - مثلاً - اتخذوا سيدنا نوحاً عليه السلام رائدهم والساعاتيون اتخذوا سيدنا يوسف عليه السلام امامهم، والخياطون اتخذوا سيدنا ادريس عليه السلام مرشدهم..

ولما كان العلماء المحققون من أهل البلاغة قد اتفقوا جميعاً ان لكل آية كريمة وجوهاً عدة للارشاد، وجهات كثيرة للهداية، فلا يمكن اذاً ان تكون أسطع الآيات وهي آيات المعجزات، سرداً تاريخياً، بل لابد انها تتضمن ايضاً معاني بليغة جمة للارشاد والهداية.

نعم، ان القرآن الكريم بايراده معجزات الانبياء انما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن ان يصل اليه الانسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها الى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن ان تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعيّن أبعد الاهداف النهائية لها ويحددها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها اليها.

اذ كما ان الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل ايضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله.(*)

____________________________________

(*) كليات رسائل النور-الكلمات ص:279

 


22-) علاقة الروح والجسد

 

    ان الله الذي خلق روح الإنسان وجسده من ماهيتين مختلفتين قد وضع بينهما علاقة تحير العقول.

    لهذا السبب فقد وهب الخالق الحكيم لروح الإنسان قابليات كثيرة مثل النطق والبيان والتفكر. أما جسده فقد جعله الله تعالى مهيأً لانكشاف هذه القابليات فمثلا إن الفم ماكنة كلام خارقة تقوم بترتيب الحروف وإخراجها على شكل كلمات وجمل وبذلك تعكس الأفكار إلى الخارج. فالعلاقة الموجودة بين الروح والجسد هي التي تحرك بشكل منتظم أجزاء ماكنة الفم المتكونة من شفاه وأسنان ولسان وأحبال صوتية.

    وكما إن الخياط يقوم بتفصيل وخياطة الزي على حجم الإنسان، وان المهندس يصمم ويبني القصر بما يلائم ساكنيه. وكذلك فالحكيم المطلق ( ولله مثل الأعلى ) قد نسخ أجساد جميع ذوي الحياة ملائمة مع أرواحها وخلقها بأنسب الأشكال.

    وكما إن الإنسان يبني العش للدواجن ويصنع الأقفاص لطيور الكناري وكذلك ( ولله مثل الأعلى) إن الحكيم الكريم قد البس لأرواح الحيوانات أجساداً تلائمها تماماً وتستفيد منها. وكما أن هناك انسجاماً تاماً بين روح الأسد وبين قوة جسده وأنيابه الحادة فكذلك هناك انسجاماً لطيفاً بين روح البلبل المبهورة وبين جسده اللطيف وريشه الظريف وصوته العذب.

    وبما أن حياة الإنسان هي اكمل طبقات الحياة فان علاقة الروح مع الجسد تظهر في الإنسان بأجمل أشكالها. فكل عضو فيه خُلق للروح في اجمل صورة وفي انسب شكل واليق موقع. وان كل عمل يقوم به الإنسان والفنون التي يتعلمها والكتب التي يؤلفها إنما هي ثمرة هذه العلاقة الخارقة بين روحه وجسده. فمن روح العالِم تتقطر بقلمه كلمات موزونة وعلوم نافعة وفنون حكيمة تبلغه إلى سعادة الدنيا والآخرة.

    نعم، إن الروح تمتلك قابليات عديدة. إلاّ إن هذه القابليات تظهر بوساطة الجسد الذي البس بهذه الروح فمثلا: إن اليد تظهر قابليات الروح المتعلقة بالكتابة أو أي عمل آخر تستخدم به اليد. فلو لم تكن اليد مهيأة لهذه الوظائف فكيف تنكشف هذه القابليات؟. فلو فرضنا إن روح الإنسان مع جميع قابليتها، أسكنت في جسد جَمَل فان هذه القابليات لن تنكشف وربما تموت لأن الجَمَل، وإن خطط بدماغه وفكّر بأشياء كثيرة، فانه لا يقرأ ولا يكتب ولا يجلس على طاولة المحاضرة ولا يظهر أية مهارة في أية صنعة.

     نفهم من هذا كله إن الذي خلق الروح هو خالق الجسد أيضاً.

     وفي الموضوع ذاته نتطرق إلى خاصية أخرى تتعلق بالروح والجسد وهي : كما إن الروح ليست داخلة في الجسد فهي كذلك ليست خارجة عنه. وكما إنها ليست ملتصقة به فإنها ليست منفصلة عنه. لأن دخول شيء ما والخروج منه هما من صفات المادة والجسمانية. أما الروح فهي جوهر مجرد من المادة ولطيفة ربانية. مثال على ذلك:

    من المعلوم، كما إن الكهرباء عندما تتحول إلى الضوء في المصباح فإنها ليست داخلة في المصباح. كذلك فإنها ليست خارجة عنه، لأن ضوء الكهرباء هو الذي يظهر في المصباح. وإنها ليست داخلة فيه، لأن الكهرباء لا تبقى في زجاج المصباح عندما ينكسر المصباح.                    

    مثال آخر: إن الطاقة الكهربائية في أي معمل هي التي تحرك جميع آلات ودواليب المعمل. وعند انقطاع هذه الطاقة عن المعمل فانه يتوقف حتماً. فالتيار الكهربائي لم يكن داخلاً في أجزاء المعمل. لأنه عند فحص هذه الأجزاء لن تظهر فيها الكهرباء ولكن، وبما إن الكهرباء التي تقوم بتشغيل المعمل فإنها ليست خارجة عنه أيضاً، لأنها هي التي تحرك المعمل؟.

    ان الروح التي تدير الجسد بأكمله. وهي موجودة في كل مكان من الجسد. فلا تتجزأ ولا تنقسم. وهي تحرك اليد وتسيّر الرجل، وترى من نافذة العين، وتتكلم من اللسان. وتسمع من الأذن أي إنها تتصرف في جميع الأعضاء. وهي قائمة بذاتها ودائمية. فلو قطعتم أي عضو من الجسم. فان الروح لا تتضرر بذلك ولا ينقص منها شئ. حتى لو تعرض الجسد للفناء والعدم فان وجود الروح دائم وباق.

    وان الروح لا تنقسم ولا تتجزأ وهي تدبر جسد الإنسان دون انقسام أو تجزئة. فليس لها في جسم الإنسان من قرب أو بعد، فهي تستجيب لجميع الحاجات في آن واحد، وتدير جميع الخلايا معاً وفي آن واحد. لنوضح هذه الحقيقة بمثال:

    لو دخلتم خيالاً في خلية من خلايا الكبد. فسترون أن إدارة هذا المنزل الصغير هي كإدارة مدينة كبيرة. وعندما تسألون إحدى الذرات عن الذي يدير هذه المدينة وكيفية إدارتها فستتلقون هذا الجواب: (( في هذه المدينة أرى نظاماً مكملاً في جميع الأعمال وارى بكل إعجاب تلبية جميع الحاجيات ولكني لا أستطيع التفوه في حق السلطان الذي يدعى بـ (الروح) والذي يدير هذه المدينة الواسعة ودون خطأ أو تقصير.)). ولو أخذتم بيد هذه الذرة التي تظن أن دائرة تصرف الروح هي المنزل الصغير الضيق والمحاط بتلك الأسوار، وتجولتم معاً في جميع خلايا الجسم، فان إيمانها بوجود الروح التي تدير لوحدها هذا العالم الواسع الرحب ومعرفتها ومحبتها يزداد حتماً. وإذا كانت فطرتها لم تفسد بعد فإنها تتقبل كلامكم هذا برحابة الصدر : (( إن السلطان الوحيد لمملكة هذا الجسد وهو الروح حاضرة عند كل خلية ولكنها لا تتخذ أي خلية مقراً لها. فلا فرق لديها بين الأعضاء البعيدة والقريبة أو الأعضاء الصغيرة والكبيرة. لأنها تقوم بجميع الأعمال في آن واحد وتمد لجميع الطلبات في آن واحد. فالروح هي التي تدير كل عضو في هذه المدينة على حدة، وهي التي ترافق الجسد وتحركه إلى الجهة التي ترغبها وتجعله يسعى في العمل الذي ترغبه.)) (*)

_________________

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف


23-) كل بدعة ضلالة وبيان انواع السنن

 

(كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)[1]

أي: بعد ان كملتْ قواعد الشريعة الغراء ودساتير السنة المطهرة، واخذت تمام كمالها، بدلالة الآية الكريمة (اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم...) (المائدة: 3) فان عدم استحسان تلك الدساتير بمحدثات الامور، او ايجاد البدع التي تشعر كأن تلك القواعد ناقصة -حاش لله - ضلال ليس له مستقر الا النار.

ان للسنة المطهرة مراتب:

قسم منها واجب لايمكن تركه، وهو مبين في الشريعة الغراء مفصلا، وهو من المحكمات اي لايمكن باية جهة كانت ان تتبدل.

وقسم منها هو من قبيل النوافل، وهذا بدوره قسمان:

قسم منه هو السنن التي تخص العبادات، وهي مبينة ايضا في كتب الشريعة. وتغيير هذه السنن بدعة.

أما القسم الآخر فهو الذي يطلق عليه الآداب وهي المذكورة في كتب السير الشريفة، ومخالفتها لاتسمى بدعة، الا انها من نوع مخالفة الآداب النبوية، وعدم الاستفاضة من نورها، وعدم التأدب بالادب الحقيقي. فهذا القسم هو: اتباع افعال الرسول صلى الله عليه وسلم المعلومة بالتواتر في العرف والعادات والمعاملات الفطرية، ككثير من السنن التي تبين قواعد ادب المخاطبة وتظهر حالات الاكل والشرب والنوم أو التي تتعلق بالمعاشرة. فمن يتحر امثال هذه السنن التي تطلق عليها الآداب ويتبعها فانه يحول عاداته الى عبادات، ويستفيض من نور ذلك الأدب النبوي، لأن مراعاة أبسط الآداب واصغرها تذكر بالرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم مما يسكب النور في القلب.

ان اهم ما في السنة المطهرة هي تلك السنن التي هي من نوع علامات الاسلام والمتعلقة بالشعائر، اذ الشعائر هي عبادة من نوع الحقوق العامة التي تخص المجتمع.

فكما ان قيام فرد بها يؤدي الى استفادة المجتمع كله، فان تركها يجعل الجماعة كلها مسؤولة. فمثل هذه الشعائر يعلن عنها وهي أرفع من ان تنالها ايدي الرياء واهم من الفرائض الشخصية ولو كانت من نوع النوافل.(*)

______________________________

[1] حديث صحيح: جزء من حديث اخرجه احمد (3/310، 311 و337،338،371) ومسلم (867) والنسائي (3/ 188) وابن ماجة (45) والبيهقي في السنن (3/213، 214) وغيرهم من عدة طرق كلهم من حديث جابر رضي الله عنه. وزيادة (وكل ضلالة في النار) هي عند النسائي فقط من بين هؤلاء وسندها صحيح.

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الحادية عشرة - ص: 86


24-) الايمان قوة

باسمه سبحانه

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)

ايها المستخلف المبارك

كما أن الإيمان نوروهو قوة أيضا. فالإنسانُ الذي يظفر بالإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائناتِ ويتخلصَ من ضيق الحوادثِ، مستندا إلى قوةِ إيمانه فيبحرُ متفرجا على سفينة الحياة في خضمّ أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام قائلا: تَوكَّلتُ على اللّٰه، ويسـلّم أعباءه الثقيلةَ أمانةً إلى يدِ القُدرةِ للقدير المطلق، ويقطعُ بذلك سبيلَ الدنيا مطمئنّ البال في سهولةٍ وراحةٍ حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفعَ طائرا إلى الجنة للدخول إلى السعادة الأبدية. أمَّا إذا ترك الإنسانُ التوكلَ فلا يستطيع التحليقَ والطيرانَ إلى الجنة فحسب بل ستجذبه تلك الأثقالُ إلى أسفلَ سافلين.

فالإيمان إذن يقتضي التوحيدَ، والتوحيدُ يقودُ إلى التسليم، والتسليمُ يُحقق التوكلَ، والتوكلُ يسهّل الطريقَ إلى سعادة الدارَين. ولا تظنن أن التوكلَ هو رفضُ الأسباب وردُّها كليا، وإنما هو عبارة عن العلمِ بأن الأسبابَ هي حُجُب بيَدِ القدرة الإلهية، ينبغي رعايتُها ومداراتها، أما التشبثُ بها أو الأخذُ بها فهو نوع من الدعاء الفعلي. فطلبُ المسَبَّباتِ إذن وترقّبُ النتائج لا يكون إلاّ مِن الحقِّ سبحانه وتعالى، وأنّ المنةَ والحمدَ والثناءَ لا ترجعُ إلاّ إليه وحدَه.

إن مَثلَ المتوكلِ على اللّٰه وغيرَ المتوكل كَمثَلِ رجلَين قاما بحمل أعباءٍ ثقيلةٍ حُمّلتْ على رأسيهما وعاتقهما، فقطعا التذاكر وصعدا سفينةً عظيمةً، فوضعَ أحدهُما ما على كاهِله حالما دخل السفينةَ وجلسَ عليه يرقُبُه، أما الآخرُ فلم يفعل مثلَه لحماقته وغروره،

فقيل له:"ضَعْ عنك حملكَ الثقيل لترتاح من عنائك؟". فقال: " كلا، إني لست فاعلا ذاك مخافةَ الضياع ، فأنا على قوةٍ لا أعبأ بحملي، وسأحتفظ بما أملُكه فوقَ رأسي وعلى ظهري ".

فقيل له ثانية: " ولكن أيها الأخ إنّ هذه السفينةَ السلطانية الأمينةَ التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى وأصلبُ عودا منا جميعا . وبإمكانها الحفاظُ علينا وعلى أمتعتنا أكثرَ مِن أنفسنا، فربما يُغمَى عليك فتهوي بنفسِك وأمتعتك في البحر، فضلا عن أنك تفقِد قوتَك رويدا رويدا، فكاهلُك الهزيل هذا وهامتُك الخرقاء هذه لن يَسَعهما بعدُ حملُ هذه الأعباء التي تتزايد رَهَقا، وإذا رآك ربّانُ السفينة على هذه الحالة فسيظنُّك مصابا بمسٍّ من الجنون وفاقدا للوعي، فيطرُدُك ويقذِفُ بكَ خارجا، أو يأمرُ بإلقاء القبضِ عليك ويُودِعك السجن قائلا: إن هذا خائن يتّهم سفينَتَنا ويستهزئُ بنا، وستُصبح أضحوكةً للناس، لأنك بإظهارك التكبّر الذي يُخفي ضعفا - كما يراه أهلُ البصائر- وبغرورِك الذي يحمل عَجزا، وبتصنّعك الذي يُبطن رياءً وذلة، قد جعلتَ من نفسك أضحوكةً ومهزلةً. ألا ترى أن الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك..!"

وبعد ما سمع كلَّ هذا الكلام عاد ذلك المسكينُ إلى صوابه فوضع حِملَه على أرضِ السفينة وجلسَ عليه

وقال: " الحمد للّٰه.. ليرضَ اللّٰه عنك كل الرضا فلقد أنقذتَني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية ".

فيا أيها الإنسانُ البعيدُ عن التوكل! ارجعْ إلى صوابك وعُد إلى رُشدك كهذا الرجل وتوكّل على اللّٰه لتتخلص من الحاجة والتسـوّل من الكائنات، ولتنجوَ من الارتعاد والهلع أمام الحادثات، ولتنقذَ نفسَك من الرياء والاستهزاء ومن الشقاء الأبدي ومن أغلال مضايقات الدنيا. (*)

______________

كليات رسائل النور – الكلمات ص:352

 


25-) دعاءٌ فعلي و دعاء قولي

 

 باسمه سبحانه

{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }(غافر:60) 

ايها المستخلف المبارك

 

دعاؤنا نوعان:

احدهم:دعاءٌ فعلي وحالي.

وثانيهم:دعاء قلبي وقولي.

فمثل:الأخذُ بالأسباب هو دعاء فعلي، علماً أن اجتماع الأسباب ليس المرادُ منه ايجاد المسَّبب. وانما هو لإتخاذ وضعٍ ملائمٍ ومُرضٍ لله سبحانه لِطَلَب المسَّبب منه بلسان الحال. حتى إن الحراثةَ بمنزلةِ طَرْقِ بابِ خزينةِ الرحمةِ الإلهية. ونظراً لكون هذا النوع من الدعاء الفعلي موجّهٌ نحو اسم "الجواد" المطلق والى عنوانه فهو مقبولٌ لا يُردُّ في أكثر الأحيان.

أما القسم الثاني: فهو الدعاءُ باللسان والقلب. أي طلبُ الحصولِ على المطالب غير القابلة للتحقيق والحاجات التي لا تصلُ اليها اليدُ. فأهمُّ جهةٍ لهذا الدعاء وألطفُ غاياته وألذُّ ثمراته هو أن الداعي يدرك ان هناك مَن يسمع خواطر قلبه، وتصل يدُه الى كل شئ، ومَن هو القادرُ على تلبية جميع رغباته وآمالِه، ومَن يرحم عجزه ويُواسي فقرَه.

فيا أيها الانسان العاجز الفقير! اياك ان تتخلّى عن مفتاح خزينةِ رحمة واسعة ومصدر قوة متينة، ألا وهو الدعاءُ. فتشبَّث به لترتقيَ الى اعلى عليي الانسانية، واجعل دعاءَ الكائنات جزءاً من دعائك. ومن نفسك عبداً كلياً ووكيلاً عاماً بقولك {إياكَ نَسْتَعينُ} وكن أحسنَ تقويمٍ لهذا الكون (*)

____________________________

(*) كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة والعشرون - ص: 358


26-) الاجتهاد في الوقت الحاضر  للوصول الى الله

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

للوصول الى الله سبحانه وتعالى طرائق كثيرة، وسبل عديدة ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم. الا ان بعض هذه الطرق اقرب من بعض واسلم واعم.

وقد استفدت من فيض القرآن الكريم - بالرغم من فهمي القاصر - طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً هو:

طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر.

نعم!ان العجز كالعشق طريق موصل الى الله، بل اقرب واسلم، اذ هو يوصل الى المحبوبية بطريق العبودية.

والفقر مثله يوصل الى اسم الله " الرحمن " .

وكذلك الشفقة كالعشق موصل الى الله الا انه انفذ منه في السير واوسع منه مدى، اذ هو يوصل الى اسم الله " الرحيم " .

والتفكر ايضاً كالعشق الا انه اغنى منه واسطع نوراً وارحب سبيلاً، اذ هو يوصل السالك الى اسم الله " الحكيم " .

وهذا الطريق يختلف عما سلكه اهل السلوك في طرق الخفاء - ذات الخطوات العشر كاللطائف العشر - وفي طرق الجهر - ذات الخطوات السبع حسب النفوس السبعة - فهذا الطريق عبارة عن اربع خطوات فحسب، وهو حقيقة شرعية اكثر مما هو طريقة صوفية.

ولا يذهبن بكم سوء الفهم الى الخطأ. فالمقصود بالعجز والفقر والتقصير انما هو اظهار ذلك كله امام الله سبحانه وليس اظهاره امام الناس.

اما اوراد هذا الطريق القصير واذكاره فتنحصر في اتباع السنة النبوية.. والعمل بالفرائض، ولا سيما اقامة الصلاة باعتدال الاركان والعمل بالاذكار عقبها.. وترك الكبائر.

اما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم فهي:

{ فلا تُزكّوا انفُسَكم } (النجم:32) تشير الى الخطوة الاولى.

{ ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم } (الحشر:19) تشير الى الخطوة الثانية.

{ ما اصابكَ مِن حسنةٍ فمن الله، ومَا اصابكَ مِن سيئةٍ فِمن نفسِك } (النساء:79) تشير الى الخطوة الثالثة:

{ كلُّ شيءٍ هالكٌ الاّ وجْهَه } (القصص:88)، تشير الى الخطوة الرابعة.

وايضاح هذه الخطوات الاربع بايجاز شديد هو:

الخطوة الاولى:

كما تشير اليها الآية الكريمة { فلا تزكوا انفسكم }(النجم:32) وهي: عدم تزكية النفس. ذلك لان الانسان حسب جبلّته، وبمقتضى فطرته، محبٌ لنفسه بالذات، بل لا يحب الا ذاته في المقدمة. ويضحي بكل شئ من اجل نفسه، ويمدح نفسه مدحاً لا يليق الا بالمعبود وحده، وينزّه شخصه ويبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسه اصلاً ويدافع عنها دفاعاً قوياً بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما اودعه الله فيه من اجهزة لحمده سبحانه وتقديسه الى نفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: { من اتّخذ الهَه هَواه } (الفرقان:43) فيعجب بنفسه ويعتد بها.. فلابد اذن من تزكيتها فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها.

الخطوة الثانية:

كما تلقّنه الآية الكريمة من درس: { ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم انفُسَهم }(الحشر:19). وذلك: ان الانسان ينسى نفسه ويغفل عنها، فاذا ما فكر في الموت صرفه الى غيره، واذا ما رأى الفناء والزوال دفعه الى الآخرين، وكأنه لا يعنيه بشئ، اذ مقتضى النفس الامارة انها تذكر ذاتها في مقام اخذ الاجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف. فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة هي:

العمل بعكس هذه الحالة، اي عدم النسيان في عين النسيان، اي نسيان النفس في الحظوظ والاجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت.

والخطوة الثالثة:

هي ما ترشد اليه الآية الكريمة: { ما اصابكَ مِن حَسَنةٍ فَمِنَ الله وما اصابكَ مِنْ سيئة فمن نفسك }(النساء:79) وذلك: ان ما تقتضيه النفس دائماً انها تنسب الخير الى ذاتها، مما يسوقها هذا الى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة ان لا يرى من نفسه الا القصور والنقص والعجز والفقر، وان يرى كل محاسنه وكمالاته احساناً من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: { قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها } (الشمس:9).

وهي ان تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، (اي كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها امام الله، وغناها في فقرها اليه).

الخطوة الرابعة:

هي ما تعلمه الآية الكريمة: { كُلُّ شَيٍء هالكٌ الا وجْهَه }(القصص:88). ذلك لان النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعاً من الربوبية، وتضمر عصيانا حيال معبودها الحق. فبادراك الحقيقة الاتية ينجو الانسان من ذلك وهي: كل شئ بحد ذاته، وبمعناه الاسمي: زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم، الا انه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.

فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفة: ان عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، اي اذا رأت ذاتها واعطت لوجودها وجوداً، فانها تغرق في ظلمات عدم يسع الكائنات كلها. يعني اذا غفلت عن موجدها الحقيقي وهو الله، مغترة بوجودها الشخصي فانها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم. ولكن عندما تترك الانانية والغرور ترى نفسها حقاً انها لا شئ بالذات، وانما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي. فتظفر بوجود غير متناه وتربح وجود جميع المخلوقات.

نعم، من يجد الله فقد وجد كل شئ، فما الموجودات جميعها الا تجليات اسمائه الحسنى جل جلاله.

خاتمة

ان هذا الطريق الذي يتكون من اربع خطوات وهي العجز والفقر والشفقة والتفكر، قد سبقت ايضاحاته في " الكلمات الست والعشرين " السابقة من كتاب " الكلمات " الذي يبحث عن علم الحقيقة، حقيقة الشريعة، حكمة القرآن الكريم. الا اننا نشير هنا اشارة قصيرة الى بضع نقاط وهي: ان هذا الطريق هو اقصر واقرب من غيره، لانه عبارة عن اربع خطوات. فالعجز اذا ما تمكن من النفس يسلّمها مباشرة الى " القدير " ذي الجلال.بينما اذا تمكن العشق من النفس - في طريق العشق الذي هو انفذ الطرق الموصلة الى الله - فانها تتشبث بالمعشوق المجازي، وعندما ترى زواله تبلغ المحبوب الحقيقي.

ثم ان هذا الطريق اسلم من غيره، لان ليس للنفس فيه شطحات او ادعاءات فوق طاقتها، اذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير كي يتجاوز حده.

ثم ان هذا الطريق طريق عام وجادة كبرى، لانه لا يضطر الى اعدام الكائنات ولا الى سجنها، حيث ان اهل " وحدة الوجود " توهموا الكائنات عدماً، فقالوا: " لا موجود الا هو " لاجل الوصول الى الاطمئنان والحضور القلبي. وكذا اهل " وحدة الشهود " حيث سجنوا الكائنات في سجن النسيان فقالوا: "لا مشهود الا هو " للوصول الى الاطمئنان القلبي.

بينما القرآن الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الاعدام ويطلق سراحها من السجن، فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر الى الكائنات انها مسخرة لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وانها مظاهر لتجليات الاسماء الحسنى كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. اي انه يستخدمها بالمعنى الحرفي ويعزلها عن المعنى الاسمى من ان تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم. فيجد الى الحق سبحانه طريقاً من كل شئ.

وزبدة الكلام: ان هذا الطريق لا ينظر الى الموجودات بالمعنى الاسمي، اي لا ينظر اليها انها مسخرة لنفسها ولذاتها، بل يعزلها من هذا ويقلدها وظيفة، انها مسخرة لله سبحانه.(*)

________________________________

(*) الكلمة السادسة والعشرون  - ذيل - ص: 558

 


27-)  انواع عبادات المخلوقات 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)( الحج:18)

اعلم!(1)ان القرآن الحكيم يصرّح: بان كل شئ من العرش الى الفرش، ومن النجوم الى الهوام، ومن الأملاك الى الأسماك، ومن السيّارات الى الذرّات يعبد الله ويسجد له ويحمده ويسبّح له اِلاّ ان عباداتها متنوعةٌ. فنشير الى وجهٍ من وجوه التنوع، بنوعِ تمثيل.

مثل:"ولله المثل الاعلى" اِن ملكاً عظيماً اذا بنى مدينة جسيمةً وبنى قصراً محتشماً، فذلك الملك يستعمل فيهما أربعة أنواعٍ من العَمَلة:

الأول:مماليكُه: فليس لهم معاش ولا أجرة. بل لهم ذوقٌ وشوقٌ في كل ما يعملون بأمره، ويقولون في مدحه، ويكتفون بشرف انتسابهم له، ولذة نظرهم بحسابه.

والثاني:خَدَمة عاميون يستعملهم الملك بعلمه بأجرةٍ جزئية تليق بهم. ولا يعرفون ما يترتّب على عملهم من الغايات العالية الكلية. حتى قد يتوهم البعضُ أنْ ليس لعمله غايةٌ الاّ ما يعود الى نفسه من الأجرة والمعاش.

والثالث:حيواناتٌ له يستخدمها، فليس لها الاّ العَلَف، والتلذّذ بالعمل فيما تستعدّ له، اذ في خروج الاستعداد من "القوّة" الى "الفعل" لذة عامة.

والرابع:عَمَلة عالمون بما ولِمَا يعملون وتعمل سائر العَمَلة، وعارفون بمقاصد الملك. فلهم رياسةٌ ونظارةٌ على سائر الخَدَمة، ولهم معاشٌ متفاوتٌ على درجات رُتَبهم.

كذلك اِن مالك السموات والأرض وبانيها، استخدم واستعبَد الملائكة، ثم الحيوانات، ثم الجمادات والنباتات، ثم الأناسي، لا للحاجة؛ اذ هو خالقُهم ومايعملون، بل للعزّة والعظمة وشؤونات الربوبية وغير ذلك.

فاما الملائكة فليس لهم ترقيات بالمجاهدة. بل لكلٍ منهم "مقام معلوم" لكن له ذوقٌ مخصوص في نفس عملهم وفيوضاتٍ بنسبة درجاتهم في نفس عباداتهم. فمكافآت خَدَماتهم مندرجةٌ في عين خدماتهم. فكما يتغذى الانسانُ بالماء والهواء والضياء والغذاء ويتلذذ بها، كذلك االملائكة يتغذَّونَ ويتنعّمون ويتلذذون بأنوار الذكر والتسبيح والحمد والعبادة والمعرفة والمحبة، لأنهم من النور فيكفي لغذائهم النور والنورانيّ، كالروائح الطيّبة، ولهم سعادة عظيمة في فعلهم بأمر معبودهم، وفي عملهم بحسابه، وخدمتهم باسمه، ونظارتهم بنظره، وتشرّفهم بانتسابه، وتنزهّهم بمطالعة مُلكه وملكوته، وتنعّمهم بمشاهدة تجليات جماله وجلاله.

واما الحيوانات فلوجود النفس المشتهية فيها مع اختيارٍ جزئي ليست أعمالها خالصةً بحسابه وحَسْبةً محضةً لوجهه، فلهذا يعطيها مالِكُها الكريم معاشاً في ضمن عملها لأجله.

مثل:اِن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمه فاطرُه الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيبٌ رباني من طرف الحيوانات - التي هي ضيوف الرحمن - وموظّفٌ لإعلان السرور بهدايا رازقها. ولاظهاره حُسن الاستقبال للنباتات المرسلة لإمداد أبناء جنسه، ولبيان احتياج نوعه البالغ ذلك الاحتياج الى درجة العشق، على رؤوس جميلات النباتات، ولتقديم ألطف شكرٍ في ألطف شوقٍ في ألطف وجهٍ لجنابِ مالكِ الملك ذي الجلال والجمال والاكرام.. فهذه غايةُ عمله بحسابه سبحانه، فهو يتكلم بلسانه فنفهم هذه المعاني منه، واِن لم يَعرف هو معنى نغماته بتمامها. وعدمُ معرفة البلبل بهذه الغايات بتفصيلها لا يستلزم عدمَها، لا أقل يكون كالساعة تُعلّمكَ الأوقات وهي لاتعلم ماتعمل. وأما معاشُه الجزئي فذوقه بمشاهدة الأزهار المتبسّمة وتلذّذه محاورتها. فليست نغماته الحزينة تألّمات شكايات حيوانية، كلاّ بل هي "تشكرات عطايا رحمانية" وقس عليه النحل والفحل والعنكبوت والنمل وبلابل الهوام وغيرها.فلكلٍ

منها معاشٌ جزئي في ذوق خصوصيّ في ضمن خدمتها لغاياتٍ كليةٍ ولصنعةٍ ربّانية كالنفر المستخدم في سفينة سلطانية.

فالحيوانات بامتثالها للأوامر التكوينية بكمال الاطاعة واظهارها لغايات فطرتها بأحسن وجه بإسمه، وتظاهرات حياتها بوظائف  بابدع طرز بحوله، وهكذا من سائر تسبيحاتها تقدم هدايا عباداتها ومزايا تحياتها لجناب فاطرها.

فالتحيات تظاهرات الحياة بلطائف آثارها المطلوبة لواهب الحياة.

واما النباتات والجمادات فلأجل ان لا إختيار لها، لا معاشَ لها، فأعمالُها خالصةٌ لوجه الله، وحاصلةٌ بمحض إرادة الله وباسمه وبحسابه وبحوله. الاّ انه يتظاهر من حال النباتات أن لها تلذّذات بوظائفها ولا تألماتَ لها، خلافاً للحيوان المختار. فله الألم كاللذّة. ولأجل عدم تداخل الاختيار في أعمال الجماد والنبات تكون آثارها أكمل من اعمالِ ذوي الاِختيار، ثم عمل ذي الاختيار المنوّر بالوحي والالهام كالنحل وامثاله أجملَ من غيره المعتمد على اختياره.

واما الانسان فهو كالمَلَك في كلية العبادة وشمول النظارة واِحاطة المعرفة ودلاّلية الربوبية، بل أجمع منه. الاّ ان له نفساً شريرة مشتهية، فله ترقيات وتدنيات.

وكالحيوان في ادخاله في عمله حظاً لنفسه وحصةً لذاته، فله معاشان معجّل جزئي حيواني، والآخر مؤجل كلي مَلَكي. فتأمل تَنَلْ.

ولقد ذكرنا في دروس رسالة النور كثيراً من اسرار عبودية الانسان ووظيفته وقسماً من عبادة النبات والجماد وتسبيحاتهما فلا حاجة الى التطويل هنا فان شئت فراجع تلك الدّروس لترى سرّ سورة "والتين والزيتون" وسورة "والعصر".(*)

______________________________

(1) هذا المبحث القيم خلاصة جيدة للغصن الرابع من الكلمة الرابعة والعشرين.

 (*) كليات رسائل النور - المثنوي العربي النوري - ص:(477)


28-) تعلم الاسماء كآدم

باسمه سبحانه

﴿وعلّم آدمَ الاسماءَ كلها﴾ (البقرة:31).

ايها المستخلف المبارك

تبين هذه الآية ان المعجزة الكبرى لآدم عليه السلام - في دعوى خلافته الكبرى - هي تعليم الاسماء.

فمثلما ترمز معجزات سائر الانبياء الى خارقة بشرية خاصة لكل منهم، فان معجزة ابي الانبياء وفاتح ديوان النبوة آدم عليه السلام تشير اشارة قريبة من الصراحة الى منتهى الكمال البشري، وذروة رقيه، والى أقصى أهدافه، فكأن الله سبحانه يقول بالمعنى الاشاري لهذه الآية الكريمة:

(يا بني آدم !.. ان تفوّق أبيكم آدم في دعوى الخلافة على الملائكة كان بما علمتُه الاسماء كلها، وأنتم بنوه ووارثو استعداداته ومواهبه فعليكم أن تتعلموا الاسماء كلها لتثبتوا جدارتكم أمام المخلوقات لتسنم الامانة العظمى، فلقد مُهّد الطريق أمامكم لبلوغ اسمى المراتب العالية في الكون، وسُخرت لكم الارض، هذه المخلوقة الضخمة، فهيا انطلقوا وتقدموا، فالطريق مفتوح أمامكم.. واستمسكوا بكل اسم من اسمائي الحسنى، واعتصموا به، لتسموا وترتفعوا. واحذروا! فلقد أغوى الشيطان أباكم مرة واحدة، فهبط من الجنة - تلك المنزلة العالية - الى الارض موقتاً. فاياكم ان تتبعوا الشيطان في رقيكم وتقدمكم، فيكون ذريعة ترديكم من سموات الحكمة الإلهية الى ضلالة المادية الطبيعية.. ارفعوا رؤوسكم عالياً، وانعموا النظر والفكر في اسمائي الحسنى، واجعلوا علومكم ورقيكم سلماً ومراقي الى تلك السموات، لتبلغوا حقائق علومكم وكمالكم، وتصلوا الى منابعها الاصلية، تلك هي أسمائي الحسنى. وانظروا بمنظار تلك الاسماء ببصيرة قلوبكم الى ربكم).

بيان نكتة مهمة وايضاح سر أهم

ان كل ما ناله الانسان - من حيث جامعية ما أودع الله فيه من استعدادات - من الكمال العلمي والتقدم الفني، ووصوله الى خوارق الصناعات والاكتشافات، تعبّر عنه الآية الكريمة بتعليم الاسماء: ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾. وهذا التعبير ينطوي على رمزٍ رفيع ودقيق، وهو:

ان لكل كمال، ولكل علم، ولكل تقدم، ولكل فن - أياً كان - حقيقة سامية عالية. وتلك الحقيقة تستند الى اسم من الاسماء الحسنى، وباستنادها الى ذلك الاسم - الذي له حُجُب مختلفة، وتجليات متنوعة، ودوائر ظهور متباينة - يجد ذلك الفن وذلك الكمال وتلك الصنعة، كلٌ منها كمالَه، ويصبح حقيقةً فعلاً، وإلا فهو ظل ناقص مبتور باهت مشوش.

فالهندسة - مثلاً - علم من العلوم، وحقيقتُها وغاية منتهاها هي الوصول الى اسم (العدل والمقدِّر) من الاسماء الحسنى، وبلوغ مشاهدة التجليات الحكيمة لذلك الاسم بكل عظمتها وهيبتها في مرآة علم (الهندسة).

والطب - مثلاً - علم ومهارة ومهنة في الوقت نفسه، فمنتهاه وحقيقته يستند ايضاً الى اسم من الاسماء الحسنى وهو (الشافي). فيصل الطب الى كماله ويصبح حقيقة فعلاً بمشاهدة التجليات الرحيمة لاسم (الشافي) في الادوية المبثوثة على سطح الارض الذي يمثل صيدلية عظمى.

والعلوم التي تبحث في حقيقة الموجودات - كالفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان .. ـ هذه العلوم التي هي (حكمة الاشياء) يمكن ان تكون حكمة حقيقية بمشاهدة التجليات الكبرى لاسم الله (الحكيم) جل جلاله في الاشياء، وهي تجليات تدبير، وتربية، ورعاية. وبرؤية هذه التجليات في منافع الاشياء ومصالحها تصبح تلك الحكمة حكمة حقاً، أي باستنادها الى ذلك الاسم (الحكيم) والى ذلك الظهير تصبح حكمة فعلاً، وإلاّ فإما أنها تنقلب الى خرافات وتصبح عبثاً لا طائل من ورائها أو تفتح سبيلاً الى الضلالة، كما هو الحال في الفلسفة الطبيعية المادية..

فاليك الامثلة الثلاثة كما مرت.. قس عليها بقية العلوم والفنون والكمالات..

وهكذا يضرب القرآن الكريم بهذه الآية الكريمة يد التشويق على ظهر البشرية مشيراً الى اسمى النقاط وأبعد الحدود واقصى المراتب التي قصرت كثيراً عن الوصول اليها في تقدمها الحاضر، وكأنه يقول لها: هيا تقدمي.(*)

__________________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :289


29-) الايمان هو الانتساب

 

باسمه سبحانه

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)

ايها المستخلف المبارك

إن الإنسانَ يسمو بنور الإيمان إلى أعلى علّيين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقا بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى أسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه،

فالإيمانُ إنما هو انتساب؛ لذا يكتسب الإنسانُ بالإيمان قيمةً سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده.

أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمتُه الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياة حيوانية مؤقتة.

وها نحن أولاءِ نبيّنُ هذا السرَّ بمثال توضيحي: إن قيمةَ المادة تختلف عن قيمة الصنعة ومدى الإجادة فيما يصنعه الإنسان، فنرى أحيانا القيمتين متساويتين، وقد تكون المادةُ أكثرَ قيمةً من الصنعة نفسِها، وقد يحدث أن تحتوي مادةُ حديد على قيمة فنيةٍ وجمالية عاليةٍ جدا، ويحدث أن تحوز صنعة نادرة نفيسة جدا قيمةَ ملايين الليرات رغم كونها من مادة بسيطة جدا.

فإذا عُرضَت مثل هذه التحفةِ النادرة في سوق الصنّاعين والحرفيين الـمُجيدين وعرفوا صانعَها الباهر الماهر الشهير فإنها تحوز سعر مليون ليرة، أما إذا أخذتْ التحفةُ نفسُها إلى سوق الحدادين -مثلا- فقد لا يتقدم لشرائها أحد، وربما لا ينفق أحد في شرائها شيئا.

وهكذا الإنسان، فهو الصنعة الخارقة للخالق الصانع سبحانه، وهو أرقى معجزةٍ من معجزات قدرته وألطفُها، حيث خلَقه الباري مَظهرا لجميع تجليات أسمائه الحسنى، وجعله مدارا لجميع نقوشه البديعة جلّت عظمته، وصيّره مثالا مصغرا ونموذجا للكائنات بأسرها.

فإذا استقر نورُ الإيمان في هذا الإنسان بَيّن -ذلك النورُ- جميعَ ما على الإنسان مننقوش حكيمة، بل يستقْرئها الآخرين؛ فيقرأها المؤمن بتفكر، ويشعُر بها في نفسه شعورا كاملا، ويجعل الآخرين يطالعونها ويتملّونَها، أي كأنه يقول: " ها أنا ذا مصنوع الصانع الجليل ومخلوقُه. انظروا كيف تتجلى فيّ رحمتُه، وكرمُه ". وبما شابهها من المعاني الواسـعة تتجلّى الصنعة الربانية في الإنسان.

إذن الإيمان - الذي هو عبارة عن الانتساب إلى الصانع سبحانه - يقوم بإظهار جميع آثار الصنعة الكامنة في الإنسان، فتتعين بذلك قيمةُ الإنسان على مدى بروز تلك الصنعة الربانية، ولمعانِ تلك المرآة الصمدانية. فيتحول هذا الإنسان -الذي لا أهمية له- إلى مرتبة أسمى المخلوقات قاطبة، حيث يصبح أهلا للخطاب الإلهي، وينال شرفا يؤهله للضيافة الربانية في الجنة.

أما إذا تسلّل الكفر - الذي هو عبارة عن قطع الانتساب إلى اللّٰه - في الإنسان، فعندئذٍ تسقط جميعُ معاني نقوش الأسماء الحسنى الإلهية الحكيمة في الظلام وتُمحى نهائيا، ويتعذر مطالعتَها وقراءتها؛ ذلك لأنه لا يمكن أن تُفهَم الجهاتُ المعنوية المتوجهة فيه إلى الصانع الجليل، بنسيان الصانع سبحانه، بل تنقلب على عقبيها، وتندرس أكثرُ آيات الصنعة النفيسة الحكيمة وأغلبُ النقوش المعنوية العالية، أما ما يتبقى منها مما يتراءى للعـين فسوف يُعزى إلى الأسباب التافهة، إلى الطبيعة والمصادفة، فتسقط نهائيا وتزول، حيث تتحول كل جوهرةٍ من تلك الجواهر المتلألئة إلى زجاجةٍ سوداء مظلمة، وتقتصر أهميتُها آنذاك على المادة الحيوانية وحدَها. وكما قلنا، إن غاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول..

وهكذا يهدم الكفرُ الماهيةَ الإنسانية ويحيلها من جوهرةٍ نفيسة إلى فحمةٍ خسيسة. (*)

______________

كليات رسائل النور – الكلمات ص:348

 

 


30-) الرد على المبتدعة الذين يحاولون تغيير الشعائر الإسلامية

باسمه سبحانه 

(فآمِنُوا باللّه ورَسُولهِ النبيّ الأُميّ الذي يُؤمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتهِ وَاتَّبِعوهُ لَعَلّكُم تَهتَدُون) (الاعراف:158)

(يُريدُونَ أنْ يُطفِئُوا نُورَ الله بِافواهِهم وَيَأبَى الله إلاّ أنْ يُتِم نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكافِروُن)(التوبة:32)

ايها المستخلف المبارك

ان مـستند الذين يحـاولون تـغيــيـر الشـعـائر الاسـلامية وتبــديلـها، وحجتهم نابعة من تقليد الاجانب تقليداً أعمى، كما هو في كل الامور الفاسدة. فهم يقولون :

" ان المهتدين في لندن، والذين دخلوا في حظيرة الايمان من الاجانب يترجمون كثيراً من الامور امثال الأذان والاقامة للصلاة، الى ألسنتهم، ويعملون بها في بلادهم، والعالم الاسلامي ازاء عملهم هذا ساكت، لا يعترض عليهم، فاذاً هناك جواز شرعي في عملهم هذا بحيث يجعلهم يلزمون الصمت ازاءه!".

الجـواب:

ان الفرق في هذا القياس ظاهر جداً، وليس من شأن ذي شعور تقليدهم، وقياس الامور عليهم مهما كان. لأن بلاد الاجانب يطلق عليها في لسان الشريعة " دار الحرب ". فكثير من الامور لها جواز شرعي في " دار الحرب "، ولامساغ لها في " دار الاسلام ".

ثم ان بلاد الافرنج تتميز بقوة النصرانية وشوكتها. فليس هناك محيط يلقّن بلسان الحال ما يشيع مفاهيم الكلمات المقدسة ومعاني الاصطلاحات الشرعية، لذا فبالضرورة رُجحّت المعاني القدسية على الالفاظ المقدسة، اي تُركت الالفاظ حفاظاً على المعاني، اي اختير أخف الضررين، واهون الشرين.

اما في "دار الاسلام"؛ فان المحيط يرشد ويلقن المسلمين بلسان الحال المعاني الاجمالية لتلك الكلمات المقدسة، إذ ان جميع المحاورات، والمسائل الدائرة بين المسلمين حول الاعراف والعادات والتاريخ الاسلامي، والشعائر الاسلامية عامة، وأركان الاسلام كافة تلقّن باستمرار المعاني المجملة لتلك الكلمات المقدسة لأهل الايمان. حتى ان معابد هذه البلاد ومدارسها الدينية، بل حتى شواهد القبور في المقابر، تؤدي مهمة ملقن ومعلّم تُذكّر المؤمنين بتلك المعاني المقدسة. فيا ترى إن مَن يعدّ نفسه مسلماً، ويتعلم يومياً خمسين كلمة من الكلمات الاجنبية في سبيل مصلحة دنيوية؛ ان لم يتعلم في خمسين سنة مايكررها كل يوم خمسين مرة من الكلمات المقدسة، امثال(سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا ّالله والله أكبر) ألا يتردى الى ادنى من الحيوان بخمسين مرة؟ ألا إن هذه الكلمات المقدسة لاتحرّف، ولاتُترجم، ولاتهجّر لأجل هؤلاء الانعام!. بل ان هجر هذه الكلمات وتحريفها ما هو الاّ نقض لشواهد القبور كلها وتسويتها بالتراب وإعراض عن الاجداد، واهانة لهم، واتخاذهم اعداءاً ..وعليه فهم يرتعدون في قبورهم من هول هذا التحقير والاهانة.

ان علماء السوء الذين انخدعوا بالملحدين، يقولون تغريراً بالامة : لقد قال الامام الاعظم (ابو حنيفة النعمان):" يجوز قراءة ترجمة الفاتحة بالفارسية، ان وجدت الحاجة، وحسب درجة الحاجة، لمن لايعرف العربية اصلاً، في الديار البعيدة ". فبناءً على هذه الفتوى، ونحن محتاجون، فلنا اذاً ان نقرأها بالتركية(1).

الجـواب:

ان جميع الائمة العظام ـ سوى الامام الاعظم ـ والائمة الاثنى عشر المجتهدين، كلهم يفتون خلاف فتوى الامام الاعظم هذه. وان الجادة الكبرى للعالم الاسلامي هي التي سلكها اولئك الائمة العظام كلهم. فالامة العظيمة لاتسير الاّ في الجادة الكبرى.فالذين يريدون ان يسوقوها الى طريق مخصوصة وضيقة انما يضلون الناس.

ان فتوى الامام الاعظم، فتوى خاصة بخمس جهات:

الاولى: انها تخص اولئك القاطنين في دار اخرى، وبلاد بعيدة عن مركز دار الاسلام.

الثانية: انها مبنية على الحاجة الحقيقية.

الثالثة: انها خاصة بترجمتها الى الفارسية، التي تعد ـ في رواية ـ من لسان اهل الجنة.

الرابعة: انها حكم بالجواز خصيصاً لسورة الفاتحة، لئلا يترك الصلاة من لايعرف سورة الفاتحة.

الخامسة: لقد أظهر الجواز ليكون باعثاً لفهم العوام المعاني المقدسة ـ بحمية اسلامية نابعة عن قوة الايمان ـ والحال ان ترك أصلها العربي، وترجمتها بدافع الهدم الناشئ من ضعف الايمان، والنابع من فكر العنصرية والنفور من لسان العربية ـ الناجمة من ضعف الايمان ـ ما هو الاّ دفع للناس الى ترك الدين والخروج عليه.(*)

______________

(1) لعل اصل الفتوى هو: "وأما اذا كان ما قرأ موافقاً لما في القرآن تجوز به الصلاة عند ابي حنيفة رحمه اللّه تعالى لأنه تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسنة فيجعل كأنه قرأ القرآن بالسريانية والعبرانية فتجوز الصلاة عنده لهذا." المبسوط لشمس الدين السرخسي 1/234 ــ. المترجم.

(*) كليات رسائل النور- المكتوب التاسع والعشرون - ص:558


31-) الشياطين والجن وقانون المبارزة

 

    ان من مقتضيات قانون المبارزة هي تسلط الشياطين ومردة الجن على الإنسان. ونرى ان هذا القانون يسري في الكون بسبب تناقض الأضداد. لذا فقد أرسِل الإنسان إلى هذه الدنيا للامتحان والتكليف.وبهذا الامتحان والتكليف تنكشف استعداداته. ومما لاشك فيه ان هذا الانكشاف يقتضي حركة، لينتج تعامل من هذه الحركة فتتحرك بذلك دواليب الترقي في الداخل. أما الترقي والمجاهدة فيقتضيان وجود شياطين ومخلوقات شريرة مسلطة على الإنسان. وإلاّ فان مقام الإنسان يبقى ثابتاً ولا يترقى. وان الإنسان بمقتضى جبلّته يميل إلى الشر. إذن فان ما يقتضيه العقل هو وجود عاملين خارجيين – الشياطين ومردة الجن – اللذان يسوقان ويشوّقان الإنسان لترقي وتدني عالمه الداخلي والخارجي. لهذا السبب فان الملائكة تتطلب ترقي الإنسان إلى أعلى عليين، وتطلب الشياطين تدني هذا الإنسان إلى اسفل سافلين. وهذا قانون إلهي وسر من أسرار القَدر.فالترقي والتدني الموجودان في البشر يصدّقان هذه الحقيقة. ويثبتها أيضاً وجود ترقيات وتدنيات مختلفة في البشرية بدءاً من الأنبياء والأولياء إلى النماردة والفراعنة.

    (( ان خالق الكون جلّ وعلا له من الأسماء الحسنى أسماء جلالية وأسماءٌ جمالية. وحيث أن كلاً منها يُظهر حُكمه بتجليات مختلفة عن الأخرى، لذا فان الخالق سبحانه وتعالى قد مزَجَ الأضداد ببعضها وجعل يقابل كلٌ منها الآخر، وأعطى كلاًّ منها صفة التدافع والتجاوز، فأوجد بذلك مبارزة حكيمة ذات منافع، بما أوجد من الاختلافات والتغيرات الناشئة من تجاوز تلك الأضداد حدود بعضها البعض الآخر. فاقتضت حكمته سبحانه أن يسير هذا الكون ضمن دستور السموّ والكمال وحسب قانون التغير والتحول، لذا جعل الإنسان وهو ثمرة الثمرة الجامعة لشجرة الخليقة يتبع ذلك القانون، أي قانون التدافع والمبارزة، اتباعاً شديد الغرابة حيث فتح أمامه باب « المجاهدة » التي يدور عليه رقيّ جميع الكمالات الإنسانية وتكاملها. ))(1). ولما كان قانون المبارزة موجوداً في الكون، فلا شك ان الشياطين يتقمصون روح الإنسان فيخدعون قسماً منهم ويستهزئون بقسم آخر من السذج والمجانين.

    ومن المعلوم ان في الكون وفي كل نوع من أنواع المخلوقات بل في كل طائفة منها نرى الجمال يقابله القبح، والأعلى يقابله الأسفل، والطيب يقابله الخبيث. إذن فلا شك من وجود جماعات طيبة ونورانية وجماعات خبيثة وشريرة ضمن طائفة الروحانيات أيضاً. فتحاول الأشرار منهم إيذاء الطيبين والصالحين من الإنس والملائكة. وبما أنهم لا يستطيعون التعرض على الملائكة وانهم طُردوا من السماء بصراحة القرآن الكريم، فانهم سيحاولون مع الإنسان وهذا ما يفعلونه: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِي }ِ (الملك:5). { وَأَنَّا لَمَسْـنَا السَّـمَاءَ فَوَجَدْنَاهَـا مُلِئَتْ حَرَسـاً شَدِيداً وَشُهُباً }(الجـن:8).

    تبين هذه الآيات بأن الشياطين ومردة الجن يحاولون الصعود إلى السماوات لأن لهم قدرة على الحياة فيها وإلقاء شرورهم وتسلطهم على الملائكة. وبمقتضى قانون المبارزة وبمقتضى حكمة خلق الشياطين فان الشيطان يملك التأثير في إدراك البشر وهو مأذون في توجيه الضالين والعاصين والغافلين منهم.

    وكانت مردة الجن قبل مبعث الرسول r يصعدون إلى السماء ويقعدون في مواضع منها يسترقون السمع ثم ينقلونها إلى الكهان والدجالين مشوبة بالأكاذيب.(*)

________________

(1) اللمعات لبديع الزمان النورسي ص123-124 .

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


32-) القرآن معجزة تتحدى

باسمه سبحانه

{ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } (البقرة:23)

﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ (الاسراء:88)

ايها المستخلف المبارك

ان خاتم ديوان النبوة، وسيد المرسلين، الذي تعدّ جميع معجزات الرسل معجزة واحدة لتصديق دعوى رسالته، والذي هو فخر العالمين، وهو الآية الواضحة المفصلة لجميع مراتب الاسماء الحسنى كلها التي علمها الله سبحانه آدم عليه السلام تعليماً مجملاً..

ذلكم الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفع اصبعه عالياً بجلال الله فشق القمر وخفض الاصبع المبارك نفسه بجمال الله ففجر ماء كالكوثر.. وأمثالها من المعجزات الباهرات التي تزيد على الألف..

هذا الرسول الكريم أظهر القرآن الكريم معجزة كبرى تتحدى الجن والانس: ﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ (الاسراء:88) فهذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات تجلب انظار الانس والجن الى ابرز وجوه الاعجاز في هذه المعجزة الخالدة واسطعها، فتلفتها الى ما في بيانه - الحقَ والحقيقةَ - من جزالة، والى ما في تعابيره من بلاغة فائقة، والى ما في معانيه من جامعية وشمول، والى ما في اساليبه المتنوعة من سمـو ورفعة وعــذوبة.. فتحدّى القرآن المعجز، وما زال كذلك يتحدى الانس والجن قاطبة، مثيراً الشوق في اوليائه، محركاً  ساكن عناد اعدائه، دافعاً الجميع الى تقليده، بشوق عظيم وترغيب شديد، للاتيان بنظيره، بل انه سبحانه يضع هذه المعجزة الكبرى أمام انظار الانام في موقع رفيع لكأن الغاية الوحيدة من مجئ الانسان الى هذه الدنيا ليست سوى اتخاذه تلك المعجزة العظمى دستور حياته، وغاية مناه.(*)

___________________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :291


33-) القرآن فيه كل شئ

باسمه سبحانه

﴿ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاّ في كتابٍ مبين﴾(الانعام:59)

ايها المستخلف المبارك

ان (كتاب مبين) - على قول - هو القرآن الكريم. فهذه الآية الكريمة تبيّن أنه: ما من رطب ولا يابس إلاّ وهو في القرآن الكريم.

أتراه كذلك؟

نعم! ان في القرآن كل شئ. ولكن لا يستطيع كل واحد أن يرى فيه كلَّ شئ. لأن صور الاشياء تبدو في درجات متفاوتة في القرآن الكريم، فأحياناً توجد بذور الشئ أو نواه، واحياناً مجمل الشئ أو خلاصته، واحياناً دساتيره، واحياناً توجد عليه علامات. ويرد كل من هذه الدرجات؛ اما صراحة أو اشارة أو رمزاً أو ابهاماً أو تنبيهاً.

فيعبّر القرآن الكريم عن اغراضه ضمن أساليب بلاغته، وحسب الحاجة، وبمقتضى المقام والمناسبة.

فمثلاً: ان الطائرة والكهرباء والقطار واللاسلكي وامثالها من منجزات العلم والصناعة - التكنلوجيا الحديثة - والتي تعدّ حصيلة التقدم الانساني ورقيه في مضمار الصناعة والعلم، أصبحت هذه الاختراعات موضع اهتمام الانسان، وتبوأت مكانة خاصة في حياته المادية.

لذا فالقرآن الكريم الذي يخاطب البشرية قاطبة لم يهمل هذا الجانب من حياة البشر، بل قد أشار الى تلك الخوارق العلمية من جهتين:

الجهة الاولى: اشار اليها عند اشارته الى معجزات الانبياء عليهم السلام.

الجهة الثانية: اشار اليها عند سرده بعض الحوادث التاريخية.

فعلى سبيل المثال: فقد اشار الى القطار في الآيات الكريمة الآتية:

﴿قُتلَ اصحابُ الاخدود * النارِ ذاتِ الوَقُودِ * اذ هُم عليها قُعودٌ * وهُم على ما يفعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ * وما نَقَموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيزِ الحميد ﴾.(2) (البروج: 4ـ 8)

وايضاً:

﴿في الفُلك المشحون * وخَلقنا لهم مِن مثلِهِ ما يَركبون﴾ (يس:41 - 42)

والآية الكريمة الآتية ترمز الى الكهرباء علاوة على اشارتها الى كثير من الأنوار والاسرار:

﴿الله نورُ السمواتِ والارض مثلُ نورهِ كمشكوةٍ فيها مصباحٌ المصباحُ في زجاجةٍ الزجاجُة كأنها كوكبٌ درّيٌّ يوقَدُ مِن شجرةٍ مُباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيٍة ولا غربيةٍ يكادُ زيتُها يُـضيء ولو لم تمسسهُ نارٌ نورٌ على نورٍ يهدى الله لنوره مَن يشاءُ ﴾ (3) (النور:35)

ولما كان الكثيرون من الفضلاء قد انصرفوا الى هذا القسم، وبذلوا جهوداً كثيرة في توضيحه علماً ان القيام ببحثه يتطلب دقة متناهية ويستدعي بسطاً للموضوع اكثر من هذا وايضاحاً وافياً. فضلاً عن وجود أمثلة وفيرة عليه، لذا لا نفتح هذا الباب، ونكتفي بالآيات المذكورة.(*)

____________________________________

(1) تشير هذه الجملة الى ان الذي قيّد العالم الاسلامي، ووضعه في الاسر هو القطار، وبه غلب الكفار المسلمين. ــ المؤلف.

(2) ان جملة ﴿يكاد زيتها يـضئ ولو لم تمسسه نار، نور على نور﴾ تضئ ذلك الرمز وتنوره. ــ المؤلف.

(*) كليات رسائل النور-الكلمات ص:277

 

 


34-) ظهور الافعال الربانية ظهوراً مطلقاً ومحيطاً

باسمه سبحانه  

﴿وأوحى ربُّكَ إلى النَّحلِ أن اتَّخِذي منَ الجبالِ بيوتاً﴾(النحل: 68).

ايها المستخلف المبارك 


نودّ هنا بيان ثلاثة أمثلة عن الأفعال الربانية - من بين الآلاف منها - مما تشير إليها الآيات الثلاث المتصلة بعضها ببعض في سورة النحل، ومع ان كل فعل منها يحتوي على نكات لا حصر لها الاّ أننا نذكر منها هنا ثلاثاً فقط.

الآية الأولى:

﴿وأوحى ربُّكَ إلى النَّحلِ أن اتَّخِذي منَ الجبالِ بيوتاً﴾(النحل: 68).

نعم، ان النحلة معجزة القدرة الربانية فطرةً ووظيفةً، ويا لها من معجزة عظيمة حتى سميت باسمها سورة جليلة في القرآن الكريم؛ ذلك لأن تسجيل البرامج الكاملة لوظيفتها الجسيمة في رأس صغير جداً لماكنة عسل صغيرة.. ووضع أطيب الأطعمة وألذها في جوفها الصغير وطبخها فيه.. واختيار المكان المناسب لوضع سم قاتل مهدم لأعضاء حية في رميحته دون أن يؤثر في الأعضاء الأخرى للجسم.. لا يمكن أن يتم -كل هذا- الاّ بمنتهى الدقة والعلم، وبمنتهى الحكمة والإرادة، وغاية الموازنة والانتظام؛ لذا لن يتدخل مطلقاً ما لا شعور له ولا نظام ولا ميزان من أمثال الطبيعة الصماء او المصادفة العمياء في مثل هذه الأفعال البديعة.

وهكذا نرى ثلاث معجزات في هذه الصنعة الإلهية، ونشاهد ظهور هذا الفعل الرباني ايضاً فيما لا يحد من النحل في أرجاء المعمورة كافة. فبروز هذا الفعل الرباني وإحاطته بالجميع، وبالحكمة نفسها، والدقة نفسها، والميزان نفسه، وفي الوقت عينه، وبالنمط عينه، يدل على الوحدة بداهة ويثبت الوحدانية.

الآية الثانية:

﴿وإنَّ لكم في الأنعام لَعِبرَةً نُسقيكُم مِما في بُطونِهِ من بينِ فَرثٍ ودمٍ لبَناً خالصاً سائغاً للشاربينَ﴾(النحل: 66).

ان هذا الأمر الإلهي ليتقطر عبراً ودروساً. نعم، ان اسقاء اللبن الابيض الخالص، النظيف الصافي، المغذي اللذيذ، من مصانع الحليب المغروزة في أثداء الوالدات. وفي مقدمتها البقرة والناقة والمعزى والنعجة، الذي يتدفق بسخاء من بين فرث ودم دون ان يختلط بهما اويتعكر.. وان غرس ما هو ألذ من اللبن وأحلى منه وأطيب واثمن، في أفئدة تلك الوالدات وهو الحنان والشفقة التي تصل حد الفداء والإيثار.. ليحتاج حتماً إلى مرتبة من الرحمة والحكمة والعلم والقدرة والاختيار والدقة مالا يكون قطعاً من فعل المصادفات العشوائية والعناصر التائهة والقوى العمياء، لذا فان تصرف هذه الصنعة الربانية، واحاطة هذا الفعل الإلهي، وتجليها في الحكمة نفسها، والدقة نفسها، والإعجاز نفسه، وفي آن واحد، وطراز واحد، في أفئدة تلك الآلاف المؤلفة من أضراب الوالدات وفي أثدائها، وعلى وجه الأرض كافة، يثبت الوحدة بداهة ويدل على الوحدانية.

الآية الثالثة:

﴿ومن ثَمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ تَتَّخذونَ منهُ سكراً ورزقاً حسناً إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعقلون﴾(النحل: 67).

تلفت هذه الآية الكريمة النظر والانتباه إلى النخيل والأعناب، فتنبه الإنسان إلى: (أن في هاتين الثمرتين آية عظيمة لأولي الألباب، وحجة باهرة على التوحيد).

نعم، ان الثمرتين المذكورتين تعتبران غذاءً وقوتاً، وثمرة وفاكهة في الوقت نفسه، وهما منشأ كثير من المواد الغذائية اللذيذة، رغم ان شجرة كل منهما تنمو في تراب جامد، وتترعرع في ارض قاحلة. فكل منهما معجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الربانية. وكل منهما مصانع سكر وحلويات، ومعامل شراب معسّل، وصنائع ذات ميزان دقيق حساس وانتظام كامل، ومهارة حكيمة، وإتقان تام، بحيث ان الذي يملك مقدار ذرة من عقل وبصيرة يضطر إلى القول: (ان الذي خلق هذه الأشياء هكذا، هو الذي أوجد الكائنات قاطبة)؛ لأن ما نراه أمام أعيننا - مثلاً - من تدلي ما يقارب عشرين عنقوداً من العنب، من هذا الغصن الصغير النحيف، كل عنقود منه يحمل ما يقارب المائة من الحبات اللطيفة واللباب المعسلة، وكل حبة من تلك الحبات مغلفة بغلاف رقيق لطيف ملوّن زاهٍ، وتضم في جوفها الناعم نوى صلدة حاملة لتواريخ الحياة ومنهاجها..

نعم، ان خلق كل هذا وغيره في جميع العنب وامثاله - وهي لا تعد ولا تحصى - على وجه البسيطة كافة، بالدقة نفسها، والحكمة عينها، وإيجاد تلك الصنعة الخارقة المعجزة بأعدادها الهائلة

في وقت واحد، وعلى نمط واحد، ليثبت بالبداهة ان الذي يقوم بهذا الفعل ان هو الاّ خالق جميع الكائنات، وان هذا الفعل الذي اقتضى تلك القدرة المطلقة والحكمة البالغة، ليس الاّ من فعل ذلك الخالق الجليل.

نعم ان القوى العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة المشتتة، لا يمكن لها ان تمد أيديها وتتدخل في ذلك الميزان الرقيق الحساس، بالمهارة البالغة، والانتظام الحكيم لتلك الصنعة، بل هي تستخدم وتسخّر بأمر رباني في الأفعال الربانية، فهي ذات مفعولية وقبول، بل ليست الاّ ستائر وحجباً مسخرة بيده سبحانه.

وهكذا فكما تشير هذه الآيات الثلاث إلى حقائق ثلاث، وتدل كل منها على التوحيد بثلاث نكات، فهناك ما لايُحد من الأفعال الربانية وما لا يحد من تجليات التصرفات الربانية، تدل متفقة على الواحد الأحد وتشهد شهادة صادقة على ذات الواحد الأحد ذي الجلال والإكرام.(1)(*)

________________

(1) الشعاعات/199-201

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:320

 

 


35-) عقيدة الاخرة اساس حياة الانسان الاجتماعية

 

سنشير الى اربعة أدلة على سبيل المثال - وكنموذج قياسي - من بين مئات الادلة على أن عقيدة الآخرة هي أس الاساس لحياة الانسان الاجتماعية والفردية، واساس جميع كمالاته ومُثله وسعادته.

الدليل الاول:

ان الاطفال الذين يمثلون نصف البشرية، لايمكنهم ان يتحملوا تلك الحالة التي تبدو مؤلمةً ومفجعةً للموت والوفاة إلاّ بما يجدونه في انفسهم وكيانهم الرقيق اللطيف من القوة المعنوية الناشئة من "الايمان بالجنة". ذلك الايمان الذي يفتح باب الامل المشرق امام طبائعهم الرقيقة التي لاتتمكن من المقاومة والصمود وتبكي لأدنى سبب. فيتمكنون به من العيش بهناء وفرح وسرور. فيحاور الطفل المؤمن بالجنة نفسه : "ان اخي الصغير او صديقي الحبيب الذي توفي، أصبح الآن طيراً من طيور الجنة، فهو اذن يسرح من الجنة حيث يشاء، ويعيش أفضل وأهنأ منا ". وإلاّ فلولا هذا الايمان بالجنة لهدم الموت الذي يصيب أطفالاً امثاله - وكذلك الكبار - تلك القوة المعنوية

لاولئك الذين لاحيلة لهم ولاقوة، ولحطّم نفسياتهم، ولدمّر حياتهم ونغّصها، فتبكي عندئذٍ جميع جوارحهم ولطائفهم من روح وقلب وعقل مع بكاء عيونهم. فاما أن تموت احاسيسهم وتغلظ مشاعرهم او يصبحوا كالحيوانات الضالة التعسة.

الدليل الثاني:

اِن الشيوخ الذين هم نصف البشرية، انما يتحملون ويصبرون وهم على شفير القبر ب"الايمان بالآخرة". ولايجدون الصبر والسلوان من قرب انطفاء شعلة حياتهم العزيزة عليهم، ولا من انغلاق باب دنياهم الحلوة الجميلة في وجوههم إلاّ في ذلك الايمان. فهؤلاء الشيوخ الذين عادوا كالاطفال واصبحوا مرهفي الحس في ارواحهم وطبائعهم، انما يقابلون ذلك اليأس القاتل الأليم الناشئ من الموت والزوال ويصبرون عليه بالامل في الحياة الآخرة. وإلاّ فلولا هذا الايمان بالآخرة لشعر هؤلاء الآباء والامهات - الذين هم اجدر بالشفقة والرأفة والذين هم في أشد الحاجة الى الاطمئنان والسكينة والحياة الهادئة - ضراماً روحياً واضطراباً نفسياً وقلقاً قلبياً، ولضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، ولتحولت سجناً مظلماً رهيباً، ولانقلبت الحياة الى عذاب أليم قاسٍ.

الدليل الثالث:

ان الشباب والمراهقين الذين يمثلون محور الحياة الاجتماعية لايهدّئ فورة مشاعرهم، ولايمنعهم من تجاوز الحدود الى الظلم والتخريب، ولايمنع طيش انفسهم ونزواتها، ولايؤمّن السير الافضل في علاقاتهم الاجتماعية إلاّ الخوف من نار جهنم، فلولا هذا الخوف من عذاب جهنم لقلب هؤلاء المراهقون الطائشون الثملون بأهوائهم الدنيا الى جحيم تتأجج على الضعفاء والعجائز حيث الحُكمُ للغالب، ولحوّلوا الحياة الانسانية السامية الى حياة حيوانية سافلة .

الدليل الرابع:

ان الحياة العائلية هي مركز تجمع الحياة الدنيوية ولولبها وهي جنة سعادتها وقلعتها الحصينة وملجأها الامين. وان بيت كل فرد هو عَالمه ودنياه الخاصة. فلا سعادة لروح الحياة العائلية إلاّ بالاحترام المتبادل الجاد والوفاء الخالص بين الجميع، والرأفة الصادقة

والرحمة التي تصل الى حد التضحية والايثار. ولا يحصل هذا الاحترام الخالص والرحمة المتبادلة الوفية إلاّ بالايمان بوجود علاقات صداقة أبدية ورفقة دائمة ومعيّة سرمدية في زمن لانهاية له وتحت ظل حياة لاحدود لها، تربطها علاقات أبوةٍ محترمة مرموقة واخوّةٍ خالصة نقية وصداقةٍ وفيّة نزيهة حيث يحدّث الزوج نفسه: "ان زوجتي هذه رفيقة حياتي وصاحبتي في عالم الابد والحياة الخالدة، فلا ضير إن اصبحت الآن دميمة او عجوزاً، اذ ان لها جمالاً أبدياً سيأتي، لذا فأنا مستعد لتقديم اقصى ما يستوجبه الوفاء والرأفة، وأضحى بكل ما تتطلبه تلك الصداقة الدائمة".. وهكذا يمكن أن يكنّ هذا الرجل حباً ورحمة لزوجته العجوز كما يكنّه للحور العين. والاّ فان صحبة وصداقة صورية تستغرق ساعة او ساعتين ثم يعقبها فراق أبدي ومفارقة دائمة لهي صحبة وصداقة ظاهرية لا اساس لها ولاسند. ولايمكنها ان تعطي الاّ رحمة مجازية، واحتراماً مصطنعاً، وعطفاً حيواني المشاعر، فضلاً عن تدخل المصالح والشهوات النفسانية وسيطرتها على تلك الرحمة والاحترام فتنقلب عندئذٍ تلك الجنة الدنيوية الى جحيم لاتطاق.

وهكذا فان نتيجة واحدة للايمان بالحشر من بين مئات النتائج التي تتعلق بحياة الانسان الاجتماعية، وتعود اليها، والتي لها مئات الاوجه والفوائد، اذا ما قيست على تلك الدلائل الاربعة المذكورة آنفاً، يُدرك أن وقوع حقيقة الحشر وتحققها قطعي كقطعية ثبوت حقيقة الانسان السامية وحاجاته الكلية. بل انها اظهر دلالة من حاجة المعدة الى الاطعمة والاغذية، وأوضح شهادةً منها. ويمكن ان يقدر مدى تحققها تحققاً أعمق واكثر اذا ما سلبت الانسانية من هذه الحقيقة، الحشر. حيث تصبح ماهيتها التي هي سامية ومهمة وحيوية بمثابة جيفة نتنة ومأوى الميكروبات والجراثيم.

فليصغ الى هذا علماء الاجتماع والسياسة والاخلاق من المعنيين بشؤون الانسان واخلاقه واجتماعه، وليأتوا ويبينوا بماذا سيملأون هذا الفراغ ؟ وبماذا سيداوون ويضمدون هذه الجروح الغائرة العميقة ؟!.(*)

________________________

(*) كليات رسائل النور- الشعاع التاسع - ص: 228


36-) ان الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم وتقتضيه

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

 

ان وجود جهنم وعذابها الشديد لا ينافي قطعاً الرحمة غير المحدودة، ولا العدالة الحقيقية، ولا الحكمة الموزونة التي لا اسراف فيها، بل ان الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم و تقتضيه، لأن قتل حيوان افترس مائة من الحيوانات او انزال عقاب بظالم هتك حرمات ألفٍ من الابرياء، هو رحمة بآلاف الاضعاف للمظلومين من خلال العدالة. وان اعفاء ذلك الظالم من العقاب او التجاوز عنه، وترك ذلك

الحيوان الوحشي طليقا، فيه ظلم شنيع وعدم رحمةٍ لمئات المساكين بمئات الاضعاف، ازاء رحمة في غير موضعها. ومثل هذا ايضا، الكافر المطلق - الذي يدخل سجن جهنم - فانه بكفره ينكر حقوق الاسماء الإلهية الحسنى، اي يتعدى على تلك الحقوق.. وبتكذيبه لشهادة الموجودات - الشاهدة على تلك الاسماء - يتعدى على حقوقها ايضا.. وبانكاره للوظائف السامية للمخلوقات - وهي تسبيحاتها تجاه الاسماء - يتجاوز على حقوقها.. وبجحوده لانواع العبادات التي تؤديها المخلوقات تجاه تظاهر الربوبية والالوهية - وهي غاية خلقتها وسبب من اسباب وجودها وبقائها - يتعدى تعديا صارخا على حقوق جميع المخلوقات؛ لذا فالكفر جناية عظيمة وظلم شنيع تتجاوز بشاعته كل حدود العفو والمغفرة، فيحق عليه اذن تهديد الآية الكريمة { إن الله لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ به..} (النساء: 48) بل ان عدم القاء مثل هذا الشخص في جهنم رحمةً به هو أمر ينافي الرحمة منافاة كلية في حق هذه الاعداد الهائلة من المخلوقات والكائنات التي اُنتهكت حقوقها.

وهكذا مثلما يطالب اصحاب الدعاوي بوجود جهنم، فان عزة جلال الله وعظمة كماله سبحانه تطلبانها قطعا.

نعم، اذا قال سفيه او شقي عاص لحاكم عزيز للبلاد: "انك لا تستطيع ان تقذفني في السجن ولن تقدر على ذلك ابد". متجاوزاً حده ومتعديا على عزة ذلك الحاكم وعظمته، فلابد أن ذلك الحاكم سينشئ سجنا لذلك السفيه المتعدي حتى لو لم يكن هناك سجن في البلاد. كذلك الامر في الكافر المطلق، فانه بكفره يتعدى بشدة على عزة جلاله سبحانه، وبانكاره يتحدى عظمة قدرته، وبتجاوزه يمس كمال ربوبيته، فان لم يكن هناك حتى تلك الاسباب الموجبة وتلك المبررات الكثيرة والحكم العديدة والوظائف الكثيرة لجهنم ولوجودها؛ فان خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار والقاءهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال.

ثم إن ماهية الكفر نفسها توحي بجهنم؛ اذ كما أن ماهية الايمان اذا تجسمت يمكن ان تبني بلذائذها ونعيم جمالها جنة خاصة في وجدان الانسان وقلبه، هي جنة مصغرة تومئ وتخبر عن جنة الخلد التي تنتظره في الآخرة، كذلك الكفر - ولاسيما الكفر المطلق - والنفاق والردة فيه من الآلام والاعذبة والظلمات المرعبة بحيث لو تجسمت وتأصلت في نفس صاحبها كونت له جهنمه الخاصة به تلك التي تشير الى

ما سيفضي اليه في آخرته من جهنم هي اشد هولاً وأشد عذاباً. ولقد اثبتنا هذا بدلائل قاطعة في رسائل النور، واشير اليه في مستهل هذه المسألة ايضاً.

ولما كانت هذه الدنيا مزرعة الآخرة، فالحقائق الصغيرة التي فيها تثمر وتتسنبل في الآخرة، فهذه البذرة السامة (الكفر) تشير من هذه الزاوية الى شجرة الزقوم تلك، وتقول: "أنا اصل تلك الشجرة وجوهرها.. فمن يحملني في قلبه من المنكوبين سأثمر له نموذجا خاصا من تلك الشجرة الملعونة".

وما دام الكفر تعديا على حقوق غير محدودة، وتجاوزا فاضحا، فهو اذن جناية غير محدودة، لذا يجعل صاحبه مستحقا لعذاب غير محدود. فلئن كان القتل الذي يحدث في دقيقة واحدة يذيق القاتل خمس عشرة سنة من العذاب (ما يقارب ثمانية ملايين دقيقة) ويعتبر ذلك موافقا للعدالة البشرية، وعدّته موافقا للمصلحة العامة وحقوقها، فلا جرم أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق - على اعتبار الكفر ألف قتل - تقابل إذن بعذاب يقرب من ثمانية مليارات من الدقائق، على وفق تلك العدالة الانسانية فالذي يقضي سنة كاملة من عمره في الكفر اذاً يستحق عذاب ترليونين وثمانمائة وثمانين مليارا من الدقائق، اي يكون اهلا لـ:

{ خالدين فيها أبداً } (النساء: 169).(*)

_______________________

(*) الشعاع الحادي عشر - ص: 287


37-) لكل داء دواء

باسمه سبحانه

﴿وابرئ الاكمهَ والأبرصَ واُحيي الموتى بإذن الله..﴾(آل عمران:49)

ايها المستخلف المبارك

فالقرآن الكريم اذ يحث البشرية صراحة على اتباع الاخلاق النبوية السامية التي يتحلى بها سيدنا عيسى عليه السلام، فهو يرغّب فيها ويحض عليها رمزاً الى النظر الى ما بين يديه من مهنة مقدسة وطب رباني عظيم.

فهذه الآية الكريمة تشير الى:

(انه يمكن ان يُعثر على دواء يشفي أشد الامراض المزمنة والعلل المستعصية، فلا تيأس ايها الانسان، ولا تقنط ايها المبتلى المصاب، فكل داء مهما كان له دواء، وعلاجه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسه بلون من الوان الحياة الموقتة).

فالله سبحانه يقول بالمعنى الاشاري لهذه الآية الكريمة:

لقد وهبتُ لعبد من عبادي تَركَ الدنيا لأجلي، وعافها في سبيلي، هديتين: احداهما دواء للاسقام المعنوية، والاخرى علاج للامراض المادية. فالقلوب الميتة تُبعث بنور الهداية، والمرضى الذين هم بحكم الاموات يجدون شفاءهم بنفث منه ونفخ، فيبرأون به. وانت ايها الانسان! بوسعك ان تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فانك لا محالة واجده وظافر به.

وهكذا ترى كيف ترسم هذه الآية الكريمة أقصى المدى وأبعد الأهداف التي يصبو اليها الطب البشري من تقدم.

فالآية تشير الى ذلك الهدف وتحث الانسان على الوصول اليه.(*)

_____________________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :281

 


38-) قسما أهل البدع

باسمه سبحانه

(فآمِنُوا باللّه ورَسُولهِ النبيّ الأُميّ الذي يُؤمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتهِ وَاتَّبِعوهُ لَعَلّكُم تَهتَدُون) (الاعراف:158)

(يُريدُونَ أنْ يُطفِئُوا نُورَ الله بِافواهِهم وَيَأبَى الله إلاّ أنْ يُتِم نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكافِروُن)(التوبة:32)

ايها المستخلف المبارك

ان اهل البدع الهدّامين على قسمين :

قسم منهم يظهرون ولاءً للدين، ويقولون:" اننا نريد تقوية الدين الذي ضعف بغرس شجرته النورانية في تراب القومية "، فيريدون ان يقووا الدين بالقومية. وكأنهم بهذا يخدمون الاسلام.

القسم الثاني؛ ممن يحدثون البدع، فيقولون: اننا نريد تطعيم الامة بلقاحات الاسلام.فيعملون باسم الامة، وفي سبيل القومية، لاجل تقوية العنصرية!

نقول للقسم الاول:

يا علماء السوء البائسين الذين يصدق عليهم اسم "الصادق الاحمق".

ويا ايها الصوفيون الجهلاء المجذوبون الفاقدون للعقل:

ان شجرة طوبى الاسلام قد ترسخت عروقها في صلب الكون وحقيقته، وبثت جذورها في ثنايا حقائق الكون كله، فهذه الشجرة العظيمة لايمكن غرسها في تراب العنصرية الموهومة المؤقتة الجزئية الخصوصية السلبية، بل التي لا أساس لها اصلاً وهي المشحونة بالاغراض الظالمة المظلمة. وان السعي لغرسها هناك محاولة بدعية هدامة رعناء.

ونقول للقوميين؛ وهم القسم الثاني من اهل البدع!

يا ادعياء القومية السكارى!

ان العصر السابق، ربما كان يعدّ عصر القومية، اما هذا العصر فليس بعصر القومية، اذ ان مسائل البلشفية والاشتراكية تستحوذ على الافكار، وتحطم مفهوم العنصرية، فلقد ولى عصر العنصرية.

واعلموا ان مليّة الاسلام الدائمة الابدية لا ترتبط مع العنصرية الموقتة المضطربة، ولا تلقح بلقاحاتها.

وحتى لو حدث هذا التطعيم بلقاحات العنصرية فانها تفسد امة الاسلام، ولاتصلح ملية العنصرية ايضاً، ولايبعثها اصلاً.

نعم ان في التطعيم بلقاحات العنصرية ذوقاً موقتاً وقوة موقتة، بل موقتة جداً، وذات عاقبة وخيمة.

ثم - بهذا الامر - سيتولد انشقاق عظيم في امة الترك، انشقاق ابدي غير قابل للالتئام، وحينئذٍ تتلاشى قوة الامة وتذهب هباءً، اذ كل شق يحاول هدم الشق الآخر. فكما إن وجد جبلان في كفتي ميزان، فان قوة ضئيلة جداً تؤدي دوراً مهماً بين تلك القوتين، اذ تقدر ان تنزل احداها الى الاسفل وترفع الاخرى الى الاعلى.(*)

________________

(*) كليات رسائل النور-المكتوب التاسع والعشرون - ص:565

 


39-) الحق والعدالة والعلم والفن قائمة بوجود الروح

 

    ان جميع الحقوق ومنها- حق الله وحقوق العباد - إنما هي قائمة بوجود الروح. وبإنكار الروح لا تبقى أية مسؤولية حقوقية بين الأفراد.

    ومن المعلوم، ان جسد الإنسان يتبدل كلياً بعد مرور فترة معينة من عمره. لذا فان إنكار الروح يولّد مشاكل معقدة لا يمكن الفكاك منها.

    فمثلًا : لو فرضنا أن قاضياً قد حكم على شخص جان بالسجن مدة ثلاثين سنة. وبعد أن قضى هذا الشخص مدة من سجنه وتبدلت خلالها ذرات جسده بأكملها يستطيع أن يقول :

(( إن جسداً قبل هذا الجسد قد ارتكب الجناية. فلا ذنب لهذا الجسد الماثل أمامكم وينبغي براءته)). أما الحاكم فلا يجد قولًا ليقابل هذا الادعاء ويطبّق عدالته. ولأنه هو أيضاً ليس بالحاكم القديم. ففي هذه الحالة لا تبقى أي نقطة استناد للمؤسسات العدلية في إحقاق الحق والعدالة.

    ومن جهة أخرى، تتضرر الروابط المادية والمعنوية معاً بإنكار الروح. أمثال الاخوة والنكاح والمحارم وغيرها. فلا يبقى لمفهوم العائلة أي معنى. وذلك لأن جميع هذه الروابط والمعاني قائمة بوجود الروح. وتثبت هذه القيم بوجودها. فلولا الروح لبرز تجاه الزوجين بعد تغيير ذرات جسدهما بأكملها شخصين مختلفين تماماً عنهما. وبذلك تختل الروابط الزوجية التي كانت تربطهما معاً. وكذلك فلولا الروح لتفتت روابط الاخوة بين أفراد الآسرة الواحدة. فمثلا: بعدما تغيرت ذرات جسد أخوين بأكملها يظهر شخصين مختلفين تماماً عن سابقهما. ففي هذه الأثناء فان ذرات جسد قد تغيرت أيضاً واصبحا شخصين مختلفين. عندئذ لا يمكن القول لهذين الشخصين بأنهما ( أخوين) وهذه الحالة تسري في جميع الأقارب.

    إذن فجميع أنواع الحقوق ومعاني الاخوة والعائلة والمحارم إنما هي قائمة بوجود الروح.

    ولا يمكن مخاطبة الجسد المجرد عن العبادة والإيمان وحتى عن العلم والفن. فهذه المعاني إنما تعود إلى الروح.

    ولو فرضنا ان الجسد يمتلك هذه المفاهيم وليست الروح. فان الذرات المنسلخة من الجسد تأخذ معها هذه المفاهيم والمعاني. فتصبح الذرات الجديدة التي حلت محل الذرات القديمة جاهلة لا تعرف عن هذه المفاهيم شيئاً. ففي هذه الحالة لا يمكن الخوض في الكلام عن الترقي في البشرية. (*)

 

_________________

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 

 


40-) الايمان يجعلك سلطاناً

باسمه سبحانه

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)

ايها المستخلف المبارك

إنّ الإيمان يجعل الإنسان إنسانا حقا، بل يجعله سلطانا؛ لذا كانت وظيفتُه الأساس الإيمان باللّٰه تعالى والدعاء إليه. بينما الكفرُ يجعل الإنسانَ حيوانا مفترسا في غاية العجز.

وسنورد هنا دليلا واضحا وبرهانا قاطعا من بين آلاف الدلائل على هذه المسألة، وهو: التفاوتُ والفروقُ بين مجيء الحيوان والإنسان إلى دار الدنيا.

نعم، إن التفاوتَ بين مجيء الحيوان والإنسان إلى هذه الدنيا يدل على أن اكتمالَ الإنسانيةِ وارتقاءها إلى الإنسانية الحقة إنما هو بالإيمان وحدَه؛ وذلك لأن الحيوانَ حينما يأتي إلى الدنيا يأتي إليها كأنه قد أكتملَ في عالمٍ آخرٍ، فيُرسَلُ إليها متكاملا حسب استعداده. فيتعلم في ظرف ساعتين أو يومين أو شهرين جميعَ شرائط حياته وعلاقاته بالكائنات الأخرى وقوانين حياته، فتحصلُ لديه مَلَكة؛ فيتعلّم العصفورُ أو النحلةُ - مثلا - القدرةَ الحياتية والسلوكَ العملي عن طريق الإلهامِ الرباني وهدايتِه سبحانه. ويحصلُ في عشرين يوما على ما لا يتعلّمه الإنسان إلاّ في عشرين سنة.

إذن الوظيفةُ الأساس للحيوان ليست التكمّل والاكتمال بالتعلّم، ولا الترقي بكسب العلم والمعرفة، ولا الاستعانة والدعاء بإظهار العجز.

وإنما وظيفتُه الأصلية: العملُ حسب استعداده، أي العبودية الفعلية.

أما الإنسان فعلى العكس من ذلك تماما، فهو عندما يَقْدَم إلى الدنيا يقدَمُها وهو محتاج إلى تعلّم كل شيء وإدراكه؛ إذ هو جاهل بقوانين الحياة كافةً جهلا مطبقا، حتى إنه قد لا يستوعب شرائطَ حياته خلال عشرين سنة. بل قد يبقى محتاجا إلى التعلم والتفهّم مدى عمره. فضلا عن أنه يُبعَث إلى الحياة وهو في غاية الضَّعف والعَجز حتى إنه لا يتمكن من القيام منتصبا إلاّ بعد سنتين من عمره، ولا يكاد يميّز النفعَ من الضرّ إلاّ بعد خمس عشرة سنة، ولا يمكنه أن يحقّق لنفسه منافع حياته ومصالحَها ولا دفعَ الضرر عنها إلاّ بالتعـاون والانخراط في الحياة الاجتماعية البشرية.

يتضح من هذا أن وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمّل بـ " التعلم " أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية بـ " الدعاء ". أي أن يدرك بنفسه ويستفسر: " برحمةِ مَن وشَفقته أُدارى بهذه الرعاية الحكيمة ؟! وبمَكْرمةِ مَن وسخائِه أُربّى هذه التربية المفعمةَ بالشفقة والرحمة ؟ وبألطافِ مَن بوجُودِه أُغذّى بهذه الصورة الرازقة الرقيقة؟! ".

فيرى أنّ وظيفتَه حقا هو الدعاءُ والتضرعُ والتوسلُ والرجاءُ بلسان الفقر والعجز إلى قاضي الحاجات ليقضي له طلباته وحاجاته التي لا تصل يدُه إلى واحدةٍ من الألفِ منها.

وهذا يعني أن وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحَي "العجز والفقر" إلى مقام العبودية السامي.

إذن فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم لأجل أن يتكاملَ بالمعرفة والدعاء؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلق بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد.

فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنُها ونورُها وروحُها هو " معرفة اللّٰه تعالى " كما أن أسَّ هذا الأساس هو " الإيمانُ باللّٰه جل وعلا ".

وحيث إن الإنسان معرَّض لما لا يُحصى من أنواع البلايا والمصائب ومهاجمة الأعداء لما يحمل من عجزٍ مطلقٍ. وله مطالب كثيرة وحاجات عديدة مع أنه في فقرٍ مدقع لا نهاية له؛

لذا تكون وظيفتُه الفطريةُ الأساس " الدعاءَ " بعد الإيمان، وهوأساسُ العبادة ومخُّها. فكما يلجأ الطفلُ العاجزُ عن تحقيق مرامه أو تنفيذ رغبته بما لا تصل إليه يدُه، إلى البكاء والعويل أو يطلب مأمولَه، أي يدعو بلسان عجزه إما قولا أو فعلا فيوفَّق إلى مقصوده ذاك، كذلك الإنسان الذي هو ألطفُ أنواع الأحياء وأعجزُها وأفقرُها وهو بمنـزلة صبيٍّ ضعيفٍ لطيفٍ، فلابدّ له من أن يأوي إلى كنفِ الرحمن الرحيم والانطراحَ بين يديه إما باكيا معبرا عن ضعفه وعجزه، أو داعيا بفقره واحتياجه، حتى تُلَبّى حاجتُه وتُنفَّذ رغبتُهُ. وعندئذٍ يكون قد أدّى شكرَ تلك الإغاثات والتلبيات والتسخيرات.

وإلاّ إذا قال بغرورٍ كالطفل الأحمق: " أنا أتمكن أن أسخّرَ جميع هذه الأشياء وأستحوذَ عليها بأفكاري وتدبيري " وهي التي تفوق ألوف المرات قوتَه وطاقَته!

فليس ذلك إلاّ كفران بنِعَم اللّٰه تعالى، ومعصية كبيرة تُنافي الفطرةَ الإنسانية وتناقضُها، وسبب لجعل نفسه مستحقّا لعذابٍ أليمٍ. (*)

______________

كليات رسائل النور – الكلمات ص:354

 

 


41-) ماهية الروح مجهولة

 

    من المعلوم إن الإنسان لا يجهل ماهية الروح فحسب، بل يجهل حتى ماهية حياة ابسط نبات. وماهية الأشياء التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى. لأنه هو خالق الموجودات وبارئها.

    يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي [1] رحمه الله : (( إن وجود العقل هو لإيفاء وظيفة العبودية، وليس لإدراك أسرار الربوبية )). وبهذه العبارة البليغة بيّن بديع الزمان على نحو صحيح بأن الإنسان ليس مكلفاً لحل أسرار الربوبية ولا طاقة له على ذلك.

    فمثلا في الوقت الذي ندل على وجود الكهرباء بعقولنا رغم إننا لا نراها بحواسنا ولا نعرف ماهيتها، ومع ذلك لا يساورنا شك بوجود هذه الحقيقة التي لا تُلمس باليد ولا تُرى بالعين، وليس لها طول أو عرض، أو حجم. ولا هي كثيفة أو سائلة وليس لها أي طعم أو رائحة أو لون. لأن تلك الحقيقة ظاهرة أمام العيان بآثارها وحركاتها وثمارها ونتائجها. ونحن نعلم بأن الكهرباء هي التي تقوم بعملية الحساب في الحاسبات الإلكترونية، وبنقل الأمواج الصوتية في الراديو وبنقل الأصوات والصور في التلفزيون وبحفظ الأصوات في شريط التسجيل وبالإنارة في المصباح. فالكهرباء هي التي تقوم بكل هذه الأعمال. ولكن لو فرضنا أن لهذه الكهرباء التي تمتلك هذه المهارة شعوراً، فإنها لا تعرف نفسها وماهيتها. فلو كانت لها قابلية الرؤية لتمكنت من رؤية آلات الماكنة التي تسعى إلى تشغيلها فحسب. وكذلك الروح فإنها رغم عدم معرفتها لماهيتها فانه تقوم بأعمال كثيرة في معمل الجسد وفي آن واحد ودون خطا أو سهو.

    الخلاصة: هناك حقائق لم يدرك الإنسان ماهيتها ولم يستطيع رؤيتها بحواسه الظاهرة والباطنة. والروح واحدة من هذه الحقائق.(*)

__________________

(1) بديع الزمان سعيد النورسي ( رحمه الله ) : ولد في سنة 1293هـ (1873م) في قرية (نورس) قرب بحيرة (وان) الواقعة شرق تركيا . درس العلوم الإسلامية كلها وأتمها وتغلب في جميع المناظرات والمناقشات التي دخلها مع العلماء . أخذ يؤلف منذ سنة (1926م) مستمداً من فيض القرآن الكريم رسائل تنوف على المئة والثلاثين رسالة سماها « رسائل النور » طيلة سنوات عمره التي قضاها بين النفي والتشريد والسجن والتي تزيد على ربع قرن . وظل الأستاذ النورسي – رحمه الله – دؤوباً في خدمة القرآن الكريم والإيمان بالتأليف والتوجيه إلى أن وافته المنية في 26 رمضان المبارك سنة 1379 هـ والموافق 23 مارت سنة 1960 م . رحمه الله رحمة واسعة .
(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف


42-) احضر ماشئت من مسافات بعيدة

باسمه سبحانه

﴿قالَ الذي عندهُ علمٌ ِمن الكتابِ أنا اتيكَ به قبلَ أن يرتدّ اليكَ طرفُكَ فلما رآهُ مستقراً عندهُ..﴾ (النمل:40).

ايها المستخلف المبارك

فهذه الآية تشير الى ان احضار الاشياء من مسافات بعيدة - عيناً أو صورة - ممكن، وذلك بدلالتها على تلك الحادثة الخارقة التي وقعت في ديوان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما قال أحد وزرائه الذي اوتي علماً غزيراً في (علم التحضير): انا اتيك بعرش بلقيس.

ولقد آتى الله سبحانه سيدنا سليمان عليه السلام المُلك والنبوة معاً، واكرمه بمعجزة يتمكن بها من الاطلاع المباشر بنفسه وبلا تكلف ولا صعوبة على احوال رعاياه، ومشاهدة اوضاعهم، وسماع مظالمهم. فكانت هذه المعجزة مناط عصمته وصونه من الشطط في امور الرعية. وهي وسيلة قوية لبسط راية العدالة على ارجاء المملكة.

فمن يعتمد على الله سبحانه اذاً ويطمئن اليه، ويسأله بلسان استعداداته وقابلياته التي فُطر عليها، وسار في حياته على وفق السنن الإلهية والعناية الربانية، يمكن ان تتحول له الدنيا الواسعة كأنها مدينة منتظمة امامه كما حدث لسليمان عليه السلام الذي طلب بلسان النبوة المعصومة إحضار عرش بلقيس فأحضر في طرفة عين وصار ماثلاً امامه - بعينه أو بصورته - في بلاد الشام بعد ان كان في اليمن. ولاشك ان اصوات رجال الحاشية الذين كانوا حول العرش قد سُمعتْ مع مشاهدة صورهم.

فهذه الآية تشير اشارة رائعة الى احضار الصور والاصوات من مسافات بعيدة. فالآية تخاطب:

ايها الحكام! ويا من تسلمتم امر البلاد! ان كنتم تريدون ان تسود العدالة انحاء مملكتكم، فاقتدوا بسليمان - عليه السلام - واسعَوا مثله الى مشاهدة ما يجري في الارض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع ارجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع الى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والســلطان الــذي يرعـى شؤون ابناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل الى مبتـغــاه إلا اذا اسـتـطـــاع الاطـلاع - مـتى شاء - على اقطار مملكته. وعندئذٍ تعم العـدالة حـقاً، وينقذ نفـسه من المـحـاســبة والتبـعات المعنوية.

فالله سبحانه يخاطب بالمعنى الرمزي لهذه الآية الكريمة:

يا بني آدم! لقد آتيتُ عبداً من عبادي حُكمَ مملكة واسعة شاسعة الارجاء، ومنحته الاطلاع المباشر على احوال الارض واحداثها ليتمكن من تطبيق العدالة تطبيقاً كاملاً، ولما كنتُ قد وهبت لكل انسان قابلية فطرية ليكون خليفة في الأرض، فلا ريب أنى قد زوّدتُه - بمقتضى حكمتي - ما يناسب تلك القابلية الفطرية من مواهب واستعدادات يتمكن بها من ان يشاهد الارض بأطرافها ويدرك منها ما يدرك. وعلى الرغم من أن الانسان قد لا يبلغ هذه المرتبة بشخصه الا انه يتمكن من بلوغها بنوعه. وان لم يستطع بلوغها مادياً، فانه يبلغها معنوياً - كما يحصل للاولياء الصالحين - فباستطاعتكم اذاً الاستفادة من هذه النعمة الموهوبة لكم. فسارعوا الى العمل الجاد واسعوا سعياً حثيثاً كي تحوّلوا الارض الى ما يشبه حديقة صغيرة غنّاء، تجولون فيها وترون جهاتها كلها وتسمعون احداثها واخبارها من كل ناحية منها غير ناسين وظيفة عبوديتكم. تدبروا الآية الكريمة:

﴿هوَ الذي جعلَ لكمُ الارضَ ذلولاً فامشوا في مناكِبها وكُلوا مِن رزقه واليه النشور﴾ (الملك:15).

وهكذا نرى كيف تومئ الآية الكريمة المتصدرة لهذا المثال الى اثارة همة الانسان، وبعث اهتماماته لاكتشاف وسيلة يستطيع بها احضار الصور والاصوات من أبعد الاماكن واقصاها ضمن ادق الصناعات البشرية.(*)

__________________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :283

 


43-) الاستقلال والانفراد من اخص خصائص الحاكمية

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

لقد أثبتنا في مواضع متعددة من الرسائل وببراهين دامغة: ان الاستقلال والانفراد من أخص خصائص الحاكمية، حتى ان هذا الانسان الذي هو عاجز عجزاً شديداً، ولا يملك من الحاكمية سوى ظل باهت، نراه يردّ بكل قوة اي فضول كان من الآخرين، ويرفض بكل شدة اي تدخل كان منهم في شؤونه، صوناً منه لاستقلاله وانفراده في الأمر. بل ذُكِر في التاريخ ان كثيراً من السلاطين قد سفكوا دماءً زكية لأبنائهم الأبرياء واخوانهم الطيبين حينما شعروا بتدخل منهم في شؤونهم.

اذن فالاستقلال والانفراد ورفض مداخلة الآخرين هو من أخصّ خصائص الحاكمية الحقة، لا فكاك لها عنه. بل هو لازمها ومقتضاها الدائم.

فالحاكمية الإلهية التي هي في ربوبية مطلقة تردّ بكل شدة الشرك والاشتراك مهما كان نوعه، ولا تقبل تدخلاً ما من سواها قط، ومن هنا نرى القرآن الكريم يفيض في بيان التوحيد الخالص ويردّ الشرك والمشاركة باسلوب شديد وبتهديد مروّع..

فكما اقتضت الحاكمية الإلهية - التي هي في الربوبية المطلقة - التوحيد والوحدانية بقطعية تامة، واظهرت مقتضى شديداً وداعياً قوياً لها، كذلك النظام المتقن والانسجام البديع المشاهدان في الكون - ابتداء من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والافراد والذرات - كل منهما شاهدُ عدلٍ، وبرهان باهر على تلك الوحدانية والفردية، فلا يسمح قط لريبة أو لشبهة، إذ لو كان هناك تدخل مما سوى الواحد الأحد، لفسد هذا النظام البديع الرصين، واختل

هذا التـوزان المحـكم المــشـاهَد في جميـع اجـزاء الكون، فصـدق الله العـظيم الذي قال:

{لو كانَ فيهما آلِهةٌ إلاّ الله لَفَسَدتا} (الانبياء:22)

نعم، لو كان هناك اي تدخل مهما كان لظهرت آثارُه باديةً، الاّ أن الدعوة الصريحة في الاية الكريمة: { فارجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ}(الملك:3) تريك هذا النظام البديع بكل وضوح وجلاء حتى لا ترى ثغرة ولا لبساً ولا نقصاً في جهة من الجهات ابتداءً من الذرات الى المجرات.

اذاً فالنظام الرصين في الكون، والانتظام الرائع في المخلوقات كافة، والموازنة الدقيقة بين الموجودات.. يظهر لنا التجلي الاعظم لاسم "الفرد" ويشهد شهادة واضحة على الوحدانية.

ثم ان اي مخلوق مهما كان صغيراً، انما هو مثال مصغر للكون كله ونموذجه، وفهرسه المختصر، بمقتضى تجلي الأحدية. فلا يكون مالكاً لذلك المخلوق الحي الصغير الاّ مَن كان بيده زمام الكون كله وله الأمر جميعاً. وحيث ان كل بذرة متناهية في الصغر ليست بأقل ابداعاً في الخلق من شجرة ضخمة، وأن كل شجرة باسقة تضاهي في خلقها خلق الكائنات، وكل كائن حي صغير انما هو بحكم عالم مصغّر، وكون صغير فان تجلي الأحدية هذا يجعل الشرك والاشتراك محالاً ممتنعاً.

ثم ان في هذا الكون في ضوء هذا السر - سر الأحدية - ليس كلاً يستعصي على التجزئة وحدها بل ايضاً هو كلّي من حيث الماهية، لا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وتدخل الايدي المتعددة قط، فإن كل جزء فيه بحكم جزئي وفرد منه وكل الكون هو بحكم الكلي، فليس فيه موضع للاشتراك في أية جهة كانت.

فهذا التجلي الاعظم لأسم "الفرد" يثبت حقيقة التوحيد بهذا السر للأحدية، بدرجة البداهة.

نعم، ان اندماج انواع الكائنات واندغامها فيما بينها، وتوجه وظيفة كل منها الى عموم الكائنات مثلما يجعل الكون كلاً واحداً يستعصي على التجزئة قطعاً - من

حيث الخلق والربوبية - كذلك الافعال العمومية المحيطة بالكائنات والتي تظهر أثارها وفعالياتها في الكائنات عموماً تجعل الكون ايضاً كلاً واحداً - من حيث تداخلها ببعضها - حتى يرفض التجزئة ويردّها ردّاً قوياً. ولتوضيح ذلك نسوق المثال الآتي:

حالما توهب الحياة للكائن يظهر فعل الاعاشة والإرزاق فيه مباشرة. وضمن افعال الاعاشة والإحياء هذه، يشاهَد مباشرةً فعلُ تنظيمِ جسد ذلك الكائن وتنسيق اعضائه، وتجهيزه بما يحتاج ويلزم. وحينما تظهر افعالُ الاعاشة والإحياء والتنظيم والتجهيز يفعل التصويرُ والتربية والتدبير فعلَه في الوقت نفسه.. وهكذا.

فتداخل امثال هذه الافعال المحيطة العامة بعضها بالبعض الآخر، واتحادها ببعضها، وامتزاجها كامتزاج الالوان السبعة في الطيف الشمسي، ثم احاطة كل فعل من تلك الافعال وشموله- مع وحدته من حيث الماهية - للموجودات كلها في وحدة واحدة، وكون كل فعلٍ منها فعلاً وحدانياً.. يدل دلالة واضحة على أن فاعلَه واحدٌ أحد فرد..

وكما أن استيلاء كل فعل - من تلك الافعال - وهيمنته على الكائنات قاطبة، واتحاده مع سائر الافعال في تعاون وثيق، يجعل الكون كلاً غير قابل للتجزئة.. كذلك فان كل مخلوق حي من حيث كونه بمثابة بذرة الكون وفهرسه ونموذجه يجعل الكون كلياً غير قابل للانقسام والتجزئة - من حيث الربوبية - بل يجعل انقسامه محالاً وخارجاً عن الامكان، أي أن الكون بهذا هو كلٌّ لا يتجزأ، فلا يكون اذاً ربُّ الجزء الاّ من كان رباً للكل. وهو كلي ايضاً بحيث يكون كل جزء منه بحكم فرد، فلا يكون رباً للفرد الواحد الاّ من كان زمام ذلك الكلي بيده.(*)

__________________

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الثلاثون - ص: 550

 


44-) توهم الاسراف والعبثية

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

اعلم!يا من يتوهم الاسراف والعبثية في بعض الموجودات! ان كمال النظام والميزان في انشاء كل موجودٍ يطرد هذا الوهم إذ النظامُ خيط نُظم فيه الغايات المترتبة على الاجزاء الجزئية والتفاصيل الفرعية. ومن المحال ان يراعي احدٌ كلّ غايات تفاصيل قصرٍ -بدلالة انتظام بنائه - ويترك غاية المجموع، التي بها تصير الغايات الجزئية غاياتٍ.

فان شئت التحقيق فاستمع يا من له قلب شهيد وسمع حديد!: ان لكل شئ غايات دقيقة كثيرة تعود منها الى الحي القيوم المالك بمقدار مالكيته وتصرفه بمظهرية الشئ لانواع تجليات اسمائه، وما تعود الى الحي الاّ بدرجة تلبّسه الجزئي.

وان كل شئ من الاشياء يصير هدفاً مشتركاً بين ذوي العقول، فلا يصير عبثاً اصلا؛ اذ إذا لم يطالعه هذا هنا الآن، طالعه هؤلاء، ومع ان وجوه استفادة كل أحدٍ من كل شئ في غاية الكثرة، وان جنود الله لا تحصى {وَمَا يعلمُ جنودَ رَبّك إلاّ هو} (المدثر : 31). فلا شئ في الكون الاّ ويتزاحمُ عليه - بلا مزاحمةٍ - انظارُ مَن لا يحصى

من الملائكة المسبّحين المقدّسين باجناسهم وانواعهم المالئين للكون، ومن الجان المتحيرين المتفكرين باقسامهم واصنافهم، ومن الارواح المكبّرين المهللين بطوائفهم، وقبائلهم وغيرهم ممن لا يمنعهم كثيفات الاشياء عن رؤية ما في اجوافها، ولا يشغلهم شهودُ شئ عن شئ، وفوق الكل رؤية صانع الكل لصنعته.. وكذا كثير من الناس المؤمنين المتنبهين، بل وكذا الحيوانات المتحسسات المتأثرات بحواسهم.

فان قلت: أية آيات كتاب الكائنات تدل على وجود معتبرين و متحيرين و متفكّرين ومسبحّين من غير الانسان؟ واي سطرٍ من ذلك الكتاب يشير اليه؟.

قيل لك: آية النظام في سطر الميزان من صحيفة الحكمة.

الا ترى انك اذا ذهبت الى دار تمثيل - مثلا - فرأيت في تلك الدار انواعاً كثيرة من الغرائب التي تتحير فيها الانظارُ، واصنافاً من الملاهى التي تستحسنها الاسماعُ، واقساماً متنوعة من السحر والشعبذة التي تتلذذ بها العقول والخيال. وهكذا من كل ما يتلذذ به مالا يحد من لطائف الإنسان وحواسه وحسياته، ثم نظرت في ساحة محل التمثيل، فما رأيت الاّ صبياناً صماً عمياً مفلوجي الحواس والحسيات الاّ قليل منهم.فبالضرورة العرفية تتفطن وتتيقن بأن خلف هذه الحُجُب والاستار المرسلة على وجوه الجدار عقلاء مختلفون في الاذواق والمشارب لهم حواسُ سليمة جاءوا للتنزّه، يشتاقون لكل ما ابدع وشهر في ذلك المجلس، ويرونك والتمثيل من حيث لا ترونهم.

فاذ تفطنت لسر التمثيل، فانظر من دار الدنيا الى هذه المصنوعات. فمنها كزرابي مبثوثة، وفُرُشٍ مرفوعة، وحلل ملبوسة، وحلية منثورة، وصحائف منشورة.. ومنها ازاهير وثمرات اصطفت؛ تدعو بألوانها وطعومها وروائحها ذوى الحياة واصحاب الحاجات وتدعو بنقوشها وزينتها وصنعتها اولى الالباب وذوى الاعتبار.. ومنها نباتات شمّرت عن ساقاتها لوظيفة خلْقَتها، وحيوانات قامت على ارجلها لوظيفة عبوديتها، واكثرها لا تشعر بما أودع في أنفسها من المحاسن الرائقة واللطائف الفائقة..

فليست تلك اللطائفُ والمحاسن لِحَمَلَتَها البُهْمُ العُجْمُ، بل ما هي الاّ لغيرها السميع البصير.. ومنها الى مالا يحد ولا يعد. فمع كل هذه الحشمة الجلابة والزينة الجذابة، وانواع التلطيفات والتوددات، وانواع التحببات والتعرفات، واقسام التعهدات والتعمدات واصناف التزينات والتبسمات واشكال الاشارات والجلوات،

 

وغير ذلك من ألسنة الحال التي كادت ان تنطق بالقال مع انه لا نرى ظاهراً في ساحة الدنيا من ذوي الاعتبار والابتصار الاّ هؤلاء الثقلين اللذين صيرت الغفلة اكثرهم كصبيانٍ صمٍ عميٍ فلج في ظلمات طاغوت الطبيعة يعمهون.

فبالحدس الصادق وبالضرورة القطعية وبالبداهة العقلية، لابد ان يكون الكون مشحوناً من ذوي الارواح المعتبرين المسّبحين مما عدا الثقلين. كما قال من قوله القول: {تسبّح له السمــوات السّبع والارض ومن فيهن، وان من شئ الاّ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}( الاسراء : 44).

_____________

(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري - ص: 285

 


45-) حكمة الاطلاق في القران الكريم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (العصر:3)

سنبين حكمة "الاطلاق" فقط. فالقرآن الكريم يترك "الصالحات" مطلقة دون قيد يقيدها، ومبهمة دون ان يشخصها، وذلك:

ان الفضائل والاخلاق، وكذا الحسن والخير، اغلبها امور نسبية، تتغير كلما عبرت من نوع الى آخر، وتتباين كلما نزلت من صنف الى صنف، وتختلف كلما بدّلت مكاناً بمكان، وتتبدل باختلاف الجهات، وتتفاوت ماهيتها كلما علت من الفرد الى الجماعة ومن الشخص الى الامة.

فمثل: الشجاعة والكرم في الرجل تدفعانه الى النخوة والتعاون، بينما تسوقان المرأة الى النشوز والوقاحة وخرق حقوق الزوج.

ومثل: ان عزة النفس التي يشعر بها الضعيف تجاه القوي، لو كانت في القوي لكانت تكبّراً، وكذا التواضع الذي يشعر به القوي تجاه الضعيف، لو كان في الضعيف لكان تذللاً.

ومثل: ان جدّية ولي الامر في مقامه وقارٌ، بينما لينُه ذلة. كما ان جديّته في بيته دليل على التكبر، ولينه دليل على التواضع.

ومثل: ان تفويض الامر الى الله في ترتيب المقدمات كسل، بينما في ترتّب النتيجة توكل. كما ان رضا المرء بثمرة سعيه وقسمته قناعة، يقوي فيه الرغبة في السعي، بينما الاكتفاء بالموجود تقاصر في الهمة.

ومثل: ان صفح المرء ــ عن المسيئين ــ وتضحيته بما يملك، عملٌ صالح، بينما هو خيانة ان كان متكلماً عن الغير ــ باسم الجماعة ــ وليس له ان يتفاخر بشئ  يخصّه، ولكن يمكنه ان يفخر باسم الامة من دون ان يهضم حقها.

وهكذا رأيت في كل مما ذكرنا مثالاً، فاستنبط بنفسك. اذ القرآن الكريم خطاب الهي شامل لجميع طبقات الجن والانس، ولكل العصور، والاحوال والظروف كافة.

وحيث ان الحسن النسبي والخير النسبي كثير جداً، فان اطلاق القرآن اذن في "الصالحات" ايجاز بليغ لإطناب طويل. وان سكوته عن بيان انواع الصالحات كلام واسع.(*)

__________________________

(*) صيقل الإسلام/السانحات - ص: 333


46-) ميزان لمعرفة الشرك الخفي

بيان الفرق بين الاقتران والعلة

ووضع ميزان لمعرفة الشرك الخفي

 

يلتبس على الكثيرين: اعتبار الشيئين علةً للآخر عند مجيئها معاً

 

ينبغي ألاّ تؤخذ النِعم التي تَرِدُ بأسباب ووسائل ظاهرية على حساب تلك الاسباب والوسائل، لأن ذلك السبب وتلك الوسيلة، إما له اختيار او لا اختيار له. فان لم يكن له اختيار - كالحيوان والنبات - فلا ريب انه يعطيك بحساب الله وباسمه. وحيث أنه يذكر الله بلسان حاله، اي يقول: بسم الله، ويسلّمك النعمة، فخذها باسم الله وكُلها.

ولكن إن كان ذلك السبب له اختيار، فعليه أن يذكر الله ويقول: بسم الله، فلا تأخذ منه الاّ بعد ذكره اسم الله، لأن المعنى الاشاري - فضلاً عن المعنى الصريح - للآية الكريمة: (ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسمُ الله عليه)(الانعام:121) يرمز الى: لا تأكلوا من نعمةٍ لم يُذكر اسم مالكها الحقيقي عليها وهو الله، ولم يسلّم اليك باسمه.

وعلى هذا فعلى المعطي ان يذكر اسم الله، وعلى الآخذ ان يذكر اسم الله. فان كان المعطي لا يذكر اسم الله، وانت في حاجة الى الأخذ، فاذكر انت اسم الله، ولكن ارفع بصرك عالياً فوق رأس المعطي وانظر الى يد الرحمة الإلهية التي انعمت عليه وعليك معاً، وقبّلها بالشكر، وتسلّم منها النعمة. اي انظر الى الإنعام من خلال النعمة، وتذكّر المنعم الحقيقي من خلال الإنعام، فهذا النظر والتذكر شكرٌ. ومن ثم ارجع بصرك - ان شئت - وانظر الى السبب او الوسيلة، وادع له بالخير واثنِ عليه، لورود النعمة على يديه.

ان الذي يوهم عَبَدة الاسباب ويخدعهم هو: اعتبارُ احد الشيئين علةً للآخر عند مجيئهما معاً، او عند وجودهما معاً. وهذا هو الذي يسمى ب"الاقتران".

وحيث ان عدم وجود شئ ما، يصبح علةً لعدم وجود نعمة، لذا يتوهم المرء ان وجود ذلك الشئ هو علة لوجود تلك النعمة، فيبدأ بتقديم شكره وامتنانه الى ذلك الشئ فيخطئ؛ لأن وجودَ نعمة ما يترتبُ على مقدمات كثيرة وشرائط عديدة، بينما إنعدامُ تلك النعمة يحدث بمجرد انعدام شرط واحد فقط.

مثل: ان الذي لا يفتح مجرى الساقية المؤدية الى الحديقة يصبح سبباً وعلةً لجفاف الحديقة ووسيلةً لموتها، وبالتالي الى انعدام النعم التي فيها. ولكن وجود النِعم في تلك الحديقة لا يتوقف على عمل ذلك الشخص وحده، بل يتوقف ايضاً على مئاتٍ من الشرائط الاخرى، بل لا تحصل تلك النعم كلها الاّ بالعلّة الحقيقية التي هي القدرةُ الربانية والارادة الإلهية.

فافهم من هذا مدى الخطأ في هذه المغالطة، واعلم فداحة خطأ عبدة الاسباب.

نعم! ان الاقتران شئٌ والعلة شئ آخر. فالنعمة التي تأتيك وقد اقترنت بنيّة احسانٍ من أحدهم اليك، علّتها الرحمة الإلهية. وليس لذاك الشخص الاّ الاقتران دون العلة.

نعم، لو لم ينو ذلك الشخص تلك النيّة في الاحسان اليك لما كانت تأتيك تلك النعمة، اي ان عدم نيته كان علة ًلعدم مجئ النعمة، ولكن ذلك الميل للاحسان لا يكون علةً لوجود النعمة ابداً، بل ربما يكون مجرد شرطٍ واحد من بين مئات الشروط الاخرى. ولقد التبس الامر على بعض طلاب رسائل النور، ممن افاض الله عليهم من نعَمه (امثال خسرو ورأفت..) فالتبس عليهم الاقتران بالعلّة، فكانوا يبدون الرضى باستاذهم ويثنون عليه ثناءً مفرطاً. والحال ان الله سبحانه قد قَرنَ نعمةَ استفادتهم من الدروس القرآنية مع احسانه الى استاذهم من نعمة الافادة، فالامر اقترانٌ ليس الاّ.

فهم يقولون: لو لم يقدم استاذنا الى هنا، ما كنا لنأخذ هذا الدرس الايماني، فافادته اذن هي علّةٌ لاستفادتنا نحن. وانا اقول: يا اخوتي الاحبة، ان الحق سبحانه وتعالى قد قَرَن النعمة التي انعمها عليّ بالتي انعمها عليكم، فالعلّة في كلتا النعمتين هي الرحمة الإلهية.

وقد كنت يوماً اشعر بامتنان بالغ نحو طلاب يملكون قلماً سيالاً مثلكم ويسعون الى خدمة النور. فالتبس عليّ الاقتران بالعلّة، فكنت اقول: تُرى كيف كان ينهض في أداء خدمة القرآن الكريم مَن كان مثلي في رداءة الخط، لولا هؤلاء الطلبة؟. ولكن فَهمتُ بعدئذ ان الحق سبحانه وتعالى بعد ما أنعم عليكم النعمة المقدسة بجودة الكتابة، مَنّ عليّ بالتوفيق في السير في هذه الخدمة القرآنية، فاقترن الامران معاً، فلا يكون احدهما علّة للآخر قط، لذا فلا أقدم شكري وامتناني لكم، بل ابشّركم واهنئكم. وعليكم انتم كذلك ان تدعوا لي بالتوفيق والبركة بدلاً من الرضى والثناء.

ففي هذه المسألة ميزانٌ دقيقٌ تُعرف به درجات الغفلة والشرك الخفي.(*)

___________________

(*) اللمعة السابعة عشرة - ص: 202


47-) البلاغة والجزالة من اسطع العلوم والفنون

باسمه سبحانه

﴿ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاّ في كتابٍ مبين﴾(الانعام:59)

﴿فقلنا اضربْ بعصاكَ الحجَر فانفجرتْ منه اثنتا عشرةَ عيناً..﴾ (البقرة:60)

﴿وابرئ الاكمهَ والأبرصَ واُحيي الموتى بإذن الله..﴾(آل عمران:49).

﴿وعلّم آدمَ الاسماءَ كلها﴾ (البقرة:31).

ايها المستخلف المبارك

ان كل معجزة من معجزات الانبياء عليهم السلام تشير الى خارقة من خوارق الصناعات البشرية.

أما معجزة سيدنا آدم عليه السلام فهي تشير الى فهرس خوارق العلوم والفنون والكمالات، وتشوق اليها جميعاً مع اشارتها الى اسس الصنعة اشارة مجملة مختصرة.

أما المعجزة الكبرى للرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم ذو البيان المعجر، فلأن حقيقة تعليم الاسماء تتجلى فيه بوضوح تام، وبتفصيل أتم، فانه يبين الاهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويُظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق البشر اليها ويوجهه نحوها، مثيراً فيه رغبة شديدة فيها، حتى انه يبين بأسلوب التشويق أن ( أيها الانسان! المقصد الاسمى من خلق هذا الكون هو قيامك أنت بعبودية كلية تجاه تظاهر الربوبية، وان الغاية القصوى من خلقك انت هي بلوغ تلك العبودية بالعلوم والكمالات ).

فيعبر بتعابير متنوعة رائعة معجزة مشيراً بها الى:

ان البشرية في أواخر ايامها على الارض ستنساب الى العلوم، وتنصب الى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمام الحكم والقوة.

ولما كان القرآن الكريم يسوق جزالة البيان وبلاغة الكلام مقدماً ويكررهما كثيراً، فكأنه يرمز الى ان البلاغة والجزالة في الكلام - وهما من اسطع العلوم والفنون - سيلبسان ازهى حللهما واروع صورهما في آخر الزمان، حتى يغدو الناس يستلهمون أمضى سلاحهم من جزالة البيان وسحره، ويستلمون أرهب قوتهم من بلاغة الاداء، وذلك عند بيان أفكارهم ومعتقداتهم لإقناع الاخرين بها، أو عند تنفيذ آرائهم وقراراتهم..(*)

___________________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :292


48-) الايمان ينير الكائنات

باسمه سبحانه

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْر غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:4-6)

ايها المستخلف المبارك

كما أن الإيمانَ نور يضيئُ الإنسانَ وينوِّرُه ويُظهر بارزا جميعَ المكاتيب الصمدانية المكتوبةَ عليه ويستقرِئُها، كذلك فهو يُنير الكائنات أيضا، ويُنقذ القرونَ الخالية والآتية من الظلمات الدامسة.

وسنوضح هذا السرّ بمثال؛ استنادا إلى أحد أسرار هذه الآية الكريمة: ﴿اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾(البقرة:257):

لقد رأيتُ في واقعةٍ خيالية أن هناك طَودَين شامخين متقابلين، نُصبَ على قمتَيهما جسر عظيم مدهش، وتحته وادٍ عميق سحيق. وأنا واقف على ذلك الجسر، والدنيا يخيّمُ عليها ظلام كثيف من كل جانب، فلا يكاد يُرى منها شيء. فنظرتُ إلى يميني فوجدتُ مقبرةً ضخمة تحت جُنح ظلمات لا نهاية لها، أي هكذا تخيّلتُ، ثم نظرتُ إلى طرفي الأيسر فكأني وجدتُ أمواجَ ظلماتٍ عاتية تتدافعُ فيها الدواهي المُذهلة والفواجعُ العظيمة وكأنها تتأهّب للانقضاض، ونظرتُ إلى أسفل الجسر فتراءتْ لعيني هوة عميقة لا قرارَ لها، وقد كنتُ لا أملك سوى مصباحٍ يدوي خافتِ النورأمامَ كلّ هذا الهدير العظيم من الظلمات. فاستخدمتُه، فبدا لي وضع رهيب، إذ رأيت أسودا وضواريَ و وحوشا وأشباحا في كل مكان حتى في نهايات وأطرافِ الجسر، فتمنّيتُ أن لم أكن أملِكُ هذا المصباحَ الذي كشفَ لي كلَّ هذه المخلوقات المُخيفة؛ إذ إنني أينما وجَّهتُ نورَ المصباح شهدتُ المخاطر المدهشة نفسَها، فتحسرتُ في ذات نفسي وتأوّهتُ قائلا: "إن هذا المصباحَ مصيبة وبلاء عليّ ".

فاستشاط غيظي فألقيتُ المصباحَ إلى الأرض وتحطَّمَ. وكأني - بتحطُّمه - قد أصبتُ زرّا لمصباح كهربائي هائل، فإذا به يُنوّر الكائناتِ جميعا فانقشعتْ تلك الظلماتُ، وانكشفتْ وزالت نهائيا، وامتلأ كلُّ مكانٍ وكلُّ جهةٍ بذلك النور. وبَدَتْ حقيقةُ كلّ شيء ناصعةً واضحة. فوجدتُ أن ذلك الجسرَ المعلّقَ الرهيبَ ما هو إلاّ شارع يمرّ من سهلٍ منبسط. وتبيّنتُ أن تلك المقبرةَ الهائلةَ التي رأيتُها على جهة اليمين ليست إلاّ مجالسَ ذكرٍ وتهليلٍ وندوة كريمة لطيفة وخِدمة جليلة، وعبادة سامية تحت إمرة رجالٍ نورانيين في جنائنَ خُضرٍ جميلة تشعُّ بهجةً ونورا وتبعث في القلب سعادةً وسرورا.

أما تلك الأودية السحيقةُ والدواهي المدهشةُ والحوادثُ الغامضةُ التي رأيتُها عن يساري، فلم تكن إلاّ جبالا مُشجرةً خضراء تسرُّ الناظرين، ووراءَها مضيف عظيم ومُروج رائعة ومتنـزّه رائع..

نعم، هكذا رأيتُها بخيالي، أما تلك المخلوقاتُ المخيفة والوحوشُ الضارية التي شاهدتُها فلم تكن إلاّ حيوانات أليفة أنيسة؛ كالجمل والثور والضأن والماعز، وعندها تلوتُ الآيةَ الكريمة: ﴿اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. وبدأتُ أردّد: الحمد للّٰه على نور الإيمان. ثُمَّ أفقتُ من تلك الواقعةِ.

وهكذا، فذاكما الجبلان هما: بدايةُ الحياةِ ومُنتهاها، أي هما عالَمُ الأرض وعالَمُ البرزخ.. وذلك الجسرُ هو طريقُ الحياة.. والطرفُ الأيمن هو الماضيمن الزمن، والطرفُ الأيسرُ هو المستقبلُ منه. أما المصباحُ اليدوي فهو أنانيةُ الإنسان المعتدّةُ بنفسها والمتباهيةُ بما لديها من علم، والتي لا تصغي إلى الوحي السماوي.. أما تلك الغيلانُ والوحوشُ الكاسرة فهي حوادثُ العالم العجيبة وموجوداته.

فالإنسانُ الذي يعتمد على أنانيته وغروره ويقع في شِراكِ ظلماتِ الغفلةِ ويُبْتلى بأغلال الضلالة القاتلة، فإنه يشبه حالتي الأولى في تلك الواقعة الخيالية، حيث يرى الزمنَ الماضيبنور ذلك المصباح الناقص الذي هو معرفة ناقصة منحرفة للضلالة كمقبرةٍ عظيمة في ظلمات العدم، ويصوِّرُ الزمن من المستقبلِ موحشا تَعبثُ فيه الدواهي والخطوب محيلا إياه إلى الصدفةِ العمياء. كما يصوِّرُ جميعَ الحوادث والموجودات -التي كلّ منها موظفة مسخرة من لدن ربّ رحيم حكيم- كأنها وحوش كاسرة وفواتك ضارية. فيَحقّ عليه حُكمُ الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾(البقرة:257).

أما إذا أغاثت الإنسانَ الهدايةُ الإلهيةُ، ووجد الإيمانُ إلى قلبه سبيلا، وانكسرتْ فرعونيةُ النفسِ وتحطّمتْ، وأصغى إلى كتاب اللّٰه، فيكونُ أشبهَ بحالتي الثانيةِ في تلك الواقعةِ الخيالية، فتصطبغُ الكائناتُ بالنهار وتمتلئ بالنور الإلهي، وينطق العالمُ برمَّته: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ وَالْأرْضِ﴾(النور:35).

فليس الزمنُ الغابرُ إذ ذاك مقبرةً عظمى كما يُتوَهم، بل كل عصرٍ من عصوره كما تشهدُه بصيرةُ القلب، زاخر بوظائفَ عبوديةٍ تحت قيادة نبيٍّ مُرسَلٍ، أو طائفةٍ من الأولياء الصالحين، يديرُ تلك الوظيفة السامية وينشرها ويُرسِّخُ أركانَها في الرعية على أتمِّ وجهٍ وأكمل صورة. ومن بعد انتهاء هذه الجماعات الغفيرة من ذوي الأرواح الصافية من أداء وظائفها الحياتية وواجباتها الفطرية تحلّق مُرتَقيةً إلى المقامات العالية مُردّدةً: "اللّٰه أكبرُ" مخترقةً حجابَ المستقبل. وعندما يلتفتُ إلى يساره يتراءى له من بعيد - بمنظار نور الإيمان - أنّهناك وراءَ انقلاباتٍ برزخيةٍ وأخروية - وهي بضخامة الجبال الشواهق - قصور سعادة الجنان، قد مُدَّت فيها مضايفُ الرحمن مَدا لا أولَ لها ولا آخر. فيتيقن بأن كلَّ حادثةٍ من حوادث الكون - كالأعاصير والزلازل والطاعون وأمثالها - إنما هي مُسخّرات موظفات مأمورات، فيرى أن عواصفَ الربيع والمطر وأمثالَها من الحوادث التي تبدو حزينةً سمجةً، ما هي في الحقيقةوالمعنى إلاّ مدارُ الحِكَمِ اللطيفة، حتى إنه يرى الموتَ مقدمةً لحياةٍ أبديةٍ، ويرى القبرَ بابَ سعادةٍ خالدة..

وقسْ على هذا المنوال سائَر الجهاتِ بتطبيق الحقيقةِ على المثال.(*)

______________

كليات رسائل النور – الكلمات ص:350

 


49-) اضربْ بعصاكَ الحجَر

باسمه سبحانه

﴿فقلنا اضربْ بعصاكَ الحجَر فانفجرتْ منه اثنتا عشرةَ عيناً..﴾ (البقرة:60)

ايها المستخلف المبارك

هذه الآية الكريمة تبين معجزة من معجزات سيدنا موسى عليه السلام، وهي تشير الى انه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الارض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من ارض صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا.

فهذه الآية تخاطب البشرية بهذا المعنى:

يمكنكم ان تجدوا الماء الذي هو ألطف فيض من فيوضات الرحمة الإلهية، بوساطة عصا، فاسعوا واعملوا بجد لتجدوه وتكشفوه.

فالله سبحانه يخاطب الانسان بالمعنى الرمزي لهذه الآية:

(ما دمتُ اسلّم بيد عبد يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها ان يفجّر الماء أينما شاء. فانت ايها الانسان ان اعتمدت على قوانين رحمتي، يمكنك أيضاً ان تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيا اسعَ لتجد تلك الآلة).

فانت ترى كيف ان هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الانسان من استخراج الماء في اغلب الاماكن، والتي هي احدى وسائل رقي البشرية. بل ان الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها.(*)

____________________________________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :280


50-) هل تُستخدم الشياطين والجن في أمور نافعة ؟

 

    يمكن للإنسان استخدام الجن والشياطين في أمور نافعة ودفع شرورهم.

    نعم ان الطائفة النوارنية التي تغلّبت على نفوسها الأمّارة، وحطّمت أنانيتها وبلغت مقام الرضا والصدّيقية، إذا ما طلبت بلسان العصمة من رب العالمين أن يسخر لها الجن والشياطين، فانه جلّ وعلا يجعل هذه الشياطين ومردة الجن مسخرة لهذه الطائفة ومنقادة لها. وبإكسير الولاية تستطيع هذه الطائفة إيجاد علاقة ولقاء معهم واستخدامهم في أمور نافعة.

    وقد وردت آيات كريمة في كتاب الله العزيز تتعلق بهذه المسألة منها : ان نبي الله سليمان u الذي أصبح مظهراً لنعمة السلطنة والنبوة قد سُخّرت له الجن والشياطين – بأمر الهي – وانه استخدمهم في بناء المسجد. حيث طلب u من رب العالمين بلسان العصمة ان يُسخّر له الجن والشياطين لأجل دوام سلطنته على مملكته الواسعة بعدالة تامة، ومشاهدة أحوال رعيته وسماع شكاواهم والقيام بأعمال سلطنته على أتم وجه. فسخر الله تعالى له الجن والشياطين إحساناً منه لعبده ومعجزة له } وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ { (الأنبياء:82).

    ويقول بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) : في تفسيره هذه الآية : (( ان الجن الذين يلون الإنسان في الأهمية في سكنى الأرض من ذوي الشعور، يمكن أن يصبحوا خُدّاماً للإنسان، ويمكن إيجاد علاقة ولقاء معهم، بل يمكن للشياطين أن يضعوا عداءهم مع الإنسان ويخدموه مضطرين كما سخّرهم الله سبحانه وتعالى لعبدٍ من عباده المنقادين لأوامره.

    بمعنى ان الله سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآيات : « أيها الإنسان ! أني اسخّر الجن والشياطين وأشرارهم لعبدٍ قد أطاعني واجعلهم منقادين إليه مسخرين له، فأنت إن سخّرتَ نفسك لأمري وأطعتني، قد تُسخّر لك موجودات كثيرة بل حتى الجن والشياطين ».

    فالآية الكريمة تخط أقصى الحدود النهائية، وتعيّن أفضل السبل القويمة للانتفاع، بل تفتح السبيل أيضاً إلى تحضير الأرواح ومحادثة الجن الذي ترشح من امتزاج فنون الإنسان وعلومه، وتظاهر مما تنطوي عليه من قوى ومشاعر فوق العادة، المادية منها والمعنوية. ولكن ليس كما عليه الأمر في الوقت الحاضر حيث اصبح المشتغلون بهذه الأمور موضع استهزاء بل ألعوبة بيد الجن الذين ينتحلون أحياناً أسماء الأموات. وغدوا مسخرّين للشياطين والأرواح الخبيثة، وإنما يكون ذلك بتسخير أولئك بأسرار القرآن الكريم مع النجاة من شرورهم. ))(1) (*). 

 

____________________

(1) الكلمات – الكلمة العشرون – المقام الثاني ص285

(*) ما هي الروح ؟ تأليف الأستاذ محمد قرقنجي - ترجمة سامي سليمان عارف

 

 


51-) فلينطق كل ما حولك

باسمه سبحانه

﴿إنّا سخّرنا الجبالَ معه يسبّحنَ بالعشيّ والإشراق﴾ (ص:18).

﴿يا جبالُ أوّبي مَعَه والطيرَ وألنّا له الحديد﴾ (سبأ:10).

﴿عُلِّمنا منطقَ الطير..﴾(النمل:16).

ايها المستخلف المبارك

هذه الآيات الكريمة التي تذكر معجزات سيدنا داود عليه السلام تدل على أن الله سبحانه قد منح تسبيحاته واذكاره من القوة العظيمة والصوت الرخيم والأداء الجميل ما جعل الجبال في وجدٍ وشوق، وكأنها حاكٍ عظيم تردد تسبيحاتٍ واذكاراً. أو كأنها انسان ضخم يسبّح في حلقة ذكر حول رئيس الحلقة.

اتُراك هذه حقيقة؟ وهل يمكن ان يحدث هذا فعلاً؟!

نعم!

انها لحقيقة قاطعة، أليس كل جبل ذي كهوف يمكن ان يتكلم مع كل انسان بلسانه، ويردد كالببغاء ما يذكره؟ فان قلت (الحمد لله) أمام جبل،فهو يقول ايضاً: (الحمد لله) وذلك برجع الصدى.. فما دام الله سبحانه وتعالى قد وهب هذه القابلية للجبال، فيمكن اذاً أن تنكشف هذه القابلية وتنبسط اكثر من هذا.

وحيث ان الله سبحانه قد خص سيدنا داود عليه السلام بخلافة الأرض فضلاً عن رسالته، فقد كشف بذرة تلك القابلية لديه ونماها وبسطها بسطاً معجزاً عنده، بما يلائم شؤون الرسالة الواسعة والحاكمية العظيمة، حتى غدت الجبال الشم الرواسي منقادة اليه كأي جندي مطيع لأمره، وكأي صانع أمين لديه، وكأي مريد خاشع لذكره.

فأصبحت تلك الجبال تسبح بحمد الخالق العظيم جلّ جلاله بلسانه عليه السلام وبأمره. فما كان سيدنا داود يذكر ويسبّح إلاّ والجبال تردد ما يذكره.

نعم، ان القائد في الجيش يستطيع ان يجعل جنوده المنتشرين على الجبال يرددون: (الله اكبر) بما لديه من وسائل الاتصال والمخابرات، حتى كأن تلك الجبال هي التي تتكلم وتهلل وتكبر! فلئن كان قائداً من الانس يستطيع أن يستنطق (مجازياً) الجبال بلسان ساكنيها، فكيف بقائد مهيب لله سبحانه وتعالى؟ الا يستطيع أن يجعل تلك الجبال تنطق نطقاً (حقيقياً) وتسبح تسبيحاً حقيقياً؟.(*)

______________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :286

 


52-) امثلة مشهودة على الحشر

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

سؤال يرد بمناسبة مبحث الحشر:

ان ما ورد في القرآن الكريم مراراً

{اِنْ كَانَتْ اِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } (يس:29)،

{ وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ اِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ }(النحل:77)

يـبين لنا ان الحشر الاعظم سيظهر فجأة الى الوجود، في آن واحد بلا زمان.ولكن العقول الضيقة تطلب امثلة واقعية مشهودة كي تقبل وتذعن لهذا الحدث الخارق جداً والمسألة التي لا مثيل لها.

الجواب:ان في الحشر ثلاث مسائل هي: عودةُ الارواح الى الاجساد، وإحياءُ الاجساد، وانشاء الاجساد وبناؤها.

المسألة الأولى: وهي مجئ الارواح وعودتها الى اجسادها ومثاله هو:

اجتماع الجنود المنتشرين في فترة الاستراحة والمتفرقين في شتى الجهات على الصوت المدوي للبوق العسكري.

نعم، ان الصور الذي هو بوق اسرافيل عليه السلام، ليس قاصراً عن البوق العسكري كما أن طاعة الارواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بـ { قَالُوا:بَلى} (الاعراف:172) عندما سمعت نداء {اَلَسْتُ بِرَبِكُم }(الاعراف:172) المقبل من اعماق الازل ونظامها يفوق بلاشك أضعاف اضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم. وقد اثبتت"الكلمة الثلاثون" ببراهين دامغة ان الارواح ليست وحدها جيش سبحاني بل جميع الذرات ايضاً جنوده المتأهبون للنفير العام.

المسألة الثانية: وهي إحياء الاجساد.ومثالُه هو:

مثلما يمكن اِنارة مئات الآلاف من المصابيح الكهربائية ليلة مهرجان مدينة عظيمة، من مركز واحد في لحظة واحدة، كأنها بلا زمان. كذلك يمكن انارة مئات الملايين من مصابيح الأحياء وبعثها على سطح الارض من مركز واحد. فما دامت الكهرباء وهي مخلوقة من مخلوقات الله سبحانه وتعالى وخادمة إضاءة في دار ضيافته، لها هذه الخصائص والقدرة على القيام بأعمالها حسب ما تتلقاه من تعليمات وتبليغات ونظام من خالقها، فلابد ان الحشر الاعظم سيحدث كلمح البصر ضمن القوانين المنظمة الإلهية التي يمثلها آلاف الخدم المنوّرِين كالكهرباء.

لمسألة الثالثة: وهي انشاء الاجساد فوراً ومثاله هو:

انشاء جميع الاشجار والاوراق التي يزيد عددها ألف مرة على مجموع البشرية، دفعة واحدة في غضون بضعة ايام في الربيع، وبشكل كامل، وبالهيئة نفسها التي كانت عليها في الربيع السابق.. وكذلك ايجاد جميع أزهار الاشجار وثمارها واوراقها بسرعة خاطفة، كما كانت في الربيع الماضي.. وكذلك تنبّه البُذيرات والنوى والبذور وهي لا تحصى ولا تعد والتي هي منشأ ذلك الربيع في آن واحد معاً وانكشافها واحياؤها.. وكذلك نشور الجثث المنتصبة والهياكل العظمية للاشجار، وامتثالها فوراً لأمر "البعث بعد الموت" .. وكذلك احياء افراد انواع الحيوانات الدقيقة وطوائفها التي لا حصر لها بمنتهى الدقة والاتقان..وكذلك حشر أمم الحشرات ولا سيما الذباب (الماثل امام اعيننا والذي يذكرنا بالوضوء والنظافة لقيامه بتنظيف يديه وعيونه وجناحيه باستمرار وملاطفته وجوهنا) الذي يفوق عدد ما ينشر منه في سنة واحدة عدد بنى آدم جميعهم من لدن آدم عليه السلام.. فحشر هذه الحشرة في كل ربيع مع سائر الحشرات الاخرى واحياؤها في بضعة ايام، لا يعطي مثالاً واحداً بل آلاف الامثلة على انشاء الاجساد البشرية فوراً يوم القيامة.

نعم، لما كانت الدنيا هي دار "الحكمة" والدار الآخرة هي دار "القدرة" فان ايجاد الاشياء في الدنيا صار بشئ من التدريج ومع الزمن. بمقتضى الحكمة الربانية وبموجب اغلب الاسماء الحسنى امثال "الحكيم، المرتّب، المدبر، المربي". اما في الاخرة فان "القدرة" و "الرحمة" تتظاهران اكثر من"الحكمة" فلا حاجة الى المادة والمدة والزمن ولا الى الانتظار. فالاشياء تنشأ هناك نشأة آنية

 وما يشير اليه القرآن الكريم بـ {وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ} (النحل:77)،

هو ان ما ينشأ هنا من الاشياء في يوم واحد وفي سنة واحدة ينشأ في لمحة واحدة كلمح البصر في الآخرة.

واذا كنت ترغب ان تفهم ان مجئ الحشر أمر قطعي كقطعية مجئ الربيع المقبل وحتميته، فانعم النظر في"الكلمة العاشرة" و "الكلمة التاسعة والعشرين". وان لم تصدق به كمجئ هذا الربيع، فلك ان تحاسبني حساباً عسيراً.

المسألة الرابعة: وهي موت الدنيا وقيام الساعة، ومثاله:

انه لو اصطدم كوكب سيار او مذنّب بأمر رباني بكرتنا الارضية التي هي دار ضيافتنا، لدمّر مأوانا ومسكنن - أي الارض - كما يُدمّر في دقيقة واحدة قصر بُني في عشر سنوات.(*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة - ص: 121

 


53-) استجابة الدعاء القولي الاختياري

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

ان استجابة "الدعاء القولي الاختياري"تكون بجهتين:

فاما أن يستجاب الدعاء بعينه أو بما هو افضل منه وأولى.

فمثلاً: يدعو احدهم ان يرزقه الله مولوداً ذكراً، فيرزقه الله تعالى مولودة كمريم عليها السلام،

فلا يقال عندئذ: ان دعاءه لم يستجب، بل قد استجيب بما هو افضل من دعائه.

ثم ان الانسان قد يدعو لنيل سعادة دنيوية، فيستجيب الله له لسعادة اخروية

فلا يقال: ان دعاءه لم يستجب، بل قد استجيب بما هو انفع له... وهكذا.

فنحن اذن ندعوه سبحانه ونسأل منه وحده، وهو يستجيب لنا، الا أنه يتعامل معنا على وفق حكمته لانه حكيم عليم..

فينبغي للمريض الاّ يتهم حكمة الطبيب الذي يعالجه، اذ ربما يطلب منه ان يداويه بالعسل،

فلا يعطيه الطبيب ــ لعلمه انه مصاب بالحمى ـ الا دواء مراً علقماً!.

فلا يحق للمريض ان يقول: ان الطبيب لا يستجيب لدعائي، بل قد استمع لاناته وصراخه، واجابه فعلاً، وبأفضل منه.(*)

___________________

(*) كليات رسائل النور- المكتوب الرابع والعشرون - ص:389


54-) الانتساب الى الواجب الوجود

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

الانتساب الى الواجب الوجود يجعل الأشياء كلها موجود لكل شئ

ان الله موجود، فكل شئ موجود اذاً، وحيث أن هناك انتساباً للواجب الوجود، فكل الاشياء اذاً موجودة لكل شئ لأن كل موجود بانتسابه الى واجب الوجود يرتبط بجميع الموجودات، بسر الوحدة بمعنى ان كل موجود يعرف انتسابه الى واجب

الوجود او يُعرف انتسابه اليه تعالى، فهو ذو علاقة مع جميع الموجودات المنتسبة الى واجب الوجود، وذلك بسر الوحدة. اي ان كل شئ من نقطة الانتساب ينال انوار وجودٍ غير محدودة بحدود، فلا فراق ولازوال اذاً في تلك النقطة.. لذا يكون العيش في آن سيال واحد مبعث انوار وجود غير محدود. بينما ان لم يكن ذلك الانتساب، ولم يُعرف، فان كل شئ ينال مالايحد من انواع الفراق وصنوف الزوال وانماط العدم، لان الشئ في تلك الحالة له فراق وافتراق وزوال تجاه كل موجود يمكن أن يرتبط به. اي تحمل على وجوده الشخصي انواعاً لاتحد من العدم وصنوفاً لاتحصى من الفراق، فلو ظل في الوجود مليوناً من السنين دون انتساب لما عَدلَ قطعاً آناً من العيش مع الانتساب الذي كان فيه.

ولهذا قال اهل الحقيقة:ان آناً سيالاً من وجود منور يفضل على مليون سنة من وجود أبتر. اي ان آناً من وجود منتسب الى الواجب الوجود مرجّح على مليون سنة من وجود لاانتساب فيه. ولأجل هذا قال اهل التحقيق: ان انوار الوجود هي معرفة واجب الوجود. اي ان الكائنات في تلك الحالة وهي تنعم بانوار الوجود، تكون مملوءة بالملائكة والروحانيات وذوي الشعور. وبخلاف ذلك، اي ان لم تكن هناك معرفة واجب الوجود، فان ظلمات العدم وآلام الفراق واوجاع الزوال تحيط بكل موجود، فالدنيا تكون موحشة خاوية في نظر ذلك الشخص.

نعم، كما ان لكل ثمرة من ثمار شجرة، علاقة مع كل الثمرات التي على تلك الشجرة وتكوّن نوعاً من رابطة الاخوة والصداقة والعلاقات المتينة فيما بينها.. فلها اذن وجودات عرضية بعدد تلك الثمرات.

ولكن متى ما قطفت تلك الثمرة من الشجرة، فان فراقاً وزوالاً يحصلان تجاه كل ثمرة من الثمرات. وتصبح الثمرات بالنسبة للمقطوفة في حكم المعدوم، فيعمها الظلام، ظلام عدم خارجي.

وكذلك فان كل شئ له الاشياء كلها، من نقطة الانتساب الى قدرة الأحد الصمد. وان لم يكن هناك انتساب فان انواعاً من العدم الخارجي بعدد الاشياء كلها تصيب كل شئ.

فانظر من خلال هذا الرمز الى عظمة انوار الايمان، وشاهد الظلمة المخيفة المحيطة بالوجود في الضلال.

فالايمان اذاً هو عنوان الحقيقة السامية التي بينت في هذا الرمز، ولايمكن الاستفادة من تلك الحقيقة الاّ بالايمان، اذ كما ان كل شئ معدوم للاعمى والاصم والابكم والمجنون، كذلك كل شئ معدوم مظلم بانعدام الايمان.(*)

_______________

(*) كليات رسائل النور- المكتوب الرابع والعشرون - ص:373

 


55-) انتعاش الاضـطرابات بموت الزكاة وحياة الربا

 

باسمه سبحانه  

قال رب العزة جل جلاله :{ يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار اثيم } (1)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم[الراحمون يرحمهم الله ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء.] (2)

 

ايها المستخلف المبارك  

يشير بديع الزمان النورسي في اللوامع من كتابه الكلمات الى اثار الفساد بانتشار الربا وترك الزكاة فيقول:      

((اعلم ان انتعاش الاضـطرابات بموت الزكاة وحياة الربا، فمعدن جميع انواع الاضطرابات والقلاقل والفساد واصلها، وان محرك جميع انواع السيئات والاخلاق الدنيئة ومنبعها كلمتان اثنتان أو جملتان فقط:

الكلمة الاولى: اذا شبعتُ انا فمالي إن مات غيري من الجوع.

الكلمة الثانية: تحمّل انتَ المشاق لأجل راحتي، اعمل انت لآكل أنا. لك المشقة وعليّ الاكل.

والداء الشافي الذي يستأصل شأفة السم القاتل في الكلمة الاولى هو: الزكاة، التي هي ركن من اركان الاسلام.

والذي يجتث عرق شجرة الزقوم المندرجة في الكلمة الثانية هو: تحريم الربا.

فان كانت البشرية تريد صلاحاً وحياة كريمة فعليها ان تفرض الزكاة وترفع الربا.))(*)

 

اللهم صلِّ أفضل صلاتك على أعبد مخلوقاتك سيدنا محمد

وعلى آله وسلم عدد معلوماتك ومداد كلماتك

كلما ذكرك الذاكرون

او غفل عن ذكرك

الغافلون

 

 

___________________________

(1)البقرة: (276 )

(2)المستدرك للحاكم 4\159

(*) الكلمات - اللوامع - ص: (851)


56-) تحضيرالارواح

باسمه سبحانه

﴿فارسلنا اليها روحَنا فتمثلَ لها بشراً سَويّاً﴾ (مريم:17)

ايها المستخلف المبارك

هذه الآية وامثالها التي تشير الى تمثل الارواح، وكذا الآيات المشيرة الى جلب سيدنا سليمان - عليه السلام - للعفاريت وتسخيرهم له .

هذه الآيات الكريمة مع اشارتها الى تمثل الروحانيات فهي تشير الى تحضير الأرواح ايضاً. غير ان تحضير الارواح الطيبة - المشار اليه في الآيات - ليس هو بالشكل الذي يقوم به المعاصرون من إحضار الارواح الى مواضع لهوهم واماكن ملاعبهم والذي هو هزل رخيص واستخفاف لا يليق بتلك الارواح الموقرة الجادة، التي تعمر عالماً كله جدّ لا هزل فيه، بل يمكن تحضيرالارواح بمثل ما قام به اولياء صالحون لأمر جاد ولقصد نبيل هادف - من امثال محي الدين بن عربي - الذين كانوا يقابلون تلك الارواح الطيبة متى شاؤا، فاصبحوا هم منجذبين اليها ومنجلبين لها ومرتبطين معها ومن ثم الذهاب الى مواضعها والتقرب الى عالمها والاستفادة من روحانياتها، فهذا هو الذي تشير اليه الآيات الكريمة وتُشعر في اشارتها حضاً وتشويقاً للانسان وتخطّ اقصى الحدود النهائية لمثل هذه العلوم والمهارات الخفية، وتعرض أجمل صوره وأفضلها.(*)

______________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :285

 


57-) الأشياء لا تمضي إلي العدم

 

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك 

ان الاشياء لاتمضي الى العدم، ولاتصير الى الفناء، بل تمضي من دائرة القدرة الى دائرة العلم، وتدخل من عالم الشهادة الى عالم الغيب، وتتوجه من عالم التغير والفناء الى عالم النور والبقاء، وان الجمال والكمال في الاشياء يعودان الى الاسماء الإلهية والى نقوشها وجلواتها من زاوية نظر الحقيقة.

وحيث ان تلك الاسماء باقية وتجلياتها دائمة، فلاشك أن نقوشها تتجدد وتتجمل وتتبدل، فلا تذهب الى العدم والفناء، بل تتبدل تعيناتها الاعتبارية. اما حقائقها وماهياتها وهوياتها المثالية التي هي مدار الحسن والجمال ومظهر الفيض والكمال فهي باقية فالحسن والجمال في الاشياء التي لاتملك روحاً يعودان الى الاسماء الإلهية مباشرة فالشرف لها والمدح والثناء لها. إذ الحسن حسنها والمحبة توجه اليها. ولايورث تبدل تلك المرايا ضرراً للاسماء.

وان كانت الاشياء من ذوي الارواح ولكن لم تكن من ذوي العقول، فان فراقها وزوالها ليس فناءً ولاعدماً بل ينجو الشئ الحي من وجود جسماني ومن اضطرابات وظائف الحياة، مودعاً ثمرات وظائفه التي كسبها الى روحه الباقية. فارواح هذه الاشياء تستند ايضاً الى اسماء الهية حسنى. فتدوم وتستمر، وتمضي الى سعادة ملائمة لها.

اما ان كان اولئك الاحياء من ذوي العقول، فانهم اصلاً يمضون الى سعادة ابدية والى عالم البقاء المؤسس على كمالات مادية ومعنوية.

لذا فان فراقهم وزوالهم ليس موتاً وعدماً ولازوالاً وفراقاً حقاً، بل هو وصال مع الكمالات وهو سياحة ممتعة الى عوالم نورانية للصانع الحكيم، عوالم اجمل من الدنيا وازهى منها كعالم البرزخ وعالم المثال وعالم الارواح والى ممالكه الاخرى من منازله سبحانه وتعالى.

حاصل الكلام: ان الله موجود وباق، وان صفاته سرمدية واسماءه دائمة، اذاً لابد أن تجليات تلك الاسماء ونقوشها تتجدد في بقاء معنوي فليس تخريباً ولافناءً ولا اعداماً وزوالاً. اذ من المعلوم ان الانسان ذو علاقة ـ من حيث الانسانية ـ مع اكثر الموجودات، فيتلذذ بسعادتها ويتألم بمصائبها، ولاسيما مع ذوي الحياة، وبخاصة مع الانسان وبالاخص مع من يحبهم ويعجب بهم ويحترمهم من اهل الكمال، فهو اشد تألماً بآلامهم واكثر سعادة بسعادتهم حتى يضحي بسعادته في سبيل اسعادهم كتضحية الوالدة الشفيقة بسعادتها وراحتها من اجل ولدها.

فكل مؤمن يستطيع ان يكون بنور القرآن والايمان سعيداً بسعادة جميع الموجودات وبقائها ونجاتها من العدم وصيرورتها مكاتيب ربانية ويغنم نوراً عظيماً بعظم الدنيا. فكلٌ يستفيد من هذا النور حسب درجته.

اما ان كان من اهل الضلال، فانه يتألم علاوة على آلامه بهلاك الموجودات وبفنائها وباعدامها الظاهري وبآلام ذوي الارواح منها. اي أن كفره يملأ دنياه بالعدم ويفرغها على رأسه، فيمضي الى جهنم (معنوية) قبل أن يساق الى جهنم (في الآخرة).(*)

 

______________

(*) المكتوب الرابع والعشرون - ص:371

 


58-) اهمية اتباع السنة عند استيلاء البدع خاصة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَقدْ جَاءَكُم رَسُولٌ من انفُسِكُم عَزيزٌ عَليهِ ماعَنِتم حَريصٌ عليكُم

بالمؤمنينَ رؤوفٌ رَحيم) (التوبة:128)

(فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي الله لا اله الاّ هو عَليهِ تَوكّلْتُ

وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ) (التوبة: 129)

(قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحْببكُم الله) (آل عمران: 31).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

(من تمسك بسنتي عند فساد امتي فله اجر مائة شهيد )[1].

 

اجل!ان اتباع السنة المطهرة لهو حتما ذو قيمة عالية، ولاسيما اتباعها عند استيلاء

البدع وغلبتها، فان له قيمة أعلى وأسمى، وبالاخص عند فساد الامة، اذ تُشعر مراعاة ابسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وايمان قوي راسخ؛ ذلك لأن الاتباع المباشر للسنة المطهرة يذكّر بالرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب الى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية - كآداب الاكل والشرب والنوم وغيرها - الى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها؛ لأن الانسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر انه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه الى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة.

وهكذا، في ضوء ما تقدم فان من يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حول عاداته الى عبادات، ويمكنه ان يجعل عمره كله مثمرا، ومثابا عليه.(*)

_________________________

[1] رواه ابن عدي في الكامل وابن بشران في الامالى 2/193 و 141 وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب للبيهقي. والثابت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:"ان من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم" اخرجه الطبراني في الكبير10394 والبزار 1/378 وقال الهيثمي في المجمع (7/282): ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلى وثقه ابن حبان. ا هـ. وفي الصحيحة(494) قال عن اسناد الطبراني: وهذا اسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الحادية عشرة - ص: 80


59-) استغل قابليات الطيور

باسمه سبحانه

﴿والطيرَ محشورةً﴾ (ص:19).

﴿وعُلّمنا منطقَ الطير﴾ (النمل:16)

ايها المستخلف المبارك

هذه الآيات تبين ان الله سبحانه قد علّم سيدنا داود وسليمان عليهما السلام منطق انواع الطيور، ولغة قابلياتها واستعداداتها، أي: أيّ الاعمال تناسبها؟ وكيف يمكن الاستفادة منها؟

نعم! هذه الحقيقة هي الحقيقة الجليلة، إذ ما دام سطح الارض مائدة رحمانية اقيمت تكريماً للانسان، فيمكن اذاً ان تكون معظم الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرة للانسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته. فالانسان الذي استخدم النحل ودودة القز - تلكم الخَدَمة الصغار - وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمام الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثاله من الطيور، فضمَّ الى الحضارة الانسانية محاسن جديدة، هذا الانسان يمكنه ان يستفيد اذاً كثيراً اذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الاخرى، حيث هي انواع وطوائف كثيرة جداً، كما استفاد من الحيوانات الأليفة.

فمثلاً: اذا عَلِم الانسان لسان استعداد العصافير (من نوع الزرازير) التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، واذا ما نسّق اعمالها فانه يمكن ان يسخّرها لمكافحة آفة الجراد. فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجاناً في امور مهمة.

فمثل هذه الانواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الاقصى والغاية القصوى.

فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة:

يا بني الانسان! لقد سخرتُ لعبد من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في ملكي وانطقتها له، وجعلتها خداماً امناء وجنوداً مطيعين له، كي تعصم نبوته، وتصان عدالته في ملكه ودولته. وقد أتيتُ كلاً منكم استعداداً ومواهب ليصبح خليفة الارض، واودعتُ فيكم أمانة عظمى، أبتِ السموات والارض والجبال ان يحملنها، فعليكم اذاً ان تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليد هذه المخلوقات وزمامها، لتنقاد اليكم مخلوقاته المبثوثة في ملكه. فالطريق ممهد أمامكم ان استطعتم ان تقبضوا زمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، واذا سموتم الى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم..

فما دامت الحقيقة هكذا فاسعَ ايها الانسان ان لا تنشغل بلهو لا معنى له، وبلعب لا طائل من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمام والببغاء.. بل اسعَ في طلب لهوٍ من ألطف اللهو وازكاه، وتسلَّ بتسلية هي من ألذ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود عليه السلام، وشنّف سمعك بنغمات ذكر وتسبيح الاشجار والنباتات التي تخرج أصواتاً رقيقة عذبة بمجرد مس النسيم لها وكأنها اوتار آلات صوتية.. فبهذا الذكر العلوي تُظهر الجبال لك الوفاً من الألسنة الذاكرة المسبحة، وتبرز أمامك في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتلبس - كأنها هدهد سليمان - لباسَ الصديق الحميم والانيس الودود، فتصبح خداماً مطيعين لك. فتسليك أيما تسلية، وتلهيك لهواً بريئاً لا شائبة فيه، فضلاً عن ان هذا الذكر السامي يسوقك الى انبساط قابليات ومواهب كانت مغمورة في ماهيتك، فتحول بينك وبين السقوط من ماهية الانسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بعدُ اضراب اللهو التي لا مغزى لها الى حضيض الهاوية.(*)

_____________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :287


60-) حكمة الاقتصاص من الابرياء

 

اعلم!ان المصائب التي تصيب المعصوم من الحيوان والانسان، يجوز ان يكون لها اسبابٌ تدقّ عن فهم البشر؛ مثلاً: ان الشريعة الفطرية التي هي دساتير المشيئة، لاتنظر الى العقل حتى يَسقط التكليفُ بها عند عدم العقل، بل تنظرُ الى القلب والحس، بل والاستعداد ايضاً، فتجازي على أفاعيلها.. وقد نشاهد الحيوان كاملاً في حس النفس، والصبي بالغاً في حس القلب، بل حس طفلك، اكمل من عقلك واشد تيقظاً؛ اذ تظلِمُ يتيماً بالضرب ولايمنعك عقلُك، وصبيُك الناظر اليك يُبكيه حسُّ شفقته.. لو كان هو لانزجر.

فاذ كان هذا هكذا؛ فالصبي الذي يمزّق للتهوس والتلهي نحلةً مسكينة، ولم يسمع نهي حسّ شفقته الحساسة، فاصيب بأن انكسر رأسه.. استحقَّ.

مثل:ان النمرة تحس في نفسها على شبلها شفقةً شديدة ومع رفيقها حس حماية، فلا يمنعها هذان الحسّان من تمزيق الظبية المسكينة.. فمزّقتها، ثم اصيبت هي ببندقة(1) الصياد مثلا، أفلا تكون مستحقة؟ اذ رزقها الحلال امواتُ الحيوانات لااحياؤها! على ان هذا مبنيّ على توهم مالكية الحيوانات لأنفسها، والحق ان هذا باطل كما مرّ سابقاً. وان المالك الحقيقي هو مالك الملك ذو الجلال والاكرام يتصرف في ملكه كيف يشآء، وهو الفاعل المختار الفعال لما يريدُ (لايُسئَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسئَلون) (الانبياء : 23)(*).

 

__________________________

(1) البندق : كل ما يرمي به رصاص كروي وغيره ، ومنه البندقية المعروفة .

 (*) المثنوي العربي النوري - ص: (163)


61-) سخر لما يفيد

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

 

﴿وآخرين مقرّنين في الأصفاد﴾ (ص:38).

﴿ومنِ الشياطين مَن يغُوصونَ لهُ ويعملونَ عملاً دونَ ذلكَ وكنّا لهُم حافظين﴾ (الانبياء:82).

هذه الآيات الكريمة تفيد تسخير سيدنا سليمان عليه السلام الجن والشياطين والارواح الخبيثة، ومنعه شرورهم واستخدامهم في أمور نافعة.

فالآيات تقول:

ان الجن الذين يلون الانسان في الأّهمية في سكنى الأرض من ذوي الشعور، يمكن ان يصبحوا خداماً للانسان، ويمكن ايجاد علاقة ولقاء معهم، بل يمكن للشياطين ان يضعوا عداءَهم مع الانسان ويخدموه مضطرين كما سخّرهم الله سبحانه وتعالى لعبدٍ من عباده المنقادين لأوامره.

بمعنى ان الله سبحانه يخاطب الانسان بالمعنى الرمزي لهذه الآيات: (أيها الانسان! اني اسخّر الجن والشياطين واشرارهم لعبدٍ قد أطاعني واجعلهم منقادين اليه مسخرين له، فانت ان سخّرت نفسك لأمري واطعتني، قد تُسخّر لك موجودات كثيرة بل حتى الجن والشياطين) .

فالآية الكريمة تخط أقصى الحدود النهائية، وتعيّن أفضل السبل القويمة للانتفاع، بل تفتح السبيل أيضاً الى تحضير الارواح ومحادثة الجن الذي ترشح من امتزاج فنون الانسان وعلومه، وتظاهر مما تنطوي عليه من قوى ومشاعر فوق العادة، المادية منها والمعنوية. ولكن ليس كما عليه الامر في الوقت الحاضر حيث أصبح المشتغلون بهذه الأمور موضع استهزاء بل ألعوبة بيد الجن الذين ينتحلون أحياناً اسماء الأموات. وغدوا مسخّرين للشياطين والارواح الخبيثة، وانما يكون ذلك بتسخير أولئك باسرار القرآن الكريم مع النجاة من شرورهم.(*)

_______________

 (*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :284

 


62-) ارتفاع الاسباب يوم الدين

 

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك  

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} اي يوم الحشر والجزاء.

إن قلت: ان الله تعالى مالكٌ لكل شئ دائما فما وجه الاختصاص في مالك يوم الدين؟

 قلت : للاشارة الى ان الاسباب الظاهرية التي وضَعَها الله تعالى في عالم الكون والفساد لإظهار عظمته - أي لئلا يُرى في ظاهر نظر العقل مباشرةُ يد القدرة بالامور الخسيسة في جهة مُلْك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلّى ملكوتيةُ كل شئ صافيةً شفّافةً، بحيث يَرى ويَعرف كلُ شئ سيِّدَه وصانِعَه بلا واسطة.

وفي التعبير بلفظ " اليوم " إشارة الى امارة حدسية من امارات الحشر بناء على التناسب البيّن بين اليوم والسنة، وعمر البشر ودوران الدنيا. كالكائن بين اَمْيال الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات والايام.

فكما ان مَن يرى ميلاً أتمَّ دَوْرَه يحدس في نفسه ان من شأن الآخر أيضاً ان يتم دوره وإن كان بمهلة؛ كذلك ان من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة يتحدس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصُه كنوعٍ. (*)


___________________

(*) كليات رسائل النور - إشارات الإعجاز- ص: 29


63-) أعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية

باسمه سبحانه

{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } (الانعام: 164)

أيها المستخلف المبارك   

تمثل هذه الآية الكريمة اعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية.

اما الآية الكريمة : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (الاحزاب:72) فتبين استعداد الانسان الى الظلم الرهيب المغروز في فطرته.

والسر في ذلك هو:

ان القوى والميول المودعة في الانسان لم تحدد، خلافاً للحيوان؛ لذا فان الميل للظلم وحبّ الذات يتماديان كثيراً وبشكل مخيف.

نعم، ان حب الانسان لنفسه، وتحري مصلحته وحده، وحبه لذاته وحده، من الاشكال الخبيثة لـ " انا والانانية "، واذا ما اقترن العناد والغرور بذلك الميل تولدت فظائع بشعة بحيث لم يعثر لها البشر على اسم بعد. وكما ان هذا دليل على وجوب وجود جهنم كذلك لا جزاء له الاّ النار.

ولنتناول هذا الدستور في:

نطاق الشخص:

يحوز الشخص اوصافاً كثيرة. ان كانت صفة منها تستحق العداء، فيقتضي حصر العداء في تلك الصفة وحدها، حسب القانون الالهي الوارد في الآية الكريمة. بل على الانسان ان يشفق على ذلك الشخص المالك لصفات بريئة كثيرة اخرى ولا يعتدي عليه. بينما الظالم الجهول يعتدي على ذلك الشخص لصفة جانية فيه، لما في طبيعته من ظلم مغروز ، بل تسري عداوته لاوصاف بريئة فيه، حيث يخاصم الشخص نفسه، وربما لا يكتفي بالشخص وحده فيشمل ظلمه اقارب الشخص بل كلّ من في مسلكه. علماً ان تلك الصفة الجانية قد لا تكون نابعة من فساد القلب، وربما هي نتيجة اسباب اخرى، حيث ان اسباباً كثيرة تولد الشئ الواحد.فلا تكون الصفة جانية، بل حتى لو كانت تلك الصفة كافرة ايضاً لا يكون الشخص جانياً.

وفي نطاق الجماعة:

نشاهد ان شخصاً حريصاً ، قد طرح فكراً ينطوى على رغبة فقال بدافع الانتقام او بدافع اعتراض جارح: سيتبعثر الاسلام ويتشتت، او ستمحى الخلافة. فيتمنى ان يهان المسلمون - العياذ بالله - وتخنق الاخوة الاسلامية، لكي يظهر صدق كلامه ويُشبع غروره وانانيته فحسب، بل يحاول ايضاح ظلم الخصم الجاحد في صورة عدالة، باختلاق تأويلات وحذلقات لا تخطر على بال.

وفي نطاق المدنية الحاضرة:

نشاهد ان هذه المدنية المشؤومة قد اعطت البشرية دستوراً ظالماً غداراً، بحيث يزيل جميع حســناتها، ويبين السر في قلق الملائكة الكرام لدى استفسارهم { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } (البقرة:30) اذ لو وجد خائن واحد في قصبة، فانها تقضي بتدميرها وبمن فيها من الابرياء، ولو وجد عاصٍ واحد في جماعة فهي تقضي بالقضاء على تلك الجماعة مع افرادها وعوائلها واطفالها. ولو تحصّن من لايخضع لقانونها في جامع ايا صوفيا فانها تقضي بتخريب ذلك البناء المقدس الذي هو اثمن من مليارات الذهب. وهكذا تحكم هذه المدنية بوحشية رهيبة.  فلئن كان المرء لا يؤاخذ حتى بجريرة اخيه، فكيف تدان ألوف الابرياء في قصبة او في جماعة لوجود مخرب واحد فيها. علماً انه لا تخلو مدينة او جماعة منهم.(*)

_________________

(*) كليات رسائل النور- صيقل الإسلام/السانحات - ص: 345