أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت، ليلة القدر، مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما املك، وأودعكم امانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.
ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمون (من آمَنَ بالقَدرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ) كافٍ ويغني، الاّ أنني اقول:
لقد شاهدت شهود يقين السلوان الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾(الطور:48) وذلك:
بينما كنت أتأمل في قضائنا شهر رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق، تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فاشهدها شهود عيان انها محض العناية الإلهية لي، ولرسائل النور، ولكم، ولشهر رمضاننا ولإخوتنا.
وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة اذكر بضع فوائد منها فقط:
أولاها:انها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلباً على المرض.
ثانيتها:ان الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم وقريباً منكم في هذه السنة ايضاً، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها ازاء لقاء واحد منكم والمجئ إلى (اسپارطة).
ثالثتها:ان جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في (قسطموني) أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهد ان يد عناية ربانية وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بـ: (الخير فيما اختاره الله) وتستقرئ رسائل النور -التي أفكر فيها دوماً- حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.
انه ازاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيراً، فضلاً عن آلامي، و وقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الاثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.
ثم ان الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا ان الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست الاّ متجراً موقتاً، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا ان المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة، قد بدّلت - هذه الفوائد - التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال.
فأمثال هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص اخوتنا، وتخص رسائل النور، وشهرنا المبارك، شهر رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتكم تلك الفوائد على القول: (يارب لك الحمد والشكر، حقاً ان هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا). وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.
لا تعاتبوا - يا اخوتي- الذين اصبحوا السبب في وقوع الحادثة. ان هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، الاّ انها جاءت مخففة معنى وستزول بسرعة بإذن الله فلا تتألموا بل استرشدوا بالآية الكريمة:
كنت أرفض قبول أموال الناس وهداياهم منذ نعومة أظفاري. فما كنت أتنازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم انني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهداً ولا صوفياً ولا صاحب رياضة روحية، فضلاً عن انني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة.
فازاء هذه الحالة كنت أحار من امري كما كان يحار من يعرفني من الأصدقاء. ولقد فهمت حكمتها قبل بضع سنين، أنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دون مجئ اعتراض على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أنعم عليّ الباري عز وجل تلك الحالة الروحية.. والاّ كان أعدائي الرهيبون ينزلون بي ضربتهم القاضية من تلك الناحية.(1)
ويا اخوتي، تعلمون انني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكون وسيلة لأمثالها من المساعدات، لذا ابيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية، لأبتاع بثمنها -من اخوتي- كتبي التي استنسخوها وذلك لأحول دون دخول منافع دنيوية في اخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر. وليعتبر من ذلك الاخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شئ كان.(2)
ان السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر(3). الموثوق حسب مذهبنا (الشافعي): يحرم قبول ما يوهب لك بنية الصلاح، ان لم تكن صالحاً.(4)
نعم ان انسان هذا العصر يبيع هديته البخسة بثمن باهظ، لحرصه وطمعه، فيتصور شخصاً مذنباً عاجزاً مثلي ولياً صالحاً، ثم يعطيني رغيفاً هديةً. فاذا اعتقدت انني صالح -حاش لله- فهذا علامة الغرور، ودليل على عدم الصلاح. وان لم اعتقد بصلاحي، فقبول ذلك المال غير جائز لي.
وايضاً ان أخذ الصدقة والهدية مقابل الاعمال المتوجهة للاخرة يعني قطف ثمرات خالدة للآخرة، بصورة فانية في الدنيا.(5)
هذا وان اسباباً كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، اذكر اهمها وهو: الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلاب النور، علاوة على انني لست محتاجاً حاجة ماسة، وذلك بفضل الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا استطيع ان امدّ يدي إلى اموال الدنيا، فذلك خارج طوقي وارادتي.
وسأبين سبباً دقيقاً واحداً من بين الأسباب الكثيرة:
اتى صديق حميم تاجر، بمقدار من (الشاي) يبلغ ثمنه ثلاثين قرشاً، فلم اقبله.
فقال: لا تردّني خائباً يا استاذي، لقد جلبته لك من استانبول! فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه.
فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا استاذي، ما الحكمة فيه؟
قلت: لئلا اُنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه -وهو بقيمة الألماس- إلى قيمة قطع زجاجية تافهة. فانني ادع نفعي الخاص لاجل نفعك انت!
نعم! ان درس الحقيقة الذي تأخذه من استاذ لا يتنازل إلى حطام الدنيا ولا تزل قدمه إلى الطمع والذل، ولا يطلب عوضاً عن ادائه الحق والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس.
بينما الدرس الذي يُتلقى من استاذ اضطر إلى اخذ الصدقات، وإلى التصنع للاغنياء وإلى التضيحة حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب انظار الناس إليه، فمال إلى الرياء امام الذين يتصدّقون عليه. وبهذا جوّز اخذ ثمرات الآخرة في الدنيا. اقول: ان هذا الدرس نفسه يهون في هذه الحالة إلى مستوى قطع زجاجية.(6)(*)
_______________
(1) الملاحق - اميرداغ 1 / 256
(2) الملاحق - اميرداغ 1 / 318
(3) احمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (909 - 974 هـ ) شيخ الإسلام ابو العباس: فقيه باحث مصري له تصانيف كثيرة منها "الفتاوى الهيتمية" و "شرح الأربعين النووية" و "تحفة المحتاج لشرح المنهاج" في فقه الشافعية. و"شرح مشكاة المصابيح للتبريزي". عن الاعلام للزركلي .1/231
(4) "ومَنْ أُعطي لوصفٍ يُظنُّ به كفقرٍ أو صلاح أو نسبٍ بأن توفرّت القرائن انه إنما اُعطي بهذا القصد أو صرّح له المُعطي بذلك وهو باطناً بخلافه، حَرُم عليه الأخذ مطلقاً ومثله ما لو كان به وصفٌ باطناً لو أطّلع عليه المُعطي، لم يُعْطِهِ. ويجري ذلك في الهدية أيضاً على الأوجه. مثلها سائر عقود التبرّع فيما يظهر كهِبَةٍ ووصيةٍ ووقفٍ ونذر" (تحفة المحتاج لشرح المنهاج 7/ 178) لابن حجر الهيتمي الشافعي.
(5) المكتوبات / 17
(6) الملاحق- بارلا/ 57
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:491
3-)
الانبساط والانقباض
الانبساط والانقباض
حالات متميزة
الانبساط والانقباض:
من اول صباوتي إلى الآن، تتفاوت حالي كأني اكون في حين على رأس المنارة، وفي وقت في قعر البئر.. وكم من حقائق هي احبّتي ويعرفنني، تصير اجنبية انكرها في آن.. ثم في حين آخر تجئ الحقيقة الدقيقة التي ما سمعت بإسمها إلى يديّ بلا دعوة. وكم اكون اجهل من (باقل)(1)قد اظن نفسي في السياسة كـ(سَحبان).(2)
نعم! ماحيلتي.. هكذا ترد السانحات إلى القلب.. فبينما اجدني كأنني اتكلم فوق منارة عالية، اذا بي -في احيان أخرى- أنادي من قعر بئر عميق.(3)(*)
_______________
(1) باقل الأيادي جاهلي يضرب به المثل في العيّ والبلاهة.
(2) مقدمة "رجتة العوام" - الصيقل الإسلامي- النص العربي/118- ط. انقرة. وسحبان بن وائل: رجل إشتهر بفصاحته وبلاغته، حتى ضرب به المثل فقيل: أفصح من سَحبان.
(3) المثنوي العربي النوري / 420
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:461
4-)
مساندة جمعية الإتحاد المحمدي
مساندة جمعية الإتحاد المحمدي:
طرق سمعي ان جمعية باسم (الإتحاد المحمدي) قد تأسست(1)، فتوجست خيفة شديدة من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الإسم المبارك.
ثم سمعت اشخاصاً مرموقين -من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق- قد حوّلوا هذا الاسم إلى شئ بسيط ويسير إذ حصروه في العبادة واتباع سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية. فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة. فخشـيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حقّ المسلمين كافة، فلا يقبل تخصصاً ولا تحديداً. فكما أني منتسـب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة-حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة- كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.
ولكن الإتحاد المحمدي الذي اعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. فالذين ينضوون تحت رايته يتجاوز عددهم عن ثلاثمائة مليون في هذا العصر، وان جهة الوحدة والارتباط في هذا الإتحاد هو توحيد الله. قَسَمه وعهده هو الإيمان. والمنتسبون إليه جميع المؤمنين منذ الخليقة. وسجل أسماء أعضائه هو اللوح المحفوظ. وناشر أفكاره: جميع الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة الله. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية. ومركزه: الحرمان الشريفان.ِ
فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . ومسلكها ومنهجها: مجاهدة كل شخص نفسه أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين وإسداء النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر.
والنظام الداخلي لهذا الإتحاد: السنة النبوية.
وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها.
وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث أن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط و الإجبار. وان تحرّي الحقيقة لا يكون الاّ بالمحبة، بينما الخصومة تكون ازاء الوحشية والتعصب.
أما أهدافهم ومقاصدهم فهي إعلاء كلمة الله .
هذا وان نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.
والآن فان مقصدنا هو سوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان. وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الإتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهار اسمه والاّ فلست من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.(2)
وفي الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
وقالوا كذلك: هل انضممت إلى (الإتحاد المحمدي)؟
قلت: نعم بكل فخر واعتزاز! أنا من اصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي اعرّفه. أروني احداً خارج ذلك الإتحاد من غير الملحدين. وهكذا فأنا انشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وانجي أهل الشريعة من اليأس، واخلّص أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التأريخ، وانتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.(3)
نعم إنني دعوت ظاهراً إلى هذا الإتحاد المحمدي من اجل مقصدين عظيمين:
المقصد الأول: إنقاذ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا ترد الشبهات والأوهام.
المقصد الثاني: ليكون سداً أمام افتراق الفرق والأحزاب الذي كان سبباً في هذه المصيبة الفائتة العظيمة، وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا اسفي لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني ايضاً.
ثم كنت أقول: لو نشب حريق فسأحاول إطفاء جزء منه في الأقل، ولكن احترقت حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ - برضى مني - الشهرة
الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها.(4) (*)
___________________
(1) تأسست في 5 نيسان 1909م وأعلن عنها في إجتماع حاشد في جامع اياصوفيا وألقى الأستاذ النورسي هناك خطبة رائعة.
(2) صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 445
(3) صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 440
(4) صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 447
(*) السيرة الذاتية ص95
5-)
أحداث مهمة في حياة بديع الزمان سعيد النورسي
النورسي
بديع الزمان
أحداث مهمةفي حياة بديع الزمان سعيد النورسي حسب التسلسل التأريخي
1876 م/ 1294هـ
- ولادته وأيام طفولته.
1885م/ 1303هـ
- خطواته الأولى نحو العلم.
- تلقي العلم في قرية تاغ.
1888م/ 1306هـ
- تتلمذه على الشيخ السيد نور محمد.
1891م/ 1308هـ
- رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام في حضن والديه.
- الدراسة الحقة لدى الشيخ الجلالي فيبايزيد.
1892م/ 1309هـ
- إمتحانه العلمي لدى الملا فتح الله.
- مناظرة العلماء في سعرد.
- منحه لقب بديع الزمان.
1893م/ 1310هـ
- مكوثه في شيروان.
1894م/ 1311هـ
- إنزواؤه في تيللو.
- تحديه ظلم مصطفى باشا.
- مناظرة العلماء في الجزيرة.
- الذهاب إلى ماردين واهتمامه بالسياسة.
1895م/1312هـ
- نفيه من ماردين إلى بتليس.
1897م/ 1314هـ
- ذهابه إلى وان بدعوة من الوالي.
- إطلاعه على العلوم الحديثة في مضيف الوالي وحفظه لمتون تسعين كتابا.
- إطلاعه على تصريح وزير المستعمرات البريطاني.
- سقوطه من قلعة وان.
1907م/ 1325هـ
- مجيؤه إلى استانبول بغية إنشاء مدرسة الزهراء.
- إعلانه عن المناظرة مع العلماء في خان الشكرجي.
- أجوبة القائد الياباني.
- تقديمه طلبا للسلطان عبد الحميد حول إصلاح الأوضاع في المنطقة الشرقية وإنشاء مدرسة الزهراء.
- سوقه إلى مستشفى المجاذيب.
- محاورته الطبيب.
- محاورته مع وزير الأمن شفيق باشا.
1908م/ 1326هـ
- إعلان المشروطية الثانية قي 23 تموز.
- خطابه لشرح المفهوم الصحيح للحرية والمشروطية.
- إجتماعه مع عمانوئيل كراصو.
- لقاؤه الشيخ بخيت.
- ردّه لما كتب في الصحف.
- تهدئته المشاعر المتهيجة في مسرح الفرح.
- تهدئته الحمالين حول مقاطعة البضائع النمساوية.
1909م/ 1327هـ
- تهدئته طلاب الشريعة في ميدان بايزيد في 27شباط.
- تأسس جمعية الإتحاد المحمدي في 5 نيسان - تنبيه أرباب الصحافة.
- حادثة 31 مارت 1325 رومي في 13 نيسان 1909م.
- تهدئته الفوضى الناشئة من الأحداث وإرجاعه ثمانية أفواج عسكرية إلى الطاعة.
- سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث 31 مارت وبراءته منها.
1910م/ 1328هـ
- مغادرته استانبول إلى وان.
- محاورته مع البوليس الروسي في تفليس.
- تجواله بين العشائر وتأليف رسالة المناظرات.
1911م/ 1329هـ
- ذهابه إلى الشام شتاءاً.
- إلقاؤه خطبة في الجامع الأموي.
- عودته إلى استانبول عن طريق بيروت، ازمير.
- مرافقته السلطان رشاد في سياحته لروم ايلي 7-26 / 6 / 1911
- وضعه الحجر الأساس لمدرسة الزهراء في وان.
1914م/ 1331هـ
- سعيه دون قيام الشيخ سليم بالثورة .
- تصديه لعصابات الأرمن.
- تدريبه لطلابه الفدائيين مع الاستمرار في النشاط العلمي في خورخور.
- رؤيا صادقة لإعجاز القرآن.
1915م/ 1333هـ
- تشكيله فرقة المتطوعين
- في خضم الحرب مع الروس في جبهة القتال .
1916م/ 1334هـ
- تأليفه إشارات الإعجاز.
- سعيه لإنقاذ الاهلين.
- سقوطه أسيراً بيد الروس في 2 / 3 /1916
- سوقه إلى قوصتورما واستمراره بدروس الإيمان هناك.
- أول صحوة روحية في مسجد للتتار.
1918م/ 1336هـ
- هروبه من الأسر وعودته إلى استانبول في 17/ 6/ 1918
- تعيينه عضواً في دار الحكمة الإسلامية في 13 / 8 / 1918
1919م/ 1337هـ
- خطاب في رؤيا(أيلول)1919م
- بقاؤه مع عبدالرحمن في جاملجة .
1920م/ 1338هـ
- احتلال الإنكليز لإستانبول في 16/ مارت.
- نشره الخطوات الست بالتركية والعربية.
- إعتزاله في صاري ير باستانبول في أواسط 1920م
- تركه الدوام في دار الحكمة.
1921م/ 1339هـ
- جوابه للكنيسة الانكليكية.
- جوابه للفتوى الصادرة من المشيخة ضد حركة التحرير.
- إنزواؤه في تل يوشع وتحوله إلى سعيد الجديد بانكشاف روحاني وانقلاب قلبي وفكري.
1922م/ 1340هـ
- مجيؤه إلى آنقرة في19 / 11
- تأملاته على قلعتها.
- إستقباله من قبل مجلس النواب المبعوثان في22/ 11/ 1922
1923م 1341/هـ
- نشره البيان إلى النواب في 19/1/ 1923 نشره لرسالة حباب وذيلها
- مغادرته آنقرة في25/ نيسان - عودته إلى وان في 17/ 4
1924م/ 1342هـ
- قضاؤه سنتين في جبل أرك.
1925م/ 1343هـ
- تصديه للثورات.
- جوابه للشيخ سعيد پيرانالپالوي.
- نفيه من وان في 25 شباط إلى بوردور .
1926م/ 1344هـ
- نيسان - مايس / يؤتى به إلى استانبول.
- نشوب الحريق في المشيخة الإسلامية.
- أخذه إلى بوردور عن طريق ازمير انطاليا.
- تأليفه المدخل إلى النور في بوردور.
1927م/ 1345هـ
-1/مارت يوم الثلاثاء وصوله إلى بارلا قبل حلول شهر رمضان بثلاثة أيام
1929م/ 1347هـ
- التعدي الأول على مسجده.
1932م/ 1350هـ
- مداهمة مسجده في 18/تموز.
1934م/ 1352هـ
- أخذه من بارلا إلى إسپارطة (أواسط الصيف).
1935م/ 1353هـ
- أخذ طلاب النور من أماكنهم ووضعهم في التوقيف 25/نيسان.
- مجيء وزير الداخلية في 27/نيسان، وسوق الموقوفين إلى اسكي شهر.
- دفاع الأستاذ وقرار محكمة الجزاء الكبرى في 19/آب بالحكم عليه بسبب رسالة الحجاب.
1936م/ 1354هـ
- الإفراج عنه في 27/مارت ونفيه إلى قسطموني للإقامة الإجبارية.
1943م/ 1362هـ
- مداهمة بيته ثلاث مرات وتوقيفه في 20/ أيلول وإرساله إلى آنقرة.
1944م/ 1363هـ
- محكمة دنيزلي وتدقيق رسائل النور من قبل الخبراء.
- 15/حزيران إعلان براءة الأستاذ.
- بقاؤه في دنيزلي شهرين .
- إقامته اجبارياً في اميرداغ بأمر من آنقرة في أواخر آب.
- منعه الذهاب إلى المسجد في اميرداغ.
1948م/ 1367هـ
- 23/1 سوقه وطلابه إلى محكمة آفيون.
- 6/12 الحكم عليهم.
1949م/ 1368هـ
-20/أيلول إخلاء سبيلهم من سجن آفيون.
-20/11 إعادة الأستاذ إلى اميرداغ في 2/12
1950م/ 1369هـ
- إرساله برقية تهنئة إلى رئيس الجمهورية لمناسبة فوزهم في الانتخابات في14/5/1950
- 16/حزيران رفع الحظر عن الأذان الشرعي، وتهنئته الطلاب والعالم الإسلامي به.
1951م/ 1370هـ
-21 شباط رسالة إلى الفاتيكان مع إرسال بعض رسائل النور.
-20/11 ذهابه إلى اميرداغ والبقاء فيها اسبوعاً.
- 29/11 إلى اسكي شهر والإقامة في فندق يلدز لمدة شهر ونصف الشهر.
- 29/12 إلى إسپارطة.
1952م/ 1371 هـ
- 15/1 مجيؤه إلى استانبول لحضور محكمة حول مرشد الشباب والجلسات في 22/1، 19/2، 5/3
1953م/ 1372هـ
- عودته إلى اميرداغ أوائل نيسان.
- براءته من قضية مرشد الشباب.
- مجيؤه إلى استانبول لأجل الذهاب إلى صامسـون للمحكمة. والبقاء فيها ثلاثة أشهر تقريباً.
- مغادرته استانبول أواسط الصيف إلى اسكي شهر ومنها إلى اميرداغ ومنها إلى إسپارطة فبارلا.
- 2/12 من اميرداغ إلى آنقرة والعودة في اليوم التالي إلى اميرداغ.
- 3/12 إلى إسپارطة والعودة بعد 15 يوماً إلى اميرداغ.
- 19/12 إلى قونية والعودة منها إلى إسپارطة ثم إلى أميرداغ.
-20/12 مرة ثانية إلى قونية وتركها بعد صلاة الصبح إلى أميرداغ.
-31/12 من اميرداغ إلى آنقرة.
1960م/ 1379هـ
- 1/1 إلى استانبول.
- 3/1 عودته إلى آنقرة (الدرس الأخير).
- 5/1 مقابلة مراسل صحيفة تايمس اللندنية.
- 6/1 ذهابه إلى قونية ومن هناك إلى إسپارطة و (أميرداغ).
-11/1 عودته إلى آنقرة وتوصية الحكومة ببقائه (إجباريا) في أميرداغ.
-20/1 من اميرداغ إلى إسپارطة.
-20/3 بقاؤه في إسپارطة يومين وتوجهه إلى اورفة.
- 21/3 إلى قونية - اطنة - غازي عنتاب.
- 22/3 أهالي اوروفة يزورونه.
- 23/3 الساعة الثالثة ليلاً توفاه الله وتغمده برحمته الواسعة.
-24/3 مراسيم الدفن في أورفة.
- أوائل تموز نُبش قبره من قبل السلطات وأُخذ جثمانه إلى مكان مجهول.(*)
_______________
(*) سيرة ذاتية - ص: 13
6-)
دس السم في الطعام
في منفى أميرداغ
دس السم في الطعام
وبأمر من السلطات، تسور أحد الحراس ليلاً شباك غرفة الأستاذ ودسّ السم في طعامه. ومن غده أمضّه الألم أسبوعا كاملاً من شدة السم ولم يذق طعاماً ولا شراباً الاّ النزر اليسير. فنجّاه الله من الموت المحقق، وكان في هذه الفترة دائم التلاوة للأوراد والأذكار وبخاصة الجوشن الكبير والأوراد القدسية للشاه النقشبند. وتكررت الحادثة ثلاث مرات، الاّ ان الأخيرة كانت شديدة إلى الدرجة التي لم يتمكن الأستاذ فيها من أداء صلواته سوى الفرائض وهو طريح الفراش. يذكر طالبان من طلابه الذين سهروا عليه انه في يوم من الأيام استعدل في فراشه قرب الفجر مغمض العينين، ورفع يديه للتضرع إلى المولى الكريم ودعا بصوت خافت جداً لظهور دعوة النور وسلامة طلابه. ثم أغمى عليه ووقع في الفراش.(1)
كان الأستاذ شديد الحاجة إلى الهواء الطلق، فكان يخرج للتجوال في ضواحي المدينة، والمراقبة تتعقبه حتى أطلق عليه أحد المرات طلقة من الخلف ولكن لم تصبه، كل ذلك لإزعاجه والتخلص منه.
ومن المضايقات ايضاً التعرض لقيافته وإكراهه على لبس القبعة .حتى جُلب مرتين إلى المحكمة والادعاء العام لهذا الغرض، فرفض الأستاذ وعاد إلى غرفته منزوياً.(2) [يقول عن هذه الفترة من حياته]:
فأتتني العناية الإلهية مغيثة، إذ وهبتْ آلة الرونيو -التي ظهرت حديثاً- لطلاب (مدرسة الزهراء) وهم يحملون اقلاماً ماسية. فباتت (رسائل النور) تظهر بخمسمائة نسخة بقلم واحد. فتلك الفتوحات التي هيأتها العناية الإلهية لرسائل النور جعلتني أحب تلك الحياة الضجرة القلقة المضطربة، بل جعلتني اردد ألف شكر وشكر للبارئ سبحانه وتعالى.(3)(*)
___________________
T.H.Emirdağ Hayatı(1)
يمكن درج حوادث تسميم الأستاذ حتى الآن بالآتي:
1- في انقرة - في مجلس النواب بالابرة - سنة 1922-1923
2- في سجن اسكي شهر سنة 1935
3 ،4، 5 - في قسطموني سنة 1936-1943
6 ،7، 8 - في سجن (دنيزلي) سنة 1943-1944 حيث استشهد في التسميم الثالث "الحافظ علي"
9 ،10، 11- في اميرداغ سنة 1945-1946 حيث استشهد في التسميم الثالث "حسن فيضي"(ب2/1119)
T.H.Emirdağ Hayatı(2)
(3) اللمعات/394وقد دخلت آلة الرونيو تركيا سنة 1946 فبادر طلاب النور الى شرائها، ونشط كل من "إسپارطة" و "اينوبولو" في نشر الرسائل بالرونيو، وأوصلوها الى اغلب المدن والقرى في تركيا خلال سنة ونصف السنة ولم تصدر رسائل النور الى خارج تركيا الاّ بعد السماح للناس بالسفر الى الحج سنة 1947.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:359
7-)
الزهد والعزوف عن الدنيا
حالات متميزة
- الزهد والعزوف عن الدنيا:
كان سعيد القديم يخبر طلابه -في مؤلفاته القديمة وفي افادة المرام لإشارات الاعجاز- ويقول لهم مكرراً : ستحدث زلزلة اجتماعية بشرية عظيمة، زلزلة مادية ومعنوية، وسيغبطونني على اعتكافي وانزوائي وبقائي عزباً.(1)
[ فنذر نفسه لخدمة الإيمان والقرآن لاسيما بعدما سمع بمؤامرة خبيثة تحاك حول القرآن الكريم، حتى أنه ترك الزواج وبقي عزباً طوال حياته، ويعلله بالآتي:]
أولا: في الوقت الذي يلزم لصد هجوم زندقة رهيبة تُغير منذ أربعين سنة، فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررت ان اضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل حتى اذا استدعى الأمر بسعادتي الاخروية كذلك، فلأجل ان اتمكن من القيام بخدمة القرآن على وجهها الصحيح باخلاص حقيقي ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي -مع علمي بأنه سنة نبوية- بل لو وُهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطراً إلى التخلي عنهن جميعاً، من أجل تلك الحقيقة، حقيقة القرآن. لأن هذه المنظمات الملحدة الرهيبة تشن هجمات عنيفة، وتدبر مكايد خبيثة، فلابد لصدها من منتهى التضحية وغاية الفداء، وجعل جميع الاعمال في سبيل نشر الدين خالصة لوجه الله وحده، من دون ان تكون وسيلة لشئ مهما كان.
ولقد أفتى علماء منكوبون، وأناس أتقياء ، لصالح البدع، أو ظهروا بمظهر الموالين لها، من جراء هموم عيش أولادهم وأهليهم، لذا يقتضى منتهى التضحية والفداء، ومنتهى الثبات والصلابة وغاية الاستغناء عن الناس،وعن كل شئ، تجاه الهجوم المرعب العنيف على الدين،ولا سيما بعد إلغاء دروس الدين في المدارس وتبديل الاذان الشرعي ومنع الحجاب بقوة القانون؛لذا تركت عادة الزواج الذي أعلم انها سنة نبوية لئلا ألج في محرمات كثيرة، ولكي اتمكن من القيام بكثير من الواجبات واداء الفرائض. إذ لا يمكن أن تقترف محرمات كثيرة لأجل اداء سنة واحدة. فلقد وجد علماء ادوا تلك السنة النبوية أنفسهم مضطرين إلى الدخول في عشر كبائر ومحرمات و ترك قسم من السنن والفرائض،في غضون هذه السنوات الأربعين.
ثانيا:ان الآية الكريمة ﴿فانكحوا ما طاب لكم..﴾(النساء:3) والحديثالشريف (تناكحوا تكثروا..)(2) وامثالهما من الاوامر، ليست أوامر وجوبية ودائمية، بل إستحبابية مسنونة، فضلا عن انها موقوفة بشروط لابد من توافرها، وقد يتعذر توافرها للجميع وفي كل وقت.ثم ان الحديث الشريف (لا رهبانية في الإسلام)(3) لا يعني ان الانزواء والعزوبة -كما هو لدى الرهبان- محرمتان مرفوضتان لا أصل لهما. بل هو حث على الانخراط في الحياة الاجتماعية كما هو مضمون الحديث الشريف (خير الناس انفعهم للناس).(4) وإلا فان ألوفاً من السلف الصالحين قد اعتزلوا الناس موقتاً، وآثروا الانزواء في المغارات لفترة من الزمن، واستغنوا عن زينة الحياة الدنيا الفانية وجردوا انفسهم عنها، كي يقوموا ببناء حياتهم الاخروية على الوجه الصحيح. فما دام الكثيرون من السلف الصالحين تركوا الدنيا وزينتها بلوغاً إلى كمال باق وخاص بشخصهم، فلابد أن من يعمل لأجل سعادة باقية، لكثير جداً من المنكوبين، ويحول بينهم وبين السقوط في هاوية الضلالة، ويسعى لتقوية ايمانهم، خدمةً للقرآن والإيمان خدمة حقيقية، ويثبت تجاه هجمات الإلحاد المغير من الخارج والظاهر في الداخل، اقول لابد أن الذي يقوم بهذا العمل العام الكلي -وليس عملا خاصاً لنفسه- تاركاً دنياه الآفلة، لا يخالف السنة النبوية بل يعمل طبقا لحقيقة السنة النبوية.
ثم إنني أتمنى أن أغنم ذرة واحدة من هذا الكلام الصادق الصادر من الصديق الاكبر رضى الله عنه: (ليكبر جسمي في جهنم حتى لا يبقى موضع لمؤمن).. ولأجله آثر هذا السعيد الضعيف العزوبة والاستغناء عن الناس طوال حياته كلها.
ثالثاً:لم نقل لطلاب النور: (تخلوا عن الزواج، دعوه للآخرين) ولا ينبغي ان يقال لهم هذا الكلام. ولكن الطلاب انفسهم على مراتب وطبقات. فمنهم من يلزم عليه الا يربط نفسه بحاجات الدنيا، قدر المستطاع، في هذا الوقت، وفي فترة من عمره، بلوغاً إلى التضحية العظمى والثبات الأعظم والإخلاص الاتم. واذا ما وجد الزوجة التي تعينه على خدمة القرآن والإيمان، فبها ونعمت. إذ لا يضر هذا الزواج بخدمته وعمله للقرآن، ولله الحمد والمنة ففي صفوف طلاب النور كثيرون من أمثال هؤلاء. وزوجاتهم لا يقصرن عنهم في خدمة القرآن والإيمان، بل قد يفقن أزواجهن ويسبقنهم لما فطرن عليه من الشفقة التي لا تطلب عوضاً،فيؤدين العمل بهذه البطولة الموهوبة لهن باخلاص تام.
هذا وان المتقدمين والسابقين من طلاب النور أغلبهم متزوجون، وقد أقاموا هذه السنة الشريفة على وجهها، ورسائل النور تخاطبهم قائلة:
اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغرة، وموضع تلقي العلم والعرفان، كي يتربى الأولاد الذين هم ثمار تطبيق هذه السنة، على الإيمان، فيكونون لكم شفعاء يوم القيامة، وأبناء بررة في هذه الدنيا، وعندها تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقاً. وبخلافه لو تربي الأولاد على التربية الاوروبية وحدها -كما حدث خلال ثلاثين سنة خلت- فإن أولئك الأولاد يكونون غير نافعين لكم في الدنيا -من جهة- ومدّعين عليكم يوم القيامة، إذ يقولون لكم: (لِمَ لم تنقذوا إيماننا؟) فتندمون وتحزنون من قولهم هذا، يوم لا ينفع الندم،وما هذا الا مخالفة لحكمة السنة النبوية الشريفة.(5)(*)
_______________
(1) الملاحق -اميرداغ2 / 386
(2) رواه عبد الرزاق والبيهقي مرسلا بلفظ: "تناكحوا تكثروا فاني اباهي بكم الامم يوم القيامة" قال في المقاصد: جاء معناه عن جماعة من الصحابة، فأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم مرفوعاً: تزوجوا الولود الودود فانى مكاثر بكم الامم يوم القيامة، ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الاوسط والبيهقي واخرين عن أنس قال: كان رسول اللهyيأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديداً ويقول: تزوجوا الولود الودود فانى مكاثر بكم الامم يوم القيامة، وصححه ابن حبان والحاكم.. الخ "باختصار عن كشف الخفاء للعجلوني 1021"..
(3) قال ابن حجر لم أره بهذا اللفظ، لكن حديث سعد بن ابي وقاص عند البيهقي: ان الله ابدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة. "كشف الخفاء 3154"
(4) حديث حسن أخرجه القضاعي في مسند الشهاب وابن عساكر في تاريخ دمشق 2/420/2 وانظر الصحيحة 426 وصحيح الجامع الصغير وزيادته برقم 6538.
(5) الملاحق - اميرداغ2 / 401
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:493
8-)
نفور من الحياة الاجتماعية وانقلاب روحي
نفور من الحياة الاجتماعية
وانقلاب روحي
النورسي
بديع الزمان
1922م (1339هـ)
نفور من الحياة الاجتماعية وانقلاب روحي:
بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الأولى، لبثت في استانبول لخدمة الدّين في (دار الحكمة الإسلامية) حوالي ثلاث سنوات. ولكن بإرشاد القرآن الكريم وبهمّة الشيخ الگيلاني، وبانتباهي بالشيخوخة، تولّد عندي سأم وملل من الحياة الحضارية في استانبول، وبت أنفر من حياتها الاجتماعية البهيجة، فساقني الشوق والحنين المسمى بـ(داء الغُربة) إلى بلدتي، إذ كنت أقول: ما دمت سأموت فلأمت إذن في بلدتي.(1)
نعم، هكذا جاءني النفور من تلك الحياة الدنيوية البهيجة في استانبول التي ظاهرها اللذة، من ذلك التأمل والنظر في شعيرات بيضاء لرأسي ولحيتي، ومن عدم الوفاء الذي بدر من الصديق الوفي المخلص.. حتى بدأت النفس بالبحث والتحري عن أذواق معنوية بدلا عما افتتنت به من أذواق، فطلبت نوراً وسلواناً في هذه الشيخوخة التي تبدو ثقيلة ومزعجة ومقيتة في نظر الغافلين. فلله الحمد والمنّة وألف شكر وشكر له سبحانه أن وفقني لوجدان تلك الأذواق الإيمانية الحقيقية الدائمة في (لا اله الاّ هو) وفي نور التوحيد بدلا من تلك الأذواق الدنيوية التي لاحقيقة لها ولا لذة فيها، بل لا خير في عقباها. وله الحمد أن وفقني كذلك لأجد الشيخوخة خفيفة الظل أتنعم بدفئها ونورها بخلاف ما يراه أهل الغفلة من ثقل وبرودة.(2)
ففي بداية شيخوختي ومستهلها، ورغبة منّى في الانزواء والاعتزال عن الناس، بحثَت روحي عن راحة في الوحدة والعزلة على (تل يوشع) المطل على البسفور.(3) فلما كنت - ذات يوم - اسرح بنظري إلى الأفق من على ذلك التل المرتفع، رأيت بنذير الشيخوخة لوحة من لوحات الزوال والفراق تتقطر حزناً ورقة، حيث جُلتُ بنظري من قمة شجرة عمري، من الغصن الخامس والأربعين منها، إلى أن انتهيت إلى أعماق الطبقات السفلى لحياتي، فرأيت أن في كل غصن من تلك الأغصان الكائنة هناك ضمن كل سنة، جنائز لا تحصر من جنائز أحبابي وأصدقائي وكل مَن له علاقة معي. فتأثرت بالغ التأثر من فراق الأحباب وافتراقهم، وترنمت بأنين (فضولي البغدادي)(4) عند مفارقته الأحباب قائلاً:
كلما حنَّ الوصال عَذبٌ دمعي مادام الشهيق
لقد بحثتُ من خلال تلك الحسرات الغائرة عن باب رجاء، وعن نافذة نور، أسلّى بها نفسي. فإذا بنور الإيمان بالآخرة يغيثني ويمدّني بنور باهر. انه منحني نوراً لاينطفئ ابداً، ورجاءً لا يخيب مطلقاً.(5)
وعلى (تل يوشع) المطل على البسفور باستانبول، عندما قررت ترك الدنيا، أتاني أصحاب أعزاء، ليثنوني عن عزمي
ويعيدونني إلى حالتي الأولى، فقلت لهم: دعوني وشأني إلى الغد، كي استخير ربي. وفي الصباح الباكر خطرت هاتان اللوحتان إلى قلبي، وهما شبيهتان بالشعر، الاّ انهما ليستا شعراً، وقد حافظت على عفويتهما وأبقيتهما كما وردتا لأجل تلك الخاطرة الميمونة...
اللوحة الأولى(وهي لوحة تصور حقيقة الدنيا لدى أهل الغفلة)
لا تدعُني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.
إذ لما صارت الغفلة حجاباً، وسترت نور الحق..
رأيت الموجودات كلها، فانية مضرة
إن قلتَ: الوجود! فقد لبسته، ولكن كم عانيت من البلاء في العدم .
وان قلتَ: الحياة! فقد ذقتها، ولكن كم قاسيت العذاب.
إذ صار العقل عقاباً، والبقاء بلاءً
والعمر عين الهواء، والكمال عين الهباء.
والعمل عين الرياء، والأمل عين الألم.
والوصال عين الزوال، والدواء عين الداء.
والأنوار ظلمات، والأحبابُ أيتاماً.
والأصوات نعيات، والأحياء أموات.
وانقلبت العلوم أوهاماً، وفي الحِكَم ألف سقم.
وتحولت اللذائذ آلاماً، وفي الوجود ألف عدم.
وان قلتَ: الحبيب! فقد وجدته، آه! كم في الفراق من ألم.
اللوحة الثانية(وهي لوحة تشير إلى حقيقة الدنيا لدى أهل الهداية)
لما زالت الغفلة، أبصرت نور الحق عياناً.
واذا الوجود برهان ذاته، والحياة مرآة الحق..
واذا العقل مفتاح الكنز، والفناء باب البقاء.
وانطفأت لمعة الكمال، واشرقت شمس الجمال..
فصار الزوال عين الوصال، والألم عين اللذة.
والعمر هو العمل نفسه، والأبد عين العمر.
والظلامُ غلاف الضياء، وفي الموت حياة حقة..
وشاهدت الأشياء مؤنسة، والأصوات ذكراً..
فالموجودات كلها ذاكرات مسبحات.
ولقد وجدت الفقر كنز الغنى وأبصرت القوة في العجز.
إن وجدت الله فالأشياء كلها لك.
نعم ان كنت عبداً لمالك الملك، فملكه لك..
وان كنت عبداً لنفسك معجباً بها فابصر بلاءً وعبئاً بلا عدٍ وذقها عذاباً بلا حد
وان كنت عبداً لله حقاً مؤمناً به، فابصر صفاءً بلا حدٍ، وذق ثواباً بلا عد ونَل سعادة بلا حدٍ.
وقرأت قصيدة الأسماء الحسنى للشيخ الگيلاني (قُدس سره)(6) بعد عصر يوم من أيام شهر رمضان المبارك -وذلك قبل خمس وعشرين سنة- فوددت ان اكتب مناجاة بالأسماء الحسنى، فكُتب هذا القدر في حينه، إذ إنني أردت كتابة نظيرة لمناجاة أستاذي الجليل السامي، ولكن هيهات، فاني لا املك موهبة في النظم. لذا عجزت، وظلت المناجاة مبتورة...
هو الباقي
حكيمُ القضايا نحن في قَبْض حُكمه هو الحَكَمُ العدلُ له الأرض والسماءُ
عليـمُ الخفايا والغيوبُ في مُلكه هو القادرُ القيومُ له العرش والثـراء
لطيفُ المزايا والنقوش في صُنعـه هو الفاطرُ الودودُ له الحسن والبهاءُ
جليلُ المرايا والشؤون في خلقـه هو الملكُ القدوسُ له العز و الكبرياء
بديع البـرايا نحن من نقش صُنعـه هو الدائمُ الباقي له المـلك والبقـاءُ
كريمُ العطايا نحن مِن ركبِ ضيفـه هو الرزاقُ الكافي له الحمد والثنـاء
جميل الهدايا نحن من نسـج علمـه هو الخالقُ الوافي لـهالجودُ والعطـاء
سميعُ الشكايا والدعاءِ لخـَلـْقِـه هو الراحمُ الشافي له الشكر والثناء
غفور الخطـايا والذنوبِ لعبـده هو الغفّار الرحيمُ له العفوُ والرضاء(7)(*)
_________________________
(1) اللمعات/ 379
(2) اللمعات/ 372
(3) اتخذ دعاء "الجوشن الكبير" و"الاسم الأعظم" ورداً له في تل يوشع. ب/882 عن لمعه لر عثمانية.
(4) فضولي البغدادي شاعر عاش في القرن السادس عشر الميلادي وهو مؤسس الادب العثماني الآذري، له اشعار ودواوين في اللغات التركية والعربية والفارسية توفي سنة 1555م، من اعماله المشهورة "ليلى ومجنون" اسمه الحقيقي: محمد.
(5) اللمعات/ 347
(6) تبدأ القصيدة بالآتي :
شرعت بتوحيد الإله مبسملا سأختـم بالذكر الحميد مجملا
وأشهد أن الله لا ربّ غيره تنـزّه عن حصر العقول مكملا
ويختمها بالأبيات الآتية:
أنا القادري الحسيني عبدُ قـادرٍد عيتُ بمحي الدين في دوحة العلا
وصلّ على جَدّي الحبيب محمـدٍ بأحلى سلام في الوجود و أكملا
مع الآل والأصحاب جمعاً مؤبدا وبعدُ فحمد الله ختماً و أولا
(عن مجموعة الأحزاب للكموشخانوي 1 / 575)
(7) الكلمات/ 239-241
(*) كليات رسائل النور – السيرة الذاتية ص170
9-)
عودة الصحوة الروحية
عودة الصحوة الروحية: 1919م (1336هـ)
عندما رجعت من الأسر، كنت أسكن مع ابن أخي (عبد الرحمن) في قصر على قمة (چاملجة) في استانبول. ويمكن أن تعتبر هذه الحياة التي كنت أحياها حياة مثالية من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا؛ ذلك لأنني قد نجوت من الأسر، وكانت وسائل النشر مفتوحة أمامي في (دار الحكمة الإسلامية) وبما يناسب مهنتي العلمية، وان الشهرة والصيت والإقبال عليّ تحفّ بي بدرجة لا استحقها، وأنا ساكن في اجمل بقعة من استانبول (چاملجة)، وكل شئ بالنسبة لي على ما يرام، حيث أن ابن أخي عبد الرحمن -رحمه الله- معي، وهو في منتهى الذكاء والفطنة، فهو تلميذ ومضحّ وخادم وكاتب معاً، حتى كنت أعدّهابناً معنوياً لي.
وبينما كنت احس بأني اسعد إنسان في العالم، نظرت إلى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، وإذا بتلك الصحوة الروحية التي أحسست بها في الأسر في جامع (قوصتورما) تبدأ بالظهور. فأخذتُ أنعم النظر وافكر مدققاً في تلك الحالات التي كنت ارتبط بها قلبياً، وكنت أظنها أنها هي مدار السعادة الدنيوية. فما من حالة او سبب دققت النظر فيه، إلا رأيت أنه سبب تافه وخادع، لا يستحق التعلق به، ولا الارتباط معه. فضلاً عن ذلك وجدت في تلك الأثناء عدم الوفاء وفقدان الصداقة من صديق حميم، يُعدّ من أوفى الأصدقاء لي، وبشكل غير متوقع وبصورة لا تخطر لي على بال.. كل ذلك أدى إلى النفرة والامتعاض من الحياة الدنيا، فقلت لقلبي: ياتُرى هل أنا منخدع كلياً؛ فأرى الكثيرين ينظرون إلى حياتنا التي يُرثى لها من زاوية الحقيقة نظر الغبطة؟ فهل جُنَّ جنون جميع هؤلاء الناس؟ أم أنا في طريقي إلى الجنون، لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين بلهاء؟! وعلى كل حال.. فالصحوة الشديدة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني أرى اولاً:
فناء ما ارتبط به من الأشياء المعرّضة للفناء والزوال!!
ثم التفتّ إلى نفسي، فوجدتها في منتهى العجز!.. عندها صرختْ روحي وهي التي تنشد البقاء دون الفناء وتشبثت بالأشياء الفانية متوهمة فيها البقاء، صرخَتْ من أعماقها: مادمتُ فانية جسماً فأي فائدة أرجوها من هذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزة فماذا انتظر من العاجزين؟.. فليس لدائي دواء الاّ عند الباقي السرمدي، عند القدير الأزلي، فبدأت أبحث وأستقصي.. راجعت أول ما راجعت، تلك العلوم التي اكتسبتها سابقاً، أبحث فيها السلوة والرجاء. ولكن كنت -وياللاسف- إلى ذلك الوقت مغترفاً من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظناً مني -ظناً خطأ جداً- أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنوّر الفكر، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيراً، بل أصبحت عائقة أمام سموي المعنوي.(1)(*)
_____________________________
(1) اللمعات/ 366. لابد أن نذكّر "أن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الانسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.
أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما اصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الانسان الى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو. وحيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فان رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في اغلب أجزائها وذلك بنصبها موازين دقيقة، ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معززة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين انها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة". الملاحق - أميرداغ 1/286.
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:150
10-)
النورسي المولد والنشأة
النورسي
بديع الزمان
المولد والنشأة : 1877م (1294هـ)
هويته الشخصية :
الاسم واللقب: بديع الزمان سعيد..
اسم الوالد: ميرزا. [1]
اسم الوالدة: نورية. [2]
تأريخ الولادة: سنة 1293 [3]
مسقط الرأس: قرية نورس التابعة لناحية إسپاريت المرتبطة بقضاء خيزان من أعمال ولاية بتليس.
الملة: مسلم
الشكل: طويل القامة، عسلي العيون، حنطي اللون.
ما سجله في الوثيقة التي أملاها في دار الحكمة الإسلامية
المعلومات الآتية
إسمي: سعيد - لقبي: بديع الزمان -إسم والدي: ميرزا
لا أنتسب إلى سلالة معروفة - شافعي المذهب - أحد مواطني الدولة العلية العثمانية.
في مستهل دراستي العلمية درستُ عند أخي عبدالله ما يقارب السنتين في ناحية اسپاريت. ثم انضممت إلى حلقة تدريس الشيخ محمد الجلالي فأكملت الدروس المقررة كلها، وذلك في قصبة بايزيد التابعة لولاية أرضروم. ثم بدأت بتدريس شتى العلوم في مدينة وان طوال خمس عشرة سنة.
وعندما أعلنت الحرب الحاضرة - العالمية الأولى - اشتركت فيها بصفة قائد المتطوعين. ووقعتُ اسيراً بيد الروس في بتليس ثم هربت من الأسر وعدت إلى استانبول. واصبحت عضواً في دار الحكمة الإسلامية منذ تأسيسها.
فقدتُ إجازتي العلمية التي أخذتها من الشيخ محمد الجلالي في أثناء الأسر.
لي سبعة عشر مؤلفاً باللغة العربية، هي: إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، تعليقات، قزل إيجاز، الخطبة الشامية.
وبقية المؤلفات باللغة التركية وهي: نقطة، شعاعات، سنوحات، مناظرات، محاكمات، طلوعات، لمعات، رموز، اشارات، خطوات ستة، ايكي مكتب شهادتنامه سي [المحكمة العسكرية العرفية] حقيقت چكردكلري [نوى الحقائق].
أتكلم باللغة التركية والكردية كما أقرأ وأكتب باللغة العربية والفارسية.(*)
________________________________________
[1] وكان والده "الصوفي ميرزا" ورعاً يُضرب به المثل، لم يذق حراماً، ولم يطعم أولاده من غير الحلال. حتى إنه إذا ما عاد بمواشيه من المرعى شد أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين.(ش/ 54). وقد توفي في العشرينات ودفن في مقبرة قرية "نورس"وشاهد قبره مكتوب عليه "مرزه".
[2] عندما سئلت والدته: ما طريقتك في تربيـة أولادك حتى حازوا هذا الذكاء النادر؟ أجابت: لم أفارق صلاة التهجد طوال حياتي الاّ الأيام المعذورة شرعاً. ولم أرضع أولادي الاّ على طهر ووضوء. (ب/ 59).
[3] حسب التأريخ الرومي الذي كان يستعمل رسمياً في أواخر الدولة العثمانية وتبدأ فيه السنة أول مارت، وهذه السنة توافق سنة 1294 هـ و 1876- 1877م.
(*) السيرة الذاتية :ص(35)
11-)
في دار الحكمة الإسلامية
في دار الحكمة الإسلامية:
وقد رأت حكومة الإتحاد والترقى بالإجماع انه -يقصد نفسه- أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر.(1) [إذ يقول]: فلبثت في استانبول لخدمة الدّين في (دار الحكمة الإسلامية) حوالي ثلاث سنوات.(2)
[ويصف ابن أخيه عبدالرحمن، حالة عمه بعد عودته من الأسر :]
((بعد ما عاد عمي من الأسر سنة 1334رومي( 1918م) عيّن في دار الحكمة الإسلامية دون رضاه،(3) ولم يشارك في اجتماعاتها، لما كان يحس من حاجة ماسة إلى الراحة بعد ما قاسى ما قاسى في ايام الأسر. فأرسل عدة مرات طلباً يرجو فيه إعفاءه من العضوية، الاّ أن طلبه رفض. ولهذا باشر بالدوام(4) وكنت أراقب حالاته، فما كان يأخذ من المرتّب المخصص له سوى ما يقيم أوده، وعندما يستفسر عن سبب ذلك كان يقول: أريد أن أعيش كالسواد الأعظم، فهم يتداركون معيشتهم بهذا القدر من المبلغ،ولا أريد أن اتبع الأقلية المسرفة. وبعد ان يضع المبلغ المخصص لحد الضرورة يدفع الباقي اليّ قائلاً: احفظ هذا. ولكني كنت اصرفه دون علمه مستنداً إلى شفقته الواسعة. ولكن يوماً قال لي: لا يحل لنا هذا المال، لأنه ملك الأمة، فلم صرفته؟ فقد عزلتك عن صرف المال، ونصبتُ نفسي بدلاً عنك.
مرت الأيام وخطر له أن يطبع ما ألّفه من اثنتي عشرة رسالة(5)فدفع ما ادّخره من مرتّبه إلى مصاريف الطبع ووزع الرسائل مجاناً سوى رسالة أو رسالتين. وعندما سألته: لِمَ لا يبيع مؤلفاته، قال: لا يجوز لي من هذا المرتّب الاّ حدّ الضرورة. والباقي للأمة، فأنا بدوري أعدت المال إلى أهله.))(6)
وقد صرفت كثيراً من مرتّبي الذي كنت قد قبضته وأنا في دار الحكمة الإسلامية وادخرت قليلاً منه لأداء فريضة الحج. وقد كفتني تلك النقود القليلة ببركة القناعة والاقتصاد، فلم يرق مني ماء الوجه. ومازالت بقية من تلك النقود المباركة موجودة.(7) حيث ما قبلت مرتّباً الاّ لمدة سنتين تقريباً عندما كنت عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) وهذا ايضاً صرفته لطبع كتبي وتوزيعها مجاناً على الناس، فرددت بضاعتهم إليهم.(8)
(ودار الحكمة الإسلامية تابعة للمشيخة الإسلامية العامة للدولة العثمانية، وكانت لا تضم إلا كبار العلماء الأفاضل، كمحمد عاكف،(9) إسماعيل حقي ازميرلي، حمدي ألماليلي، وامثالهم.)(10)
[ولكن لما سئل في زمن احتلال استانبول:]
- لِمَ لم تستطع (دار الحكمة الإسلامية) من القيام بواجبها على الوجه الأتم؟
الجواب: ان عدم قيامها بالخدم - في الوقت الحاضر أفضل خدمة لها، وعدم نشاطها اعظم نشاط لها، لأن قوة الأجانب الحاكمة حالياً تشد الخناق على كل حركة ونأمة ونشاط ليست في صالحها. ولقد شـاهدنا ان من قاموا بنشاط أكرهوا على الدعاء للكفار ودفعوا على إصدار فتوى بجواز قتل المجاهدين، ففي خضم هذه العاصفة الهوجاء لم تُستغل دار الحكمة أداة طيعة، حيث قوة الأجنبي -التي هي المانع القوى لنشاطها- قد مدت الفساد وشجعته بكل قوة.
والسبب الثاني هو أن أعضاء (دار الحكمة) غير قادرين على الامتـزاج فيما بينهم، بل حتى على الاختلاط، فلكل منهم مزايا خاصة به، ولم تتولد بينهم روح الجماعة، إذ(أنا)كل منهم قوي إلى حد لا ينخرق ولا يتمزق كي يتحول إلى(نحن) لذا اضطلعوا في مساعيهم بدستور المشاركة فيما أهملوا دستور التعاون. فالمشاركة في الماديات تعظم النتائج وتجعلها فوق المعتاد، بينما تصغرها بل تجعلها بسـيطة وقبيحة في المعنويات. أما دستور التعاون فهو خلاف هذا تماماً إذ يكون في الماديات وسيلة لنتائج جليلة بالنسبة للشخص، ولنتائج صغيرة جداً بالنسبة للجماعة. بينما في المعنويات تصعد النتائج إلى حيث الأمور الخارقة.
ثم ان انتقاداتهم صارت شديدة عنيفة جداً، لا يقاومها فكر، بل يتشتت أمامها ويضمحل. لأنه احياناً يضيع الحق لدى التنقيب عن (الأحق) فإن كان الاتفاق في الحق اختلافاً في الأحق يكون الحق أحق من الأحق. ففي أثناء تحرى الأحق هناك تسامح لوجود الباطل. أي يكون الحسن احياناً أحسن من الأحسن.(11)
(وقد كانت تيارات بعيدة عن روح الإسلام تحاول التدخل في أمور دار الحكمة الإسلامية ولا سيما الأجنبية منها، فكان بديع الزمان يقف أمام هذه التيارات صلباً كالجبال متصدياً للفتاوى الخاطئة بلا تردد، إذكان الموت نصب عينيه دائما.)(12)
[نورد منها جوابه الآتي للفتاوى الصادرة من المشيخة الإسلامية ضد حركة التحرير في الأناضول:]
إنها ليست فتوى خالصة، بل فتوى تتضمن القضاء. لأن الذي يميز الفتوى عن القضاء كون موضوعها عاماً وغير معيَّن، فضلاِ عن أنها غير ملزمة، بينما القضاء معيَّن مُلزم. فكل من يطّـلع على الفتوى –المذكورة- يجدها معيَّنة، يفهم المراد منها بالضـرورة، واصبحت ملزمة حيث أن سوق عوام المسلمين ضد الحركة سبب واضح فيها. فمادامت هذه الفتوى تتضمن القضاء، والاستماع إلى كلا الخصمين ضرورة في القضاء، فكان ينبغي أن تُستجوب حركة التحرير في الأناضول لتبدي ما لديها من مدّعيات ودعاوى، وبعد الاستماع إليها من قبل السياسيين والعلماء وتقييمها وفق المصلحة الإسلامية يمكن إصدار الفتوى، إذ حصل إنقلاب في بعض الحقائق، حيث استبدلت الأضداد أسماءها ومواقعها، فيطلق العدالة على الظلم، والبغي على الجهاد، والحرية على الأسر.(13)
[واقترح لإصلاح الأوضاع في دار الحكمة الآتي:]
ان استخدام أي شئ في غير موضعه يكون مآله التعطل، ولا يبين أثره المرجو منه. فدار الحكمة الإسلامية التي أنشئت لغاية عظيمة، إذا خرجت من طورها الحالي أشركت في الشورى مع رؤساء الدوائر الأخرى في المشيخة وعُدّت من أعضائها، واستُدعي لها نحوا من عشرين من العلماء الأجلاء الموثقين من أنحاء العالم الإسلامي كافة، عندها يمكن ان يكون هناك أساس لهذه المسألة الجسيمة.(14)(*)
____________________
(1) الشعاعات/515
(2) اللمعات/ 347
(3) وقد عيّن بتوصية من وزارة الحربية في 26 آب 1918 أي في نهاية الشهر الثاني من عودته من الأسر وبراتب شهري قدره خـمسون ليرة ذهبية ، ثم بطلب من وزير الحربية "أنور باشا" أيضاً عرض شيخ الإسلام "موسى كاظم" الى السلطان "وحيدالدين خان" منح بديع الزمان مرتبة علمية عالية ، وفعلاً تم تصديق السلطان عليه في 9 / ايلول/ 1918
(4) كان ذلك في حزيران 1919 أي ان مجموع عمله الفعلي عبارة عن عشرة أشهر إلا اريعة أيام حيث تخللته إجازات مرضية.
(5) والرسائل هي الآتية:
1- اشارات الاعجازفي مظان الايجاز (ط.1918) باللغة العربية
2- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط.1919) باللغة التركية
3- سنوحات (ط.1920) باللغة التركية
4- حقيقت جكردكلري/ 1 (ط.1920) باللغة التركية
5- طلوعات (ط. 1921) باللغة التركية
6- شعاعات من معرفة النييy(ط.1921) باللغة التركية
7- قزل إيجاز على السلم (ط.1921) باللغة العربية
8- رموز (ط.1921) باللغة التركية
9- إشارات (ط.1921) باللغة التركية
10- لمعات (ط.1921) باللغة التركية
11-خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية
12- حقيقت جكردكلري/ 2 (ط.1921) باللغة التركية (ذيل تاريخجه حياة لعبد الرحمن)
وطبع ايضاً في هذه الفترة: محاكمات(ط.1911) باللغة التركية
وقد طبع من قبل كلاً من :
1- رچتة العوام ورچتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط.1912) باللغة العربية
2- الخطبة الشامية -دواء اليأس -(ط.1911و 1912) باللغة العربية
3- مناظرات (ط.1911) باللغة التركية
4- تشخيص العلة (ط.1912) باللغة التركية
5- نطق (ط.1912) باللغة التركية
6- ديوان حرب عرفي (ط.1911 و 1912) باللغة التركية
(6) T. Hayat, ilk hayatı
(7) الشعاعات/495 .وقد فضُل منه 90 ليرة ذهبية دفعها الى ناشري رسائل النور في سنة 1946مشاركاً في مصاريف الورق والطبع بالرونيو. ب1 / 511
(8) الملاحق- اميرداغ 1/ 237و المكتوبات/82 .
يقول ابن أخيه "عبد الرحمن" في رسالة بعث بها الى عَمه عبدالمجيد:
"انني مُحتار من احوال عمّي (سعيد) فقد اطفأ عندي جميع الآمال الدنيوية، فالحكومة تعطيه مرتّباً جيداً، وانا اقوم بادّخار مايفضل عن مصاريفنا، وقد ألف كتباً عدة واستدعاني مرة قائلاً: اذهب واستدع مدير المطبعة الفُلانية. ذَهبت، وعندما قدّم مؤلفاته الى المدير قال لي: يا عبدالرحمن! هات ما ادخرته من نقود، وادفعها للسيد المدير فنفذت له ما اراد، وعندما ذهب المدير أمتلأت عيناي بالدموع، ولكنّي بدأت أعزي نفسي قائلاً:
هذه الكتب ستطبع وستباع، وان النقود سترجع وسأدخرها. ولكن بعد عدة ايام ارسلني مرة أخرى لاستدعاء المدير، في هذه المرة قال للمدير: ارجو ان تكتب على كتبي بانها توزع مجاناً على الامة الإسلامية".
عندما خرج المدير شعرتُ بان الرابطة الروحية التي كنت احسها تجاه عمي الكبير قد تزحزحت، ولم استطع ان أتمالك نفسي عن البكاء. فقلت له: ياعمي! كنتُ ادّخر بعض النقود لكي اقوم بتعمير بيتنا الذي خربته الحرب، والآن فقد قتلت ذلك الامل.. أيجوز ذلك؟ وابتسم عمي قائلاً لي:
- يا ابني.. يا عبدالرحمن! ان الحكومة كانت تعطينا مرتّباً كبيراً وليس لي ان آخذ منه الاّ كفاف النفس، اما مازاد عن ذلك، فيجب اعادته الى بيت المال، لذا فانني قمت باعادته الى المسلمين، ولا اعتقد بانك ستفهم هذا ولكن اعلم بان الله إن شاء فسيعطيك بيتاً في اي مكان كان من هذا الوطن".ش/ 185-187عن مجلة أهل السنة 2 / 41 في 1 / 11 / 1948
(9) شاعر الإسلام في تركيا (1873-1936). رأس تحرير مجلة (الصراط المستقيم) ومجلة (سبيل الرشاد). التحق بحركة الاستقلال. وانتخب نائباً في البرلمان في انقرة. أصبحت احدى قصائده النشيد الوطني التركي. اشتهر بديوانه الشعري "صفحات".
(10) T. Hayat, ilk hayatı، يروي المؤرخ (اسماعيل حقي) انه استفسر من استاذه شيخ الإسلام مصطفى صبري عن سبب ضم النورسي الى دار الحكمة، أجابه: لانه ضليع بعلم الحديث النبوي، وأبدى آخرون السبب نفسه "Aydinlar Konuşuyor " / 303لنجم الدين شاهين ار.
(11) طلوعات عثمانية.
(12)T. Hayat, ilk hayatıحيث اصدر شيخ الإسلام عبدالله درّي زادة ما يقارب خمس فتاوى ضد الحركة في 11نيسان 1920م (ش/ 250)
(13) ب/392 عن اثار بديعية-طلوعات/105.
(14) صيقل الإسلام- السنوحات/354.
(*) السيرة الذاتية /133
12-)
في منفى بارلا إطلاق إسم (رسائل النور)
في منفى بارلا
إطلاق إسم (رسائل النور)
أخذتني الأقدار نفياً من مدينة إلى أخرى.. وفي هذه الأثناء تولدت من صميم قلبي معاني جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم.. أمليتها على مَن حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها إسم (رسائل النور) انها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم. لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بان هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما إلهام إلهي افاضه الله سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم، فباركت كل من استنسخها، لأنني على يقين ان لا سبيل إلى حفظ إيمان الآخرين غير هذه السبيل فلا تمنع تلك الفيوضات عن المحتاجين إليها. وهكذا تلقفتها الأيدي الأمينة بالاستنساخ والنشر، فأيقنت ان هذا تسخير رباني وسَوق إلهي لحفظ إيمان المسلمين فلا يستطيع أحد ان يمنع ذلك التسخير والسوق الإلهي، فاستشعرت بضرورة تشجيع كل مَن يعمل في هذه السبيل امتثالاً بما يأمرني به ديني.(1)
ان سبب إطلاق اسم (رسائل النور) على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) و المكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوباً) و اللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) و الشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعاً) هو:
ان كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
قريتي اسمها: نورس.
اسم والدتي المرحومة: نورية.
و استاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.
وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.
وأستاذي في القرآن: نوري.
واكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور .
واكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
وأول آية كريمة إلتمعت لعقلي وقلبي وشغلت فكري هي﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة... ﴾(النور: 35)
واكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: اسم (النور) من الأسماء الحسنى.
ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فان إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي الله عنه.(2)
عنايات إلهية وكرامات قرآنية:
يا اخوة الآخرة ويا طالبيّ المجدّين السيد خسرو(3) والسيد رأفت!(4) كنا نشعر بثلاث كرامات قرآنية في مجموعة (الكلمات) التي هي من فيوضات أنوار القرآن. بيد أنكم بهمتكم وسعيكم وشوقكم قد أضفتم عليها ايضاً كرامة أخرى رابعة. أما الثلاث المعروفة فهي:
اولاً: السهولة والسرعة فوق المعتاد في تأليفها، حتى أن المكتوب التاسع عشر(المعجزات الاحمدية) المتكون من خمسة أقسام ألف في حوالي ثلاثة ايام خلال ما يقرب من أربع ساعات يومياً أي بمجموع اثنتي عشرة ساعة وفي شعب الجبال وخلال البساتين دون ان يكون هناك كتاب نرجع إليه. و الكلمة الثلاثون (رسالة أنا) ألّفت في وقت المرض خلال خمس أو ست ساعات. و الكلمة الثامنة والعشرون وهي (مبحث الجنة) الّفت خلال ساعة او ساعتين في بستان سليمان بالوادي.
حتى تحيرنا أنا وتوفيق(5) وسليمان لهذه السرعة..كما في تأليفها هذه الكرامة القرآنية كذلك..
ثانياً: في كتابتها سهولة فوق المعتاد، وشوق عارم، مع عدم السأم والملل. علماً أن هناك اسباباً كثيرة تورث السأم للأرواح والعقول في هذا الزمان. ولكن ما ان تؤلف إحدى (الكلمات) إذ تستنسخ في أماكن كثيرة وتُقدّم على كثير من المشاغل المهمة.. وهكذا.
الكرامة القرآنية الثالثة: ان قراءتها ايضاً لا تورث السأم ولاسيما إذا ما استشعرت الحاجة إليها. بل كلما قُرئت زاد الذوق والشوق ولا يُسأم منها.
وانتم كذلك يا اخويّ قد أثبتما كرامة قرآنية رابعة، فأخونا خسرو الذي يطلق على نفسه الكسلان، وتقاعس عن الكتابة مذ أن سمع بـ(الكلمات) قبل خمس سنوات فان كتابته خلال شهر واحد لأربعة عشر كتاباً كتابة جميلة متقنة كرامة للأسرار القرآنية لا شك فيها ولاسيما المكتوب الثالث والثلاثون وهي رسالة (النوافذ) التي قدّرت حق قدرها حيث كتبت اجمل أجود كتابة. نعم ان تلك الرسالة رسالة قوية وساطعة في معرفة الله والإيمان به الا ان النوافذ الأولى التي في مستهل الرسالة مجملة جداً ومختصرة، علماً انها تتوضح تدريجياً وتسطع.. حيث ان مقدمات معظم الكلمات، تبدأ مجملة ثم تتوضح تدريجياً وتتنور بخلاف سائر المؤلفات.(6)(*)
____________________________
(1) الشعاعات/542
(2) الملاحق - بارلا/71
(3) خسـرو: كان في مقدمة الذين استنسخوا المئات من الرسائل ونشروها في احلك الظروف، وقضى معظم حياته مع استاذه في سجون اسكي شهر ودنزلي وآفيون وهو الذي كتب مصحفاً بتوجيه من الأستاذ النورسي لاظهار الاعجاز في التوافقات اللطيفة لاسم الجلالة في الصفحة الواحدة. ولد في اسپارطة سنة 1899 وتوفي في استانبول سنة 1977م رحمه الله رحمة واسعة.
(4) هو العقيد المتقاعد رأفت بارودجي (1886 - 1975) لازم الأستاذ النورسي في (بارلا) وسجن معه في كل من سجن اسكى شهر (سنة 1935) ودنزلى (1943) وآفيون (1948) كان يتقن تعليم القرآن الكريم واصبح اماماً في مسجد باستانبول لحين وفاته رحمه الله رحمة واسعة
(5) الحافظ توفيق الشامي: (1887 - 1965م) من اوائل طلاب النور وكتابها، لقب بالحافظ لحفظه القرآن الكريم وبالشامي لطول بقائه بالشام بصحبة والده الذي كان ضابطاً هناك، وهو المشهود له بالصلاح والعلم والتقوى، لازمَ الأستاذ في (بارلا) وفي سجون اسكي شهر ودنيزلي. تغمده الله برحمته.
(6) المكتوبات/463
(*)كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:235
13-)
إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان
إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان
رسائل من أميرداغ
اخوتي الأعزاء الصادقين!
ان اعظم إحسان اعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه والسعي لإمداد إيمان الآخرين بالقوة. فاحذر يا أخي من الأنانية والغرور وتجنب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتي من الأنانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة ان ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائماً ويتحلى بالتواضع التام.
انه لمقام عظيم حفاظكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم لله، تحت هذه الظروف القاسية ...
نعم ان رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر. بل أرغمت رسمياً أعتى المعاندين لها على قبول نشرها. حتى انه منذ سنتين وبعد إجراء التدقيقات صدّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.
ان مما يثبت أن رسائل النور معجزة معنوية للقرآن الكريم في هذا العصر هو عدم انهزام مسلك رسائل النور -كسائر المسالك والطرق الصوفية- بل انتصاره وإدخاله الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جداً. ولقد أقنعتنا الحوادث انه لن تكون خدمة الدين خارج دائرة رسائل النور خدمة كاملة -في الأغلب في هذه البلاد- حيث هو عمل خاص جزئي وحيد وشخصي أو مستتر منهزم، أو متساهل مع البدع ضمن تحريفات بتأويلات فاسدة.
ما دمت يا أخي تملك همة عالية وقوة راسخة من الإيمان، فكن طالباً لرسائل النور واستمسك بها بإخلاص تام وتواضع تام وثبات تام. كي تشارك في المغانم الأخروية لألوف، بل مئات الألوف من الطلاب وذلك على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال. وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسنات وخيرات كلية جماعية تكسبك تجارة رابحة في الآخرة بعد ان كانت حسنات جزئية فردية.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/259-260
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:368
14-)
النورسي مخايل النبوغ في عهد الصبا
النورسي
بديع الزمان
مخايل النبوغ في عهد الصبا :
لقد حدّثتُ خيالي في عهد صباي..:
أي الأمرين تفضّل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم، أم وجوداً باقياً مع حياة اعتيادية شاقة؟ فرأيته يرغب في الثانية ويضجر من الأولى، قائلاً: إنني لا أريد العدم بل البقاء ولو كان في جهنم! وحينما كنت صبياً خسف القمر، فسألت والدتي: ما هذا الذي حدث للقمر؟.
قالت: ابتلعته الحية!.
قلت: ولكنه يتبين!
قالت: إن الحيات في السماء شفافة كالزجاج تشف عما في بطنها.
كنت أتذكر هذه الحادثة كثيراً و أسائل نفسي: كيف تدور خرافة بعيدة عن الحقيقة إلى هذه الدرجة على لسان والدتي الحصيفة الجادة في كلامها؟.
ولكن حينما طالعت علم الفلك رأيت أن الذين يقولون كما تقول والدتي، قد تلقوا التشبيه حقيقةً واقعيةً؛ لأن الفلكييـن شبهوا القوسين الناشئين من تداخل دائرة الشمس، وهي منطقة البـروج ومدار درجاتها، مع دائرة القمر وهي ميل القمر ومدار منازله، شبهوهما تشبيهاً لطيفاً بحيتين ضخمتين، وسموهما تنينين،
وأطلقوا على إحدى نقطتي تقاطع تلك الدائرتين الرأس والأخرى الذنب. فحينما يبلغ القمر الرأس والشمس الذنب تحصل حيلولة الأرض -كما يصطلح عليها الفلكيون - أي:تقع الأرض بينهما تماماً، وعندها يخسف القمر. أي كأن القمر يدخل في فم التنين، حسب التشبيه السابق.
وهكذا عندما سرى هذا التشبيه العلمي الراقي بمرور الزمن إلى كلام العوام غدا التشبيه تنيناً عظيماً مجسماً يبتلع القمر!.
وفي حوالي التاسعة من عمري وجميع الاهلين وأقاربي ينتسبون إلى الطريقة النقشبندية ويستمدون من شيخ مشهور هناك هو الغوث الخيزاني [1] كنت على خلافهم أقول: أيها الشيخ الگيلاني اقرأ لك سورة الفاتحة جد لي ما ضيعته من جوز مثلاً او أي شئ تافه آخر. وانه لأمر عجيب فوالله لقد أمدني الشيخ بدعائه وهمته ألف مرة. ولهذا ما قرأت من أوراد وأذكار طوال حياتي الاّ و أهديتها اولاً إلى حضرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم إلى الشيخ الگيلاني، وعلى الرغم من أنني منتسب إلى الطريقة النقشبندية بثلاث جهات [2] فإن محبة الطريقة القادرية ومشربـها يجري فيّ حكمه دون اختيار مني. الاّ أن الانشغال بالعلم كان يعيق الاشتغال بالطريقة الصوفية.
ومع ذلك كنت احمل حالة روحية تتسم بالفخر و الاعتـزاز، يوم كنت في العاشـرة من عمري، بل حتى أحياناً بصورة حب للمدح والثناء. فكنت أتقلد طور بطل عظيم ورائد كبير وصاحب عمل عظيم خلاف رغبتي. فكنت أقول لنفسي:
ما هذا الظهور والاختيال ولاسيما في الشجاعة، وأنت لا تساوي شروى نقير؟ فكنت حائراً وجاهلاً بالجواب.
ولكن منذ شهرين، أجيبت تلك الحيرة، بأن رسائل النور كانت تُشعر بنفسها بحس مسبَق. أما أنت فلست الاّ بذرة صغيرة لا تساوي شيئاً ولكن لإحساسك قبل الوقوع تعدّ تلك العناقيد الفردوسية رسائل النور كأنها ملكك، فتزهو وتتباهى.
أما قريتنا نورس فان أهلها و طلابي القدامي يعرفون: ان أهالينا كانوا يحبون المدح والثناء عليهم كثيراً لإظهارهم أنهم السابقون في الشجاعة والإقدام. فيرغبون تقلّد طور البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكة كبيرة.
فكنت اعجب من نفسي ومن طورها هذا. والآن عرفت السر بإخطار حقيقي:
ان أولئك النورسيين، يتباهون لأن قريتهم نورس ستكسب فخراً عظيماً بنور رسائل النور. حتى ان الذين لم يسـمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ. فهؤلاء النورسيون يظهرون شكرانهم - بحس مسبق - لتلك النعمة الإلهية على صورة زهو وتباهٍ.
نعم انه عندما كان جميع كردستان يتخذ وضع المفتخر المختال بغزارة الطلاب والأئمة والعلماء المتخرجين بهمة وجهود الشيخ عبدالرحمن تاغي [3] الشهير والملقب بـ سيدا [4] في ناحيتنا إسپاريت التابعة لقضاء خيزان كنت اشعر بينهم ايضاً ضمن تلك المناظرات العالية والهمة العالية والدائرة الواسعة العلمية والصوفية، كأن أولئك العلماء سيفتحون الأرض كلها. فكنت استمع - وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري - مناقب العلماء القدامى المشهورين و الأولياء العظام و السـادة الأقطاب، ويرد إلى قلبي: ان هؤلاء الطلاب العلماء سيفتحون آفاقاً عظيمة في العلم والدين. إذ لو تفوق أحدهم بشئ من الذكاء فالاهتمام يوجّـه إليه، وان ظهر أحدهم في مسألة لدى مناظرة علمية يفتخر ويزهو كثيراً. فكنت أتحير من هذا، إذ كانت عندي تلك المشاعر ايضاً. حتى كان بين شيوخ الطرق الصوفية وضمن دائرتهم في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا مسابقة تثير الحيرة لم اقف عليها في مدن أخرى إلى هذا الحد. فإن شئت فاذهب بخيالك إلى مجلس سيدا قدّس سره في قرية نورشين.. وما أظهرت من المدنية الإسلامية بصحبته القدسية، تَرَ فيها ملوكاً في زي الفقراء وملائكة في زي الأنـاسي. ثم اذهب إلى باريس وادخل في لجنة الأعاظم تَرَ فيها عقارب، تلبسوا بلباس الأناسي، وعفاريت تصوروا بصور الآدميين. (*)
________________________________________
[1] هو الشيخ صبغة الله الارواسي وهوخليفة السيد طه النهري الذي هو خليفة مولانا خالد النقشبندي.
[2] حيث إن والديه واستاذه منتسبون الى هذه الطريقة.
[3] 1247-1304 / 1888 م
[4] تطلق هذه الكلمة في الولايات الشرقية على العلماء الأفاضل.
(*) السيرة ذاتية - ص: 40
15-)
في منفى بارلا الاستنساخ اليدوي
في منفى بارلا
الاستنساخ اليدوي
((كان تأليف (رسائل النور) ونشرها شيئاً متميزاً وفريداً في تاريخ الدعوات الإسلامية المعاصرة، ذلك لان الأستاذ سعيد النورسي لم يكن يكتب كثيراً من رسائله بيده لكونه نصف أمي -من حيث قدرته على الكتابة- وانما كان يملي أغلب هذه الرسائل على بعض طلابه في حالات من الجيشان الروحي والوجداني، وبعد ذلك تتداول النسخة الأصلية بين الطلاب الذين يقومون بدورهم باستنساخها باليد، ثم ترجع هذه النسخ جميعها إليه،(1) لكي يقوم بتدقيقها واحدة واحدة، وتصحيح أخطاء الاستنساخ ان وجدت، ولم يكن لديه أية كتب او مصادر يرجع إليها أثناء التأليف سوى القرآن الكريم، وقد ساعده على ذلك ما وهبه الله من ذاكرة خارقة وقدرة عجيبة على الحفظ.
بقيت (رسائل النور) عشرين سنة تنتشر بهذه الطريقة، وبعد ذلك طبعت لأول مرة بـ(الرونيو) ولم يقدّر لها ان تطبع في المطابع الاعتيادية إلاّ سنة 1956م هذا باستثناء رسالة الحشر، التي طُبعتْ منها خفية في استانبول بوساطة أحد طلاب النور.))(2)
كانت الحروف العربية قد بدّلت إلى حروف لاتينية، وحظر الطبع والنشر بها، وأغلقت مطابعها، فكانت هذه الطريقة (طريقة الاستنساخ) باليد سراً هي الطريقة الوحيدة والعملية لنشر مؤلفات رجل منفي ومراقب، قد سدت في وجهه جميع سبل التأليف والنشر، وخاصة وانه كان يريد -بالإصرار على الكتابة بالحروف العربية- المحافظة عليها من الإندثار والنسيان.(3)
وعندما بدأت حلقات الطلاب تتسع، بدأت الرسائل تصل إلى القرى والنواحي القريبة من (بارلا) وبدأت الأيدي تتلقف سراً هذه الرسائل وتتدارسها، ويوصلونها حتى إلى المدن البعيدة، حيث بدأت تكتسب قلوباً جديدة وأرواحاً عطشى إلى الهداية والنور في تلك الظروف المحرقة والأحوال المظلمة الحالكة.
بدأت عشرات، ثم مئات، ثم آلاف من طلبة النور رجالاً ونساءً في الانكباب على استنساخ (رسائل النور) ساعات عديدة من الليل والنهار حتى أن بعضاً منهم قضى سبع سنين لم يغادر منـزله وهو مكب على هذه المهمة.حتى كان في قرية (ساو) القريبة من اسپارطة ألف من مستنسخي الرسائل.(4)
النساء في طريق النور:
((وقد ساهمت النساء في هذه الحملة مساهمة فعّالة جديّة فالفتيات اللآئي كنَّ يعرفن الكتابة ساهمن فيها بالاستنساخ، واللآئي يجهلنها كُنَّ يُقلّدنَ الكتابة تقليداً، أي يقمن بالكتابة على طريقة النقش والتصوير .
وقد أتت بعض النسوة إلى الأستاذ سعيد النورسي قائلات له:
يا أستاذنا.. إننا قررنا القيام بالأعمال اليومية لأزواجنا لعلهم يتفرغون كلياً لكتابة (رسائل النور) لنغنم ثواب المشاركة في الخدمة)).(5)
السابقون في قافلة النور(6)
اخوتى الأعزاء الأوفياء الميامين ويا رفقائي الأقوياء المخلصين في خدمة القرآن والإيمان!
حمداً لله بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ حقق بكم أملي في رسالة (الشيوخ) وادعائي في رسالة (الدفاعات).
نعم، لله الحمد والمنة بعدد الذرات من الأزل إلى الأبد، بما انعم بكم على رسائل النور بثلاثين من أمثال عبدالرحمن، بل مائة وثلاثين، بلألفاً ومائة وثلاثين من أمثاله، كل منهم يقابل ألفًا.
وحيث إنني أرى اخوتى الذين يلازمونني في الخدمة دائماً ولا يغادرون بالي ابداً، يسعون للعمل لرسائل النور ويتبنّونها بجدية تامة ويحافظون عليها ويتوارثونها مثلكم ناشدين الحقيقة، مقدّرين كل شئ حق قدره.. أراهم في موضعي وهم اكثر اخلاصاً منى واصلب عوداً وانشط في خدمة القرآن والإيمان.. لذا انتظر أجلي وقبري وموتي بفرح تام وسرور خالص واطمئنان قلبي كامل.
إنني يا اخوتي أراكم عدة مرات في اليوم، في رسائلكم وفي خدماتكم الجليلة التي لا تغادر ذهني، فأشبع شوقي أطمئنه بهذا الأمر. وانتم كذلك يمكنكم ان تحاوروا وتجالسوا أخاكم هذا الضعيف، في الرسائل، حيث الزمان والمكان لا يحولان دون محاورات أهل الحقيقة ومحادثاتهم، حتى لو كان أحدهم في الشرق والآخر في الغرب وآخر في الدنيا وآخر في البرزخ؛ لأن الرابطة القرآنية والإيمانية - التي هي بمثابة راديو معنوي - تجعلهم يتحاورون فيما بينهم.(7)
ان الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليّ باخوة أقوياء جادّين، مخلصين، غيورين، مضحين، لهم أقلام كالسيوف الالماسية، ودفعهم ليعاونوا شخصاً مثلي لا يجيد الكتابة، نصف أمي، في ديار الغربة، مهجور، ممنوع عن الاختلاط بالناس. وحمّل سبحانه كواهلهم القوية ما أثقل ظهري الضعيف العاجز من ثقل الخدمة القرآنية، فخفف بفضله وكرمه سبحانه حملي الثقيل.
فتلك الجماعة المباركة.. يتشابهون في الشوق إلى العمل والسعي فيه والغيرة على الخدمة والجدية فيها، إذ إن نشرهم الأسرار القرآنية والأنوار الإيمانية إلى الأقطار وابلاغها جميع الجهات، وقيامهم بالعمل دون فتور، وبشوق دائم وهمة عالية، في هذا الزمان العصيب (حيث الحروف قد تبدلت ولا توجد مطبعة، والناس بحاجة إلى الأنوار الإيمانية) فضلاً عن العوائق الكثيرة التي تعرقل العمل وتولد الفتور، وتهوّن الشوق.. أقول ان خدمتهم هذه كرامة قرآنية واضحة وعناية إلهية ظاهرة ليس إلاّ.
نعم! فكما ان للولاية كرامة، فان للنية الخالصة كرامة ايضاً، وللإخلاص كرامة ايضاً، ولاسيما الترابط الوثيق والتساند المتين بين الإخوان ضمن دائرة اخوة خالصة لله، تكون له كرامات كثيرة، حتى ان الشخص المعنوي لمثل هذه الجماعة يمكن ان يكون في حكم ولي كامليحظى بالعنايات الإلهية.(8)(*)
_____________________________________
(1) يقول عبد الله جاويش (1895 - 1960) وهو من السابقين في هذه الخدمة القرآنية : "كنت اغادر قرية "اسلام" بعد المغيب حاملاً في حقيبتي الرسائل التي استنسخها "الحافظ علي" واسير الليل كله مشياً على الاقدام بين الجبال والوديان حتى اصل مع الفجر الى "بارلا" وارى الأستاذ في انتظاري، ويستقبلني بسرور بالغ. نصلي الفجر معاً. ثم استسلم للنوم.. وهكذا كنت اتسلم في اليوم التالي المسودات من الأستاذ، واغادر "بارلا" ليلاً لاصل "قرية اسلام" فاسلّم المسودات الى الحافظ علي". ذكريات عن سعيد النورسي/33 Son Şahitler 1/310.
(2) T.Hayat, Barla hayatı
(3) يذكر عبدالله جاويش ايضاً: "ذات يوم جئت الى الأستاذ، واذا بالحافظ علي وعدد من الطلاب عنده، بدأ الأستاذ يوزع اجزاء من القرآن الكريم عليهم ليستنسخوه مع تعليمات بكيفية الاستنساخ، وحيث انا امي لا اعرف الكتابة والقراءة، قمت لأهئ الشاي لهم كي اشاركهم في الاجر ولكن ما ان اتيت بالشاي لأوزعه عليهم حتى نهض الأستاذ واخذ الشاي مني وبدأ هو بالتوزيع فخجلت، إذ كيف يوزع الأستاذ الشاي على طلابه! ولكني سكت امام الحاحه الشديد... ثم قال:
- ان استنساخكم اجزاء من القرآن الكريم، وسعيكم في سبيل القرآن مقبول عند الله الذي يراكم في وضعكم هذا، وملائكته الكرام يلتقطون صوركم في اوضاعكم هذه، وانا لكوني خادماً للقرآن الكريم ينبغي ان اقوم بخدمتكم.. فوزع عليهم الشاي وهم منهمكون بالاستنساخ". ذكريات عن سعيد النورسي/33 / Son Şahitler 1/310
(4) T.Hayat, Barla hayatı
(5) T.Hayat, Barla hayatı
(6) نقدم هنا بعض الرسائل المتبادلة بين الرعيل الأول والأستاذ النورسي، وملحق (بارلا) حافل بمثل هذه الرسائل فمن شاء فليراجعه.
(7) الملاحق- قسطموني / 99
(8) المكتوبات/480
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:245
16-)
خطاب إلى مجلس الأمة
[وفيما يلي نص البيان]:
خطاب إلى مجلس الأمة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إنَّ الصّلوةَ كانت على المؤمنينَ كتاباً مَوقُوتاً﴾(النساء:103)
يا أيها المبعوثون! إنكم لمبعوثون ليوم عظيم.
أيها المجاهدون! ويا أهل الحل والعقد!
أرجو أن تعيروا سمعاً إلى مسألة يُسديها إليكم هذا الفقير إلى الله في بضع نصائح وفي عشر كلمات:
اولاً: ان النعمة الإلهية العظمى في انتصاركم هذا تستوجب الشكر، لتستمر وتزيد، إذ ان لم تُستقبل النعمة بالشكر تزول وتنقطع. فمادمتم قد أنقذتم القرآن الكريم من إغارة العدو -بفضل الله تعالى- فعليكم اذاً الامتثال بأمره الصريح وهو الصلاة المكتوبة، كي يظل عليكم فيضهُ وتدوم أنواره بمثل هذه الصورة الخارقة.
ثانياً: لقد أبهجتم العالم الإسلامي بهذا الانتصار، وكسبتم ودّهم وإقبالهم عليكم، ولكن هذا الودّ والتوجّه نحوكم إنما يدومان بالتزام الشعائر الإسلامية؛ إذ يحبكم المسلمون ويودّونكم لأجل الإسلام.
ثالثاً: لقد توليتم قيادة مجاهدين وشهداء في هذا العالم وهم بمثابة أولياء صالحين، فمن شأن أمثالكم من الغيارى السعيُ والجدّ لامتثال أوامر القرآن الكريم لنيل صحبة أولئك النورانيين، والتشرف برفقتهم في ذلك العالم. وإلاّ تضطرون إلى التماس العون والمدد من أبسط جندي هناك، في حين انتم قادة هنا. فهذه الدنيا بما فيها من شهرة وشرف لا تستحق ان تكون متاعاً ترضي كراماً امثالكم، ولاتكون لكم غاية المنى ومبلغ العلم.
رابعاً: ان هذه الأمة الإسلامية مع أن قسماً منهم لا يؤدون الصلاة. الاّ انهم يتطلعون ان يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة. بل ان أول ما يبادر أهل كردستان -الولايات الشرقية- مسؤوليهم هو سؤالهم عن صلاتهم. فان كانوا مقيمين لها، فبها ونِعمَت ويثقون بهم، والاّ فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتياب رغم كونه مقتدراً في أداء واجباته. ولقد حدثت في حينه اضطرابات في عشائر (بيت الشباب) فذهبتُ لأستقصي أسبابها، فقالوا:
ان كان مسؤولنا (القائمقام) لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين؟ هذا علماً ان الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة، بل كانوا قطاع طرق!.
خامساً: ان ظهور اكثر الأنبياء في الشرق واغلب الفلاسفة في الغرب رمزٌ للقدر الإلهي بأن الذي يستنهض الشرق ويقوّمه إنما هو الدين والقلب، وليس العقل والفلسفة.. فمادمتم قد أيقظتم الشرق ونبهتموه، فامنحوهم نهجاً ينسجم مع فطرته. والاّ ستذهب مساعيكم هباءاً منثوراً، أو تظل سطحية موقتة.
سادساً: ان خصومكم وأعداء الإسلام الأفرنج - ولاسيما الانگليز - قد استغلوا ولا يزالون يستغلون إهمالكم أمور الدين، حتى أستطيع ان اقول: ان الذين يستغلون تهاونكم هذا يضرون بالإسلام بمثل ما يضرّ به أعداؤكم فينبغي لكم باسم مصلحة الإسلام وسلامة الأمة تحويل هذا الإهمال إلى أعمال. ولقد تبيّن لكم كيف لاقى زعماء الإتحاد والترقي نفوراً وازدراءً من الأمة في الداخل رغم ما بذلوه من تضحية وفداء وعزم وإقدام حتى كانوا سبباً - إلى حدٍ ما - في هذه اليقظة الإسلامية، وذلك لعدم اكتراث قسم منهم بالدين وبشعائره، بينما المسلمون في الخارج قد منحوهم التقدير والاحترام لعدم رؤيتهم تهاونهم وإهمالهم في الدين.
سابعاً: على الرغم من تمكن عالم الكفر في الإغارة على العالم الإسلامي منذ مدة مديدة فانه لم يتغلب عليه دينياً مع جميع إمكاناته وقدراته ووسائله الحضارية وفلسفته وعلمه ومبشريّه. فبقيت الفرق الضالة جميعها - في الداخل - أقلية محكومة. لذا ففي الوقت الذي حافظ الإسلام على صلابته ومتانته بأهل السنة والجماعة لن يتمكن تيار بدعي مترشح من الجانب الخبيث للحضارة الأوروبية، أن يجد سبيلاً إلى صدر العالم الإسلامي. أي أن القيام بحركة انقلابية جوهرية لا يمكن ان تحدث الاّ بالانقياد لدساتير الإسلام، والاّ فلا. علماً انه لم يحدث مثل هذه الحركة في السابق، ولو كانت قد حدثت فلقد تلاشت سريعاً وأفلَت.
ثامناً: ليس بالإمكان القيام بعمل إيجابي بنّاء مع التهاون في الدين، حيث اقتربت الحضارة القرآنية من الظهور وأوشكت الحضارة الأوربية الضالة المسؤولة عن ضعف الدين على التمزق والانهيار. أما القيام بعمل سلبي فليس الإسلام بحاجة إليه، كفاه ما تعرض له من جروح ومصائب.
تاسعاً: ان الذين يولونكم الحب قلباً وروحاً، ويثمنون خدماتكم وانتصاراتكم في (حرب الاستقلال) هذه، هم جمهور المؤمنين، وبخاصة طبقة العوام، وهم المسلمون الصادقون. فهم يحبونكم بجد، ويعتزون بكم بصدق، ويساندونكم بإخلاص، ويقدّرون تضحياتكم، ويمدّونكم بأضخم ما تنبه لديهم من قوة. وانتم بدوركم ينبغي لكم الاتصال بهم والاستناد إليهم اتباعاً لأوامر القرآن الكريم ولأجل مصلحة الإسلام، والاّ فان تفضيل المتجردين من الإسلام والمبتوتي الصلة بالأمة من مقلدي أوروبا المعجبين بها، وترجيحهم على عامة المسلمين منافٍ كلياً لمصلحة الإسلام؛ وسيولي العالم الإسلامي وجهه إلى جهة أخرى طلباً للمساعدة والعون.
عاشراً: ان كان في طريق تسعة احتمالات للهلاك، واحتمال واحد فقط للنجاة، فلا يسلكها الاّ مجنون طائش لا يبالي بحياته.. ففي أداء الفرائض الدينية نجاة بتسع وتسعين بالمائة، علما انه لا يستغرق - هذا الأداء - الاّ ساعة واحدة في اليوم، مقابل ما قد يمكن ان يكون احتمال ضرر واحد فقط يصيب الدنيا ومن حيث الغفلة والكسل. بينما إهمال الفرائض وتركها فيه احتمال تسع وتسعين بالمائة من الضرر مقابل واحد بالمائة من احتمال النجاة من حيث الغفلة والضلالة.. فيا ترى أي مسوّغٍ وأيّ مبرر يمكن ابتداعه في ترك الفرائض الذي يصيب ضرره الدين والدنيا معاً؟ وكيف تسمح حمية الفرد ونخوته بذلك التهاون؟
ان تصرفات هذه القافلة المجاهدة من أعضاء هذا المجلس العالي بالغة الأهمية، إذ إنها سوف تُقلّد.. فالأمة إما أنها تقلّد أخطاءهم او تنتقدها، وكلاهما ملئ بالأضرار والأخطار. لذا فأن تمسكهم بحقوق الله وتوجههم لأداء الفرائض يتضمن حقوق العباد ايضاً.
ان عملاً جاداً لا ينجز مع أولئك الذين يرضون بأوهام براقة نابعة من سفسطة النفس ووسوسة الشيطان ويصمّون آذانهم عن البلاغ المبين والبراهين الساطعة بالتواتر والإجماع.. ألا إن الحجر الأساس لهذا الانقلاب العظيم يجب ان يكون متيناً صلداً.
ان الشخصية المعنوية لهذا المجلس العالي قد تعهدت معنى (السلطنة) بما تتمتع به من قوة، فان لم يتعهد -هذا البرلمان- معنى (الخلافة) وكالةً ايضاً ولم يقم بامتثال الشعائر الإسلامية ولم يأمر الآخرين بالقيام بها، أي إذا اخفق في تقديم (معنى الخلافة) ولم يستوفحاجة الأمة الدينية -هذه الأمة التي لم تفسد فطرتها والمحتاجة إلى الدين اكثر من حاجتها لوسائل العيش- والتي لم تَنس حاجتها الروحية تحت كل ضغوط المدنية الحاضرة ولهوها، فإنها تضطر إلى منح معنى الخلافة إلى ما ارتضيتموه -تماماً- من اسم ولفظ. فتمنح له القوة والإسناد ايضاً لإدامة ذلك المعنى. والحال ان مثل هذه القوة التي ليست بيد المجلس ولا تأتي عن طريقه تسبب الانشقاق، وشق عصا الطاعة يناقض أمر القرآن الكريم الذي يقول:
﴿واعتَصموا بِحَبلِ الله جَميعاً ولا تَفرَّقوا﴾(آل عمران:103)
ان هذا العصر عصر الجماعة، إذ الشخصية المعنوية -التي هي روح الجماعة- اثبت وامتن من شخصية الفرد. وهي اكثر استطاعة على تنفيذ الأحكام الشرعية. فشخصية الخليفة تتمكن من القيام بوظائفها استناداً إلى هذه الروح المعنوية. ان الشخصية المعنوية تعكس روح العامة فان كانت مستقيمة فان إشراقها وتألقها يكون أسطع وألمع من شخصية الفرد، أما ان كانت فاسدة فان فسادها يستشري وفق ذلك. فالشر والخير محددان في الفرد، بينما لا يحدهما حدود في الجماعة. فإياكم ان تمحقوا المحاسن التي نلتموها تجاه الخارج بإبدالها شروراً في الداخل.
انتم اعلم بأن أعداءكم الدائمين وخصومكم يحاولون تدمير شعائر الإسلام، مما يستوجب عليكم إحياء هذه الشعائر والمحافظة عليها. وإلاّ فستُعينون -بغير شعورٍ منكم- العدو المتحفز للانقضاض عليكم.
ان التهاون في تطبيق الشعائر الدينية يفضي إلى ضعف الأمة، والضعف يُغرى العدو فيكم ويشجعه عليكم ولا يوقفه عند حدّه
حسبنا الله ونعم الوكيل.. نعم المولى ونعم النصير.(1) (*)
________________________
(1) المثنوي العربي النوري / 200-204
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (183)
17-)
وهجرتُ السياسة
وهجرتُ السياسة(1)
وقد مرت عليَّ حادثة جديرة بالملاحظة:
رأيت ذات يوم رجلاً عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مغرض حتى بلغ به الأمر إلى حد تكفيره، وذلك لخلاف بينهما حول أمور سياسية، بينما رأيته قد أثنى -في الوقت نفسه- على منافق يوافقه في الرأي السياسي!. فأصابتني من هذه الحادثة رعدة شديدة، واستعذت بالله مما آلت إليه السياسة وقلت: (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة).
ومنذئذٍ انسحبت من ميدان الحياة السياسية.(2)
سؤال: لِمَ لا تهتم إلى هذا الحد بمجريات السياسية العالمية الحاضرة.. نراك لا تغيّر من طورِكَ اصلاً أمام الحوادث الجارية على صفحات العالم. أفترتاح إليها أم انك تخاف خوفاً يدفعك إلى السكوت؟
الجواب: ان خدمة القرآن الكريم هي التي منعتني بشدة عن عالمالسياسة بل أنستني حتى التفكر فيها. والاّ فان تأريخ حياتي كلها تشهد بأن الخوف لم يكبلني ولا يمنعني في مواصلة سيري فيما أراه حقاً. ثم ممَّ يكون خوفي؟ فليس لي مع الدنيا علاقة غير الأجل، إذ ليس لي أهل وأولاد أفكر فيهم، ولا أموال أفكر فيها، ولا أفكر في شرف الأصالة والحسب والنسب. ورحم الله من أعان على القضاء على السمعة الاجتماعية التي هي الرياء والشهرة الكاذبة، فضلاً عن الحفاظ عليها..
فلم يبق الاّ أجلي، وذلك بيد الخالق الجليل وحده. ومن يجرأ أن يتعرض له قبل أوانه. فنحن نفضل اصلاً موتاً عزيزاً على حياة ذليلة.
ولقد قال أحدهم مثل سعيد القديم؛
ونحن أناسٌ لا تَوَسّطَ بَيْننا لنا الصَدْرُ دونَ العالَمينَ أو القبرُ(3)
إنما هي خدمة القرآن تمنعني عن التفكر في الحياة الاجتماعية السياسية وذلك:
ان الحياة البشرية ما هي إلاّ كركب وقافلة تمضي، ولقد رأيت بنور القرآن الكريم في هذا الزمان، ان طريق تلك القافلة الماضية أدت بهم إلى مستنقع آسن، فالبشرية تتعثر في سيرها فهي لا تكاد تقوم حتى تقع في أوحال ملوثة منتنة.
ولكن قسماً منها يمضي في طريق آمنة.
وقسم آخر قد وجد بعض الوسائل لتنجيه -قدر المستطاع- من الوحل والمستنقع.
وقسم آخر وهم الأغلبية يمضون وسط ظلام دامس في ذلك المستنقع الموحل المتسخ.
فالعشرون من المائة من هؤلاء يلطخون وجوههم وأعينهم بذلك الوحل القذر ظناً منهم انه المسك والعنبر، بسبب سُكرهم. فتارة يقومون وأخرى يقعون وهكذا يمضون حتى يغرقون.
أما الثمانون من المائة، فهم يعلمون حقيقة المستنقع ويتحسسون عفونته وقذارته الاّ انهم حائرون، إذ يعجزون عن رؤية الطريق الآمنة.
وهكذا فهناك علاجان اثنان ازاء هؤلاء:
أولهما: إيقاظ العشرين منهم المخمورين بالمطرقة.
وثانيها: اراءة طريق الأمان والخلاص للحائرين بإظهار نور لهم (أي بالإرشاد).
فالذي أراه أن ثمانين رجلاً يمسكون بالمطرقة بأيديهم تجاه العشرين بينما يظل أولئك الثمانون الحائرون البائسون دون أن يُبصّروا النور الحق، وحتى لو اُبصروا فان هؤلاء لكونهم يحملون في أيديهم عصا ونوراً معاً فلا يوثق بهم. فيحاور الحائر نفسه في قلق واضطراب: تُرى أيريد هذا أن يستدرجني بالنور ليضربني بالمطرقة؟. ثم حينما تتحطم المطرقة بالعوارض احياناً، يذهب ذلك النور ايضاً أدراج الرياح أو ينطفئ.
وهكذا، فذلك المستنقع هو الحياة الاجتماعية البشرية العابثة الملوثة الغفلة الملطخة بالضلالة.
وأولئك المخمورون هم المتمردون الذين يتلذذون بالضلالة.
وأولئك الحائرون هم الذين يشمئزون من الضلالة ولكنهم لا يستطيعون الخروج منها، فهم يريدون الخلاص ولكنهم لا يهتدون سبيلاً.. فهم حائرون.
أما تلك المطارق فهي التيارات السياسية، وأما تلك الأنوار فهي حقائق القرآن فالنور لا تثار حياله الضجة ولا يقابل بالعداء قطعاً، ولا ينفر منه الاّ الشيطان الرجيم.
ولذلك، قلت: (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة) لكي أحافظ على نور القرآن. واعتصمت بكلتا يدي بذلك النور، ملقياً مطرقة السياسة جانباً.
ورأيت أن في جميع التيارات السياسية -سواءً الموافقة منها أو المخالفة- عشاقاً لذلك النور.
فالدرس القرآني الذي يُلقى من موضع طاهر زكي مبرأ من موحيات أفكار التيارات السياسية والانحيازات المغرضة جميعها، ويُرشد إليه من مقام أرفع واسمى منها جميعاً، لا ينبغي ان تحجم عنه جهة، ولا يكون موضع شبهة فئة، مهما كانت. اللّهم الاّ أولئك الذين يظنون الكفر والزندقة سياسة فينحازون إليها. وهؤلاء هم شياطين في صورة أناسي أو حيوانات في أجساد بشر.
وحمداً لله فإنني بسبب تجردي عن التيارات السياسية لم أبخس قيمة حقائق
القرآن التي هي اثمن من الألماس ولم اجعلها بتفاهة قطع زجاجية بتهمة الدعاية السياسية. بل تُزيد قيمة تلك الجواهر القرآنية على مرّ الأيام وتتألق اكثر أمام أنظار كل طائفة.(4)
سؤال: لِمَ يتجنب سعيد الجديد تجنباً شديداً وإلى هذا الحد من السياسة؟
الجواب: لئلا يضحى بسعيه وفوزه لأكثر من مليارات من السنين لحياة خالدة، من جراء تدخل فضولي لا يستغرق سنة أو سنتين من حياة دنيوية مشكوك فيها. ثم انه يفر فراراً شديداً من السياسة، خدمةً للقرآن والإيمان والتي هي اجلّ خدمة وألزمها وأخلصها وأحقّها. لأنه يقول:
إنني أتقدم في الشيب، ولا علم لي كم سأعيش بعد هذا العمر. لذا فالأولى لي العمل لحياة أبدية. وهذا هو الألزم. وحيث أن الإيمان وسيلة الفوز بالحياة الأبدية ومفتاح السعادة الخالدة، فينبغي اذاً السعي لأجله. بيد أني عالم ديني، مكلف شرعاً بإفادة الناس، لذا أريد أن اخدمهم من هذه الناحية ايضاً. الاّ أن هذه الخدمة تعود بالنفع إلى الحياة الاجتماعية والدنيوية، وهذه ما لا اقدر عليها، فضلاً عن انه يتعذر القيام بعمل سليم صحيح في زمن عاصف، لذا تخليت عن هذه الجهة وفضّلت عليها العمل في خدمة الإيمان التي هي أهم خدمة والزمها وأسلمها. وقد تركت الباب مفتوحاً ليصل إلى الآخرين ما كسبته لنفسي من حقائق الإيمان وما جربته في نفسي من أدوية معنوية. لعلّ الله يقبل هذه الخدمة ويجعلها كفّارة لذنوب سابقة.
وليس لأحد سوى الشيطان الرجيم ان يعترض على هذه الخدمة، سواءً كان مؤمناً أو كافراً او صدّيقاً او زنديقاً. لأن عدم الإيمان لا يشبهه أمر، فلربما توجد لذة شيطانية منحوسة في ارتكاب الظلم والفسق والكبائر الاّ ان عدم الإيمان لا لذة فيه اطلاقاً، بل هو ألم في ألم، وعذاب في عذاب، وظلمات بعضها فوق بعض.
وهكذا فان ترك السعي لحياة أبدية، وترك العمل لنور الإيمان المقدس، والدخول في ألاعيب السياسة الخطرة وغير الضرورية، في زمن الشيخوخة إنما هو خلاف للعقل ومجانبة للحكمة لشخص مثلي لا صلة له مع أحد، ويعيش منفرداً، ومضطر إلى التحري عن كفارات لذنوبه السابقة. بل يعدّ ذلك جنوناً وبلاهة، بل حتى البلهاء يفهمون ذلك.
أما إن قلت: كيف تمنعك خدمة القرآن والإيمان عن السياسة؟
فأقول: ان الحقائق الإيمانية والقرآنية ثمينة غالية كغلاء جواهر الألماس، فلو انشغلت بالسياسة، لخطر بفكر العوام: أيريد هذا ان يجعلنا منحازين إلى جهة سياسية؟ أليس الذي يدعو إليه دعاية سياسية لجلب الاتباع؟ بمعنى انهم ينظرون إلى تلك الجواهر النفيسة انها قطع زجاجية تافهة، وحينها أكون قد ظلمت تلك الحقائق النفيسة، وبخست قيمتها الثمينة، بتدخلي في السياسة.
فيا أهل الدنيا! لِمَ لا تدعوني وشأني، وتضايقونني بطرق شتى؟(5)
قيل: لِمَ انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟.
الجواب: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها. فذهبت محاولته أدراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها. وان التدخل فيها فضول -بالنسبة اليّ- فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب. وهي ذات خطورة. وان اغلبها خداع وأكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الأجنبي دون ان يشعر. وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة او معارضاً لها، فان كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة اليّ فضول ولا يعنيني بشئ، حيث انني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة اليّ لأتدخل فيها. واذا دخلت ضمن المعارضة او السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر او عن طريق القوة. فان كان التدخل فكرياً فليس هناك حاجة اليّ ايضاً، لان الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلاداعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن اظهر المعارضة بإحداث المشاكل لاجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه. فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد. فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام والقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال او احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة..(6) (*)
__________________________
(1) لاشك أن السياسة بمفهومها الشرعي يزاولها المسلم بمواقفه من الاحداث اليومية؛ بيد أن السياسة التي خَبَرها الأستاذ النورسي وعرف عدم جدواها بل ضررها بالإخلاص والعمل الإسلامي هي السياسة الميكيافيلية الحاضرة والتي وصفها بالوحش الكاسر فاستعاذ بالله منها، وفي الوقت نفسه لم يأل جهداً في نصح الحكام وذوي السلطة، إلا أنه لم يتزلف لهم ولم يسر في ركابهم مثلما أنه لم يواجههم مواجهة مادية يإحداث القلاقل والاضطرابات. ورسائل النور زاخرة بمواقفه هذه من الاحداث عبر حياته الطويلة نقلنا هنا نماذج منها فحسب.
(2) المكتوبات/ 346
(3) لأبي فراس الحَمداني.
(4) المكتوبات/ 59
(5) المكتوبات/77-79
(6) المكتوبات/77-79
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (202)
18-)
في منفى بارلا المدرسة النورية الأولى
في منفى بارلا
المدرسة النورية الأولى
1 مارت1927- 25 نيسان 1935
ملامح هذه الفترة
هذه الفترة حافلة بالأحداث الجسام التي عصفت بتركيا فعاشت دوراً حالكاً جداً من الإستبداد المطلق والطغيان الغاشم والعداء الصريح الشرس للدين والسعي المتواصل لمحاولة إطفاء نور الله وإمحاء شريعته، تحت أسماء مزخرفة كالتمدن والتحضر.
استمر هذا الوضع المظلم مدة ربع قرن من الزمان -أي حتى سنة1950م- إذ دأبت السلطة الحاكمة آنذاك على قلب كل شئ وأن تغيّر كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، عقيدةً وتراثاً وعادات وتقاليد.. بل حتى الزي والملابس والأرقام وحروف الكتابة والأعياد وأيام العطل.. الخ.. فسنّت سلسلة من القوانين .ندرج فيما يأتي:
أهم الأحداث والإجراءات
في الفترة 1922-1940
1922
1/11/1922 إلغاء السلطنة العثمانية
1923
24/8/1923 التوقيع على معاهدة لوزان
29/10/1923 إعلان الجمهورية وانتخاب مصطفى كمال أول رئيس للجمهورية، واتخاذ آنقرة العاصمة.
1924
16/3 قانون توحيد التدريسات (رقم 430 في 3 مارت 1340 رومي) وبموجبه اُلغي تدريس الدين واُلحقت المدارس جميعها إلى وزارة المعارف. وأغلقت مدارس القرآن الكريم والدين.
3/3 إلغاء الخلافة، وإخراج جميع أفراد العائلة العثمانية الحاكمة إلى خارج الحدود.
24/4 إلغاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية و المحاكم الشـرعية. وإعادة النظر في دستور الدولة.
1925
13/2 بداية إندلاع ثورة الشيخ سعيد پيران (الپالوي)
21/2 إعلان الأحكام العرفية في الولايات الشرقية
4/3 قانون إقرار السكون (قانون إقرار النظام في البلاد)
6-9/3 غلق عشرة من الصحف الصادرة باستانبول
29/6 إعدام الشيخ سعيد پيران وسبعة وأربعين من أعوانه وإغلاق جميع التكايا والزوايا في شرقي الأناضول
25/7 إلغاء التقويم الرومي المستعمل واستعمال التقويم الغريغوري الأوروبي واستعمال الأوقات حسب الساعات الزوالية (برقم 697، 698 ووضعه موضع التنفيذ اعتباراً من 1/1/1926)
24/8 ظهور مصطفى كمال بالقبعة في قسطموني
2/9 غلق الأضرحة والمزارات، والقرار الوزاري برقم 2493 حول القيافة الدينية وما يلبسه الموظفون على رؤوسهم.
4/9 اشتراك النساء المسلمات لأول مرة في حفلة رقص في منطقة تقسيم باستانبول
8/12 قانون القيافة (رقم 671 في 25/11/1341) ولبس القبعة وتكشّف النساء (إقرار الزي الأوروبي)
14/12 قانون غلق جميع التكايا والزوايا في البلاد (برقم 677 في 30/11/1341 رومي) وإجبار موظفي المساجد بارتداء الزي الأوروبي والموظفين بلبس القبعة.
إلغاء الألقاب كالشيخ والخليفة والمريد
1926
17/2 إلغاء النكاح الإسلامي ووضع قانون النكاح المدني (برقم 743) وبموجبه: حرّم تعدد الزوجات وأُلغي المهر المفروض على الزوج ، ومنع الزوج من حق الطلاق، واصبحت البنت حرة في اختيار الزوج من أي دين كان، والتسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، وأُلغي نظام الإرث بالقرابة والتعصب...
16/ 5 وفاة السلطان (محمد وحيد الدين) في مدينة (سان ريمو) الايطالية.
4/10 قبول القانون المدني الأوروبي - الذي هو عبارة عن الترجمة الحرفية للقانون السويسري وترجمة القانون الإيطالي- وعدّه قانون الجزاء التركي . وإلغاء القوانين الشرعية كافة.
4/10 نصب تمثال مصطفى كمال في منطقة (سراي بورنو) باستانبول.
1927
20/5 إزالة كل ما يمت إلى الدولة العثمانية من لوحات وطغراء في الدوائر الرسمية (رقم 1057)
4/11 الاحتفال برفع الستارة عن تمثال (النصر) بآنقرة.
1928
3/2 أول خطبة للجمعة بالتركية.
10/4 إخراج كلمة (الله) من القَسَم الذي يؤديه رجال الدولة وإخراج جملة (دين الدولة الرسمي الإسلام) وجميع التعابير والاصطلاحات الدينية من الدستور باقتراح من عصمت اينونو ورفقائه، بقانون رقم 122.
24/5 اتخاذ الأرقام الأوروبية بدل العربية بقانون رقم 1288
1/11 تقليص عدد موظفي المساجد من (2128) إلى (188) فقط.
1/11 إقرار الحروف اللاتينية بدلاً من العربية المستعملة (بقانون رقم 1353 ) وبموجبه بيعت أطناناً من الوثائق والكتب القيمة بأزهد الأثمان وأطناناً منها أرسلت إلى مصانع الورق.
1/11 إجبار الصحف ولوحات الأزقة والشوارع والمحلات على اتخاذ الحروف الجديدة.
30/12 غلق (90) مسجداً في استانبول
1929
1/ 9 رفع الدروس العربية والفارسية من المدارس ووضع الحظر على قراءة القرآن وكذا الكتب الدينية وتنفيذ القرار بشدة.
وفي هذه الأثناء وضع الحظر على اسـتعمال الألقاب العثمانية كالباشا والافندي وما شابه.
1930
24/3 منح المرأة الحق في انتخابات البلديات
23/12 حادثة مَنمَن ( وثورات في كل من آغري 1930 و موش و وادي زيلان 1931)
1931
3/2 إعدام (28) شخصاً بحادثة منمن
26/2 قبول القياس المتري وتنفيذه اعتباراً من 1/4
1932
22/1 قراءة القرآن المترجم إلى التركية
6/2 خطبة الجمعة بالتركية في جامع السليمانية باستانبول
1/2 حدوث ثورة في بورصة احتجاجاً على الاذان بالتركية
7/2 اصبح الاذان بالتركية نافذاً في جميع المساجد
1934
5/11 منح المرأة حق الانتخابات العامة
26/ 11 قانون رفع الألقاب(برقم 2590)
3/ 12 منع إرتداء ملابس معينة (بقانون رقم 2596)
1935
2/1 جعل يوم الأحد عطلة الأسبوع بدلاً من الجمعة
1/2 تحويل مسجد اياصوفيا إلى متحف بعد إغلاقه مدة من الزمن وتحويل جامع الفاتح إلى مستودع كما صدر قرار بفرش المسـاجد بالكراسي واستخدام (الاورج) فيها حيث تتم تلاوة القرآن بمصاحبة الموسيقى، الاّ انه لم ينفذ.
إننا قمنا في ظرف أسبوعين بتأليف رسالة (الثمرة) للمسجونين، وهي رسالة تلخص أهداف رسائل النور وتبين أسسها وغاياتها. فهي بمثابة رسالة دفاع عن رسائل النور.(2)
وعندما كنت أصحح الثمار الفردوسية واليوسفية للأبطال الميامين، جلبت انتباهي تلك الرسالة (الثمرة) حيث بدت لي أهميتها.
فصرخت:
لو تضاعفت متاعب السجن كلها مائة ضعف فقد ادّت هذه الرسالة أضعافها من الوظائف، إذ تستقرئ نفسها في شتى الأوساط العامة، وتسوق إلى الإيمان حتى المتعنتين.
أيها الشقاة! يا من تضيّقون عليّ الخناق! اعملوا ما شئتم واقضوا ما انتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كل المصائب التي تنزل بنا هينة تافهة، بل انها عناية إلهية محضة ورحمتها بعينها. قلت هذا ووجدت السلوان الكامل.(3)
إنني أخال ان الرسالة الصغيرة التي اثمرها سجن (دنيزلى) ستكون دفاعنا الحقيقي والأخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقاً والناشئة من أوهام وشكوك أثيرت ضدنا منذ سنة، قد صممت على نطاق واسع، وهي: العمل لطريقة صوفية.. انهم منظمة سرية.. وأداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة والإخلال بأمن البلاد.. وأشباهها من الحجج التي لا أساس لها من الصحة. لذا شنوا هجومهم علينا.
فلله الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أصبحت خططهم بائرة وباءت بالإخفاق، إذ لم يجدوا في هذا الميدان الواسع وبين مئات من الطلاب ومئات من الرسائل والكتب طوال ثماني عشرة سنة سوى أبحاث في حقيقة الإيمان والقرآن وتحقق الآخرة والسعي للسعادة الأبدية، لذا بدأوا يتحرون عن حجج تافهة جداً ليستروا بها خططهم.
ولكن ازاء احتمال الهجوم علينا باستغفال بعض أركان الحكومة والتغرير بهم وإثارتهم علينا من قبل منظمة ملحدة رهيبة متسترة تعمل حالياً عملاً مباشراً في سبيل الكفر المطلق، فان رسالة (الثمرة) الواضحة كالشمس والمزيلة للشبهات والأوهام، والراسخة رسوخ الشم العوالي، تكون أقوى دفاع لنا تجاههم، وسوف تسكتهم بإذن الله.
واحسب انها كتّبت لنا لأجل هذا.(4)
.. وما ان دخل طلاب النور ورسالة (الثمرة) التي كتبت للمسجونين حتى تاب اكثر من مائتي سجين وتحلّوا بالطاعة والصلاح، وذلك في غضون ثلاثة أشهر أو تزيد. حتى أن قاتلاً لأكثر من ثلاثة أشخاص كان يتحاشى أن يقتل (بقة الفراش). فلم يعد عضواً لا يضر، بل اصبح نافعاً رحيماً للبلاد.
فكان الموظفون المسؤولون ينظرون إلى هذا الوضع بحيرة واعجاب، حتى صرّح بعض الشباب قبل ان يستلموا قرار المحكمة: (إذا لبث طلاب النور في السجن فسنحكم على انفسنا وندينها لنظل معهم ونتتلمذ عليهم ونصلح انفسنا بإرشاداتهم لنكون أمثالهم). فالذين يتهمون طلاب النور الذين لهم هذه الخصائص والخصال بالإخلال بالأمن لا محالة قد انخدعوا بشكل مفجع، او خُدعوا، او انهم يستغفلون أركان الحكومة في سبيل الفوضى والإرهاب -من حيث يعلمون او لا يعلمون- لذا يسعون لإبادتنا وإقحامنا في العذاب.
فنحن نقول لهؤلاء:
مادام الموت لايُقتل والقبر لايُغلق بابه، وقوافل البشرية في دار ضيافة الدنيا تغيب وتتوارى فيما وراء التراب بسرعة مذهلة.. فلا مناص أننا سنفترق في اقرب وقت، وسترون جزاء ظلمكم جزاءً رهيباً، وفي الأقل ستذوقون الموت الذي هو تسريح من الحياة عند أهل الإيمان المظلومين، ستذوقونه إعداماً ابدياً لكم، فالأذواق الفانية التي تكسبونها بتوهمكم الخلود في الدنيا ستنقلب إلى آلام باقية مؤلمة دائمة..
ان حقيقة الإسلام التي ظفرت بها هذه الأمة المتدينة وحافظت عليها بدماء مئات الملايين من شهدائها الذين هم بمرتبة الأولياء وسيوف أبطالها المجاهدين يطلق عليها اليوم -مع الأسف- أعداؤنا المنافقون المتسترون اسم الطريقة الصوفية احياناً، ويظهرون الطريقة الصوفية التي هي شعاع واحد من أشعة تلك الشمس المنيرة انها الشمس نفسها ليموهوا على بعض الموظفين السطحيين. مطلقين على طلاب النور الذين يسعون بجد ونشاط لإبراز حقيقة القرآن وحقائق الإيمان اسم (أهل الطريقة الصوفية)(5) او(جمعية سياسية) ولا يبغون من ورائها الاّ التشويه والتحريض علينا. فنحن نقول لهؤلاء ولكل من يصغي إليهم قولتنا التي قلناها أمام محكمة دنيزلي العادلة:
ان الحقيقة المقدسة التي افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رأسنا ايضاً، فلو اشعلتم الدنيا على رؤوسنا ناراً فلن ترضخ تلك الرؤوس التي افتدت الحقيقة القرآنية ولن تسلم القيادة للزندقة ولن تتخلّى عن مهمتها المقدسة بإذن الله.
وهكذا فلا أستبدل بسنة واحدة من شيخوختي التي أنشأت حوادثُها اليأسَ والأعباء الثقيلة والتي أسعفها السلوان النزيه النابع من الإيمان والقرآن، مع ما فيها من معاناة وضيق، عشر سنوات بهيجة سارة من حياة شبابي. وبالأخص إذا كان كل ساعة من ساعات التائب المقيم لفرائضه في السجن بحكم عشر ساعات له من العبادة، وان كُل يوم يمرّ بالمريض وهو مظلوم يجعل صاحبه يفوز بثواب عشرة ايام خالدة، فكم يكون مثل هذه الحياة مبعث شكر وامتنان لله ،لمثلي الذي يترقب دوره وهو على شفير القبر.
نعم، فهذا هو الذي فهمته من ذلك التنبيه المعنوي، فقلت: شكراً لله بلا نهاية.. وفرحت بشيخوختي ورضيت بالسجن.
حيث ان العمر لا يتوقف بل يمضي مسرعاً، فان مضى باللذة والفرح فانه يورث الحزن والأسى؛ لان زوال اللذة يورث الألم، وان مضى مشبعاً بالغفلة خاوياً من الشكر فانه يترك بعض آثار الآثام ويفنى هو ويمضي.
ولكن إذا مضى العمر بالعناء والسجن، فلكون زوال الألم يورث لذةً معنوية، وأن مثل هذا العمر يعدّ نوعاً من العبادة؛ لذا يظل باقياً من جهة، فيجعل صاحبه يفوز بعمر خالد بثمرات خالدة خيّرة، ومن جهة أخرى يكون كفّارة للذنوب السابقة وتزكية للأخطاء التي سببت السجن.
فمن زاوية النظر هذه على المسجونين الذين يؤدون الفرائض أن يشكروا الله تعالى ضمن الصبر.(6)(*)
_________________________
(1) تأليفاته الأخرى فى سجن دنيزلي:
1- الشعاع الثاني عشر (عدد من دفاعاته في محكمة دنيزلي)
2-الشعاع الثاني عشر (رسائل مسلية وموجهة الى طلاب النور)
3-مكاتيب توجيهية الى طلابه يبلغ عددها(120) مكتوباً .ب 2/1114
(2) الشعاعات/330 وقد ألّفت المسائل الثمانية الأولى من رسالة الثمرة سنة 1943 أما المسألة التاسعة فقد أُلّفت قي بداية سنة 1944. ب2/1023
(3) الملاحق/ اميرداغ 238
(4) الشعاعات/363-364
(5) ذلك لأن الطرق الصوفية كانت يومئذ محظورة في نظر القانون. فاتهامهم بالطريقة الصوفية كان الغرض منها ادانتهم قانونيا.
(6) اللمعات/400-402
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:327
20-)
مرشد الشباب
سنة 1952
قضية (مرشد الشباب)(1)
بعد المكوث في مدينة (أسكي شهر) توجّه الأستاذ بديع الزمان إلى مدينة (إسپارطة) في اواخر سنة 1951 حيث بقي فيها سبعين يوماً، إلتقى طلابه مستعيداً ذكرى سنوات نفيه التي قضاها فيها.
في تلك الأيام قام بعض طلاب النور الجامعيين في استانبول بطبع رسالة (مرشد الشباب) بالحروف الجديدة(2) مما تسبّب في اقامة دعوى ضده بحجة مخالفته للمادة (163) في الدستور التركي؛ وهي المادة التي تحظر أي نشاط يستهدف اقامة الدولة على أسس دينية.
وقد اُستدعي الأستاذ بديع الزمان إلى استانبول للمثول أمام محكمة الجزاء الكبرى وحدد يوم 22/1/ 1952م للنظر في هذه الدعوى، فتوجّه بديع الزمان إلى استانبول في 15/ 1. كانت هذه أول زيارة لمدينة استانبول بعد غيبة دامت سبعة وعشرين عاماً. ولهذا تقاطر عليه الزوار في فندق (آق شهر) ثم في فندق (رشادية).
انعقدت المحكمة في يوم 22/1. وجاء الأستاذ يحف به المئات من طلبة النور
كانت قاعة المحكمة قد امتلأت بجموع من الشعب الذين حضروا لمتابعة هذه القضية ولرؤية هذا العالم الجليل الذي شغل تركيا كل هذه السنين. كما امتلأت ممرات المحكمة، وامتد الإزدحام إلى الشارع.
جلس الأستاذ في المكان المخصص للمتهمين. وبدأ الادعاء العام بقراءة تقرير الخبراء المكلفين بتدقيق رسالة (مرشد الشباب) ثم تمّ استجواب الأستاذ. كان تقرير الخبراء يقول باختصار ما يأتي:
(أن المؤلف يحاول في رسالته هذه نشر الفكرة الدينية، وانه يحاولرسم طريق معين للشباب بوساطة هذه الأفكار، وانه يدعو النساء إلى الاحتشام وعدم السير والتجول بملابس تكشف عن اجسامهن لان ذلك يصادم الفطرة، ويخالف الإسلام والآداب القرآنية.
كما ان المؤلف يدعو إلى تدريس الدين وهو بذلك يؤيد اقامة نظام الدولة على اسس دينية.. الخ).
وبعد الانتهاء من قراءة صيغة الإتهام قام الأستاذ بديع الزمان للردّ على ما ورد اعلاه.(3)(*)
_______________
(1) رغم التبدل الذي حدث في السلطة، فالعقلية الحاكمة على اغلب المسؤولين هي نفسها عقلية الحزب الشعب الجمهوري ولهذا فتح المدعى العام في كل من اميرداغ، استانبول، صامسون، دعاوى على الأستاذ النورسي، وفُتش بيته عدة مرات واُستدعى هو وضيوفه وزواره الى المخفر واشيعت عنه إشاعات مغرضة كثيرة؛ كل ذلك لإلقاء الظل على العهد الديمقراطي انه ليس بجانب المتدينين. وبالمقابل كتب الأستاذ وطلابه عرائض احتجاج الى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لبيان الموقف وجرت مقابلات مع عدد من النواب ورئيس رئاسة الشؤون الدينية بهذا الشأن.
(2) تضم هذه الرسالة مستلات من كليات رسائل النور، تهم حياة الشباب الدنيوية والاخروية. ولأول مرة يُنشر كتاب اسلامي بهذا النطاق الواسع أي بعد سبع وعشرين سنة
(3) T.H.İsparta Hayatı
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:444
21-)
حكمة التكرار في القرآن
في منفى أميرداغ
تأليف رسالة حول حكمة التكرار في القرآن:(1)
طرق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة،(2) ان زنديقاً عنيداً، قد فضح سوء طويته وخبث قصده بأقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطة رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته. وصرح قائلاً: ليترجم القرآن لتظهر قيمته؟ أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتتلى ترجمته بدلاً منه! إلى آخره من الأفكار السامة. الا أن رسائل النور بفضل الله، قد شلت تلك الفكرة وجعلتها عقيمةً بائرة وذلك بحججها الدامغة وبانتشارها السريع في كل مكان، فأثبتت اثباتاً قاطعاً أنه:
لا يمكن قطعا ترجمة القرآن الكريم ترجمة حقيقية.. وان أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونكته البلاغية اللطيفة.. وان الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تحل - بأي حال - محل التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقا تلاوة الترجمة بدلاً منه.
بيد ان المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعوا بمحاولات هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نور القرآن الكريم بأفواههم. ولكن لما كنت لا التقي احداً، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، الا أن اغلب ظني ان ما أوردته آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه (المسألة العاشرة) على رغم ما يحيط بي من ضيق.(3)
(ورغم كل الصعاب كان محبو الأستاذ يتقاطرون إلى زيارته و لا يوفّق منهم بالزيارة الاّ القليل، لشدة الترصد. وكان يتجاذب معهم الحديث حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة..فكان حديثه مجملاً حول أهمية الإيمان في الوقت الحاضر وان القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن، وان أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد. ولهذا يتكالب عليها الأعداء من الملحدين ويختلقون الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، فلا محيد عن العمل الإيجابي البناء وحده، إذ في يدنا نور وليس صولجان السياسة. وحتى لو كانت لنا مائة من الأيدي لكانت تكفي للنور. وان أساس مسلكنا الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور.
في هذه الفترة التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة ألّف:
1- المسألة الحادية عشرة لرسالة الثمرة حول ثمرات الإيمان بالملائكة سنة 1945
2- الرجاء الرابع عشر من اللمعة السادسة والعشرين،تأملاته في الآية الكريمة ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾
3- الرجاء السادس عشر من اللمعة السادسة والعشرين حول نفيه الى قسطموني وما أعقبته من احداث.
4-فضلاً عما يقرب من (250) رسالة توجيهية الى الطلاب.
(4) المقصود سنة 1932م حيث ترجم القرآن الكريم الى التركية وحاولت السلطات فرض قراءة الترجمة في الصلوات.
(3) الشعاعات/315
T. H. Emirdağ Hayatı(4)
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:363
22-)
صحوة روحية ومدد قرآني
صحوة روحية ومدد قرآني:
كنت اسيراً أثناء الحرب العالمية الأولى في مدينة قصية، في شمال شرقي روسيا تدعى (قوصترما).كان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر فولغا المشهور..كنت ضجراً من بين زملائي الضباط الأسرى، فآثرت العزلة، الاّ أنه لم يكن يسمح لي بالتجوال في الخارج دون إذن ورخصة، ثم سمح لي بأن أظل في ذلك الجامع بضمانة أهل حيّ التتار وكفالتهم، فكنت أنام فيه وحيداً، وقد اقترب الربيع، وكانت الليالي طويلة جداً في تلك البقعة النائية..
كان الأرق يصيبني كثيراً في تلك الليالي الحالكة السواد، المتسربلة بأحزان الغربة القاتـمة، حيث لا يُسمع الاّ الخرير الحزين لنهر (فولغا)، والأصوات الرقيقة لقطرات الأمطار، ولوعة الفراق في صفيـر الرياح.. كل ذلك أيقظني - مؤقتاً - من نوم الغفلة العميق..
ورغم أنني لم اكن اعدّ نفسي شيخاً بعدُ، ولكن من يرى الحرب العالمية يشيخ، حيث يشيب من هول أيامها الولدان، وكأن سراً من أسرار الآية الكريمة ﴿يَوماً يَجعلُ الوِلدانَ شيباً﴾(المزمل:17) قد سرى فيها. ومع أنني كنت قريباً من الأربعين الاّ أنني وجدتُ نفسي كأنني في الثمانين من عمري..
في تلك الليالي المظلمة الطويلة الحزينة، وفي ذلك الجو الغامر بأسى الغربة، ومن واقعي المؤلم الأليم، جثم على صـدري يأس ثقيل نحو حياتي وموطني، فكلما التفتُّ إلى عجزي وانفرادي انقطع رجائي وأملي. وإذ أنا في تلك الحالة جاءني المدد من القرآن الكريم..
فردد لساني: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(آل عمران:173)
وقال قلبي باكياً:
أنا غريب.. أنا وحيد.. أنا ضعيف.. أنا عاجز.. انشد الأمان.. اطلب العفو.. اخطب العون.. في بابك يا الهي.
أما روحي التي تذكرت أحبابي القدامى في بلدي، وتخيلت موتي في هذه الغربة، فقد تمثلت بأبيات نيازي المصري(1):
مررت بأحزان الدنيا، وأطلقت جناحي
للحرمان
طائراً في شوق، صائحاً في كل لحظة:
صديق!.. صديق..!
على أي حال.. فقد اصبح (عجزي) و(ضعفي) في تلك الليالي المحزنة الطويلة والحالكة بالفرقة والرقة والغربة وسيلتين للتقرب إلى عتبة الرحمة الإلهية، وشفيعين لدى الحضرة الإلهية، حتى أنني لا أزال مندهشاً كيف استطعت الفرار بعد ايام قليلة. واقطع بصورة غير متوقعة مسافة لا يمكن قطعها مشياً على الأقدام الاّ في عام كامل، ولم اكن ملمّاً باللغة الروسية. فلقد تخلصت من الأسر بصورة عجيبة محيّرة، بفضل العناية الإلهية التي ادركتني بناء على عجزي وضعفي، ووصلت استانبول ماراً بـ(وارشو) و(فينا). وهكذا نجوت من ذلك الأسر بسهولة تدعو إلى الدهشة، حيث أكملت سياحة الفرار الطويل بسهولة ويسر كبيرين، بحيث لم يكن لينجزها أشجع الأشخاص وأذكاهم وأمكرهم وممن يلمّون باللغة الروسية.(2)(*)
_________________
(1) نيازي المصري (1618-1694م) شاعر تركي صوفي، ولد في قرية قريبة لولاية "ملاطية". أكمل دراسته في الأزهر الشريف فلقب بـ "المصري" له ديوان شعر ومؤلفات منها: رسالة الحسنين، موائد العرفان وعوائد الاحسان، هدية الاخوان.. تولى الارشاد في مدارس استانبول العلمية.
(2) اللمعات/ 359
(*) السيرة الذاتية /131
23-)
وسائل الأعداء لتشتيت الاخوة
النورسي
بديع الزمان
من رسائل سجن دنيزلي
وسائل الأعداء لتشتيت الاخوة
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
ان ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.
نعم يا اخوتي، لا داعي للإخفاء، ان أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية. فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملاً بأن يفرّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:
اولاً: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.
ثانياً: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.
ثالثاً: ان الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل متعها المخدرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الاخوة فيما بينهم مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة..
هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا ايضاً.. الاّ انهم انخدعوا، لان مسلك (رسائل النور) قد أسس على الإخلاص التام، وترك الأنانية، واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان ان مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا ايضاً هو في الإيمان. فضلاً عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أياً كانت ان تبلغها.لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن الله، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون.(1)(*)
_______________
(1) الشعاعات/357-358
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:348
24-)
عدم اطلاق اللحية
حالات متميزة
عدم اطلاق اللحية:
ان اطلاق اللحية سنة نبوية، وليست خاصة بالعلماء. وقد نشأتُ منذ صغري عديم اللحية وعشتُ في وسط اناس تسعين بالمئة منهم لا يطلقون لحاهم.
هذا وان الأعداء يغيرون علينا دائماً وقد حلقوا لحى بعض احبابي فأدركتُ عندها حكمة عدم اطلاقي اللحية، وانه عناية ربانية، إذ لو كنت مطلقاً اللحية وحُلقتْ، لكانت رسائل النور تتضرر ضرراً بالغاً، حيث كنت لا اتحمل ذلك فأموت.
ولقد قال بعض العلماء: لا يجوز حلق اللحية. وهم يقصدون عدم حلقها بعد اطلاقها، لأن حلقها بعد اطلاقها حرام. اما اذا لم يطقلها فيكون تاركاً لسنة نبوية.
ولكن في الوقت الحاضر لأجل إجتناب كبائر عظيمة جداً قضينا طوال عشرين سنة حياة أليمة أشبه بالسجن الإنفرادي، نسأله تعالى ان تكون كفارة لترك تلك السنة النبوية. واعلن هذا ايضاً إعلاناً صريحاً قاطعاً:
إن رسائل النور مُلك القرآن العظيم، فأنّى لي الجرأة أن أدّعي تملكها! لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي فيها قطعاً، فأنا لست الاّ خادماً مذنباً لذلك النور الباهر، ودلاّلاً داعياً في متجر المجوهرات والألماس.
فأحوالي المضطربة لا تؤثر فيها ولا تمسّها أصلاً.(1)(*)
_______________
(1) الملاحق-اميرداغ 1/250
تذكر شاهدة يوكسل: "وجّه الحاكم هذه الاسئلة الى الأستاذ في أثناء المحكمة:
- ما صنعتك؟
- إنقاذ الإيمان، فإيمان اخواني يضطرم ناراً .
- لِمَ لا تطلق اللحية؟
- لكي لا تحلقوها أنتم.
-لِمَ تركت سنة الزواج ؟
- الذين طبقوا هذه السنة تركوا الفرائض. Son Şahitler 3/411
ويذكر حلمي آريجي: "قال لي الأستاذ يوماً: ربما يرد الى خاطرك عدم إطلاق لحيتي، سأوضح لك السبب كي تزول شبهتكم. إن سبب عدم عملي بهذه السنة النبوية هو:
إن لي اكثر من مليون من الطلاب، فإن أطلقت اللحية فهم يطلقونها شيباً وشباباً، وستكون لحية الشباب موضع استهزاء لدى أقرانهم، ولهذا أجّلت اتباع هذه السنة النبوية". Son Şahitler 2/265
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:496
25-)
النورسي خطواته نحو العلم وشيوخه
النورسي
بديع الزمان
خطواته نحو العلم وشيوخه : 1885م (1303هـ)
أقسم بالله إن ارسخ درس أخذته، وكأنه يتجدد عليّ، إنما هو تلقينات والدتي رحمها الله ودروسها المعنوية، حتى استقرت في أعماق فطرتي واصبحت كالبذور في جسدي، في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم اني قد أخذت دروساً من ثمانين ألف شخص، [1] بل أرى يقينا ان سائر الدروس إنما تبنى على تلك البذور. بمعنى اني أشاهد درس والدتي - رحمها الله - وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولي من عمري، البذور الأساس ضمن الحقائق العظيمة التي أراها الآن وأنا في الثمانين من عمري. وكانت بداية تحصيل العلم سنة 1885م ( 1303 هـ) بتعلّم القرآن الكريم حيث ساقته حالته الروحية إلى مراقبة ما يستفيضه أخوه الكبير عبدالله من العلوم فأعجب بمزاياه الراقية وتكامل خصاله الرفيعة بتحصيله العلوم، وشاهد كيف انه بزّ أقرانه في القرية وهم لا يستطيعون القراءة والكتابة. فدفعه هذا الإعجاب إلى شوق عظيم جاد لتلقي العلم؛ لذا شدّ الرحال إلى طلبه في القرى المجاورة لـنورس حتى حطها في قرية تاغ عند مدرسة الملا محمد أمين أفندي إلاّ أنه لم يتحمل المكوث فيها، فتركها.
فعاد إلى قريته نورس وهي المحرومة من كتّاب او مدرسة لتلقي العلم، واكتفى بما يدرّسه له أخوه الكبير الملا عبدالله في أثناء زيارته الأسبوعية للعائلة.
وبعد مدة قصيرة ذهب إلى قرية برمس ومن بعدها إلى مراعي شيخان -أي شيخ تاغي - ثم إلى قرية نورشين وبعدها إلى قرية خيزان ولرفضه التحكم به تشاجر في قرية برمس مع أربعة من الطلاب، حيث اتفق هؤلاء الأربعة على مشاكسته باستمرار مما دفعه إلى المثول بين يدي الشيخ سيد نور محمد شاكياً إليه هؤلاء الأربعة قائلاً باعتزاز:
- أيها الشيخ المحترم! أرجو أن تقول لهؤلاء ألاّ يأتوا للشجار معي جميعاً فليأتوا مثنى مثنى!
انشرح الشيخ سيد نور محمد من هذه الرجولة المبكرة في سعيد الصغير وقال ملاطفاً:
- أنت تلميذي، لن يتعرض لك أحد.
وبعد هذه الحادثة أُطلق عليه تلميذ الشيخ فظل في هذه المدرسة مدة، ثم تركها ذاهباً مع أخيه الملا عبد الله إلى قرية نورشين.
وكان يحق لكل عالم حصل على إجازة العالِمية ان يفتح كتّاباً (مدرسة) في القرية التي يرغب فيها حسبةً لله. وتقع مصاريف الطلاب عليه إن كان قادراً على ذلك، وإلاّ فالأهلون يتداركونها من الزكاة والصدقات والتبـرعات. بمعنى أن العالم عليه التدريس مجاناً والاهلون يتعهدون بدفع احتياجات الطلاب ولوازمهم. إلاّ أن سعيداً الصغير كان ينفرد من بين الطلاب جميعهم في عدم أخذه الزكاة من أحد.(*)
______________________________________
[1] أي أنه قد أخذ الدرس من كل ما حوله حتى من الذباب ، حيث يقول:" اني رأيت نفسي مغرورة بمحاسنها. فقلتُ: لا تملكين شيئاً!. فقالت: فاذاً لا اهتم بما ليس لي من البدن.. فقلت: لابد ان لا تكوني اقل من الذباب.. فان شئتِ شاهداً فانظري إلى هذا الذباب، كيفَ ينظِّفُ جناحَيهِ برجليهِ ويمسحُ عينيه ورأسه بيديه! سبحان من ألهَمَه هذا، وصيّره استاذاً لي وأفحمَ به نفسي!". المثنوي العربي النوري/ 168
(*) سيرة ذاتية - ص: 43
26-)
النورسي الدراسة الحقة
النورسي
بديع الزمان
الدراسة الحقة :
بدأت دراسته الحقة في بايزيد، إذ لم يكنِ قد قرأ حتى الآن سوى مبادئ النحو والصرف، وقد قرأ إلى الإظهار. [1]
وفي ذلك الوقت لم يبد على سعيد ذكاء خارق او قوة معنوية وحدها بل
ظهرت ايضاً حالة عجيبة كانت خارجة عن نطاق استعداده وقابليـاته كلها، بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادى الصرف والنحو خلال سنة او سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه اكمل قراءة ما يقرب من خمسين كتابا خلال ثلاثة اشهر، وقد استوعبها واُجيز عليها وتسلم الشهادة بإكمالها.
دامت هذه الدراسة الجادة والمكثفة ثلاثة اشهر على يد الشيخ محمد الجلالي والغريب انه أتم قراءة جميع الكتب المقررة للطلاب في شرقي الأناضول، ابتداءً من ملا جامي [2] إذ كان يقرأ من كل كتاب درساً او درسين وربما إلى عشرة دروس، من دون أن يتم الكتاب ثم يبدأ بغيـره. وعندما استفسر منه أستاذه الشيخ محمد الجلالي عن سبب قيامه بهذا العمل - المخالف للعرف السائد - أجاب:
- ليس في طوقي قراءة جميع هذه الكتب وفهمها، فهذه الكتب شبيهة بصندوق الجواهر، ومفتاحها لديكم. وكل ما أرجوه منكم إرشادي إلى ما يحتويه هذا الصندوق، أعني ماذا تبحث هذه الكتب، لكي أختار منها ما يوافق طبعي.
وعندما سأله أستاذه:
- أيّ من هذه العلوم يوافق طبعك؟
أجاب:
- لا أستطيع التمييز بين هذه العلوم، فكلها سواء عندي، فإما أن افهم جميعها حق الفهم او لا افهم منها شيئا.
كان يقرأ في هذه الشهور الثلاثة يومياً ما يقارب مئتي صفحة او يزيد من متون أمهات الكتب أمثال: جمع الجوامع [3] وشرح المواقف [4] وابن حجر [5] مع الفهم التام من دون معونة أحد. إلى حد أنه ما كان يُسـأل سؤالا عن أي علم كان إلاّ ويجيب عنه إجابة شافية. فاستغرق في القراءة والدراسة حتى انقطعت علاقته مع الحياة الاجتماعية.
وكان نادراً ما يتكلم، ويقضي معظم أوقاته عند ضريح الشيخ احمد الخاني [6] الأديب الكردي الشهير وخاصة في الليالي، علماً ان الناس يترهبون من دخوله نهاراً. ولهذا كان الناس يقولون: انه حظي بفيض من احمد الخاني ويسندون وضعه هذا إلى كرامة الشيخ.
ثم قرر الذهاب إلى بغداد - لزيارة علمائها - وتزيا بزي الدراويش وانطلق يقطع الجبال الوعرة والغابات الكثيفة ليل نهار مشياً على الأقدام، سالكاً مسلك الزهاد، حيث بدأ بمزاولة الرياضة الروحية وممارسة التزهد، حتى هزل يوماً بعد يوم ونحل جسمه ولم يعد يطيق هذا النوع من الرياضـة، إذ كان يكتفي بقطعة من الخبز طوال ثلاثة ايام، سعياً لبلوغ حالة الحكماء الذين ينظرون إلى الرياضة الروحية إنها توقد الفكر.
و اتخذ القاعدة النبوية الجليلة (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) [7] دستوراً لحياته من زاوية التصوف الذي وصفه الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين فترك كل ما فيه شبهة، حتى بدأ يقتات على الأعشاب، إلى أن وصل بتليس. (*)
________________________________________
[1] الإظهار كتاب في النحو للبرگوي
[2] هو عبد الرحمن بن احمد بن محمد الجامي، نورالدين: مفسر فاضل، ولد في جام (في بلاد ما وراء النهر) 817 هـ وتوفي في هراة 898هـ له مؤلفات تقارب المئة. والمقصود هنا كتابه في النحو الذي صنفه شرحاً لكتاب (الكافية لابن الحاجب) لخص فيه ما في شروح الكافية على احسن الوجوه وأكملها مع زيادات من عنده سماه (الفوائد الضيائية) وهو المتداول اليوم، وفي شأنه اعتناء عظيم (كشف الظنون 2/1372 والأعلام 3/296).
[3] جمع الجوامع في أصول الفقه: لتاج الدين عبد الوهاب السبكي(727 - 771 هـ) وهو مختصر مشهور جمعه من زهاء مائة مصنف، له شروح كثيرة وحواشٍ كثيرة، وممن نظمه شعراً الطوخي والغزي والسيوطي وسماه "الكوكب الساطع".(كشف الظنون 595 والأعلام 4/18)
[4] المواقف في علم الكلام، للعلامة عضد الدين الايجي المتوفي (756 هـ) وهو كتاب جليل القدر شرحه علماء اجلاء منهم الجرجاني والكرماني والابرى و غيرهم.
[5] المقصود كتاب "تحفـة المحتـاج في شرح المنهاج" لابن حجر الهيتمي المكي، وهـو شرح (منهاج الطالبين) للإمام النووي الشافعي.
[6] احمد الخاني: ولد في "خان" التابعة لولاية "حكاري" جنوب شرقي تركيا عام 1650م درس العلوم الإسلامية في القرى القريبة حتى تضلع فيها، له مؤلفات ودواوين منها: "نوبـهار" و "ممو زين" ويعدّ الأخير من عيون الأدب الكردي ترجمه الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الى العربية. نظم الشعر في اللغات الكردية والفارسية والعربية والتركية. توفي في "بايزيد" ودفن فيها سنة 1706م.
[7] حديث شريف رواه البخاري: البيع: 3 .
(*) سيرة ذاتية - ص: 45
27-)
تأليف رسالة الحجة الزهراء
رسائل من سجن أفيون
تأليف رسالة الحجة الزهراء(1)
«يبدو هذا الدرس ظاهراً رسالة صغيرة، إلاّ أنها في الحقيقة رسالة عظيمة وقوية وواسعة جداً. وهي فاكهة إيمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكرية ومن اتحاد علم اليقين وعين اليقين في حياة النور المعنوية التحقيقية.(2)
وعلى الرغم من قيام طلاب النور بأداء وظيفتهم.. في تبليغ حقائق رسائل النور بجد وإخلاص، في كل ردهة من ردهات السجن، فإن هذه الردهة الخامسة الشبيهة بموضع انزواء الزاهدين تتجدد دائماً وتتبدل، فهي إذن أحوج ما تكون إلى دروس النور.
وكذا الشباب والشيوخ لا شك أنهم بأمس الحاجة إلى دروس يقينية وراسخة في إثبات وجوده تعالى وإثبات وحدانيته سبحانه. حيث يقرؤون ما تكتبه الصحف من هجوم الروسعلى الإيمان بهجمات الإلحاد الرهيبة، وإنكار الخالق العظيم.
فالذي ورد إلى القلب أثناء الأذكار عقب الصلاة هو هذا. وذكرت بدوري التهليل الذي أذكره منذ السابق عقب صلاة الفجر عشر مرات، وهو: "لا إله إلاّ اللّٰه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وإليه المصير".
هذا التهليل العظيم والتوحيد الجليل الذي يحمل الاسم الأعظم -حسب رواية- قد فصّله "المكتوب العشرون" العظيم تفصيلاً واضحاً ساطعاً كالشمس، وذلك في إحدى عشرة كلمة من كلماته في أحد عشر برهاناً من براهين وجوب وجوده تعالى ووحدانية ربوبيته وأورد إحدى عشرة بشارة من البشارات السارة...(3) فبعد أن تسرد الرسالة أدلة التوحيد تفسر سورة الفاتحة ثم تذكر شهادات على نبوة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ».
___________________________
(1) تأليفاته الأخرى في سجن أفيون:
1- الرجاء الخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين (الشيوخ).
2- الشعاع الرابع عشر عبارة عن مكاتيب توجيهيةإلى طلابه العاملين، يبلغ عددها مائة وواحداً وتسعين مكتوباً مع واحد وعشرين دفاعاً من الدفاعات.
3- المقام الثاني من الكلمة الثالثة عشرة، الذي هو عبارة عن قسم من مكاتيب سجن أفيون موجهةإلى الشباب وإلى المسجونين والتي ضمت فيما بعد في "مرشد الشباب".
يبلغ مجموع صفحات تأليفات الأستاذ في سجن أفيون خمسمائة صفحة، كما يبلغ مجموع صفحات تأليفاته جميعاًإلى نهاية سجن أفيون خمسة آلاف صفحة. (ب) 3/1305.
يذكر بايرام يوكسل: كانت كتابة رسائل النور والانشغال بها شغلنا الشاغل مع إخواننا من طلاب رسائل النور في السجن.فعندما كنا نقترب من ردهة الأستاذ في السجن نسمع صوتا كدوي النحل يترنم ليلاً ونهارا. إنها أصوات الأذكار والتسبيحات والدعاء والصلاة للأستاذ. كنا نراقب أعمال الأستاذ عن كثب، ففي أوقات متأخرة من الليل كنا نرقب ردهته وإذا بمصباحه الخافت مضاء والأستاذ منشغل بالأذكار والأدعية. وفي هذه الفترة التي كنا نعيشها في سجن -أفيون- ألف أحد "الشعاعات"وهو الخامس عشر المسمى برسالة "الحجة الزهراء"وفي هذه الفترة (فترة التأليف) كنا نمر -من وقت لآخر- من تحت شباك ردهة الأستاذ، وما إن يرانا الأستاذ حتى يرمي لنا علب كبريت، كان يضع في داخلها قسماً مما ألفه من هذه الرسالة. فنحن بدورنا نستنسخ هذه المقتطفات نسخا عديدة.. هكذا ألفت رسالة "الحجة الزهراء"واستنسخت واحتفظت ص 3 /32.
(2) الشعاعات/626
(3) الشعاعات/628
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:432
28-)
لقاء مع مفتي الديار المصرية
لقاء مع مفتي الديار المصرية:(1)
في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخ بخيت -مفتى الديار المصرية- سعيداً القديم:
ما تقول في حق هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوروبائية؟
فأجابه سعيد: ان الدولة العثمانية حاملة بدولة اوروبائية وستلدها يوماً ما، وان أوروبا حاملة بالإسلام وستلده يوماً ما.
فقال له الشيخ الجليل: وأنا اصدّق ما يقوله.
ثم قال لمن حوله من العلماء: لا يُناظر هذا الشاب، ولا أتمكن ان اغلبه
فلقد شاهدنا الولادة الأولى، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن. أما الولادة الثانية فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن الله. ستظهر في الشرق والغرب دولة إسلامية.(2) (*)
_____________
(1)هو الشيخ محمد بخيت بن حسين المطيعي الحنفي، مفتي الديار المصرية، ومن كبار فقهائها، ولد في بلدة (المطيعة) التابعة لمحافظة أسيوط من صعيد مصر، وتعلم في الأزهر واشتغل بالتدريس فيه، وانتقل الى القضاء الشرعي سنة (1297 هـ) واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، ثم عين مفتياً للديار المصرية سنة 1333 هـ الى 1339 هـ، وله كتب قيمة. وتوفي سنة 1354هـ..(انظر الأعلام للزركلي 6/274)
(2) الملاحق- اميرداغ 2/ 386
(*) السيرة الذاتية ص 84
29-)
عودة إلى مدينة الذكريات (بارلا)
عودة إلى مدينة الذكريات (بارلا)
بعد قضائه ما يقارب ثلاثة أشهر في استانبول، حنّ الأستاذ إلى زيارة المدن التي قضى فيها فترات لا يمكن نسيانها من حياته.
فزار (اميرداغ) ثم توجه إلى (أسكي شهر) ومنها إلى (إسپارطة) بقى فيها ثمانين يوماً. ومن إسپارطة توجّه مع رهط من طلابه إلى مدينة الذكريات (بارلا).. المدينة التي شهدت اول انبثاق لحركة النور ولرسائل النور.. ومنها انتشرت إلى الارجاء (الكلمات) و(المكتوبات) و(اللمعات) التي تمثل انوار هداية القرآن الحكيم.. فـ(بارلا) هي المركز الأول لمدرسة رسائل النور. المدينة التي سيق اليها منفيا قبل خمس وعشرين سنة، فبارك الله له في ايام النفي، وجعل تلك الايام من اعز الايام على قلبه، وجعل ذكريات هذه البلدة من احب الذكريات إلى نفسه.
وها هو يعود اليها، في يوم رائق من ايام الربيع ، ولكن تتبعه السنين الحافلة بالاحداث والمواقف والابتلاءات.
يعود اليها طليقاً يحف به بعض ثمار دعوته.. طلاب يتلألأ النور في جباههم المضيئة، وتطفح قلوبهم بحب الله ورسوله.
ويسمع أهل البلدة بقدوم الأستاذ، فيخرجون رجالاً ونساءً، واطفالاً وشباباً لرؤيته. ويقفز الاطفال الصغار وهم يرددون:
جاء الشيخ.. جاء الشيخ!
انهم لم يروا هذا الشيخ الوقور، ولكنهم سمعوا عنه من آبائهم وامهاتهم.
وبينما كان الأستاذ يتقدم نحو البيت الذي بقي فيه ثماني سنوات، إلى البيت الذي كان اول مدرسة نورية، مرّ من امام بيت تلميذه القديم (مصطفى چاويش)(1) وهو النجار الذي عمل له الغرفة غير المسقّفة بين اغصان الشجرة التي كان يقضي فيها ساعات العبادة والتأمل.
مرّ امام دار تلميذه ورأى القفل الكبير على باب الدار. كان تلميذه القديم الوفي قد توفي سنة 1937، بينما كان الأستاذ يعيش في منفاه في (قسطموني). مات هذا الرجل ولذلك لم يتيسر له لقاءه بعد خروجه من بارلا. ولم يشعر الا والدموع تتساقط من عينيه وتبلل خده.
واخيراً وصل إلى بيته السابق، إلى مدرسته الأولى حيث كانت شجرته الحبيبة تنتصب امامه وكأنها -هي الأخرى- ترحب به.. جاشت في نفسه العواطف وطلب من طلابه ومن الأهالي ان يتركوه وحده.
ثم ذهب إلى تلك الشجرة التي قضى معها اكثر من ثماني سنوات احتضنها وأجهش ببكاء طويل.
كانت هذه الشجرة قطعة من حياته، ومن ذكرياته. كم من ليال قضاها بين اغصانها يتهجد ويذكر الله! كم من ساعات قضاها يؤلف رسائل النور ويسمع حفيف اغصانها واوراقها وتغريد الطيور عليها. كم من ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الحالكة أرق في غرفته، فلم يكُن له أنيس في وحدته غير صوت هذه الشجرة تعصف بها الرياح، او يسمع صوت قطرات الامطار على اوراقها. لقد كانت له انساً في وحدته، وسلوة في وحشته، وصديقاً في غربته.
وها هو الآن يرجع اليها بعد عشرين عاماً يتحسسها، ويريد ان يضمها إلى صدره ولا يتمالك نفسه من البكاء عند لقائها.
بعد ذلك صعد إلى غرفته، واختلى بنفسه هناك مدة ساعتين تقريباً. كان يبكي وهو يستعيد ذكريات ايامه الطويلة التي قضاها هنا، وكان الناس والطلاب المحيطون بالبيت يسمعون نشيج الشيخ فتدمع اعينهم كذلك.
وانه لمظهر من مظاهر تجليات الرحمة الإلهية اللانهائية. ففي زمن قد سلف، نفي من شرقي الأناضول إلى ارجاء (إسپارطة)، ومنها إلى ناحية (بارلا) بين الجبال، لعله يموت هنا ويخبو ذكره. ولكن لم تثنه عن سبيل دعوة القرآن والإيمان حوادث العصر التي احاطت بالامم والشعوب وغيرت العقول والتصورات. فقد ايقن بيقين إيماني في روحه، بان الشعب سوف يحتضن يوماً الحقيقة التي يدعو اليها، وسوف يكون سعيد الوحيد، ألف سعيد، ومائة ألف سعيد، وبان فتوحات وانتشار الحقائق الإيمانية التي يخاطب بها الإنسانية آتية لا محالة، وبان غيوم الظلمات المحيطة بالآفاق الإسلامية زائلة بنور الهداية التي اقتبسها من القرآن، وينشط الروح من جديد في الإيمان الذي يظنونه آيلاً إلى الموت، فيبعث النفوس ويعيد الحياة إلى امة الإسلام. (*)
_______________
(1) اللمعات/76
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:464
30-)
أُضحي بكل شئ في سبيل النور
رسائل من سجن أفيون
أُضحي بكل شئ في سبيل النور:
اخوتي الاعزاء الصديقين!
نبارك من كل قلوبنا وارواحنا حلول شهر رمضان المبارك ونسأله تعالى ان يجعل ليلة القدر لكم خيراً من ألف شهر. آمين.. ويقبلها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.
ثانياً: انني اعتقد ان بقاءنا هنا إلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة. إذ لو اُفرج عنا لحُرمنا من خيرات هذه المدرسة اليوسفية، فضلاً عن اننا سننشغل بامور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي هو شهر اُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.
اذن فالخير فيما اختاره الله، وستكون ان شاء الله افراح كثيرة وخيرات اكثر. لقد علمتم ايضاً يا اخوتي في المحكمة انهم لا يستطيعون وجدان شئ علينا حتى بقوانينهم انفسهم، لذا يتشبثون بامور جزئية جداً لاتمسُ القانون بشئ ولو بقدر جناح بعوضة فينقبون في مكاتب جزئية وامور جزئية خاصة جداً، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمة وسيلة تكون سبباً للتعرض لنا.
ثم ان لنا مصلحة أخرى وهي انهم ينشغلون بشخصي الذي لا اهمية له فيهوّنون من شأني بدلا من انشغالهم بطلاب النور الكثيرين ورسائل النور الواسعة الانتشار. فلا يسمح القدر الالهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النور بل يشغلهم بشخصي فحسب، وانا بدوري ابيّن لكم ولجميع اصحابي واصدقائي:
انني ارضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما املك من روح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم انتم. فكما ان الجنة ليست رخيصة فان جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.
ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي ينزلها بنا اعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونأخذ ثأرنا بأضعاف اضعافها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.
فنحن بدلاً من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.
فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على الله والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، مندون ان يساورنا القلق. مع اخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدّ اواصر المحبة ووشائج الالفة والمسامرة المباركة مع اخوتنا هنا في الايام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائه في جوّ من الاخوة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالاوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الالف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظ عظيم يؤتيه الله من يشاء.
هذا وان دروس النور المؤثرة تأثيراً جيداً في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات نورية لها اهميتها وقيمتها.
حاشية: ان انكار بعض اخواننا كونه طالباً من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم انه عمل سئ. الاّ ان خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم.(1)(*)
___________________________
(1) الشعاعات/557
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:426
31-)
النورسي إنقلابه الفكري
النورسي
بديع الزمان
إنقلابه الفكري : 1899م (1316هـ )
إنه لجدير بالأهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م ( 1316هـ) إذ كان يهتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التأريخ لاجل استيعاب العلوم والتنور بها. أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم طاهر پاشا ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منه ان وزير المستعمرات البريطاني [1] قد قال:
ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم. فثارت ثائرته واحتدّ وغضب.. وغيّر إهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه.. جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى إدراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه. ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته. واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له [2] حتى انه أعلن لمن حوله: لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها. (*)
________________________________________
[1] وليم جلادستون (1809 - 1898 م) تقلد مناصب وزارية متعددة، تعمق في دراسة الدين فكان مؤلفه الأول (الدولة وعلاقتها بالكنيسة). عيّن رئيساً للوزراء أربع مرات. ألغى الكنيسة الايرلندية.(باختصار عن: الموسوعة العربية الميسرة)
[2] الشعاع الأول. وقد ذكر مصطفى صونغور لي مرارا ما سمعه من استاذه :" لقد اصبح ما يقرب من تسعين كتاباً حفظته مدارج للصعود الى حقائق القرآن الكريم. ولما بلغت تلك الحقائق شاهدت ان كل آية كريمة تحيط بالكون وتستوعبه. فلقد كفاني القرآن الكريم مراجعة اي شئ آخر" ( ش/ 81) (ب/ 119).
(*) السيرة ذاتية - ص: 65
32-)
أزمة روحية حادة
أزمة روحية حادة:
ففي سنة 1339هـ مررت بأزمة روحية حادة، واعتراني قلق قلبي رهيب وانتابنى اضطراب فكرى مخيف. فاستمددت حينها من الشيخ الگيلاني مدداً قوياً جداً، فأمدني بهمته وبكتابه (فتوح الغيب) حتى جاوزت ذلك القلق والاضطراب.(1)
توحيد القبلة في القرآن:
هوت صفعات عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس (سعيد القديم) الغافل، ففكّر في قضية أن (الموت حق). ووجد نفسه غارقاً في الأوحال.. استنجد، وبحث عن طريق، وتحرى عن منقذ يأخذ بيده.. رأى السبل أمامه مختلفة.. حار في الأمر واخذ كتاب (فتوح الغيب) للشيخ عبد القادر الگيلاني رضي الله عنه وفتحه متفائلاً، فوجد أمامه العبارة الآتية:
أنت في دار الحكمة فاطلب طبيباً يداوي قلبك(2).. يا للعجب!. لقد كنت يومئذ عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) وكأنما جئت إليها لأداويجروح الأمة الإسلامية، والحال أنني كنت أشد مرضاً واحوج إلى العلاج من أي شخص آخر.. فالأولى للمريض أن يداوي نفسه قبل أن يداوي الآخرين.
نعم، هكذا خاطبني الشيخ: أنت مريض.. ابحث عن طبيب يداويك!..
قلت: كن أنت طبيبي أيها الشيخ!
وبدأت أقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات.. كان شديد اللهجة يحطم غروري، فأجرى عمليات جراحية عميقة في نفسي.. فلم أتحمل.. لأني كنت اعتبر كلامه موجهاً إليّ.
نعم، هكذا قرأته إلى ما يقارب نصفه.. لم استطع إتمامه.. وضعت الكتاب في مكانه، ثم أحسست بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلفت مكانها لذائذ روحية عجيبة.. عدت إليه، وأتممت قراءة كتاب (أستاذي الأول). واستفدت منه فوائد جليلة، وأمضيت معه ساعات طويلة أصغى إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة.
ثم وجدت كتاب (مكتوبات) للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد في رسالتين منه لفظة (ميرزا بديع الزمان) فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي ميرزا وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت: يا سبحان الله. ان هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأن لقب سعيد القديم كان بديع الزمان، ومع أنني ما كنت أعلم أحداً قد اشتهر بهذا اللقب غير (الهمداني) الذي عاش في القرن الرابع الهجري. فلابد ان يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولابد ان حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين.. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: (وحّد القبلة) أي: اتبع اماماً ومرشداً واحداً ولا تنشغل بغيره!(3)
لم توافق هذه الوصية - آنذاك - استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أيهما اتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيراًوكانت حيرتي شديدة جداً، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم استطع ان اكتفي بواحد منهما.
وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:
- ان بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون الا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من ان يرتشف حق الارتشاف فيض ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا ان نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب واصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته. فـ(الكلمات) والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل ايضاً مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية.(4)(*)
___________________
(1) اللمعة الثامنة.
(2) أصل العبارة: "يا عباد الله أنتم في دار الحكمة، لابد من الواسطة، اطلبوا من معبودكم طبيباً. يطبّ امراض قلوبكم مداوياً يداويكم..." وذلك في المجلس الثاني والستين ص 245 من كتاب الفتح الرباني الذي كان مطبوعاً في طبعاته الأولى مع كتاب فتوح الغيب في مجلد واحد موسوم بـ "فتوح الغيب".
(3) نص العبارة: "وحيث قد طلبت الهمة من كمال الإلتفات فبشرى لك ترجع سالماً وغانماً، لكن لابد من أن تراعي شرطاً واحداً وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعل قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه الى التفرقة.ومن الأمثال المشهورة: أن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلاً". المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الامام الرباني 1/87 . ترجمة محمد مراد.
(4) المكتوبات/ 457 - 459
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (161)
33-)
ألوان من الإغتراب
ألوان من الإغتراب
بقيت منذ شهرين او ثلاثة وحيداً فريداً، وربما يأتيني ضيف في كل عشرين يوماً او ما يقرب من ذلك، فأظل وحيداً في سائر الأوقات. ومنذ ما يقرب من عشرين يوماً ليس حولي أحد من أهل الجبل، فلقد تفرقوا.
ففي هذه الجبال الموحية بالغربة، وعندما يرخى الليل سدوله، فلا صوت ولا صدى، إلاّ حفيف الأشجار الحزين.. رأيتني وقد غمرتني خمسة ألوان من الغربة:
أولها: إني بقيت وحيداً غريباً عن جميع أقراني وأحبابي وأقاربي، بما أخذت الشيخوخة مني مأخذاً، فشعرت بغربة حزينة من جراء تركهم لي ورحيلهم إلى عالم البرزخ.
ومن هذه الغربة انفتحت دائرة غربة أخرى، وهي أنني شعرت بغربة مشوبة بألم الفراق حيث تركتني أكثر الموجودات التي أتعلق بها كالربيع الماضي.
ومن خلال هذه الغربة انفتحت دائرة غربة أخرى، وهي الغربة عن موطني واقاربي، فشعرت بغربة مفعمة بألم الفراق، إذ بقيت وحيداً بعيداً عنهم.
ومن خلال هذه الغربة ألقت عليّ أوضاع الليل البهيم والجبال الشاخصة أمامي، غربة فيها من الحزن المشوب بالعطف ما أشعرني أن ميدان غربة أخرى انفتحت أمام روحي المشرفة على الرحيل عن هذا المضيف الفاني متوجهة نحو أبد الآباد، فضمتني غربة غير معتادة، وأخذني التفكير، فقلت فجأة: سبحان الله! وفكرت كيف يمكن ان تقاوم كل هذه الظلمات المتراكبة وأنواع الغربة المتداخلة!.
فاستغاث قلبي قائلاً:
يا رب! أنا غريب وحيد، ضعيف غير قادر، عليل عاجز، شيخ لا خيار لي.
فأقول: الغوث الغوث. أرجو العفو، واستمد القوة من بابك يا إلهي!.
واذا بنور الإيمان وفيض القرآن ولطف الرحمن يمدّنى من القوة ما يحول تلك الأنواع الخمسة من الغربة المظلمة، إلى خمس دوائر نورانية من دوائر الأُنس والسرور. فبدأ لساني يردد: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(آل عمران:173) وتلا قلبي الآية الكريمة: ﴿فإن تولّوا فقل حَسبيَ الله لاّ إله إلاّ هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم﴾(التوبة:129).
وخاطب عقلي كذلك نفسي القلقة المضطربة المستغيثة قائلاً:
دع الصُراخ يا مسكين، وتوكل على الله في بلواك.
إنما الشكوى بلاء.
بل بلاء في بلاء، وآثام في آثام في بلاء.
إذا وجدتَ مَن ابتلاك،
عاد البلاء عطاء في عطاء، وصفاء في صفاء، ووفاء في بلاء.
فبغير الله دنياك آلام وعذاب، وفناء وزوال، وهباء في بلاء.
فتعال، توكل عليه في بلواك!
ما لكَ تصرخ من بلية صغيرة، وأنت مثقلٌ ببلايا تسع الدنيا.
تبسّم بالتوكل في وجه البلاء، ليبتسم البلاء.
فكلما تبسّم صغُر وتضاءل حتى يزول...(1)(*)
___________________________
(1) المكتوبات/29-31
(*)كليات رسائل النور – سيرةذاتية ص:223
34-)
الرحيل
الرحيل (1)
في 19/3/1960 يوم السبت وصل الأستاذ إلى إسپارطة وكان الوقت بعد صلاة العصر وقبلها جاء الشرطي ليستفسر عنه قائلاً:
- ان الأستاذ قد غادر (اميرداغ). قلنا لهم
- لم يأت الينا!
وفعلاً بعد مضي ساعة واحدة أتى الأستاذ بالسيارة، وما ان سمعنا تنبيه السيارة حتى نزلنا وفتحنا الكراج، ودخلت السيارة ثم قفلنا الابواب.
كان الأستاذ متمدداً على ظهره في المقعد الخلفي للسيارة والمرض قد اشتد عليه. اخذناه باحضاننا لنخرجه من السيارة. وعندما صعدنا السلم اردنا ان نحمله على ظهورنا، فلم يقبل. فادخلنا -انا والاخ طاهري- ايدينا تحت ابطه حتى اوصلناه إلى الغرفة، واجلسناه مكانه ثم تمدد في فراشه. كانت درجة حرارته عالية جداً، لذا لم نفارقه قط، حتى اننا كنا نصلي فرادى كي نتناوب البقاء معه للرعاية والسهر عليه.
كنا نحن الاربعة (انا و زبير(2) وحسني و طاهري) عند الأستاذ. وفي منتصف الليل كنت انا مع الاخ زبير نتناوب الخفارة عنده. فيرخى احدنا يده ويدلكها والاخر يدلك رجليه. فنظر الأستاذ اليّ قائلاً:
- سنذهب.
- نعم سنذهب يا استاذي، ولكن إلى اين؟.
- إلى (اورفة)... إلى (دياربكر)...
وكرر قوله: سنذهب.
ولما قلت: إلى اين يااستاذي؟
- إلى (اورفة).
قال الاخ (زبير): ربما يقول هذا تحت وطأة الحمى التي تنتابه!
وفي حوالي الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل بدأ الأستاذ يكرر القول نفسه:
- سنذهب في الصباح الباكر إلى (اورفة)..
فكان يؤكد على (اورفة).
ثم جاء الاخ (طاهري) وحسني لكي يستلما دورهما في الخفارة. وذهبنا انا والاخزبير لتناول السحور (حيث كنا في العشر الاواخر من رمضان المبارك)..
ولقد قال الأستاذ ايضاً إلى الاخ (حسني)
- تهيأوا للذهاب إلى (اورفة).
ولكن الاخ حسني بين ان اطارات السيارة لاتصلح للسفر.
وكرر الأستاذ مرة أخرى:
- سنذهب إلى اورفة مهما كلف الأمر، استأجروا سيارة ولو بمائتي ليرة.. ابيع جبتي اذا اقتضى الأمر.
بدأنا بتهيأة السيارة للسفر، ورأيت ان اطارات السيارة فعلاً غير صالحة، ولايمكننا الحصول على اطارات جديدة في هذا الوقت... وعندما كنا منهمكين في تهيئة السيارة جاء الاخ (طاهري) مسرعاً لمعاونتنا حيث ارسله الأستاذ الينا، واخبرنا ان الأستاذ يطلب الاسراع في الأمر.
تهيأت السيارة، والأستاذ نفسه مستعد للسفر، وانا كنت انتظر الاشارة من الأستاذ كي اشاركهم في السفر، إذ كان الاخ زبير يقول منذ المساء:
- ليت الاخ (بايرام) يكون معنا، فيساعدنا في الطريق. فربما نجد الصعوبة دونه. لذا، لدى خروج الأستاذ من الباب سأل الاخ زبير من الاخ (طاهري):
- هل سيأتي بايرام ايضاً؟
فقال الأستاذ:
- نعم انه سيكون معنا.
فوضعنا الأستاذ في المقعد الخلفي من السيارة بعدما فرشنا له فراشاً عليه ليجد الراحة. وجلست مع الاخ زبير في المقعد الامامي مع السائق.
في 20/ 3/1960 والساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، كان ثمة شرطيان يراقباننا في الشارع، حيث اشتد هجوم المعارضة على الحكومة حتى اذيع في الراديو:
(على بديع الزمان سعيد النورسي البقاء في إسپارطة او اميرداغ).
وقبل ان تتحرك السيارة جاءت صاحبة البيت (السيدة فطنة) إلى سيارة الأستاذ، فودعها الأستاذ قائلاً:
- اختى! استودعكن الله نرجو دعاءكن، فانا مريض جداً..
كان الأستاذ يقول هذا بحزن شديد، حيث ان اللحظات هي لحظات فراق، حتى ان عيون صاحبة البيت طفحت بالدموع.. وقد قالت إلى الاخ (طاهري):
- انني -والله- وجلة من سفر الأستاذ في هذه المرة، انه ذاهب ليبحث عن مستقره -أي قبره-.
وقبل المغادرة اوصينا الاخ (طاهري) بعدم فتح الباب لأي طارق، وليذهب لينام. فنفذ الاخ ما اوصيناه، فبدأ الشرطة يسألون من صاحبة البيت:
- ألا تعلمين، متى ذهب الأستاذ وإلى اين؟
فكانت تجيبهم:
- وهل انا حارسة، كيف ادري، وانتم لاتدرون..؟
كانت الامطار تهطل بغزارة أثناء مغادرتنا (إسپارطة)، وكنا نخاف كثيراً من كيد والي (قونيا) حيث كان يصرح للصحف:
- سأجتث جذور طلاب النور واقلعها من الاعماق.
لذا كنا نقرأ على طول الطريق (آية الكرسي) وباستمرار دفعاً لشره.
اشتد المطر نازلا بغزارة اكثر عند وصولنا إلى (اغريدر) بحيث لم يبق أحد من الشرطة في الشارع فدخلوا جميعاً إلى بناية مركز الشرطة، حتى اننا مررنا من امام المركز ولم يرنا احد. وهكذا تركنا المدينة. ثم وضعنا الطين على لوحة السيارة لئلا يرانا أحد من المراقبين. وبعد ان تركنا (قره اغاج) اصبح الأستاذ في عافية، فنزل من السيارة وجدد الوضوء. وبعد ان قطعنا مسافة عدة كيلومترات من هناك وقفنا على شمال الطريق عند النبع، فصلى الأستاذ فوق صخرة هناك، ثم بدأنا السير وقبل ان نصل (قونيا) انهى الأستاذ اذكاره واوراده، واستعدل في مكانه على المقعد الخلفي، ولكن ما ان وصلنا حدائق (مرام) في ضواحي (قونيا) حتى اشتد مرض الأستاذ مرة أخرى ولم يتمكن من النطق. فدخلنا المدينة واشترينا فيها الزيتون والجبن استعداداً للافطار، ودفع الأستاذ ثمنه وقال:
- ابنائي انا مريض جداً، كلوا انتم بدلاً عني.
وبفضل الله فقد وسعتنا عنايته الكريمة حيث لم يشاهدنا -والحمد لله- أحد في المدينة، بل ولا في المدن التي تلت (قونيا).
وقبل وصولنا إلى (ارگلي) جلس الأستاذ في مكانه ومد يديه ماسكاً اذني واذن الاخ زبير من الخلف قائلاً لنا:
- ابنائي، لاتخافوا ابداً، فقد قصمت رسائل النور ظهر الملحدين والشيوعيين، فرسائل النور غالبة دائماً باذن الله.
كرر هذا القول عدة مرات، وكان صوته واطئاً جداً بحيث لانكاد نسمعه، ثم قال:
هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء ارادوا ان يلوثوني بالسياسة.
ثم ترجلنا من السيارة اداء لصلاة العصر. ولكن الأستاذ ظل داخل السيارة وصلى هناك.
وعندما حان وقت المغرب وصلنا (اولوقشلة) فقال الأستاذ:
- هل لنا بشئ من الاكل؟
فنزلنا -انا والاخ زبير- واشترينا من المطعم قليلاً من الرز، واردنا ان نهئ الطعام، ولكن الموقد الذي نحمله ما كان يصلح للغرض، فأخذنا موقد حارس سكة الحديد هناك.. كان الجو بارداً جداً، فتوسلت بالحارس ليستأجرنا موقده وقلت له ان معنا شيخاً مريضاً وان موقدنا معطوب. فرضي الحارس.
بدأنا نحضر الطعام، ظل الاخ زبير مع الأستاذ داخل السيارة. وضعنا قليلاً جداً من الزبدة والبيض مع شئ من اللبن، فأخذ الأستاذ ملعقة منه ليضعه في فمه ولكنه لم يستطع الاكل، لانسداد بلعومه من شدة المرض.
مررنا من (اطنه) ليلاً ثم من (جيحان)، وصلينا العشاء في ضواحيها. ثم استرخى الاخ حسني لينام ساعة حيث كان يقود السيارة باستمرار. وعند السحور وصلنا (العثمانية) ودخلناها للتزود بالوقود، ولنتناول السحور، الا ان الأستاذ لم يذق شيئاً قط. ثم اقمنا صلاة الفجر قرب (المان پنارى) والأستاذ لم يغادر السيارة. كانوا يطلقون على هذا الجبل سابقاً (گاوورداغى) -أي جبل الكفر- والآن يطلقون عليه (نور داغى) أي جبل النور.
وعند انبلاج الصباح وصلنا (غازي عنتاب) فاشتريت من المطعم شيئاً من الحساء وسألت عن الطريق إلى (نزيب)، حيث كانت الثلوج والامطار تتساقط بشدة. وكان الطريق محفوفاً بالمخاطر فترى السيارات عاطلة على جانبي الطريق، اما سيارتنا -والفضل لله- فكانت تسبق الريح ولم تتعطل لا في اطاراتها ولا في محركها والحمد لله.
وعندما وصلنا إلى اورفة كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وكان الاخ حسني على معرفة جيدة بشوارع (اورفة).. دنونا من مسجد (قاضى اوغلو) الذي كان الاخ (عبدالله يكن) يتواجد فيه، فاوقفنا السيارة قرب المسجد، واسرع الاخ زبير إلى المسجد لابلاغ الاخ عبدالله بقدوم الأستاذ، وعندها قال الأستاذ:
- لنسرع بالذهاب فلامتسع لنا للانتظار.
جاء الاخ زبير ومعه الاخ عبدالله مسرعاً إلى السيارة، فطلبنا من الاخ عبدالله ان يدلنا على فندق نظيف جداً، فدلنا على فندق (ايپك بالاس).
حملنا الأستاذ معاً وصعدنا به إلى الطابق الثالث حيث الغرفة رقم (27) ووضعناه على فراشه ليرتاح قليلاً من عناء هذا السفر الطويل.
اما اهالي اورفة فقد كانوا منهمكين بتلاوة القرآن الكريم وختمه، نظراً لاننا كنا في شهر رمضان المبارك. وما ان سمعوا بقدوم الأستاذ إلى مدينتهم حتى هرعوا إلى الفندق وعاتبنا الكثيرون من عدم اخبارنا لهم مسبقاً بمجئ الأستاذ ليستقبلوه...
بدأ الناس يتقاطرون من كل مكان لزيارة الأستاذ. كان الاخ زبير جالساً على باب الغرفة، يسمح لهم بالدخول واحداً واحداً، اما انا فقد كنت امسك بيد الأستاذ وهم يقبلونها، والأستاذ يقبل رؤوسهم، وما كان الأستاذ يرغب بمغادرتهم بينما كنت اقول لهم ارجو ان تخرجوا من الغرفة ليتسنى لغيركم المجئ إلى الأستاذ، فكانوا يخاطبونني:
- الاترى ان الأستاذ لا يرغب في ذلك.
لقد كنا فعلاً في حيرة من هذا الموقف من الأستاذ حيث لم نكن قد رأينا مثله من قبل، فما كان الأستاذ ليسمح لأحد بالبقاء عنده سواء أكان في إسپارطة ام في (اميرداغ)، حتى اننا عندما كنا في إسپارطة ومرض الأستاذ، فقلت له:
- يااستاذي هل ابلغ الاخوان بمرضك؟
قال: لا لايأتي أحد اليّ دونكم.
بينما هنا في هذه المدينة، لم يكن يردّ احداً، بل كان يضمهم إلى صدره، فقد اتى لزيارته اهالي المدينة كلهم، ومن الاصناف كافة، ولم يرد الأستاذ احداً منهم. بل كان يتحمل محتسباً ولم يسترح بل لم يذق طعم النوم. وكذلك نحن لم يجد النوم إلى عيوننا سبيلا.
استلمت دوري من الاخ زبير فجلست امام الباب، وجاء في الحال شرطيان اثنان قال احدهما:
- تهيأوا للذهاب! اين السائق؟
اجبتهم:
- الأستاذ مريض جداً.
ثم جاء أحد عشر شرطياً وقالوا:
- تهيأوا حالا! ستذهبون إلى إسپارطة في الحال.
قلت لهم:
- سأبلغ الأستاذ بالأمر.
دخلت على الأستاذ واخبرته بالأمر، فسمح لهم بالدخول اليه، فقالوا:
- ان رجوعكم إلى إسپارطة امر صادر من وزارة الداخلية.
قال لهم الأستاذ:
- يا للعجب! لقد اتيت هنا لكي اموت فيه، وربما سأموت، وها انتم ترون حالي، دافعوا عني.
قال احدهم:
- نحن تحت اوامر السلطة، ماذا نعمل؟
ثم جاءوا بالاخ حسني مع سيارته امام الفندق، ليأخذ الأستاذ، وبدأ الناس بالتجمهر امام الفندق. وصرخ صاحب الفندق من اعلى السلم على الشرطي:
- انه ضيفي. كيف يجوز لكم ان تأخذوه مني؟
كان الناس في هياج شديد، حتى اخذوا يهتفون قائلين: كيف يؤخذ ضيف كريم مثل الأستاذ وهو على فراش الموت.
اصبح الناس في حالة لاتسمح للشرطة بالصعود إلى الفندق، وبدأوا يرجون من السائق ان يبعد السيارة من باب الفندق، ففعل، وعندها هدأ الناس قليلاً وبدأوا بزيارة الأستاذ مرة أخرى. فجاء موظفو الدولة والشرطة والعسكريون من جنود وضباط واعضاء الاحزاب.. كلهم لزيارة الأستاذ.
ثم بدأ اصرار الشرطة على مقابلة الأستاذ وابلاغه بأن الأمر صادر من الجهات العليا وان علينا الخروج من اورفة حالا. وقالوا:
- ان كنتم لاتغادرون المدينة بسيارتكم فسنأخذكم بسيارة اسعاف.
فأجبناهم:
- ان استاذنا مريض، وان مرضه شديد جداً، لايستطيع ان يتحمل قطع مسافة يوم كامل في السفر مرة أخرى. فضلا عن اننا لانتدخل في اموره، وبخاصة وهو في هذه الحالة التي هي اشبه ما تكون بالموت.
قال احدهم:
- ان الأمر قطعي لامرد له، فهو امر وزاري، فكما جاء استاذكم إلى هذه المدينة سيرجع كذلك. اخرجوا من اورفة حالا.
قلنا:
- نحن لانتدخل في امور الأستاذ، تعالوا قابلوه انتم بانفسكم واعرضوا عليه مطالبكم فان قال لنا: نذهب، فنحن ذاهبون، لاننا لانرد قوله ابداً ولايمكن ان نبلغه ما تقولونه.
فاستشاطوا غضباً وقالوا:
- ما هذا؟ الا تقدرون ان تقولوا له الشئ البسيط؟
- نعم! نحن لانقول له شيئاً، وكل ما يقوله ننفذه حرفياً.
قالوا:
ونحن ايضاً مرتبطون بالاوامر الرسمية هكذا، فيجب ان تتركوا اورفة في مدة اقصاها ساعتان، وترجعوا إلى إسپارطة.
وعندما سمع الناس بقضية اخراج الأستاذ من اورفة احتشد قرابة ستة آلاف شخص امام الفندق، وعندها ذهبنا إلى المستشفى لنخبر رئيس الصحة بحالة الأستاذ الصحية وانه لايستطيع السفر، وطلبنا منه اجراء الفحص على الأستاذ بنفسه.
اجرى الطبيب الفحص ثم التفت الينا:
- كيف تجرأتم على جلب الأستاذ إلى هنا، فدرجة حرارته عالية، وهو في حالة لايمكن تحريكه مطلقاً. تعالوا معي لازودكم بتقرير لجنة الاطباء بأنه لايمكن ان يحرك من مكانه..
نفدت طاقتي كلياً بعد صلاة المغرب من كثرة الوقوف والسهر والتعب، فقلت للاخ (زبير):
- انني متعب جداً، فلقد انهكني الوقوف. قال:
- اذهب ونم في الغرفة.
- تهيأوا للذهاب! اين السائق؟
اجبتهم:
- الأستاذ مريض جداً.
ثم جاء أحد عشر شرطياً وقالوا:
- تهيأوا حالا! ستذهبون إلى إسپارطة في الحال.
قلت لهم:
- سأبلغ الأستاذ بالأمر.
دخلت على الأستاذ واخبرته بالأمر، فسمح لهم بالدخول اليه، فقالوا:
- ان رجوعكم إلى إسپارطة امر صادر من وزارة الداخلية.
قال لهم الأستاذ:
- يا للعجب! لقد اتيت هنا لكي اموت فيه، وربما سأموت، وها انتم ترون حالي، دافعوا عني.
قال احدهم:
- نحن تحت اوامر السلطة، ماذا نعمل؟
ثم جاءوا بالاخ حسني مع سيارته امام الفندق، ليأخذ الأستاذ، وبدأ الناس بالتجمهر امام الفندق. وصرخ صاحب الفندق من اعلى السلم على الشرطي:
- انه ضيفي. كيف يجوز لكم ان تأخذوه مني؟
كان الناس في هياج شديد، حتى اخذوا يهتفون قائلين: كيف يؤخذ ضيف كريم مثل الأستاذ وهو على فراش الموت.
اصبح الناس في حالة لاتسمح للشرطة بالصعود إلى الفندق، وبدأوا يرجون من السائق ان يبعد السيارة من باب الفندق، ففعل، وعندها هدأ الناس قليلاً وبدأوا بزيارة الأستاذ مرة أخرى. فجاء موظفو الدولة والشرطة والعسكريون من جنود وضباط واعضاء الاحزاب.. كلهم لزيارة الأستاذ.
ثم بدأ اصرار الشرطة على مقابلة الأستاذ وابلاغه بأن الأمر صادر من الجهات العليا وان علينا الخروج من اورفة حالا. وقالوا:
- ان كنتم لاتغادرون المدينة بسيارتكم فسنأخذكم بسيارة اسعاف.
فأجبناهم:
- ان استاذنا مريض، وان مرضه شديد جداً، لايستطيع ان يتحمل قطع مسافة يوم كامل في السفر مرة أخرى. فضلا عن اننا لانتدخل في اموره، وبخاصة وهو في هذه الحالة التي هي اشبه ما تكون بالموت.
قال احدهم:
- ان الأمر قطعي لامرد له، فهو امر وزاري، فكما جاء استاذكم إلى هذه المدينة سيرجع كذلك. اخرجوا من اورفة حالا.
قلنا:
- نحن لانتدخل في امور الأستاذ، تعالوا قابلوه انتم بانفسكم واعرضوا عليه مطالبكم فان قال لنا: نذهب، فنحن ذاهبون، لاننا لانرد قوله ابداً ولايمكن ان نبلغه ما تقولونه.
فاستشاطوا غضباً وقالوا:
- ما هذا؟ الا تقدرون ان تقولوا له الشئ البسيط؟
- نعم! نحن لانقول له شيئاً، وكل ما يقوله ننفذه حرفياً.
قالوا:
ونحن ايضاً مرتبطون بالاوامر الرسمية هكذا، فيجب ان تتركوا اورفة في مدة اقصاها ساعتان، وترجعوا إلى إسپارطة.
وعندما سمع الناس بقضية اخراج الأستاذ من اورفة احتشد قرابة ستة آلاف شخص امام الفندق، وعندها ذهبنا إلى المستشفى لنخبر رئيس الصحة بحالة الأستاذ الصحية وانه لايستطيع السفر، وطلبنا منه اجراء الفحص على الأستاذ بنفسه.
اجرى الطبيب الفحص ثم التفت الينا:
- كيف تجرأتم على جلب الأستاذ إلى هنا، فدرجة حرارته عالية، وهو في حالة لايمكن تحريكه مطلقاً. تعالوا معي لازودكم بتقرير لجنة الاطباء بأنه لايمكن ان يحرك من مكانه..
نفدت طاقتي كلياً بعد صلاة المغرب من كثرة الوقوف والسهر والتعب، فقلت للاخ (زبير):
- انني متعب جداً، فلقد انهكني الوقوف. قال:
- اذهب ونم في الغرفة.
فذهبت ونمت حوالي ساعتين. ثم جاء الأخ زبير إلى الغرفة وقال: "أخي إنني قد نفد صبري، لم أغمض عيني هذا الأسبوع قط.. تعال لنتناوب.."
صلينا العشاء، ثم نام الأخ زبير. بقيت أنا والأخ حسني عند الأستاذ.
ثم قال الأخ حسني: "إن رجليّ بدأتا تؤلمانني من الوقوف والسهر، أريد أن أرتاح قليلاً".
قلت: "إنني مرتاح الآن، اذهب أنت أيضاً للنوم".
بقيت وحدي عند الأستاذ. وكان الأستاذ قد طلب منذ الصباح الباكر قطعة ثلج، لما كان يشعر به من شدة الحرارة، فبحثنا عن الثلج ولم نحصل عليه. وعندما حلّ الليل جاء بعض الأصدقاء وقد حصلوا على الثلج. فقلت: "أستاذي لقد حصلوا على قطع من الثلج!" فأشار بالرفض.
- أستاذي هل أحضر الشاي؟
فأشار بالرفض.
وعندما أشارت الساعة إلى الثانية والنصف ليلاً بدأت شفتا الأستاذ بالجفاف، وكنت أبلّلهما بمنديل. ثم كلما كنت أريد أن أغطيه يرفض، واستمر هكذا لفترة قصيرة.. أسدلت على المصباح شيئاً ليخفت ضوءه، لئلا يقلق ضوؤه راحة الأستاذ..
بدأت أرخى ساعديه فضمني إليه، ثم وضع يده على صدره، واستسلم للنوم.. فأشعلت المدفأة، وحيث كنت أظنه نائماً. انتظرت أن يصحو على السحور، فكنت أقول في نفسي:سوف يأتي الإخوة الآخرون ونتناول السحور معاً. فوا سذاجتاه! لم أكن أعلم أن الأستاذ قد فارقنا، وأنه قد انتقل إلى عالم الخلود، وأغمض عينه عن هذه الدنيا الفانية.
لم أكن قد رأيت سابقاً مثل هذه الحالة! فأنّى لي أن أعلم!
مضى وقت السحور كثيراً، وجاء الأخ حسني مع الأخ عبد اللّٰه وقالا: "لقد نمنا كثيراً أطلنا فيه".
قلت: "سأذهب إلى الغرفة المجاورة لأصلي الفجر، فلا تحركوا ساكناً لأن الأستاذ نائم".
ذهبت إلى الغرفة، صليت الفجر، قرأت الأذكار والأوراد اليومية، مع جزء من القرآن الكريم. وما إن أردت أن أطبق جفني لأنام حتى جاء الإخوة:
- يا أخانا، إن الأستاذ لا يحرك ساكناً.
- الأستاذ نائم فلا توقظوه.
ثم جاؤوا مرة أخرى وقالوا: "إن الأستاذ لا يتحرك أبداً.."
ذهبنا معاً إلى غرفة الأستاذ. جلس الأخ زبير بجانب رأسه ونحن الأربعة ننظر إليه، وليس للأستاذ أية علامة للحركة. ولكن درجة حرارته اعتيادية! فاضطربنا كثيراً. وقال الأخ زبير: "هذه الحالات تتكرر كثيراً لدى الأستاذ".
فخيم علينا الحزن، وعندها قال الأخ زبير: "هناك شخص يعرف مثل هذه القضايا اسمه "عمر أفندي الواعظ".
وحالما أتى الرجل ورأى وضع الأستاذ قال: "﴿إِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ إخواني! إن الأستاذ قد مات".
لم أكن أصدق عيني بوفاة الأستاذ قطعاً. إذ عندما كنا في سجن "أفيون" سنة 1949 سمموا الأستاذ، فاحمر لسانه، فكنا نبكي بلا توقف على حاله، وعندها قال الأخ "أحمد فيضي" رحمه اللّٰه: "لماذا تبكون يا أطفال! إن حياة الأستاذ طويلة!".
وهنا أيضاً تذكرت قول الأخ أحمد فيضي مسلياً نفسي: ترى هل إن عمر الأستاذ يطول؟
هرع الإخوان ليبعثوا بالخبر إلى ولايات مختلفة من أرجاء البلاد.
سجينا الأستاذ بنسيج قطني رقيق. وبعد هنيهة جاء صاحب الفندق، ولما نظر إلى الأستاذ علم أنه قد توفي، وأخذ يضرب على فخذيه ويصرخ.
وعلى إثره جاء مدير الأمن واستفسر عن اضطراب صاحب الفندق. فأجابه:
- إن بديع الزمان قد مات.
- هل حقاً إنه مات!
- نعم!
فانسحب الشرطة كلهم من أمام الفندق، وجاء الطبيب الخاص ليتأكد من حالة الوفاة وقال: اللّٰه.. اللّٰه.. إن درجة حرارته مرتفعة جداً، هل لديكم مرآة؟
فوضع المرآة على فم الأستاذ، وتأكد من عدم تنفسه وانقطاعه كلياً، ثم قال: "نعم، إنه ميت! ولكن لا تشبه حالته حالة وفاة.. إنني أشك فيه، ولا أرى دفنه في الحال".
ثم كتب تقريره للمسؤولين.
ثم جاء قاضي التركات، وبدأ يثبت ما ورثه الأستاذ فكان:
ساعة، وسجادة، ولفاف الرأس، وجبة. فأعطي كلها لأخيه عبد المجيد.
بدأت ألوف من أهالي أورفة يحتشدون أمام باب الفندق، وأخبروا الولايات الأخرى كلها بهذا النبأ الفاجع.
أُخذ نعش الأستاذ من الفندق من بعد صلاة الظهر إلى غسله في "دَرْكاه" ووصلنا إليه بعد ساعتين أو أكثر حيث الازدحام كان شديداً جداً فقد أغلق أهالي أورفة محلاتهم. ولما ذهبوا بنعش الأستاذ أغمي عليّ وعلى الأخ حسني.
فخاطبَنا الأخ عبد اللّٰه: "هل أنتم أطفال.. أفيقوا!"
ولدى وصولنا إلى "دركاه" ليتم غسل الأستاذ، كان الازدحام لا يطاق حتى تعذر الدخول إلى هناك، ومع ذلك دخلنا واستطعنا أن نغسل الأستاذ هناك، وقام بغسله "ملا حميد أفندي" وهو من علماء أورفة المعروفين.(3)
وساعدَنا في الغسل الإخوان "زبير وحسني وعبد اللّٰه وخلوصي".
وبعدما تم الغسل أخذنا نعشه الطاهر إلى "أولو جامع" كي نختم على روحه القرآن الكريم. ظلت الجنازة في تلك الليلة في الجامع، وما إن تنفس الصبح حتى أصبح الازدحام في أورفة شديداً جداً، حيث أتى الناس من كل أنحاء تركيا. وقرأ الجميع الختمة القرآنية حتى الصباح وأهدوا ثوابها إلى روح الأستاذ.
ولشدة الازدحام فقد قدرنا أنه لن يتيسر الدفن في هذا اليوم... فاستدعانا الوالي، وبدأ يرجو منا ويلح بأن يدفن الأستاذ اليوم بعد صلاة العصر بدلا من يوم الجمعة لأن الازدحام أصبح لا يطاق في المدينة.
وفي الحال أُعلنَ عن أن صلاة الجنازة ستقام يوم الخميس بعد صلاة العصر.
حضر الوالي نفسه ورئيس البلدية وأقاموا صلاة الجنازة.
ولقد اندهشنا من ظاهرة عجيبة وهي أنه: عندما كان الأستاذ يُغسل كانت الأمطار تتساقط رذاذاً وشاهدنا عندها طيوراً ذات أشكال غريبة وألوان زاهية، وبأعداد هائلة جداً.
وهكذا دفن الأستاذ يوم الخميس بعد صلاة العصر. ولم يستطع كثير من الناس حضور تشييع الجنازة إلا من جاء بسيارات خصوصية. فلم يلحق من كانوا في أميرداغ، ومنهم الأخ جَيلان، فلقد حزن هذا الأخ حزناً عميقاً على تأخره عن الجنازة وقال: "لقد خدمت الأستاذ سنوات طوالا واليوم يا للأسف لم أحضر وفاته!" (*)
_______________
(1) سمعته من بيرام يوكسل وانظر Son Şahitler 3/83-90
(2) ولد في قضاء "أرمنك" التابع لولاية "قونيا" سنة 1920 ظل عشر سنوات ملازماً للاستاذ وفي خدمته ليل نهار حتى وفاة الاستاذ النورسي. توفي في 2/4/1971 رحمه الله رحمة واسعة.
(3) يروي "ملا حميد أفندي" هذه الخاطرة: "كنت معتكفاً في جامع "قاضي أوغلو" ورأيت في الرؤيا أن الأستاذ يقول لي: "عليك بحضور جنازتي، والقيام بغسلي، لأني سأموت".
قلت له: "إنه لا يجوز للمعتكف الخروج من الاعتكاف يا أستاذي! فماذا أعمل؟".
قال: "انظر إلى صحيفة كذا من "ملتقى الأبحر" فهناك ترى الجواز".
ولما استيقظت من النوم، أخذت الكتاب المذكور بسرعة وأنا بعد تحت تأثير الرؤيا، وفتحت الصفحة نفسها وإذا ما قاله الأستاذ نفسه. وعلى هذا فقد نلت شرف غسل جنازته". (ش) 451.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:476
35-)
برقية إلى رئيس الجمهورية
سنة 1950 (1)
برقية إلى رئيس الجمهورية
جلال بايار
رئيس الجمهورية
نهنئكم وندعو الله تعالى ان يوفقكم لخدمة الإسلام والوطن والامة.
عن طلاب النور
سعيدالنورسي.(2)
واجاب رئيس الجمهورية بالبرقية الآتية:
بديع الزمان سعيد النورسي - اميرداغ
اسعدتنا تهانيكم القلبية كثيراً اشكركم شكراً جزيلاً
جلال بايار(3)
بشارة اعادة الاذان الشرعي:
.. مع غلبة (رسائل النور) وظهورها ظهوراً معنوياً كاملاً يحاول ملحدو الماسونيين وزنادقة الشيوعيين ان يستهولوا صغائر الأمور، فيحولوا دون حرية نشر رسائل النور. حتى انهم سببوا تأجيل محكمتنا -لهذه المرة ايضاً- لخمسة وثلاثين يوماً. واحدثوا ضجة ومشادة مع محامينا، ليمنعوا اعادة مصحفنا الشريف. الاّ ان العناية الإلهية جعلت جميع خططهم عقيمة بائرة حيث ان رسائل النور في استانبول وآنقرة تستقرئ نفسها للشباب بشوق كامل وترشدهم إلى الصواب. حتى ادّت الغلبة المعنوية هذه إلى ارسال البرقيات من قبل مئات الشباب المثقفين تعبيراً عن تهانيهم وشكرانهم إلى رئيس الوزراء الذي سعى لإعادة الاذان المحمدي (على الوجه الشرعي).(4)(*)
__________________________
(1) اراد حزب الشعب الجمهوري الحاكم - باقتراب الانتخابات العامة - استمالة الشعب بجانبه بالسماح لفتح مدارس تحفيظ القرآن واداء تكبيرات العيد باللغة العربية وفتح كلية الالهيات في انقرة. الاّ ان الشعب لم ينخدع بهم لكثرة مظالمهم وتعديهم الفظيع على الدين فأدلى بصوته في الانتخابات للحزب الديمقراطي المعارض. فتولى الديمقراطيون الحكم في 16/5/1950 باغلبية ساحقة في الانتخابات 396 نائباً مقابل 68 نائباً من حزب الشعب الجمهوري، وقامت الحكومة الجديدة باجراءات لصالح الإسلام نذكر منها:
1- رفع الحظر عن اداء الاذان باللغة العربية. واصبح الاذان يرفع اعتباراً من 16/6/950 بالوجه الشرعي
2- اصدار قانون العفو العام في 14/7/950
3- رفع الحظر عن اذاعة القرآن الكريم والبرامج الدينية في الراديو في 5/8/950
4- وضع دروس الدين رسمياً في المدارس الابتدائية في 21/10/950
5- غلق معاهد القرى التي كانت تدّرس الإلحاد في 10/8/52
6- وضع دروس الدين رسماً في المدارس المتوسطة في 13/9/56 (ب3/1403)
(2) الملاحق - اميرداغ2/333 وقد أملى الأستاذ بديع الزمان هذه البرقية على طالبه زبير كوندوزآلب ثم إلتفت إليه قائلاً:
سيقول الجمهوريون للديمقراطيين: صحيح ان سعيداً ليس معنا فهو ليس معكم كذلك، بل له هدف آخر يستهدفه، ويخدعونهم بهذا الكلام ويدفعونهم الى استعمال قوة الدولة التي في ايديهم ضد المتدينين وضد طلاب النور. ولكن ما ان يتسلم الديمقراطيون برقية التهنئة حتى يقولوا لهم: ان سعيداً صديق لنا. وعندها لاتستغل قوة الدولة على غير وجهها الصائب” ش/382.
(3) ش/382
(4) الملاحق - أميرداغ/334
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:437
36-)
نشر الخطوات الست لمقاومة الإنكليز: 1920م (1338هـ)
نشر الخطوات الست لمقاومة الإنكليز: 1920م (1338هـ)
عندما بدأ القائد العام للجيش الإنكليزي الذي احتل استانبول(1) ببذر بذور الخلاف بين المسلمين حتى خدع شيخ الإسلام وبعض العلماء الآخرين وجعل أحدهم يهاجم الآخر، ووسع الخلاف بين جماعة الإتحاديين(2) وجماعة (الائتلاف) لكي يهئ الجو لانتصار اليونانيين واندحار الحركة الملية الوطنية. قمت آنذاك بتأليف كتابي (الخطوات الست) ضد الإنكليز وضد اليونانيين، وقام السيد (أشرف أديب)(3) بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد.(4)
وما ان دخل القائد الإنكليزي استانبول حتى سُلّمت له رسالة (خطوات ستة) التي تهاجمهم بعنف وتفنّد أباطيلهم وتشد من عزائم المسلمين.. وعُرض عليه نشاط (بديع الزمان) الدائب في فضح سياسة المحتلين وتأليب الناس عليهم.
قرر القائد الإنكليزي إعدام الأستاذ النورسي، ولكن عندما أُعلم أن هذا القرار سيثير غضب الأمة كلها ويزيد سخطها، وسيدفعهم إلى
القيام بأعمال عدائية مهما كلّفهم ذلك، تخلّى عن قرار الإعدام، إلاّ ان سلطات الاحتلال لم تفتر عن ملاحقة الأستاذ.
ولما سمع قواد حركة التحرير في الأناضول بتأثير هذه الرسالة في أوساط العامة والخاصة، وعن أعمال (بديع الزمان) ضد المحتلين في استانبول دَعَوه إلى (آنقرة) مرتين تقديراً لأعماله البطولية وخدماته الجليلة نحو الأمة والبلاد. إلاّ ان الأستاذ النورسي آثر البقاء في استانبول يجابه الأعداء مباشرة ورفض الدعوة قائلاً:
إنني أريد ان أتجاهد في اكثر الأماكن خطراً، وليس من وراء الخنادق، وأرى ان مكاني هذا اخطر من الأناضول.(5)(*)
_______________________
(1) ففي 13/ 11/ سنة 1919 دخلت خمس وخمسون سفينة حربية لاسطول دول الحلفاء الى استانبول حسب هدنة "موندروس التي عقدت في 30/ 10/ 1918".. اثنتان وعشرون منها لانكلترة.. اثنتا عشرة منها لفرنسا.. سبع عشرة منها لايطاليا.. واربع منها لليونان.. ووجهت مدافعها نحو قصر الخليفة الذي أصبح في حكم الأسير في قصر "دولمه باغجه". واحتل الانكليز استانبول في 18 مارت 1920.
(2) جماعة الإتحاديين: هم جماعة الإتحاد والترقي الذين هرب قادتهم الى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى امام قوات الحلفاء. اما جماعة "الائتلاف" فهم يمثلون تياراً سياسياً ظهر بعيد انتهاء الحرب وكانوا يؤيدون الانكليز ويخاصمون الإتحاديين..
(3) وهو من المجاهدين المسلمين آنذاك، ورأس تحرير مجلة "سبيل الرشاد" الإسلامية..
(4) الشعاعات/ 504 . كانت هناك حكومتان: حكومة الخلافة في اسـتانبول واقعة تحت احتلال دول الحلفاء ولاسيما انكلترة وحكومة وطنية في انقرة وعلى رأسها مصطفى كمال.
(5) T. Hayat, ilk hayatı
(*) السيرة الذاتية /144
37-)
سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث (31) مارت ومقولته فيها
سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث (31) مارت ومقولته فيها :
حينما كانت العدالة والاستقامة التبستا مع الرجعية، صيّر الإستبداد الشديد في المشروطية السجن مدرسةً لي.(1)
لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (31) مارت:
إنني طالب شريعة، لذا ازن كل شئ بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملتي، لذا اُقيّم كل شئ وانظر إليه بمنظار الإسلام.
وإنني إذ أقف على مشارف عالم البرزخ الذي تدعونه السجن منتظراً في محطة الإعدام، القطار الذي يقلني إلى الآخرة اشجب وانقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهاً إليكم وحدكم وانما أوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة: ﴿يوم تبلى السرائر﴾(الطارق:9) فمن كان اجنبياً غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق(2). تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال:
فأنا الآن مثل ذلك القروي مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض
العجائب والغرائب.
لذا فان إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقاباً لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاع العقاب عليّ فعذّبوني وجداناً، فدونه ليس عذاباً ولا عقاباً بل فخراً وشرفاً.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل ايام الإستبداد. الاّ انها الآن تعادي الحياة بأكملها. فان كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق؛ فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.
لقد كنت آمل ان يهئ لي موضع لأبيّن فيه أفكاري. وها قد أصبحت هذه المحكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.
في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
وأنت ايضاً قد طالبت بالشريعة!
قلت: لو كان لي ألف روح، لكنت مستعداً لأن أضحي بها في سبيل حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. اقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون..
فها أنا ابدأ بخطابي.
أيها القادة! أيها الضباط!
ان خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:
إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟.
وفي البداية اقول: ان الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة. وإن اُتهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب. فلئن اُعدمتُ ظلماً فاني أغنم ثواب شهيدين معاً. وان لبثت في السجن فهو بلا ريب افضل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية الاّ لفظها. فالموت مظلوماً هو خير من العيش ظالماً.
واقول كذلك: ان بعضاً ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية او باستغلال الدين لاجل السياسة ليستروا على سيئاتهم وجرائمهم. ان عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم وكيف نبني العدالة على أقوالهم؟. فضلاً عن ان الإنسان، إذ لا يسلم من تقصير ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخب. ولكن جمع تقصيرات متفرقة وقعت في مدة مديدة ومن تصرف أشخاص كثيرين -والتي يمكن تفاديها بما يتخللها من محاسن- وتوهّم صدورها من شخص واحد في وقت واحد يجعل ذلك الشخص مستحقاً لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.
والآن سنباشر بذكر جناياتي البالغة إحدى عشرة جناية ونصف جناية ...(3)
(هذا الدفاع الرائع الشجاع طبع مرتين في وقته ونشر، وعندما كان يُنتظر صدور حكم الإعدام من تلك المحكمة الرهيبة حكمت ببراءة بديع الزمان -علماً أنها علقت الكثيرين على أعواد المشانق- ولكن بديع الزمان بدلاً من أن يشكر المحكمة على قرارها سار من منطقة بايزيد -حيث المحكمة- إلى منطقة السلطان أحمد ويعقبه جمّ غفير من الناس، ويهتفون : فلتعش جهنم للظالمين ولتعش جهنم للظالمين).(4)(*)
_________________________
(1) صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية /439
(2) حيث يشاهد جثث خمسة عشر من المشنوقين عبر النافذة.
(3) والنص الكامل للدفاع في مجموعة صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 440
(4) T. Hayat, ilk hayatı
(*) السيرة الذاتية ص107
38-)
لو رفع الحجاب
رسائل من سجن دنيزلي
لو رفع الحجاب
إخواني الأعزاء الصديقين!
تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول (الشيخ ضياء الدين) بيني وبين أخي الكبير المرحوم (الملا عبد الله). ثم فكرت فيكم. وقلت في قلبي:
ان الذي يظهر ثباتاً إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: لو رفع الحجاب -حجاب الغيب- وبدا لي كل منهم في درجة الأولياء الصالحين بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية فلا يزيد شئ في نظري عنهم ولا أغير ما أوليهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر الاّ قليلاً، وكذلك لو بدوا لي اشخاصاً اعتياديين من العوام، فلا أنقص أبداً مما امنحهم في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنزلة رفيعة.
هكذا قررت، ذلك لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شئ.
فالمقامات الشخصية والمزايا التي يضفيها حسن الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة فيقل حسن الظن وبدوره المحبة، زد على ذلك ان صاحب الفضيلة والمزية يشعر بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع كي يحافظ على مكانته في نظرهم.
فشكراً لله بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة.(1)(*)
__________________
(1) الشعاعات/ 362
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:350
39-)
من داخل السجن
من داخل السجن
((يروي المدعي العام لمحكمة الجزاء الكبرى في (اسكي شهر) سنة 1935: انه يشاهد يوماً الأستاذ في السوق، فيندهش من حيرته، ويتصل بمدير السجن مباشرة ويهدده بقوله:
كيف سمحتم لبديع الزمان بالخروج إلى السوق، فقد شاهدته بنفسي في السوق؟ ويجيبه المدير: عفواً سيدي إن بديع الزمان في السجن ويمكنكم التفضل لرؤيته في السجن الإنفرادي، ويأتي المدعي العام، ويزوران معاً الزنزانة، واذا الأستاذ هناك. تنتشر هذه الحادثة في دوائر العدل وتناقلها الحكام فيما بينهم رغم انهم لا يصدقونها بعقولهم!
وحادثة أخرى مشابهة يرويها مدير سجن (اسكي شهر) آنذاك وخلاصتها: يطرق سمعه صوت بديع الزمان طالباً الخروج من السجن إلى صلاة الجمعة في (آق جامع)، فيزور زنزانته وقت الصلاة، واذا ببديع الزمان غير موجود، والحراس كلهم في مواضعهم والأقفال على الأبواب. يسرع المدير إلى الجامع المذكور فيرى الأستاذ في الصف الأول وعلى اليمين، يبحث عنه عقب الصلاة فلا يجده، ويعود إلى السجن فوراً فيراه يكبر (الله اكبر) ويستغرق في السجود. وقد رويت حوادث أخرى من رؤية الأستاذ مراراً في صلاة الفجر جماعة عندما كان في سجن (دنيزلي). وهذه الأخبار كلها مروية من مسؤولين كانوا يعادون الأستاذ وليست من محبيه..))
نعم فلقد شاهد المجاهدون في جبهات متعددة من الحرب عالماً جليلاً فاضلاً. وذكروا له مشاهدتهم، فقال: إن بعض الأولياء قد ظهروا بمظهري وادّوا بدلاً منى في موضعى أنا، اعمالاً لأجل إكسابي ثواباً وليستفيد أهل الإيمان من دروسي.
ومثل هذا تماماً، فقد شاهدوني في جوامع (دنيزلي) وأنا نزيل سجنها ، حتى ابلغوا ذلك إلى الجهات المسؤولة وإلى المدير والحرّاس، وقال بعضهم في قلق واضطراب.. من يفتح له باب السجن! فالأمر نفسه يحدث هنا تماماً.
والحال انه بدلاً من إسناد حادثة جزئية خارقة إلى شخصي المقصر جداً فان رسالة (ختم التصديق الغيبي) تثبت خوارق لرسائل النور وتبينها كاسبةً ثقة أهل الإيمان برسائل النور اكثر بكثير من تلك الحادثة بمائة مرة بل بألف مرة. فضلاً عن تصديق أبطال النور بأحوالهم الخارقة وكتاباتهم الرائعة لمقبولية (رسائل النور).(1) (*)
______________________
(1) الشعاعات/529
ونورد هنا خاطرة من السيد " كمال طان أر" حيث يقول:
" كنت طالباً في الصف المنتهي بكلية الحقوق، كان علينا ان نزور المحاكم والسجون. ذهبت الى سجن "اسكي شهر" يوماً لزيارة الأستاذ، وعندما دخلت عليه رأيته جالساً على سجادته منشغلاً بالاوراد عقب الصلاة قبلت يده وقلت له:
- استاذي، يقال انه يظهر على يديكم كثير من الكرامات الغيبية ، بيد اني لم أر أياً من الاحوال الخارقة منكم، فان كانت تلك الاحوال موجودة فعلاً، فأظهروها امامي، ولتمش مسبحتكم هذه مثلاً.
تبسم الأستاذ ، وذكر لي هذه الحكاية ليوضح الأمر:
- كان لأحدهم ولد يحبه كثيراً، فهو وحيده، اخذه - ذات يوم - الى محل المجوهرات ليشتري له بعض الهدايا الثمينة من الالماس والجواهر حسب رغبة ابنه المحبوب، تعبيراً عن شدة حبه له. وكان قد زين صاحب المحل محله بنفاخات ملونة متنوعة على سقف المحل ليلفت نظر الزبائن. وعندما دخل الطفل هذا المحل المزين بالنفاخات لفتت نظره الوانها الجذابة، فقال باكياً:
- ابي! اريد ان تشتري لي من هذه النفاخات .. اريد النفاخات..
- ياصغيري الحبيب، سأشتري لك مجوهرات ثمينة والماسات غالية. ولكن الطفل الحّ في طلب النفاخات..
وبعد ان انهى الأستاذ هذا المثال قال:
- اخي انا لست الا دلالا في محل جواهر القرآن الكريم وخادماً فيه، ولست ببائع نفاخات ملونة، فلا ابيع في محلي نفاخات وليس في محلي وسوقي الا الالماس الخالد للقرآن الكريم، فانا منشغل يااخي بإعلان نور القرآن.
ففهمت ما يقصده الأستاذ وادركت خطأي". ذكريات عن سعيد النورسي/37 Son Şahitler 2/67
(*) كليات رسائل النور –سيرة ذاتية ص:294
40-)
ما نعمله في الليالي المباركة
رسائل من سجن أفيون
ما نعمله في الليالي المباركة:
اخوتي الاعزاء الصديقين ويا زملاء الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية!
ان الليلة القادمة هي ليلة النصف من شعبان، وهي بمثابة نواة سامية لسنة كاملة ونوع من برنامج للمقدرات البشرية، لذا تكتسب هذه الليلة قدسية من ليلة القدر. فمثلما الحسنات تتضاعف إلى ثلاثين ألف ضعففي ليلة القدر، يرتفع العمل الصالح وكل حرف من الحروف القرآنية في ليلة النصف من شعبان إلى عشرين ألف ثواب. فلئن كانت الحسنة بعشرة امثالها في سائر الاوقات، ففي الشهور الثلاثة ترتفع إلى المائة وإلى الالف، وفي هذه الليالي المشهورة ترتفع إلى عشرة آلاف، وعشرين الف، وثلاثين ألف من الحسنات. فهذه الليالي المباركة تعدل عبادة خمسين سنة، لذا فالانشغال -قدر المستطاع- بتلاوة القرآن الكريم والاستغفار والصلوات على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة ربح عظيم جداً.(1)
___________________________
(1) الشعاعات/553
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:426
41-)
اعتقال ونفي
اعتقال ونفي:
عندما كنت منشغلا بالقاء دروس في حقائق القرآن على طلابي في مدينة (وان) كانت حوادث (الشيخ سعيد)(1) تقلق بال المسؤولين في الدولة. وعلى الرغم من ارتيابهم من كل شخص، لم يمسوني بسوء، ولم يجدوا عليَّ حجة مادمت مستمراً في خدمة القرآن. ولكن ما أن قلت في نفسي: ما لي وللآخرين! وفكرت في نفسي فحسب، وانسحبت إلى جبل (أرك) لأنزوي في مغاراته الخربة، وأنجو بنفسي في الآخرة، إذا بهم يأخذوني من تلك المغارة(2) وينفوني من ولاية شرقية إلى أخرى غربية، إلى بوردور.(3)
(فبينما كان يقضي حياته في تلك المغارة في معتكفه على جبل أرك إذا بالثورة تندلع في الولايات الشرقية، فطلب منه قائد الثورة الشيخ سعيد استغلال نفوذه لإمداد الثورة إلا انه رفض المشاركة وكتب رسالة إليه جاء فيها:
ان ما تقومون به من ثورة تدفع الأخ لقتل أخيه ولا تحقق أية نتيجة، فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام وضحّت في سبيل دينها مئات الألوف بل الملايين من الشهداء فضلاً عن تربيتها ملايين الأولياء، لذا لا يستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام، الأمة التركية وأنا ايضاً لا استله عليهم).(4)
[وعلى الرغم من الموقف الواضح للاستاذ النورسي من الثورة إعتقلته الحكومة مع رؤساء العشائر والمشايخ وأصحاب النفوذ في الولايات الشرقية، حتى إن لم يكن لهم أي ضلع أو أي دور في هذه الحركة ونفتهم إلى غربي الأناضول]..
ومع هذا داهمت المفرزة العسكرية المغارة التي كان الأستاذ بديع الزمان منـزوياً فيها للعبادة، وأظهر قائدها تصرفاً قاسياً وخشناً تجاه الأستاذ، وكان رد فعل الأستاذ رداً قوياً وشجاعاً، وتكهرب الجو فجأة. وسرعان ما أخذوه معهم. وبعد ان مشوا مدة أقتربَ منهم بعض طلاب الأستاذ وبعض الأهلين وتحدثوا معه باللغة المحلية (بالكردية). وتوسلوا إليه ألاّ يذهب مع الجندرمة مبدين استعدادهم لتهريبه إلى مكان آخر، أو إلى أي بلد إسلامي آخر، ولكنه لم يقبل وقال لهم بأنه يذهب مع المفرزة بكامل رغبته، وان الجنود هم بمثابة طلابه، ونصحهم بالرجوع إلى بيوتهم بسكون ولا داعي إلى القلق.(5) وهكذا حال دون حدوث مجابهة بين الأهالي والحكومة تراق فيها الدماء بسببه.( 6) (*)
_________________________
(1) يذكر الملا حميد الذي لازم الأستاذ النورسي في "وان" و"جبل أرك" هذا الحوار ذا المغزى العميق الذي جرى بين الأستاذ النورسي وحسين باشا وهو شيخ عشيرة حيدران عيّنه السلطان عبد الحميد الثاني برتبة ميرآلاي إبان انشاء القوات الحميدية في شرقي الاناضول. واحرز انتصارات باهرة على القوات الروسية والارمنية وكبّدهم خسائر فادحة، فرفعته حكومة الإتحاد والترقي والسلطان رشاد الى رتبة امير اللواء، وقد ساعد على انشاء مدارس في شرقي البلاد قبل الحرب العالمية، اشتهر بعدالته وتوقيره العلماء، وعقد مع الأستاذ النورسي عقد أخوة اخروية، وعلى الرغم من عدم تدخله في ثورة الشيخ سعيد پيران نفي مع غيرهم الى قيصري ولكنه لم يتحمل حياة المنفى فهرب الى سورية بعد سنتين وظل فيها سنة حتى جاءه المدعو "مدني" وأقنعه بالعودة الى البلاد مدعياً ان الحكومة اصدرت قراراً بالعفو العام عن المنفيين .ولدى العودة مع إبنيه وفي أثناء ادائهم الصلاة أرداه قتيلاً . رحمهم الله .
يقول الملاحمبد :
"كنا مع الأستاذ في جبل أرك في صومعة خربة.. وذات يوم أتى حسين باشا مع اثنين من مرافقيه لزيارة الأستاذ، وبعد ان ربطوا أفراسهم بالاشجار الموجودة في باب الصومعة الخربة دخلوا على الأستاذ وجثوا أمامه في ادب جمّ وقبلوا يده. كان حسين باشا طويل القامة مهيب الهيئة متقلداً شارات وميداليات خاصة بالباشوات في ذلك الوقت. اخرج منديلاً فيه ما يقدر بنصف كيلو من الذهب ووضعه في موضع في الأرض. فسأله الأستاذ: وما ذلك؟
قال: فداك روحي، انها زكاتي جئت بها اليكم، أخرجتها من خالص اموالي!
الأستاذ: ألم تجد احداً ممن حولك، من اقربائك، من قريتك، حتى اتيت بها الى ههنا؟
حسين باشا: سيدي ان أقاربي ومن حولي كلهم اغنياء، لافقير فيهم، فرأيت أنكم المستحق بها.
الأستاذ: لايجوز نقل الزكاة. فلِمَ اتيت بها وتجاوزت كثيراً من القرى والارياف!
حسين باشا: ياسيدي! ارجو ان تقبل بضع قطع منها في الأقل وانفقها على من معك من الطلاب .
الأستاذ: كلا لا يمكن هذا.. لا حاجة لي الى الزكاة..
وهكذا ردّها ولم يقبلها وبعد قليل خاطبه حسين باشا قائلاً: سيدي لي معكم استشارة في امر خاص، ارجو ان تأذن لطلابك بالخروج. لأني اريد ان اتحدث معكم حديثاً خاصاً.
الأستاذ: لايمكن.. فهؤلاء، جزءٌ من كياني، لايفارقوني. اوضح ما عندك.
حسين باشا: سيدي اوجو ان تأذن لنا بالعصيان (مع الشيخ سعيد) فنحن مستعدون.
الأستاذ: لِمَ تقومون بالعصيان؟ إن كان لزيد وعمرو ذنب فما ذنب غيرهما.. بل ستراق دماء المسلمين.
حسين باشا: لقد أهلكنا الروس وقتلونا وأبادوا اموالنا وذرارينا، بينما ظل شرفنا مصاناً دون ان يمسّه أحد بسوء. ولكن الآن اصبح ديننا مهدداً وشرفنا معرضاً للهتك. فأذن لنا بالعصيان، فجنودنا المشاة والفرسان على اهبة الاستعداد.
وبعد ان اوضح حسين باشا الأمر والحوادث المؤلمة، والأستاذ مطرق ومستغرق في التفكير، رفع الأستاذ رأسه وقال بكل لطف ولين: ايها الباشا تعال لنستشر ديوان احمد الجزري ونفتحه متفائلين به. أتقبل ما يقوله الجزري؟
الباشا: نعم!
فاخرج الأستاذ الديوان من جيبه وفتحه متفائلاً به واذا بهذا البيت امامهم:
"هن زي ببف دَيري فه تين، قصدا كنيشتي هن دكن
نه ي زي فانم نه ي زي وانم من دَرَي خمار بس"
ويعني : منهم من يرجع من طريق الكنيسة ويدخل الإسلام ومنهم من يعود الى معبد اليهود فيتهود، اما أنا فلست من هؤلاء ولا من هؤلاء..
قال الأستاذ: أرأيت يا باشا. فأنا الآن لست منكم ولا منهم.
حسين باشا: يا استاذ لقد أوهنت عزيمتي وضعْفت همتي. فلو عدت الى عشيرتي سيقولون، جبن الباشا فتخلى عن العصيان.
قال الأستاذ: نعم وليقولوا: جبن وخاف ولايقولوا أراق الدم.
وعندما استودع الباشا الأستاذ كرّر عليه الأستاذ ثلاث مرات: لاترق الدم ياباشا.. لاترق الدم.. لاترق الدم..
وعاد حسين باشا الى عشيرته وفرّق قواته، لذا لم تحدث اية حادثة في منطقة "وان".( ب1 / 557)
(2) في 10 شباط 1925 أُخذ الأستاذ من جبل أرك. أما ترحيل قافلة المنفيين فكانت في 25 شباط 1925.
(3) اللمعات/ 67
(4) T.Hayat, ilk hayatıوالرسالة هذه محفوظة في محافظ محكمة الاستقلال في ملف الشيخ سعيد.( ب/531).
(5) من مذكرات "زيير گوندوز آلب" ب1 / 567، ش / 273
(6) "كان ترحيل المنفيين في 25/ 2/ 1925 وكان خط السير كما يأتي: اتجهت القافلة من مدينة "وان" الى "أرجش" ومنها الى "باتنوس"، حيث استراحت هناك ما يقارب أربعة أيام ثم توجهت الى مدينة "آغري" وبقيت فيها يوماً واحداً، ومنها الى "ارضروم" حيث قضت فيها اسبوعاً واحداً وتوجهت منها الى مدينة "طرابزون" وقضت فيها عشرين يوماً، ثم اتجهت الى "استانبول" بالباخرة ووصلتها في 15/ 4/ 1925 ومكثت فيها (20 - 25) يوما".
ويسرد (مصطفى آغريلى) أحد الجنود الذين اشتركوا في حراسة قافلة المنفيين هذه ذكرياته عن هذه الرحلة فيقول: "عندما كنت أؤدي وظيفتي في الخدمة العسكرية في مدينة (وان) كنت أسمع عن اسم الأستاذ بديع الزمان وعن شهرته كثيراً، فالجميع كانوا يتحدثون عنه، مما جعلني في شوق كبير لرؤيته. وعندما كلفت بالاشتراك في حراسة قافلة المنفيين كان ذلك فرصة كبيرة لرؤيته.
عندما خرجت القافلة كان الموسم شتاءاً والثلج يغطي كل مكان، وكان في القافلة ما يقارب (70 - 80) زحافة تجرها الخيول أو الثيران... في المساء وصلنا الى احدى القرى فاستقبلنا أهلها عن بكرة أبيهم.. كان قائد الرحلة في ورطة، إذ كيف يستطيع ان يبيت في هذه القرية الكردية وان يحافظ ويحرس ويمنع هروب أي شخص؟ لم يكن من الممكن ان يوزع المنفيين على بيوت القرية، وأخيراً قرر جمعهم في مكان واحد لتسهل حراستهم.... ذهبنا الى غرفة صغيرة لا تسع إلاّ لمنام شخصين، وكان القرويون يحومون حولنا مبدين حفاوة كبيرة بنا.. وقد أحاطوا بنا من كل جانب، وكأنهم ينتظرون اشارة واحدة من "بديع الزمان" ولكنه ما كان يسمح ان يحدث أي شيء. وفي المساء جلبوا لنا أصنافاً متعددة من الأطعمة، ولكن الأستاذ قال بانه مريض لذا لم يمد يده للأكل، ولكنه دعاني للأكل، ثم صلينا العشاء وبعدها فرشوا له فراشاً، وفراشاً لي قرب الباب..
بعد حين انتبهت على صوت حركة، فتحت عيني فرأيته وهو يخرج وبيده فانوس زيتي حيث توضأ في الباحة المغطاة بالثلج، ثم وقف للصلاة، فقضى الليلة في الصلاة والعبادة.
التفت اليَّ عندما أحس انني يقظان وقال لي: "لايزال أمامك متسع من الوقت للنوم. نحن على المذهب الشافعي نستيقظ مبكرين، أما أنتم فعلى المذهب الحنفي وتستطيع ان تؤدي الصلاة بعد حين.. ولكنه في الحقيقة لم يكن قد استيقظ مبكرآً لانه لم ينم أصلاً، اما أنا فلم اعد الى النوم بل قمت وتوضأت وصليت الفجر معه..
كانت هناك مدفأة في الغرفة.. قام الأستاذ وغلّى شيئاً من الماء عليها، وكان معه زنبيل صغير، أخرج منه بيضة واحدة وسلقها.. كانت قد مرت ساعات طويلة منذ خروجنا من مدينة "وان"، ولأول مرة كان يتناول طعاماً في هذا الفطور.. ثم أخرج أدوات الحلاقة وحلق ذقنه.. لا أتذكر اسم هذه القرية.. كنا نبيت على الدوام في القرى التي تقع على طريق سيرنا.. كنت أراقبه عن كثب فرأيته يهتم بالنظافة والحلاقة والعبادة اهتماماً كبيراً، ولم يكن يتناول طعام أحد". Son Şahitler 1/136.
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (206)
42-)
على عتبة سعيد الجديد
على عتبة سعيد الجديد :
كنت في استانبول شهر رمضان المبارك، وكان آنئذٍ سعيد القديم -الذي انشغل بالفلسفة- على وشك ان ينقلب إلى سعيد الجديد.. في هذه الفترة بالذات وحينما كنت أتأمل في المسالك الثلاثة المشارة إليها في ختام سورة الفاتحة بـ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ رأيت تلك الحادثة الخيالية وهي حادثة أشبه ما تكون بالرؤيا. سجلتها في حينها في كتابي اللوامع(1) على صورة سياحة خيالية وبما يشبه النظم. وقد حان الآن وقت ذكر معناها وشرحها، حيث انها تسلط الأضواء على الحقيقة المذكورة.
كنت أرى نفسي وسط صحراء شاسعة عظيمة، وقد تلبدت السماء بسحب قاتمة مظلمة، الأنفاس تكاد تختنق على الأرض كافة. فلا نسيمولا ضياء ولا ماء. كل ذلك مفقود.
توهمت أن الأرض ملأى بالوحوش والضواري والحيوانات الضارة. فخطر على قلبي ان في الجهة الأخرى من الأرض يوجد نسيم عليل وماء عذب وضياء جميل، فلا مناص اذاً من العبور إلى هناك.. ثم وجدتني وأنا اُساق إلى هناك دون إرادتي.. دخلت كهفاً تحت الأرض، أشبه ما يكون بأنفاق الجبال، سرتُ في جوف الأرض خطوة خطوة وأنا أشاهد أن كثيرين قد سبقوني في المضي من هذا الطريق تحت الأرض، دون أن يكملوا السير إذ ظلوا في أماكنهم مختنقين، فكنت أرى آثار أقدامهم، وأسمع - حيناً - أصوات عددٍ منهم .. ثم تنقطع الأصوات.
فيا صديقي الذي يرافقني بخياله في سياحتي الخيالية هذه!
ان تلك الأرض هي (الطبيعة) و(الفلسفة الطبيعية). أما النفق فهو المسلك الذي شقه أهل الفلسفة بأفكارهم لبلوغ الحقيقة. أما آثار الأقدام التي رأيتها فهي لمشاهير الفلاسفة كأفلاطون وارسطو(2). وما سمعته من أصوات هو أصوات الدهاة كابن سينا و الفارابي.. نعم كنت أجد اقوالاً لإبن سينا وقوانين له في عدد من الأماكن، ولكن كانت الاصوات تنقطع كلياً، بمعنى انه لم يستطع ان يتقدم، أي انه اختنق..
وعلى كل حال فقد بينت لك بعض الحقائق الكامنة تحت الخيال لأخفف عنك تلهفك وتشوقك.. والآن أعود إلى ذكر سياحتي:
استمر بي السير، واذا بشيئين يجعلان بيدي.
الأول: مصباح كهربائي، يبدد ظلمات كثيفة للطبيعة تحت الأرض.
والآخر: آلة عظيمة، تفتت صخوراً ضخمة هائلة أمثال الجبال فينفتح لي الطريق.
وهُمِس في أذني آنذاك: ان هذا المصباح والآلة، قد منحتا لك منخزينة القرآن الكريم.. وهكذا فقد سرت مدة على هذا المنوال، حتى رأيت نفسي قد وصلت إلى الجهة الأخرى، فإذا الشمس مشرقة في سماء صافية جميلة لا سحاب فيها، واليوم يوم ربيع بهيج، والنسيم يهب كأن فيه الروح، والماء السلسبيل العذب يجري. فقد رأيت عالَماً عمّته البهجة ودبّ الفرح في كل مكان، فحمدتُ الله.
ثم نظرت إلى نفسي، فرأيت اني لا املكها ولا أستطيع السيطرة عليها، بل ان احداً يختبرني، وعلى حين غرة رأيت نفسي مرة أخرى في تلك الصحراء الشاسعة، وقد أطبقت السحب القاتمة ايضاً فأظلمت السماء، والأنفاس تكاد تختنق من الضيق.. واحسست سائقاً يسوقني إلى طريق آخر، إذ رأيت أني أسير في هذه المرة على الأرض وليس في جوفها في طريقي إلى الجهة الأخرى.. فرأيت في سيرى هذا اموراً عجيبة ومشاهد غريبة تكاد لا توصف؛ فالبحر غاضب عليّ، والعاصفة تهددني وكل شئ يلقى أمامي العوائق والمصاعب. إلاّ ان تلك المشاكل تُذلّل بفضل ما وُهب لي من القرآن الكريم من وسيلة سياحية. فكنت أتغلب عليها بتلك الوسيلة.. وبدأت اقطع السير خطوة خطوة، شاهدت أشلاء السائحين وجنائزهم ملقاة على طرفي الطريق، هنا وهناك فلم يُنهِ إلاّ واحدٌ من ألف هذه السياحة..
وعلى كل حال فقد نجوت من ظلمات تلك السحب الخانقة، ووصلت إلى الجهة الأخرى من الأرض، وقابلت الشمس الحقيقية الجميلة، وتنفستُ النسيم العليل، وبدأت أجول في ذلك العالم البهيج كالجنة، وأنا اردد: الحمد لله.
ثم رأيت أنني لن اُترَك هنا، فهناك مَن كأنه يريد أن يريني طريقاً آخر، فأرجعَني في الحال إلى ما كنت عليه.. تلك الصحراء الشاسعة.. فنظرت فإذا بأشياء نازلة من الأعلى كنزول المصاعد (الكهربائية) بأشكال متباينة وأنماط مختلفة بعضها يشبه الطائرات وبعضها شبيه بالسيارات، وأخرى كالسلال المتدلية.. وهكذا. فايّما إنسان يمكن أن يتعلق بأحد تلك الأشياء، حسب قابليته وقوته، فانه يُعرج به إلى الأعلى.. فركبت إحداها، واذا أنا في دقيقة واحدة فوق السحب وعلى جبال جميلة مخضوضرة، بل لا تبلغ السحب منتصف تلك الجبال الشاهقة.. وتُشاهد
في كل مكان اجمل ضياء، وأعذب ماء وألطف نسيم.. وحينما سرحت نظري إلى الجهات كلها رأيت أن تلك المنازل النورانية - الشبيهة بالمصاعد - منتشرة في كل مكان. ولقد كنت شاهدت مثلها في الجهة الأخرى من الأرض في تلكما السياحتين السابقتين.. ولكن لم افهم منها شيئاً، بيد اني الآن افهم أن هذه المنازل إنما هي تجليات لآيات القرآن الحكيم.
وهكذا فالطريق الأول: هو طريق الضالين المشار إليه بـ﴿الضالين﴾ وهو مسلك الذين زلّوا إلى مفهوم (الطبيعة) وتبنّوا أفكار الطبيعيين.. وقد شعرتم مدى صعوبة الوصول إلى الحقيقة من خلال هذا السير الملئ بالمشكلات والعوائق.
والطريق الثاني: المشار إليه بـ﴿المغضوب عليهم﴾ فهو مسلك عَبَدة الأسباب والذين يحيلون الخلق والإيجاد إلى الوسائط، ويسندون إليها التأثير، ويريدون بلوغ حقيقة الحقائق، ومعرفة الله جل جلاله عن طريق العقل والفكر وحده، كالحكماء المشائين.
أما الطريق الثالث: المشار إليه بـ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ فهو الصراط المستقيم والجادة النورانية لأهل القرآن، وهو أقصر الطرق وأسلمه أيسره، ومفتوح أمام الناس كافة ليسلكوه، وهو مسلك سماوي رحماني نوراني.(3)(*)
___________________
(1) المنشور ملحقاً بمجموعة "الكلمات"
(2) وإن قلت: فما تكون انت حتى تنازل هؤلاء المشاهير؟ فهل اصبحت نظير ذبابة حتى تتدخل في طيران الصقور؟ وانا اقول: لما كان لي أستاذ أزلي وهو القرآن العظيم، فلا أراني مضطراً أن أبالي -ولو بقدر جناح ذبابة- في طريق الحقيقة والمعرفة، باولئك الصقور الذين هم تلاميذ الفلسفة الملوثة بالضلالة والعقل المبتلى بالاوهام. فمهما كنت أدنى منهم درجة إلا ان استاذهم ادنى بدرجات لاحد لها من استاذي، فبفضل استاذي وهمته لم تستطع المادة التي اغرقتهم ان تبلل قدمي. نعم! ان الجندي البسيط الحامل لأوامر سلطان عظيم وقوانينه، يمكنه ان ينجز من الاعمال مالا ينجزه مشير لدى ملك صغير.(المؤلف).
(3) الكلمات/ 647-650
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (163)
43-)
هكذا تقتضي خدمة الإيمان
النورسي
بديع الزمان
في منفى أميرداغ
هكذا تقتضي خدمة الإيمان :(1)
أخي الصدّيق العزيز وصديقي الحميم الشهم في هذه الدنيا الفانية.
أولاً:أشكركم جزيل الشكر على سبقكم جميع أصدقائي واهل مدينة ارضروم، على علاقتكم المشحونة بالشفقة الخالصة، وسعيكم فكراً لمدّ يد العون لي في حياتي التي مضت بالعذاب والظلم. فلا أنسى فضلكم هذا إلى نهاية عمري، فألف ألف ما شاء الله بارك الله فيكم.
ثانياً:سأبيّن بعض ما يخص حالتي وتعذيب الظلمة لي، مخالفاً بذلك مسلكي وماتعلّمته من رسائل النور، ومنافياً لدستور حياتي، وهو عدم النظر -منذ عشر سنوات- إلى حوادث الدنيا العابرة التافهة. أبيّنه تطميناً لخاطرك واهتمامك الذي ذكرته في رسالتك الأخيرة ليس إلاّ.
الأول: حينما كنت عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) قبل ثلاثين سنة قال لي أحد أعضائها وهو السيد سعد الدين پاشا: سمعت ممن أثق بكلامه أن منظمة للزندقة مدعومة من جهات أجنبية، قرأوا كتاباً لك وقالوا: لا يمكننا نشر أفكارنا ما دام هذا الرجل حياً، ولذلك قرروا القضاء عليك. فجئت لأخبرك بالأمر فانك عزيز عليّ.
فقلت: توكلت على الله، والأجل واحد لا يتغير ولا يتبدل.
فهذه المنظمة قد توسعت، واستعملت بحقي جميع حبائل المكر والخديعة منذ ثلاثين او أربعين سنة فسببت دخولي السجن مرتين وتسميمي إحدى عشرة مرة. وآخر خطتهم هي استعمال نفوذ الحكومة الرسمية بتشديدها عليّ وذلك بدفعهم وزير الداخلية السابق ومحافظافيون السابق ووكيل قائمقام أميرداغ السابق ليأخذوا جبهة متحدة ضدي. حتى أنهم بدأوا ببث الأراجيف والشائعات المغرضة لمثلي وأنا العاجز الضعيف الكهل المنزوي الفقير الغريب المحتاج إلى من يعاونه ويخدمه، فبلغ الخوف لدى الناس مبلغاً -لشدة دعاياتهم- بحيث لا يجرأ أحد من الموظفين ان يسلّم عليّ تجنباً من نقله إلى بلد آخر بمجرد وصول الإخبارية إليهم. لذا لم يمرّ عليّ غير المخبرين الجواسيس، بل حتى جيراني قطعوا عني السلام. ولكن رغم كل هذا فقد منحني الحفيظ العليم وشملني بعنايته الواسعة وأعطاني تحملاً عجيباً وصبراً جميلاً ولم يجعلني مضطراً إلى التوسل بهم قطعاً رغم المضايقات الشديدة.
الثالث: لم تجد محكمتان مبرراً قانونياً واحداً لإدانتنا بعد طول تدقيق وتمحيص استغرق سنتين، فبرّأت ساحتنا. ولكن تلك المنظمة للزندقة أخذت تستغل بعض الموظفين المنافقين فدبّروا معاً خطة رسمية في مركز الحكومة، وعزلوني عن جميع طلابي واخلائي كلياً. ونفوني إلى مكانٍ ناءٍ غير ملائم كلياً لصحتي وحياتي وهو أميرداغ. وقد تحقق لدي الآن انهم يستهدفون غايتين في هذه المعاملة:
أولاها: افتعال حادثة بإثارتي وإغضابي، لمعرفتهم بأني لا أتحمل الإهانة مهما كانت وعندها يكون لديهم مبرر لإنهاء حياتي.
ولكن لأنهم لم يجنوا شيئاً من هذه المحاولة حاولوا إنهاء حياتي بالتسميم. ولكن العناية الإلهية الشاملة ودعوات طلاب النور والصبر والتحمل.. كلها أصبحت كالترياق الشافي لذلك السم. فباءت الخطة بالإخفاق.
إنه لم يقترف في التاريخ وفي أية حكومة كانت خرق للقانون ولا إنزال لأنواع العذاب والمظالم باسم القانون وباسم الحكومة بمثل ما أُقترف بحقي، إذ كان الترصد والمراقبة مستمرة بحيث تثير أعصابي حتى تبلغ مبلغ الحدة والغضب مع إلقاء الرعب في قلوب الناس.. وقد خطر إلى قلبي فجأة خاطر هو: عليك بالإشفاق على هؤلاء الظلمة لا الحدة عليهم. لأن كل واحد منهم سيلقى الوفاً من العذاب الدائمي الأشد بعد مدة قليلة بدلاً من العذاب المؤقت الذي يذيقونك إياه. فيؤخذ تأثرك منهم بألف ضعف وضعف لما يلاقون من جهنم مادي ومعنوي.
وسيُعذب قسم منهم عذاباً وجدانياً طالما هو في الدنيا حتى يُقضى عليه. فضلاً عن القلق والخوف من الإعدام الأبدي الذي ينتظرهم. وأنا بدوري تركت الغضب جانباً وأشفقت عليهم قائلا: يا رب أصلح شأن هؤلاء.
إنني اشكر ربي الجليل واشعر بفرح غامر ضمن المضايقات الرهيبة، إذ إن انشغالهم بي بدلاً من رسائل النور وطلابها وصبّهم العذاب عليّ وحدي، ينفع من حيث سلامة النوريين فضلاً عن كسب الثواب لي .
رابعاً:أما ما ذكرته في رسالتك حول مراجعتك الحكومة الحاضرة إذا اقتضى الأمر لذهابي إلى الشام أو الحجاز لضمان راحتي... فأقول:
أولاً: انه يجب عليّ المجئ إلى هنا حتى لو كنت في مكة المكرمة وذلك إنقاذاً للإيمان وخدمة للقرآن الكريم، فالحاجة هنا شديدة جداً.
فلو أملك ألف روح وروح، وابتليت بألف مرض ومرض، وقاسيت الوفاً من صنوف الآلام والمصاعب، فان قراري -وقرارنا- هو البقاء هنا، خدمة لإيمان هذه الأمة وسعياً لإكسابهم السعادة الأبدية، ذلك ما تعلمناه من دروس القرآن الكريم.
ثانياً: تكتب اليّ -يا أخي- عن الإهانة التي أقابل بها بدلاً من الاحترام والتقدير وتقول: (لو كنتَ في مصر أو أمريكا لكنتَ تُذكر في التاريخ بإعجاب وفخر.)
أخي العزيز الفطن!
نحن نهرب هروباً من احترام الناس إيانا وتوقيرهم لنا وحسن ظنهم بنا وإكرامهم لنا وإعجابهم بنا، وذلك بمقتضى مسلكنا.
فاللهاث وراء الشهرة التي هي رياء عجيب، ودخول التاريخ بفخر وبهاء، وهو عُجب ذو فتنة، وحب الظهور وكسب إعجاب الناس.. كل ذلك مناف ومخالف للإخلاص الذي هو أساس من أسس مسلك النور وطريقه.
فنحن نجفل ونهرب مذعورين من هذه الأمور باعتبارنا الشخصي؛ ناهيك عن الرغبة فيها.
ولكننا نرجو من رحمة الله الواسعة إظهار رسائل النور النابعة من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعات إعجازه المعنوي، ومفسرة حقائقه وكشافة أسراره.. فنرجو من رحمته تعالى الإعلان عن هذه الرسائل والرواج لها وشعور الناس بحاجتهم إليها وإظهار قيمتها الرفيعة جداً، وتقدير الناس لها وإعجابهم بها، وتبيان كراماتها المعنوية الظاهرة جداً وإظهار غلبتها على الزندقة بجميع أنواعها بسر الإيمان، فنحن نريد إعلام هذه الأمور وإفهام الناس بها وإظهار تلك المزايا، ونرجو ذلك من رحمته تعالى.(2) (*)
__________________
(1) يبين الأستاذ في هذه الرسالة ما استعمله الأعداء بحقه من مظالم وما يجب عليهم من العمل لخدمة الإيمان والقرآن في تلك الايام الحالكة.
(2) الملاحق- أميرداغ 1/289
T. H. Emirdağ Hayatı
(*) كليات رسائل النور- السيرة الذاتية ص:360
44-)
في طريق استانبول
في طريق استانبول:
في أثناء مجيئى إلى استانبول قبل عهد الحرية، اقتنيت بضعة كتب قيّمة تخص علم الكلام فقرأتها بدقة. وبعد مجيئى إليها دعوت العلماء ومدرسي المدارس الدينية إلى المناقشة بإعلاني (اسألوا ما شئتم). الاّ أن الشئ المحير ان المسائل التي طرحها القادمون كنت قد قرأت أجوبتها في طريقي إلى استانبول او التي ظلت عالقة في ذهني.
وكذا الأسئلة التي طرحها الفلاسفة هي المسائل التي ظلت عالقة في ذهني.
والآن [أي بعد حوالي خمسين سنة] توضح الأمر فأدرك ان ذلك النجاح الباهر وذلك الإعلان وإظهار الإعجاب والفضيـلة التي تفوق حدي بكثير، إنما كان لتهيئة الوسط الملائم لقبول رسائل النور لدى استانبول وعلمائها ومعرفة أهميتها.(1)
فلقد دعا العلماء واهل المدارس الحديثة في استانبول - قبل إعلان الحرية بستة شهور - إلى المناظرة والمناقشة، والإجابة عن أسئلتهم دون ان يسأل احداً شيئاً. فأجاب عن جميع استفساراتهم إجابة شافية صائبة.(2)(*)
______________________________________
(1) الملاحق - اميرداغ 1 / 255
(2) اللمعات/ 262 . يقول السيد "حسن فهمي باش اوغلو" (الذي اصبح فيما بعد عضواً في هيئة الاستشارة للشؤون الدينية في تركيا):
عندما كنت طالباً في " مدرسة فاتح" زمن المشروطية سمعنا بقدوم شاب الى استانبول اسمه "بديع الزمان" علق لوحة على باب غرفته (في خان الشكرجي) الذي يقيم فيه كتب فيها : هنا تحلّ كل معضلة ويجاب عن كل سؤال من دون توجيـه سؤال لأحد. وقد خطر ببـالي ان صاحب مثل هذا الادعاء لابد ان يكون مجنوناً، ولكن كثرة الثناء والمديح المتكرر الذي بدأت اسمعه من الناس ومن الطلبة ومن العلماء الذين قاموا بزيارته أثارت في نفسي رغبة كبيرة لزيارته، فقررت أن أختار أصعب الأسئلة لأدق المسائل لأطرحها عليه ، وكنت آنذاك أعدّ من الطلبة المتفوقيـن في المدرسة. وفي مساء أحد الأيام تهيأت واخترت من علوم العقائد أدق المواضيع التي تحتاج الاجابة عليها الى عدة كتب، وذهبت اليه في اليوم التالي ووجهت اليه تلك الاسئلة فكانت أجوبته خارقة ومدهشة وعجيبة فكأنه كان معي يدقق الكتب البارحة لأن أجوبته كانت تامة وكاملة. اما أنا فقد اطمأننت تماماً وعلمت علم اليقين بان علمه ليس كسبياً كعلمنا، بل هو علم لدني، ثم أخرج لنا خارطة أوضح عليها مدى أهمية وضرورة فتح المدارس العلمية في شرقي البلاد التي كانت تدار آنذاك من قبل "القوات الحميدية" فبين عدم كفاية هذا الطراز من الإدارة لتلك المنطقة، كما بين ضرورة إيقاظ هذه المنطقة علمياً وذلك بأسلوب مقنع، وانه لم يأت الى استانبول الاّ من أجل تحقيق هذه الغاية وكان يقول:(ان الدين هو ضياء القلوب، اما العلوم الحديثة فهي نور العقول).
ويقول الكاتب التركي "ماهر إيز":
"عندما أتى "بديع الزمان" الى استانبول كان شاباً، ويتجول بملابسه المحلية، وكان شخصاً بليغاً ماهراً في الحديث وخطيباً مفوهاً ومن أصحاب الذكاء الخارق الذي أنجبته المنطقة الشـرقية للبلاد، دعا العلماء للمناظرة وتحداهم جميعاً لانه كان واثقاً من نفسه".
ويسرد السيد " علي همت بركي" وهو من رؤساء محكمة التمييز السابقين ذكرياته حول وصول "بديع الزمان" الى استانبول فيقول:
"كنت آنذاك طالباً في مدرسة القضاة (أي كلية الحقوق) عندما انتشرت إشاعة تقول ان شخصاً اسمه " بديع الزمان" ذا قيافة غريبة جاء من شرقي البلاد وانه يجيب عن أي سؤال كان يوجه اليه، فشعرنا بفضول كبير وذهبنا لرؤيته.. كان جالساً يتناول بالتفنيد والدحض الفلسفة السوفسطائية بأدلة عقلية ومنطقية.. كان جديراً فعلاً بلقب "بديع الزمان" إذ لم يكن هناك حد لمعلوماته في الفلسفة الإسلامية (أي في علم الكلام) وفي علم اللغة".(ش/ 83)
(*) السيرة الذاتية ص:67
45-)
رزق طالب العلم
رزق طالب العلم
لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنه:
في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشاف وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبى وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة.
وقد شعرت من اخوتي الكثيرين - سواءً هنا أم هناك - الحالة نفسها ومازلت أشعر بها، وكثيرون يعترفون قائلين: (أننا نشعر بها ايضاً).
حتى أنني اعتقد -كما كتبته لكم في السنة الماضية - ان السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك البركة.
وهناك رواية عن الإمام الشافعي رضي الله عنه انه قال: أنا ضامن رزق طالب العلم الخالص؛ لان في رزقهم بركة وسعة.
ولما كانت الحقيقة هي هذه وان طلاب رسائل النور قد اظهروا الأهلية التامة لعنوان (طالب العلم) في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع المنتشر.
مع إدراك ان افضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدم ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثاً وراء متطلبات العيش.(1)(*)
________________________
(1) الملاحق- قسطموني/199
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:318
46-)
مضاعفة الثواب
رسائل من سجن أفيون
مضاعفة الثواب:
اخوتى الاعزاء الصديقين!
انتابني اليوم قلق وحزن لأجلكم باخطار معنوى ورد إلى القلب. فلقد حزنت لاحوال اخواننا الذين يرغبون في الخروج حالاً من السجن من جراء قلقهم على هموم العيش. وفي الدقيقة التي فكرت في هذا، وردت خاطرة ميمونة إلى القلب مع حقيقة وبشرى هي:
ستحل الشهور الثلاثة المباركة جداً الحاملة لأثوبة عظيمة بعد خمسة ايام فالعبادات مثابة فيها باضعافها. إذ الحسنة ان كانت بعشر امثالها في سائر الاوقات ففي شهر رجب تتجاوز مائة حسنة وفي شهر شعبان تزيد على ثلاثمائة حسنة، وفي شهر رمضان المبارك ترتفع إلى الألف حسنة، وفي ليإلى الجمع فيه إلى الآلاف، وفي ليلة القدر تصبح ثلاثين ألف حسنة. نعم، ان الشهور الثلاثة سوق اخروية سامية رفيعة للتجارة، بحيث تُكسب المرء هذه الارباح والفوائد الاخروية الكثيرة جداً.. وهي مشهر عظيم ومعرض ممتاز لاهل الحقيقة والعبادة.. وهي التي تضمن عمراً لاهل الإيمان بثمانين سنة خلال ثلاثة شهور.. فقضاء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تكسب ربحاً بعشرة امثالها. لا شك انه ربح كبير وفوز عظيم. فمهماكانت المشقات فهي عين الرحمة.
فكما ان الأمر هكذا من حيث العبادة. فهي كذلك من حيث الخدمة النورية والعمل لنشر (رسائل النور)، إذ تتضاعف الخدمات إلى خمسةاضعافها باعتبار النوعية ان لم تكن باعتبار الكمية، لان القادمين والمغادرين لدار الضيافة هذه (السجن) يصبحون وسائط لنشر دروس النور، وقد ينفع احياناً اخلاص شخص واحد بمقدار عشرين شخص. ثم ان كان هناك شئ من المشقات والمضايقات فلا اهمية له ازاء انتشار سر الإخلاص الموجود في رسائل النور بين صفوف المسجونين الذين هم احوج الناس إلى ما في الرسائل من سلوان ولاسيما ممن تسرى في عروقهم بطولات سياسية.
اما من حيث هموم العيش، فمن المعلوم ان هذه الشهور هي سوق الآخرة وقد دخل بعضكم هذا السجن بدلاً عن الكثيرين من الطلاب، بل ان بعضكم قد دخله بدلاً عن الالف. فلا شك ان ستكون لهم مساعدات وامدادات لاعمالكم الخارجية.
هكذا وردت الخاطرة وفرحتُ بها فرحاً تاماً وعلمت ان البقاء هنا إلى العيد نعمة إلهية عظيمة.(1)(*)
_________________
(1) الشعاعات/540
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:421
47-)
ممن تلقيتُ درس الحقيقة
رسائل من أميرداغ
ممن تلقيتُ درس الحقيقة
إن حسن ظنكم المفرط نحوي هو فوق حدّي بكثير فلا أستطيع قبوله الاّ ان يكون باسم شخص رسائل النور المعنوي، والاّ فليس من حدّي وطوقي ان اظهر مزايا تلك المقامات الرفيعة.
ثم ان مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ان هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان إنقاذ الإيمان. ولله الحمد فان رسائل النور قد أنجزت وما تزال تنجز هذه المهمة وفي اصعب الظروف. ان دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الإمام علي والحسن والحسين والشيخ الگيلاني رضوان الله عليهم أجمعين.. إذ تلقيتُ درس الحقيقة - على طريقة أويس القرني - مباشرة من الإمام علي رضي الله عنه بوساطة الشيخ الگيلاني (قدس سره) و الإمام زين العابدين و الحسن و الحسين رضي الله عنهم، لذا فان دائرة عملنا وخدماتنا هي دائرتهم.
ثم إنني اعترف بأني لا استحق بأي وجه من الوجوه ذلك المقام الرفيع الذي يمنحني أخوتي لأتملك هذا الأثر المقبول القيم. ولكن خلقُ شجرة باسقة ضخمة من بذرة صغيرة جداً هو من شأن القدرة الإلهية ومن سنته الجارية وهو دليل على عظمتها. وأنا أطمئنكم مقسما بالله ان قصدي من الثناء على رسائل النور إنما هو تأييد حقائق القرآن واثبات أركان الإيمان ونشرها. وإنني اشكر ربي الرحيم شكراً لا منتهى له، على انه لم يجعلني اعجب بنفسي قط، وانه اظهر لي عيوب نفسي وتقصيراتي حتى لم تبق لي أية رغبة في إظهار تلك النفس إلى الآخرين.
نعم ان من كان واقفاً على شفير القبر لا ينظر إلى الدنيا الفانية التي تركها وراء ظهره، واذا ما نظر إليها فهو حماقة يرثى لها وخسارة فادحة.
اللّهم احفظنا من مثل هذه الخسائر آمين.
تحياتنا إلى جميع الاخوة فرداً فرداً مقرونة بالدعاء لهم راجين دعواتهم.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/262
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:368
48-)
عرض مراحل السير نحو سعيد الجديد
عرض مراحل السير نحو سعيد الجديد:
كان سعيد القديم - قبل حوالي خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكاً ومدخلاً للوصول إلى حقيقة الحقائق،
داخلاً في عداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة. وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها -كأكثر أهل الطريقة- بل جهد كل الجهد اولاً لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إيّاه مداومة النظر في كتب الفلاسفة.
ثم أراد -بعد أن تخلّص من هذه الأسقام- ان يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة، المتوجهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب، فرأى ان لكلٍ من أولئك العظماء خاصيّة جاذبة خاصة به، فحار في ترجيح بعضهم على بعض.
فخطر على قلب ذلك السعيد القديم الممخض بالجروح - ما في مكتوبات (الإمام الرباني) من أمره له غيباً: (وحِّد القبلة) أي أن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلاّ، وان توحيد القبلة إنما يكون بأستاذية القرآن فقط، فشرع بإرشاد من ذلك الأستاذ القدسي بالسلوك بروحه وقلبه على أغرب وجه، واضطرته نفسه الأمارة بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية.
وخلال سلوكه ذلك المسلك ومعاناته في دفع الشكوك، قطع المقامات، وطالع مافيها، لا كما يفعله أهل الاستغراق مع غض الأبصار، بل كما فعله الإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، مع فتح أبصار القلب والروح والعقل، فسار فيها -أي في المقامات- ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلها، منفتحةً من غير غضٍ ولا غمض. فحمداً لله على ان وُفِّق على جمع الطريقة مع الحقيقة بفيض القرآن وارشاده، حتى بيّن برسائل النور التي ألفها (سعيد الجديد) حقيقة:
وفي كل شئ له آية تدل على أنه واحد
لقد كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوك في تلك المقامات، ساعياً بالقلب تحت نظارة العقل، وبالعقل في حماية القلب كالإمام الغزالي والأمام الرباني وجلال الدين الرومي. فبادر إلى ضماد جراحات قلبه وروحه، وخلّص نفسه من الوساوس والأوهام. وبخلاصه منها انقلب سعيد القديم إلى سعيد الجديد، فألّف بالعربية ما هو بحكم المثنوي الشريف -الذي هو أصلاً بالفارسية- رسائل عدة في أوجز العبارات. وكلما سنحت له الفرصة أقدم على طبعها، وهي: (قطرة، حباب، حبة،زهرة، ذرة، شمة، شعلة ودروس أخرى) مع رسالتين بالتركية وهما: (لمعات ونقطة)(1). وبيّن ذلك المسلك في غضون نصف قرن من الزمان في (رسائل النور) التي لم تقتصر على جهاد النفس والشيطان، بل أصبحت شبيهة بمجموعة كلية واسعة من (المثنوي) تنقذ الحيارى المحتاجين وتنتشل المنساقين إلى الضلالة من أهل الفلسفة.
إن المناظرة الجارية بين ذينك السعيدين -سعيد القديم والجديد- كانت دافعة للشيطان، قاهرةً للنفس، حتى غدت (رسائل النور) طبيبة حاذقة لذوي الجراحات من طلاب الحقيقة، واصبحت مُلزمةً ومُسكتةً لأهل الإلحاد والضلالة.(2)(*)
_______________________
(1) بدأ بتأليف هذه الرسائل في الاشهر الأخيرة من سنة 1921م وأتمها في نيسان 1923
والتي طبعت منها باللغة العربية :
1-قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922)
2-شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط. 1922)
3-حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط. 1922)
4-زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923)
5-ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922)وذيل الذرة (ط. 1923)
6-حباب من عمان القرآن وذيل الحباب (ط. 1923)
7-شعلة من أنوار شمس القرآن (ط. 1923)
وطُبعت منها باللغة التركية:
8-لمعات (ط. 1921)
9- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط. 1921)
(2) المثنوي العربي النوري/ 29-32
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:168
49-)
إلى سجن افيون
إلى سجن افيون
المدرسة اليوسفية الثالثة
28/1/1948 - 20/9/1949
إثارة التهم مرة أخرى:
لم يتمكن أعداء رسائل النور المتسترون أن يتحملوا تلك الفتوحات النورية، فنبهوا المسؤولين في الدولة ضدنا وأثاروهم علينا، فاصبحت الحياة -مرة أخرى- ثقيلة مضجرة، الاّ ان العناية الإلهية تجلت على حين غرة، حيث ان المسؤولين أنفسهم -وهم أحوج الناس إلى رسائل النور- بدأوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل الله أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث أنهم بدأوا بتقديرها والإعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتنا هذه النتيجة منافع جمة، إذ هي خير مائة مرة ممّا نحن فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما نعانيه من اضطراب وقلق. ولكن ما ان مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون -وهم الأعداء المتسترون- نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ونبّهوا أذهانها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون و الإرهابيون -وهم واجهة الشيوعيين- حتى أن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد علينا، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.
وبالرغم من أن بعض الموظفين المسؤولين أشاعوا دعايات مغرضة عجيبة لجرح شخصيتي وذمّها -مما لا يمكن أن يصدّقها أحد- الاّ انهم باؤوا بالإخفاق الذريع، فلم يستطيعوا ان يقنعوا احداً بها. ومعذلك احالوني إلى الموقف لمدة يومين بحجج رخيصة تافهة جداً، ووضعوني في قاعة واسعة جداً وحيداً في تلك الأيام الشديدة البرد كالزمهرير، علماً أنني ما كنت أتحمل البرد في بيتي الاّ على مضض وكنت أقاومه بشدة بإشعال الموقد دائماً وبإشعال المدفأة عدة مرات يومياً، وذلك لما أعانيه من ضعف ومرض.(1)
((وتبدأ الاسطوانة نفسها من جديد، ويشاع في البلد ان النورسي يشكل جمعية سرية، ويحرض الناس على الحكومة محاولاً هدم نظام الدولة، ويطلق على مصطفى كمال انه دجال المسلمين.. وامثالها من الإشاعات والتهم، فيساق الأستاذ مع خمسة عشر طالباً للنور معه إلى محكمة الجزاء الكبرى لأفيون، كما جمع من الولايات عدد من طلاب النور فيكون مجموعهم ثمانية وأربعون طالباً مع الأستاذ ويودعون جميعاً إلى التوقيف في 23/1/1948.
وبعد إجراء التحقيقات الرسمية المشددة،لم يعثروا على مادة تدينهم قط.. ولكن المحكمة حكمت بقناعة الحاكم الوجدانية -أي دون الاعتماد على دليل- على الأستاذ النورسي عشرين شهراً وعلى عالم فاضل ثمانية أشهر لكل منهم، وعلى اثنين وعشرين طالبا ستة اشهر، واُفرج عن الباقين.(2)
اعترض الأستاذ وطلابه على هذه المعاملات الاعتباطية إلى محكمة التمييز، فأجابت بالآتي:
(لما كان بديع الزمان سعيد النورسي قد اصبح بريئاً من التهمة بقرار محكمة دنيزلي، فلا تؤخذ الدعوى المصدّقة من قبل التمييز مرة ثانية بالمحكمة، حتى لو كان قرار محكمة دنيزلي خطأً).
وعلى هذا بدأت المحكمة من جديد واستجوبت المتهمين الأبرياء . وطالب طلاب النور المحكمة بتنفيذ قرار محكمة التمييز، الاّ انها تماطلت.. وفي النهاية قررت تنفيذ قرار التمييز الاّ ان المحكمة ادّعت انها تكمّل بعض الأمور الرسمية الناقصة. بيد أن هذه الأمور الناقصة لم تنته إلى ان قضى الأستاذ وطلاب النور الأحكام الصادرة بحقهم رغم براءتهم.
وفي هذه الأثناء تولى سلطة البلاد الحزب الديمقراطي واعلن العفو العام واُغلقت القضية لانها ضمن شمولية قانون العفو العام.(3) ولكن هيئة المحكمة لم تبرئ ساحة (رسائل النور) بل استمرت في قرارها حول مصادرتها فقررت المصادرة مرتين ، لكن محكمة التمييز نقضت القرارين معاً. ثم اضطرت محكمة افيون إلى إقرار براءة (رسائل النور) وعدم مصادرتها. ولكن هذه المرة نقضت محكمة التمييز قرار محكمة آفيون لنقص في الأصول الرسمية وطلبت تدقيق رئاسة الشؤون الدينية للرسائل فقدّمت الرئاسة تقريراً ايجابياً بحقها .واستمرت المكاتبات الرسمية حتى سنة 1956فقررت محكمة افيون بالإجماع براءة (رسائل النور) استناداً إلى تقرير الخبراء المذكور. واصبح هذا القرار قراراً نهائياً قاطعاً. وبعد هذا القرار اصبح طبع (رسائل النور) مسموحاً به في كل مكان.
ولقد عانى الأستاذ النورسي في سجن افيون معاناة تفوق بكثير عما كان عليه في سجن دنيزلي، بل ان يوماً من سجن افيون يفوق شهراً من سجن دنيزلي من العذاب، إذ قاسى من اثر التسميم(4) ما قاسى حتى انقطع عن تناول الغذاء لأيام عدة، وكان وحيداً في ردهة كبيرة تسع ستين شخصاً في جو شديد البرد، ولم يسمحوا لأحد ان يخدمه او يعاونه وهو الشيخ الكبير. انهم كانوا ينتظرون اجله على هذه الصورة..))(5)
فبينما كنت أتقلب من شدة الحمّى المتولدة من البرد، أتململ من حالتي النفسية المتضايقة جداً، انكشفت في قلبي حقيقة عناية إلهية، ونُبّهت إلى ما يأتي:
إنك قد أطلقت على السجن اسم (المدرسة اليوسفية)، وقد وهب لك (سجن دنيزلى) من النتائج والفوائد أضعاف أضعاف ما أذاقكم من
الضيق والشدة، ومنحكم فرحاً شديداً وسروراً عظيماً وغنائم معنوية كثيرة، واستفادة المساجين معكم من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الأوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلتكم في شكر دائم مستمر بدل التشكي والضجر محوّلة كل ساعة من ساعات السجن والضيق إلى عشر ساعات من العبادة، فخلّدت تلك الساعات الفانية، فهذه المدرسة اليوسفية الثالثة كذلك ستعطي -بإذن الله- من الحرارة الكافية ما يدفىء هذا البرد الشديد، وستمنح من الفرح والبهجة ما يرفع هذا الضيق الثقيل، باستفادة أهل المصائب والبلاء معكم من رسائل النور ووجدانهم السلوان فيها. أما الذين غضبت واحتديت عليهم، فان كانوا من المغرّر بهم ومن المخدوعين فلا يستحقون الغضب والحدّة، إذ انهم يظلمونك دون قصد ولا علم ولا شعور.
وان كانوا يعذبونك ويشددون عليك الخناق وهم يقومون بهذا عن علم وعن حقد دفين إرضاء لأهل الضلالة فإنهم سيعذّبون عن قريب بالموت الذي يتصورونه إعداماً أبدياً، وسيرون الضيق الشديد الدائمي المقيم في السجن المنفرد وهو القبر. وأنت بدورك تكسب ثواباً عظيماً -نتيجة ظلمهم- وتظفر بخلود ساعاتك الفانية، وتغنم لذائذ روحية معنوية فضلاً عن قيامك بمهمتك العلمية والدينية بإخلاص.
هكذا ورد إلى روحي هذا المعنى فقلت بكل ما أوتيت من قوة: (الحمد لله). وأشفقت على أولئك الظَلَمة بحكم إنسانيتي ودعوت: يا ربّى أصلح شأن هؤلاء..
ولقد ثبتّ في إفادتي التي كتبتُها إلى وزارة الداخلية: ان هذه الحادثة الجديدة غير قانونية، وأثبتها بعشرة أوجه، بل ان هؤلاء الظلمة الذين يخرقون القانون باسم القانون هم المجرمون حقاً، حيث بدأوا بالبحث عن حجج واهية جداً وتتبعوا افتراءات مختلقة إلى حدّ ان جلبوا سخرية السامعين وابكت أهل الحق المنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف أنهم لا يجدون باسم القانون والحق أي مسوّغ للتعرض لرسائل النور ومسّ طلابها بسوء، فيزلّون إلى البلاهة والجنون ويتخبطون خبط عشواء.
مثال ذلك:
لم يجد الجواسيس الذين راقبونا لمدة شهر شيئاً علينا، لذا لفّقوا التقرير الآتي: (ان خادم) سعيد (قد اشترى له الخمر من حانوت). الاّ أنهم لم يجدوا أحداً يوقّع على هذا التقرير تصديقاً لهم، الاّ شخصاً غريباً وسكيراً في الوقت نفسه، فطلبوا منه -تحت الضغط والتهديد- ان يوقع مصدقاً على ذلك التقرير، فردّ عليهم: (استغفر الله من يستطيع أن يوقع -هذا التقرير- مصدقاً هذا الكذب العجيب!) فاضطروا إلى إتلاف التقرير.
مثال آخر:
لحاجتي الشديدة لاستنشاق الهواء النقي، ولما يُعلم من اعتلال صحتي، فقد أعارني شخص لا أعرفه -ولم أتعرف عليه لحدّ الآن- عربة ذات حصان، لأتنزه بها خارج البلدة فكنت اقضي ساعة او ساعتين في هذه النزهة. وكنت قد وعدت صاحب العربة والحصان بأن أوفي أجرتها كتباً تثمن بخمسين ليرة، لئلا أحيد عن قاعدتي التي اتخذتها لنفسي، ولئلا أظل تحت منّة أحد من الناس وأذاه.. فهل هناك احتمال لان ينجم ضرر ما من هذا العمل؟! غير أن دائرة الشرطة ودائرة العدل والأمن الداخلي وحتى المحافظ نفسه استفسروا بأكثر من خمسين مرة: لمنْ هذا الحصان؟ ولمن هذه العربة؟ وكأنه قد حدثت حادثة سياسية خطيرة للإخلال بالأمن والنظام! مما اضطر ان يتطوع أحد الأشخاص لقطع دابر هذه الاستفسارات السخيفة المتتالية فيدّعي أن الحصان ملكه، وادّعى آخر بان العربة له، فصدر الأمر بالقبض عليهما واودعا معي في السجن. فبمثل هذه النماذج أصبحنا من المتفرجين على لعب الصبيان ودُماهم، فبكينا ضاحكين وحزنّا ساخرين، وعرفنا أن كل من يتعرض لرسائل النور ولطلابها يصبح أضحوكة وموضع هزء وسخرية.
واليك محاورة لطيفة من تلك النماذج: لقد قلتُ للمدعي العام -قبل ان اطلّع على ما كتب في محضر اتهامي من الإخلال بالأمن- قلت له: لقد اغتبتك أمس، إذ قلت لأحد أفراد الشرطة الذي استجوبني نيابة عن مدير الأمن: (ليهلكني الله -ثلاث مرات- ان لم اكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن واكثر من ألف مدع عام..).
ثم إنني في الوقت الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إلى الإخلاد إلى الراحة وعدم الاهتمام بهموم الدنيا والابتعاد نهائياً عن البرد، فان قيام هؤلاء بنفيي -في هذه الفترة من البرد بالذات- وتهجيري من مدينة لأخرى بما يفوق تحملي، ومن ثم توقيفي والتضييق علىّ بأكثر من طاقتي وبما يشعر أنه حقدٌ دفين وأمر متعمد مقصود..كل ذلك ولّد عندي غيظاً وامتعاضاً غير اعتيادي تجاه هؤلاء. ولكن العناية الإلهية أغاثتني فنبهت القلب إلى هذا المعنى:
ان للقدر الإلهي -الذي هو عدل محض- حصةً عظيمة جداً فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البيّن، وان رزقك في السجن هو الذي دعاك إلى السجن، فينبغي اذاً ان تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم.
وان للحكمة الربانية ورحمتها حظاً وافراً ايضاً كفتح طريق النور والهداية إلى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثم إحراز الثواب لكم؛ لذا ينبغي تقديم آلاف الحمد والشكر لله -من خلال الصبر- تجاه هذا الحظ العظيم.
وكذا فان لنفسك أنت ايضاً حصتها حيث ان لها ما لا تعرف من التقصيرات.. فينبغي مقابلة هذه الحصة ايضاً بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله وتأنيب النفس بأنها مستحقة لهذه الصفعة.
وكذا فان بعض الموظفين السذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون إلى ذلك الظلم بدسائس الأعداء المتسترين منهم حصة ايضاً ونصيب، فرسائل النور قد ثأرت لك ثأراً كاملاً من هؤلاء المنافقين بما أنزلت بهم من صفعاتها المعنوية المدهشة. فحسبهم تلك الضربات.
أما الحصة الأخيرة فهي لأولئك الموظفين الذين هم وسائط فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتماً من جهة الإيمان -سواء أرادوا أم لم يريدوا- عند نظرهم إلى (رسائل النور) وقراءتهم لها بنيّة النقد او الجرح، فان العفو والتجاوز عنهم وفق دستور ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ هو شهامة ونجابة.
وبعد ان تلقيت هذا التنبيه والتحذير الذي كلّه حق وحقيقة قررت أن أظل صابراً وشاكراً جذلاً في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة. بل قررت أن أعاقب نفسي بتقصير لا ضرر فيه فأساعد وأعاون حتى أولئك الذين يسيئون إلى ويخاصمونني ثم ان من كان مثلي في الخامسة والسبعين من عمره، وقد انقطعت علاقاته مع الدنيا ولم يبق من أحبابه في الدنيا الاّ خمسة من كل سبعين شخصاً، وتقوم سبعون ألف نسخة من (رسائل النور) بمهمته النورية بكل حرية، وله من الإخوان ومن الورثة مَن يؤدون وظيفة الإيمان بآلاف الألسنة بدلاً من لسان واحد.. فالقبر لمثلي اذاً خير وأفضل مائة مرّة من هذا السجن. فضلاً عن أن هذا السجن هو اكثر نفعاً واكثر راحة بمائة مرة من الحرية المقيدة في الخارج، ومن الحياة تحت تحكّم الآخرين وسيطرتهم؛ لان المرء يتحمل مضطراً مع مئات المساجين تحكماً من بعض المسؤولين؛ أمثال المدير ورئيس الحراس بحكم وظيفتهم، فيجد سلواناً وإكراماً أخوياً من أصدقاء كثيرين من حوله، بينما يتحمل وحده في الخارج سيطرة مئات الموظفين والمسؤولين.
وكذلك الرأفة الإسلامية والفطرة البشرية تسعيان بالرحمة للشيوخ ولاسيما من هم في هذه الحالة، فتبدلان مشقة السجن وعذابه إلى رحمة ايضاً.. لاجل كل ذلك فقد رضيت بالسجن..
وحينما قُدمت إلى هذه المحكمة الثالثة جلست على كرسي خارج باب المحكمة لما كنت أحسّ من النصب والضيق في الوقوف لشدة ضعفي وشيخوختي ومرضي. وفجأة أتى الحاكم وقال مغاضباً مع إهانة وتحقير: لِمَ لا ينتظر هذا واقفاً؟!
ففار الغضب في أعماقي على انعدام الرحمة للشيب، والتفتُّ واذا بجمع غفير من المسلمين قد احتشدوا حولنا ينظرون إلينا بعيون ملؤها الرأفة، وقلوب ملؤها الرحمة والاخوة، حتى لم يستطع أحد من صرفهم عن هذا التجمع، وهنا وردت إلى القلب هاتان الحقيقتان:
الأولى :ان اعدائي، وأعداء النور المتسترين قد اقنعوا بعض الموظفين الغافلين وساقوهم إلى مثل هذه المعاملات المهينة كي يحطموا شخصيتي امام أنظار الناس، ويصرفوا ما لا أرغبه أبداً من توجه الناس وإقبالهم علىّ، ظناً منهم أنهم يتمكنون بذلك من إقامة سدّ منيع امام سيل فتوحات النور. فتجاه تلك الإهانة الصادرة من رجل واحد فقد صرفت العناية الإلهية نظري إلى هؤلاء المائة إكراماً منها للخدمة الإيمانية التي تقدمها (رسائل النور) وطلابها قائلة: انظر إلى هؤلاء، فقد أتوا للترحيب بكم لخدمتكم تلك، بقلوب كلأي بالرأفة والحزن والإعجاب والارتباط الوثيق.
بل حتى في اليوم الثاني عندما كنت أجيب عن أسئلة حاكم التحقيق؛ إحتشد ألف من الناس في الساحة المقابلة لنوافذ المقر. كانت ملامح وجوههم تعبّر عن وضعهم، وتقول: (لاتضايقوا هؤلاء). ولشدة ارتباطهم بنا، عجزت الشرطة عن ان تفرقهم. وعند ذلك ورد إلى القلب:
ان هؤلاء الناس في هذا الوقت العصيب؛ ينشدون سلواناً كاملاً، ونوراً لاينطفئ، وايماناً راسخاً، وبشارة صادقة بالسعادة الأبدية، بل يبحثون عنها بفطرتهم، وقد طرق سمعَهم أن ما يبحثون عنه موجود فعلاً في (رسائل النور)، لذا يبدون هذا الاحترام والتقدير لشخصي -الذي لا أهمية له- بما يفوق طاقتي وحدي، من موقع كونى خادماً للإيمان، وعسى أن أكون قد قمت بشئ من الخدمة له.
الحقيقة الثانية:لقد ورد إلى القلب: انه حيال إهانتنا والاستخفاف بنا بحجة إخلالنا بالأمن العام، وازاء صرف إقبال الناس عنا بالمعاملات الدنيئة التي يقوم بها أشخاص معدودون من المغرر بهم.. فان هناك الترحيب الحار والقدر اللائق لكم من قبل أهل الحقيقة وأبناء الجيل القادم. نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب المتستّر بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فان طلاب (رسائل النور) يقفون بوجه ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد ويكسرون شوكته بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثاً لإحلال الأمن والنظام مكان الخوف والفوضى. فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أية حادثة كانت حول إخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثاً، في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: (ان طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، انهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ رسائل النور بالإيمان التحقيقي حارساً ورقيباً عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام.)(6)(*)
___________________________
(1) اللمعات/394-395
(2) في 6/ 12/ 1948
(3) واُخلي سبيلهم في 20/ 9/ 1949
(4) تكررت حادثة التسميم 3 مرات في سجن افيون وبهذا يبلغ عدد تسميم الأستاذ الى هذه الفترة 14 مرة.
(5) T.H.Afyon Hayatı
(6) اللمعات/395-400
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:383
50-)
في طريقه إلى (وان) و محاورة مع البوليس الروسي
في طريقه إلى (وان) و محاورة مع البوليس الروسي:
«لم يلبث في إستانبول، بل غادرها إلى (وان) عن طريق (باطوم). وفي طريقه إلى (وان) مرّ على مدينة (تفليس) وصعد على (تل الشيخ صنعان).»(1)
محاورة مع البوليس الروسي:
قبل عشر سنوات ذهبت إلى (تفليس) وصعدت تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء أراقبها. اقترب مني أحد رجال البوليس فقال :
- بم تنعم النظر؟
قلت: اخطط لمدرستي!
قال: من أين أنت؟
قلت: من بتليس
قال: وهنا تفليس!
قلت : بتليس وتفليس شقيقتان
قال: ماذا تعني؟
قلت : لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستظهر عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيُمزّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا أنشئ مدرستي.
قال: هيهات ! إنني أحار من فرط أملك؟
قلت : وأنا أحار من عقلك ! أيمكن ان تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعاً ولكل ليل نهاراً.
قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.
قلت: ذهبوا لكسب العلم ، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكفوء يدرس في إعدادية الإنكليز.
وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز..
وها هو القفقاس والتركستان اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.. الخ.
فيا هذا ! ان هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شئ.(2)(*)
________________________
(1) T. Hayat, ilk hayatı
(2) صيقل الإسلام - السانحات /371
(*) السيرة الذاتية ص 111
51-)
في منفى بارلا سلوان من القرآن بوفاة عبد الرحمن
في منفى بارلا
سلوان من القرآن بوفاة عبد الرحمن
بينما كنت وحيداً بلا معين في (بارلا) تلك الناحية التابعة لمحافظة (اسپارطة) أعاني الأسر المعذّب المسمى بالنفي، ممنوعاً من الإختلاط بالناس، بل حتى من المراسلة مع أي كان، فوق ما كنت فيه من المرض والشيخوخة والغربة.. فبينما كنت أضطرب من هذه الحالة وأقاسي الحزن المرير إذا بنور مسلٍّ يشعّ من الأسرار اللطيفة للقرآن الكريم ومن نكاته الدقيقة، يتفضل الحق سبحانه به علىَّ برحمته الكاملة الواسعة، فكنت أعمل جاهداً بذلك النور لتناسي ما أنا فيه من الحالة المؤلمة المحزنة، حتى استطعت نسيان بلدتي وأحبتي واقاربي.. ولكن -يا حسرتاه- لم أتمكن من نسيان واحد منهم أبداً وهو إبن أخي، بل إبني المعنوي، وتلميذي المخلص وصديقي الشجاع (عبدالرحمن) تغمده الله برحمته الذي فارقني قبل حوالي سبع سنوات(1)، ولا أعلم حاله كي أراسله وأتحدث معه ونتشارك في الآلام، ولا هو يعلم مكاني كي يسعى لخدمتيوتسليتي، نعم لقد كنت في أمسّ الحاجة -ولاسيّما في الشيخوخة هذه- إلى من هو مثل (عبدالرحمن).. ذلك الفدائي الصادق.. وذات يوم وفجأة سلمني أحدهم رسالة، ما إن فتحتها حتى تبيّن لي انها رسالة تظهر شخصية (عبدالرحمن) تماماً وقد أدرج قسم من تلك الرسالة ضمن فقرات المكتوب السابع والعشرين بما يظهر ثلاث كرامات واضحة.
لقد أبكتني تلك الرسالة كثيراً ولا تزال تبكيني، حيث يبيّن فيها (عبدالرحمن) بكل صدق وجدّ أنه قد عزف عزوفاً تاماً عن الأذواق الدنيوية وعن لذائذها، وأن أقصى ما يتمناه هو الوصول إلى ليقوم برعايتي في شيخوختي هذه مثلما كنت أرعاه في صغره، وان يساعدني بقلمه السيّال في وظيفتي ومهمّتي الحقيقية في الدنيا، وهي نشر أسرار القرآن الكريم، حتى أنه كان يقول في رسالته: إبعث إلى ما يقرب من ثلاثين رسالة كي أكتب وأستكتب من كل منها ثلاثين نسخة.
لقد شدتني هذه الرسالة إلى الدنيا بأمل قوي شديد، فقلت في نفسي: ها قد وجدت تلميذي المخلص الشجاع، ذا الذكاء الخارق، وذا الوفاء الخالص، والارتباط الوثيق الذي يفوق وفاء الابن الحقيقي وارتباطه بوالده. فسوف يقوم -بإذن الله- برعايتي وخدمتي، بل حتى أنني بهذا الأمل نسيت ما كنت فيه من الأسر المؤلم ومن عدم وجود معين لي، بل نسيت حتى الغربة والشيخوخة! وكأن عبدالرحمن قد كتب تلك الرسالة بإيمان في منتهى القوة وفي غاية اللمعان وهو ينتظر أجله، إذ استطاع ان يحصل على نسخة مطبوعة من الكلمة العاشرة التي كنت قد طبعتها وهي تبحث عن الإيمان بالآخرة. فكانت تلك الرسالة بلسماً شافياً له حيث ضمّدت جميع جراحاته المعنوية التي عاناها عبر سبع سنوات خلت.
وبعد مضي حوالي شهرين وأنا أعيش في ذلك الأمل لنعيش معاً حياة دنيوية سعيدة.. إذا بي أفاجأ بنبأ وفاته، فيا اسفاه.. ويا حسرتاه.. لقد هزّني هذا الخبر هزاً عنيفاً، حتى أنني لا أزال تحت تأثيره منذ خمس سنوات، وأورثني حزناً شديداً وألماً عميقاً للفراق المؤلم يفوق ما كنت أعانيه من ألم الأسر المعذّب وألم الإنفراد والغربة الموحشة وألم الشيخوخة والمرض.
كنت اقول: ان نصف دنياي الخاصة قد إنهدَّ بوفاة أمي، بيد اني رأيت ان النصف الآخر قد توفي ايضاً بوفاة عبد الرحمن، فلم تبق لي إذن علاقة مع الدنيا.. نعم لو كان عبدالرحمن يظل معي في الدنيا لأصبح محوراً تدور حوله وظيفتي الأخروية في الدنيا ولغدا خير خلف لي، ولحلّ مكاني من بعدي، ولكان صديقاً وفياً بل مدار سلوان لي وأنس، ولباتأذكى تلميذ لـ(رسائل النور)، والأمين المخلص المحافظ عليها.. فضياع مثل هذا الضياع -باعتبار الإنسانية- لهو ضياع محرق مؤلم لأمثالي. ورغم أنني كنت ابذل الوسع لأتصبّر وأتحمل ما كنت أعانيه من الآلام الاّ أنه كانت هناك عاصفة قوية جداً تعصف بأقطار روحي، فلولا ذلك السلوان النابع من نور القرآن الكريم يفيض علىّ احياناً لما كان لمثلي ان يتحمل ويثبت.
كنت أذهب واسرح في وديان (بارلا) وأجول في جبالها وحيداً منفرداً واجلس في أماكن خالية منعزلة، حاملاً تلك الهموم والآلام المحزنة، فكانت تمر من أمامي لوحات الحياة السعيدة ومناظرها اللطيفة التي كنت قد قضيتها مع طلابي –أمثال عبدالرحمن- كالفلم السينمائي. فكلما مرّت تلك اللوحات أمام خيالي، سلبت من شدة مقاومتي وفتّت في عضدي، سرعة التأثر النابعة من الشيخوخة والغربة.
ولكن على حين غرّة انكشف سرّ الآية الكريمة ﴿كلُ شئٍ هالكٌ إلاّ وجههُ لهُ الحُكمُ واليه تُرجعون﴾(القصص:88). انكشافاً بيّناً بحيث جعلني أردّد: ياباقي أنت الباقي، ياباقي أنت الباقي.. وبه أخذت السلوان الحقيقي.
اجل!. رأيت نفسي بسرّ هذه الآية الكريمة، وعبر تلك الوديان الخالية، ومع تلك الحالة المؤلمة، رأيتها على رأس ثلاث جنائز كبرى كما أشرت إليها في رسالة (مرقاة السنّة):
الأولى: رأيت نفسي كشاهد قبر يضم خمسةً وخمسين سعيداً ماتوا ودفنوا في حياتي، وضمن عمري الذي يناهز الخامسة والخمسين سنة.
الثانية: رأيت نفسي كالكائن الحي الصغير جداً - كالنملة - يدب على وجه هذا العصر الذي هو بمثابة شاهد قبر للجنازة العظمى لمن هم بنو جنسي ونوعي، والذين دفنوا في قبر الماضي منذ زمن آدم عليه السلام.
أما الثالثة: فقد تجسّمت أمام خيالي - بسرّ هذه الآية الكريمة - موت هذه الدنيا الضخمة، مثلما تموت دنيا سيارة من على وجه الدنيا كل سنة كما يموت الإنسان.. وهكذا فقد أغاثني المعنى الإشاري للآية الكريمة ﴿فإنْ تَوَلوا فَقُل حَسبيَ الله لا إلهَ إلاّ هو عليهِ توكلتُ وهو ربُّ العرش العظيم﴾(التوبة:129) وأمدني بنور لا يخبو، فبدد ما كنت أعانيه من الحزن النابع من وفاة عبد الرحمن واهباً لي التسريَ والتسلي الحقيقي.
نعم لقد علمتني هذه الآية الكريمة أنه مادام الله سبحانه وتعالى موجوداً فهو البديل عن كل شئ، وما دام باقياً فهو كافٍ عبده، حيث أن تجلياً واحداً من تجليات عنايته سبحانه يعدل العالم كله، وان تجلياً منتجليات نوره العميم يمنح تلك الجنائز الثلاث حياة معنوية أيما حياة، بحيث تظهر انها ليست جنائز، بل ممن أنهوا مهامهم ووظائفهم على هذه الأرض فارتحلوا إلى عالم آخر.
ولما كنا قد أوضحنا هذا السرّ والحكمة في (اللمعة الثالثة) أراني هنا في غير حاجة إلى مزيدٍ من التوضيح، الاّ أنني اقول:
ان الذي نجّاني من تلك الحالة المحزنة المؤلمة، تكراري لـ(ياباقي أنت الباقي.. ياباقي أنت الباقي) مرتين والذي هو معنى الآية الكريمة﴿كُلُّ شئٍ هالكٌ إلاّ وجهه﴾ وتوضيح ذلك:
إنني عندما قلت: (ياباقي أنت الباقي) للمرة الأولى، بدأ التداوي والضماد بما يشبه العمليات الجراحية على تلك الجروح المعنوية غير المحدودة الناشئة من زوال الدنيا وزوال مَنْ فيها من الأحبّة -من أمثال عبدالرحمن- والمتولدة من انفراط عقد الروابط التي ارتبط بها معهم.
أما في المرة الثانية فقد أصبحت جملة (ياباقي أنت الباقي) مرهماً لجميع تلك الجروح المعنوية، بلسماً شافياً لها، وذلك بالتأمل في المعنى الآتي:
ليرحل مَن يرحل يا إلهي فأنت الباقي وأنت الكافي، وما دمتَ باقياً فَلَتجلٍّ من تجليات رحمتك كافٍ لكل شئ يزول، وما دمتَ موجوداً فكل شئ اذاً موجود لمن يدرك معنى انتسابه إليك بالإيمان بوجودك ويتحرك على وفق ذلك الانتساب بسر الإسلام، فليس الفناء والزوال ولا الموت والعدم الاّ ستائر للتجديد، وإلاّ وسيلة للتجول في منازل مختلفة والسير فيها.. فانقلبتْ بهذا التفكير تلك الحالة الروحية المحرقة الحزينة، وتلك الحالة المظلمة المرعبة إلى حالة مسرّة بهيجة ولذيذة، وإلى حالة منورة محبوبة مؤنسة. فاصبح لساني وقلبي بل كل ذرّة من ذرات جسمي، يردد بلسان الحال قائلاً: الحمد لله.(2)(*)
___________________________
(1) وذلك في سنة 1922
(2) اللمعات/373
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:225
52-)
الواقعة التي حوّلت سعيد القديم إلى سعيد الجديد
الواقعة التي حوّلت سعيد القديم إلى سعيد الجديد:
استمع إلى هذه الواقعة الخيالية التي تتمثل فيها حقيقةُ حياةِ الدنيا. تلك الواقعة التمثيلية(1) التي رآها (سعيد القديم) فحوّلته إلى (سعيد الجديد) وهي:
رأيتُ نفسي كأني أسافر في طريقٍ طويل، أي اُرسَل إلى مكانٍ بعيد، وكان سيدي قد خصّص لي مقدارَ ستين ليرة ذهبية يمنحني منها كلَّ يومٍ شيئاً، حتى دخلتُ إلى فندقٍ فيه ملهى فطفقتُ أبذّر ما أملك -وهي عشرُ ليرات- في ليلةٍ واحدة على مائدة القمار والسهر في سبيل الشهرة والإعجاب. فاصبحتُ وأنا صفر اليدين لم أتجّر بشئ، ولم آخذ شيئاً مما سأحتاج إليه في المكان الذي أقصده، فلم أوفّر لنفسي سوى الآلام والخطايا التي ترسبتْ من لذات غير مشروعة، وسوى الجروح والغصّات والآهات التي ترشحت من تلك السفاهات والسفالات.. وبينما أنا في هذه الحالة الكئيبة الحزينة البائسة إذ تمثّل أمامي رجلٌ. فقال:
- أنفقَت جميع رأسمالك سدىً، وصرتَ مستحقاً للعقاب، وستذهب إلى البلد الذي تريدُه خاويَ اليدين. فان كنتَ فطناً وذا بصيرة فبابُ التوبة مفتوحٌ لم يغلق بعدُ. فبإمكانك ان تدّخر نصف ما تحصل عليه، مما بقي لك من الليرات الخمس عشرة لتشتري بعضاً مما تحتاج إليه في ذلك المكان.. فاستشرتُ نفسي فإذا هي غير راضية بذلك، فقال الرجل:
- فادّخر إذن ثُلُثَه. ولكن وجدتُ نفسي غير راضية بهذا ايضاً. فقال:
- فادّخر ربُعَهَ، فرأيتُ نفسي لا تريد أن تَدَع العادةَ التي اُبتلَيت بها. فأدار الرجلُ رأسه وأدبر في حدّةٍ وغيظٍ ومضى في طريقه. ثم رأيتُ كأنالأمور قد تغيّرت. فرأيت نفسي في قطار ينطلق منحدراً بسرعة فائقة في داخل نفق تحت الأرض، فاضطربت من دهشتي، ولكن لا مناص لي حيث لا يمكنني الذهابُ يميناً ولا شمالاً. ومن الغريب أنه كانت تبدو على طرفَي القطار أزهارٌ جميلة جذابة وثمارٌ لذيذة متنوعة فمددتُ يدي - كالأغبياء - نحوَها اُحاول قطفَ أزهارها واحصل على ثمراتها، الاّ انها كانت بعيدةَ المنال، الأشواكُ فيها انغرزتْ في يدي بمجرد ملامستها فأدْمَتها وجرحَتها والقطارُ كان ماضياً بسرعة فائقة فآذيتُ نفسي من دون فائدة تعود عليّ. فقال أحد موظفي القطار: (اعطني خمسة قروش لأنتقيَ لك الكميةَ المناسبة التي تريدُها من تلك الأزهار والأثمار، فانك تخسر بجروحك هذه أضعاف أضعاف ما تحصل عليه بخمسة قروش فضلاً عن ان هناك عقاباً على صنيعك هذا، حيث أنك تقطفها من غير إذن). فاشتدّ عليّ الكربُ في تلك الحالة فنظرت اتطلّع من النافذة إلى الأمام لأتعرّف نهايةَ النفق، فرأيت أن هناك نوافذَ كثيرةً وثغوراً عدة قد أحلّت محلَّ نهاية النفق وأن مسافري القطار يُقذَفون خارجاً من القطار إلى تلك الثغور والحفر، ورأيت أن ثغراً يقابلني أنا بالذات اُقيمَ على طرفيه حجرٌ اشبهُ ما يكونُ بشواهدِ القبر، فنظرت إليها بكل دقة وإمعان فرأيتُ أنه قد كُتب عليهما بحروفٍ كبيرة اسم (سعيد) فصرختُ من فرقي وحيرتي: ياويلاه!! وآنذاك سمعتُ صوت ذلك الرجل الذي أطال عليّ النصح في باب الملهى وهو يقول:
- هل استرجعتَ عقلك يا بني وأفقتَ من سكرتك؟. فقلت:
- نعم ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن خارتْ قواي ولم يبقَ لي حولٌ ولا قوة.
فقال:
- تُب وتوكّل. فقلت:
- قد فعلت.
ثم أفقتُ وقد اختفى سعيدٌ القديم ورأيتُ نفسي سعيداً جديداً.(2)(*)
_______________________
(1) اخترنا هذه الواقعة من بين الوقائع الثلاث التي يذكرها الأستاذ النورسي عن تحوله من سعيد القديم الى سعيد الجديد. ومن أراد التفصيل فليراجع المبحث الثاني من الكلمة الثالثة والعشرين.
(2) الكلمات/ 367-369
(*) كليات رسائل النور – السيرة الذاتية ص:173
53-)
أغلقتُ منافذ النفس
أغلقتُ منافذ النفس
رسائل من أميرداغ
اخوتي الأوفياء الصادقين!
جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ.
الاّ أنني لم أفاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلاً في شؤون الأمراض التي المّت بي رغم ان الآلام كانت تعصرني وأنا في أمسّ الحاجة إليهم.
فلما رأوني لا أدير الحديث حول المرض قطعاً، اعتراهم قلق واضطراب.
لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة.
وها أنذا أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضاً.
قلت لهم: ان أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسوء، ينقبان معاً - بإيحاء من الشيطان- عن طبع ضعيف عندي وعرق واهٍ في خلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخلّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة ويعرقلوا نشر الأنوار.
حقاً! ان أضعف جانب عند الإنسان، واخطر مانع للعمل، إنما هو المرض، لانه إذا اهتم المريض بمرضه كثيراً اشتدت أحاسيس الجسد عليه وسيطرت حتى يجد نفسه مضطراً.. فتُسكت الروحَ والقلب عندئدٍ وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجؤه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته.
وهذا هو الذي يخلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.
ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة الاّ انهم لم ينالوا شيئاً من هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشئ من أحكامهم حتى باعداماتهم.
ثم ان هناك خُلقاً ضعيفاً وعرقاً واهياً لدى الإنسان، وهما الاهتمام بهموم العيش والطمع، فقد بحثوا عنهما كثيراً للاستفادة منهما، ولكن لم يجنوا شيئاً بفضل الله من ذلك الجانب الضعيف، حتى خلصوا إلى ان متاع الدنيا الذي يضحون في سبيله بمقدساتهم، تافه لا يساوي شيئاً عندنا.
وقد تحقق ذلك عندهم بحوادث كثيرة، حتى انه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا اكثر من مائة مرة استفساراً رسمياً من الإدارات المحلية:
بِمَ يعيش؟.
ثم ان طلب الشهرة والتطلع إلى المراتب، عرق ضعيف في الإنسان وجانب واهٍ فيه، فقد أمرت – السلطات - ان يُستغل ذلك العرق الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور.
ولكنهم - بفضل الله - لم يوفقوا إلى شئ، وأدركوا ادراكاً قاطعاً ان ما يتطلعون إليه -لحد العبادة- من الشهرة الدنيوية نفهمها رياءً واعجاباً بالنفس مضرّاً بالإنسان.
وان ما يولون من اهتمام بالغ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنا شروى نقير، بل نعدّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.
ثم ان ما يعدّ فينا - من حيث خدمتنا- جانباً ضعيفاً وعرقاً لا يقاوم، مع انه - من حيث الحقيقة - جانب مقبول لدى الناس كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقاماً معنوياً ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات.
فهذا الجانب رغم انه لا ضرر فيه البتة، وليس له غير النفع، الاّ انه في زمان قد استولت فيه الأنانية وطغت فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حتى انحصر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه..
اقول ان القيام بخدمة الإيمان فيهذا الزمان - تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى ان تستغل لأي شئ كان- تقتضي عدم البحث عن مقامات معنوية شخصية، بل يجب الاّ تومئ حتى حركات المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يلزم عدم التفكير فيها أصلاً. وذلك لئلا يفسد سر الإخلاص الحقيقي.
ومن هنا أدرك الذين يسعون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديّ باني لا أتحرى خارج خدمة النور ما يتحراه كل إنسان من كشف وكرامات وخوارق ومزايا أخرى روحية فرجعوا خائبين من هذا الجانب.
تحياتنا إلى إخواننا فرداً فرداً..
ونسأله تعالى برحمته الواسعة ان يجعل ليلة القدر المقبلة بمثابة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/310
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:374
54-)
مراحل متنوعة من سيرته في إسپارطة
مراحل متنوعة من سيرته في إسپارطة
اسس طلاب النور النشيطون في (اورفه) و (دياربكر) مدرسة نورية في كل منهما. وبدأت دروس علمية بقراءة رسائل النور على الجماعة الحاضرة من كل اصناف الشعب، وجُلّهم من طلاب المدارس والشباب. فانعشوا طلبة العلم الشريف (العلوم الشرعية) الضرورية في ذلك الزمان، واوفوا بخدمة ايمانية جليلة في المناطق الشرقية.
وانتهت محاكمة (آفيون) ايضاً. إذ اظهر تقرير هيئة شورى الشؤون الدينية التي دققت رسائل النور سنة 1956 سمة الخدمة في التكامل الإيماني والأخلاقي لرسائل النور، فاستندت محكمة (آفيون) إلى هذا التقرير لتبرئة رسائل النور ورفع الحظر عنها واكتسب قرار المحكمة الصفة القطعية.
بعد قرار البراءة في محكمة (آفيون)، اصدر حاكم التحقيق في (إسپارطة) ايضاً قرار امتناع المحاكمة. فاجتازت رسائل النور منافذ العدل واكتسبت حرية عامة وشاملة ولقيت قبولاً حسناً.
مع دوام خدمة رسائل النور في ارجاء الأناضول، لم تحصر المدارس النورية، في (آنقرة) و(استانبول) و(دياربكر) و(اورفة) خاصة، بل تعدت ذلك إلى ارجاء واسعة في البلاد.
وفي آنقرة، سعى أهل الحمية والطلبة الجامعيون في نشر مجموعات رسائل النور في الارجاء بطبعها بالمطابع، وايصالها إلى الجمهور للافادة منها بالاحرف الجديدة (اللاتينية) خاصة. (*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:463
55-)
مطاليبه من الإتحاد والترقي
مطاليبه من الإتحاد والترقي:
آ- إنشاء مدرسة الزهراء:(1)
ب- الصدق والأمانة وضمان مستقبل العلماء:
ان لي دعوى أبحثها مع الخواص، ولي مسألة مهمة مع الحكومة، مع الأشراف، مع أولئك الذين ليسوا من الماسونيين من جماعة الإتحاد والترقي.
يا طبقة الخواص! نحن العوام ومعاشر أهل المدرسة الدينية نطالبكم بحقنا!..
نريد أن تصدقوا قولكم بفعلكم، ولا تعتذروا بقصور غيركم، ولا تتواكلوا فيما بينكم وتتكاسلوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وان تتداركوا فيما فاتنا بسببكم، وان تستمعوا إلى أحوالنا وتستشيروا حاجاتنا، وان تستفسروا عن أوضاعنا، وتَدَعوا لَهوَكم جانباً!..
الحاصل: إننا نطلب ضمان مستقبل العلماء في الولايات الشرقيةونطلب نصيبنا من معنى (الإتحاد)و(الترقي) لا من الاسم،فنطلب ما هو هيّن عليكم وعظيم عندنا.(2)
ج - إنشاء مجلس شورى للاجتهاد:
بينا نرى الوزارة تستند اصلاً إلى ثلاثة مجالس شورى - وقد لا توفي هذه المجالس حاجاتها الكثيرة - نجد ان المشيخة قد أودعت إلى اجتهاد شخص واحد، في وقت تعقدت فيه العلاقات وتشابكت حتى في أدق الأمور، فضلا عن الفوضى الرهيبة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الأفكار وتدني الأخلاق المريع الناشئ من تسرب المدنية الزائفة فينا.
من المعلوم ان مقاومة الفرد تكون ضعيفة أمام المؤثرات الخارجية، فلقد ضُحي بكثير من أحكام الدين مسايرة للمؤثرات الخارجية.
وبينما كانت الأمور بسيطة والتسليم للعلماء وتقليدهم جارياً كانت المشيخة مودعة إلى مجلس شورى -ولو بصورة غير منتظمة- ويتركب من شخصيات مرموقة، أما الآن وقد تعقدت الأمور ولم تعد بسيطة وارتخى عنان تقليد العلماء واتباعهم.. اقول كيف يا ترى يكون بمقدور شخص واحد القيام بكل الأعباء؟
ولقد اظهر الزمان ان هذه المشيخة الإسلامية -التي تمثل الخلافة- ليست خاصة لأهل استانبول او للدولة العثمانية، وإنما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين عامة. فوضعها الحالي المنطفئ لا يؤهلها للقيام بأعباء ارشاد استانبول وحدها ناهيك عن ارشاد العالم الإسلامي! لذا ينبغي ان تؤول هذه المشيخة إلى درجة ومنـزلة تتمكن بها كسب ثقة العالم الإسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين. وتغدو منبعاً فياضاً للاجتهادات والأفكار. وعندها تكون قد أدت مهمتها حق الأداء تجاه العالم الإسلامي.(3)
لقد طالبت بهذه الفكرة(4) أعضاء تركيا الفتاة إبان إعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتي عشرة سنة طالبتهم بها ايضاً فقبلوها ولكن المجلس النيابي قد حل. والآن أعرضها مرة أخرى علىنقطة تمركز العالم الإسلامي.(5)(*)
_____________________
(1) لأهمية الموضوع خصص له فصل مستقل.
(2) صيقل الإسلام - المناظرات / 427
(3) صيقل الإسلام - السانحات / 352
(4) المقصود إنشاء مجلس شورى للإجتهاد.
(5) صيقل الإسلام - السانحات/ 351
(*) السيرة الذاتية ص 90
56-)
لقاء الوداع
لقاء الوداغ
بدأ الأستاذ سعيد النورسى في اواخر ايامه بسلسلة من السفرات وكأنه كان يريد ان يودّع طلابه.
ففي19 كانون الأول لسنة 1959 سافر إلى (آنقرة) ومنها إلى (اميرداغ) ومنها إلى (قونيا) ومنها إلى (آنقرة) ايضاً، ومنها إلى (استانبول) في 1/1/1960 حيث بقى فيها يومين، ثم رجع إلى (آنقرة) مرة أخرى في 3/1 وألقى على طلابه (الدرس الأخير). وقد اجرى مندوب صحيفة (تايمس اللندنية) معه تحقيقاً صحفياً طويلاً، ونشر في6/1/1960.(1) ثم رجع إلى (قونيا) ومنها -وفي اليوم نفسه- توجّه إلى (إسپارطة).
هذه الزيارات المتلاحقة، اثارت رعب الاوساط المعادية للاسلام وسخطهم، فاخذت صحفها تشن حملة عنيفة على الأستاذ وتثير الرأى العام ضده مختلقة سلسلة من الاكاذيب والافتراءات، وكأن هناك فتنة دامية ستحل بالبلد.
لذلك فما ان رجع إلى آنقرة 11/1/1960 حتى ابلغته الحكومة بان من الافضل له ان يقيم في اميرداغ وفعلاً رجع الأستاذ إلى (اميرداغ) ولكنه طلب من الحكومة ان تسمح له بالاقامة شهراً في (اميرداغ) وشهراً في (إسپارطة).
في 20/1/1960 توجه الأستاذ بديع الزمان من (اميرداغ) إلى إسپارطة و بعد ان امضى مدة فيها توجه إلى (آفيون) وبعد ان امضى فيها يوماً واحداً، قفل راجعاً إلى اميرداغ.(*)
_______________
(1) في صحيفة " يني صباح " وفي صحيفة " دنيا " في 8/1/1960 (ب3/1621)
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:468
57-)
ما تتطلبه خدمة الإيمان
رسائل من أميرداغ
ما تتطلبه خدمة الإيمان
ان تلك الكرامات لا تعود لي، وليس من حدّي ان أكون صاحب تلك الكرامات، بل هي لرسائل النور التي هي ترشحات من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم ولمعات منها وتفسير حقيقي له، متخذة شكل الكرامات، لأجل تقوية الروح المعنوية لطلاب النور، فهي من نوع الإكرامات الإلهية، وإظهار الإكرام الإلهي شكر، وهو جائز ومقبول ايضاً...
والآن أوضح الجواب قليلاً بناء على سبب مهم؛ وقد ورد السؤال الآتي: لمَ لم اُظهر تلك الإكرامات الإلهية، ولِمَ احشّد الكلام حولها، ولِمَ اُكثر البحث حولها، حتى ان اكثر المكاتيب متوجهة إليها؟.
الجواب: ان الخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور في هذا الوقت تجابه بألوف المخربين، مما يلزم ان تكون في صفها مئات الألوف من المعمرين.. ويستدعي الأمر ان يكون معي في الأقل مئات من المعاونين والكتاب.. وتقضي الضرورة على الأمة والمسؤولين في البلاد ان يمدّوا يد المساعدة بتقدير واعجاب وحض منهم على الخدمة الإيمانية ويثمنوا قيمتها ويوثقوا الصلة بها، وألاٍ يتحرزوا من التماس بها فينسحبوا من الميدان.. بل وتطلب هذه الخدمة من أهل الإيمان ان يفضّلوها على مشاغل الحياة الفانية وفوائدها، إذ انها خدمة إيمانية خالصة تبغي النجاة في الآخرة.
فبينما الأمور تقتضي هكذا، اجعل من نفسي مثالاً فأقول:
ان منعي عن كل شئ، وحظر الاتصال معي، وقطع طريق العون اليّ، زد على ذلك تهوين قوة زملائي المعنوية ببث الدعايات المغرضة بكل ما أوتوا من قوة واستعمال شتى الوسائل ما استطاعوا إليها سبيلاً لتنفيرهم عنّي وعن رسائل النور. اقول: في مثل هذه الظروف وضمن هذه الشروط فان وضع مهمة ترزح تحتها ألوف الأشخاص، على كاهل شخص عاجز مثلي، وأنا الضعيف المريض العجوز الغريب عن بلاده، والمحروم من الأهل والأقارب. فضلاً عن تجنيب الناس عن الاتصال معي وكأنني مصاب بمرض معدٍ، حتى اضطر إلى الابتعاد وعدم الاختلاط.. زد على ذلك إلقاء الرعب والأوهام في قلوب الناس وإحاطتهم بهالة من الذعر والخوف لإبعادهم عن خدمة الإيمان، وذلك للفتّ من القوة المعنوية.. ففي مثل هذه الأحوال وتجاه جميع تلك الموانع فان الأمر يقتضي حشد قوى معنوية حول رسائل النور ببيان الإكرامات الإلهية التي هي مدار القوة المعنوية لطلاب النور، وإظهار قوتها بقوة جيش عظيم لا تحتاج إلى إمداد أحد من الناس، بل هي التي تتحدى الأعداء.. فلأجل هذه الحكم المذكورة آنفاً كُتّبت الإكرامات وامثالها. والاّ فنحن لا نريد مزايدات على أنفسنا، وجلب إعجاب الناس بنا وحضهم على القيام بمدحنا والثناء علينا، وذلك حفاظاً على الإخلاص الذي هو أساس مهم من أسس رسائل النور.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/251-252
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:366
58-)
محاورة مع وزير العدل و الحكام
رسائل من أميرداغ
رسائل إلى المسؤولين
محاورة مع وزير العدل و الحكام:
أيها السادة!
لِمَ تنشغلون بنا وبرسائل النور دون داع او سبب. اني ابلّغكم قطعاً بالآتى:
إنني ورسائل النور لا نبارزكم بل حتى لا نفكر فيكم.
بل نعدّ ذلك خارج وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابها الحقيقيين يؤدون خدمة جليلة للجيل المقبل الذي سيأتي بعد خمسين سنة ويسعون لإنقاذهم من ورطة جسيمة، ويجدّون في إنقاذ هذه البلاد والآمة من خطر عظيم، فمن ينشغل بنا الآن سيكون رميماً في القبر في ذلك الوقت. بل لو افترض ان عملنا - الذي هو لتحقيق السعادة والسلامة - مبارزة معكم فلا ينبغي أن يمسّ الذين سيكونون تراباً في القبر.
ان إظهار أعضاء الإتحاد والترقي شيئاً من عدم المبالاة في الحياة الاجتماعية وفي الدين وفى السجايا القومية ادّى إلى ظهور الأوضاع الحالية بعد ثلاثين سنة تقريباً من حيث الدين والأخلاق والعفة والشرف.
فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة - البطلة المتدينة الغيورة على شرفها- بعد خمسين سنة.
ولا يخفى عليكم ما ستؤول إليه السجايا الدينية والأخلاقية الاجتماعية.
سيلطخ قسم من الجيل الآتي ذلك الماضي المجيد لهذه الأمة المضحية منذ ألف سنة، بلطخات رهيبة قد تقضي عليه بعد خمسين سنة.
لذا فان إنقاذ قسم من هذا الجيل من ذلك التردي المريع بتزويده بالحقائق التي تحتويها رسائل النور تعد افضل خدمة لهذه الأمة ولهذا الوطن.
فنحن لا نخاطب إنسان هذا الزمان بل نفكر بإنسان ذلك الزمان.
نعم أيها السادة! على الرغم من ان رسائل النور لا تسدد نظرها الاّ إلى الآخرة ولا تهدف غيرها وليست لها غاية سوى رضا الله وحده وإنقاذ الإيمان، ومسعى طلابها ليس الاّ إنقاذ أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي والسجن الإنفرادي الأبدي، فإنها في الوقت نفسه تقدم خدمة جليلة ايضاً تعود فائدتها للدنيا وإنقاذ هذه الأمة والبلاد من براثن الفوضى و إنقاذ ضعفاء الجيل المقبل من مخالب الضلالة المطلقة، لان المسلم لا يشبه غيره، فالذي يحل ربقته من الدين ليس أمامه الاّ الضلالة المطلقة فيصبح فوضوياً ارهابياً، ولا يمكن دفعه إلى الولاء للإدارة والنظام.
نعم في الوقت الذي نجد خمسين بالمائة ممن تربوا بالتربية القديمة لا يكترثون بالأعراف الشعبية والإسلامية، فانه بعد خمسين سنة يسوق تسعون بالمائة منهم هذا الوطن والأمة -بنفوسهم الأمارة بالسوء- إلى فوضى ضاربة أطنابها.
فلا شك ان التفكر في هذا البلاء العظيم ومحاولة التحري عن أسباب لدفعه، هو الذي دفعني قبل عشرين سنة إلى ترك السياسة كلياً وعدم الانشغال مع أناسي هذا الزمان، مثلما دفع رسائل النور وطلابها إلى قطع علاقتهم مع صراعات هذا الزمان. فلا مبارزة معهم ولا إنشغال بهم.
ومادامت هذه هي الحقيقة، فان الواجب الأول لجهاز العدالة ليساتهامي واتهام طلاب النور، بل القيام بحماية رسائل النور وطلابها، لكونهم يحافظون على اعظم حق من حقوق الأمة والبلاد، فان الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة والبلاد يهاجمون رسائل النور ويدفعون أجهزة العدالة - بعد خداعها - لارتكاب افظع المظالم وأبشع الجنايات.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/233-235
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:376
59-)
طبع رسائل النور
سنة 1956
طبع رسائل النور
محكمة آفيون تبريء ساحة رسائل النور:
كانت محكمة آفيون قد شكلت لجنة من الخبراء لتدقيق رسائل النور سنة (1948م) وابداء الرأي حولها، ورؤية ما اذا كانت تحوي ما يؤاخذ عليه القانون التركي.
وقد استمرت هذه المحكمة طوال ثماني سنوات واخيراً اصـدرت قرارهـا في 11/ 9/1956 استناداً إلى التقرير المقدم من لجنة الخبراء في 25/5/1956 بأن هذه الرسائل تخلو من أي عنصر مخالف للقانون.
طبع رسائل النور:
كان هذا القرار يعني بالإمكان طبع رسائل النور وتوزيعها علناً، وفعلاً شمّر طلاب النور عن سواعدهم، فبدأت المطابع في استانبول وفي آنقرة، وفي صامسون وفي آنطاليا بطبع هذه الرسائل. وكانت الملزمات تؤتى بها إلى الأستاذ قبل الطبع فيقوم بتصحيحها.
كان الأستاذ فرحاً بطبع رسائل النور ويقول:
(هذا هو عيد رسائل النور. كنت انتظر مثل هذا اليوم، لقد انتهت مهمتي اذن وسأرحل قريبا).
وعندما كان يخرج لأمرٍ ما سرعان ما يعود قائلاً لطلابه: لابد أن الملزمات قد جاءت.. لا يجوز لنا ان ندعها تنتظر. يجب العودة حالا.(1)(*)
_______________
(1) ش/413
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:466
60-)
الداعي
الداعي(1)
قبري المهدّم يضم تسعاً وسبعين جثة(2) لسعيد ذي الآثام والآلام
وقد غدا شاهد القبر تمام الثمانين
والكل يبكي معاً لضياع الإسلام
فيئن قبري المليء بالأموات مع شاهده
وغداً أنطلق مسرعاً إلى عقباي
وأنا على يقين أن مستقبل آسيا بأرضها وسمائها
سيستسلم ليد الإسلام البيضاء
إذ يمينه يُمن الإيمان
يمنح الطمأنينة والأمان للأنام.(3)(*)
* * *
_______________
(1) هذه القطعة توقيع المؤلف.
(2) يعني: لما كان الجسد يتجدد في كل سنة مرتين، فإن سعيدَين قد ماتا في كل سنة، فضلاً عن أن سعيداً في هذه السنة في السنة التاسعة والسبعين، وإن سعيداً سيعيش إلى هذا التاريخ، حيث يموت في كل سنة سعيد. (أضاف المؤلف هذا الهامش سنة 1951. ذكره صونغور).
ومما يوضح هذا المعنى ما ذكره الأستاذ في مؤلفه "إشارات" بالنص العربي: أنا تولدتُ الآن متلخّصاً من ثمانين "سعيداً" تمخّضوا في أربعين سنة بقيامات مسلسلة واستنساخات متسلسلة. فهذا "السعيد" حيّ ناطق (وتسع وسبعون) ميّتون. لو بالانجماد تماسك ماءُ الزمان وتمثّل أولئك "السعيدون" وتراءوا لمَا تعارفوا (لشدة التخالف فيما بينهم).. تدحرجتُ عليهم في الأطوار فتفرّق مني ما زان وأخذتُ منهم ما شان. فكما أن أنا الآن هو أنا في هاتيك المراحل، كذلك أنا فيما يأتي بموتي من المنازل. إلاّ أنه في كل سنة بمهاجرة اثنتين لساكني تلك البلاد يجدِّد "أنا" لباسَه فيلبس "السعيدَ" الجديدَ ويخلع العتيقَ.
(3) الكلمات، اللوامع.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:488
61-)
الدرس الأخير
الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء
الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور
اخواني الاعزاء!
ان وظيفتنا هي العمل الايجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام. والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الالهي دون التدخل بماهو موكول امره إلى الله. اننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.
اقول متخذًا من نفسي مثالاً: انني لم انحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث. فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما انني لم اعر اية اهمية على اسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والاعدام. وطوري هذا تجاه القواد الاربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط. الا انني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الاخيرة بالرضىوالقبول، ذلك من اجل السعي للعمل الايجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله.بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر و غزوة احد.
نعم مثلاً: انني لم ادعُ بالسوء حتى على المدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر رغم انني قد اثبت اخطاءه البالغة واحداً وثمانين خطأً. لان المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، واقامة السد المنيع امام التخريبات المعنوية، واعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.
نعم، ان في مسلكنا قوة. الا اننا لم نقم باستعمالها الا في تأمين الأمن الداخلي. لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعاً لدستور الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (اي لا يجوز معاقبة انسان بجريرة اخيه او احبائه). ان هذه القوة لا يمكن استعمالها الا ضد الهجمات الخارجية. ان وظيفتنا -وفق دستور الآية الكريمة المذكورة- هي الاعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة. لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المخلة بنظام الأمن الداخلي في العالم الإسلامي الا بنسبة واحد من الالف. وهذا كان من جراء الاختلاف في الاجتهاد. ان اعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية. أي بما هو موكول إلى الله. بمعنى ان وظيفتنا الخدمة فحسب. بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، واننا مكلفون ومرغمون في الايفاء بوظيفتنا.
واقول كجلال الدين خوارزم شاه: (ان وظيفتي الخدمة الإيمانية، اما النصر أو الهزيمة فمن الله سبحانه). وانني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.
أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لان اموال العدو وذراريه يكون بمثابة غنيمة للمسليمن. اما في الداخل فالأمر ليس هكذا. ففي الداخل ينبغي الوقوف امام التخريبات المعنوية بشكل ايجابي بناء، بالإخلاص التام. ان الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل. وقد احسن اليّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلابالحقيقيين. فنحن نقوم بالعمل الايجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.
وهناك مسألة أخرى في غاية الاهمية. وهي ان متطلبات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زيّدت الحاجات الضرورية من الاربعة إلى العشرين. فجعلت الحاجات غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالادمان والاعتياد والتقليد. فتجد من يفضل الدنيا على الاخرة رغم ايمانه بها لإنهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظناً منه انها ضرورة.
قبل أربعين سنة ارسل الي قائد عام عدداً من الضباط وحتى بعض العلماء الائمة من اجل ان يعيدوني شيئا إلى الأمور الدنيوية. فقالوا: (نحن الآن مضطرون).اي اننا مضطرون في تقليد بعض الاصول الاوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: (ان الضرورات تبيح المحظورات). قلت لهم: انكم منخدعون تماماً؛ لان الضرورة النابعة من سوء الاختيار لاتبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي ان لم تأت الضرورة عن طريق الحرام فلا ضير. فمثلاً: اذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فان الحكم يجري عليه ولا يكون بريئاً بل يعاقب. ولكن اذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما -وهو في حالة الاختلال- فهو معذور ولا يعاقب. لانه لم يقترف الجريمة بإرداته. وهكذا قلت للقواد والائمة: أي الأمور تُعد ضرورية مما سوى الاكل والعيش؟. فالاعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً. فاذا ادمن الإنسان نفسه على شئ كمتابعته للافلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمورليست ضرورية قطعاً، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لجعل الحرام حلالاً. وحتى القانون الإنساني قد اخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن اطار الاختيار والاحكام الناشئة من سوء الاختيار. الا ان القانون الالهي قد فرق بينهما بشكل أساس وثابت راسخ ومحكم.
اخواني ! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض الجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر (ضرورة)، بدون علم وعملوا وفقها. ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل. فلا تتحرشوا بهم وان كان المعارضون لنا من العلماء الائمة. انني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم افتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فانني اسعى بالعمل الايجابي واتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.
اننا لا نلتفت إلى الدنيا، فاذا ما نظرنا اليها فنحن لانسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل ايجابي. وبسبب هذه الحقائق وامثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم .
ان نشر رسائل النور قد أورث قناعة تامة بان الديمقراطيين يساندون الدين ولا يخالفونه. لذا فان التعرض للرسائل يكون ضد منفعة الوطن والملة.
وها مثالاً صغيراً لقاعدة: (ان ضرورة نبعت من سوء الاختيار لا تكون سبباً لجعل الحرام حلالاً): كانت هناك رسالة خاصة سرية قد منعتُ نشرها، وقلت لطلابي ليقوموا بنشرها بعد وفاتي، الا ان المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة . وأيدت محكمة التمييز هذه البراءة. وأنا بدوري اذنتُ بنشرها من اجل تأمين الأمن الداخلي والحيلولة دون ان يمس خمساً وتسعين بالمئة من الأبرياء ضرر، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة.
المسألة الثالثة:
يسعى الكفر المطلق حالياً لنشر جهنم معنوي رهيب، بحيث يلزم ان لا يقترب منه أي إنسان في العالم اجمع. ولكن أحد اسرار كون القرآن الكريم (رحمة للعالمين) هو: مثلما انه رحمة للمسلمين جميعاً، فهو رحمة لجميع الكفار ايضاً وبني آدم اجمع، حيث يورثهم احتمال وجود الاخرة ووجود الله سبحانه، فيخفف عنهم بهذا الاحتمال شيئاً من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من اسرار كون القرآن رحمة للخلق اجمعين. الا ان قسم الضلالةمن العلم والفلسلفة، أي غير المتوافق مع القرآن الكريم والمنحرف عن الصراط السوي قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين. فبدأ بتطعيم أفكارهم المولدة للفوضى والارهاب ونشرها بوساطة المنافقين والزنادقة وبوساطة قسم من السياسيين الكفرة. علماً ان الحياة لا يمكن أن تسير بدون دين. و(لاحياة لأمة بلا دين) تشير إلى هذه النقطة. إذ لا يمكن العيش-في حقيقة الحال- بالكفر المطلق. ولهذا فان احدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم انه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سداً امام الكفر المطلق والارهاب في هذا القرن. وحقاً أن الرسائل أدت دورها. نعم ان هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف اوروبا ودول البلقان واقام سداً امام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم امام هذا الخطر الداهم.
اذن لا يمكن لمسلم ان يخرج عن الإسلام ويتنصّر او يتهود او يكون بلشفيا... لان النصراني اذا اسلم فان حبه لعيسى عليه السلام يزداد اكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله للاسلام. ولكن المسلم اذا ارتد وحل ربقته من سلسلة الرسول محمدyوتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له ان يدخل أي دين آخر بل يكون إرهابياً. ولا يبقى في روحه أي نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سم قاتل للحياة الاجتماعية.
لذا نشكر الله عز وجل ان قد بدأ بالانتشار درس من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم (رسائل النور) بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية. وقد تحقق انها مثلما انقذت قبل ست عشرة سنة ايمان ستمائة ألف شخص. فانها الان قد تجاوز هذا العدد إلى الملايين من الناس. وكما ان رسائل النور اصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الارهاب -شيئاً ما- اصحبت وسيلة للتآخي والوحدة بين الاخوين الجليلين للاسلام وهما العرب والترك، وكذلك اصبحت وسيلة لنشر الاحكام الأساسية للقران الكريم حتى بتصديق اعدائها.
فمادام الكفر المطلق يقف حائلاً امام القرآن الكريم في هذا العصر. وان الكفر يضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنما معنويا يفوق
جهنم نفسه. حيث ان الموت لا يمكن قتله. بل تشهد كل يوم ثلاثون ألف من الجنائز على استمرارية الموت. فان هذا الموت هو بمثابة جهنم معنوي يفوق عذاب جهنم نفسه عشرات المرات لمن وقع في الكفر المطلق او لمن يساند الكفر المطلق، نظراً لانه يفكر في الموت انه اعدام ابدي له ولاحبائه الذين مضوا والآتين معاً. لان كل شخص كما يكون سعيداً بسعادة احبائه، يتعذب بعذابه. فالذي يكفر بوجود الله تمحى عنده جميع تلك السعادات، وتحل الأعذبة محلها. لذا هناك حل وحيد في هذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القران الحكيم. واجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقران الكريم والتي كتبت وفق افهام ابناء هذا العصر.
نحن الآن نشكر الله عز وجل. إذ قد شعر-إلى حد ما- أحد الاحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات. ولم يمنع نشر (رسائل النور) التي تثبت بان الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا. بل سمح على نشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.
اخواني! ان مرضي قد اشتد كثيراً. ولعلي أتوفى قريباً، او امنع من المكالمة كلياً -كما كنت امنع احياناً منها- لذا فعلى اخوتي في الآخرة ان يتجاوزوا عن الهجوم على اخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل (أهون الشرين). وليقوموا بالعمل الايجابي دائماً. لان العمل السلبي ليس من وظيفتنا. ولان العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر. ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً. لذا انظروا اليهم كـ(اهون الشرين). ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلاتمسوهم بضرر بل حاولوا ان تنفعوهم.
وكذا ان الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية وانه ليس مادياً قط.. وانما يستوجب القيام بخدمات معنوية. لذا فكما لم نتدخل بامور أهل السياسية، فلا يحق لاهل السياسة ان ينشغلوا بنا.
فمثلاً: لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الاحزاب السياسية رغم مقاساتي منه الوفاً من المضايقات والسجون
منذ ثلاثين سنة. فقد اصبحت جميع تلك المشقات والمضايقات وسيلةً لخلاص خمسة وتسعين بالمئة من المساكين في ان يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات.حيث اسند الذنب إلى خمسة بالمئة من ذلك الحزب، بحكم الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فلا يحق اذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.
حتى ان المدعي العام الذي طالب في احدى المحاكم -من جراء الاوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس- بإنزال الحكم علينا نحن السبعين متهماً، مستنداً إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وباسناد معنى خطأ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الاخطاء التي كانت تنوف على ثمانين خطأً، كما اثبتنا اخطاء تلك الاخطاء، وكان أحد اخوانكم الذي تعرض اكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجوناً وقد شاهد طفلة صغيرة من خلال نافذة السجن فسأل عنها فقيل له انها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لاجل تلك الطفلة البريئة المسكينة. ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي القاها علينا المدعي العام انقلبت إلى رحمة، نظراً لانها اصبحت وسيلة لنشر رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.
اخواني! ربما اموت قريباً. فان لهذا العصر مرضاً داهماً. وهو الانانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وامثالها من الأمراض المزمنة. ان اول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الانانية وحب النفس. حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بانانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل اصغر مسألة ايمانية. وحتى قد اخفت صوت لاحد طلاب النور وهو الضعيف المسكبن من قبل الرحمة الإلهية عندما اصبح اعداؤه اصدقاءاً له وكثر الخطاب معه. ويتألم من انظار من ينظر اليه بنظر تقدير واستحسان. اضافة انهيتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات. فسئل عنه (ما حالك؟ فما دام لك اصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذا لا تحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم اياك؟) فاجاب قائلاً:
- مادام الإخلاص التام هو مسلكنا. فبمقتضى الإخلاص التام لابد من التضحية والفداء ليس بالانانية فحسب، بل لو منحت سلطنة الدنيا يستوجب تفضيل مسألة ايمانية واحدة باقية على تلك السلطنة. لذا فقد فضل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة او في حرف منها في الحرب، وفي الخط الامامي بين قنابل مدافع الأعداء فامر طالبه المسمى بـ(حبيب): (اخرج الدفتر) فاملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي انه لم يترك حرفاً واحداً ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل يفضلها على إنقاذ حياته.
فسألنا ذلك الاخ: (من اين تلقيت هذا الإخلاص العجيب) فقال:
- من نقطتين...
الأولى: ان في غزوة بدر التي هي من اعظم الغزوات الإسلامية، وضع قسم من المجاهدين اسلحتهم ووقفوا لاداء الصلاة جماعة بينما القسم الاخر وقفوا مسلحين حذرين. ثم التحقوا بالصلاة كسبا لثواب الجماعة كما امر به رسول اللهy. فمادام هذه الرخصة موجودة في الحرب. ومادام ثواب الجماعة رغم كونه سنة قد فضّل على اكبر حادثة في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية فنحن نستلهم من الرسول الأعظمyهذه النكتة الصغيرة ونتبعها بروحنا وانفسنا.
الثانية: ان الامام علي رضي الله عنه قد طلب من الله سبحانه وتعالى في اماكن كثيرة من قصيدته (البديعية) ولاسيما في اواخرها حاميا يحميه من طروء الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة. فطلب من الرب الجليل عفريتاً من الجن ليحميه مما يمكن أن يحدثه الأعداء من خلل في اطمئنانه وخشوعه في الصلاة.
ان اخاكم هذا المسكين الضعيف، الذي قضى صفوة عمره في الانانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد
الكونين الذي هو سبب خلق الافلاك، ومن الذي هو اسد الإسلام. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكين الضعيف اهمية لاسرار القرآن ولم يعر سمعاً لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبين نكتة واحدة فقط من حرف واحد من القرآن الكريم.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:469
62-)
عزاء جميل وفي أنسب وقت
عزاء جميل وفي أنسب وقت
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول: ﴿إنّا لله وإنّا إليهِ راجِعون﴾(البقرة:156)
اعزّي نفسي واعزّيكم واعزّي رسائل النور. ولكني أهنئ المرحوم (الحافظ علي) وأهنئ مقبرة (دنيزلي) لان أخانا الرائد الذي أدرك حقيقة (رسالة الثمرة) علم اليقين، قد ترك جسده في القبر، صاعداً كالملائكة إلى النجوم وعالم الأرواح، لاجل الارتقاء إلى مقام عين اليقين وحق اليقين، وخلد إلى الراحة والسكون متسرحاً عن وظيفته التي ادّاها حق الأداء.
نسأل الله الرحمن الرحيم أن يكتب في سجل أعماله حسنات بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة. آمين.
وينزل شآبيب رحمته بعددها على روحه... آمين.
ويجعل القرآن الكريم ورسائل النور مؤنسين لطيفين له في القبر.. آمين.
أما انتم فيا اخوتي اذكروه في أدعيتكم، كما اذكره أنا، مستعملين ألف لسان عوضاً عن لسانه، راجين من رحمته تعالى ان يكسبه ألف حياة والف لسان بدلاً عما فقده من حياة واحدة ولسانٍ واحد.
ويا اخوتي الأعزاء الأوفياء!
نحمد الله سبحانه وتعالى بما لا يتناهى من الحمد والشكر، على ما يسّر لنا من نيل شرف المقام الرفيع لطلبة العلوم وأعمالهم الجليلة بوساطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب.
ولقد ثبت بوقائع عديدة بمشاهدة أهل كشف القبور، ان طالب علم جاد تواق للعلوم عندما يتوفى أثناء تحصيله لها، يرى نفسه - كالشهداء - حياً يُرزق ويزاول الدرس. حتى ان أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب كيفية إجابة طالب علم متوفي في أثناء دراسته لعلم الصرف والنحو، لأسئلة المنكر والنكير في القبر، فشاهد انه عندما سأله الملك: من ربك؟ أجاب: مَن: مبتدأ، ربك : خبره، وذلك على وفق علم النحو، يحسب نفسه انه مازال في المدرسة يتلقى العلم.
فبناء على هذه الحادثة: فاني اعتقد ان المرحوم (الحافظ علي) منهمك برسائل النور كما كان دأبه في الحياة، وهو على هيئة طالب علم يتلقى ارفع علم واسماه، وقد تسنّم مرتبة الشهداء حقاً ويزاول نمط حياتهم.
وبناء على هذه القاعدة أدعو له في أدعيتي، وادعو لمثيله (محمد زهدي) و(الحافظ محمد) قائلاً:
يارب سخر هؤلاء إلى يوم القيامة لينشغلوا بحقائق الإيمان واسرار
القرآن ضمن رسائل النور بكمال الفرح والسرور... آمين. ان شاء الله.(1)(*)
_____________
(1) الشعاعات/384-385
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:333
63-)
في منفى بارلا تأثير الرسائل القوي
في منفى بارلا
تأثير الرسائل القوي
انك يا أخي تسأل: لماذا نجد تأثيراً غير اعتيادي فيما كتبته في (الكلمات) المستقاة من فيض القرآن الكريم، قلّما نجده في كتابات العارفين والمفسرين. فما يفعله سطرٌ واحد منها من التأثير يعادل تأثير صحيفة كاملة من غيرها، وما تحمله صحيفة واحدة من قوة التأثير يعادل تأثير كتاب كامل آخر؟
فالجواب: وهو جواب لطيف جميل، إذ لما كان الفضل في هذا التأثير يعود إلى إعجاز القرآن الكريم وليس إلى شخصي أنا، فسأقول الجواب بلا حرج:
نعم! هو كذلك على الأغلب؛ لأن الكلمات:
تصديق وليست تصوراً.(1)
وايمانٌ وليست تسليماً.(2)
وتحقيق وليست تقليداً.(3)
وشهادة وشهود وليست معرفة.(4)
وإذعان وليست التزاماً.(5)
وحقيقة وليست تصوفاً .
وبرهان ضمن الدعوى وليست ادعاءاً
وحكمة هذا السر هي:
ان الأسس الإيمانية كانت رصينة متينة في العصور السابقة، وكان الانقياد تاماً كاملاً، إذ كانت توضيحات العارفين في الأمور الفرعية مقبولة، وبياناتهم كافية حتى لو لم يكن لديهم دليل.
أما في الوقت الحاضر فقد مدّت الضلالة باسم العلم يدها إلى أسس الإيمان وأركانه، فوهب لي الحكيم الرحيم -الذي يهب لكل صاحب داء دواءه المناسب- وانعم عليّ سبحانه شعلةً من (ضرب الأمثال) التي هي من اسطع معجزات القرآن واوضحها، رحمةً منه جلّ وعلا بعجزي وضعفي وفقري واضطراري، لأُنير بها كتاباتي التي تخص خدمة القرآن الكريم. فله الحمد والمنة:
فبمنظار (ضرب الأمثال) قد أُظهرَتْ الحقائق البعيدة جداً انها قريبة جداً.
وبوحدة الموضوع في (ضرب الأمثال) قد جُمِّعَتْ اكثر المسائل تشتتاً وتفرقاً.
وبسلّم (ضرب الأمثال) قد تُوصِل إلى أسمى الحقائق واعلاها بسهولة ويُسر.
ومن نافذة (ضرب الأمثال) قد حُصّل اليقين الإيماني بحقائق الغيب وأسس الإسلام مما يقرب من الشهود.
فاضطر الخيال إلى الاستسلام وأُرغم الوهم والعقل إلى الرضوخ، بل النفس والهوى. كما اضطر الشيطان إلى إلقاء السلاح.
حاصل الكلام: انه مهما يظهر من قوة التأثير، وبهاء الجمال في أسلوب كتاباتي، فإنها ليست مني، ولا مما مضغه فكري، بل هي من لمعات (ضرب الأمثال) التي تتلألأ في سماء القرآن العظيم، وليس حظي فيه الا الطلب والسؤال منه تعالى، مع شدة الحاجة والفاقة، وليس لي إلاّ التضرع والتوسل إليه سبحانه مع منتهى العجز والضعف.
فالداء مني والدواء من القرآن الكريم.(6)
هل انتهت مهمتي؟
يا أخويّ!
ان ظلمات أنواع الغربة هذه، وان تبددت بنور الإيمان، الاّ انها تركت فيّ شيئاً من بصمات أحكامها، وأوحت بهذه الفكرة:
ما دمت غريباً وأعيش في الغربة وراحلاً إلى الغربة، فهل انتهت مهمتي في هذا المضيف، كي أوكلكم و(الكلمات) عني واقطع حبال العلاقات عن الدنيا قطعاً كلياً؟ وحيث أن هذه الفكرة وردت على البال بهذه الصورة، فكنت أسألكم:
هل (الكلمات) المؤلفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ واعني بهذا السؤال: هل انتهت مهمتي كي أنسى الدنيا واُلقي بنفسي في أحضان غربة نورانية لذيذة حقيقية باطمئنان قلب ...(7) [ويجيبه طالبه الأول (خلوصي)(8) بالآتي: ](*)
_____________________
(1) التصديق: هو ان تنسب باختيارك الصدق الى المخبر. بينما التصور: هو ادراك المعرفة من غير ان يحكم عليها بنفي أو إثبات. وفي المنطق: التصديق هو ادراك النسبة التامة الخبرية على وجه الاذعان. والتصور: ادراك ما عدا ذلك.
(2) مأخوذة من قوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا:أسلمنا﴾(الحجرات:14).
(3) التحقيق: اثبات المسألة بدليلها بينما التقليد: قبول قول الغير بلا حجة ولادليل.
(4) الشهادة: هي اخبار عن عيان. والشهود: هو معرفة الحق بالحق. اما المعرفة: فهي ادراك الشئ على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم.
(5) الإذعان: عزم القلب، والعزم جزم الارادة.
(6) المكتوبات/486-487
(7) المكتوبات/29-32
(8) وهو خلوصي يحيى كيل من السابقين الذين تتلمذوا على الأستاذ النورسي في "بارلا" وكان حينئذ ضابطاً برتبة نقيب،وأصبح طالباً للاستاذفي 14/ 4/ 1929 كان يبعث الى استاذه اسئلته وما يستفسر منه من امور ايمانية. جمعت هذه الاجوبة بتوجيه الأستاذ نفسه وسميّت بـ(مكتوبات). توفي سنة 1986 عن 91 سنة من العمر، رحمه الله رحمة واسعة.
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:242
64-)
إزالة العوائق عن طريق القلب
إزالة العوائق عن طريق القلب:
قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد امراضاً قلبية.(1) إذ حينما سار (سعيد الجديد) في طريق التأمل والتفكر، انقلبت تلك العلوم الأوروبية الفلسفية وفنونها التي كانت مستقرة إلى حدٍّ ما في أفكار (سعيد القديم) إلى أمراض قلبية، نشأت منها مصاعب ومعضلاتٌ كثيرة في تلك السياحة القلبية. فما كان من (سعيد الجديد) الاّ القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة.(2) حيث أن سعيداً القديم والمفكرين، قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي يقبلون شيئاً منها، ويبارزونها بأسلحتها، ويعدّون قسماً من دساتيرها كأنها العلوم الحديثة فيسلّمون بها. ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل. إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور. وكأنهم بهذا يقوون الإسلام. ولكن لما كانالظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليل، ولأن فيه شيئاً من التهوين لشأن الإسلام. فقد تركتُ ذلك المسلك. وأظهرت فعلاً: أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها ابداً أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها..
ففي المسلك السابق؛ تُظن الفلسفة عميقة، بينما الأحكام الإسلامية ظاهرية سطحية، لذا يُتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الإسلام. ولكن هيهات! أنّى لدساتير الفلسفة من بلوغ تلك الأحكام.(3)(*)
______________________
(1) المثنوي العربي النوري/ 158
(2) اللمعات/ 176
(3) المكتوبات / 569
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص151
65-)
التُهم كسابقتها
التُهم كسابقتها
في سجن دنيزلي
المدرسة اليوسفية الثانية
20 /أيلول/1943 -15 /حزيران /1944
بدأ أعداؤنا المتسترون يحرّضون علينا بعضاً من المسؤولين وبعضاً ممن يعتدّون بأنفسهم والمغرورين من العلماء والمشايخ الصوفية، فأصبحوا الوسيلة في جمعنا في تلك المدرسة اليوسفية (سجن دنيزلي) مع طلاب النور القادمين من عدة ولايات.(1)
”أما التهمة الموجهة، فهي كسابقاتها:
تأليف جمعية سرية، وتحريض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى كمال بـ(الدجال و السفياني)“.(2)
وهكذا ساقونا إلى سجن دنيزلي وزجّوني في ردهة كبيرة ذات عفونة ورطوبة شديدتين فوق ما فيها من برودة شديدة، فاعتراني حزن وألم شديدان من جراء ابتلاء أصدقائي الأبرياء بسببي فضلاً عن الحزن النابع مما أصاب انتشار (النور) من عطل ومصادرة مع ما كنت أعانيه من الشيب والمرض.. كل ذلك جعلني أتقلب مضطرباً في ضجر وسأم.. حتى اغاثتني العناية الربانية فحوّلت ذلك السجن الرهيب إلى مدرسة نورية، فحقاً إن السجن مدرسة يوسفية، وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع حيث بدأ أبطال (مدرسة الزهراء) بكتابة تلك الرسائل بأقلامهم الالماسية. حتى أن بطل النور قد استنسخ اكثر من عشرين نسخة من رسالتي (الثمرة) و(الدفاع) خلال مدة لم تتجاوز أربعة اشهر، مع ضراوة تلك الظروف المحيطة، فكانت تلك النسخسبباً للفتوحات في السجن وفي خارجه فحوّل ضررنا في تلك المصيبة إلى منافع وبدّل ضجرنا وحزننا إلى أفراح، مبدياً مرة أخرى سراً من أسرار الآية الكريمة: ﴿وعَسى أنْ تَكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم﴾ (البقرة: 216).
ثم وُزّع ضدنا بيان شديد اللهجة بناء على التقرير السطحي الخاطئ المقدَّم من قبل (الخبراء الأوليين). وشنّ وزير التربية هجوماً عنيفاً علينا، مما حدا بالبعض أن يطالب بإعدامنا بل قد سعوا في الأمر.
وفي هذا الوقت العصيب بالذات جاءتنا العناية الربانية فأسعفتنا ايضاً، إذ بينا ننتظر انتقادات لاذعة عنيفة من (خبراء آنقرة) إذا بتقاريرهم المتضمنة للإعجاب والتقدير برسائل النور، واذا بهم لم يجدوا من مجموع خمسة صناديق من رسائل النور الاّ بضعة أخطاء لا تتجاوز العشرة. وقد وضّحنا أمام المحكمة واثبتنا كذلك ان هذه الأخطاء التي أوردوها ليست أخطاءً، بل هي الحقيقة بعينها، وان الخبراء هم أنفسهم على خطأ فيما يدّعون، وبيّنا أن في تقريرهم المتكون من خمس أوراق حوالي عشرة أخطاء.(3)
ولقد قلت لهم: ان هؤلاء الخبراء -الذين لا خبرة لهم على الإطلاق- غير مؤهلين لتدقيق رسائل النور(4)، لذا فإنني أطالب بتأليف لجنة عليا في آنقرة تتألف من أهل العلم. واذا لزم الأمر فليُستقدم متخصصون، وعلماء من أوروبا لتدقيق هذه الرسائل، فإذا وجدوا فيها أي عنصر يستوجب العقاب، فإنني أرضى بذلك العقاب.
وفعلاً ألفت الحكومة لجنة أخرى من علماء وخبراء قاموا بدراسة وتدقيق جميع رسائل النور، وكانت النتيجة انهم لم يعثروا فيها على أي شيء يكون موجباً للتُهمة.(5)
وبينما كنا ننتظر التهديد والأوامر المشددّة من الدوائر الرسمية السبعالتي أرسلت إليها رسائل (الثمرة والدفاع) كما اُرسلت إلى دائرة العدل جميع الرسائل، ولاسيما تلك الرسائل الخاصة المتضمنة للصفعات الشديدة والتعرض لاهل الضلالة.. اجل بينما كنا ننتظر التهديد العنيف منهم، إذا بتقاريرهم المسلّية وهي في منتهى اللين والرقة -الشبيهة بتلك الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء إلينا- وكأنهم يبدون رغبتهم في المصالحة معنا. فأثبت -كل هذا- اثباتاً قاطعاً ان حقائق رسائل النور بفضل العناية الإلهية وكرامتها قد غلبتهم وانتصرت عليهم حتى جعلتهم يقرأونها ويسترشدون بها، وحولت تلك الدوائر الرسمية الواسعة إلى ما يشبه المدارس النورية، وأنقذت كثيراً من الحيارى والمترددين وشدّت من إيمانهم، مما ملأنا بهجة وسروراً هو أضعاف أضعاف ما كنا نعانيه من ضيق وضجر.(6)(*)
_________________________
(1) اللمعات/403 وكان عدد طلاب النور المتهمين مع الأستاذ النورسي(126) طالباً وسيقوا معاً الى انقرة ثم الى محكمة الجزاء الكبرى لدنيزلي فسجنها في 25 /10 /1943.ب/1000.
(2) T. H. Denizli Hayatı
(3) اللمعات/404-405
(4) يذكر استاذ الفلسفة بجامعة استانبول نور الدين طوبجو: احالت محكمة الجزاء الكبرى لدنيزلي رسائل الأستاذ النورسي الى لجنة خبراء مشكلة من مدرسين للثانوية احدهما: مدرس الادب التركي والآخر: مدرس التاريخ وكانا ملحدين لا دين لهما اطلاقاً.. Nurs yolu, N. Şahiner /123.
(5) T.H.Denizli Hayatı
(6) اللمعات/405
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:327
66-)
رسائل من سجن أفيون أُضحي بكل شئ في سبيل النور
رسائل من سجن أفيون
أُضحي بكل شئ في سبيل النور:
اخوتي الاعزاء الصديقين!
نبارك من كل قلوبنا وارواحنا حلول شهر رمضان المبارك ونسأله تعالى ان يجعل ليلة القدر لكم خيراً من ألف شهر. آمين.. ويقبلها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.
ثانياً: انني اعتقد ان بقاءنا هنا إلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة. إذ لو اُفرج عنا لحُرمنا من خيرات هذه المدرسة اليوسفية، فضلاً عن اننا سننشغل بامور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي هو شهر اُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.
اذن فالخير فيما اختاره الله، وستكون ان شاء الله افراح كثيرة وخيرات اكثر. لقد علمتم ايضاً يا اخوتي في المحكمة انهم لا يستطيعون وجدان شئ علينا حتى بقوانينهم انفسهم، لذا يتشبثون بامور جزئية جداً لاتمسُ القانون بشئ ولو بقدر جناح بعوضة فينقبون في مكاتب جزئية وامور جزئية خاصة جداً، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمة وسيلة تكون سبباً للتعرض لنا.
ثم ان لنا مصلحة أخرى وهي انهم ينشغلون بشخصي الذي لا اهمية له فيهوّنون من شأني بدلا من انشغالهم بطلاب النور الكثيرين ورسائل النور الواسعة الانتشار. فلا يسمح القدر الالهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النور بل يشغلهم بشخصي فحسب، وانا بدوري ابيّن لكم ولجميع اصحابي واصدقائي:
انني ارضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما املك من روح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم انتم. فكما ان الجنة ليست رخيصة فان جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.
ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي ينزلها بنا اعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونأخذ ثأرنا بأضعاف اضعافها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.
فنحن بدلاً من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.
فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على الله والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، مندون ان يساورنا القلق. مع اخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدّ اواصر المحبة ووشائج الالفة والمسامرة المباركة مع اخوتنا هنا في الايام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائه في جوّ من الاخوة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالاوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الالف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظ عظيم يؤتيه الله من يشاء.
هذا وان دروس النور المؤثرة تأثيراً جيداً في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات نورية لها اهميتها وقيمتها.
حاشية: ان انكار بعض اخواننا كونه طالباً من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم انه عمل سئ. الاّ ان خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم.(1)(*)
___________________________
(1) الشعاعات/557
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:426
67-)
الخاطرة الأخيرة
الخاطرة الأخيرة
يقول عبد المجيد شقيق الأستاذ:
بعد مرور خمسة أشهر على وفاة شقيقي استُدعيت إلى ديوان الوالي في "قونيا". شاهدت هناك ثلاثة جنرالات معه(1)، خاطبني أحدهم:
لا يخفى عليكم أننا نعيش ظروفاً حرجة، فالزوار من الولايات إلى قبر شقيقكم يزدادون يوماً بعد يوم، فنحن نريد أن ننقل رفاته -بمعاونتكم- إلى أواسط الأناضول. فنرجو توقيع هذا الطلب. ومدوا إليّ بورقة طلب باسمي، قلت بعد قراءتها: ولكني لم أطلب هذا... أرجوكم دعوه ليرتاح في الأقل في قبره! أصروا على موقفهم وقالوا: "لامناص من الأمر".
توجهنا -بعد توقيع الطلب- إلى المطار فأقلتنا طائرة عسكرية إلى أورفة، وفي الثالثة ليلاً ذهبنا إلى المقبرة... كان هناك تابوتان في صحن الجامع مع بعض الجنود. اقترب الطبيب العسكري مني قائلاً: "لا تقلق سننقل الأستاذ إلى الأناضول".
وعلى إثر هذا الكلام أجهشت بالبكاء فلم أتمالك نفسي. أمر الطبيب الجنود بهدم القبر. فكانوا يترددون ويخشون سخط اللّٰه عليهم.
فقال الطبيب: نحن مأمورون وليس أمامنا سوى التنفيذ، فقاموا بهدم القبر وإخراج التابوت منه. وعندما فتحوا التابوت. قلت في نفسي: لا بد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رماداً. ولكن ما إن لمست الكفن حتى خيل لي أنه قد توفي أمس. كان الكفن سليماً إلا أنه مصفر قليلاً من جهة الرأس. وكانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء. وعندما كشف الطبيب عن وجهه، نظرت إليه وإذا عليه شبه ابتسامة. احتضنا ذلك الأستاذ العظيم ووضعناه في التابوت الآخر. وأخذناه إلى المطار. كانت الشوارع خالية من الأهلين ومليئة بالجنود المدججين بالسلاح، حيث أعلن منع التجول في المدينة. جلست بجانب التابوت في الطائرة والحزن والأسى يملآن قلبي، والدموع تملأ عينيّ. اتجهت الطائرة إلى أفيون، ومنها نقل التــابوت بسيارة إسعاف إلى إســـبارطة حيث دفـــن في مكان لا يزال مجهولاً». (2)
رحمه اللّٰه رحمة واســـعة وأســـكنه فســيح جناته.
[ ولعل هذا استجابة القدرالإلهي لما تمناه الأستاذ وأوصى طلابه بألّا يُعرف موضع قبره إلّا واحد أو إثنان منهم . ولما سألوه عن الحكمة في منعه زيارة قبره مع ما فيها من كسب للثواب أجابهم بالآتي :
إن الغفلة الناشئة من الأنانية وحب الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس إلى أن يولوا اهتمامهم إلى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور، مثلما عمل الفراعنة في الزمن الغابر على تحنيط موتاهم ونصب التماثيل لهم ونشر صورهم رغبة في توجيه الأنظار إليهم، فتوجهت الأنظار إلى المعنى الاسمي -أي لذات الشخص- دون المعنى الحرفي -أي لغيره-.. وهكذا فإن قسماً من أهل الدنيا في الوقت الحاضر يولون توجههم إلى شخص الميت نفسه وإلى مقامه ومنـزلته الدنيوية بدلاً من الزيارة المشروعة لكسب رضاء اللّه ونيل الثواب الأخروي كما كانت في السابق.
لذا أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظا على سر الإخلاص ولئلا أجرح الإخلاص الذي في رسائل النور. فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب وأيا كان فإن ما يقرأه من "الفاتحة" تبلغ إلى تلك الروح. (3)
ومما يلفت النظر أن ما كتبه الأستاذ النورسي في مستهل مؤلّفه "لمعات" "اللوامع" المطبوع في سنة1921 فيه إشارة إلى سنة وفاته وتهدّم قبره. إلاّ أن أحداً لم ينتبه إليها إلا بعد وفاته. وهذا أمر جار لدى كثير من العلماء العاملين والأولياء الصالحين وليس علماً بالغيب كما لا يخفى إذ هو إعلام من اللّٰه لهم بإشارات خفية ورموز دقيقة. ندرج ذلك في أدناه:] (*)
_______________
(1) حيث وقع انقلاب عسكري في 27/5/1960 أطاح بالحزب الديمقراطي وسيق أعضاء الحكومة إلى المحكمة التي أطلق عليها اسم "محكمة الدستور" وانتهت هذه المحكمة بتنفيذ حكم الإعدام برئيس الوزراء "عدنان مندرس" وعلى اثنين من وزرائه وبمدد مختلفة للوزراء وللمسؤولين السابقين في حكومة الحزب الديمقراطي. كما أبدوا عداء لجميع التيارات والحركات الإسلامية في تركيا ومنها حركة "طلاب النور".
وكأن حقد أعداء الإسلام وغيظهم على الأستاذ سعيد النورسي لم ينته حتى بعد وفاته فأرادوا الانتقام منه وهو في القبر، فقاموا بنقل رفات هذا العالم الجليل إلى جهة مجهولة.
(2) ش/437.
(3) ملحق أميرداغ/2 (بالتركية).
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:486
68-)
تكاتفوا تعاونوا
رسائل من سجن دنيزلي
تكاتفوا تعاونوا
”اخوتي الأعزاء!
عندما كنت اقرأ ورداً عظيماً في هذا اليوم، يوم الجمعة، وردتم بخاطري وقلتم بلسان الحال: (ماذا سنعمل لننجو من هذا البلاء؟)، فورد إلى قلبي ما يلي:
تكاتفوا، تعاونوا، يداً بيد في تساند رصين، لان تحرز البعض من الآخر وتجنبه عن (رسائل النور) وعني، وردّه الأنوار ورفضه لها، والتزلف للقوى الخفية التي تريد ازهاقنا.. لا يأتي بشئ سوى الضرر.
فأنا أطمئنكم يا اخوتي: انه لو كنت اعلم ان تبرئتكم مني تنجيكم من البلاء لكنت اسمح لكم بتحقيري وإهانتي واغتيابي، أصفحها لكم. ولكن القوة الخفية التي تريد سحقنا تعرفكم جيداً ولا تنخدع بمثل هذه الأمور بل تتشجع بسحق اكثر كلما رأت ضعفكم وانسحابكم من الميدان، ثم ان مسلكنا هو الخلة والاخوة فلا سبيل فيه للأثرة وحب الذات والحسد. فعليكم النظر إلى مزايا (رسائل النور)، وليس إلى نقائص وتقصيرات كثيرة لشخص ضعيف مثلي“(1)(*)
_________________
(1) T. Hayat, Denizli hayatı ( سيرة حياة الاستاذ النسخة التركية – الحياة في دننيزلي)
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:351
69-)
سجية تحير العقول
سجية تحير العقول:(1)
[يروي أحد الشهود هذه الحادثة قائلاً:]
عندما جُرحت واُسرتُ في موضع (بتليس) في الحرب العالمية الأولى، وقع بديع الزمان ايضاً في اليوم نفسه أسيراً. فاُرسل إلى اكبر معسكر للأسرى في سيبريا، واُرسلتُ إلى جزيرة (نانكون) التابعة (لباكو).
ففي يوم من الأيام عندما يزور نيقولا نيقولافيج المعسكر المذكور للتفتيش - يقوم له الأسرى احتراماً - وعندما يمر من أمام بديع الزمان لا يحرك ساكناً ولا يهتم به، مما يلفت نظر القائد العام، فيرجع ويمر من أمامه بحجة أخرى، فلا يكترث به ايضاً. وفي المرة الثالثة يقف أمامه، وتجري بينهما المحاورة الآتية بوساطة مترجم:
- أما عرفني؟
- نعم أعرفه انه نيقولا نيقولافيج، خال القيصر والقائد العام لجبهة القفقاس.
- فِلمَ إذن قَصَد الإهانة؟
- كلا! معذرة. إنني لم استهن به. وانما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.
- وماذا تأمر العقيدة؟
- إنني عالم مسلم احمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قد قمت له احتراماً لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي. ولهذا لم أقم له.
- إذن فهو بإطلاقه صفة عدم الإيمان عليّ يكون قد أهانني وأهان جيشي وأهان أمتي والقيصر فليشكّل حالاً محكمة عسكرية للنظر في استجوابه.
وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلب العفو منه، إلاّ انه أجابـهم بالآتي: (إنني راغب في الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسـول الكريم صلى الله عليه وسلم. فأنا بحاجة إلى جواز سفر فحسب للآخرة. ولا أستطيع ان اعمل بما يخالف إيماني...)
وتجاه هذا الكلام يؤثر الجميع الصمت منتظرين النتيجة.
وتنهي المحكمة أعمالها بإصدار قرار الإعدام بموجب مادة إهانة القيصر والجيش الروسي. وتحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام. ويقوم بديع الزمان إلى الضابط الروسي قائلاً له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأودي واجبي.
فيقوم إلى الوضوء وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولا نيقولافيج ويخاطبه:
- أرجو منك المعذرة. كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاتخذت الإجراءات القانونية بحقكم، ولكن الآن أدركت أنكم تستلهمون هذا العمل من إيمانكم، وتنفذون ما تأمركم به عقيدتكم. لذا أبطلت قرار الحكم بحقكم. إنكم تستحقون كل تقدير واعجاب لصلاحكم وتقواكم. أرجو المعذرة فقد أزعجتكم. واكرر رجائي مراراً: أرجو المعذرة.
ان هذه العزة الدينية،وهذه السجية الرفيعة التي هي قدوة حسنة للمسلمين جميعاً أخبرني عنها أحد أصحابه في معسكر الأسر،وهو برتبة نقيب،وكان شاهد عيان للحادثة.
وأنا ما ان عرفت هذا حتى اغرورقت عيناي بالدموع دون اختيار مني...(2)(*)
___________________________
(1) هذا المقال نشر في مجلة "اهل السنة" الصادرة باستانبول في15 تشرين الأول 1948 بقلم صاحبها المحامي عبد الرحيم زابصو.
(2) الشعاعات 571 – 572
(*) سيرة ذاتية /130
70-)
رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري
رسائل من أميرداغ
رسائل إلى المسؤولين
رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري:
حضرة السيد حلمي اوران!
وزير الداخلية السابق وسكرتير حزب (الشعب الجمهوري)(1) حالياً:
اولاً: في غضون عشرين سنة كتبت إليكم عريضة واحدة فقط -يوم كنت وزيراً للداخلية- الاّ أنني لم أقدمها إليكم لئلا اخلّ بقاعدتي التي أسير وفقها. فان شئت فسأقرأها إليكم أتكلم معكم بصفتكم وزيراً سابقاً للداخلية وسكرتيراً عاماً للحزب. فاسمحوا لي بالكلام لساعة او ساعتين، إذ الذي لم يتكلم مع الحكومة منذ عشرين عاماً لو تكلم عشر ساعات مع ركن من أركان الحكومة وباسمها ولمرة واحدة، فهو قليل.
ثانياً: أجدني مضطراً إلى بيان حقيقة لكم لكونكم سكرتير الحزب حالياً، والحقيقة هي:
ان هذا الحزب الذي تقوم أنت بمهمة سكرتاريته عليه مهمة أمام الشعب وهي:
ان الأمة التركية ومن معها من اخوة الدين الحاملين لراية الإسلام منذ ألف سنة جعلوا الأمة الإسلامية قاطبة ممتنة لها ببطولتها وصانوا الوحدة الإسلامية، و نجّوا البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الإيمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب. فإن لم تتبنّوا حالياً -ببسالة كالسابق-الحقائق القرآنية والإيمانية، وان لم تقوموا وانتم أهل الغيرة بالحث على الحقائق القرآنية والإيمانية مباشرة بدل قيامكم خطأ في عهد سابق بالدعاية للمدنية الغربية وإضعاف الروح الدينية، فإني أحذركم وأنذركم قطعاً، وأبين ذلك بحجج قاطعة:
ان العالم الإسلامي سينفر من هذه الأمة بدلاً من ان يوليها المحبة بل سيضمر العداوة لأخيه البطل، الأمة التركية، وستقهرون أمام الفوضى والإرهاب الذي يتستر تحت ستار الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الإسلامي، وستكونون سبباً في تشتيت هذه الأمة التركية التي هي قلعة العالم الإسلامي وجيشه البطل، وستمهدون لإستيلاء الغول الوحش، الشيوعية، على هذه البلاد.
نعم ان هذه الأمة البطلة لا تصمد أمام صدمات التيارين الرهيبين الآتيين من الخارج الاّ بقوة القرآن.
فلا يصد هذا التيار الجارف، تيار الكفر المطلق والإستبداد المطلق وإشاعة السفاهة وإباحة أموال الناس، الاّ الأمة التي امتزجت روحها بحقائق الإسلام واصبحت جزءاً من كيانها، تلك الأمة التي تعتزّ بالإسلام مجداً لماضيها.
وسيوقف هذا التيار بإذن الله قيام أهل الغيرة والحمية لهذه الأمة ببث روح الحقائق القرآنية -الموغلة في عروق هذه الأمة- وجعلها دستور حياتها بدلاً من نشر التربية المدنية الغربية.
أما التيار الثاني: فهو استمالة العدو مستعمراته في العالم الإسلامي وربطهم به ربطاً وثيقاً، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنـزلتها المركزية للعالم الإسلامي، بعد وصمها باللادينية والإلحاد، والذي يفضي إلى انفصام العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الإسلامي، وقلب روح الأخوّة التي يحملها العالم الإسلامي تجاه هذه الأمة إلى عداء.. وغيرها من أمثال هذه الخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئاً من النجاح لحد الآن. ولكن إذا استرشد هذا التيار وبدّل خطته الرهيبة هذه وعامل الدين الإسلامي بالحسنى داخل البلاد، مثلما يلاطف العالم الإسلامي، فإنه يغنم كثيراً ويكون ممن حافظ على إنجازاته، وعندئذٍ تنجو الأمة والبلاد من كارثة مدمرة.
فلو سعيتم أنتم الذين تتولون مقام سكرتارية أهل الحمية والقومية، للحفاظ على الأسس التي تسحق المقدسات الدينية وتعمم المدنية الغربية، ونسبتم الحسنات الحاضرة وحسنات الانقلاب إلى إجراءات قلة من الأشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب وأحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسيمة إلى الأمة، فعندئذٍ تعممون إذن ما ارتكبه أشخاص قلة من سيئات إلى ملايين من السيئات. فتخالفون إذن آمال هذه الأمة المتدينة البطلة وتجافون جيش الإسلام، وتعارضون إذن الأمة جميعاً وتديرون ظهركم إلى ملايين الأبطال الميامين الذين نالوا شرف الشهادة، فتعذبون أرواحهم الطيبة وتحطون من شأنهم وتهوّنون من شرفهم.
وكذا إذا نُسبتْ تلك الحسنات التي أُحرزتْ بهمة الأمة وقوة الجيش إلى أولئك القلة القليلة من الانقلابيين، انحصرت ملايين الحسنات في بضع حسنات فقط وتضاءلت وزالت، فلا تكون كفّارة لأخطاء فاحشة.
ثالثاً: لا شك أن لكم معارضين في جهات كثيرة داخلية وخارجية، وحيث إني لا أنـظر ولا أهتم بأحوال الدنيا والسياسة، فلا أعرف تلك الأمور. ولكن لأنهم ضايقوني كثيراً في هذه السنة اضطررت أن أنظر إلى سبب هذه المضايقة، فعلمت أن معارضةً قد ظهرت. فلو وجدتْ هذه المعارضة زعيماً كفوءاً لها وانطلقت إلى الميدان باسم الحقائق الإيمانية لغلبتكم وانتصرت عليكم في الحال، ذلك لأن تسعين بالمائة من هذه الأمة مرتبط روحاً وقلباً بالأعراف الإسلامية منذ ألف سنة، وحتى لو انقادت ظاهراً إلى ما يخالف فطرتها فإنها لا ترتبط به قلباً.
ثم إن المسلم يختلف عن أفراد الأمم الأخرى، إذ لو تخلّى عن دينه فلا يكون إلاّ إرهابياً فوضوياً لا يقيده شيء أياً كان، بل لا يمكن إدارته بأيٍ من وسائل التربية والإدارة إلاّ بالاستبداد المطلق والرشوة العامة. وهناك حجج كثيرة تثبت هذه الحقيقة وأمثلة كثيرة عليها اختصرها محيلاً الأمر إلى فطنتكم.
لا ينبغي لكم أن تتخلّفوا عن الدول الإسكندنافية التي شعرت بحاجتها الشديدة إلى القرآن الكريم في هذا العصر، بل عليكم أن تكونوا قدوة لها ولأمثالها من الدول. فلو أسندتم ذنوب الانقلاب التي حصلت حتى الآن إلى بضعة أشخاص، وسعيتم لتعمير الدمار -ولاسيما بحق الأعراف الدينية- التي نجمت عن ظروف الحرب العالمية وانقلابات أخرى، لقلّدكم سعيكم هذا شرفاً عظيماً في المستقبل ولأصبح كفارة لذنوبكم العظيمة وكنتم أهلاً لصفة أهل الحمية والغيرة على الأمة، لما تقدمون من خدمة للأمة والوطن.
رابعاً:مادام الموت لا يُقتل وباب القبر لا يُغلق، وأنتم ستهرعون إلى القبر كأي إنسان آخر، وأن ذلك الموت الذي لا مناص منه إعدام أبديّ لأهل الضلالة، لا تبدّله مائة ألف من الدعوات الوطنية وحب الدنيا والإنجازات السياسية، إلاّ القرآن الكريم الذي يبدل ذلك الإعدام الأبدي إلى تذكرة تسريح لأهل الإيمان، كما أثبتت ذلك رسائل النور الموجودة بين أيديكم والتي لم يعارضها أي فيلسوف ولا أي ملحد كان، بل هي التي جذبت إلى حظيرة الإيمان كلَّ من قرأها من الفلاسفة بدقة وإنعام. وحتى في ظروف هذه السنين الأربع لم يملك الفلاسفة والعلماء الخبراء ولا محاكمكم الأربع إلاّ الإعجاب بها وتقديرها وتصديقها، فلم يعترضوا عليها لحججها الرصينة في إثبات الحقائق الإيمانية فضلاً عن أنها لا ضرر يرد منها لهذا الوطن والأمة، بل إنها سد قراني -كسد ذي القرنين- أمام التيارات الرهيبة المهاجمة. ولي مائة ألف شاهد على هذا من الأمة التركية ولاسيما من الشباب المثقف.
فلأجل هذه الأسباب المذكورة فإن واجبكم الأساس هو تبنّي أفكاري هذه التي طرحتها لكم بجد واهتمام. فأنتم تستمعون دائماً إلى الكثيرين من الدنيويين السياسيين، فيلزم الاستماع -ولو قليلاً- إلى ضعيف عاجز مثلي واقف على شفير القبر يبكي على حال المواطنين ويتكلم معكم في سبيل الآخرة».(2)(*)
_______________________
(1) حزب الشعب الجمهوري: اسسه مصطفى كمال سنة 1923 وظل يحكم البلاد بالقوة كحزب واحد دون معارض حتى سنة 1950 حيث لم يحز في الانتخابات سوى 69 نائباً من بين 487 نائباً. من المبادئ الأساس لهذا الحزب العلمانية بمعنى العداء للدين والدعوة الى القومية التركية. أسس المعاهد القروية ومدارس الريف في ارجاء البلاد لتخريج المعلمين لتعليم الإلحاد.
(2) الملاحق - أميرداغ 1/ 304-307
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:378
71-)
لاتتفوهوا بكلام جارح
رسائل من سجن أفيون
لاتتفوهوا بكلام جارح:
اخوتى الاعزاء الاوفياء!
ان سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطع تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، الاّ انهم ابدوا حجة تافهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا. بل ان انشغالهم بشخصي الذي لا اهمية له، وانصرافهم عن شد الخناق على رسائل النور وطلابها، وانزالهم الاهانات والعذاب بي، وايلامي قلباً وحقيقةً مع عدم تعرضهملرسائل النور يجعلني في رضىً عن هذا الوضع بل اشكر ربي صابراً فلا اضطرب ولا اقلق ابداً وانتم كذلك لا تتألموا. فاني على قناعة من ان صرف اعدائنا المتسترين انظار الموظفين في السجن اليّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامة ومصلحة رسائل النور وطلابها.
فعلى بعض الاخوة الاّ يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم، دون ابداء القلق والاضطراب. ولا يفتحوا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لان هناك جواسيس يحرّفون كلام اخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذ الحذر ويصرفون كلامهم إلى معاني مغايرة ويستهولون الأمور التافهة، ويخبرون المسؤولين بها. ان وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه. ومع هذا فلا تضطربوا قطعاً واعلموا اننا تحت رعاية العناية الإلهية وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم لله. فنحن مكلفون بالشكر لأن درهماً من التعب والمشقة يورث طناً من الثواب والرحمة.(1) (*)
__________________
(1) الشعاعات/536
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:419
72-)
حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة
رسائل من أميرداغ
حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة
أخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين المخلصين!
سؤال في منتهى الأهمية، يسألنيه من له علاقة بي، ويرد في نفسي أيضاً، فهو سؤال معنوي ومادي في الوقت نفسه. وهو:
لِمَ تقوم بما لم يقم به أحد من الناس، لمَ لا تلتفت إلى قوى على جانب عظيم من الأهمية، تستطيع ان تعينك في أمورك، فتخالف جميع الناس. بل تظهر استغناءً عنهم؟.
ثم لِمَ ترفض بشدة مقامات معنوية رفيعة يجدك طلاب النور الخواص أهلاً لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلاً عن انها ستقدم خدمات جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟
الجواب: إن أهل الإيمان -في الوقت الحاضر- محتاجون أشد الحاجة إلى حقيقة جليلة نزيهة بحيث لا يمكن ان تكون وسيلة للوصول إلى شئ، ولا تابعة لأي شئ كان، ولا سلماً للوصول إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أي غرض أو أي قصد كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النزيهة لترشدهم إلى حقائق الإيمان، حفاظاً على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولة الضلالة التي تراكمت شبهاتها منذ ألف سنة.
فانطلاقاً من هذه النقطة فان رسائل النور لا تعبأ بالذين يمدّون لها يد المعاونة سواءً من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم. وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامة وسيلة للوصول إلى غايات دنيوية ولن تكون الا وسيلة خالصة للحياة الخالدة الباقية. لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والريوب المهاجمة على الإيمان.
أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدى أهل الحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تلحق ضرراً بإخلاصكم -حتى لو قبلتها لا يرفضون قبولك لكثرة ما لديهم من حجج وبراهين عليها- الاّ انك ترفض تلك المقامات بغضب وحدّة لا تواضعاً او تجرداً وترفعاً منك، بل حتى تجرح مشاعر إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، فتتجنبها بشدة..! فلماذا؟
الجواب:
كما ان شخصاً غيوراً يضحِّي بنفسه إنقاذاً لحياة أصدقائه، كذلك لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صولة أعداء خطرين، أضحي إذا لزم الأمر وهو يلزم لا بتلك المقامات التي لا استحقها، بل أيضاً بمقامات حقيقية لحياة أبدية. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، الا وهو الشفقة على الخلق.
نعم! ان الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذا الوقت، وبخاصة عند استيلاء الغفلة التي أنشأتها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصر كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، تحاول المقامات الكبيرة دائماً ان تجعل كل شئ أداة طيعة لها، وتستغل كل وسيلة في سبيل غاياتها، حتى تجعل مقدساتها وسيلة لبلوغ مناصب دنيوية. ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالاً أكثر، وتُتخذ وسيلة أكثر طواعية من غيرها؛ لذا يظل دوماً تحت ظل الإتهام، إذ يقول العوام: انه يجعل خدمات مقدسة وحقائق سامية وسائل وسلالم لبلوغ مآربه، حفاظاً على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهل لتلك المقامات.
وهكذا فلئن كان قبول المقامات المعنوية يفيد الشخص والمقام فائدة واحدة فانه يلحق ألف ضرر وضرر بالناس عامة وبالحقائق نفسها بما يصيبها من كساد بسبب الشبهات الواردة.
حاصل الكلام:
ان حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن ان يكون وسيلة إلى كسب شهرة لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.
نعم، انه على الرغم من ان هذا يؤثر تأثيراً سيئاً في خدمة النور، الاّ أنني أرى أن إرشاد عشرة من الناس إرشاد خادم لحقائق الإيمان إرشاداً خالصاً حقيقياً وتعليمهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شئ، أهم من ارشاد ألف من الناس بقطبية عظيمة، لان النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يرون تلك الحقائق أسمى من أي شئ آخر. فيثبتون، ويمكن ان تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة. أما أولئك الألوف، فانهم بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفة وهجومها عليهم، ربما يتفرقون من حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة!
لذا أرجح الإتصاف بالخدمة، على نيل المقامات. حتى أنني قلقتُ ودعوت الله الاّ يصيب شئ -في هذه المرة- ذلك الشخص المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوه من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذاً لخطط وضعها أعدائي. حيث ان المسألة انتشرت بين الناس، فخشيت ان يمنحوني مقاماً، فلربما يعدّون حدوث شئ ما نتيجة كرامةٍ خارقةٍ. لذا قلت: (يارب اصلح شأن هذا، أو جازه بما يستحقه من دون ان يكون عقاباً يومئ إلى كرامة معنوية).(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/265-267
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:370
73-)
رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون
السنوات الأخيرة في إسبارطة
ما بعد سجن (آفيون) إلى سنة 1950:
((بعد ان قضى الأستاذ النورسي وطلابه مدة محكوميتهم في سجن (آفيون) اُفرج عنهم في 20/9/1949 ولكن لم يسمح للاستاذ مغادرة (آفيون) إلاّ في 2/12/1949 فتوجه إلى (اميرداغ) برفقة شرطي. للإقامة الاجبارية هناك، فأمضي فيها سنتين.
وفي هذه الفترة ارسل رسائل تهنئة إلى طلابه، وارسل مجموعة كاملة من (رسائل النور) المصحّحة إلى رئيس الشؤون الدينية بوساطة طالبه مصطفى صونغور)).(1)
رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية:
باسمه سبحانه
﴿وإن من شىء الاّ يسبح بحمده﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حضرة السيد احمد حمدي المحترم!
سأبين لكم حادثة روحية جرت لي:
قبل مدة مديدة كانت فكرة اتباع الرخصة الشرعية -بناء على الضرورة- وترك العزيمة لا ينسجم مع فكري، مثلما سلكتموه انتم وعلماء معكم. فكنت اغضب واحتدّ عليكم وعليهم. واقول: لِمَ يتركون العزيمة متبعين الرخصة؟. لذا ما كنت ابعث اليكم (رسائل النور) مباشرة.
ولكن قبل حوالي اربع سنوات ورد إلى قلبي، أسف شديد مشحون بالانتقاد. وفجأة خطر على القلب ما يأتي:
ان هؤلاء الافاضل اصدقاؤك وزملاؤك في المدرسة الشرعية، وفي مقدمتهم السيد احمد حمدي، قد هوّنوا الخطر الداهم -على الإسلام- إلى الربع. وذلك بصرفهم قسماً من الوظيفة العلمية -حسب المستطاع- من امام التخريبات الرهيبة العنيفة، حفاظاً على المقدسات، متبعين الدستور الشرعي (اهون الشرين) وسيكون عملهم هذا -ان شاء الله- كفارة لبعض نقائصهم وتقصيراتهم التي اضطروا اليها.
فبدأت من ذلك الوقت انظر اليكم وإلى امثالكم نظرة اخوة حقيقية -كالسابق- فأنتم اخوتي في المدرسة الشرعية وزملائي في الدراسة.
وحيث انني كنت اترقب وفاتي من وراء تسميمي هذا،(2) عزمت على تقديم مجموعة كاملة اليكم قبل ثلاث سنوات آملاً ان تكونوا الصاحب الحقيقي لـ(رسائل النور) وحاميها بدلاً عني. غير ان المجموعة ليست مصححة ولا كاملة، الاّ انني قمت بشئ من التصحيح لمجموعة كاملة اكثر اجزائها استنسخها- قبل خمس عشرة سنة - ثلاثة طلاب لـ(رسائل النور) لهم شأنهم..
فما كنت اعطي هذه المجموعة النفيسة إلى غيرك، حيث ان كتابتها من قبل هؤلاء الثلاثة الاعزاء جعلتْ قيمتها تعادل عشر مجموعات كاملة. ومقابل هذا فان ثمنها المعنوي ثلاثة امور:
الأول: استنساخ ثلاثين نسخة تقريباً من كل منها (بالرونيو) بالحروف القديمة ان امكن، والاّ فبالحروف الجديدة، وتوزيعها على شُعب رئاسة الشؤون الدينية في البلاد. بشرط ان يكون أحد اخواننا الخواص مُعيناً على اجراء التصحيح وقائماً بأمره. لان نشر امثال هذه المؤلفات من مهمة رئاسة الشؤونة الدينية.
الثاني: لما كانت (رسائل النور) بضاعة المدرسة الشرعية وملكها، وانتم أساس المدرسة الشرعية ورؤساؤها وطلابها، فالرسائل اذاً ملككم الحقيقي. فانشروا ما ترتأون منها واجّلوا الأخرى!
الثالث: ليُطبع المصحف الشريف الذي يبين التوافقات في لفظ الجلالة، بالصورة الفوطوغرافية لتشاهد لمعة الاعجاز في التوافقات.
ويرجى عدم طبع التعاريف التركية حول التوافقات الموجودة في البداية مع المصحف الشريف، بل الافضل طبعها في كراس مستقل باللغة التركية او تترجم ترجمة امينة إلى العربية.(3)(*)
__________________________
(1) T.H Isparta hayatı
(2) وهذه المرة هي الخامسة عشرة من التسميم، وبعد ان شافاه الله منه قام بترجمة الخطبة الشامية من العربية الى اللغة التركية مع اضافات عليها. (ب3/1412).
(3) الملاحق - اميرداغ 2/328ـ329
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:435
74-)
الإكثار من الدعوات
الإكثار من الدعوات
رسائل من سجن دنيزلي
«إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!
أبيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا أخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من إكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.
إن ما أقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت أقاسيه في شهر في سجن "أسكي شهر". لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونياً ظالماً، كي يجدوا مبرراً من قولي: "كفى إلى هذا الحد" النابع من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سبباً لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته أكاذيبهم.
إنني أصبر شاكراً، وأعدّه أثراً خارقاً من آثار إحسانٍ إلهيّ، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب أكثر ونوال أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: "خير الأمور أحمزها"(1) لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.
ثم إن المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين أننا قد نذرنا حياتنا لحقيقة جليلة أسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. ولذلك ما ينبغي أن يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة إلى أن نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم لا بد أن تفضل به علينا».(2)(*)
__________________
(1) اي اقواها واشدها (انظر كشف الخفاء 1/155).
(2) الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:352
75-)
النورسي بداية إهتمامه بالسياسة وأمور العالم الإسلامي
النورسي
بديع الزمان
بداية إهتمامه بالسياسة وأمور العالم الإسلامي:
لقد التقيت شخصاً فاضلاً حوالي مدينة ماردين وذلك قبل الإنقلاب [1] بست عشرة سنة، فأرشدني إلى الحق وبيّن لي المسلك المعتدل القويم في السياسة. فأفقت من نومي برؤيا - كمال - المشهور [2] حيث أنني بايعت السلطان سليم وقبلت فكره في الإتحاد الإسلامي، لان ذلك الفكر هو الذي أيقظ الولايات الشرقية، فهم قد بايعوه على ذلك.
فالشـرقيون الآن هم أولئك لم يتغيروا. فأسلافي في هذه المسألة هم: السيد جمال الدين الأفغاني، ومفتي الديار المصـرية الشيخ محمد عبده. ومن العلماء الإعلام على صعاوي، و العالم تحسين. والشاعر نامق كمال الذي دعا إلى الإتحاد الإسلامي والسلطان سليم الذي قال:
إن مغبة الاختلاف والتفرقة يقلقاني حتى في قبري
فسلاحنا في دفع صولة الأعداء إنما هو الإتحاد
ان لم تتحد الأمة فإنّي أتحرق أسىً. (*)
________________________________________
[1] المقصود إعلان المشروطية الثانية 24 تموز 1908م أي كان وصوله الى ماردين سنة 1892 أو 1893م.
[2] آثار بديعية/ 462 . والمقصود كتاب "رؤيا" للشاعر نامق كمال الذي نُشر في مصر سنة 1908 وكان من المؤمنين بالحرية والإتحاد الإسلامي.
(*) السيرة ذاتية - ص: 58
76-)
استشهاد الحافظ علي
استشهاد الحافظ علي
ثم دسّ الأعداء المتسترون السُّم في طعامي(1) ونقل بطل النور الشهيد (الحافظ علي) على إثرها إلى المستشفى بدلاً عنى، ومن ثم ارتحل إلى عالم البرزخ ايضاً عوضاً عني، مما جعلنا نحزن كثيراً ونبكى بكاءً حاراً عليه.
لقد قلت يوماً - قبل نزول هذه المصيبة بنا - وأنا على جبل قسطموني.
بل صرخت مراراً: يا إخواني (لا تلقوا اللحم أمام الحصان ولا العشب أمام الأسد)
بمعنى: لا تعطوا كل رسالة أياً كان حذراً من أن يتعرضوا لنا بسوء.
وكأن الأخ (الحافظ علي) قد سمع بهاتفه المعنوي كلامي هذا (وهو على بعد مسيرة سبعة ايام).
فكتب اليّ - في الوقت نفسه - يقول: (نعم يا أستاذي.. انها من إحدى كرامات رسائل النور وخصائصها أنها لا تعطي الحصان اللحم ولا الأسد العشب، بل تعطى الحصان العشب و الأسد اللحم!) حتى أعطى ذلك العالِم رسالة الإخلاص، وبعد سبعة ايام تسلمنا رسالته هذه، وبدأنا بالعدّ والحساب فعلمنا انه قد كتب تلك العبارة الغريبة نفسها في الوقت الذي كنت ارددها من فوق جبل قسطموني.
فوفاة بطل معنوي مثل هذا البطل من أبطال النور، والمنافقون يسعون لإدانتنا وإنزال العقوبة بنا، علاوة على قلقي المستمرّ من أخذهم إياي بأمر رسمي إلى المستشفى لمرضي الناشئ من التسمم.. في هذا الوقت وجميع هذه المضايقات تحيط بنا، إذا بالعناية الإلهية تأتي لإمدادنا؛ فلقد أزال الدعاء الخالص المرفوع من قبل إخواني الطيبين خطر التسمم.
وهناك أمارات قوية جداً تدل على أن ذلك البطل الشهيد منهمك في قبره برسائل النور، وانه يجيب بها عن أسئلة الملائكة.
وان بطل دنيزلي (حسن فيضي) (تغمده الله برحمته) وأصدقاءه الأوفياء سيحلون محله فيقومون بمهمته في خدمة النور سراً.. وان أعداءنا قد انضموا إلى الرأي القائل بضرورة إخراجنا من السجن خوفاً من سعة انتشار الرسائل بين المساجين وسرعة استجابتهم لها ليحولوا بيننا وبين السجناء وقد حوّل تلاميذ النور تلك الخلوة المزعجة إلى ما يشبه كهف أصحاب الكهف، أولئك الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى، أو ما يشبه مغارات المنزوين من الزهاد، وسعوا بكل اطمئنان وسكينة في كتابة الرسائل ونشرها.. كل ذلك أثبت ان العناية الإلهية كانت تمدّنا وتغيثنا.
ولقد خطر للقلب: ما دام الإمام الأعظم (أبو حنيفة النعمان) وامثاله من الأئمة المجتهدين قد أوذوا بالسجن وتحملوا عذابه، وان الإمام احمد بن حنبل وامثاله من المجاهدين العظام قد عذّبوا كثيراً لاجل مسألة واحدة من مسائل القرآن الكريم.
وقد ثبت الجميع أمام تلك المحن القاسية وكانوا في قمة الصبر والجلد، فلم يُبد أحدهم الضجر والشكوى، ولم يتراجع عن مسألته التي قالها.
وكذا علماء عظام كثيرون وأئمة عديدون لم يتزلزلوا قط أمام الآلام والأذى الذي نزل بهم، بل صبروا شاكرين لله تعالى، مع أن البلاء الذي نزل بهم كان أشدّ مما هو نازل بكم، فلابد أن في أعناقكم دَين الشكر لله تبارك وتعالى شكراً جزيلاً على ما تتحملونه من العذاب القليل والمشقة اليسيرة النازلة بكم في سبيل حقائق عديدة للقرآن الكريم مع الثواب الجزيل والأجر العميم.(2)(*)
_____________
(1) هذه هي المرة الثالثة لتسميم الأستاذ النورسي، أما الأولى فبلقاح الجدري والثانية كانت شديدة جداً (كما في الشعاعات/387)
(2) اللمعات/405-407
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:332
77-)
ما يورث الانشغال بالرسائل
رسائل من سجن أفيون
ما يورث الانشغال بالرسائل:
اخوتى الأعزاء الأوفياء!
ان رسائل النور تواجهكم وتقابلكم بدلاً مني، فهي ترشد وتعلّم تعليماً جيداً إخواننا الجدد المشتاقين لدروس النور.
ولقد ثبت بالتجارب: ان الانشغال برسائل النور سواءً قراءتها او استقراءها او كتابتها يورث الفرح للقلب والراحة للروح والبركة في الرزق والصحة للجسد.
وقد انعم الله عليكم حالياً بطلاً من أبطال النور وهو (خسرو) وستكون المدرسة اليوسفية ايضاً موضع دراسة مباركة لمدرسة الزهراء ان شاء الله.
إنني كنت إلى الآن اُخفي خسرو ولا أظهره إلى أهل الدنيا، الاّ ان المجموعات التي نشرت قد أظهرته اظهاراً لا لبس فيه لأهل الدنيا، فلم يبق شئ للإخفاء.
ولهذا أظهرت بضعاً من خدماته إلى بعض الاخوة الخواص. وسوف نبين - أنا وهو - الحقيقة ان لزم
الأمر بعينها ولا نخفى شيئاً.(1)(*)
________________
(1) الشعاعات/530
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:418
78-)
الحقيقة الخالدة لا تبنى على فانين
الحقيقة الخالدة لا تبنى على فانين
رسائل من أميرداغ
اولاً: ان حقيقة خالدة دائمة لاتبنى على أشخاص فانين زائلين. ولو بنيت عليهم لنجم ظلم وإجحاف شديدان. إذ المهمة التي لها الدوام والكمال من كل جانب لا تربط بأشخاص معرضين للفناء، ومبتلين بالإهانات. فإن رُبط الأمر بهم، تصاب المهمة نفسها بضرر بالغ.
ثانياً: ان رسائل النور ليست نابعة من بنات أفكار المؤلف أو بلسان حاجته الروحية بفيض من القرآن الكريم، فهي ليست فيوضات متوجهة إلى حاجة المؤلف واستعداده وحده، بل هي ايضاً نابعة من طلب مخاطبي ذلك المؤلف وزملائه في درس القرآن الأفاضل الخالصين الصادقين الصلبين، وسؤالهم روحاً تلك الفيوضات وقبولها والتصديق بها وتطبيقها. فهي مستفاضة من القرآن الكريم من هذه الجهات وامثالها من جهات كثيرة أخرى. فهي فيوضات تفوق كثيراً استعداد المؤلف وقابليته. فكما ان أولئك المخاطبين اصبحوا السبب في ظهور رسائل النور كذلك هم الذين يشكلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وطلابها. أما المؤلف فله حصة من تلك الحقيقة، وقد يكون له حظ شرف السبق إن لم يفسده بعدم الإخلاص.
ثالثاً: ان هذا الزمان زمن الجماعة، فلو بلغ دهاء الأشخاص فرداً فرداً حد الخوارق، فلربما يُغلب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة المعنوي. لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: ان مهمة إيمانية جليلة بحيث تنور عالم الإسلام من جهة وناشئة من أنوار دهاء قدسي، لاتحمّل هذه المهمة على كاهل شخص واحد ضعيف مغلوب ظاهراً، يتربص به أعداء لا يعدّون وخصماء ألدّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات. فلو حُمّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الشديدة، لسقط الحمل وتبعثر.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/264
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:369
79-)
التوجه إلى (وان)
1923م (1340 هـ)
التوجه إلى (وان):(1)
توجهت إلى مدينة (وان). وهناك قبل كل شئ ذهبت إلى زيارة مدرستي المسماة بـخورخور فرأيت أن الأرمن قد أحرقوها مثلما احرقوا بقية البيوت الموجودة في (وان) أثناء الاحتلال الروسي.. صعدت إلى القلعة المشهورة في (وان) وهي كتلة من صخرة صلدة تضم تحتها مدرستي الملاصقة بها تماماً، وكانت تمرّ من أمامي أشباح أولئك الأصدقاء الحقيقيين والاخوة المؤنسين من طلابي في مدرستي الذين فارقتهم قبل حوالي سبع سنوات خلت، فعلى إثر هذه الكارثة اصبح قسم من أولئك الأصدقاء الفدائيين شهداء حقيقيين وآخرون شهداء معنويين، فلم أتمالك نفسي من البكاء والنحيب.. صعدت إلى قمة القلعة وارتقيتها وهي بعلو المنارتين ومدرستي تحتها، وجلست عليها أتأمل، فذهب بي الخيال إلى ما يقرب من ثماني سنوات خلَتْ وجال بي في ذلك الزمان، لما للخيال من قوة ولعدم وجود ما يحول بيني وبين ذلك الخيال ويصرفني عن ذلك الزمان، إذ كنت وحيداً منفرداً.
شاهدت تحولاً هائلاً جداً قد جرى خلال ثماني سنوات حتى أنني كلّما كنت افتح عيني أرى كأن عصراً قد ولّى ومضى بأحداثه. رأيت ان مركز المدينة المحيطة بمدرستي -الذي هو بجانب القلعة- قد أحرق من أقصاه إلى أقصاه ودمّر تدميراً كاملاً. فنظرت إلى هذا المنظر نظرة حزن وأسى.. إذ كنت أشعر الفرق الهائل بين ما كنت فيه وبين ما أراه الآن، وكأن مائتي سنة قد مرّت على هذه المدينة.. كان أغلب الذين يعمّرون هذه البيوت المهدّمة أصدقائي، وأحبّة أعزّاء عليّ.. فلقد توفّى قسم منهم بالهجرة من المدينة وذاقوا مضاضتها، تغمدهم الله جميعاً برحمته. حيث دُمّرت بيوت المسلمين في المدينة كليّاً ولم تبق الاّ محلة الأرمن، فتألمت من الأعماق، وحزنت حزناً شديداً ما لو كان لي ألف عين لكانت تسكب الدموع مدراراً.
كنت أظن أنني قد نجوت من الاغتراب حيث رجعت إلى مدينتي، ولكن -ويا للأسف- لقد رأيت أفجع غربة في مدينتي نفسها؛ إذ رأيت مئات من طلابي وأحبتي الذين ارتبط بهم روحياً -كعبد الرحمن المار ذكره ...- رأيتهم قد أهيل عليهم التراب والأنقاض، ورأيت أن منازلهم أصبحت أثراً بعد عين، وأمام هذه اللوحة الحزينة تجسّد معنى هذه الفقرة لأحدهم والتي كانت في ذاكرتي منذ زمن بعيد إلاّ أنني لم اكن افهم معناها تماماً:
لولا مفارقةُ الأحباب ما وجَدَتْ لها المنايا إلى أرواحنا سبُلاً(2)
أي أن اكثر ما يقضي على الإنسان ويهلكه إنما هو مفارقة الأحباب.
نعم، انه لم يؤلمني شئ ولم يبكني مثل هذه الحادثة، فلو لم يأتني مددٌ من القرآن الكريم ومن الإيمان لكان ذلك الغم والحزن والهمّ يؤثر فيّ إلى درجة تكفي لسلب الروح منيّ. لقد كان الشعراء منذ القديم يبكون على منازل أحبتهم عند مرورهم على أطلالها فرأيت بعيني لوحة الفراق الحزينة هذه.. فبكت روحي وقلبي مع عيني بحزن شديد كمن يمّر بعد مائتي سنة على ديار أحبّته وأطلالها..
عند ذلك مرّت الصفحات اللطيفة اللذيذة لحياتي أمام عيني وخيالي واحدة تلو الأخرى بكل حيوية، كمرور مشاهد الفلم السينمائي.. تلك الحياة السارة التي قضيتها في تدريس طلابي النجباء بما يقرب من عشرين سنة، وفي هذه الأماكن نفسها، التي كانت عامرة بهيجة وذات نشوة وسرور، فأصبحت الآن خرائب وأطلالاً. قضيت فترة طويلة أمام هذه اللوحات من حياتي، وعندها بدأت أستغرب من حال أهل الدنيا، كيف أنهم يخدعون أنفسهم، فالوضع هذا يبيّن بداهة ان الدنيا لا محالة فانية، وان الإنسان فيها ليس الاّ عابر سبيل، وضيف راحل. وشاهدت بعينيّ مدى صدق ما يقوله أهل الحقيقة:
(لا تنخدعوا بالدنيا فإنها غدّارة.. مكّارة.. فانية..).
ورأيت كذلك أن الإنسان ذو علاقة مع مدينته وبلدته بل مع دنياه مثلما له علاقة مع جسمه وبيته، فبينما كنت أريد أن ابكي بعينيّ لشيخوختي -باعتبار وجودي- كنت أريد أن أجهش بالبكاء بعشرة عيون لا لمجرد شيخوخة مدرستي، بل لوفاتها، بل كنت أشعر أنني بحاجة إلى البكاء بمائة عين على مدينتي الحلوة الشبيهة بالميتة.
لقد ورد في الحديث الشريف من أن مَلَكاً ينادي كل صباح: (لِدوا للموت وابنوا للخراب)(3) كنت اسمع هذه الحقيقة، اسمعها بعينيّ لا بأذني، ومثلما أبكاني وضعي في ذلك الوقت، فان خيالي منذ عشرين سنة يذرف الدموع ايضاً كلّما مرّ على ذلك الحال. نعم ان دمار تلك البيوت في قمة القلعة التي عمّرت آلاف السنين، واكتهال المدينة التي تحتها خلال ثماني سنوات، حتى كأنه قد مرّت عليها ثمانمائة سنة، ووفاة مدرستي -اسفل القلعة- التي كانت تنبض بالحياة والتي كانت مجمع الأحباب.. تشير إلى وفاة جميع المدارس الدينية في الدولة العثمانية. وتبين العظمة المعنوية لجنازتها الكبرى، حتى كأن القلعة التي هي صخرة صلدة واحدة، قد أصبحت شاهدة قبرها. ورأيت ان طلابي -رحمهم الله جميعاً- الذين كانوا معي في تلك المدرسة -قبل ثماني سنوات- وهم راقدون في قبورهم، رأيتهم كأنهم يبكون معي، بل تشاركني البكاء والحزن حتى بيوت المدينة المدَمَّرة، بل حتى جدرانها المنهدّة وأحجارها المبعثرة.
نعم إنني رأيت كُل شئ وكأنه يبكي، وعندئذٍ علمت أنني لا أستطيع أن اتحمّل هذه الغربة في مدينتي، ففكرت إما أن أذهب إليهم في قبورهم او عليّ أن انسحب إلى مغارة في الجبل منتظراً اجلي، وقلت مادام في الدنيامثل هذه الفراقات والافتراقات التي لا يمكن أن يُصبر عليها، ولا يمكن أن تقاوم، وهي مؤلمة ومحرقة إلى هذه الدرجة، فلا شك أن الموت افضل من هذه الحياة، ويرجح على مثل هذه الأوضاع التي لا تطاق.. لذا ولّيت وجهي سارحاً بنظري إلى الجهات الست.. فما رأيت فيها الاّ الظلام الدامس، فالغفلة الناشئة من ذلك التألم الشديد والتأثر العميق أرتنى الدنيا مخيفة مرعبة، وأنها خالية جرداء وكأنها ستنقض على رأسي. كانت روحي تبحث عن نقطة استناد وركن شديد أمام البلايا والمصائب غير المحدودة التي اتخذت صورة أعداء ألدّاء. وكانت تبحث ايضاً عن نقطة استمداد أمام رغباتها الكامنة غير المحدودة والتي تمتد إلى الأبد. فبينما كانت روحي تبحث عن نقطة استناد، وتفتش عن نقطة استمداد وتنتظر السلوان والتسرّي من الهموم والأحزان المتولدة من الفراقات والإفتراقات غير المحدودة والتخريبات والوفيات الهائلة، إذا بحقيقة آية واحدة من القرآن الكريم المعجز وهي: ﴿سبَّح لله ما في السموات والأرض وهو العزيزُ الحكيم لهُ مُلك السموات والأرض يحيي ويُميت وهو على كلِّ شئٍ قديرٌ﴾(الحديد:1- 2) تتجلى أمامي بوضوح وتنقذني من ذلك الخيال الأليم المرعب، وتنجيني من ألم الفراق والافتراق، فاتحةً عيني وبصيرتي. فالتفتُ إلى الأثمار المعلقة على الأشجار المثمرة وهي تنظر إلى مبتسمة ابتسامة حلوة وتقول لي: (لا تحصرنَّ نظرك في الخرائب وحدها.. فهلاّ نظرت إلينا، وانعمت النظر فينا..).
نعم ان حقيقة هذه الآية الكريمة تنبّه بقوة مذكّرةً وتقول: لِمَ يُحزنك إلى هذا الحدّ سقوط رسالة عامرة شيّدت بيد الإنسان الضيف على صحيفة مفازة وان، حتى اتخذت صورة مدينة مأهولة؟ فلِمَ تحزن على سقوطها في السيل الجارف المخيف المسمّى بالاحتلال الروسي الذي محا آثارها واذهب كتابتها؟ إرفع بصرك إلى الباري المصوّر وهو ربّ كل شئ ومالكه الحقيقي، فناصيته بيده، وان كتاباته سبحانه على صحيفة (وان) تُكتب مجدداً باستمرار بكمال التوهج والبهجة وان ما شاهدته من أوضاع في الغابر والبكاء والنحيب على خلو تلك الأماكن وعلى دمارها وبقائها مقفرة إنما هو من الغفلة عن مالكها الحقيقي، ومن توهم الإنسان -خطأً- انه هو المالك لها، ومن عدم تصوره انه عابر سبيل وضيف ليس الاّ..
فانفتح من ذلك الوضع المحرق، ومن ذلك الخطأ في التصور بابٌ لحقيقة عظيمة، وتهيأت النفسُ لتقبلها - كالحديد الذي يدخل في النار ليلين ويعطى له شكل معين نافع - إذ أصبحت تلك الحالة المحزنة وذلك الوضع المؤلم، ناراً متأججة ألانت النفس. فأظهر القرآن الكريم لها فيض الحقائق الإيمانية بجلاء ووضوح تام من خلال حقيقة تلك الآية المذكورة حتى جعلها تقبل وترضخ.(4) (*)
___________________________________
(1) وذلك في مايس سنة 1923م
(2) لأبي طيب المتنبي.
(3) البيهقي في الشعب من حديث عن ابي هريرة والترمذي مرفوعاً، ابو نعيم في الحلية عن ابي ذر مرفوعاً، واحمد في الزهد عن عبدالواحد قال: قال عيسى عليه السلام، فذكره (الدرر المنتثرة) وانظر كشف الخفاء (2041).
(4) اللمعات/ 379
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (199)
80-)
في منفى بارلا ظهور رسائل النور
في منفى بارلا
ظهور رسائل النور
الحظوة باسم الله (الرحيم) و (الحكيم)
أنا الآن في موضع، على ذروة شجرة صنوبر ضخمة عظيمة، منتصبة على قمة شاهقة من قمم جبل (چام). لقد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش.. وحينما ارغب في المحاورة والمجالسة مع الناس اتصوركم بقربي خيالاً، أجاذبكم الحديث وأجد السلوان بكم. وأنا على رغبة في أن أظل هنا وحيداً مدة شهر او شهرين، ان لم يحدث ما يمنع، وإن رجعت إلى (بارلا) نتحرى معاً حسب رغبتكم عن وسيلة لمجالسة ومحاورة بيننا. فقد اشتقتُ إليها اكثر منكم.
والآن اكتب إليكم ما ورد بالبال من خواطر على شجرة الصنوبر هذه:
أولاها: خاطرة فيها شئ من الخصوصية، فهي من أسراري، ولكن لا يُكتم عنكم السر، وهو: ان قسماً من أهل الحقيقة يحظون باسم الله (الودود) من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم. كذلك أخوكم هذا الذي لا يعدّ شيئاً يذكر، وهو لا شئ، قد وُهب له وضع يجعله يحظى باسم الله (الرحيم) واسم الله (الحكيم) من الأسماء الحسنى، وذلك أثناء ما يكون مستخدماً لخدمة القرآن فحسب، وحين يكون منادياً على تلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبها.
فجميع (الكلمات) إنما هي جلوات تلك الحظوة.
نرجو من الله تعالى ان تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة:﴿ومَن يؤتَ الحِكمةَ فقد اُوتيَ خيراً كثيراً﴾(البقرة:269).(1)(*)
________________________________
(1) المكتوبات/23-24
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:233
81-)
ذكريات من ايام الأسر
ذكريات من ايام الأسر:
عندما كنت اسيراً في روسيا، كانت الشمس لا تغرب اسبوعاً في مكان قريب منا، حتى كان الناس يخرجون لمشاهدة المنظر الغريب للغروب.(1)
وقد كنا في قوصتورما، في روسيا، مع تسعين من ضباطنا الأسرى في ردهة واحدة، وكنت اُلقي عليهم احياناً الدرس. وذات يوم حضر القائد الروسي وشاهد الموقف وقال: ان هذا الكردي قائد المتطوعين قد ذبح كثيراً من جنودنا، ويأتي الآن ويلقى دروساً سياسية هنا، لا يمكن هذا، امنعه قطعاً.
ولكن بعد يومين قال: يبدو ان دروسكم غير سياسية، بل دينية وأخلاقية. استمر عليها فسمح بإلقاء الدرس.(2)
وعلى الرغم من أن الروس كانوا ينظرون اليّ بصفة قائد للمتطوعين الأكراد والظالم الذي يذبح الأسرى والقازاق، الاّ انهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس. فكنت أُلقيها على معظم زملائي الأسرى من الضباط البالغ عددهم تسعيـن ضابطاً، حتى ان القائد الروسي
استمع مرة إلى الدرس، فحسبه درساً سياسياً، لجهله باللغة التركيـة، ومنعني مرة واحدة فقط ولكنه سمح لي بعد ذلك. ثم إننا جعلنا غرفة في الثكنة التي كنا فيها مسجداً لأداء الصلاة جماعةً، وكنت ائم الجماعة، ولم يتدخلوا في ذلك قط. ولم يمنعونا من الاختلاط والاتصال بعضنا مع البعض ولم يقطعوا عنا المراسلات.(3)
ولما كنت مع تسعين من ضباطنا -في الحرب العالمية السابقة- أسرى معتقلين في ردهة طويلة، في شمالي روسيا. كنت لا أسمح بالضوضاء والصخب بإسداء النصح لهم، إذ كانوا يحترمونني بما يفوق قدري بكثير. ولكن على حين غرة أثار الغضب الناشئ من توتر الأعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشات حادة. فقلت لبضعٍ منهم: اذهبوا إلى حيث الضجيج والصياح، وساندوا المبطل دون المحق. وقد قاموا بدورهم. فانقطع دابر المناقشات الضارة.
ثم سألوني: لِمَ قمت بهذا العمل الباطل؟.
قلت لهم: ان المحق يكون منصفاً يضحي بحقه الجزئي في سبيل راحة الآخرين ومصلحتهم التي هي كثيرة وكبيرة. أما المبطل فهو على الأغلب مغرور وأناني لا يضحي بشئ، فيزداد الصخب!.(4)(*)
_______________________________
(1) الكلمات/ 393
(2) الشعاعات/ 574
(3) المكتوبات/ 94
(4) الشعاعات/ 379
(*) سيرة ذاتية /129
82-)
لا نظير لترابطكم
رسائل من سجن أفيون
لا نظير لترابطكم:
اخواني الأعزاء الصديقين!
لقد طُرح عليّ سؤال ذو مغزى هام، من مصدر هام جداً. فقد سألوني مايلي:
على الرغم من انكم لستم جمعية؛ وذلك بشهادة ثلاث محاكم أصدرت حكمها بالبراءة بهذا الصدد؛ وبعد أن أخذت ست ولايات على عاتقها مهمة الرصد والتجسس طوال عشرين عاماً، وتبيّن لها في النهاية ان لاعلاقة لكم بتلك التهمة، وانها مختلقة من أساسها.. على الرغم من ذلك كله، فان العلاقة التي تربط (طلاب النور) بعضهم ببعض لايوجد لها نظير في أي جمعية او هيئة.. فهلا تفضلتم بايضاح هذه المسألة وحل تلك المعضلة؟ فأجبتهم قائلاً:
نعم، ان (طلاب النور) ليسوا جمعية او شبه جمعية، ولن يكونوا.. خاصة وانهم يربأون بأنفسهم عن ان ينتموا إلى ذلك النوع من الجمعيات التي تتشكل لأغراض شخصية او جماعية، مستهدفة كسب المنافع السياسية او الدنيوية -ايجابية كانت تلك المنافع ام سلبية- بيد ان ابناء وبنات واحفاد ابطال هذا الوطن القدامى من فدائيي الإسلام، الذين قدّموا ملايين الارواح -بكمال المسرّة والرضى- في سبيل نيل مرتبة الشهادة، لابد انهم قد ورثوا حظاً من روح تلك التضحية والفداء حتى أظهروا تلك العلاقة الخارقة التي دفعت اخاهم هذا العاجز الضعيف إلى القول امام محكمة (دنيزلي):
ان الحقيقة التي افتدتها ملايين الابطال برؤوسهم، فداء لها رؤوسنا ايضا.
قال هذه الجملة باسمهم، وأسكت المحكمة، تاركاً إياها في حيرة وتقدير وذهول.
بمعنى ان في طلاب النور فدائيين حقيقيين خالصين مخلصين لله لا يريدون إلاّ وجهه ونيل رضاه والحياة الآخرة. فلم يجد الماسونيون والشيوعيون واهل الضلالة والافساد و الزندقة والإلحاد و الطاشناق وامثالهم من المنظمات الخطرة، وسيلة لدحر أولئك النوريين فغرروا بالحكومة ودوائر العدلية بوساطة قوانين مطاطة بغية تشتيتهم وكسر شوكتهم.. ألا حبطت اعمالهم! فلا ينالون شيئا منهم باذن الله بل سيكونون وسيلة لزيادة عدد الابطال المضحين للنور والإيمان.(1)(*)
_______________________
(1) الشعاعات/567
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:428
83-)
حواره مع الطبيب
حواره مع الطبيب :
أيها الطبيب المحترم! استمع أنت، فسأتكلم أنا. أعطيك دليلاً آخر على جنوني! وهو الجواب من دون سؤال! لاشك أنكم ترغبون في الاستماع إلى كلام مجنون غريب. إنني أطلب إجراء الكشف عليّ على صورة محاكمة، وليكن وجدانك هو الحكم. ومن العبث والفضول إلقاء درس في الطب إلى طبيب، ولكن واجب المريض أن يعينه في تشخيص العلة. فأرى من الضروري الاستماع اليّ كيلا يكذّبكم المستقبل. فخذوا هذه النقاط الأربع بنظر الاعتبار:
أولاها: إني ترعرعت في جبال كردستان، فعليكم ان تزنوا أحوالي التي لا تروق لكم بميزان كردستـان لا بميزان استانبول الحضاري الأنيق، فلو وزنتم بميزانها فقد وضعتم اذاً سداً مانعاً أمامنا نحو منبع سعادتنا استانبول، ويلزمكم سوق معظم الأكراد إلى مستشفى، ذلك لأن الأخلاق المفضـلة - في الأناضول - هي الجسارة، وعزة النفس، والثبات في الدين، وانطباق اللسـان على ما في القلب. بينما الظرافة والرقة وما شابهها من أمور المدنية تعدّ بالنسبة لهم مداهنة وتزلفاً.
ثانيتها: إن أحوالي وأخلاقي مخالفة للناس، كما هو الحال في ملابسي. فاتخذوا الأمر الواقع والحق محل النظر وموضع الاعتبار. ولا تتخذوا ما روّجه الزمان او العادات من أخلاق سيئة بتقليد الناس بعضهم بعضاً مقياساً لوزن الأمور.
إنني مسلم، ملتزم، ومكلّف بهذا الالتزام والوفاء به من حيث الإسلام. فعليّ ان أفكر فيما ينفع الأمة والدين والدولة ولا اقول ذلك القول الفاسد المميت: (مالي وهذا.. فليفكر فيه غيري).
ثالثتها: لقد أتى ومضى أشخاص نوادر، كل سبق زمانه، ولكن الناس حملوا أطوارهم على الجنون بادئ بدء، ثم على السحر والخوارق. ان التضاد الموجود بين هاتين النقطتـين إيماء واشارة إلىالتضاد الموجود بين مدّعيات الذين حكموا عليّ بالجنون وأدلتهم. إذ قالوا بأفعالهم: إنه مجنون، لأنه يجيب على كل مسألة، ويحلّ كل معضلة! ان الذي يورد مثل هذا الدليل مجنون بلا شك!
رابعتها: إنه من الضروري ان يحتد ويغضب كل من له مزاج عصبي مثلي. لأن الذي يحمل فكراً رفيعاً - أي الحرية الشرعية - منذ خمس عشرة سنة، وأوشك ان يراه فعلاً، إذا به يرى نفسه على خطر وهلاك من حرمان رؤيته - بانقلاب عظيم - كيف لا يحتد ولا يغضب؟
ثم ان وزير الأمن أشد منى حدّة وغضباً فهو اكثر مني جنوناً إذن. علماً انه لا يسلم إلاّ واحد من ألف من الناس من هذا الجنون الموقت:
فكل الناس مجنون ولكن على قدر الهوى اختلف الجنون
فلئن كانت المداهنة والتملق والتزلف وفداء المصلحة العامة في سبيل المصـلحة الخاصة، تعدّ من مقتضى العقل.. فاشهدوا إني أقدم براءتي من هذا العقل، مفتخراً بالجنون الذي هو أشبه ما يكون بمرتبة من مراتب البراءة.
وهناك نقاط أربع جلبت الشبهة عليّ، علماً إنني عملتها على علم ولحكمة خفية:
أولاها:شكلي الغريب.
إنني أعلن بملابسي المخالفة للناس: إستغنائي عن المقاصد الدنيوية... واعتذاري عن عدم مراعـاتي للعادات الجارية في البلاد.. ومخالفة أحوالي وأطواري عن الناس.. وفطرية إنسانيتي بموافقة الظاهر والباطن.. ومحبة ملتي.
ثم ان المعنى الغريب لا بد ان يكون ضمن لفظ غريب ليلفت الأنظار.. ثم إنني أنصح بهذا الشكل الغريب، نصيحة فعلية لتشجيع المصنوعات المحلية.. وأشير به ايضاً إلى ميل التجدد الذي أشعر به في ذاتي و إلى تجدد الزمان في الوقت نفسه .. ثم إنني بايعت السلطان سليم.
ثانيتها: مناظرتي العلماء.
والداعي إليها هو أنني لماّ قدمت استانبول شاهدت ان المدارس الدينية لم تتقدم كالمرافق الأخرى في البلاد. وأعزو سبب ذلك إلى إقامةالاستعداد - الذي هو القدرة على الاستنباط من الكتاب - موضع الملكة، ونشوء حالات التعطل ، وفقدان الشوق، وضعف الملكة لدى الطلاب الناشئة من عدم إجراء المناظرات العلمية.
ثم ان العلوم الإلهية لا تُكسب كسائر العلوم، حيث انها علوم مقصودة بالذات، تنتج لذة حقيقية. فلا هي كالعلوم الكونية المثيرة للحيرة والإعجاب ولا هي كعلوم اللهو التي يقضى بها الوقت. لذا يلزم لكسب العلوم الإلهية، همّة عالية، او توغلاً تاماً، او مسابقة بدافع مشوّق، او تنفيذ قاعدة تقسيم الأعمال. أي يتوغل كل طالب في علوم معينة حسب استعداده، حتى يتخصص فيها ولا يظل سطحياً عابرا. حيث أن لكل علم من العلوم صورة حقيقية، ان فقدت الملكة يغدو بعض أجزائه ناقصة كالصورة الناقصة. أي على الطالب المسـتعد أن يتخذ علماً من العلوم أساساً له، ويأخذ خلاصة من كل علم من العلوم المتعلقة به، لإتمام صورة ذلك العلم. لأن كل خلاصة يمكن عدّها مكملة للصورة الأساس من دون ان تشكل صورة مستقلة.
فيا طلاب العلوم الدينية الذين يسمعون صوتي! لنكن خير خلف لسلفنا الذين بلغوا أوج الكمال، ولنسع في سبيل ذلك كطلاب المدارس الحديثة الذين اصبحوا خير خلف لسلفهم الناقصين.
وكنت أريد بالمناظرة ان انبّه إلى هاتين النقطتين فعلياً.
ثالثتها: لقد طرحت وبينت هذين المفهومين :
أولهما:
ان الإسلام الذي يمثل الحضارة الحقة في عصر الرقي والتقدم هذا، لم يترق كالحضارة الحاضرة. وأرى ان أهم سبب في ذلك هو: تباين الأفكار وتخالف المشارب بين أهل المدارس الدينية و المدارس الحديثة والزوايا.
فأهل المدرسة الدينية يتهمون أهل المدرسة الحديثة بضعف العقيدة لتأويلهم ظواهر بعض الآيات والأحاديث تأويلاً يفضي إلى غير المراد منها. وهؤلاء يعدّون أولئك غير موثوق بهم لعدم إقبالهم على العلوم الحديثة، في حين ينظر أهل المدارس الحديثة إلى التكايا والزوايا كأنـهم أهل بدعة حيث يبنون رأيهم هذا على ظن باطـل لدى العوام وبعضالجهلاء الذين يعدّون اعمالاً وحركات في الذكر - الذي هو عبادة - انها من الذكر نفسه، في حين انها موضوعة للحث وتزييد الشوق، ولا تجوز الاّ اذا كانت مباحة. وقد فتح باب التساهل بتفريط هؤلاء وإفراط أولئك اختلاط بعض البدع مع الذكر.
فهذا التباين في الأفكار والتخالف في المشارب قد هزّ الأخلاق الإسلامية هزاً وأخّرها عن ركب المدنية.
وعلاج هذا: تدريس العلوم الدينية في المدارس الحديثة تدريساً حقيقياً، وتحصيل بعض العلوم الحديثة في المدارس الدينية في موضع الحكمة القديمة التي أصبحت لا ضرورة لها.. وكذا تواجد علماء متبحرين في التكايا...
ويؤمل املاً قوياً بعد هذا ان تصبح هذه المرافق الثلاثة جهازاً متناسقاً يقطع المراتب نحو الرقي والتقدم .
الفكر الثاني:
إنني استمعت إلى الوعاظ. فلم تؤثر فيّ نصائحهم ووعظهم. فتأملت في السبب، فرأيت انه فضلاً عن قساوة قلبي هناك ثلاثة أسباب:
1- انهم يتناسون الفرق بين الحاضر والماضي فيبالغون كثيراً في تصوير دعاويهم محاولين تزويقها دون إيراد الأدلة الكافية التي لابد منها للتأثير واقناع الباحث عن الحقيقة، فالزمن الحاضر اكثر حاجة إلى إيراد الأدلة.
2- انهم عند ترغيبهم بأمرٍ ما وترهيبهم منه يُسقطون قيمة ما هو أهم منه، فيفقدون بذلك المحافظة على الموازنة الدقيقة الموجودة في الشريعة، أي لا يميزون بين المهم والأهم.
3- ان مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي أرقى أنواع البلاغة، فلا بد ان يكون الكلام موافقاً لحاجات العصر. الاّ انهم لا يتكلمون بما يناسب تشخيص علة هذا العصر، وكأنهم يسحبون الناس إلى الزمان الغابر، فيحدثونهم بلسان ذلك الزمان.
فعلى الوعاظ والمرشدين المحترمين ان يكونوا محققين ليتمكنوا من الإثبات والإقناع. وان يكونوا ايضاً مدققين لئلا يفسدوا توازن الشريعة. وان يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر. وعليهم ايضاً
ان يَزنوا الأمور بموازين الشريعة.
رابعتها :
قلت ان ذهني مشوش وعاجز. وقصدت به طروء النسيان على حافظتي وشعوري بضيق في ذهني واستيحاش في طبعي.
ولما كان المجنون لا يقول أنا مجنون. فلا يكون قولي هذا دليلاً على جنوني.
وقلت ايضاً: إنني درست ثلاثة اشهر فقط بعد كتاب الإظهار فهذا الكلام يجلب الشك والريب من جهتين:
فإما انه خلاف الواقع.. بينما يصدّق به معظم أهالي كردستان. وإما انه يومىء إلى المدح والغرور - الذي هو عنصر من عناصر الجنون رغم انه صدق - كما تقول به أيها الطبيب.
وجوابه: هو جوابي الصائب والذي استلزم التمدح لسؤال سألنيه أحد رجال الدولة.
والآن أظن ان لديكم شكاً في صحة عقلي بعد زوال الشبهة عن شعوري. ويمكن ان يزول ذلك الريب بأدنى محاكمة عقلية. إذ إن رجلاً من الأكراد الجاهلين الطليقين الأحرار، إن لم يكن صاحب وفاء لأمة راقية كالألماس، ولم يكن صاحب فكر رفيع، كيف يستطيع ان يستر حيلته و فكره الفاسد طوال هذا الزمان مع تـميّزه عن الآخرين؟ إنني أعدّ الحيلة في ترك الحيل. فإذن قد شعر بقلبه وفاءً خالصاً صافياً يفوق الجميع حتى وجد نفسه في مثل هذه الأحوال.
وقد صدق الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتُه من الفهم السقيم(1)
بمعنى أن فهم أطبائنا هو فهم سقيم.. فهم مجانين بحكم تقاريرهم الطبية. وان وزير الأمن هو الآخر مجنون لشدة حدّته وغضبه.
أيها الطبيب!
ان كنت طبياً حاذقاً فداو نفسك قبل ان تداويني.
ويا أيها الناظرون إلى كلامي هذا! ان كان فيه ما يجرح شعوركم، او لا تهضمه معدتكم الضعيفة، فاعذروني لأنني قلته في وقت الجنون حينماكنت بين جدران مستشفى المجاذيب... ولا شك ان تأثير المحيط أمر مسلّم به. لان (ديوانه را قلم نسيت) بمعنى ان القلم رفع عن المجنون. فالأمي الجـاهل أي الحر، والكردي الذي لا يتقن التركية يمكن ان يبين مرامه بهذا القدر. والسلام.(2)
(أخذت الحيرة تستولي على الطبيب بعد سماعه هذا الكلام. فأدرك مدى جديته وسعيه الحثيث في خدمة الوطن ونـفع الاهلين في كسب المعرفة، وكيف انه في قمة الذكاء فكتب تقريراً ضمّنه بهذا الكلام: لا يوجد بين القادمين إلى استانبول من يملك ذكاءً وفطنة مثله. إنه نادرة العالم! وعلى إثر هذا التقرير حلّت الدهشة والهلع في صفوف المسؤولين في القصر، فأصدروا امراً مستعجلاً بأخذ سعيد فوراً من المستشفى إلى الموقف. وبعثوا مع وزير الأمن شفيق باشا امراً ادارياً يتضمن تخصيص مبلغ قدره ثلاثون ليرة ذهبية مرتّباً شهرياً مع مبلغ من التبرعات وذلك لاجل إبعاده عن استانبول).(3) (*)
__________________________
(1) للمتنبى في ديوانه 4 / 246
(2) ب/ 155-158عن آثار بديعية / 329
(3) مذكرات عبد المجيد ص 6 (ب) / 155
(*) السيرة الذاتية ص:69
84-)
عريضة إلى المراجع الرسمية في (آنقرة)
عريضة إلى المراجع الرسمية في (آنقرة)
في محكمة دنيزلي
مقتطفات من دفاع الأستاذ النورسي
السيد رئيس المحكمة!
ارفق لكم طياً صورة من دفاعي الذي قدمته كعريضة إلى المراجع الرسمية في (آنقرة) وإلى رئيس الجمهورية، وكذلك الرسالة الجوابية التي أرسلتها رئاسة الوزارة، مما يظهر مدى قبولها واهتمامها بعريضتي. وقد أدرجت في دفاعي هذا الأجوبة القاطعة التي ردت على بيان الادعاء العام المملوء بالتهم التي لا أساس لها من الصحة وبالأوهام التي لا مبرر لها. كما يوجد في هذا الادعاء كثير من الأقوال المبنية على مضابط الشرطة المغرضة والسطحية والتي عارضها تقرير الخبراء، وقد سبق وان قدمت اعتراضاتي عليها والتي يمكن تلخيصها بالآتي:
كما ذكرت لكم سابقاً فانه عندما أرادت محكمة (اسكي شهر) تجريمي حسب المادة رقم 163 قلت لها:
”لقد وافق 163 نائباً من نواب البرلمان للحكومة الجمهورية البالغ عددهم مائتي نائب (أي بنفس عدد المادة 163) على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لإنشاء (دار الفنون) -الجامعة- في مدينة (وان). وان موافقتهم هذه والاهتمام الذي أبدته حكومة الجمهورية نحوي يعني إسقاط التهمة الموجهة اليّ حسب المادة 163“.
عندما قلت هذا للمحكمة قامت اللجنة الاستشارية لتلك المحكمة بتحريف ما قلته وادعت ان 163 نائباً اجروا تحقيقاً حول سعيد وطالبوا بمحاكمته!.
وهكذا، واستناداً إلى أمثال هذه التهم الباطلة لتلك اللجنة الاستشارية يحاول الادعاء العام جعلنا مسؤولين أمام هذه التهم، بينما جاء بالإجماع قرار الهيئة المختصة ذات المستوى الرفيع من العلم التي تشكلت بقرار من المجلس النيابي وحول أليها تدقيق رسائل النور ما يأتي:
(لا توجد فيما كتبه سعيد او طلاب النور أية دلائل او امارات صريحة حول استغلال الدين او المقدسات وجعلها أداة ووسيلة للإخلال بأمن الدولة او التحريض على ذلك ولا على محاولة القيام بتشكيل جمعية ولا أية نيات او مقاصد سيئة، ولم نجد في رسائل تخاطب طلاب النور وخطاباتهم أية نيات سيئة ضد الحكومة ولا أية مقاصد لتشكيل جمعية او طريقة صوفية. وقد تبين انهم لا ينطلقون في حركتهم من هذا المنطلق).
كما قررت هذه الهيئة المختصة وبالإجماع كذلك على ما يأتي:
”ان تسعين بالمائة من رسائل النور لم تبتعد قيد أنملة عن مبادئ الدين وأسسه ولا عن مبادئ العلم والحقيقة، وقد كتبت بإخلاص وبتجرد. ومن الواضح تماماً ان هذه الرسائل لا تنوي استغلال الدين ولا القيام بتشكيل جمعية ولا محاولة الإخلال بأمن الدولة، كما ان الرسائل المتبادلة بين طلاب النور، او بين طلاب النور وبين سعيد النورسي تحمل هذا الطابع ايضاً. وباستثناء بعض الرسائل السرية (لا يتجاوز عددها عشر رسائل) التي لم تتطرق إلى مواضيع علمية. بل تحمل طابع الشكوى والألم، فقد كتبت جميع رسائل النور إما لشرح آية او لتوضيح معنى حديث شريف وبيانه. كما ان معظم رسائل النور كتبت لتوضيح الحقائق الدينية والإيمانية، وحول عقائد الإيمان بالله وبرسوله واليوم الآخر. ولكي تتوضح هذه الحقائق بشكل افضل انتهجت رسائل النور أسلوب ضرب الأمثال وإيراد القصص، وقدمت رأيها العلمي وإرشاداتها ونصائحها الأخلاقية ضمن مناقب حميدة وتجارب في الحياة وقصص ذات عبر، ولا تحتوي هذه الرسائل على أي شئ يمكن ان يمس الحكومة او المراجع الرسمية“.
لذا فإننا في الحقيقة متأثرون جداً من قيام الادعاء العام بإهمال تقرير هذه الهيئة العلمية المتخصصة ذات المستوى المرموق وتركه جانباً، والتوجه إلى التقرير القديم الناقص والمشوش والمضطرب، ثم بناء اتهاماته الغريبة استناداً إليه. لذا فان من الطبيعي ان نرى هذا غير لائق بعدالة هذه المحكمة التي نسلم بها وبإنصافها...
ولكي يجد مقام الادعاء فرصة لغمز الدروس الاجتماعية لرسائل النور قال:
(ان الوجدان هو مقام ومكان الدين، فالدين لا يرتبط بالحكم ولا بالقانون، إذ عندما ارتبط بهما في السابق ظهرت الفوضى الاجتماعية).
وأنا اقول:
ان الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح ايضاً هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوف من السجن او من شرطة الحكومة لكي يبتعد مقترفو الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار ويمتنعوا عنها؟ إذن يستلزم ان نخصص لكل شخص شرطياً مراقباً لكي ترتدع النفوس اللاهية عنغيها وتبتعد عن هذه القذارات. ورسائل النور تضع مع كل شخص في كل وقت رقيباً معنوياً من جهة العمل الصالح ومن جهة الإيمان، وعندما يتذكر الإنسان سجن جهنم والغضب الإلهي فانه يستطيع تجنب السوء والمعصية بسهولة...
كلمتي الأخيرة: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(1)
_______________
(1) الشعاعات/335-339
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:341
85-)
حالته الروحية في آنقرة
حالته الروحية في آنقرة:
ذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدت إلى قمّة قلعة آنقرة، التي أصابها الكبر والبلى اكثر مني، فتمثّلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تأريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد واسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة،(1) ومن شيخوخة الدنيا. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل، أنقب عن نور، وابحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحسّ به من أكثف الظلمات التي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.(2)
فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثاً عن نور ورجاء، بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيئة مقبرة كبرى لأبي وأجدادي
والنوع الإنساني، فأوحشتني بدلاً من ان تسلّيني .
ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشاً عن الدواء، فتراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضاً من ان يؤنسني.
ثم نظرت إلى زمني الحاضر بعد ان امتلأ قلبي بالوحشة من اليمين واليسار، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التأريخية على شكل نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.
فلما يئست من هذه الجهة ايضاً، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة عمري، فرأيت ان على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط، وهي تنظر اليّ، تلك هي جنازتي، فطأطأت رأسي ناظراً إلى جذور شجرة عمري، فرأيت ان التراب الذي هناك ما هو الاّ رميم عظامي، وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معاً وامتزجا، وهما يُداسان تحت الاقدام، فأضافا إلى دائي داء من دون ان يمنحاني دواءً.
ثم حوّلتُ نظري على مضض إلى ما ورائي، فرأيت ان هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في أودية العبث وتنحدر في ظلمات العدم، فسكبتْ هذه النظرة السمَّ على جروحي بدلاً من ان تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي.
ولما لم أجد في تلك الجهة خيراً ولا أملاً، ولّيت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيداً، فرأيت ان القبر واقف لي بالمرصاد على قارعة الطريق، فاغراً فاه، يحدق بي، وخلفه الصراط الممتد إلى حيث الأبد، وتتراءى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد. وليس لي من نقطة استناد أمام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولا املك سلاحاً يدفع عني غير جزء ضئيل من الإرادة الجزئية. فليس لي إذن أمام كل أولئك الأعداء الذين لا حصر لهم، والأشياء المضرة غير المحصورة، سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الاختياري. ولكن لما كان هذا السلاح ناقصاً وقاصراً وعاجزاً، ولا قوة له على إيجاد شئ، وليس في طوقه الاّ الكسب فحسب، حيث لا يستطيع ان يمضي إلى الزمان الماضي ويذبّ عني الأحزان ويسكتها، ولا يمكنه ان ينطلق إلى المستقبل حتى يمنع عنّي الأهوال والمخاوف الواردة منه، أيقنت الاّ جدوى منه فيما يحيط بي من آلام وآمال الماضي والمستقبل.
وفيما كنت مضطرباً وسط الجهات الست تتوالى عليّ منها صنوفالوحشة والدهشة واليأس والظلمة، إذا بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان، تمدني وتضئ تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة ما لو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وأنواع الظلمات مائة مرة، لكانت تلك الأنوار كافية ووافية لإحاطتها.
فبدّلت -تلك الأنوار- السلسلة الطويلة من الوحشة إلى سلوان ورجاء، وحولّت كل المخاوف إلى انس القلب، أمل الروح الواحدة تلو الأخرى.
نعم، ان الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى، وحوّلها إلى مجلس منوّر أنوس وإلى ملتقى الأحباب، وأظهر ذلك بعين اليقين وحق اليقين...
ثم ان الإيمان قد أظهر بعلم اليقين ان المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة، كقبر واسع كبير ما هو الاّ مجلس ضيافة رحمانية أعدّت في قصور السعادة الخالدة.
ثم ان الإيمان قد حطّم صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر التي تبدو هكذا بنظر الغفلة، وأشهدني ان اليوم الحاضر إنما هو متجر أخروي، ودار ضيافة رائعة للرحمن.
ثم ان الإيمان قد بصّرني بعلم اليقين ان ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي هي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة. انها ليست كذلك، وانما هي انطلاق لروحي -التي هي أهل للحياة الأبدية ومرشحة للسعادة الأبدية- من وكرها القديم إلى حيث آفاق النجوم للسياحة والارتياد.
ثم ان الإيمان قد بيّن بأسراره؛ ان عظامي ورميمها وتراب بداية خلقتي، ليسا عظاماً حقيرة فانية تداس تحت الأقدام، وانما ذلك التراب باب للرحمة، وستار لسرادق الجنة.
ثم ان الإيمان أراني بفضل أسرار القرآن الكريم ان أحوال الدنيا وأوضاعها المنهارة في ظلمات العدم بنظر الغفلة، لا تتدحرج هكذا في غياهب العدم -كما ظنّ في بادئ الأمر- بل انها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية، وصحائف نقوش للأسماء السبحانية قد أتمّت مهامها، وأفادت معانيها، وأخلفت عنها نتائجها في الوجود، فأعلمني الإيمان بذلك ماهية الدنيا علم اليقين.
ناظراً ومنتظراً ليس هو بفوهة بئر، وانما هو باب لعالم النور. وان ذلك الطريق المؤدي إلى الأبد ليس طريقاً ممتداً ومنتهياً بالظلمات و العدم، بل انه سبيل سوي إلى عالم النور، وعالم الوجود وعالم السعادة الخالدة.. وهكذا أصبحت هذه الأحوال دواء لدائي، ومرهماً له، حيث قد بدت واضحة جلية فأقنعتني قناعة تامة.
ثم ان الإيمان يمنح ذلك الجزء الضئيل من -الجزء الاختياري- الذي يملك كسباً جزئياً للغاية، وثيقة يستند بها إلى قدرة مطلقة، وينتسب بها إلى رحمة واسعة، ضد تلك الكثرة الكاثرة من الأعداء والظلمات المحيطة، بل ان الإيمان نفسه يكون وثيقة بيد الجزء الاختياري. ثم ان هذا الجزء الاختياري الذي هو السلاح الإنساني، وان كان في حد ذاته ناقصاً عاجزاً قاصراً، الاّ أنه إذا استعمل باسم الحق سبحانه، وبذل في سبيله، ولأجله، يمكن ان ينال به -بمقتضى الإيمان- جنة أبدية بسعة خمسمائة سنة. مَثَلُ المؤمن في ذلك مثل الجندي إذا استعمل قوته الجزئية باسم الدولة فانه يسهل له ان يؤدي اعمالاً تفوق قوته الشخصية بألوف المرات.
وكما ان الإيمان يمنح الجزء الاختياري وثيقة، فانه يسلب زمامه من قبضة الجسم الذي لا يستطيع النفوذ في الماضي ولا في المستقبل، ويسلمه إلى القلب والروح، ولعدم انحصار دائرة حياة الروح والقلب في الزمن الحاضر كما هو في الجسد، ولدخول سنوات عدة من الماضي وسنوات مثلها من المستقبل في دائرة تلك الحياة، فان ذلك الجزء الاختياري ينطلق من الجزئية مكتسباً الكلية. فكما انه يدخل بقوة الإيمان في اعمق أودية الماضي مبدداً ظلمات الأحزان، كذلك يصعد محلقاً بنور الإيمان إلى ابعد شواهق المستقبل مزيلاً أهواله ومخاوفه.(3)
الخلاصة:
((وهكذا لما أراد مصطفى كمال استمالته ليستفيد من نفوذه في شرقي البلاد، وعرض عليه ان يكون نائباً من البرلمان، مع الإحتفاظ بعضوية دار الحكمة الإسلامية، ويتولى منصب الواعظ العام في شرقي البلاد بدلاً من الشيخ السنوسي مع تخصيص مسكن فاخر -فيلا- له وامثالها من العروضات... فإن بديع الزمان شاهد أوصاف ما ورد في حديث شريف حول أشخاص آخر الزمان (الدجال والسفياني) -والذي أوّله قبل عهد الحرية في استانبول- وتيقن أنه لا يمكن مجابهة أولئك الأشخاص إلاّ بأنوار إعجاز القرآن وليس بمسالك السياسة... لذا ردّ جميع عروضات مصطفى كمال وغادر آنقرة بعد أن بيّن وجهة نظره في الحكومة الجديدة للنواب الذين حضروا لتوديعه وألحّوا عليه بالبقاء في آنقرة متعاوناً مع الحكومة الجديدة)).(4) (*)
____________________________________
(1) حيث أٌلغى المجلس النيابي الأول السلطنة في 1/ 11/ 1922 أي قبل مجئ الأستاذ الى انقرة بسنة أما إلغاء الخلافة فقد أقره المجلس النيابي الثاني في 3/3/1924.
(2) وردت هذه الحالة الروحية على صورة مناجاة الى القلب باللغة الفارسية، فكتبتها كما وردت، ثم طبعت ضمن رسالة (حَباب) في أنقرة. - المؤلف.
(3) اللمعات /351
(4) T.Hayat, ilk hayatı
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (194)
86-)
إلى الشام
إلى الشام:
[سافر إلى الشام شتاءً في أواخر سنة 1910م (1329هـ) وهناك ألقى خطبة في الجامع الأموي، ثم طبعت في رسالة سميت (الخطبة الشامية)]
من مقدمة الخطبة الشامية:
هذه الرسالة العربية قد أُلقيتْ درساً في الجامع الأموي بدمشق منذ أربعين عاماً(1)، وذلك بناءً على إصرار العلماء هناك، واستمع إليها ما يقرب من عشرة آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن مائة من كبار علماء الشام.
إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّها (سعيد القديم) بإحساس مسبق. فزفّها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظناً منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والإستبداد المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان(2) قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أوخمسين عاماً.(3)
طبعت هذه الخطبة الشامية مرتين في حينه. وقد شخّص فيها أمراض الأمة الإسلامية المادية منها والمعنوية. وكذلك الأسباب التي ادّت إلى أسارة العالم الإسلامي وتعرضه للمهالك وبيّن فيها طرق العلاج والخلاص.
وبشر المسلمين جميعاً بل الإنسانية قاطبة بأن الإسلام سيظهر على الأرض كافة مبينـاً أن اعظم رقي مادي ومعنوي سيحققه الإسلام، وستنجلى الحضارة الإسلامية بأبهى مظهرها وستطهّر الأرض من اللوثات، كل ذلك مقروناً بدلائل عقلية رصينة...(4)
نموذج من الخطبة:
لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية وعلمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض، جعلتنا نقـف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب -وخاصة الأوربيين- نحو المستقبل.
وتلك الأمراض هي:
اولاً: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
ثانياً: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثاً: حبّ العداوة.
رابعاً: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامساً: سريان الإستبداد، سريان الأمراض المعدية المتنوعة.
سادساً: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.
ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبسته من فيض صيدلية القرآن الحكيم -الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية- أبيّنها بست كلمات، إذ لا اعرف اسلوباً للمعالجة سواها.
الكلمة الأولى: الأمل أي: شدة الاعتماد على الرحمة الإلهية والثقة بها.
نعم! انه بناء على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني ان أزفّ إليكم البشرى يامعشر المسلمين، بأنه قد أَزِفَ بزوغ أمارات الفجر الصادقودنا شروق شمس سعادة عالم الإسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدم العالم الإسلامي ورقيّـه على تيقظهم وانتباههم، فإنني أعلن بقوة وجزم، بحيث اُسمع الدنيا كلها وأنفُ اليأس والقنوط راغم:
ان المستقبل سيكون للإسلام، وللإسلام وحده. وان الحكم لن يكون إلاّ لحقائق القرآن والإيمان. لذا فعلينا الرضى بالقدر الإلهي وبما قسّمه الله لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.
فهذه دعواي، لي عليها براهين عدة، سأذكر واحداً ونصفاً فقط منها، بعد ان أمهّد لها ببعض المقدمات...(5) [ثم عاد عن طريق بيروت - إزمير إلى استانبول واستمر في مطالبته بإنشاء مدرسة الزهراء].(*)
_____________________________
(1) المقصود عام 1911م
(2) أى منذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924م الى سنة 1950م
(3) صيقل الإسلام- الخطبة الشامية/ 481
(4) T. Hayat, ilk hayatı
(5) صيقل الإسلام- الخطبة الشامية / 492
(*) السيرة الذاتية ص 115
87-)
في منفى بارلا عدم إنتقاد رسائل النور
في منفى بارلا
عدم إنتقاد رسائل النور
على الرغم من انتشار الرسائل -بصورة عامة- انتشاراً واسعاً جداً، فان عدم قيام أحد بانتقادها ابتداءً من أعظم عالم إلى أدنى رجل من العوام، ومن اكبر ولي صالح تقي إلى أحط فيلسوف ملحد عنيد، هؤلاء الذين يمثلون طبقات الناس وطوائفهم. ورغم انها معروضة أمامهم ويرونها ويقرأونها، وقد استفادت كل طائفة منها حسب درجتها، بينما تعرّض قسم منهم إلى لطماتها وصفعاتها.. أقول: ان كل ذلك ليس إلاّ أثر عناية ربانية وكرامة قرآنية.. ثم ان تلك الأنماط من الرسائل التي لا تؤلف إلاّ بعد بحث دقيق وتحرّ عميق، فان كتابتها وإملاءها بسرعة فوق المعتاد أثناء انقباض وضيق -وهما يشوشان أفكاري وإدراكي- اثر عناية ربانية وإكرام إلهي ليس إلا.(1)(*)
_______________________
(1) المكتوبات/483
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص(240)
88-)
من أقواله في المحاكم بحق مصطفى كمال
من أقواله في المحاكم بحق مصطفى كمال:
إننا لسنا مع زعيم اصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل (جامع اياصوفيا) إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكراً ولا موضوعاً، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية. ولا نجد انفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.(1)
ولما اعترضت بكلمات قاسية على ذلك الشخص المعروف الذي تولى رئاسة الحكومة بآنقرة، لم يقابلني بشئ، بل آثر الصمت. الاّ ان بعد موته أظهرت حقيقةُ حديث شريف خطأه -كنت قد كتبته قبل أربعين سنة- فتلك الحقيقة والانتقادات التي كانت فطرية وضرورية واتخذناها سرية، وعامة غير خاصة على ذلك الشخص قد طبقها المدعى العام بحذلقة على ذلك الشخص، وجعلها مدار مسؤولية علينا.
فأين عدالة القوانين التي هي رمز الأمة وتذكارها وتجل من تجليات الله سبحانه من محاباة شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة.(2)
انه ضروري جداً لصالح الأمة ولنفع البلاد ان تحافظ الحكومة عليّ حفاظاًً تاماً وتمدّ يد المعاونة اليّ. الاّ انها تضيق الخناق عليّ، مما يومئ إلى ان الذين يحاربونني هم منظمة الزندقة السرية وقسم من منظمة الشيوعية الذين التحقوا بهم، هؤلاء قد قبضوا على زمام الأمر في عدد من المناصب الرسمية المهمة في الدولة ، فيهاجمونني ويجابهونني. أما الحكومة فإما انها لا تعرف بهم او تسمح لهم. ويا ترى أي ذنب وأي جريرة في ان تنتقد او تضمر عدم المحبة لرجل حوّل جامع اياصوفيا الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرة الساطعة لخدماتها وجهادها في سبيل القرآن، وهدية تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات؟.(3)
ان تعصب المدعي العام لمصطفى كمال وصداقته له -وهو يشغل مثل هذا المقام- ادّى إلى أسئلة واعتراضات غير قانونية وغير ضرورية وخاطئة مما ساقني إلى تقديم هذه الإيضاحات الخارجة عن الصدد، وأنا أبين هنا أحد أقواله كمثال على كلامه المشوب بالمزاج الشخصي الخارج عن القانون.
قال: ألم تندم من قلبك على ما أوردته في (الشعاع الخامس)؟ ذلك لأنك قمت بإهانته وتحقيره عندما قلت عنه: انه اصبح مثل قربة الماء من كثرة شربه الخمر والشراب؟
لا يمكن إسناد شرف انتصار الجيش البطل إليه وحده، ولكن تكون له حصة معينة فقط من هذا الانتصار. فمن الظلم ومن الخروج على العدالة بشكل صارخ إعطاء غنائم الجيش وأمواله وأرزاقه إلى قائد واحد.
وكما قام ذلك المدعي العام البعيد عن الإنصاف باتهامي لكوني لا احب ذلك الشخص ذا العيوب الكثيرة، إلى درجة انه وضعني موضع الخائن للوطن، فإنني اتهمه ايضاً بعدم حبه للجيش، ذلك لانه عندمايعطي إلى صديقه ذاك كل الشرف وكل المغانم المعنوية فانه يكون بذلك قد جرد الجيش من الشرف، بينما الحقيقة هي وجوب توزيع الأمور الإيجابية والحسنات والافضال على الجماعة وعلى الجيش، أما الأمور السلبية والتقصيرات والتخريبات فيجب توجيهها إلى القيادة وإلى الرأس المدبر وإلى الممسك بزمام الأمور. ذلك لان وجود أي شئ لا يتحقق الا بتحقق جميع شرائطه وأركان وجوده، والقائد هنا شرط واحد فقط من هذه الشروط. أما انتفاء أي شئ وفساده فيكفي له عدم وجود شرط واحد او فساد ركن واحد فقط. لذا يمكن عزو ذلك الفساد إلى الرأس المدبر وإلى الرئيس لان الحسنات والأمور الجيدة تكون عادة إيجابية ووجودية. فلا يمكن حصرها على من هم في رأس الدولة. بينما السيئات والتقصيرات عدمية وتخريبية ويكون الرؤساء هم المسؤولون عنها. ومادام هذا هو الحق وهو الحقيقة، فكيف يمكن ان يقال لرئيس عشيرة قامت بفتوحات: (أحسنت يا حسن آغا)؟ واذا غُلبت تلك العشيرة، وجّهت إلى أفرادها الإهانة والتحقير؟.. ان مثل هذا التصرف يكون مجانباً للحق تماماً ومعاكساً له.
وهكذا فان ذلك المدعي العام الذي قام باتهامي قد جانب الحق والحقيقة وجانب الصواب، ومع ذلك فهو بزعمه قد حكم باسم العدالة.(4)
أما قضية الصفعة الموجهة من (رسائل النور) إلى مصطفى كمال فقد عرفتْ بها ست محاكم وكذلك المراجع الرسمية في (آنقرة) فلم يعترضوا عليها واصدروا قرارهم بتبرئتنا وأعادوا لنا جميع كتبنا ومن ضمنها (الشعاع الخامس). ثم ان قيامي بإظهار سيئاته ليس الا من اجل صيانة كرامة الجيش. أي ان عدم محبة شخص فرد ليس إلاّ من أجل كيل الثناء إلى الجيش بكل حب.(5)
ولو فرضنا ان قائداً رهيباً وعبقرياً استطاع بذكائه ان ينسب لنفسه جميع حسنات الجيش، وان ينسب سيئاته وسلبياته الشخصية للجيش، فانه يكون بذلك قد قلل عدد الحسنات التي هي بعدد أفراد الجيش إلى حسنة شخص واحد، وعندما نسب سيئاته وأخطاءه إلى الجيش يكون قد كثّر هذه السيئات بعدد أفراد الجيش، وهذا ظلم مخيف ومجانب للحقيقة، لذا فقد قلت للمدعي العام في إحدى محاكماتي السابقة عندماهاجمني لكوني وجهت صفعة تأديب لذلك الشخص عندما قمت قبل أربعين سنة بشرح حديث نبوي، قلت للمدعى العام: حقاً إنني أقلل من شأنه بإيراد أخبار من الأحاديث النبوية، إلاّ أننى أقوم في الوقت نفسه بصيانة شرف الجيش وحفظه من الأخطاء الكبيرة، واما أنت فتقوم بتلويث شرف الجيش الذي يعد حامل لواء القرآن، وقائداً مقداماً للعالم الإسلامي، وتلغي حسناته لأجل صديق واحد لك. فخضع ذلك المدعى العام للإنصاف، بإذن الله، ونجا من الخطأ.(6)
ومع ان الرئيس الكبير حرض بعض أفراد وزارة العدل وموظفيها مدفوعاً إلى ذلك بأوهامه وبحقده الشخصي، الا ان رسائل النور بُرئت من تهمة تشكيل اية جمعية وأية طريقة صوفية.(7)
[وقال في المحكمة أيضاً]:
اجل ان رجلاً دافع بكل شدة وصلابة دفاعاً مؤثراً ودون خوف او وجل أمام المحكمة العرفية العسكرية التي انعقدت بسبب أحداث 31 مارت، وفي مجلس المبعوثان دون ان يبالي بغضب مصطفى كمال وحدّته.. كيف يتهم هذا الشخص بأنه يدير سراً خلال ثماني عشرة سنة ودون ان يشعر به أحد مؤامرات سياسية؟ ان من يقوم بمثل هذا الإتهام لاشك انه شخص مغرض.(8)
مادام مصطفى كمال نفسه لم يستطع ان يكسر هذا العناد، ومادامت محكمتان ومحافظ ثلاث ولايات لم تكسره فمن انتم حتى تحاولوا مثل هذه المحاولة العقيمة، ولماذا تحاولون هذا عبثاً مع انها لا تأتي بخير للامة ولا لهذه الحكومة؟.(9) (*)
__________________
(1) الشعاعات/ 468، 487
(2) الشعاعات/430
(3) الشعاعات/ 488
(4) الشعاعات/ 419 - 420
(5) الشعاعات/ 454
(6) الشعاعات/ 447
(7) الشعاعات/ 438
(8) الشعاعات/ 423
(9) الشعاعات/ 345
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (188)
89-)
منفى أميرداغ
المدرسة النورية الثالثة
نفي آخر
منفى أميرداغ
عندما كنت نزيل غرفة في (أميرداغ) تحت الإقامة الجبرية وحيداً فريداً، كانت عيون الترصد تتعقبني وتضايقني دائماً فأتعذب منها أشد العذاب، حتى مللت الحياة نفسها وتأسفت لخروجي من السجن، بل رغبتُ من كل قلبي في ان أعود إلى سجن (دنيزلي) أو أدخل القبر، حيث السجن او القبر افضل من هذا اللون من الحياة.(1) [حتى كتب إلى المسؤولين في آنقرة:]
إذا كان الحاكم والمدعي واحداً، فإلى من تُرفع الشكوى؟ لقد حرتُ طويلاً في هذه المشكلة..
أجل ان حالتي اليوم، وأنا طليق مراقب أشد عليّ بكثير من الأيام التي كنت مسجوناً فيها، وان يوماً واحداً من هذه الحياة يضايقني اكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك. لقد مُنعت من كل شئ رغم ضعفي وتقدمي في السن وفي هذا الشتاء القارس. فلا أقابل غير صبي وشخص مريض. على أنني منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد.
ان مضاعفة المضايقات والمراقبة عليّ وعزلي عن الناس اكثر من هذا الحد سيمس غيرة الله سبحانه وتعالى وتكون العاقبة وخيمة..
إنني اقول: ان أهم وظيفة لهذه الحكومة -بمسؤولي الأمن ومأموري العدل فيها- والتي تعاملني معاملة وجدانية إنسانية هي حمايتي حماية تامة. لأن الحكومة وثلاث محاكم عدلية برأت ساحتنا وأفرجت عنا بعدإجراء تدقيقات دامت طوال تسعة اشهر على ما كتبتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات ومكاتيب. ولكن المنظمة السرية التي تعمل بخفاء في خدمة الأجنبي ألقت في روع قسم من الموظفين الشبهات -بجعلها الحبة قبة- طمعاً في إفساد براءتنا. وغايتهم في ذلك هي ان ينفد صبري فأقول: كفى كفى!! على ان سبب غضبهم عليّ في الوقت الحاضر هو سكوتي، وعدم تدخلي بأمور الدنيا. وكأنهم يريدون ان أتدخل حتى تتحقق لهم بغيتهم.
ابيّن لكم بعض مكايدهم التي يستعملونها في بث الشكوك والشبهات في قلوب قسم من الموظفين الحكوميين إذ يقولون: ان لسعيد نفوذاً في الأوساط العامة، وان مؤلفاته كثيرة ولها تأثير بالغ في الناس، فمن يتقرب منه يصادقه، لذا يلزم كسر هذا النفوذ بتجريده من كل شئ وإهانته وعدم الاهتمام به وتجنيب الناس منه وإخافة محبيه. وهكذا أصبحت الحكومة في حيرة من أمرها فتشدد عليّ الخناق وتضاعف المضايقات. وأنا اقول:
أيها الاخوة المحبون لهذه الأمة والبلاد!
اجل، ان هناك نفوذاً وتأثيراً كما يقوله المنافقون، ولكن ليس لي، وإنما لرسائل النور. فرسائل النور لا تنطفئ وكلما تعرض لها شئ قويت! ولم تستعمل الاّ لصالح الأمة والبلاد ولا يمكن غير ذلك. ان قيام محكمتين عدليتين طوال عشر سنوات بتدقيقات ما كتبتُه خلال عشرين سنة تدقيقاً شديداً لم يسفر عن حجة حقيقية لإدانتنا.. وهذه حجة لا تجُرح وشاهد صدق لدعوانا.
نعم، ان المؤلفات ذات تأثير بالغ، ولكن لمصحلة الأمة والبلاد. وذلك بإرشادها إلى الإيمان التحقيقي لمائة ألف من الناس من دون ان تمسّ أحداً بسوء. فتأثيرها اذاً هو في العمل لسعادتهم الدنيوية وحياتهم الأبدية.
ان مئات المساجين المحكومين في سجن (دنيزلي) -بعضهم عوقبوا بعقوبات شديدة- قد اصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قراءتهم رسالة الثمرة وحدها، حتى الذين قتلوا ثلاثة أشخاص تحاشوا عن قتلبقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة. مما دفع هذا الوضع مدير السجن على الإقرار بان السجن اصبح في حكم مدرسة تربوية.. كل هذا حجة قوية لا تجرح لصدق مدعانا.
نعم، ان تجريدي من جميع حقوقي الإنسانية بعد هذا كله إنما هو ظلم مضاعف وعذاب مضاعف وغدر وخيانة لهذه الأمة في الوقت نفسه. ذلك لأن الدليل القاطع على ان هذه الأمة المتدينة -التي لم يجد أحد أي ضرر مني رغم بقائي ما يقرب من أربعين سنة بين ظهرانيهم- بحاجة إلى قوة معنوية وتسل عظيم، هو: ان الأمة لا تلتفت إلى الدعايات المغرضة المشاعة ضدي، فتتوجه في كل مكان إلى رسائل النور وتشتاق إليها.. بل اعترف انهم يبدون من التوقير والاحترام لي يفوق ما استحقه بمائة ضعف، فأنا لست أهلاً له.(2)
”ورغم هذا هيأ الله أسرة (چالشقان) في أميرداغ فبذلوا كل ما في وسعهم شيباً وشباباً لتأمين راحة شيخ كبير وعالم فاضل مهما كانت التبعات، حيث كان الحارس ملازماً بابه لا يغادره.“(3)(*)
_______________________
(1) اللمعات/394(1) اللمعات/394
(2) الملاحق - (أميرداغ) 1/230 على الرغم من ان الأستاذ النورسي لم يراجع الجهات الرسمية طوال فترة سجنه او نفيه في غضون ما يقرب من عشرين سنة خلت ولم يُستدع الى مقر الوالي الاّ مرة واحدة في قسطموني، الاّ انه في هذه الفترة من حياته في (أميرداغ) اي خلال ثلاث سنوات ونصف السنة أُستدعي خمس عشرة مرة من قبل المراجع الرسمية منها دائرة الامن او مخفر الشرطة او العدلية.. وفي الوقت نفسه نراه يقدم عرائض الى الجهات المسؤولة لبيان الظلم الواقع عليه كالمذكورة اعلاه، وعريضة مقدمة الى وزير الداخلية والى مدير الامن العام، والى مدير امن آفيون، والى رئيس مجلس الامة والمسؤولين في آنقرة والى رئيس الجمهورية والى المدعي العام والى حاكم التحقيق لأميرداغ.. كل ذلك دليل على مدى الظلم المجحف الذي كان يرزخ تحته. (ب2/1206).
T.H.Emirdağ Hayatı (3)
(*) كليات رسائل النور- السيرة الذاتية ص: 357
90-)
إرشاد القرآن الكريم
إرشاد القرآن الكريم : 1921م (1339هـ)
بعدما رجعت من الأسر، سيطرت الغفلة عليّ مرة أخرى طوال سنتين من حياتي في استانبول، حيث الأجواء السياسية وتياراتها صرفت نظري عن التأمل في نفسي، وأحدثت تشتتاً في ذهني وفكري.
فحينما كنت جالساً ذات يوم في مقبرة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعلى مرتفع مطلّ على وادٍ سحيق، مستغرقاً في تأمل الآفاق المحيطة باستانبول، إذا بي أرى كأن دنياي الخاصة أوشكت على الوفاة، حتى شعرت - خيالاً - كأن الروح تنسل منها انسلالاً من بعض نواحيّ. فقلت:
تُرى هل الكتابات الموجودة على شواهد هذه القبور هي التي دعتني إلى هذا الخيال؟
أشحتُ نظري عن الخارج وانعمت النظر في المقبرة دون الآفاق البعيدة فألقى في روعي: ان هذه المقبرة المحيطة بك تضم مائة استانبول! حيث ان استانبول قد أفرغت فيها مائة مرة، فلن تُستثنى أنت وحدك من حكم الحاكم القدير الذي افرغ جميع أهالي استانبول هنا، فأنت
راحل مثلهم لا محالة..!
غادرت المقبرة وأنا احمل هذا الخيال المخيف، ودخلت الغرفة الصغيرة في محفل جامع أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه والتي كنت ادخلها مراراً في السابق فاستغرقت في التفكير في نفسي:
إنما أنا ضيف! وضيف من ثلاثة اوجه؛ إذ كما أنني ضيف في هذه الغرفة الصغيرة، فأنا ضيفٌ كذلك في استانبول، بل أنا ضيف في الدنيا وراحل عنها كذلك، وعلى المسافر ان يفكر في سبيله ودربه.
نعم، كما أنني سوف اخرج من هذه الغرفة واغادرها، فسوف اترك استانبول ذات يوم واغادرها، وسوف اخرج من الدنيا كذلك.
وهكذا جثمت على قلبي وفكري وأنا في هذه الحالة، حالة أليمة محزنة مكدّرة. فلا غرو إنني لا أترك احباباً قليلين وحدهم، بل سأفارق ايضاً آلاف الأحبة في استانبول، بل سأغادر استانبول الحبيبة نفسها وسأفترق عن مئات الآلاف من الأحبة كما افترق عن الدنيا الجميلة التي ابتلينا بها.
ذهبتُ إلى المكان المرتفع نفسه في المقبرة مرة أخرى، فبدا لي أهالي استانبول، جنائز يمشون قائمين مثلما يظهر الذين ماتوا شخوصاً متحركة في الأفلام السينمائية، فقد كنت أتردد إليها احياناً للعبرة! فقال لي خيالي: ما دام قسم من الراقدين في هذه المقبرة يمكن ان يظهروا متحركين كالشخوص السينمائية، ففكّر في هؤلاء الناس كذلك انهم سيدخلون هذه المقبرة حتماً، واعتبرهم داخلين فيها من الآن.
وبينما كنت أتقلب في تلك الحالة المحزنة المؤلمة إذا بنور من القرآن الحكيم وبإرشاد من الشيخ الگيلاني (قدس سرّه) يقلب تلك الحالة المحزنة ويحولها إلى حالة مفرحة مبهجة، ذات نشوة ولذة، حيث ذكّرني النور القادم من القرآن الكريم ونبهني إلى ما يأتي:
كان لك صديق أو صديقان من الضباط الأسرى عند أسرك في قوصترما في شمال شرقي روسيا، وكنتَ تعلم حتماً أنهما سيرجعان إلى استانبول. ولو خَيّرك أحدهما قائلاً: أتذهب إلى استانبول أم تريد ان تبقى هنا؟. فلا جرم انك كنت تختار الذهاب إلى استانبول لو كان لك مسكة من عقل، بفرح وسرور حيث ان تسعمائة وتسعة وتسعين من ألف حبيب وحبيبلك هم الآن في استانبول، وليس لك هنا الاّ واحد او اثنان، وهم بدورهم سيرحلون إلى هناك. فالذهاب إلى استانبول بالنسبة لك إذن ليس بفراق حزين، ولا بافتراق أليم.. وها أنتذا قد أتيت إليها، ألم تصبح راضياً شاكراً؟ فلقد نجوتَ من بلد الأعداء، من لياليها الطوال السوداء، ومن شتائها القارس العاصف، وقدمت استانبول الزاهية الجميلة، كأنها جنة الدنيا!. وهكذا الأمر حيث ان تسعاً وتسعين من مائة شخص ممن تحبهم منذ صغرك حتى الآن، قد ارتحلوا إلى المقبرة. تلك التي تبدو لك موحشة مدهشة، ولم يظل منهم في هذه الدنيا الاّ واحد او اثنان، وهم في طريقهم إليها كذلك. فوفاتك في الدنيا إذن ليست بفراق، ولا بافتراق، وانما هي وصال ولقاء مع أولئك الأحبة الأعزاء.
نعم ان أولئك - أي الأرواح الباقية - قد تركوا مأواهم وعشهم المندرس تحت الأرض، فيسرح قسم منهم بين النجوم، وقسم آخر بين طبقات عالم البرزخ.
وهكذا ذكّرني ذلك النور القرآني.. ولقد أثبت هذه الحقيقة اثباتاً قاطعاً كلٌ من القرآن الكريم، والإيمان، بحيث مَن لم يفقد قلبه وروحه، او لم تغرقه الضلالة لابد ان يصدق بها كأنه يراها؛ ذلك لأن الذي زيّن هذه الدنيا بأنواع ألطافه التي لاتحد وبأشكال آلائه التي لا تُعد مُظهراً بها ربوبيته الكريمة الرؤوف، حفيظاً حتى على الأشياء الصغيرة الجزئية جداً -كالبذور مثلاً- ذلك الصانع الكريم الرحيم، لابد -بل بالبداهة- لا يُفني هذا الإنسان الذي هو أكمل مخلوقاته وأكرمها وأجمعها وأهمّها وأحبها إليه، ولا يمحوه بالفناء والإعدام النهائي، بلا رحمة وبلا عاقبة -كما يبدو ظاهراً- ولا يضيّعه ابداً.. بل يضع الخالق الرحيم ذلك المخلوق المحبوب تحت التراب الذي هو باب الرحمة موقتاً، كي يعطي ثماره في حياة أخرى، كما يبذر الفلاح البذور على الأرض.
وبعد ان تلقيت هذا التنبيه القرآني، باتت تلك المقبرة عندي مؤنسة اكثر من استانبول نفسها، واصبحت الخلوة والعزلة عندي اكثر لطافة من المعاشرة والمؤانسة، مما حدا بي ان أجد مكاناً للعزلة في (صارى ير) على البسفور. واصبح الشيخ الگيلاني رضي الله عنه استاذاً لي وطبيباً ومرشداً بكتابه (فتوح الغيب)، وصار الإمام الرباني رضي اللهعنه(1) كذلك بمثابة أستاذ أنيس ورؤوف شفيق بكتابه (مكتوبات) فأصبحت راضياً كلياً وممتنّاً من دخولي المشيب، ومن عزوفي عن مظاهر الحضارة البراقة ومتعها الزائفة، ومن إنسلالي من الحياة الاجتماعية وانسحابي منها، فشكرت الله على ذلك كثيراً. (2)
___________________
(1) الامام الرباني: هو احمد بن عبد الاحد السرهندي الفاروقي (971-1034هـ) الملقب بحق "مجدد الالف الثاني" برع في علوم عصره، وجمع معها تربية الروح وتهذيب النفس والإخلاص للّه وحضور القلب، رفض المناصب التي عرضت عليه، قاوم فتنة "الملك اكبر" التي كادت ان تمحق الإسلام. ووفّقه المولى العزيز الى صرف الدولة المغولية القوية من الإلحاد والبرهمية الى احتضان الإسلام بما بث من نظام البيعة والاخوة والارشاد بين الناس،طهر معين التصوف من الاكدار، تنامت دعوته في القارة الهندية حتى ظهر من ثمارها الملك الصالح "اورنك زيب" فانتصر المسلمون في زمانه وهان الكفار. انتشرت طريقته النقشبندية في ارجاء العالم الإسلامي بوساطة العلامة خالد الشهرزوري المشهور بمولانا خالد (1192-243هـ). له مؤلفات عديدة اشهرها "مكتوبات" ترجمها الى العربية محمد مراد في مجلدين.
(2) اللمعات/ 363
(*) كليات رسائل النور –سيرة ذاتية ص(158)
91-)
سبب المحاكمة
سبب المحاكمة
«إن الحصول على رسالة كُتب أصلها قبل خمس وعشرين سنة "أي الشعاع الخامس" في مكان بعيد، والتي لم أحصل عليها إلاّ مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيّعت في الوقت نفسه دفع أشباه العلماءإلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.
وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة "الآية الكبرى" بالحروف الجديدة -مع عدم موافقتي- بدلاً من رسالة "مفتاح الإيمان"(1) التي كنت أرغب في طبعها، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس -هذا الخبر- على الدوائر الحكومية، فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى. فكأن "الشعاع الخامس" قد طبع، خلافاً للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة. حتى زجّونا ظلماً وعدواناً في هذا المعتكف (السجن).
إننا نقول إزاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم: إن "الشعاع السابع" (رسالة الآية الكبرى) من أوله إلى آخره بحث في الإيمان، فلقد التبس عليكم الأمر وانخدعتم. وإن الشعاع الخامس يختلف عنه كلياً وهو رسالة خاصة وسرّيّة للغاية حتى لم يعثَر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة. وإن اصل هذه الرسالة قد كتب قبل عشرين سنة فنحن لا نرضى بطبعها وحدها بل ولا بإراءتها أيضاً إلى أي أحد كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحداً».(2)(*)
____________
(1) كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور..
(2) الشعاعات/351 وقد سُفّر بديع الزمانإلى أنقرة بإحدى سيارات النقل العمومية في أواخر شهر رمضان وفي يوم شديد الحر، ولكنه وهو في الطريق لا ينسى أن يؤدي واجب التبليغ والإرشاد إذ يلتفتإلى حارسه قائلاً له: "هل يمكن الإيعازإلى السيد السائق بأن يوقف السيارة؟ فلا إكراه في الدين ولكن عندي بعض النصائح أريد أن أسديها للركاب". فوقّف السائق السيارة، والتفت بديع الزمانإلى الركاب مخاطباً: إن هذه الليلة ليلة القدر على أغلب الاحتمال، وإن ثواب قراءة القرآن الكريم في الأيام الاعتيادية هو عشر حسنات لكل حرف من القرآن وفي أيام رمضان ألف حسنة، أما في ليلة القدر فهو ثلاثون ألف حسنة، فلو عرض أحدهم عليكم خمس ليرات ذهبية لقاء عمل ما، أما ترغبون في الحصول عليها؟! أجاب الركاب: "نعم.. نرغب في ذلك.." فقال لهم: "إذن فليقرأ كل مسلم منكم الآن سورة الفاتحة ثلاث مرات، وسورة الإخلاص مرة واحدة وآية الكرسي مرة واحدة، فإنها ستكون لكم ذخراً في حياتكم الأبدية". وفي الطريق عندما كان يحين وقت الإفطار تقف السيارة، حيث يفطر الأستاذ بديع الزمان مع الركاب، ويصلي معهم صلاة المغرب.
وفي أنقرة طلبه الوالي "نوزاد طان دوغان" حيث جرت بينهما مشادة حول زيّه، إذ حاول الوالي تبديل زيّه قسراً، فيرد عليه الأستاذ بديع الزمان من أنه شخص منـزو، وأن قانون الأزياء لا يشمله، وأن هذه العمامة لا تُرفع إلاّ مع هذا الرأس مشيراًإلى عنقه!.
ومن تجليات القدر الداعية للتأمل أن هذا الوالي الفظ الذي تلفظ بكلمات جارحة مهينة ضد الأستاذ قد انتحر في (9/7/1946) بإطلاق رصاصة على صدغه" (ش) 340 ويذكر الأستاذ نفسه هذه الحادثة بقوله: "أراد والي أنقرة السيد نوزاد أن يتعرض لزيّي إلا أنه لم يوفق في مسعاه وبانتحاره نال عقابه بيده" (ب)2 ص985 عن ملف دنيزلي مخطوط.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:324
92-)
في بارلا
في بارلا
((وصل الأستاذ سعيد النورسي إلى منفاه (بارلا)(1) من أعمال (اسپارطة) في غربي الأناضول في 1/3/1927 (2) حيث قضى الليلة الأولى في مخفر الشرطة، ثم خصص لإقامته بيت صغير يتألف من غرفتين ويطلّ على مروج (بارلا)، وبساتينها الممتدة إلى بحيرة (أغريدير) العذبة، ،أمامها شجرة الدلب العالية.
صنع أحد النجارين غُرفة خشبية مكشوفة صغيرة وضعت بين أغصانها. فكان الأستاذ يقضي فيها اغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف متعبداً لله، ومتأملاً ومتفكراً حتى انبلاج الصباح في معظم الأحيان، فلا يعرف أهالي (بارلا) متى ينام الأستاذ ومتى يستيقظ! ولا يمر أحد قرب تلك الشجرة في سكون الليل الاّ ويسمع هَمْهمة العالم المُتعبّد المتهجد.
كان الأستاذ معتل الصحّة دائماً وكان قليل الإقبال على الطعام، بل يمكن القول بأنه قضى عمره كله وهو نصف شبعان ونصف جائع، إذ كان يقضي يومه الكامل بإناء صغيرة من الحساء مع كسرات من الخبز، ويأتيه طعامه من بيت أحد الجيران، وكان يدفع ثمن الطعام دائماً وبإصرار، إذ كان شعاره الذي طبّقه طوال حياته هو ألاّ يأخذ شيئاً من أحد دون مقابل، وقضى حياته كلها بالاقتصاد والبركة وعلى ما ادّخره سابقاً من الليرات.
كانت عيون السُلطة تترصّدُ الأستاذ وتُراقب حركاته وسكناته لذا كان الأهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر وقته في البيت او يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل (چام)(3).ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الأشجار متأملاً ومتعبدا.))(4)(*)
________
(1) يقص "شوكت دميرآي" وهو الجندي المكلّف بنقل الأستاذ النورسي الى ناحية "بارلا" ذكرياته فيقول:
"كُنتُ في مدينة "اغريدير" عندما استدعوني الى مركز البلدية صباح أحد الايام.. فذهبت اليه وكان هناك القائمقام وآمر الجندرمة مع اعضاء هيئة البلدية وشخص معمم في العقد الرابع من عمره يلبس جبّة وله هيئة وقورة.
خاطبني آمر الجندرمة قائلاً:
- اسمع يابني، عليك أن تأخذ شيخنا هذا المعروف ببديع الزمان الى بارلا. ان وظيفتك هذه مهمة جداً، وعندما تسلّمه الى المخفر هناك دعهم يوقعوا على الاوراق الرسمية ثم اخبرنا بذلك. قلت له :حسناً ياسيدي.
خرجت مع الشيخ وفي الطريق قلت له:
- يا شيخنا انت بمثابة والدي وان هذه وظيفة كلّفتُ بها فارجو أن لاتستاء منّي.
ثم يستمر في وصف الرحلة بالقارب فيقول:
"كان الجو بارداً، فالفصل شتاء ومياه البحيرة متجمدة هنا وهناك وأحد جذافي القارب يكسر الثلوج بعصاً طويلة في يده ويفتح بذلك طريقاً للقارب.
بدأ الشيخ بديع الزمان بتوزيع بعض الزبيب وبعض الحلوى علينا، كنت اتفحصه بدقة فوجدته هادئاً كل الهدوء إذ كان يتأمل في البحيرة والجبال المحيطة بنا..
ولكون النهار قصيراً فقد ازف وقت صلاة العصر بسرعة . اراد ان يصلي واقفاً فوجّهنا القارب بإتجاه القبلة . سمعت صوتاً يقول:
- الله اكبر!.. لم اكُن قد سمعت في حياتي كلّها تكبيرة بهذه الرهبة والخشوع، شعرت بان الشعرَ في اجسادنا قد وقف. لم تكن حركاته واطواره تشبه اطوار الشيوخ الذين عرفناهم..
كُنا نحاول جهدنا ان نبقي على القارب باتجاه القبلة وعندما انهى الشيخ صلاته، التفتَ الينا قائلاً:
- شكراً لكم يا اخوتي، لقد أتعبتكم!
كان شخصاً متواضعاً ودمث الأخلاق".ذكريات عن سعيدالنورسي/30، ش/259
(2) هذا ما يقرره ويثبته الباحث الاخ نجم الدين شاهين أر، بينما المصادر الأخرى تذكر أنه وصل الى (بارلا) في شناء سنة 1926.
(3) يستغرق الذهاب من (بارلا) والصعود الى الجبل أربع ساعات من الزمان مشياً على الأقدام.
(4) T.Hayat, Barla hayatı
" خرج الأستاذ أحد ايام الصيف من بيته متوجهاً الى الجبل كعادته.. كان الجو صحواً والشمس مشرقة وما ان وصل الى قمة الجبل حتى تلبدت السماء بالغيوم السوداء منذرة باقتراب عاصفة.. وفعلاً ما لبثت السماء ان ارعدت وابرقت وبدأت الامطار تسقط بغزارة.. كان الأستاذ وحيداً على قمة الجبل ليس له من ملجأ يتقي فيه سَيلَ المطر المُنْهَمر سوى الاشجار التي لم تكن هي الأخرى كافية لتمنع عنه البَلل، وبعد مدة ليست بالقصيرة خفّت شدة المطر واخذ ينـزل رذاذاً، وأنتهز الأستاذ الفرصة وقفل راجعاً الى البلدة، وقد تبلّل من رأسه الى أخمص قدميه، وفي الطريق تمزق حذاءه، فدخل البلدة وهو يَحملُ حذاءه بيده ويغوص في الطين بجواربه الصوفية البيضاء.
وهناك بالقرب من نبع الماء كان جمع من أهالي "بارلا" مجتمعين يتحدثون، شاهدوا هذا المنظر المؤثر، منظر العالم الجليل المهيب المنفي عن موطنه.. الوحيد.. المقاطع من قبل الجميع، وهو يحمل حذاءه الممزق بيده، ويغوص في الطين بجواربه، وقد تلطخت اطراف ثيابه بالطين. خيّم سكون ثقيل على الجميع وتجاذبت الكثيرين عاطفتان مختلفتان، عاطفة الاسراع لمد يد المساعدة اليه، وعاطفة الخوف من عيون السلطة المترصدة لكل حركة من حركاته، واخيراً يندفع من بين الجمع شخص اسمه "سليمان" ويصل اليه حيث يأخذ الحذاء من يده ويغسله في الحوض ثم يرافقه حتى منـزله ويصعد معه الى غرفته.ويصبح (سليمان كروانجي) هذا اول صديق له ويتتلمذ على يديه ويقوم بخدمته ثماني سنوات في بارلا. وكان مثالاً للصدق والوفاء والإخلاص. توفي في سنة 1965 رحمه الله رحمة واسعة". ذكريات عن سعيد النورسي/32 ش/277.
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:218
93-)
سعاة بريد النور
سعاة بريد النور
بقي بديع الزمان في "قسطموني" ثماني سنوات استمر خلالها في مراسلة طلابه بشتى الوسائل متخطّياً العيون المترصدة لحركاته، إذ كانت رسائله تنقل سراً، ثم تستنسخ باليد ثم توزع على القرى، والنواحي، والمدن القريبة، فتشكلت بهذا "سعاة بريد النور" الذين كان واجبهم ينحصر في نقل الرسائل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، كما انتظمت وقويت مسألة إستنساخ الرسائل، فهناك بعض الطَلبة الذين استنسخوا وحدهم أكثر من ألف رسالة، وبهذه الطريقة اُستنسخت رسائل النور كتابة باليد ستمائة ألف نسخة. وانتشرت في أرجاء تركيا تدريجياً منتصرة على جيوش الظلام، ومعلنةً بأنه لا يمكن إطفاء نور الإسلام ابداً.
جمعت الرسائل التوجيهية التي تشمل نواحي دقيقة في فقه الدعوة إلى الله، ومسائل إيمانية دقيقة، تحت عنوان ملحق "قسطموني" .(1)(*)
_____________________________________
(1) T,H, Kastamonu Hayatıبلغ عدد المكاتيب المسلية والتوجبهبة الملحقة التي بعثها الأستاذ النورسي من قسطموني الى طلابه في اسپارطة وغيرها من المدن (275 )مكتوباً، منها العامة والخاصة. ب/2/844.
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:306
94-)
حول فكرة المهدية
رسائل من سجن أفيون
حول فكرة المهدية:
هناك امارات اعلم منها ان أعداءنا الخفيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْم وجود فكرة المهدية -من الناحية السياسية- فيها ويدّعون ان رسائل النور وسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى ان يعثروا على سند لهم لهذه الاوهام الباطلة. ولعل العذاب الذي اتعرض له نابع من هذه الاوهام. وانا اقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:
حاش!... ثم حاش!... انني لم اقم بمثل هذا الادعاء، ولم اتجاوز حدي ولم اجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية او أداة لنيل الشهرة والمجد، وان السنوات الثلاثين الاخيرة خاصة من عمري البالغ خمسة وسبعين عاماً تشهد وتشهد رسائل النور البالغة مائة وثلاثين رسالة، ويشهد الالاف من الاشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.
أجل!... ان طلاب النور يعرفون هذا كما انني سردت الحجج التي اظهرت في المحاكم انني لم أسْعَ من اجل مقام او مرتبة لشخصي او من اجل الحصول على مرتبة او مقام او شهرة معنوية او اخروية، بل سعيتبكل ما أملك من قوة لتوفير خدمة ايمانية لاهل الإيمان، وربما كنت مستعداً لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها بل -ان لزم الأمر- بالتضحية حتى بالمراتب الاخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع ان الجميع يسعون للحصول على هذه المراتب، ويعلم اصدقائي المقربون بانني -ان لزم الأمر- اقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من اجل ان اكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان(1) وقد ذكرت هذا وبرهنت عليه في المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الإتهام اسناد عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.
أيتوهم هؤلاء التعساء ان الدنيا باقية وابدية؟ ام يتوهمون ان الجميع مثلهم يستغلون الدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ ان هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخص تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد للتضحية بحياته الاخروية ان لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وانه غير مستعد لان يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة ايمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى الهجوم على شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءً أكانت من قريب او بعيد وذلك بسر الإخلاص، وتحمّل عذاباً لامثيل له طوال عشرين عاماً، ومع ذلك لم يتنزل-حسب المسلك الإيماني- إلى السياسة. ثم انه يعد شخصه من جهة النفس-اقل مرتبة بكثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دوماً دعاءهم واستغفارهم له، ومع انه يعد نفسه ضعيفاً وغير ذي أهمية، الا أن بعض اخوانه الخلص اسندوا اليه في رسائلهم الخاصة بعضاً من فضائل النور، وذلك لكونه ترجماناً للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من (رسائل النور)، ولم يخطر ببالهم في ذلك أي معنى سياسي، بل على مجرى العادة، ذلك لان الإنسان قد يخاطب شخصاً عادياً ويقول له: (انت ولي نعمتي...انت سلطاني). أي يعطون له -من زاوية حسن الظن- رتباً عالية لايستحقها، وهي اكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته. وكما هو معلوم فان هناك عادة قديمة جارية مقبولة -لم يعترض عليها أحد- فيما بين الطلاب وبين اساتذتهم وهي قيام الطلاب بمدح مبالغ فيه لاساتذتهم قياماً منهم بحق الشكر، ووجود بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة.. فهل يعد هذا ذنباً باي وجه من الوجوه؟ صحيح ان المبالغة تعد في جانب منها مخالفة للحقيقة، ولكن شخصاً مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه… أفيستكثر علىّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف ان اشدّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وان انقذهم من الابتعاد والهرب واحول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وان احوّل هذا المديح إلى رسائل النور ولا أردهم رداً كاملاً وقاطعاً؟ وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق او عن القانون وعن الانصاف عندما يحاولون ان ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتياً وهو على ابواب القبر، وكأن هذه الخدمة مسخرة لغرض من اعراض الدنيا.
ان آخر ما نقول: لكل مصيبة ﴿انا لله وانا اليه راجعون﴾.(2)(*)
___________________________
(1) ذكر لى الأخ "محمد فرنجي"وقال: كنت أزور الأستاذ مراراً، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد. وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له. فوقع في نفسي شئ، إذ كيف يدخل جهنم من كان سبباً لهداية اناس كثيرين جداً؟. واذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير الي بيده ويقول: ليس خالداً.. ليس خالداً.. بل مثلما يدخل احدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل الى الجنة.
(2) الشعاعات/459
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:421
95-)
العودة الى اميرداغ
سنة 1953
بعد براءة الأستاذ سعيد النورسي من محكمة استانبول،
عاد إلى (اميرداغ).
وفي أحد ايام رمضان خرج وحده يتجول في الحقول المحيطة بالمدينة وعريف شرطة مع ثلاثة من افراده يتعقبونه.
ولم يستطع ان يتم تجواله، إذ لحقه هؤلاء وعرضوا عليه ان يلبس القبعة. وعندما قادوه إلى مركز الشرطة احتج الأستاذ على هذه المعاملة، وارسل عريضة إلى وزارة العدل وإلى وزارة الداخلية في آنقرة، شجب فيها هذه التصرفات الرعناء، كما ارسل صورة من عريضته إلى أحد طلابه في آنقرة ليتتبع الموضوع عند المراجع الرسمية ويبلغ النواب المهتمين بالحادثة.
ومن آنقرة قرر بعض طلابه ارسال نسخة من هذه العريضة إلى جريدة اسلامية تصدر في (صامسون) باسم Buyuk Cihadالجهاد الأكبر حيث نشرت هناك.
في هذه الأثناء وقعت حادثة الصحفي المعروف (أحمد أمين يالمان)(1) إذ حاول شاب مسلم ان يغتاله، فاطلق عليه عدة رصاصات لم تنل منه مقتلاً.
وقد استغلت هذه الحادثة استغلالاً كبيراً كل الجرائد والمجلات المعادية للاسلام التي غاظها جو الحرية النسبي الذي بدأت تتنفسه الحركات الإسلامية في تركيا، فأرادت أن تظهر بان اعطاء اية حرية لمثل هذه الحركات ستكون نتيجتها ظهور الرجعية والإرهاب.. الخ.
كانت حملة صحفية رهيبة لم يستطع رجال الحزب الديمقراطي الحاكم ان يقفوا امامها، هذا فوق وجود جناح معاد للاسلام في هذا الحزب ايضاً. فصدرت الأوامر بغلق جميع الجرائد والمجلات الإسلامية، واعتقال جميع الكتّاب والمفكرين المسلمين العاملين فيها.
وأعتقل في هذه الحملة من الإعتقالات المدير المسؤول عن جريدة (الجهاد الاكبر) واحد طلبة النور وهو السيد (مصطفى صونغور)
وسيقا معاً إلى المحكمة في مدينة (صامسون) وقد اصدرت المحكمة قرارها بالحكم عليهما، ولكن محكمة التمييز الغت هذا القرار واصدرت قرارها بالبراءة.
وكانت في هذه الأثناء تنطلق بيانات وآراء في الصحف ضد توسع حركة النور في البلاد. وتبدأ التحريات في خمس وعشرين منطقة بتركيا وتبلغ فتح الدعاوى، مستهدفة الحكم على قريب من ستمائة طالب من طلاب النور. الا انهم لا يجدون جرماً ولا شيئاً يكون مستند اتهام في رسائل النور او طلاب النور.
وفتحت دعوى في مدينة (صامسون) ضد الأستاذ بديع الزمان بسبب مقالة نشرت في جريدة (الجهاد الأكبر) تحت عنوان (اكبر برهان) وطلب مثوله امام محكمة (صامسون)، ولكن الأستاذ كان آنذاك مريضاً، فضلاً عن تقدمه في السن.
وبالرغم من حصوله على تأييد طبي من طبابة قضاء (أميرداغ) وكذلك من مدينة (أسكي شهر) الاّ ان محكمة (صامسون) اصرت على حضوره.
وبناء على هذا الاصرار توجه إلى استانبول(2) في طريقه إلى صامسون. ولكن مرضه اشتد بعد وصوله إلى استانبول، فلم يعد بامكانه مواصلة السفر فاستحصل تقريراً طبياً من الهيئة الصحية، وارسله إلى المحكمة.
كان هذا التقرير الطبي يؤيد بان حالة الأستاذ بديع الزمان لا تسمح له ابداً بالسفر لا براً ولا بحراً ولا جواً، ولكن المدعي العام بالرغم من هذا التقرير الطبي الواضح القاطع، كان يطالب بشدة بحضوره ومثوله امام المحكمة.
واستناداً إلى التقرير الطبي قررت المحكمة ان تقوم محكمة استانبول باستجواب الأستاذ نيابة عنها.(*)
___________
(1) صحفي مشهور من طائفة "الدونمة" وهي طائفة يهودية تظاهرت بالإسلام، وبقيت تمارس عقائدها اليهودية سراً، ولكونها تملك ركائز اقتصادية وسياسية قوية قامت بدور تخريبي كبير في تركيا. وكان سجل هذا الصحفي بالذات سجلاً حافلاً بالعمل ضد الإسلام. منها مطالبته بتشكيل دويلة ارمنية في تركيا، كما طالب ان تقوم الولايات المتحدة باستعمار اراضي تركيا عسكرياً لإدارة شؤونها، حيث لم تصل تركيا الى المستوى الذي تستطيع فيه ادارة نفسها وكتب مقالات عديدة في مزايا دخول تركيا تحت الاحتلال الأمريكي. أصدر جريدة (طان) ورأس تحريرها.!!
(2) قضى الأستاذ في استانبول ثلاثة اشهر تقريباً -من أوائل مايس الى نهاية تموز- امضى معظمها في بيت أحد طلابه المقربين (محمد فرنجي).
في تلك السنة (1953م) كانت استانبول تتهيأ للاحتفال بمرور خمسمائة عام على فتحها. وقد اقيم فعلاً احتفال مهيب دعي اليه الأستاذ بديع الزمان مع المدعوين الرسميين، وفي هذا الاحتفال التقى بطريرك الروم "آشنو كراس". وأثناء اللقاء جرى بينهما الحوار الآتي:
سعيد النورسي: يمكن ان تكونوا من اهل النجاة يوم القيامة اذا آمنتم بالدين النصراني الحق بشرط الاعتراف بنبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالاعتراف بالقرآن الكريم كتاباً من عند الله.
البطريرك: انني اعترف بذلك.
سعيد النورسي: حسناً، فهل تعلنون ذلك امام الرؤساء الروحانيين الآخرين؟
البطريرك: اجل انني اقول ذلك ولكنهم لا يقبلون. ش/405
وحضر في هذه الأثناء مستشرق انكليزي استانبول. والقى محاضرة حول (السموات السبع) مشككاً فيها. فوزع طلاب النور في اليوم التالي منشوراً يتضمن تفسير الأستاذ حولها من (اشارات الاعجاز) ولما اطلع عليه المستشرق المذكور اختصر محاضرته في ذلك اليوم وانهى سلسلة محاضراته التي كان من المقرر ان تدوم خمسة ايام وغادر استانبول دون ان يعقب. من محمد فرنجي، Son Şahitler 4/ 356
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:459
96-)
من المقدمة التي كتبها لإشارات الإعجاز
من المقدمة التي كتبها
لإشارات الإعجاز:
لقد تم تأليف تفسير (إشارات الإعجاز) في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى على جبهة القتال بدون مصدر او مرجع. وقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمان أن يُكْتب هذا التفسيـر في غاية الإيجاز والاختصار لأسباب عديدة.
وقد بقيت الفاتحة والنصف الأول من التفسير على نحو اشد إجمالا واختصارا:
أولاً: لان ذلك الزمان لم يكن يسمح بالإيضاح، نظراً إلى ان سعيداً القديم كان يعبّر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه.
ثانياً: كان (سعيد) يضع درجة إفهام طلبته الأذكياء جداً موضع الاعتبار. ولم يكن يفكر في فهم الآخرين .
ثالثاً: لما كان يبيّن أدق وأرفع ما في نظم القرآن من الإيجاز المعجزجاءت العبارات قصيرة ورفيعة.
بيد أنني أجَلت النظر فيه الآن بعين (سعيد الجديد). فوجدت ان هذا التفسير بما يحتويه من تدقيقات، يعدّ بحق تحفة رائعة من تحف سعيد القديم بالرغم من أخطائه وذنوبه.
ولما كان ( أي سعيد القديم ) يتوثب لنيل مرتبة الشهادة أثناء الكتابة، فيكتب ما يعنّ له بنية خالصة، ويطبق قوانين البلاغة ودساتير علوم العربية، لم استطع ان اقدح في أي موضع منه، إذ ربما يجعل الباري عز وجل هذا المؤلَّف كفارة لذنوبه ويبعث رجالاً يستطيعون فهم هذا التفسير حق الفهم .
ولولا موانع الحرب العالمية، فقد كانت النيّـة تتجه إلى ان يكون هذا الجزء وقفاً على توضيح الإعجاز النظمي من وجوه إعجاز القرآن، وان تكون الأجزاء الباقية كل واحد منها وقفاً على سائر اوجه الإعجاز.
ولو ضمت الأجزاء الباقية حقائقَ التفسير المتفرقة في الرسائل لأصبح تفسيراً بديعاً جامعاً للقرآن المعجز البيان .
ولعل الله يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا الجزء ومن (الكلمات) و(المكتوبات) الست والستين، بل المائة والثلاثين من أجزاء رسائل النور مصدراً، وتكتب في ضوئه تفسيراً من هذا القبيل...
ثم اني بينما كنت منتظراً ومتوجهاً لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك - وقد كان هذا غاية خيالي من زمان مديد - إذ سـنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرّب زلزلة عظيمة، فشرعتُ - مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي - في تقييد ما سنح لي من إشارات إعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير. فان وافقها فبِها ونِعْمَتْ والاّ فالعُهدة عليّ.
فوقعتْ هذه الطامة الكبـرى.. ففي أثناء أداء فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصة في خط الحرب قيدتُ ما لاح لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات. فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديـلها؛ إذ ظهرتْ في حالة من خلوص النية لا توجد الآن، فاعرضها لأنظار أهل الكمال لا لأنه تفسير للتنـزيل، بل ليصير - لو ظفر بالقبول - نوعَ مأخذٍ لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي، فان استحسنوه شجعوني علىالدوام. ومن الله التوفيق.(1)
وقد أعجب بهذا التفسير القائد العام أنور باشا إعجاباً كبيراً إلى درجة أنه هرع إلى استقباله(2) بكل احترام -وهذا ما لم يفعله مع أحد- وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب كما ذُكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خير وبكل تقدير...(3)(*)
___________________
(1) اشارات الاعجاز/ 17،21
(2) أي استقبال الأستاذ عند عودته من الاسر .
(3) الشعاعات/514
(*) السيرة الذاتية /124
97-)
لا نجعل من الدين وسيلة لمكاسب دنيوية
رسائل من أميرداغ
لا نجعل من الدين وسيلة لمكاسب دنيوية
اخوتي الصديقين الأعزاء!
سؤال:
لِمَ لا تكوّن علاقة ولا تمد وشائج ارتباط مع التيارات الجارية داخل البلاد وخارجها، ولا سيما مع الجماعات ذات الاهتمامات السياسية، بل ترفض ذلك وتمنع -ما وسعك- طلاب النور عن أي تماسٍ كان بتلك التيارات! والحال انك لو كونت علاقة معهم فان ألوف الناس سيدخلون دائرة رسائل النور زرافات ووحداناً وسيسعون لنشر حقائقها الساطعة، فضلاً عن انك لا تكون هدفاً إلى هذا الحد للمضايقات الشديدة التي لا مبرر لها؟
الجواب:
ان أهم سبب لهذا الاجتناب وعدم الاهتمام بالتيارات الجارية، هو الإخلاص؛ الذي هو أساس مسلكنا، فالإخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولاسيما من يحمل أفكاراً موالية إلى جهة معينة، يحاول ان يجعل كل شئ أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى ان تكون وسيلة لأي شئ كان في الكون، ولا يمكن ان تكون لها غاية الاّ رضى الله سبحانه.
وفي الحقيقة، انه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سر الإخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فان أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.
وهناك سبب آخر -من جملة الأسباب الداعية لاجتنابنا هذا هو (الشفقة) التي هي أساس من الأسس الأربعة لرسائل النور- أي عدم التلوث بظلم الآخرين وإضرارهم.
إذ الإنسان - بضمون الآية الكريمة: ﴿ان الإنسان لظلوم كفار﴾(إبراهيم:34) يرد معاملة المقابل له في هذا العصر بلا رحمة وبظلم شنيع مخالفاً بذلك الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(فاطر:18) التي هي دستور الإرادة الإلهية. حيث تتغلب عليه العاطفة والانحيازإلى جهة، وعندها لا يقصر عداءه على المجرم وحده ولا يأخذ بجريرته جميع أقاربه وحدهم، بل أيضاً يعاقب كل مَن له صلة بالمجرم من قريب أو بعيد، حتى انه إذا ما كان له سلطة أو حكم، يبيد قرية كاملة بالقنابل بجريرة مجرم واحد. بينما الإنصاف يقتضي الاّ يُضحّى بحق برئ واحد بسبب مائة مجرم وان لا يُظلم ذلك البرئ بسببهم. ولكن الوضع الحالي يخالف الآية الكريمة، فيقحم مائة من الأبرياء في بلايا وأضرار بسبب بضع مجرمين، فمثلاً:
ان إهلاك والدين عجوزين لمن ارتكب خطأ، وتشريد أطفاله الصغار ودفعهم جميعاً إلى هاوية الفقر والذل ومعاداتهم بالانحياز إلى جهة ما مناف كلياً لأساس الشفقة على الخلق.
فمن جراء الانحياز إلى التيارات الجارية -بين المسلمين- لا ينجو الأبرياء من الظلم بل يشيع شيوعاً كلياً ولا سيما بالأسباب الداعية إلى قيام الاضطرابات والثورات.
ولو كان الجهاد قائماً وهو جهاد إسلامي، فان حال أطفال الكفار تبقى على وضع آبائهم، وربما يكونون من الغنائم ويتمكن المسلمون ان يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم. ولكن لو ارتد أحد داخل ديار المسلمين، فلا يُمتلك أطفاله قطعاً. ولا يجوز التجاوز على حقوقهم بأي شكل من الأشكال. لأن أولئك الأبرياء إنما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين، برابطة الإسلام، التي انقطعت عن والدهم.أما أولاد الكفار فرغم انهم من أهل النجاة، فانهم يتبعون والدهم في الحقوق والحياة. لذا ربما يكونون أسراء أو مماليك عبيد في أثناء الجهاد الإسلامي.(1)(*)
__________________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/243
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:364
98-)
تضاعف الثواب
رسائل من سجن دنيزلي
تضاعف الثواب
إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
لما كنتم قد ارتبطتم برسائل النور نيلاً لثواب الآخرة، واداءً لنوع من العبادة، فلا شك ان كل ساعة من ساعاتكم - تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة - تصبح في حكم عبادة عشرين ساعة، والعشرين ساعة من العمل في خدمة القرآن والإيمان - لما فيها من جهاد معنوي - تكسب أهمية مائة ساعة، والمائة ساعة التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من اخوة طيبين - كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص- وعقد أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم -بالقوة المعنوية - والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَراً، وتناوله رزقه المقدّر له فيها، نيلاً للثواب.. تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا، والتجمل بالصبر وتحمل جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة.(1)(*)
_________________________
(1) الشعاعات/365
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:352
99-)
الدعوة إلى آنقرة
1922 م (1340هـ)
الدعوة إلى آنقرة:
حينما تبدلت نشوة (سعيد القديم) وابتساماته إلى نحيب (سعيد الجديد) وبكائه، وذلك في بداية المشيب، دعاني أرباب الدنيا في (آنقرة) اليها، ظناً منهم أنني (سعيد القديم) فاستجبت للدعوة.(1) حيث أرسل مصطفى كمال رسالتين برقيتين بالشفرة إلى صديقي تحسين بك الذي كان سابقاً والياً على مدينة (وان) يستدعيني إلى (آنقرة) لكي يكافئني على قيامي بنشر رسالة (الخطوات الست) فذهبت إليها،(2) سنة 1338(1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، الاّ أنني أبصرتُ -خلال موجة الفرح هذه- زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفتُ من أعماق روحي، وصرختُ مستغيثاً بالله العلي القدير ومعتصماً بسور هذه الآية الكريمة،(3) من هذا الغول الرهيب الذي يريد ان يتعرض لأركان الإيمان، فكتبت برهاناً قوياً حاداً يقطع رأس تلك الزندقة، في رسالة باللغة العربية واستقيت معانيها وأفكارها من نور هذه الآية الكريمة لإثبات بداهة وجود الله سبحانه ووضوح وحدانيته، وقد طبعتها في مطبعة (يَني گون) في آنقرة.. الاّ أنني لم ألمس آثار البرهان الرصين في مقاومة الزندقة وإيقاف زحفها إلى أذهان الناس. وسبب ذلك كونه مختصراً ومجملاً جداً، فضلاً عن قلة الذين يُتقنون العربية في تركيا وندرة المهتمين بها آنذاك، لذا فقد انتشرت أوهام ذلك الإلحاد واستشرت في صفوف الناس مع الأسف الشديد...(4)
((أجل إن الهدف الذي كان يصبو إليه بديع الزمان منذ نعومة أظفاره والأمل الذي كان يحدوه وهو في طريقه إلى آنقرة هو حصول صحوةإسلامية تعم العالم الإسلامي، هذه الروح العظيمة توضحت في مباحثاته مع مئات العلماء في شرقي الأناضول قبل مجيئه إلى استانبول بل توضح اكثر عند قدومه إليها حتى حيّر السياسيين. ولم تغادره هذه المسؤولية الجسيمة والمهمة الثقيلة والشوق الدائم قط. فكان يأمل أن يكون الإعلان عن الحرية والمشروطية في خدمة الشريعة الغراء، ويكون ذلك تباشير سعادة الأناضول والعالم الإسلامي قاطبة، حتى أنه ألقى الخطب في ضوء ذلك الأمل وكتب المقالات بغية تحقيقه، وظهر ذلك أيضاً في مؤلفاته ولاسيما في (سنوحات، لمعات وغيرها) مما ألفه في تلك المرحلة. وكان لا يتواني من التصريح أن أعظم صوت مدوٍ في المستقبل هو صوت القرآن العظيم.
ولكن سقوط الدولة العثمانية التي أخذت على كاهلها خدمة الإسلام بعد العباسيين، وطوال ما يقرب من ألف سنة هزّ العالم الإسلامي هزاً عنيفاً. فاصبح أعداء الإسلام الألداء مستولين على مركز الخلافة وبدأوا باجتثاث جذور الإسلام من الأعماق. إلاّ أن القدرة الإلهية تجلت بإحسانه سبحانه وتعالى على بديع الزمان ليحمل الراية في مثل هذه الظروف الحالكة الحرجة)). ((فأتى آنقرة أملاً من أن يحظى بشئ لصالح الإسلام من المسؤولين فيها وليقدم معاونته لهم ، إذ كما كانت حرب التحرير حرباً إيمانياً لطرد الأعداء إلى خارج البلاد بعون الهي كان يأمل أن تستند الحكومة الجديدة إلى القرآن مباشرة في دفع عجلة الأمور في البلاد وتجعل وحدة العالم الإسلامي مرتكزاً لها وتظهر الحضارة الإسلامية الكامنة في حقيقة الإسلام بأجلى مظاهرها مادةً ومعنىً)) و((لكن عندما وصل آنقرة واستقبل استقبالاً حافلاْ من قبل المسؤولين - من نواب ووزراء - والأهلين، شاهد ما لم يأمله، حيث لمس عدم الإهتمام بالدين في البرلمان وعدم اكتراثهم بالشعائر الإسلامية. فدعاهم ببيان إلى ضرورة العبادة ولاسيما الصلاة ووزع البيان إلى أعضاء المجلس وقرأه على مصطفى كمال الجنرال كاظم قره بكر)).(5)
((كان من تأثير هذا البيان ان استقام على إقامة الصلاة ستون نائباً، حتى ان الغرفة التي كانوا يؤدون فيها الصلاة لم تعد تسعهم فاتخذوا غرفة أوسع منها لإقامة الصلاة)).(6) (*)
____________________________________
(1) اللمعات/ 351
(2) الشعاعات/419-421
(3) المقصود: ﴿أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾
(4) اللمعات/ 267
(5) T.Hayat, ilk hayatı. كان وصول الأستاذ أنقرة في 22/11/1922 ووزع البيان في 19/1/1923 وهو محفوظ في سجلات المجلس النيابي الذي تأسس في 23/4/1920
(6) T.Hayat, ilk hayatı
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص (163)
100-)
طلب من رئيس المحكمة
في سجن دنيزلي
إلى السيد علي رضا رئيس المحكمة المحترم!
طلب من رئيس المحكمة
لكي أستطيع الدفاع عن حقوقي فإنني أتقدم بطلب وبرجاء مهم:
إنني لا اعرف الحروف الجديدة، كما ان خطي في الحروف القديمة غير جيد، ثم انهم منعوني من لقاء الآخرين ومواجهتهم. أي أنني أكاد أكون في عزلة كاملة او في سجن انفرادي.. إلى درجة انهم سحبوا مني ورقة اتهام الادعاء العام بعد ربع ساعة فقط من إعطائها لي. كما أنني لا أستطيع من الناحية المالية الاستعانة بمحام. وما قدمت لكم دفاعي الا بعد مشقة كبيرة، ولم استطع ان احصل على نسخة من هذا الدفاع بالحروف الجديدة الا بصورة سرية. وكنت قد أمليت كتابة رسالة (الثمرة) ”التي هي بمثابة دفاع عن (رسائل النور) وبمثابة خلاصة مسلكها“ لكي أقدمها إلى الادعاء العام وارسل منها نسخة او نسختين إلى الجهات الرسمية في (آنقرة). ولكنهم سحبوها منى ولم يعيدوها اليّ. بينما كانت الجهات العدلية في محكمة (اسكى شهر) قد قامت بإرسال آلة طابعة إليّ في السجن، فاستطعنا كتابة بضع نسخ من دفاعي بالحروف الجديدة، كما قامت المحكمة نفسها بالكتابة ايضاً...
ان الأصابع التي تحارب رسائل النور من خلف الأستار هي الأصابع الأجنبية التي تحاول تحطيم وكسر الود والمحبة والاخوة التي يكنها العالم الإسلامي نحو هذه الأمة في هذا الوطن. هذه المحبة والاخوة التي تعد اكبر قوة لهذه الأمة. لذا فلكي يتم تحطيم هذه المحبة وهذه الاخوة وتبديلها وتغييرها إلى بغض ونفور فان هناك أصابع تحاول استغلال السياسة وجعلها آلة ووسيلة لتشجيع الإلحاد والكفر المطلق، وهي بذلك إنما تقوم بعملية خداع للحكومة. وقامت مرتين بعملية تضليل للعدالة عندما تقول لها: (ان طلاب رسائل النور يستغلون الدين من اجل السياسة وان هناك احتمالاً ان يتضرر من ذلك أمن البلد)..(1)(*)