Most Read in the Category of قالوا عن النورسي

1-) صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

سيرة حياته: ما بين سعيد القديم  في  المرحلة الأولى من حياته  1293 هـ 1343 هـ  الموافق لـ 1876 م - 1926 م، وسعيد الجديد في المرحلة  الثانية  من حياته 1343 هـ 1379ه-  ينبغي  تتبع حياته  بحثا عما يحقق فرضية التصوف  في حياته سلوكا أو قربا أو تتلمذا.

سعيد القديم / الحياة الأولى:

-  اشتهر سعيد النورسي منذ طفولته بذكاء خارق أهّله لإتقان علوم الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وغيرها من العلوم.

- وينقل عنه تلامذته أنه كان ميالا للبيئة الصوفية، إذ كانت الطريقة النقشبندية شائعة في تركيا.

- طلب من السلطان عبد الحميد تأسيس مدرسة دينية علمية (مدرسة الزهراء لخدمة القرآن).

- قاد فرقة الأنصار وكان مرشدأً لها.

- انتقل سنة 1923 م إلى "وان" قرب إحدى خرائب مهجورة قديمة على جبل "أرك"، واستمر في الاعتكاف والانزواء، وكأن الله يهيئه لمواجهة الخطوب الهائلة والأعاصير المدمرة التي أوشكت أن تهب على الإسلام. (1)

- رفض الاشتراك في ثورة الشيخ " سعيد بيران " ضد مصطفى كمال، لعدم رغبته في إهراق دم المسلمين الأبرياء في حركة لا أمل فيها(2).

هذه ملامح  حياة سعيد القديم ذكاء ونبوغا وموسوعية في العلوم، وخدمة للقرآن، وميلا إلى البيئة الصوفية، وميلا إلى الاعتكاف والانزواء،  ورفضا للثورات التي تريق دماء المسلمين، هي ملامح  تمكن من القول بنشوء قيادة  دينية لم تتضح معالمها بعد.

سعيد الجديد / الحياة الثانية:   

- في منفاه بمدينة " بارلا " من أعمال " اسبارطة "  الذي أرادوه منفى تخبو فيه جذوة النورسي ويخمل ذكره، كان ميلاد سعيد الجديد وميلاد رسائل النور التي استغرقت  طوال حياته.

- في منفاه تظهر بعض علامات التصوف:

1-  قلة الطعام، "  كان الأستاذ معتل الصحة دائما، وكان قليل الإقبال على الطعام، بل يمكن القول بأنه قضى عمره كله وهو نصف شبعان ونصف جائع، إذ كان يقضي  يومه الكامل بإناء صغير من الحساء مع كسرات من الخبز، وقضى حياته كلها على ما ادخره سابقا من الليرات الذهبية وعلى الاقتصاد الكامل والبركة الربانية "(3).هذه البركة  الربانية يبحث عنها النورسي في اللمعة التاسعة عشرة قائلا: " ومن الجدير بالملاحظة أن قسما من أولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدين بعد سنتين، لعد التزامهم بالاقتصاد، إلا أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني - ولله الحمد - ببركة الاقتصاد إلى ما بعد سبع سنوات، فلم ترق مني ماء الوجه، ولم تدفعني  لعرض حاجتي إلى لناس، ولم تفسد علي ما اتخذته دستورا لحياتي وهو " الاستغناء عن الناس "(4).

2- الخلوة في الجبال وبين الأشجار: " كان يقضي أكثر وقته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع و الصيف إلى جبال " جام "، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الأشجار متأملا ومتعبدا"(5).

3– العزلة والوحشة: يقول عنها النورسي نفسه " حينما كنت في منفاي ذلك الأسر الأليم بقيت وحدي منفردا منعزلا عن الناس على قمة جبل  ( جام ) المطلة على مراعي ( بارلا ) .. كنت أبحث عن نور في تلك العزلة. وذات ليلة، في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة، المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرتفع، إذا بشيخوختي تشعرني بألوان وأنواع من الغربة المتداخلة - كما جاء ذلك في المكتوب السادس بوضوح - ففي سكون تلك الليلة حيث لا أثر و لا صوت سوى ذلك الصدى الأليم قد أصاب صميم مشاعري، ومس أعماق شيخوختي وغربتي "(6).

4- الحزن طريق الإيمان  بالله" ومن خلال هذا الحزن الذي يمازجه الحزن، بدأت  أبحث عن نور، وعن قبس أمل، وعن باب رجاء، وسرعان ما جاء " الإيمان بالله " لنجدتي ولشد أزري، ومنحني أنسا عظيما بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي أضعافا مضاعفة لكان ذلك الأنس كافيا لإزالتها "(7).

-  ورغم صدور كلمات  منه تنبئ عن علامات  فارقة لرؤيته للتصوف، لكونه تصوف النورسي المبدع والعبقري، نذكر من هذه العلامات الفارقة براءته من أن يكون شيخ طريقة :

-  " لقد سألتم: هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية ؟ وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة. إن كثيرين يدخلون الجنة بغير الانتماء إلى طريقة صوفية، ولكن لا يدخل أحد الجنة بغير إيمان "(8).

- " إنني لست بشيخ طريقة، فالوقت الآن ليس وقت طرق صوفية بل وقت إنقاذ الإيمان "(9).

- " إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين "(10).

-  " أعوذ بالله من الشيطان والسياسة " شعار رفعه النورسي بعد انسحابه من ميدان السياسة، وانتقاله إلى سعيد الجديد.

-  "  الطريق الصحيح الوحيد هو طريق الإسلام من دون أن يدخل بنفسه إلى ساحة السياسة بل بقي أيضا بعيدا عنها يصرف كل جهده لتربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر، مع تنبيه مستمر إلى طلبته أن يتخذوا العمل الإيجابي البناء شعارا لهم دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها(11).

ما بين تصريح النورسي بأنه ليس شيخ طريقة، وأن الإيمان طريق الجنة  دون انتساب لطريقة، وبين بناء مدرسة نورانية مستمدة من الإسلام وعلومه، والدعوة إلى العمل الإيجابي البناء،  تتضح المعادلة التي تحقق منهجا بديعا لتصوف النورسي: طريقا إلى الإيمان  وعملا إيجابيا دون انتساب لشيخ أو طريقة. تلك بداية التحقق من فرضية  " النورسي صوفي " بإطلالة على حياة النورسي القديم والجديد، الميال إلى العزلة، والمبتعد عن شيطان السياسة، وداعي السلطان عبد الحميد إلى تأسيس مدرسة دينية علمية في شرقي الأناضول ( مدرسة الزهراء)، ثم إبداع رسائل النور التي راجت  رواجا كبيرا، وأصبحت آلاف النسخ اليدوية تنتشر في القرى والنواحي والمدن، فتكسب آلاف الأنصار وتشعل جذوة الإيمان في آلاف القلوب، وهي الرسائل التي "فرضت (حركة ا لنور) على واقع المجتمع التركي، فلم يعد بوسع أحد أن يتجاهلها، فهذه المحاكم المتلاحقة للأستاذ بديع الزمان ولطلابه لم تستطع أبدا أن تكون سدا مانعا أمام هذه الحركة، بل شاءت حكمة الله أن تكون هذه المحاكم نفسها وسيلة فعالة في نشر رسائل النور "(12).

____________________________

(1) بديع الزمان النورسي  إحسان قاسم الصالحي ص 57.

(2) نفسه ص 58.

(3) نفسه ص 68.

(4) اللمعات  ص 215.

(5) نفسه ص 68.

(6) نفسه ص 69.

(7) اللمعات ص  349.

(8) نفسه  ص 83.

(9) نفسه ص 73.

(10) نفسه ص 89.

(11) نفسه ص 109.

(12) نفسه ص 110.


2-) جوانب من حياة بديع الزمان سعيد النورسى

جوانب من حياة

بديع الزمان سعيد النورسى

احسان قاسم الصالحي

مركز بحوث رسائل النور

استانبول

إن حياة بديع الزمان سعيد النورسي حافلة بالأحداث الجسام إلا أننا نوجزها بالآتي فنقول:

إنه عاصر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفترة الإتحاد والترقي وأحداث الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ثم العهد الجمهوري والحزب الواحد الحاكم ثم فترة تعدد الأحزاب وحياة ديمقراطية في البلاد.

فقد ولد سعيد النورسي سنة 1293 هـ (1876م) في قرية (نورس) التابعة لولاية بتليس شرقي الأناضول. وتتلمذ على أخيه الكبير (الملا عبد الله) واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو، ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذ والمدارس، ويتلقى العلوم الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم، يرفده ذكاؤه المشرق، الذي اعترف به أساتذته جميعهم بعد إمتحانات صعبة، كان يجريها له كل منهم، واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة، حتى أنه درس وحفظ كتاب (جمع الجوامع) في أصول الفقه في أسبوع واحد.

ولم تلبث شهرة هذا الشاب ان انتشرت بعد ان فاق في مناقشاته علماء منطقته جميعا، فسموه (سعيد المشهور). ثم ذهب إلى مدينة (تللو) حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروزابادي إلى باب السين.

وفي سنة 1892م ذهب إلى (ماردين) ؛ حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي فأصدر أمرا بإخراجه، وسيق إلى (بتليس). فلما عرف واليها حقيقة هذا الشاب العالم ألح عليه ان يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية، لاسيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو، حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.

ثم ذهب إلى مدينة (وان) سنة 1894م وانكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ ؛ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها وذلك حينما احس في أثناء مجالسته مع بعض المثقفين أنه بحاجة إلى الاغتراف من تلك العلوم فأطلق عليه أهل العلم (بديع الزمان) اعترافا منهم بذكائه الحاد وعلمه الغزير واطلاعه الواسع.

كان الفكر المادي قد بدأ يجتاح العالم كله، ووجهت العلوم الحديثة وجهة بعيدة عن الدين بل مناهضة له. وأخذ العالم الإسلامي يئن تحت وطأة هذا الغزو الفكري. والدولة العثمانية لم تعد قادرة بمؤسساتها القديمة على الوقوف أمامه، وحل المشكلات المستعصية التي أفرزه. وبلغ الأمر إلى الهجوم على القرآن الكريم نفسه، حتى نشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) قد صرح في مجلس العموم البريطاني مخاطبا النواب قائلا : (ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود او نقطع صلة المسلمين به). زلزل هذا الخبر كيان بديع الزمان وأقض مضجعه فعلم ان القرآن مستهدف، فأعلن لمن حوله : (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لايخبو سناها ولايمكن إطفاء نورها). فشد الرحال إلى إستانبول عام 1907م، وقدم مشروعا إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء)-على غرار الأزهر الشريف- تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية الحديثة وفق مقولته :(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلم الحديثة، فبإمتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك)  .

وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة وبانهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحدا، حتى أن احدهم عبر عن إعجابه الشديد بعد ان اختبره اختبارا دقيقا، قال : (إن علمه ليس كسبيا، وإنما هو هبة إلهية، وعلم لدني).

وفي سنة 911م ذهب إلى بلاد الشام، وألقى خطبه بليغة من على منبر الجامع الأموي دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبين فيها أمراض الأمة الإسلامية وسبل علاجها، ثم رجع إلى استانبول وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الإسلامية على السلطان رشاد، فوعده السلطان خيرا، وفعلا خصص المبلغ فشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة (وان)، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع.

وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أعلنت شكل من طلابه والمتطوعين فرق "الأنصار" وخاضوا غمار الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وألف في خضم المعارك تفسيره القيم (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) باللغة العربية، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة (بتليس) كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعا مستميتا، حتى أنه جرح جرحا بليغا، وأسر من قبل الروس وسيق إلى معتقلات الأسرى في قوصتورما.. (في سبيريا). وهناك استمر على إلقاء دروسه الإيمانية على الضباط الذين كانوا معه والبالغ عددهم (90) ضابطا. وبعد نشوب الثورة البلشفية والاضطرابات التي نجمت منها تمكن من الهروب من الأسر بأعجوبة نادرة وبعناية ربانية واضحة. مارا في طريقه بوارشو وألمانيا وفينا. وعندما وصل إلى استانبول منح وسام الحرب، واستقبل إستقبالا رائعا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية. وكلفته الدولة بتسنم بعض الوظائف، رفضها جميعا إلا ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في (دار الحكمة الإسلامية)، التي كانت لاتوجه إلا لكبار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته.

وبعد دخول الغزاة إلى استانبول احس النورسي ان طعنة كبيرة وجهت إلى العالم الإسلامي، ولذك شمر عن ساعد الجد، ونشر رسالة (الخطوات الست) سرا هاجم فيها الغزاة بشدة، وأزال دواعي اليأس الذي خيم على كثير من الناس. حتى حكم عليه بالإعدام غيابيا من قبل الغزاة الإنكليز.

ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دعي إلى أنقرة عدة مرات. ويصف دعوته هذه بالآتي:

"دعيت لزيارة أنقرة سنة (1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلا أنني أبصرت-خلال موجة الفرح هذه- زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفت من أعماق روحي، وصرخت مستغيثا بالله العلي القدير..."  .

وهناك وجد أن معظم أركان الدولة لايؤدون حتى الفرائض الدينية، فوجه إلى المجلس النيابي (مجلس المبعوثان) بيانا مؤثرا إستهله بـ"أيها المبعوثون إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". وحصلت بينه وبين مصطفى كمال مشادة قوية. وعرض على المجلس أيضا مشروع إنشاء الجامعة الإسلامية فلقي القبول، إلا أن ظروفا سياسية حالت دون إكمال المشروع.

تيقن بديع الزمان أن الإصلاح لايمكن أن يتم في الأروقة السياسية مع فساد الأسس وضعف الإيمان. فتوجه إلى مدينة (وان) سنة 1923م، واعتزل الناس في جبل (أرك) القريب منها، طوال سنتين متعبدا ومتأملا. وفي هذه الفترة تشكلت الحكومة الجمهورية   بعد إلغاء الخلافة  . ثم قام الشيخ (سعيد بيران النقشبندي) بالثورة ضد السلطة آنذاك  ، وأشار إليه بديع الزمان أن يعدل عن موقفه هذا حيث ستسفك دماء بريئة، ولكنه لم ينتصح بنصيحته، وفعلا أريقت دماء زكية دون جدوى. وأخمدت الثورة، وعلى إثرها سنت القوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون من الزمان. فمنع تدريس الدين في المدارس كافة، وبدلت الأرقام والحروف العربية في الكتابة إلىالحروف اللاتينية، وحرم الأذان الشرعي وإقامة الصلاة باللغة العربية، وجرت محاولات ترجمة القرآن الكريم وسعي لقراءة الترجمة في الصلوات. كما أعلنت علمانية الدولة، فمنع القيام بأي نشاط أو فعالية في صالح الإسلام، إذ حظر طبع الكتب الإسلامية، وأرغم الناس على تغيير الزي إلى الزي الأوروبي، فالرجال أرغموا على لبس القبعة والنساء على السفور والتكشف.. وشكلت محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق لعلماء أجلاء، ولكل من تحدثه نفسه بالإعتراض على السلطة الحاكمة.

ورغم موقف بديع الزمان ذاك من الثورة، إلا انه لم ينج من شرارة الفتن والإضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى غربي الأناضول، إلى مدينة (بوردور). ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي (بارلا) في جنوب غربي الأناضول ووصل إليها سنة 1927م.

ظن أعداء الإيمان سيقضى عليه في (بارلا) تلك القرية النائية، ويخمد ذكره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت (بارلا) مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن الكريم، إذ ألف الأستاذ النورسي هناك معظم (رسائل النور). وتسربت هذه الرسائل عن طريق الإستنتساخ اليدوي سرا، وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها.

ولإلتزامه هو وطلابه بالأذان الشرعي والحروف العربية ولإنتشار الرسائل الإيمانية الواسع. سيقوا من منفى إلى آخر، وزجوا في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، فكان المولى القدير يقيض لهذه الرسائل القرآنية من يستنسخها، وينشر هذا الفيض الإيماني، حتى أيقظت روح الإيمان الراكدة لدى أهل الإيمان، وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص.

 وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م فأصبحت في (130) رسالة، جمعت تحت عنوان (كليات رسائل النور). ولم تتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلا بعد سنة 1954م وكان يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها.

لبى الأستاذ النورسي نداء ربه الكريم في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 آذار 1960م في مدينة (أورفة). ولكن السلطات العسكرية الحاكمة لم تدعه يرتاح حتى في قبره، إذ قاموا-في أوائل شهر تموز-بنبش قبره ونقل رفات هذا العالم الجليل بالطائرة إلى جهة مجهولة، بعد أن أعلنوا منع التجول في مدينة (أورفة) وملؤوها بالجنود المدججين بالسلاح.

تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.

سعيد القديم وسعيد الجديد:

يطلق الأستاذ النورسي على نفسه "سعيد القديم" قبل تأليفه لرسائل النور (سنة 1927م) حيث كان يأمل ان الإصلاح وخدمة الدين يمكن ان يكون في بعث الروح في مؤسسات الدولة الإجتماعية والدينية بالطرق السياسية. بينما يعد نفسه بعد تلك السنة "سعيدا الجديد" الذي تولى مهمة إنقاذ الإيمان وترسيخه في القلوب والأذهان، باسلوب منطقي علمي قلبي فطري برسائل النور المستلهمة من فيض القرآن الكريم، وبالالتزام التام بالإخلاص لله، بعيدا عن الأجواء السياسية.

آثـــــاره :

ترك الأستاذ النورسي وراءه موسوعة ايمانية رائعة تسد حاجة هذا العصر وتخاطب مدارك ابنائه، تلك هي "رسائل النور" التي استقاها من فيض نور القرآن الكريم، فهي :

تفسير شهودي للقرآن الكريم، يعتمد على حقائق الآيات الكريمة، وإثبات معانيها، بتوضيحها من خلال استشهادات يتحاور فيها العقل والقلب، وتمتزج فيها الروح واللطائف الأخرى. فهي تفسير لمعاني القرآن الكريم أكثر مما هو تفسير لألفاظ الآيات الكريمة وعباراتها، تعالج القضايا والمقاصد الأساسية التي يدور عليها القرآن الكريم وهي : التوحيد والنبوة والآخرة والعدالة. وتدحض في الوقت نفسه اباطيل الفلاسفة الاوربيين وشبهات اعداء الإيمان حول القرآن والإيمان من أساسها، وتثبت حقائق القرآن والإيمان وأركانه بدلائل قاطعة وأدلة رصينة وأمثلة واقعية قريبة.

1- آثار سعيد القديم :

التي طبعت منها باللغة العربية :

1- الخطبة الشامية-دواء اليأس-(ط. 1911 و1912)

2- رجتة العوام ورجتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط. 1912)

3- اشارات الاعجاز في مظان الإيجاز (ط. 1918)

4- قزل إيجاز على السلم (ط. 1921)

5- لمعات من التوحيد الحقيقي، رشحات من بحر معرفة النبي (ص)، لاسيما (ط. 1921)

6- قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922)

7- شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط.1922)

8- حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط.1922)

9- زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923)

10- ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922) وذيل الذرة (ط. 1923)

11- حباب من عمان القرآن (ط. 1923)

والتي طبعت منها باللغة التركية :

1- محاكمات (ط. 1911)

2- مناظرات (ط. 1911)

3- ديوان حرب عرفي (ط. 1911 و1912)

4- تشخيص العلة (ط. 1912)

5- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط. 1919)

6- سنوحات (ط.1920)

7- حقيقت جكردكلري/1 (ط.1920)

8- لمعات (ط. 1921)

9- طلوعات (ط. 1921)

10- شعاعات من معرفة النبي (ص) (ط. 1921)

11- رموز (ط. 1921)

12- اشارات (ط. 1921)

13- لمعات (ط. 1921)

14- خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية

15- حقيقت جكردكلري/2 (ط.1921)

2- آثار سعيد الجديد (رسائل النور)

1- الكلمات : تضم 33 كلمة باللغة التركية

2- المكتوبات : تضم 33 مكتوبا باللغة التركية

3-اللمعات : تضم 33 لمعة باللغة التركية

4- الشعاعات : تضم 15 شعاعا باللغة التركية

5- اشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : باللغة العربية (من آثاره القديمة وضمه إلى (رسائل النور)

6- المثنوي العربي النوري (ويضم رسائل من آثاره العربية : لمعات، رشحات، لاسيما، قطرة، ذرة، شمة، حبة، زهرة، شعلة، نور من انوار نجوم القرآن، ونقطة "باللغة التركية")

7- الملاحق في فقه دعوة النور (وتضم : ملحق بارلا، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ 2.1 باللغة التركية)

8-صيقل الإسلام (آثار سعيد القديم) : محاكمات، قزل ايجاز على السلم (في المنطق)، تعليقات على برهان الكلنبوي (في المنطق)، السانحات، المناظرات، المحكمة العسكرية العرفية، الخطبة الشامية، الخطوات الست.

9- سيرة ذاتية باللغة التركية

ولقد من الله علينا بفضله وكرمه ترجمة رسائل النور كاملة إلى اللغة العربية. وحققنا العربية منها على اصولها المخطوطة. كما ترجمت الأربعة الأولى منها إلى اللغة الإنكليزية الأخت الفاضلة شكران واحدة. وترجمت كثير من الرسائل الصغيرة إلى 15 لغة اخرى أو يزيد.

 


3-) موقع رسائل النور من الفكر الإسلامي الحديث

موقع رسائل النور

من الفكر الإسلامي الحديث

د. مهدية أمنوح

أستاذ الفكر والحضارة 

بكلية الاداب والعلوم الإنسانية-تطوان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد مثلت الفترة المعروفة بالحديثة وهي المبتدئة من القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين فترة مصيرية في حياة الشعوب الإسلامية. إذ تراكمت إبانها تجارب عديدة ومتنوعة في كافة الميادين يمكن أن نسميها بالمشكلات الحضارية أو الإشكاليات الحضارية نظرا لكونها لم تجد لها حلولا عملية بعد.

وأهم ما ميز الفكر الإسلامي الحديث في هذه الآونة هو الإلتفاف حول مائدة عامة من القضايا التي كانت تأرق أعلامه وتجد صدى في تجاوب عوامه.

وقد كان لمبادئ الانعتاق والتحرر من التواكل والتحرر من الآخر مساحة كبيرة في برامج هذا الفكر. إذ كان هذان العنصران في توافقهما واجتماعهما بمثابة المكبلان للإنسان الإسلامي والمعيقان له عن الحركة. فنشأ من ثم ما يمكن أن نطلق عليه وفق تعبير أحد الباحثين الإسلاميين" صراعا فكريا" عم حضوره كل البلاد الإسلامية بدون استثناء أسفر عن ظهور مبادئ موازية للمبدأين الأولين من مثل : تحقيق الذات الإسلامية أوترسيخ الهوية (وليس البحث عنها)، والتقدم.

جاءت الدعوة إلى تحقيق الذات الإسلامية التي غاب حضورها الفعلي بشكل مريب ؛ وذلك قصد التخلص من حالة نفسية عويصة للغاية تصور فيها الإنسان الإسلامي ذاته شبحا مخيفا أو ظلا باهتا وإعداد وضع صحي تغيب فيه الدونية والانفصام وذلك بإكساب الإنسان المسلم شجاعة كافية كي يتقدم إلى العالم كله باسمه الحقيقي وشكله الأصلي وانتمائه الأصيل وهو عين المبدإ الثاني الذي سميته بترسيخ الهوية عوض البحث عنها، نظرا لأن أصالة العالم الإسلامي لم تضع منه كي يبحث عنها. بل إنه كتمها إما قسرا وقهرا أو ضعفا وتواكلا.

وهنا تظهر مسألة الصراع الفكري على مسرح أحداث العالم الإسلامي بإثارة مبدإ ثالث هو ضرورة التقدم وكيفية تحقيقه في غياب وصاية الآخر المذمومة والمحبطة للطاقات الإسلامية.

إذا ثبت هذا عند حديثنا عن الفكر الإسلامي بصفة عامة في هذه الإبان فإن هناك عناصر خاصة تميز نوعا من الفكر الإسلامي عن نوع آخر وذلك بحسب التنوع البيئي بما فيه السياسي والاجتماعي و... العلائقي في الداخل والخارج.

ولنا في "رسائل النور" التي ألفها الأستاذ سعيد النورسي أنموذجا مفصلا وشاهدا في هذا المقام. إذ هي عبارة عن مادة مكثفة من المقالات والخطب والخواطر والتحليلات والتفسيرات التي انصب جزء كبير منها إن لم أقل جلها في تفسير القرآن الكريم. وما تسميتها برسائل النور إلا لكونها تطمح إلى الاقتباس من نورانية هذا الكتاب بدورانها في فلكه وقربها منه. فقد "شقت رسائل النور طريقها إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحت سبيلا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية، حجج علمية وكشفت طريقا مباشرا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام والعقيدة وأصول الدين" .

والقارئ قد يحار تجاه التعريف للرسائل. ما هي هذه المادة بالضبط؟ أهي تصوف أم كلام، خاصة حينما يطلع على كلام صاحبها : "لقد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة فالبدع تحول دون ذلك، مفكرا في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة– بل الألزم له – أن يدخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق وتضم خلاصة الطرق الإثنتي عشرة المهمة ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة. حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لايلج في الإلحاد بسهولة ولايقهر قلبه. ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدا فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقا، بشرط ألا يدخلوا – حسب المستطاع - في البدع ولايرتكبوا الآثام التي تحول دون التقوى وتجرحها".

إنها ليست شيئا من هذا بل إنها هذا كله. فقد توسل الخطاب في رسائل النور بإمكانيات منهجية ومعرفية إسلامية كثيرة خاصة منها منهج الجدل ومنهج الذوق. إذ أن الاستفادة من القدامى في هذين البابين واردة لا محالة. بل إن مؤلف الرسائل الأستاذ سعيد النورسي يعطيها أكثر من حظ القدامى والمحدثين أيضا حين يدعو أهل التصوف إلى الانضواء تحت ظلال رسائل النور إيمانا منه بكون الرسائل أقرب إلى الحقيقة القرآنية والربانية من غيرها. فقد جعلت محورا لها التفكر في الآفاق وفي الأنفس وفق ما ورد في القرآن الكريم.

وعن هذا التفكر يرى النورسي أن رسائل النور تبين أن الموجودات قاطبة إنما هي مظاهر الأسماء الحسنى بحيث لاتدع مجالا للغفلة قط. فلا شيء يكون حائلادون السكينة والإطمئنان. لذا تكسب قارئها مرتبة واسعة من الاطمئنان سعة الكون كله وتفتح أمامه دائرة عبودية واسعة ودائمة سعة الكون أيضا كما أنه -أي النورسي- يؤيد التفصيل في التفكر في الأنفس ويرى أن الطريق هو أقصر من التفكر في الآفاق وقطعي أيضا.

حتى إنه عندما يعرف النتيجة التي يتم التوصل إليها بالتفكر النفسي بمرتبة حق اليقين. وقد قام المؤلف بإضافة قسم بعنوان "شهادة الماهية الإنسانية" إلى خلاصة الخلاصة التي هي بمثابة خلاصة بالعربية للآية الكبرى التي تشكل مثالا في التفكر الآفاقي  ويبين أسباب هذه الإضافة في أحد مكاتيب أميرداغ على الشكل التالي :

"نعم إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناء قراءتي لخلاصة، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جدا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات بإيمان واطمئنان ووجدان جازم شهودي وإذعاني وبسهولة ويسر" .

وهكذا مهما حاولنا ضبط تعريفنا لرسائل النور فإننا لن نصيب إذا لم نتتبع وحداتها أو فقراتها بالبحث في ضوء الأحداث والظروف التي كانت تمر بها تركيا عندئذ. فقراءة هذه الرسائل في ذاكرة الفكر الإسلامي في عموميته أمر فيه مغالطة كبيرة. بل إن الاحتفاظ بالخصوصية الكاملة والتامة لفكر هذه المكتوبات هو الشرط الأساس لوضع أقدام القارئ على السبيل الصحيح (المواضيع تكاد تكون واحدة لكن أسلوب المعالجة والأولويات في ترتيب العناصر وغير ذلك ليس واحدا). فجميع المفكرين في إصلاح أوضاع العالم الإسلامي تطرقوا لمواضيع الاستبداد، والتعليم والعدل، والتنمية، و... ولكن ما قاله محمد عبده يتميز عما قاله محمد إقبال وعما قاله غيرهما. إذ لكل واحد في إطار بيئته اصطلاحاته الشارحة والباحثة عن الحلول.

وعليه أقول، إنها محاولة لتفسير القرآن وتفكر في آيات الآفاق والأنفس، أي نعم. لكن مع ايقاع أو جرس الزمن الإجتماعي والسياسي والحضاري لتركيا الحديثة بهدوئها وضجيجها، بمدها وجزرها.

وخير ما يعكس هذه الصورة سفر صيقل الإسلام في مواضع متنوعة حيث يقول الأستاذ سعيد في إحدى الفقرات "لقد ألقيت نظرة إلى رسالة "المناظرات". وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها فرأيت فيها وفي مؤلفات "سعيد القديم" أخطاء وهفوات. إذ ألف تلك الآثار في حالة روحية ولدها الانقلاب السياسي وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به" .

فلقد أحس بإحساس مسبق أن "رسائل النور" ستنقذ ايمان كثير من المؤمنين وستشد أزرهم... إلا أنه نظر إلى هذا النور من خلال الأحداث السياسية التي واكبت الانقلاب، وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل ... إلا أنه لم يوفق في التعبير عن بشراه توفيقا كاملا .

-كأننا برسائل النور-على لسان مؤلفها- في التجارب  تستعجل أمرا لم يحن أوانه بعد.

ولكن بحلول الحرب العالمية وخضها للمجتمع التركي وخاصة منه تلك العناصر التي كان النورسي يعول عليها في تدشين فجر جديد. تبين له الأمر. فعاد "سعيد الجديد" إلى الاستمرار في مهامه وخالف "سعيدا القديم".

ولا أرى هذه المخالفة إلا في وجهة واحدة هي الوجهة السياسية أما فيما عدا ذلك فنهج رسائل النور بقي حاملا للروح المبشرة والمؤمنة بغد أفضل بثقة كبيرة وعزم أكيد.

"إنني أقسم بما آتاني الله من قوة بل لو كان لي ما لا يعد ولا يحصى من الألسنة لأقسمت بها جميعا، بالذي خلق العالم بهذا النظام الأكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات إلى السيارات، السابحات في أجواء الفضاء. ومن جناح البعوضة إلى قناديل النجوم المتلألئة في السماوات... لايمكن أن يخرج البشر على سنة الله الجارية في الكون ويخالف بقية إخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضي بغلبة الشر على الخير... فهذا لايمكن قطعا"  (فالنصر آت لا محالة)

وتقرير مثل هذا مسند بقسم غليظ لا يمكن أن يصدر إلا ممن يعرف موطئ أقدامه ونتيجة منطوقه.

والشئ نفسه نلحظه في كيفية تعليله للمسألة الحضارية حيث يطرح السؤل التالي :

ما الشر الذي جعل العالم الإسلامي يقف على أعتاب القرون الوسطى بينما طار الأجانب والأوربيون بخاصة نحو المستقبل؟!.

الأمر في تمثله راجع إلى مجموعة من الأدواء التي يعاني منها المسلمون في عهده (وإلى يومنا هذا) من مثل :

1- اليأس : يأس الفرد بالتراكم (=يأسا مركبا) عبر سنين متعددة، ترتب عنه وضع نفسي عويص.

2- الكذب : وهو أنواع كثيرة ومراتب متفاوتة..

3- العدوانية والتباغض وهي ظاهرة نفسية تدل على فقدان التوازن على مستوى شبكة العلاقات الاجتماعية.

4- الجهل بما عند المسلمين من روابط نورانية وخاصة تلك التي تربطهم بالآخرة أو بالحياة الأخرى.

5- الاستبداد وهو حالة نفسية قبل أن تكون سياسية.

6- الذاتية أو حب الذات والظهور.

وبعد. فموقع هذه الرسائل يظهر في كونها متفتقة وصادرة عن واقع مصدوم حيث إن صدمته أتته من : -تكرار الفشل في تسمية الأشياء بأساميها الحقيقية ومن الفشل في إعادة الإنسان الإسلامي إلى موضعه الأصلي.

- فمثلت من ثم رد فعل بناء حول الفرد إلى أمة حيث ظهرت نتيجة ذلك في المجتمع التركي المعاصر.

ودلت أيضا على رد فعل بناء حول الفكرة إلى تجربة ناجحة من ناحية الكيف وذلك من خلال السلوك العملى لطلبة النور في واقع تركيا الاجتماعي.

وخلاصة الخلاصة أن كاتب الرسائل عاش بين الأفكار الخادعة والأفكار المخدوعة بحثا عن - وأملا في تحقيق :- قاعدة مجتمعية شرعية ثابتة لاينخرم فيها أي شرط من الشروط التي تحقق الحياة الكريمة والأخرى السعيدة وذلك بتوفير عنصري : - الأمن، والعدل.

لأجل رد الظلم ودفعه عن الإنسان (وخاصة المسلم). ونجد في ثنايا هذا الحديث تذكير بما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته قائلا:

"لاتحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المقصود بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه" اهـ .


4-) أهل الكتاب والقرآن قراءة في ضوء رسائل النور

أهل الكتاب والقرآن

قراءة في ضوء رسائل النور

أ.د. عبد العزيز شهبر*

1876 ـ 1960هذه هي الفترة الزمنية التي عاش فيها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله. وهي فترة حبلى بالأحداث الكبيرة. وخلالها برز اسم بديع الزمان أستاذا مجددا ومرشدا ومعلما كثر طلابه وعظم تأثيره .

وفي حمأة محاولات الإطاحة بدولة الخلافة العثمانية وما تمثله تلك الإطاحة من ضربة للعالم الإسلامي وللخلص من المسلمين (1)، وفي خضم اشتداد شوكة دول المـنـظـومـة الفكرية المسيحية ، وازدهار أطروحات الاستعمار واستفحال دعاوى الانتصار للفكر القومي والدولة الوطنية القومية ، وتنامي المد الشيوعي وانتشار الصهيونية(2)، وتأسس الأحلاف وانتظامها في معسكر شرقي ماركسي وآخر غربي أطلسي رأسمالي ليبيرالي . . . في خضم كل ذلك ، أبى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلا أن يبني فكرا إسلاميا تجديديا (3) يقارع كل تلك الدعاوى انطلاقا من معجزة القرآن الكريم ومعانيه الخالدة.

إن علم الأستاذ النورسي خلاصة تأمل عميق في آي كتاب الله المبين، وعصارة تدبر وتفكر في أسرار الذكر الحكيم. تدبر وتأمل ارتبط فيهما الإيمان بالعقل، فكان أن تمثل كل ذلك في أسلوب من التأليف عجيب وفي طرائق من التفسير غير مسبوقة، وكانت (رسائل النور) آية «ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم وأثبتت ما كان يظن بعيدا عن العقل كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني للمعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حضيرة الإيمان ، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم ـ وما حوله ـ بأجمعه سيكون ذا علاقة بها …» .(4)

 

لقد اجتهد الأستاذ النورسي رحمه الله عبر رسائل النور وآثار أخرى، واستطاع أن يبين للعالم ثبات حقائق القرآن الكريم وانفتاح أسلوبه على كل العصور وكل الثقافات حتى الثقافة الحديثة. واستطاع أن يؤسس نسقا فكريا واجه الطروحات المعاصرة وبين أن الفكر الإسلامي فكر يقبل التجدد والتطوير دون أن يبتعد عن الأسس القرآنية الثابتة . وقد استوقفتني أثناء قراءتي لآثار النورسي السياقات التي تحدث فيها رحمه الله عن أهل الكتاب وعن النصرانية واليهودية. لقد تشكل موقفه عنهم من خلال ما استخلصه من الآيات القرآنية المتعلقة بهم.

ميز الأستاذ النورسي في رسائله بين فصائل متعددة:

أهل التثليت ،  أهل الضلالة، أهل الغفلة، أهل الكتاب، أهل الهداية، أهل الحقيقة، أهل الإيمان، أهل القرآن . . . وضمن كل خانة من هذه الخانات تندرج جماعة من الناس اختارت لنفسها نهجا وطريقا، ورسمت لها نسقا فكريا خاصا، وتميزت بموقف من الوحي الإلهي وفهم خاص له.

وعلى اختلاف فهمها وموقفها انقسمت أقساما ثلاثة:

قسم فهم مقاصد الوحي ووعى حقائق التنـزيل  فلم يبدل ولم يغير.

وقسم طال عليه الأمد فاتبع هواه وبدل وغير كلام الله عن مواضعه، وبقي جزء من هذا القسم يبحث عن طريق الله وسيدرك لا محالة القسم الأول ويتحالف معه لمحاربة أهل الزندقة. .

وقسم ثالث رأى الضلالة نهجا ومسلكا ومآله الخسران.

وضمن القسم الثاني يدرج الأستاذ النورسي قسما من أهل الكتاب يرى أنهم أحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الكريم. يتعلق الأمر هنا بذلك القسم الذي اقترب من التوحيد؛ يقول : «ستجد النصرانية أمامها الانطفاء أو  الاصطفاء . وسوف تلقي السلاح وتستسلم للإسلام. لقد تمزقت عدة مرات، حتى آلت إلى "البروتستانتية" ولم تسعفها كذلك، وتمزق الستار مرة أخرى، فوقعت في ضلالة مطلقة. إلا أن قسما منها اقترب من التوحيد، وسيجد فيه الفلاح. وهي الآن على وشك التمزق، إن لم تنطفئ فإنها تتصفى وتكون ملك الإسلام ( إذ تجد نفسها أمام الحقائق الإسلامية الجامعة لأسس النصرانية الحقيقية) هذا سر عظيم أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام، وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته».(5)

إن هذه الحقيقة القرآنية تحكم كل السياقات التي يرد فيها ذكر أهل الكتاب وديانات أهل الكتاب. ومادام الدين عند الله الإسلام من آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، ومادام سياق النبوة واحدا، ومادام المصدر واحدا، فإن على أهل الكتاب تصحيح عقيدتهم بالعودة إلى التوحيد الخالص، وليس هناك حسب الأستاذ النورسي معين يمكنهم النهل منه أثناء عملية التصحيح والاندراج في سلك سياق النبوة أوفى من القرآن الكريم. إن النصرانية الحقيقية ليست حسب الأستاذ النورسي إلا تلك التي وردت معالمها في القرآن الكريم ويوم يتدبر أهل الكتاب آيات القرآن الكريم سيلاحظون حقائق كتبهم تتكامل فيه، وسيدركون عندئذ أن لا اكتمال لعقائدهم إلا به. يقول الأستاذ: " إن أهل هذا العصر الذي اغتر بنفسه وأصم أذنيه عن سماع القرآن أكثر من أي عصر مضى وأهل الكتاب منهم  خاصة اْحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ" يا اْهل الكتاب  يا أْهل الكتاب " حتى  كاْن ذلك الخطاب موجه إلى هذا العصر بالذات ،إذ لفظ أهل الكتاب  يتضمن معنى أهل الثقافة الحديثة أيضا ، فالقرِان يطلق نداءه في أجواء  الآفاق و يملأ الأرض و السبع الطباق بكل شدة و قوة و بكل نضارة و شباب فيـقـول : { يا أهل الكتاب تعالوا  إلى كلمة سواء بيننا و بينكم } ".(6)

إن لقاء أهل القرآن و أهل الكتاب أمر قرره القرآن الكريم و حدد عناصره و حدوده: 1- ألا نعبد إلا الله ، 2  –ولا نشرك به شيئا ، 3–ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. وأي لقاء غاب فيه عنصر من تلك العناصر الثلاثة ملغى و نتيجته محددة في قوله تعالى : {فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (7)

يرى الأستاذ النورسي أن عبارة أهل الكتاب تشمل أهل الثقافة الحديثة بكل مكوناتها و توجهاتها. وما دامت هذه الثقافة الحديثة و معها المدنية الحديثة قد استفادت في بنائها من محاسن الأديان السابقة فإنها مدعوة إلى التدبر في القرآن الكريم. و إذا ما كان لها ذلك فسوف تدرك أنها تبقي دون حكمة القرآن ، هذه الحكمة التي تقبل (الحق) نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلا من(القوة)، و تجعل رضى الله و نيل الفضائل غاية و هدفا عوض (المنفعة) و تتخذ دستور التعاون أساسا في الحياة بدلا من دستور الصراع ، و تلتزم رابطة الدين بدلا من العنصرية و القومية السلبية….(8)

إن القرآن وحده استطاع توضيح ذلك الخيط الرابط بين جميع الرسل و الأنبياء السابقين و بين الكتب المنـزلة { قولوا آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهـيـم و إسـمـاعـيل و إسـحاق و يعـقـوب و الأسـباط و ما أوتـي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون}(9) ، انه إذن كتاب جامع لحقائق الكتب السابقة في أصح صيغة و أعجز أسلوب. و ما دام الأمر كذلك فلأهل الكتاب يهودا كانوا و نصارى سواء كانوا من الفريق المتمسك بنصوص الكــتـب المـقــدسة في صـيغـتـها المحـرفـة و المبدلة ،أو كانوا من أهل الثقافة الحديثة ممن انطلقوا من محاسن الأديان و بنوا فلسفات و شرائع ارتضوها منهجا ، مدعوون إلى الوقوف على حقائق القرآن الخالدة و علي دين الإسلام الذي تندرج اليهودية و النصرانية في سياقه { إن الدين عند الله الإسلام}(10) و {ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين}(11) ، و الآية الأخيرة إذا  كانت وفرت في السابق ردا قاطعا على من ادعى نصرانية إبراهيم عليه السلام أو يهوديته ، فإنها جواب على دعاة الدعوة الإبراهيمية في العصر الحديث.

يرى الأستاذ النورسي أن ما ورد من أسس الكتب السابقة في القرآن الكريم دليل على المصدرية الآلهية لهذا القرآن و دليل على نبوة محمد عليه الصلاة و السلام ، و هو أمر يمكن لأهل الكتاب الوقوف عليه من خلال قراءة ناقدة لكتبهم و من خلال قراءة القرآن الكريم.إن الكتب السماوية حسب الأستاذ النورسي رحمه الله ، و على ما اعتراها من تبديل  و تغيير ظلت تحتفظ ببصمات دالة على أصالتها و مصدريتها  ،  ومن  شأن تلك البصمات أن تكون دافعا لأهل الكتاب من أجل التصحيح. يرى الأستاذ أن ورود بشارات متعلقة بمحمد صلى الله عليه و سلم في الكتب السماوية السابقة أمر ضروري و قطعي ، إذ لا يمكن لتلك الكتب أن تهمل ذكر حادثة البعثة المحمدية أعظم حادثة في تاريخ البشرية وتذكر حوادث جزئية. يقول الأستاذ النورسي في شأن الآية الكريمة : {والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هو يوقنون}، ان فيها '' عطف الدليل على المدلول، أي: '' يا أهل الكتاب إذا آمنتم بالأنبياء السابقين والكتب السالفة لزم عليكم أن تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لأنهم بشروا به، ولأن مدار صدقهم، ونزولها ومناط نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في القرآن بوجه أكمل وفي محمد عليه السلام …'' (12) وقد وقف الأستاذ النورسي عند كثير من جمل الإنجيل والتوراة بشرت بهذا النبي الذي ستتلألأ معه الشريعة الإلهية بعد أن جاءت من سيناء وأشرقت في سَـيْـعَــر (13). إن دليل وجود تلك البشارات في الكتب السالفة أمر أقره القرآن الكريم، وتجلى ذلك بشكل واضح في الآية الكريمة على لسان عيسى عليه السلام:{ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة. ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه أحمد} (14)، وقد أورد الأستاذ خبر كثير من أهل الكتاب ممن :" نبذوا الخصومة والعناد وآمنوا بالإسلام بعدما رأوا  أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، وبينوا لغيرهم من العلماء فألزموهم الحجة" (15).

إن تقبل أهل الكتاب لحقائق القرآن ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام أمر لا يخرجهم عن قشرهم فكتبهم لازالت تنطق ببشارات متعلقة بهذا الرسول الكريم، وهم إن صدقوا بتلك البشارات أذعنوا لحقائق القرآن الكريم وآمنوا بمصدريته الإلهية . وإن في الآية الرابعة من سورة البقرة مثلا : " إشارة إلى تشويق أهل الكتاب على الإيمان وتأنيسهم، والتسهيل عليهم. كأنه يقول: " لا يشقن عليكم الدخول في هذا السلك، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرة إنما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ما هو مؤسس لديكم " إذ القرآن معدل ومكمل في الأصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأصول الشرائع السالفة. إلا أنه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير الزمان والمكان؛ فكما  تتحول الأدوية والألبسة في الفصول الأربعة، وطرز التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر …(16)

إن ما بين القرآن الكريم وبعض ما ورد في الكتب السماوية من اتفاق سيدفع المسلمين وفريق من أهل الكتاب إلى التقارب والاتفاق من أجل دفع عدو مشترك واحد هو الملحد المعتدي يقول: " لقد ثبت في الحديث الصحيح أن المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين إلى أهل القرآن للوقوف معا تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فأهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعا لعدوهم المشترك الملحد المعتدي " (17).

والأستاذ بهذا يضع استراتيجية في اللقاء بأهل الكتاب تقوم على حقيقة ثابتة هي تقارب أهل القرآن مع المتدينين الحقيقيين من النصارى من أجل محاربة الإلحاد مع تجميد لكل المناقشات و الخلاقات.

أما الجولة الأخيرة من هذا التقارب واللقاء فحين تسلم النصرانية أمرها للإسلام ويتحقق ما أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته (18).إن الفرق بين الإسلام وسائر الأديان ومنها النصرانية حسب بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله هو التوحيد الخالص وهو أمر يبعد المسلمين حكاما ومحكومين من الغرور  والتكبر ويلغي الوساطات بين المسلم وخالقه. ومادام هذا التوحيد أصلا، فسوف يذعن لحقيقته أهل الكتاب في آخر المطاف.

خلاصة القول أن الأستاذ النورسي في حديثه عن أهل الكتاب ظل منسجما مع ما ورد في شأنهم في القرآن الكريم، وظل موجها بما تقره حقائق القرآن الكريم إنه على يقين ثابت من انسجام أهل الكتاب مع الإسلام في آخر الزمان ومن انتصار حكمة القرآن الكريم.

{ ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، أفلا تعقلون ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه  وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المومنين}.(18)

و بخصوص إقامة أهل الكتاب في الدولة المسلمة نجد الأستاذ النورسي يؤمن بضرورة تحقيق مساواة بينهم و بين رعايا هذه الدولة من المسلمين مساواة ينبغي أن تؤصل من القرآن الكريم  و تسترشد بما هو حي من تاريخ الدولة في الإسلام . و بمقابل ذلك اهتم الأستاذ بديع الزمان النورسي بالجالية المسلمة المقيمة في الدول الأوربية المسيحية .                                                                            

_______________

(1)- لقد كان إحساس الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بهذه الطعنات عميقا يقول : " لقد كنت أحس بأن هذه الضربات التي وجهت إلى العالم الإسلامي كأنها وجهت إلى أعماق قلبي " انظر مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور بديع الزمان سعيد النورسي نظرة عامة عن حياته وآثاره. إحسان قاسم الصالحي. ص 49، ط 2، دار سوزلر،  استنبول 1987.

وانظر أعمال المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي : تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1استنبول 1996.

(2) - انظر قصة الأستاذ مع الصهيوني عمانوئيل  كراصو في المرجع السابق ص 30

(3) -  انظر مؤلف النورسي متكلم العصر الحديث ، د محسن عبد الحميد ، دار سوزلر للنشر، القاهرة 1995.

(4) - دليل الخدمة لتلاميذ القرآن ص 24نقلا عن كتاب أستاذنا إحسان قاسم السالف الذكر.

(5) -  اللوامع، ملحق بـ " كليات رسائل النور" 1. الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي ،  ص 845، ط  1. دار سوزلر استنبول 1992.

(6) - الكلمات ترجمة، إحسان قاسم الصالحي، ص 471 ـ 472.

(7) - سورة آل عمران الآية 63.

(8) - الكلمات ، ص 472 ـ 473.

(9) - سورة آل عمران الآية 83.

(10) - سورة آل عمران الآية 19

(11) - سورة آل عمران الآية 66.

(12) -  إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي ص 58 ـ 59. ط 1دار سوزلر استنبول 1994.

(13) -  كليات رسائل النور، 2المكتوبات تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسـم الصالحي،  ص  219 ـ 234، ط 1، دار سوزلر، استنبول 1992.

(14) - سورة الصف آية 6.

(15) - المكتوبات ص 221.

(16) - إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ص 59.

(17) - اللمعات وانظر مقال الحوار بين المسيحية والإسلام أورسولا سيولر، ضمن بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، ص 37، ط 1، استنبول 1997.

(18) - اللوامع، ملحق بالكلمات، ص 845.

(19) - سورة آل عمران الآيات 63 ـ 67.

_______________

مصادر ومراجع

1ـ القرآن الكريم

2ـ كليات رسائل النور تأليف بديع الزمان سعيد النورسي -ترجمة إحسان قاسم الصالحي:

الكلمات   ط 1  ـ استنبول 1992.    المكتوبات  ط 1  ـ استنبول 1992.

اللمعات    ط 1  ـ استنبول 1993.   الشعاعات  ط 1  ـ استنبول 1993.

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز  (تحقيق) ط 1ـ استنبول 1994.

3ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي. ترجمة أورخان محمد علي. ط 1استنبول 1997.

4ـ بديع الزمان سعيد النورسي-نظرة عامة عن حياته وآثاره ، إحسان قاسم الصالحي. ط 1استنبول 1987.

5ـ المؤتمر العالمي الثالث لبديع الزمان سعيد النورسي تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1. استنبول 1996.

6ـ بديع الزمان النورسي فكره ودعوته. المعهد العالمي للفكر الإسلامي (الأردن) مركز بحوث رسائل النور ط 1. 1997.

7ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي ، ط 1. دار سوزلر القاهرة 1993.

8ـ النورسي متكلم العصر الحديث، د. محسن عبد الحميد . القاهرة 1995.

*- من مواليد مدينة العرائس – المغرب. أكمل دراسته بجامعة غرناطة  قسم الدراسات السامية ودرس بجامعة الكومبلوطنسي قسم الدراسات العبرانية والآرامية وتاريخ الأديان في إسبانيا وحصل على الدكتوراه سنة 1991 شغل منصب رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بتطوان واُعتمد خبيرا في اكاديمية المملكة المغربية  في الدراسات الموريسكية وهو رئيس وحدة البحث في تاريخ الأديان والحضارات الشرقية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب. نشر أبحاثا  بالعربية والإسبانية والفرنسية وترجم عن العبرانية والإسبانية القديمة والبرتغالية القديمة واللاتينية.

 


5-) الطريق إلى اليقين عند النورسي

الطريق إلى اليقين عند النورسي

د: عائشة الهلالي

أستاذة الحديث والتفسير

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

الحضور الكريم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نجتمع اليوم في ضيافة تغني فيها القرائح عن البطون، ونرحب بمن قطعوا إلينا كيلومترات وكيلومترات وجاءوا تطبيقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما يسر الله له به طريقا إلى الجنة) ، فنسأل الله أن ييسر لإخواننا القادمين من بعيد : الطريق إلى الجنة، ونسأله كذلك أن يجعلنا من أهل الجنة آمين.

اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، اللهم اجعل في أبصارنا نورا واجعل في أسماعنا نورا واجعل عن أيماننا نورا واجعل عن شمائلنا نورا ومن خلفنا نورا واعظم لنا نورا واجعل لنا نورا يارب العالمين.

انطلق الأستاذ رحمه الله من يقينيات القرآن الكريم، ليحدثنا عن موضوع اليقين ولا شك أن موضوع اليقين من القضايا الأساسية، ويكفي لذلك أن نعرف قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( اليقين : الإيمان كله) . "وإذا تزاوج اليقين بالصبر أعطى الإمامة في الدين." وقد جمع النورسي رحمه الله بين اليقين وبين الصبر فكانت له الإمامة في الدين. إذا رجعنا إلى القرآن الكريم سنجد بأن كلمة اليقين وردت في خمسة أوجه : وجه التصديق، ووجه الموت، ووجه العيان، ووجه العلم اليقين، ووجه الصدق.

أريد -إن شاء الله تعالى- أن انطلق من : قول ابن مسعود رضي الله عنه ومن هذه الوجوه القرآنية الخمسة لأنظر إلى جهود الأستاذ سعيد النورسي - رحمه الله - لأعرف جهوده في موضوع اليقين.

لاشك أن هذه الجهود التي بذلها الأستاذ في كليات رسائل النور،كانت جهودا مهمة جدا، حيث أنها بلغت عنده حد اليقين، وقد اختبرها في بناء نفسه وإقامة كيانه المنقض، قبل اختبار فاعليتها على مسح جرحات روحه وزرق انشقاقات وجدانه.

من أبرز القضايا التي وردت في كليات رسائل النور : قضية الإيمان وقضاياه الغيبية بعد الموت، وخصوصا منزلة اليقين.

وإذا رجعنا إلى ابن القيم رحمه الله نجده : يصف اليقين بأنه روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل شك وريب وسخط وهم وغم، فامتلأ محبة الله وخوفا منه ورضا به وشكرا وتوكلا إليه وإنابة عليه، فهو مادة مقامات السائر في طريق الله سبحانه وتعالى والحامد له.

في هذه الكلمة القصيرة أحاول أن اقدم اليقين والطريق إليه من خلال رسائل النور، ولكن ما ان عزمت على انتخاب أهم ما يمكن أن يقال فوجئت بكثرة القضايا الداخلة في هذا الموضوع، فصار حالي مثل حال الرجل الذي خرج للصيد فخرج عليه الظباء من اليمين ومن اليسار ومن الأمام ومن الخلف فقال : تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يعيد ولكن ما لا يدرك كله لايترك جله.

أقول وبالله التوفيق :

أولا نقف عند مصطلح اليقين فنجد بأن اليقين عند النورسي هو الإيمان التحقيقي وليس الإيمان التقليدي الذي لايثبت للشبهات والأوهام، أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع مدى وأشمل وأمتن.

- مراتب اليقين عند النورسي:

مراتب اليقين عند النورسي كثيرة جدا وأبرزها:

1 - مرتبة علم اليقين : وهي مرتبة تقاوم الشبهات المهاجمة بقوة ما فيها من براهين.

2 - مرتبة عين اليقين : وتضم مراتب كثيرة جدا، بل لها مظاهر بعدد الأسماء الإلهية حتى تجعل الكون يتلو آيات الله.

3 - مرتبة حق اليقين : وهي مرتبة لها مراتب كثيرة جدا وصاحب هذه المرتبة هو صاحب الإيمان الذي لاتنال منه جيوش الشبهات إذا هاجمته.

بعد أن عرفنا مراتب اليقين، ماهي الطريق إلى اليقين التي يصفها لنا الأستاذ رحمه الله؟

يقول الأستاذ سعيد : "للوصول إلى الله سبحانه طرائق كثيرة وسبل عديدة ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم". لاشك أن الطرق كثيرة لكن المورد والمنهل هو القرآن الكريم، "إلا أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم". يقول الأستاذ النورسي : "ولقد استفدت من فيض القرآن الكريم بالرغم من فهمي القاصر طريقا قصيرا وسبيلا سويا.." سأذكر الآن هذا الطريق الذي ذكره الأستاذ.

طريق العجز، طريق الفقر’ طريق الشفقة، طريق التفكر، يقول الأستاذ : "نعم، إن العجز كالعشق طريق موصل إلى الله بل اقرب وأسلم إذ هو يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية، والفقر مثله يوصل إلى اسم الله " الرحمان" وكذلك الشفقة كالعشق موصلة إلى الله إلا أنها أنفذ منه في السير وأوسع مدى إذ هي توصل إلى إسم الله "الرحيم"، والتفكر ايضا كالعشق إلا أنه أغنى منه وأسطع نورا وأرجى سبيلا إذ هو يوصل السالك إلى اسم الله الحكيم"، ويصف الأستاذ النورسي هذا الطريق ذي الخطوات الأربع "بأنه حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية"  فلا يقصد بالعجز والفقر: إظهاره أمام الناس، وإنما هو إظهار ذلك أمام الله سبحانه وتعالى. فالفقر هنا الإفتقار إلى الله سبحانه وتعالى وليس الإفتقار إلى الناس." أما أوراد هذا الطريق وأذكاره"  يقول الأستاذ رحمه الله :" فتنحصر في اتباع السنة النبوية والعمل بالفرائض ولاسيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان والعمل بالأذكار عقبها وترك الكبائر " أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم (كل خطوة من هذه الخطوات يأتي لها بمنبع لأنه في البداية قال : مورد ومنهل كأننا أمام منبع من الماء إذن سيعطينا منابع هذه الخطوات التي تحدث عنها في القرآن الكريم : ومع الأسف الشديد، لايسمح الوقت، لكي أذكر تفصيل هذه المنابع، ولكن سأذكر الآيات الكريمة التي أحال عليها الأستاذ رحمه الله :

"قوله تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم) تشير إلى خطوة العجز، العجز أمام الله تعالى. (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) تشير إلى خطوة والفقر، الإفتقار إلى الله سبحانه ( ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) تشير إلى خطوة الشفقة ( كل شيء هالك إلا وجهه). تشير إلى خطوة التفكر".(1)

يقول الأستاذ النورسي في مكان آخر من هذه الخطوة، خطوة التفكر وهي طريق موصل إلى الله سبحانه وتعالى : "التفكر نور يذيب الغفلة الباردة، والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة". ونجد كلمة الأوهام وهي كلمة لها علاقة بالجهل، والجهل: نقيض اليقين، لأن اليقين علم، والجهل نقيض العلم، والوهم : نوع من أنواع الجهل، فيقول الأستاذ : " والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة، لكن إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل "، يعطينا توجيها في التفكر فهناك التفكر في النفس وهناك التفكر في الآفاق،" إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل وفصله تفصيلا بمقتضى الإسم - يقصد اسم الله سبحانه وتعالى- "الباطن" المتعمق إذ كمال الصنعة أتم في تحليله وتفصيله، وإذا تفكرت في الآفاق فاجمل وأسرع ولا تغص و لا تخض إلا لحاجة إيضاح القاعدة ولا تحدد النظر كما هو مقتضى الإسم "الظاهر".(2)

بعد أن تحدثت عن هذه الطريق ذات الخطوات الأربع للوصول إلى الله تعالى، ماهي ثمرات هذا اليقين يقول الأستاذ رحمه الله : في ثمرة من ثمرات اليقين-لأن اليقين له ثمرات متعددة فله ثمرة التوكل وله ثمرة الصبر وله ثمرة الشوق إلى الله تعالى وله ثمار متعددة - الشوق ثمرة من ثمرات اليقين، يحذر النورسي رحمه الله طلابه من جملة عوائق تسقط المؤمن من أعلى جواد الشوق الذي تمتطيه الهمة ويقدم علاجا قرآنيا لهذه الآفات النفسية الحائلة دون السير إلى الله تعالى، لاشك أن الإنسان في بداية سيره إلى الله يحذوه الشوق ولكن بمجرد أن يركب المطية تأتي مجموعة من العوائق، تأتي مجموعــة من الآفـات، تأتي مجموعة من الأخطار، يقول الأستاذ رحمه الله ويسرد لتلاميذته ولنا جميعا، الآفات التي تسقطنا من فوق الجواد الذي نركبه اتجاها إلى الله سبحانه وتعالى : "أولا اليأس وعلاجه قوله تعالى : (لاتقنطوا) .. حب الظهور ونيل التفوق وعلاجه قوله تعالى ( كونوا قوامين) .. الإستعجال وعلاجه قوله تعالى (اصبروا وصابروا ورابطوا) ..الرأي الشخصي المستبد والتفكير الإنفرادي الذي يبدد أعمال الإنسان وعلاجه الحديث الشريف : "خير الناس أنفعهم للناس" ..التقليد : كذلك من الآفات علاجه ( وعلى الله فليتوكل المومنون) .. التسويف وهو العدو الغدار، التسويف الناجم من العجز وفقدان الثقة بالنفس فينشأ منه تأجيل الأعمال الأخروية من اليوم إلى الغد يمسك يد الهمة. أما تحدي هذه المصيبة التي تصيبنا وهي من جنود إبليس وعلاجه ( لايضركم من ضل إذا اهتديتم) .. أما العدو الملحد الذي يحذرنا منه النورسي رحمه الله وهو التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله. فيقول لتلاميذته: أرسلوا عليه الآية الكريمة (فاستقم كما أمرت) .. أخيرا الآفة الخطيرة  حب الراحة والدعة الذي هو أم المصائب ووكر الرذائل فيصفد الهمة بسلاسله وأغلاله ويقعدها عن طلب معالي الأمور ويقذفها في هاوية السفالة والذلة فعليكم أن تخرجوا على ذلك السفاح - يقول لتلامذته- : عليكم أن تخرجو على ذلك السفاح الساحر ويقصد به حب الراحة والدعة أخرجوا له البطل المجاهد الآية الكريمة   ( وأن ليس للإنسان إلا ماسعى) ولننظر إلى تسمية الآية الكريمة باسم البطل المجاهد .(3)

في مكان آخر نجد الأستاذ النورسي -رحمه الله- يحذر  تلامذته من أمراض نفسية خطيرة منها -حرص النفس -العجز- الحسد- فهذه أمراض خطيرة تتخفى على الإنسان في أثواب كثيرة لتقضي على المرء وعلى يقينه يقول الأستاذ النورسي : " إن في الحرص والإسراف عقوبة معنوية معجلة وجزاءا قلبيا إذ يجعل صاحبه ثملا من كثرة الشكوى والقلق فترى العقوبة نفسها بل أشد منها في الحسد والتنافس والغيرة حتى أن الحسد يحرق

صاحبه قبل غيره".(4)

كيف نحافظ على اليقين : ذكر الأستاذ مجموعة من العقبات وذكر مجموعة من الآيات لمواجهة هذه العقبات ولكن أسمى طريق وأحكم طريق للمحافظة على اليقين، وهو اليقين نفسه، الذي قال عنه سبحانه وتعالى ( واعبد ربك حتى ياتيك اليقين) اليقين هنا هو الموت ولذلك اعتمد الأستاذ رحمه الله على الموت : لاكتساب اليقين وللمحافظة على اليقين، وللقضاء على نظر الغفلة وتعويضه بالنظر الراشد.

يقول النورسي لنفسه، وهو يخاطب نفسه : "لا تديرن رأسك جفلة من الموت خائفة من القبر بل حذقي في القبر وانظري إلى حفرته بشهامة واستمعي إلى ما يطلب، وابتسمي لوجه الموت برجولة وانظري ماذا يريد وإياك أن تغفلي، لاتقولي أبدا أن الزمن قد تغير وأن العصر قد تبدل وأن الناس قد انغمسوا في الدنيا وافتتنوا بحياتها فهم سكارى بهموم العيش، ذلك لأن الموت لايتغير" (5) ولذلك يقول الأستاذ لتلاميذته موجها إياهم للأخذ بالأسباب والتوكل على الله : " إن وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص أما إحراز التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين فهو مما يتولاه الله سبحانه، نحن لا نتدخل فيما هو موكول إلى الله حتى إذا غُلبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا."

 هناك نصوص جميلة أخرى، فنحن نعرف أن الأستاذ سعيد قطع مرحلتين من حياته مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد، فلننظر إليه: لما ذهب في يوم من الأيام إلى قمة قلعة أنقرة :" التي أصابها الكبر والبلى أكثر مني فتمثلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة واعتراني حزن شديد وأسى عميق - انظروا إلى الشيخوخة التي يصفها (- من "شيب السنة " - السنة فيها شيب - في موسم الخريف ومن شيبي أنا ومن هرم القلعة ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية ومن وفاة سلطنة الخلافة ومن شيخوخة الدنيا، فاضطرتني تلك الحالة للنظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل أنقب عن نور وأبحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحس به من أكنف الظلمات اللاتي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.

فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثا عن نور ورجاء بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيأة مقبرة كبرى لأبي وأجدادي والنوع الإنساني فأوحشتني بدلا من أن تسليني، ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشا عن الدواء فتراءئ لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي و لأمثالي...

يئست من هذه الجهة أيضا، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة عمري فرأيت أن على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط وهي تنظر إلى، تلك هي جنازتي فطأطأت رأسي ناظرا إلى جذور شجرة عمري فرأيت أن التراب الذي هناك ماهو إلا رميم عظامي وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معا وامتزجا وهما يداسان تحت الأقدام فأضاف إلى دائي داء من دون أن يمنحاني دواء ثم حولت نظري على مضض إلى ما ورائي فرأيت أن هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في دنيا العبث وتنحدر في ظلمات العدم فسكبت هذه النظرة السم على جروحي بدلا من أن تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي ولما لم أجد في تلك الجهة خيرا ولا أملا وليت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيدا فرأيت أن القبر واقف لي بالمرصاد على قارعة الطريق فاغرا فاه يحدق بي وخلفه الصراط الممتد إلى حين الأبد وتترائى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد وليس لي من نقطة استناد امام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولاأملك سلاحا يدفع عني غير جزء ضئيل من الإرادة الجزئية فليس لي إذن أمام أولئك الأعداء الذين لاحصر لهم والأشياء المضرة غير المحصورة سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الإختياري..." (6)

النص طويل ولكن في الأخير نلاحظ بأن الأستاذ غيّر هذه النظرة من نظرة الحزن إلى نظرة التفاؤل حيث نظر إلى الموت نظرة حقيقية، كان يعيش هذا الإضطراب لما نظر إلى هذه الجهات الست التي ذكرتها :" تتوالى علي منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة إذ بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان تمدني وتضيئ تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة مالو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وانواع الظلمات مائة مرة لكانت تلك الأنوار كافية ووافية لإحاطتها. فماذا وقع بعد ذلك الحزن وتلك الوحشة فبدلت تلك الأنوار السلسة الطويلة من الوحشة إلى سلوان ورجاء وحولت كل المخاوف إلى أنس القلب وأمل الروح الواحدة تلو الأخرى نعم إن الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى وحولها إلى مجلس منور أنوس، وإلى ملتقى الأحباب وأظهر ذلك لعين اليقين وحق اليقين ثم إن الإيمان قد أظهر بعلم اليقين أن المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة كما يقول الأستاذ الغفلة التي تبين لنا المستقبل كقبر واسع. أما هو بعد الأنوار ماذا قال ؟ القبر عند النورسي رحمه الله- مجلس ضيافة رحمانية أعدت في قصور السعادة الخالدة ثم إن الإيمان قد حطم صورة التابوت والنعش تحولت صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر – التي نظرها بنظر الغفلة – صارت متجرا أخرويا وصارت دار ضيافة رائعة للرحمان " ثم إن الإيمان قد بصرني بعلم اليقين أن ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة أنها ليست كذلك، النعش والجنازة ماذا صارت ؟ صارت انطلاقا للروح فصارت أهلا للحياة الأبدية ...(7)

لمن يريد أن يعود لهذا التحليل الجيد يراجع كتاب "مرشد أخوات الآخرة " للأستاذ النورسي وهو من كليات رسائل النور  وهو كتاب جميل جدا فيه توجيهات قيمة للأخوات المسلمات وسماها بهذا الإسم (أخوات الآخرة) وكذلك فيه توجيه للشيوخ وللعجائز ويعتبر بأن سن الشيخوخة هو سن الكمال ويعزي الشيوخ والعجائز.

أريد أن أختم، وأرجو أن ينتبه الحاضرون إلى مسألة مهمة جدا وهي أن النورسي رحمه الله فعلا كان ذا يقين وكان ذا صبر وصار إماما في الدين، ولكن لاننسى القولة المشهورة : (وراء كل عظيم امرأة) إن أم النورسي والتي كان اسمها "نورية" من المسائل الغريبة التي لاحظتها- أنها ما أرضعت أولادها إلا وهي على طهر ووضوء، وانظروا إلى كلام جميل جدا في هذا الكتاب، يقول :" وأرجوا أن نقارن وضعنا مع هذا الكلام يقول :" نعم إن أول أستاذ الإنسان وأكثر من يؤثر فيه تعليما إنما هي والدته "، يقول الأستاذ :"هذا المعنى الذي أتحسسه دائما إحساسا قاطعا في شخصي، أقسم بالله أن أَرِسَخ دَرسٍ أخدته وكأنما يتجدد علي إنما هو تلقينات والدتي رحمها الله ودروسها المعنوية حتى استقرت في أعماق فطرتي وأصبحت كالبذور في جسدي في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم أني قد أخذت دروساً من ثمانين ألف شخص، بل أرى يقينا أن سائر الدروس إنما تبقى على تلك البذور بمعنى أني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى"- انظروا إلى معاناتنا معاناة أطفالنا، معاناة نسائنا ورجالنا ومعاناة مجتمعنا، تصوروا يتذكر الأستاذ ما علمته له الأستاذة في السنة الأولى والدته رحمها الله.

يقول : إني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى من عمري بذور أساس ضمن الحقائق العظمى التي أراها الآن وأنا في الثمانين من عمري.(8)

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

_________________________

1- انظر الكلمات ص558-561

2- انظر المثنوي العربي النوري ص256

3- انظر صيقل الإسلام – المناظرات ص433-434

4- انظر المكتوبات 344- 345

5- انظر الكلمات ص 193

6- انظر اللمعات ص 352

7- انظر اللمعات ص 353

8- سيرة ذاتية ص43

 


6-) العبرة من حياة المفكر الإسلامي بديع الزمان النورسي

العبرة من حياة المفكر الإسلامي

بديع الزمان النورسي

1294 /1379 هـ

1876 /1960  م

د. محمد الكتاني

مكلف بمهمة بالديوان الملكي

الرباط

بسم الله الرحمن الرحيم

العبرة بمعناها العميق ما يكتشفه الفكر من خلال الوقائع و الأحداث من سنن كونية ثابتة، يعبر من خلالها إلى إدراك حتمياتها و قياس ما يتوقع منها إلى ما وقع بالفعل، و بذلك يستشرف معالم المستقبل من خلال التناظر الحتمي بين الواقع والمتوقع بصورة تقريبية، لأن السنن الكونية تدور مع هذا الواقع، متجلية ظاهرة، أو كامنة مستترة. و لكنها مقروءة من لدن ذوي البصائر و العقول. فما يحدث في كل عصر أو في كل طور من أطوار التاريخ، وإن كان لا يتكرر بنفس الصور والهيآت و التفاصيل و الجزئيات، إلا أنه يحافظ على نسقية الأسباب و المسببات. وترابط المقدمات و النتائج، وإذا لم يستطع حاضرنا أن يقرأ الماضي الذي عاشه أسلافنا، لاجتلاء السنن المحركة لتاريخ الإنسان فأي جدوى من قراءة هذا التاريخ؟

ونحن المسلمين من أحوج الأمم إلى قراءة تاريخها، و تاريخ غيرها بهذا الوعي وبهذا الإنفتاح. و تجاوز النظر إليه بوصفه تراكما أو تعاقبا أو ماضيا ولى إلى غير رجعة إلى النظر إليه مختبرا للسلوك الإنساني، يكشف عن النتائج الحتمية لأي سلوك، و القرآن الكريم يطالبنا بهذه القراءة " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبل" (1)

و من مقومات الأمة الإسلامية أن الإسلام بوصفه نظاما و منهجا الهيا للإنسان في حياته، لا يتوفر و حسب على تفاصيل هذا المنهج عقيدة و شريعة و قيما أخلاقية من خلال القرآن و السنة و الفكر المنبثق عنهما، و إنما يتوفر أيضا على تاريخ ممتد عبر فضاءات شاسعة من الزمان و المكان، نقرأه و نستوعبه، فنتمكن بفضله من اختبار قيم الإسلام و منهجه، و من تحقيق مصداقية ما يدعو إليه، وذلك من خلال معترك النضال و التصادم مع عقائد و إيديولوجيات، و شعوب وحضارات، و مناهج و ثقافات. و هكذا ألقى الإسلام أمته في معترك الحياة. و في مختبر التاريخ الإنساني المحكوم بآلياته الثابتة و سننه الإلهية الدائرة.

و لعل في مقدمة العبر المستفادة من تاريخ الإسلام، أنه ظل ثابتا في مجرى هذا التاريخ الإنساني، بعد أن دخل كل صقع من أصقاع الدنيا، و خالط كل شعوب الأرض، و ثبت أقدامه هنا و هناك، برغم الحرب الضروس التي شنت عليه من كل حدب و صوب، و من كل العقائد و الثقافات المخالفة. سواء كانت حربا شنت عليه من داخل مجتمعاته، بالتزييف و التضليل و الشبهات التشكيكية. أو كانت حربا شنت عليه من  خارج أوطانه كالغزو العسكري و الاستعماري.

و في سياق هذا التاريخ المبتلي بأعدائه و بجهل بعض أبنائه تبرز أمامنا ثلاث حقائق:

الأولى:أن الاسلام استعصى على التزييف لحقائقه الكبرى و لمنهجه العام، برغم كون خطة التزييف و التحريف قد شنت عليه منذ القرون الأولى لتحويله عن وجهته ، و ذلك عقب التقائه بالثقافات الشرقية القديمة، و بالنحل و المذاهب التي كان يدين بها اللذين استقبلوه في ديارهم، من الامم في آسيا و إفريقيا. و نحن نقرأ آثار هذا التصادم بينه و بين المعتقدات و التقافات في كتب علم الكلام، و كتب الملل و النحل، فتقف على محاولات التزييف أو التكييف مع المعتقدات الوثنية، وعلى ردود الفعل أو ضدها. و العبرة هنا أن الإسلام من خلال علمائه و مفكريه ظل يحاور و يجادل، و يصحح المفاهيم، و يثبت الأسس و المبادئ. و نلاحظ بإمعان أن الحركة التصحيحية المقاومة للتزييف و للشبه المعترضة و للأبطال المزعوم لم تكن لتفلح في مناهجها و تنتصر على خصومها إلا بقدر ما كان يتسلح به العلماء و المجاهدون و المجددون من علوم و معارف، لا يجد العقل الصحيح مناصا من الإقرار بها و التسليم بمنطقها. لأن الإسلام و هو يدعو للعلم و النظر الصحيح في الأنفس و الآفاق و الاعتبار بالسنن الكونية و القوانين الطبيعية يلزم علماءه بأن يكونوا في طليعة من يمثلون قيم هذه الدعوة القرآنية و إلا كانوا محجوجين أمام خصومهم، و من يفوقهم في تحصيل العلوم و اصطناع مناهج النظر السديد، و لم تقع الإساءة الى الإسلام إلا ممن دعى إليه بغير علم، أو رد على خصومه بغير علم، أو ضاق صدره بالحوار على أساس البرهان.

الثانية: أن الإسلام لم يصمد بحقائقه و قيمه في معترك التاريخ المحكوم بالصراع، و بالشد و الجذب، إلا لأن الله قيض له في كل زمان و مكان من يؤمن بتلك الحقائق و يلتزم بتلك القيم، و يشخص النموذج الأخلاقي بمقوماته الثلاثة، الإيمان و العلم و العمل. و بفضل هذا التشخيص في السلوك اليومي تم اختبار مصداقية المنهج الإسلامي. لأن الدعوة بالقدوة هي المحك على صدق الفكرة وفعاليتها. و التاريخ الإسلامي يدلنا على أن شعوبا و مجتمعات دخلت في الإسلام بعد توقف حركة الفتوحات، كانت تفوق أعدادها تلك التي دخلت في الإسلام في زمن الفتوحات. و كانت الوسيلة هي تمكين هذه الشعوب من تلقي الخطاب الإلهي الذي هو القرآن. و كان تعريب ألسنتها مقدمة لاكتسابها الهوية الإسلامية، و هي هوية لا يمكن اكتسابها على مستوى العقل و الوجدان بغير التواصل مع القرآن.

الثالثة: أن الصمود ضد التزييف و الوقوف في وجه الغزو الفكري و الحرب المعلنة على الإسلام كان لهما مصدر قوة لا تقاوم و لا تتخاذل. و هي التواصل العميق مع القرآن. فمنذ نزل القرآن إلى اليوم ظل بمثابة القوة التي لا ينفد مددها، و مصدر التجديد الذي لا يخبو له شعاع، أو قل " حجة الله البالغة" التي يطالعها العقل في كل عصر، و يجد فيها دليل إثبات حجيتها و صدق مضمونها.

هذه مقدمة لا بد منها نمهد بها لوضع العلامة التركي بديع الزمان سعيد النورسي في إطار عصره، و سياق التاريخ المتصل به الذي حدد له مسيرته الفكرية و أملى عليه المسؤولية التي نهض بها، عن اقتناع و اختيار، و جاهد في سبيل تبليغ ما وقع في نفسه من نورانية القرآن و حكمته و اعجازه في بيئة ثقافية و حضارية، قامت بينها و بين الاتصال بالقرآن حوافز و موانع، و تهيأت لامتصاص الشبه و الأباطيل، و التشبع بالغزو الفكري الزاحف بصوره الزاهية ومغرياته القوية.

ولد سعيد النورسي سنة 1876و هي السنة التي تولى فيها الخلافة العثمانية السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يعد من أبرز و أقوى سلاطين آل عثمان المتأخرين. و كانت الدولة العثمانية قد أخذت طريقها نحو التدهور و التفكك، بفعل تحالف القوى الغربية على تقاسم ميراثها العظيم. فانبرى السلطان عبد الحميد بعد ادراكه لما يتحدد امبراطوريته العظيمة من مخاطر في الداخل والخارج لإتخاد المواقف الحازمة، والإمساك بالسلطة بيد من حديد.

كانت الحروب ضد السلطنة العثمانية تثار هنا وهناك لإستنزاف قواها وكانت النعرات القومية تذكي لهيبها من لدن اليهود والجواسيس والتجار ومن لدن المبشرين والدبلوماسيين الأوربيين . فتتمرد الشعوب المنضوية تحت سلطان الخلافة، في كل من الجبل الأسود والبلقان وغيرهما. ولم يقتصر عمل الدول الغربية تجاه الدولة العثمانية على هذه الحروب الإستنزافية المفتعلة، وإذكاء روح الإنفصال والتمرد لإقتطاع أجزاء منها. وإنما كانوا يعملون على شن حرب تفكيكية مماثلة داخل الكيان الإجتماعي،فشجعوا على إنشاء الأحزاب والجمعيات ذات الأفكار الغربية الليبيرالية " كجمعية تركيا الفتاة" و جمعية "الإتحاد والترقي" وغيرها من الجمعيات السرية التي كانت تعبر عما كان يتطلع إليه المجتمع أوالشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني من تغيير أوضاعها والطموح إلى استقلالها ولذلك قامت هذه الجمعيات بإشاعة الوعي القومي على نحو مثير.

وقد كان لليهود دور كبير في إنجاح الخطط الإستعمارية و القضاء على الخلافة العثمانية. فقد كانوا قد طلبوا من السلطان عبد الحميد مرات عديدة ان يسمح لليهود المقيمين في "سالونيك" بالهجرة إلى فلسطين، ليتخذوا منها وطنا لهم، و أغروا بمختلف المغريات فلم يفلحوا، إذ كان قد رفض هذا العرض مرارا بشدة، ومضي إلى أبعد من ذلك فأصدر أمره بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. وعندما أدركوا أنهم أمام سلطان قوي عنيد، مشبع بفكرة وحدة العالم الإسلامي ووحدة الديار الإسلامية أيقنوا أن زواله هو الكفيل بتحقيق فكرة الوطن القومي لليهود، وأن زواله لايمكن إلا بزوال نظام الخلافة أو زعزعته من أساسه، وتحقق لهم خلع السلطان عبد الحميد سنة 1909. وعلى إثر هذا الانقلاب زحف الجيش المرابط في سالونيك إلى العاصمة "الأستانة "، وانضم  إليه عدد من اليهود والبلغار. وكانت اللجنة التي بلغت السلطان العثماني قرار الخلع تتكون من يهودي ويوناني وأرمني، وعلى رأسها إيمانويل قره صو الماسوني الإيطالي المشهور.

و قد حكم الإتحاديون أي حزب "الاتحاد و الترقي" الذي هو امتداد لحزب "تركيا الفتاة" طيلة الفترة الواقعة بين الانقلاب و سقوط الخلافة. و تعاقب على كرسي "الخلافة" الإسلامية صوريا ثلاثة خلفاء، و قد ظهرت خلال هذه الأحدات فكرة "القومية الطورانية" بقوة، و شاعت لدى الخاص و العام لاتخادها رابطة أساسية بدل "الرابطة الدينية" و هكذا أذكيت روح القومية التركية بدلا من الروح الإسلامية، التي أصبحت تواجه حربا ممنهجة. و أصبح العداء سافرا لكل ما يمت للإسلام من صلة، و لا سيما محاكمة العلماء و نفيهم و تتبع نشاطهم و شن الهجمات على الشريعة الإسلامية، و على من يظهر التعلق بها فضلا عن الالتزام بها.

و نتصور مدى الصراع المرير الذي واجه المسلمين في تركيا من لدن هذه التيارات المختلفة، المتحالفة للقضاء على الهوية الإسلامية و تفكيك كل روابطها وقيمها، و تحويل المجتمع التركي الى مجتمع علماني يقتفي أثر المجتمعات الغربية. و هو ما حققه بالفعل كمال اتاتورك، بعد الغاء الخلافة و إقامة الجمهورية العلمانية عام 1924. فاعتمد القانون المدني السويسري، و قانون العقوبات الإيطالي و القانون التجاري الألماني. و بمقتدى ذلك ألغى العمل بالشريعة الإسلامية، حتى بالنسبة للأحوال الشخصية. ثم فرض على الأتراك اتخاذ القبعة بدل العمامة، كما فرض السفور فرضا على النساء. و اتخذ الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية في اللغة التركية. و بذلك اتضح أن الغاء الخلافة كان مجرد خطوة لالغاء الهوية الإسلامية نفسها. و قد استشهد في معارك الثورة على هذه السياسة آلاف الأتراك، فوجهوا بالقمع، قطعا للرقاب و شنقا على أعواد المشانق و رميا بالرصاص، لمجرد كونهم رفضوا التنازل عن هويتهم واستقلالهم في الحفاظ على تقاليدهم الشرقية الإسلامية.

لقد عانى العلماء المسلمون في تركيا معاناة قاسية خلال العقود الأولى لقيام الجمهورية التركية إذ كانوا يرون الدولة العلمانية القائمة تشجع على الارتداد، وتفرض الانسلاخ من الهوية، على خلاف ما تدعيه النزعة "العلمانية" من توفير حرية الاعتقاد و الممارسة للدين. فاستشهد من أولائك العلماء من استشهد، و هاجر من هاجر، و في مقدمتهم علماء كبار أمثال الشيخ مصطفى صبري (-1954) والشيخ محمد زاهد الكوثري (1952-) و هما معاصران للعلامة بديع الزمان النورسي (-1960)، و متقاربان معه مولدا و وفاة.

و لنا أن نتساءل : ماذا كان الخيار الممكن لعالم مسلم، وسط مجتمع يعيش مخاضا قاسيا ينقله من واقع لآخر؟ أو الموقف الأنسب وسط هذا الصراع الكبير الذي عاشته تركيا خلال الربع الأخير من القرن الماضي و الربع الأول من هذا القرن؟ إن هذه الحقبة القاسية التي كانت بمثابة زلزال هدم كل ما بناه الماضي، وأقام على أنقاضه أبنية جديدة، و لا سيما ما يتصل بالثقافة كانت توقف كل مفكر سلم يومئد أمام مسؤوليته ملقية عليه هذا التساؤل الأساسي مذا يجب فعله؟

مهما يكن الجواب فإن بديع الزمان النورسي أخذ مكانه من واجهة نضالية فكرية و علمية، تحرى ألا يكون لها أية صلة بالسياسة. فآثر العمل في العمق، لتثبيت العقيدة الإسلامية، و النضح عن القرآن بكل الوسائل، و ابراز مضمونه الأخلاقي و المعرفي، الذي يحيط بالحياة الإنسانية و يصلها بخالقها و يعلو على كل قيم الحضارات المادية. و قد ناصر النورسي في جهاده بعض الأفكار الإيجابية التي حملتها الحضارة الغربية، و زيف ما عداها من النزعات و الأفكار الهدامة والمادية. و لعله لم يكن له خيار في هذا الإتجاه بحكم التربية الأساسية التي نشأ عليها و بحكم الوسط البيئي الذي صاغ له شخصيته.

نشأ سعيد النورسي في بيئة قروية متواضعة، و في أحضان والدين شديدي الورع، بقرية نورس بولاية بتليس التركية، بشرقي بلاد الأناضول. و كان كل ما يحيط به في هذا الوسط يلون شخصيته. و أخذت مخايل الذكاء و النبوغ تظهر عليه منذ العاشرة من عمره، فأقبل على العلوم النقلية و العقلية و العصرية، يحفظ منها و يستوعبها، في نهم يثير الإعجاب، و خلال ذلك تشبع بالنزعة التصوفية، واستمع الى مناقب الأولياء و المشايخ و السادة الصوفية باعجاب و تأثر. و لم ينخرط في مناظرة علمية أو جدل علمي إلا خرج منها ظاهرا على خصومه أو رفاقه، مثيرا للإعجاب لدى الشيوخ و الأساتذة، فلقب ببديع الزمان، و هو بعد في سن العشرين. كما انفتح عقله على ما كان يعرفه المجتمع التركي من تيارات اصلاحية و أفكار غربية، فتعاطف مع الأفكار السياسية التي كانت تنادي بضرورة الوحدة الإسلامية، و أعجب بشخصيات أمثال الأفغاني و محمد عبده و الشاعر التركي نامق كمال، و أيد الدستور الذي عاد إليه السلطان عبد الحميد سنة 1908. و أخذ يلقي الخطب في مختلف مساجد اسطنبول، ليظهر العلاقة بين الشريعة الإسلامية و بين نظام الشورى و نظام المشروطية الذي كان يعني يومئذ النظام البرلماني. و جاهر بضرورة تقييد نظام الحياة الدستورية و البرلمانية بالقيم الإسلاميةو بالشريعة التي تقوم على نظام الشورى و حذر من تحول الحرية الى ذريعة للاستبداد ، او للانفلات من القيود الأخلاقية و القيم الحضارية الإسلامية. وقال: " إن مفتاح رقي المسلمين كامن في الحياة النيابية، أو موجود حسب عبارته في الشورى التي هي المشروطية ". لقد انسحق حسب قوله ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت اقدام الإستبداد المعنوي الذي هو الإستعمار الأوروبي. و إن الحرية لهي العلاج الوحيد لإنقاد هذه الملايين من المسلمين من الأسر، فحتى لو تضرر هنا - بفرض المحال - عشرون مليونا منهم من أجل إرساء الحرية فليكن ذلك فداء. إذ نأخذ ثلاثمائة مليون مسلم حر، بدفع عشرين مليون من أسراهم" .(2)

و في فورة الشعور باسترجاع الدستور و استرجاع الحريات و القضاء على الإستبداد  شايع النورسي بعض افكار حزب "تركيا الفتاة " معتقدا أن من أعضاء هذا الحزب من يخدم الإسلام بالفعل، برغم وجود طائفة من الماسونيين المفسدين المندسين وسطهم. كما كان يحسن الظن بدعاة الفكر الحر و بالأفكار الليبيرالية، بغضا منه للاستبداد و الظلم اللذين كانا يطبقان على المجتمع التركي، و يفرقان بين المسلمين و المؤمنين. فالمسلمون في نظره هم الذين يومنون و يلتزمون بالعمل وفق الشريعة. اما المؤمنون فهم الذين يكتفون بالإيمان بالقيم الإسلامية، و لا يعملون بأحكام الشريعة. و ثقة منه في حكم جماعة الإتحاد و الترقي المبنية على دعم الحريات - و هو ما تراءى له في بداية الأمر - طالب الحكومة بضمان مستقبل العلماء بالولاية الشرقية لتركيا. و طالب ايضا بنصيب هؤلاء العلماء من معنى الإتحاد و الترقي و بإنشاء مجلس شورى للإجتهاد أي أنه طالب بإقامة الإجتهاد الجماعي للعلماء لمواجهة تخلف الشريعة في استيعاب شؤون العصر. وكان له أيضا موقف واضح من اختيار نوع الوعي الذي يمكن أن يحقق نهضة الشرق، بين خيارين، ظلا في نزاع عميق لفترة طويلة، و هما الرابطة  الإسلامية والرابطةالقومية . فكان يعلن أن الولاء الديني أو الرابطة الإسلامية هي التي ستدفع بالشرق إلى نهضته المنشودة، و تبعده عن مهالك الفتن و النعرات القومية. و يقول في هذا الصدد:" نحن الشرقيين لا نشبه الغربيين. إذ المهيمن على قلوبنا هو الشعور الديني. فإن بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدر الإلهي،  إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق و يقوده إلى التقدم و الرقي"(3).

و خلال الحرب العالمية الأ‏ولى شارك النورسي في قيادة فرق المتطوعين الذين انخرطوا في هذه الحرب، ووقع في الأسر على يد الجنود الروس. و كان يشغل وقته بوعظ الجنود الأسرى، و إلقاء الدروس عليهم. لقد انخرط النورسي في حياة عصره منذ الحرب العالمية الأولى و تفاعل مع التيارات الفكرية و السياسية، محتفظا بإيمانه الشديد بعظمة الإسلام و بقدرته على خلق مدنية عظيمة تليق برسالته الكونية. و الواقع أن انشغاله كان قويا بمصير العالم الإسلامي الذي كان يبدو من خلال الحرب العالمية بمثابة ريشة في مهب الرياح. رياح المصالح الكبرى للدول الكبرى، و كانت تركيا نفسها أمام تكبد هزيمة ساحقة محققة، و لكن الأمل كان يفعم قلبه، من انبعاث وعي إسلامي شامل، يعود بالمسلمين إلى وحدتهم و تضامنهم تجاه التحديات التي تواجههم، و توقظ وعيهم من خلال نكبات الحروب و دمارها، و الاستعمار و ويلاته، و تدفعهم إلى النهضة البناءة و الصحوة المبدعة.

لم يكن النورسي يرى هذه الحرب التي خاضها الأتراك على كره منهم سوى حرب بين مدنية غربية مادية و مدنية شرقية إسلامية. كانت قد نشبت بين الشرق و الغرب منذ قرون خلت، و استعادت شراستها خلال هذه الحرب الأخيرة، و قد أدرك أنها تنطوي على صراع بين منهجين في الحياة، منهج يعتد بالحق و منهج يعتد بالقوة. و الحق من شأنه العدالة و التوازن و هدفه الفضيلة بدل المنفعة. والفضيلة من شأنها المحبة و التجاذب و دستورها في الحياة التعاون بدل الصراع. فالخلاف عميق بين مدنية تقوم على احترام مقومات الحق، و مدنية تقوم على الاعتداد بمقومات القوة و الصراع.

و يتحرر الأستاذ النورسي من أسر الروس فيعود إلى إسطنبول و إلى معاناته للشدائد و تقلبات الأيام و هزائم المسلمين، و شعوره بالمرارة تجاه انهيار كل ما كان يؤمله من العودة إلى القيم الإسلامية في خضم "علمنة" المجتمع التركي واستأصاله من هويته، و هكذا لاذ بحصن منيع و ملاذ رفيع، ظل مصدر قوة المسلمين في طور من أطوار تاريخهم، و عقب كل هزيمة من هزائمهم، و هو الإنكباب على القرآن لاستعانة وهجه الخالد في النفوس، و تأثيره في العقول عن طريق نقل الخطاب القرآني و تحليله إلى نفوس الإتراك.

كان قد بلغ الخمسين من العمر عندما ألغيت الخلافة الإسلامية، و شرع الحكام في تحويل صبغة المجتمع التركي و ثقافته إلى صبغة غربية وثقافية وضعية. فرغب في الإنزواء من مسرح الحياة الإجتماعية، و آثر التأمل و تعميق الدعوة إلى القرآن و الإبقاء على توهج نوره في قلوب المؤمنين، و دفع ما يراد أن يغشاه من تشكيك أو تهميش. و في هذه المرحلة بدأ سعيد النورسي مرحلة عمر جديدة قوامها خدمة القرآن  و استلهام حقائقه و اكتناه مكنونات علمه، و نبذ كل ما علق بفكره من فلسفات الغرب و مذاهبه، بذلك انتصار القلب على العقل وهي رحلة إستغرقت بقية عمره إلى أن وافته المنية سنة 1960.

ما العبرة التي يمكن استخلاصها من هذه السيرة المجاهدة المليئة بالعبر و القيم والتجارب المثمرة؟

لا نعتقد أن هناك عبرة واحدة يمكن استخلاصها من هذه الحياة المديدة، فالعبر منها تتعدد بتعدد وجهات النظر و مناهج التحليل. و ذلك بالنسبة لرجل خوطب ذات يوم بهذه العبارات:

" يا رجل القدر، يا رجل عصر النكبة و الفتنة و الهلاك".

إنه بالفعل كان رجل مرحلة "التحول" من فلك الإسلام و الحضارة الشرقية إلى فلك العلمانية و الحضارة الغربية، و بما أنه عصر تحول  فقد كان بالتالي عصر نكبة و فتنة و تدمير، بقدر ما كان في نظر الآخرين عصر ثورة و انقلاب و إعادة بناء.

و هنا أعود إلى التمهيد الذي قدمت به لهذه القراءة الموجزة لحياة النورسي، لأن حياته تؤكد بعض الاستنتاجات السابقة. فالنورسي مثل الصمود في وجه التحريف و التزييف، واستعلاء الفكر الغربي في المجتمع التركي. و هو و إن زاوج بين معطيات الثقافة الإسلامية و بين الثقافة العلمية الغربية حتى حدود الأربعين من عمره، إلا أنه رجع بعد ذلك إلى إيثار المنهج العرفاني الذي طبع حياته بصفة نهائية. و يمكن القول بأنه قد ولد من جديد بعد هذه التجربة العقلية والوجدانية التي خاضها بصمود في تجاذب بين الواقع السياسي و مختلف المؤثرات الثقافية و الاجتماعية. لقد ولد من جديد بعد اسقاط الخلافة الإسلامية، واستعلاء النزعة العلمانية، فتعمق ما كان يعيشه المجتمع التركي من تحولات سريعة لا يدري إلا الله ما ستؤول إليه. في هذه المرحلة جعل من القرآن مرجعه الوحيد في سيرته العرفانية، و اعتبر خدمته هي الواجهة الحقيقية لمقاومة كل غزو فكري، للحفاظ على عقيدة الإسلام و مقوماتها. و نذكر في هذا السياق أن حكم كمال أتاتورك قد فرض على المسلمين في تركيا منذ سنة 1932قراءة القرآن المترجم إلى اللغة التركية بدل اللغة العربية، و كذلك فرض أن يطبع المصحف الكريم بهذه اللغة كما فرض اللغة التركية في خطب الجمعة، و فرض الآذان والإقامة للصلاة بالتركية.

لقد شعر النورسي بكل مرارة، و إن لم يعبر عن ذلك بأن مجتمعه الذي انسلخ تدريجيا عن عربية القرآن هو أحوج ما يكون في الوقت الراهن إلى ترجمان لمعاني القرآن. و لهذا السبب اعتبر أن واجبه الأول أن يكون واحدا من هؤلاء العلماء الذين يحافظون على اشعاع القرآن و تأثيره في قلوب المسلمين، الذين حالت بينهم و بين هذا القرآن الكريم حواجز سميكة. فكتب "رسائل النور" باللغة التركية، لتقديم المضمون القرآني إلى المسلم التركي.

و مع ذلك، يمكننا أن نتساءل أي أثر يمكن احداثه في قلب مسلم حيل بينه وبين سماع الخطاب الإلهي في صيغته الإلهية المعجزة؟ و هو نفس السؤال الذي يمكن أن نطرحه في كل وقت بالنسبة لأي شعب إسلامي لا يعرف اللغة العربية. كما نتساءل أيضا: هل كان بالإمكان أن يقع بأي بلد عربي، يتلقى القرآن مباشرة ويصغي إلى خطابه في كل حين، ما وقع في تركيا من انقلاب ثقافي عميق، انقلاب حول المجتمع من هوية إلى أخرى ؟ إن العبرة هنا هي الإنسلاخ من هوية الإسلام.  ومما يؤكد هذه النتيجة أن القرآن يوم نزل لينقل الإنسان من وثنيته وشركه إلى وحدانية الله وتغيير المجتمع، إنما انطلق من هذا الإعجاز القرآني الذي لا يدرك غوره ولا يستطاع تحديده، لأنه خطاب الله المباشر إلى وجدان الإنسان. قال تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه."(4) قال بعض العلماء : لولا أن سماعه حجة وبرهان  على تصديق النبوة وعلى إدراك الحقيقة لما كان لهذا الأمر معنى .

فهل نستمع إلى القرآن اليوم عبر التواصل اللغوي الضروري لإدراك برهانية القرآن ونورانيته ؟ أحسب أن الصراع اللغوي الذي سلط على اللغة العربية قد جرد المسلمين ولا يزال من أسلحة المقاومة، لتقبل الفكر الوافد، بلغات الغرب، بذوق اهله و مزاجهم. فلا يجدون بعد ذلك مساغا للغة القرآن أو هديه. و هذا ما فطن إليه العقلاء من قومنا، فاعتبروا الدفاع عن عروبة اللسان دفاعا عن الهوية الإسلامية. بل هذا مايوقفنا عليه تاريخ المجتمعات الإسلامية منذ القرن السادس الهجري، لأن ابتداء انهيار دولة الإسلام الكبرى كان بابتداء تفككها السياسي، ثم انتقل الأمر إلى اصطناع اللغات القومية بدل العربية، فضعفت العلاقة بين شعوب إسلامية عديدة وبين كتاب الله. لقد استعادت تلك الشعوب في نظر نفسها لغاتها القومية، ولكنها فرضت حاجزا منيعا بينها وبين القرآن. و قام في أوساطها ما يشبه "الإكليروس"، الذي يجعل العلماء الذين يلمون باللغة العربية وسطاء بين الشعوب الإسلامية و بين الإسلام نفسه. ثم طغت العواطف القومية على الأواصر الدينية في العصر الحديث، وجاء الغزو الحضاري والإستعماري فاخترق هذا الكيان المتناثر للأمة الإسلامية لم يستثن من ذلك مشرقا ولا مغربا.

و شجعه على الإغتراب و الشك في الماضي الإسلامي و في ثراته، في حين أيقظ لديه مشاعر التراث القديم الذي يعبر عن أصوله العرقية، و ينمي لديه "الشعوبية"، ضد الأمة العربية. و ها نحن نعيش اليوم الاغتراب بكل معانيه وأبعاده.

و العبرة الأخرى من جهاد النورسي ومن سيرته أن القرآن الكريم يظل مفزع المؤمن عندما تحيط به أسباب الإرهاق و عوامل الإحباط و اليأس، فيجد فيه المدد الرباني و القوة المعنوية الدافقة، بل يجد فيه المنهج الأقوم لتحدي كل القوى المناوئة، كما يجد فيه الخطاب الهادي لكل فكر يبحث عن الحق و لكل قلب يلتمس نور هذا الحق.

يقول النورسي : "أخذتني الأقدار نفيا من مدينة إلى أخرى، و في هذه الأثناء تولدت في صميم قلبي معان جليلة، نابعة من فيوضات القرآن الكريم أمليتها على من حولي من الأشخاص في رسائل أطلقت عليها "رسائل النور" لأنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم "(5). و هكذا جاء تأليف هذه الرسائل و املاؤها على المحيطين به و المريدين له منهجا من مناهج الدعوة إلى الله التي نهض بها سعيد النورسي بعد أن لاحقه النفي و المطاردة، حتى لا يتصل به أحد أو يتأثر بدعوته. و لكنه برغم ذلك وجد في طائفة من مريديه و طلابه وسيلة لاستنساخ تلك الرسائل  بأيديهم و توزيعها. و بقيت هذه الرسائل تنتشر بهذه الطريقة، على مدى عشرين عاما، في غفلة من السلطات التي كانت قد منعت الكتابة بالحرف العربي، و أغلقت كل المطابع التي تعمل بالحرف العربي. و عندما اتسعت دائرة الطلاب من حوله ازداد انتشار رسائل النور بفضل استنساخ كل من يتلقاها لرسالة أو أكثر من تلك الرسائل خدمة للقرآن. فهذه الطريقة كانت بمثابة جهاد خفي، تحدى به النورسي تطويق القرآن بسدود و حواجز لا تعبر. لقد استطاع النورسي بفضل توهج روحه و إيمانه أن يبقى على شعلة الإيمان في شموع تتحدى غياهب الظلام.

و لا يسعنا اليوم و في هذا السياق بعد أن استوعبنا العبرة من حياة النورسي إلا أن نستحضر قوله تعالى : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره ولو كره الكافرون"(6).

بقي أن نقول كلمة عن "رسائل النور". هذه الرسائل التي كانت فيضا من استلهام القرآن، للإجابة عن كل ما يخطر بالفكر المؤمن و الفكر الشاك و الفكر الملحد من مشكلات و معضلات. إنها عبارة عن رسائل و إجابات بلغت ستة آلاف صفحة تستعرض كل ما يملأ الفكر الإنساني من مشكلات و يساوره من خواطر مما يؤكد حيوية الفكر الإسلامي و طاقاته العجيبة في كل زمان و مكان لمواجهة معضلات زمانه و أزمات حضارته. و بهذه الرسائل أثبت النورسي لأمته أن الحضارة الغربية و الثقافة الغربية مهما بلغتا من الإنتشار و النفوذ فإنهما لن تقضيا على جذوة القرآن في نفوس أهله، بل إن هذا القرآن لهو بمثابة المشكاة التي لا تستمد زيتها من غير كلام الله الأزلي.

يقول النورسي نفسه عن المهمة التي قامت بها هذه الرسائل :

"إن أجزاء رسائل النور قد حلت أكثر من مائة من أسرار الدين و الشريعة والقرآن الكريم، ووضحتها و كشفتها و ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم، وأثبتت بوضوح كوضوح الشمس ما كان يظن بعيدا عن العقل من حقائق القرآن كحقائق المعراج النبوي و الحشر الجسماني، أثبتتها لأشد المعاندين و المتمردين من الفلاسفة و الزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حظيرة الإيمان، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم - و ما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، و لا جرم أنها حقيقة قرآنية تشغل هذا العصر و المستقبل، و تأخذ جل اهتمامه، و أنها سيف المآسي بتار في قبضة أهل الإيمان" (7).

و يقول عن منهجها :

"ثم إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان انقاذ الإيمان. و لله الحمد فإن رسائل النور قد أنجزت و ما تزال تنجز هذه المهمة و في أصعب الظروف. إن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الامام علي و الحسن و الحسين و الشيخ الكيلاني رضوان الله عليهم أجمعين. اذ تلقيت درس الحقيقة -على طريقة أويس القرني- مباشرة من الامام علي رضي الله عنه بوساطة الشيخ الكيلاني (قدس سره) و الامام زين العابدين و الحسن و الحسين رضي الله عنهم، لذا فإن دائرة عملنا و خدماتنا هي دائرتهم"(8).

و يقول عن علاقتها بالفلسفة:

" إن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور و تصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، و ليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، و تعين الأخلاق و المثل الانسانية، و تمهد السبل للرقي الصناعي هي في وفاق و مصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، و لا تعارضها، و لا يسعها ذلك، لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة و الإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة و اللهو، و حيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها و ذلك بنصبها موازين دقيقة، و دساتير رصينة، و بعقدها موازنات و مقايسات معززة ببراهين دامغة، فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة" (9).

العبرة الأخيرة من هذه الكلمات المتفرقة: أن "النورسي" كان بمثابة "كوكب" في عصره يتلقى نور القرآن وسط مجتمع "أعجمي" ليعكسه على قلوب حائرة، أو باحثة عن الحق و عن الحقيقة وسط تيارات عاتية من الضلال و الالحاد. فكان بحق من الذين ورثوا رسالة "التبليغ" و تحملوها بتفان و إخلاص.

أما العبرة الشخصية التي استفدتها من النورسي و تراثه فهي أنني اكتشفت فيه و من خلاله معنى كون "المؤمن" بمثابة النواة الصلبة التي لا يمكن اختراقها، إذا ما كان هذا المؤمن ينظر بنور الله.

 

_______________________________

(1) سورة الروم: الآية:42

(2)  صيقل الإسلام ص356 .

(3) صيقل الاسلام ص530 .

(4) سورة التوبة: الآية :6

(5) الشعاعات ص 542

(6)  سورة الصف: الآية: 8

(7) الملاحق ص248

(8) الملاحق ص 262- 263

(9) الملاحق ص 286 


7-) التجديد العقدي عند النورسي

التجديد العقدي عند النورسي

د. الحسين ايت سعيد

استاذ السنة وعلومها

بكلية الأداب بمراكش

إن المعتقد هو المحرك للإنسان، وهو الذي يضبط توجهاته، ويحدد له ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يذر، وهو الذي يجلى له حقائق الأشياء فيراها بذلك المنظار، ويرفض مشاهدتها بمنظار آخر. بغض النظر عن كون الرؤية أو المعتقد سليمين أو عليلين.

ذلك أن عملية التفاعل مع الواقع، والتاثير فيه، وتغييره بأفعال الإنسان، تمر من مرحلتين اثنتين :

إحداهما : عملية التصور لما ينبغي أن يفعل، وما ينبغي أن يترك، وما يجوز أن يقدم، وما لا يجوز وما يجوز أن يؤجل، فالعقل يتصور ذلك كله ويرتب جزئياته، وينسقها بعمليات معقدة، حتى تصبح كخريطة بناء يحتذى حذوها، ويقوم على وفقها ورسم بناء عظيم، وفق تلك الخريطة، بلا تزيد ولاتنقص.

والثانية : عملية التنفيذ الفعلي والتطبيق لما تصوره الذهن ورسمه، تنفيذ له في عالم المادة والواقع الخارجي، طبقا لذلك المصدر المعهود، فكل من سعى لفعل شيء أو تركه في الخارج، فإنه يسعى له بعد تصوره وإدراكه، فغير المتصور لايسعى في فعله، وغير المدرك لايتصور وجوده.

ومن هذا المنطلق والسنة الحتمية، يجري جميع العقلاء لتحقيق تصوراتهم وإبرازها، وإخراجها من عالم المُثل إلى عالم الحقائق الملموسات، بغض النظر عن كون تلك التصورات حقا أو باطلا.

وقد لخص الأقدمون هذا كله في عبارة جامعة وجيزة بليغة، وهي قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره ".

وإذا كان للدافع الداخلي وإداركه كل هذا الأثر في العالم الخارجي وكان ذلك غريزة لا يشعر بها أغلب الخلق، وكانت النتائج المترتبة على ذلك، قد تكون حسنة  وقد تكون سيئة، كان الناس بحاجة إلى تفكير جدي ضروري في تصحيح تلك التصورات الغرزية، حتى تكون ثمارها في الواقع يانعة، واشجارها باسقة وارفة الظلال، يأوي إليها، من اضناه الجوع لتشبعه، ومن لفحته السموم لتظله.

وهذا التفكير الضروري، هو أيضا خاضع لمقاييس البشر التي تختلف في معايير القبح والجمال، والمنفعة والمضرة، والمصلحة والمفسدة، والتفكير السديد من التفكير الأرعن، المنسوج بأهواء وغرائز الناس التي لاتكاد تأتلف على شيء. فأملق الناس إلى سنخ آخر، وركن شديد يأوون إليه، من أهواء مضلة، ومصالح متباينة، ليجنبهم كل ملغ من الأقوال والأفعال، وهنا أدركت عناية الله عز وجل هذا الإنسان المكلف، فأرسل إليه رسله تترى، وأنزل له الكتب، تلخصه، من براثن الهوى والشهوة والمنفعة المتوهمة، وبدأت ببناء كيانه الباطني، وشحنه بقوة موصولة بالله، مستمدة من اسم الله هذه القوة هي العقيدة، التي ستتفجر من مخبوء هذا الإنسان، لتصبح عيونا وأنهارا، تسقي الأفئدة الميتة، وتروي الضمائر الهامدة، لتحيا برحيقها العذب، وزلالها الصافي، وتنمو في أحضان التدرج والسنن المنصوبة المشهودة، ولهذا ركز القرآن المكي على هذا الباطن إصلاحا، وتهذيبا، وتغييرا، وتقويما ورصداً ومتابعة، فاستغرق بناء الكيان الداخلي الذي سيشيد عليه صرح البناء الخارجي، مدة أكثر من مدة البناء الخارجي، للدلالة على أن القوة في الإنسان تأتي من الداخل، وليس من الخارج وان التغيير تال لذلك، يأتي من الضمائر، وليس من  المظاهر فإذا تجدرت هذه القوة في الداخل، ونمت نموا طبعيا، وحضنت حضانة حصيفة، وأخذت من الزاد ما يكفيها، فإنه لن يقف في وجهها قوة خارجية، مهما عظمت وتجبرت، وملكت وتملكت، لأن سنة الله جرت أن العاقبة للتقوى، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون.

ولهذا الملحظ عُني علماء هذه الأمة، وأمناؤها على الوحي بأمر العقيدة، وجعلوها أقدس الأوْلويات، وأمعنوا في تقرير حقائقها، وأجمعوا على تبيان مسالكها، ومعضوا من كل من تنكب سبيلها أو قرر غير مضامينها، ومظوا من ينقر لها عن بديل، فاستنارت الأفئدة لذلك بتوجيههم وتذكيرهم، وقوي الوارع، وقل الرقيب، وانتشرت الامانة بذلك والعفة، وأصبح الخدن يبحث مع خدنه في أمر جامع، لا أمر جامح نازع.

ومن هؤلاء العلماء الذين لهم شرف تقرير حقائق العقيدة العلامة المجدد، الشيخ بديع الزمان النورسي - رحمه الله - الذي جدد ولا شك في مجال تقرير العقيدة من جهات.

احدها : ابتعاده عن جدل  المتكلمين في تقرير حقائق الإيمان، فلم يفتعل معركة بين العقيدة والواقع حتى يحتاج لسيف مسلت، ولا كان غرضه الدخول في معارك لا تكاد تنتهي.

وثانيتها: تقرير حقائق المعتقد بلغة عصره وتقريبها بأمثلة حية من العلوم المادية، التي كان الناس يقدسونها في زمانه، وتعنو لها جباههم، ولذلك يكثر في كلامه، ضرب الأمثلة، بالذرات، والنباتات والحيوانات، والكائنات الحية، والطبيعة.

وهذه كلها مصطلحات علمية، تقرب الصورة ، وتقنع الخصم، وتورث الإيمان باستحقاق الله عز وجل لعبودية العباد، وهذا أعز مطلب.

وثالثها : عدم إبعاد نتائج المعتقد عن تقرير حقائق هذا المعتقد، وهي التربية على الأخلاق والفضائل التي تستمد، من نصوص العقائد، وقد فطن لهذه المسألة المهمة، التي كان كثيرون يغفلونها في الدرس العقدي، فيصبح  بذلك جافا لا رصيد له من الواقع، يخرج منه المتلقي كما دخل إليه، لم يبل ببلاله، ولامش من معناه ما يشفي غليله، فوقعت المسافة والشقة، بين ما يتلقنه الشخص، وبين عمله، فضاع الجهد، ومضغت الحقيقة، فأصبح المسلم بذلك فارغاً يبابا ينطبق عليه قول القائل :

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت      مسافة الخلف بين القول والعمل

ولأهمية هذا المعنى - أعني التخلق بمضامين العقيدة - يكثر الشيخ النورسي من التذكير بجلال الله، وجماله، وإحسانه لعباده، وحكمته في خلقه وكماله، ليلفت نظرنا إلى التخلق بهذه الأخلاق، والتحلي بمداليلها، إنه لايكفي ان نتعلم أن الله حكيم، ولانبغي الحكمة ولانتجللها، كما لايكفي ان نعلم ان الله رحيم ولانرحمُ ولانتراحم، وبهذا ربط الشيخ الايمان بآثاره النفسية والواقعية، واعاد وشائج القربى والتلاحم لجزئيات العقيدة، فأصبحت بذلك منتظمة من كلية، تهيمن وتجمع الأشتات. هذه غاية الجدة التي أغفلت منذ أزمنة سحيقة.

هذه الخصائص الثلاث في تصور الشيخ النورسي للعقيدة ، تشمل عنده: الربوية، والألوهية، والنبوات. ولننصت إليه وهو يقرر هذه الحقائق في هذه الجوانب الثلاث من خلال كتابه « أنا »:

1- الجانب الأول : الربوبية :

يقول المؤلف: "إن في حركة كل ذرة وفي سكونها، يتلمع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان... إن كل ذرة من الذرات، إن لم تكن مأمورة بأوامر الله تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفعله، وإن لم تتحول بعلمه وقدرته، فلابد أن يكون لكل ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حد لها. وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء، لأن كل ذرة... تعمل عملا منتظما في جسم كل كائن حي، علما أن أنظمة الأشياء، وقوانين تركيبها، مخالف بعضها بعضا، ولايمكن عمل شيء ما لم تعلم أنظمته، وحتى لو قامت الذرة بعمل، فلا يخلو من خطأ، والحال أن الأعمال تنجز من دون خطأ، فإذن إما أن تلك الذرات العاملة، تعمل وفق أوامر من يملك علماً محيطاً بكل شيء، وبإذنه وبعلمه، وبإرادته... أو ينبغي ان يكون لها مثلُ ذلك العلم المحيط والقدرة المطلقة » .

هكذا سلك الشيخ -رحمه الله- لإثبات ربوبية الله تعالى لخلقه مسلك الحدوث والافتقار، ومسلك عناية الله تعالى بخلقه، وقد استعمل نوع من السبر والتقسيم في حصر الأوجه، ثم نفي ما لا يمكن منها، لإثبات الممكن، وهو المطلوب، وهو في هذا قد لايخرج عن تقسيمات المتكلمين للموجودات، لكنه أبرز القضية في قالب آخر تفهم به بلا عناء، ولم ينسه في صدد تقرير ما قرره أن يبطل خرافة المصادقة، التي كان الفكر المادي الملحد روج لها بكثرة في زمانه، وأرادوا لها أن تكون حقيقة من الحقائق، ولكنها فكرة ماتت، حيث ولدت، وأثبتت التجارب العلمية المخبرية، سفسطتَها وخيالها.

2- الجانب الثاني : الألوهية

يقول الشيخ - بصدد تقرير هذه الحقيقة - : "بل إن خلق تلك اللطائف والحواس والمشاعر في وجودكم، وإدراجها في فطرتكم، إنما يستند على أساسين اثنين :

الأول : أن تجعلكم تستشعرون الشكر تجاه كل نوع من أنواع النعم التي أسبغها عليكم المنعم سبحانه، أي عليكم بالشعور بها، والقيام بشكره تعالى وعبادته.

الثاني : أن تجعلكم تعرفون أقسام تجليات الأسماء الحسنى، التي تعم الوجود كله معرفتها وتذوقها فردا فردا، أي، عليكم الإيمان بتلك الأسماء ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة، وعلى هذين الأساسين تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغذو الإنسان إنسانا حقا » اهـ 

هكذا قرر الشيخ العبودية الاختيارية التي هي حق الله على عباده بدليل الانعام الذي يبعثه على عبودية فيها محبة واخلاص، لاعبودية فيها كراهة وانتكاس. لأن كمال العبودية، في كمال المحبة للمعبود، والانقياد له ظاهراً وباطنا.

الجانب الثالث : النبوات

يقول الشيخ النورسي في بيان هذه الحقيقة : "إن في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر تيارين عظيمين وكسلسلتين للأفكار يجريان عبر الأزمنة والعصور... احداهما  سلسلة النبوة والدين، والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة، فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين.. استجارت الفلسفة بالدين، وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته... ومتى انفرجت الشقة بينهما...احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة... والآن لنجد منشأ كل من تلكما السلسلتين... فإن سلسلة الفلسفة التي عصت الدين اتخذت صورة شجرة زقوم خبيثة تنشر ظلمات الشرك وتنشر الضلالة ... وبجانب هذه الشجرة الخبيثة- نشات شجرة طوبى العبودية لله، تلك هي سلسلة النبوة، فأثمرت ثمرات يانعة طيبة في بستان الكرة الأرضية ومدتها إلى البشرية، فتدلت قطوفاً دانية، من غصن القوة العقلية أنبياء ومرسلون، وصديقون وأولياء صالحون... وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا « أنا »... إن النبوة تمضى آخذة وجهاً لأنا والفلسفة تقبل آخذة الوجه الآخر لأنا فالوجه الأول الذي يتطلع إلى حقائق النبوة، هذا الوجه منشأ العبودية الخالصة لله، أي إن « أنا » يعرف أنه عبد لله مطيع لمعبوده...هكذا نظر الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من الأصفياء والاولياء إلى « أنا » بهذا الوجه، وشاهدوه على حقيقته هكذا، فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال.... أما الوجه الثاني فقد اتخذته الفلسفة، وقد نظرت إلى « أنا » بالمعنى الأسمى، أي تقول « إن أنا يدل على نفسه بنفسه... » اهـ .

هكذا قرر الشيخ مسلكين في حال بيانهما او اتخاذهما، مسلك الفلسفة ومسلك النبوة، فالمقارنة هنا، وإن كانت لا تصح في ذاتها، إلا أن الغرض بها، هو الوصول إلى إبطال استقلال الفلسفة عن النبوة، ولهذا الملحظ صحت المقارنة، فالشيخ النورسي، هو فيلسوف كبير، قد خبر الفلسفة وعرف أدواءها، وعلم منعرجاتها الملتوية، ولذلك حينما يتكلم عنها يتكلم ، وهو من أبناء دروبها، فقوله فيها قول صادق، وحكمه عليها حكم عادل، وقد قرر بصفاء إيمانه، وبراعة عبارته، أن الفلسفة- يعني عالم الأفكار، للفلسفة بعينها- لابد أن تخضع للدين والنبوة والوحي، إذا أرادت ان تعبر عن انسجامها التام مع الكون كله، فإذ تفلتت من هذا المرض ومن قيوده، فإنها تصبح وحشاً كاسراً، يأكل ويفترس كل ما أتى عليه، وهذا تأكيد منه  على غلط الفلاسفة حينما زعموا استغناءهم عن الوحي والنبوة.

والشيخ لم ينس بيان ما يترتب على كل من النبوة والفلسفة من نتائج واقعية كافية في الحكم على مدى أحقية أحدهما دون الآخر بالاتباع، ولايخفى تشبيهه البارع لهما بشجرتين، ولفوائدهما بالثمار، وبذلك جمع بين متعة الكلمة ورنينها المشوق، وتقرير الحقائق الكلية المعبرة، التي تمر عبر سلاسة العبارة ومنافذها المتفتحة المفعمة بروح جديدة تسري في كيان الأحياء الحقيقيين، وتقوم بها الحجة لله ولعباده على الجامدين المقلدين أو الأموات الهالكين الذين لاتنفعهم الذكرى، ولايتذكرون.(*)

 

___________________________

(*) ندوة الرباط – جهود النورسي التجديدية – المغرب 1999

 

 


8-) خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

كنا دائما نشير إلى عبقرية النورسي وإبداعه الذي جعل معاصريه يلقبونه بديعا، وكنا نشير إلى معادلة يود أن يحقق من خلالها منهجه الصوفي الذي ينكر أي انتساب لطريقة  إلا طريق القرآن والإيمان، ثم  يثبت بحياته و فكره ومنهج تعامله مع  طلابه معالم طريقة صوفية متميزة، فما هي معالم هذا المنهج الفريد المستمد من سيرة حياته والعوامل المؤثرة فيها ومن مؤلفاته وأفكاره؟

أثبتت سيرة حياته تتلمذا على الشيخ القادري عبد القادر الكيلاني  في كتابه " فتوح الغيب "، وقوله "كن طبيبي أيها الشيخ "، كما أثبتت تتلمذه على الإمام الفاروقي السرهندي في كتابه " مكتوبات".

 ونتج عن هذا التتلمذ نـزوع إلى تأسيس طريقته القائمة على " تربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر"، واتخاذ العمل الإيجابي البناء شعاراً دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها.

ونتج  عنه قيادة حركة النور، وانتشارها في واقع المجتمع التركي. كما نتج عنه تأثير في تقويم وتغيير سلوك الفرد لإنقاذه من الصفات الهابطة. وتميز طالب النور بالعيش في المجتمع وقد تطهر من لوثات الضلالة والنفاق لشدة ارتباطه اليومي بالرسائل. وهي دليل عملي على تأثير الرسائل في تقويم السلوك .

كما تميز بالتزام توجيهات أستاذه  القائمة على مجموعة من المبادئ :

1 – توقير الجماعات والطرق فلا تجريح ولا حدة ولا تهور، والاكتفاء بالدفاع مع إظهار روح المصالحة بعيدا عن الأنانية.

2 -  التشدد في مواجهة القسم الفاسد  من الغرب، واستثناء  القسم الطيب النافع.

3 – التزام الطريقة الموافقة لأهل السنة والجماعة، حفظا لحقائق القرآن والإيمان. وسيرا على محجتها البيضاء المنكرة لمطلق الولاية.  والمؤمنة إيمان أستاذها النورسي بأن: "جميع الطرق غير النابعة من القرآن لا توصل الإنسان إلى الحقيقة".

ورغم هذه القيادة الفكرية ينكر اعتبارها مشيخة، ويحيل على رسائل النور "لأن قراءتها أفضل مئة مرة من الحديث معي"(1).هذا ما يعبر عنه بعض المتخصصين في فكر النورسي قوله: " إن رسائل النور ليست طريقة صوفية  بل حقيقة، وهي نور مفاض من الآيات القرآنية، ولم تستق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاصة لهذا الزمان "(2).

كما ينكر في المقابل أية مشيخة إلا مشيخة القرآن العظيم، قائلا: " إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها ..وشمس هذه الكواكب السيارة إنما هو "القرآن الكريم " فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق .. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه" (3).هذا ما يؤكده الأستاذ إحسان قاسم الصالحي مترجم الرسائل قائلا: " لم يكن هناك أي مصدر عند المؤلف سوى القرآن الكريم، فكان يستلهم من الآية معانيها، ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها " (4).

لكنه يوجه المتدبر للقرآن الكريم إلى أن يكون مفسرا وعلامة حقا ومتخصصا في كل علم من العلوم، سواء اللغوية أو الشرعية أو العلوم الكونية. وإلى عدم الوقوع تحت تأثير أذواقه الشخصية، وخلط نهجه واجتهاداته الشخصية بتفسيره، حتى تبقى الحقيقة صافية نقية لا شائبة فيها. 

من هذا النور القرآني نتلمس معالم صوفية النورسي البيانية، متلونة بعبقريته وإبداعه، غير محتاجة لشيخ أو مرشد. إنها بيانية  صادرة عن مجادلة هائلة بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه، إذا قلت إن لغتها قد أشكلت على فهمك، فإن النورسي يقرّ بها، ويلتمس لها عذرا  قائلا: " لا تظنن أني باختياري أشكلتُ عليك عبارة هذه الرسالة، إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش،  والكلمات إنما تولدت في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيها الأنوار مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا، إذ سلكت طريقا غير مسلوك، في برزخ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود " (5).

من هذا النور القرآني البياني نعود إلى فرضية صوفيته، واقفين حائرين أمام هذه المعادلة  التي ترجح حينا بُعده عن الصوفية أو المشيخة أو الانتساب إلى طريقة، وتعضدها  مواقفه وآراؤه في الرسائل، ثم ترجح حينا آخر منهجه الصوفي البياني المبدع  الفريد " تقديرا للتصوف ورجالاته، واقتداء بسلوكهم زهدا وذكرا ومناجاة، ومحبة  ومعراجا وحفظا لحقائق الإيمان.

هذه  شربة من نبع  بديع  الزمان النورسي، تزداد معها شوقا إلى المزيد حتى  ترتوي من نور رسائله وتدرك البون الشاسع بين من يدب في  الأرض، ومن يعرج إلى السماء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

______________________

(1) ملحق اميرداغ / 2 ص 394.

(2) قسطموني ص 202.

(3) المكتوبات ص 457 .

(4) بديع الزمان النورسي ص 150 .

(5) المثنوي العربي النوري 35.


9-) النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

د. محمد أمين الإسماعيلي

أستاد العقيدة وتاريخ الأديان

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - بالرباط 

1- النورسية  في مواجهة العلمنة

ولد بديع الزمان سعيد النورسي سنة 1876 وتوفي سنة 1960 فيكون قد شهد ما يزيد قليلا عن الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مع ما يزيد قليلا عن النصف الأول من القرن العشرين. وهذه السنين التي جاوزت الثمانين عاما تعد من الأعوام الخطيرة في تاريخ الشرق الإسلامي.

لقد فتح النورسي عينيه على أحداث تركيا الجسام، وتلمس أمة كبيرة لها هويتها الإسلامية وأصالتها الدينية فخورة بوجودها الإيماني، تزهو به وتنتخر، لأنها وصلت بالإسلام إلى قمة الحياة والمجد، وسادت على الأمم ؛ بفضل عقيدتها، وأصالتها، ثم أصابها المرض الذي يصيب الحضارات الكبرى، فتاهت وصارت تبحث عن نفسها بين التنظيمات الأوربية المستوردة، وبين الأصالة، وفكرة الجامعة الإسلامية، وأصبح دورها مشتتا  بين الطورانية والعلمانية وفصل بين الإيمان والزمان.

في هذا الوضع  المتلاطم الأمواج، كانت تركيا تبحث عن مستقبل جديد لا يعرف طريق الوصول إليه، باهت المعالم غامض الأهداف، مجهول النتائج، فاقد القدوة، فمنذ أن ظهرت المسألة الشرقية، التي كانت عنوانا لخطط أوربا للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي ونهب ثرواتها بمختلف الطرق والأساليب، وممتلكات الخلافة العثمانية توزع كالفريسة التي تنتهك حرمانها بين مفترسيها، وافتقدت القدوة داخل المجتمع التركي الذي غلب  عليه اليأس والفنوط وهو يرى أمجاده تضيع في ثنايا التاريخ الذي لم يعد يقرأه احد أو يتدبر عبره ودروسه أحد وكانت الأمة اجتثت من جذورها نهائيا.

وتلقت الخلافة ضربة موجعة حينما وجهت فرنسا حملتها على مصر واحتل الانجليز الهند، وتوالت النكبات واختلت الأحداث، وتطور مفهوم المسألة الشرقية، وصار معناه العمل على إضعاف القوة السياسية للإسلام.

وهكذا وقعت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت ممتلكات الخلافة الإسلامية العثمانية وكانت الحرب العالمية الأولى قاصمة الظهر ونهاية الخلافة العثمانية التي دافعت عن الإسلام وأهله قرونا عديدة من الزمن.

 هذا فيما يخص العدو الخارجي، أما العدو الداخلي فكان خطره أعظم، وقد تمثل في دعاوى القومية والوطنية التي حولت حركة الجهاد الإسلامي إلى حركة ضيقة دفاعية تجزيئية ، عكس مقاصد الجهاد في العقيدة الإسلامية، وقاد التعصب بعض رجال تركيا الفتاة  و مثقفي البلاد  العلمانيين إلى الإصلاح الدستوري، ثم العمل على القضاء على الخلافة العثمانية وعلمنة تركيا. فظهرت الثورة الكمالية وتفشت العلمانية التي تعادي الدين، ونتج عن ذلك ظهور الشقاق بين المسلمين، وتطورت النزعات القومية والحركات الوطنية في كافة أجزاء الخلافة العثمانية. وقد واكب النهضات الصناعية التي أسست مجتمعات داخل المدن بعيدا عن أعين الحشمة البدوية  والقروية التي كانت تقيم الأخلاق الإسلامية في حياتها، فكان لابد من قيام حركة إصلاح تحفظ هوية الأمة وتصون أخلاقها ضد العلمانية الزاحفة، ومن ورائها المستعمر الغاشم. وهنا برزت النورسية كمصباح مضئ ما لبث ان عم نوره المبارك كافة ارجاء الخلافة . لقد نشأ النورسي نشأة الحامل للأمانة وتربى ليكون رائدا لأمته ومثالا يحتذى به. "ووقف في مقدمة الصفوف وفي أول الخنادق في اسطانبول لايرضى بمغادرتها إلى أي مكان آخر، يؤدي واجبه المقدس ضد المحتلين بأفضل ما يملكه ".

ولم تستطع جميعة الاتحاد والترقي أن تنال من همته أو تفل من عضده  بل سار سيره في ترسيخ المبادئ، وإنشاء العلم بين الناس. فقد كان رحمه الله قد توقع حدوث الكارثة بالأمة الإسلامية والخلافة، "فكثيرا ما نبه المعنيين والمسؤولين من سلاطين وحكام بأن القرن الآتى هو قرن العلم، لذا فإن المدارس الدينية القائمة آنذاك والتي كانت مقتصرة على الدراسات الدينية فحسب، لا تخرج أجيالا من الشباب قادرة على التصدي للمغرمين بالحضارة الغربية ما لم تطعم هذه الدراسات بالعلوم الكونية الحديثة. لذا فقد حذر وأنذر وأعذر في خطبه الكثيرة ومقالاته الجديدة وتآليفه ومقابلاته الشخصية وتجواله في المدن والأرياف.. كل ذلك لإيقاظ الأمة والمسؤولين من هذه الحملة التي طال امدها ومن الكارثة المتوقعة، ولكن صيحاته هذه لم تلق سوى آذانا صما وقلوبا غلفا لا تعي.. حتى وقعت الكارثة" .

2- النورسية والإصلاح العقدي :

نشأت النورسية نشأة اسلامية خالصة، مدفوعة بإيمان عميق، متوجهة إلى أهداف عقدية صريحة لأن العقيدة هي روح الأمة، والطريق إلى إحيائها  فبدأ بديع الزمان النورسي من إصلاح الفكر العقدي، السائد. فإذا كانت مدرسة الجزيرة العربية سنة 1115 قد خلفت أثرا إصلاحيا وهبت ريحها على العالم الإسلامي، فأثارت عواطف الأمة الإسلامية لتهب لإنقاذ نفسها بدينها بعد ان فشلت تجارب القوميات في أوربا وتهاوت الخلافة على مرأى ومسمع من الشعوب المسلمة، بفعل العامل الداخلي الذي ترك الأخذ بالأسباب، والعامل الخارجي المتمثل في تكالب قوى الشر المتعصبة ضد امة الإسلام قد أعقبت قيام هذه الحركة منها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة ما شومي في أندونيسيا، والمودودي في باكستان والمهدي السوادني في السودان، والنورسي في تركيا.

وإذا كانت مدرسة الشيخ حسن البنا تجسد عقيدة سلفية وحركة صوفية أسهمت في خلق ثورة فكرية تجديدية في التفكير الإسلامي، وحملت لواء الثورة ضد الحركات الإستعمارية في المشرق القريب والبعيد، فإن مدرسة الشيخ سعيد النورسي هي المدرسة الأولى التي حملت لواء التجديد في الفكر الإسلامي في تركيا الطورانية، وبخاصة ضد دعاوى الوضعية القومية المتعصبة التي تهاوت في معاقلها في الغرب قبل الشرق القريب والبعيد، وتنامت مع القادم الجديد الذي عبأ تركيا بغيرما كان ينبغي أن تعبأ به فمالت في أوديتها تيارات تبحث بواسطتها عن ذاتها أو هويتها  هل ترتمي في أحضان الدب الأبيض أو تعود إلى ما كانت عليه قبل الإسلام؟ أم تتمسك بدينها فتحفظ لنفسها الوجود الداخلي والإنسجام الخارجي؟ وسؤالنا قبل ذلك هو : ما الذي دفع النورسي لحركته التجديدية في الفكر الإسلامي للحفاظ على تركيا مسلمة؟

يجيب النورسي على هذا الإشكال فيصف  الإنسان التركي بأنه ذلك المسافر الذي أرسل إلى الدنيا لأجل الإيمان، وأن سعيه ينبغي ان ينحصر في البحث عن الذات، وذلك بسياحة فكرية في عالم الكائنات للإستفسار عن خالقه في كل شيء، والتعرف على ربه في كل مكان، وترسخ إيمانه بدرجة حق اليقين، بوجوب وجود الهه الذي يبحث عنه.

ويصور النورسي هذا الإنسان التركي بالباحث الذي يدعو إلى القيام برحلة سياحة ليتفقد أحواله وذلك من خلال أربع حقائق قدسية تستحوذ على الكائنات وتستوجب التوحيد بدرجة البداهة.

أ- الحقيقة الأولى : هي الألوهية المطلقة : وحقيقة هذه العبودية تتلخص في كونها لا تقبل المشاركة معها، لأن الذين يقابلون تلك الألوهية بالشكر والعبادة هم ثمرات ذات مشاعر في قمة شجرة الكائنات، لذا فـإن إمكان وجود آخرين يشدون انتباه الناس، ويجذبونهم إليهم، ويجعلونهم ممتنين لهم وشاكرين، محاولين تنسيتهم معبودهم الحق الذي يمكنه أن ينسى بسرعة لغيابه عن الرؤية ولاحتجابه عن الأنظار-مناقض لماهية الألوهية ومناف لمقاصدها القدسية، ولا يمكن قبوله إطلاقا.

فهو يربط الناس بالسماء دون إبعادهم من الأرض التي تتطلب منهم العمارة وتحقيق الأثر، فكل من ينسي الإنسان مهمته في الحياة يكون قد استغفله وأخرجه عن مهمته مهما كانت الدعوة التي يوجهه إليها.

الحقيقة الثانية : الربوبية المطلقة : والاعتراف بها يقتضي التعلق بخالق الإنسان ورفض الشريك مطلقا فيها، لأن أهم غايات تلك الربوبية وأقصى مقاصدها هو إظهار جمالها، وإعلان كمالها، وعرض صنائعها النفسية، وإبراز بدائعها القيمة. وقد تجمعت هذه المقاصد جميعها في كل ذي روح، بل حتى في الجزئيات، لذا لايمكن أن تقبل الربوبية الواحدة المطلقة الشرك ولا الشركاء إطلاقا.

الحقيقة الثالثة : الكمالات : ومعناها الإتقان للكون  والحياة والإنسان فجميع ما في الكون من حكم سامية وجمال خارق وقوانين عادلة، وغايات حكيمة إنما تدل بالبداهة على وجود حقيقة الكمالات... ويعني شهادة ظاهرة على كمال الخالق سبحانه الذي أوجد هذا الكون من العدم، ويدير أمره في كل ناحية إدارة معجزة جذابة جميلة، فضلا عن أنها دلالة واضحة على كمال الإنسان الذي هو المرآة الشاعرة العاكسة لتجليات الخالق جل وعلا.

الحقيقة الرابعة : الحاكمية المطلقة : وهي النظرة الفاحصة الواسعة إلى الكون، الذي يرى انه بمثابة مملكة مهيبة في غاية الفعالية والعظمة، وتظهر له كأنها مدينة عظيمة تتم إدارتها إدارة حكيمة، وذات  سلطنة وحاكمية في منتهى القوة والهيبة. ويجد أن كل شيء وكل نوع متملك ومسخر لوظيفة معينة. فما دامت الحاكمية الواحدة المطلقة حقيقة كائنة، وهي موجودة ، فلا بد أن الشرك لا حقيقة له ؛ ذلك لأن الحقيقة الجازمة التي تصرح بها الآية الكريمة ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)  تفيد بأنه لو تدخلت أيد متعددة في مسألة معينة وكان لها النفوذ اختلطت المسألة نفسها. فلو كان في مملكة ما حاكمان، أو حتى لو كان في ناحية ما مسؤولان، فإن النظام يفسد ويختل وتتحول الإدارة إلى هرج ومرج .

هذه الحقائق عند سعيد النورسي يريد من خلالها أن يقول : إن على المسلم في كل مكان وزمان أن يقدر موقفه، وأن يعيد بناء نفسه، وبناء حياته الاجتماعية على ضوء المبادئ النهائية، وأن يستنبط من أهدافه، منه التي لم تتكشف بعد إلا تكشفا جزئيا تلك الحاكمية الروحية التي هي منتهى غاية الإسلام ومقصده-والتي بدونها يفقد وجوده الحر الثابت الذي يتخذ منهجه من الدين الحق الذي هو أحرص من العلم على الوصول إلى ما هو في النهاية حق، وإلى صيانة هذا الحق. ويريد أن يقول إن الإنسان العصري وقد أعياه نشاطه العلمي كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحية الكاملة. وقد استغرق في الواقع الآلي الظاهر للعيان فأصبح مقطوع الصلة بأعماق وجوده -تلك الأعماق التي لم يسبر غورها بعد. والحقيقة في نظر الإسلام الحق روحية ووجودها يتحقق في نشاطها الدنيوي، فالمادة لا تكون لها حقيقة ما حتى تكشف عن أصلها المتأصل فيما هو روحاني.

وخلاصة أمر  النورسي يتجلى في أن منتهى غاية الذات ليس أن ترى شيئا، بل أن تصير شيئا، والجهد الذي تبذله الذات لكي تكون شيئا هو  الذي يكشف لها فرصها الأخيرة لشحذ موضوعيتها وتحصيل هوية أكثر عمقا ورحم الله الإمام الغزالي حينما قال : أنا أريد إذن، أنا موجود.

 


10-) أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

الأستاذ حسين عاشور(1)

إذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج البشرى الأسمى للأخلاق ، وهو القدوة الكبرى للبشرية في هذا الصدد ، فإن من الطبيعي أن يحاول كل مسلم أن يتحلى بما أمكنه من شمائل الأخلاق المحمدية ، ولاشك أن المصلحين والدعاة وأهل العزيمة أكثر حرصاً على التحلي بما أمكن من تلك الأخلاق ، وهكذا فإن الشيخ بديع الزمان سعيد النورسى - ذلك المصلح الكبير – من أكثر الناس حرصا على التحلي بما أمكن من تلك الشمائل ، ولاشك أن نجاح النورسى فى دعوته ووصول رسائله وأفكاره إلى عدد هائل من البشر في تركيا وخارجها يرجع فى جزء كبير منه إلى تحلى الرجل بعدد من الصفات الأخلاقية التي أعطته المصداقية والقدرة على الوصول إلى قلوب الناس، وأعطته الصلابة والقدرة على الصبر على ظلم الظالمين وتعسف السلطات معه في بعض الأحيان. ولأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة في الأخلاق للشيخ النورسى - كان خلقه القرآن ، فإن شمائل الشيخ النورسى مستمدة بدورها من القرآن الكريم ، ولعلنا إذا ما تتبعنا مواقف حياة الشيخ النورسى، وكذا أفكاره وآراؤه واجتهاداته التي اشتملت عليها رسائله نجد أن الأخلاق القرآنية تهيمن على جزء كبير من أفكاره وممارساته على حد سواء، ومن الصعب بالطبع تتبع كل تلك الآثار في مؤلفاته ومواقفه وسيرته ، لأن ذلك يعنى أن نتكلم عن كل شئ تقريبا وكل يوم وكل فكرة ، لأن الأخلاق القرآنية تسرى في كل ذلك سريانا خفيا وظاهرا وشاملا ومستمرا ، ولهذا السبب فإن تركيزنا على بعض المواقف والأفكار سيكون مجرد ضرب نماذج أو اختيار بعض الفاكهة من بستان كبير ، ولا يعنى هذا أن تلك المختارات التي سنقف عندها هي أفضل الفاكهة وأعطر الزهور في بستان الشيخ النورسى، بل هي مثل غيرها الكثير مجرد قطفات سريعة ووقفات أمام خضم هائل من المواقف والأفكار الأخلاقية .وفى الحقيقة فإن الشيخ سعيد النورسى نفسه يلفت نظرنا إلى حقيقة تأثره الأخلاقي والفكري بالقرآن الكريم، قائلا"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري ولا تعود إلى أبدا إنما للقرآن وحده، وقد ترشحت من زلال القرآن" .وقياسا على ذلك فإن مواقف الشيخ سعيد النورسى وحياته ما دهى إلا رشحات من القرآن الكريم .

*  *   *

واجه الشيخ سعيد صعوبات جمة في حياته ودعوته، وقد تنوعت تلك الصعوبات تنوعا كبيرا بدءاً من ظروف شديدة الصعوبة ظهر فيها الشيخ سعيد .. كان المنحنى الحضاري الإسلامي في ذلك الوقت في أسوأ مراحل نـزوله، وكانت القوى الدولية تتآمر على الإسلام والمسلمين، وكانت الخلافة العثمانية تسقط، وكان العلمانيون والدنيويون ودعاة تنحية الإسلام والثقافة الإسلامية والشرع الإسلامي لهم الكلمة الأولى والأخيرة في كل المجالات تقريبا بما فيها المجال الثقافي، أي أن الضغط كان هائلا، ومع ذلك ورغم ذلك بل رغم حالات التعسف الواضحة ضد الشيخ من نفى وسجن وشائعات وحصار، رغم كل شئ نجح الشيخ سعيد النورسى في الصمود،وتوصيل دعوته وكلماته، وهذا يعنى أننا أمام مصلح يتمتع بصفات أخلاقية نادرة، يتمتع بالصبر والثقة في الله،يتمتع بالصلابة والتجرد، يتمتع أيضا بالإخلاص وعدم الرياء، يتمتع بالتجرد وعدم الطمع، يتمتع بما يجعله أهلا لأن يواجه قوى عاتية كبيرة متنوعة داخلية وخارجية، وهو الذي لا يملك إلا قلبه وعقله ولسانه ولا شئ أكثر!!.. يقول الأستاذ مصطفى صنغور أحد ملازمي الإمام في تلك الأيام الصعبة: إن المنظمات الإلحادية السرية كانت تستهدف إزالة الشعائر الإسلامية ورفعها الواحدة تلو الأخرى، وطمس روح الإسلام في الأمة التركية التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون بل منذ عهد العباسيين، ولتحقيق هدفهم هذا بدءوا بتنفيذ خطة تنشئة جيل يقوم بنفسه بعد ثلاثين سنة بإزالة القرآن ونـزعه من القلوب، وفعلا بدأوا بتنفيذ خطتهم هذه ونجحوا في قطع روابط هذه الأمة بالإسلام وسعوا لها بشتى الوسائل، فالقضية إذن ليست قضية جزئية موضعية، بل هي قضية عامة شاملة تتعلق بإيمان الملايين من أبناء الجيل المقبل وتتعلق بالحياة الأبدية لشعب كامل .. شعب الأناضول حيث شهدت تلك الفترة تحولات رهيبة ودماراً فظيعاً، وعداءً شرسا للإسلام والقرآن، ونسى التاريخ المجيد لهذه الأمة البطلة حتى دفعت تلك المنظمات الإلحادية الجيل الناشئ - ولا سيما طلاب المدارس - إلى نسيان ماضي أجدادهم الملئ بالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وذلك بكلام براق في الظاهر لكي يقطعوا صلتهم بالإسلام حتى هيأوا جوا ملائما لإقرار نظام إلحادي سافر. فينبغي وضع تلك الأيام الحالكة القاسية الرهيبة نصب العين لدى دراسة دعوة الأستاذ النورسى وخدمته للقرآن والإيمان". وهذا الكلام من الأستاذ مصطفى صنغور يدل دلالة قاطعة على أن صفات الأستاذ النورسى الأخلاقية كانت عالية جدا وإلا لما استطاع مواجهة تلك الظروف الحالكة القاسية الرهيبة!!..

*  *  *

اهتم الأستاذ النورسى بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت. وفى هذا الصدد فإنه يقتفى أثر الصحابة الذين كان بعضهم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يقعوا فيه. ومن هذه الصفات الأخلاقية السلبية من دسائس شياطين الإنس والجن مثل حب الشهرة، وذلك لصرف خدام القرآن عن ذلك العمل المقدس وذلك الجهاد المعنوي الرفيع، وإفساد الإخلاص وإحباط العمل ومن ثم الفشل في النهاية .وهو هنا يكشف عن جانب حقيقي في شخصيته دون أن يتحدث عنه، وهو التجرد والإخلاص والترفع عن الجاه والشهرة، ولاشك أن ذلك كان أحد أهم عوامل نجاح دعوته ووصولها إلى قلوب الملايين. وثاني هذه الصفات هي الشعور بالخوف، ويرى الأستاذ النورسى أن الطغاة والظالمين الماكرين يستغلون كثيرا هذا الشعور لدى الإنسان فيلجمون به الجبناء، ويستفيد كثيرا جواسيس أهل الدنيا ودعاة الضلال من هذا الشعور لدى العوام، ولاسيما لدى العلماء، فيلقون في روعهم المخاوف ويثيرون فيهم الأوهام بمثل شخص محتال، يُظهر لأحدهم ما يخافه - وهو على سطح دار- فيثير أوهامه، ويدفعه تدريجيا إلى الوراء حتى يقربه من الحافة، فيرديه على عقبه فيهلك، كذلك يثير أهل الضلالة عرق الخوف حتى يدخل بعضهم في فم الثعبان لئلا تلسعه بعوضة .ولاشك أن تمتع الأستاذ سعيد النورسى بعكس صفة الخوف -وهى الشجاعة والإقدام والثقة في الله كان عاملا هاما من عوامل نجاح دعوته، وهى بالتأكيد صفة أخلاقية قرآنية،ومن المفيد هنا أن نذكر حادثة تؤكد شجاعة الأستاذ النورسى ذلك أنه عندما احتل الإنجليز استانبول ودمروا لمدافع في المضيق، سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليزية من المشيخة الإسلامية ستة أسئلة، وكان الأستاذ سعيد في ذلك الوقت عضوا في دار الحكمة الإسلامية فقالوا له : أجب على أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون، فقال لهم: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة بل بصقة واحدة، لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقنا وأخذت بخناقنا ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور .ومن الطبيعي أن موقفا كهذا كان يمكن أن يجر الهلاك والمشقة على الأستاذ النورسى، ولكنه كان يؤمن بأن الشجاعة خلق إسلامي رفيع ينبغي الأخذ به في كل الأحوال،بل أكثر من هذا كان يؤمن أن الشجاعة تنجى من المهالك بعكس الجبن، فهو يقول :إن أكثر من يجرح ويصاب في الحروب هم الذين يهربون، وأن أقل الجنود إصابة هم أولئك الثابتون في مواقعهم، فالآية القرآنية الكريمة تقول :" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "وهى تشير بمعناها الإشاري إلى أن الفارين من الموت يقابلونه أكثر من غيرهم .والصفة السلبية الثالثة هي الطمع، ويرى الشيخ النورسى أن الشياطين يقتنصون الكثير بشباك الطمع، يقول الشيخ سعيد :"الرزق مقدر بالقدر الإلهي، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولذا يجب أن يكون الرزق حلالا، والسعي له مشروعاً بدون إراقة ماء الوجه، وأن الاطمئنان بالقناعة يديم الحياة ويضمن الرزق أكثر من المرتب" . ولاشك أن الشيخ النورسى قد ضرب المثل العالي في هذه الصفة، فقد كان زاهدا، لا يطمع في شئ من حطام الدنيا وتعالى دائما على اللهاث من أجل المال، وكان مثلا يحتذى في رفض تلك الصفة السلبية - الطمع - والتحلى بعكسها وهو القناعة . والصفة الأخلاقية السلبية الرابعة هي التعصب والعنصرية،والشيخ سعيد النورسى هنا يفند أفكار دعاة القومية التركية، ويعتبرها عملا من دسائس الشيطان لأنها تأتى على حساب الانتماء الإسلامي، وبديهي أن الشيخ سعيد النورسى وهو الكردي الأصل كان يعكس الانتماء الإسلامي والإنساني الواسع الفسيح، فوجه دعوته الإصلاحية للكرد والأتراك والعرب وغيرهم على حد سواء، وكان يرفض دعاة العنصرية والتعصب للقومية التركية أو الكردية أو أى قومية عنصرية. والصفة الأخلاقية السلبية الخامسة هي الأنانية والغرور،ولاشك أن الشيطان يدفع الإنسان إلى الفساد والإفساد وتخريب الأرض عن طريق إثارة نـزعة الغرور والأنانية فيه، ولاشك أن الشيخ سعيد النورسى قد تخلى عن الغرور والأنانية وإلا لما وصلت أفكاره إلى هذا العدد الهائل من الناس، حيث إن المغرور والأناني لا يمكن أن يصل إلى قلوب الناس مهما كانت درجة ذكائه إلا في حالات استثنائية وهى مؤقتة سرعان ما تتلاشى … أما استمرار الأجيال وتواصلها في الاقتداء بالشيخ النورسى يدل دلالة قاطعة على نفسية بسيطة غير مغرور وعن أنا غير متغطرسة. يقول الأستاذ النورسى: إن أخطر جهة من الأنانية هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصا لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل. والصفة الأخلاقية السلبية السادسة هي حب الراحة والدعة، ولاشك أن الشيخ الأستاذ سعيد النورسى قد تمتع بعكس هذا الخلق السلبي، لا يركن إلى الراحة والدعة، بل شديد الحماس والنشاط وبذل الجهد في سبيل خدمة العلوم الإسلامية أو الدفاع عن حقائق الإسلام أو فضح أفكار الظالمين والملحدين، ويرى الأستاذ سعيد النورسى أن هناك طرقا شيطانية عديدة لفتنة الإنسان ودعوته إلى الدعة والراحة وصرفه عن الحماس والنشاط، ويؤكد الأستاذ النورسى على أن الإسلام يحض على الصبر والنشاط والهمة لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ". وهكذا فإن الشيخ سعيد النورسى كان يتمتع بحق بالصفات الأخلاقية الإيمانية، وهى أخلاق قرآنية في جوهرها، وهكذا فإن أخلاق سعيد النورسى كانت أخلاق قرآنية. (*)

 

___________________

(1) المشرف العام لمجلة المختار الإسلامي، القاهرة

(*) المؤتمر العالمي السادس لبديع الزمان سعيد النورسي


11-) ضرب الأمثال والمجاز في كتابات سعيد النورسي

ضرب الأمثال والمجاز

في كتابات سعيد النورسي

أ. د. جيـن سـمث(1)

يتميز النورسي باستخدامه كلا من القلب والعقل والخيال والفكر في كتاباته. وتعد هذه الميزة، أي قدرته على التعبير بكلمات صريحة ولكن ثرية من حيث قوتها الرمزية والدلالية، من العوامل التي أدامت أثره طوال القرن العشرين إلى يومنا هذا، بحيث مازال يعتبر من كبار دعاة الإسلام ومفسري القرآن. فالذي يقرأ رسائل النور يحس بنار الشوق التي تحرق في قلب النورسي، ويفهم تعليماته، ويتذوق الحقيقة مثله من خلال تصويرات وعبارات حية بل ودهاشة أحيانا. ولما كان النورسي مفسرا للقرآن فهو بطبيعة الحال يريد أن يبين أغمض المسائل القرآنية إلى أبسط الناس، فأصبحت الرسائل تزخر بشتى أنواع التمثيل و المجاز والحكايات التمثيلية.

تقول مترجمة حياة النورسي، السيدة شكران واحدة " إن هذه التمثيلات تجلب وتشد أنظار القراء، كما أنها في الوقت نفسه تيسر لهم فهم أمور لم تكن لتستسغيها عقولهم. وهذه الميزة سبب هام في انتشار رسائل النور وانتصاراتها المتتالية في حقل الدعوة ".

تعتبر التمثيلات والصور التي يرسمها النورسي وهو يصف الحياة والموت والقبر وما بعده في نظرنا من أقوى وجوه التمثيل والتشبيه التي يمكن للقارئ أن يعثر عليها في الرسائل. بيد أن كلمة " يصف " في هذا المقام لا تعكس تعاليم  النورسي حول هذه القضايا المصيرية كما ينبغي. ذلك أن همّ النورسي ليس هو وصف الموت أو البرزخ أو القيامة على الطراز الذي نجده في الكتب الإسلامية التي تناولت هذه المواضيع سواء كانت القديمة منها أم الحديثة. ولا هو يكترث بأن يصف لنا أحوال الحشر والقيامة، تلك الأحداث الهائلة التي يكرر ذكرها القرآن، كما هي موصوفة في كتاب الله، رغم أن ذلك الكتاب كان سلوانه الوحيد، لم يتخذ أستاذا غيره ولم يعتمد في برهانه على شيء ما عدا آياته. كان دأبه في الوصف دأب كتّاب العصر الحديث الذين ركزوا على الأخلاق والإيمان، ولم يبالوا بتفاصيل وجزئيات أطوار الحياة  والموت.

لكن اعتماد النورسي في هذا الصدد على تمثيلات تشير إلى حالات روحية ونفسية، عوض أن تشير إلى حقائق خارجية جعله ينفرد بأسلوب  يميزه عن معظم معاصريه.

كانت ومازالت التشبيهات والتعابير المجازية إلى يومنا من الإجراءات المتبعة في الوعظ منذ قديم الزمان، والعهد القديم من الكتاب المقدس بما يحتوي عليه من ضرب الأمثال أحسن دليل على ذلك. فإذا كنا نريد أن نكشف عن سر قوة التمثيلات عند النورسي يجب علينا أن ندرك بأن النورسي إنما يتبين هذا الأسلوب لأغراض تعليمية، تهدف إلى الوعظ لا الوصف. وأكثر ما يهدف إليه هذا الوعظ هو: مقابلة الكفر بالإيمان ثم إظهار الفرق والتغاير بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن في هذا الوجود.

قد يجد القارئ أن بعض هذه التشبيهات والتمثيلات تتكرر في مواقع كثيرة بينما يتكرر لا البعض الآخر إلا قليلا. والنورسي يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة بحيث كانت ترد إلى قلبه " كاللمعات " لكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حجم كليات رسائل النور ليس بضئيل وأن النورسي كان يكتب لمخاطبين شتى وفقا لاختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، يتيسر لنا فهم سبب تكرار مباحث الموت والقبر في كتاباته.

ولم يكن للنورسي أن يختار الأسلوب ولا الظروف التي يكتب فيها، وهو يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة، وأنها كانت ترد على قلبه كاللمعات الخاطفة. فلو أخذنا مثالا السرعة التي كتبت فيها رسالة المرضى، والظروف المزعجة التي كتبت فيها رسالة الشيوخ لما عاتب الواحد منا النورسي على هذه التكرارات. سبق أن قلنا بأن ما تميز به النورسي هو تمكنه من المقايسة الصائبة بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن بحيث لا يصعب علينا أن نرى بوضوح الفرق والتباين في فكر النورسي بين الإنسان المؤمن والإنسان الذي لا يؤمن إلا قليلا، أو الذي يكاد سلوكه ينافي مقتضيات الإيمان والدين تماما. لذا قليلا جدا ما تراه يدع حظا لوجه التشابه بين الناس حين يصف الموت والقبر لأنه كان يؤمن إيمانا جازما بأن مفهومنا لتلك الحالتين يتفاوت ويتغاير حسب درجة اعتقادنا وإيماننا بالله وإخلاصنا له. ويجدر بنا أن نشير هنا بأن النورسي كان على وعي بمعضلات الحياة الدينية كما كان يدرك أسرارها، فهو بهذه المقايسات بين الإيمان وضده لا يصر بأنه يسعنا أن نقسم المشاعر والنوايا الإنسانية إلي قبيح وحسن كما تقسم الغرفة بفاصل. إن النورسي يعترف بأن الأمر ليس بهذه البساطة إذ يعلمنا بأنه هو نفسه قد فشل في إقامة بعض تعاليم القرآن على الوجه المطلوب في مناسبات عديدة. بل وحتى وصل به الأمر إلى أن يصف نفسه بالمذنب، المكفّن داخل قبره  راجيا رحمة ربه.

إن ما يجعلنا ننجذب إلى كتابات النورسي ليس هو التزامه وتعهده برسالاته فقط، بل محاورته نفسه فيها كأن إلحاحاتها تخصه هو بالدرجة الأولى. وفعلا أن الواحد منا وهو يقرأ للنورسي حين يتكلم عن تقدم سنه وعن الموت الذي ينتظره ليحسّ بأنه ينصت للنورسي وهو يخاطب نفسه. نعم، لقد كان النورسي يدرك بأن الموت بطبيعته شيء مرعب يذعر البشرية بأكملها، لذا لم يتقزز من أن يرشّح نفسه مع الذين يحتاجون إلى السلوان أمام وجه الموت المخيف و مع من هم في حاجة ماسة أن يقنعوا بوجهه الحسن الباعث على الأمل.

يزخر التراث الإسلامي بالكتب التي تبحث في أمور الآخرة والحشر. وكثير منها تلك التي تصف تفاصيل وجزئيات أطوار الموت وما بعد الموت إلى يوم الحشر، تبين فيها كيف أن كلا من تلك الأطوار يعكس نتائج ما قدمه شخصا ما وهو في الحياة من جهة، وتنبئ عما سيكون عليه ذلك الشخص يوم الحساب من جهة أخرى. يختلف النورسي عن هؤلاء في تصويره لهذه المسائل لأنه كان يؤمن بأن أطوار وأحوال الموت والقبر كما سبقنا وأن قلنا، تتعلق مباشرة بعقيدة الناس ودرجة قوة إيمانهم. فبينما هي تبدو مناظر مخيفة وموحشة، فإنها تبدو لصاحب الإيمان وكأنها جنان ترحب.

__________________

(1) استاذة في جامعة هارفورد بأمريكا.


12-) مقدمة كتاب الرجل والاعصار

مقدمة كتاب الرجل والاعصار

الأستاذ الدكتور عمّار جيدل

الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين،وبعد  

المترجَم له بهذا الكتاب ليس عالما عاديا فضلا عن أن يكون رجلا عاديا، والتعامل مع أمثال هذا العالم الفذ، يقتضي حضورا قلبيا وعقليا في تواكب وتناغم، إذ التعامل معه بأحد المنطقين يضيّع الحقيقة المفردة (غير قابلة للتجزئة) المكوّنة لرسائله المعروفة برسائل النور ويضيّع الخطوط الرئيسة في فهم شخصيته .

إنّنا أمام شخصية متكاملة تقطر إخلاصا وتتّقد ذكاء ودقة تحليل وتنبجس أفكارا في حيوية لافتة للانتباه، إنّنا أمام عَلَم يعتصر قلبُه ألما لما آل إليه أمر أمّتنا، ويتدفّق حيوية في تلمّس مسلك إخراجها من أزمتها، أزمة اختصرها رحمه الله في الخطر الذي يتهدد الإيمان في العصر الراهن. إنّه خطر يرغب في اجتثاث الإيمان من الجذور. ولا شك أنّ طبيعة الأزمة الراهنة لا تختلف عما ذكره الأستاذ رحمه الله، ومن هنا ما زال تحليله حريا بالعناية من جهة وقابلا للاستثمار في صناعة الحاضر والمستقبل وفق ما تحدّده مطالب الإيمان من جهة أخرى. جعل بديع الزمان إنقاذ الإيمان  وصدّ الإلحاد مقصدا رئيسا في رسائل النور؛ فكان رغم الصعاب المتمثّلة في المراقبة التي لا تغادره يتحيّن فرص تبليغ ذلك المقصد النبيل؛ فكان يتجاذب الحديث مع من وفّقوا إلى لقائه، ويخاطبهم حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة. فينصبّ حديثه مجملاً حول أهمية الإيمان في الوقت الحاضر، وكان يصرّح بملء فيه بأنّ القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن .

واعتبر رحمه الله أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد، وحماية الإيمان وإنقاذه حماية لأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لهذا فالمرافعة مطلوبة حتى بمنظور وطني، لأنّها وطنية صادقة، ترمي إلى حماية البلاد والعباد من الوقوع في مخالب الأمراض القاتلة كالكفر والإلحاد اللذين هما أخطر من الطاعون والسل.

 الإيمان الفاعل أقوى من صولجان السياسة، وبرنامج مكثّف يسع الحياة كلّها، إذ لو كانت لنا مائة من الأيدي لما كفت في حمل النور المنبعث من الإيمان، ذلك الإيمان الذي كان وسيبقى أساس مسلكنا الحاث على الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين (نعمل عملاً إيجابيا بناءً)(1).

يهدف بديع الزمان النورسي في إطار إنقاذ الإيمان إلى المصالحة بين المدرستين الدينية والحديثة، والتأسيس لأقصر طرق الفعالية الإيمانية، والبرهنة العملية بالحال (قبل المقال) على أنّ رسائل النور مصدر قيم الخير وصدّ الشر، وأساس التواصل الإسلامي والإنساني، زيادة إلى كونها طريق تحقيق الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبّة وإعلاء كلمة الله التي هي أساس الشكر والعبادة، والتأسيس القلبي والعقلي للشفقة والمحبّة، إنّنا أمام مسلك يؤكّد أنّ الإيمان يعطي الحياة معنى، يدفع الأمراض الاجتماعية، وينقذ الإنسان ويستجيب لحاجاته، ويسعفه على تجاوز الهلاك ويليّن قلبه ويبعث الصلة بين إيمانه وأخلاقه، فتظهر في تصرّفاتنا الأخوة والمحبّة والتضحية الاتّحاد .

إذا أردت دليلا عمليا تطبيقيا على حسن تلك الأهداف ونبالتها وسبل تمثّلها؛ فإليك الدليل بالحال قبل المقال، الفرصة سانحة، اقرأ سيرة هذا الرجل الفذ، ولكن لا تقرأ سيرته قراءة الرواية أو قراءة جافة مجرّدة، بل ينبغي المزاوجة بين حضور القلب والعقل وصدق التوجّه في التعرّف على سيرته، تيسيرا لاستيعاب تلك السيرة العطرة وتمكينا لفهم ظروف ولادة ما جادت به قريحة هذا الرجل من جهة، وأهمية أفكاره في فهم الماضي واستيعاب الحاضر والتخطيط الجيّد لصناعة المستقبل من جهة أخرى .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل (*)

_________________________

(1) السيرة الذاتية لبديع الزمان النورسي

(*)مقدمة للأستاذ الدكتور عمّار جيدل على كتاب ( الرجل والاعصار ) سيرة ذاتية مختصرة لبديع الزمان سعيد النورسي لاحسان الصالحي

 

 


13-) النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

أ. د. عشراتي سليمان

استوعب النُوْرْسي معنى الإنسانية ضمن وعي ديني كوني مفتوح على العالمية.. إذ الإسلام هو دين الله الذي لا يقيم الحواجز بين البشر وإن ألحدوا، وإن تباينت عقائدهم. فالمسلم يؤاخي في التوحيد اليهودي والمسيحي والكتابي عامة، ولا يرى فيهم أعداء أو خصوما ما كان الاحترام والقسطاس مرعيا بينهم، بل ويؤاخي كذلك الملحد والوثني بحكم الرابطة الإنسانية، ويشفق عليهما ولا يهينهما أو يزدريهما ما بقيا في حدود قناعتهما، ولا يسعه عندئذ إلا أن يتمنى لهما الهداية.

ذلك لأن النُوْرْسي يرى في مخلوقية الإنسان ذروة الإعجاز الذي شاء الله أن يجسد من خلاله قدرته ومطلقيته، إذ الإنسان هو تاج الوجود ، وكل ما أبدعه الله من أكوان ونعم وأفضال ، إنما هي لفائدته ولتكريميته:

"كذلك الإنسان الذي هو ثمرة شجرة الكائنات، إذ المقصود من إيجادها إنما هو الإنسان وغاية إيجادها إنما هو الإنسان، وغاية إيجاد الموجودات هي الإنسان، وبذرة تلك الثمرة قلب الإنسان ، وهو أنو مرآة للصانع الجليل وأجمعها. 

كما نشأ إدراك النُوْرْسي لمعنى الإنسانية من خلال صلة روحية وعضوية جمعته برائع النماذج القطبية التي تواصل معها بواسطة ثقافة بيته الصوفية، حيث كان - وسيبقى - الضمير الجماعي لتلك البيئة يكبر ويمجد تلك النخب الصالحة من الأقطاب، والتي كانت سيرتها كما تواترت وتلقتها الأجيال، مجالا للعظمة والكمال والقدسية.. من حيث طفق الوجدان الفردي والجمعي يستلهم شواهد التضحية والصبر والتجرد والسماحة والبذل.

لقد أنبأتنا سيرة النُوْرْسي واعترافاته أنه ظل منقادا إلى تأثير الأفذاذ من رجال التصوف وأهل السلوك، وأنه انحاز إليهم بمواجده وأن خميرة قيمه الإنسانية تأتت من نفاذ ذلك الوهج المعنوي الذي كان يتلقاه من سيرتهم. لقد تسامى هؤلاء القديسون الأطهار ونظروا إلى الكون والوجود من منظور رباني، فأضفوا محبتهم وسماحتهم وكرمهم على كل شيء، لاسيما على الإنسان، فلا غرابة أن تغدو البشرية جملة قريبة إلى قلوبهم يعطفون عليها ويرأفون بها وينظرون إليها بعين الإشفاق..

على ذلك النهج سار النُوْرْسي، وفي ظله تشكلت رؤيته للكون والإنسان، وعلى خطا الأطهار بلور عقيدته ونظرته إلى الكون وعلاقته بالمخلوقات وفي مقدمتها الإنسان.. فلا عجب أن تتفتح دعوته على الإنسانية قاطبة، وأن تتميز رؤاه ببعدها الشمولي الذي لم يغفل أي بعد من الأبعاد المحققة لفردية الكائن البشري ، باعتباره المخلوق المكرم في هذا الكون.

لقد ارتكزت روحية النُوْرْسي على دعامة الإيمان بالله ، فتواصلت أعماقه مع الله وتواشجت مع مخلوقاته وفي طليعتها الإنسان. لقد ورث عن بيئته الأولى حسا توحيديا حيا، فالانغلاق الذي عاشته بيئاتنا التقليدية كان له فضل كبير على حفظ القيم وصون الايمان، حيث أن جو الانقطاع الاجتماعي الذي تعيشه القرى والمداشر يعزز قابلية التوكل على الله ، ويقرب عالم الغيب إلى النفوس، فثقافة العزلة نفسها تشحذ روح البسالة والتوكل على الخالق فهي من ثمة سبيل معزز للايمان .

ذلك لأن النفوس في رتابتها المعتادة تعيش التفرغ ، ولما كان التفرغ في البيئة الإسلامية يعني التوجه إلى الله والاشتغال بما يعطي للحضور الإلهي كثافته ومحسوسية على صعيد الروح والنفس، فقد تكيفت روح النُوْرْسي منذ نشأتها على هذا الحضور الإلهي الذي يلازمها أينما توجهت، الأمر الذي ولد في النفس هذه القوامة التي تترتب في كنفها النـزعات والمطالب. ثم إن العقيدة الإسلامية بما تحمل من منظومة قيم ومبادئ إنما هي عقيدة إنسانية بلا منازع.

إذ الطبقات العليا من رجالاتها، ممن يعدون مناط القدوة والأسوة بدءا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، يعتبرون جميعا مصادر شحن وشحذ للهمة والرحمة والسمو. كما أن أحداث التاريخ الإسلامي تعد صعيدا حافلا بوقائع السماحة التي تشمخ بها معاني الإنسانية. وكلها تعاليم وقيم تمرس عليها النُوْرْسي، وتشبع بها، وحملها شعاراتٍ، واتخذها سلوكا ورسالة عمل على تحقيقها  بكل استماتة .

لكن النُوْرْسي عاش في مرحلة تأجج فيها الصراع الحضاري بين الغرب والشرق على أشرس ما يكون التأجج ، فقد استأنف الغرب حملاته الصليبية واستهدف بها العالمين، يستأصل الأمم ويهجرها بالملايين من قاراة لأخرى، ويمسح الشعوب تدجينا لها لتتقبل وجوده وسيادته عليها ، وكان صراع الصليبية مع الإسلام ذروة المخاض العراكي الذي شهده القرنان التاسع عشر والعشرون، الحقبة التي عاشها النُوْرْسي، واصطلى بلهبها.

تلك هي تقريبا الأسس التي ارتكزت عليها إنسانية النُوْرْسي ، هذه الإنسانية التي سنراها تتخصب وتغتني في تالي مراحل حياته.. حيث سنجد الرؤية تتكيف مرتين، الأولى يوم دخل استانبول نكرة لا يعرفه أحد تقريبا، فقد كان طبيعيا في ذلك اللقاء الأولي بالمدينة أن يتوسع إطار الوعي لديه وتمتد ظلال الفهم وتتخصب الرؤية بأبعاد أخرى يتعزز في ضوئها وازع إنسانيته.

كما أن عودته إلى نفس الصعيد المدني، من خلال ملابسة الأوساط المدنية ومرجعيات المجتمع الحضري ، أثناء الحرب الكونية الأولى، قد عمق ذلك التكييف الذي رأيناه يتعهد به مثله وقناعاته الإنسانية .. وهو ما أسفر عن تحول في المسيرة ، تحول جعله يختار موقعا أكثر استراتيجية في تفعيل الأحداث والتاريخ، وفي تكريس رؤيته الإنسانية المستمدة من القرآن..

لقد نضجت رؤيته الإنسانية في كنف الحياد والتسامي والتأمل .

حقا إنه نافح عن الإسلام والمسلمين ، وصاول عن انتماء وحضارة ، لكن العقل يثبت أن دفاعه عن تلك القيم والمقومات إنما كان دفاعا عن الإنسانية، إذ لم يكن الإسلام يوما - ولن يكون - إلا حضارة مشرعة للعالمين، ومثابة تمحي فيها العصبيات والانتماءات ، إذ الانخراط في سلك الإسلام انخراط في الكونية بأسس حددها الله ، وأثبتت القرون من الازدهار الحضاري الإسلامي أنها – حقا - أسس تستجيب بأصالة لمفهوم العالمية والتآخي والانتماء القدسي الذي تزول معه كل الاعتبارات الشكلية والوضعية المميزة بين الآدميين.

لم يكن تمجيد النُوْرْسي للترك والعرب - كما سنرى في غير هذا المقام - عصبية وانحيازا يتنافى مع المثل الإنسانية التي حملها ، ولكنه كان تمجيدا للكونية الإسلامية التي جسدت على أرض الواقع مبدأ المساواة ، وبينت كيف تتعاور الأم والشعوب على صعيد الإسلام حق وشرف حمل الرسالة المحمدية ، وكيف لا يقف دون حيازة شارتها القدسية - الخلافة - الاعتبار القومي أو الروحي..

إن روح النُوْرْسي - بكل تأكيد - سوف تبادر من عالمها الأخروي إلى التنويه وتعظيم كل قبيل من أهل الأرض يكتب له أن يشمخ براية الإسلام ويتطاول بعزة القرآن ويدفع بها إلى العالمين، كيفما كان لون هذا القبيل أو موطنه أو ماضيه.. ذلك لأن المنظور الذي قوَّمَ به النُوْرْسي البشرية منظور رباني لا تمايز بين الناس فيه إلا بالعمل الصالح.. وأي عمل صالح أسنى من رفع راية الإسلام وإشهارها بين العالمين ، فبذلك العمل الصالح مجد النُوْرْسي كلا من أمتي الترك والعرب ، وكان تمجيده لهما يندرج ضمن سياق إنساني لا شائبة فيه من عرقية أو شوفينية أو تعصب.

شهد النُوْرْسي عن كثب عالما متفجرا  تتعارض فيه الرؤى السياسية والايديولوجية حيال الإنسان والحضارة والكون والوجود ، ورأى كيف أن الغرب الطاغي يعنت الأمم والشعوب المستضعفة ويرغمها على الرضوخ إليه بالقوة والسلاح أو بالدس والاستغواء..

عاين النُوْرْسي من موقعه الاعتكافي ذلك التعارض الحدي الذي كان يميز أوضاع كل من الإنسان المسلم المقهور والإنسان الغربي القاهر، وتفجع بعدم تكافُئ الشروط الصراعية بين الجانبين ، وزاده أسى أن يرى توفيقات الغرب العلمية والتقنية والحضارية لا تلطف من غلواء طغيانه ضد الشعوب والإنسانية ، ولكنها تسَعِّر منها قدما.

لقد كان يدرك أن الحلبة تجمع بين انتماءين وبين نموذجين حضاريين لكن أوضاعهما الراهنة تباين بينهما قيمة ودينامية وتوجها وفاعلية.. لقد كان  الإنسان الأول يرسف في قيود الماضي الشائه ، ضحية للانحطاط ولحال متفاقمة من الابتلاءات والصدمات.. وكان إلى ذلك مدعوا للانتفاض وإنجاز الانبعاث في إطار كوني تبليغي تؤهله له رسالته القرآنية لو وجد إلى الرشد سبيلا .

فيما كان الآخر منتصبا بخيلاء ، مشهرا سيفه بجوع الى الفتك ، يدوس بقدميه كرامة الإنسانية ويضرب مقدساتها .. لقد كان هو الآخر ضحية لأحوال مدنية راهنة  تكرست فيها اختلالات متوارثة وجهت العقل في وجهة الظهور العلمي المتوحش غير المقيد بالضوابط الإنسانية. لكنه مع ذلك كان يتوفر على خمائر جوهرية من الفطرة والتوفيق ما أيسر عليها أن تترشد وترقى إلى علياء المثل لو التفتت إلى الدين الحق ، وهو ما كان يجعل النُوْرْسي يتوقع للإنسانية الخير ، ذلك أنه كان يرى أوروبا حبلى بالإسلام ، وهي مرشحة إما للإسلام وإما لترشيد مسيحتها بما يقربها من القرآن ويدرجها ضمن نهجه، وعندئذ ترتقي البشرية الارتقاء الحق وتهتدي إلى سواء السبيل وتتعزز إنسانية الإنسان.

لقد كانت مقاصد الدعوة النورية هي استنقاذ ما تبقى من إنسانية الإنسان في كلا المعسكرين ، فتجديد همة المسلم هي عودة به إلى فطرته الخلاقة وإلى استنارته التي لا تزيغ بها أوهام بشريتها ، كما أن تدثير الإنسان ببردة الإسلام هو قمة تكريمه ، لما يترتب عن ذلك من تغيير كلي يمضي به على طريق الصلاح .. لقد توهمت المدينة  المسلمة أنها بتقمص أوضاع المدنية الغربية ستتخلص من أوحالها ، ولم يعتم الإنسان المسلم  أن وعى إفلاسه ، لكنه عجز عن الخلاص ولم يستطع فكاكا عن مأساته، بعد أن أضاع ليس المثل فقط ، ولكن إلى ذلك القابلية والفطرة والاستعداد للخير ، وكل ذلك جراء انغماسه..

فالضرر الذي لحق المسلم ضرر مزدوج ، فهو من جهة محبط بأعباء الانحطاط، وهو من جهة أخرى منسحق بما طرأ عليه من تبعات التمدن السطحي، فعاش الفاجعة.

ضمن هذه الجدلية الحضارية الحادة نهض النُوْرْسي وفي يده كتاب الله ، يدعو إلى سبيله بالموعظة والحسنى ، غايته تعميق الروح الإنسانية في الإنسان من خلال بث تعاليم القرآن.


14-) مقدمة رسالة الآية الكبرى

مقدمة رسالة الآية الكبرى

الدكتور محسن عبد الحميد

يتقدم "النورسي" في هدوء ذكي، ليأخذ بيد طالب الحقيقة في جولة رائعة، شاسعة هائلة، كي يفتح له فيها مغاليق عقله وقلبه، ويوقفه أمام لوحة الوجود، وجمالها الأخاذ ومظاهرها البديعة، بادئاً رحلته الكونية من عجائب الآفاق العلوية الى مدهشات الكائنات السفلية، سابراً غورها، واصفاً اتساقها وتوازنها، ولوحاتها الفنية الرائعة، التي تأخذ بالالباب وتضرب على أوتار القلوب، فتوقظ الغافل، وتنير بصيرة الذاهل، وتأخذ بيد الجاهل، الى عالم من حقائق العلم والمعرفة في اطار السببية الحاسمة، والغائية العميقة، والتخطيط الكوني الشامل الجامع الذي يقطع بوجود الخالق العظيم الذي تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن.

كل ذلك باسلوب شاعري خصب، بعيداً عن قيود المصطلحات الكلامية، وجمود المقدمات الفلسفية التي تزيد في الحيرة، دون ان تنقذ في عصرنا هذا عقيدة، او تبني ايماناً، او تدخل اشراق الروحانية الإسلامية المتزنة في كيان الانسان المسلم.

تستهل الرسالة بتنبيه مهم ومقدمة توضح ورطتين تزعزعان اليقين الإيماني وسبل النجاة منهما.

وفي الباب الأول: براهين الوجود تبدأ بدلالة السموات والجو وكرة الأرض والبحار والانهار والجبال والصحارى بجميع ما فيها وما عليها وانواع الاشجار والنباتات المسبحات وانواع الحيوانات والطيور وشهادتها على التوحيد واجماع الانبياء بمعجزاتهم و اتفاق الاصفياء ببراهينهم واجماع الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم واتفاق الملائكة والعقول المستقيمة والقلوب السليمة وحقيقة الوحي والفرق بين الالهام والوحي وماهية الالهام ودلالات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم وبيان عظمته ودلالة الكون بحقيقة الحدوث والامكان وبحقيقة التعاون ودلالة مقام المعرفة الحضورية بحقيقة الفعالية المهيمنة على الكون وبحقيقة التكلم الالهي

وفي الباب الثاني: براهين التوحيد تتضمن حقائق الالوهية المطلقة والربوبية المطلقة و الكمالات والحاكمية المطلقة ثم حقيقة العظمة والكبرياء وظهور الافعال الربانية ظهوراً مطلقاً وحقيقة الايجاد والابداع وكلية الموجودات وظهورها معا والانتظام الاكمل ووحدة المواد ثم حقيقة الفتاحية و الرحمانية و التدبير والادارة و الرحيمية والرزاقية.(*)

____________

كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:320 الحاشية

 


15-) إعجاز القرآن في رسائل النور

إعجاز القرآن

في رسائل النور

أ.د. محسن عبد الحميد

جامعة بغداد - العراق

لا شك أن دراسات كثيرة في إعجاز القرآن قد سبقت النورسي ابتداء من الجاحظ، مرورا بابن قتيبة والرماني والواسطي والخطابي والباقلاني، ثم وصلت هذه الجهود المثمرة إلى نحوي كبير صاحب ذوق رفيع في فهم الأدب عامة والإعجاز القرآني خاصة، فصاغ منها نظرية إعجازية متكاملة، سميت بنظرية النظم في كتابيه النفيسين "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز".

هذا النحوي الكبير هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي شرح وجهة نظره شرحا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على أساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه، وبين الشكل والمضمون، وقرر أن إعجاز القرآن في نظمه، لا في الكلمة المفردة بمعناه القاموسي، ولا في مجرد المعاني دون تصوير الألفاظ لها تصويرا مناسبا.

وبناء على ذلك فقد عرّف النظم بأنه تعليق الكلم بعضه على بعض وجعل بعضه بسبب من بعض، أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه عـلم النحو، وتعمل على قوانينـه وأصوله وتعرف مناهجه ولا تزيغ عنها (1).

ولا أشك أن الأستاذ النورسي قد أطلع على ذلك التراث كله في الكتب البلاغية التي درسها، والتفاسير التي مرّ بها ولا سيما نظرية النظم. فقد بدأ بتأليف تفسير في بدايات حياته أراد أن يطبق تلك النظرية تفصيليا شاملا على آيات القرآن الكريم، من حيث المباني المترابطة مع المعاني، سواء في المعارف اللغوية أم العقلية أم الذوقية، الكلية منها والجزئية. والتي اعتمد عليها في الكشف عن أسرار المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الأسلوب القرآني.

والحقيقة التي نتلمسها في دراسات النورسي الكثيرة عن إعجاز القرآن في رسائل النور، أنه لم يقيد نفسه بالنظم في ضوء كلام الجرجاني عنه، وإنما وضعه في دائرة أوسع تتلاءم وتتناغم مع القراءات الثلاث لتجليات الأسماء الحسنى في القرآن الكريم "نصا وكونا ورسولا" فاظهر النورسي بناء على ذلك أن إعجاز القرآن بحر لا ساحل له، بحيث إن كل أحد من الناس وإن كل أحد صاحب اختصاص من العلماء والأدباء والمفكرين، يأخذ حظه من ذلك الإعجاز، وهذا هو الذي تحقق اليوم.

وقد دخل بعبقريته الفذة وأسلوبه الرشيق وذوقه الجمالي في ذلك البحر العميق الواسع بحيث جعل منه بتكامليته وتوازنه وشموليته، مدار صراع فكري، أودعه ليس فيما كتب من بحوث مباشرة محدودة عن إعجاز القرآن، بل جعل منه نسيجا باطنا وظاهراً لرسائله النورية المائة والثلاثين.

فإن قلت إن رسائل النور كلها هي رسائل في إثبات إعجاز القرآن بجميع وجوهه ما بالغت في ذلك، بل قد أصبت الحقيقة.

لقد أهتم النورسي في دراساته الشاملة هذه بمستوى الأداء اللفظي ومستوى الأداء التركيبي، ومستوى الأداء المعنوي، فربط بينها ربطا محكما كأنه يقدم أرقى "سيمفونية" تضرب على أوتار القلوب وتفتح مغاليق عقول أشد المعاندين المنكرين بأحقية إعجاز هذا الكتاب الكريم.

وأحاول في الفقرات الآتية أن ألخص بعض ما كتبه النورسي عن وجوه إعجاز القرآن.

ـ إيصال نظرية النظم من تحليل الجملة المفردة إلى المترابطة في الموضوع الواحد والسورة الواحدة والقرآن كله، بدءاً باللفظة مع اللفظة والآية مع الآية والسورة مع السورة، محاولا التغلغل في معاني الآيات ومبانيها. حيث أراد بناءها تفصيلا على تجليات الأسماء الحسنى في عالم العقيدة والدعوة والسلوك والصراع الفكري والحضاري.

ـ أسلوب القرآن يتفوق على الأساليب كلها عند الموازنة، لأنه يخاطب الكينونة الإنسانية، عقلا وعاطفة نفسا وروحا. وهذه المخاطبة الشاملة الموحدة، التي قُدِّمت في إطار صياغة بيانية رفيعة، تفيد العقل تغلغلا في الكون وإدراكا لنظامه الدقيق، والقلب في إحداث تأثير ذلك التغلغل في السلوك، والنفس في تطهيرها من آفاتها الكثيرة، والروح حيث تنتعش بتذوق جمال التعبير في النص والإنتشاء بعنصر الجمال في الوجود.

ـ وفي حدود المعالجات الجزئية في بيان مستويات التعبير يؤكد النورسي كثيرا على النغم الذي يجمع بين الألفاظ الخفيفة والثقيلة، والمهموسة والمجهورة في آية واحدة، فلا تحس بها وأنت تقرأها، وكأن ألفاظ الآية تسير حسب سياق واحد في الجرس والنغمة(2).

ـ يعد النورسي التكرار في القرآن الكريم ذكرا ودعاء ودعوة، فالذكر يُكرر والدعاء يردد والدعوة تؤكد. ثم إن التكرار يناسب الحاجات النفسية خاصة والبشرية عامة، بجانب ذلك يؤدي التكرار مهمة تربوية. على أن الحقائق الكبيرة والمسائل الدقيقة والغايات العظيمة تتطلب التكرار، حتى تستقر بعمق وثبات في الكينونة الإنسانية.

ومع كل ذلك، يعتقد النورسي أن التكرار الذي نتحدث عنه في القرآن الكريم، هو تكرار صوري، حيث لا تكرار حقيقة فيه، لأن المسألة الواحدة تعرض في سياقات متنوعة وفي إطار نظم آخر، فلا يعد هذا تكرارا حقيقيا(3).

ويتحدث النورسي عن إعجاز آخر في القرآن غفل عنه السابقون في رأيي وهو تأكيده على جامعية القرآن الكريم الخارقة التي تجمع بين الألفاظ ومعانيها، من العقائد والسنن والشرائع والآداب والأخلاق وأنظمة الحياة والقصص وأخبار الآخرة، بحيث تشكل سقفا زمانيا، يفهمه المختلفون في المستويات في زمان واحد، كل حسب علمه وفهمه وعصره(4).

وكان النورسي منتبها ودقيقا عندما فوت الفرصة أمام المتصيدين في الماء العكر من اللاعبين بألفاظ القرآن، فاشترط أن تُفهم هذه الجامعية في حدود ألفاظ وتراكيب اللغة العربية وفي إطار أصول الشريعة ومقاصدها وأسرارها(5).

ويبنى النورسي على تلك الجامعية المعجزة، أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره كالكلمة الواحدة، لا تنافر بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه ولا اختلاف مع مقدمه ومؤخره. فعلى الرغم من أنه "نـزل منجما نجماً نجماً لمواقع الحاجات نـزولا متفرقا متقطعا فإنه يجمع السلاسة الرائقة والسلامة الفائقة، والتساند المتين والتناسب الرصين والتعاون القوى بين الجمل وهيئاتها والتجاوب الرفيع بين الآيات ومقاصدها". (6)

ـ ويتحدث النورسي عن الإعجاز في المعاني القرآنية بالقياس إلى المعاني التي كانت سائدة في الجاهلية. ولعله يريد أن يقول إن الإنسان أبن بيئته، فكيف خرج عربي أمي كان يعيش في هذه البيئة المغلقة عن تلك المعاني السائدة كليا. (7)

ـ ويتحدث عن فصاحته الخارقة التي لا تورث الملل فهو عذب سائغ، يحافظ على طراوته وحلاوته، ويعبر عن المقاصد التي أراد أن يضعها أمام البشرية بفطرية ناصعة.(8)

أما التصوير الفني فقد أدركه النورسي، إذ يذهب إلى "أن السحر البياني إذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما والجمادات ذات أرواح والنبات عقلاء فيوقع بينها محاورة قد تنجر إلى المخاصمة وقد توُصل إلى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال". (9)

ولا يقف النورسي عند هذا الحد، بل يعرض عالمية الخطاب القرآني واستحالة أن يصدر مثل هذا الخطاب من رجل أمّي، وأن يكون مستمرا في التنوير والإرشاد للطبقات جميعها.(10)

ويتحدث أيضا حديثا مطولا عن إخبارات القرآن بالغيب، مما يعدّه البعض من دلائل النبوة وليس من إعجاز القرآن.(11)

_________________________

(1)- دلائل الإعجاز ص 43،88،95،117 ت ش عبد المنعم الخفاجي ط 1 القاهرة

(2)- الكلمات ص 432،433،437

(3)- الكلمات ص 265

(4)- الكلمات ص 451 وما بعدها.

(5)- الكلمات ص 881

(6)- الكلمات ص 481-482

(7)- الكلمات ص 430

(8)- إشارات الإعجاز

(9)- الكلمات ص 481-482

(10)- المثنوي ص 224

(11)- المثنوي ص 304


16-) حاجة البشرية إلى النبوة

 

 

حاجة البشرية إلى النبوة

د. مأمون فريز جرار  

الجامعة الأردنية- الأردن

 

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله في تأمله في الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلاّ لِيَعْبُدون﴾ (الذاريات:56): "يفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: أن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه، هي:معرفة خالق الكون سبحانه، والإيمان به، والقيام بعبادته. كما أن وظيفة فطرته، وفريضة ذمَّته، هي: معرفة الله والإيمان به، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً.(1)

هذا الإيمان بالله هو أعظم ما يحصله الإنسان بل أعظم نعمة لله عليه فهو: " حياة  للحياة".(2)

ولا يتحقق الإيمان بالله على الوجه الأكمل،ولا العبادة على الوجه المطلوب ولا التصديق بوحدانية الله تعالى إلا بوساطة النبوة التي تعرف الإنسان بربه وتوضح مراد الله تعالى من عباده.

وإن من المتواتر في تاريخ البشرية ظهور رجال عبر العصور المختلفة قالوا إنهم أنبياء مرسلون من عند الله تعالى، وأنهم هداة لأقوامهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، وقد " أثبتوا نبوتهم بمعجزاتهم التي تربو على الألوف فجميع أولئك الأنبياء الكرام يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد النبوة المطلقة في نوع البشر ".(3)

ومما لفت نظر البشرية في سيرة أولئك الأنبياء أنهم لم يطلبوا أجرا على نبوتهم، ولا سعوا إلى مناصب الدنيا بل كانت دعوتهم:

﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ (الأعراف : 65)

و﴿إن أجري إلا على الله﴾ (سبأ 47)

وكان خاتم تلك السلسلة المباركة نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه وآله الصلاة والسلام .

والنبوة كما يرى الأستاذ النورسي هي مقصد من المقاصد الأربعة للقرآن الكريم، تلك المقاصد هي: التوحيد والنبوة والحشر والعدالة.(4)

وقد تحدث عن هذا المقصد في رسائل النور في مواضع متعددة، فتحدث عن النبوة بصورة عامة، كما خص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بحديث مفصل في رسائل النور بعامة وخصص له بعض الرسائل. "وبإرسال الأنبياء، انفتح ميدان الامتحان والتجربة والجهاد والمسابقة، وبه تتميز الأرواح السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الأرواح العالية التي هي كالألماس في نفاسته.فلولا المجاهدة والمسابقة لبقيت الاستعدادات كامنة في جوهر الإنسانية، أي لتساوى الفحم والألماس أي لتساوت الروح السامية لسيدنا أبى بكر الصديق رضي الله عنه وهي في أعلى عليين مع روح أبي جهل التي هي في أسفل سافلين".( 5 )

 

ضرورة  النبوة في نوع البشر وما يستلزمها:

بحث الأستاذ النورسي بتفصيل وعمق موضوع النبوة وحاجة البشرية إليها، فلا يمكن إلا أن تكون هذه النبوة في البشر، ومما قال في ذلك:

 "إن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة. نعم هكذا يقتضي سرٌ نظام العالم".(6)

فللأنبياء في مسيرة البشرية موقع القيادة حيث يتقدمون موكبها في الطريق إلى الله.

وقال أيضا مجملا ما يجعل النبوة ضرورة لازمة في نوع البشر:

 "اعلم! أن حكمة الصانع الجليل ،وعدم العبثية في أفعاله، ومراعاته النظام في أقل ما في العالم، وعدم إهماله أخسّ مافيه.. وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد، كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر."(7)

فالإنسان الذي هو أكرم المخلوقات على الأرض لا بد أن تتجلى في حياته حكمة الله، فهو لم يخلق عبثا،وربه لا يتركه حائرا في الدنيا لا يعرف لم خلق. ومن متطلبات الوجود النظام الذي يتجلى في كل شيء ولا يكشف حقيقته إلا نبي من عند الله، فكانت ثمرة ما سبق إرسال الرسل الذين يرشدون البشرية إلى ما فيه خيرها.

وقد انبثقت ضرورة النبوة وفق ما تجلى لي في رسائل النور من مجموعة من العوامل منها مايتعلق بالله تعالى وصفاته الحسنى، ومنها ما يتعلق بالإنسان ومنزلته في الوجود وما منحه الله تعالى له من الصفات والمؤهلات.

 

1 ) الأسماء الحسنى تستلزم وجود النبوة

وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند هذا الأمر وقفات، وفصل فيه الحديث، فالأسماء الحسنى فاعلة في الوجود في تجلياتها، ومن تجلياتها خلق الإنسان،فهل يمكن أن يخلق الله الإنسان ويظل في غيبوبة عن ربه لا يعرفه؟.

ولبيان تجليات الأسماء الحسنى في التواصل مع الإنسان وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند عدد من الأسماء الحسنى لله تعالى وربطها بالنبوة وضرورة إرسال الأنبياء إلى البشر، ومما بينه:

أن وجود مالك للكون يقتضي وجود الأنبياء، قال رحمه الله: "اعلم! أنه كما أنه محال أن لايكون لهذا المُلك المُعتنى به مالك، كذلك محالٌ أن لايتعرف ذلك المالك إلى الإنسان الذي يدرك درجات محاسن الملك الدالة على كمالات المالك، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضاً بعقله. ومع ذلك إن الإنسان أشرفُ المخلوقات بشهادة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وإنه أوسعُ الأسباب اختياراً بالبداهة. فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالك إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم مايرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله".(8)

ويزيد الأستاذ النورسي رحمه الله الأمر وضوحا فيقول: " كما لا يمكن للشمس إلاّ أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلاّ أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام".(9)

فالله تعالى لم يخلق الكون عبثا ليكون مهملا بل لابد له من مشاهدين يرون تجليات أسمائه الحسنى، ويتفكرون في ما خلق، ويبدون إعجابهم في التجليات المختلفة للأسماء الحسنى، وذلك يقتضي رسلا يبينون للناس تلك التجليات ويعرفونهم بخالقهم وأسمائه.

ويمضي الأستاذ النورسي في الوقوف عند عدد من أسماء الله تعالى وتجلياتها في أسلوب استفهام إنكاري يبدأ بقوله: "أم هل يمكن ..." ليثبت أن تلك الأسماء بتجلياتها تقتضي وجود النبوة في البشر، ومما نستخلصه من تلك السلسلة من الأسئلة الاستنكارية:

أن الجمال الرباني الذي هو في غاية الكمال لا بد أن يعرّف نفسه لمن يستطيع إدراكه، والبشر هم أقدر المخلوقات على ذلك، ولا يكون ذلك إلا برسالة ورسول.

وأن الكمال الرباني الذي هو في غاية الجمال لا بد أن يظهر من خلال رسالة ورسول.

وأن سلطنة الربوبية الكلية العامة الشاملة التي لا بد أن تعلن عن نفسها لكل من له بها علاقة، والإنسان بما خصه الله تعالى من الصفات أولى المخلوقات بذلك الإعلان الذي لا يتم إلا بوساطة عبد رسول لله تعالى.

وأنه لا يمكن لمن يملك خزائن كل شيء إلا أن يعرض كماله ومكنونات خزائنه على أنظار خلقه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول معرّف حاذق ومعلن وصّاف.

وأن ما في هذا الكون البديع المليء بالمخلوقات البديعة الصنع المجمّلة لقصر العالم لا بد لصانعه ومالكه أن يبين ما فيه من مخلوقاته وذلك بوساطة رسول مرشد معلم رائد.

وأن مالك هذا الكون بما يحدث فيه من تحولات وما يثيره الوجود من أسئلة لا يجد الإنسان جوابا عنها من خلال تفكيره الذاتي ولا ردا شافيا عنها إلا من خلال رسول ورسالة، إن مالك الكون لا يترك البشر حائرين مع تلك الأسئلة التي أعيتهم وهم ينظرون في أنفسهم وفي الكائنات من حولهم فيسألون: من أين؟ وإلى أين؟ ومن نكون؟ وكم حاول الإنسان من خلال الفلسفة أن يفك لغز العالم لكن قصور أدواته من حواس وعقل لم يصل به إلى الجواب الشافي الكافي.

وأن المنعم ذا الجلال الذي تجلت ألوان نعمه على البشر، لا يمكن أن يتركهم حيارى لا يعرفون من أنعم عليهم وما الذي يرضيه منهم؟ وهل يتم ذلك إلا من خلال رسول مبلغ عن ربه؟.

وأن الخالق الذي أوجد لدى النوع البشري مشاعر واتجاهات مختلفة، وجعله أهلا للعبودية الكلية له، لا يمكن أن يتركه حائرا لا يعرف ربه ولا يؤدي له حقوق العبودية فيظل مشتت العقل والقلب بين ما يرى من مظاهر الوجود التي تشغله عن ربه فيظنها فاعلة قادرة. وهل يكون بيان الحقيقة إلا بوساطة رسول مبين مبلغ مرشد يعرّف الإنسان من خلال إرشاده: من ربه وما صفاته وما له عليه من الحقوق؟.(10)

وقد لخص الأستاذ النورسي رحمه الله ما سبق بجملة بليغة موجزة مفيدة وذلك في قوله: "إن الألوهية لا تكون بلا رسالة".(11)

وعلينا ونحن نقف مع ما أورده الأستاذ النورسي أن نتذكر قول الله تعالى للملائكة قبل خلق آدم:

 ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة30)

وما تبع خلقه من موقف إبليس برفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم وما تلا ذلك من خطيئة آدم عليه السلام وإهباطه إلى الأرض وقول الله تعالى:

﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ (طه123).

وهذا الكلام يقودنا إلى العامل الثاني الذي يجعل النبوة ضرورة بشرية وحاجة لا بد من تلبيتها في النوع البشري.

 

2 ) منزلة الإنسان في الوجود:

للإنسان في الوجود منزلة لم ينلها كائن غيره، فقد خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، وكرمه على كثير ممن خلق من عباده، وسخر له ما في السماوات والأرض، وجعل الأرض التي هي مسكنه قسيمة السماوات في حديث القرآن الكريم عنها، مع ضآلة حجمها وضخامة حجم السماوات، وما ذاك إلا لأنها مسكن الإنسان وميدان استخراج ما أودع الله تعالى فيه من القدرات التي تظهر تجليات الأسماء الحسنى في أجلى مظاهرها على يديه، ولأنه الكائن الأقدر على مشاهدة ما لله تعالى من تجليات أسمائه في الوجود، وهو الكائن الوحيد الذي يملك القدرة على التغيير والتأثير في ما حوله، فقد غير نمط حياته وغير البيئة من حوله، وأثار الأرض وعمرها، واستفاد من مكنونات كنوزها ومن القوانين الموجودة فيها.

وفي مسيرة الإنسان الطويلة على الأرض ظهرت منه علامات الطغيان، بنسيان ربه، والاغترار بما آتاه الله تعالى من أسباب القوة، ونسيان الموت، والغفلة عن وجود عالم آخر يؤول إليه بعد الرحيل عن هذا العالم، مما اقتضى وجود من يذكره بحقيقته، وحقيقة حياته على هذه الأرض.

لقد وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند منزلة الإنسان في الوجود ولزوم النبوة لجنسه، فالإنسان خليفة في الأرض وهو أقدر الكائنات على إدراك محاسن تجليات الأسماء الحسنى، وهو ثمرة شجرة الخلقة أو نواتها مما يجعل إرسال الرسل إليه أمرا ضروريا، قال رحمه الله:

"اعلم! أيها الإنسان أنك ثمرة أو نواة لشجرة الخلقة، فبجسمانيتك أنت جزء صغير ضعيف، عاجز ذليل، مقيّد محدود. لكن الصانع الحكيم رقاك بلطيف صُنعه من الجزء الجزئي، إلى الكل الكلي. فبإدراج الحياة في جسمك أطلقك من قيد الجزئية في الجملة، بجولان جواسيس حواسك المنبسطة على عالم الشهادة لجلب أغذيتهم المعنوية، ثم بإعطاء الإنسانية جعلك كالكل بالقوة كالنواة، ثم بإحسان الإسلامية والإيمان، جعلك كالكلي بالقوة، ثم بإنعام معرفته ومحبته صّيرك كالنور المحيط، فاختر ما شئت، فإن أخلدتَ إلى الأرض واللذائذ الجسمانية؛ صرت جزءاً جزئياً، عاجزاً، ذليلاً. وإن استعملت جهازات حياتك بحساب الإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية؛ صرت كالكل الكلي والسراج المركزي.(12) 

والإنسان كما يرى الأستاذ النورسي رحمه الله هو أكمل وأنور المصنوعات وأبدعها، ويتجلى ذلك في كونه "الثمرة المجهّزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وأن الثمرة هي أجمع جزء وأبعده من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي."(13) وتلك الخصائص لا تتوافر لغيره من الكائنات التي تشاركه الوجود.

ومع ضعف الإنسان وضآلة حجمه قياسا إلى الكائنات الكبيرة من حوله، وقصر عمره، فإن له منزلة خاصة تميزه عمن سواه من المخلوقات: "حتى صار هذا الإنسان المخلوق الضعيف - مع صغره وكونه كذرّة بين هذه العوالم - عبداً محبوباً لخالق الأرض والسماوات وخليفة الأرض، ورئيس الحيوانات."(14) 

بل يرى الأستاذ النورسي رحمه الله أن الإنسان "هو سيد الموجودات رغم أنه صغير جداً، لما يملك من فطرة جامعة شاملة.. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة ومظهرها، لذا فإن له أهمية عظمى."(15) 

وما دامت لهذا الإنسان هذه المنزلة فهل يمكن أن يتركه خالقه هملا ضائعا حائرا لا يعرف ربه فيأتي إلى الدنيا ويخرج منها جاهلا بسر مجبيئه وخروجه؟.

لقد ميز الله تعالى الإنسان ليكون أهلا لوجود النبوة في جنسه بما أعطاه من الصفات وما أودع فيه من مظاهر الرقي. فالإنسان قادر على إدراك الترتيب في أشياء الكون ذلك الترتيب الناشئ من العلل المتسلسلة في الخلقة، والإنسان يملك القدرة على تحليل الأشياء وإعادة تركيبها، كما أنه يملك القدرة على محاكاة الطبيعة والإفادة منها في حياته، ونستذكر هنا قصة ابن آدم الذي قتل أخاه فتعلّم الدفن من الغراب، وتعلم الإنسان الطيران من الطيور والسباحة والغوص من الأسماك، وهكذا. كما أنه قادر على إدراك نواميس الله الجارية في الكون واستثمارها. هذا الإنسان الذي يملك هذه القدرات المميزة له عن سائر المخلوقات، أدرك قصوره في الوصول إلى حقيقة الوجود بنفسه، وبقدراته الذاتية تلك، وأدرك حاجته إلى نبي مرشد يكشف له سر النظام المتقن في العالم، وربه الذي خصه بتلك القدرات أنعم عليه بالنبوة التي تلبي حاجاته غير المحدودة، هذه الحاجات التي لا تجد إشباعا لها في هذه الدنيا التي لا تتسع لما يرنو إليه الإنسان من الكمالات التي ينقضي عمره ولم يحقق منها إلا القليل، ولا يشبع تلك الحاجات إشباعا حقيقيا إلا ما يخبر به الرسل الكرام من وجود عالم خالد ينتقل إليه بعد وفاته ويجد فيه ما لم يحققه في الدنيا المحدودة الفانية.

 وإن مما يستدعي وجود النبوة في حياة البشر حاجة الإنسان إلى العدالة التي تضبط علاقات الناس في ما بينهم في سعيهم إلى تلبية الحاجات المشتركة التي لا يستطيع الإنسان الفرد أن يقوم بها وحده لكونه كائنا اجتماعيا، وقد "احتاج النوع إلى وضع قوانين كلية، ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها، لابد من مقنن يجريها، ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق - مادة ومعنىً - ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتامين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الأذهان، ثم لإدامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج إلى مذكّر مكرِر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرِّر إلاّ العبادة، وهذه العبادة توجه الأفكار إلى الصانع الحكيم، وهذا التوجه يؤسس الانقياد، والانقياد هو للإيصال إلى النظام الاكمل والارتباط به. وهذا النظام الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية."(16)

من أجل ذلك كانت النبوة حاجة ضرورية للبشرية لتنضبط العدالة في الحياة بضوابط لا تميل مع هوى ولا تتبع مصالح فئة على حساب أخرى حين يضع البشر أسسها.

لقد ميز الله تعالى الإنسان على سائر الخلق بصفات جعلته أهلا لمخاطبته سبحانه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فالإنسان هو أكرم عبد لله وأكثر المخاطبين من خلق الله إدراكا وفهما للأوامر السبحانية،خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وجعله بذلك الوضع المرآة الجامعة للأسماء الحسنى "ولتجلي الاسم الأعظم ولتجلي المرتبة العظمى لكل اسم من هذه الأسماء الحسنى، وليكون أجمل معجزات القدرة الإلهية وأغناها أجهزة وموازين لمعرفة وتقدير ما في خزائن الرحمة الإلهية من كنوز "(17) وهل يتحقق ذلك كله إلا برسالة ورسول؟.

ومما ميز الله تعالى به الإنسان على سائر المخلوقات أنه وهبه "استعداداً فطرياً سامياً  يمكّنه من حمل الأمانة الكبرى التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، أي خَلقَه ليعرف صفات خالقه سبحانه الشاملة المحيطة وشؤونه الكلية وتجلياته المطلقة، بموازينه الجزئية وبمهاراته الضئيلة، والذي بَرأه بشكل ألطف المخلوقات وأعجزها وأضعفها، فسخر له جميعَها من نبات وحيوان، حتى نصبه مشرفاً ومنظماً ومتدخلاً في أنماط تسبيحاتها وعباداتها، والذي جعله نموذجا ـ بمقاييس مصغّرة ـ للإجراءات الإلهية في الكون، ودلاّلاً لإعلان الربوبية المنزهة - فعلاً وقولا - على الكائنات، حتى منحه منزلة أكرم من منزلة الملائكة، رافعاً إياه إلى مرتبة الخلافة ".(18)

هذه الميزات التي انفرد بها الإنسان جعلته أهلا لتلقي النبوة التي تهديه سواء السبيل وتكشف له الصراط المستقيم.

 

منزلة النبوة في حياة البشر

يرى الأستاذ النورسي أن "النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر".(19)

ويرى "أن النبوة التي هي قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها ضرورية لنوع البشر. فلو لم تكن النبوة لهلك النوع البشري".(20)

ويرى الأستاذ "أن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه. وأن الدين الحق فهرس السعادة. وأن الإيمان حُسنٌ منزَّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقاً ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة في مخالفيهم."(21)

وهل كانت النبوة في البشر إلا لتحقيق الحياة الطيبة في الدنيا وإنقاذ الإنسان من العدم الذي يقوده إليه الكفر والغفلة عن ربه وحقيقة وجوده، ونقله من حياة عاجلة قصيرة فانية إلى دار خلود لا تفنى أبدا؟.

الأنبياء أئمة هدى للبشرية في كل شؤونها:

كان إرسال الرسل إلى البشرية سبيلا إلى وصول البشر إلى ما أراد الله تعالى لهم من مراتب الكمال الممكن وقد سعى الأنبياء عليهم السلام إلى الارتقاء بالبشر من مرتبة الحيوانية التي يعيشونها حين لا يعرفون ربهم إلى مرتبة الملك.(22)

ولكي يتميز الصادق عن الكاذب، والنبي عن الدجال زود الله تعالى رسله بدلائل صدق تقوم بها الحجة على الناس، تلك هي المعجزات.

وإلى جانب المعجزات نجد من دلائل صدق النبوة ما حل بالأمم المكذبة من العذاب، وقد كان كل نبي يجعل من مصير الأمة السابقة لأمته نذيرا لهم لعلهم يتعظون.

 يضاف إلى هذا أن النظر في سير الأنبياء وملامح شخصياتهم يضيف إلى معجزاتهم أدلة صدق عملية، وكذلك ما كان من صبر أتباعهم على ما نزل بهم من البلاء ابتغاء مرضاة الله يدل على اليقين الذي أكسبهم إياه الإيمان، فكان صبرهم دليل صدق إضافيا لنبوة أنبيائهم.

 وإن إجماع الأنبياء عبر تاريخ البشرية على أصول دعوتهم دليل آخر على صدق ظاهرة النبوة في التاريخ البشري، يدل على مدى حاجة البشرية إليها لترتقي من مرتبة الحيوانية إلى مرتبة الملك.

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله: " نعم، إن المعجزات التي لاحصر لها  تصديق فعلي من لدن الحق سبحانه وتعالى للأنبياء عليهم السلام، والصفعات السماوية التي نزلت بالمنكرين المعارضين لهم  أظهرت أحقيتهم وتأييد الله لهم، وكمالاتهم الشخصية وارشاداتهم السديدة دالة على أنهم على حق أبلج، وقوة إيمانهم وغاية جديتهم ونهاية تجردهم تشهد كلها على صدقهم وصواب دعوتهم، وما في أيديهم من الكتب والصحف المقدسة، وتلاميذهم غير المحدودين الذين بلغوا الحقيقة وارتقوا إلى الكمال واهتدوا إلى النور باتباعهم لهم، يشهد كلها على أحقية سبيلهم وصواب طريقهم. وعلاوة على كل هذا فإن إجماع أولئك المبلّغين الصادقين في المسائل المثبتة لهو حجة قاطعة على صدق الإيمان وقوة عظيمة تعزز حقيقته بحيث لا تستطيع قطعاً أية قوة في العالم أن تصارعها. فهي حقيقة دامغة تنحسر أمامها كل شبهة او ريب."(23)

ولم تكن فوائد النبوة مقتصرة على الرقي المعنوي الذي حصله البشر باتباع الأنبياء، وخروجهم من الفناء إلى الخلود، ومن الحيرة والتشتت إلى الهدى والاستقامة، والخلاص من العبودية للأشياء، وتجردهم لعبودة ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد، بل رافق ذلك إثارة القدرات الكامنة لدى البشر في الجوانب العقلية والمادية. وإذا كانت معجزات الأنبياء دلائل صدق على نبوتهم، فقد كانت حافزا للبشر ليستثمروا ما أودع الله تعالى فيهم من القدرات، وما سخر لهم في الكون من الأشياء. يقول الأستاذ النورسي رحمه الله:" يبيّن القرآن الكريم أن الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسه أن الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّاداً للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضاً. أي أنه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعاً كاملاً في الأمور المادية والمعنوية؛ إذ كما يحض القرآنُ الكريم الإنسانَ على الاستزادة من نور الخصال الحميدة التي يتحلى بها الأنبياء عليهم السلام، وذلك عند بحثه عن كمالاتهم المعنوية، فإنه عند بحثه عن معجزاتهم المادية أيضاً يومئ إلى إثارة شوق الإنسان ليقوم بتقليد تلك المعجزات التي في أيديهم، ويشير إلى حضّه على بلوغ نظائرها، بل يصح القول: إن يد المعجزة هي التي أهدت إلى البشرية الكمال المادي وخوارقه لأول مرة، مثلما أهدت إليها الكمال المعنوي."(24)

ويشير الأستاذ النورسي رحمه الله إلى إمامة الأنبياء للبشرية في المجال المهني فيقول: "وهناك إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة، وهي اتخاذ أغلب الصناع نبياً من الأنبياء رائداً لصنعتهم وقطباً لمهنتهم. فالملاحون-  مثلا - اتخذوا سيدنا نوحاً عليه السلام رائدهم، والساعاتيون اتخذوا سيدنا يوسف عليه السلام إمامهم، والخياطون اتخذوا سيدنا إدريس عليه السلام مرشدهم."(25)

وقد وقف الأستاذ النورسي رحمه الله طويلا عند المعجزات المادية للأنبياء الكرام عليهم السلام، وسعى إلى الربط بين تلك المعجزات وما يمكن أن يصل إليه الإنسان من آفاق لاستثمار ما حوله من المواد والأشياء، وأتى الأستاذ رحمه الله في هذا المجال بما لم يسبق في حدود ما أعلم.

وسأورد بعض الأمثلة التي ربط الأستاذ بينها وبين معجزات بعض الأنبياء من غير أن أستقصي كل ما ذكره.

عند الحديث عن معجزة تسخير الريح لسيدنا سليمان عليه السلام التي أفادت أنه قطع في يوم واحد ما يقطع في شهرين يقول الأستاذ "فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء. فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنزلة ما دام الطريق ممهداً أمامك."(26)

فكأن الله سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة ويعني قوله نعالى: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر﴾ (سبأ 12):

"إن عبداً من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان إن نبذت كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضاً أن تمتطي صهوة الهواء."(27)

ويتحدث عما تفتحه معجزة سيدنا موسى عليه السلام حين ضرب الحجر فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا، كيف أنها تشير إلى إمكان وصول البشر إلى اختراع آلات يستخرجون بها الماء من باطن الأرض، وذلك في حديثه عن الآية: ﴿فقلنا اضربْ بعصاكَ الحجَر فانفجرتْ منه اثنتا عشرةَ عيناً﴾ (البقرة:60)

"هذه الآية الكريمة تبين معجزة من معجزات سيدنا موسى عليه السلام، وهي تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الأرض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من أرض صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا. فهذه الآية تخاطب البشرية بهذا المعنى: يمكنكم أن تجدوا الماء الذي هو ألطف فيض من فيوضات الرحمة الإلهية، بوساطة عصا، فاسعوا واعملوا بجد لتجدوه وتكشفوه. فالله سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآية: "ما دمتُ أسلّم بيد عبد يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها أن يفجّر الماء أينما شاء، فأنت أيها الإنسان إن اعتمدت على قوانين رحمتي،يمكنك أيضاً أن تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيا اسعَ لتجد تلك الآلة. فانت ترى كيف أن هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الإنسان من استخراج الماء في أغلب الأماكن، والتي هي إحدى وسائل رقي البشرية. بل إن الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها."(28)

ويمضي الأستاذ النورسي مع معجزات الأنبياء، فمعجزة سيدنا عيسى عليه السلام بشفاء أصحاب الأمراض المستعصية تشير إلى"أنه يمكن أن يُعثر على دواء يشفي أشد الأمراض المزمنة والعلل المستعصية، فلا تيأس أيها الإنسان، ولا تقنط أيها المبتلى المصاب، فكل داء مهما كان له دواء، وعلاجه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسه بلون من ألوان الحياة الموقتة."(29)

فما تحقق على يدي سيدنا عيسى عليه السلام معجزة، "أيها الإنسان! بوسعك أن تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به".(30)

وأشير أخيرا إلى ما استنبطه الأستاذ النورسي من الأفق الذي تفتحه المعجزة التي تمت لسيدنا سليمان بإحضار عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه ، ففي تلك المعجزة إشارة واضحة إلى أن "إحضار الأشياء من مسافات بعيدة - عيناً أو صورة - ممكن، وذلك بدلالتها على تلك الحادثة الخارقة التي وقعت في ديوان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما قال أحد وزرائه الذي أوتي علماً غزيراً في «علم التحضير»: أنا آتيك بعرش بلقيس."

وليس الأمر مقتصرا على إحضار الأشياء عينا أو صورة بل فيه إشارة إلى منهج في الحكم يقوم على متابعة شؤون الرعية وإن كانت بعيدة المكان عن الحاكم فكأن الله تعالى يخاطب الحكام من خلال تلك المعجزة قائلا:

"أيها الحكام! ويا من تسلمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسود العدالة أنحاء مملكتكم، فاقتدوا بسليمان - عليه السلام - واسعَوا مثله إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والســلطان الــذي يرعـى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتـغــاه إلا إذا اسـتـطـــاع الاطـلاع - مـتى شاء - على أقطار مملكته، وعندئذٍ تعم العـدالة حـقاً، وينقذ نفـسه من المـحـاســبة والتبـعات المعنوية." ( 31)

إن هذا الأفق الذي تفتحه المعجزات النبوية للبشرية في مجال التقدم العلمي يشير إلى ضرورة النبوة في حياة البشر.

 ويمضي الأستاذ النورسي بالمنهج نفسه في وقوفه مع معجزات أخرى لأنبياء الله إبراهيم وسليمان وداود وآدم عليهم السلام، ويربطها بما تم من فتوح علمية للبشرية وبما يمكن أن يكون كذلك.

وقد أجمل الأستاذ النورسي هذه القضية في قوله: "إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعيّن أبعد الأهداف النهائية لها ويحددها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما أن الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله".(32)

البشرية لا تستغني عن النبوة، ولكن هل أحس البشر جميعا بهذه الضرورة؟.

من قبل وقف الملأ من كل قوم في وجه الأنبياء وسعوا إلى إطفاء نور الله، وصدوا الناس عن سبيل الهدى، فكذبوا فريقا من الأنبياء، وقتلوا فريقا.

واليوم نجد البشرية وقد قطعت في العلم، وحققت من المنجزات أشواطا غير مسبوقة في المعلوم من تاريخ البشر، فحققت كثيرا من معجزات الأنبياء من خلال العلم، فهل ترى البشرية أن ما هي فيه من التقدم أثر من آثار معجزات الأنبياء، وثمرة من آثار فضلهم أم أن الغرور يجعلها تنسب الأمور إلى نفسها وتنسى ربها وتقول ما قال قارون من قبل ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾؟0 (القصص 78 )

ما أحوج البشرية اليوم إلى حملة مشاعل النور ليضيئوا لها الطريق لتعرف نفسها، وتعرف حقيقة دنياها، وتعرف ربها، وتعرف الرحمة المهداة إلى البشرية جميعا: سيدنا محمدا عليه وآله الصلاة والسلام، خاتم سلسلة النبوة وشمسها الأكمل ضياء، وبدرها الأتم نورا.

 إنها بحاجة إلى من يجعلها تصحو من سكرها، وتواجه الحقيقة لعلها تفيء إلى نور الإيمان، وتخلص نفسها من الغرور الذي يزينه لها الشيطان، ومن العدم الذي يقودها إليه الكفر.

فهل تشرق شمس النبوة على هذا العالم من جديد؟!

 

--------------------------

  1. الشعاعات - ص: 135. المصدر : موقع نور أونلاين.
  2. الشعاعات - ص: 137.
  3. صيقل الإسلام - ص: 139.
  4. انظر : إشارات الإعجاز – ص: 23.
  5. المكتوبات - ص: 53.
  6. الكلمات - ص: 843.
  7. صيقل الإسلام/محاكمات - ص: 136.
  8. المثنوي العربي النوري - ص: 244.
  9. الكلمات - ص:62.
  10. انظر: الكلمات– ص: 62 – 63.
  11. الكلمات - ص: 63.
  12. المثنوي العربي النوري - ص: 353.
  13. الكلمات - ص: 252.
  14. المثنوي العربي النوري - ص: 279.
  15. الكلمات- ص: 64.
  16. صيقل الإسلام - ص: 138.
  17. الكلمات- ص: 94 .
  18. المصدر نفسه.
  19. صيقل الإسلام- ص: 138.
  20. صيقل الإسلام - ص: 140.
  21. اللمعات - ص: 194.
  22. انظر:الشعاعات- ص: 157.
  23. المصدر نفسه.
  24. الكلمات- ص: 279.
  25. المصدر نفسه.
  26. الكلمات - ص: 280.
  27. المصدر نفسه.
  28. الكلمات - ص:280 – 281.
  29. الكلمات- ص: 281.       
  30. المصدر نفسه.
  31. الكلمات - ص: 283 -284.
  32. الكلمات- ص:  279.

 


 

 


17-) مساهمة الأنبياء للإنسانية في ضوء رسائل النور

 

 

مساهمة الأنبياء للإنسانية

في ضوء رسائل النور

 

أحمد عبد الجليل النذير  

جامعة أم درمان الإسلامية

كلية أصول الدين، السودان

 

مقدمة :

خلق الله الانسان كائنا فريدا في نوعه، وحيدا في تكوينه، إذ جمع الله فيه قبضة من تراب الارض ونفخة من روحه تبارك وتعالى، بما جعل الانسان مؤهلا لطرفي نقيض، فإما أن يتدلى ويسفُل حتى يكون في خسة الطين ودونيته وإما أن يترقى حتى يسامي الملائكة فضلا ومكانة، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1] ومما زاد الامر تعقيدا على الإنسان أن ينزل ادم عليه السلام ومعه عدو لدود إلى الأرض، فقد أعلن الشيطان عداوته للإنسان بين يدي الله تعالى متعهدا بإضلال البشر ما استطاع لذلك سبيلا ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [2].

هذا التكوين المعقد يقتضي من الإنسان حيطة وحذرا، وحرصا على دوام المدد الرباني والنصر الإلهي، فليس للإنسان حيلة إن وكله الله لنفسه قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا[3] وسعيا للاستقواء بمدد الله تعالى لنا لا بد من أن نعُبً ونغترف من فيض الوحي الرباني الذي لن ينقطع مدده عن الانسان بما ادخر الله فيه من أسباب الحفظ وعوامل البقاء ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[4] والوحي يحمل بين طياته سائر أنواع الهداية ،في شئون المعاش وشئون المعاد، وقد كان دور الأنبياء البلاغ بالحجة والتبيين للمحجة، وقد كان أعظمهم وأكملهم هو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمع الله تعالى له بين إمامة الدين وقيادة الدنيا، فأمًنا في محرابنا وقادنا في معاركنا، لتتضح معالم الرسالة الخاتمة التي جمع الله تعالى فيها معاني الحسنيين وحضنا أن نسأله ذلك إذ يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[5] حول هذه المعاني سطر الامام بديع الزمان سعيد النورسي رسائله جلية واضحة تستمد مدادها من نور الوحي القرآني وتستلهم معانيها من فيض الهدي النبوي، فبسط الله لها القبول وفتح لها القلوب.

 

أولاً: الإنسان كائن مكرم

تيسيراً لتحمل العبء ورعاية لأمانة التكليف أفاض الله تعالى على الإنسان كثيراً من المواهب المادية والمعنوية ومن بينها: _

  1. الاستخلاف:

والذي بموجبه زُوِّد الإنسان بما يكفل له القيام بهذه المهمة، وفي مقدمة ذلك العلم الذي لم يمنح لمخلوق غيره، حتى الملائكة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ([6]).

إن الله عز وجل قدَّر بمشيئته أن يكون الإنسان مستخلَفاً في الأرض، وقدَّمه في ذلك على الملائكة، فكانت تلك بداية التقدير له، بوضعه محوراً لما سيجري على الأرض من أحداث جسام يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهل للخطاب الرباني. وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته )[7].

وذِكْرُ الاستخلاف في القرآن الكريم مقروناً بالأرض ثلاث مرات من أصل ست -هي عدد ورود المصطلح - يشير إلى سمتين لهذا المفهوم :

الأولى:

أن الاستخلاف منوط بهذه الأرض التي جُعلت مكاناً للاستقرار الدنيوي للإنسان، بما فيها من مكونات طبيعية جُعلت ملائمة لقيام حياة إنسانية فوقها، ومعنى هذا أن نجاح الإنسان في القيام بمهمة الاستخلاف متوقف على حسن تدبيره لما في الأرض وما على الأرض من مكونات، وأن أي اضطراب في الموازين وفساد في الأرض إنما يكون أثرا من آثار الفساد وسوء التدبير، (إن المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقا مناقضا لأسس دساتير السماء وقيامها بمناهضتها، فقد طفح كيل سيئاتها على حسناتها وثقلت كفة أضرارها على فوائدها، فلقد اضطرب أمن الناس واطمئنانهم، وأقلقوا وأسنت سعادتهم الحقيقية فاختل ما هو مطلوب من المدنية ومقصود منها، حيث حلت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محل بوادر الاقتصاد والقناعة، واستمرئت ميول الكسل والدعة وهجرت مراعي السعي والعمل) [8]

والسمة الثانية :

هي وقتية الاستخلاف؛ لأن ارتباطه بالأرض يعني أنه ينتهي بانتهائها، وهذا ينسجم مع دلالة لفظ الاستخلاف؛ فهو يعني: النيابة عن الغير أو التصرف في ملك الغير، وهذا ما أكدته الآيات كقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ * وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا * إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.﴾ ([9]). فهو استخلاف مؤقت تتعاقب عليه الأجيال، وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ([10]). .ومن كمال عدل الله تعالى أن يكون هناك حساب على ما ترتب من تكليف وما طرأ من استخلاف، وذلك هو مراد الله تعالى من بعث الناس بعد الموت (إن جميع المعجزات الدالة على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع دلائل نبوته، وجميع البراهين الدالة على صدقه، تشهد بمجموعها معاً على حقيقة الحشر، وتدل عليها وتثبتها ،لأن دعوته صلى الله عليه وسلم طوال حياته المباركة قد انصبت بعد التوحيد على الحشر، وكذا شهادة (الكتب المنزلة) التي رقت الشهادة الصادرة من الرسل الكرام إلى درجة البداهة ووضحتها، تشهدان على الحقيقة نفسها) [11]، (إن الصحف السماوية والكتب المقدسة جميعها التي حكمت كل منها لفترة من العصور والأزمنة، قد صدقت بالاف من الدلائل دعوى القرآن في حقيقة الحشر – مع أن بيانها لها مختصر وموجز، وذلك بمقتضى زمانها وعصرها – تلك الحقيقة القاطعة التي بينها القران الذي ساد حكمه على العصور جميعها، وهيمن على المستقبل كله، بينها بجلاء وأفاض في إيضاحها)[12].

  1. التمكين:

  فلكي يقوم الإنسان بتكاليف الاستخلاف، مكَّنه الله تعالى من تسخير ما على الأرض، وذلك هو التمكين. والتمكين: (تفعيل) -من المكان- وهو: إقرار الشيء وتثبيته في مكان، وهو يأتي في القرآن الكريم بصيغة الفعل المُسنَد إلى الله عز وجل؛ فهو وحده من يُمَكِّن الإنسان لما يشاء، ومن يمكن للإنسان ما يشاء، والناظر في موارد هذا اللفظ، يميز بين صيغتين له: صيغة التمكين في الشيء، وصيغة تمكين الشيء. الأولى خاصة بالتمكين في الأرض، والثانية عامة تشمل تمكين الدين والقوة والسلطة والمال، وهذا يعني أن التمكين للإنسان يتم عبر مستويين:

الأول: حسي مادي، يتم فيه تمكين الإنسان من التصرف في الأرض، وإقداره على جعلها موطناً له ومُستقرّاً لمعاشه، ولذلك جاء ذكر (المعايش) مع التمكين في الأرض: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾([13])؛ أي ما يضمن الاستمرار في الحياة من طعام وشراب ولباس ونحوه، ويدخل في هذا المستوى تمكين المال والقوة والأولاد، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ([14]).

والثاني: معنوي، يتم فيه تمكين الدين والأمن للإنسان: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ([15])، وهذا مستوى من التمكين يحوز بموجبه الإنسان على أهم الأسس الداعمة للحياة الكريمة، وهي الدين بكل القيم الروحية والخلقية والاجتماعية التي ينطوي عليها، والأمن الذي يضمن له ممارسة سائر حقوقه الطبيعية.

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن موجودات العالم قد صممت بطراز يشبه دائرة عظيمة، وخلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها، فنرى: أن جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه إليها ،وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها، فخالق الكون إذن يختار الحياة ويصطفيها من بين موجوداته، ثم نرى أن موجودات عوالم ذوي الحياة هي الأخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة بحيث يتبوأ الإنسان فيها مركزها؛ فالغايات المرجوة من الأحياء عادة تتمركز في هذا الإنسان، والخالق الكريم سبحانه يحشد جميع الأحياء حول الإنسان ويسخر الجميع لأجله وفي خدمته ، جاعلا من هذا الإنسان سيدا عليها وحاكما لها) [16]

  1. التكريم:

وهو في القرآن الكريم على مستويين: تكريم دنيوي وتكريم أخروي.

الأول: مرتبط بالوجود الدنيوي للإنسان في الأرض، واستخلافه فيها، وتمكينه من عمارتها، وهو بذلك يعني: تشريف الإنسان وتخصيصه بالمقومات الذاتية التي تمكنه من القيام بتكاليفه ومسؤولياته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا.﴾ ([17]). يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهل للخطاب الرباني ، وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته)[18]

والثاني: مرتبط بالوجود الأخروي، حيث يكون الأكرم عند الله عز وجل؛ أي الأفضل منزلة، هو الأتقى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ ([19]).

يقول الإمام بديع الزمان النورسي (إن التفاوت بين مجيء الحيوان والإنسان إلى هذه الدنيا يدل على أن اكتمال الإنسانية وارتقاؤها إلى الإنسانية الحقة إنما هو بالإيمان وحده) [20] ويقول أيضاً (إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمة تجعله لائقا بالجنة، بينما يتردى بظلمة الكفر إلى أسفل سافلين فيكون في وضع يؤهله لنار جهنم ،ذلك لأن الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل ،ويربطه بوثاق شديد ونسبة إليه)[21]

وفي مقابل (التكريم) يستعمل القرآن فعل الإهانة: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ ([22]).

وهذا التقابل هنا بين التكريم والإهانة جاء على لسان الإنسان الجاحد للنعمة، الذي يظن أن إغداق النعم عليه تفضيل له وتشريف؛ فيفرح به ويطغى ويفسد، وأن إمساك الرزق عنه إهانة له؛ فيكفر ويجحد، وهذا تصور خاطئ لمفهومي التكريم والإهانة؛ لأن التوسيع في النعم والإمساك في الرزق، إنما هو ابتلاء يُمَحَّص من خلاله الإنسان، والتكريم لا يكون بالنعم والرفاه المادي، ولا الإهانة بإمساك الرزق وتضييقه.

وهذا ما ألمحت إليه آية أخرى في سياق آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ([23]).

فالإهانة الحقيقية للإنسان هي أن يسجد لغير الله، والسجود هنا خضوع وتذلل، وأن يتحمل تبعات ذلك في الآخرة من عذاب أبدي. والتكريم هو في العبودية المطلقة لله وحده، والعمل بمقتضاها الذي يضمن له النعيم الأبدي.

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إذا تسلل الكفر – الذي هو عبارة عن قطع الانتساب إلى الله – في الإنسان، فعندئذ تسقط جميع معاني نقوش الأسماء الحسنى الإلهية الحكيمة في الظلام وتمحى نهائيا، ويتعذر مطالعتها وقراءتها ؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تفهم الجهات المعنوية المتوجهة فيه إلى الصانع الجليل بنسيان الصانع سبحانه وتعالى بل تنقلب على عقبيها، وتندرس أكثر آيات الصنعة النفيسة الحكيمة وأغلب النقوش المعنوية العالية أما ما يتبقى منها مما يتراءى للعين فسوف يعزى إلى الأسباب التافهة، إلى الطبيعة والمصادفة، فتسقط نهائيا وتزول)، (إن غاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول، وهكذا يهدم الكفر الماهية الإنسانية ويحيلها من جوهرة نفيسة إلى فحمة خسيسة) [24].

  إن تكريم الإسلام للإنسان، يعكس قيمته عند الله عز وجل من جهة، وهذا هو وجه التشريف في التكريم، ويعكس خطورة الأمانة التي يتحملها من جهة ثانية، وهو وجه التكليف فيه، ومتى حافظ الإنسان على توازنه في السير في هذين الخطين، وكذا توازنه في تحصيل مظاهر الاستخلاف والتمكين، ضمن إنجاح مهمة عمارة الأرض، وضمن ما يترتب على ذلك من نماء له وللكون الذي يعيش فيه.

ثانيا: الأنبياء دليلنا وسبيلنا للهداية :-

إن أعظم عطاء من قِبل الأنبياء للإنسانية هو الهداية، بل إن فاقد الهداية يتمنى أن لو لم يكن شيئاً مذكوراً حيث يقول يوم القيامة ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا[25] لذلك فإن النبوة على درجة عالية من الأهمية للإنسانية جمعاء في شؤون المعاش وشؤون المعاد، ويتمثل ذلك فيما يلي :

  1. ضرورة النبوة:

في ظل التفتح المستمر للمعارف على الإنسان قد يظن لوهلة أنه قادر على إدراك جميع ما حوله في عالم الوجود، استغناءً بعقله البسيط عن مدد السماء وفيض الوحي الرباني، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي: (اعلم أنه يفهم من كمال ذكاوة الحيوان وقت خروجه إلى الدنيا ومهارته في العلم العملي المتعلق بحياته، أن إرساله للدنيا للتَّعَمُّل لا للتكمل بالتعلم. ويفهم من كمال جهالة الإنسان وعجزه وقت إخراجه إلى الدنيا واحتياجه إلى التعلم في كل مطالبه وفي جميع عمره أن إرساله إلى الدنيا للتكمل بالتعلم والتعبد لا للتعمُّل)[26] (اعلم أن حكمة الصانع الجليل، وعدم العبثية في أفعاله، ومراعاته النظام في أقل ما في العالم، وعدم إهماله أخس ما فيه وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد، كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر)[27]

ويقول الإمام أيضاً: (إن القرآن كما يفسر بعضه بعضاً، كذلك إن كتاب العالم يفسر بعض آياته بعضها. فكما أن العالم المادي يحتاج احتياجاً حقيقياً إلى شمس تفيض منها عليه أنوار نعمته تعالى، كذلك العالم المعنوي يحتاج أيضاً إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمته تعالى، فنبوة أحمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهار إلى دليل؟! [28]

وهذه النبوة برهانها رقى الإنسان على الحيوانية في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى:

إدراك الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء، الناشئ من العلل المترتبة المتسلسلة في الخلقة، وقابليته العلمية والتركيبية ومعرفته الحاصلة من تحليل مركبات بذور كمالات الإنسانية إلى بسيطات، وإرجاعها إلى أصلها، وقدرته على محاكاة الطبيعة، ومساوقة نواميس الله الجارية في الكون بصنعته ومهارته فالإنسان الذي هذه قابليته، يدرك قصور نظره في صنعته، وزحمة الأوهام عليه، وافتقاره في جبلته الإنسانية، مما يدله على موازنة النظام المتقن في العالم.

النقطة الثانية:

هي استعداد الإنسان غير المتناهي، وآماله ورغباته غير المحصورة، وأفكاره وتصوراته غير المحدودة وقوته الشهوية والغضبية غير المحدودة.

إن عدم العبثية، وثبوت حقائق الأشياء تومئان إلى: أن هذه الدنيا الدنية الضيقة المحصورة، وتزاحم كثير من الأعراض فيها والتي لا تخلو من التحاسد والاضطراب، لا تسع كمالات الإنسانية، بل تحتاج تلك الكمالات إلى عالم أرحب لا تزاحم فيه كي يتسنبل استعداد البشر وينمو نمواً كاملاً، فيكون منسجماً مع نظام العالم بانتظام أحوال كمالاته.

النقطة الثالثة:

إن الإنسان لا يعيش عيشة الحيوانات ولا يسعه ذلك، ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه، ليتشاركوا فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم، ولكن لتجاوز قوى الإنسانية على الآخرين تحتاج الجماعة إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي، ثم لأن عقل كل واحد لا يكفي في درك العدالة احتاج النوع إلى وضع قوانين كلية ، ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها، لا بد من مقنن يجريها، ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك ،ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصور عظمة الصانع ورسوخ العقائد وذلك يحتاج الى مذكر مكرر وعمل متجدد، وما الذكر المكرر إلا العبادة ،وهذه العبادة توجه يؤسس الانقياد، والانقياد هو للإيصال إلى النظام الأكمل والارتباط به، وهذا النظام الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية، فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات أنتج لك بالضرورة :أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر )[29]

2. المثال النبوي حجة على الناس:

إن الفكر إذا كان مجرداً، والكلم إذا كان معلقاً دون إتباعه العمل والبرهان والدليل قد يتطرق الشك إلى جوانبه، خاصة في ظل مدافعة الأفكار الأخرى والتصورات المغايرة، وإن الأنبياء قد جاءوا بوحي سماوي فيه أمر ونهي، ووعد ووعيد، والناس بين مصدق ومكذب، وإعانة من الله تعالى للإنسان على الهداية والتصديق والاتباع أن جعل من الرسل والأنبياء مثالاً ودليلاً على أن الامر الرباني سهل ميسور وبامتثاله فلاح الإنسان وفوزه بسعادة الدارين، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حجة على معاصريه ومن جاء بعده إذ امتثل الأمر الرباني ولم يحد عنه في سائر شؤونه، فقدم أسمى مثال وأرقى أسوة للناس، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: (إذا تأملت في حاله صلى الله عليه وسلم من الأربع إلي أربعين - مع أن من شأن الشبابية وتوقد الحرارة الغريزية أن تظهر ما يخفي وتلقى إلى الظاهر ما استتر في الطبيعة من الحيل - تراه عليه السلام قد تدرج في سنينه وعاشر بكمال استقامة ونهاية متانة وغاية عفة واطراد وانتظام، ما أومئ حال من أحواله إلى حيلة، لا سيما في مقابلة المعاندين الأذكياء، وبينما تراه عليه السلام كذلك إذ تنظر إليه وهو على رأس أربعين سنة - الذي من شأنه جعل الحالات ملكة والعادات طبيعة ثابتة لا تخالف – قد تكشف عليه السلام عن شخص خارق قد أوقع في العالم انقلاباً عظيماً عجيباً فما هو إلا من الله تعالى). [30]

وتمثل السيرة النبوية والشمائل المحمدية خير دافع للدعاة للبذل والعطاء، سعياً لسوق الناس لرب العالمين مسترخصين في سبيل ذلك مهجهم وأرواحهم موقنين بالنهايات السعيدة التي تكفل الله تعالى بتمامها، وإن نبينا صلى الله عليه وسلم لهو حجة على كل داعية نكص على عقبيه واستصعب التبعة، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي: (غص من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، ماراً تحته إلى أن تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظراً على جزيرة العرب، ثم ارفع رأسك والبس ما خاط لك ذلك الزمان من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة، فأول ما يتجلى لعينيك: أنك ترى إنساناً وحيداً لا معين له ولا سلطنة يبارز الدنيا برأسه، ويهجم على العموم، وحمل على كاهله حقيقة أجل من كرة الأرض ، وأخذ بيده شريعة هي كافلة لسعادة الناس كافة، تلك الشريعة كأنها زبدة وخلاصة من جميع العلوم الإلهية والفنون الحقيقية) [31]

إن الإعجاز النبوي لا يزال يتجدد يوماً تلو آخر ما امتدت بالبشر السنين والآماد إذ في كل جيل قد يظهر كُمل أفذاذ، لكن عند مقارنتهم بأكمل البشر تتقازم القامات وتضمحل المقامات، وذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أهل ليكون مثلاً لكل البشر على اختلاف أجيالهم، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: (فيا أيها الناس، هل يمكن أن لا يكون عندكم محمد عليه الصلاة والسلام ذلك الفرد الفريد ؟، وهل يستطيع تاريخكم أن يظهر فرداً آخر أليق بهذا المقام من محمد عليه الصلاة والسلام ؟ [32]

3. هداية الأنبياء يقينية:

إن من ينحرف عن جادة السبيل ويزيغ عن منهج الحق حتماً سيقع في براثن الشك ومبهمات الظنون، لأجل ذلك عندما ناظر إبراهيم عليه السلام قومه أسقط في أيديهم لأول وهلة ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ  أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[33]. أما من يهتدي بنور الوحي وهداية القرآن فإنه يأوي إلي ركن شد يد من العلم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: إن حقيقة ((الوحي الإلهي)) مهيمنة كل حين بظواهر في غاية القوة والوضوح _ على أرجاء الغيب كافة، فتأتي الشهادة لوجوده وتوحيده سبحانه من لدن علام الغيوب، وهي شهادة الوحي والإلهام وهي أقوى بكثير من شهادة الكائنات والمخلوقات، إذ لا يدع سبحانه تعريف ذاته ولا دلائل وجوده ووحدانيته، محصوراً في شهادة مخلوقاته وحدها، بل يتكلم كلاماً أزلياً يليق بذاته، فلا حدَ ولا نهاية للكلام من هو حاضر وناظر بقدرته وعلمه في كل مكان، ومثلما يعرفه معنى كلامه، فإن تكلمه أيضاً يعرفه بصفته) [34]

 

ثالثا: الأنبياء أرسوا مناهج الإصلاح المجتمعي

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع عركته الصراعات، وأقعدته الفتن، وتناوشته سهام العصبيات، فقد كانت الحروب تنشا بين أفراده وجماعاته على لا شيء، فإن حرب البسوس كان القتال فيها على ناقة، وحرب داحس والغبراء كانت على فرسين، ولا ننسى ما وجده النبي صلى الله عليه وسلم من بقايا جراحات حرب بعاث بين الأوس والخزرج، وغيرها من حروب ومعارك لا تنتهي، وأما من ناحية الأخلاق فقد كانت هناك موانع وعوائق جمة تحول دون تماسك المجتمع وتراص صفه في الجزيرة العربية، فرغم أن العرب كانوا يعظمون أمر الكرم والشجاعة ويعتبرون ذلك من صفات السيادة كما يقول شاعرهم :

نحن بنو أم البنين الأربعة     ومن خيار عامر بن صعصعة

المطعمون الجفنة المدعدعة    والضاربون الهام عند الخيضعة

رغم ذلك فقد كان في العرب أنفة زائدة وكبر يشمخ بكثير من أفرادهم وقبائلهم عن التواضع للغير ولين الجناح مع الصديق أو العدو، وعندما جاءت رسالة الإسلام شرق بها كثيرون لأن شرف الرسالة ومكانة النبوة ليست في أنسابهم، فكفروا جحوداً رغم يقينهم بصدق الرسالة قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[35]. واجه النبي صلى الله عليه وسلم تحديات المجتمع العربي الجاهلي على تعقيداتها وأزاح وجه الكفر عن جزيرة العرب في أوجز زمن يمكن لدعوات الاصلاح والبعث أن تستغرقه في سبيل التغيير، وهذا الأمر يشهد به حتى أهل الكفر من المؤرخين و المستشرقين، وهاهنا يقول الإمام بديع الزمان النورسي في إشارات الإعجاز (إنك اذا تأملت في العالم ترى أنه قد يتعسر ويستشكل رفع عادة ولو حقيرة في قوم ولو قليلين، أو خصلة ولو ضعيفة، في طائفة  ولو ذليلين، على ملك ولو عظيماً ،بهمة ولو شديدة في زمان مديد بزحمة كثيرة، فكيف أنت بمن لم يكن حاكماً، تشبث في زمان قليل بهمة جزئية ـ بالنسبة إلى المفعول ـ وقلع عاداتٍ ورفع أخلاقاً قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استيناس واستمرت غاية استمرار، فغرس فجأة بدلها عادات وأخلاقاً تكملت رفعة عن قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب، أفلا تراه خارقاً للعادة؟)[36] ويقول أيضاً (فانتخب أيها المعاند من أكمل الفلاسفة مائة، فليسعوا مائة سنة فإن فعلوا جزءاً من مائة جزء ممافعله محمد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى زمانه)[37]، فكيف غير النبي صلي الله عليه وسلم ذلك الواقع الجاهلي في هذا الزمن الوجيز؟! ماهي السنة الربانية هاهنا وما هو الهدى النبوي؟! إن طرائق الإصلاح والتغيير التي بينها الله تعالى في كتابه تقدم لنا أقصر الطرق وأوجز السبل لإصلاح المجتمعات، وإن آية قرانية واحدة تكفينا عن كثير من الإطناب والتطويل، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.

فتغيير المجتمعات لا يكون عن طريق امتلاك السلطة وتولي زمام الملك والقيادة ،فذلك وإن صنع تغييراً فإنه يكون سطحياً ولا دوام له، يقول الإمام بديع الزمان النورسي في إشارات الاعجاز (إنه يمكن بالقهر والجبر تحكم ظاهري وتسلط سطحي)[38]، إن التغيير المنشود لابد أن يكون عاماً للمجتمع ابتداءً ﴿إن اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم﴾[39] فالتغيير لا يكون رؤى فكرية مجردة في عقول الفلاسفة وأهل الفكر، إنما هو روح تسري في عموم المجتمع، يقول الأمام بديع الزمان النورسي (إن تاريخ العالم يشهد أن الداهي الفريد إنما هو الذي اقتدر على انعاش استعداد عمومي، وإيقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي، إذ من لم يوقظ هكذا حسا نائماً يكون سعيه هباء مؤقتاً ولو كان جليلاً في نفسه)[40].

فقد صنع النبي صلى الله عليه وسلم حراكاً أحدث تغييراً على مستوى جزيرة العرب شمل أكثر من مائة ألف إنسان في ذلك التاريخ، فكان ذلك معجزة خالدة وكذلك سنة ماضية. إن سبيل تغيير المجتمعات لابد أن يسلك الدرب النبوي والهدى المحمدي.

وتغيير عموم المجتمع يعني البداية بإعداد الأفراد إعداداً شاملاً يحيط بالنفس والعقل والجسد، قال الله عزوجل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الجمعة 2، فالتزكية للنفوس والتعليم والهداية للعقول، إن الصياغة المتكاملة للإنسان تنشئ إنساناً حضارياً مستقلاً بذاته ومتحداً مع أمته.

رابعا: سعادة الإنسان في دنياه باتباع الأنبياء

  1. منهج الأنبياء خير محض:

يحاول كثير من الناس أن يجعل العقل حكماً لا يجارى في سائر شؤون معاشه، مستنكفاً أن يقبل توجيه الوحي السماوي، ومن كان هذا ديدنه تزل أقدامه عند مبهمات القضايا ومدلهمات الخطوب، فإن العقل يعجز عن الحكم على ما لا يستطيع تصوره، وإن صدق في حكمه فإنه معرض للهوى وميل الشهوة الخفية والجلية.

ولبيان ذلك يعقد الإمام بديع الزمان مقارنة بين المنهج النبوي والاجتهاد الفلسفي، ليبين المزالق التي زلت عندها أقدام الفلاسفة، ويضرب لذلك أمثلة عديدة من بينها:

المثال الأول: -

من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله، أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم.

فأين هذه القاعدة الجليلة من قول الفلسفة (تشبّهوا بالواجب) التي تقررها غاية قصوى للإنسانية.

أين ماهية الإنسان التي عجنت بالعجز والضعف والفقر والحاجة غير المحدودة من ماهية واجب الوجود وهو الله القدير القوي الغني المتعال.

المثال الثاني:

من القواعد الثابتة للنبوة في الحياة الاجتماعية، أن التعاون دستور مهيمن على الكون، ابتداء من الشمس والقمر والنباتات والحيوانات، فترى النباتات تمد الحيوانات، والحيوانات تمد الإنسان، بل ذرات الطعام تمد خلايا الجسم وتعاونها .

فأين هذا الدستور القويم دستور التعاون وقانون الكرم وناموس الإكرام من دستور الصراع الذي تقول به الفلسفة من أنه الحاكم على الحياة الاجتماعية)[41]. وغير ذلك من أمثلة كثيرة يضربها الإمام تبين أن الفلسفة العقلية وحدها ليست دليلاً وهاديا للإنسان، الذي هو أكرم من أن يفني عمره متقلباً في طرقات الشك وجنبات الظنون، فإن فرصة الحياة واحدة وعاقبتها لازمة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فعقاباً وجزاءً مستطيراً قال تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾[42]

  1. لا سعادة بغير الإيمان :

إن مصائب الدنيا أعقد من أن تتحملها نفوس البشر، وقد أخبر الله تعالي عن شقاء الإنسان فيها إذ يقول تعالى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى[43] ويقول تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ[44]، ولا سعادة بغير نفوس قادرة على احتمال هذه المكاره والشدائد، ولا سبيل لرقي هذه النفس وتهذيبها بغير إيمان، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه) [45].

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الشيوخ الذين هم نصف البشرية ، إنما يتحملون ويصبرون وهم علي شفير القبر ب(الايمان بالأخرة ) ولا يجدون الصبر والسلوان من قرب انطفاء شعلة حياتهم العزيزة عليهم، ولا من انغلاق باب دنياهم الحلوة الجميلة في وجودهم، إلا في ذلك الإيمان، فهؤلاء الشيوخ اللذين عادوا كالأطفال وأصبحوا مرهفي الحس في أرواحهم وطبائعهم إنما يقابلون ذلك اليأس القاتل الأليم الناشئ من الموت والزوال، ويصبرون عليه بالأمل في الحياة الاخرة، وإلا فلولا هذا الإيمان بالأخرة لشعر هؤلاء الآباء والأمهات – الذين هم أجدر بالشفقة والرأفة، والذين هم في أشد الحاجة إلى الاطمئنان والسكينة والحياة الهادئة – ضراماً روحياً واضطراباً نفسياً وقلقاً قلبياً، ولضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ولتحولت سجناً مظلماً رهيباً ولانقلبت الحياة إلى عذاب أليم قاس)[46] إن أكثر الدول ازدهارا في زماننا هذا هي الأكثر انتحارا لأن أهلها وإن وجدوا الرفاهية المادية فقد فقدوا أعظم من ذلك ، الطمأنينة والسكينة النفسية، وهي الأهم لسعادة الإنسان، ونعلم أن وسائل  المادة يتعذر فيها بلوغ الكمال فلو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمني الثالث أما الطمأنينة فيمكن تحصيلها باتباع المعاني الربانية والقيم النبوية والاشتغال بذكر الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[47] .

 

خامسا: هدي الأنبياء يعالج مشكلات العصر

  يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي )[48] وقد كان هذا هو الديدن في الأمم قبلنا، والله تعالى لن يدع الخلق هملا دون قائد موجه ودليل مرشد، وشاءت إرادة الله أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي لن يحتاج البشر بعد هديه لهدى وبعد بيانه لبيان، إذ لا أفصح ولا أوضح مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وفوق ذلك فقد كتب الله له الخلود ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[49]، ومن خلود ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب على تحديات كل عصر جوابا شافيا كافيا، ونحن في زمان نشهد فيه غلبةً ماديةً لعدونا الذي بسط الله له من وسائل المدنية وأمد له في أسباب الرفاهية، فهل نحسب أن ما عنده خير مما عندنا، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي ( إن أسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي أسس خمسة تدور عليها رحاها:

  1. فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز ومن هذا تنشأ الخيانة.
  2. هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم ومن هذا تنشأ الجناية.
  3. دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشأن الخصام التنازع ومن هذا تنشأ السفالة.
  4. رابطتها الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين وشأن القومية السلبية والعنصرية، التصادم المريع، وهو المشاهد ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك.
  5. وخامستها: هي أن خدمتها الجذابة، تشجع الأهواء والنوازع، وشأن الأهواء والنوازع دائما، مسخ الإنسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الإنسانية وتمسخ مسخاً معنوياً.

أما أساس مدنية القرآن الكريم، فهي إيجابية تدور سعادتها على خمسة أسس إيجابية:

  • نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائما العدالة والتوازن، ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.
  • وهدفها الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة، المحبة والتقارب، ومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة.
  • دستورها في الحياة التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور، الاتحاد والتساند اللذان تحيل بهما الجماعات.
  • وخدمتها للمجتمع: بالهدى بدل الأهواء والنوازع، وشأن الهدى الارتقاء بالإنسان ورفاهيته إلى ما يليق به مع تنوير الروح ومدها بما يلزم.
  • رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني وعلاقة الصنف والمهنة وأخوة الإيمان، وشأن هذه الرابطة، أخوة خالصة وطرد العنصرية والقومية السلبية.
  • وبهذه المدنية يعم السلام الشامل، والقرآن الكريم النازل رحمة للعالمين لا يقبل إلا طرازا من المدنية التي تمنح السعادة للجميع.

إن عالم اليوم في انتظار المسلمين ليقدموا له الدواء الناجع والبلسم الشافي، فحري بالأمة أن ترجع إلي كنزها فتجلي معانيه وتكشف عن درره، ومن ثم تفيض بالرحمة والرأفة علي غيرها فهي خير أمة أخرجت للناس.

 

خاتمة :

إن عصرنا الحالي أحوج ما يكون لهدي الأنبياء، في ظل طغيان المادة وتتابع أسباب الرفاه واستحكام وكثرة الأهواء، وذلك مؤذن بالفساد الذي حذر الله تعالى منه، فإن الفساد في الأرض لا يكون إلا بما كسبت أيدي الناس، وإن عوامل النصر والتوفيق لا سبيل لها إلا بموافقة الأوامر الربانية والهداية الإلهية يقول الإمام بديع الزمان النورسي (إن من أراد التوفيق يلزم عليه أن يكون له مصافاة مع عادات الله، ومعارفة مع قوانين الفطرة، ومناسبة مع روابط الهيئة الاجتماعية، وإلا أجابته الفطرة بعدم الموفقية جواب إسكات).[50]

 

 

 

---------------------------

المراجع :

  1. القرآن الكريم .
  2. صحيح مسلم، ط1، دار السلام، الرياض 1420هـ، 1999م.
  3. الكلمات، سوزلر للنشر القاهرة الطبعة الخامسة 2008.
  4. إشارات الإعجاز، سوزلر للنشر ، القاهرة، الطبعة الخامسة .2008م
  5. الشعاعات -دار سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008م.
  6. رسالة الشكر- دار سوزلر للنشر- الطبعة الخامسة 2008 م القاهرة .
  7. صيقل الإسلام - دار سوزلر- القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 م.
  8. المثنوي العربي -دار سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 م.
  9. الموازنات دار سوزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 م.
  10. المكتوبات- دار سوزلر للنشر الطبعة الخامسة 2008م .

 

 

-------------------------

[1] سورة البقرة الاية (30) .

[2] سورة ص الآية (82) .

[3] سورة النساء الآية (28).

[4] سورة الحجر الآية (15) .

[5] سورة البقرة الآية (201)

[6] سورة البقرة الآيات (31-32)

[7] بديع الزمان، حقيقة التوحيد دار سزلر للنشر الطبعة الخامسة 2005 صفحة 100،

[8]  بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الشكر-سوزلر للنشر -  الطبعة الخامسة 2008 القاهرة  ، صفحة 60-61  .

[9] سورة هود الآية (57)

[10] سورة الحديد الآية (7)

[11] بديع الزمان سعيد النورسي ، الشعاعات - سوزلر للنشر -  الطبعة الخامسة 2008 القاهرة  ، صفحة 231.

[12] المرجع السابق  232.

[13] سورة الأعراف الآية (10)

[14] سورة الأحقاف الآية (26)

[15] سورة النور الآية (55)

[16]   بديع الزمان سعيد النورسي ، رسالة الشكر  (مرجع سابق )  ، صفحة 69- 70  .

[17] سورة الإسراء الآية (70)

[18] بديع الزمان ، حقيقة التوحيد دار سزلر للنشر الطبعة الخامسة 2005 صفحة 100 .

[19] سورة الحجرات الآية (13)

[20]  بديع الزمان ، الموازنات دار سزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 صفحة 97 .

[21] المرجع السابق ، صفحة 91

[22] سورة الفجر الآيات (15-16)

[23] سورة الحج الآية (18)

[24] بديع الزمان ، الموازنات دار سزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 صفحة 92 -93  .

[25] سورة النبأ ، 40

[26] بديع الزمان _ المثنوي العربي _ سوزلر للنشر _ القاهرة _ الطبعة الخامسة 2008 _ص 480.

[27] المرجع السابق ص 87.

[28] المرجع السابق ص 245.

[29] بديع الزمان _ صيقل الإسلام - دار سوزلر- القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 صفحة (135-138) بتصرف يسير .

[30] بديع الزمان _ إشارات الإعجاز - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 ص 167.

[31] المرجع السابق ص 174.

[32] بديع الزمان - المثنوي العربي - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 -ص67.

[33] سورة الأنبياء الآيات 64- 67 .

[34] بديع الزمان - الشعاعات - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 -ص162.

[35] سورة  النمل الآية (14) 

[36] اشارات الاعجاز في مظان الايجاز، شركة سوزلر للنشر،  القاهرة ـ الطبعة الخامسة [2008]، ص(169).

[37] المصدر نفسه ص (17)

[38] اشارات الاعجاز.(ص 169) مرجع سابق

[39] سورة الرعد  الآية [11] .

[40] اشارات الإعجاز ـ مرجع سابق (ص169).

[41] بديع الزمان ، أنا ذات الإنسان وحركات الذرات بين الفلسفة والدين ، سوزلر للنشر ، القاهرة الطبعة الأولى 2004 صفحة 32-33 .

[42] سورة الزلزلة  الايتان  7-8

[43] سورة طه الآية (117) .

[44] سورة البلد الآية (4) .

[45] صحيح مسلم، . ط1، دار السلام، الرياض 1420هـ، 1999م. باب المؤمن أمره كله خير (2999)

[46]  بديع الزمان سعيد النورسي ، الكلمات ، سوزلر للنشر  القاهرة  الطبعة الخامسة 2008  ، صفحة 103  .

[47] سورة الرعد الاية (28)

[48] صحيح مسلم (مرجع سابق ) حديث 3538

[49] سورة الحجر الاية ( 9)

[50] بديع الزمان ، إشارات الإعجاز ،مرجع سابق صفحة (170) .

 

 


18-) العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور

 

العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور

د. مأمون فريز جرار

مقدمة:      

الابتلاء سنة من سنن الله تعالى في الوجود، ومن ألوان الابتلاء وقوف الكافرين والعصاة في وجه الدعاة إلى الله ليصدّوهم عن الدعوة إلى الله، ويصدّوا الناس عن الاستجابة لهم، ومن نظر في سير الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وجد أن (الملأ) وهم علية القوم الذين أنعم الله عليهم بالجاه والمال والسلطان، يقفون بالمرصاد للأنبياء، ينتقصون من شخصياتهم، ويهزؤون بمن آمن معهم، وكذلك كان حال المشركين مع رسول الله r ومن اتبعه من المؤمنين، وقد مضى رسول الله r ومن معه من المؤمنين على درب الدعوة، سلاحهم الصبر على الأذى، والبحث عن مأمن يمكنهم من الدعوة وتبليغ رسالة الله، والعيش بعيدا عن الفتنة التي تمنعهم من أمر دينهم، ونلاحظ أن المسلمين في العهد المكي لم يرفعوا السلاح في وجه الكفار، على ما نالهم من أذى بلغ حد القتل أحيانا، والعذاب الأليم أحيانا أخرى، مما دفع بعضهم إلى الهجرة إلى الحبشة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾(النساء:77)، فلما صارت للمسلمين دار أمان في المدينة المنورة، وصارت لهم دولة واجهوا القوة بالقوة التي تحقق حماية الدعوة ومكاسبها وتردع في الوقت نفسه الكافرين، والتي تفتح الطريق للناس إلى نور الإسلام طائعين غير مكرهين، ولم يحدث في تاريخ المسلمين في ما أعلم - قبل عصرنا الحديث - أن تحولت دولة إسلامية من دار أمن للمسلمين إلى دار تشن الحرب على الإسلام فتبذل قصارى ما بلغه جهدها لمسحه من الحياة، وتشن الحرب على الإيمان فتسعى إلى إطفاء نوره، واقتلاع جذوره من القلوب، لم يحدث ذلك قبل الانقلاب الذي حدث على الدولة العثمانية فألغى السلطنة والخلافة، وحوّلها إلى جمهورية لَادِيْنيّة، بل حوّلها إلى أرض تحارب فيها شعائر الإسلام وتطمس فيها أنوار الإيمان،  ذلك ما كان، فكيف كان ردود أفعال المسلمين في «تركيا الجديدة» التي انسلخت من ماضيها العثماني؟

كان الأمر مستفزا لمشاعر المؤمنين فاتخذ بعضهم الثورة على النظام الجديد وسيلة للمقاومة، ولكن النظام الجديد المتسلح بوسائل القوة الرادعة استخدم قوته الباطشة في مواجهة الثائرين، وسقط الشهداء والجرحى، وفتحت المعتقلات للعلماء والمجاهدين، ونفي منهم من نفي من دياره إلى أنحاء أخرى من الجمهورية الوليدة، ومضت الدولة في خطتها لحرب الإسلام ونزع الإيمان، والحيلولة بين الناس وأنوار القرآن[1]، فكيف تحافظ «تركيا» على هويتها؟ هل تستسلم؟ أليس هناك من سبيل للمقاومة؟

أولا: منهج النورسي في التعامل مع الوضع الجديد.

مجمل أعمال النورسي:

كان الجواب لدى الأستاذ بديع الزمان سعيد الن ورسي -رحمه الله- داعيا، وفي رسائل النور منهجا، وفي العمل الإيجابي البناء أسلوبا للدعوة. 

كان الأستاذ سعيد النورسي -رحمه الله- في أواخر الأربعينات من عمره الخصب بالتجارب، علما وتعليما، وسعيا إلى إصلاح التعليم في ديار الإسلام، وجهادا في سبيل الله، ومعاناة للأسر في روسيا، واطّلاعا على ما يحاك ضد الإسلام وأهله من مؤامرات، ويقظة إيمانية بدلت نظرته إلى النفس والحياة والموت والدنيا والآخرة، وخبرة بواقع علماء المسلمين من خلال دار الحكمة الإسلامية التي صار عضوا فيها بعد العودة من الأسر، وبصيرة بالفتنة القادمة، ومعرفة بنوايا مدبريها، «هذه خلاصة لمعالم حياة الأستاذ بدءا من توجيه حياته لخدمة القرآن بعد سماع كلام «جلادستون» وزير المستعمرات البريطاني الذي رأي أن لا بقاء للمستعمرين في بلاد الإسلام إن بقي القرآن في حياتهم[2]، فقدّم الأستاذ النورسي اقتراحا للسلطان عبد الحميد لإصلاح التعليم[3]، ووقوعه في الأسر بعد الجهاد على الجبهة الشرقية[4]، وتقلده عضوية دار الحكمة الإسلامية[5]، ويقظته الروحية وبداية تكون شخصية سعيد الجديد[6]، كل ذلك أهّل الأستاذ ليمضي في طريق المواجهة مع إعصار الفتنة المقبلة بعنف، المصممة على تنفيذ مخططات الأعداء في صورة تنزع من تركيا ملامح وجهها الإسلامي بل تغير فصيلة دمها، وتحول قبلتها.

كان ما حدث في «تركيا» ردة بكل ما تعني الكلمة من معنى، وشمل ذلك إلغاء السلطنة وإعلان الجمهورية، ثم إلغاء الخلافة، وإصدار القوانين التي غيرت أحرف الكتابة من العربية إلى (اللاتينية)، ومنع الأذان بالعربية، ووضعت مجموعة أخرى من القوانين المتتابعة التي بدأت بمنع كل ما له علاقة بالإسلام، وبدأت بتدريس الإلحاد[7].

كان ذلك مبعث نقمة عارمة لدى المؤمنين في «تركيا»، واختلفت المواقف في مواجهتها، فمنهم من نادى إلى الجهاد والثورة المسلحة (مثل الشيخ سعيد بيران)، ومنهم من آثر الهجرة إلى ديار يستطيع فيها التغيير من الخارج فكريا وعسكريا إن وجد إلى ذلك سبيلا ( منهم شيخ الإسلام مصطفى صبري )، ومنهم من لاذ بالصمت وكظم غيظه، فماذا كان موقف الأستاذ النورسي -رحمه الله-؟

السمات العامة لشخصية النورسي:

يفرض فهم مواقف الأستاذ في ظل معرفة السمات العامة لشخصيته، ولذا علينا أن نستحضر صورة شخصيته ونحن نكتب عن موقفه لنفهمه حق الفهم، فقد كان رجلا صلبًا قويًّا لا يهادن الباطل ولا يجامل في الحق، وله في ذلك مواقف مشهورة، كان ذلك في موقفه من المحكمة العسكرية في أحداث ( 31 مارت 1909) [8]، وكان صلبا في مواجهة إمكان الحكم بالإعدام، وكذلك كان قويًّا جريئًا في مواجهة القائد الروسي وهو في الأسر [9]، كما كان جريئًا بعيدا عن المداهنة والمهادنة في موقفه من مصطفى كمال حين دعاه إلى إلقاء كلمة في مجلس النواب في «أنقرة»، وتحدث عن الإيمان والصلاة، وواجه غضب مصطفى كمال ببيان أن من فقد الإيمان ولم يقم الصلاة فهو خائن[10]، فنحن أمام شخصية قوية لا تهاب في الحق لومة لائم، ولا تخاف من شيء أو عليه، ولا تميل إلى الراحة، بل لم تكن تملك من متاع الدنيا ما تخاف أن تفقده، فقد كان حقا من الزاهدين. 

  • موقفه من عليّة القوم:

بعد لقاء الأستاذ النورسي مع مصطفى كمال وموقفه الصلب معه، ورفضه ما عرضه عليه من مناصب، وإدراكه للفتنة القادمة، آثر أن ينسحب إلى دياره في شرق تركيا، وبدأ رحلة اعتكاف وعزلة لم تطل!! [11]، وقامت ثورة على مصطفى كمال ونظامه، عرفت باسم أشهر قادتها الشيخ سعيد بيران، وكان رأي الأستاذ النورسي ألا تقوم، ولم يشارك فيها، وذلك لما كان يراه الأستاذ من أن المواجهة المسلحة مع الدولة لن تحقق الهدف المنشود، وسيقع بسببها ضحايا أبرياء، ولكنها قامت، واستطاعت القوة الضاربة للدولة أن تخمدها، ونال الشهادة دفاعا عن دين الله من نالها، وفتحت السجون، وبدأتْ حملةٌ كبيرة لنفي رؤوس المواجهة مع الدولة[12]، ومع أن الأستاذ النورسي -رحمه الله- لم يشارك في الثورة، وكان رأيه ألا تقوم، وكان معتزلا معتكفا في جبل «أَرَكْ» إلا أنّ رأس الفتنة في «أنْقرة» كان يدرك أن هناك خطرا كامنا على نظامه في شخص الأستاذ النورسي، وأن اعتكافه مؤقت، وأن من الضروري نفيه إلى مكان معزول يغيب فيه شخصه، ويطمس فيه ذكره، ويكون من المنسيين، ولذلك جاءت الأوامر بنفيه من موطنه في شرق «تركيا» إلى غربها، إلى «بُورْدُورْ» عدة أشهر، ثم إلى قرية «بَارْلا» القريبة من «إسْبارْطة» [13]، والمؤمن وهو يرقب الأحداث لا يغيب عن باله أن الله تعالى على كل شيء رقيب، ويتذكر أنه الحي القيوم الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض أو في السماء، ويتذكر من الآيات الكريمة ما ينزل بردًا وسلامًا على قلبه: ﴿  إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ﴾ (سورة الطارق: 15-16 )  و ﴿  إن ربك لبالمرصاد ﴾ (سورة  الفجر:14 ).

يتذكر أن الله تعالى الذي أرسل للناس عبر الزمان رسلا هادين مهديين تكفل لهذه الأمة أن يرعاها ويرعى دينه الذي تحمله: ﴿  إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾( سورة الحجر: 9 ) ومن تجليات تلك الرعاية قول الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام :«إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» [14].

  • المنفى المدرسة:

 أستذكر هذا....، وأنا أتابع سيرة الأستاذ النورسي ومسار حياته ودعوته، ومنهجه في مواجهة الفتنة التي أصابت تركيا، والمحن المتتابعة التي خاضها، وكيف تحول المنفى الذي أرادوه معزلا إلى كرسي تعليمٍ ودعوةٍ امتدَّ صدى صوت الأستاذ منه إلى أنحاء العالم، وكيف سخّر الله تعالى له من التلاميذ المخلصين من كانوا خير عون له في إشعال قناديل النور بنسخ الرسائل ونشرها في «تركيا» بل في العالم كله لمواجهة أمواج الظلمات المتراكمة.

إن الذي يطالع سيرة الأستاذ النورسي -رحمه الله- يجد أنه قد تعرض إلى ألوان من الظلم التي لا تكاد تحتمل، من غير جريمة ارتكبها أو مخالفة صدرت عنه، وأول ألوان الظلم النفي القسري الذي استمر حتى آخر حياته، فقد سمحت السلطات لغيره ممن نفتهم أن يعودوا إلى ديارهم بعد مدة من الزمن، أما هو فلم يسمح له، وبقي تحت الرقابة والإقامة الجبرية، وكان ينقل من منفى إلى آخر، ولا يبقى في منفى أكثر من ثماني سنوات، وكان يقدم إلى محاكمة تلو أخرى مع أنه لم تثبت عليه وعلى طلاب النور أيّ تهمة من التهم التي وجهت إليهم، وتعرض لمحاولة القتل بالسم أكثر من مرة، وكان يعزل في سجن انفرادي أحيانا ويمنع طلابه من خدمته، مع أنه كان كبير السن يعاني من أمراض متعددة.

فكيف تصرف تجاه هذه الألوان من الظلم غير المحدود؟

  • تصرفه مع المحن الجديدة المتجددة:

من عرف طبيعة شخصية الأستاذ ربما يتوقع منه الموقف الثوري العنيف يواجه به ما أصاب «تركيا» عموما، وما ناله هو خصوصا من ألوان الأذى والاضطهاد، ولكن الذي كان منه في مسيرة حياته منذ بدء النفي سنة 1925م حتى نهاية حياته كان مختلفا عن التوقع.

كان في بداية النفي فردا غريبا، لكنه مع مرور الوقت، وبدء كتابة رسائل النور تحول إلى أستاذ انتشر طلابه مع امتداد أنوار رسائل النور، حتى كانوا في أواخر الأربعينات قريبا من نصف مليون[15]، وبلغوا قبيل وفاته الملايين [16]، وكانوا رهن إشارته، وكانت ظلمات الكفر تتردد في أنحاء «تركيا»، والأذى لا يفتر عنه ولا عن طلابه، لكنه آثر منهج الصبر، ولم يتخذ منهج الثورة والعمل السلبي الذي يثير الفتنة في المجتمع، ويكون سببا للقتل والتدمير، وسيلة للتغيير.

ومن المهم للوقوف على نظرة الأستاذ النورسي -رحمه الله- إلى وسائل التغيير الرجوع إلى الدرس الأخير الذي ألقاه على طلابه قبيل وفاته، وهو درس يحدِّد الطريق إلى ما ترجوه دعوة النور من خير للناس، ويضاف إلى هذا الدرس ويعززه الدفاعات التي ألقاها الأستاذ بنفسه أو أعدها للرد على ما كان يقدم ضده وضد طلبة النور من دعاوى في المحاكم المختلفة، ( في نهاية هذه الكلمة مقتطفات من تلك الدفاعات ).

كان الأستاذ خبيرا بالتاريخ الإسلامي مطلعا على أحداثه، وكان مطلعا على الأفكار الثورية المعاصرة التي جاءت بها الماركسية التي قامت لها دولة في «الاتحاد السوفياتي» و«الصين» و«البلقان»، وكان مطلعا على آثارها السلبية في المجتمعات التي حكمتها، وفي البلاد التي انتشرت فيها؛ ولذلك اتخذ منهجا يبني ولا يهدم، يعمر ولا يدمر، يحفظ البلاد والعباد من كل أثر سلبي، ويحقق مصلحة الإنسان.

وقد حدَّد الأستاذ -رحمه الله- طريقة العمل لنشر دعوة الله  بما سماه «العمل الإيجابي البناء» الذي استوحاه من القرآن الكريم، ذلك العمل الذي يعني القيام بما أمر الله الإنسان به من الدعوة، وأما تحقيق النتيجة فإنه من تدبير الله لا من شأن البشر.

قال الأستاذ في هذا الشأن:

«إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدّام، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله، إننا مكلّفون بالتجمل بالصبر، والتقلّد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا؛ وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي»[17] .

وقد يظن من لا يعرف الأستاذ وشخصيته وسيرته، أن هذا المنهج ناشئ عن ضعف أو خوف، والحقيقة بخلاف ذلك فشخصية الأستاذ التي أشرنا إلى لمحات منها في المستهل تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يكن يخاف في الله لومة لائم، وسيرته تدل على أنه لم يكن يؤثر السلامة الذاتية بل كان يفدي غيره بنفسه، ويقيهم ما يستطيع دفعه عنهم من شر.

ثانيا: مسلك العمل الإيجابي

مفهوم العمل الإيجابي

إن العمل الإيجابي البناء كما يحدِّده الأستاذ النورسي يعني: الجهاد المعنوي أي قيام الإنسان بما هو مطلوب منه من الدعوة التي يسميها الأستاذ الخدمة، وأن يدع تحقيق النتائج لرب العالمين فهو المتكفل بها. وفي تسمية الدعوة بالخدمة إشارة إلى أن الأستاذ مستخدم لدى ربِّه، يعمل لنشر دينه، ونيل رضاه، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ومثله من سار على منهجه من طلاب النور، قال الأستاذ:

 «إن أعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية، أي بما هو موكول إلى الله. بمعنى أن وظيفتنا الخدمة فحسب، بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وإننا مكلفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا»[18]، وهنا نستحضر قول الله تعالى في بيان وظيفة المؤمنين وفي وعد الله لهم بالنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض:﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ( سورة النور: 55) فالمطلوب منهم: الإيمان والعمل الصالح، وتحقيق الوعد هو شأن الله تعالى الذي ييسر لذلك الأسباب. ومن أسس العمل الإيجابي ومرتكزاته الآية الكريمة ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ (سورة الإسراء: 15 ).

فالعمل السلبي أي استخدام القوة في السعي إلى الإصلاح الداخلي في المجتمع، يؤدي إلى وقوع الأذى على من لا ذنب له، ويؤدي إلى إيقاد نار الفتنة في المجتمع وزعزعة الأمن الداخلي، وما ينتج عن ذلك من الآثار السلبية المدمرة من قتل أو تخريب.

وبيانا لذلك قال الأستاذ:

«إن المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، وإقامة السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة» [19].

منهجية العلم الإيجابي وطبيعته:

يبدأ الجهاد المعنوي من النفس بأن تكون على منهج الله متجردة من أنانيتها، ثم بعد ذلك ناشرة للخير لدى غيرها، وقد أدرك الأستاذ طبيعة العمل الدعوي المطلوب عندما جاءه مبعوث شيخ الإسلام مصطفى صبري ودار بينهما الحوار الآتي:

«روي الأستاذ (علي أوزك):

عندما قدمت إلى «إسطنبول» من «مصر» وأنا مازلت طالباً في الأزهر الشريف، استفسرت عن الأستاذ النورسي، فوجدته ساكناً في منطقة الفاتح في بيت خشبي قديم، ولدى زيارتي له في غرفته رأيته متمدداً على فراشه - من المرض - سلمت عليه، فردّ السلام، ولكن حينما أخبرته بأن الشيخ مصطفى صبري يخصك بالسلام، جلس وعدل نفسه وقال بتقدير وإكبار:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وماذا يقول الأستاذ مصطفى صبري؟

- سيدي الأستاذ يسأل الشيخ مصطفى صبري عن عدد طلابكم!

- لي خمسمائة ألف طالب وخادم للقرآن الكريم!

- يقول الشيخ مصطفى صبري: إذن ماذا ينتظر؟ ولماذا لا يبدأ بجهاد إسلامي مع هذا العدد من طلابه؟

- بلّغ سلامي له أولا، ثم قل له:

إن دعوتنا هي الإيمان، والجهاد يلي الإيمان، وإن زماننا هذا هو زمان خدمة الإيمان ووظيفتنا هي الإيمان وخدمتنا تنحصر في الإيمان...

ثم تكلم بإسهاب عن موضوعات إيمانية، وعن كيفية القيام بخدمة الإيمان، وعندما أردتُ المغادرة قام ليودعني فقبّلتُ يده وودعتُه.

ولما رجعت إلى مصر، زرت الشيخ مصطفى صبري، وكان طريح الفراش، وقد أنهكه المرض وأدركته الشيخوخة، حدثته عما دار بيني وبين الأستاذ النورسي في «تركيا»، فاستمع لي جيداً، ثم قال:

- حقاً، إن الأستاذ النورسي هو المحق، نعم، إن ما قاله صدق وصواب، فقد وفقه الله في مسعاه، أما نحن، فقد أخطأنا، حيث ثبت هو في البلاد ونحن غادرناها.

وهكذا استصوب مصطفى صبري عمل بديع الزمان وقوله»[20].

ثالثا: سمات العمل الإيجابي

التسامح مع الخصوم.

من أمثلة العمل الإيجابي وتطبيقا لقاعدة «ولا تزر وازرة وزر أخرى» اتصاف الأستاذ النورسي بصفة التسامح مع أشد الناس عداء له وإساءة إليه، ومن ذلك أن الأستاذ -رحمه الله- لم يكن يدعو على من يحاكمونه رحمة بأهاليهم، وقد هم أن يدعو على مدعٍ عامٍ ظلمه كثيرا ولما وقعت عينه على طفلة صغيرة وعرف أنها ابنة ذلك المدعي العام كف عن الدعاء عليه، بل إنه سامح الحزب الذي ناصبه العداء، حزب الشعب الجمهوري، وذلك لأنه نظر إلى الوجه الآخر من القضية، حيث إن عداء ذلك الحزب أسهم من حيث لم يحتسب ذلك الحزب في نشر رسائل النور والتعريف بها لا على المستوى الشعبي بل على أعلى المستويات، حيث كانت تعرض على كبار المسؤولين، ومنهم من تأثر بها، قال الأستاذ مبيِّنًا ما سبق من تسامحه داعيا طلاب النور أن يمضوا على منهجه: «على إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر»  ....

 «لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الأحزاب السياسية رغم مقاساتي منه ألوفاً من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة، فقد أصبحت جميع تلك المشقات والمضايقات وسيلةً لخلاص خمسة وتسعين بالمئة من المساكين في أن يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات» [21].

ومن مظاهر التسامح الذي اختطه الأستاذ النورسي الإعراض عن مهاجمة بعض العلماء الذين وقعوا تحت وطأة الضرورات الموهومة، فصاروا نماذج في الوقوع فيها، وكان منهم من يهاجم الأستاذ ورسائل النور، وهم في قرارة أنفسهم يعرفون الحق لكنهم قيدوا أنفسهم عن اتباعه بالضرورات الموهومة التي وقعوا فيها.

كان هذا الموقف من الأستاذ حين كان لديه في أخريات عمره ملايين من طلبة النور، ولم يكن ناشئا عن ضعف، لكن عن رغبة منه في استئناسهم، وإطفاء نار الأنانية في نفوسهم لعلهم يرون الحقيقة، ويثوبون إلى الحق الذي يفترض أنهم حملته ودعاته، وانظر إلى هذا الموقف المتسامح في قول الأستاذ :

«نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم» [22].

ولا يعني هذا الموقف المتسامح من الأستاذ، ورفضه إيقاد الخصومة الحربية في داخل المجتمع أنّه عطّل الجهاد الحربي، فإذا كان يتخذ الجهاد المعنوي بالدعوة بالحسنى والتجمل بالصبر سبيلا للتعامل مع الداخل، في مقاومة أفكار الشر والفساد ونشر الخير، فإن رد العدوان الخارجي حين يتعرض المجتمع للغزو يكون باستعمال القوة المادية، قال في بيان ذلك: «أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة،...(أما في الداخل فالأمر ليس هكذا، ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء بالإخلاص التام، إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل»[23].

الضرورات الموهومة والعمل الإيجابي

العمل الإيجابي له جانبان: الأول: الإيمان والعمل والآخر: الدعوة إلى الله لإنقاذ إيمان الآخرين، ولن يستطيع أحد أن ينقذ الآخرين ما لم ينقذ نفسه، فمن عجز عن إصلاح نفسه فهو عن إصلاح غيره أعجز.

وقد نبه الأستاذ النورسي في درسه الأخير لطلابه إلى أمر يمنع الإنسان من الجهاد المعنوي، هو الوقوع تحت سطوة الضرورات الموهومة التي توقعه في المحرمات وتشغله عن حقيقة وجوده وعن حقيقة الدنيا وعن الآخرة، وهذا من مساوئ المدنية الحديثة التي «زيّدت الحاجات الضرورية من الأربعة إلى العشرين، فجعلت الحاجات غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالإدمان والاعتياد والتقليد، فتجد من يفضل الدنيا على الآخرة رغم إيمانه بها لانهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظناً منه أنها ضرورة»[24]، وعند الوقوع تحت هذه الحاجات الموهومة يقع الإنسان في محاذير وممنوعات تحت دعوى «الضرورات تبيح المحظورات» وهي دعوى لا حقيقة لها ولا تقبل إلا مع الضرورات الحقيقية، وقد ذكر الأستاذ النورسي حادثة وقعت معه حين أرسل إليه قائد عام بعض الضباط والعلماء ليعيدوه إلى الأمور الدنيوية بعد الصحوة التي أرته الحقائق، وجعلته يتحول إلى سعيد الجديد، وحين ناقشهم الأستاذ ادّعوا أنهم مضطرون لأنهم واقعون تحت ضرورات الحياة فكان رده عليهم: «الأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً» [25].

ولو وقف الإنسان عند الضرورات الحقيقية لأعفى نفسه من كثير من المواقف التي تذله، وتشغله عن وظيفته الحقيقية، ولمضى في طريق الدعوة متخففا من أعباء الدنيا غير الضرورية.

الرضى بأي موقف إيجابي

ومن مظاهر العمل الإيجابي البناء الرضى بأي جهد يسهم في إنقاذ الإيمان من أية جهة كانت، ولو كان قليلا، وقد تجلى هذا الأمر في الموقف من الحزب الديمقراطي الذي خفف القيود السابقة التي فرضها حزب الشعب الجمهوري على بعض الأنشطة الدينية، وسمح بطباعة رسائل النور، فأي خطوة نحو الحق وأهله خطوة إيجابية يرحب بها الأستاذ وطلبة النور، ولذلك صوت الأستاذ وطلبة النور للحزب الديمقراطي لما رأوا منه من خير كانت له بعض التجليات الإيجابية في المجتمع التركي[26].

العمل الإيجابي في مواجهة الكفر والإرهاب  

كان المد الماركسي في أوجه في مرحلة كتابة رسائل النور، وقد انتشر الفكر الماركسي في
«الاتحاد السوفياتي» وفي «الصين» وأخذ يمتدّ إلى بعض البلاد الإسلامية، وقد رأى الأستاذ النورسي أن رسائل النور تمثل سدًّا أمام تخريبات ذلك الفكر لا في البلاد الإسلامية وحدها بل في العالم كله، لأنها تحارب الكفر الذي يعني العدم للإنسان وللوجود كله، وقد أسهم ذلك الفكر في نشر الفوضى والقتل في المجتمعات التي انتشر فيها:

«إن إحدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم أنه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سدّا أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن، وحقاً أن الرسائل أدَّت دورها، نعم، إن هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف أوروبا ودول البلقان وأقام سداً أمام هذا الهجوم، وهكذا وُجد حل سليم أمام هذا الخطر الداهم»[27].

لذا نشكر الله عز وجل أن قد بدأ بالانتشار درس من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية، وقد تحقق أنها مثلما أنقذت قبل ست عشرة سنة إيمان ستمائة ألف شخص فإنها الآن قد تجاوز هذا العدد إلى الملايين من الناس، وكما أن رسائل النور أصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الإرهاب - شيئاً ما - أصحبت وسيلة للتآخي والوحدة بين الأخوين الجليلين للإسلام وهما العرب والترك، وكذلك أصبحت وسيلة لنشر الأحكام الأساسية للقرآن الكريم حتى بتصديق أعدائها»[28] .

العمل الإيجابي والإخلاص التام

من الأمور الأساسية التي تحدث عنها الأستاذ وضرب فيها مثلا من نفسه في سيرته الطويلة ومحنته الممتدة: الإخلاص، والتجرد من حظ النفس، ولذلك كان من وصاياه أن يقرأ طلاب النور رسالة الإخلاص مرة كل أسبوعين على حد أقصى ليظل الإخلاص نصب أعينهم، ولتظل المعركة بينهم وبين أنانية النفس قائمة حتى يصلوا مرحلة التجرد التام لله سبحانه وتعالى.

والإخلاص شرط لابدّ منه في العمل الإيجابي الذي يحتاج إلى صبر وكظم للغيظ وإيثار الخير للناس على حساب راحة النفس، وذلك ما قدَّمه الأستاذ في سيرته قدوة حسنة لطلاب النور، ومن ذلك قوله:

«إخواني! ربما أموت قريباً، فإن لهذا العصر مرضاً داهماً، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة، إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي، ولله الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي، فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية»[29].

ثمرات العمل الإيجابي في «تركيا»

كان من ثمرات هذا المنهج الدعوي الذي اختطه الأستاذ النورسي واستمده من نور القرآن الكريم أن جنب «تركيا» الوقوع في بحار من الدماء، وجنبها المنهج الثوري الدموي، مع أن ما أصاب «تركيا» على المستوى الرسمي نوع من الكفر البواح الذي شن حربا عنيفة على الإسلام والإيمان، وقد رأى الأستاذ في أخريات حياته بداية انحسار موجات الكفر عن «تركيا» بتراجع شعبية حزب الشعب الجمهوري الكمالي، وتقدم الحزب الديمقراطي الذي كان «أهون الشرين» كما وصفه الأستاذ[30]، وها نحن نرى مسيرة الإسلام في «تركيا» كيف يزداد نورها يوما بعد يوم وهي تتقدم نحو مستقبل إسلامي يكتمل نهاره بإذن الله تعالى.

رابعا: نماذج من التطبيقات للعمل الإيجابي.

أنموذج من  دفاع الأستاذ أمام محكمة «إسْكِي شهْر»

«إنَّ مَنْ دَرسَ رسائل النور، لن يخوض في فتن تهدر دماء أبرياء كثيرين وتضيّع حقوقهم، ولن يقترب بأيِّ وجهٍ من فتن تكرّر فشلها وضررها، وإن عشر فتن في هذه السنوات العشر، لم يشترك فيها عُشر طلاب رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحد منهم، إنما يدل على أن الرسائل ضدها وأنها مدار تحقيق الأمن والنظام» [31].

أنموذج من منفى «قَسْطَمُونِي» :  خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن

جاءني موظفٌ مسؤول، له علاقة معنا ومع السياسة ومنشغل بمراقبتنا كثيراً فقلت له:

إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم اقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لم أسأل ولو مرة واحدة ما يحدث في العالم، ولم أعر سمعي إلى الراديو الذي يُسمع هنا منذ ثلاث سنوات، كل ذلك كي لا يلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.

والسبب في ذلك هو أن خدمة الإيمان وحقائق الإيمان هي أجلّ من كل شيء في الكون، فلا تكون أداة لأي شيء كان، فإن خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كلياً من السياسة، حيث إن:

«أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا ويستبدلون بالألماس القطع الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.

فأنتم يا أهل السياسة والحكومة! لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق أمامنا؛ لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة فتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب، فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها»[32].

أنموذج منفي من «قَسْطَمُونِي»: أسس العمل مع المعترضين

لما كان أولياء الله الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب - إنْ لم يلهمهم الله سبحانه تعالى - حيث لا يعلم الغيب إلّا الله؛ لذا فإن أعظم ولي صالح لا يستطيع أن يطلع على حقيقة وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، خير دليل على هذا، وهو يعنى أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنـزلتها إلّا إذا كان هناك أمر يخالف مخالفة كلية لظاهر الشريعة، لذا:

اتباعاً لدستور الآية الكريمة: ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ﴾ (سورة آل عمران:134).

وحفاظاً على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم.

وبناءً على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة - مع كونها محقة - على اعتراضات باطلة.

واجتناباً لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها، وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معاً.

 توجيهات للطلبة في ضوء العلم الإيجابي:

على طلبة النور حسب الأسس المذكورة

ألّا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمثل، بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته - التي هي كقطعة ثلج بطول قامته - ولا يرغب في تغييرها بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائماً، وها هنا ينشأ النـزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.

إن حادثة الاعتراض في «إسطنبول» تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظاً على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه أتباعهم إليهم، بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث علينا بالتأني، وضبط النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة...

فلو افترض - فرضاً محالاً - أن اعتراضاً على رسائل النور وَردَ حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراض ذلك القطب الأعظم على صورة التفاتة كريمة وتحية وسلام، ويحاولون كسب توجهه وتقبيل يده وإيضاح مدار الاعتراض لأستاذهم العظيم[33].

مقتطفات من الدفاع أمام محكمة «أفيون»

نحن طلاب النور آلينا على أنفسنا ألّا نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله، فضلاً عن أن القرآن الكريم قد منعنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.

نعم، إن مهمة رسائل النور الأساس هي: خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يؤدي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سماً زعافاً وجحيماً لا تطاق.

ومنهجها في ذلك: هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تلزم أشد الفلاسفة والمتزندقة تمرداً على التسليم بالإيمان، لذا فليس من حقنا أن نجعل رسائل النور أداة لأي شيء كان، وذلك لأسباب[34]:

أولاً: كي لا تحول الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع الزجاج المتكسر في نظر أهل الغفلة، حيث توهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضاً معينة، وكي لا نمتهن تلك المعاني القرآنية القيمة.

ثانياً: إن منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن: الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بالسلطة الحاكمة؛ لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب فإن وراء كل واحد منهم عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء، فإذا نزل بأحد أولئك المبتلين المستحقين للعقاب كارثة أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضاً سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه، وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يخل بأمن البلاد ونظامها عن طريق وسائل سياسية.

ثالثاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية لأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي:

1- الاحترام المتبادل.

2- الشفقة والرحمة .

3- الابتعاد عن الحرام.

4- الحفاظ على الأمن .

5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخول في الطاعة.

والدليل على أن رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تثبت وتحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو أن رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً أن تجعل أكثر من مائة ألف رجل أعضاء نافعين للبلاد والعباد دون أن يتأذى أو يتضرر بهم أحد من الناس، ولعل محافظتي «إسپارطة» و«قَسْطَمُونِي» خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول.

فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلا شك أن أكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية، ويعملون - سواءً بعلم أو بدون علم - لحساب الفوضوية والتطرف[35].

 

من تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة «أفيون»

كلمتي الأخيرة: أودّ أن أبيّن ما يلي لهيئة المحكمة:

لقد أدركت من لائحة الإتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الانفرادي بأن شخصي هو الهدف في هذه المسألة، فقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي، وقد زعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وأنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة، و ردًّا على هذا فإنني أبيّن لكم بقطعية تامة:

من أجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصياً لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور ولا إلى طلاب النور الميامين لأنهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، وإلّا سيلحق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير وقد يكون ذلك سبيلاً إلى خطر عليهما، وأريد أن أؤكد لكم:

لقد قررت أن أقبل - في ضوء مسلكي الحالي - أي أذى وأية إهانة وأيّ عذاب وأيّ عقاب موجه إلى شخصي بشرط ألّا يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء، فبينما أبكي من ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى، ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جداً [36].

من خطابه إلى محكمة «التمييز»

إنه لم يسجل رجال أمن الحكومة في ست ولايات أية حادثة تخل بالأمن لطلبة النور مع أنهم يعدّون بمئات الآلاف سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي، ولم يسمع أحد أن طالباً من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم أو جناية، وما دخل السجن إلّا وأصلح المسجونين، ومع أن مئات الآلاف من نسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهد أحد ضرراً لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة، وأصدرت ثلاث محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما أن مئات الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور[37].

 

 

---------------------------

[1]   شكران واحدة : «الإسلام في تركيا الحديثة بديع الزمان النورسي» صـ 273 .

[2]   النورسي: «سيرة ذاتية» صـ 65: 66، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، الطبعة الرابعة سنة 2004م، القاهرة، مصر.

[3]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 69.

[4]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 128.

[5]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 133.

[6]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 149.

[7]   النورسي : «سيرة ذاتية»  صـ 213 : 216 .

[8]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 103.

[9]   النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 129 .

[10] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 183، 186 .

[11] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 199.

[12] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 206 .

[13] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 210، 218 .

[14] رواه أبو داود (رقم/4291) وصحّحه الإمام السخاوي في «المقاصد الحسنة» (149)، والشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» (رقم/599).

[15] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 542 .

[16] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 470 .

[17] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 469 .

[18] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 470 .

[19] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 469 .

[20] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 542 .

[21] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 473 : 474 .

[22] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 471 .

[23] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 470.

[24] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 470 .

[25] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 470: 471 .

[26] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 473 .

[27] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 472 .

[28] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 472 .

[29] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 474 .

[30] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 473.

[31] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 267 .

[32] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 313 .

[33] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 317 : 318 .

[34] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 391.

[35] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 390: 391.

[36] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 405 .

[37] النورسي : «سيرة ذاتية» صـ 411.

 

 


19-) أسلوب بحث الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة عن النبوة في ضوء رسائل النور

 

 

أسلوب بحث الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة عن النبوة

في ضوء رسائل النور

 

الأستاذ الدكتور الأخضر شريط     

مدير مخبر مشكلات الحضارة والتاريخ

جامعة الجزائر2            

 

 

إن الهدف من هذا البحث هو إبراز كيف بحث الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة مسألة النبوة من خلال مناقشات هدي رسائل النور. فإذا طرحنا مسألة هي من جوهر النبوة مثلا ولتكن »المعجزة« . فإن أسلوب الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيين يتباين بين أنها أرقى درجات العقل[1]. وأنها ذوق وإشراق يقذف الله به في  القلب[2]. أو هي ...

يقول الأستاذ القرضاوي في كتابه موقف الإسلام من العقل والعلم :

(أما القسم الأول الذين يغلون فى تقديس العقل، وإعطائه أكثر من حقِّه، واعتباره وحده مصدر معرفة الحقيقة، فى كلِّ المجالات، المادية والروحية، وهو عندهم الدليل الذي لا يخطئ، والهادي الذي لا يضلُّ، والميزان الذى لا يميل.

وهؤلاء ينقسمون إلى أنواع شتَّى:

فمنهم الذين يزعمون أنهم يستغنون بالعقل عن الوحي، وأنهم لا حاجة لهم إلى النبوَّة. فإن العقل وحده يستطيع بنوره أن يهدى الإنسان إلى أسباب السعادة.

وهؤلاء هم الذين ردَّ عليهم الإمام محمد عبده فى (رسالة التوحيد)، حين بيَّن بمنطقه العقلى القوي: حاجة البشر إلى الرسالة. وأن هداية الحواس تحتاج إلى العقل ليصحِّح خطأ الحواس، وكذلك هداية العقل تحتاج إلى هداية أكبر منه، لتصحِّح خطأ العقل، وهي هداية الوحي).[3]

ومن هؤلاء: مَن يؤمن بالوحي، ولكنه يرى أن العقل ندٌّ له، بل ربَّما اعتقد أنه مُقدَّم عليه. وهؤلاء أكثر من نوع أيضا.

ويقدم بديع الزمان سعيد النورسي رأيا منتقدا لهذه الآراء جمعها ومهتديا إلى أنها من الهدي الإلهي ولنا الفكرة في المثال التالي: »إن المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عن طريق إقناع المنكرين، وليس إرغامهم على الإيمان. لذا يلزم إظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم إلى القناعة والاطمئنان إلى صدق النبوة. أما إظهارها في جميع الأماكن، أو إظهارها إظهارا بديهياً بحيث يضطر الناس إلى القبول والرضوخ فهو منافٍ لحكمة الله الحكيم ذي الجلال، ومخالف أيضا لسر التكليف الإلهي. ذلك لأن سر التكليف الإلهي يقتضي فتح المجال أمام العقل دون سلب الاختيار منه. فلو كان الخالق الكريم قد ترك معجزة الانشقاق باقية لساعتين من الزمان، وأظهرها للعالم اجمع ودخلت بطون التاريخ كما يريدها الفلاسفة لكان الكفار يقولون أنها ظاهرة فلكية معتادة. وما كانت حجة عـلى صدق النبوة، ولا مـعجزة«

ومن هنا فإن إشكالية البحث تتمحور حول إلى أي مدى كان أسلوب جدل الفلاسفة واللاهوتيين و... يتماشى وتفسير صاحب رسائل النور.

  للإجابة على هذه الإشكالية حددنا الخطوات التالية:

  • النبوة. المفهوم والتاريخ
  • أسلوب الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيين والنبوة.
  • نماذج من أسلوب – مناقشات-  رسائل النور والنبوة.
  • نتائج البحث .

وحسبنا في الاجتهاد الرسائل. ومراجع تهم الموضوع. والله من وراء القصد. 

 

  1. المفهوم والتاريخ

ما معنى النبوة ؟

النبوة هي الإنباء و الإخبار، إلا أنها قيّدت شرعا بالإخبار والإنباء عن الله تعالى، وقُصرت على أن يكون المخبر أو المنبئ إنسانا، ويسمى الإنسان المخبر أو المبلغ عن الله تعالى بـ "النبي"، والنبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة بشر .

والنبوة وظيفة إلهية وسفارة ربانية يجعلها الله تعالى لمن ينتخبه ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في إنسانيتهم، فيرسلهم إلى سائر الناس لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم في الدنيا والآخرة. هذا وإن الله تعالى رحمة بعباده ولطفا بهم فقد أرسل إليهم الأنبياء والرسل، كي يرشدوا الناس إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، فلولا إرسال الرسل وبعث الأنبياء (عليهم السَّلام) لما اهتدى الناس إلى أوليات الحياة لقصورهم وعدم إطلاعهم على جميع الحقائق وأسرار ما يحيط بهم .

ثم إن النبوة تعرف بثلاثة أمور :

  1. أن لا يقرر النبي ما يخالف العقل، كالقول بأن الباري سبحانه أكثر من واحد.
  2. أن تكون دعوة النبي إلى طاعة الله والاحتراز عن معصيته.
  3. أن تكون للنبي معجزة يُظهرها عقيب دعواه ويتحدى أمته بتلك المعجزة.

ودلائل النبوة الشاهدةُ بنبوة نبينا -صلى الله عليه وسلم- متنوعةٌ وكثيرة، ويجمعها أقسام ستة:

 الأول: الغيوب التي أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم- وتحققتْ حال حياته أو بعد وفاته كما أخبر عنها، ومن هذا النوع أيضاً ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإعجاز العلمي الذي شهد بصحته العلم التجريبي الحديث.

الثاني: المعجزات الحسية التي وهبها الله النبي - صلى الله عليه وسلم- كتكثير الطعام وشفاءِ المرضى وانشقاقِ القمر.

الثالث: الدلائل المعنوية، كاستجابة الله دعاءه، وعصمتِه له من القتل، وانتشارِ رسالته عليه الصلاة والسلام، فهذا النوع من الدلائل يدل على تأييد الله له ومعيِته لشخصه ثم لدعوته ودينه، ولا يؤيد الله دعياً يفتري عليه الكذب بمثل هذا.

وأما رابع أنواع دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم- فهو أعظمُها وأدومُها، إنه القرآن الكريم معجزة الله التي لا تبليها السُنونُ ولا القرون، هذا الكتاب معجزة خالدة ودليل باهر بما أودعه الله من أنواع الإعجاز العلمي والتشريعي والبياني، وغيرِها من وجوه الإعجاز، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة)). [رواه البخاري ح (4981)، ومسلم ح  (152) واللفظ له.]

وخامس أنواع دلائل النبوة إخبار النبوات السابقة وتبشيرها بمقدمه صلى الله عليه وسلم، فهو النبي الذي أخذ الله الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه حال بعثته: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [4]

وأما سادس أنواع دلائل النبوة فأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله الشخصية الدالة على كماله ونبوته، إذ لم تجتمع فيه هذه الصفات وتلك الكمالات إلا من تأديب الله له، فقد أدّبه فأحسن تأديبه.[5]

وأما صاحب رسائل النور فإنه يوضح مفهوم النبوة بالاعتماد على أمثلة من واقع ومن حياة النبي- محمد صلى الله عليه وسلم-   وتوضيحها - حسبه - لا يكون إلا مما ذكره القرآن. ذلك أن حادثة انشقاق القمر معجزة وآية دالة على نبوته - صلى الله عليه وسلم – وحسبه دائما فإن ما ترويه السنة في هذا المجال دليل أيضا على التفسير الحقيقي للحادة أي حادثة انشقاق القمر فهو يقول:

» وكذلك كانت دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم، اذ قال: انني رسول من رب العالمين. وأما دليلي فهو انه سبحانه يبدّل قوانينه المعتادة بالتجائي ودعائي وتوسلي اليه. وهاكم انظروا الى أصابعي، انه يفجّر منها الماء كما يتفجّر من خمس عيون.. وانظروا الى القمر، انه يشقّه لي شقين بإشارة من اصبعي. وانظروا الى تلك الشجرة كيف تأتي اليّ لتصدقني وتشهد لي.. وانظروا الى هذه الحفنة من الطعام كيف انها تُشبع مائتين أو ثلاثمائة رجلٍ! وهكذا أظهر صلى الله عليه وسلم مئات من المعجزات أمثال هذه. «[6] 

ولما كانت النبوة مسألة لها علاقة بالصدق والكذب فإن بديع الزمان سعيد النورسي لا يعيدها إلى المعجزة وحسب من ما ذكر. بل يعيدها إلى صفات يجب أن تتوفر في هذا الرجل الذي يسمى النبي أو الرسول. ويورد دليلا في هذا المقام فيقول » واعلم، ان دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبراهين نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون ان جميع حركاته وافعاله وأحواله وأقواله وأخلاقه وأطواره وسيرته وصورته، كل ذلك يثبت اخلاصَه وصدقَه. حتى آمن به كثير من علماء بني اسرائيل بمجرد النظر الى طلعته البهية، أمثال: عبد الله بن سلام الذي قال: " فلما اسْتَبنتُ وجهَهُ عرفتُ ان وجهه ليس بوجه كاذب" [7]«

ثم إن الدلائل التي ساقها العالم الجليل الذي أشرنا إليه في البداية بالنسبة لما ذكر النورسي في دلائل النبوة يعتبر شيء ضئيل جدا، إذ يتكلم على أن بعض تكلم على ألف دليل. وهو يتكلم على أكثر من ذلك فيقول: (وعلى الرغم من أن العلماء المحققين قد ذكروا ما يقارب الألف من دلائل نبوته ومعجزاته فان هناك ألوفاً منها، بل مئات الألوف. ولقد صدّق بنبوته مئات الألوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الألوف من الطرق. والقرآن الكريم وحده يظهر ألفاً من البراهين على نبوته - صلى الله عليه وسلم،- عدا إعجازه البالغ أربعين وجهاً.) [8] 

ويزيد النورسي من الأدلة ما يكفي أن يكون العدد أي عدد الأنبياء مما ذكرته السنة الشريفة حتى أن الروايات تؤكد في ما ذهب إليه من جهة ومن جهة أخرى فإن العدد الهائل الذي عرف في هذه السنة حسبه يجد كماله ويجد اكتماله واختتامه في سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: »ولما كانت النبوة محققة وثابتة في الجنس البشري، وان مئات الألوف[9] من البشر جاءوا فاعلنوا النبوة، وقدّموا المعجزات برهاناً وتأييداً لها، فلا شك ان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تكون اثبت واكد من الجميع، لأن مدار نبوة الانبياء وكيفية معاملاتهم مع اممهم والدلائل والمزايا والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال موسى وعيسى عليهما السلام توجد بأتم صورها وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وحيث ان علة حكم النبوة وسببها أكمل وجوداً في ذاته صلى الله عليه وسلم، فان حكم النبوة لا محالة ثابت له بقطعية اوضح من سائر الانبياء عليهم السلام. [10] « 

أسلوب الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيين والنبوة

أولا إن صاحب رسائل النور يناقش الفلاسفة في مسألة الخلق فحسبهم فإن هذا الأخير يكون من تلاقي أو اتحاد ذرات تتماسك في ما بينها وتنتج شيئا ما وهذا هو الذي في ما معناه توجده الطبيعة. ولكن الأمر ليس كذلك حسب الإمام النورسي فإن خلق الشيء يعني إيجاده من العدم على قدر ما يقول النورسي في هذا الباب  » انه لا يمكن للأسباب المادية ايجاد ما لا يوجد فيها، من العدم ومن غير شئ، لذا فهي مضطرة الى جمع المواد اللازمة لجسم كائن حي صغير من اقطار العالم كله. فافهم من هذا مدى السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد. ومدى الصعوبات والمشكلات في الشرك والضلالة. « [11]

وبعد هذا يركز على مدى السهولة عند الله سبحانه وتعالى في عملية الخلق اعتبارا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [12]. ومن هذا المنطلق فإن أمر الخلق عنده ميسور وهو الذي لا يتماشى والفهم المادي للفلاسفة الدهريين أو الماديين والنورسي يفصل المسألة هذه في كون أن القدر الالهي هو نفسه العلم الالهي . والنورسي يناقش الفلاسفة حتى في أدق تفصيلات المسألة فعملية الخلق بالسهولة التي ذكرنا تجري بمعاملين المعامل الأول علمه المحيط بكل شيء وثانيه قدرته الواسعة حتى أنها تحتوي كل شيء يقول في هذا المعنى .

) ان هناك سهولة مطلقة في الخلق والايجاد تنبع من زاوية نظر " العلم الإلهي " وتفصيلها كالآتي:

ان القدر الإلهي هو نوع من العلم الإلهي، يعيّن مقدار كل شئ كأنه قالب معنوي له وخاص به، فيكون ذلك المقدار القَدَري بمثابة خطّة لذلك الشيء، وبحكم "موديل " انموذج له، فعندما توجده "القدرة الإلهية" توجده على ذلك المقدار القدري بكل سهولة ويسر.

فان لم يُنسب ايجاد ذلك الشئ الى مَن له علم محيط مطلق ازلي وهو الله القدير ذو الجلال لاتحصل الوف المشكلات فحسب، بل تقع مئات المحالات ايضاً - كما ذكر آنفاً - لانه إن لم يكن هناك ذلك المقدار القدري، والمقدار العلمي، يلزم استعمال ألوف القوالب المادية والخارجية للجسم الصغير للحيوان!

فافهم من هذا سراً من اسرار السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد وكثرة المشكلات غير المتناهية في التعدد والكثرة والشرك.

واعلم مدى الحقيقة السامية الصائبة التي تعبر عنها الآية الكريمة: ﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[13] 

ولا يكتفي النورسي من محاججة القدامى من الفلاسفة بفكرتهم عن الخلق طبعا عن المادة بل بعد أن يدحض فكرتهم هذه كما سبق وأن شاهدنا في المثال السابق فإنه يلتفت إلى الفلاسفة المستعينين بنظريات العلم المادي وقولهم أن أصل الكون هو المادة، وأن الطبيعة هي التي توجد بل تخلق الأشياء. يقول في هذا المعنى "ما بال بعض الفلاسفة المغالين في عصرنا هذا يطلقون مقولة: "لا يُستحدث شيء من العدم ولا يفنى شيء من الوجود " وان ما يدير هذا الكون، إنما هو تركيب المادة وتحليلها ليس الاّ!)[14] 

وهو يقصد بذلك رأس المادية المعاصرة صاحب نظرية التطور أو النظرية الميكانيكية التي مفاد قولها أن كل شيء يوجد من الآلية التي تتميز بها الطبيعة وحسب هؤلاء الدارونيين  فإن الكون ركب تركيبا آليا وهم هنا يقصدون القوانين الموجودة في الطبيعة وهذه القوانين في نظرهم هي التي يتم من خلال نظامها كل شيء كما كان قد تم الكون كله على هذه الشاكلة يقول (الماديون: إن الإنسان هو الحيوان الكامل (L’ Homme Machine)  [15] وأن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما هو فرق في الدرجة وليس في النوع، فليس هناك جوهر إنساني متميز، بينما يقول (دارون): الإنسان مجرد حيوان نشأ عبر عملية تطور طويلة، ويقول (جوليان هكسلي) إن الإنسان مجرد حيوان متفرد.)[16]  ويضيف داروين في كتابه أصل الإنسان»  أن الفرق بين الإنسان والحيوان في الدرجة وليس في النوع[17]) هذا القول منه يدل دلالة قاطعة على أن الإنسان حسبه سار على نظام الآلية التي تميزت بها قوانين الطبيعة حتى ارتقى وتطور على ما هو عليه الآن لكن العلم الحديث اليوم وفي قوانين البيولوجيا ينكر هذه المقولة إذ أن الفرق بين الإنسان والحيوان لم يعد في الدرجة وحسب بل هو فرق نوعي أي أن نوع الإنسان ونوع الحيوان مختلف جدا وما يؤكد على هذا ما جاءت به قوانين الوراثة في اكتشافها لعدد الكروموزموات عند الإنسان تختلف عن عددها عند الحيوان. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن فكرة الطفرة التي لا تزال بدون تفسير أبطلت التفسير الميكانيكي لحدوث الأشياء.

وهو يحاجج (أي النورسي) المنكرين على أيام النبي في قولهم عنه صلى الله عليه وسلم » قالوا: هذا سحر فابعثوا الى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا؟. ولما حان الصباح أتت القوافل من اليمن وغيرها فسألوهم، فأخبروهم: انهم رأوا مثل ذلك. فقالوا: إن سحر يتيم ابي طالب قد بلغ السماء! «

 وهذه المحاججة بالرواية التي تواترت عن عصره صلى الله عليه وسلم ويوردها النورسي على سبيل قوله أن القوم المنكرين كانوا ولا يزالوا بنفس التعنت والاستكبار. بل ويخاطب أولئك المشككين في زمانه على أنهم هم المشككين في زمان النبوة ليدحض قولهم عن معجزاته أنها سحر فيؤكد في المحاججة على أمرين اثنين أولا أن قوة وكثرة تواتر الروايات دليل قاطع على صحتها وثانيا أنك إذا لم ترى شيئا فإن هذا ليس دليا على أنه غير موجود وإليك ما قاله في هذا الصدد:  

» لقد قال معظم ائمة علم الكلام، من امثال سعد التفتازاني: "ان انشقاق القمر متواتر، مثل فوران الماء من بين اصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم وارتواء الجيش منه، ومثل حنين الجذع من فراقه صلى الله عليه وسلم الذي كان يستند اليه اثناء الخطبة، وسماع جماعة المسجد لأنينه. اي ان الحادثة نقلته جماعة غفيرة عن جماعة غفيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فالحادثة متواترة تواتراً قطعياً كظهور المذنب قبل الف سنة وكوجود جزيرة سرنديب التي لم نره".[18]

وهكذا ترى أن إثارة الشكوك حول هذه المسألة القاطعة وامثالها من المسائل المشاهدة شهوداً عياناً انما هي بلاهة وحماقة، اذ يكفي فيها انها من الممكنات وليست مستحيلاً.

علماً ان انشقاق القمر ممكن كانفلاق الجبل ببركان.

والنورسي ينتبه إلى شيء غاية في الأهمية وهو كيفية التعامل من المنكرين سواء من الفلاسفة أو من غيرهم من العوام أو من بعض المتصوفة ومن بعض اللاهوتيين بحيث يعتبر  التعامل معه يجب أن يكون تعاملا بالحكمة وبالمحبة وبالإقناع وبالسبل التي تتوفر فيها حرية الاختيار ولا يجب إرغام المنكرين على الأخذ بالسبيل القويم عن طريق القوة بل يجب اقناعهم بالحجة ولا سبيل إلى استخدام سبل أخرى لذلك لأن الانسان يجب عليه التكليف متى خنع وخضع لإرادة الله سبحانه وتعالى بكل حرية وبكل تسليم ايمانا من قوله تعالى: لا إكراه في الدين وهو يقول بهذا الصدد: » ان المعجزة تأتي لأثبات دعوى النبوة عن طريق اقناع المنكرين، وليس ارغامهم على الايمان. لذا يلزم اظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم الى القناعة والاطمئنان الى صدق النبوة. أما أظهارها في جميع الاماكن، أو أظهارها اظهاراً بديهياً بحيث يضطر الناس الى القبول والرضوخ فهو منافٍ لحكمة الله الحكيم ذي الجلال، ومخالف ايضاً لسر التكليف الإلهي. ذلك لأن سر التكليف الإلهي يقتضي فتح المجال امام العقل دون سلب الاختيار منه.[19] « 

 ويظيف محللا أكثر تقبل فكرة الانشقاق »فلو كان الخالق الكريم قد ترك معجزة الانشقاق باقية لساعتين من الزمان، واظهرها للعالم اجمع ودخلت بطون كتب التاريخ كما يريدها الفلاسفة لكان الكفار يقولون انها ظاهرة فلكية معتادة. وما كانت حجة على صدق النبوة، ولا معجزة تخص الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم. او لكانت تصبح معجزة بديهية ترغم العقل على الايمان وتسلبه من الاختيار وعندئذٍ تتساوى أرواح سافلة كالفحم الخسيس من أمثال أبي جهل، ...[20]«

ويقف النورسي أمام تفسيره للآية الكريمة: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [21] والتي بها استفهام تهكمي، هذا الاستفهام به رد على المنكرين لأصل النبوة إذ أنهم ينفون بذلك إرادة الله سبحانه وتعالى

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ ﴾ أم أنهم ينفون الإرادة الإلهية كبعض الفلاسفة الضالين أو ينكرون أصل النبوة كالبراهمة، فلا يؤمنون بك! فعليهم اذاً ان ينكروا جميع آثار الحِكَم والغايات الجليلة والإنتظامات البديعة والفوائد المثمرة وأثار الرحمة الواسعة والعناية الفائقة الظاهرة على الموجودات كافة، والدالة على الإرادة الإلهية واختيارها، وعليهم أن ينكروا جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام، أو عليهم أن يقولوا: أن  الخزينة التي تفيض بالإحسان على الخلق أجمعين هي عندنا وبأيدينا. وليُسْفِروا عن حقيقتهم بأنهم لا يستحقون الخطاب، ولا هم أهلٌ له. إذا فلا تحزن على إنكارهم. فلله حيوانات ضالة كثيرة«.[22]

والنورسي لما يناقش الملحدين الذين يشككون في نبوته صلى الله عليه وسلم من زاوية بعض المعجزات الأخرى كالإسراء والمعراج التي تعتبر معجزة من معجزات الله سبحانه وتعالى حتى أنه ذكرها في القرآن الكريم في قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾[23]. والمعراج في آية  ﴿ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنى فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأحوى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يخشى السدرة ما يخشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾[24]. وهناك أحادث صحيحة في هذا الباب تفسر هذه المعجزات. لكن المنكرين ينكرون ويجحدون في -زمانه صلى الله عليه- وسلم وفي زماننا هذا. يقول النورسي في مسألة إنكارهم للمعراج وهو في- نظرنا- من معجزات النبوة » أن مسألة المعراج نتيجة تترتب على أصول الإيمان وأركانه، فهي نورٌ يستمد ضوءه من أنوار الأركان الإيمانية. فلا تُقام الحجج لإثبات المعراج بالذات للملحدين المنكرين لأركان الإيمان، بل لا يُذكَر أصلا لمن لا يؤمن بالله جلّ وعلا ولا يصدِّق بالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -  أو ينكر الملائكة والسموات، إلا بعد إثبات تلك الأركان لهم مقدماً؛ لذا سنجعل المؤمن الذي ساوَرَتْه الشكوك والأوهام فاستبعد المعراجَ، موضعَ خطابنا، فنبين له ما  يفيده ويشفيه بأذن الله. ولكن نلحظ بين آونة وأخرى ذلك الملحد الذي يترقب في موضع الاستماع ونسرد له من الكلام أيضا ما يفيده.. «.

نماذج من أسلوب مناقشاترسائل النور والنبوة

يناقش صاحب رسائل النور المتصوفة والشطط الذي أصاب بعضهم حتى أنهم غلبوا ما يسمونه بالولاية على النبوة وهو في نظره ظلال ماله من ظلال لا قبله ولا بعده: هو ظلال لأنه تجاوز وغلو من زاويتين: أولا من زاوية الافراط وثانيا من زاوية التفريط. ذلك أن اعتقادهم بأن الولاية مرجحة على النبوة هو مروق وخروج وغالات في وطغيان في تمجيدهم لفكرة الولاية كما أن اعتقادهم أيضا أن الصحابة المريد أحسن مقام منها هو الآخر فيه نقصان للصحبة التي عرفتها النبوة نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا فإن بديع الزمان سعيد النورسي كأنه بمناقشته لآراء المتصوفة لا يكتفي بنقدها وإنما يضعها في نصابها الحقيقي مبينا ما كان لهم وما كان عليهم لأنه يقصد بعض المتصوفة وهذا الدليل الشاها من صاحب الرسائل على ما قلنا

 أولا بخصوص جعلهم أدب الشريعة بمقام أقل من دساتير الطريقة: يقول  »ان ينظر الولي الى آداب الشريعة انها غير ذات اهمية اصلاً بالنسبة لدساتير الطريقة وقواعدها (حاش لله) لكونه قد عجز عن ان يستوعب تلك الاذواق الواسعة، فمقامه القصير لا يستطيع ان يبلغ تلك الآداب الرفيعة.[25] «

 ثم إنه يدخل في عمق النقاش فيناقشهم في أهم ورطات اعتمدها بعضهم ومن هذه الورطات. اعتمادهم  بأرجحية الولاية على النبوة كما ذكرنا

يقول وفيه ثمانية مزالق وورطات:

الاولى:

ان الورطة التي يسقط فيها سالكون من الطرق الصوفية - ممن لا يتبعون السنة النبوية على الوجه الصحيح - هي اعتقادهم بأرجحية الولاية على النبوة!! ولقد اثبتنا مدى سمو النبوة على الولاية وخفوت ضوء الاخيرة امام نور النبوة الساطع في الكلمة الرابعة والعشرين والكلمة الحادية والثلاثين من كتاب "الكلمات". وفي هذا دليل واضح يبين فيه ما أرادوا من تشويههم ومن زيفهم على أن النبوة أقل شأنا من الولاية.. وعندما نتكلم هنا مع المتصوفة لا ننسى أن نناقش الفلاسفة أيضا لقد جاء بعض فلاسفة الإسلام متأثرين بالفلسفة اليونانية فجعلوا من النبي أقل شأنا من الفيلسوف فهو في رأيهم العقل الذي ينير طريق النبي وهو ما يسمونه وهنا أقصد الفيلسوف الفارابي حين يجعل من النبي أقل مقاما من الفيلسوف لأنه ببساطة متأثر بنظرية عرفت في الفكر الأفلاطوني وهي نظرية أطلق عليها بنظرية الفيض حتى أن الله هو نفسه فاض عن العقل الفعال وهذا العقل الفعال هو عقل الفيلسوف الذي تعتبر مرتبته بمرتبة الرئيس أو ما سماها أفلاطون » الرئيس الفيلسوف«  .وتتبع معي ما يقوله الفارابي بهذا الصدد: »  الفرق بين حقائق النبي وحقائق الفيلسوف، الاول تأتيه الحقائق والمعارف منزلة من عند الموجود الممكن الوجود، اي الله، بواسطة الملك جبريل، ويلتقي الوحي بالمخيلة لقاءا جميلا ثم يتم تحويل اللقاء الى صور للمعاني يصدر الى الناس المعارف النبوية وهي حسية ويكون الخيال اساسي. اما الفيلسوف فيقول الفارابي انه يتلقى الحقائق بواسطة العقل الفعال ومصدرها هو الموجود الممكن الوجود.[26]« ففي هذا النص فعلا هناك تبيان من الفيلسوف الفارابي على أن النبي يتلقى أوامره من الحس المخيال وأن الفيلسوف يتلقى أوامره من العقل الفعال  وفعلا أي مقام هذا الذي يجعله هذا الفيلسوف –مهتديا بالهدي الأثيني – لمقام النبوة  وعليه فإن الشاهد هنا صاحب كتاب الرسائل الذي يؤكد على هذه الحقيقية حقيقة مقام النبوة بين مقام الفيلسوف!

 لقد كان للفيلسوف الفارابي استنتاج مهم في حياة الفلاسفة بقدر ما هو أرسطو أو المعلم الثاني في الفكر الاسلامي حتى أنه ذهب في تفكيره إلى هذه الموازنة بين النبي والفيلسوف وهي موازنة تعد من الكبريات -حسب صاحب الاحياء-أي إحياء علوم الدين: الامام حجة الاسلام: أبا حامد الغزالي، حين كفر هذا النوع من الفلاسفة في مسائل، ومنها مسألة قولهم بأن النبي أقل مرتبة من الفيلسوف. على الرغم من قوله بأن كلاهما يستلهم الحقيقة من واجب الوجود أي الله. فقط النبي بواسطة المخيال الحسي وأما الفيلسوف فيصل إلى هذا الاستلهام للحقيقة عن طريق ما سماه بالعقل الفعال الذي يستنير به الفيلسوف. 

 وأما المسألة الأخرى التي فيها شطط من المتصوفة حسب صاحب رسائل النور هي مسألة : »وهي تفضيل قسم من المفرطين، الاولياء على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، بل رؤيتهم في مرتبة الانبياء عليهم السلام. وقد شرحنا في الكلمة الثانية عشرة والكلمة السابعة والعشرين "الاجتهاد" وفي ذيلها الخاص بالصحابة كيف ان للصحابة الكرام خواص متميزة بسبب الصحبة النبوية، بحيث لا يمكن للاولياء ان يبلغوا مرتبتهم اصلاً فضلاً عن ان يتفوقوا عليهم. ولا يمكنهم ان يبلغوا قطعاً مرتبة الانبياء . «[27]

 وأما المسألة الثالثة التي يناقش فيها النورسي المتصوفة فهي مسألة أيضا جد دقيقة حتى أن بعضهم جعلها من حبه لها كحب الله وصدق الله إذ يقول والذين آمنوا أشد حبا لله وهذه المسألة هي: ترجيح بعض المتطرفين والمتعصبين جداً للطريقة لأوراد طريقتهم وآدابها على اذكار السنة النبوية الشريفة، فيسقطون بذلك الى منزلق مخالفة السنة النبوية وتركها، في الوقت الذي يظلون متشبثين بأوراد طريقتهم، أي انهم يسلكون سلوك غير المبالي  بآداب السنة النبوية الشريفة فيهوون في الورطة، وكما اثبتنا في كلمات كثيرة، وكما اكد كبار محققي الطرق كالامام الغزالي والامام الرباني: «[28]

"ان اتباع سنة واحدة من السنن النبوية يكون مقبولاً عند الله أعظم من مائة من الآداب والنوافل الخاصة. اذ كما ان فرضاً واحداً يرجح الفاً من السنن، فان سنة واحدة من السنن النبوية ترجح الفاً من آداب التصوف" وتلك حقيقة لا تضاهيها حقيقة لأن المتبع للسنة أو للشرع هو متبع لأحكام الله وهو أيضا متبع لكل ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم . ومن هنا فلا مجال للمقارنة بين أوراد قالها البشر من أي كان هؤلاء البشر حتى ولو كانوا من المتصوفة لأن هذه الأوراد فيه شيء من المغالاة في الدين في الشرع أو يمكن أن يكون فيها شيء من الإجحاف في الشرع وبالتالي في حق أو في حد من حدود الله ومن هنا جاءت فكرة البدع عند المتصوفة وعند كل المغالين في الدين والقرآن الكريم ينهي عن الابتداع في الشرع أو في الدين لقد قال عن أولائك الذين انزووا في ديرهم أو انزوو في كنائسهم ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتتغاء مرضاة الله فما رعوها حق رعيتها  فآتين اللين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون . ومن هنا فإن الأوردة التي يسوقها بعض المتصوفة كثيرا ما تخلط الحرام بالحلال موهمين البشر بحقية إظلالهم وغواياتهم . وعليه فلا عجب إن كان النورسي ينكر عليهم صنيعهم بل يحاربه لأنه في رأيه ضلال من ضلالهم وأذكر في هذا المقام تأييدا لرأيه أنني قرأت كتاب نزهة النفوس و... وهو لأحد المتصوفة وخرجت منه مضلا ضلالا بعيدا. حتى أنني أصبحت لأفرق بين ما هو حرام وما هو حلال. بخصوص مجال الحياة الزوجية. إن المشكلة التي ينسج لها بعض المتصوفة أنهم يستخدون بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة استخداما حسنا ويزينون بذلك أو ردتهم كم يزينون بها قصصهم وحكايتهم. وفي هذا المضمار أذكر أيضا أن هنا من الفلاسفة من ينحوا نحوهم حتى أن كتابا ككتاب» رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي«  خاض فيه الفيلسوف العربي عبد الرحمان بدوي، معلقا وناقلا ولكن تعليقا ونقلا لا يليق بمقام المفكر  حتى أنه يصور من رابعة العدوية متصوفة لها الكثير من الخوارق، كقوله مثلا أنها انتقلت من بغداد إلى مكة على بساط سابح[29] في وقت وجيز وكذا يصور عشقها لله على أنه عشق امرأة لرجل وهو تصوير حسي لا يليق بقدسيته ونزاهته -سبحانه وتعالى- وهلم جرا.... ففي رأي إنه محض افتراء من فيلسوف على العابدة الناسكة رابعة العدوية والغاية والهدف واضح هو إضلال الناس عن طريق الحق بالطريقة الإيجابية أي بالمغالاة في الدين وهذا الكات الموضوعي لا يكتب عن رابعة العدوية إلا ما يتناسب والحقيقة فهذا سهير عبد الحميد يكتب عن تاريخ التصوف الإسلامي ليس حكرا على الرجال ما يلي: » لدينا القليل من المعلومات الثابتة عن تاريخ حياتها، والبعض منها له طابع أسطوري واضح، وكذلك اختلطت في بعض أخبارها بغيرها من "الرابعات" في التاريخ الإسلامي « [30] وهناك فرق بين أن تكتب للفلسفة وأن تكتب عن رابعة العدوية في التصوف. ومن هنا فإن النورسي لما يتقدم بانتقاداته للفلاسفة فهو ينظر في أمر من أمثال هذا المعاصر عبد الرحمن بدوي الفيلسوف الذي ملأ الدنيا بمؤلفاته في العصر الحديث.

 

نتائج البحث

  1. يعطي صاحب كليات رسائل النور معنى قرآنيا لمفهوم النبوة هذا المعنى الذي تقتدي الأنفس به وهو غير المعنى الذي خاض فيه بعض فلاسفة الإسلام وهو أيضا غير المعنى الذي قدمه بعض المتصوفة بشططهم.
  2. يقدم بعض فلاسفة الإسلام العقل على الهدي النبوي باعتبار العقل أرقى حاسة في الإنسان يستطيع أن يدرك بها ما لا يدرك وهو الرأي الذي يبطله النورسي انطلاقا من أن العقل لا يستطيع أن يدرك الكليات فما بالك يستطيع أن يدرك الجزئيات  فهو عاجز في هذا المجال وعندئذ هو بحاجة إلى نور النبوة لكي يهتدى به وهي الرسالة التي جاء من أجلها الأنبياء على مدار الزمن . حتى أن عددهم كان كثيرا لسبب واحد وهو إقناع الناس برسالة التوحيد وإقناعهم برسالة الأنبياء عليم السلام وأنهم منذرين ومبشرين.
  3. يقيم النورسي الحجة على الفلاسفة في تفسيرهم الميكانيكي لعملية الخلق متمثلة هذه الحجة في أن الخالق يخلق بسرعة فائقة ويخلق من لا شيئ بينما يتبجح الفلاسفة الماديون بأن إيجاد الشيء من الشيئ هو خلق والبون شاسع بين الرأي الأول ورأيهم.
  4. لا تفسير للمعجزات التي جاء بها الأنبياء إلا بالتصديق بالهدي النبوي أولا ثم الإيمان بها، لما كان من عند الله - حسب النورسي.
  5. إن بعض المتصوفة ونتيجة للغلو الذي أصاب شطحاتهم قدموا الحقيقة أي حقيقة النبوة في ثوب غير الثوب اللائق بها. حتى أنهم أشركوا بالله في وضعهم أوردة تتبع بدل اتباع سنة النبي.كما أنهم نصبوا شيوخهم يهتدى بهم وجحدوا بذلك مقام النبي والنبوة التي جاء بها.
  6. إن الفرق هائل بين النبوة وبين ادعاء النبوة سواء جاءت على لسان الأقدمون أو على لسان الآخرين. ولا فرق بين الأولين والآخرين في ذلك. ويبقى مقام النبوة لا ينازعه شيء إلا الله سبحانه وتعالى.

وبالله التوفيق

 

---------------------------------

مراجع البحث

1- أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، تقديم علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.

2-   منقذ بن محمود السقار ،دلائل النبوة، مكة المكرمة ، 1427 على الموقع http://www.saaid.net/Doat/mongiz/15-1.htm

3-   جوليان هوكسلي ، الإنسان يقوم وحده،  Man stands Aloun

4-  علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب  لتفاصيل أكثر أنظر الموقع : http://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/60-Second-Issue/233-Book-Review-Islam-between-East-and-West

 5- كريسي موريسون بكتاب الإنسان لا يقوم وحده Man Does not’ stands aloun  ترجمه الأستاذ: محمود صالح الفلكي بعنوان (العلم يدعو إلى الإيمان(

6-: Charles Darwin, the origine of human

7-.عبد الرحمن بدوي رابعة العدوية شهيدة العشق الالهي. وكالة المطبوعات  الكويت،  1978.

8 سهير عبد الحميد تاريخ التصوف الإسلامي ليس حكرا على الرجال ، مجلة نصف الدنيا ،أنظر الموقع: http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=365951&eid=4

9- يوسف القرضاوي ، موقف الإسلام من العقل والعلم ، الفصل الخامس الموازنة بين العقل والنقل ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ،  القاهرة 2013.

 

 

 

 

---------------------------

[1]  هذا الموقف قال به فلاسفة الإسلام وعلى رأسهم، الفيلسوف الفارابي ، وابن سينا أنظر: أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، تقديم علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، 1995. ص45

[2]  وهذه الفكرة جاءت من حجة الاسلام: أبو حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال. دار الكتب الحديثة ص 112- 118

[3] يوسف القرضاوي، موقف الإسلام من العقل والعلم، الفصل الخامس الموازنة بين العقل والنقل، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 2013.

[4] سورة آل عمران الآية 81.

[5] منقذ بن محمود السقار ، دلائل النبوة، مكة المكرمة ،1427 على الموقع http://www.saaid.net/Doat/mongiz/15-1.htm

[6]  بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المكتوب التاسع عشر ص115.

[7]  المصدر نفسه ص115. (والنورسي يورد قصة اسلام عبد اللّه بن سلام في صحيح البخاري (انظر المشكاة 5870). والشفا (1/247) عن الترمذي وغيره(

[8]  بديع الزمان سعيد النورسي رسائل النور، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص115

[9]  عن ابي أمامة، قال أبو ذر: (قلت: يا رسول اللّه كم وفاءُ عدّة الأنبياء؟ قال: (مائة الف وأربعة وعشرون ألفا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) رواه الامام احمد (مشكاة المصابيح 3/122ت 5737  قال المحقق: حديث صحيح). وانظر زاد المعاد تحقيق الارناؤوط (1/43ــ44).

[10] بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات المكتوب التاسع عشر ص115.

[11] بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور ، اللمعات ،ترجمة إحسان قاسم الصالحي،  اللمعة الثالثة والعشرون، ص295.

[12] سورة يس الآية 81.

[13] سورة النحل الآية 77.

[14] المصدر نفسه ص296

[15] علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب لتفاصيل أكثر أنظر الموقع : http://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/60-Second-Issue/233-Book-Review-Islam-between-East-and-West

[16] لتفاصيل أكثر راجع جوليان هوكسلي، الإنسان يقوم وحده،  Man stands Aloun وهو الكتاب الذي رد عليه كريسي موريسون بكتاب الإنسان لا يقوم وحده Man Does not’ stands aloun

[17]  لمزيد من التفاصيل:  راجع: Charles Darwin, the origine of human

[18] بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المكتوبات ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المكتوب التاسع عشر، ص272 .

[19] المصدر  نفسه ص273

[20] المصدر نفسه ص273

[21] سورة الطور الآية 37.

[22] بديع الزمان سعيد النورسي ، كليات رسائل النور، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الكلمة الخامسة والعشرون – ص447

[23] سورة الاسراء الآية 1

[24] سورة النجم من الآية 6 إلى الآية18.

[25] بديع الزمان سعيد النورسي رسائل النور المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي  المكتوب التاسع والعشرون – ص588

[26] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، تقديم علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.

[27] بديع الزمان سعيد النورسي رسائل النور المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي  المكتوب التاسع والعشرون – ص588

[28] المصدر نفسه ص589..

[29] لتفاصيل أكثر أنظر عبد الرحمن بدوي رابعة العدوية شهيدة العشق الالهي. وكالة المطبوعات  الكويت، 1978

[30] سهير عبد الحميد تاريخ التصوف الاسلامي ليس حكرا على الرجال، مجلة نصف الدنيا، أنظر الموقع:

 http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=365951&eid=429

 

 

 


20-) دلائل صناعة الحياة من خلال معجزات الأنبياء

 

 

دلائل صناعة الحياة

من خلال معجزات الأنبياء

 

الأستاذ احســــن خشــــــــة    

جامعة 8 ماي 45 قالمة/ الجزائر

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

قسم العلوم الإنسانية      

 

مقدمة

نسارع إلى القول في مستهل هذه الورقة إلى أنه لم يرد مفهوم صناعة الحياة بهذا اللفظ في كتابات الإمام النورسي- فيما علمت -، ولكن هناك مؤشرات عديدة تدل عليه إذا تمت قراءة ما بين السطور الأفكار الواردة في رسائل النور.

تعمد كتابات الإمام النورسي كثيرا إلى تمرير المعاني من خلال الأسلوب غير المباشر الذي يخاطب النفوس البشرية ويسعى إلى احتوائها برفق ولين، مما يسهم في تنشيط العزائم والعلو بمقاماتها والتحليق بها عاليا.

ولذلك فان التنبيه إلى مواضع الخلل والقصور في التصور أو الاعتقاد أو السلوك لا نجده بصورة جلية في رسائل النور، وإنما تستنتج هذه المعاني بين ثنايا العبارات والتأملات والأمثلة التي يسوقها في تفسيره لآيات القران الكريم.

ولعل مما يؤكد معاني صناعة الحياة في رسائل النور هو تفسير الإمام النورسي للآيات التي تتحدث عن معجزات الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ففيها نجد تنبيها ضمنيا إلى أن واقع المعاناة الذي تعايشه الأمة الإسلامية اليوم هو بسبب تخلفها الشديد عن صناعة الحياة، وهو ما يمكن اعتباره تقصير أو تخلف عن أداء الأمانة ورسالة التبليغ والقيام بواجب التسخير في هذا الكون الفسيح، مثلما تدل عليه آيات الذكر الحكيم.

لقد اضطلع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمهمة التمكين لهذا الدين في الأرض، فأدوا الأمانة خير الأداء وبلغوا الرسالة خير تبليغ، فامن بوحدانية الله من امن، وكفر به من كفر.

ولقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا رسالة الإسلام، وترك لنا الوحي الإلهي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه من التحريف، لنسترشد به ونسير وفق مقتضاه ونعمله في شعاب الحياة، ولنكون مساهمين ومجتهدين في السير في الأرض، واكتشاف سنن الله في الأنفس والآفاق.

لقد تمسك المسلمون بهذا العطاء ردحا من الزمن، عرفوا خلاله الريادة في الأرض بما قدموه من بذل في التمسك بالدين ونشر الحضارة وبسطها في أقطار شتى من هذا العالم، ولكن المسيرة تعثرت، والموازين انقلبت، فأصبحنا في وضع لا نحسد عليه، ولا بد من مراجعة وعودة ثانية إلى السيادة في الكون، ولا يتأتى ذلك إلا بتحقيق معاني العبودية لله بمعناها الشامل الذي ينطلق من الشعائر التعبدية المفروضة ويستوعب إلى جانبها كل حركات وتفاعلات المسلم مع الحياة. 

ووفقا لأهمية الموضوع فلقد رأيت التطرق إليه وفقا للمنهجية التالية:

أولا: في معنى صناعة الحياة

ثانيا: المنطلق إلى صناعة الحياة

ثالثا: معجزات الأنبياء وصناعة الحياة

رابعا: الحكمة من صناعة الحياة

خامسا: التكامل بين العلم والإيمان كآلية لصناعة الحياة

سادسا: الاضاءات الأخلاقية وصناعة الحياة

 

أولا: في معنى صناعة الحياة:

لقد ورد مصطلح "صناعة الحياة" في كتاب لمحمد أحمد الراشد الذي عنون كتابه ونظريته الدعوية بها وضمنه العديد من النماذج عندنا وعند غيرنا، ولعل من الإشارات التي قد تغيب عن الكثيرين أن الحياة في أمريكا مثلا إنما تقودها الصفوة التي فيها، وهم نخبة من المجتمع، وبقية المائتي مليون يعيشون على هامش الحياة، إن خمسين ألفا فقط هم الذين يوجهون مسيرة أمريكا الحضارية، سياسيا واقتصاديا وعلميا وعسكريا ونفسيا، والبقية تتبع[1].

ومن التاريخ الإسلامي فان المؤشرات الدالة على صناعة الحياة، يمثله الدور الذي أداه المصطفى – صلى الله عليه وسلم - وأداه الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين من بعدهم، ثم بما تميزت به الحضارة الإسلامية على مر عقود من الاكتشافات العلمية، والتطور في الطب والكيمياء وعلوم الفلك، وغيرها من مجالات الحياة.

ابن سينا كان من صناع الحياة، فهو صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات. وأشهر كتبه "القانون" بقي معمولا عليه في علم الطب وعمله، ستة قرون، وترجمه الفرنج إلى لغاتهم، وكانوا يتعلمونه في مدارسهم[2].

وما ينطبق على ابن سينا ينطبق على الكثيرين من أمثال: البيروني، ابن الهيثم،  الزهراوي، فهؤلاء وغيرهم من صناع الحياة، لأنهم مروا في هذه الحياة وتركوا فيها الأثر.

ومن صناع الحياة في الأزمنة المتأخرة نجد  سنان (المعماري) أكبر مهندس معماري تركي(1489-1578) أشرف على بناء جوامع كثيرة أهمها: شهزادة، سليمانية، سليمية[3].

إن المعماري قرين الواعظ في تسوية النفوس

هي فلسفة في الحياة .... لكن اسمها جدار ورواق

وفلسفة في القيم ..... لكن يلقبونها بابا وباحة

وحشد في المعاني ... مترجم بأقواس وأعمدة وأخشاب نافرة[4]

قد يشترك المسلمون وغير المسلمين في معاني صناعة الحياة، ولكن ما يعنينا في هذا السياق هو ما يتعلق بالإطار المرجعي لصناعة الحياة عند المسلم، ذلك أنها عند هذا الأخير فريدة من حيث منطلقاتها والدوافع إليها والمقاصد التي تبغي الوصول إليها.

فصناعة الحياة من الناحية النظرية هو الإدارة الحضارية والعلمية لشؤون الحياة، من خلال القيام بواجب التسخير في الكون، بما يكفل تحقيق السعادة للإنسانية جمعاء، فيكون الإنسان كل إنسان "عبدا لله وسيدا في الكون"

وأما صناعة الحياة من الزاوية الإجرائية فهو حسن إدارة المسلم لوقت أو لحياته بالأحرى، واستثماره بفعالية في أداء دور متقن في الحياة حسب الإمكانيات والقدرات المتاحة والأمكنة والأزمنة المحددة. فيشارك في ترك اثر ايجابي يخدم به الدين وتستفيد منه البشرية.

ويمكن أن نميز بين ثلاثة أبعاد لصناعة الحياة على النحو التالي:

أ- البعد العلمي: التمكن من العلوم والمعارف التي تتحقق بها معاني الآية الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[5]، وهذه العلوم والمعارف تخلفنا فيها اليوم تخلفا كبيرا.

والآية وردت بصياغة تدل على المستقبل "سنريهم" مما يدل على أن الاكتشاف والسعي في الكون مستمر في الزمن، ولا يجب الاكتفاء بما هو موجود فقط.

ب- البعد الإيماني: ويتمثل الإيمان في:" الارتباط بالرقابة الذاتية النابعة من الجانب العقائدي الذي يربط الأرض بالسماء، ويحمل الإنسان بفلسفة الجزاء "الثواب والعقاب" الشيء الذي تعجز عنه القوانين الوضعية لارتباطها بالرقابة الخارجية وتوفر أدلة الإثبات"[6]

فاعتقاد المؤمن بأنه محاسب على عمله هو الذي يدفعه إلى حسن توظيف إمكاناته وقدراته في الإبداع في مجاله الخاص به، لأنه مسؤول بحسب ما أوتي من استعدادات وما يستطيع تحصيله من انجازات في واقع الحياة.

 ج- البعد الأخلاقي: وهو التحقق بالمعاني الفاضلة التي تجعل المرء يقترب من سيد الخلق، كما قال المصطفى عليه السلام: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وان أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والتفيهقون"[7]

ولعل من الأسرار التي تميز العقيدة الإسلامية أن المسلم إذا التزم بخلق فاضل واحد مثل الصدق، الحياء، الأمانة..الخ، وبذل جهده في التمسك به وتجسيده في تطبيقاته السلوكية، فان هذا كفيل بتغيير مسار حياته نحو الأفضل، ولأدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم تميز كل واحد منهم بخلق محدد ارتبط ارتباطا وثيقا بشخصه، فإذا أردت الصدق فهناك نموذج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، وإذا أردت الحياء فالنموذج هو عثمان - رضي الله عنه -، وإذا أردت الأمانة فالنموذج هو أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - وهكذا

فالالتزام بخلق الأمانة هو الذي يحرك المسلم إلى صناعة الحياة، فيؤدي المسؤولية المنوطة به في الحياة.

والتحلي بالحياء هو الذي يمنع المسلم من التقصير في صناعة الحياة، فكيف يسوغ له تقبل أن يبرع غيره في استثمار الحديد وما إلى ذلك من الثروات، وهو يقرأ القران وفيه آيات سورة الحديد.

وتحري الصدق هو الذي يهدي المسلم إلى صناعة الحياة وهكذا، لأنه صادق مع الله، وملتزم بتوجيهاته قلبا وقالبا.

ثانيا: المنطلق إلى صناعة الحياة:

لقد أشار أبو حامد الغزالي إلى ضرورة التدبر في كتاب الله وعدم الاكتفاء بما توصل إليه الأولون في قوله:

"التدبر في قراءته إعادة النظر في الآية والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كي تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين. قال: ومن موانع الفهم أن يكون قد قرأ تفسيرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القران إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس وابن مجاهد، وان ما وراء ذلك تفسير بالرأي فهذا من الحجب العظيمة"[8]

ويشير الامام النورسي إلى أن المسلم بحاجة إلى أن يرفع مستواه حتى يفقه ويدرك بعض الحكمة الواردة في القران الكريم، ذلك لأن كتاب الله يتضمن مجموعة من الخصائص الفريدة "جزالة خارقة في نظمه"، "البلاغة الخارقة في معناه"، "البداعة الخارقة في أسلوبه"، "الفصاحة الخارقة في لفظه"، "براعة البيان"، التي تتطلب ضمنيا مجموعة من الاستعدادات والقدرات والمعارف، ذلك "إن في القران كل شيء، ولكن لا يستطيع كل واحد أن يرى فيه كل شيء، لأن صور الأشياء تبدو في درجات متفاوتة في القران الكريم. فأحيانا توجد بذور الشيء أو نواه، وأحيانا مجمل الشيء أو خلاصته، وأحيانا دساتيره، وأحيانا توجد عليه علامات. ويرد كل من هذه الدرجات، إما صراحة أو إشارة أو رمزا أو إبهاما أو تنبيها. فيعبر القران الكريم عن أغراضه ضمن أساليب بلاغته، وحسب الحاجة، وبمقتضى المقام والمناسبة"[9]

إن تدبر معاني القران الكريم يجعل الفرد ينظر إلى نعم الله في الكون بنظرة مختلفة، تجعله يستشعر عظمة الخالق في نفسه، ذلك لأن الإنسان إذا فقد الصلة بالقران فانه يألف كل ما حوله ولا يرى فيها أسرار الإبداع الإلهي المعجز في هذا الوجود. 

"إن القران الكريم، ببياناته القوية النافذة، إنما يمزق غطاء الألفة وستار العادة الملقى على موجودات الكون قاطبة، والتي لا تذكر إلا كأنها عادية مألوفة مع أنها خوارق قدرة بديعة ومعجزاتها العظيمة. فيكشف القران بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحا كنزا لا يفنى للعلوم أمام العقول"[10]

ثالثا: معجزات الأنبياء وصناعة الحياة:

"إن المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عن طريق إقناع المنكرين، وليس إرغامهم على الإيمان"[11]

يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾[12]

ويقول الله تعالى أيضا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾[13]

فالعقل في الآية الأولى يراد منه الفهم العميق الصحيح مع تثبيته في الحافظة، وأما العقل في الآية الثانية فالمراد منه الإرادة القوية القادرة على عقل النفس وأهوائها وشهواتها، وضبطها في حدود الخير، مع استنادها إلى معرفة الأمور وبصيرة بما فيها من خير أو شر[14]

إن أوائل أكثر الآيات القرآنية وخواتمها، تحيل الإنسان إلى العقل قائلة: "راجع عقلك وفكرك أيها الإنسان وشاورهما، حتى يتبين لك صدق هذه الحقيقة، فانظروا مثلا إلى قوله تعالى (فاعلموا .. فاعلم .. أفلا يعقلون.. أفلم ينظروا .. أفلا يتذكرون .. أفلا يتدبرون .. فاعتبروا يا أولي الأبصار..) وأمثالها من الآيات التي تخاطب العقل البشري.

وهي دعوة إلى إعمال الفكر والعقل في قراءة القران الكريم حتى يمكن الاستفادة من تعاليمه وتوجيهاته بما يجعل الفرد المسلم يسير على طريق مستقيم مهما تقلبت به المواقف والظروف".

ولعل من الاضاءات الفكرية التي تعرض إليها النورسي في توضيح أهمية الجانب الفكري في تدبر معاني القران الكريم هي تفسيره لمعجزات الأنبياء عليهم السلام، وربما كان الكثيرون - وكاتب هذه السطور واحد منهم - يمرون على آيات الذكر الحكيم التي تروي معجزات الأنبياء دون انتباه لما تنطوي عليه من توجيهات ضمنية ترشد إلى إعمال الفكر في القيام بواجب التسخير في الأرض، وفي هذا السياق يقول السعيد النورسي: "إن القران الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف. فهو بهذا يعين أبعد الأهداف النهائية لها ويحددها. ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها."[15]

يشير القران الكريم وفقا للرؤية النورسية إلى مجالات الرقي المادي والحضاري من خلال:

- تطوير علوم الطب والصيدلة مثلما كان ذلك متاحا في معجزة عيسى عليه السلام عند مداواته للمرضى وإحيائه للموتى.

- إبداع تكنولوجيا النقل والمواصلات مثلما كان ذلك متاحا في معجزة سليمان عليه السلام عندما قطع مسافة شهرين في بوم واحد.

- إنتاج المواد المانعة للحرق بالنار مثلما كان ذلك متاحا في معجزة إبراهيم عليه السلام

- الاستفادة من الحديد الذي أنعم الله به علينا في تطوير الصناعات المختلفة مثلما كان ذلك متاحا عند داود عليه السلام

- الاستفادة من الماء وإنقاذ البشرية من الظمأ والجفاف مثلما كان ذلك متاحا في معجزة موسى عليه السلام بعصاه.

وكأن النورسي بتوضيحاته هذه أراد أن يمرر رسالة مفادها: لماذا تأخرنا وتفوق غيرنا في إبداع هذه الوسائل، على الرغم مما نملكه بين أيدينا من القران الكريم الذي هو سبيلنا الأوحد إلى الرقي المادي والمعنوي؟

لذلك فالمسلمون أجدر من غيرهم للسير في الأرض واكتشاف أسرار الكون والاستفادة من مقدرات الكون لخدمة الإنسانية جميعها.

رابعا : الحكمة من صناعة الحياة

يمكن أن نجمل الحكمة من صناعة الحياة في النقاط الآتية:

1- صناعة الحياة: تحقيق لمعنى العبودية لله في شعاب الحياة

"إن العبادة في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا لله تبارك وتعالى، وموجب العبادة لله طاعة أمره، وشكره على نعمه بإعلان الخضوع له، والتقرب إليه، والتحبب إلى جلاله.

وأما طاعة من تجب طاعته، فهي ظاهرة خلقية، يدفع إليها أساس أولي من الأسس الأخلاقية، وهو حب الحق وإيثاره، لأن من تجب طاعته فحقه أن يطاع.."[16]

ومعلوم أن مفهوم العبادة في الإسلام يستوعب كل أعمال المسلم، إذا ارتبطت بنية خالصة لله، ولذلك فان تقسيم التوجيهات الدينية إلى قسم يتعلق بالعبادات، وقسم يتعلق بالمعاملات، قد ينصرف عند البعض أنه لا علاقة للقسم الثاني بالقسم الأول، وهذا ما نلحظه جليا في الكثير من سلوكيات المسلمين، فربما وجدت الواحد محافظا على صلواته في المسجد، ولكنه في ميدان عمله يقترف الكثير من المخالفات والتجاوزات.

2- صناعة الحياة: ضرورة إيمانية

يتصور النورسي أن الإيمان كفيل بإعطاء معنى وقيمة لحياة الإنسان، لأن فيه وقاية للإنسان من السقوط في دائرة السلبية وانعدام الفاعلية في الحياة.

"إن الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من الإعدام الأبدي أثناء الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضا من ظلمات العدم والانعدام والعبث"[17]

وفي نفس هذا السياق يميز محمد الغزالي- يرحمه الله- بين نوعين من الإيمان: "هناك إيمان ضرير لا يبصر الحياة، ولا تسحره عجائبها، ولا تستهويه أسرارها. هذا الإيمان يمكن أن تنسبه إلى أي مصدر غير القران الذي يخلق الإيمان البصير لا الضرير...الإيمان الذي ينمو ويقوى بالتأمل في الكون، ومطالعة آياته، والتعرف على خفاياه.

هناك إيمان جبان قد يفر إلى صومعة، أو يحيا داخل قوقعة، لا يجرؤ على الضرب في الأرض، ولا يستطيع مغالبة الأنواء"[18]

3- صناعة الحياة: أداء لواجب التبليغ واستمرار لرسالة الأنبياء

أن مهمة الأنبياء هي تبليغ الوحي الإلهي إلى الناس، ويكفي التأمل في خطبة حجة الوداع عندما صدح الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بقوله وتكراره: "ألا هل بلغت اللهم أشهد"

والسؤال المطروح هنا : إذا كان رسول الله بلغ إلينا هذا الوحي السماوي، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فهل بلغنا نحن الرسالة وأدينا الأمانة ونصحنا البشرية بما نمتلكه من وحي سماوي.

هل بلغنا عن الرسول ولو آية، والرسول يوصينا "بلغوا عني ولو آية"، إن الإجابة على هذا السؤال مفزعة، ولا مناص من تصحيح المسار واستدراك ما فات.

4- صناعة الحياة: تحقق بالخلق الإسلامي القويم:

تطلب صناعة الحياة أن يكون الفرد باذلا لأقصى ما يملك من طاقة وجهد في سبيل تحقيق إبداع يعود على البشرية بالنفع، و"لكل قطاع من القطاعات الإنسانية المختلفة الداخلية والخارجية أخلاق، للفكر أخلاق، وللاعتقاد أخلاق، وللقلب أخلاق، وللنفس أخلاق، وللسلوك الظاهر أخلاق".[19]

ولعل المضمون الأخلاقي ينصرف في جانب مهم منه إلى المجال الفكري الذي تتحقق به الانجازات في الواقع، "فمن فضائل أخلاق الفكر تحري الحقيقة بإنصاف وتجرد وحياد، والصبر على التفكر والتدبر، والبحث عن كل نافع مفيد من الأفكار والمعارف والعلوم، والبعد عن سفاسف الأفكار وتوافهها"[20].

 

5- إحياء "عبادة التفكير" وصناعة الحياة:

إن "التفكير فريضة إسلامية" مثلما يقول العقاد. وفي شرح العلامة محمد الغزالي-عليه رحمة الله- لقوله تعالى: "وعلم ادم الأسماء كلها" قال أنها تعني كل مفاتيح الخير في الأرض، كل مفاتيح الزراعة والصناعة، والإمكانات كلها التي تجعل الإنسان سيدا على ظهر هذه الأرض.

ويعتبر الغزالي - رحمة الله عليه- أن التخلف العلمي، التخلف الكوني، التخلف الطبيعي، التخلف في الفيزياء، وفي الإدارة وفي السياسة والاقتصاد ليس معصية دينية فحسب، بل هو خلل في المواهب الإنسانية عن ادم عليه السلام.

وفي هذا الإطار فان التفسير السابق للشيخ محمد الغزالي- عليه رحمة الله- يصب في نفس سياق تفسير الإمام النورسي لمعاني معجزات الأنبياء - عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم - في ضوء حاجات المسلمين وحقيقة رسالتهم والدور المنتظر منهم تجاه البشرية جميعا. وتؤدي عبادة التفكير جملة من الوظائف يمكن توضيح بعضها في النقاط التالية:  

  • حسن الفهم لدلالات القيم الدينية 
  • ربط القيم الدينية بحاجاتنا الحياتية
  • توجيه الفرد نحو أولوياته العملية
  • حسن عرض القيم الدينية على الآخرين
  • تدعيم الجانب الإيماني
  • توجيه السلوك الحياتي
  • الاجتهاد في تنزيل القيم الدينية على الواقع والمستجدات
  • تهدي إلى توظيف المنهج العلمي في الاستفادة من مقدرات الكون

وما يمكن استخلاصه من التوجيهات التي تدل على ضرورة إعمال الفكر في التعامل مع القيم الواردة في القران الكريم من ناحية، وتجسيد هذه الأفكار في شعاب الحياة من ناحية ثانية ما يلي:

- حاجتنا الماسة إلى إعمال الفكر في ما نقرأ من كتاب الله

- أن هناك تخلفا كبيرا في قيام المسلمين بعبادة التفكير

- حاجتنا إلى تطوير الأفكار التي تساعدنا في تحقيق التطور الحضاري الذي يجعلنا حقيقة أحق من غيرنا في القيادة والريادة والسيادة في هذا الكون، وهو ما تحقق للمسلمين الأوائل، وتخلفنا فيها تخلفا كبيرا.

- أن المسلمين أجدر من غيرهم للسير في الأرض واكتشاف أسرار الكون والاستفادة من مقدرات الكون لخدمة الإنسانية جميعها.

ولذلك فان التربية الفكرية هي التي تسمح بتجديد فهمنا للقيم الدينية، وهو السبيل المؤدي إلى تصحيح السلوكيات وتحقيق الفاعلية في الحياة.

6- صناعة الحياة: إبراز لصورة مشرقة عن الإسلام

"إن الأصل في السلوك الإنساني أنه يهدف إلى تحقيق مطالب جسدية أو نفسية أو فكرية أو روحية، سواء أكان ذلك لصالح الفرد أو لصالح الجماعة، وأي سلوك لتحقيق مطلب من هذه المطالب إما يكون سلوكا خلقيا، وإما أن يكون سلوكا لا علاقة له بالأخلاق إيجابا ولا سلبا" [21]

وفي هذا الإطار يؤكد النورسي على أهمية إعطاء صورة حسنة عن الإسلام من خلال سلوك الفرد المسلم أو "المسلم الكامل" كما أسماه، لأن ذلك كفيل بإغراء الآخرين من الديانات الأخرى بالدخول في هذا الدين.

ولأهمية النماذج البشرية التي تتجسد فيها القيم الدينية في فعل وسلوك يقول النورسي في خطبته الشامية:

"ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجا، بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام"[22]

 

7- صناعة الحياة: صدقة جارية وثواب جزيل

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"

إن مخترع الاسطرلاب مثلا خلف وراءه صدقة جارية قد يمتد ثوابها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو انطلق من قيمة دينية والمتمثلة في "الصلاة لوقتها"، فأبدع هذه التقنية، واستفاد منها المسلمون في معرفة أوقات شعائرهم التعبدية، وسائر أعمالهم، كما استفادت منها البشرية بعد ذلك من خلال التطوير والاستمرارية.

ويمكن القياس على جميع المنجزات الحضارية، لنعمل حجم الثواب الذي نحرم منه أنفسنا عندما نتقدم على غيرنا في إبداع هذه الوسائل والتقنيات.

ولا يقتصر الأمر على هذه المنجزات التقنية والتكنولوجية، بل إن التقصير امتد إلى نشر لغة القران، وهو أمر لا مبرر له، خاصة إذا علمنا أن أغلبية المسلمين لا تعد العربية لغتهم الرسمية.

 

خامسا: التكامل بين العلم والإيمان كآلية لصناعة الحياة:

يعرف الإيمان بأنه اعتراف داخلي إرادي بفكرة من الأفكار، وتسليم بها، واستمساك بما اشتملت عليه، وتوجيه العواطف الملائمة لها في اتجاهها [23]

ويعرف النورسي الإيمان من خلال إلى آثاره وانعكاساته على الإنسان بحيث أنه يضفي عليه قيمة الانتساب إلى مبدع الكون وخالقه من ناحية، وتجعله أهلا للحصول على المكافأة الأخروية من ناحية ثانية "إن الإنسانَ يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى أسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه، فالإيمانُ إنما هو انتسابٌ؛ لذا يكتسب الإنسانُ بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة."[24]

يؤكد النورسي في مواضع متعددة من رسائل النور على الأهمية التربوية لاستحضار الآخرة في حركات الفرد وسكناته، لأنها تجعل المعصية صعبة، وتجعل من فعل الطاعات أمرا ميسورا، بل انه يطلب أن يكون التركيز عليها دون غيرها في كل ما نقوم به في هذه الحياة الدنيا.

ويشترك في المعاني السابقة ما ذكره أبو الأعلى المودودي: "وإذا كان الأمل في نعيم الجنة، وخشية النار، راسخين بقوة في أعماق قلب الإنسان فإنهما يمدانه ببواعث قوية على ممارسة الفضائل حتى في الظروف التي تبدو له فيها نتائج تلك الممارسة شديدة الضرر له ويمدانه ببواعث تباعد بينه وبين الشرور حتى في الظروف التي يبدو فيها الشر بالغ الجاذبية والفائدة"[25]

كما يؤكد كذلك بأهمية الإخلاص في حياة الفرد والمجتمع، ويستدل على ذلك بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "هلك الناس إلا العالمون وهلك العالمون إلا العاملون وهلك العاملون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

العلم يقود إلى الإيمان، ويعتبر الجمع بين الجانب الإيماني والجانب العلمي هما مفتاحا صناعة الحياة في فكر النورسي، خاصة بعد أن بسط التيار العلماني في تركيا يده على المؤسسات التعليمية وجردها من قيمها الحضارية وبعدها الإيماني الذي يربطها بدينها, ويؤكد النورسي على ضرورة الامتزاج بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة، مما يساعد في تدبر القران الكريم : "ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية"[26]

و يشير في مقام آخر إلى الاستزادة من العلوم والمعارف أنى كان مصدرها، لأن أهلها دائما محترمون ومقدرون لعلمهم ومعرفتهم: "إن أهل العلم والمعرفة في كل مكان – كما هو معلوم- يزنون الأمور بميزان العلم والمعرفة. فأينما وجدوا معرفة وفي أي شخص تلمسوا علما يولون له الاحترام ويعقدون معه الصداقة باعتبار مسلك العلم. بل حتى لو قدم عالم- بروفسور- لدولة عدوة لنا، إلى هذه البلاد، لزاره أهل المعرفة وأصحاب العلوم، وقدروه واحترموه لعلمه ومعرفته"[27]

 

سادسا: الاضاءات الأخلاقية وصناعة الحياة:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وان الله يبغض الفاحش البذيء" [28]

"من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله. أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم."[29]

يمكن أن نقارب رؤية النورسي للتربية الأخلاقية حسب المنظور الإسلامي في العناصر التالية:

أ- المنطلق الفكري:

يستند القرار الأخلاقي الإسلامي إلى مرجعية الوحي، وترتبط ارتباطا وثيقا بأسماء الله الحسنى، وفي هذا الإطار يجتهد كل فرد في التمثل بهذا الصفات ما أمكنه ذلك، وما يدعم ذلك أن تعبير "الأخلاقيات" في اللغة العربية له ثلاث اشتقاقات متماسكة[30]:

1- الخالق سبحانه وتعالى(في ذاته أو صفاته "الأسماء الحسنى")

2- الخلق (بفتح الخاء) أي المخلوقات ومنها الإنسان المكرم المفضل، "ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"

3- الخلق (بضم الخاء)، أي القيم التي تحكم الخلق (بفتح الخاء) بوصفها، بلغة النورسي، تجليات أسماء الخالق الحسنى.

وهو يتمثل بها بدافع ذاتي فيه حرص شديد على صفاء القصد لله والانقياد لتوجيهاته ونواهيه، وليس رغبة في تحقيق محمدة عند الآخرين، أو من باب التصنع وإشباع حاجات نفسية في تحقيق العلو والمكانة عند الناس.

"إن حقائق الموجودات وحقيقة الكائنات  تستند إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فحقيقة  كل شيء تستند إلى اسم من الأسماء أو إلى  كثير من الأسماء" وان الإتقان الموجود في الأشياء يستند إلى اسم من الأسماء، حتى إن علم الحكمة الحقيقي يستند إلى الله "الحكيم" وعلم الطب يستند إلى اسم الله "الشافي"، وعلم الهندسة يستند إلى اسم الله "المقدر"، وهكذا كل علم من العلوم يستند إلى اسم من أسماء الله الحسنى وينتهي إليه، كما أن حقيقة جميع العلوم وحقيقة الكمالات البشرية وطبقات الكمّل من البشر، تستند كلها إلى الأسماء الإلهية الحسنى" [31]

ب- المقصد والغاية:

إن الغاية من الالتزام بالأخلاق وفقا للمنظور الإسلامي فهي تتمثل في:[32]

  1. اكتساب مرضاة الله تعالى الخالق الرازق المنعم المحي المميت الذي يجازي على الحسنة بأضعافها، ويجازي على السيئة بمثلها.

2-تحقيق أقساط من السعادة المستطاعة التحقيق في ظروف الحياة الدنيا، وهي أنواع السعادة التي تمنحها سنن الله في كونه، الشاملة لجميع خلقه، من امن به منهم ومن كفر به، والنجاة من أقساط من الشقاوة التي تجلبها الجرائم والجنايات وفق سنن الله في كونه، الشاملة لجميع خلقه من امن به منهم ومن كفر به.

ج- الدافع للالتزام بالأخلاقيات:

يمكن القول أن الدافع الإسلامي للالتزام بالأخلاق هو تحقيق النجاح الدنيوي والفلاح الأخروي، خاصة وأن هناك من الأحاديث النبوية التي تشير إلى أن الدرجة الرفيعة في المصير الأخروي لا يدركها إلا من حسن خلقه، مصداقا لقول المصطفى-صلى الله عليه وسلم-:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي.

 

خاتمة

عندما نسأل أنفسنا أسئلة صريحة لا لف فيها ولا دوران:

لماذا يتخلف المسلمون عن أخبار التقدم العلمي والتكنولوجي، وفي المقابل يتقدم غيرهم؟

لماذا تقتصر المخترعات العلمية أو تكاد على غير المسلمين؟

عندنا دين يقسم بالقلم، ولكن غيرنا من اخترع المطبعة؟

وقراننا فيه سورة باسم النور، وآية قرآنية منه تشير إلى المصباح، ولكن غيرنا من تحمل عناء اختراع المصباح؟

قراننا يحوي سورة باسم "الحديد"، ولكن غيرنا من برع في استخراج الثروات من أراضينا؟

ديننا يحظ على الإعداد ما استطعنا من قوة، ولكن الصناعات الحربية كلها لدى غيرنا؟

ديننا يأمرنا بالسير في الأرض، لكن غيرنا من اكتشف أمريكا، وفرض لغاته في أقطارها؟

قراننا يقول "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، ولكن علم الأنفس وعلم الآفاق عند غيرنا؟

ألا تدل هذه الأسئلة وغيرها على أننا متخلفون حقا عن صناعة الحياة

ولكن كيف السبيل إلى تجاوز هذه الوضعية في ضوء الخواطر التي أوردها الإمام النورسي عن معجزات الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

تتعدد مجالات صناعة الحياة، وكل مجال يتخصص فيه المسلم إلا وهو يمثل تجليا لاسم من أسماء الله الحسنى، وما على الفرد إلا الاجتهاد والإخلاص في العمل لكي يناله طيف من تجليات أسماء الله الحسنى في الكون.

وهنا يكون المسلم قد تحقق بالدور المطلوب منه، وهو ما قد يرشحه للثواب الجزيل عند الخالق سبحانه وتعالى، لأنه كان عبدا لله أولا وسيدا في الكون ثانيا وهذا ما تتميز به صناعة الحياة عند المسلم على خلاف ما يميز صناعة الحياة عند غيره ممن تطلعوا لخدمة ديانات محرفة أو إيديولوجيات مضللة.

إن صناعة الحياة بإخلاص وتجرد تحقيق للعبودية لله والسيادة في الكون

إن صناعة الحياة بإخلاص وتجرد استمرارية لرسالة الأنبياء في خدمة الدين

إن صناعة الحياة بإخلاص وتجرد إسهام في نهضة الأمة وإخراج لها من دائرة التراجع الحضاري

 

--------------------------

[1] محمد أحمد الراشد، صناعة الحياة، متاح على الموقع: www.freewebs.com/nooriddin/sean3at_al_7ayah.pdf

[2] الكلمات، ص 890

[3] االمرجع السابق، ص 892

[4] محمد أحمد الراشد، مرجع سابق

[5] سورة فصلت، الآية 53

[6] خالد الصمدي، التربية الإسلامية والبعد الاستراتيجي لقضايا التنمية، مجلة حراء، العدد 35، (مارس-أفريل)، 2013، ص 49

[7] رواه الترمذي بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله.

[8] Library.islamweb.net/newlibrary/display

[9] الكلمات، ص 276

[10] المرجع السابق، ص 148

[11] المرجع السابق، ص 686

[12] سورة العنكبوت الآية 29

[13] سورة البقرة، الآية 44

[14] عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، الأخلاق الإسلامية وأسسها، دمشق، دار القلم ، ص 113

[15] بديع الزمان النورسي، الكلمات، ص 278

[16] عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، مرجع سابق ، ص29

[17] الكلمات، ص 528

[18] محمد الغزالي، ركائز الإيمان بين العقل والقلب، الجزائر، دار الهناء للطباعة والنشر، دت، ص8

[19] عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، مرجع سابق، ص 55

[20] المرجع السابق، ص 55

[21] عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، مرجع سابق، ص 13

[22] www.dahsha.com/uploads/rasaelnoornoursi/HUTBE.pdf

[23] المرجع السابق، ص267

[24] الكلمات، ص 345

[25] أبو الأعلى المودودي ، منهج الحياة الإسلامية، ترجمة أحمد عبد الرحمن، دار التوزيع، 2006 ، ص 37

[26] صيقل الإسلام، ص 428

[27] اللمعات، ص 239

[28] رواه الترمذي بإسناد صحيح عن أبي الدرداء.

[29] الكلمات، ص 629

[30] عبد الرحمن عزي، حفريات في الفكر الإعلامي القيمي، تونس، الدار المتوسطية للنشر، 2011، ص 40

[31] الكلمات، ص 730

[32] عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، مرجع سابق، ص ص 88، 89

 

 


21-) دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في رسائل النور دراسة وتحليل

 

 

دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في رسائل النور

دراسة وتحليل

 

د. عبد السميع محمد الأنيس 

كلية الشريعة- جامعة الشارقة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن موضوع دلائل النبوة من الأهمية بمكان لتعلقها بإثبات نبوة محمد ﷺ، وأنه رسول الله، وقد تصدى للكتابة في هذا الموضوع المحققون من العلماء قديماً وحديثاً.

وفي القرن الماضي عندما عصفت بالأمة رياح الانبهار بالمناهج المادية الوضعية، الوافدة من الغرب، ومحاولة تطبيقها على الموروثات الدينية النقلية، وشاع فيها روح التقليد للعادات والتقاليد الغربية؛ انبرى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي[1] للكتابة في هذا الموضوع الخطير، مبتغياً من وراء ذلك تثبيت حقائق الإيمان في العقول التائهة، والنفوس المرهقة، ومبيناً أهمية السنة النبوية، وضرورة اتباعها في مجالات الحياة كافة.

إن الأستاذ النورسي رحمه الله كان يرى أن النبوة مقصد من مقاصد القرآن الكريم، وأنها ضرورية للحياة البشرية ضرورة الغذاء والهواء والماء والضياء، بل يرى أنها ضرورية للحياة الكونية كلها؛ "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[2].

 وهو يرى كذلك أنها من الأهمية بمكان لنتائجها، وذلك لأن كل مسألة من مسائل السنة النبوية في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن، وهي كمفتاح مصباح يضيء ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة.

ولهذا كان من الأهمية بمكان دراسة هذا الموضوع، وتحليله، وإلقاء الضوء على منهجية المؤلف في تناوله، وخصائص منهجه، وإبراز الإضافات التي أضافها.

مصادر البحث:

اعتمدت في كتابة هذا البحث في الدرجة الأولى على كليات رسائل النور التي كتبها الأستاذ سعيد النورسي، وقد ظهر لي أنه بحث موضوع دلائل النبوة في عدد من الرسائل، وفي أماكن متفرقة، محاولاً إثبات نبوة محمد ﷺ بدلائل قاطعة، ونجد ذلك في كل من:

  1. "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز"[3].
  2. رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ ، المطبوع ضمن كتابه: المثنوي العربي النوري[4].
  3. شعاعات من معرفة النبي ﷺ.[5]
  4. وما كتبه في الكلمتين التاسعة عشرة، والحادية والثلاثين.
  5. وما كتبه في رسالة الشعاع السابع، ورسالة الشعاع الخامس عشر.[6]
  6. وفي اللمعة الحادية عشرة، واللمعة الثلاثون إشارات مهمة في هذا الموضوع.
  7.  وما كتبه في المكتوب التاسع عشر من المكتوبات؛ فقد أفرد رسالة قيمة في هذا الموضوع، سماها: المعجزات الأحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

  وهو أوسع بحث له؛ فقد بيّن في هذه الرسالة أكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزات الرسول الأكرم ﷺ الدالة على صدق رسالته، علماً بأن تأليفها كان اعتماداً على الذاكرة فقط، من دون مراجعة لمصدر، وقد كُتبت في زوايا الجبال وبواطن الوديان والبساتين، خلال ما يقرب من أربعة أيام وبمعدل ثلاث ساعات يومياً، أي: في اثنتي عشرة ساعة!.

ويلاحظ من المادة العلمية أن المؤلف اعتمد فيها على كتب السنة النبوية لا سيما كتاب دلائل النبوة للبيهقي، وكتاب الشفا للقاضي عياض، يظهر ذلك من خلال إشارات المؤلف إلى ذلك، كما أنه اعتمد مصادر أخرى، ومنها كتب معاصرة.

 

 أما خطة البحث، فقد اشتمل على مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة:

المبحث الأول: دراسة دلائل نبوة محمد ، التي تابع فيها النورسي غيره، وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: القرآن الكريم.

المطلب الثاني: شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية.

المطلب الثالث: المعجزات التي أكرمه الله بها.

المطلب الرابع: الإرهاصات.

 المطلب الخامس: الشريعة التي بعث بها.

المبحث الثاني: دراسة دلائل نبوة محمد ، التي أضافها، وفيه سبعة مطالب، وهي:

المطلب الأول: حقائق الإيمان تشهد على نبوته ﷺ.

المطلب الثاني: أسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون تقتضي نبوته.

المطلب الثالث: تأثيره في العالم.

المطلب الرابع: شهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته ﷺ.

المطلب الخامس: شهادة الكون على نبوته ﷺ.

المطلب السادس: نظام عالم الحيوان يدل على نبوته ﷺ.

المطلب السابع: الحياة تشهد لنبوته ﷺ.

المبحث الثالث: التحليل، وفيه خمسة مطالب، وهي:

المطلب الأول: أهمية دلائل النبوة، وضرورة بحثها.

المطلب الثاني: منهجية المؤلف في تصنيف دلائل النبوة.

المطلب الثالث: خصائص منهجه في كتابة الدلائل.

المطلب الرابع: أسلوبه.

المطلب الخامس: قواعد وضوابط نافعة في فهم الدلائل خاصة، وفي فهم السنة عموماً.

 

المبحث الأول: دراسة دلائل نبوة محمد ، التي تابع فيها غيره:

أفردت هذا المبحث لدراسة دلائل نبوة محمد ﷺ ، التي تابع فيها غيره، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن المؤلف كانت له إضافات متميزة سواء في الأفكار التي طرحها، أو في طريقة عرضها، وهي لا تخفى على الدارس المتأمل، وجعلت ذلك في خمسة مطالب:

المطلب الأول: القرآن الكريم:

إن هذا الدليل هو أقوى الأدلة، بل إن الله قد صرح برسالته تصريحاً لا لبس فيه، وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...﴾  (الفتح: 28ــ 29) ولهذا نجد المؤلف قد استفتح بهذه الآية الكريمة في مطلع رسالته: المعجزات الأحمدية. وفي هذا يقول: "إن القرآن الكريم الذي هو بحر المعجزات، والمعجزة الكبرى يثبت النبوة الأحمدية، والوحدانية الإلهية إثباتاً، ويقيم حججاً، ويسوق براهين، ويبرز أدلة تغني عن كل برهان آخر"[7].

ويقول أيضاً: ".. إن منح ذات الرسول الكريم ﷺ أعظم مقام، وأسماه في القرآن الكريم، وجعل "محمد رسول الله" الذي يتضمن أربعة من أركان الإيمان مقروناً بـ"لا اله الا الله" دليل - وأيّ دليل - على أن الرسالة المحمدية هي أكبر حقيقة في الكون"[8].

بل إنه يرى: "أن القرآن الكريم وحده يظهر ألفاً من البراهين على نبوته ﷺ، عدا إعجازه البالغ أربعين وجهاً"[9]. وقد تستغرب من قوله هذا، ولكنه بينه في مكان آخر حيث قال:

"إن ما أنبأ به الرسول الكريم ﷺ من أنباء الغيب بتعليم من الله علام الغيوب كثيرٌ لا يعد ولا يحصى، وقد أشرنا إلى أنواعه في "الكلمة الخامسة والعشرين" الخاصة بإعجاز القرآن، وسقنا هناك براهينه؛ لذا فالأخبار الغيبية المتعلقة بالأزمنة السالفة، والأنبياء السابقين، وحقائق الألوهية، وحقائق الكون، وحقائق الآخرة يُراجع في شأنها تلك الكلمة"[10].

وهو يرى: "أن القرآن بجميع معجزاته معجزة للرسول ﷺ.."[11]. إن من مقتضيات اسم الله المتكلم أن يكلم البشر، ولهذا اصطفى مَن هو أهل للخطاب من الكاملين، ثم اصطفى من هؤلاء الكاملين محمداً رسولاً، وشرفه بهذا القرآن ليكون دليلاً على نبوته، وقد بين المؤلف ذلك بياناً شافياً[12].

                              

المطلب الثاني: شخصية النبي الذاتية والمعنوية تشهد على نبوته:

من الأدلة الأنفسية على صدق نبوته ﷺ: شخصيته الذاتية والمعنوية، وقد أبدع المؤلف أيما إبداع وهو يتحدث عن هذا الدليل سواء في الأفكار التي أضافها، أو في الأسلوب، ونيبن ذلك في الأدلة الآتية:

الدليل الأول: ذاته المباركة: "إن أعظم معجزة للرسول الكريم ﷺ بعد القرآن الكريم هو ذاته المباركة،  أي: ما اجتمع فيه ﷺ من الأخلاق السامية والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداء والأولياء على أنه أعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلاً[13]. ثم قال: "نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب "الشفا في حقوق المصطفى" للقاضي عياض المغربي، فقد أجاد فيه حقاً في بيانها أيّما إجادة وأثبتها في أجمل تفصيل".

وقال أيضاً: "أي: هو كالشمس دليل بنفسها. كما يدل عليها فيوضات العالم الإسلامي النابعة من دينه ﷺ، وحقائق الإسلام العظيم. فلاشك أن ذلك النبي الكريم بذاته ﷺ يشهد شهادة واسعة كلية ساطعة على رسالته نفسه"[14].

الدليل الثاني: شخصيته المعنوية العظيمة:

يقرر المؤلف أن ما يُعرّف لنا ربَّنا هو ثلاثة معرّفين أدلاّء عظام: كتاب الكون، والآية الكبرى لهذا الكتاب العظيم، وهو خاتم ديوان النبوة ﷺ ، والقرآن الحكيم.

ثم يتحدث عن هذه الشخصية المعنوية فيقول: "إن ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة. فإن قلت: ما هو؟ وما ماهيته؟

قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الأرض مسجده، ومكةُ محرابه، والمدينة منبره.. وهو إمام جميع المؤمنين يأتمون به صافّين خَلْفَه.. وخطيب جميع البشر يبيّن لهم دساتير سعاداتهم.. ورئيس جميع الأنبياء يزكّيهم، ويصدّقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم.. وسيد جميع الأولياء يرشدهم ويربّيهم بشمس رسالته.."[15].

وهو يرى: "أن متصرف هذا العالم، ومدبّر شؤونه جعل رسالة محمد ﷺ شمساً معنوية للكون.. وجعله أحسن قدوة، وأعظم مرشد، وأكرم سيدٍ للبشرية قاطبة، بدلالة آثاره في الحياة الاجتماعية والمعنوية، والبشرية، وجعل البشرية محتاجة إلى دينه، وشريعته، وحقائقه التي أتى بها في الإسلام حاجتها إلى الرحمة، والحكمة، والعدالة، والغذاء، والهواء، والماء، والضياء.. كل هذه الحجج الكلية القاطعة البالغة اثنتا عشرة حجة، شهادة سامية رفيعة على الرسالة المحمدية.."[16].

إن الأستاذ النورسي يستدل على صدق نبوة محمد ﷺ بالأثر الذي أحدثه في العالم بحيث صار سطح الأرض مسجده، وقديماً تنبه لما يشبه هذا الاستدلال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي (ت 513هـ)، فقد جاء عنه أنه قال: "لو اجتمعتُ برئيس الباطنية سلكتُ معه طريقَ الإِزراء على عقله وعقول أتباعه. فكنت أقول: للآمال طرق ووجوه، ووَضْعُ الأمل في جهة الإِياس حُمْقٌ. وقد طبَّقت شريعة الإِسلامُ الأرضَ وتمكنت. فلها مَجْمَع كلَّ سنة بعرفه، وكل أسبوع في الجمعة، ومجامع في المساجد.

فمتى تحدِّثون أنفسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتَمْحِيق هذا الأمر الظاهر في الآفاق، وكلَّ يوم يؤذَّن على مائتي ألف منار باسم هذا الرسول. وغاية ما أنتم عليه حديثٌ في خلوة، لو ظهر لم يُؤْمَن هلاك قائله. فلا أعرفُ أحمقَ منكم "[17].

الدليل الثالث: سيرته وصورته تثبت صدقه: قال رحمه الله: "إن دلائل صدق الرسول ﷺ، وبراهين نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون أن جميع حركاته، وأفعاله، وأحواله، وأقواله، وأخلاقه، وأطواره، وسيرته، وصورته، كل ذلك يثبت إخلاصَه وصدقَه. حتى آمن به كثير من علماء بني إسرائيل بمجرد النظر إلى طلعته البهية، أمثال: عبد الله بن سلام الذي قال: "فلما اسْتَبنتُ وجهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كاذب"[18].

الدليل الرابع: إن خطابه تسمعه العصور جميعاً:

إن الرسول الحبيب ﷺ، يتكلم باسم عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الشهادة، معلناً على رؤوس الأشهاد من الجن والأنس، مخاطباً الأقوام المتراصين وراء العصور المقبلة، فيناديهم جميعاً نداء رفيعاً سامياً يسمعهم قاطبة في جميع الأعصار أينما وجدوا، وحيثما كانوا... نعم .. نعم نسمع!. إن خطابه هذا رفيع إلى حد تسمعه العصور جميعاً.. نعم، إن كل عصر يسمع رجع صدى كلامه. وقد أعلن دعوته جهاراً بكل ما آتاه الله من قوة حتى جعل نصف الأرض، وخمس البشرية يلبون أوامره، ويقولون لكل كلمة صدرت منه: سمعنا وأطعنا.

الدليل الخامس: يبلّغ بكل ثقة واطمئنان، وبلا تردد ولا اضطراب حتى عندما تحدق به المخاطر، ويتحدى وحده العالم كله: إننا نرى في أحواله وسيرته المطهرة أنه يرى ثم يبلّغ في ضوء ما يرى، لأنه يبلّغ حتى عندما تحدق به المخاطر، بلا تردد ولا اضطراب، وبكل ثقة، واطمئنان، بل قد يتحدى وحده العالم كله.

الدليل السادس: تربيته راسخة، ودساتيرها تنقش في جباه العصور وصحائف الأقطار: إنه يدعو بإخلاص كامل، وبجدية تامة فيرّبي تربية راسخة، بحيث إن دساتيرها تنقش في جباه العصور، وصحائف الأقطار، ووجوه الدهور"[19].

ومن ذلك تربيته لأصحابه: قال المؤلف: "فإن شئت أن تعرف أنَّ ما يحرّكه إنما هو قوة قدسية، فانظر إلى إجراآته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، كيف رفع هذا الشخص جميعَ أخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهّزهم بأخلاق حسنة عالية؛ فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأساتيذ الأمم المتمدنة.."[20].

الدليل السابع: قدرته الفائقة على تغيير العادات الاجتماعية:

قال المؤلف: "من المعلوم أن رفعَ عادةٍ صغيرة - كالتدخين مثلاً - من طائفة صغيرة بالكلية، قد يَعْسَرُ على حاكم عظيم، بهمّةٍ عظيمة، مع أنا نرى هذا النبي الكريم ﷺ قد رفع بالكلّية، عاداتٍ كثيرة، من أقوام عظيمة، متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسيّاتهم، رفعها بقوةٍ جزئية، وهمّة قليلة في ظاهر الحال، وفي زمان قصير، وغَرَسَ بدَلَها برسوخ تامٍ في سجيتهم عادات عالية، وخصائلَ غالية.."[21].

الدليل الثامن: قوته النفسية في تبليغ الحق، وإظهار الحقيقة:

قال المؤلف: "اعلم! إن كنت عارفاً بسجية البشر أنه لا يتيسّر لعاقل أن يدّعي - في دعوىً فيها مناظرة - كذباً يخجل بظهوره، وأن يقوله بلا حرج وبلا تردد وبلا اضطراب يشير إلى حيلته، وبلا تصنع وتهيج يوميان إلى كذبه، أمام أنظار خصومه النقّادة..

نعم! إن الحق أغنى من أن يَدلس، ونظر الحقيقة أعلى من أن يُدلس عليه! نعم! إن مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرَه النفّاذ منزّهٌ من أن يلتبس عليه الخيالُ بالحقيقة"[22].

الدليل التاسع: أنه استطاع أن يحوِّل الكائنات، والإنسان من العبثية، والتفاهة، وملعبة المصادفة إلى الحكمة، وصيَّر ليلَ البشر نهاراً، وشتاءه ربيعاً؛ فكأن الكائنات تبدَّل شكلُها فصار العالَم ضاحكاً مسروراً بعدما كان عبوساً قمطريراً..[23].

الدليل العاشر: صدقه في صلاته وتضرعاته ودعائه:

قال المؤلف: "فإن شئت فانظر إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة وسعتها صيّرت هذه الجزيرة بل الأرض مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظر إنه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجة كأنه هو إمامٌ في محراب عصره، واصطفَّ خلفَه مقتدين به جميعُ أفاضل بني آدم، من آدم(عليه السلام) إلى هذا العصر إلى آخر الدنيا في صفوف الأعصار مؤتميّن به، ومؤمِّنين على دعائه... "[24].

وقال أيضاً: "وقد أظهر عبودية وعبادة عظيمتين بحيث وحّد المبدأ والمنتهى، من دون تقليد لأحد، ملاحظاً أدق أسرار العبادة، ومراعياً لها حتى في أشد الأوقات اضطراباً، وأدَّاها على أتم وجه وأتقنه.. وهذه حالة لا مثيل لها. وكذا قد تضرع إلى خالقه الكريم ودعا دعوات لطيفة رقيقة بحيث لم يبلغ أحد مرتبة تلك الدعوات والمناجاة إلى هذا الزمان برغم تلاحق الأفكار"[25].

المطلب الثالث: المعجزات التي أكرمه الله بها:

1- ثبوتها، وأهميتها: "هذه المعجزات بمجموعها الكلي ثابتة قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، حتى إن إسناد المعجزات إلى السحر الذي يورده القرآن الكريم في مواضع كثيرة على لسان الكفار الألداء ليشير إلى أنهم لم ينكروا وقوع المعجزات ولم يسعهم ذلك، وإنما أسندوها إلى السحر خداعاً لأنفسهم وتغريراً بأتباعهم[26].

 وقد فصَّل المؤلف في ثبوت المعجزات كثيراً، وفي عدد من المواضع، علماً بأنه توسع في بحثه في الأساس الثالث من الأسس التي قدمها بين يدي رسالته المعجزات الأحمدية، ولا غرابة في ذلك؛ لأن المؤلف أراد أن يثبت حقائق الإيمان في عصر الانبهار بالمناهج المادية الوضعية، الوافدة من الغرب، ومحاولة تطبيقها على الموروثات الدينية النقلية[27]. وهو يرى أن هذه المعجزات بأنواعها تمثل برهـاناً قوياً لا يـتزلـزل على النـبوة الصادقة.

2- عددها: يقول المؤلف رحمه الله: "لقد أعلن الرسول الكريم ﷺ النبوة، وقدّم برهاناً عليها، وهو القرآن الكريم، وأظهر نحو ألفٍ من المعجزات الباهرة، كما هو ثابت لدى أهل التحقيق من العلماء"[28].

 3- طبيعتها: إن معجزات الرسول ﷺ كثيرة جداً ومتنوعة جداً، وذلك لأن رسالته عامة وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزات تشهد له، ولنوضح ذلك بمثال: لو قَدِم سفير كريم من لدن سلطان عظيم لزيارة مدينة عامرة بأقوام شتى، حاملاً لهم هدايا ثمينة متنوعة، فإنَّ كل طائفة منهم ستُوفد في هذه الحال ممثلاً عنها لاستقباله باسمها، والترحيب به بلسانها.

كذلك لما شرَّف العالَم السفيرُ الأعظم ﷺ لملك الأزل والأبد، ونوَّره بقدومه مبعوثاً من لدن رب العالمين إلى أهل الأرض جميعاً، حاملاً معه هدايا معنوية، وحقائق نيّرة تتعلق بحقائق الكائنات كلها، جاءه من كل طائفة مَن يرحِّب بمقدمه، ويهنؤه بلسانه الخاص، ويقدِّم بين يديه معجزة طائفته تصديقاً بنبوته، وترحيباً بها، ابتداء من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاء بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلاً منها يردد بلسان الحال: أهلاً ومرحباً بمبعثك"[29].

4- أهم المعجزات بعد القرآن عند المؤلف:

    لابد من الإشارة إلى أن أهم معجزتين بعد القرآن عند المؤلف هما المعراج، وانشقاق القمر، بدليل أنه أفرد لهما رسالتين، وقد أشار إلى ذلك في رسالة المعجزات الأحمدية[30].

 وهو يرى: "أن الرسول الكريم ﷺ أظهر المعجزة العظمى معجزة "المعراج" لأهل السماء كما أظهر لأهل الأرض معجزة "انشقاق القمر".

5- أنواعها، وعبقرية المؤلف في حسن تصنيفها:

   مما يتميز به المؤلف رحمه الله القدرة الفائقة على الترتيب والتقسيم، وضم النظير إلى نظيره، وقد ظهر ذلك واضحاً في بحثه للمعجزات؛ فقد صنفها في خمسة عشر نوعاً، وقد ذكر شواهد على كل نوع منها، ومن أراد الاطلاع عليها فهي مفصلة في رسالة المعجزات الأحمدية. وهي كالآتي:

النوع الأول: إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلية، وفيه ما يقارب من (70) شهادة.

النوع الثاني: المعجزات النبوية التي تخص بركة الطعام[31]، وفيه(16) شاهداً.

النوع الثالث: المعجزات التي تتعلق بالماء[32]، وفيه تسعة شواهد، وهذه المعجزة كما يقول المؤلف: "أعظم وأسمى من تفجير موسى عليه السلام الماء من اثنتي عشر عيناً من الحجر؛ لأن انفجار الماء من الحجر شيء ممكن له نظيره حسب العادة، ولكن لا نظير لفوران الماء من اللحم والعظم كالكوثر السلسبيل[33].

 

النوع الرابع: امتثال الأشجار لأوامره [34].

النوع الخامس: معجزة حنين الجذع[35]، قال المؤلف رحمه الله: "لم يتحمل الجذع فراقه ﷺ، وحينما كان الحسن البصري يحدّث بهذا طلابه يبكي ويقول: "يا عباد الله! الخشبةُ تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه". ونحن نقول: نعم! إن الاشتياق إليه ومحبته إنما هو باتباع سنته السنية، وشريعته الغراء[36].

النوع السادس والنوع السابع: المعجزة النبوية في الأحجار، والجبال من الجمادات[37]، وذكر فيه ثمانية شواهد.

النوع الثامن: قدرته على التصرف في التراب وغيره[38].

لم يصرح المؤلف بهذا العنوان، ولكنه قال: أمثلة ثلاثة مهمة ترتبط بالإشارة الحادية عشرة، وقد ذكر في هذا النوع ستة شواهد.

النوع التاسع: شفاء المرضى والجرحى بنفثه المبارك،[39] وذكر فيه (14) شاهداً، ستة منها تتعلق بالأطـفال، وهي إشارة جميلة تفرد المؤلف بذكرها.

النوع العاشر: الخوارق التي ظهرت بدعائه [40]. وقد ذكر في هذا النوع (40) شاهداً من الشواهد التي تدل على إجابة دعائه، وقد صنفها في تسعة أنواع.

النوع الحادي عشر: معرفة جنس الحيوان للنبي وإظهاره معجزاته،[41] وذكر فيه خمسة شواهد.

النوع الثاني عشر: معرفة الموتى للرسول الكريم ، وقد ذكر أربعة شواهد،[42]

النوع الثالث عشر: خدمة الملائكة للنبي ، وظهورهم له[43]، وذكر فيه عشرة شواهد،

ثم قال المؤلف بعد أن أورد الشواهد: "فأمثلة رؤية الملائكة هذه كثيرة جداً، وجميع هذه الوقائع تظهر نوعاً من المعجزات الأحمدية، وتدل على أن الملائكة تحوم كالفراش حول نور نبوته".

النوع الرابع عشر: إيمان الجن به ، وطاعتهم له، وقد ذكر فيه ثلاثة شواهد.

 قال المؤلف: "وأما خدمة الملائكة للنبي ﷺ وظهورهم له وإيمان الجن به وطاعتهم له، فهو ثابت بالتواتر، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته الكريمة، وكانت خمسة آلاف من الملائكة طوع أمره - كالصحابة الكرام - في غزوة بدر كما ورد في القرآن الكريم"[44].

النوع الخامس عشر: عصمة الله تعالى للرسول الكريم وحفظه له من أذى الناس،[45] وهي معجزة باهرة، وحقيقة جلية نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (المائدة: 67) وقد ذكر فيه سبعة شواهد.

 

المطلب الرابع: الإرهاصات:

وهي الخوارق التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها.

الدليل الأول: ما أخبرت به التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء عليهم السلام عن نبوة محمد ﷺ، وهو ثابت بنص القرآن الكريم[46]. وهي من الإرهاصات: أي: الخوارق التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها.

   ثم استدل بثلاث حجج قاطعة تدل على وجوده:

الحجة الاولى: إن الرسول ﷺ تلى عليهم آيات كريمة يتحداهم بها، ومع هذا لم يتقدم حبر من أحبار اليهود، ولا قس من قسس النصارى إلى إظهار خلاف ما يقوله ﷺ، ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال، وتخريب الديار.

الحجة الثانية: لقد خالطت آيات التوراة والانجيل والزبور كلماتٌ غريبة عنها، لتوالي ترجماتها، والتباس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة مع آياتها، فضلاً عن التحريف فيها كما بين ذلك العلامة المشهور رحمة الله الهندي[47]. ومع ذلك فقد استخرج في هذا العصر العالم المشهور حسين الجسر مائة وعشرة أدلة في كتابه "الرسالة الحميدية"

ثم إن كثيراً من علماء اليهود والنصارى قد أقروا: أن في كتبنا أوصاف النبي محمد ﷺ، منهم هرقل من ملوك الروم، وصاحب مصر المقوقس، وابن صوريا، وابن أخطب، وأخوه كعب بن أسد، والزبير بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ورؤسائهم".

إيمان كثير من مشاهير علماء اليهود والنصارى بالإسلام بعدما رأوا أوصاف النبي ﷺ في كتبهم..".  ثم ذكر ما يقارب من عشرين رجلاً منهم.

الحجة الثالثة: وجود آيات من التوراة والإنجيل والزبور التي تبشر بالرسول ﷺ، وقد ذكر عشرين نصاً منها[48].

الدليل الثاني: أخبار الكهان والأولياء العارفين بالله في عهد الفترة[49]- أي قبل البعثة النبوية-،  والهواتف[50] وبعض ذبائح النُّصب، وبعض الأحجار، وشواهد القبور، وهي من الإرهاصات، وهي كثيرة جداً، قال المؤلف: "فلا نذكر منها الاّ ما هو منتشر ومشهور ومقبول لدى رجال السير والتأريخ"، وقد ذكر ما يقارب من عشرين شاهداً.

الدليل الثالث: الآيات والحوادث التي ظهرت عند مولده ﷺ،[51] وهو يرى أن كل نوع من المخلوقات قد أظهر معجزاته بما يشبه الترحيب به، وكأنه يقول بلسان المعجزة: أنت صادق في دعوتك". وهي كثيرة جداً، وقد ذكر عشرة شواهد، ثم قال: "لقد ظهرت حوادث كثيرة وأشخاص كثيرون لتأييد نبوة محمد ﷺ قبل بعثته".

المطلب الخامس: الشريعة التي بعث بها:

من المباحث المهمة التي أشار المؤلف إليها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالشريعة التي بعث بها فهو يرى أن "الشريعة الغراء التي لم يأت ولا يأتي مثلها هي معجزة أخرى عظيمة للرسول الكريم ﷺ حتى اتفق الأعداء والأصدقاء عليها.. ثم أضاف قائلاً: "نحيل تفصيل هذه المعجزة وبيانها إلى جميع ما كتبناه من "الكلمات" الثلاث والثلاثين، و"المكاتيب" الثلاثة والثلاثين و"اللمعات" الاحدى والثلاثين و"الشعاعات" الثلاثة عشر[52]. وقال أيضاً: "نعم، إنه مع كونه أمياً لم يتعلم القراءة والكتابة، فقد أتى بدين أوقع عقلاء أربعة عشرة قرناً وفلاسفتها في حيرة وإعجاب وانبهار، وفاق الأديان السماوية، وقد أظهره دفعة واحدة من دون أن يكون له تجربة مسبقة .. وهذه حالة لامثيل لها. وقد أتى بشريعة غراء عظيمة بحيث أدارت بقوانينها العادلة خمس البشر طوال أربع عشرة قرناً من الزمان إدارة حققت له الرقي المادي والمعنوي، وهذه حالة لا مثيل لها"[53].

المبحث الثاني: دراسة دلائل نبوة محمد ، التي أضافها:

    أفردت هذا المبحث لدراسة دلائل نبوة محمد ﷺ، التي أضافها المؤلف، وهي بحق إضافات متميزة كانت حصيلة فكره النير، وفهمه الوقاد، وسأجعل ذلك في سبعة مطالب، وهي:

المطلب الأول: حقائق الإيمان تشهد على نبوته:

   من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بحقائق الإيمان، وبيان ذلك بالآتي:

الأول: شهادة جميع حقائق الإيمان على تصديقه:

"أي: إن حقائق أركان الايمان الستة، وتحققها، وصدقها، وصوابها تشهد شهادة قاطعة على رسالة محمد ﷺ، وعلى صدقه وصوابه؛ لأنَّ الشخصية المعنوية لحياة رسالته، وأساس جميع دعاواه، وماهية نبوته، إنما هي تلك الأركان الستة، لذا فإن جميع الدلائل الدالة على تحقق تلك الأركان تدل أيضاً على أن رسالة محمد ﷺ حق وأنه صادق مصدَّق.  وكما بينت رسالة "الثمرة" وذيول "الكلمة العاشرة" دلالة سائر الأركان الإيمانية على تحقق الآخرة، كذلك كل ركن من الأركان بحججه معاً حجة على رسالته ﷺ"[54].

الثاني: جميع البراهين التي تثبت التوحيد، أدلة على صدق نبوته:

"إن هذا التوحيد الحقيقي، بجميع مراتبه، وبأتم صورته الكاملة، قد أثبته وأعلنه، وفهّمه، وبلّغه محمد ﷺ، فلابد أن رسالته ثابتة وقاطعة كقطعية ثبوت التوحيد نفسه؛ لأنه: لما كان التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود، وأن الرسول الأعظم ﷺ هو الذي تولى تبليغه وتعليمه بجميع حقائقه، فلابد أن جميع البراهين التي تثبت التوحيد، تكون بدورها براهين لإثبات رسالته، وأدلة على صدق نبوته، فمَن ذا غير محمد ﷺ الذي أدىّ الأمانة على أفضل وجه، وبلّغ الرسالة على أجمل صورة؟[55].

 الثالث: التلازم بين الأركان الإيمانية، وشهود الكائنات:

”اعلم! إن بين الإيمان بالله، والإيمان بالنبيّ ﷺ، والإيمان بالحشر، والتصديق بوجود الكائنات تلازماً قطعياً، وارتباطاً للتلازم في نفس الأمر بين وجوب الألوهية، وثبوت الرسالة، ووجود الآخرة، وشهود الكائنات بدون غفلة“[56].

الدليل الرابع: إثبات نبوة الأنبياء تثبت نبوة محمد :

قال رحمه الله: "ولما كانت النبوة محققة وثابتة في الجنس البشري، وأن مئات الألوف من البشر جاءوا فأعلنوا النبوة[57]، وقدّموا المعجزات برهاناً وتأييداً لها، فلا شك أن نبوة محمد ﷺ تكون أثبت وآكد من الجميع؛ لأن مدار نبوة الأنبياء، وكيفية معاملاتهم مع أممهم، والدلائل، والمزايا، والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال موسى وعيسى عليهما السلام توجد بأتم صورها، وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم ﷺ. وحيث إن علة حكم النبوة وسببها أكمل وجوداً في ذاته ﷺ، فإنَّ حكم النبوة لا محالة ثابت له بقطعية أوضح من سائر الأنبياء عليهم السلام"[58].

المطلب الثاني: أسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون تقتضي نبوة محمد:

ومن المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون، وفي هذا يقول: "يصح أن يقال: إن اسم الله "الحكم" و"الحكيم" يقتضيان بداهة نبوة محمد ﷺ ورسالته، ويدلان عليها ويستلزمانها.

 نعم! مادام الكتاب البليغ بمعانيه ومراميه، يقتضي بالضرورة معلماً بارعاً لتدريسه، والجمال الفائق يقتضي مرآةً يتراءى فيها، ويُري بها جمالَه وحُسنه، والصنعةُ البديعة تستدعي منادياً داعياً إليها فلابد أن يوجد بين بني البشر- الذي هو موضع خطاب كتاب الكون .. رائدٌ أكمل، ومعلمٌ أكبر، ليرشد الناس إلى ما في ذلك الكتاب الكبير من حِكم .. لذا فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته.

   ثم قال: إن أغلب الأسماء الحسنى؛ "الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب" وأمثالها، تستلزم الرسالة الأحمدية في أعظم تجلياتها وإحاطتها بالكون كله، استلزاماً قاطعاً لا ريب فيه. فمثلاً: إن الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم "الرحيم" تظهر بوضوح بمَن هو "رحمة للعالمين".. وإن التحبب الإلهي، والتعرف الرباني- اللذين هما من تجليات اسم "الودود" - يفضيان إلى نتيجتهما ويجدان المقابلة بــ حبيب رب العالمين.. "[59].

المطلب الثالث: تأثيره في العالم

من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ من خلال تأثيره في العالم، وهو وإن لم يصرح بهذا العنوان إلا أن الأمور التي ذكرت هنا تتفق معه، ولهذا سأذكر ثلاثة أمور للتدليل على ذلك:

 

الأول: سرعة انتشار دينه، وكثرة من صدقه على مر العصور:

قال المؤلف: "ثم انظر! كيف أحاط نورُهُ ودينُه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب ما يقرُب من نصف الأرض، ومن خُمس بني آدم هديةَ هدايته، بحيث تفدي له أرواحها. والسبب في ذلك أنه أصبح الشمس المعنوية للكون ..[60].

وقال أيضاً:"ولقد صدّق بنبوته مئات الألوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الألوف من الطرق"[61].

الثاني: كثرة ظهور العلماء والصالحين في أمته: يقول المؤلف: "فلنرجع القهقرى، ولننظر عصراً عصراً، كيف اخضرت تلك العصور واستفاضت من فيض هذا العصر؟ نعم، ترى كل عصر نمر عليه قد انفتحت أزاهيرُه بشمس عصر السعادة، وأثمر كلُ عصر من أمثال: أبي حنيفة، والشافعي، وأبي يزيد البسطامي، والجنيد، والشيخ عبد القادر الكيلاني، والإمام الغزالي، .. والإمام الرباني ونظائرهم ألوف ثمراتٍ منوراتٍ من فيض هداية ذلك الشخص النوراني"[62].

 الثالث: توحيده بالعبادة قلوبَ الموحدين: قال المؤلف: "إن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه.. فإن شئت فانظر إلى مثال واحد من بين ألوف الأمثلة على محاسن العبودية التي جاء بها النبي ﷺ وهو: أن النبي ﷺ يوحِّد بالعبادة قلوبَ الموحدين في صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع ألسنتهم جميعاً على كلمة واحدة. حتى يقابل هذا الإنسانُ عظمة الخطاب الصادر من المعبود الحق سبحانه بأصوات قلوبٍ وألسنةٍ لا تحد، وبدعواتها، متعاوناً متسانداً، بحيث يُظهر الجميع عبوديةً واسعةً جداً إزاء عظمة أُلوهية المعبود الحق فكأن كرة الأرض برمَّتها هي التي تنطق بذلك الذكر، وتدعو بذلك الدعاء، وتصلّى لله بأقطارها، وتمتثل بأرجائها الأمر النازل بالعزة والعظمة من فوق السموات السبع: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (البقرة: ٤٣).."[63].

 

المطلب الرابع: شهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته:

من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بشهادة الآل والأصحاب والعلماء، وبيان ذلك بالآتي:

الدليل الأول: شهادة آل محمد ﷺ، والذين هم كفو لآل إبراهيم عليه السلام في صلوات التشهد، يشهدون جميعاً وبالاتفاق، وباعتقادهم اليقيني، وبالكشفيات، والمشاهدات، وبالكرامات والإرشاد التي أظهروها في الأمة، فيصدّقون بإيمانهم الراسخ الرسالة المحمدية وصدق الرسول الكريم ﷺ[64].

الدليل الثاني: "شهادة الصحابة الكرام الذين هم أفضل الناس، وأسماهم منزلة بعد الأنبياء عليهم السلام. والذين أداروا العالم من الشرق الى الغرب بالعدل والقسطاس المستقيم بعد أن تنوّروا بنور محمد ﷺ في فترة قصيرة برغم كونهم بدوا ً وأميين. وظهروا على الدول العظمى، وغدوا أساتذة الأمم الراقية ذات الحضارات والعلم والسياسة، ومعلمين لها وسياسيين حكماء عادلين، فحوّلوا ذلك القرن إلى خير القرون وعصر السعادة. فإن إيمان هؤلاء الصحابة الكرام البالغ درجة عين اليقين شهادةٌ صادقة كلية على صدق محمد ﷺ وعلى أحقية رسالته"[65].

الدليل الثالث: إن ملايين العلماء المدققين، والمحققين الصديقين، ودهاة الحكماء المؤمنين.. والمجتهدين، والفلاسفة الدهاة من أمثال ابن سينا وابن رشد الذين آمنوا إيمانا منطقياً وعقلياً يشهدون على صدق هذا المعلم الأكبر، وصواب هذا الأستاذ الأعظم، وعلى أحقيّة كلامه ﷺ. فشهادتهم هذه حجة واضحة كالنهار على صدقه، وصواب رسالته.."[66].

المطلب الخامس: شهادة الكون على نبوته :

من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالكون، وهو يرى أن دليل الكون من الأدلة الآفاقية على صدق نبوة محمد ﷺ، وفي هذا يقول: "هذا الكون كما أنه يدل على صانعه، وكاتبه، ومصوره الذي أوجده، والذي يديره، وينظمه، ويتصرف فيه بالتصوير، والتقدير، والتدبير، كأنه قصر باذخ، أو كأنه كتاب كبير، أو كأنه معرض بديع، أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لامحالة وجود من يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويعلّم المقاصد الالهية من وراء خلق الكون،.. أي: يقتضي داعياً عظيماً، ومنادياً صادقاً، وأستاذاً محققاً، ومعلماً بارعاً، فالكون من حيث هذا الاقتضاء يدل ويشهد شهادة قوية وكلية على صدق النبي الكريم ﷺ وصوابه الذي هو أفضل من أتم هذه الوظائف والمهمات. وعلى كونه أفضل وأصدق مبعوث لرب العالمين. فيشهد الكون قائلاً: أشهد أن محمداً رسول الله"[67].

وقال أيضاً: "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[68].

المطلب السادس: نظام عالم الحيوان يدل على نبوته:

من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بنظام عالم الحيوان، فهو يرى: "أن القدرة الأزلية التي لا تترك النملة من دون أمير، والنحل من دون يعسوب لا تترك البشر من دون نبي، من دون شريعة، نعم هكذا يقتضي سر نظام العالم"[69].

ومن إبداعاته الجميلة في هذا الباب حديثه عن البلبل، فهو يرى أن بلبل القرآن لبني آدم، والعندليب العظيم لنوع البشر محمد الأمين ﷺ، وفي هذا يقول -وهو يتحدث عن وظائف البلبل والغاية من خلقه-: "إن نغماته الحزينة وأصواته الرقيقة ليست شكاوى نابعة من تألمات حيوانية، بل هي شكر وحمد وثناء تجاه العطايا الرحمانية. وقس على البلبل؛ بلابل النحل، والعنكبوت، والنمل، والهوام، والحيوانات الصغيرة، فلكل منها غايات كثيرة في أعمالها، أدرج فيها ذوق خاص، ولذة مخصوصة، كمرتّب وكمكافئة جزئية، فهي تخدم غايات جليلة لصنعة ربانية بذلك الذوق. بمعنى أن لكل نوع من أنواع الموجودات بلبله الخاص به، فهو رئيس حلقة ذكر خاص بهم. بل حتى لنجوم السماء بلبلها الخاص بها، يشدو بأنواره، ويترنم بأضوائه.

ولكن.. أفضل هذه البلابل طراً، وأشرفها، وأنورها، وأبهرها، وأعظمها، وأكرمها، وأعلاها صوتاً، وأجلاها نعتاً، وأتمّها ذكراً، وأعمّها شكراً، وأكملها ماهية، وأحسنها صورة، هو الذي يثير الوجدَ، والجذب، والشوق في الأرض والسماوات العلى، في بستان هذا الكون العظيم، بسجعاته اللطيفة وتضرعاته اللذيذة، وتسبيحاته العلوية.. وهو العندليب العظيم لنوع البشر، في بستان الكائنات، بلبل القرآن لبني آدم، محمد الأمين، عليه وعلى أله وأمثاله، أفضل الصلوات وأجمل التسليمات"[70].

المطلب السابع: الحياة تشهد لنبوته:

من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالحياة، فهو يرى أن حياة محمد ﷺ - المادية والمعنوية - حياة لحياة الكون، وفي هذا يقول:

"إن الحياة التي في الكون كمـا أنـها تدل - بصـورة قاطعـة - عـلى "الحي الازلي" سبحانه وتعالى، وعلى وجوب وجوده، تدل كذلك على شعاعات تلك الحياة الأزلية، وتجلياتها، وارتباطاتها، وعلاقاتها بأركان الإيمان مثل (إرسال الرسل) و(إنزال الكتب) وتثبتهما رمزاً. ولا سيما "الرسالة المحمدية" و"الوحي القرآني". إذ يصح القول، أنهما ثابتان قاطعان كقطعية ثبوت تلك الحياة، حيث إنهما بمثابة روح الحياة وعقلها. إن حياة محمد ﷺ - المادية والمعنوية - بشهادة آثارها حياة لحياة الكون، والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له"[71].

المبحث الثالث: التحليل، وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: أهمية دلائل النبوة، وضرورة بحثها:

قد يسأل سائل فيقول: ولماذا كل هذا الجهد الذي بذله المؤلف في إثبات نبوة محمد ﷺ؟ والجواب: أنه كان يرى أن النبوة مقصد من مقاصد القرآن الكريم، وأنها ضرورية للحياة البشرية ضرورة الغذاء والهواء والماء والضياء، بل يرى أنها ضرورية للحياة الكونية؛ "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[72]، بل هي أكبر حقيقة في الكون.

    وهو يرى أنها من الأهمية بمكان لنتائجها، وذلك لأن كل مسألة من مسائل السنة النبوية في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن، وهي كمفتاح مصباح يضيء ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة، وأن أقصر طريق إلى الله، وأكثرها قبولاً لديه، وأقومها هي الطريق التي سلكها وبينها حبيب الله ﷺ، وأنها قد جمعت أصول الآداب وقواعدها، ومن يهجرها ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، وأنها أفضل دواء، وأنفعه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية، ولا سيما الاجتماعية منها، وأن شعاعها لهو الإكسير النافذ، وهي كافية ووافية لمن يبتغي النور؛ فلا داعي للبحث عن نور في خارجها، وأن اتباعها هو أعظم مقصد إنساني، وأهم وظيفة بشرية، وأعظم قانون يتخذه المسلم أساساً في تنظيم حياته، وأن السنن النبوية كالحبال المتدلية من السماء، من تمسك بها نجا [73].

المطلب الثاني:  منهجية المؤلف في تصنيف دلائل النبوة:

   يرى المؤلف أن دلائل نبوة الرسول قسمان: الأول: الحالات التي سُميت بالإرهاصات، وهي  الحوادث الخارقة التي وقعت قبل النبوة ووقت الولادة.

الثاني: دلائل النبوة الأخرى وهذا ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده ﷺ تصديقاً لنبوته.

ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة ﷺ. وهذا أيضاً قسمان:

الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.

الثاني: ما ظهر منها في أمور خارجة عن ذاته الشريفة، أي: في الآفاق والكون.

 وهذا أيضاً قسمان: قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضاً:

القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمان المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعاً، كل نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكل نوع منها نماذج عدة مكررة.

 القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها ﷺ قبل وقوعها - بما علّمه الله سبحانه - وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر[74].

وواضح من هذا التصنيف أن المؤلف يستدل على صدق نبوته ﷺ بالدلائل الآفاقية، والدلائل الأنفسية، وفي هذا يقول: "واعلم! أنه كما تصدِّقه هذه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقّه الدلائل الأنفسية.."[75].

المطلب الثالث: خصائص منهجه في كتابة الدلائل:

إن علماء المسلمين تناولوا قضية ضرورة الرسالة العامة في كتاباتهم الفلسفية وكتبهم الكلامية، فقد جاء في شرح المواقف: "وقالت الفلاسفة إن البعثة واجبة عقلاً لما مر من أن النظام الأكمل الذي تقتضيه العناية الأزلية لا يتم بدون وجود النبي الواضع لقوانين العدالة"[76].

فالفلاسفة الإسلاميون خاضوا في قضية النبوة من شتى النواحي إثباتاً واكتساباً وصفات ومعجزة ولا ضير علينا أن نحيلها إلى أماكنها المحددة لها أي المراجع الفلسفية ككتابات الفارابي، وابن سينا [77]، وابن رشد وغيرهم.

وأما تناول الرسالة المحمدية من الناحية الاستدلالية فخصصوا لها كتباً مستقلة، فالإمام الماوردي (ت450هـ) بكتابه أعلام النبوة، والإمام البيهقي(ت458هـ) بكتابه دلائل النبوة يأتيان في طليعة من اهتم بها من القدامى.

وأما في العصر الحاضر فقد عني به كثيرون أيضاً من أمثال الأستاذ أبو زهرة المصري، وسعيد حوى، ومحمد عطية الأبراشي، وغيرهم، فجميع هؤلاء تناولوا قضية الرسالة المحمدية من الناحية الاستدلالية وحاولوا جهدهم الاحتجاج عليها بالمعطيات العقلية، وأن يثبتوا صدق رسالة سيدنا محمد ﷺ بالبرهنة العقلية والمنطقية السديدة.

وأما المادة التي استعملها القدماء والمحدثون في هذا السياق فيمكن أن يجمع تحت خمس عناوين رئيسة وهي: إثباتها بالقرآن المعجز، وبالمعجزات التي أظهرها الله على يديه  ﷺ التي تبلغ ألف معجزة على حد تعبير النورسي[78]، والبيهقي من قبله[79]، والإرهاصات، والسيرة الذاتية والشمائل الشريفة للذات المحمدية التي تجمع العجب العجاب من المحاسن الإنسانية، والكمالات الراقية التي لا تجمع في إنسان ما لم يمد بالمدد الإلهي، والعناية الربانية. والشريعة التي جاء بها، فهذه العناوين الخمس هي مادة الاستدلال والاحتجاج على الرسالة المحمدية من قديم الزمان.

وأما إذا قاربنا الإمام النورسي ولاحظنا تناوله لقضية إثبات الرسالة المحمدية عن كثب فنجده بحراً لا يدرك غوره، ونجد المادة التي استعملها في هذا الباب أغنى ما يكون جمعاً، وأكثر ما يكون استيعاباً، وأحسن ما يكون شمولاً[80]. ولا بأس أن أذكر بعض خصائص منهجه:

أولاً: إن المؤلف قد أضاف إضافات متميزة كانت حصيلة فكره النير، وفهمه الوقاد، من ذلك: استدلاله بحقائق الإيمان، وبأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون، وبتأثيره في العالم، وبشهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته ﷺ، وبشهادة الكون، وبنظام عالم الحيوان، وبشهادة الحياة.

ومن ذلك: حديثه عن شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية، وأنها من الأدلة الأنفسية التي تشهد على صدق نبوته ﷺ، وعلى الرغم من أن هذا الدليل قد تناوله الأقدمون، ومنهم الإمام الماوردي في كتابه أعلام النبوة، إلا أن المؤلف قد أضاف جديداً في الأفكار والأسلوب.

ثانياً: وواضح من خلال هذه الإضافات أن المؤلف أكثر من الاستدلال بالأدلة العقلية، لكنه استخرجها من القرآن، ولأن منكري النبوة لا يؤمنون بالقرآن كتاباً منزلاً من عند الله، وهذا يفسر لنا ما كان يراه من أن الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية، لا من الأدلة النقلية[81].

ثالثاً: إن الدلائل التي استدل بها كانت متنوعة، وكانت شاملة، ويلاحظ أنه حشد لإثبات النبوة كل الأدلة والبراهين النقلية، والعقلية، والوجدانية، واستدل بالأدلة الآفاقية والأنفسية، واستفاد من معطيات العلوم التاريخية والاجتماعية والنفسية والتربوية والإدارية المعاصرة، وذلك لأن المؤلف كان يرى أن رسالته ﷺ عامة وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزات تشهد له[82].

رابعاً: تفسيره لبعض المعجزات: على الرغم من أن المعجزات التي تخص البركة في الطعام والماء من الأمور النقلية إلا أنه يبدي لها تفسيراً، ويبين الحكمة من وقوعها، ويستفيد منها في تدعيم مقصد إثبات النبوة، فهو يرى أن تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام تدل دلالة قاطعة على نبوة محمد ﷺ لعدة أسباب، وهي:

 1- أنه ﷺ مأمور محبوب لدى ذلك الرحيم الكريم الذي يمنح الرزق ويخلقه.

 2- وهو عبد كريم لديه بحيث يبعث له مستضافات مملوءة بأنواع من الرزقـ خلافاً للمعتاد من العدم ومن خزائن الغيب التي لا تنفد.

3-ومعلوم أن الجزيرة العربية شحيحة بالماء والزراعة، فبناء على هذه الحكمة، فقد ظهرت أهم المعجزات الأحمدية الباهرة ظهوراً في الطعام والماء.

4- فهذه المعجزات إنما هي بمثابة إكرام رباني، وإحسان إلهي، وضيافة رحمانية للرسول الكريم ﷺ، يكرمه حسب الحاجة، فهي إكرام أكثر من أن تكون دليلاً على النبوة. لأن الذين رأوا هذه المعجزات، كانوا مؤمنين إيماناً قوياً بالنبوة. فالمعجزة كلما ظهرت يتزايد الايمان ويتقوى، وهكذا تزيدهم هذه المعجزات نوراً على نور إيمانهم.

المطلب الرابع: أسلوبه:

استخدم المؤلف رحمه الله في حديثه عن دلائل نبوة محمد ﷺ أسلوباً جذاباً يشوق القارئ عند قراءته، مثل: رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وشعاعات من معرفة النبي ﷺ، والكلمات، واللمعات، والمكتوبات، واستعمل فيه مصطلح الإشارة البليغة تارة، والإشارة فقط تارة أخرى. وأكثر من الشواهد النقلية التي تثبت نبوته، ويلاحظ أنه استخدم الأسلوب الوجداني في كثير من المواطن، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة:

1- عند حديثه عن المعجزات المتعلقة بالكف النبوية، قال المؤلف رحمه الله:

 "لو سطرت هذه القطعة بماء الذهب، ورصّعت بالألماس لكانت جديرة حقاً!

 "إن تسبيح الحصى وخشوعه في كفه ﷺ.. وتحول التراب والحصيات فيها كقذائف في وجوه الأعداء حتى ولّوا مدبرين بقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ (الأنفال: ١٧) وانفلاق القمر فلقتين بأصبع من الكف نفسها كما هو نص القرآن الكريم: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: ١)، وفوران الماء كعينٍ جارية من بين الأصابع العشرة، وارتواء الجيش منه، وكون تلك اليد بلسماً للجرحى وشفاء للمرضى.. ليبيّن بجلاء: مدى بركة تلك اليد الشريفة، ومدى كونها معجزة قدرة إلهية عظيمة.

لكأن كف تلك اليد: زاوية ذكر سبحانية صغيرة بين الأحباب، لو دخلها الحصى لسبّح وذكر، وترسانة ربانية صغيرة تجاه الأعداء لو دخلها التراب لتطاير تطاير القنابل، وتعود صيدلية رحمانية صغيرة للمرضى والجرحى، لو لامست داء لغدت له شفاء.

وحينما تنهض تلك اليد تنهض بجلال فتشق القمر شقين بإصبع منها. وإذا التفتت التفاتة جمال فجّرت ينبوع رحمة يَدفُق من عشر عيون تجري كالكوثر السلسبيل.

فلئن كانت يد هذا النبي الكريم ﷺ موضع معجزات باهرة إلى هذا الحد.. ألا يدرك بداهةً: مدى حظوته عند ربه، ومبلغ صدقه في دعوته، ومدى سعادة أولئك الذين بايعوا تلك اليد المباركة؟[83].

2- وفي تعليقه على امتثال الأشجار لأوامره ، يقول:

   "تُرى إذا عَرفت الأشجار رسول الله ﷺ وعرَّفَته وصدَّقَتْ رسالته وسلّمت عليه، وزارته، وامتثلت أمره كما رأينا في الأمثلة المذكورة آنفاً ـ فكيف لا يَعرف ولا يؤمن به ذلك البليد الجماد الذي يسمي نفسَه إنساناً؟ أليس هو عارٍ عن العقل والقلب؟ أفلا يكون أدنى من الشجر اليابس، وأتفه من الحطب الذي لا يستحق إلا إلقاءه في النار؟[84].

المطلب الخامس: ذكره لقواعد وضوابط نافعة في فهم الدلائل خصوصاً، وفي فهم السنة عموماً:

ذكر المؤلف في رسالة المعجزات مقدمة مهمة تتضمن ستة أسس لفهمها بصورة سليمة، وإزالة أي غبش يمكن أن يحدث من الاطلاع عليها، وهي وإن كانت ترتبط بنوع الأخبار الغيبية التي تتعلق بالحوادث التي ستصيب الآل والأصحاب من بعده ﷺ ، وما ستلقاه أمته في مُقبل أيامها من المعجزات، إلا أنها قواعد وضوابط نافعة جداً في فهم السنة عموماً، وقد قمت باختصارها، ومن أراد التوسع فعليه الرجوع إلى المصدر.

الأساس الاول: إن جميع أحوال الرسول الكريم ﷺ وأطواره يمكن أن تكون دليلاً على صدقه وشاهداً على نبوته، إلاّ أن هذا لا يعني أن تكون جميعها خارقة للعادة؛ فلو كان ﷺ في جميع أفعاله خارقاً للعادة، خارجاً عن طور البشر، لما تسنّى له ان يكون أسوةً يُقتدى به؛ لذا ما كان يلجأ إلى إظهار المعجزات إلا بين حين وآخر، عند الحاجة، إقراراً لنبوته أمام الكفار المعاندين.

الأساس الثاني: إن الرسول الكريم ﷺ بشر، فهو يتعامل مع الناس انطلاقاً من بشريته هذه. وهو كذلك رسول، وبمقتضى الرسالة هو ناطق أمين باسم الله تعالى ومبلّغ صادق لأوامره سبحانه، فرسالته تستند إلى حقيقة الوحي. ولهذا لا يُنظر إلى جميع تفاصيل كل حديث شريف بمنظار الوحي المحض. ولا يُتحرى عن الآثار السامية للرسالة في معاملاته ﷺ وأفكاره التي تجري بمقتضيات البشرية. وحيث إن بعض الحوادث يوحى إليه وحياً مجملاً ومطلقاً وهو بدوره يصوّره بفراسته الشخصية أو حسب نظر العرف العام، لذا يلزم أحياناً التفسير وربما التعبير لهذه المتشابهات والمشكلات التي ينطوي عليها ذلك التصوير[85].

 الأساس الثالث: القسم الأعظم مما نقل الينا من دلائل النبوة ومعجزات الرسول ﷺ هو: بالتواتر الصريح أو المعنوي أو السكوتي، وقسم منها بخبر الآحاد، إلا أنه ضمن شروط معينة، ممحّضة اُخذ وقُبل من قبل أئمة الجرح والتعديل من أهل الحديث النبوي فأصبحت دلالته قطعية كالتواتر.

الأساس الرابع: إن قسماً من حوادث المستقبل الذي أخبر عنه الرسول ﷺ هو حوادث كليّة، تتكرر في أوقات مختلفة، وليس بحادثة جزئية مفردة. فالرسول ﷺ قد يُخبر عن تلك الحادثة الكلية بصورة جزئية مبيناً بعض حالاتها، حيث إن لمثل هذه الحادثة الكلية وجوهاً كثيرة، فيبين ﷺ في كل مرة وجهاً من وجوهها. ولكن لدى جمع هذه الوجوه من قبل راوي الحديث في موضع واحد، يبدو هناك ما يشبه الخلاف للواقع.

 الأساس الخامس: لم يكن الرسول الأعظم ﷺ يعلم الغيب ما لم يُعلّمه الله سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلا الله فهو ﷺ يبلغ الناس ما علّمه الله اياه.

"الأساس السادس: إن أحوال الرسول ﷺ وأوصافه قد بُيّنت على شكل سيرة وتاريخ. إلا أن أغلب تلك الأحوال والأوصاف تعكس بشريته فحسب، إذ إن الشخصية المعنوية لتلك الذات النبوية المباركة رفيعة جداً، وماهيته المقدسة نورانية إلى حدّ لا يرقى ما ذُكر في التاريخ والسيرة من أوصاف وأحوال إلى ذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة العالية[86].

الخاتمة: في نتائج البحث

  1. توصل البحث إلى أن دلائل نبوة محمد في رسائل النور بلغت اثنتي عشر دليلاً، خمسة منها تابع الأستاذ النورسي غيره، وهي: القرآن الكريم. وشخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية. والمعجزات التي أكرمه الله بها. والإرهاصات، أي: الخوارق التي ظهرت قبل النبوة. والشريعة التي بعث بها.

وعلى الرغم من أن هذه الأدلة قد تناولها الأقدمون، إلا أن المؤلف قد أضاف جديداً في الأفكار والأسلوب. ففي دليل القرآن الكريم، يرى المؤلف أن القرآن بجميع معجزاته معجزة للرسول ﷺ. وأنه وحده يظهر ألفاً من البراهين على نبوته ﷺ.

وفي دليل شخصية النبي الذاتية والمعنوية على نبوته يرى المؤلف أن الله جعل رسالته شمساً معنوية للكون، وأنه ﷺ كالشمس دليل بنفسها، وأنه أعطي قوة نفسية في تبليغ الحق، وإظهار الحقيقة، وقدرة فائقة على تغيير العادات الاجتماعية، وأن تربيته كانت راسخة، ودساتيرها تنقش في جباه العصور وصحائف الأقطار، وقد ظهر ذلك جلياً في تربيته لأصحابه، وأن خطابه تسمعه العصور جميعاً، وأنه قد ثبت صدقه في سيرته، وصلاته، وتضرعاته، ودعائه، وحتى في صورته.

وفي دليل المعجزات التي أكرمه الله بها: يرى المؤلف أنها بمجموعها الكلي كانت ثابتة قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، وأنها كانت كثيرة جداً، فاقت الألف، وقد ذكر منها ما يقارب من ثلاث مئة شاهد. وكانت متنوعة جداً، ويعلل ذلك بأن رسالته كانت عامة وشاملة لجميع الكائنات، وقد جاءه من كل طائفة مَن يرحب بمقدمه ويهنؤه بلسانه الخاص، ابتداء من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاء بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلاً منها يردد بلسان الحال: أهلاً ومرحباً بمبعثك.

وقد ظهرت عبقرية المؤلف في حسن تصنيفها، وتقسيم أنواعها، وترتيبها، وضم النظير إلى نظيره، وتفسيره لبعضها.

  1. انفرد المؤلف بذكر دلائل أخرى، بلغت سبعة، وتعد من الإضافات العلمية المتميزة في مباحث دلائل النبوة، وهي: حقائق الإيمان. وأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون. وتأثيره في العالم من خلال سرعة انتشار دينه، وكثرة من صدقه على مر العصور، وكثرة ظهور العلماء والصالحين في أمته، وتوحيده ﷺ بالعبادة قلوبَ الموحدين. وشهادة الآل والأصحاب والعلماء. وشهادة الكون. ونظام عالم الحيوان. والحياة. كل ذلك أدلة صادقة على نبوته.
  2. اتضح من البحث أن المؤلف أكثر من الاستدلال بالأدلة العقلية، لكنه استخرجها من القرآن، ولأن منكري النبوة لا يؤمنون بالقرآن كتاباً منزلاً من عند الله، وهذا يفسر لنا ما كان يراه من أن الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية، لا من الأدلة النقلية.
  3. إن الدلائل التي استدل بها كانت متنوعة، وكانت شاملة، ويلاحظ أنه حشد لإثبات النبوة كل الأدلة والبراهين النقلية، والعقلية، والوجدانية، واستدل بالأدلة الأنفسية، والآفاقية الكونية ومن خلالها ظهرت أكثر إبداعاته، واستفاد من معطيات العلوم التاريخية، والاجتماعية، والنفسية، والتربوية، والإدارية المعاصرة.
  4. استخدم المؤلف رحمه الله في حديثه عن دلائل نبوة محمد ﷺ أسلوباً جذاباً يشوق القارئ عند قراءته، مثل: رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وشعاعات من معرفة النبي ﷺ، والكلمة، كما في الكلمة: 19، و31، واللمعة، كما في اللمعة: 11، و30، والمكتوب، كما في المكتوب التاسع عشر، واستعمل فيه مصطلح الإشارة البليغة تارة، والإشارة فقط تارة أخرى، وأكثر من الشواهد النقلية التي تثبت نبوته، ولم يستخدم أسلوب الأبواب والفصول والمباحث.
  5. ذكر قواعد وضوابط نافعة جداً في فهم الدلائل خصوصاً، وفي فهم السنة عموماً لا سيما عند حديثه عن الأخبار الغيبية المستقبلية، فقد ذكر ستة أسس تعد مقدمات لتوضيح هذه الحقائق.

 

-------------------------

المراجع:

- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، للنورسي، ط: 1، إسطنبول، (1334) هـ.

- الجامع لمحمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط: 2، 1395 هـ - 1975.

- دلائل النبوة، للبيهقي، دار الفكر – بيروت، ط1، 1418-1997.

- الشعاعات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط:5، إسطنبول- 2008.

- شرح المواقف للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، مصورة مطبعة السعادة مصر، 1325-1907.

- الشفاء لابن سينا،  تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، نشر الجمهورية العربية المتحدة.

- فتح الباري شرح  صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة - بيروت، 1379.

 -المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت،ط:2، 1392.

- الكلمات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط: 5، إسطنبول – 2008.

- اللمعات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط: 1، إسطنبول -2008.

- مسند أحمد بن حنبل، تحـ: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط:1، 1421.

-المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

- المثنوي العربي النوري، للنورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، ط:3، شركة سوزلر للنشر، القاهرة 2003.

- المكتوبات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط:5، إسطنبول - 2008.

- المقاصد القرآنية عند الأستاذ النورسي ومقصد الرسالة نموذجاً، للدكتور محمد خليل جيجك، المنشور ضمن بحوث ندوة فقه المقاصد والحكم في فكر بديع الزمان النورسي، ط1، 1430-  2009، شركة سوز- إسطنبول.

- الوفا بتعريف فضائل المصطفى لابن الجوزي، دار المعرفة- بيروت.

 


 

-------------------------

[1] وهو أحد كبار العلماء المعاصرين، ولد في قرية نورس من ولاية بتليس، في شرقي تركيا سنة (1293هـ-1877م) وتوفي سنة (1379هـ-1960م) وقد ظهر نبوغه العلمي والدعوي والتربوي من خلال رسائل النور التي تعد تفسيراً للقرآن الكريم عالج من خلالها الأوضاع السائدة في عصره، وقد كتب أغلبها باللغة العثمانية لغة المخاطبين في تركيا آنذاك، وقام الأستاذ إحسان قاسم الصالحي بترجمتها إلى اللغة العربية، وظهرت في تسعة مجلدات، وهي: الكلمات، والمكتوبات، واللمعات، والشعاعات، في مئة وثلاثين رسالة.

    وقد كتب حول المؤلف ورسائل النور عدد كبير من الكتب والدراسات والبحوث الجامعية وغيرها، وأقيم عدد من المؤتمرات والندوات العالمية، ولهذا لم أر ضرورة في إفراد مبحث عن المؤلف ورسائله.

[2]اللمعات 536. 

[3] ص 165-174 بعنوان: مقدمة في تحقيق النبوة، وقد صدرت الطبعة الأولى سنة (1334) هـ، في إسطنبول.

[4] وقد صدرت الطبعة الأولى سنة ( 1340)هـ، في إسطنبول..

[5] وهي رسالة باللغة التركية، وما أدري هل ترجمت إلى العربية أم لا ؟ .

[6] رسالة الشعاع السابع ص: 166-173، ورسالة الشعاع الخامس عشر، ص: 654-173.

[7]  انظر الإشارة الثامنة عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص 260.

[8] الشعاعات 313

[9] المكتوب التاسع عشر، ص 119. أما وجوه إعجازه فقد بينها في رسالة "اللوامع".

[10] المكتوب التاسع عشر، ص 122.

[11] انظر خاتمة الكلمة الخامسة والعشرين، ص: 506.

[12] انظر ذلك في المكتوب التاسع عشر - ص: 114

[13]  انظر الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية من المكتوبات، ص: 226.

[14] انظر الشهادة الثالثة من الشعاع الخامس عشر، ص:665.

[15] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الأولى من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر. ولبيان معنى الشخصية المعنوية ينظر الإشارة الثانية من الكلمة العاشرة، وقطعة من ذيل رسالة المعجزات في المكتوب التاسع عشر، ص: 271.

[16] انظر الشهادة الخامسة عشرة  من الشعاع الخامس عشر، ص:667.

[17] انظر الوفا بتعريف فضائل المصطفى لابن الجوزي (ص: 260)

[18] المكتوبات، ص 118. والحديث أخرجه الترمذي في جامعه، برقم (2485) وقال: "هذا حديث صحيح" .

[19] أخذت هذه الأدلة الثلاثة من الإشارة البليغة التاسعة عشرة في رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 246-247، والعناوين مستنبط من نصوص المؤلف.

[20] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة السابعة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[21] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثامنة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر..

[22] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة التاسعة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[23] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الرابعة والخامسة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[24] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثانية عشرة، والثالثة عشرة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[25] انظر الشهادة الأولى من الشعاع الخامس عشر، ص:665.

[26] المكتوبات، ص 118.

[27] وقد كرر الإشارة إلى هذا الموضوع في عدة أماكن من رسالة المعجزات الأحمدية، فانظرها في المكتوبات: ص148، و152، و153، و154، و155، و156، و157، و158، و159، و160، و162، و163، و167، و168، و170، و171، و172، و175، و178، و182، و184، و193-194، و202، و228. وسيجد الباحث من خلال هذه البحوث الإشارة إلى قواعد مهمة في علوم الحديث، لا سيما دفاعه عن قبول خبر الآحاد، يسر الله جمعها ليستفيد منها الباحثون في السنة النبوية وعلومها.

[28] انظر دلائل النبوة للبيهقي، 1/10، وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (6/582ــ 583) والمنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (1/2) .

[29] الإشارة البليغة الثالثة من المكتوب التاسع عشر ص 118. وانظر المكتوبات، ص:207.

[30] انظر الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 228. ثم أحال على رسالة "المعراج" وهي الكلمة الحادية والثلاثون.

[31] ذكره في الإشارة البليغة السابعة من المكتوب التاسع عشر، ص: 148.

[32] ذكره في الإشارة الثامنة من المكتوب التاسع عشر، ص: 157.

[33] المكتوب التاسع عشر، ص: 160.

[34] انظر الإشارة التاسعة من المكتوب التاسع عشر، ص: 163.

[35] ذكره في الإشارة العاشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 168.

[36] المكتوب التاسع عشر، ص: 169-170.

[37] الاشارة الحادية عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 172.

[38] الاشارة الثانية عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 175-178.

[39] الإشارة الثالثة عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 178.

[40] الاشارة الرابعة عشرة.

[41] ذكره في الشعبة الأولى من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 194.

[42] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 198.

[43] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 200.

[44] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 202

[45] ذكره في الشعبة الثالثة من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 203.

[46] القسم الأول من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 208.

[47] (1818 - 1891) وذلك  في كتابه (إظهار الحق) الذي يعدّ من أدق الدراسات النقدية للتوراة والإنجيل، انظر كتاب: "أكبر مجاهد في التاريخ الشيخ رحمت اللّه الهندي". ترجمه من الأردية أحمد حجازي السقا.

[48] المكتوب التاسع عشر، ص: 219.

[49] القسم الثاني من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 219.

[50] والهاتف هو الصوت العالي الذي يُسمَع ممن لا يُرى شخصه.

[51] انظر القسم  الثالث من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 224.

[52] الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 227 .

[53] الشهادة الأولى من الشعاع الخامس عشر، ص:665.

[54] انظر الشهادة الثانية من الشعاع الخامس عشر، ص:657.

[55] اللمعات، ص:553

[56] المثنوي العربي النوري, ص:86.

[57] قال أبو ذر: (قلت: يا رسول اللّه كم وفى عدّة الأنبياء؟ قال: (مائة الف وأربعة وعشرون ألفا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) رواه  أحمد في مسنده (36/ 619) رقم(22289).

[58] المكتوبات، ص 118، وانظر أيضا الدليل الرابع من الشعاع السابع، ص:169.

[59] انظر المسألة الثانية من اللمعة الثلاثين، ص:516. ففيها بحث قيم حول علاقة أسماء الله الحسنى بالكون.

[60] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة السادسة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر، ص:254.

[61] انظر الإشارة البليغة الثانية من المكتوب التاسع عشر، ص: 119.

[62] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثالثة عشرة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[63]  المذكِّرة التاسعة من اللمعة السابعة عشرة، ص:185. وانظر رسالة زهرة من المثنوي العربي النوري، ص:279.

[64] الشهادة التاسعة من الشعاع الخامس عشر، ص:662. وانظر أيضا الدليل السابع من الشعاع السابع، ص:169. والمكتوبات، ص:278.

 [65] الشهادة العاشرة من الشعاع الخامس عشر، ص:662. وانظر أيضا الدليل السابع من الشعاع السابع، ص:169. والمكتوبات، ص:278.

[66] الدليل السادس من الشعاع السابع، ص: 170. والمكتوبات، ص:278. وانظر الشهادة الحادية عشرة من الشعاع الخامس عشر، ص:662.

[67] الشهادة الرابعة عشر من الشعاع الخامس عشر، ص:665. والمكتوبات، ص:279. وانظر أيضاً النقطة الثالثة من الكلمة الثامنة عشرة، ص: 249. وينظر المثنوي العربي النوري، ص:66.

[68] وينظر المسألة الثانية من اللمعة الثلاثين اللمعات 516.

[69] انظر اللوامع من الكلمات 1/843،  انظر رسالة نوى الحقائق الممطبوع في آخر مجلد المكتوبات، ص:611.

[70] انظر الكلمة الرابعة والعشرين - ص: 402 .

[71] اللمعات ، ص:547

[72]للمعات 536. 

[73] هذه المعاني مقتبسة من رسالة للمؤلف بعنوان: "مرقاة السنة وترياق مرض البدعة" وهي اللمعة الحادية عشرة من اللمعات، ص:74- 90.

[74] المكتوب التاسع عشر - ص: 117

[75] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثانية من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.

[76] شرح المواقف للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، 8/230.

[77] راجع الشفاء لابن سينا، 1 /441-443.

[78] المثنوي، ص66.

[79] دلائل النبوة، للبيهقي، 1/13.

[80] انظر المقاصد القرآنية عند الأستاذ النورسي ومقصد الرسالة نموذجاً، أ.د. محمد خليل جيجك، ص: 160.

[81] انظر إشارات الإعجاز، ص: 310-312.

[82] المثنوي، ص66.

[83] المكتوبات، ص:181.

[84] المكتوب التاسع عشر، ص: 160.

[85] مثال ذلك: سمع الناس - ذات مرة - وهم جلوس عند الرسول ﷺ دوياً هائلاً فقال الرسول ﷺ موضحاً الحدث: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا»". - قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (2844).

     قال الأستاذ النورسي: ولم تمض ساعة حتى جاء الجواب، إذ أتى أحدهم يقول: إن المنافق المشهور الذي ناهز السبعين من عمره قد مات وولّى إلى جهنم وبئس المصير، فكان هذا تأويلاً للتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول ﷺ.

فيبحث عن تخريجه، والذي في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله  ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب. فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بُعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات".

[86] انظر الإشارة البليغة الرابعة من المكتوبات، ص: 122-130.

 

 


22-) إرث النبوة عند بديع الزمان النورسي رهانات المعنى وإرادات الاستنطاق

 

 

إرث النبوة عند بديع الزمان النورسي

رهانات المعنى وإرادات الاستنطاق

 

د/ سرحان بن خميس             

كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم الإسلامية

جامعة باتنة - الجزائر             

                                                                                                             

 

إشكالية البحث

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56(، وكمال العبادة معرفة الله تعالى الذي لا يعرف، والتوجه الخالص إليه، حيث إن التوجه لا ينفك عن المجاهدة، حيث يقول الله تعالى﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (العنكبوت: 69).

ومن الذين جاهدوا في الله حق جهاده الإمام العلامة بديع الزمان النورسي؛ إذ هداه الله تعالى إلى سبله التي قررها لأنها تفضي إلى مرتبة الإحسان، فلم يتعرف الإمام النورسي إلى هذه السبل بنظره العقلي المجرد، إنما كانت قواعد ضبط بها الإمام سلوكياته ومنهجيته في الواقع المعيش.

فإذا قلنا إن كمال العبودية هو معرفة المعبود عند الإمام بديع الزمان النورسي، فهل إن هذه المعرفة توريث من الله تعالى عن خاتم الرسل والنبيين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم؟

وهل إن هذا التوريث في رأي الإمام النورسي تكليف أو تشريف؟

وكيف ندرك التوريث الإلهي عن خاتم الرسل، أيكون ذلك بالرهان على المعاني الثاوية في نصوص الوحي، أم يكون ذلك بكسر هيبة النص من خلال الاستنطاق؟

وما دور ذلك الإرث في ترشيد العقل الإنساني؟

أما أهمية هذا البحث فتبرز من جانبين، أولهما: من حيث موضوعه، وثانيهما: من حيث منهجه.

أولا- فمن حيث الموضوع: أرى أن فهم حقيقة إرث النبوة عند بديع الزمان النورسي، ضرورة لابد منها لكي ندرك – إدراكا سليما- المسار الذي رسمه الإمام النورسي لنفسه، والمسار الذي سيرسمه مشروع رسائل النور للأمة الإسلامية.

ثانيا- أما من حيث المنهج: فإن هذا البحث دراسة استقرائية تحليلية تنطلق من كتابات النورسي أولا، ثم من الواقع ثانيا، وتصنع مضامينها عبرهما وتبني نتائجها من خلال ذلك.

أما المنهج المتبع في البحث فإن هذه الدراسة تصب في إطار الدراسة التاريخية لإرث النبوة عند النورسي وذلك يقتضي منهجا استقرائيا تحليليا .

استقرائي لرصد ما كتبه النورسي حول الموضوع.

تحليلي لتفكيك تلك الكتابات إلى عناصرها الجزئية لاستبيان ملامح المعنى من خلالها.

هذا ما يحاول البحث عرضه وتحقيقه من خلال منهجه، وبالقدر الذي تسمح به المساحة المتاحة من خلال ثلاثة عناصر متكاملة.

 

أولا: الهيبة الساحقة للنص وجهد تحرير المعنى:

يعتبر القرآن الكريم مصدرا أخلاقيا ومعرفيا للإنسان، من جانب منهجه الموظف في بيان نظامه، ومن جانب موضوعاته، التي تشمل حياة الإنسان كلها، يقول النورسي بعد ذكر أمثلة: "فشاهد في ضوء هذه الأمثلة ثروة القرآن الطائلة وغناه الواسع في معرفة الله في ميدان العلم والحكمة...وهنا نجد في القرآن الكريم آلافا من القرائن حتى أنه يهب لكل ذي مشرب قرآنا منه"([1]).

ويفهم من هذا النص للإمام عليه رحمه الله أن وحي القرآن من الكتاب لم ينقطع عن تجدد العطاء والكرم، والتنزل المجيد المتجدد من يوم تنزيله وإلى يومنا هذا، عبر ترقي الورثة بين مراتب القراءة؛ فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، وهل يكون العلم إلا بالقراءة؟

هنا يقابل الإمام النورسي عليه رحمه الله قراءة القرآن بقراءة الكون حيث يقول:"ثم إن في أسلوب القرآن جزالة وسلاسة وفطرية، حتى كأن القرآن حافظ قارئ يقرأ الآيات المكتوبة بقلم القدرة على صفحات الكون، وكأنه قراءة لكتاب الكون، وتلاوة لنظاماته، تتلو شئون النقّاش الأزلي سبحانه، ويكتب أفعاله"([2]).

فكما أن القرآن الكريم كان دليلا على صِدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، فنبوة محمد صلى الله عليه وسلم دليل القرآن في الفهم والتطبيق والتأسي؛ أي إن القرآن الكريم محتاج لفهم وتفسير محمد ومن يلي محمدا؛ إن القرآن محتاج لتطبيق قيمه وتشريعاته، إنه محتاج للقراءة، وهل القراءة إلا ذلك التعبير الذي يتسع لمعرفة حقائق الأمور والظواهر، إنه ذلك التعبير المتسع لمعرفة حقيقة كلمات الله، وهل محاولة معرفة كلمات الله تعالى إلا محاولة لمعرفته سبحانه، فهو عظيم في خلقه وعظيم في كلماته.

ولكن كيف فهم الإمام النورسي رحمه الله القراءة، وما ضوابطها عنده؟

وهل راهن الإمام النورسي رحمه الله على المقاربة المعنوية، أو قام باستنطاق النصوص ليفهمها؟

راهن الإمام النورسي أولا على هيبة النص القرآني؛ إذ يساق جمهور الناس إلى إتباع القرآن الكريم وامتثال أوامره لما يتحلى به من قدسية، هذه القدسية هي التي تدفع جمهور الناس إلى الانقياد، أكثر من قوة البرهان ومتانة الحجة، فينبغي إذن –كما يقول- أن تكون كل كتبنا المبنية عليه شفافة تعرض قدسية القرآن الكريم، وليس حجابا دونه، أو بديلا عنه([3]).

في وقت يحاول بعض المنتسبين للحداثة نزع هذه القداسة النصية لأنها في رأيهم تنقص التفاعل مع النص؛ فهذا محمد أركون ينطلق من ملاحظة منهجية بخصوص التعامل السائد مع النص القرآني، فهو يعتبر أن المسلمين يستهلكون القرآن في حياتهم اليومية، ولا يخضعونه للدراسة والتفحص الألسني([4])، ويشرح أهمية الدرس اللساني بقوله: "إن التحليل السيميائي يقدم لنا فرصة ذهبية لكي نمارس تدريبا منهجيا ممتازا، يهدف إلى فهم كل المستويات اللغوية التي يتشكل المعنى (أو يتولد) من خلالها، وهذه الخطوة المنهجية تمتلك أيضا رهانات ابستمولوجية([5])، فهي تتيح لنا... أن نترك مسافة نقدية فكرية بيننا وبين الخطاب القرآني([6])، ومن بين النتائج التي نجنيها من خلال هذه القراءة الانفعال الروحي والجمال الأخلاقي ومتعة النص المقروء واكتشاف قيم الحق والخير والجمال([7]).

ودعا عبد المجيد الشرفي إلى وضع القرآن الكريم والسنة النبوية على محك النقد بعيدا عن التقديس وحرفية النصوص([8])، سعيا إلى رفع عائق القدسية كما قال طه عبد الرحمن([9]).

إن التنويه بهيبة النص لا قيمة لها ما لم تعط ضمانات عن القراءة التي تؤتي أكلها في الواقع المعيش، بعيدا عن تقديس ما لا يقدس، ونعني بذلك ما تمخض عن النص الأصلي من كتابات مفسرة وشارحة في مختلف المجالات، حيث إن هذه الكتابات تحجب بفعل بعض المقلدين الجامدين الحقائق الدينية الأصلية القرآنية، وذلك من خلال التركيز على النصوص الشارحة ممثلة في المنتج الفقهي، وإبعاد أصل ما جعلت له شارحة، وفي هذا يقترح الإمام النورسي:" تحويل تلك الكتب الفقهية تدريجيا إلى كتب يستشف منها فيض القرآن الكريم، أي تصبح تفسيرا له، ويمكن أن يتم هذا بإتباع طرق تربوية منهجية خاصة...فعندئذ لا تقرأ هذه الكتب وغيرها بقصد ما يقوله مؤلفو تلك الكتب، بل يقرأ لأجل فهم ما يأمر به القرآن الكريم، وهذا الطريق بحاجة إلى زمن مديد"([10]).

 ما نستشفه من هذا النص للإمام النورسي هو منهجية القراءة المطلوبة لنصوص التراث أين وضع الإمام قانونا لتفسير النص التراثي مطالبا القارئ أو الباحث من أن يتباعد عن ذاته وعن أفقه التاريخي الراهن، وأن يتباعد في الوقت نفسه عن ذاتية وراهنية الكاتب ليفهم النص كما أراد القرآن أن يُفهم.

أما منهجية قراءة القرآن عند النورسي، فإنها تتضح من خلال مبدأين:

المبدأ الأول: أن كلية القراءة القرآنية تنتج منهجا جدليا يتفاعل فيه النص مع العقل البشري يهيمن من خلاله على الأبعاد الكاملة للفلسفة الكونية بما فيها مقتضيات التشريع، وما يندرج من موضوعات ترد إلى أصول المنهج.

وفي هذا يقول الإمام النورسي رحمه الله:" إن جمل القرآن الحكيم لا تنحصر في معنى واحد، بل هي في حكم كلي يتضمن معاني لكل طبقة من طبقات البشرية، وذلك لكون القرآن الكريم خطابا لعموم طبقات البشر. لذا فالمعاني المبينة هي في حكم جزئيات لتلك القاعدة الكلية، فيذكر كل مفسر، وكل عارف بالله جزءا من ذلك المعنى الكلى ويستند في تفسيره هذا إما إلى كشفياته أو إلى دليله أو إلى مشربه، فيرجح معنى من المعاني."([11]).

ذلك الجدل بين النص والمفسر هو هذا التفاعل المستمر بين العقل البشري والمعطى الإلهي والذي يحاول فهم فلسفة هذه الكونية العريضة بكل ما فيها معاني.

المبدأ الثاني: تؤدي القراءة المنهجية للقرآن كما فهمها النورسي إلى تحديد فحوى الدلالات الوسيطة والرمزية في لغته، حيث يوضع عنها الالتباس والغموض.

ونلحظ هذا في ذلك الانفتاح للإمام النورسي بكل قواه الإبداعية والإدراكية على ذلك الجمال الكوني ليقول:

"قبل ثلاثين سنة تقريبا وفي هذا الموسم حيث تتفتح أزاهير أشجار اللوز، كنت أتجول هنا "مشيرا إلى الأشجار والبساتين" وإذا بالآية الكريمة: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (الروم: 50) ترد إلى خاطري، وفتح الله علي هذه الآية في ذلك اليوم فكنت أسير وأتجول وأتلوها بصوت عال حتى قرأتها أربعين مرة، وفي المساء ألفت رسالة الحشر "الكلمة العاشرة" مع الحافظ توفيق الشامي "أي أمليت عليه الرسالة وكتبها"([12]).

حقا إنه رقي تفاعلي مع كلمات ربانية قلما نجد له مثيلا في العالم، وأنّا لنا أن نعيش هذه اللحظات، وهذه الفتوحات، إلا من فتح الله له تذوق آيات رحمته، والتي يجدها في كل شيء خلقه المولى عز وجل.

إن القرآن في فكر النورسي هو كتاب الإنسان أو كتاب قد نزل لأجل الإنسان([13])، ففي هذا الجانب فإن القراءة قراءة الإنسان.

فالنصّ القرآني عند النورسي هو النصُّ الوحيدُ الذي تكون علاقتُهُ عكسيةٌ بالقارئ؛ فكلمّا احترم القارئ النصّ ومنع نفسه من الجرأة عليه، ليطوف حوله من بعيدٍ كلمّا منحه النصّ معرفةً تتناسب عكسياً مع هذا البعد. فالنصّ إذا ظهر لك وهو يتحدّث عن الطبيعة مثلاً، فهو يتحدّث في حقيقة الأمر عن العقائد وعلم النفس وعن جميع المعارف الأخرى، من خلال اقترانه بألفاظ النصوص الأخرى التي بدورها تكشف لك المزيد من أسرار النصّ.

وهكذا لم يقم الإمام باستنطاق النص المقدس، ولم يتجرأ عليه، ليوافق النص ما أراد الإمام من أفكار أو أيديولوجية، وإنما راهن على ترك القرآن يفصح عن نفسه، حتى إنه قال عن رسائل النور "أخذتني الأقدار نفيا من مدينة إلى أخرى .. وفي هذه الأثناء تولدت من صميم قلبي معاني جليلة، نابعة من فيوضات القرآن الكريم.. أمليتها على من حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها (رسائل النور)، إنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم . لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري، وإنما إلهام إلهي أفاضه الله سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم، فباركت كل من استنسخها"([14]).

 

ثانيا: سبل المجاهدة والتوريث

أرجع الله تعالى الاهتداء لسبل المجاهدة إليه ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69) فهي سبل يقررها هو سبحانه وتعالى لأنها تفضي إلى مرتبة الإحسان، فلا يكون التعرف إلى هذه السبل بمجرد النظر العقلي ثم ضبطها بقواعد سلوكية ومنهجية يلتزمها السالكون، ولكنها مجاهدة شاملة ودائمة أقلها الصلاة؛ نعم! لقد شاهدوا بوضوح تفاصيل فريضة الصلاة وارتقوا في مقاماتها الرفيعة التي تشير إليها أذكارها وحركاتُها المتنوعة، على النحو الآتي:

أولا: بمشاهدتهم الآثار الربانية المبثوثة في الكون، وجدوا أنفسهم في مقام المشاهدين محاسن عظمة الربوبية، بمعاملة غيابية، فأدّوا وظيفة التكبير والتسبيح، قائلين: الله أكبر.

ثانياً: وبظهورهم في مقام الدعاة والإدلاء إلى بدائع صنائعه سبحانه وآثاره الساطعة، التي هي جلوات أسمائه الحسنى، أدّوا وظيفة التقديس والتحميد بقولهم: سبحان الله والحمد لله.

ثالثاً: وفي مقام إدراك النعم المدخرة في خزائن الرحمة الإلهية وتذوقها بحواسَ ظاهرة وباطنة شرعوا بوظيفة الشكر والحمد.

رابعاً: وفي مقام معرفة جواهر كنوز الأسماء الحسنى وتقديرها حق قدرها بموازين الأجهزة المعنوية المودعة فيهم، بدؤوا بوظيفة التنزيه والثناء.

خامساً: وفي مقام مطالعة الرسائل الربانية المسطرّة بقلم قدرته تعالى على صحيفة القَدَر، باشروا بوظيفة التفكر والإعجاب والاستحسان([15]).

فالصلاة الدائمة وفيها كلية الالتزام الديني هي مدخل المجاهدة الضرورية لدى السالك نحو العبودية إلى أن يهديه الله سبله باتجاه الإحسان ومرتبته، حيث يتحقق كمال العبودية لله.

وبما أن كمال العبودية هي معرفة المعبود فإن المعرفة لا تكون إلا توريثا من الله عز وجل عن خاتم الرسل والنبيين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 40).

عن خاتم الرسل والنبيين يكون التوريث، ومن بعده الورثة فقط يرتقون إلى مرتبة الإحسان، ولقد ورِث العلماء علم الرسول صلى الله عليه وسلم والمتصوفة عمله، لذا يطلق على من يرث علم الرسول وعمله معاً ذي الجناحين وعليه فالمقصود من الطريقة العمل بالعزائم دون الرخص، والتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم والتزكية من الأسقام المعنوية كافة والفناء في رضا الله تعالى، والذي يحوز على هذه المرتبة العظمى لا شك أنه من أهل الحقيقة. وهذا يعني أنه قد توصل إلى الغاية المقصودة والمطلوبة من الطريقة. ولكون نيل هذه المرتبة العظمى لا يتيسر لكل أحد، وضع عظماؤنا قواعد معينة تُوصل إلى الهدف المقصود بيسر وسهولة. والخلاصة: إن الطريقة تدور ضمن دائرة الشريعة، فالساقط منها يسقط في دائرة الشريعة، أما الذي يخرج من دائرة الشريعة - معاذ الله - فإنه يخسر خسراناً مبيناً([16]).

إذا كانت النبوة تكليف ثقيل، وعبء عظيم جداً، لا يُحمل إلا بعد نمو الملكات العقلية ونضوجها وتكامل الاستعدادات القلبية، وإذا كان أهل الإيمان مكلفون شرعاً بحب الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - غاية الحب وبتوقيره واحترامه أكثر من أي إنسان آخر، وبعدم النفور من أي شيء يخصه، بل رؤية كل حال من أحواله جميلة نزيهة([17])، فإن هذا الحب للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا التوقير والاحترام، لم ولن يكون تشريفا، إلا بعد قيام الوريث بمقتضيات التكليف؛ فإذا التزم الوريث بما كلف به، وجاهد واجتهد كان له شرف الوراثة، وإلا فلن يكون له شيء.

فالإرث تكليف إذا انصرف عنه المكلف أو باعه بمتاع الحياة الدنيا عوقب ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (الأعراف: 175-178).

ولن يكون الخسران لمؤمن يحمل في قلبه الإيمان والإخلاص ويستشعره في كينونته كل آن، لابد أنه يدع تأثير البريق الكاذب الذي يستخلفه مفهوما الزمان والمكان على أبناء الفناء القاصرين العاجزين في عالم المادة الكثيف فينطلق بروحه إلى العالم المعنوي الشاسع آفاقه الفياض بالنور والهدى([18]).

  ولن يكون ذلك الإيمان مرتبة واحدة، ولن يكون ذلك التوريث كذلك قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ (فاطر: 31-32)

وفي هذا قال الإمام رحمه الله: "أجل إن لكل مؤمن حالاً يخصّه من الطمأنينة والحضور والخشوع والتجرد والفيض والاستغراق، والكل ينهل بقدر إيمانه وعلمه وتقواه وبنسبة استفاضته من هذه السكينة الإلهية. ولكن هذا الحال الندي بجماله، والوصال العذب بطراوته وهذه السكينة الفريدة بجدتها دائمة النزول على أرباب الإحسان، أولئك المجاهدون العظام... لا يقعون في غفلة نسيان المولى الكريم، فيبارزون ويصارعون كالأسود الضواري أنفسهم الأمارة بالسوء طوال حياتهم، وكل لحظة من لحظات عمرهم تسجل أروع ذكريات التكمل والترقي. فإنهم ينصهرون بكل موجوديتهم وديمومتهم في رضا رب العالمين المتصف بصفات الجمال والجلال والكمال([19]).

ما يفهم من نص الإمام بديع الزمان النورسي رحمه الله أن هؤلاء الورثة يورثهم الله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم، أيا كان مقامهم في العوالم الثلاثة فيرون الوجود بعين الله تعالى؛ فهناك الوارث الظالم لنفسه، إذ أمامه مقامات الترقي ولكنه يبقى أسير عالمه هذا، وهناك الوارث المقتصد الذي زاد إيمانه وتقواه عن الظالم لنفسه ومقامه بين المقامين الآخرين، ووارث سابق بالخيرات وهو في أعلى العوالم.

هذه الاستمرارية المتجددة باتجاه المستقبل عبر الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات ليست نبوة ولا عصمة ولا تجديدا، وإنما علاقة توريث يتفاعل فيها وحي الكتاب مع السالك في هذا العصر محررا المعنى لا من خلال باطنية ذاتية أو عصرنة مفتعلة نستنطق من خلالها الآيات البيِّنات.

ثالثا: إرث النبوة طريق لترشيد التعقل والتفلسف

يقول رحمه الله تعالى: "في تاريخ البشرية منذ القدم وإلى الوقت الحاضر تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار، يجريان عبر الأزمنة والعصور، كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانهما وفروعَهما في كل صوب، وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية.

إحداهما: سلسلة النبوة والدين

والأخرى: سلسلة الفلسفة والحكمة

فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين وممتزجتين، أي في أي وقت أو عصر استجارت الفلسفة بالدين وانقادت إليه وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانية بالسعادة وعاشت حياة اجتماعية هنيئة. ومتى ما انفرجت الشقة بينهما وافترقتا، احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة"([20]).

 إن للتعقل الإنساني من خلال كمال الإنسان نبوته، أي نبوءة العقل، التي بمقدورها اكتشاف علاقة الإنسان بالطبيعة، وفق منطق علمي استقرائي يحاول البحث في الظاهرة الطبيعية وعلاقتها بالوجود الإنساني، ولكن إن ترك هذا التعقل بعيدا عن إرث النبوة فإنه في الغالب يقود إلى الإلحاد والتمرد على الفطرة السليمة التي فطر الله الإنسان عليها.

إن إرث النبوة لا يحارب التعقل والتفلسف، بل يصوبهما كي يكونا في مصلحة الإنسانية وذلك حين تنقاد العقلانية والفلسفة إلى إرث النبوة، وتصبان في مصلحة الإنسان، حين لا يعيش تناقض أفكاره وتصادمها، وهذا ما يدعو إليه إرث النبوة، وفي هذا يقول الإمام بديع الزمان النورسي: "لابد أن نذكّر "أن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الإنسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو. وحيث إنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها وذلك بنصبها موازين دقيقة، ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معززة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة"([21]).     

هذا فصل الخطاب عند النورسي بالنسبة لما هو مقبول وما هو غير مقبول من القول الفلسفي، فلا مزايدة ولا غير ذلك، وزيادة على هذا فالإمام النورسي يريد الارتقاء على عبودية التعقل والتفلسف التي تنطلق من جدل الطبيعة وعلمها الموضوعي، لأنها عبودية عقلية ترتبط بالله بوصفه هو الخالق لجدل الطبيعة ومكوناتها، لتسأل هذه العبودية العقلية عن فعل الله تعالى في التكوين والخلق، أما النورسي فإنه أراد أن يرقى على ذلك ليبصر حكمة الله وإرادته في الزمان والمكان، فكان سؤاله هو (لماذا) فعل الله ذلك، وليس(كيف) فعل، فالكيفية معلومة بالتعقل، أما (لماذا) فإنها ترتبط بما لا يُعقل؛ فقد سأل الإمام النورسي الكائنات وتساءل معها: "من أين؟ وبأمر من تأتون؟ من سلطانكم ودليلكم وخطيبكم؟ ما  تصنعون؟ وإلى أين تصيرون؟.. فالصنعة المنتظمة تشهد على وجود الصانع وعلى قصده وإرادته شهادة صادقة قاطعة.." ([22]).

وتساءل الإمام النورسي أيضا عن سر زلزلت الأرض، ولماذا لا ينزل هذا العذاب الرباني والتأديب الإلهي ببلاد الكفر والإلحاد وينزل بهؤلاء المساكين المسلمين الضعفاء؟ ولماذا تعم هذه المصيبة البلاد كلها، علماً أنها مصيبة ناجمة من أخطاء يرتكبها بعض الناس([23])؟

في هذه المرتبة الإيمانية يحاول النورسي المترقي بسبل الله تعالى معرفة فعل الله عز وجل، فيتساءل لماذا زلزل ولماذا قتل ولماذا اختار، وإن كان يساوره نوع من القلق فيما يجري، كالقلق الذي خالجه هو نفسه وهو في السجن عقب الإفراج عن جميع أصدقائه وبقي وحيدا، أنا متأكد من أنه صادف هذه الآية:  ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (يونس: 61-64)  

هنا تنطبق  موجبات الولاية الربانية على النورسي فيخرج من السجن كما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت، وهو يناجي ربه﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (الأنبياء: 87)، حيث إن السر العظيم لهذه المناجاة هو أن الأسباب قد سقطت كليا، ذلك أن الذي ينقذه من تلك الحالة ليس إلا من ينفذ حكمه في الحوت وفي البحر وفي الليل وفي جو السماء، وقد رأى الإمام كما رأى يونس بعين اليقين أنه لا ملجأ إلا إلى مسبب الأسباب([24]).

ستَحمل هذه الدعوة النورسية، وعيا روحيا حضاريا يرقى على كل المظاهر الروحية الحضارية الراهنة في علاقات الإنسان بالمواضيع الكونية.

فما في العالم كله اليوم من منجزات حضارية، ليس سوى مقدمة لما سيأتي به الله على يد رسائل النور، التي تُولِّد إنسانا لا ينظر إلى الماضي، ولكن يتطلع إلى المستقبل بمقومات جديدة ورؤى جديدة، وضمن منهجية شاملة ينفتح فيها بكل قواه الإبداعية على حركة الحياة.

وِلادة هذا الإنسان لا تأتي محكومة بمنهجيـة الصراع والأفق الضيِّق الذي يختزل الإنسان ما بين حدي الميلاد والموت، وإنما تأتي محكومة بمقاصـد الحـق والسلام، بمقاصد العدل والمساواة والحرية، بمقاصد التوحيد والتزكية والعمران، هذه المقاصد تجعل من ولادة هذا الإنسان ولادة متَّسعة الأبعاد، ولادة قوية كقوة الهم الإصلاحي للإمام بديع الزمان النورسي، فهو ليس مجرد تحدٍّ تركي إسلامي، وإنما هو بعث عالمي سيظهره الله على العالم كله، وتفجير لكافة الإمكانيات المتهيئة في عقول مصلحي هذه الأمة عبر تفاعلها مع الوحي والواقع.

وفي ختام هذا البحث نوجز أهم النتائج العامة له.

  1. تبين لنا من خلال البحث مراهنة الإمام النورسي على تحرير المعنى القرآني لا من خلال الاستنطاق، ولكن من خلال الانفتاح بكل جملته الواعية ليترك النص يفصح عن نفسه.
  2. إن علاقة الوحي بالعقل الإنساني من خلال رسائل النور ليست بناءً مشيدا من المعرفة المثبتة تبحث علوم الشريعة لتبريرها وتبرير مشروعيتها، وليست عصمة ولا تجديدا، بل علاقة توريث يتفاعل فيها وحي الكتاب مع المكلف؛ فإرث النبوة من خلال رسائل النور تكليف، وممارسة فعلية، ومحيط فكري ونفسي واجتماعي يجعل الأمة كلها في حالة مخاض عسير لإصلاح روحي عالمي بديل.
  3. إن التعقل والتفلسف عند الإمام النورسي فعالية إنسانية خلاقة ومبدعة، إن اقترنت وترشّدت بإرث النبوة، فهذا الأخير لا يحارب التعقل والتفلسف، بل يصوبهما كي يكونا في مصلحة الإنسانية.

 


 

 

----------------------------

[1]- بديع الزمان النورسي: الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ص151.

[2]- بديع الزمان النورسي: اللمعات، ترجمة: مركز الترجمة والبحوث العلمية، دار السنابل الذهبية، القاهرة، ط1، 1431هـ-2010م، ص 140.

[3]- بديع الزمان النورسي: صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم صالحي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط3، 2002م، ص 347.

[4]- أركون محمد: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، تر: هاشم صالح، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1993م، ص 89..

[5]- الابستيمولوجيا لفظ مركب من لفظين: أحدهما ابيستما(epistemé) و هو العلم، والآخر لوغوس (logos) وهو النظرية أو الدراسة، فمعنى الابستيمولوجيا إذن نظرية العلوم أو فلسفة العلوم، أي دراسة مبادئ العلوم وفرضياتها ونتائجها، دراسة إنتقادية توصل إلى إبراز أصلها المنطقي، وقيمتها الموضوعية، ينظر: جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، (د.ط)، 1982م، 1/33.

[6]- أركون محمد: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005، ص 35.

[7]- أركون محمد: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة القاسم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2002م، ص 62.

[8]- الشرفي: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2001م، ص67.

[9]- طه عبد الرحمن: روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1: 2006،  ص178.

[10]- بديع الزمان النورسي: صيقل الإسلام، ص 348.

[11]- بديع الزمان النورسي: المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 3، 2001م، ص 422.

[12]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور، المكتبة الألفية ، ص 10.

[13]- بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص 466.

[14]- بديع الزمان النورسي: الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2، 1414هـ، 1993م، ص 542.

[15]- بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص 167.

[16]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور، المكتبة الألفية ، 01/45.

[17]- بديع الزمان النورسي: المكتوبات ، 363-364.

[18]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور، المكتبة الألفية،  ص37.

[19]- بديع الزمان النورسي: سيرة ذاتية، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ص 24-25.

[20]- بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص688.

[21]- بديع الزمان النورسي: الملاحق في فقه دعوة النور، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط3، 1999م، ص286.

[22]- بديع الزمان النورسي: صيقل الإسلام، ص 29.

[23]- بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص 229-230.

[24]- بديع الزمان النورسي: اللمعات، ص 02.

 

 


23-) دلالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) على الوحدانية الإلهية من منظور رسائل النور

 

 

دلالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)

على الوحدانية الإلهية من منظور رسائل النور

 

د. هادي رضوان     

جامعة كردستان - ايران

 

تمهيد

إن مقاصد القرآن الأساسية عند بديع الزمان النورسي أربعة وهو يعتقد أن هذه المقاصد معلومة لدى المحققين. فتفسير النورسي للقرآن الكريم يدور حول هذه الأربعة: إثبات الصانع الواحد والنبوة والحشر الجسماني والعدل. والمقصد الأول يخص الدلائل على الصانع والنبي محمد- صلى الله عليه وسلم-  أحد براهينه. ولهذا يتجلى اهتمام النورسي بالسنة النبوية من زوايا مختلفة تدل في إطارها الشمولي على منزلة السنة النبوية في المعرفة والتربية في فكره.

يتحدث النورسي عن شأن وقيمة نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- وما لها من دلالة على تكريم الإنسان في هذه المرحلة الأخيرة من عمر البشرية. فقد بين أن الإنسان قد ترقى بها من حضيض الحيوانية الذي هوى إليه بعجزه وفقره وبعقله الناقل لأحزان الماضي ومخاوف المستقبل، ترقى إلى أوج الخلافة بتنور ذلك العقل والعجز والفقر. فانظر كيف صارت أسباب سقوطه من عجز وفقر وعقل أسبابَ صعوده بسبب تنورها بنور هذا الشخص النوراني ولو لم يوجد ذلك الشخص لسقطت الكائنات والإنسان وكل شيء إلى درجة العدم لا قيمة لها ولا أهمية[1].

وفي هذا الإطار أراد النورسي أن يوظف كل معارفه الصوفية الإشراقية والكلامية الفلسفية في تصور أهمية النبوة وقيمتها في الحياة الإنسانية ويخص نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- بالذكر لأهميتها في هذه المرحلة من حياة الإنسان وهو آخر عهد للإنسان بالرسالات الإلهية[2].

ونبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- يعد في منظومة النورسي الفكرية من أجلى وأصدق البراهين على التوحيد. فرسالة الرسول الأكرم برهان على الوحدانية الإلهية كما أن شخصيته أيضاً برهان. والكاتب في هذا المقال يسعى في إلقاء الضوء على هذا الجانب المهم من فكر النورسي الذي بينه في مواضع كثيرة من رسائل النور.

1ـ أهمية النبوة عند النورسي

إن للنبوة كما أشرنا مكانة عظيمة في رسائل النورسي. فهي المقصد الثاني من المقاصد الأساسية التي نزل القرآن الكريم لإثباتها. والقرآن عند النورسي يتوخى هذه العناصر مجتمعة لا ينفك بعضها عن بعض. فلا تجد سورة ولا آية بل ولا كلمة إلا وهي مضمنة هذه العناصر الأصلية. فكما تتراءى هذه المقاصد الأربعة في كل القرآن، كذلك قد تتجلى في سورةٍ سورةٍ بل قد يلمح بها في كلامٍ كلامٍ بل قد يرمز إليها في كلمةٍ كلمةٍ. لأن كل جزء فجزءٍ كالمرآة لكلٍ فكلٍ متصاعداً[3].

والنورسي أراد أن يفسر كل القرآن على هذا الأساس وإن لم يوفق إلا لتفسير سورة الفاتحة وثلاث وثلاثين آية من سورة البقرة في كتابه القيم (إشارات الإعجاز) ولا يخفى أن سائر رسائل النورسي أيضاً يعد تفسيراً للقرآن الكريم.

وتتجلى أهمية النبوة عند النورسي حينما يسميها هو البرهان الأصغر كما يسمي نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- البرهان الأكبر. فهو يرى أن الإنسان يتمايز من سائر الحيوانات في ثلاث نقاط: 1- إدراك الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء 2- استعداد الإنسان غير المتناهي وآماله ورغباته غير المحصورة وأفكاره وتصوراته غير المحدودة وقوته الشهوية والغضبية غير المحددة 3- اعتدال مزاج الإنسان ولطافة طبعه وميله إلى الزينة أي ميله الفطري إلى العيش اللائق بالإنسانية[4].

ثم يقول النورسي: "فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات، أنتج لك بالضرورة أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر.... دقق النظر إلى الجهة الأولى أنه لما لم يكف ميل الإنسان الطبيعي وسوق إنسانيته وقصر نظره واختلاط الأوهام في طريق عقله احتاج البشر أشد الحاجة إلى مرشد ومعلم فذلك المرشد هو النبي. ثم تدبر في الجهة الثانية.... فعدم كفاية هذا القانون البشري الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية لإنماء بذور ثمرة استعدادات الإنسان، احتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقق له سعادة الدارين معا.... فالذي أتى بالشريعة هو النبي"[5].

2ـ دلالة الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم- على التوحيد

يتجلى اهتمام النورسي بالسنة النبوية من زوايا مختلفة تدل في إطارها الشمولي على منزلة السنة النبوية في المعرفة والتربية في فكر النورسي. فهو يعتبر النبي الآية الكبرى للقرآن العظيم وهو خاتم ديوان النبوة ولذلك يبدأ النورسي المقصد الثاني من رسالته "صيقل الإسلام" بهذه الكلمة: "اللهم صل على سيدنا محمد الذي دل على وجوب وجودك"[6] وهو كما أشرنا يسمي نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- البرهان الأكبر. فالمسلم الذي لا يعرف محمداً – صلى الله عليه وسلم- ولا يصدق به فلا يعرف الله سبحانه ولا يعرف الآخرة كذلك[7].

وفي الكلمات عندما يشير النورسي إلى ما يعرف لنا ربنا – وهو عنده ثلاثة معرفين أدلاء عظام- يتحدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ويقول: "لو لم يوجد هذا الشخص لسقطت الكائنات والإنسان وكل شيء إلى درجة العدم لا قيمة ولا أهمية لها. فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة من مثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرف المحقق. فإذا لم يكن هذا فلا تكن الكائنات إذ لا معنى لها بالنسبة إلينا"[8].

ثم إن ما أتى به النورسي في هذا المجال يدل على أن النبي –صلى الله عليه وسلم- يكون دليلاً على وجود الله تبارك وتعالى بوجهين: بشخصيته المعنوية وبدعوته وهدايته:

"اعلم أن هذا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم- المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهود بشؤونه العلوية كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية ودليل حقٍ بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة إيجادها"[9].

2ـ1ـ دلالة رسالته

يرى النورسي أن الألوهية لا تكون بلا رسالة، ولهذا يأتي بأدلة متعددة دالة على ضرورة إرسال الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- وهو أعظم الرسل قاطبة. يقول: "نعم يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم كلزوم الضوء للشمس، لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام. فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟ أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بواسطة يلفت الأنظار إليه؟ أم هل يمكن أن لا تطلب سلطنة كلية لربوبية عامة شاملة إعلان وحدانيتها وصمدانيتها على مختلف الطبقات بوساطة مبعوث ذي جناحين؟ أي ذي صفتين: صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات المخلوقات عند الحضرة الربانية وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه إلى العالمين كافة. أم هل يمكن لصاحب جمال مطلق أن لا يروم أن يشهد هو ويُشهد خلقه محاسن جماله ولطائف حسنه في مرايا تعكس هذا الجمال؟ أي بواسطة رسول حبيب، فهو حبيب لتودده إلى الله سبحانه بعبوديته الخالصة وهو رسول حبيب لأنه يحبب الله سبحانه إلى الخلق بإظهار جمال أسمائه الحسنى"[10].

فالنورسي يرى أن هذا كله ودلائل كثيرة أخرى تدل على ضرورة رسالة محمد –صلى الله عليه وسلم- بل هذه الرسالة نفسها برهان قوي على وجوب الله وتوحيده سبحانه.

وهو في البحث عن هذه الضرورة متأثر بالفكر الصوفي الذي يرى أن الحقيقة المحمدية اصل الكائنات وسبب خلق العالم:

"إن محمداً – صلى الله عليه وسلم- الذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين وسرمدية ألوهيته وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربه الجليل، هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون، إذ هو أستاذ البشرية الأكبر ونبيها الأعظم وفخر العالم القمين بخطاب (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) وكما أن حقيقته – أي الحقيقة المحمدية- هي سبب خلق العالم ونتيجته وأكمل ثمراته كذلك تحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة"[11].

و النورسي في كثير من المواضع في رسائل النور يتحدث عن خاتم ديوان النبوة على أنه هو البرهان الثاني من البراهين الثلاثة التي تدل على توحيد الله عز وجل ولكنه في "نقطة من نور معرفة الله جل جلاله" من كتاب المثنوي العربي النوري يعد محمداً –صلى الله عليه وسلم- البرهان الأول ويقول:

"إن مقصودنا ومطلوبنا ﴿لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُ القَيومُ﴾[12]، فمن بين براهينه التي لا تعد نورد هنا أربعة: البرهان الأول هو محمد –صلى الله عليه وسلم-....". ثم يتحدث عن دلالة رسالة هذا الرسول الكريم ويقول: "تلك المعجزة بالرسالة والإسلام فمن حيث الرسالة تتضمن شهادة أعظم إجماع وأوسع تواتر لجميع الأنبياء – عليهم السلام- ومن حيث الإسلام تحمل روح الأديان السماوية كلها وتصديقها المستند إلى الوحي. فالرسول الكريم يبين للبشرية جمعاء وجود الله ووحدانيته في جميع أقواله الصادقة المصدقة بمعجزاته الباهرة وبشهادة الأنبياء – عليهم السلام- وتصديق الأديان كلها. فهو يظهر ذلك النور باسم المصطفين الأخيار من البشرية الذين اتحدوا في هذه الدعوة. تُرى هل يمكن أن يتسلل الباطل إلى مثل هذه الحقيقة الباهرة التي تنال هذا القدر من التصديق وتبصرها العيون النافذة في الحقائق فتراها واضحة جلية خالصة لا شائبة فيها؟ كلا ثم كلا"[13].

و بديع الزمان -كما رأينا في هذه الفقرة- يأتي على سبيل الاختصار بأدلة متعددة على صدق نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- لتكون هي أقوى وأجلى برهان على توحيد الله تبارك وتعالى. وفي "المكتوبات" يرى أن هذه الأدلة القاطعة لا تعد ولا تحصى ولكنه أتى بتسع منها[14]:

- أولها: اتصافه – صلى الله عليه وسلم- بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة حتى شهد بذلك غرماؤه وظهور المعجزات منه.

- ثانيها: كون القرآن الذي بيده –صلى الله عليه وسلم- معجزاً من سبعة أوجه وإن الأمين على كلام الله والمترجم الفعلي له والمبلغ لهذا النبأ العظيم إلى الناس كافة وهو الحق بعينه والحقيقة بذاتها لا يمكن أن يصدر منه كذب قط ولن يكون موضع شبهة أبداً.

- ثالثها: إنه –صلى الله عليه وسلم- قد بعث بشريعة مطهرة وبدين فطري وبعبودية خالصة وبدعاء خاشع وبدعوة شاملة وبإيمان راسخ لا مثيل لما بعث به ولن يكون وما وجد أكمل منه ولن يوجد.

- رابعها: إجماع الأنبياء – عليهم السلام- واتفاقهم على الحقائق الإيمانية نفسها هو دليل قاطع على وجود الله سبحانه وعلى وحدانيته وهو شهادة صادقة أيضاً على صدق هذا النبي –صلى الله عليه وسلم- وعلى رسالته.

- خامسها: إن وصول آلاف من الأولياء إلى الحق والحقيقة وما نالوا من الكمالات والكرامات وما فازوا من الكشفيات والمشاهدات ليس إلا بالاقتداء بهدي دساتير هذا النبي –صلى الله عليه وسلم- وبتربيته.... فهم يشهدون بالإجماع على صدق هذا النبي الكريم.

- سادسها: إن ملايين العلماء المدققين الأصفياء والمحققين الصديقين ودهاة الحكماء المؤمنين.... يثبتون الوحدانية التي هي الأساس لدعوته ويصدقونها متفقين ببراهينهم القاطعة، فإنهم يتفقون كذلك ويشهدون على صدق هذا المعلم الأكبر.

- سابعها: إن الجمع العظيم الذين يطلق عليهم الآل والأصحاب الذين هم أشهر بني البشر.... إن تحري هؤلاء وتفتيشهم وتدقيقهم لجميع ما خفي وما ظهر من أحوال هذا النبي الكريم وأفكاره وتصرفاته..... ثم تصديقهم بالاتفاق والإجماع أنه هو أصدق من في الدنيا حديثاً وأسماهم مكانة وأشدهم اعتصاماً بالحق والحقيقة، فتصديقهم هذا الذي لا يتزعزع مع ما يملكون من إيمان عميق إنما هو دليل با هر كدلالة النهار على ضياء الشمس.

- ثامنها: إن هذا الكون مثلما يدل على صانعه وكاتبه ومصوره الذي أوجده... فهو كذلك يستدعي لا محالة وجود من يعبر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ وحكم ويعلم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون.

- تاسعها: لا جرم أن أحب مخلوق لدى ذلك المتستر بالغيب وأصدق عبدٍ له هو من كان عاملاً خالصاً لمقاصده المذكورة آنفاً ومن يحل السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لغزه ومن يسعى دوماً باسم خالقه ويستمد القوة منه.

وكل هذا يدل على أهمية برهان رسالة المصطفى – عليه الصلاة والسلام- على توحيد الباري جل وعلا عند النورسي. فإذا كانت الرسالة الإلهية بهذه القوة وإذا كانت تدل عليها من الدلائل ما لا يعد ولا يحصى- على حد تعبير النورسي- فلا عجب من أن تكون نفسها من أقوى البراهين على وجود الله-تبارك تعالى-

2-2- دلالة شخصيته

هذه هي الجهة الثانية من برهان محمد- صلى الله عليه وسلم- على توحيد الله تبارك وتعالى التي تحدث عنها النورسي وعدها جانبا مهماً من البرهان، بحيث لو تفكر الإنسان فيها وتعمق لأذعن بالتوحيد ولم يبق عنده شك. يقول النورسي:

"ثم انظر إليه من جهة شخصيته(عبوديته) تره مثال المحبة الرحمانية وتمثال الرحمة الربانية وشرف الحقيقة الانسانية وأنور أزهر ثمرات شجرة الخلقة... فهل يمكن للنفس والشيطان أن يناقشا بلا مغالطة في مدعيات مثل هذا الشخص لاسيما في دعوىً هي أساس كل مدّعياته وهو( لا إله إلا الله) بجميع مراتبها؟"[15] .

ثم يتحدث النورسي بطريقته الصوفية الإشراقية الخاصة به عن هذه الشخصية العظيمة في خضم من العاطفة الصادقة النابعة من قلب سليم:

" اعلم إن ذلك البرهان الناطق له شخصية عظيمة. فإن قلت: ما هو ؟ وما ماهيته؟ قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطح الأرض مسجده ومكة محرابه والمدينة منبره وهو إمام جميع المؤمنين يأتمون به صافين خلفه وخطيب جميع البشر يبين لهم دساتير سعاداتهم ورئيس جميع الأنبياء يزكيهم ويصدقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم.... وقطب في مركز دائرة حلقة ذكر تركبت من الأنبياء والأخيار والصديقين والأبرار المتفقين على كلمته الناطقين بها... فكأن على كل دعوىً من دعاويه خواتم جميع الكاملين إذ بينما تراه قال : ( لا إله إلا الله) وادًعى التوحيد فإذا نسمع من الماضي والمستقبل من الصفين النورانيين- أي شموس البشر ونجومه القاعدين في دائرة الذكر- عين تلك الكلمة فيكرونها ويتفقون عليها مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم فكأنهم يقولون بالإجماع: (صدقت وبالحق نطقت) "[16] .

و يذكر النورسي ثلاثة أدلة على عظمة الشخصية المعنوية لهذا النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم-

الأول: أن ثواب جميع الحسنات التي ينالها جميع أفراد الأمة وعلى مدى جميع العصور مكتوب مثله في صحيفة حسناته، لأنه -عليه السلام- هو السبب لكل هذه الحسنات الصادرة عن الأمة والسبب كالفاعل.

الثاني: إن بذرة الشجرة الوارفة للإسلام ومنشأها وحياتها ومنبعها إنما هي حقيقة الماهية المحمدية.

الثالث: إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون وهو المؤهل لإدراك الخطاب الرباني وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته واصطفى من بين الإنسان المكرم من هو أكمل وأفضل وأعظم إنسان بأعماله وآثاره الكاملة[17].

هذا لأن الاستناد في مفهومه البسيط قد بني عند النورسي على ما بين الخالق ومخلوقاته – ومحمد أشرف مخلوقاته- من علاقة بها ينتسب المخلوق إلى خالقه نسبة يعتمد عليه في وجوده وحركته في الوجود ويتعلق به تعلقاً لا انفكاك له ولا انفصال، تماماً كتعلق العلة بمعلولها والسبب بمسببه وهو انتساب قهري وتعلق حتمي فإذا انقطع ذلك الانتساب وترك المخلوق بلا سند ولا استناد ترتب عليه من المشكلات ما يصل إلى حد الامتناع العقلي[18] فـ( مادام الكون موجوداً بالفعل ولا يمكن انكاره فلا يمكن أن ينكر كذلك ما هو بمثابة ألوانه وزينته وضيائه وإتقانه وأنواع حياته وأشكال روابطه من الحقائق المشهورة كالحكمة والعناية والرحمة والجمال والنظام والميزان والزينة وأمثالها من الحقائق... فمادام لا يمكن إنكار هذه الصفات والأفعال فلا يمكن إنكار موصوف تلك الصفات ولا يمكن إنكار فاعل تلك  الأفعال ونور شمس تلك الأضواء أعني ذات الله الأقدس جل جلاله الواجب الوجود الذي هو الحكيم الرحيم الجميل الحكم العدل....و كذا لا يمكن إنكار من هو مدار لظهور تلك الصفات والأفعال بل من هو مدار لعرض كمالاتها بل تحقق تجلياتها، ذلكم الرسول الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- الرائد الأكبر والمعلم الأول والداعية الأعظم وكشاف طلسم الكائنات والمرآة الصمدانية وحبيب الرحمن"[19].

و في موضع آخر يسمي النورسي هذا  الدليل بالدليل الأنفسي ويقول: " واعلم أنه كما تصدقه  هذه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقه الدلائل الأنفسية؛ إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق وكذا جمع شخصيته المعنوية في وظيفته أفاضل جميع السجايا الغالية والفضائل النزيهة وكذا قوة إيمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته... وكذا كمال وثوقه بشهادة مسيره وكمال جديته وكمال متانته وكذا قوة أميته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه ... تصدقه كالشمس الساطعة في دعوى تمسكه بالحق وسلوكه الحقيقة"[20].

3- برهان بديع

إن أكبر حقيقة في الدنيا في رأي بديع الزمان هي حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد. فالوجود كله- في منظومة تفكير بديع الزمان- ليس إلا مثل آلة نسيج تنسج حقيقة التوحيد وتنقش المعاني الإلهية نقشة نقشة وزخرفة زخرفة. ولهذا فإن النورسي يستعين لكل ما لديه لإثبات هذه الحقيقة ومنه ثقافته الفلسفية والكلامية.

وفي هذا الإطار يتحدث النورسي عن البرهان اللمي والبرهان الإني. فالدليل اللمي استدلال بالمؤثر على الأثر كما أن الدليل الإني عكسه، فهو استدلال بالأثر على المؤثر أو دلالة المعلول على العلة أو المسبب على السبب؛ لهذا يعد الدليل الأني استدلالاً تصاعدياً من الأسفل إلى الأعلى، من الآفاق والأنفس إلى خالقها. ونظراً لتلك الصلة الواضحة بين المقدمات والنتائج اعتبر هذا الدليل من أسلم الأدلة وهذا ما يبرر اعتماد أغلبية من المتكلمين على هذا الدليل بمختلف أشكاله[21].

يكثر النورسي من توظيف هذا الدليل بأشكاله المختلفة ومؤلفاته طافحة بذكر هذا النوع من الأدلة، تجده في مجمل الأدلة الآفاقية والأنفسيه على تعبير النورسي، فجعله عمدته في أدلة الامكان وأدلة الحدوث في أشكالها الشهيرة بالعناية والاختراع.

استدل النورسي بالبرهانين اللمي والإني لإثبات التوحيد والنبوة، حين جعل الكلمة الأولى من كلمتي الشهادة دليلاً على الثانية كما أن الثانية دليل على الأولى أيضاً.

يقول النورسي في المثنوي العربي النورسي:" وكذا فاعلم أنه (لا إله إلا الله) بكل براهينه المذكورة يستلزم (محمد رسول الله)، فمحمد رسول الله كما يتضمن من الإيمان خمسة أركانه، كذلك هو مظهر ومرآة للصفة الربوبية، فبهذا السر صار قريناً موازياً لـ( لا إله إلا الله) في ميزان الإيمان فتأمل"[22].

فالكلمة الثانية برهانٌ إنيٌ على التوحيد والكلمة الأولى برهانٌ لميٌ على النبوة. ويشير في المكتوبات إلى سر هذه المقارنة بعبارة أخرى ويقول:

" تسألون يا أخي في رسالتكم عن كفاية ( لا إله إلا الله) فحسب، أي من دون ذكر (محمد رسول الله) في جعل المرء من أهل النجاة: إن جواب هذا السؤال طويل إلا أننا نقول الآن : إن كلمتي الشهادة لا تنفك إحداهما عن الأخرى ولا تفترقان، بل تثبت إحداهما الأخرى وتتضمنها، فلا تكون إحداهما إلا بالأخرى. وحيث إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء عليهم السلام ووارث جميع المرسلين، فلا شك إنه في مقدمة كل الطرق الموصلة إلى الله وفي رأسها، فليست هناك طريق حقة ولا سبيل نجاة غير جادته الكبرى وصراطه المستقيم"[23].

نتيجة البحث

يمكن أن نلخص نتائج هذا البحث المختصر في ما يلي:

1ـ تعد نبوة محمد- صلي الله عليه وسلم- من أهم البراهين الدالة على التوحيد عند النورسي، فالبراهين التي تعرف لنا ربنا ثلاثة: كتاب الكون وبرهان محمد ومعجزة القرآن، هذا ما أتى به النورسي في أكثر رسائله وفي بعض المواضع يأتي النورسي بهذا البرهان قبل كتاب الكون ومعجزة القرآن ويعُده البرهانَ الأولَ.

2ـ إن لبرهان محمد- صلى الله عليه وسلم- في اثبات التوحيد جهتين: جهة رسالته وجهة شخصيته (عبوديته) وكلتا الجهتين تثبت الوحدانية الإلهية على سبيل الضررة.

3ـ إن في مقارنة كلمتي الشهادة إشارة إلى كون واحدة منها دليلاً صادقاً على الأخرى، فالكلمة الأولى (أشهد أن لا إله إلا الله) برهان لمي على الرسالة والكلمة الثانية (أشهد أن محمداً رسول الله) برهان إني على الوحدانية وهذا أسلوب رائع للنورسي ولم يسبق إليه حسب تقديرنا.

 


 

 

------------------------------

1ـ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م، ص260.

2ـ زياد خليل الدغامين، من قضايا القرآن والإنسان  في فكر النورسي، نظرة تجديدية و رؤية إصلاحية، لا تا، ص122-123.

3ـ ينظر: هادي رضوان، بديع الزمان النورسي و نظرية النظم عنده، مجلة الدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية، باكستان، العدد الأول،  المجلد الثامن والأربعون، صفر-ربيع الثاني1434، ص12.

4ـ بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة،  ط5،  2008م ص137.

5ـ نفس المصدر، ص138-139.

6ـ نفس المصدر، ص135.

7ـ نفس المصدر.

8ـ بديع الزمان سعيد النورسي،  الكلمات،  ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة،  ط5،  2008م ، ص255.

9ـ نفس المصدر، ص255.

10ـ نفس المصدر، ص63.

11ـ بديع الزمان سعيد النورسي،  الشعاعات،  ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة،  ط5،  2008م،  654-655.

12ـ سورة البقرة،  الآية255.

13ـبديع الزمان سعيد النورسي،  المثنوي العربي النوري،  تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة،  ط5،  2008م،  ص421-422.

14ـ ينظر: النورسي،  الشعاعات، ص166- 171 و المكتوبات، ص274-279.

15ـ النورسي،  المكتوبات، ص254.

16ـ نفس المصدر، ص250-251.

17ـبديع الزمان سعيد النورسي،  اللمعات،  ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة،  ط5،  2008م ، ص534-535.

18ـ ينظر:الشفيع الماحي أحمد،  البعد العقدي في فكر النورسي،  لاتا، ص10.

19ـ النورسي،  اللمعات،  ص517-518.

20ـ النورسي،  المكتوبات،  ص252.

21ـ عماد جيدل،  بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية (المنهج و التطبيق)،  لاتا،  ص156.

22ـ النورسي،  المثنوي العربي النوري،  ص123.

23ـ النورسي،  المكتوبات،  ص429.

 

 


24-) الهـدي النبـوي ووارثـو النبوة
 

 

 

الهـدي النبـوي ووارثـو النبوة

 

د. معاني حسن مختار غنسوري.   

رئيس جمعية الأمة القرآنية      

أمين عام منتدى سلم الإسلام والوسطية

في بوركينا فاسو           

     

 

* مقدمة البحــث:

الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيــان.

والصلاة والسلام على من أوحي إليه في الغار، فكان بذلك نبيا لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه من لدن رب العالميــن.

صلوات ربي وسلامه على نبينا محمد، وعلى آله الأطهار، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعــــــــد:-

لقد صدّق الله وعده الذي أنبأ به في محكم تنزيله بتوليه حفظ ذكره الحكيم وحماية سنة نبيه محمد عليه السلام بقدرته سبحانه وتعالى وبطرق عدة منها:- بعـثه في الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد للناس مفاهيم دينهم.

فلـقد كان الشيخ سعـيد النورسي (رحمه الله) من الأعــلام المجددين للناس دينهم، في عصره – بل وفي العصور التي تلت عصـره إلى يومنا هذا بفضل ما قدمه للأمة من فكر نير مبسط لا تكلف فيه، من خلال كنزه الثمين المتمثل في (كليات رسائل النور) التي تناول فيها جل قضايا القرآن والسنة المطهرة.

فنحن في هذا البحث على موعد مع إحدى أهم قضايا الإسلام المتعلقة بالنبوة ودرها الرائد في البحث عن الحقائق التي تقود العباد إلى مرضات الله سبحانـه.

      وسوف نتنــاول هذا الموضوع من منظور رسائل النور خلال مؤتمــره العالمي العاشر.:- الهــدي النبوي ووارثو النبــوة.

      وسيتم البحث بمشيئة الله من خلال أربعة فصول أساسية هي:-

الفصل الأول:-  القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة.

الفصل الثاني:-  مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء .

الفصل الثالث:-  الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة.

الفصل الرابع:-  الحلول التي يقدمها مناهج النبوة للمشــاكل ولا سيما مشاكل العصـر الحديث.

رجــيا مــن المولى العلي القدير التوفيق في إعطاء الموضوع حقه قدر مكنتي، وأن ينفع به كاتبه وقارئه بفضله ومنه سبحانه وتعالى، إنه قريب سميع مجيب.

وهو الموفـق والهـادي إلى سواء السبيــل.

 

الفصــل الأول:-

* - القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة.

      في هذا الفصل الذي سنستهل به هذا البحث سنجد في أثره أن شيخنا سعيد النورسي (رحمه الله) قد تمكن بفضل الله تعالى، ثم بقوة البصيرة النيرة التي من الله تعالى بها عليه، من إيجاد إجابات وافية وحلول شافية لبعض ما استشكل على الناس فهمه في باب تطبيق السنة.

      فنجــد الأستاذ في بادئ أمره في تناوله هذا الجانب من قضايا السنة يُجلّي ويبين لأبناء الأمة أهمية السنة النبوية بأسلوبه العطر الجذاب المعتاد، والذي يجعل القاصي والداني يدرك أن السنة هي طوق النجاة ومنهج الفلاح والسعادة في الدارين لكل مسلم يؤمن بأن الحق تبارك وتعالى هو منــزل القرآن الكريم عــلى خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم.

فوضح أن الله الذي أنزل القـرآن هو من أرسل نبيه الأكرم، وحصَّنه وميَّـزه من بين عباده - في آخر الزمان - بميزة العصمة التي مكنته من الإتيان بالسنة التي لا رغوة عليه ولا نقيصة، مؤكـدا على ضوء الآية الكريمة في قوله تعالـى:- ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (آل عمران آية 31) أن محبة العبد لربه سبحانه وطاعته إياه تعالى لا تكونان كاملتين مقبولتين إلا باتباع سنة خير خلق الله، محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

      وفي ذلك يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله "وبما أن أحــدا لا يمكنه أن يكون أهلا لمحبته سبحانه إلا باتباع السنة الأحمدية كما نص عليه كلامه العزيز، إذن فاتباع السنة المحمدية هو أعظم مقصد إنساني وأهمُ وظيفة بشرية"(1).

ويتابع الشيخ ايضاحاته عن مدى رقيِّ السنة ومقامها الرفيع ومكانتها السامية، مبينا سعادة من اتبعها بصدق، وشقاء من أعرض عنها واتبع هـواه، وخضع لإرادة الشيطان الرجيم فيقول:-(رحمه الله) في المثنـوي العربي النوري: " اعلم إنّي شاهدت في سيري في الظلمات، السُّننَ السُـنِّية نجوما ومصابيح، كل سنَّةٍ وكل حَد شرعي يتلمَّع بين ما لا يحُصر من الطرق المظلمة المضلّة، وبالانحراف عن السنة يصير المرء لعبة الشياطين، ومركب الأوهـام، ومعرض الأهوال، ومطية الأثقال - أمثال الجبال- التي تحملها السنة عنه لو اتبّعها.

وشاهدتُ السُنن كالحبال المتدليّة من السماء، من استمسك ولو بجزئي استصعد واستسعد. ورأيت منْ خَالفها واعتمد على العقل الدائر بين الناس، كمَن يريد أن يبلُغ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمَّق كما تحَمَّق فرعون بـ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾(غافر آية 36)..."(2).

فبعد هذه الإطلالة النُورسية عن مكانة السنة المطهرة وأمهيتها في حياة البشرية قاطبة فإن خير ما نبدأ به هــذا الفصل هو بيان ضرورة التمسك بالسنة طبقا لما ثبت في الأثر من كلام خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقواعد تطبيق ذلك في الحياة من منظور استنباطات الشيخ سعيد النورسي في رسائل النور.

إذ يقول فيه المؤلـــــف(رحمه الله) (في النكتة الأولى من اللمعة الحادية عشرة) في حثه على التمسك بالسنة عند بزوغ البدع وتنامي قوى الأهواء، موضحاً مغزى كلام صاحب السنة في الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "من تمسك بسنتي عنــد فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" (3).

فلقد ذهب الشيخ (رحمه الله) في سبيل بيانه للمقاصد ومرامي هذا الحديث الذي يُرغِّبُ في التمسك بالسنة (اعتقادًا واتباعًا وتطبيقًا )، فقـــال:- "أجل، إن اتباع السنة المطهرة لهو حتما ذو قيمة عالية، ولاسيما إتباعها عند استيلاء البدع وغلبتها، فإن له قيمة أعلى وأسمى، وبالأخص عند فساد الأمة، إذ تُشعر مراعاة أبسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وإيمان قوي راسخ؛ ذلك لأن الاتبّاع المباشر للسنة المطهرة يذكرُّ بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الإتباع ينقلب إلى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تُراعى فيها السنة الشريفة أبسطُ المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية - كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها- إلى عمل شرعي وعبادة مُثابٌ عليها؛ لأن الإنسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر أنه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبُه إلى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينةً واطمئنانا ونوعـا من العبادة.

وهكذا، في ضوء ما تقدم فإن من يجعل اتباع السنة السُنّية عادتهَ، فقد حَوّل عاداتِه إلى عبادات، ويمكنه أن يجعل عمره كُـلَّه مُـثْمرًا، ومُثابا عليه "(4).

وفي ثنايا إيراد الشيخ النورسي (رحمه الله) لبعض منازل السنة وجوانبها، ومدى اهمية تطبيقها وآثار ذلك في الفرد وفي المجتمع إذا ما كان التطبيق منزها عن الرياء ووساوس النفس الهدامة، قال:- " إن أهم ما في السنة المطهـــرة هي تلك السنن التي هي من نوع علامات الإسلام والمتعلقة بالشعائر، إذ الشعائر هي عبادة من نوع الحقوق العامة التي تخُصُّ المجتمع كله، فكما ان قيام فرد بها يُـؤدي الى استفادة المجتمع كله، فإن تركها يجعل الجماعة كلها مسْـؤولة، فمثل هذه الشعائر يعُلن عنها وهي أرفع من أن تنالها أيدي الرياء وأهم من الفرائض الشخصية ولو كانت من نوع النوافــل "(5).

فمن خلال هذه الخواطر البراقة والاستنباطات الثاقبة التي عبر عنها الشيخ رحمه الله تعالى عن دور السنة في إصلاح المجتمعات وحاجة سائر أفراد الأمة إلى السنة، فإن هذه الإطلالة لرونقها وللأسلوب اللَدِنْ الكامن في سياقها تتقاطر على قلوب أولئك الذين غلبت عليهم شقوتهم فأعرضوا عن السنة رغبات جسام في تطبيق السنة.

في حين تتلهف النفوس المحبة للسنة على زيادة محبتها لها، تلك المحبة المخلصة التي تعبـِّـر عنها السلوك الحسن الذي تبرزه أعمال الجوارح بتعاليم السنة في سائر شئونهم التعبدية والحياتية. خاصة إذا ما وقف المريد على تطرُّق الشيخ على مراتب السنة وقواعد تطبيقها، والتي تشكل خارطة طريق نحو تنوير الحياة على جبين كل راغب في اتخاذ السنة شعلته في شقِّ طريقه المُظْـلِـــِم نحو محبة الله ورسوله.

فالسنة وتطبيقاتها لما كانت هي مِنهاج النجاة المُؤدي إلى الاستسعاد الأبدي، فإنه في ذات الوقت منهاج وعِرٌ ومليئ بالخلافات المذهبية والاتهامات والتجاوزات الطائفية، والتي تُـتوِّجُها مكايد الشيطان ووساوس جنوده من الإنس والجان.

فنرتـئي أن إفلات العبد في عصرنا الحاضر من كافة تلك المنحنيات الخطيرة - المُذْهِبة للإخلاص، الهَرَّاسة المُهْدِمة للـثواب – كل ذلك مرهون بمعرفة العبد حق المعرفة لتلك الخيوط الرقيقة التي تفصل السنة عن البدعة، وإدراكه حقيقة تلك الأمور التي أُدْخِلت في سلة البدع وهي منها بعيدة، ثم فهمه وإدراكه كل جوانب السنة الخالصة ومراتبها المتوزعة في نصوص الشريعة، ثم تطْبِـيق ذلك في إطار الوعي والدراية، على الشاكلة التي يوضحُها الشيخ سعيد النورسي -رحمه الله تعالى- بكل شفافية ومَلاءَةٍ واقتِــدارْ.

إذ يقــــول:- "إن للسُّـنة المطهـَّرة مراتب:- قسم منها « واجب » لا يمكن تركه، وهو مبين في الشريعة الغراء مفصلا وهو من المحكمات أي لا يمكن بأية جهة كانت أن تتبدل.

وقسم منها هو من قبيل « النوافل »، وهذا بــدوره قسمان:-

* قسم منه هو السنن التي تخُصُّ العبادات، وهي مبينّة أيضا في كتب الشريعة. وتغيـيرُ هذه السنن بدعةٌ.

* أما القسم الآخر فهو الذي يطُلق عليه «الآداب» وهي المذكورة في كتب السير الشريفة، ومخالفتُها لا تسمى بدعة، إلا أنها من نوع مخالفة الآداب النبوية، وعدم الاستفاضة من نورها، وعدم التأدب بالأدب الحقيقي. فهذا القسم هو اتباع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المعلومة بالتواتر في العرُف والعادات والمعاملات الفطرية، ككثير من السنن التي تبين قواعد أدب، أمثال: المخاطبة، وتظهر حالات الأكل والشرب والنوم أو التي تتعلق بالمعاشرة.

فمنَ يتحرَّ أمثال هذه السنن التي تطلق عليها «الآداب» ويتبعها فإنه يحول عاداته إلى عبادات، ويستفيض من نور ذلك الأدب النبوي، لأن مراعاة أبسط الآداب وأصغرِها تذكرّ بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، مما يسكب النور في القلب"(6).

فهـــذا البيان النوراني الفائت العطر عن مراتب السنة، والذي يظهر فيه أسلوب الشيخ النورسي المبسط اللطيف في رسم خطوط الفهم السلس لقضايا السنة لأبناء الأمة، فإنه لم يكتف بذلك البيان فحسب في هذا الباب الذي نحن بصدده، بل أشار كذلك ضمنيا إلى ضرورة الابتعاد عن التكلف والغلو في اتباع السنة وتطبيقها، والانسلاخ من كل ما يؤدي إلى رمي التهم البينية في صفوف أتباع محمد عليه السلام الذي يُذهب المثوبة.

لأن لجوء البعض من أبناء الأمة حينا إلى القول: أن فلانا مُقصَّـر في تطبيق السنة الفلانية، أو القول حينا آخر أنه آثر البدعة على السنة، فإننا في حقيقة الأمر إذا لجأنا إلى ميزان استنباطات أهل الإنصاف سرعان ما ندرك أن المُتَّهم غير مقصَّر في تطبيق السنة في الجانب الذي اتُهِم فيه بالتقصير، ولا هو بمُفضِّل البدعة على السنة المطهرة كما أصدرت محكمة التعصب الأعمى حُكْمها القاسي عليــه.

ففي أمثال تلك المعضلات والمزالق - وما أكثرها في شريعتنا اليوم - يكون السبب فيه هو الغلو والإفراط المجافيان لأسُسِ الوسطية والتيسير في ديننا الحنيف، وإن ذلك النوع من الإفراط هو الذي يحْجُبُ على الكثير معرفة حقائق مراتب السنة والفرق بينها وبين البدع الضالة الموجبة للعيش المظلم في الدنيا، المحققة لوعـيد الله المؤلم في الآخرة.

فنجد شيخنا المجدد الفطن كعادته يميط اللثام هنا في ذلك المضمار، موضحا الحقائق في تلك الجزئية التي يذكر خلالها الموطن والنُّطُقَ التي في حيزها يُطبق العبد السُّنة بمراحلها المعلومة المدونة في الشريعة دون تكلف أو تصنع، أو رمي التهم للآخرين جورا.

إذ يقول رحمه الله: في (النكتة التاسعة في اللمعة الحادية عشرة):- " قــد لا يتيسر اتبــاع كل نوع من أنواع السنة الشريفة اتباعا فعليا كاملا إلا لأخص  الخواص، ولكن يمكن لكل واحد الاتباع عن طريق النية والقصد والرغبة في الالتزام والقبول. ومن المعلوم أنه ينبغي الالتزام بأقسام الفرض والواجب، أما السنن المستحبةَّ في العبادة فتركُها وإهمالُها وإن لم يكن فيه إثم إلا أنه ضياع لثواب عظيم، وفي تغييرها خطأ كبير.

أما السُّنن النبوية في العادات والمعاملات فإنها تصيّر العادة عبادة رغم أن تاركها لا يُــلاَم، إلا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب الله صلى الله عليه وسلم"(7).

إلى أن قال الشيخ بديع الزمان عليه رحمة الله قولا هاما ومِفْصَليًا في هذا الباب، ما نصه:- "أما البدع فهي: إحداث أمور في الأحكام العبادية، وهي مردودة حيث إنها تنافي الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ (المائدة آية 3). غير أن تلك الأمور المستحدثَة إن كانت من قبيل الأوراد والأذكار والمشارب - كالتي في الطرق الصوفية- فهي ليست ببدعة ما دامت أصولهُا مستقاة من الكتاب والسنة. إذ إن تلك الأصول والأسس المقررة رغم أنها بأشكال مختلفة وأنماط متباينة إلا أنها مشروطة بعدم مخالفتها للسنة النبوية وبعدم تغييرها لها. وعلى الرغم من ذلك فقد أدخل قسم من أهل العلم بعضا من هذه الأمور ضمن البدع، إلا أنهم أطلقوا عليها «البدعة الحسنة»..."(8). 

فقـلــت في ذلك مستعينا بالله: أن هـذا الكلام الراقي الذي انتهجه الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) في هذه الجزئية، يُمثِـلُ أفضــلَ وأنسب رد في هذا العصر على الذين يَرتَئُون أن كل عمل أو قول لم يأت من الرسول عليه السلام ولا من أصحابه الكرام يُعَّد بمثابة بدعة ضالة بالكلية وإن كانت من فروع العبادات التي لها مشتقات وأصول في القرآن والسنة المطهرة.

 فما ذهب إليه الإمام المجدد بديع الزمان في هذا الكلام الموزون نُؤيِّده عليه لرؤيتنا أن ما يأتي به علماء الصوفية من أنواع الأذكار التي لا تخالف القرآن ولا السنة، إنما هي تدخل في باب (السنن الحسنة) التي يُـثاب عليها مُسنِّـنُها في الإسلام والعامل بها، ذلك لأن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم قد أذِن بذلك لأفراد أمته من المخلصين ومن أهل البصيرة والنظر، بل وقد حثَّهم على الإتيان بالسنن الحميدة في الإسلام في فروع العبادات وفي العادات التي لم تنزِل فيها آيات قطعية، سواء (في حياته صلى الله عليه وسلم أو من بعده) ما لم  تتعارض تلك السنن التعبُّدية والعاداتية مع القطعيات الثابتة في القـــرآن والسنة.

وفي ذلك يقول سيدنا محمد عليه السلام (...من سنّ في الإِسلَامِ سُنَّة حَسنة فلهُ أَجرُها وَأَجر من عملَ بها من غيرِ أَن يَنقص من أُجورِهِم شيئًا. ومن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنّة سيِّئة فعلَيه وِزرهَا وَوزرُ من عملَ بِهَا من غَير أن ينقُصَ مِنْ أَوزارِهِمْ شيئًا )"(9).

فمن منطلق الفهوم الواسعة التي يختزلها هــذا الحديث الشريف فإن ما يأتي به أرباب الصوفية من الأذكار إذا ما تعـذَّر - أو استَعْصى - دخولها في باب السنن الحسنة التي يُؤجَرون عليها هم والعاملون بما جاؤوا به، فهي إذا من المستبعدات - طبقا للسنن الربانية والرحمة الإلهية- أن تكون تلك الأوراد والأذكار وِزْرًا يأثم عليها مُسنِّـنُوها والعاملون بها، وبهذا: فإنه إذا ما كان لشخص ما رخصة الإطلاق على أمثال هذه الأمور الدينية بـ: (البدعة الحسنة)، فإن لنا الحق في تسميتها كذلك بــ:(السنة الحسنة) بهذا الدليل الفائت المذكور الموصول.

فهي إذا كغيرها من السُنن الحسنة التي أتت في الإسلام من مجتهدي الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ( كجمع القرآن، وجمع الناس خلف إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، وكختم المصحف فيها وكقراءة دعاء ختم القرآن، وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاة التهجد)، وغير ذلك الكثير مما لا تُعَّـد ولا تُحْصى من المستجدات في ديننا من التي إن لم تزد للعابد ثوابا وقُــرباً إلى الله ما أضرته في عبادته لله من شيء.

فـذكر الله باسمه الخالص الخالي من أية شبهات شركية لا يمكن أن يكون وزرا أو إثما بأي حال من الأحوال بموجب حكم نصوص القرآن والسنة.

فطالما أن الأوراد والأذكار التي أتت من أرباب الصوفية هي أوراد في ذكر الله واستغفاره وتسبيحه وتحميده، ولم ترد في القرآن آية تحرمها، و لا يرفضها حديث مرفوع، ولم يستدرك على تلك الأوراد ما يشير إلى ولوح أدنى تضارب بينها وبين الأصلين، إذا الأساس فيها هو جواز عبادة الله تعالى وذكره  بها ما لم ترد هنالك نصوص قطعية صريحة تقول انها بدعة مرفوضة أو محرمة بالوحي المبين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ( إِنَّ اللَّه فرض فرائِض فلا تُضيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدودًا فَلَا تعْتدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاء رَحْمَة لكم غَيْر نِسْيَان فَلَا تَبحَثُوا عَنهَا ) (10).

 فنجد أن هذا الحديث فيما معانيها تشير بجلاء إلى أن بعض فروع العبادات الصوفية التي هي على الشاكلة التي أوردها بديع الزمان الشيخ سعيد (رحمه الله) والتي أدخلها البعض في باب البدع رغم وجود مشتقات لها في القرآن والسنة، هي في الحقيقة تندرج تحت بنود الأمور التي سكت الله عنها رحمة لامة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة التي جعل الله اختلافات أفرادها في بعض فروع الدين رحمة لهم، فلو كانت تلك الأمور التي هي محل جدل وخلاف وتجاذبات لها بالغ الخطورة في دنيا الناس وعلى العباد كما يُروِّجُ بعض من حمل لواء محاربة البدع بضراوة، لحرم الله ورسوله تلك البدع قبل بروزها؛ لأن الله هو علام الغيوب بالنافع والضار قبل حدوثه ووقوعه، وهو الذي لم يفرط في كتابه السماوي الخاتم من شيء إلا وذكره ذكرانا، وفصله تفصيلا. فسكوته تعالى عنها هو ورسوله الأكرم أدل دليل على إباحتها ما لم تخالف أصول القرآن والسنة كما أشارنا.

وإنما قلــت: أنه وبعد هذا البيان عن مراتب السنة من قبل نجمنا الساطع المجدد الفذ فريد زمانه بديع الزمان النورسي يتجلى لكل من أمعن نظره في سطور رسائل النور الامعة، وينبلج لكل من ألقى سمعه لأبعاد كلمات المؤلف (عليه رحمة الله) سراجا منيرا تستضيئ له إنارة التذكر- بصورة أرسخ ثباتا في الأذهان- أن السنة في حق من طبقها بإخلاص وبأسُسِها المعلومة هي بمثابة السفينة المُؤَمَّنَة السائرة برُكَّابها بلا وجل على بحر مسجور متلاطمة الأمواج نحو رضا الله ومحبتـه سبحانه.

فعلى خلفية إزاحة الشيخ بديع الزمان: (رحمه الله) الكثير من بئر الخلافات الناشبة بين المسلمين قديما وحديثا في الصفحات الغابرة في باب ماهية السنة ومراتبها وقواعد تطبيقها، ومبينا لنا صور البدع ومزالقها الخطيرة، نجده مرة أخرى يشير إلى منابع السنة المُطهَّرة، مضيفا لنا خلال ذلك قواعد هامة لا غنى عنها، من التي يجب مراعاتها أثناء تطبيق السنة خلال هذه المنابع. فيقول عليه رحمة الله في (النكتة الحادية عشرة من اللمعة الحادية عشرة) قال: "إن لسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة منابع، هي:-  أقوالهُ، وأفعاله، وأحواله. وهذه الأقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة أقسام: الفرائض، النوافل، عاداته صلى الله عليه وسلم.

ففي قسم الفرائض والواجب، لا مناص من الاتباع، والمؤمن مجبَر على هذا الاتباع بحكم إيمانه. والجميع بلا استثناء مكلفّون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على إهماله أو تركه عذاب وعقاب.

وأما في قسم النوافل، فأهل الإيمان هم مكلفَّون به أيضا حسب الأمر الاستحبابي، ولكن ليس في ترك النوافل عذاب ولا عقاب، غير أن القيام بها واتباعها فيه أجر عظيم وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير"(11).

ويواصل الشيخ بديع الزمان رحمه الله سرده لمنابع السنة النبوية المطهرة وقواعد تطبيقها في الحياة فيقول:- " وأما عاداته صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدا تقليدهُا، واتباعها حكمة ومصلحة، سواء في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا فضلا عن أنها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعادات بحكم العبادة" (12).

ويختتم الشيخ اطلالاته على هذا الفصل الهام عن عظمة السنة، وإلقائه الأضواء الساطعة الدالة أن في تطبيقها فوز وفي تركها جرم - بعبارات ترغيبية حارة لبِقَة تجْذِب القارئ والسامع إلى اتباع الهدي النبوي صلى الله عليه وسـلم وسنته الغــراء دون كلل أو تراخ أو تَلكُّئْ.

إذ يقــول رحمه الله:-" نعــم، مادام -عليه الصلاة والسلام- متصفا بأسمى مراتب محاسن الأخلاق، باتفاق الأولياء والأعــداء، وأنه صــلى الله عليه وسلم هو المصطــفى المختار من بين بني البشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع. وما دام هو أكمل إنسان، بل أكمل قدوة ومرشد بدلالة آلاف المعجزات. وبشهادة العالم الاسلامي الذي كونه، وبكمالاته الشخصية بتصديق حقائق ما بلغه من القرآن الحكيم. وما دام ملايين من اهل الكمال قد سموا في مراتب الكمالات، وترقوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا الى سعادة الدارين. فلابد أن سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحركاته هي أفضل نموذج للاقتداء وأكملُ مرشد للاتباع والسلوك وأحكم دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسا في تنظيم حياته.

فالسعيد المحظوظ هو من له اوفر نصيب من هــذا الاتباع للسنة.

ومن لم يتبع السنة فهو في خســران مبين ان كان متكاسلا عنها.. وفي جناية كبرى ان كان غير مكترث بها .. وفي ضلالة عظيمة ان كان منتقدا لها بما يومئ التكذيب بــها " (13) .

حــقًا: إن كل ذي عقل موزون، وكل ذي بصيرة رشيدة لا تتقاطر على مسامعه هذه اللمعات النورسية عن السنة فيعْرِضُ عن تطبيقها الا وقد أثبت لنفسه وللعالمين شقاءه وبُعْـدَه عن الورود في الحوض النبوي الشريف، وبُعْـدَه عن الدخول في ظل شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

فلن يجد الانسان في هذا الوجود مرشدا يرشده الى ما يصلح حاله، أو قاعدا يقوده إلى حياة سعيدة أبدية أكثر من قواعد السنة المطهرة (14).

فلتتسابق النفوس والقلوب والأبدان إلى صيوان اتباع السنة المطهَّـرة، لنيل القُرْب من رحمة الرحمن في الدنيا، تلك الرحمة التي تعكسه شرف العيش في ظلال الهدي النبي الشريف عليه السلام.

ولْنَتَجَنَّب عواقب الإعراض عن السنة وسوء خواتم الإفراط فيها، فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تمسك بسنتي وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك» (15) .

فلنتسارع  في كسب القرب من فلك النجاة، والركوب على سفينة شفاعة الشفيع يوم تبلى السرائر، تلك الشفاعة التي تعكس رحمة الرحيم في الآخرة يوم لا تنفع الأملاك ولا البنون إلا من جاء الرحمن يوم الحساب بقلب سليم. قال تعالى:﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.(الواقعة من آية 10 – 11).

فلنسعى جاهدين إذا لنيل هــذا الربح العظيم والفوز الكبير بعد أن عرفنا قدره من خلال تلك الإيضاحات النورسية للسنة ومقاصدها ومراميها، والسبل وقواعد تطبيقها في العبادات والعادات والمعاملات.

وليسعى كل منا لنيل بركة اتباع السُنة، كل على قــدر الاستطاعة بعد ادراكنا مدى جلبها  للسعادة في الحياة الدنيا، ومدى نفعها الخالد في الحياة الأبديـــة.

 

الفصـــل الثاني:
* - مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبياء.

لما كان العلماء والفقهاء هم ورثة الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم(16) فإن من حق الأنبياء على أتباعهم من العلمــاء والفقهاء أن يبلِّغوا رسالات الله التي أوحى بها إليهم طبقا للمناهج التي بلغوا بها تلك الرسالات إلى أقوامهم.

فمناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء جِــدُّ كثيرة، نذكر أربعة منها في هذا المقام وهي:-

أولا:- الصدق الذي وصف الله به نبيه إسماعيل عليه السلام فقال فيه عز من قائل:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ (ســـــورة مـــريم 54). وكما قال في حق نبيه إدريس عليه السلام، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾(سورة مريم 56).

ثانيا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الإخلاص الذي وصف الله به نبيه وكليمه موسى عليه السلام فقال فيه جل شأنه:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (سورة مريم 51).

ثالثا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الصبر وأبعاد التحمل الذي وصف الله به نبيه أيوب عليه السلام فقال فيه جل جلاله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (سورة ص44).

رابعا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالبينة وبالتي هي أحسن، والابتعاد عن التشدد والغلو والإكراه في الدين، وتلك هي المناهج السامية التي أمر الله بها نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام فقال فيه عز من قائل:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ( سورة النحل 125).

فلما كانت أساسيات أخلاق الأنبياء أنفسهم ومناهجهم في التبليغ منبثقة من هذه القيم المثلى المتمركزة في قاطبة مكارم الأخلاق، والتي تلخصها جواهر الصدق والإخلاص والحكمة والموعظة الحسنة، والصبر على أذى المعترضين الملحــدين والمارقين الكافـــرين، والبُعد عن كافة أشكال التضليل والإكراه في الدين، أو اللجوء إلى الرغبة في هداية الناس قسرا وجبرا. تلك الأوصاف الزكية التي تُـتَوِجُها لطف الأنبياء مع أقوامهم وتدرُجِهم معهم في تصحيح مفاسد العادات المتعلقة بحياة العامة والخاصة، وتوجههم إلى الله تعالى بخالص الدعاء للضالين منهم بالهداية، فإنه لا يحق لأتباعهم من المبلغين من بعدهم بأي حال من الأحوال – وتحت أي ظرف من الظروف وفي أي عصر من العصور - الخروج عن دوائر تلك المناهج السامية العتيقة في التبليغ.

فلا نجاح لأتباع الأنبياء في تبليغهم ما لم يتخذوا تلك القيم السالفة منهجهم في إقامة الحجج الدامغة الراسخة كالشمس المضيئة في كبد السماء على الخصوم من خلال حوار بناء واقناع بالبينة، وبالأخص في عصورنا المتأخرة هـــذه.

لكن الواقع الأليم في الميــادين يؤكد أن غالبية أتباع الرسل قد انحرفوا عن المسار الصحيح لمناهج رسلهم في التبليغ في الزمن الغابر وفي الحاضر على حد سواء، سواء تعلق الأمر باليهود والنصارى من جانب، أو تعلق بالمسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه العصور من عمر الرسالة الخاتمة من جانب آخر.

وتلك الوقائع الأليمة هي مصداق قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ (سورة مــــــريم 59).

فقد نحت اليهود والنصارى منحى التضليل والأكاذيب والنفاق والخداع والجور، فخالفوا بذلك منهج الصدق والإخلاص الذين كان عليهم أنبياءهم، بطمسهم الحق وجعلهم الباطل منهجهم، وعَيْـشهم في الزور وفي أكـل الربا وفي مفاسد الأخلاق الاجتماعية والاقتصادية، فبدلوا رسالات الرسل، وتجرؤوا على الله في تحريم الحلال وإحلال المحرمات. فأماتوا ما كان حيا وأحيوا ما لم يكن كائنا في أديان أنبيائهم.

وفيهم يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله:-" أما﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾  فالمراد منه الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية فظلموا، وفسَقوا بترك الأحكام، كتمردّ اليهود ولما كان في نفس الفسق والظلم لذةٌ منحوسة وعزةٌ خبيثة لا تتنفرّ منه النفسُ، ذكَرَ القرآنُ عاقبتهَ التي تُنَّفر كل نفسْ وهي نزُوُل غضبهِ تعالى. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار، إشارةً إلى أن العصيان والشر إنما يكون سمةً إذا لم ينقطع بالتوبة والعفو.

أماّ ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فالمراد منه الذين ضلُّوا عن الطريق بسبب غلبة الوَهْم والهوى على العقل والوجدان، ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفَسطة النصارى. اختار القرآنُ نفس صفتهم، لأن نفس الضلالة ألمٌ يُنَّــفر النفسَ، ويجتنب منه الروح وإن لم ير النتيجةَ واسماً لأن الضلالة إنما تكون ضلالة إذا لم تنقطع. واعلم أن كل الألم في الضلالة، وكل اللذة في الإيمان"(17).

كما نحى بعض المسلمين كذلك مَنْحى الغلو المفرط والإكراه والعنف المهلك في سبيل تبليغ كلام الله الذي أوحى به إلى رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. فضاعت الحكمة والموعظة الحسنة والإخلاص والروية من منهجهم فأضروا إلى منهج التبليغ أيما ضرر.

 كالخوارج وغيرهم من المغالين من أهل الطيْش المفرط من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. الذين يقول فيهم الشيخ النورسي (رحمه الله) في اللمعة الرابعة عشرة:- قال: "نعم، إن الخوارج وأتباع الأمويين المغالين بتفريطهم في حق سيدنا علي رضي الله عنه وتضليلهم له وإفراط الشيعة وغلوهِّم وبدعهم وتبريهّم من الشيخين مع وقوع الفاجعة الأليمة على الحسين رضي الله عنه، قد أضر أهل الإسلام أيماّ ضرر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينجي بهذا الدعاء والعباء(18) عليا والحسين من المسؤولية والتهُم، وينقذ أمتهَ من سوء الظن في   حقهما كما يهنئ - من حيث مهمة الرسالة - الحسن الذي أحسن إلى الأمة بالصلُح الذي قام به، ويعلن أن النسل المبارك الذي يتسلسل من فاطمة سينالون شرفا رفيعاً، وأن فاطمة ستكون كريمة من حيث ذريتها كما قالت أم مريم في قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ ( آل عمران36)..."(19).

فهذه المناهج الشاذة التي لجأ إليها كل هــذه الأطراف المشار إليها كلها مخالفة لمناهج الأنبياء التي كان يجب على أتباعهم اتباعها بلا تبديل، وخاصة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، الذين تخلى معظمهم عن أكبر الاجزاء أممية من منهج رسولهم الرصين في الدعوة والتبليغ، ألا وهي جزئية الحكمة وجزئية الإخلاص، فعمت الكراهية والتكفير بين صفوف المسلمين في العالم الإسلامي بسبب رغبة معظم المبلغين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في احتكار الصواب المطلق.

فطمعت كل فرقة في أن تكون جماعتها فقط هي مرجعية كل المسلمين، وأن يكون قاعد تلك الفرقة هو إمام الأمة في الفكر والرأي، فترى أن أي ارشاد في الدين يجب أن يكون ارشادهم الذي يُستمّعُ إليه دون غيره من عظات أهل التبليغ والاجتهاد والاستنباط.

فتجد أحدهم يتصرف في الدين فكأنما هو فقط من يفهم القرآن والأحاديث النبوية، حاملا الثقل والثقة الزائدة في النفس التي توحي أنه هو من يهدي الناس بإرشاده المحض قهرا، بعيـــدا عن إرادة الله ومشيئته سبحانه وتعالى. ناسيا أن ذلك مناقض ومخالف تماما لمنهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي مثل تلك المواقف التي تعد خارجة عن دوائر مناهج التبليغ المحمودة المقبولة، يقول أستاذنا بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) "...الذي يسوق أهل الهداية إلى سوء استعمال علو الهمة وبالتالي إلى الاختلاف والغيرة والحسد، إنما هو المبالغة في الحرص على الثواب الأخروي – الذي هو في حد ذاته خصلة ممدوحة – وطلب الاستزادة منها دون قناعة وحصرها على النفس. وهذا يستدرج الحريص شيئا فشيئا حتى يصل به الأمر إلى أن يتخذ وضعا منافسا إزاء أخيه الحقيقي الذي هو بأمس الحاجة إلى محبته ومعاونته وأخُوته والأخذ بيده كأن يقول -مثلاً- لأغنم أنا بهذا الثواب، ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وأمثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه أو يقول: لماذا يذهب تلاميذي إلى فلان وعلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة ؟ فتجد روح الأنانية لديه - بهذا الحوار الداخلي- الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز، فتسوقه تدريجيا إلى التلوث بصفة مذمومة، تلك هي التطلع إلى حب الجاه، فيفوته الإخلاص وينسد دونه بابه. بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه..."(20).

ولقد وضَّح الشيخ بديع الزمان(رحمه الله) لأبناء الأمة الحلول الناجعة لتلك المشكلة، مبيناً كيــف هو السبيل إلى التخلص من تلك الأمراض الهدامة لقضية الدعوة والتبليغ فقــال في (اللمعة العشرين): "إن عـلاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو: العلــم بأن رضى الله لا ينُال إلا بالإخلاص، فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الأعمال، ذلك لأن تكثير التابعين والتوفيق في الأعمال هو مما يتولاه الله سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسْأل ولا يُطْلب، بل يؤتيه الله سبحانه من يشـاء".

إلى أن أضاف في ذات اللمعة قائلا:- (رحمه الله) "...إن الإخـلاص في العمل ونشدان الحق فيه إنما يعُرف بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامة، أيا كان مصدر الاستفادة ومن أي شخص صدر، وإلا فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفس وخديعة الأنانية " (21)...(22).

فهذه اللمعات الثاقبة تؤكد لكل حاذق مدى أهمية وجود الحِكْمة والإخلاص في مناهج التبليغ وسط الدعاة من اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم(23).الذين تجدهم اليوم في ميادين الدعوة يبالغون في التشدد على الناس، فكأنما يرغبون في هداية الناس بأنفسهم أو محاسبتهم في الدنيا وفي الآخر، دون إدراك منهم أن كلا المنهجين يشكلان تدخلا سافرا في شؤون الله وحكمه سبحانه وتعالى، ودون أن يعلموا أنهم بذلك يبددون أجورهم بمخالتهم منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة، فلقد كان الرسول مُبلِّغا وليس مُهْتديا ولا محاسبا على من يشاء من الناس، لأنه بُعث مبشرا ونذيرا وليس حاكما على العباد،  قال تعالــى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ( آل عمـــران 20).         

فعلى المخالفين لمنهج النبوة في التبليغ أن يعلموا أن أمرهم ذاك من شأنه أن يهدم كل قيم الإخلاص في دعوتهم إلى دين الله تعالى.

فرسائل النور لمؤلفها الأستاذ بديع الزمان (رحمه الله) تضع للدعاة والمبلغين اليوم أحسن علاج لهذه المعضلة العويصة التي تضر بالدعوة.

وذلك في حيثيات حث الشيخ لتلاميذ رسائل النور وأبناء الأمة قاطبة على ضرورة الإلتزام بالمنهج النبوي في نشر الرسائل وفي تبليغ رسالة القرآن والسنة بوجه عام إذ يقـــول رحمه الله:-" يزاد حماس بعض الإخوة وشوقهم إلى (رسائل النور) باستجابة الناس لها، فينشطون أكثر.. ولكن عندما لا يستجيب لها الناس، تفتقر قوة الضعفاء المعنوية وتنطفئ جذوة شوقهم. والحال أن سيدنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو الأستاذ الأعظم ومقتدى الكل والرائد الأعلى قد اتخذ الأمر الإلهي:﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾( النور 54) دليلا ومرشدا له، فكلما أعرض الناس عن الإصغاء وتولّوا عنه ازداد جهادا وسعيا في سبيل التبليغ لأنه علَمِ يقينا أن جعل الناس يصغون ويهتدون إنما هو من شؤون الله سبحانه، وفق الآية الكريمة: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص 56). فما كان يتدخل صلى الله عليه وسلم في شؤونه سبحانه.

لذا فيا إخوتي! لا تتدخلوا في أعمال وشؤون لا تعود إليكم ولا تبنوا عليها أعمالكم ولا تتخذوا طور الاختبار تجاه خالقكم"(24).

وبهذه القاعدة التامة الأصيلة التي يهديها الشيخ النورسي (رحمه الله) للمبلغين الراجين لقاء الله لنيل ثواب عملهم ننهي هذا الفصل الهام من هذا البحث، ولله الحمد والمنة.

 

 

الفصـل الثالث:-
* - الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة.

لقد جعــل الله سبحانه وتعالى من قصص الأنبياء مواعظ كبــرى لأتباعهم في زمنهم خاصة، ولعباد الله عامة في كل عصر ومصر، ليقتبس السابقون واللاحقون من تلك القصص قبسات إيمانية تعود إليهم بالنفع في شؤونهم الدنيوية والأخروية على حد سواء، فمن تدبر أعماق تلك القـصص المترامية في نصوص القرآن والسنة المطــهرة وجد أن عدالة الله وميزانه الذي وضعه من لدن بدأ الخليقة لا يزال قائما إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

فقد أفلح المصدِّقون وسَعِــدوا إذا ما عملوا بعمل أهل السعادة الوارد ذكرهم في تلك القصص، وخاب وخسر المكذِّبون إذا ما نهجوا نهج الأشقياء الهالكين ممن ورد ذكر شأنهم وعاقبة أمرهم في قصص الأنبياء في النصوص المقدسة(25).      

فالدروس والعظــات التي ندركها من قصص الأنبياء لا تعـُـدُّها الأرقام ولا تُحْصيها السُّطور، لكننا نذكر بعضا منها في هذا المقام من منظور رسائل النور وهـــي:-

أولا:- إذا ما تطـرقنا إلى قصة سيــدنا آدم عليه السلام (على سبيل المثال لا الحصر) فإننا سندرك من خلالها أهمية العلم بالنسبة للإنسان في هذا الكون، وندرك كيف أن الله تعالى بالعلم رفع قدر نبيه آدم عليه السلام، وعلا من شأنه أمام جمهور الملائكة إلى أبد الدهر، فنستفيد من تلك القصة التي أوردها الخالق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وشرحتها السنة المطهرة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ندرك ونستفيد من هذه الواقعة كيف أن العلم ضروري في حياة الإنسان، وأن طلبه مطلب شرعي في غاية الالحاح، وأن العلم ليس له حدود كلما كان شرعيا ونافعا، ونُـدْرك أن من منَّ الله تعالى عليه بالعلم  نال أعالي الدرجات والمقامات في الدنيا والآخرة.

وفي ذلك يقول شيخنا بديع الزمــان (رحمه الله) في النكتة الأولى من الكلمة العشرين: " فالآية الكريمة: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ تُبين أن تعليم الأسماء معجزة من معجزات سيدنا آدم عليه السلام تجاه الملائكة، إظهــارا لاستعداده للخلافة، وهي وإن كانت حادثة جزئية إلا أنها طرف لدستور كلي هو: أن تعليم الإنسان – المالك لاستعداد جامع – علوما كثيرة لا تحد، وفنونا كثيرة لا تحصى حتى تستغرق أنواع الكائنات، فضلا عن تعليمه المعارف الكثيرة الشاملة لصفات الخالق الكريم سبحانه وشؤونه الحكيمة .. إنّ هذا التعليم هو الذي أهَّل الإنسان لينال أفضلية، ليس على الملائكة وحدهم، بل أيضا على السماوات والأرض والجبال في حمل الأمانة الكبـــرى"(26).

ثانيا:- نجد أن ذات العظات والدروس المستفادة تتكرر بكل قوة وبكل تنوع في كل قصة من قصص الانبياء في القرآن، إلى درجة أنه حتى في تكرار قصة بعينها عدة مرات في القرآن فإن ذلك  في حد ذاتها عبر ودروس وعظات  لا تنضب (27).

ثالثا:- من الدروس والعظات التي يجب إدراكها في قصص الأنبياء هو ضرورة المعرفة أن عدالة الله تعالى ينقسم إلى شقين عظيمين، أولهما:- عدالة تضع سائر المخلوقات في ميزان عدل الله على قدم المساواة في تقسيم الأرزاق.

وثانيهما: عدالة تأديبية تخص المتمردين من عباده سبحانه وتعالى .

فالله جل جلاله إذا أطعم الخلائق وسقى الناس والشجر والدواب فإنما ذلك بحكم عدله الشمولي المنزه عن الظلم في أصغر صوره في الأرزاق، وكيف لا وقد عاهد على ذاته العلية بذلك إذ قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود 6).

أما إذا ما عاقب المكذبين من أقوام الأنبياء وأتباع الرسل الكرام، كإهلاكه قوم نبيه صالح عليه السلام، حين ذكر في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾ (الحــاقة 5)، أو إهـلاكه سبحانه قوم نبيه هود عليه السلام، حين أخبر في قوله:﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾(الحاقة6)، فإنمــا ذلك بموجب سننه الزاجرة وبحكم قوانينه الكونية في تأديب العصاة من المنكرين بعد الإنذار والتنذير"(28).

رابعــًا:- من العظات أيضا في قصص الأنبياء عليهم السلام هي أننا إذا دققنا النظر في إخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن تلك القصص ذاتها نجد أن في ذلك دروس كبرى، أهمها إثبات صدق نبينا محمد عليه السلام، والتأكيد للعالمين كيف أنه نبي له صلة وثيقة برب السماوات والأرض، فلا ينطق عن الهوى إنما يُخبر بما يُوحى إليه من فوق سبع السماوات.

وهذا ما يوضحه شيخنا المغوار بديع الزمان (رحمه الله ) بجلاء في اربع نكــات أساسية فيقول ما نصه:- " اعلم أن صحيفة الماضي المشتملة على قصَصَ الأنبياء المذكورة على لسانه عليه السلام في القرآن برهان على نبوتّه بملاحظة أربع نكات إحداهـــا: أن من يأخذ أساسات فن ويعرف العقد الحياتية فيه ويُحسِن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدَّعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن.

النكتة الثانية: هي أنك إن كنت عارفا بطبيعة البشر لا ترى أحدا يتجاسر وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفة وكذب ولو صغيراً في قوم ولو قليلين في دعوى ولو حقيرة.. بحيثية ولو ضعيفة، فكيف بمَن له حيثية في غاية العظمة وفي دعوى في غاية الجلالة في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة عناد في غاية الشدة مع أنه أميّ لم يقرأ.. يبحث عن أمور ليستقلّ فيها العقلُ ويُظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد أفلا يدلّ هذا على صدقه وأنه ليس منه بل من الله ؟

الثالثة: هي أن كثيرا من العلوم المتعارفة عند المدنَيين - بِتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال- مجهولةُ نظريةُ عند البدويين فبناءً عليه البد لمَن يحاكِمِ ويتحرى حال البدويين - لا سيما في القرون الخالية- أن يفرض نفسهَ في تلك البادية.

الرابعة: هي أنه لو ناظر أمي علماء فنٍّ - ولو فنَّ الصرف- ثم بيَّن رأيه في مسائله  مصدِّقا في مظان االاتفاق، ومصحِّحًا في مطارح الاختلاف؛ أفلا يدلُّك ذلك على تفوُّقه، وأن علمه وهبي؟ " (29).

فقصص الأنبياء في القرآن الكريم كلها مليئة بعظات ودروس وعبر لا يتسع المجال هنا لسردها وبيانها، فما ذكرناه هنا في عجالة من إشارات الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) من منظور رسائل النور لخير شاهد على سعة هذا الباب وأهمية المقام وبالغ منافعه.

 

الفصــــل الرابع:-
 - الحلول التي يقدمها مناهج النبوة للمشــاكل ولا سيما مشاكل العصر الحديث.

إن مناهج سائر الأنبياء بلا استثناء تقدم حلولا جذريا لمشاكل الدنيا كلها، وتضع بلسما فعالا دائما لكافة آلام أهل الأرض، وتحُدُّ من تفاقم هموم أهلها وغمومهم بل تنهيها بشكل نهائي كلما وُسع لها مجال في دنيا الناس.

فلقد قدمت تلك المناهج النبوية المقدسة حلـولا لمشاكل العقيدة والعبادات والمعاملات لعصور غبرة ولعصرنا هذا، ووضعت علاجات للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وأوجدت قوانين صارمة في قضايا الأمن والسلم والدماء.

ونشرت قيم التسامح والمودة والوئام بين القبائل والشعوب، ليتعايشوا في عالم يسوده السلام والرخاء والمحبة والاحترام المتبادل بين كل الأمم على وجه الأرض.

أما قضايا الظلم و أشكال الاستبداد فمنهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو منهج القرآن ومنهج الدين الخاتم قد عالجها جميعها (30).

وأما المشاكل الاقتصادية وكافة اشكال الجشع المسبب للجوع والفقر والامراض والبطالة والأحقاد والصراعات وغيرها، فقد أوجد المنهج النبوي حلولا رادعة لجميعها وذلك بفريضة الزكاة، وبتحريم الربا والرأس مالية الظالمة في سائر أنواع التعاملات المالية في العالم.

ويلخص الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) تلك الدرر القرآنية في تعبير دقيق بمنتهى الروعة فيقول: "إن المدنية بكل جمعياتهِا الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونظُمُها الجبارة، ومؤسساتهِا التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم، بل انهارت أمامهَما وهي في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾(البقرة:43). و﴿ وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة:275).

ثم قال رحمه الله: " سنُبين هذا الظهور القرآني المعجز وهــذه الغالبية بمقدمة: إن أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة، كما أن منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضا. كما أثبت ذلك في «إشارات الإعجاز».

الكلمة الأولى: «إن شبعتُ، فلا عليَّ أن يموت غيري من الجوع»

الكلمة الثانية: «اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا»

نعم، إنه لا يمكن العيش بسلام ووئام في مجتمع إلا بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء. وأساس هذا التوازن هو رحمةُ الخواص وشفقتُهم على العوام، وإطاعةُ العوام واحترامهُم للخواص.

فالآن، إن الكلمة الأولى قد ساقت الخواصَّ إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمة الثانية العوام إلى الحقد والحسد والصراع. فسُـلبت البشرية الراحة والأمان لعصور خلت، كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على أحد.

 فالمدنية بكل جمعياتها الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزتْ عن أن تصلح بين تينك الطبقتين من البشر، كما عجزت عن أن تضمد جرحَي الحياة البشرية الغائِرَين.

أما القرآن الكريم فإنه يقلع الكلمة الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة.

ويقلع الكلمة الثانية من أساسها ويُداويها بحرمة الربا. نعــم، إن الآيات القرآنية تقف على باب العالَم قائلة للربا: « الدخول ممنوع » وتأمر البشرية: «أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامكَم أبواب الحروب» وتحذر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها "(31).

فهذه الحلول الناجعة التي وضعها كتاب الله - الذي هو الدستور ومنهج نبينا-  في حل قضايا الظلم والاضطهاد والاقتصاد والجوع والفقر، فإنه بمثله وضع حلولا لكل المشاكل التي تعانيها الأمة من مشاكل اجتماعية ومن ظواهر الغلو والتطرف وإراقة الدماء بغير أوجه حق، والتي تتنافى جملة وتفصيلا مع مناهج نبينا محمد عليه السلام.

فـإذا كانت هذه الحلول الجبارة كلها موجودة في منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن السؤال العظيم الذي يطرح نفسه هو لماذا تراوح مشاكل المسلمين منذ قرون مكانها دون حلول، والحلول الأمثل موجودة بين أيديهم في منهج نبيهم ؟

فالجواب هو: أن سبب التأخر في الاستفادة من تلك الحلول تمكن في داء القلوب الخبيثة التي أصابت الأمة، فبيــد أن مسببات هذه المشاكل المهلكة المميتة كلها تكمن في فساد القلوب التي غزتها الحقد والحسد والنهم والأنانية.

فالحل الأول إذا: يَكْمُن في مداواة القلوب وتطهيرها من تلك الأدناس الدفينة. التي تُتَوجها التمرد والإعراض عن مناهج النبــوة والبحث عن الحلول من غيـرها التي تفْتـقِـر إلى مقومات الاصلاح الفعَّال والــدائم .

فقلــت: أن الأمل في صلاح الحال وعلاج أمراض القلوب وتضميد الجراح وحلِّ المشاكل موجود بإذن الله ثم بفعل الصحوة الإســلامية وانتشار علومها البراقة التي لا تقاوم.

الأمــل موجود بدوافع إقامة المؤتمرات العلمية العالمية التي تعيد لكتب التراث ومؤلفاتها الثمينة دورها في ابراز الحق للشعوب المسلمة من التي على شاكلة كنــوز رسائل النور ومؤتمراتها .

الأمــل موجود بفعل الثورة التكنولوجية التي سخرها الله لخدمة الإسلام على حين غفلة من مبتكريها، بحيث تحمل حقائق الإسلام وجواهرها الفذة إلى عقر ديار المعترضين بلا حدود مانعة حاجزة.

إن الأمــل في حل مشاكل الكون ومداواة جروح سكانها بمنهج نبي الإسلام موجود، وسوف ينتصر الحق على الباطل عاجلا أم آجلا بإذن الله تعالى.

وفي ذلك يقول النورسي (رحمه الله )"... لما كان المهيمن هو الحق والبرهان والعقل والشورى في خير القرون وعصور السلف الصالح، لم يك للشكوك والشبهات موضع، كذلك نرى أنه بفضل انتشار العلوم في الوقت الحاضر وهيمنتها بصورة عامة - وفي المستقبل هيمنة تامة إن شاء الله - سيكون المهيمن هو الحق بدلاً من القوة، والبرهان بدلاً من التعصب والسفسطة، والحمية بدلا من الأحاسيس المادية، والعقل بدلاً من الطبع، والهدى بدلاً من الهوى، كما كان الحال في القرون الأولى والثانية والثالثة وحتى إلى القرن الخامس عامة أما بعد القرن الخامس، إلى الآن فقد غلبت القوة الحق.

ومن محاسن سلطان الأفكار أن تخلّصت شمس الإسلام مما كان يحجبها من غيوم الأوهام والخيالات، بل أخذت كل حقيقة منها بنشر نورها، حتى المتعفنون في مستنقع الإلحاد أخذوا يستفيدون من ذلك النور.

      ومن محاسن مشاورة الأفكار تأسس المعتقدات والمسالك على البراهين القاطعة، وربط الحقائق بالحق الثابت الممدِ للكمالات كلها، مما يؤدي إلى عدم تمويه الأفكار وخداعها بإلباس الباطل لباس الحق.."(32).

وهذا –  والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ (البقـــرة 32).

 

 

-----------------------

قائمة المراجــع

  • القــــرآن الكـــريم.
  • كتب السنة النبوية.
  1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.
  2. مسند الإمام أحمد بن حنبل.
  3. الإبانة الكبـــرى، لابن بطة العكبري.
  • كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي.
  1. مجلد "الكلمـــات".
  2. مجلد "المكتوبات".
  3. مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز".
  4. مجلد "اللمعـــات".
  5. مجلد "الشعاعات".
  6. مجلد "صقيل الإسلام".
  7. مجلد "المثنوي العربي النــوري".

 

------------------------------

(1) انظر في كليات رسائل النور للمؤلف بديع الزمان الأستاذ سعيد النورسي (رحمه الله)  ج 3- مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص  85 ، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.

(2) انظر في كليات رسائل النور ج 6 - مجلد " المثنوي العربي النوري" ذيل القطرة؛ ص  170- 171.

(3) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 5/315؛ وابن عدي في الكامل 2/327؛ والبيهقي في الزهد ص 118؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء 8/200؛ والمنذري في الترغيب والترهيب 1/41؛ والمناوي في فيض القدير 6/261. انظر في حاشية مجلد اللمعات ص 73.

(4) انظر كليات رسائل النور للمؤلف بديع الزمان الأستاذ سعيد النورسي (رحمه الله)  ج 3 - مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص  73، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.

(5)  انظر المرجع السابق 3/ 78.

(6) المرجع السابق 3/ 77- 78.

(7) المرجع السابق 3/ 81.

(8) المرجع السابق 3/ 81.

(9) أخرجه النسائي في سننه 8/ 329 من حديث المنذر بن جرير. والإمام أحمد في مسنده 39/ 166.

(10) أخرجه الدار قطني من حديث أبي ثعلبة رفعه ( انظر فتح الباري20/340 لأبن حجر العسقلاني، وأخرجه في كتابه "المطالب العالية" 8 / 379 وقال رجاله ثقات.

(11) انظر كليات رسائل النور  ج 3 - مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص  85 ، و قد سبق ذكره.

(12)  المرجع السابق 3/ 85.

(13) المرجع السابق 3/ 85 - 86.

(14) وفي ذلك يقول الشيخ سعيد (رحمه الله) في النكتة السابعة من اللمعة الحادية عشرة ما نصه:- " إن السنة النبوية المطهرة في حقيقة أمرها لهي أدب عظيم، فليس فيها مسألة إلا وتنطوي على أدب ونور عظيم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال {أدبني ربي فأحسن تأديبي}(3) نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحط علما بالسنة المطهرة، يدرك يقينا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع أصول الآداب وقواعدها في حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالذي يهجر سُنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محروما من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل ويكون مصداق القاعدة: بي أدب محروم   باشد أز لطف رب..." انظر مجلد "اللمعات" ص  78- 79.

(15) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى 1/ 156.

(16) أخرج الإمام أحمد في مسنده في حديث رقم 20723 -  فقال حدثنا محمد بن يزيد أنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن كثير بن قيس قال قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك أي أخي؟ قال حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أما قدمت لتجارة قال لا، قال أما قدمت لحاجة، قال لا قال ما قدمت إلا في طلب هذا الحديث، قال نعم ، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، "إن العلماء هم ورثة الأنبياء لم يرثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

(17) انظر في كليات رسائل النور  ج 5- مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" ص 34-35 ، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.

(18) يقصد الشيخ بديع الزمان في هــذا المقام مقاصد قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب33).

(19) انظر كليات رسائل النور  ج 3- مجلد "اللمعــات" ص ،131- 132 .

(20) المرجع الســابق ص 211.

(21) المرجع السابق ص 211.

(22) ولقد ذكر الشيخ بديع الزمان قاعدة عظيمة تنصب في صالح ضرورة استجماع الإخلاص في مساعي علماء الأمة والدعاة والمبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يتطلب الابتعاد عن التنافس المذموم حول أجر الدنيا الزائلة، وقد آثرت الإشارة إليها في هذه حاشية لأهميتها في هذا المقام الذي نحن بصدده إذ يقول(رحمه الله)" أما أهل الدين وأصحاب العلم وأرباب الطرق الصوفية فإن وظيفة = كل منهم متوجهة إلى الجميع، وأن أجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة، كما أن حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس إليهم والرضى عنهم لم يتخصص أيضاً فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيد كثيرة جدا إلى أية أجرة مادية كانت أو معنوية ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة؛ فيتبدل الوفاق نفاقا والاتفاق اختلافا وتفرقاً، فلا يشفي هذا المرض العضال إلا مرهم الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (يونــس72) بإيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثرَة النفس وأن يحصل له امتثال بالآية الكريمة: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النــور54) باستغنائه عن الأجر المادي والمعنوي، المقبلينَ من الناس مدركا أنَ استحسان الناس كلامهَ وحسن تأثيره فيهم ونيل توجههم إليه هو مما يتولاه الله سبحانه وتعالى ومن إحسانه وفضله وحده، وليس داخلا ضمن وظيفته التي هي منحصرة في التبليغ فحسب بل لا يلزمه ذلك ولا هو مكلف به أصلاً فمن وفقّه الله إلى ما ذكُر آنفا يجد لذة الإخلاص، وإلا يفوته الخير الكثير. انظر مجلد اللمعات، ص 208.

(23) في ثنايا شجبه ودحضه مناهج الغلو والإكراه في التبليغ في اوساط اتباع محمد صلى الله عليه وسلم يقول بديع الزمان (عليه رحمة الله ):" فيا من يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من أعمال للآخرة!  اعلم أن الله سبحانه قد بعث أنبياء كراماً، وما آمن معهم إلا قليل ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملا غير منقوص، فليس السبق والفضل إذن في كثرة التابعين المؤمنين، وإنما في نيل شرف رضى الله سبحانه، فمنَ أنت أيها الحريص حتى ترغب أن يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره؟ اعلم واجبكَ، ولا تحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره اعلم أن تصديق الناس كلامك وقبولهم دعوتك وتجمعهم إنما هو من فضل الله يعطيه من يشاء، فلا تشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همك في القيام بما أُنيط بك من واجب". انظر مجلد اللمعات، ص 211-212.

(24) المرجع السابق  ص 182 – 183 .

(25) يقول بديع الزمان الشيخ سعيد النورسي رحمه الله في حيثيات تناوله قصة سيدنا آدم عليه السلام قال: " اعلم أن هذه معجزة آدم تحُدُيِّت بها الملائكة، بل معجزة نوع البشر في دعوى الخلافة إن في القصصَ لعبِراً. ثم إني نظرا إلى  ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعـــام:59) ومستنـــدا إلى أن التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه كذلك يعلمّك بإشارته ورموزه، لأفَهم من إشاراتِ أستاذية إعجاز القرآن في قصَصَ الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها؛ كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يبُنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل، وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق! أفلا ترى أن الساعة والسفينة أول ما أهدتهْما للبشر يد المعجزة". انظر كليات رسائل النور مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الايجاز " ص 235.

(26)  انظر كليات رسائل النور مجلد "الكلمات" ص 271. وفي هذه القصة يضيف الشيخ فيقول: "فجملة ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي صوَّره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع المعالي، وجهزه بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، وأعده بهذه الثلاثة لتعلُّم حقائق الأشياء بأنواعها ثم علمه الأسماء كلها. و الواو فيها إشارة إلى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مرّ. و{وَعَلَّمَ} فيه إشارة إلى تنويه العلم ورفعة درجته وأنه هو المحور للخلافة .. وكذا رمز إلى أن الأسماء توفيقية. ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع – في الأغلب – بين الأسماء والمسميات .. وكذا إيماء إلى أن المعجزة فعلُ الله بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون: (إن الخوارق أفعال للأرواح الخارقة).." انظر مجلد "إشارات الإعجاز في مظـان الإيجاز" ص 238.

(27) وفي ذلك يقول بديع الزمان (رحمه الله): (ومن المكررات القرآنية «قصص الأنبياء» عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام - مثلا- التي لها من الحكِم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمة في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم من ينكر نبوتهم لحجة على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث لا يمكن أن ينكرها جميعا، فذكرهُا إذن دليل على الرسالة قون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، ّثم إن كثيرا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوف بل يكتفون بما يتيسر لهم منه ومن هنا تبدو الحكمة واضحة في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر، ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط زد على ذلك فإن فيه تعليما بأن حادثة ظهور محمد صلى الله عليه وسلم أعظم حادثة للبشرية وأجل مسألة من مسائل الكون". انظر في مجلد " الكلمات"ص 528 ، وفي مجلد "الشعاعات" ص 296.

(28) فلقد جاء الإيضاح الأكمل في ذلك من شيخنا النورسي إذا يقول: " نعم، إن العدالة شقان أحدهما إيجابي، والآخر سلبي: أما الإيجابي فهو: إعطاء كل ذي حق حقه فهذا القسم من العدالة محيط وشامل لكل ما في هذه الدنيا لدرجة البداهة فكما أثبتنا في «الحقيقة الثالثة» بأن ما يطلبه كل شيء وما هو ضروري لوجوده وإدامة حياته التي يطلبها بلسان استعداده وبلغة حاجاته الفطرية وبلسان اضطراره من الفاطر ذي الجلال يأتيه بميزان خاص دقيق، وبمعايير ومقاييس معينة، أي إن هذا القسم من العدالة ظاهر ظهور الوجود والحياة. وأما القسم السلبي فهو: تأديب غير المحقين، أي إحقاق الحق بإنزال الجزاء والعذاب عليهم فهذا القسمان هنالك إشارات وأمارات تدل على هذه الحقيقة. خذ مثلا سوط العذاب ّوإن كان لا يظهر بجلاء في هذه الدنيا إلا وصفعات التأديب التي نزلت بقوم عاد وثمود بل بالأقوام المتمردة في عصرنا هذا، مما يظهر للحدس القطعي هيمنة العدالة السامية وسيادتها". انظر في حاشية مجلد "الكلمات" ص 91.

(29) انظر في مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز " ص 163. وقد سبق ذكره.

(30) وفي ذلك يقول بديع الزمان عليه رحمة الله "فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها أن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي «القوة» وهي تستهدف «المنفعة» في كل شيء. وتتخذ «الصراع» دستورا للحياة. وتلتزم بـ«العنصرية » و«القومية السلبية» رابطة للجماعات. وغايتهُا هي «لهو عابث» لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس، التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم إن شأن «القوة» هو «التجاوز» وشأن «المنفعة» هو «التزاحم» إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتهِم. وشأن «الصراع» هو «التصادم» وشأن «العنصرية» هو «التجاوز» حيث تكبر بابتلاع غيرها.

فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلتَها عاجزة - مع محاسنها- عن أن تمنح سوى عشرين بالمائة من البشر سعادة ظاهرية، بينما ألقتَ البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق.

أما حكمة القرآن فهي تقبل «الحق» نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلا من «القوة » وتجعل «رضى الله» و«نيل الفضائل» هو الغاية والهدف، بدلا من «المنفعة» وتتخذ دستور «التعاون» أساسا في الحياة، بدلا من دستور «الصراع» وتلتزم رابطة «الدين» والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلا من «العنصرية» و«القومية السلبية» .. وتجعل غاياتها من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية ّ لسوَق الإنسان نحو الكمال والمثُل العليا لجعل الإنسان إنسانا حقا» إن شأن «الحق» هو «الاتفاق» وشأن «الفضيلة» هو «التساند» وشأن «التعاون» هو »إغاثة كل للآخر» .. وشأن «الدين» هو «الأخوة والتكاتف» وشأن « إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثها نحو الكمال» هو «سعادة الدارين».

وهكذا غُلبت المدنية الحاضرة أمام القرآن الحكيم مع ما أخذت من محاسن من الأديان السابقة، ولاسيما من القرآن الكريم. انظر في مجلد الكلمات ص 468 – 469.

(31) انظر في مجلد "الكلمات" ص  469- 470.

(32) انظر كليات رسائل النور، مجلد " صقيل الإسلام"؛ المقدمة الثامنة ص 46-47.

 

 

 


25-) موقـف النورسـي من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة

    

 

موقـف النورسـي من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين

والمتصـوفة في البحـث عن النبـوة من خـلال رسـئل النـور

-الموضوع يندرج ضمن المحور الثاني -

 

الدكتورة: آسيا شكيرب        
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
قسنطينة- الجزائر          

 

 

مقـــدمة:

ترك بديع الزمان سعيد النورسي للأجيال من بعده إرثا فكريا متشعب الجوانب، يعكس عالما تتماوج فيه الأفكار والأحاسيس والمشاعر، في وحدة معرفية متشابكة الجذور، فكليات رسائل النور فيض معرفي علمي بثّ النورسي من خلاله كل ما استلهمه من نور القرآن الكريم من معاني الإيمان، بقصد إنقاذ الإيمان بإحياء معاني القرآن ومقاصده في النفوس والعقول والأرواح. ولعل اهتمام النورسي بمبحث النبوة له مبرراته الواقعية، فقد عاش في مرحلة زمنية مجّدت فيها القيم الغربية المادية النفعية، واعتلت عرش الفكر الإنساني، وقد سيطر الخوف على قلب النورسي، واعتصره الألم وهو يشهد وضع العالم الإسلامي، الذي استبدل المنهج الرباني بالفكر الوجودي. فانطلق ليثبت أن النور هو العودة إلى كتاب الله والتمسك بالسنة المطهرّة. ورأى أن للنبوة نورا ومقصدا من مقاصد القرآن الكريم، وانطلاقا من عمق معرفته وشمولية فكره كان للنورسي موقف خاص من كل منهج يحيد عن طريق الرؤية الصحيحة للنبوة، ولنا أن نتساءل كيف كان موقف النورسي من مناهج الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة في البحث عن النبوة ؟؟

وقد اعتمدت في حل الإشكال على المنهج التحليلي الذي يعتمد على تفكيك الأفكار وإعادة بنائها، كما استعنت بالمنهج الاستقرائي، فهو ضروري في بناء الوحدات الأساسية لمنهج النورسي، وقد اعتمدت على مادة مصدرية متنوعة تتناسب ومطالب الموضوع، وقسمت البحث إلى مطالب وضحت من خلالها حقيقة النبوة لدى كل من الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيين، ثم أعقبتها بآراء النورسي:

 

  • المطلب الأول: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه.

               أولا: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة.

               ثانيا: موقف النورسي من آراء الفلاسفة.

  • المطلب الثاني: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة وموقف النورسي.

               أولا: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة.

               ثانيا: موقف النورسي من آراء اللاهوتيين.

  • المطلب الثالث: منهج المتصوفة ومنهجهم في بحثهم النبوة وموقف النورسي.

               أولا: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة.

               ثانيا: موقف النورسي من آراء المتصوفة.

  • خاتمة.

 

المطلب الأول: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.

  • أولا: منهج الفلاسفة في بحث النبوة.

اهتم الفلاسفة الإغريق ببحث النبوة والعرافة حتى أن أفلاطون قد سمح لبيثيا عرافة معبد دلفي أن تؤدي وظيفتها في جمهوريته المثالية [1] ويشرح ديموقريطس Démocrite[2] كيف تظهر " الصور " التي من المحتمل أن تكون أجساد الآلهة نفسها، و يمتد أثرها على العقل، فيتكشف على الأحداث المستقبلية. [3] وكان أرسطو Aristote   في مرحلته الأفلاطونية مقتنعا بأن العقل له القدرة على التخيل والعرافة بسبب خصوصية طبيعته التي تنتمي للعالم الروحاني، ثم في مراحل لاحقة، قال بأن النبوة والعرافة تحدث أثناء النوم[4]، وأن الحلم صورة ناتجة عن المخيلة التي تتعظم قوتها أثناء النوم على إثر تخلصها من أعمال اليقظة، والأحلام فهي لا تأتي من الله، فمن لديهم تجربة الرؤى الصادقة ليسوا هم الأفضل ولا الأحكم، بل هم الأكثر عرضة للأحزان.[5]

وقد حاول الفلاسفة المسلمون التوفيق بين النظرة الفلسفية للنبوة وبين الدين، أي بين العقل والنقل، بين لغة السماء ولغة الأرض، وحاولوا أن يشرحوا لغة السماء ويوضحوا كيفية وصولها إلى العالم الأرضي، فكوّنوا نظرية النبوة كمحاولة للتوفيق بين الفلسفة والدين، والفارابي كان أول من ذهب إليها، وهي تقوم على دعائم من علم النفس وما وراء الطبيعة، وتتصل اتصالا وثيقا بالآخلاق، فالفارابي يفسير النبوة تفسيرا سيكولوجيا، ويعدها وسيلة من وسائل الاتصال بين عالم الأرض وعالم السماء. [6] فعلى طريقة أفلاطون يرى الفارابي أن المدينة الفاضلة كل مرتبط الأجزاء كالبدن الواحد، ولابد أن يكون لكل فرد من أفراد المجتمع عمل خاص، وأسمى وأشرف الأعمال ما اتصل برئيس المجتمع، لأنه من المدينة الفاضلة كالقلب من الجسد، لهذا نجد الفارابي يعلق آماله على رئيس المدينة -كما علّق أفلاطون آماله على رئيس الجمهورية- وقد وضع له العديد من الشروط، وأضاف شرطا أبعده عن أفلاطون، وقرّبه من التعاليم الإسلامية، وهذا الشرط هو ضرورة أن أن يسمو رئيس المدينة إلى درجة العقل الفعّال الذي يستمد منه الوحي والإلهام. والعقل الفعّال[7] أحد العقول العشرة المتصرفة في الكون، وهو أيضا نقطة الاتصال بين العبد وربه، ومصدر الشرائع والقوانين الضرورية للحياة الخلقية والاجتماعية. [8]

ويرى الفارابي أن الاتصال بالعقل الفعّال ميسور من طريقين، طريق العقل وطريق المخيلة، أو طريق التأمل وطريق الإلهام، فبالنظر والتأمل يستطيع الإنسان أن يصعد إلى منزلة العقول العشرة، وبالدراسة والبحث ترقى نفسه إلى درجة العقل المستفاد حيث تتقبل الأنوار الإلهية.[9] وليست النفوس كلها قادرة على هذا الاتصال، فالأرواح القدسية وحدها القادرة على السمو لتخترق حجب الغيب وتدرك عالم النور[10].

       يضيف الفارابي أن الاتصال بالعقل الفعّال ممكن أيضا عن طريق المخيلة، وهذا ما يحدث للأنبياء، فكل إلهاماتهم وما ينقلون إلينا من وحي منزل أثر من آثار المخيلة ونتيجة من نتائجها، فالمخيلة تلعب دورا هاما، وتنفذ إلى نواحي الظواهر النفسية المختلفة، فهي متينة الصلة بالميول والنزوعية بما يستثيرها ويوجهها نحو غرض ما، وتغذي الرغبة والشوق بما يؤججهما ويدفعهما إلى السير في الطريق حتى النهاية، وبهذا يشير الفارابي إلى المخيلة المبدعة (imagination créatrice) التي تكلم عنها علماء النفس المحدثون، بجانب المخيلة المحافظة (imagination conservatrice) ومن الصور الجديدة التي تخترعها المخيلة تنتج الأحلام والرؤى.[11] فالفارابي يرى أن ميزة النبي أن تكون له مخيلة قوية تمكنه من الاتصال بالعقل الفعّال أثناء اليقظة وفي حال النوم، وبهذه المخيلة يصل إلى ما يصل إليه من إدراكات وحقائق تظهر على صورة الوحي أو الرؤى الصادقة، وليس الوحي شيئا سوى فيض من الله عن طريق العقل الفعّال.[12]

وخلاصة القول: إن  النبي والحكيم عند الفارابي هما الشخصان الصالحان لرياسة المدينة الفاضلة، وكلاهما يحظى في الواقع بالاتصال بالعقل الفعّال[13] الذي هو مصدر الشرائع والقوانين الضرورية لنظام المجتمع، وأما الفارق بينهما ففي كون النبي يحظى بهذا الاتصال عن طريق المخيلة، والثاني عن طريق البحث والنظر. فالنبي والفيلسوف عند الفارابي يرتشفان من معين واحد ويستمدان علمهما من مصدر رفيع، والحقيقة النبوية والحقيقة الفلسفية هما على السواء نتيجة من نتائج الوحي، وأثر من آثار الفيض الإلهي على الإنسان عن طريق التخيل أو التأمل.[14] وعلى ذلك فالنبي لا يصل إلى الوحي عن طريق المخيلة فحسب، بل بما فيه من قوى عقلية عظيمة. [15]

ونستنتج من ذلك أن النبوة ضربا من المعرفة يصل إليها الناس على السواء. فبتأثير العقل الفعّال نبحث ونفكر وندرك الحقائق العامة، وبتفاوت أثره فينا تختلف درجاتنا ويفضل بعضنا بعضا، وإذا ما عظم إشراقه سما البعض إلى مرتبة الإلهام والنبوة. [16] 

  • ثانيا: آراء النورسي حول المنهج الفلسفي في فهم النبوة.

يرتكز منهج النورسي في الرد على الآراء المخالفة على التمعن ﰲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ الكريم ﻟﻴﺘﺠﻬﺰ ﺑﺎلأﺩﻟﺔ الشافية، انطلاقا من يقينه بسمو ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﴰﻮﻟﻴﺘﻪ. فهو يرى أن مناهج المفكرين المختلفة أدت إﱃ ﻓﻘﺮ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺑﺘﻌﺎﺩ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴﺘﻬﺎ. ويرى أن لديه السلاح الأمثل الذي سينسي الأمة آلامها إذ يقول: "لقد تحملت آلامي الشخصية كلها، ولكن آلام الأمة الإسلامية سحقتني، إنني أشعر بأن الطعنات التي وجهت إلى العالم الإسلامي أنها توجه إلى قلبي أولاً ولهذا تروني مسحوق الفؤاد. ولكني أرى نوراً سينسينا هذه الآلام إن شاء الله"[17].

يرى النورسي أن الفلاسفة مجدوا العقل[18] ورأوا أنه السبيل الأوحد للوصول إلى المعرفة ﻭأﻧﻜﺮﻭﺍ ﺃﻱ ﻣﻮﻗﻒ ﺁﺧﺮ ﲡﺎﻩ ﻣﻌﲎ ﻭﻣﻐﺰﻯ ﺍﻟﻌﺎﱂ. وﻳﻨﺘﻘﺪ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ[19] ﻛﺜيرا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﻔﺼﻞ ﻭﺗﺒﺘﻌﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻭﻳﺘﻬﻢ أﻓﻼﻃﻮﻥ ﻭأﺭﺳﻄﻮ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﺍﰊ ﻭﺍﺑﻦ ﺳﻴﻨﺎ بأنهم "مهّدوا ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﻜﺜﲑ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ ﺍﳌﺘﻠﺒﺴﺔ ﺑﺄﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ، أﻣﺜﺎل: ﻋﺒﺪﺓ الأﺳﺒﺎﺏ ﻭعبدة ﺍلأﺻﻨﺎﻡ ﻭﻋﺒﺪﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻋﺒﺪﺓ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺘﻬﻴﻴﺠﻬﻢ ﺍلأﻧﺎﻧﻴﺔ ﻟﺘﺠﺮﻱ ﻃﻠﻴﻘﺔ ﰲ أﻭﺩﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﺴﺪﻭﺍ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﱃ ﺍﷲ، ﻭغلّقوا أﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍﻟﻀﻌﻒ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﳊﺎﺟﺔ ﻭﺍﻟﻘﺼﻮﺭ ﻭﺍﻟﻨﻘﺺ ﺍﳌﻨﺪﺭﺟﺔ ﰲ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻻﻧﺴﺎﻥ، ﻓﻀﻠﻮﺍ ﰲ ﺃﻭﺣﺎﻝ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻻ ﳒﻮﺍ ﻣﻦ ﲪﺄﺓ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻛﻠﻴﺎ ﻭﻻ ﺍﻫﺘﺪﻭﺍ ﺍﱃ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ" [20]

نجد النورسي هنا يركز على الدور السلبي للفلاسفة اليونانيين والمسلمين على حد سواء، ويؤكد على أنهم فتحو الباب لسبل كثيرة أبعدت الناس عن سبيل عبودية الله تعالى، فإن كان الحصول على المعرفة وإدراك الحقائق متوفر عن طريق العقل الفعّال، فلا يكون للإنسان حاجة لله فعقله قادر على توفير ما يحتاجه. وهم بهذا القول عطلوا فطرة الإنسان. كما يؤكد النورسي على أنّ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﺍﻟﺰﺍﺋﺪ ﻋﻦ ﺣﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﳜﻠﻖ ﻫﻮﻳﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻻ ﲤﻠﻚ ﻗﻴﻤﺎ ﻭﻣﻌﺎﱐ أﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺎ.

لقد عرفنا سابقا أن الفيلسوف والنبي كلاهما يتلقيان المعرفة من العقل الفعّال، ونجد النورسي ينطلق من أرضية فكرية خصبة ليعقد مقارنة بين النبوة والفلسفة، فيقول بأن الفرق بينهما مثل الثريا والثرى، فالنبوة تهدف إلى رفع الإنسان من وهدة الثرى إلى أعلى عليين، لتلحق روحه إلى رب العالمين، أما الفلسفة فهي سجن رهيب لروح الإنسان، تجعله في خضم الأسباب المادية والأطماع الروحية، والفارق الرهيب بين نتائج كل من المسلكين تكون في نظرة كل منهما إلى جوهر الإنسان وأسرار " أنا" [21] التي أودعها الله فيه.[22]

 فتعامل الأنبياء مع الإنسانية ينبع من فهمهم الصحيح لما تحمله "أنا" من أسرار إلهية، فهم يحاولون أن يبرزوا ما فيها من أنوارها وتلك هي الرسالة السامية التي بعثوا من أجلها. أما الفلسفة فتتعامل مع "أنا" بالمعنى الاسمي، تاركة وظيفتها الفطرية مما يولد في الإنسان الشرك والشرور والضلالات ويبعده عن رب الأرضين والسماوات." [23]

ويرى النورسي أن في تاريخ البشرية منذ سيدنا آدم - عليه السلام- إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار،كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانهما وفروعهما في كل صوب، أحدهما: سلسلة النبوة والدين؛ وثانيهما سلسلة الفلسفة والحكمة. "فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين وممتزجتين، في أي وقت أو عصر إستجارت الفلسفة بالدين وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانية بالسعادة وعاشت حياة اجتماعية هنيئة، ومتى ما انفرجت الشقة بينهما وافترقتا، احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة" [24] ويبدو من كلام النورسي أنه لا يقف ضد الفلسفة حين تتحد بالدين.

ويرى النورسي أن الفلسفة نظرت إلى الأنا بالمعنى الاسمي، أي أنها تقول أنا يدل على نفسه بنفسه، وهذا يقتضي أن معناه في ذاته، ووجوده أصيل، أي له ذاتية خاصة به. وقد اعتقد رواد الفلسفة ودهاتها - على حد تعبر النورسي- أمثال أفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي، بأن الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي التشبه بالواجب، أي الخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حكما فرعونيا طاغيا. بينما الذين هم في مسار النبوة حكموا حكما ملؤه العبودية الخالصة لله وحده، وقضوا أن الغاية القصوى للإنسانية والوظيفة الأساسية للبشرية هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي السجايا السامية التي يأمر بها الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم الإنسان عجزه فيلوذ برحمة الله تعالى، ويلمس نقصه فيسبح ويقدس كماله تعالى. فالفلسفة العاصية للدين قد ضلت ضلالا بعيدا، وصار الأنا ماسكا بزمام نفسه، مسرعا إلى نوع من أنواع الضلالة، فنبتت شجرة زقزم على قمة هذا الوجه من "أنا" غلطت بضلالها نصف البشرية وحادت بهم عن سواء السبيل. [25]

ومما تقدم يمكن القول أن النورسي اعتنى بالرّد على المنهج الفلسفي في نظرته للنبوة، حرصا منه على أن لا تُساوى هذه المنّة الإلهية، بالإدراكات البشرية، فردّ بعناية فائقة على حصول المعرفة عن طريق العقل الفعال لدى الفلاسفة.

 

 

المطلب الثاني: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.

  • أولا: منهج اللاهوتيين في بحث النبوة.

النبي في اللاهوت المسيحي إنسان يتكلم باسم الله ليطلع على إرادته، وفي الجيل المسيحي الأول كان هناك مسيحيون ملهمون من الله خلفوا أنبياء العهد القديم في الإرشاد. [26]

وأول نبي في العهد الجديد هو يوحنا المعمدان، ويرى اللاهوتيون النصرانيون أنه أعظم الأنبياء، لأنه جاء ليهيء الطريق أمام المسيح. [27] ويقرن اللاهوت النصراني مفهوم النبوة بمفهوم العهدين القديم " العهد القديم" و" العهد الجديد"، فمن الناحية النظرية لم يختلف تعريف النبي عن مفهوم اليهود له، فالنبي هو الذي ينبئ بالأحداث المستقبلية، ويكون واسطة بين يهوه وشعبه [28]، لكن من الناحية الواقعية، فالله خاطب الناس عن طريق ابنه الوحيد والأقنوم الثاني من الأقانيم المقدسة، الذي بنزوله وافتدائه البشرية بدأ معه عهدا جديدا، فالنبوة وصلت ذروتها في المسيح نفسه، فهو الابن الذي أعلن الأب وتمم مشورته [29]. ويرى اللاهوتيون أن الله كلم البشرية في إبنه الذي هو بهاء مجده " وقد كلمنا الآب في الأيام الأخيرة في ابنه الذي.. هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"[30]، وقد اعترفت الجموع بأنه نبي، وهذا بسبب الأعمال العظيمة التي رأوه يقوم بها[31] أما أهم نبوءات المسيح فتتمحور حول النبوءة حول اقتراب ملكوت الله، ونبوءات عن خراب أورشليم والهيكل، ونبوءة مجئء ابن الإنسان في مجد أبيه. [32]

ومن الواضح أن اللاهوت النصراني يفرق بين نبوة المسيح " يسوع" – حسب التعبير اللاهوتي- والتي تشير إلى كون المسيح هو النبي ومحور النبوة، الذي حلّ في التاريخ البشري لينفذ خطة خلاصية، ونبوة رسله – رسل المسيح - [33]  التي تتلخص في كونهم القادة الروحيين في المجتمعات النصرانية الأولى، وقد وهبهم المسيح كل المواهب بما فيها النبوة[34]، كما كانوا يقومون بخدمة التعليم والوعظ، وإنشاء الكنيسة، وكانت أقوالهم من الروح القدس مباشرة. [35]

ويمكن القول أن اللاهوت النصراني أغلق باب النبوة بمفهومها العام، ووضع إطارا لاهوتيا خاصا لمفهوم النبوة، يجعل من المسيح الإله الإبن هو محور النبوة.

  • ثانيا: موقف النورسي من النبوة في فكر اللاهوتيين.

في الحقيقة لم يُفصّل النورسي في النبوة لدى اللاهوتيين كما فعل مع الفلاسفة والمتصوفة، لكن في محاولة لاستقراء موقفه من العقائد النصرانية[36] يمكننا بناء تصور عام، إنطلاقا من كون النبوة في اللاهوت النصراني عبارة عن خطاب الله الناس عن طريق ابنه الوحيد والأقنوم الثاني من الأقانيم المقدسة.

ويبدو من خلال تفسير النورسي لبعض آيات القرآن الحكيم التي ترسخ وحدانية الله، نفيه ألوهية المسيح، وبنوته، ففي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [37] هناك نفي للولد والوالدية، ونفي المحال لا فائدة منه في الظاهر، " لذا فلا بد أن يكون المراد من نفي الولد والوالدية اللذين لهما خصائص الجسمانية، هو نفي الألوهية عن كل من له ولد ووالد وكفو، وبيان عدم لياقتهم للألوهية." [38]. ويضيف النورسي توضيحا آخر للآية الكريمة بقوله: " فالله منزه عن كل رابطة تتعلق بالموجودات تُشم منها رائحة التوليد والتولد، وهو مقدس عن كل شريك ومعين ومجانس، وإنما علاقته بالموجودات هي الخلاقية، فهو يخلق الموجودات بأمر (كن فيكون) بإدراته الأزلية وباختياره. وهو منزه عن كل رابطة تنافي الكمال، كالإيجاب والاضطرار والصدور بغير اختيار.. فالله أزلي، أبدي، أول وآخر، لا نظير له ولا كفو ولا شبيه، ولا مثيل ولا مثال في أية جهة كانت، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وإنما هناك (المَثَل) (ولله المثل الأعلى) الذي يفيد التشبيه في أفعاله وشؤونه فحسب." [39]

من الملاحظ أن النورسي يستعمل مصطلح الولدية للدلالة على المصطلح اللاهوتي البنوة[40]، وفي هذا تأكيد على أن معنى البنوة يقتضي الولدية لا محالة. وفي انتفاه الولدية أو البنوة ينهار صرح النبوة المسيحية، فالمسيح ليس ابن الله ولا الأقنوم الثاني من الأقانيم النصرانية، وبالتالي لم يعد للمفهوم اللاهوتي للنبوة أي دلالة بانتفاء ألوهية وبنوة المسيح.

يركز النورسي على مسألة الوسائط، إدراكا منه بأن أي وسيلة تتوسط بين الله وعبده هي في الحقيقة حجاب يحول دون التوحيد الخالص، وقد شدّد النورسي على ضرورة التفرقة بين الأسس التي يقوم عليها الإسلام والأسس التي تقوم عليها النصرانية الحاضرة، ويقول أن الإسلام دين توحيد " يسقط الوسائط والأسباب، ويكسر الأنانية ويؤسس العبودية الخالصة" [41] فأساس " الإسلام محض توحيد، لا يسند تأثيرا حقيقيا إلى الأسباب والوسائط، ولا يعطيها قيمة بجهة الإيجاد والمقام. وأما النصرانية فإنها قبلت فكرة الولديّة. فلذلك تعطي الوسائط والأسباب قيمة، ولا تكسر التكبّر. حتى إنّها تسند جلوة من الربوبية إلى أحبارهم ورهبانهم، فصاروا مصداقا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [42] فذلك يحافظ من يكون في أعلى المراتب حسب الدّنيا من النصارى، على كبره وغروره" [43]. وفي الحقيقة النورسي أبدع في قوله: "وأما النصرانية فإنها قبلت فكرة الولديّة. فلذلك تعطي الوسائط والأسباب قيمة " فالابن أو الولد حلّ بين البشر ليفتدي نفسه عن الخطيئة الأولى، وهذا يعني أن النصارى قد قبلوا فكرة الخلاص بالواسطة، فالواسطة الفدائية تقدح في التوحيد الخالص، فمن تمام الألوهية المغفرة دون حاجة لوسائط، وهنا أيضا نلمح نفيا لوساطة وألوهية المسيح، وبالتالي نفيا لنبوته حسب المفهوم اللاهوتي.

ويمكن القول أن النورسي لم يكن في ردّه على ألوهية وبنوة المسيح، متوجها لنقد منهج اللاهوتيين في رؤيتهم للنبوة، لكن أدلته المستعملة في الرّد على ألوهية وبنوة المسيح، تصلح لبناء رد معرفي قوي.

 

 

 

 

المطلب الثالث: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.

  • أولا: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة.

إن النبوة عند المتصوفة هي " قبول النفس القدسي حقائق المعلومات والمعقولات عن الله تعالى بواسطة جوهر العقل الاول المسمى جبريل تارة وبروح القدس أخرى، والرسالة تبليغ تلك المعلومات "[44] وقد اختلفت آراء المتصوفة في الفرق بين النبوة والولاية[45]، فالبعض يرى أن الولاية جزء من النبوة، يقول الفرغاني: "أما الولاية فهي التصرف في الخلق بالحق، وليست في الحقيقة إلا باطن النبوة، لأن النبوة ظاهرة الأنباء، وباطنها التصرف في النفوس بإجراء الأحكام عليها. والنبوة مختومة من حيث الأنباء، إذ لا نبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم، دائمة من حيث الولاية والتصرف" [46]. ويقول حيدر الآملي: "وفي الحقيقة: الولاية هي باطن النبوة ، والفرق بين النبي والرسول والوليّ أن النبي والرسول لهما التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة ، والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة ومن هذا قالوا: النبوة تنقطع , والولاية لا تنقطع أبدا " [47]والبعض ساوى بينهما، يقول ابن عجيبة: " وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية" [48] "وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النبوة يقع في جانب الولاية سنة ماضية" [49] " ما قيل في منكري خصوصية النبوة يقال في منكري خصوصية الولاية إذا اشتغل بأذاهم" [50] ويقول أيضا: " ما قيل للرسول ص من تعديد النعم عليه، واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجت إلينا، أو وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإن فرغت من الدعوة والتذكر، فاتعب نفسك في العكوف في الحضرة، فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق" [51] ويقول لسان الدين الخطيب: "الولاية أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه، بكثير مما تولى به النبي ص من حفظ وتوفيق وتمكين واستخلاف وتصريف، فالولي يساوي النبي في أمور منها: العلم من غير طريق العلم الكسبي، والفعل بمجرد الهمة، فيما لم تجر به العادة أن يفعل إلا بالجوارح والجسوم، مما لا قدرة عليه لعالم الجسوم... والولي يأخذ المواهب بواسطة روحانية نبيه، ومن مقامه يشهد، إلا ما كان من الأولياء المحمديين، فإنه لما كان نبيهم جامعا لمقامات الأنبياء، وأوصل إليهم أنوارهم من نور نبيهم الوارث، وبواسطته فإنه هو الذي أعطي جميع الأنبياء والرسل مقامهم في عالم الأرواح، ثم شاركت الأولياء والأنبياء في الأخذ عنه". [52] والبعض الآخر فضّل الولاية على النبوة، يقول ابن عربي: " مقام النبوة في برزخ فوّيق الرسول ودون الولي" [53]. ويظهر مما تقدم اختلاف المتصوفة في المفاضلة بين النبوة والولاية.

  • ثانيا: موقف النورسي من النبوة عند المتصوفة.

يفرق النوسي بين الصوفية كنهج روحاني، وبين الفكر الصوفي المتطرف، ويرى أنه لا يمكن الحكم على الصوفية بسيئات مذاهب ومشارب أطلقت على أنفسها ظلما اسم الطريقة، وربما اتخذت لها صورة خارج دائرة التقوى بل خارج نطاق الإسلام. [54] ويرى أن الطريقة لها نتائج سامية سواء منها الدينية أو الأخروية أو الروحية، فهي من الوسائل الإيمانية التي توسع من دائرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين وتبسط لواء رابطتها المقدسة في أرجاء العالم الإسلامي.[55]

ويقف النورسي وقفة المفكر الموضوعي، الذي لا يقبل الانحرافات الفكرية أو العقدية، ويرى أن الاعتقاد بأرجحية الولاية على النبوة من المزالق الخطيرة في الفكر الصوفي، وقد شدد النكير على من يرى اقتراب مقام الولاية من مقام النبوة فضلا عن أن يكون أعلى منها، يقول في هذا الخصوص: " إن الورطة التي يسقط فيها سالكون من الطرق الصوفية – ممن لا يتبعون السنة النبوية على الوجه الصحيح- هي اعتقادهم بأرجحية الولاية على النبوة" ويقول النورسي: " ولقد أثبتنا مدى سمو النبوة على الولاية وخفوت ضوء الأخيرة أمام نور النبوة الساطع في الكلمة الرابعة والعشرين والكلمة الحادية والثلاثين من كتاب الكلمات " [56]، وبأسلوب غاية في الفرادة يقارن النورسي بين ضوء الولاية ونور النبوة، وهذا في معرض كلامه عن المعراج النبوي، يقول النورسي: "المعراج النبوي مظهر رفيع سام للولاية الأحمدية، ظهر تفوق جميع الولايات وبرفعة وعلو يسمو عليها جميعا، إذ إنه تشرف بمكالمة الله سبحانه وتعالى ومناجاته باسم رب العالمين وبعنوان خالق الموجودات"[57].

يشبه النورسي ضوء الولاية برجل يمسك مرآة تجاه الشمس، فالمرآة تلتقط حسب سعتها نورا وضياء، فيكون الرجل ذا علاقة مع الشمس بنسبة تلك المرآة، ويمكنه أن يستفيد منها فيما إذا وجهها إلى غرفته المظلمة، بيد أن استفادته من الضوء تنحصر بمقدار قابلية المرآة على ما تعكسه من نور الشمس وليس بمقدار عظم الشمس. أما نور النبوة فيشبهه برجل يجابهه الشمس مباشرة، ويشاهد هيبتها، ويدرك عظمتها، ثم يصعد على جبل وينظر إلى شعشعة سلطانها الواسع المهيب، ويقابلها بالذات دون حجاب. [58]

فالصورة الأولى: تبين درجات الغالبية العظمى للولايات السائرة في ظلال الأسماء الحسنى والصفات الجليلة ومراتبها نابعة من هذا القسم، والصورة الثانية: تبيّن سر المعراج الأحمدي، فولايته مبدأ لرسالته، وباطن المعراج ولاية، إذ عرج من الخلق إلى الحق تعالى، وظاهر المعراج رسالة إذ يأتي من الحق سبحانه وتعالى إلى الخلق أجمعين.[59]

وبعد أن ردّ النورسي على من يرى أن الولاية أفضل من النبوة، يرد على من يقول أن الأولياء أفضل من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وبين أن للصحابة الكرام خواص متميزة من الصحبة النبوية، بحيث لا يمكن للأولياء أن يبلغوا مرتبتهم فضلا عن أن يتفوقوا عليهم.[60] " فالصحبة النبوية إكسير عظيم لها من التأثير الخارق ما يجعل الذين يتشرفون بها لدقيقة واحدة ينالون من أنوار الحقيقة ما لا يناله من يصرف سنين من عمره في السير والسلوك" [61]

أشار النورسي إلى المتطرفين من أهل التصوف الذين يظنون خطأ أن الإلهام بمرتبة الوحي، واعتبارهم الإلهام نوعا من أنواع الوحي، وقال بأن هذا المسلك خطير جدا، فالوحي سام عال وساطع وضاء وكلي شامل، بينما الإلهام جزئي وخافت. [62]

ويكمن القول أن ما قدّمه النورسي في بيان شفوف مرتبة النبوة على مرتبة الولاية هو في حقيقته مجمل ما قرره علماء العقيدة من أهل السنة والجماعة في الموضوع، وقد كان منهجه التمثيلي مساعدا في توضيح الفوارق الكامنة بين النبوة والولاية.

 

خاتمة:

  • اعتبر بديع الزمان النورسي أن شمس النبوة حقيقة ثابتة لا يمكن أن يستغني عنها العالم المعنوي، كما لا يمكن أن يستغني العالم المادي عن الشمس المادية الملموسة، لهذا لا نجده يهتم في رسائل النور بالتعاريف اللغوية أو الاصطلاحية للنبوة، بل ركّز على وظائفها الحقيقية ومعانيها الجوهرية المتصلة بمهمة الأنبياء والرسل، وحاول تتبع كل الصور والمفاهيم الخاطئة عن النبوة.
  • إن القارئ لرسائل النور يرى أن الإمام النورسي انتقد المنهج الفلسفي المادي والعقلي في بحثه عن النبوة، وركّز كثيرا على الدور السلبي للفلسفة التي تبعد عن سبيل عبودية الله تعالى، وردّ على الفلاسفة بخصوص تلقي المعرفة والإدراك عن طريق العقل الفعّال، وبيّن بكل براعة أن الإنسان لن يكون في حاجة لله ما دام عقله قادر على توفير ما يحتاجه. كما أكّد على أنّ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﺍﻟﺰﺍﺋﺪ ﻋﻦ ﺣﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﳜﻠﻖ ﻫﻮﻳﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻻ ﲤﻠﻚ ﻗﻴﻤﺎ ﻭﻣﻌﺎﱐ أﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺎ.
  • أما منهج اللاهوتيين الذين رفضوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قناعة منهم بكون أن المسيح الإله نزل ليخلص البشرية من الخطيئة بموته على الصليب، فلا ضرورة تقتضي ارسال الأنبياء بعد خلاص المسيح الكفاري، وقد ركز النورسي وقفة العارف المفكر الناقد إزاء هذا المنهج اللاهوتي.
  • وأما منهج المتصوفة في البحث عن النبوة، فقد أفضى بهم للقول بأفضلية الولي عن النبي، ولأن هذه الدعوى ذات صلة وثيقة بالعقيدة، حرص النورسي على ردها وفق منهج علمي يستند على الحجج والأدلة.
  • إن المتتبع لمنهج النورسي في دراسته للنبوة والرّد على التفسيرات المختلفة من قبل الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة، يجد أن معرفته عميقة لمفهوم النبوة وما يتبعها من قيم ومبادئ ونظم ومعطيات. وهو يعمد للمنهج التحليلي التنقيبي، يفكك القضايا المختلفة ثم يبحث عن أسرارها ومقاصدها وثمارها بالتركيز على حاجة البشرية جمعاء للنبوة في شتى المجالات.

 

 

------------------------------

[1] A.J. Heschel : The prophets, ( New York, 1971), vol 2, p 236

[2] ديموقريطس الأبديري، فيلسوف يوناني، (ت نحو سنة 370 ق.م)، أسس مدرسة أبدير سنة 420 ق.م، من مصنفاته: "فيثاغورس أو: تصرف الحكيم" و"في الفضيلة" و"في جهنم"، وقد فقدت سائر مصنفاته حوالي القرن الثالث بعد الميلاد. ( محمد أحمد منصور: موسوعة أعلام الفلسفة، ط1، ( الأردن، عمّان: دار أسامة، 2001م)، ص 455- 456).

[3] Points de vue philosophiques au sujet de la prophétie (nubuwwat), Encyclopédie philosophique Routledge,  traduction persane de Mahmûd Zâr‛î Balashtî, pp. 123-127,  Date de publication :05/11/2011 (www.tahoor.fr/Home/ViewArticle/168 )

[4] لأرسطو رسالتان صغيرتان تتعرض لموضوع النبوة وهما " رسالة الأحلام " " Traité des Rêves  و"رسالة التنبؤ " la divination par le sommeil  وهما تحتويان على ملاحظات دقيقة في علم النفس، كما أنهما الدعامة الأولى التي قامت عليها نظرية الأحلام والنبوة الفلسفية. (إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ط3، ( القاهرة: دار المعارف، 11976م)، ج1، ص 94-96).

[5] Points de vue philosophiques au sujet de la prophétie, Ibid, op cit.

[6] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ج1،  73  – 74

[7] يرى الفارابي أن عقل الانسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعال، فليس لهذا العقل الاخير تأثير مباشر على الجسم، انما يتحقق تأثيره لما هو على شاكلته من العقل الانساني. فكما يقرر الفارابي ان العقل الفعال مختص بكمالات الانسان العقلية، ذلك انه يمنح الانسان قوة ومبدءاً يمكّنه من ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات (الفارابي: السياسة المدنية، (طبعة انتشارات الزهراء)، ص 71-73)

[8] أبو نصر الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، ( بيروت: دار المشرق، 1986م)، ص 57-58

[9] المصدر نفسه، ص 46

[10] يقول الفارابي: " الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق، ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، و قد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم و ما فيه، و تقبل معلومات من الروح و الملائكة بلا تعليم من الناس." (الفارابي: الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية، تحقيق: عماد نبيل، ( بيروت: دار الفارابي، 2011م)، ص 75

[11] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ج1، ص 77

[12]  الفارابي: المدينة الفاضلة، ص 51-52  يتفق أغلب الفلاسفة المسلمين مع الفارابي فهم يرون أن حقيقة النبوة عبارة عن نفس جامعة لعوالم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل، وقد قُدّر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعال، واقتضى هذا التقدير أن يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. حيث كلاهما يتصل بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الأفضلية باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفقاً لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والاخلاقية كالذي يراه النظام المعياري (أبو الحسن عبد الله بن سينا : المبدأ والمعاد، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافي، 1984م)، ص116-120؛ ومحمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي: الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، (مطبوعات جامعة مشهد)، ص340-344 ؛ وأبو حامد الغزالي: مقاصد الفلاسفة، تحقيق: محمود بيجو، ط1، (مطبعة الصباح، 2000م،)، ص380-381.)

[13] فما دام الانسان مرتبط بألوهة العقل الفعال فإن حركته الكمالية تكون من حيث الاتصال وحتى الاتحاد بهذا العقل الكلي. فالادراك إنما يكون لما هو شبيه له كما يقول الفلاسفة من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، او انها تفضي الى حالة الاتحاد التي هي أعظم واشد من حالة الشبه؛ كالذي عليه صدر المتألهين وعليه فان الاتصال او الاتحاد بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنبي.  (غلام حسين ابراهيمي ديناني: القواعد الفلسفية العامة في الفلسفة الإسلامية، (لبنان : دار الهادي للطباعة و النشر و التوزيع،2007م)،  ج2، ص330-332)

[14] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ص 100- 101.

[15] يقول الفارابي: النبوة مختصة في روحها بقوة قدسية تذعن لها غريزة عالم الخلق الأكبر، كما تذعن لروحك غريزة عالم الخلق الأصغر، فتأتي بمعجزات خارجة عن الجبلة والعادات، ولا تصدأ مرآتها ولا يمنعها شيء عن انتقاش ما في اللوح المحفوظ من الكتاب الذي لا يبطل، وذوات الملائكة التي هي الرس، فستبلغ مما عند الله إلى عامة الخلق" (الفارابي: الثمرة المرضية، ص 72.)

[16] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ص101,

[17] صيقل الإسلام: بديع الزمان النورسي، ترجمة : إحسان قاسم الصالحي، ط1، (إسطنبول: دار سوزلر ،1995م)،ص 546.

[18] ينكر النورسي كثيرا على الفلاسفة غلوهم في تمجيد العقل قائلا : " اعلم أيها المتفلسف المرجح للعقل على النقل، فتؤوّل النقل بل تحرّف، إذ لم يسعه عقلك المتفسخ بالغرور والتغلغل في الفلسفات ... " و يقول في موضع آخر: " قد شاهدت ازدياد العلم الفلسفي في أزدياد الأرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصل إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية توّلد أمراضا قلبية " (بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي؛ ط1، (القاهرة: شركة سوزلر، 1995م، ص 158، ص190.)

[19] أكّد النورسي على " أن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الانسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسـن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الانسان الى الغفلة والضلالة بالسفاهة والله. وحيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فان رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسـفة في اغلب أجزائها وذلك بنصبها موازين دقيقة، ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معززة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة". بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- الملاحق في فقه دعوة النُّور -، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ( القاهرة : شركة سوزلر،1999م)، ص286-287؛  وانظر؛ بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- اللُّمعات-، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي،( القاهرة : شركة سوزلر، 2002م)، ص 176.

[20]بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- الكلمات-، ترجمة : إحسان قاسم الصالحي، ط3، ( القاهرة: سوزلر للنشر، 2000م)، ج1،ص 642

[21] " أنا " عند النورسي مفتاح الكنوز المخفية للأسماء الإلهية الحسنى، فهو بحد ذاته طلسم عجيب، وبمعرفة ماهيته ينحل ذلك الطلسم العجيب وينكشف ذلك المعمى الغريب "أنا" ويتفتح بدوره لغز الكون وكنوز عالم الوجوب. وينكشف " أنا " من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب/ 72)، فمن الخزينة العظمى لهذه الآية الجليلة، يشير النورسي لجوهرة واحدة من جواهرها، وهي أن الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، لها معان عدّة، ولها وجوه كثيرة، فمعنى من تلك المعاني، ووجه من تلك الوجوه، هو "أنا ". فأنا بذرة نشأت منها شجرة طوبى نورانية عظيمة، وشجرة زقوم رهيبة، تمدان أغصانهما وتنشران فروعهما في أرجاء عالم الإنسان من لدن آدم عليه السلام إلى وقتنا الحاضر (بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص 636- 637). والواضح من تفسير النورسي للأنا، هو الأنا الإنساني العام، الذي تحمّل الأمانة، لكن هناك أنا سلك مسلكا نورانيا وآخر اتبع سبل الضلال. ويسترسل النورسي في تفسير " أنا" فيقول: "إن الله عزّ وجل وضع أمانة هي " أنا " الذي ينطوي على إشارات ونماذج يستدل بها على حقائق أوصاف ربوبيته الجليلة وشؤونها المقدسة. أي يكون " أنا " وحدة قياسية تعرف بها أوصاف الربوبية وشؤون الألوهية، والوحدة القياسية لا يلزم أن يكون لها وجود حقيقي، فهو لا يحمل معنى في ذاته، بل يدل على معنى في غيره، كالمرآة العاكسة، والوحدة القياسية، وآلة الانكشاف، وأما المعنى الحرفي فهو شعرة حساسة من حبل وجود الإنسان الجسيم، وخيط رفيع من نسيج ثوب ماهية البشر، وهو حرف ألف في كتاب شخصية بني آدم، ( بديع الزمان سعيد النورسي: أنا – ذات الإنسان وحركات الذرات بين الفلسفة والدين- من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط1، ( القاهرة، 2004م)، ص 18-21).

[22] خديجة النبراوي : النبوة وضرورتها للإنسانية - بحث مستقى من رسائل النور للنورسي -، ( سوزلر للنشر، 2000م)، ص 72

[23]  المرجع نفسه، ص72.

[24]  النورسي : الكلمات، ص 639.

[25] الكلمات، ص 641-642

[26] صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، أعاد النظر فيه من النَّاحية المسكونيَّة الأب : جان كوربون، ط2، (بروت:دار المشرق، 1998م)، ص503.

[27] راجع : إنجيل متى: 3/11؛ مرقس: 1/7؛ لوقا: 3/16؛ يوحنا: 1/15،2730؛ أعمال الرسل: 13/35.

[28]  sous la direction de A.D’Alés: Le dictionnaire Apologétique de la foi Catholique , 4éme édition; )Paris: Gabriel Beauchésne éditeur,1911( , tome4, p386.

[29] يوحنا : 1/18

[30] رسالة إلى العبرانيين: 1/1-3

[31] مجلس التحرير: القس منيس عبد النور، القس فايز فارس، القس أندري زكي، والقس أنور زكي : دائرة المعارف الكتابية، ط3، ( القاهرة: دار الثقافة، 2012م)، ص19.

[32] دائرة المعارف الكتابية، ص 19-20.

[33] كلمة الرسل تستعمل للدلالة على تلاميذ المسيح الإثنى عشر، الذين اختارهم المسيح ( متى: 10/2)، ليكونوا رفاقه المقربين (مرقس: 3/14)، وشهوده على العالم (أعمال الرسل: 1/8)، ولا سيما شهود قيامته (أعمال الرسل: 1/ 22)، ومعلني بشارته (متى: 28/19)، وأركان الكنيسة (رؤيا يوحنا: 21/14)، وبعد ارتداد يهوذا الاسخريوطي، ضُمّ متّيا إلى مجموعة الرسل (أعمال الرسل: 1/26)، ولم يضم الرسول بولس إلى الرسل لكنه أعلن نفسه رسول المسيح بحكم رسالة تسلّمها مباشرة من المسيح القائم من الموت (رسالة إلى أهل غلاطية: 1/16) أرسله بها إلى الوثنيين (أعمال الرسل 26/18)، وفي الشرق أطلقوا كلمة رسول على تلاميذ المسيح من الجيل الأول، وتعني كلمة رسول بوجه عام وعصريّ كلّ مسيحي يعمل بغيرة على نشر الإيمان وتقدّم إخوته الروحي. (صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، ص 234).

[34] رسالة بولس إلى أهل كورنثوس : 1/ 3، 4، 19، 31)

[35] دائرة المعارف الكتابية، 20-21.

[36] الشيء الملاحظ أن النورسي يستعمل مصطلحين أحدهما النصرانية وثانيهما العيسوية، وحسب تتبعنا لمنهجه، لاحظنا أنه يقصد بالنصرانية الديانة النصرانية أو المسيحية، أما العيسوية، فيقصد بها شخص المسيح المعنوي، يقول النورسي : " يظهر الدين العيسويّ الحقيقي الذي هو عبارة عن الشخصية المعنوية لعيسى عليه السلام، أي ينزل من سماء الرحمة الإلهية. فيتصفى دين النصرانية الحاضرة، أمام تلك الحقيقة ويتجرّد عن الخرافات والمحرّفات ويتحد بحقائق الإسلام" ( المكتوبات، ص 97)

[37] الإخلاص / 3-4

[38] الكلمات، ص 478

[39] المصدر نفسه، ص 479

[40] يعتقد النصارى أن الله إله واحد لا يتجزأ، جوهر واحد، في ثلاثة أقانيم، الله الأب، الله الإبن، الله روح القدس. (صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، ص 163)

[41] المكتوبات، ص573

[42] التوبة/31.

[43] المكتوبات، ص 422

[44]  حيدر الآملي: جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ط1، ( بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 2005م)، ص450-451.

[45] الولاية في اللغة الإمرة، زالولاية بمنزلة الإمارة، وتأتي بمعنى القرب والدنووهي ضد العداوة وتتضمن النصرة، المحبة، المتابعة، التقرب والصداقة. ((أبو بكر محمد بن دريد: جمهرة اللغة، ط2، (بيروت: دار الصادر، 1345هـ)، ج1، ص188؛ محمد بن أحمد الأزهري: تهذيب اللغة، (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1967م) ج15، ص448-449؛ القاموس المحيط، ط2، (بيروت : مؤسسة الرسالة، 1987م)، ص1732))، والولاية في اصطلاح أهل السنة تدور حول القرب من الله تعالى ومحبته ونصرة دينه ومتابعة طاعته في أمره ونهيه، والإخلاص في ذلك كله، والولي هو الذي يتولى ربه وخالقه بالطاعة، ويتولاه ربه بالحفظ والتأييد والنصرة والمعية الخاصة كما جاء في قوله تعالى : ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس /62-63)، فالولي هو كل من كان مؤمنا تقيا، وأفضل الأولياء هم الأنبياء والرسل يتفاضل على خلق بعدهم بحسب إيمانهم وتقواهم، والصحابة أفضل الأمة (ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الله وأولياء الرحمن، ص 102). أما الولاية عند المتصوفة فقد تقاربت معانيها، وتصب جميعها في معنى الحفظ والعناية مع تحصيل الكرامات، ويعرفها الخطيب البغدادي بقوله: " الولاية أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه، بكثير مما تولى به النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ وتمكين واستخلاف وتصريف." (لسان الدين الخطيب : روضة التعريف بالحب الشريف، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، (الدمام، المملكة العربية السعودية: دار الفكر العربي)، ص519 )، أما الخزّار فيعرف الولاية بقوله : " إذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفه عنه الحجب وأدخله دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو وحينئد صار العبد زمنيا فانيا، فوقع في حفظه" ( أبو القاسم عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م)، ص118). ويعرفها الجرجاني بقوله: " الولي هو من توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان، وهو العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن، والمواظب على الطاعات المجتنب المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات" ( علي بن محمد بن علي الجرجاني : التعريفات، ط1، ( بيروت : دار الكتاب العربي)، ص 329.

[46] إحسان إلهي ظهير: التصوف المنشأ والمصادر، ( لاهور، باكستان: إدارة ترجمان السنة)، ص 126

[47] إحسان إلهي ظهير: التصوف المنشأ والمصادر، ص122.

[48] أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الإدريسي الشاذلي: البحر المديد، ط2، ( بيروت : دار الكتب العلمية، 2002م)، ج7، ص 334

[49] ابن عجيبة: البحر المديد، ج6، ص546

[50] المصدر نفسه، ج 7، ص 389

[51] المصدر نفسه، ج8، ص492

[52] لسان الدين الخطيب : روضة التعريف بالحب الشريف،ص 519-520

[53] أبو المواهب عبد الله الشعراني: الطبقات الكبرى، ط1، ( بيروت : دار الكتب العلمية، 1997م)، ج1، ص68.

[54] المكتوبات، ص 573

[55] المصدر نفسه، ص 573

[56] المصدر نفسه، ص 588

[57] الكلمات، الكلمة الحادية والثلاثون، ص 669

[58] المصدر نفسه، ص 269-270

[59] المصدر نفسه، ص 970-971

[60] المكتوبات، ص 588

[61] الكلمات، ص 573

[62] المكتوبات، ص 589

 

 

 


26-) قواعد تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي وعلاجها للخلاف بين الفرق والمذاهب الإسلامية


قواعد تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي 
وعلاجها للخلاف بين الفرق والمذاهب الإسلامية

د.سالم حسن ذيبان            
مركز رسائل النور للدراسات والبحوث 
الخرطوم (السودان)           

مقدمة
بعث الله الأنبياء هداة وقدوة منيرين الطريق لمن تبع هداهم الى صراط الله المستقيم.
والأنبياء هم معصومون ابتعثهم الله برسالته العظيمة بعد أن رباهم وأدبهم لكي يدعو الناس إلى كل مايحقق عبودية العبد لله ليقوم بمهمة الاستحلاف على أكمل وجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي" .
ومن هنا يتجلى أهمية الدور المنوط بالعلماء والدعاة والمربين لكي يتسنى لهم معرفة الوسيلة الأمثل للاقتداء وتنزيل تطبيق السنن النبوية بما يتناسب مع الحال والواقع وقبل كل شئ تعاليم السنة النبوية الشريفة.
لقد من الله على الأستاذ النورسي بالإخلاص والصدق والصبر ففتح له باب من نور الله فزاده بسطة في العلم وعرفه بأمراض الأمة فكتب قواعد هي ليست فكراً وإنما قبسات من نور القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذا الشيء هو ما يميز هذه القواعد.
المبحث الأول: مقاصد الأستاذ في الكتابة عن إتباع السنة النبوية وفهم الأحاديث النبوية:
الأستاذ النورسي يتحدث عن الحقائق الإيمانية والسلوك والترقي ولكن من خلال منهج نبوي صحيح، وأيضاً يتكلم بتلاحق الأفكار ويذكر إستدلالات علماء أجلاء لهم بالله صلة وبرسول الله حسن إتباع، وينظر ويقيس ويعطينا دساتير واضحة ولكن فيها من السعة والشمول مايجمع شتات الأمة وفرقتها .
ولقد فهم الأستاذ واقع عصره وما وصل الحال فيه وهو ماأمكن أن نجمله بالآتي:
أولاً: أن الأستاذ يريد للأمة أن تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وتقتدي به، وهو أمر أفنى الأستاذ حياته فيه، وكتب عن النبوة وإثباتها وعن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانتها، وعن معجزاته الأحمدية الشريفة، ولم يترك باباً لمحبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا ودل طلابه عليه.
ثانياً: الأستاذ النورسي يدرك أن: "هذه المسألة كتبت فيها الآف المجلدات في تفصيل هذه الحقائق إذ العارف تكفيه الإشارة"  ولكنه كتب لنا قطرة هي في الحقيقة بحر يكفي لسفينة الراشدين أن تبلغ مناها، فكثرة المجلدات لا تعني أنها عالجت المشكلة أو أنها أوجدت للداء العضال دواء ناجع، بل على العكس فبعض المؤلفات صبت الزيت على النار ونظرت للمسائل بقصور وتعجرف.
ثالثاً: الأستاذ النورسي يحث الأمة على إقتفاء السنة النبوية دونما تفريط أو إفراط ، وعدم الانهماك والإغراق في الجزئيات وإثارة الخلافات.
رابعاً: رأى الأستاذ أن كثيراً من الجماعات والعلماء اتخذت من هذه المسألة قاعدة لتصنيف الناس من حيث الإستمساك بالسنة أو بعيدين عنها على حد فهمهم، فصار الناس فيها فرقاً وتنازعوا ونسوا المغزى الأساسي من إتباع السنة، بل وتحدث في هذا الأمر حتى العوام من الناس.
خامساً: الأستاذ النورسي يعارض تناحر الفرق والطرق وخلافهم عن هذه الأمور، وتشتيت جهود الأمة وقعودها عن غاياتها، ويريد للأمة معرفة السبيل الأسنى في الإتباع. 
سادساً: لقد أدرك الأستاذ مخاطر الخلافات في مثل هذه الأمور وتشويهها صورة الإسلام حتى أصبح من يرغب بدخول الإسلام يخاف من هذه الأشياء ونفر كثيرون من الدين الإسلامي بسبب رؤيتهم لهذا الحال.
سابعاً: وجه الأستاذ جهده للتوفيق بين الآراء المتعارضة وخرج بفضل الله بما هو أوسط وأقوم.
ثامناً: تفطن الأستاذ للأسباب التي أوجدت مثل هذه الخلافات، فنوه لها وعالجها ولكن برفق ورأي سديد.
تاسعاً: رأى الأستاذ الناس يفتقدون لمعرفة فقه الأولويات وماذا ينبغي عليهم العمل به أولاً، وهو ما كتب عنه أيضاً في رسائله ونناقشه في المبحث الثالث.

المبحث الثاني: منابع السنة عند الإمام النورسي:
قسم الأستاذ النورسي السنة إلى منابع هي الفرائض والنوافل وعاداته (صلى الله عليه وسلم) .
ويقول الأستاذ النورسي إن إتباع كل نوع من أنواع السنة النبوية لايتسنى إلا لأخص الخواص ولكنه ممكن عن طريق النية والقصد والإلتزام والقبول. 
وهنا نجد الأستاذ قد بين أمراً هاماً وهو الإستطاعة فليس بمقدور كل مسلم أن يفعل كل السنن، ولكن استاذنا النورسي جزاه الله خيراً أعطانا بارقة أمل بنيل ولو شئ من الحظ والنصيب.
ويقول الأستاذ النورسي بأن الفرائض هي واجبة ومفصلة في القرآن والسنة ويترتب على تركها عقاب. 
واما عن النوافل فيبين لنا الأستاذ النورسي كلاماً حكيماً بقوله" فأهل الإيمان مكلفون بها حسب الأمر الإستحبابي وليس في تركها عقاب ولكن في إتباعها أجر عظيم، وفي تغييرها وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير". 
ثم يتطرق الأستاذ إلى عادات الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: "وأما عاداته (صلى الله عليه وسلم) وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل تقليدها وإتباعها وهي تصير العادات والآداب عبادة، وفي إتباعها حكمة ومصلحة سواءأ في الحياة الشخصية أو النوعية أو الإجتماعية". 
وعلى هذا النسق يقول الأستاذ في معرض هذا مبيناً عظم السير ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم "فالسعيد المحظوظ هم من له أوفر نصيب من هذا الإتباع للسنة الشريفة". 
ثم ختم الأستاذ النورسي حديثه بكلام بديع ومجمل عن البدع وفقه الله فيه لقول سديد، وعرف البدع بأنها: "إحداث الأمور في الأحكام العبادية وهي مردودة ولكن الأمور المستحدثة من قبيل الأوراد والأذكار كالتي عند المتصوفة فهي ليست ببدعة مادام أصلها القرآن الكريم والسنة (وهي بدعة حسنة). 
وهنا نستنتج أن الأستاذ وسطي المنهج مستقيم في الحكم على الجميع، نقي السريرة وهدفه الدعوة إلى الله بالحكمة وإستمالة الناس للصواب دونما تجريح، محققاً الآية الكريمة:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. 
ويستمر الأستاذ النورسي في إغاثتنا وبقدم قاعدة مهمة وهي اختيار النبي (صلى الله عليه وسلم) عدم الإفراط والتفريط  وإنما الإستقامة في جميع السنن النبوية الشريفة، وفي جميع أحواله الفطرية وفي جميع أحكامه الشرعية. 
وكعادته يقدم الأستاذ البراهين تلو البراهين وهنا مستدلاً بكلام الإمام الرباني السرهندي وهو من الذين لهم بالله معرفة وممن ساروا في الآفاق وبلغوا فيها مبلغاً لصدقهم مع الله فرأوا مالا يراه عامة الناس، والذي قال:" إن كل تلك الأذكار لاتساوي في نورانيتها الأذكار النبوية". 
فابنعام النظر فيما قالوه نجد كيف تبصر أولئك العلماء المحققين وبلغوا للناس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبر وتلطف دونما تجريح ولا شتائم، سيراً على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: " لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ وَلَا لَعَّانٍ وَلَا فَاحِشٍ وَلَا بَذِيءٍ" .
فهل صار تطبيق السنة في العبادات وغابت في السلوك والممارسات، فما أبلغ الظلم الذي تتعرض له السنة اليوم على يد المجحفين وقصيري النظر.
فسبحان من أفاض على الأستاذ النورسي فجعله يختزل علاج أسباب وصراعات الفرق والمذاهب والجماعات في هذه القواعد الوسطية النبوية النورانية.
ولعلنا نبسط الكلام ونوسعه لندلل لكل من لم يطمئن قلبه بعد ونقول، لعل البعض يظن أن الأستاذ تحيز إلى المتصوفة ووقف معهم، أو أنه متساهل غير أن المحقق يجد أن الأستاذ أنصف الجميع وكان مستقيماً ووسطاً، وهناك ما يدعم قواعد الأستاذ النورسي النورانية وسنتحدث عن بعض الأدلة.
فأولها إفتتاح الأستاذ النورسي لهذا الباب في كتاباته بحديث شريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم:" مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيد". 
فأهمية الفروض والواجبات لاتخفى على أحد ومن حافظ عليها نجى من عذاب النار كما يقول الأستاذ وهو الذي يريده كل مسلم، ومما يدعم كلام الأستاذ النورسي حديث أبوهريرة رضي الله عنه:" أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" .
وبالتالي فالأستاذ النورسي يؤكد أن الله يريد من عباده أولاً المحافظة على الفرائض والواجبات، وقد كتب الأستاذ عن هذا كثيراً ليبين للناس مكانة الفرائض كالصلاة والزكاة والحج، فمكانة الصلاة وعظمة الوقوف بين يدي الله وإستحضار معيته ومخاطبته نالت كثيراً من اهتمامه، متدرجاً في هذا على حسب قابليات الناس، وكان مما صرح به كثيرون لي بأنهم وجدوا عند الأستاذ ماأراح نفوسهم ورقى مدارجهم فيما بعد، ألا وهو قول الأستاذ النورسي: ("فياأخي حذار أن تقول أين صلاتي من حقيقة تلك الصلاة؟ "إذ كما تحمل نواة التمر في طياتها صفات النخلة الباسقة، الفرق فقط في التفاصيل والإجمال.كذلك صلاة العوام-من هم أمثالي وأمثالك-فيها حظ من ذلك النور وسر من أسرار تلك الحقيقة، إلخ كلامه رضي الله عنه) . لقد ترفق الأستاذ بطلابه فأرتقوا وتحنن لهم وتقرب فشمروا إلى المعالي، حافظوا على الفروض والسنن وتتبعوا العادات النبوية بالترقي والتدرج.
وأما فيما يخص السنن النوافل فهي تقرب لله كما يروي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي:" مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه" .
والأستاذ النورسي كلامه واضح في هذا الأمر وهو مع عدم تبديلها وتغييرها، وهو سني الإتباع في هذا .
وأما بخصوص عاداته صلى الله عليه وسلم، فللأستاذ النورسي شواهد كثيرة من السنة النبوية تدعم كلامه المستفيض الذي أفاض فيه وأجاد، فعن عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: (رَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَيَقُولُ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي) .
والإمام علي سليل بيت النبوة وإبن عم رسول الله وزوج إبنته فاطمة البتول وخليفته وسيد الأولياء، فكيف لا يكون له حظ من هذا.
ودليل آخر في هذا الباب، فعن مُجَاهِدٍ قَالَ: (كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ) .
وسيدنا عبدالله بن عمر هو من أكثر الصحابة تشدداً في إتباع السنة، وهو إبن الفاروق عمر، وحظه من هذا الإتباع كثير.
وأما عن البدع في الأذكار وهي المسألة التي أسهب الناس في الحديث عنها وتفرقوا جماعات واختلفوا، فقاعدة الأستاذ لها شواهد عديدة تؤيدها:
ففي سنن أبي داود عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَال: قَال النَّبِى صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ: كَيْفَ تَقُولُ فِى الصَّلاَةِ ؟ قَال: أَتَشَهَّدُ وَأَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، أَمَا إِنِّى لاَ أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذ، فَقَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنا ومعاذ حَوْلَهَا نُدَنْدِن" .
من خلال هذا الحديث يتبين للمستقصي عن مدى تعظيم الأستاذ وطلابه للبعد الأخروي، فقد ركز الأستاذ على البعد الأخروي (الهدف النجاة من النار) وكرر الأستاذ الحديث عنها في رسائل النور وجعلها تتكرر في الجوشن مراراً وفي أذكار مابعد الصلاة وذلك لأن الآخرة حاضرة معه ومع طلابه، بل جعل تذكرهم للموت والآخرة بلسماً لمن يعاني من إستيلاء الدنيا وزخارفها على قلبه .
وهناك دليل آخر، ففي الأثر عن الإمام محمد بن واسع: " أنه كان يدعو الله كل يوم بدعاء خاص، فجاءه شيطان وقال له: يا إمام ! أعاهدك أني لن أوسوس لك أبدا، ولن آتيك ولن آمرك بمعصية ، ولكن بشرط أن لا تدعو الله بهذا الدعاء ، ولا تعلمه لأحد . فقال له الإمام: كلا ! سأعلمه لكل من قابلت وافعل ما شئت. هل تريد معرفه هذا الدعاء ؟ كان يدعو فيقول: " اللهم إنك سلطت علينا عدوا عليما بعيوبنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، اللهم آيسه منا كما آيستـه من رحمتك ، وقَنِّطه منا كما قَنَّطـته من عـفوك ، وباعــد بيننا وبينه كما باعـدت بينه وبين رحمتك وجنتك" .
فنص الدعاء أعلاه لم يرد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولكن معناه صحيح ولم يشنع أحد من المتشددين على الإمام محمد بن واسع، والأستاذ النورسي كتب كلاماً عجيباً عن الاستعادة والحكمة منها، وجعل الاستعادة من الشيطان في أذكار ما بعد الصلاة ثابتاً، وأوصى به طلابه لكي يحصنوا أنفسهم من وساوس الشيطان. 
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يصيبه اليأس من العباد في بعض الأزمان والأحيان، فقال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" .
ومن الشواهد الأخرى أيضا وهو من الأدعية المشهورة التي درج الناس عليها ولم ينكرها كبار المتشددين على الناس، "ما أخرجه هبة الله الطبري اللالكائي في كرامات الأولياء بسنده عن أنس قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً، فخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك. قال: ما تريد إلا دمي شأنك بالمال. قال: أما المال فلي، فلست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، وكان من دعائه في آخر سجدة أنه قال: يا ودود، ياذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات. قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما أبصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل. فقال: قم. قال: من أنت بأبي أنت وأمي، فقد أغاثني الله تعالى بك اليوم. قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت الله بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجيجاً، ثم دعوت بدعائك الثالث. فقيل: دعاء مكروب، فسألت الله عز وجل أن يوليني قتله" .
قال أنس: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروباً كان أم غير مكروب، وسيدنا الحسن البصري روى الحديث عن أنس رضي الله عنه.
ومن هذا نجد أن هذا الصحابي أخرج لنا دعاءاً هو من زبدة المأثورات والأوراد النبوية ولم ينكر أنس رضي الله عنه هذا بل أوصى به.
ولعل كلام سيدنا عمر عن البدعة الحسنة، فيه من سعة الإسلام ورحمته الكثير مما نحتاجه هذه الأيام للتخفيف من الإساءة والتشنيع على الناس ونسيان أهمية التوحد والإعتصام.فقد أورد البخاري في صحيحه هذا الحديث:
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاللهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي تَقُومُونَ يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" .
فالحديث ثابت في البخاري، وهناك حديث آخر يسند ويؤيد فعل عمر رضي الله عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ" .
فمن هذا نخلص أن الأستاذ لايحرج ولايشنع على الناس في أدعيتهم وأورادهم، سيراً على سنة رسول الله وصحابته الأخيار في هذا، ولكنه جعل للأوراد النبوية مكانة ووصى بها، والأستاذ لا يريد لهذا الأمر الجزئي أن يكون سبباً للخلاف والتنافر مقدمين إياه على أولويات الوحدة والتناصر.

المبحث الثالث: الأولويات التي يراها الأستاذ النورسي ويدعو لها ويراها مقدمة على ماعداها:
1.أن تحيا الأمة بالإيمان وحقائقه وممارسته وتترقى في مدارج السلوك تبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم .
2.أن تسعى الأمة لتقديم الإسلام للبشرية الضامئة له نقياً صافياً بأساليب جاذبة، متجنبين كل ما ينفر منه وأولها عدم إلتزامنا به وثانيها تجنب الإفراط والتفريط، حاملين مبادئه سلوكاً وممارسة في أخلاقنا، كما يقول الأستاذ:" ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجا، بل ربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام" .
3.أن تبقى الآخرة حاضرة أمام أعيننا ورابطة الموت لا تغيب عن أذهاننا، حتى لا تعمينا الغفلة . 
4.على قادة الأمة وخطبائها وعلمائها توجيه الناس إلى العيش بالإسلام واقعاً وتجنب كل ما يدعو إلى الفرقة والتناحر، فصحيح أن اختلاف الأمة رحمة ولكنه الخلاف من أجلها وليس نقضا لعرى الوحدة والإعتصام لقوله تعالى:﴿ ‏وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾  وقوله عز من قائل:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا ﴾ .
5.على خطباء الأمة إستخدام الأحاديث النبوية في مكانها وشرحها وتبسيطها لعموم الناس بما ينفع ويوحد.فمثلاً حديث (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ)  درجت العادة أن يقال في إفتتاحية كثير من الخطب وأتخذ من البعض ظاهرياً قانوناً للتفرقة والعزل والإقصاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من هذا، والأستاذ النورسي يقول في شرح الحديث أعلاه:" فإن عدم استحسان تلك الدساتير بمحدثات الأمور، أو ايجاد البدع التي تشعر كأن تلك الأمور ناقصة-حاش لله-ضلال ليس له مستقر إلا النار" ، ويقول أيضاً في مكان آخر:"لاينبغي الحكم على الشيء بظاهره إذ من شان المحقق سبر أغوار الموضوع والتجرد من المؤثرات الزمانية والغوص في أعماق الماضي ووزن الأمور بموازين المنطق ووجدان منبع كل شئ ومصدره" . ولعمري فإن رؤية الأستاذ مختلفة تماماً عما يروج له بعض المتشنجين والمتشددين. 
6.توجيه الامة للمزج بين العلم الديني والعلوم المادية، حتى يحيا المتعلمون ربانيين، يعرفون الله، ويحققون للأمة مقاصدها كما يرضى الله، كما يقول الأستاذ: "ضياء القلب هو العلوم الدينية ونور العقل هو العلوم الحديثة فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية" . والأستاذ يعلم جيداً مدى تأثر الناس بالعلوم الحديثة وإن عدم وجود بوصلة العلوم الدينية تفقد الإنسان الصراط المستقيم وتتلقفه الأهواء.
7.توجيه أهل العلم والمعرفة للناس بأن يحيوا بالشريعة وهو مقصد سعادة الدنيا والآخرة .
إن أكبر جناية ترتكبها الأمة هي الفرقة والاختلاف، والوحدة والاعتصام هو الأولى، فهل من المنطق الاختلاف في مشروعية أذكار كتبها عالم صالح لدرجة تفسيقه وتكفيره وسبه هو وأتباعه، ونسيان فريضة شرعية وأمر نبوي بالوحدة والإعتصام ففي أيهما الإتباع النبوي أوجب.
8.التنوع مكسب وفي هذا الاختلاف رحمة، وقد وجد الأستاذ النورسي طلاباً له كثير من الأحناف ولم يأمرهم أن يصبحوا شافعيي المذهب مثله، وفي إخلاصه هذا جعل الله تحقق المقاصد الكبرى للدين والشريعة على يديه، ومن ينظر لطلاب النور وبركة مساعيهم في تركيا وكل الدنيا يدرك مدى الفكر السامي الذي يوجههم والإستقامة التي تقودهم وقد أصبح تنوعهم مصدر قوة وليس مصدر ضعف.
9.الدعوة إلى الإجتهاد القائم على الوعي العميق بأمور الدين بحيث يستخلص من امور الشرع، بعض الأحكام التي تناسب ما يستحدث في المجتمعات من تطورات علمية أو أحداث اجتماعية جديدة، والأستاذ هنا يبرز لنا مدى التطور الذي يطرأ على المجتمعات وكيف للعلماء ان يتعاملوا معه .
10.عدم الزج بالعوام في البحث في هذه المسائل وهذا خطر كبير إذ كيف للعوام أن يعرفوا هذه الأمور .
11.لابد للنقاشات أن تبتعد عن العناد، وأن تجري في جو من الإنصاف، وأن تتسم بالشمولية، أن تكون المذاكرة في المسائل المتخصصة بين من هم أهل للمناقشة، أي أن نأخذ بعين الاعتبار مسألة السياق والمقام .
12.لا يجوز بحث المسائل الإيمانية الدقيقة بشكل مناقشات جدلية دون ميزان، ولا أمام جماعة من الناس، إذ تتحول الأدوية عندئذ إلى سموم ، لأنها دون ميزان ، فتضر المتكلمين والمستمعين معاً . وإنما يجوز ذلك عند فراغ البال وسكون القلب وتوفر الإنصاف عند الباحثين، وتداولاً فكرياً ليس إلاّ .
13.الإهتمام بالقضايا الجوهرية، فالنورسي يقول: "من لم يجد اللب ينهمك في القشر" ، وقد أسرف الناس في هذا حتى نسوا فعل الفرائض والسنن وانهمكوا بنقد من أسموهم بالمبتدعة وأشعلت فتن وحروب وتفرقت الأمة وتخلفت.

خاتمة
الأستاذ بديع الزمان النورسي يريد لكل مسلم ومؤمن أن يحب الله ورسوله ويتبعه على قدر إستطاعته ولا يطلب من أحد أو جماعة التخلي عن مسلكها وطريقتها، ولكن يطلب منها الإخلاص وعدم إنكار وجود الآخر ، فليس بقسوة النقد وكثرة الهجاء يكثر أتباع المسلك أو الطريقة وفي هذا يقول الأستاذ النورسي:"إن الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي؛ لانه لو وُجد حرص في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم إليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاص التام قطعاً ولا يمكنه الحصول عليه" ، فما الفائدة بمسلك أو طريقة لايعمرها الإخلاص وبكثرة من الأتباع مشحونين بالبغض على غيرهم، ماذا لو اطلع الله عليهم في ليلة النصف من شعبان، لقد تساوى حالهم مع حال المشرك الذي لاينظر الله إليه ولا يغفر له، فهل أدرك علماء الامة وفقهاؤها الخطر العظيم الذي هم عليه والمسئولية التي على عاتقهم.

 

---------------------------

قائمة المراجع والمصادر
1.القرآن الكريم.
2.صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى1422ه
3.صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، المحقق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
4.سنن أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية صيدا بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
5.مسند الإمام أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون،  مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2001.
6.إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، دار المعرفة – بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
7. أدب الاملاء والاستملاء، عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، المحقق ماكس فايسفايلر،  دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى 1981. 
8. سعيد النورسي، كليات رسائل النور:
اللمعات، ترجمة احسان قاسم الصالحي،  دار سوزلر، الطبعة الخامسة 2008 
صيقل الإسلام، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة2004
سيرة ذاتية، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الخامسة 2008
الكلمات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
الشعاعات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
المكتوبات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
9.يقظة الأمة، خديجة النبراوي، دار سوزلر للنشر، الطبعة الاولى، 1998 
10 .النورسي رجل الحوار والإقناع، أبو بكر العزاوي، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، مقال من موقع نور أونلاين.  
  


 


27-) الدَّوْرُ التَّوجِيهِيُّ لِلأَنْبِيَاءِ فِي الحَيَاةِ الفَرْدِيَّةِ وَالعَائِلِيَّةِ وَالاجْتِمَاعيَّةِ

 

 

الدَّوْرُ التَّوجِيهِيُّ لِلأَنْبِيَاءِ

فِي الحَيَاةِ الفَرْدِيَّةِ وَالعَائِلِيَّةِ وَالاجْتِمَاعيَّةِ

 

أ.د. أمين محمد سلام المناسية   

الأردن - جامعة مؤتة- كلية الشريعة

 

المقدمة

 الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ  ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[1]  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[2]  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾[3] .

أما بعد، "لم يكن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (1876- 1960م) صاحب نظرة سطحية أو معرفة ظاهرية لمفهوم النبوة وما ينبع منها من قيم ومبادئ أو نظم و معطيات، بل كان ذا فكرٍ عميق ونظرة ثاقبة وعقلية تحليلية سرت إلى بحور اللآلئ وعمق الحكم والأسرار لثمرة النبوة الشريفة وحاجة الإنسانية لها في شتى مجالاتها.   

وبذلك وجدناه؛ نوع الحديث، ونثر الفوائد، وأتقن التعليق في رسائله النورانية حيث أولى اهتماماً بالغاً موضوع النبوة، وقد شغلت مساحات شاسعة في رسائله لا سيما نبوة الحبيب المصطفى ﷺ ."[4]

إن الحديث عن فكر هذا العالم الجهبذ أمر يستحق الجهد والبحث، وخصوصاً أنني أراه مجدد زمانه في عالم الأتراك المسلمين، إذ استطاع أن يشعل شمعة العودة إلى نهضة الإسلام في تركيا ووضع الأسس الكفيلة لتجاوز كل الأزمات إن قرئت قراءة صحيحة وفهمت مقاصدها، وهذا ما سوف يتناوله البحث في الكشف عن الدور التوجيهي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وعليه فإن هذا البحث يتكون من مقدمة وخاتمة وأربعة مطالب:

المقدمة وتشتمل على التعريف بالتوجيه وتقسيمات البحث. المطلب الأول: ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب. المطلب الثاني: كيفية الحصول على القدوة الصالحة النافعة. المطلب الثالث: التوجيه الفردي. المطلب الرابع: التوجيه المجتمعي. الخاتمة المشتملة على النتائج والتوصيات

والله أسأل أن ينير الطريق لأمة الإسلام لتستعيد عزها ومجدها وسؤددها. وصلى الله وسلم على سيد الخلق، ومعلم البشرية سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه أجمعين.

 

التعريف بالتوجيه

التوجيه لغة: البيان والتسديد والإرسال.

التوجيه اصطلاحاً: هو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين، وإيراد الكلام على وجه يندفع به كلام الخصم وقيل عبارة على وجه ينافي كلام الخصم.[5]

قديما سادت حضارات و بادت بسبب تفوق حضارات أخرى عليها.. سر التفوق هذا هو التقدم ..وسر التقدم .. هو العلم و التعلم                      ..!!   

فالبلد الأقوى ليس هو البلد الذي يملك أعدادا بشرية ضخمة .. و لا ثروة طبيعية غزيرة .. بل هو الذي يملك ثروة أو طاقة بشرية مدربة تدريبا حسنا و ليس المهم عددها .. فالمسألة مسألة كيف لا كم.. أو مسألة نوع لا عدد!!

إن البلد الأقوى هو الذي يستغل ثروته البشرية استغلالا كاملا .. وذلك بإعداد أفراده إعدادا ممتازا يحرر بواسطة مخزون كل فرد من قدرات و طاقات كامنة .. و يمكنهم من تحقيق ذواتهم لمصلحتهم ومصلحة المجتمع                     ..!!

و لكي يتم ذلك تعتمد الأمم إلى التوجيه في التعليم ليتمكن كل فرد من أن يجد المكان المناسب له بحيث يسعد وينتج!!

 * ما هو التوجيه .. ؟؟ يراد بالتوجيه تمكين الشيء أو الكائن الحي من الوصول إلى هدفه: كتوجيه القذيفة أو الصاروخ .. وكتوجيه الطالب نحو الدراسة أو المهنة التي يريدها .. إلا أن هناك فرقا بيِّناً بين توجيه الإنسان و توجيه الجماد.. القذيفة لا خيار لها فيما تفعل و الغاية من التوجيه خارجة عنها و ليس لمصلحتها.. بينما يكون توجيه الإنسان لغاية في نفسه هو ..!!

نحن نبصره بإمكاناته و نزوده بما يلزم من معلومات ونعرفه بالفرص المتاحة ثم نترك له الحرية في اتخاذ القرار الذي يناسبه .. وهذا ما نسميه بالتوجيه في التربية .. أو التوجيه المدرسي!!

* التوجيه عند ابن سينا :وأمر التوجيه في الناس قديم من ذلك أن ابن سينا يشرح لنا التوجيه بقوله :ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية .. ولكن ما شاكل طبعه وناسبه.. وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة.. ما كان أحد غفلا عن الأدب وعاريا من الصناعة .. وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصناعات .. ولذلك ينبغي لمدبر الصبي إذا رام لاختيار صناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته و يختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك  .. !!وعليه يمكننا أن نعتبر تعريفه للتوجيه هو :وزن طبع الصبي وسبر قريحته واختبار ذكاءه ثم اختيار الدراسات أو الصناعات له بحسب ذلك.. ![6] وهذا هو الذي نبه عليه النورسي رحمه الله في كتاباته.

من هنا نكتشف العمق الأصيل الذي انتهجه بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في وضع يده على نقطة البداية في تربية الأجيال للسير في طريق النجاح الدنيوي والأخروي، وهذا سيتضح تماماً في المطالب التالية.

                       المطلب الأول: ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب

الازدواجية لغة: نقيض الفردية.

الازدواجية اصطلاحاً: الازدواج انضمام الشيء إلى نظيره من الزواج وهو كل ماله نظير من جنسه.[7] كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُ سَبِيلاً ﴾[8]، ونظيره في القرآن كثير. فالسعادة سعادتان دنيوية وأخروية.والعذاب عذابان دنيوي وأخروي و"إن غايات وجود كل شيء ومقاصد حياته ثلاثة أقسام:

أولها: وهو أسماها وهو المتوجه إلى صانعه سبحانه وتعالى. أي: عرض دقائق صنع كل شيء وبديع تركيبه أمام أنظار الشاهد الأزلي سبحانه بما يشبه الاستعراض الرسمي حيث تكفي لذلك النظر حياة الشيء ولو للحظة واحدة. بل قد يكفيه استعداده لإبراز قواه الكامنة الشبيهة بنيته ولما يبرز إلى الوجود. ومثاله: المخلوقات اللطيفة التي تزول بسرعة، والبذور التي لم يتسن لها إعطاء ثمارها وأزاهيرها، تفيد هذه الغاية وتعبر عنها تمامًا، فلا يطرأ عليها عبث ولا انتفاء النفع البتة. أي أن أُولى غايات كل شيء هو: إعلانه وإظهاره بحياته ووجوده معجزات قدرة صانعه، وآثار صنعته، أمام أنظار عناية مليكه ذي الجلال.

والقسم الثاني: من غاية الوجود وهدف الحياة هو: التوجه إلى ذوي الشعور أي ان كل شيء بمثابة رسالة ربانية زاخرة بالحقائق، وقصيدة تنضح لطفًا ورقةً وكلمة تفصح عن الحكمة، يعرضها الباري عز وجل أمام أنظار الملائكة والجن والحيوان والإنسان، ويدعوهم إلى التأمل، أي أن كل شيء هو محل مطالعة وتأمل وعبرة لكل من ينظر إليه من ذوي الشعور.

القسم الثالث: من غاية الوجود وهدف الحياة هو :التوجه إلى ذات نفسه: كالتمتع والتلذذ وقضاء الحياة والبقاء فيها بهناء، وغيرها من المقاصد الجزئية. فمثلا : إن نتيجة عمل الملاح في سفينة السلطان العظيمة تعود فائدتها إليه وهي أجرته، وهي بنسبة واحد في المائة، بينما تسع وتسعين بالمائة من نتائج السفينة تعود إلى السلطان الذي يملكها.. وهكذا إن كانت الغاية المتوجهة إلى كل شيء بذاته والى دنياه واحدة، فالغاية المتوجهة إلى بارئه سبحانه هي تسع وتسعون. ففي تعدد الغايات هذا يكمن سر التوفيق بين  "الحكمة والجود" أي بين الاقتصاد والسخاء المطلقين، اللذين يبدوان كالضدين والنقيضين. وتوضيح ذلك:

إذا لوحظت غاية بمفردها فان الجود والسخاء يسودان آنذاك، ويتجلى اسم "الجواد"، فالثمار والحبوب حسب تلك الغاية المفردة الملحوظة لا تعد ولا تحصى. أي أنها تفيد جودًا مطلقًا وسخاء لا حصر له. أما إذا لوحظت الغايات كلها فان الحكمة هي التي تظهر وتهيمن، ويتجلى اسم "الحكيم". فتكون الحكم والغايات المتوخاة من ثمرة لشجرة واحدة بعدد ثمار تلك الشجرة، فتتوزع هذه الغايات على الأقسام الثلاثة التي سبق ذكرها. فهذه الغايات العامة تشير إلى حكمة غير نهائية، واقتصاد غير محدد، فتجتمع الحكمة المطلقة مع الجود المطلق اللذان يبدوان كالضدين.

ومثلا: إن إحدى الغايات من الجيش هي المحافظة على الأمن والنظام، فإذا نظرت إلى الجيش بهذا المنظار فسترى أن هناك عددًا فوق المطلوب منه. أما إذا نظرنا إليه مع أخذنا الغايات الأخرى بنظر الاعتبار كحفظ الحدود، ومجاهدة الأعداء وغيرها، عند ذلك نرى أن العدد يكاد يفي بالحد المطلوب... فهو إذن توازن دقيق بميزان الحكمة. إذ تجتمع حكمة الحكومة مع عظمتها. وهكذا يمكن القول في هذه الحالة: أن الجيش ليس فوق الحد المطلوب[9]".

من هنا نلاحظ كيف تجاوز فكر النورسي رحمه الله الحد الطبيعي حتى غاص إلى أعماق الحكمة وبيَّن ازدواجية المقاصد والتي اجتمع فيها النقيضان، بل ما هو في الحقيقة ضد ونقيض وذلك صنع الله الذي أتقن كل شيء، وتحت اختيار الإنسان يستخدم ما يريد وقت يريد، فمن يقدر على مصنوع كالإنسان غير الصانع الحقيقي وهو الله تعالى عما يقولون علواً كبيرا؟ ومن يستطيع فعل هذا التوازن غيره؟

فالنورسي رحمه الله يضع أمثلة حية لتقريب الفكرة، وتفتيق الأذهان فيقول: "بدأ المعلم هذا بإلقاء توجيهاته إلى المشاهدين كافة قائلا: أيها الناس ان سيدنا مليك هذا القصر الواسع البديع، يريد ببنائه هذا وبإظهار ما ترونه «أمام أعينكم من مظاهر، أن يعّرف نفسه إليكم، فاعرفوه واسعوا لحسن معرفته. وانه يريد بهذه التزيينات الجمالية، أن يحبب نفسه إليكم، فحببوا أنفسكم إليه، باستحسانكم أعماله وتقديركم لصنعته. وأنه يتودد إليكم ويريكم محبته بما يسبغه عليكم من آلائه ونعمه وأفضاله فأحبوه بحسن إصغائكم لأوامره وبطاعتكم إياه.  وانه يظهر لكم شفقته ورحمته بهذا الإكرام والإغداق من النعم فعظموه أنتم بالشكر. وانه يريد أن يظهر لكم جماله المعنوي بآثار كماله في هذه المصنوعات الجميلة الكاملة فأظهروا أنتم شوقكم ولهفتكم للقائه ورؤيته، ونيل رضاه. وانه يريد منكم أن تعرفوا أنه السلطان المتفرد بالحاكمية والاستقلال، بما ترون من شعاره الخاص، وخاتمه المخصص، وطرته التي لا تقلد على جميع المصنوعات.. فكل شئ له، وخاص به، صدر من يد قدرته. فعليكم أن تدركوا جيدًا، أن لا سلطان ولا حاكم إلا هو .فهو السلطان الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا مثيل كان هذا المعلم الكبير يخاطب الداخلين للقصر والمتفرجين، بأمثال هذا الكلام الذي يناسب مقام السلطان وعظمته وإحسانه.

ثم انقسم الداخلون إلى فريقين:

الفريق الأول: وهم ذوو العقول النيرة، والقلوب الصافية المطمئنة، المدركون قدر أنفسهم، فحيثما يتجولون في آفاق هذا القصر العظيم - ويسرحون بنظرهم إلى عجائبه يقولون: لابد أن في هذا شأنًا عظيمًا !! ولابد أن وراءه غاية سامية!..  فعلِموا أن ليس هناك عبث، وليس هو بلعب، ولا بلهو صبياني.. ومن حيرتهم بدأوا يقولون:

يا ترى أين يكمن حل لغز القصر، وما الحكمة فيما شاهدناه ونشاهده؟!

وبينما هم يتأملون ويتحاورون في الأمر، إذا هم يسمعون صوت خطبة الأستاذ[10] العارف وبياناته الرائعة، فعرفوا أن لديه مفاتيح جميع الأسرار وحل جميع الألغاز، فأقبلوا إليه مسرعين:

- السلام عليكم أيها الأستاذ.. إن مثل هذا القصر الباذخ ينبغي أن يكون له عريفًا صادقًا مدققًا أمينًا مثلك، فالرجاء أن تعّلمنا مما عّلمك سيدنا العظيم. فذكَّرهم الأستاذ بخطبته المذكورة آنفاً، فاستمعوا إليه خاشعين، وتقبلوا كلامه بكل رضى واطمئنان، فغنموا أيما غنيمة، إذ عملوا ضمن مرضاة سلطانهم، فرضي عنهم السلطان[11] بما أبدوا من رضى وسرور لأوامره. فدعاهم إلى قصر أعظم وأرقى لا يكاد يوصف، وأكرمهم بسعادة دائمة، بما يليق بالمالك الجواد الكريم، وتلائم هؤلاء الضيوف الكرام المتأدبين، وحري بهؤلاء المطيعين المنقادين للأوامر.

أما الفريق الآخر:

وهم الذين قد فسدت عقولهم، وانطفأت جذوة قلوبكم، فما أن دخلوا القصر، حتى غلبت عليهم شهواتهم، فلم يعودوا يلتفتون إلا لما تشتهيه أنفسهم من الأطعمة اللذيذة، صارفين أبصارهم عن جميع تلك المحاسن، سادِّين آذانكم عن جميع تلك الإرشادات الصادرة من ذلك المعلم العظيم، وتوجيهات تلاميذه[12].. فأقبلوا على المأكولات بشراهة وهم كالحيوانات، فأطبقت عليهم الغفلة والنوم وغشيهم السكر، حتى فقدوا أنفسهم لكثرة ما أفرطوا في شرب ما لم يؤذن لهم به فأزعجوا الضيوف الآخرين بجنونهم وعربدتهم. فأساءوا الأدب مع قوانين السلطان المعظم وأنظمته، لذا أخذهم جنوده وساقوهم إلى سجن رهيب لينالوا عقابهم الحق، جزاءً وفاقًا على ما عملوا من سوء الخُلق.

فيا من ينصت معي إلى هذه الحكاية؛ لابد أنك قد فهمت أن ذلك السلطان قد بنى هذا القصر الشامخ لأجل تلك المقاصد المذكورة، فحصول تلك المقاصد يتوقف على أمرين:

أحدهما: وجود ذلك المعلم الأستاذ الذي شاهدناه وسمعنا خطابه، إذ لولاه لذهبت تلك المقاصد هباءً منثورًا، كالكتاب المبهم الذي لا يفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرد أوراق لا معنى لها !.. "[13]

"لقد جاء في الحكاية ذكر مبعوث كريم، وُذكر أن من لم يكن أعمى يفهم من رؤية أوسمته: أنه شخص عظيم، لا يأتمر إلا بأمر السلطان، فهو عامله الخاص..  فهذا المبعوث إنما - هو رسولنا الأعظم ﷺ.

نعم، يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس، مثل هذا الرسول الكريم، كلزوم الضوء للشمس. لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام.

فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟

أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بوساطة يلفت الأنظار إليه؟

أم هل يمكن أن لا تطلب سلطنٌة كلية لربوبية عامة شاملة إعلان وحدانيتها وصمدانيتها على مختلف الطبقات بوساطة مبعوث ذي جناحين؟ أي ذي صفتين:

صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات المخلوقات عند الحضرة الربانية. وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه إلى العالمين كافة. أم هل يمكن لصاحب جمال مطلق أن لا يروم أن يشهد هو ويشهِد خلقه محاسن جماله ولطائف حسنه في مرايا تعكس هذا الجمال؟ أي بوساطة رسول حبيب؛ فهو حبيب لتودده إلى الله سبحانه بعبوديته الخالصة، وهو رسول حبيب لأنه يحبب الله سبحانه إلى الخلق بإظهار جمال أسمائه الحسنى. أم هل يمكن أن لا يريد من يملك خزائن مشحونة بأغلى الأشياء وأعجبها وبما يدهش العقول، إظهار كماله المستتر. وان لا يطلب عرضه على أنظار الخلق أجمعين، وكشَفه على مرأى منهم، بوساطة معرف ومعلن وصاف؟ أم هل يمكن لمن زين هذا الكون بمخلوقات معبرة عن كمال أسمائه الحسنى، وجعله قصرًا رائعًا، وجمله ببدائع صنعته المذهلة، وعرضه على الأنظار، ثم لا يكل أمر إيضاحه إلى مرشد معلم رائد؟. أم هل يمكن أن لا يبين مالك هذا الكون بوساطة رسول: ما الغاية من تحولات هذا الكون وما القصد من هذا الطلسم المغلق؟ وان لا يجيب بوساطته عن ألغاز الأسئلة الثلاثة المستعصية في الموجودات، وهي: من أين؟ والى  أين؟ ومن تكون؟ أم هل يمكن للخالق ذي الجلال الذي عرف نفسه إلى ذوي الشعور هذه المخلوقات الجميلة، وحببها إليهم بنعمه الغالية، أن لا يبين لهم بوساطة رسول ما يريد منهم وما يرضيه إزاء هذه النعم السابغة؟ أم هل يمكن للخالق الذي ابتلى النوع الإنساني باختلاف المشاعر والاتجاهات، وهيأ استعداده للعبودية التامة الكلية، أن لا يطلب توجيه أنظار هذا النوع من الكثرة إلى التوحيد بوساطة مرشد مرسل؟

وهكذا فان هناك دلائل أخرى زيادة على ما تقدم، كلها براهين قاطعة تبين: "وظائف النبوة ومهامها"، وتوضح: أن الألوهية لا تكون بلا رسالة.

والآن، فهل ظهر في العالم من هو أكثر أهلية، واجمع لتلك الأوصاف والوظائف التي لمنصب الرسالة ومهمة التبليغ؟ (أم هل هناك أحد أليق منه ذكرت، من محمد الهاشمي؟)

وهل اظهر الزمان أحدًا أعظم أهلية منه؟  كلا. ثم كلا.. فهو إمام جميع المرسلين، وقرة عين كل الأصفياء، وسلطان جميع المرشدين، وزبدة كل المختارين والمقربين، صاحب ألوف المعجزات كشق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، مما عدا دلائل نبوته وأماراتها التي لا تحصى، مما هو محل إجماع أهل الفضل والعلم، وعدا القرآن العظيم الذي هو بحر الحقائق والمعجزة الكبرى، إذ انه كالشمس الساطعة دليل قاطع على صدق رسالته.. ولقد أثبتنا إعجاز القرآن بما يقرب من أربعين وجهًا من وجوه الإعجاز في "رسائل النور" ولاسيما في"الكلمة الخامسة والعشرين".[14]

وإليك أمثلة على ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب: "إن هدايا الرحمن الجميلة - كالعقل والقلب والعين وما شابهها – ما وهبت لك إلا لتهيئك لفتح أبواب السعادة الأبدية، فما أعظمها خسارة أن تتحول تلك الهدايا إلى صورة مؤلمة تفتح لك أبواب جهنم!."[15]

فهنا يقصد النورسي رحمه الله أن هذه الهدايا ما هي إلا أمانات يجب أن لا تسخر إلا في مرضاة المهدي، وأن لا تستخدم إلا في طاعته، ولمصلحة الإنسان التي تعود عليه بالسعادة الدنيوية، والتي بالتالي تؤهله للسعادة الأخروية السرمدية. أما إن أساء الاستعمال فإنها ستوقعه في مهاوي الردى، ولذات الدنيا وشهواتها، والتي يكون مآلها أن ترمي به في أعماق العصيان، والمخالفة التي لا تثمر إلا مراً، وحنظلاً، وزقوما؛ فشقاؤه ومخالفاته الدنيوية تجره إلى شقائه وعذابه الأبدي في النار.

وهكذا فإن السعادة الدنيوية وفق منهاج الله تجر إلى سعادة أخروية وفق مرضاة الله، ولذة المعصية الدنيوية تجر إلى عذاب الآخرة الأبدية.

"فالأعمال والأفعال هنا إذن ما هي إلا لأجل ما أُعد هنالك من جزاء. فالملك القدير يكلف هنا ويجازي هناك، فلكل فردٍ لون من السعادة حسب استعداده وما أقدم عليه من خير."[16]

"ثم انظر! انه يسأل تلك السعادة والخلود بكل رقة وحزن، وبكل حب وود، وبكل شوق وإلحاح، وبكل تضرع ورجاء، يحزن الكون جميعًا ويبكيه فيسهمه في الدعاء. ثم انظر وتأمل! انه يدعو طالبًا السعادة لقصد عظيم، ولغاية سامية.. يطلبها لينقذ الإنسان والمخلوقات جميعًا من التردي إلى هاوية أسفل سافلين وهو الفناء المطلق والضياع والعبث، ويرفعه إلى أعلى عليين وهو الرفعة والبقاء وتقّلد الواجبات وتسّلم المسؤوليات، ليكون أهلا لها ويرقى إلى مرتبة مكاتيب صمدانية."[17]

"فلابد أن تكون هناك دار سعادة تليق بذلك الكرم العميم، وتنسجم مع تلك الرحمة الواسعة.. وإلا يلزم جحود هذه الرحمة المشهودة، بما هو كإنكار وجود الشمس التي يملأ نورها النهار، لأن الزوال الذي لا رجعة بعده يستلزم انتفاء حقيقة الرحمة من الوجود، بتبديله الشفقة مصيبًة، والمحبة حرقًة، والنعمة نقمًة واللذة ألمًا، والعقل المحمود عضوًا مشؤومًا. وعليه فلابد من دار جزاء تناسب ذلك الجلال والعزة وتنسجم معه. لأنه غالبًا ما يظل الظالم في عزته، والمظلوم في ذلته وخنوعه، ثم يرحلان على حالهما بلا عقاب ولا ثواب. فالأمر إذن ليس إهمالا قط، وِإن أُمهلت إلى محكمة كبرى، فالقضية لم تهمل ولن تهمل، بل قد تعجل العقوبة في الدنيا. فإنزال العذاب في القرون الغابرة بأقوام عصت وتمردت يبين لنا أن الإنسان ليس متروكًا زمامه، يسرح وفق ما يملى عليه هواه، بل هو معرض دائمًا لصفعات ذي العزة والجلال."[18]

 

المطلب الثاني: كيفية الحصول على القدوة الصالحة النافعة

      أراد الأستاذ النورسي رحمه الله أن يوضح هذا المعنى بخطاب التدريج العقلي لتدرك البشرية حاجتها إلى النبوة، لا سيما نبوة المصطفى ﷺ وذلك في الإشارة البليغة الأولى تحت قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[19]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾[20]. قال النورسي رحمه الله: [فما دام الخالق يعلم، فالعالم يتكلم، وحيث إنه سيتكلم فسيكون كلامه حتماً مع من يفهمه من ذوي الشعور والفكر والإدراك، بل مع الإنسان الذي هو أفضل أنواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعهم لتلك الصفات،..][21] 

إن في الأمة المسلمة تحديداً، فإن الخط الأساسي الذي يخطه الإسلام ليترك معالمه في شخصية الإنسان والناشئ بصفة خاصة هو خط التوحيد: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[22].

  فالله تعالى هو خالق الكون ورب الناس وهو إلههم الذي يملك نواصيهم، وينبغي عليهم أن يلتزموا أوامره وينتهوا عما نهوا عنه، وللناس في كل صفة من صفاته سبحانه وتعالى أو اسم من أسمائه، مَعْلَماً من معالم التصور العقدي يؤسس إطاراً مرجعياً في عقل الجيل الجديد، يعينه على التوافق مع ذاته ومع البيئة من حوله ويرتبط بهذا الأصل فهم الناشئ منذ وقت مبكر لهدف وجوده على هذه الأرض، فهو لم يأت عبثاً إلى هذا الوجود، وإنما هو خليفة في الأرض يستخدم طاقاته ومواهبه في البناء والتعمير، مستهدياً بما شرعه الله له من السنن والقوانين يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[23].

لذلك يدرب الطفل المسلم منذ سنيه الأولى على السلوك الإسلامي، وننقل إليه القيم تدريجياً، حتى إذا ما وصل إلى سن التكليف يكون قد تطبع بطبائع المكلفين فيسهل عليه الأداء طواعية واختياراً. 

وفهم الناشئ لحدود الحياة يجب أن يرتبط بأصل التوحيد  منذ بداية الحياة البشرية في تصور المسلم، وهذه الحياة بدأت في صورتها المادية منذ نفخ الروح في آدم عليه السلام، وتجارب الإنسانية التي تضمنها القرآن رصيد ملزم للناشئين في أحوالهم وتقلباتهم، كما أن الحياة التي نعيشها إنما هي أدوار وأطوار، فطوراً في الرحم وطوراً على الأرض وطوراً في القبر وآخر في المحشر ونهايتها إلى خلود لا إلى فناء فإما جنة وإما جحيم بعد حسابها على ما قدمت، ومن هنا يرتبط فهم الناشئ لحدود الحياة بأصل التوحيد الذي تربى عليه، يقول الله تعالى:

  ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾[24] فهذا التوجيه يرسخ في عقل المسلم وفي تصوره أن الحياة ممتدة، وأنها لا تنقطع بعوارض الموت، فليس الموت إلا مرحلةً من مراحلها وطوراً من أطوارها وهذا في الحقيقة بعد جديد يعين المسلم ويساعده على أداء التكاليف وتحمل مشقات الحياة بصبر وأمل، ويجعله صلباً في مواجهة الصعاب مهما كانت شديدة، ويزوده بطاقات نفسية تشد من عزمه وتقوي من إرادته في فعل الخير ومقاومة الشر طلباً للثواب وانتظاراً للجزاء.

ومن المعروف أن الحياة لا تسير على نهج واحد، ولا تلتزم بوتيرة واحدة، وأن الإنسان يحياها متقلباً بين الطفولة والشباب والرجولة والشيخوخة والأفراح والأتراح والقلق والطمأنينة، لذلك تضمن القرآن بجانب التوجيهات السابقة، توجيهات أخرى تتناسب مع حالات التقلب التي يعيشها الإنسان في مراحل عمره المختلفة، ومن هنا يكون للخوف مكانه وللرجاء مكانه وللترغيب مكانه وللترهيب مكانه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[25]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[26] وقال تعالى:  ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[27].

ولم تكن هذه التوجيهات مجرد توجيهات نظرية لا واقع لوجودها، وإنما هنالك نموذج رائع ورفيع، وفيه تتمثل القدوة الحقيقية التي يقتدي بها المسلم، ويربط حياته كلها متأسياً بها، لأنها جسّدت وحقّقت مراد الله من خلقه في أحكم وأدق صورة للعبودية الصادقة، ذلكم هو رسول الله ﷺ. ولذلك ينبغي أن يؤدي هذا النموذج دوره دون منافس خلال فترة التشكيل العقلي والوجداني بأبعاده الثلاثة: التصوري والسلوكي والعاطفي، وتستمر هذه الفترة إلى سن التكليف حتى تكون الهوية في أمان من الأخطار المضرة والتداخلات التي تحدث تميعاً في الشخصية وازدواجاً في السلوك، وببراعة الأديب ونورانية العارف، يلتقط النورسي رحمه الله صورةً لخط التوحيد الموصول في هذا العالم الكبير، وكأنه يسمع لسان الغيب ويرى بصماته في عالم الشهادة، وهي تهتف بدلائل التوحيد وتشهد بلسان الوجود شهادة الحق وتخاطب الإنسان بلسان المكان ولسان الزمان قائلة: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [28] الذي دل على وجوب وجوده ودل على أوصاف جلاله، وجماله وكماله، وشهد على وحدانيته العالم، أي هذا الكتاب الكبير بجميع فصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه، وهذا الإنسان الكبير بجميع أعضائه وجوارحه وحجيراته وذراته، وأوصافه وأحواله أي هذه الكائنات بجميع أنواع العوالم تقول: لا إله إلا الله .. ولا خالق إلا هو.. ولا صانع إلا هو.. ولا مدبر إلا هو.. وبجزئيات تلك الأجزاء: لا مربي إلا هو.. وبحجيرات تلك الجزئيات: لا متصرف إلا هو.. وبذرات تلك الحجيرات: لا خالق إلا هو.. وبأثير تلك الذرات لا إله إلا هو..

فتشهد الكائنات على أنه هو الواجب الوجود، الواحد الأحد بجميع أنواعها وأركانها وأعضائها وأجزائها وجزئياتها وحجيراتها وذراتها وأثيرها، إفراداً وتركيباً متصاعداً بتركيبات منتظمة رافعات أعلام الشهادة على وجوب الصانع الأزلي، والكائنات كل واحد من مركباتها.[29]

كل هذا يوجب علينا سلوك درب رسول الله ﷺ واستماع نصائحه وإرشاداته، فهو دليل الخير، وقدوة العالمين، وقائدهم إلى الخير.

إن كلام هذا العالم النحرير ينطلق من نفس أبية، وشخصية قوية، لا ترى فرقاً بين الأجناس، لأن قدوته محمد ﷺ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة لبني آدم، فهمُّهُ نجاتهم، ما وسع إلى ذلك سبيلاً. فقد كان قدوة أجيال مع ما كابده في حياته من سجن وعذاب. إن أمتنا اليوم بحاجة إلى القدوة، والعمل بموجبها، فمن لم يجد قدوة، فإن رسول الله تعالى هو قدوة الجميع وأسوتهم.

 

المطلب الثالث: التوجيه الفردي

يقول النورسي رحمه الله وهو يخاطب القارئ: "اعلم! إن حكمة الصانع الجليل.. وعدم العبثية في أفعاله.. ومراعاته النظام في أقل ما في العالم.. وعدم إهماله أخس ما فيه.. وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد.. كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر.."[30] "فالنبوة المطلقة هي بمثابة معدن نظام البشرية المادي والمعنوي ومركز انتظام أموال كثير من الأنواع التي ضمتها تحت تصرفها قوة العقل.."[31] 

إن هذا الكلام فيه نصيحة غالية لمن يدرك ذلك، فالإنسان وحده لا يستطيع أن يجد طريق النجاة بدون مرشد، فإن وجد المرشد العظيم، المرسل من الرب الأعظم، فلا بد من اغتنام الفرصة، والاستفادة منها قبل فوات الأوان، وحصول الخسران، فإن رسول الله ﷺ ما عرف خيراً إلا دل الأمة عليه، ولا عرف شراً إلا حذَّر الأمة منه. فهو لا يطلب منا أجراً، وإنما أجره على الله.

ومن ركب رأسه، وتنكب دربه، وعظمت عنده نفسه، وقاده شيطانه، واستكبر على أن يكون من أتباعه، فخسارته جسيمه، ونهايته أليمة.

فهل فهمنا مقاصد الكلام، واخترنا الإمام، وجمعنا الأنام، لوحدة أمة الإسلام، فقد طفح الكيل، وكثر الويل، وصارت أمتنا ذيلاً للأمم، بعد أن كانت رأساً في الأمم، وضياءً في الظُلَم، فأخرجت العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

لقد كانت كلمات النورسي رحمه الله، ومكتوباته، وشعاعاته، وصيقله محشوة بالرموز التي تدعونا جميعا للعودة إلى الله، وإلى الدين، لنأخذ منه التوجيهات، أفرادا وجماعات، فالرابط بيننا هو عقيدتنا الواحدة، وأسوتنا هو رسول الله ﷺ.

 

المطلب الرابع: التوجيه المجتمعي

 إن من كمال عدله سبحانه وتعالى وعظيم لطفه وجليل حكمته أن جعل في بني البشرية أمرين أثنين لولاهما لفسدت البشرية وانحدرت إلى مستوى الحيوانية وتخبطت في ظلمات الجهل والضياع وما هذان الأمران إلا (النبوة والشريعة الإسلامية الربانية) والتي بهما نظمت الحياة البشرية واستقرت الاضطرابات الإنسانية وقد أكد الأستاذ النورسي رحمه الله هذا المعنى فقال: [أن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة.. ][32].

إنه يعطي أمثلة حية في توجيه الأفراد والجماعات للتمسك والالتزام والطاعة مهما أصابت الإنسان مصيبة، أو ألمت به حادثة، وبذلك يكون ربانياً متصلاً بخالقه مؤمناً برسله عليهم السلام.

وقد أتحفنا النورسي بنفحات نورانية تعليقاً على هذا المعنى قائلاً:

 "فلننظر بنور تلك المناجاة إلى أنفسنا.. فنحن في وضع مخيف ومرعب أضعاف أضعاف ما كان فيه سيدنا يونس عليه السلام، حيث أن: ليلنا الذي يخيم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلنا إذا نظرنا إليه بنظر الغفلة يبدو مظلماً مخيفاً، بل هو أحلك ظلاماً واشد عتامة من الليل الذي كان فيه سيدنا يونس عليه السلام بمائة مرة.. وبحرنا، هو بحر الكرة الأرضية، فكل موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو إذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف رهبة البحر الذي ألقي فيه عليه السلام.

وحوتنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهو حوت يريد أن يلتقم حياتنا الأبدية ويمحقها. هذا الحوت اشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس عليه السلام؛ إذ كان يمكنه أن يقضي على حياة أمدها مائة سنة، بينما حوتنا نحن يحاول إفناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.

فما دامت حقيقة وضعنا هذه، فما علينا إذاً إلاّ الإقتداء بسيدنا يونس عليه السلام والسير على هديه، معرضين عن الأسباب جميعاً، مقبلين كلياً إلى ربنا الذي هو مسبب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾[33]".[34]

ثم يدير النورسي عدسة النبوة إلى قصة سيدنا أيوب عليه السلام وقد كابد المرض وتحمل الألم صابراً محتسباً لله تعالى، لم يشك ربه أو يطلب منه رفع بلائه، وحينما أصابت الديدان الناشئة من جروحه قلبه ولسانه اللذين هما محل ذكر الله وموضع معرفته تضرع إلى ربه الكريم بهذه المناجاة الدقيقة: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[35]، خشية أن يصيب عبادته خلل، ولم يتضرع إليه طالباً للراحة قط، فاستجاب الله العلي القدير تلك المناجاة ..[36]

استخلص النورسي من تلك المناجاة خمس نكات فيها توجيه للسلوك الإنساني وتشخيص للأمراض الروحية فيه، وبيان فضيلة الصبر في النوائب.

النكتة الأولى:- بيّن النورسي أن الإنسانية مصابة بأمراض باطنية وعلل روحية وأسقام قلبية أبلغ مما عند سيدنا أيوب عليه السلام. ولئن كانت جروحه عليه السلام تهدد حياته الدنيا القصيرة بخطر، فإن جروحنا المعنوية تهدد حياتنا الأخروية المريرة بخطر، ولئن كانت الديدان المتولدة من جروحه عليه السلام أصابت قلبه ولسانه، ومنعته من الذكر، فإن الوساوس والشكوك - نعوذ بالله- المتولدة عندنا من جروحنا الناشئة من الآثام والذنوب تصيب باطن القلب الذي هو مستقر الإيمان فتزعزع الإيمان فيه، وتمس اللسان الذي هو مترجم الإيمان فتسلبه لذة الذكر ومتعته الروحية، ولا تزال تنفره من ذكر الله حتى تسكته كلياً.[37]  

النكتة الثانية:- قال النورسي: [إن الإنسان ليس له حق الشكوى من البلاء والمرض بثلاثة وجوه:

1- أن الله سبحانه يجعل ما ألبسه الإنسان من لباس الوجود دليلاً على صنعته المبدعة، فهو المتصرف في ملكه كيف يشاء.

2- أن الحياة تتصفى بالمصائب والبلايا وتتزكى بالأمراض والنوائب، أما الحياة الرتيبة التي تمضي على نسق واحد وتمر على فراش الراحة فهي أقرب إلى العدم الذي هو شر محض منه إلى الوجود الذي هو خير محض.

3- أن دار الدنيا، ما هي إلاّ ميدان اختبار وابتلاء، وهي دار عمل ومحبة وعبادة، فما دامت كذلك فإن الصبر على الأمراض والمصائب عدا الدينية تكون ملائمة جداً مع ذلك العمل."[38]

النكتة الثالثة: وتتلخص بأن الإنسان لا يتأسف ويسترجع ويحوقل على ما فات من المصائب فهذا يورث آلام معنوية مصحوبة بالأسف والأسى، وعليه أن يفكر بما أدّخر له ربه من ثواب جميل وجزاء حسن في الآخرة ويرقى إلى مرتبة الشكر لله والرضا بقدره، فينطلق لسانه حامداً ربه قائلاً: الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال.[39] 

النكتة الرابعة: ويجملها النورسي بقوله: "أن الشكر مثلما يزيد النعمة، فالشكوى تزيد المصيبة وتسلب الترحم والإشفاق على صاحبها. إن الإنسان إن لم يشتت ما وهبه الباري سبحانه من قوة الصبر ولم يبعثرها في شعاب الأوهام والمخاوف، فإن تلك القوة يمكن أن تكون كافية للثبات حيال كل مصيبة وبلاء."[40]

النكتة الخامسة: وهي ثلاث مسائل:

 الأولى: إن المصيبة التي تعد مصيبة حقاً ومضرة فعلاً؛ هي التي تصيب الدين، فلا بد من الإلتجاء إلى الله سبحانه والإنطراح والتضرع إليه دون انقطاع، أما المصائب التي لا تصيب الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائب؛ لأن قسماً منها تنبيه للعبد ليوقظه من غفلته، ومنها كفّارة للذنوب، ومنها منحة إلهية لطمأنة القلب وإفراغ السكينة فيه.

الثانية: كلما استعظمت المصائب المادية عظمت، وكلما استصغرتها صغرت. فإذا تعاظمها الإنسان وأهتم بها وقلق عليها تسربت من الجسد إلى القلب مستقرة فيه، ومتى أزال القلق والوهم من جذوره بالرضا بقضاء الله وبالتوكل على رحمته تضمحل المصيبة المادية تدريجياً وتذهب كالشجرة التي تموت وتجف أوراقها بانقطاع جذورها.

الثالثة: أن لكل زمان حكمه، وقد غيّر البلاء شكله في زمن الغفلة هذا، فلا يكون البلاء عند البعض دوماً، بل إحسانا إلهياً ولطفاً منه سبحانه.[41]

ويختم النورسي حديثه عن مناجاة سيدنا أيوب عليه السلام بتقديم العبرة والمقاصد المرجوة من تلك القصة قائلاً: [وهكذا فإن سيدنا أيوب عليه السلام لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطميناً لراحته، وإنما طلب كشف الضر من ربه عندما أصبح المرض مانعاً لذكر الله لساناً، وحائلاً للتفكر في ملكوت الله قلباً، فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصة كاملة. فيجب علينا نحن أيضاً أن نقصد بتلك المناجاة- أول ما نقصد: شفاء جروحنا المعنوية وشروخنا الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب ولنا الالتجاء إلى الله القدير عندما تحول الأمراض المادية قيامنا بالعبادة الكاملة، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أي اعتراض أو شكوى، إذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ إلى الاعتراض على قضائه وقدره، وإظهار التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقد للقدر الإلهي العادل واتهام لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر يصرعه ومن يتهم الرحمة يحرم منها. إذا كما أن استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسراً، فإن مقابلة المبتلي مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء."[42]

في نظري أن النورسي رحمه الله يشير إلى معانٍ جليلة، وتوجيهات عظيمة، تدرك من منطوق كلامه، وفحواه، ودلالاته، وإشاراته. فالله تعالى يرشدنا إلى المنهج القويم، والمنطق السليم، إلى أهمية وجود الزعيم القائد المطاع، المدبر اليقظ، المقتفي للنبي ﷺ ليجمع الأمة، ويقودها من جديد، فتستعيد العزة، وتحفظ الكرامة، وتحفظ الأعراض، وتحمي بيضة الإسلام.

إن الرجل مجروح الفؤاد، مكسور الجناح، قيوده كثيره، وأعداؤه أكثر، فمن سجن إلى سجن، ومن كيد إلى كيد، لم يفت ذلك في عضده، ولا رده عن قصده، فإن ذوي الهمم الكبيرة لا يلتفتون إلى الصغار إلا باللطف والحنان، والحسرة، خوفاً عليهم من الضياع في الدنيا، وفي الآخرة.

 

 

الخاتمة

      بعد هذا التطواف في صفحات كتب الإمام النورسي رحمه الله توصلت إلى النتائج التالية:

  1. لقد مضى من عمري ردحاً من الزمن مع كثرة مطالعاتي ولم أعرف من هو سعيد النورسي رحمه الله حتى التقيت بأفراد من تركيا في الأزهر[43].
  2.  تبين لي أن النورسي رحمه الله مفكر كبير وعالم نحرير يستحق أن يدرس العلماء كتاباته وتحليلها والإفادة منها في جميع المجالات وعلى رأسها مجال التربية الإسلامية.
  3.  نبه النورسي رحمه الله في كتاباته أن الإنسان هو مركز الكون وأنه هو سر عظيم من أسرار الله في هذا الكون فأعطاه الله ما أعطاه تكريما على سائر خلقه.
  4.  فهمه العميق لحديث رسول الله ﷺ" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"[44] هذا الحديث الذي جعل التربية أساس كل التصرفات الإنسانية.
  5.  تربية الفرد أساس لتربية الأسرة، وتربية الأسرة أساس لتربية المجتمع، وتربية المجتمع صلاح للإنسانية كلها.
  6.  الأنبياء والمرسلون هم أساتذة الأخلاق والتربية على مر التاريخ، والعلماء المجددون هم ورثة الأنبياء في توجيه البشرية إلى الخير والصلاح وبدون طريقهم لا يحصل إلا الدمار والتسلط والبربرية.
  7. إن أعلى مراتب الأخلاق أن يكون الشخص ربانياً، متصلا بالله تعالى، معترفاً بفضله، وإنعامه، فمن جحد هبات الجليل فهو لهبات عباده أشد جحوداً، ولو ظهر للناس بمظهر أهل الأخلاق، لأن من ينكر الجميل من ربه، فحريٌ به أن يكون لجميل عباده أشد نكراناً.

توصية: من الظلم الفادح محاربة الصالحين، ونكران دورهم في المجتمع أثناء حياتهم، فإذا ماتوا استيقظنا وعرفنا حقهم علينا وعلى المجتمعات، فليتنا نتعلم معرفة قدرهم وهم بيننا، وليتنا فسحنا لهم المجال ليبذلوا ويعطوا من ثمار أفكارهم.

اللهم هبنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وأرضنا بقضائك. وصلى الله وسلم على البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الميامين، والتابعين لهم بإحسان أجمعين.

 

 

------------------------

[1] النساء/1   

[2] آل عمران/102

[3] الأحزاب70-71

[4] النبوة وضرورتها للإنسانية في القرآن بمنظور رسائل النور، ياسر إسماعيل راضي، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، المقدمة.

[5] الجرجاني، التعريفات، باب التاء، 1/96.

[6] انظر.  ابن سينا من خلال كتابه السياسة في وضع قواعد التربية الإسلامية.

[7] المناوي، محمد عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، دار الفكر المعاصر، دار الفكر - بيروت، دمشق، الطبعة الأولى ، 1410، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، عدد الأجزاء: 1، فصل الزاي، ص53.

[8] الإسراء/72

[9] انظر المكتوبات: هامش 23، ص73.

[10] الأستاذ هنا المقصود به النبي والرسول والداعية.

[11] المقصود بالسلطان هنا هو الله جل في علاه.

[12] المقصود بالتلاميذ هنا : هم الدعاة عموما وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون.

[13] المكتوبات: ص 165.

[14] انظر: الكلمات: الإشارة الثانية. ص 56.

[15] الكلمات: ص19.

[16] الكلمات ص 47.

[17] الكلمات ص68.

[18] الكلمات ص61.

[19] التوبة/33

[20] الفتح/28

[21] المكتوبات، ص 113-114.

[22] التوبة/31

[23] الأنعام/165

[24] الحج 5-7

[25] الأنفال/2

[26] الرعد/28

[27] السجدة/16

[28] محمد 19

[29] المثنوى العربي ص108.

[30] صيقل الإسلام، ص 135.

[31] صيقل الإسلام، ص 136.

[32] الكلمات، ص 843.

[33] الأنبياء/87

[34] اللمعات، ص 906.

[35] الأنبياء/83

[36] اللمعات، ص 10.

[37] المصدر السابق، ص 11.

[38] المصدر السابق، ص 13.

[39] المصدر السابق، ص 14.

[40] اللمعات، ص 14.

[41] المصدر السابق، ص 16-19.

[42] المصدر السابق، ص 17.

[43] كان من بينهم الأخ AHMET ATES في رابطة الجامعات بالأزهر

[44] صحيح، وهذا إسناد قوي، رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة، وهو قوي الحديث. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 1/192، والبزار (2470- كشف الأستار) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4432) ، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" ص 2، والبيهقي في "السنن" 10/191-192، وفي "الشعب" (7978) من طرق عن سعيد بن منصور، بهذا الِإسناد. في رواية البزار "مكارم الأخلاق".وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (273) ، وفي "التاريخ الكبير" 7/188، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (13) ، والحاكم 2/613، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1165) ، وابن عبد البر في "التمهيد" 24/333 و333-334 من طرق عن عبد العزيز بن محمد، به. وبعضهم يقول فيه أيضا: "مكارم الأخلاق".وأخرجه البيهفي في "السنن" 10/192، وفي "الشعب" (7977) من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، به. وأخرجه مالك في "الموطأ" بلاغاً 2/904. وفي الباب عن معاذ بن جبل عند ابن أبي الدنيا (14) ، والبزار (1973) ، والطبراني في "الكبير" 20/ (120) . وعن جابر بن عبد الله عند الطبراني (6891) ، والبيهقي في "الشعب" (7979) . وعن زيد بن أسلم مرسلاً عند ابن أبي شيبة 11/500-501. قوله: "لأتمم صالح الأخلاق" قال ابن عبد البر في "التمهيد" 24/332: ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كُله، والدين والفضل والمروءة والِإحسان والعدل، فبذلك بعث ليتممه، وقد قالت العلماء: إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق قوله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل: 90] .

 

 


28-) وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام" - رؤية قرآنية من خلال رسائل النور -

 

 

وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام"

- رؤية قرآنية من خلال رسائل النور -

 

د.أميد نجم الدين جميل المفتي   

جامعة صلاح الدين ـ أربيل/ العراق

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين محمد وآله وصحبه أجمعين ... وبعد:

لقد جمع الله لنبيه سليمان "عليه السلام" سلطة الدين والدنيا، حيث أعطاه الملك والنبوة، وبفضلهما استطاع أن يوفر العيش الرغيد للخلق، فلم يكن غناه وسلطته ونفوذه أداة نقمة وقمع واستبداد ـ كما ألفته البشرية ـ، فهو المَلِك القرآني الجدير بالاقتداء في السلوك والعدالة، فضلاً عن نبوته واصطفائه الذي هو النبراس الوضاء لتحقيق سعادة الدارين.

وقصة هذا النبي الصالح العادل ومواقف من حياته وردت في القرآن الكريم في سبع سور، وفي ست عشرة آية، وسبع عشرة مرة: ففي البقرة ورد ذكره "عليه السلام" مرتين، وفي النساء مرة واحدة، وورد في الأنعام كذلك مرة واحدة، بينما في الأنبياء ثلاث مرات، وسبع مرات في النمل، ومرة في سبأ، ومرتين في "ص"([1])، ومعلوم إن من الحكم وراء عرض هذه القصص في القرآن الوقوف عندها وقفة متعظ، بغية تهذيب الذات قلباً وقالباً.

ورسائل النور وقفت عند القصص القرآنية وفهمتها على أحسن الأوجه وأدقها، فاستلهمت الكثير التي تهم دنيا الناس وأخراهم، معتمدة على القرآن نفسه بالفهم الدقيق له والتأمل الكثير لأسلوبه المعجز، هذا بعد أن رأت أن في القرآن كلّ شيء، صراحة أو إشارة، رمزاً أو إبهاماً أو تنبيهاً، إيجازاً أو إطناباً ([2])، وهي تقول عن الحوادث المذكورة في القرآن ( إنّ في القرآن الحكيم حوادثَ جزئية، ولكن وراءَ كل حادث يكمن دستور كلّي عظيم، وإنما تذكر تلك الحوادث لأنّها طرف من قانون عامٍ شاملٍ كلّي، وجزءٍ منه) ([3])، مستدلةً بالآية القرآنية الكريمة: ﴿... وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (الأنعام :59) . وهي من خلال هذه الحوادث العابرة الغابرة تربط الحال والمستقبل بالماضي الذي مَرّ، المستقبل الذي نصبوا من أجله، ولكن بتجربة الماضي واستلهاماً من حقائقه، يقول بديع الزمان : (إذ كما أنّ الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله) ([4]).

ونحن في هذا الجهد وتحت محور (الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة) من محاور المؤتمر الموقر، إخترنا عنوان: (وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام" رؤية قرآنية من خلال رسائل النور). للوقوف عند محطات ومواقف من قصة هذا النبي "عليه السلام"، ونستلهم العبر والعظات والدروس المستقاة منها كما وردت في رسائل النور.

   وبعد استقرائنا أوقفتنا رسائل النور في ست مواقف مع هذا النبي المكرّم "عليه السلام"، وهي: تسخير الجن، والريح له "عليه السلام"، وتليين الحديد بيده "عليه السلام"، والحكم العادل وتحقيق العدل، وعلمه "عليه السلام" لمنطق الحيوانات، وقصة هدهده "عليه السلام" ووصفه لله . فاستدع ذلك أن نقسّم البحث إلى هذه المقدمة، وبعدها توطئة ملخصة عن مدلول المعجزة والحكمة منها في رسائل النور، ونختم البحث بالخاتمة، وبين التوطئة والخاتمة نقف عند المحطات الست المذكورة، كل منها على حدة. نسأل الله التوفيق والقبول.

 

توطئة :

مدلول المعجزة والحكمة منها في فكر بديع الزمان

إن معظم المحاور التي سجلها القرآن الكريم بخصوص نبي الله سليمان "عليه السلام"، ووقف البحث عندها، هي معجزات وإكرامات إلهية لهذا النبي "عليه السلام" من خلال مقاطع من حياته بوصفه ملكاً أو نبياً، ولما كان البحث يدور حول هذه المقاطع وأخذ العبر منها خلال فكر بديع الزمان ورسائل النور، فلا بد أن نفهم مدلول المعجزة والحكمة منها عند النورسي، كتوطئة للدخول في الموضوع الرئيس.

للمعجزة في الفكر الإسلامي معنى عام، ومعنى خاص. بعد أن كان مصطلح (الإعجاز) ـ تاريخياً ـ حديثَ العهد من حيث المدلول والصيغة كما عليه الناس اليوم، حيث لم يرد المصطلح في القرآن، ولم يظهر في عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، ولم يتداوله الصحابة "رضي الله عنهم"، وكذلك من الصّعب تحديد الزمن الذي استعملت فيه كلمة المعجزة والإعجاز بالمدلول المتداول الآن، وإنما المتداول المستعمل بهذا المفهوم وبمضمونه في الحقبة الزمنية السابقة في القرآن والسنة، هو: الآية، والبرهان، والسلطان، والدليل، والحجة ([5]).   

والمعجزة على المعنى العام: كلُّ أمرٍ خارقٍ للعادة أظهره الله على يد نبيّ من الأنبياء تصديقاً لدعوى نبوته. فأدرج تحت هذا المعنى المعجزة على معناها الخاص، وكذا البراهين ودلائل إثبات النبوة وصدقها.

أمّا المعجزة على معناها الخاص، فهي: الخارقة التي اقترنت بالتحدي والعجز عن الإتيان به على مر السنين، من قِبل نبيّ من الأنبياء تصديقاً له ولدعوته. فتكون للمعجزة على هذا المعنى سمتان وميزتان أساسيتان، وهما: وجود التّحدي، وعدم حصول المعارضة والإتيان بالمثل. من أمثال: شقّ القمر لنبيّنا محمّد "صلّى الله عليه وسلّم"، والقرآن الكريم وبلاغته، وإحياء الموتى لنبيّ الله عيسى "عليه السّلام" وغيرها. وبهذا المعنى الخاص يخرج العديد من الخوارق ممّا لم يرد فيه قيد عدم حصول المعارضة أو التحدي ([6]).

وقد كان بديع الزمان يذكر المعجزة بالمعنى الأول، الذي هو المدلول العام الشمولي للمصطلح، فلذلك أطلق على جميع الخوارق الصادرة من الأنبياء "عليهم الصلاة والسلام" اسم المعجزة بما فيها دلائل النبوة. لأنه كان يقف عند الحكمة المتوخاة من هذه الخوارق بغض النظر عن مدلولها الشمولي أو الخصوصي. إذ هو يقول عنها: (... فلا يمكن إذن أن تكون أسطع الآيات ـ وهي آيات المعجزات ـ سرداً تاريخياً، بل لابد أنها تتضمن أيضاً معاني بليغة جمّة للإرشاد والهداية ...) ([7])، ويقول أيضاً : (...إن القرآن بذكره معجزاتِ الأنبياء، إنما يدل البشرية على أن نظائر تلك المعجزات سوف تتحقق في المستقبل بالترقي، ويحث الإنسان على ذلك، وكأنه يقول له: هيا اعمل واسعَ لتنجز أمثال هذه المعجزات؛ فاقطع مثلاً مسافة شهرين في يوم واحد كما قطعها سليمان عليه السلام.. واعمل على مداواة أشد الأمراض المستعصية كما داواها عيسى عليه السلام .. واستخرج الماء الباعث على الحياة من الصخر وأنقذ البشرية من العطش كما فعله موسى عليه السلام بعصاه.. وابحث عن المواد التي تقيك شر الحرق بالنار، وألبسها كما لبسها إبراهيم عليه السلام.... فاعملوا على محاكاتهما وتقليدهما. وهكذا قياساً على هذا نجد أن القرآن الكريم يسوق البشرية إلى الرقي المادي والمعنوي، ويلقي علينا الدروس ويثبت أنه أستاذ الجميع)([8]). ويقول في موضع آخر: (بيّن القرآن الكريم أنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمةَ الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسِه أنّ الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّادا للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضاً، أي: إنّه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعاً كاملاً في الأمور المادية والمعنوية ...، نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدودَ النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعدِ نهاياتها، وغايةِ ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف. فهو بهذا يعيّن أبعدَ الأهداف النهائية لها ويحددها. ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها...)([9]).  

وبعد هذا البيان عن المعجزات والحكمة منها في رسائل النور، نقف عند المواقف الست في قصة سليمان "عليه السلام"، وهي :

 

الموقف الأول

تسخير الجن لنبي الله سليمان "عليه السلام"

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ (سبأ:12)، ويقول أيضاً: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ (الأنبياء :82)، وقوله : ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (ص:37 ـ 39)

فالله سبحانه ممّا آتاه لسليمان "عليه السلام" تسخير الجن والشياطين له، هذا بعد أن دعا بدعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص : 35)، فقد سلطه الله عليهم، ويطيعونه رغبة أو رهبة، وبغض النظر عن إيمانهم وكفرهم، فيصنعون له المحاريب والتماثيل والأبنية وغيرها كما في آية ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (سبأ: 13)، ويستخرجون له من البحر اللآليء والكنوز، وهو مع كل هذا حفظه الله وحرسه من (أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو مُحَكَّم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء )([10]).

وقد وقفت رسائل النور عند هذه الآيات، واستلهمت أموراً، معتمدة على المعنى الإشاري والرمزي لها، يقول بديع الزمان: (فالآيات تقول: إنّ الجن الذين يلون الإنسان في الأهمية في سكنى الأرض من ذوي الشعور، يمكن أن يُصبحوا خداماً للإنسان، ويمكن إيجاد علاقة ولقاء معهم، بل يمكن للشياطين أن يضعوا عداءَهم مع الإنسان ويخدموه مضطرين كما سخّرهم الله سبحانه وتعالى لعبد من عباده المنقادين لأوامره. بمعنى أنّ الله سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآيات: أيها الإنسان! إني أسخّر الجن والشياطين وأشرارهم لعبدٍ قد أطاعني واجعلهم منقادين إليه مسخرين له، فأنتَ إن سخّرت نفسَك لأمري وأطعتني، قد تُسخّر لك موجودات كثيرة بل حتى الجن والشياطين)([11]).

بل تخطى بديع الزمان هذا المعنى إلى معنى رمزي أبعد، استلهاماً من الآية، وهو مسألة تحضير الأرواح ومحادثة الجن وعالم الروح، التي كثر حولها الكلام في هذا العصر بين مؤيد ومعارض، هذا بعد أن اختلط فيها الحابل بالنابل، والصادق بالكاذب، ولكن بديع الزمان سار فيها منهجاً وسطياً مستقيماً، وبيَن الصحيح من الفاسد، إذ يقول: (فالآية الكريمة تخط أقصى الحدود النهائية، وتعيّن أفضل السبل القويمة للانتفاع، بل تفتح السبيل أيضا إلى تحضير الأرواح ومحادثة الجن، الذي ترشحَ من امتزاج فنون الإنسان وعلومه، وتظاهرَ مما تنطوي عليه من قوى ومشاعر فوق العادة، المادية منها والمعنوية. ولكن ليس كما عليه الأمر في الوقت الحاضر حيث أصبح المشتغلون بهذه الأمور موضعَ استهزاء بل ألعوبة بيد الجن الذين ينتحلون أحيانا أسماءَ الأموات. وغدوا مسخّرين للشياطين والأرواح الخبيثة، وإنما يكون ذلك بتسخير أولئك بأسرار القرآن الكريم مع النّجاة من شرورهم)([12]). 

وقد برهن على الأمر بقوله: (ثم إن الآية الكريمة: ﴿فَأرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم:17). هذه الآية وأمثالُها التي تشير إلى تمثّل الأرواح، وكذا الآيات المشيرة إلى جلب سيدنا سليمان عليه السلام للعفاريت وتسخيرهم له. هذه الآيات الكريمة مع إشارتها إلى تمثل الروحانيات فهي تشير إلى تحضير الأرواح أيضا. غير أنّ تحضير الأرواح الطيبة -المشار إليه في الآيات- ليس هو بالشكل الذي يقوم به المعاصرون من إحضار الأرواح إلى مواضع لَهوهم وأماكن ملاعبهم والذي هو هزْل رخيص واستخفاف لا يليق بتلك الأرواح الموقرة الجادة، التي تعمر عالماً كله جدّ لا هَزْلَ فيه، بل يمكن تحضير الأرواح بمثل ما قام به أولياء صالحون لأمر جاد ولقصد نبيل هادف -من أمثال محي الدين بن عربي- الذين كانوا يقابلون تلك الأرواح الطيبة متى شاءوا، فأصبحوا هم منجذبين إليها ومنجلبين لها ومرتبطين معها، ومن ثم الذهاب إلى مواضعها والتقرب إلى عالمها والاستفادة من روحانياتها. فهذا هو الذي تشير إليه الآيات الكريمة وتُشعر في إشارتها حضاً وتشويقاً للإنسان وتخطّ أقصى الحدود النهائية لمثل هذه العلوم والمهارات الخفية، وتعرض أجملَ صورهِ وأفضلَها)([13]).

ولكن بديع الزمان لخطورة هذا الأمر وصعوبة تمييز الصحيح القليل الذي هو ممكن للصالحين، من الكثير الذي لدى أهل المعصية مما يدخل في باب الكهانة وتلاعب الجن والشياطين بأصحابهم، حذر طلابه من الاشتغال به، وبيّن أن نسبة الصدق في هذه المسألة من الكذب واحد من عشرة، حيث يقول لطلابه: (ولما كانت هذه المسألة "تحضير الأرواح والتنبؤ بالغيب" آتيةً من الأجانب ونابعةً من الفلسفة فقد تؤدى إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين، حيث يمكن استعمالها استعمالاً سيئاً، إذ لو كان فيها صدقٌ واحد ففيها عشرةُ أكاذيب، ولا محكّ ولا مقياسَ لتمييز الصدق عن الكذب. وبهذه الوسيلة يلحق الجن -الذين يُعينون الأرواح الخبيثة- الضررَ بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضا؛ ذلك لأنها إخبارات تنافي حقائقَ الإسلام وتعارض عقائدَه العامة مع أنها تزاوَل باسم أمور روحية معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواحٌ طيبة مع أنهم أرواح خبيثة، بل إنهم يسعون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلمات مقلّدين أسماء أولياءٍ عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم)([14]). وحمل هذا النقد اللاذع على من يدّعي تحضير الروح وهو من أهل الأهواء والمعصية، ويكتسب به، ويخدع الناس ويشوش عليهم أمر الطاعة والعبادة، فلا يمكن نفي الحقائق الثابتة والأمارات والحوادث الحقيقية الثابتة في هذا الأمر، لكثرة أهل الأهواء والكذب المدّعين بهتاناً وزوراً بأهلية هذه المكانة، فهذه العلاقة الروحية مع العالم الخفي ممكنة لأهل الطاعة من الأنبياء والأولياء على طريقها السليم المستقيم، كما هي قد تكون ملاعبة من الجن والشياطين لصد الناس عن الحق، موهماً الحق والحقيقة. يقول بديع الزمان: (إن تحضير الأرواح المتأتي من الإيغال في دقائق الفلسفة، وليس من الدين، حركةٌ تخالف الحقيقة وتنافي الأدبَ اللائق والاحترام الواجب. لأن جلب أرواح مَن هم في أعلى عليين وفى المقامات السامية المقدسة إلى مائدة تحضير الأرواح، موضع الأكاذيب واللعب واللّهو، في أسفل سافلين إنما هو إهانة عظيمة وعدم توقير محض وسوء أدب. بل الحقيقة عينُها والأدب المحض والاحترام اللائق هو أن يحصل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني -بالسير والسلوك- إلى مرتبة القربية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.... تنبيه: إن هذا النقد الشديد الوارد في هذه الرسالة حول المحاورة مع الأرواح منصبٌّ على تلك الحركة النابعة من الفلسفة والعلم والتي تسمى تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل، والتي اتخذت شكل الأمور الروحية والمعنوية. بمعنى أن هذا النقد القوي ليس موجهاً إلى التصوف وأهل الطريقة والنابع من الإسلام، وفيه ما يشبه المخابرة مع الأرواح، التي أُسيءَ استعمالها -إلى حد ما- بدخول مَن ليس أهلا فيها، ومع هذا ربما يكون لتلك المخابرة ضرر من جهة البعض إلاّ أنها ليست خادعة ولا يُقصد منها الإضرار بالإسلام. فضلا عن هذا أن هذا المشرب الآتي من الأجانب هو مناف للطريقة الصوفية ويخالف الإسلام أيضا كما أنه يحاول هدم مسلك التصوف، ويهوّن من شأنه حتى يجعله أمرا اعتياديا. ألاَ فليحذر أولئك المتصوفة الذين لم يحظَوا بعدُ -لضعفهم- باتباع السنة النبوية اتباعاً كاملاً، فلا يحاولوا التشبه بأولئك)([15]).

 

 

الموقف الثاني

تسخير الريح لنبي الله سليمان "عليه السلام"

يقول عزوجل: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء :81)، ويقول أيضاً: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ...﴾ (سبأ: من الآية 12)، وقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ (ص : 36).

لقد أنعم الله على نبيه سليمان "عليه السلام" بعد دعائه: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ (ص: 35) تسخير الريح له، الريح اللينة الهادئة كما في آية سورة  "ص"، وكذا الشديدة العاصفة كما في سورة "الأنبياء" جمعاً بين الآيتين، حيث كانت تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت([16]).

يقف بديع الزمان عند هذا التكريم الإلهي لنبي من أنبياء الله، ويستلهم منه ما يفيد البشرية في كل وقت وحين، إذ يقول : (هذه الآية الكريمة تبين معجزةً من معجزات سيدنا سليمان عليه السلام. وهي تسخير الريح له، أي إنّه قد قطع في الهواء ما يُقطع في شهرين في يوم واحد. فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء. فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنزلة ما دام الطريق ممهداً أمامك. فكأن اللهَ سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة: إن عبدا من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان! إن نبذتَ كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضا أن تمتطي صهوة الهواء )([17]).

 

الموقف الثالث

تليين الحديد له " عليه السلام "

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ... وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ... ﴾ (سبأ: 12)، قال الإمام الطبري عن معنى الآية: (وأذبنا له عين النُّحاسِ، وأجريناها له)([18])، ويقول القرطبي: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جُعِلَ النُّحَاسُ لِسُلَيْمَانَ فِي مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الْمِيَاهِ، دَلالَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ)([19]).

يقول بديع الزمان عن هذه المعجزة لسيدنا سليمان "عليه السلام": أن الآية (تشير إلى أن تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، إذ يبيّن الله به فضلَ نبيٍ عظيم. فتليينُ الحديد وجعلهُ كالعجين، وإذابةُ النحاس وإيجادُ المعادن وكشفها هو أصل جميع الصناعات البشرية، وأساسها. وهو أمُّ التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه)([20]).

أمّا ما يستنبط من هذه المعجزة عن طريق المعنى الرمزي والإشاري من الآية، هذه المعجزة التي كانت لنبي الله داود قبل ابنه سليمان "عليهما السلام"، فهو كما يقوله النورسي: (يا بني آدم! لقد آتيتُ عبداً من عبادي أطاع أوامري وخضع لما كلّفته به، آتيت لسانَه فصل الخطاب، وملأتُ قلبَه حكمةً ليفصل كل شيء على بينة ووضوح. ووضعت في يده من الحقيقة الرائعة ما يكون الحديدُ كالشمع فيها، فيغيّر شكله كيفما يشاء، ويستمد منه قوة عظيمة لإرساء أركان خلافته وإدامة دولته وحُكمه. فما دام هذا الأمر ممكنا وواقعاً فعلاً، وذا أهمية بالغة في حياتكم الاجتماعية. فأنتم يا بني آدم إن أطعتم أوامري التكوينية تُوهَب لكم أيضا تلك الحكمة والصنعة، فيمكنكم بمرور الزمن أن تقتربوا منهما وتبلغوهما. وهكذا فإنّ بلوغَ البشرية أقصى أمانيّها في الصناعة، وكسبَها القدرة الفائقة في مجال القوة المادية، إنما هو بتليين الحديد وبإذابة النحاس (القِطر). فهذه الآيات الكريمة تستقطب أنظار البشرية عامة إلى هذه الحقيقة، وتلفت نظر السالفين وكسالى الحاضرين إليها، فتنبّه أولئك الذين لا يقدرونها حق قَدرها)([21]).

 

 

الموقف الرابع

علمه " عليه السلام " لمنطق الطير ولغة قابلياتها

يقول عزوجل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16).

لقد أشارت الآية الكريمة إلى أن ممّا أورثه نبي الله سليمان من والده داود "عليهما السلام"، علمه لمنطق الطير وقابلياتها، بل كيفية الاستفادة منها بمعرفة استعداداتها. فقد كان لداود قبل ابنه "عليهما السلام" من النعم الإلهية: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾ (ص: 19)، أي: كانت الطيور له مسخرة ومطيعة([22]) .

وبديع الزمان من خلال بيان هذه النعمة الإلهية تطرق إلى جملة من الأمور، بعد اعتماده على القراءة الإشارية والرمزية للآيات، منها:

أ. التكريم الإلهي للإنسان، وتسخير المخلوقات له، حيث قال: ( ... إذ ما دام سطح الأرض مائدةً رحمانيةً أقيمتْ تكريماً للإنسان، فيمكن إذن أن تكون معظمُ الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرةً للإنسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته. فالإنسان الذي استخدم النحل ودودة القز - تلكم الخَدَمة الصَّغار- وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمامَ الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثالَه من الطيور، فضمَّ إلى الحضارة الإنسانية محاسنَ جديدة، هذا الإنسان يمكنه أن يستفيد إذن كثيراً إذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الأخرى، حيث هي أنواع وطوائفُ كثيرة جداً، كما استفاد من الحيوانات الأليفة. فمثلاً: إذا عَلِم الإنسان لسانَ استعداد العصافير "من نوع الزرازير" التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، وإذا ما نسّق أعمالَها، فإنّه يمكن أن يسخّرَها لمكافحة آفة الجراد، فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجاناً في أمور مهمة. فمثل هذه الأنواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الأقصى والغايةَ القُصوى) ([23]).

ب. اللهو البريء والتسلية الهادفة: فهما من لوازم انبساط القلب والقابلية، وكشف المواهب وقطف ثمارها، يقول بديع الزمان: ( ... فما دامت الحقيقة هكذا، فاسعَ أيَّها الإنسان أن لا تنشغل بِلهوٍ لا معنى له، وبلعبٍ لا طائلَ من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمَام والببغاء.. بل اسعَ في طلب لَهوٍ من ألطفِ اللَّهو وأزكاه، وتَسلَّ بتسلية هي من ألذِّ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود "عليه السلام"، وشنّف سمعك بنغمات ذِكرٍ وتسبيح الأشجار والنباتات التي تُخرج أصواتا رقيقة عذبة بمجرد مَسِّ النسيم لها وكأنها أوتارُ آلاتٍ صوتية... فبهذا الذِّكر العُلويِّ تُظهر الجبالُ لك ألوفا من الألسنة الذاكرة المسبِّحة، وتبرز أمامكَ في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتَلبَسُ - كأنها هدهدُ سليمان- لباسَ الصديق الحميم والأنيس الودود، فتصبح خداماً مطيعين لك. فتُسلّيك أيَّما تسلية، وتُلهيك لهواً بريئاً لا شائبة فيه...)([24]). بل إن هذه التسلية المباحة النظيفة، إذا ما قورنت بذكر الله، فإن المواهب تنكشف، يقول النورسي: (... فضلاً عن أنّ هذا الذكر السَّامي يسوقك إلى انبساط قابلياتٍ ومواهبَ كانت مغمورةً في ماهيتك، فَتَحُولُ بينك وبين السقوط من ماهية الإنسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بَعدُ أضراب اللهو التي لا مغزى لها إلى حضيض الهاوية)([25]).

ج. اسم الله يعصم الإنسان، ويصون عدالته، ويسهل له قبض زمام الأمور: فإن من وراء طاعة الله، والتوكل عليه، وبدء العمل باسمه من المفاتيح للنجاح والفلاح ما لا يحصى، تقول رسائل النور: (... فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة: يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنوداً مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته. وقد آتيتُ كلاً منكم استعداداً ومواهبَ ليصبح خليفة الأرض، وأودعتُ فيكم أمانةً عُظمى، أبَتِ السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنَها، فعليكم إذن أن تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليدُ هذه المخلوقات وزمامُها، لتنقاد إليكم مخلوقاتُه المبثوثة في ملكه. فالطريق ممهَّد أمامكم إن استطعتم أن تقبضوا زِمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، وإذا سمَوتم إلى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم) ([26]).

وقد كان داود وابنه سليمان " عليهما السلام " على صلة وتواصل مع خالقهما، وشكرا الله وحمداه على ما أنعم عليهما من النعم، فما غرتهم السلطة والقدرة، يقول تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (النمل:15).

 

 

الموقف الخامس

الحكم العادل وتحقيق العدل

لا يمكن تحقيق العدل بين العباد، وانتشار الحكم العادل في البلاد، إلاّ بالاطّلاع على ما يجري بين الناس، ومحاولة الوقوف على الحوادث والوقائع عن قرب، للإحاطة بها واتخاذ اللازم بصددها، لتحقيق العدالة على أكمل الأوجه. ونبي الله سليمان "عليه السلام" حاول بشتى الوسائل المتوفرة لديه، المادية منها والمعنوية، تحقيق العدل وتوفير رغد العيش في البلاد وبين العباد. فهو الملك المقتدر الذي حكم بالعدل وحقق العدل، إذ من تأمّل مواقفه "عليه السلام" في آية تليين الحديد، وعلمه لمنطق الطير، وقصة الهدهد، وتسخير الجن والريح، يدرك أنه استعمل كلها لنشر العدل وتحقيقه، وشكر من خلالها معبوده الذي سهل له كل هذه الأمور، شكره لساناً وعملاً. يقول بديع الزمان عن الآية الكريمة : ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40): (... فالآية تخاطب: أيّها الحكام! ويا من تسلّمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسودَ العدالةُ أنحاءَ مملكتكم، فاقتدوا بسليمان "عليه السلام" واسعَوا مِثلهُ إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والسلطان الذي يرعى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتغاه إلاّ إذا استطاع الاطلاع -متى شاء- على أقطار مملكته. وعندئذٍ تعمّ العدالة حقاً، وينقذ نفسَه من المحاسبة والتَبِعَات المعنوية. فالله سبحانه يخاطب بالمعنى الرمزي لهذه الآية الكريمة: يا بني آدم! لقد آتيتُ عبداً من عبادي حُكمَ مملكة واسعة شاسعة الأرجاء، ومنحتُه الاطلاع المباشر على أحوال الأرض وأحداثها ليتمكن من تطبيق العدالة تطبيقاً كاملاً. ولما كنتُ قد وهبتُ لكل إنسان قابلية فطرية ليكون خليفة في الأرض، فلا ريب أنّي قد زوّدتُه - بمقتضى حكمتي- ما يناسب تلك القابلية الفطرية، من مواهب واستعدادات يتمكن بها من أن يشاهد الأرض بأطرافها ويدرك منها ما يدرك، وعلى الرغم من أنّ الإنسان قد لا يبلغ هذه المرتبة بشخصه، إلاّ أنه يتمكن من بلوغها بنوعه، وإن لم يستطع بلوغها مادياً، فإنّه يبلغها معنوياً ،كما يحصل للأولياء الصالحين، فباستطاعتكم إذن الاستفادة من هذه النعمة الموهوبة لكم. فسارعوا إلى العمل الجاد، واسعوا سعياً حثيثاً كي تحوّلوا الأرضَ إلى ما يشبهُ حديقةً صغيرة غنّاء، تجولون فيها وترون جهاتها كلّها، وتسمعون أحداثها وأخبارها من كل ناحية منها، غير ناسين وظيفة عبوديتكم...)([27]).

  ويقول بديع الزمان - عندما يتكلم عن علمه "عليه السلام" لمنطق الطير -: (... فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة: يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنوداً مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته...)([28]).

 

 

الموقف السادس

وصف الله على لسان  هدهد سليمان "عليه السلام"

قصة هدهد سليمان "عليه السلام" من القصص المشهورة بين الناس، لغرابتها وكثرة الأحداث الواقعة فيها، فهي تتعلق بمعرفة سليمان "عليه السلام" للغة الطير كمعجزة له "عليه السلام"، و من جانب آخر معرفته "عليه السلام" لقابلية هذا الطير واستخدامه له في العمل الذي يتقنه هذا الطير، ثم كيفية دعوته وتعامله "عليه السلام" للملوك والدول المجاورة، وغيرها من النكات والفوائد الدقيقة في آيات القصة، التي هي: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ (النمل: 20 ـ 28).

وبديع الزمان مما وقفه من القصة، الوصف الذي استخدمه الهدهد لله تعالى، كما في الآية ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النمل: 25). ويقول عنه: (...فاستمع إلى مهندس الماء، هدهدِ سليمان "عليه السلام"، في النبأ الذي أتى به من سبأ، كيف وصف الذي علّم القرآن وأبدع السماوات والأرض، إذ يقول الهدهد: إني رأيت قوماً لا يسجدون لله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النمل:25) فانظر، كيف اختار من بين الأوصاف الكمالية ما يشير إلى هندسة الهدهد)([29]). فدقّة الكلام وبلاغته في هذا الموقف نابعة من أنه وصف الله بما هو أدرى به من غيره، وجعل لصنعته وعمله دخلاً في التعبير، لأن من مزايا الكلام البليغ - كما يقول بديع الزمان -: (... هو أن يُشعر الكلامُ صنعةَ المتكلم التي ينشغل بها. فهدهد سليمان الذي يمثل عريف الطيور والحيوانات كالبدوي العارف الذي يكشف بالفراسة الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء جزيرة العرب الشحيحة بالماء. فهو طيرٌ ميمون مأمور بإيجاد الماء ويعمل عمل المهندس لدى سيدنا سليمان "عليه السلام"، فلذلك يُثبت -بمقياسِ صنعتِه الدقيقة- كونَ الله معبوداً ومسجوداً له، بإخراجه سبحانه ما خبئ في السماوات والأرض، فيعرّف إثباته هذا بصنعته الدقيقة. ألا ما أحسنَ رؤيةَ الهدهد! ...).

ثم يقف بديع الزمان ـ بعد هذا ـ عند عبارة (...يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ...) (النمل: 25)، ويقول: (... إذ ليس من مقتضى فطرة ما تحت التراب من المعادن والنوى والبذور التي لا تحصى، أَنْ تَخرج من الأسفل إلى الأعلى، لأنَّ الأجسام الثقيلة التي لا روح لها ولا اختيار لا تصعد بنفسها إلى الأعلى، وإنما تسقط من الأعلى إلى الأسفل. فإخراج جسم مخفي تحت التراب، من الأسفل إلى الأعلى ونفض التراب الثقيل الجسيم مِنْ على كاهله الجامد، لابد أن يكون بقدرة خارقة لا بذاته، فأدرك الهدهد أخفى براهين كون الله تعالى معبوداً ومسجوداً له، وكشفَها بعارفيته، ووجَد أهم تلك البراهين بصنعته، والقرآن الحكيم منح إعجازاً بالتعبير عنه) ([30]).

 

 

 

 

الخاتمة

يمكننا أن نلخص في ظلال هذه الجولة أموراً، أهمها :

  1. قصص الأنبياء في القرآن الكريم يستنبط منها الكثير من التعليمات والأسس الحياتية النبيلة، بغض النظر عن مكان الرجل من الدين، والزمن وتطوره، لأن الماضي مستودع فيه بذور المستقبل، بل هو مرآة تعكس شؤونه، وما المستقبل إلاّ حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله .  
  2. لقد جمع الله لسليمان بن داود "عليهما السلام" النبوة والملك، وورد ذكره وذكر أحداثه في القرآن الكريم في سبع سور، وقد سجل القرآن الكريم لنا مواقف متعددة من حياته العملية، من حيث كيفية تعامله مع خالقه أو مع الرعية التي تحت أمره، بحيث يمكننا أن نستلهم الكثير من هذه المواقف، بل هي نبراس يستضاء به لتحقيق سعادة الدارين.
  3. رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي اهتمت كثيراً بالقصص القرآنية عموماً، وقصص الأنبياء "عليهم الصلاة والسلام" خصوصاً، ووقفت عندها موقف المتأمل الذي شغّل القلب وشحذ الفكر، وهي تحاول إبراز الكنوز المخفية، وتبحث عن الرموز والإشارات التي استوطنت ما وراء التعابير.
  4. وقفت رسائل النور مع قصة نبي الله سليمان "عليه السلام" من خلال النصوص القرآنية في ست محطات، وهي: تسخير الجن، والريح له "عليه السلام"، وتليين الحديد بيده "عليه السلام"، والحكم العادل وتحقيق العدل، وعلمه "عليه السلام" لمنطق الحيوانات وقابلياتها، ووصف هدهده "عليه السلام" لله تعالى. وترى أن وراء كل حادث من هذه الحوادث الجزئية في القرآن يكمن دستور كلي عظيم .
  5. هذه المواقف الست عبارة عن إكرامات ومعجزات من الله لنبيه سليمان "عليه السلام"، وما من سليمان "عليه السلام" إلاّ العمل من خلالها على تحقيق العدل ونشر الرفاهية للناس، وأبدى شكره لله لساناً وعملاً، وبرهن على أن السلطة والقدرة كما تكون أداة قمع واضطهاد، يمكن أن تكون أداة رحمة وإسعاد.
  6. إن العبرة والعظة من المعجزات القرآنية في فكر بديع الزمان، هي: الاقتداء والاتعاظ. فالقرآن حث البشرية على بلوغ هذه المبالغ السامية التي بلغها الأنبياء بمعجزاتهم، وبيّن أن الطريق مفتوح وممهد أمام البشر، تكريماً من الله لهم، فالإنسان إن سخر نفسه لله وأطاع أوامره فإن الله يسخر له المخلوقات ويسهل له الصعاب ويهبه الحكمة، كما أنه إذا اتبع أوامر الله التكوينية واستفاد جيداً من قوانين سنة الله الجارية في الكون، فإن الله يهبه كذلك تلك الحكمة والصنعة. فالبشر إذا ترك كسل النفس ونبذه، يكرمه الله ويمكّنه لتسخير المخلوقات .

 

 

-----------------------

المصادر والمراجع

- بعد القرآن الكريم .

  1. إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز: بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م .
  2. إعجاز الإيجاز القرآني من خلال رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي: د. أميد نجم الدين جميل المفتي، بحث مقدَّم إلى الملتقى الدولي الثالث في التفسير الأدبي للقرآن الكريم في موضوع : قضايا البلاغة والإعجاز البياني في كليات رسائل النور، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الجديدة- المغرب، مايس 2012م .
  3.  الإعجاز البياني في القرآن الكريم ـ دراسة نظرية للإعجاز البياني في الآيات المحكمات ـ : د. عمار ساسي، ط 1، دار المعارف، الجزائر 2003 م .
  4. الإفصاح الموجز في إيضاح المعجز (رسالة ضمن كتاب: جمال القراء وكمال الإقراء): أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد المعروف بعلم الدين السخاوي (ت 643 هـ)، دراسة وتحقيق: سيف القاضي، عبد الحق عبد الدايم، ط 1، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ـ لبنان . 
  5. تفسير البغوي المسمى بـ "معالم التنزيل":  أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ )، حققه وخرج أحاديثه: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، ط 4، دار طيبة للنشر والتوزيع 1417 هـ - 1997 م.
  6. تفسير الطبري المسمى بـ "جامع البيان في تأويل القرآن": محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (ت 310 هـ)، المحقق : أحمد محمد شاكر، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان 1420 هـ - 2000 م .
  7. تفسير القرآن العظيم - تفسير ابن كثير -: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
    (ت774 هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة، ط 2، دار طيبة للنشر والتوزيع 1420هـ - 1999م.
  8. تفسير القرطبي المسمى بـ" الجامع لأحكام القرآن": أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (ت 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط 1،  دار الكتب المصرية – القاهرة 1384هـ - 1964 م.
  9. سليمان "عليه السلام" في القرآن الكريم: همام حسن يوسف سلوم، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الدراسات العليا، بجامعة النجاح الوطنية، نابلس ـ فلسطين، بإشراف الدكتور: خالد علوان،  2006 م .
  10. صيقل الإسلام: بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  11. فكرة إعجاز القرآن من البعثة النبوية الى عصرنا الحاضر: د. نعيم الحمصي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان 1980 م.
  12. الكلمات: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  13. اللمعات: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  14. مداخل إعجاز القرآن: محمود محمد شاكر (أبو فهر)، ط 1، مطبعة المدني، القاهرة 2002 م.
  15. الملاحق: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  16. مناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن: أ.د. غانم قدوري الحمد، بحث مقدم الى المؤتمر الأول للإعجاز القرآني المعقود في بغداد (نيسان 1990م - رمضان 1410هـ)، مطبوع ضمن كتاب وقائع المؤتمر المسمّى بـ (الإعجاز القرآني)، مطبعة الأمة، بغداد 1990 م .

 


 

 

-----------------------

[1] . ينظر : سليمان عليه السلام في القرآن الكريم : 60 ـ 61 .

[2] . ينظر : الكلمات : 278 .

[3] . الكلمات : 270.

[4] . الكلمات : 280 .

[5] . ينظر: فكرة إعجاز القرآن: 7 ـ 8 ، ومداخل إعجاز القرآن: 19 ـ 20، والإعجاز البياني في القرآن الكريم : 1/22.

[6] . للوقوف على التفصيل ينظر: الإفصاح الموجز في إيضاح المعجز : 1 / 206 ـ 207 ،ومداخل إعجاز القرآن: 155، ومناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن : 507 ، وإعجاز الإيجاز القرآني من خلال رسائل النور:6 ـ 7.

[7] . الكلمات : 280 .

[8] . صيقل الإسلام ، الخطبة الشامية ـ الهامش ـ : 469 .

[9] . الكلمات : 280 .

[10] . تفسير القرآن العظيم : 5 / 359 .

[11] . الكلمات : 285.

[12] . الكلمات : 285.

[13] . الكلمات : 286.

[14] . الملاحق : ملحق أميرداغ 2 ، 369.

[15] . الملاحق : ملحق أميرداغ 2 ، 369 ـ 370 .

[16] . ينظر : تفسير البغوي : 5 / 335 .

[17] . الكلمات : 281.

[18] . تفسير الطبري : 20 / 363 .

[19] . تفسير القرطبي : 14 / 270 .

[20] . الكلمات : 283 .

[21] . الكلمات : 283 .

[22] . ينظر : تفسير الطبري : 21 / 169 .

[23] . الكلمات : 287 .

[24] . الكلمات : 288 .

[25] . الكلمات : 288 .

[26] . الكلمات : 288 .

[27] . الكلمات : 284 .

[28] . الكلمات : 288 .

[29] . صيقل الإسلام ، محاكمات : 101. وينظر : إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز: 119 .

[30] . اللمعات : 390 .

 

 


29-) الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم بين الخالق والمخلوقات في كتابات النورسي

 

 

الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم

بين الخالق والمخلوقات في كتابات النورسي

 

أ.د. جورج غريغوري   

جامعة بوخارست - رومانيا

 

 

انطلاقا من رمزية الثنائي البلبل/الوردة - وهما المظهران الماديان  لمفهومين مجردين: الحب والجمال – يؤكد النورسي على أن الحب مرتبط بالجمال ارتباط المعلول بالعلة. وهذه الفكرة موجودة عند كبار العلماء المسلمين الأخرين من بينهم الإمام الغزالي الذي يشرح أسباب الحب في "كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا" (وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين) و يجد أن الجمال  يمثل أحد المصادر الرئيسية واللانهائية للحب:

"أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه وراء ذاته بل تكون ذاته عين حظه وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه وذلك كحب الجمال والحسن فإن كل جمال محبوب عند مدرك الجمال وذلك لعين الجمال لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها ولا تظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته."[1].

وتبلورت هذه الفكرة انطلاقا من هذا الحديث النبوي الذي قد أخرجه مسلم في صحيحه (الرقم 131) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ."[2].

فالخالق – الحب والجمال يعدّان من صفاته الخالدة حسب الحديث المذكور أعلاه – وضع في كل كائناته شيئا من الجمال كما غرس في ذات كل كائن بذرة الحب إلى الجمال مثال ذلك البلبل ومحبوبته الوردة كما يصفهما سعيد النورسي:

"أفلا تعقل أن من نوّر ما تحبه بنور الحسن هو الذي نوّر كل أزاهير بستان الكائنات وشوّق عليها قلوب البلابل العاشقين."[3].

ومن الضروري أن نشير من البداية إلى أن أسلوب سعيد النورسي أسلوب سهل الفهم وجذاب وفي نفس الوقت  يتميز بقدرة إقناع عجيبة، فوق الاعتياد. ووينبغي أن نذكر هنا أنه استخدم هذا الأسلوب البسيط المقنِع كوسيلة  لمعالجة مسائل زمنه الحادة الناتجة – في أغلبيتها – عن الضغط الغربي على المجتمع الإسلامي، من تسرب الفلسفة المادية  إلى تراكيب الحياة الإسلامية ودفعتها إلى نسيان خصوصياتها الثقافية والحضارية. إن الخطر كان كبيرا جدا. ففي هذه الظروف، النورسي ما كتب شعرا – إلا في "المثنوي العربي النوري" - وما كان ينوي ذلك ولكنه وجه كلامه إلى العقل والى القلب في نفس الوقت.

أعتمد في كلامي هذا على أنه خاطب في كتاباته الذات الإنسانية والذات الإنسانية هي تكمن في اللب كما ورد في الآية المئة والتسعين المذكورة أدناه من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾

ونتوقف على كلمة "ألباب" الواردة فيها، مفردها "لب" ومعناها - حسب التفاسير - القلب والعقل في آن واحد أو بكلمة أخرى الذات الإنسانية. فبالتالي هو يخاطب العقل بالسرد المنطقي والقلب بالكلمات الجميلة الوارثة قيما شعرية هائلة كما يقول:

 "اللفظ يزيّن ولكن إذا اقتضته طبيعة المعنى وحاجته.. وصورة المعنى تعظّم وتعطي لها مهابة ولكن إذا أُذِن بها المعنى.. والأسلوب ينوّر ويلمع ولكن إذا ساعده استعداد المقصود.. والتشبيه يلطّف ويجمّل ولكن إذا  تأسست على علاقة المقصود  وارتضى به المطلوب.. والخيال يُنشط ويسيّح ولكن إذا لم يؤلم الحقيقة ولم يثقل عليها وأن يكون مثالا للحقيقة متسنبلا عليها."[4].

هذا ويستخدم النورسي في أعماله مصطلحات صوفية وشعرية من تراث الحضارة الإسلامية، خصوصا من الآداب الفارسية والتركية والاوردية.  إن هذه العبارات المجازية المشهورة المستخدمة في الأعمال الصوفية هي سهلة الفهم والإدراك وبها شفافية تامة ناتجة عن معناها العميق، وهي منتشرة بشكل أو بآخر في كل الربوع الإسلامية. وجزء لا بأس به من هذه العبارات والمفاهيم تجاوز أحيانا حدود الأدب الصوفي ودخل الأدب البلاطي العثماني الذي أعطاها مكانة رفيعة ضمن نظام قيمه الجمالية. ومن هذه المصطلحات المتداولة نذكر على سبيل المثال الأضداد:

kûl-sultân/pâdișah  عبد/سلطان،  gül-bülbül (وردة-بلبل)،  pervâne-șem (فراشة-شمعة).

الاستعارة وردة/بلبل – الموحاة من عالم الشعر الفارسي المصقول بدقة – تشير إلى النفس البشرية التي تطمح، بلا انقطاع، إلى عودتها إلى موطنها الإلهي الذي فارقته منذ زمن بعيد وتمجّد كماله وجلاله كما ورد في مثنوي مولانا جلال الدين رومي – في قصيدة تروي رغبة قصبة الناي في العودة إلى مكانها الأصلي. 

يتمتع البلبل أو العندليب بشهرة عظيمة في كل أنحاء العالم لتغريده الذي وصفه كل من أصغى إليه بأنه على غاية الكمال. هذا العصفور الذي جعله الشعراء من العالم كله مغني الحب، يوقظ بغنائه، المحزن والمفرح سواء بسواء، في نفوس المستمعين الشعور بأن علاقة حميمة تربط الحب بالموت.

هذا ما تثبته أيضا الأسطورة الفارسية التي تحكي عن الحب القوي الذي شدّ البلبل إلى الوردة. وجوهر هذه الأسطورة، بالاختصار الشديد، هو الآتي: البلبل – وهو أخرس وقتذاك - وقع في حب الوردة – وهي زرقاء اللون وقتذاك -  لجمالها الفاتن واقترب منها. وطالما هو أخرس، ما استطاع أن يرد على تحية الوردة له وهذا أغضبها كثيرا وما كلمته أبدا بعد ذلك. في قمة الحزن والألم رفع البلبل دعاء بعد دعاء إلى الخالق طالبا منه منحه صوتا. شفقةً، وهبه الخالق أجمل صوت في الكون كله. وعاد البلبل إلى الوردة وغنّى لها عن حبه ولكنها لا تريد الاستماع إليه أبدا مضى أخيرا، كسير القلب، انسحب البلبل. وفي الليل، شعرت الوردة بالندم على معاملتها للبلبل وبكت. في الصباح، رأى البلبل الدموع على أوراقها فهرول إلى معانقتها ولكن أشواك الوردة طعنته فمات. دمه لوّن الوردة بالحمرة..

هذه هي الأسطورة التي أترعت خيال الكثير من الشعراء الفرس والأتراك والعرب والهنود الذين خلفوا أبياتا خالدة مكرسة للحب والجمال والموت المجسمة في الثنائي البلبل والوردة. وبمجرد ذكر أي واحد من هذا الثنائي – البلبل أو الوردة – والإثنين مع البعض، أي كلام يكتسب شيئا من الشحنة الشعرية الرقيقة التي تحملها هاتان الكلمتان.

هذا ما يحدث – كظاهرة - عند النورسي كذلك، ولكنه يُغْني هذه الرموز القديمة بمعان جديدة كما سنرى فيما بعد..

وينطلق النورسي في استخدام هذه الرموز من كونها مفهومة في المجتمع الذي يخاطبه والمثال على ذلك: لغة البلبل هي لغة يفهمها كل إنسان لأنها تعبّر عن الكليات البشرية: الحب والحزن والفرح والموت:

"فهذه المعاني وهذه الغايات هي الغاية من عمل البلبل الذي يقوم به لأجل الحق سبحانه وتعالى. فالبلبل يغرّد بلغته ونحن نفهم هذه المعاني من نغماته الحزينة، مثلما يفهمها ايضاً الملائكة والروحانيات. وان عدم فهم البلبل لمعنى نغماته معرفة كاملة ليس حائلاً امام فهمنا نحن لذلك، ولا يقدح فيه، والمثل: "رُب مستمع أوعى من متكلم" مشهور.

ثم ان عدم معرفة البلبل لهذه الغايات بالتفصيل لا يدل على عدم وجودها، فهو في الأقل كالساعة التي تعرّفك أوقاتك وهي لا تعلم شيئاً مما تعمل. فجهلُها لا يضر بمعرفتك.

اما مرتّب ذلك البلبل ومكافأته الجزئية فهي الذوق الذي يحصل عليه من مشاهدة تبسّم الأزهار الجميلة، والتلذذ الذي يحصل عليه من محاورتها."[5].

ويفسر النورسي الحب الذي يشد البلبل إلى الوردة كرمز للمحبة التي تربط كل كائنات الله التي تفرح بالهدايا التي وهبها الله لغيرها مثلما يفرح البلبل بالجمال الذي وهبه الله للوردة:

"إن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمه فاطره الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيب رباني من طرف الحيوانات – التي هي ضيوف الرحمان – وموظف لإعلان السرور بهدايا رازقها."[6].

البلبل بحبه الشديد يصبح عند النورسي الرمز المطلق للحب وخصوصا للحب لله، ذلك الحب الذي يعبر عنه كل الموجودات بمجرد وجودها:

"بل كل نوع له عندليب يمثل ألطف حسيات ذلك النوع بألطف تسبيح في ألطف تسجيع. لا سيما في أنواع الهوام والحشرات."[7].

"وقس على البلبل؛ بلابل النحل والعنكبوت والنمل والهوام والحيوانات الصغيرة، فلكل منها غايات كثيرة في أعمالها، ُادرج فيها ذوق خاص، ولذة مخصوصة، كمرتّب وكمكافئة جزئية، فهي تخدم غايات جليلة لصنعة ربانية بذلك الذوق. فكما ان لعامل بسيط في سفينة السلطان مرتّبهُ الجزئي، كذلك لهذه الحيوانات التي تخدم الخدمات السبحانية مرتّبها الجزئي."[8].

أما الإنسان الذي خلقه الله خليفة له في الأرض فهو أفضل ما يكون في التعبير عن حبه الشديد لله:

"وأفضل جميع الأنواع وأشرف عندليبها وأنورها وأبهرها وأعظمها وأكرمها وأعلاها صوتا وأجلاها نعتا وأتمّها ذكرا وأعمّها شكرا، عندليب نوع البشر في بستان الكائنات حتى صار بلطيفات سجعاته بلبلَ جميع الموجودات في الأرض والسماوات."[9].

البلبل- في منظور النورسي – ليس إلا أحد ظواهر تمجيد الله وكل المخلوقات لها البلبل الخاص بها والذي يذكر نوعه العلاقة الحميمة بين الخالق والمخلوق. أما بما يخص البشرية، فالمختار بلبلا لها هو النبي محمد الذي يكشف من جديد للبشرية، عن طريق القرآن الكريم، مصدرها الأولي ومقصدها النهائي وهما الله. 

"أفضل هذه البلابل طراً وأشرفها وأنورها وأبهرها وأعظمها وأكرمها وأعلاها صوتا وأجلاها نعتا وأتمّها ذكراً وأعمّها شكراً وأكملها ماهية وأحسنها صورة، هو الذي يثير الوجد والجذب والشوق في الأرض والسماوات العلى، في بستان هذا الكون العظيم، بسجعاته اللطيفة وتضرعاته اللذيذة وتسبيحاته العلوية .. هو عندليب العظيم لنوع البشر، في بستان الكائنات، بلبل القرآن لبنى آدم، محمد الأمين، عليه وعلى آله وأمثاله، أفضل الصلوات وأجمل التسليمات."[10].

في الأعمال الصوفية، الوردة رمز الجمال، رمز الحب الظامئ إلى الله، تتحول إلى الوردة الصوفية التي تلهم الشوق الأبدي في قلب الصوفي نحو خالقه. و هذا الحب يقوده عبر كل التجارب والمحن الأرضية إلى أصله السماوي حسب النموذج: البلبل (الاشتياق الصوفي الكامن في القلب الإنساني) وحبه الشديد نحو الوردة (جمال مغنطيسي  تشد إلى محبته وهذا الجمال يكون بمثابة مركز كامل القوة الجاذبية في القلب الإلهي).

ومن إيمانه العميق الذي لا يتزعزع أبدا – كما نعرف من سيرة حياته – يعطي النورسي، ناظرا إلى هذا حب البلبل والصوفي، النصيحة التالية: مها تكن المتاعب والمصائب، يجب على الإنسان أن يمجد خالقه ويشكره بدون قيد وشرط مثل ما يفعله البلبل تجاه محبوبته الوردة:

"دع الشكوى، اغنم الشكر كالبلابل، فالأزهار تبتسم من بهجة عاشقها البلبل."[11].

ومن الضروري أن نذكر هنا أن الوردة المشهورة في الأدب الصوفي الإسلامي تتميز دائما بلونها الأحمر بما يدل على مقارنتها مع النار الملتهبة وهي من الرموز المهمة في الأدب الصوفي.

اللون الأحمر يوحي إلى الهوى، كما يوحي في آن واحد إلى الألم الناتج عنه. في الأدبين الفارسي والتركي الوردة تستخدم كرمز شفاف لقلب المؤمن أو الكأس المملوءة بالمعرفة.  بناء على هذا المعنى الأخير، يعطي النورسي للوردة معنى جمال القرآن الكريم كما رأيناه أعلاه.

كما تبرز (Irène Mélikoff)، ومعها الحق، أن الوردة ما اكتسبت مكانة عالية جدا إلا في الأدب، بل هي تحتل نفس المكانة في غيره من الفنون كذلك وفي صدارتها الرسم والخط. "وردة محمد" (verd-i Muhammedî) مرسومة أحيانا في مساجد، أو يمكن إيجادها كذلك في لوحات الرسم أو الخط الفني بمواضيع دينية، على جدران (tekye). فعند النورسي كما رأينا أعلاه، الوردة ترمز إلى جمال القرآن الكريم وهذا يمكن فهمه كذلك من قوله:

"تأمل هذه الزهرة وهي كلمة من كلمات الله!"[12]. أي كلمة من كلمات قدرة الله.

كملاحظة جانبية، يمكننا أن نذكر – لأهمية وردة محمد – أنه في التكية الصوفية المنحدرة من الشيعة، وردة محمد تصحبها أوراق خضر تحمل عليها أسماء أصحاب البردة: علي، الحسن، الحسين، فاطمة. الوردة ترمز إلى القلب المبارك فيه المنعم عليه.[13]

علاوة على كل ما ذكرناه أعلاه بخصوص الوردة، فهي مكلّفة بفضائل متعددة المعاني في الحضارة الغربية أيضا وذلك تحت تأثير الأيقنة المسيحية التي تنسبها إلى الكأس التي – حسب تقاليد الكنيسة – جُمعت فيها قطرات دم المسيح بعد صلبه (يعني Graal). فبالتالي تعتبر إما مجلى دم القربان، إما جروح المسيح.

رمزية الوردة المرتبطة كل الارتباط بشكلها المدهش تستغلها بشدة حضارات أخرى ومع أنها متباعدة مكانيا وزمنيا فهي تعيرها معاني متشابهة في دقتها ولطفها: "هي تتناظر في جملتها اللوتس في آسيا، وهما – الوردة واللوتس – قريبان من رمزية العجلة. أقوى ظاهرة لهذه الرمزية الزهرية تتعلق بخروجها من المياه الأولية التي تنمو وتذبل على سطحها. هي تمثل إتمام الكمال أو بالأحرى الكمال الخالي من العيوب. هي ترمز إلى كأس الحياة، الفؤاد والقلب والحب. فيمكن تأمّلها واعتبارها كمركز روحي[14]. ناظرا إلى داخل الوردة المتشابه بمتاهة حلزونية ، الوردة تنطوي على سر المعرفة والمحبة سواء بسواء، هذه المحبة التي تلهم وتغذي تغريد البلبل الشادي:

 !Ben bülbülem dost gülümdür bilün gülüm solmaz benüm

"أنا البلبل والصديق وردتي، اعلموا أن وردتي لا تذبل أبدًا![15]

تأمل الوردة – مثل تأمل اللهب – هو نموذج السفر نحو المركز، العودة التخيّلية إلى الحق الذي يتجاوز كل الوجود الوهمي ويدعم العالم. الصوفيون يعيرون الوردة بعدا رمزيا آخر وهو اعتبار الوردة المكان الذي يلتقي فيه الروح مع خالقه. [16]الشعراء الأتراك يمجّدون – بجنب الوردة كما هي في المنظور الصوفي – "روضة الصديق" (dost bahçesi) كمكان الكمال وإحياء الرجّات الروحية. وعلاوة على ذلك، "الروضة" تمثل محاولة العودة إلى الوحدة الأولية.. على نفس المستوى الرمزي، صورة "روضة الورد أو جنة الورد" (gülistân, gülzâr, gülșen) يمكن بكل سهولة تفسيرها كتلميح إلى جلسة طقسية أو إلى مقر صوفي tekye)) يجمع المختارين.

عند النورسي "الروضة" هي عبارة عن الجمال أو الحسن المجرد يلبسه الشعراء والبلغاء صوتًا: "الحسن المجرد هو الروضة لأزاهير البلاغة التي تسمى لطائف ومزايا.. وتلك الجنة المزهرة هي التي يتجول ويتنـزه فيها البلابل المسماة بالبلغاء وعشاق الفطرة.. وأولئك البلابل نغماتهم الحلوة اللطيفة إنما تتولد من تقطيع الصدى الروحاني المنتشر من أنابيب نظم المعاني."[17]

بهذه الرموز القديمة والمعروفة في الحضارة الشرقية، تصبح أعمال النورسي امتدادا لتراث غني. كما قلت في البداية معاني هذه الرموز عديدة وفكها يحتاج إلى معرفة عميقة للآداب التركية والفارسية والعربية بالإضافة إلى مفاهيم النورسي...

 

---------------------------

المراجع:

النورسي، بديع الزمان سعيد، 1992، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة.

النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1993، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، استانبول.

النورسي، بديع الزمان سعيد،1995،المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، القاهرة.

النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1995، صيقل الإسلام ، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة.

النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1992، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة.

النورسي، بديع الزمان سعيد، 1999، إشارات الإعجاز، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، استانبول

الإمام الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الرابع. مكتبة ومطبعة كرياطة فوترا، سماراغ. ص.:250.

مسلم بن حجاج. 2006. صحيح مسلم. دار طيبة.

-------------------------

[1]  الإمام الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الرابع. مكتبة ومطبعة كرياطة فوترا، سماراغ. ص.:250.

[2]  مسلم بن حجاج. 2006. صحيح مسلم. دار طيبة.

[3]   النورسي، بديع الزمان سعيد، 1995، المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 292.

[4]   النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1995، صيقل الإسلام ، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة.ص.: 99.

[5] النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1992، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 407.

[6]  النورسي، بديع الزمان سعيد،1995،المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 479.

[7] النورسي، بديع الزمان سعيد،1995،المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 479.

[8] النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1992، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 407.

[9] النورسي، بديع الزمان سعيد،1995،المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 480.

 [10] النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1992، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 408.

[11]   النورسي، بديع الزمان سعيد، 1992، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 30.

[12]  النورسي، بديع الزمان سعيد ، 1992، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، القاهرة. ص.: 80.

[13]  Mélikoff, Irène, 1967, La fleur de la souffrance, Journal asiatique, 255, 3-4. 

[14]   Chevalier, Jean; Gheerbrant, Alain, 1973, Dictionnaire des symboles, Paris.

[15]   Emre, Yunus, 1989,  Yunus Emre Divânî, Ankara.

[16]  Chebel, Malek, 2002, L'imaginaire arabo-musulman, Paris.

[17]  النورسي، بديع الزمان سعيد، 1999، إشارات الإعجاز، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، استانبول.ص.: 118. 

 

 


30-) السعادة والكمالات الإنسانية من خلال رسائل النور

 

السعادة والكمالات الإنسانية

من خلال رسائل النور

د.عبد المالك اعويش

كلية الشريعة-أكادير

المغرب      

 

إطار نظري عام

في هذا العرض سأحاول أن أربط المفصلات إلى مجملاتها، وأنظم  النصوص المتفرقة في موضوع السعادة والكمالات حسب ما سمح به حيز هذا البحث[1]. ذلك أن النورسي انطلق من أصول عقلية متفقة مع أصول نقلية، ثم من مجملات مضمرة إلى تفصيلات تبدو وكأنها متناثرة في كل المباحث التي طرقها. وأنطلق مما ختم به المرحوم فريد الانصاري كتابه مفاتح النور حيث يقول:

"فإننا بهذا البحث المتواضع نستطيع الوصول – إن شاء الله – إلى نتيجة، فيما يتعلق بباب الخروج من الأزمة الراهنة، التي تكبل نهوض الأمة الإسلامية اليوم. وذلك أن الدارس لكليات رسائل النور، يمكن أن يثبت بسهولة، أن للأستاذ بديع الزمان النورسي رأيا في الخلاف المشهور بين علماء الدعوة والإصلاح، في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي مداره حول سؤالين إشكاليين، هما:

  • طبيعة الأزمة ما هي؟
  • ثم كيف الخروج منها؟

ومعلوم أن الأجوبة تضاربت في ذلك وتباينت، فمن داعية يرى أن الأزمة أزمة فكرية، إلى من يرى أنها أزمة روحية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية، ... إلى غير ذلك من الاجتهادات والتصورات. ثم يختلفون بعد الاختلاف الأول في باب الخروج منها: أهو العمل السياسي الحزبي؟ أم هو العمل الثقافي العلمي؟ أم هو العمل الروحي الصوفي؟ ... وربما اتفقت أقوال بعضهم على توصيف معين للأزمة، لكنهم يختلفون في تحديد باب الخروج كيف؟"[2]

وها نحن اليوم نقف على أزمة إنسانية، ونساءل رسائل النور عن طبيعتها؟ وكيفية الخروج منها؟.

فالعالم يشكو أكثر من ذي قبل من مشاكل لا حصر لها:

- نفسية: قلق انفصام وسواس قهري..

- عقلية: جنون ضغط عصبية..

- بدنية: سرطانات وأمراض فتاكة..

- بيئية: أوبئة تلوث إشعاعات..

- اقتصادية: أزمات مالية تضخم ربا ديون فقر مجاعة..

- اجتماعية: تفكك بطالة..

- سياسية: حروب..

وعموما فإن واقعنا الآن يشهد بأن الهوى قد قام مقام الحق يعمل به، ويقضى بقضائه، ويحكم بحكمه، وقام سوء الأدب والمكر والخديعة مقام العقول، وقامت المداهنة مقام المداراة، وقام الغش مقام النصح، وقام الكذب مقام الصدق، وقام الرياء مقام الإخلاصِ، وقام الشك مقام اليقين، وقامت التهمة مقام الثقة، وقام الأمن مقام الخوف، وقام الجزع مقام الصبر، وقام السخط مقام الرضا، وقام الجهل مقام العلم، وقامت الخيانة مقام الأمانة فصار من قلة الأكياس لا تعرف الحمقى، ومن قلة أهل الصدق لا يعرف أهل الكذب إلا عند أهل الفهم والعقل والبصيرة فاعتدل الناس في قبح السريرة، وقلة الاستقامة في أمور الآخرة إلا من عصم الله[3].

وقد رسم النورسي صورة هذا الواقع الحزين في مقطع شاعري فقال:

"اعلم! أن قلبي قد يبكي في خلال أنيناته العربية بكاء تركيا، بتهييج المحيط الحزين التركي، فاكتب كما بكيت:

[لا أريد من كان زائلا لا أريد

أنا فان، من كان فانيا لا أريد، أنا عاجز، من كان عاجزا لا أريد،

سلمت روحي للرحمن، سواه لا أريد،

بل أريد،

حبيبا باقيا أريد

أنا ذرة شمسا سرمدا أريد.

أنا لا شيء ومن غير شيء، الموجودات كلها أريد.

*  *  *

لا تدعني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.

إذ لما حجبت الغفلة أنوار الحق،

رأيت الأشياء والدنيا أعداء ضارين

ذقت اللذائذ، ولكن وجدت الألم في زواله.

أما الوجود، فقد لبسته،

آه لا تسل كم عانيت من الألم في العدم.

إن قلت الحياة، فقد رأيتها عذابا في عذاب.

نعم! لما استتر نور الحق عني،

إذ بالعقل يتحول عقابا، ورأيت البقاء بلاء، والكمال هباء،

والعمر ذهب أدراج الرياح.

نعم ! بدونه، انقلبت العلوم أوهاما.

وأصبحت الحكم أسقاما، والأنوار ظلمات، والحياء أمواتا،

والأشياء أعداء.

ولمست الضر في كل شيء.

والآمال انقلبت آلاما.

والوجود هو العدم بعينه. وصار الوصال زوالا.

والألم يعصرني مما لا بقاء فيه.

نعم! إن لم تجد الله فالأشياء كلها تعاديك

أذى في أذى، بل هو عين الأذى.

وإن وجدت الله،

فلن تجده إلا في ترك الأشياء.

فرأيت بذلك النور: الجنة في الدنيا،

وبدت الأموات أحياء.

ورأيت الأصوات أذكارا وتسابيح.

والأشياء مؤنسة، واللذائذ في الآلام نفسها.

والحياة أصبحت مرآة تعكس أنوار الحق.

والبقاء رأيته في الفناء.

والذرات تلهج بالذكر.

يقطر من ألسنتها وتتفجر من عيونها،

شهد شهادة الحق.]

وفي كل شيء له آية                 تدل على أنه واحد

اعلم! يا من يتوهم اللذة والسعادة الدنيوية في الغفلة وفي عدم التقيد بالدين"[4].

 وتكاد هذه الصورة القاتمة تذهب بلب العقل الكلي الإنساني، وتهوي به في براثين الشقاء والنحس والتعاسة، بل إن الكل اليوم يتشوف إلى السعادة على أنها حلم مفقود لا يكاد يحلم به أحد حتى يصحو على نقيضه، ولا يفكر فيه حتى يعترض عليه واقعه، ولا يكاد يراه حتى يغيب عنه، ولا يقبض عليه حتى يتفلت منه. فما السبيل إلى السعادة إذن؟ وهل ما نراه سعادة هو السعادة فعلا؟ وهذا السؤال الثاني ينبغي أن يوضع قبل الأول.

فهل السعادة مال فيكون قارون ومن على شاكلته في واقعنا من البورجوازيين سعداء.

وهل السعادة عافية في الأبدان ليكون أصحاب كمال الأجسام مثالا للسعادة.

وهل السعادة سلطة ليكون القادة السياسيون مثالا لها.

إن الواقع يكذب ذلك فالسعادة لا تعدو أن تكون طريقة في التفكير ونمطا في العيش ومنهجا في الحياة، والسعادة إن تمت بقليل من المال فلا حاجة إلى كثيره وإن تمت بدونه فلا حاجة إليه، و كم من فقير يضحك ملء فيه وكم من غني لا يجد إلى الضحك سبيلا.

والسعادة أيضا ليست بالمنصب الاجتماعي ولا بالمستوى الثقافي ولا بالوظيفة ولا بالصحة حتى، فكم من عليل سقيم ومعاق لا تفارق الابتسامة محياه، وكم من صحيح في بدنه ساخط على حظه.

ولو أردنا أن نوضح أكثر فسيتضح الأمر مع السؤال الآتي: هل السعادة مطلب روحي نفسي عقلي أم مطلب مادي بدني مالي شهوي؟

العلاقة بين السعادة والكمال

يربط المرحوم بديع الزمان بين السعادة والكمال، بموضوعية عقلية ووسطية لطيفة، فالسعادة عنده ثمرة الكمال يقول:

"للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا له، حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[5]

وهذا يعني أن السعادة ليست مجرد تمثل سطحي ظاهري ولكنها معنى عميق يقوم في العقل والنفس والروح، يتجسد عمقه في الايمان بالله والمعرفة بمراتب الموجودات. وغير ذلك من مظاهر السعادة لا يعدو أن يكون مجرد سعادة وهمية، يقول سعيد في رسم هذا المعنى:

"إن الذين يجعلون غاية هذه الحياة محصورة في: "عيش برفاه، وتمتع بلذة، وتنعم بهوى" إنما يستخفون – بجهالة ممقوتة – هذه النعمة الغالية الكبرى: نعمة الحياة وهدية الشعور، وإحسان العقل ويحقرونها وينكرونها بل يكفرون بها فيرتكبون كفرانا عظيما، وإثما مبينا"[6].

ويقول أيضا: "الإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات وغرق في الكائنات، وأخذ حب الدنيا حتى غره تبسم الفانيات وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.

ولكن إذا ما رفع هذا الإنسان رأسه واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان من لسان القرآن، وتوجه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا"[7].

فالسعادة تقوم على عدة كمالات ؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

فنحن إن تصورنا الكمال الإنساني تصورا صحيحا وسعينا إليه سعيا حثيثا سليما أدركنا السعادة ولتوضيح ذلك لا بد من الوقوف على معنى الانسان الكامل أو الكمال الإنساني وتجلياته عند بديع الزمان.

مفهوم الإنسان في كليات رسائل النور

يعرف النورسي الإنسان من خلال فطرته تارة ومن خلال طبيعته تارة أخرى ومن خلال وظيفته والغاية من خلقه أحيانا فهو:

" ثمرة شجرة الخلقة أبعد شيء عن البذرة وأجمع لخصائص الكل"[8]

"إن الانسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة وأجمعها وألطفها، لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية"[9]

وهو "أكرم ضيف في قصر الكون"[10].

فهذه النصوص تظهر مكانة الإنسان بين المخلوقات الأخرى، وتوضح اختيار سعيد النورسي في تفضيل النوع الإنساني على الملائكة، وهذا اختلاف قديم تناوله المفسرون والمتكلمون أثناء تطرقهم لآيات سجود الملائكة لآدم[11]

فهذه العناية في الإبداع والصنع لا تنفك عن الوظيفة المناطة به فهو:

" أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر"[12].

والإنسانية عند بديع الزمان تنقسم إلى صغرى وكبرى وترادفها الحقة، فالصغرى هي ما تنتجه المدنية أو الحضارة البشرية أما الكبرى فهي الإسلام قال رحمه الله: "إن الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى سيسطع كالشمس في رابعة النهار، في سماء المستقبل، وعلى جنان آسيا"[13]. ويقول أيضا:  "إن الحاكم على الدهر، وعلى طبائع البشر، إلى يوم القيامة، هو حقيقة الإسلام، التي هي تجلي العدالة الأزلية في عالم الكون، والتي هي الإنسانية الكبرى، وما محاسن المدنية التي هي الإنسانية الصغرى إلا مقدمة لها"[14].

والإنسان هو الفهرست الكوني لتجليات الأسماء الحسنى، لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته، واستخلافه في الأرض لعبادة الله الواحد الأحد.

وقوله: الإنسان هو الفهرست الكوني الجامع، أي الجامع لكل الخصائص الموجودة في الكون فهو بمثابة صورة مصغرة للعالم الكبير وهذا فيه دلالة على جامعية الإنسان وشموليته الخلقية، قال رحمه الله:" كما أن الإنسان عالم صغير، كذلك العالم إنسان كبير. فهذا الإنسان يمثل خلاصة الإنسان الكبير وفهرسه. فالنماذج المصغرة في الإنسان لا بد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودة في الإنسان الأكبر بالضرورة"[15].

وقال أيضا:" لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون، فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم، إذ كما أن دماغ الإنسان- الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي­­- وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون، يكشف عنها ويبثها أيضا، فإن قلب الإنسان كذلك هو محور لما في الكون من حقائق لا تحد، ومظهر لها، بل هو ذاتها"[16].

وهذه الصورة التي رسمها لنا النورسي تنم على منطق التوازي والتماثل الموجود بين الكون والإنسان بل إن النورسي دائما يستحضر جسدية الكون فيجعل له روحا وعقلا وقلبا وجسدا كما للإنسان تماما، فالإنسان عالم قائم بذاته يشبه في تنظيمه وأسراره الكون بأسره.‏

أتزعم أنك جرْم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبرُ.‏

 فيقول:

"نعم، كما أن الحياة هي خلاصة مترشحة من هذا الكون والشعور والحس مترشحان من الحياة، فهما خلاصتها، والعقل مترشح من الشعور والحس، فهو خلاصة الشعور، والروح هي الجوهر الخالص الصافي للحياة، فهي ذاتها الثابتة المستقلة كذلك الحياة المحمدية المادية والمعنوية مترشحة من روح الكون والرسالة المحمدية كذلك مترشحة من حس الكون وشعوره وعقله. فهو أصفى خلاصته.

بل إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم المادية والمعنوية بشهادة آثارها حياة لحياة الكون. والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له. والوحي القرآني بشهادة حقائقه الحيوية روح لحياة الكون وعقل لشعوره أجل.

فإذا ما فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون لجن جنونه ولفقدت الكرة الأرضية صوابها، ولزال عقلها ولظلت دون شعور ولاصطدمت بإحدى سيارات الفضاء ولقامت القيامة"[17].

- الإنسان هو العاكس الأتم للأسماء الحسنى. وذلك بما وهب من صفات نسبية تستمد من صفات الله المطلقة كالعلم والقدرة والبصر والسمع والتملك والحاكمية..[18]

- الإنسان ساع لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته.

- الإنسان في سيره إلى الله وعبادته راجع إلى ما فطره الله عليه[19].

نعم: إن الإنسانية: هي الفطرة التعبدية لدي الإنسان، ببعدها الكوني الشامل، واستعداداتها التفكرية لتذوق الإيمان.

الكمال الإنساني

لا بد أن نميز ابتداء بأن المقصود هو الكمال في صورته الانسانية، ذلك أن الكمال الإلهي لا سبيل لتحقيقه، وقد تفرد به الحق سبحانه وتعالى، ومن نازعه فيه آل إلى أقصى دركات النقص، وانحط عن درجة العجماوات. فهناك كمال إلهي وكمال الملائكة وكمال الانسان وكمال الحيوان، ولا بد من التمييز بين كل ذلك، فكمال الإله مطلق وكمال الملك في الطاعة، ولذلك كان الملائكة المقربون. وكمال الحيوان في بدنه، وجمع الإنسان كل ذلك، مستمدا كماله من الكمال الإلهي وعاكسا لأسماءه الحسنى، إلا أن كماله كمال عبودية، وكمال الله كمال ربوبية وألوهية.

يذكر الفخر الرازي بأن التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة من وجه شريرة من وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران أحدهما الناطق الذي لا يكون مائتاً وهو الملك والآخر المائت الذي لا يكون ناطقاً وهم البهائم"[20].

وقد حصر العلماء الكمالات الإنسانية في ثلاثة أبعاد كبرى، بعد روحي وبعد عقلي وبعد بدني. وكل بعد له فروع واختص الإنسان كل فرع بعلم أجمل فيه قواعد الكمال، فقيل : العلوم عشرة علم التوحيد للأديان، وعلم السر لرد الشيطان، وعلم المعاشرة للإخوان، وعلم الشريعة للأركان، وعلم النجوم للأزمان، وعلم المبارزة للفرسان، وعلم السياسة للسلطان، وعلم الرؤيا للبيان، وعلم الفراسة للبرهان، وعلم الطب للأبدان، وعلم الحقيقة للرحمن. فكل علم يكمل جانبا من جوانب الإنسان. فكمال الدين في التوحيد، وكمال الفارس في قوة المبارزة وكمال البدن في علم الطب... وقد جمع الحديث النبوي بعض هذه الجوانب كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها "[21] .

- قال بديع الزمان: "للإنسان لطائف كثيرة جدا، كالقلب، منها العقل والروح والسر. كل لطيفة منها مكلفة بوظيفة، ومأمورة للقيام بعمل خاص بها. فالإنسان الكامل: هو – كالصحابة الكرام – يسوق جميع تلك اللطائف إلى مقصوده الأساس، وهو عبادة الله. فيسوق القلب –كالقائد- كل لطيفة منها، ويوجهها نحو الحقيقة، بطريق عبودية خاص بها. عند ذلك تسير الكثرة الكاثرة من اللطائف جنودا في ركب عظيم، وفي ميدان واسع فسيح، كما هو لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم"[22]

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف : كل ميسر لما خلق له[23]. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قيمة المرء ما يحسن[24].وفي هذه النصوص تظهر علاقة السعادة بالاستعدادات والميولات الفطرية لدى الإنسان "للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا لهن حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[25]. كما أن "ذروة الكمال الإنساني، إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية، السامية، المفصلة، والمبرهنة، النابعة من الإيمان التحقيقي"[26].

- ولذلك كان "الصحابة الكرام هم في قمة الكمال الإنساني، حيث إن التحول العظيم الذي أحدثه الإسلام في مجرى الحياة في ذلك الوقت، سواء في المجتمع أو في الفرد، قد أبرز جمال الخير والحق، وأظهر نصاعتها الباهرة"[27]

وقد حدد بديع الزمان طرق الوصول إلى الكمال فقال: "إن أصول العروج إلى عرش الكمالات –وهو معرفة الله عز وجل – أربعة:

- أولها: منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس، والسلوك الإشراقي.

- ثانيها: طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان (...)

- ثالثها: مسلك الفلاسفة.

هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات، والأوهام.

- رابعها: المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان. ونحن قد اخترنا هذا الطريق، وهو نوعان:

- الأول: دليل العناية : (...) وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل، مما يثبت قصد الصانع وحكمته وبنفي وهم المصادفة (...)

- الدليل القرآني الثاني: دليل الاختراع. وخلاصته أن الله تعالى قد أعطى كل فرد، وكل نوع، وجودا خاصا، هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة فلا نوع يتسلسل إلى الأزل"[28]. وقال أيضا عن هذا الأصل الأخير: "إذا ربى الإنسان بذرة استعداده وسقاها بماء الإسلام وغذاها بضياء الإيمان تحت تراب العبودية موجها أجهزتها المعنوية نحو غاياتها الحقيقية بامتثال الأوامر القرآنية فلا بد أنها ستنشق عن أوراق وبراعم وأغصان تمتد فروعها وتتفتح أزاهيرها في عالم البرزخ وتولد في عالم الآخرة وفي الجنة نعما وكمالات لا حد لها"[29].

والكمال كما يقول الرازي: لا ينال بالأعمال الجسدانية بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور[30]، فالكمال إذن كامن في النفس وكذا العقل فهما من أعلى مراتب الكمال الانساني، كما ذكر القاضي عياض في مادة "كمل" الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ك م ل ) قوله كمل من الرجال كثير يقال بفتح الميم وضمها وكسرها ثلاث لغات أي انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال دون نقص وقيل كمل في العقل إذ قد وصف النساء بنقص ذلك[31].

السعادة عند النورسي

يميز النورسي في السعادة بين سعادة دنيوية وسعادة أبدية أو سعادة عاجلة وآجلة ويعتبر السعادة الأبدية سعادة الدارين وهي الأصل فالسعادة شجرة ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها الإيمان بالله، والدار الآخرة.

ومن عنده أَدب جم، وذوق سليم وخلق شريف، أسعد نفسه وأسعد الناس، ونال صلاح البال والحال[32].

ويربط النورسي السعادة بسيد البشرية باعتباره موجها إليها ودالا عليها، عندما يقول: "فإن قلت : من هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسا للكون، كاشفا بدينه عن كمالات الكائنات، وما يقول؟ قيل لك: انظر واستمع ما يقول، ها هو يخبر عن سعادة أبدية ويبشر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها. وهو دلال محاسن سلطنة الربوبية ونظارها، وكشاف مخفيات كنوز السماء الإلهية ومعرفها.

فانظر إليه من جهة وظيفته، تره برهان الحق وسراج الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.

ثم انظر إليه من جهة شخصيته تره مثال المحبة الرحمانية، وتمثال الرحمة الربانية، وشرف الحقيقة الإنسانية، وأنور أزهر ثمرات شجرة الخلقة"[33]

ويضيف في نفس السياق: "اعلم أن هذا الشخص، المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حق بدرجة حقانية التوحيد... كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية، بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها ... كذلك هو بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة ووسيلة إيجادها"[34].   

ويعتبر سعادة الفرد على قدر كماله، ولذلك فاق رسول الله الانبياء والبشرية جمعاء في السعادة وفي الدعوة إليها جاء في مفاتيح الغيب كلام ينسبه الرازي إلى الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله، وحاصله أن الإنسان إما أن يكون ناقصاً أو كاملاً أو خالياً عن الوصفين، أما الناقص فإما أن يكون ناقصاً في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره وإما أن يكون ناقصاً ويكون مع ذلك ساعياً في تنقيص حال الغير فالأول هو الضال والثاني هو الضال المضل وأما الكامل فإما أن يكون كاملاً ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء وإما أن يكون كاملاً ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين، وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة وذلك مثل روح محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءاً من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس وقبح مذاهبهم 

ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ومن التجسيم إلى التنزيه ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة إذا عرفت هذا فنقول قوله ﴿وَمَا لَنَا أَن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾[35] إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم وقولهم في آخر الأمر ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَلِ المُتَوَكِلُون﴾ إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن فمن نظر في علم القرآن وكان غافلاً عنها كان محروماً من أسرار علوم القرآن والله أعلم[36].

فيا للعجب! ما يطلب هذا الذي قام على الأرض وجمع خلفه جميع الأنبياء، أفاضل بني آدم، ورفع يديه متوجها إلى العرش الأعظم ويدعو دعاء المؤمن عليه الثقلان، ويعلم من شؤونه أنه شرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، وفخر هذه الكائنات في كل آن، ويستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عين ما يطلب هو. فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضاء. فلو لم يوجد مالا يعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات – المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة – على وجود الاخرة، وكذا جميع الأسماء القدسية، أسبابا مقتضية لها، لكفى دعاء هذا الشخص النوراني لأن يبني ربه له وأبناء جنسه الجنة.[37]    

كما يربط النورسي بين السعادة والفطرة والنظام والتوازن، فيقول: "إن عدم الإسراف في الفطرة، الثابت بشهادة علم منافع الأعضاء ولا سيما أن العالم الأصغر – الإنسان – يدل على عدم الإسراف في الاستعدادات المعنوية للإنسان وآماله وأفكاره وميوله. وهذا يعني أنه مرشح للسعادة الأبدية.

نعم! لولا السعادة الأبدية لتقلصت كل المعنويات وضمرت وذهبت هباءا منثورا. فيا للعجب، إن كان الاهتمام والعناية بغلاف جوهر الروح – وهو الجسد – إلى هذه الدرجة، حتى يحافظ عليه من وصول الغبار إليه، فكيف تكون العناية بجوهر الروح نفسه؟ وكيف يمحى ويفنى إذن؟ كلا .... بل العناية بالجسد إنما هي لأجل تلك الروح".[38]

كما يربط بين السعادة والإسلام، ويستدل على ذلك بشهادة غير المسلمين كبسمارك فنراه يقول: -المثال الثاني- هو الأمير بسمارك الذي يعتبر من أشهر رجال الفكر في تاريخ أوروبا الحديث، يقول هذا الفيلسوف: " لقد درست الكتب السماوية بإمعان، فلم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية، وذلك للتحريف الذي حصل فيها. ولكني وجدت قرآن محمد صلى الله عليه وسلم يعلو على سائر الكتب، وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة. وليس هناك كتاب يحقق سعادة البشرية مثله. ولا يمكن أن يكون كتاب كهذا من كلام البشر. فالذين يدعون أن هذه الأقوال أقوال محمد صلى الله عليه وسلم يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية، أي أن كون القرآن كلام الله أمر بديهي"[39]، ويعقب النورسي على مجموع استدلالاته بالقول: أفلا تنتج المقدمات التي أسلفنا ذكرها حتى الآن: أن الإسلام وحده سيكون حاكما على قارات المستقبل حكما حقيقيا ومعنويا وأن الذي سيقود البشرية إلى السعادتين الدنيوية والأخروية ليس إلا الإسلام والنصرانية الحقة المنقلبة إلى الإسلام والمتفقة معه والتابعة للقرآن بعد تحررها من التحريفات والخرافات.[40]

كما يربط بين السعادة والإيمان فيقول: "فالإنسان الذي يظفر بالإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائنات ويتخلص من ضيق الحوادث، مستندا إلى قوة إيمانه فيبحر متفرجا على سفينة الحياة في خضم أمواج  الأحداث العاتية بكمال الأماني والسلام: قائلا: توكلت على الله ويسلم أعباءه الثقيلة أمانة إلى يد القدرة للقدير المطلق، ويقطع بذلك سبيل الدنيا مطمئن البال في سهولة وراحة حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفع طائرا إلى الجنة للدخول على السعادة الأبدية"[41]. والإيمان الذي يقصده النورسي إيمان يصدقه العمل.

"فالإيمان إذن يقتضي التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين"[42].

مراتب السعادة

إن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى[43]، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث نفسانية وبدنية وخارجية وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث السعادات النفسانية وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا "[44].

وانظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى[45] فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ[46]  وقال: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا[47] ثم إنه أول ما أوحى إليه قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ[48]  ثم قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ[49]، وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً يقول أرنا الأشياء كما هي فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة فمنها الحياة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[50] وثانيها الروح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا[51] وثالثها النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ[52] وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ[53] فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية وقال يوسف ﴿اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [54] ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح وأيضاً فقد جاء في الخبر   ( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) إن تكلم تكلم بلسانه وإن قاتل قاتل بجنانه قال الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده             فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

علامات السعادة

 - الطهارة : استمدها الرازي انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ[55]  واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة[56]

- المسارعة إلى الأعمال الصالحة : والواجب على العبد أن يسارع إلى الأعمال الصالحة فإنها من علامات السعادة والتأخير وطول الأمل من علامات الشقاوة[57]

- تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة : وقال أبو على الحسن بن علي الجوزجاني من علامات السعادة على العبد تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة في أفعاله وصحبته لأهل الصلاح وحسن أخلاقه مع الإخوان وبذل معروفه للخلق واهتمامه للمسلمين ومراعاته لأوقاته[58]

- التفقه في الدين : ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[59] وما ذاك إلا لأن الفقه في الدين، يحفز العبد على القيام بأمر الله وخشيته، وأداء فرائضه، والحذر من مساخطه، ويدعوه إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنصح لله ولعباده.

وغير هذه العلامات كثير وكان بودنا أن نذكر أسباب السعادة وموانعها لولا ضيق المقام، ولكنني سأحرص على تتبعها من خلال رسائل النور تتبعا استقرائيا.

خاتمة

نختم فنقول: السعادة تقوم على عدة كمالات؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

والسعادة دين يتبعه عمل، ويصحبه حمل النفس على المكاره، وجبلها على تحمل المشاق والمتاعب، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلد، والسعيد من آثر الباقي على الفاني وبمفهوم سعيد النورسي من آثر السعادة الأبدية على السعادة الدنيوية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً[60]. ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ[61].

إن السعادة هي الرضا بالله والقناعة بالمقسوم والثقة بالله واستمداد المعونة منه، من ذاق طعم الإيمان ذاق طعم السعادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا)[62].

وفي الأخير أقول إن سعادة البشرية هي سعادة كلية وكليتها في كلية أجزائها وأفرادها، بمعنى أنها تبنى على سعادة الأفراد فلا سعادة لمجتمع أغلب أفراده يعيشون في الشقاء والجهل والضلال والبؤس. وهذه السعادة لاتصدر إلا عن عقل كلي وتوجيه رباني ولذلك أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.

 

---------------------------------

لائحة المصادر والمراجع

- ابن الحاج، المدخل، دار الفكر، ط2، 1977م.

- ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة، مكتبة الخانجي، ط2. 1994م.

- أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث القاهرة، ط1، 2000م.

- أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، المجلد الثامن الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

- إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلواتي، ت 1127هـ، روح البيان، ضبط وتصحيح وتخريج عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003م.

- الفخر الرازي، محمد الرازي فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار الفكر، لبنان، ط1، 1981م.

- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار في شرح غريب الحديث، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.

- القرآن الكريم.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الإيمان وتكامل الإنسان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الثمرة من شجرة الإيمان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2. 2001م.   

- بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المثنوي العربي النوري. ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الحشر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الشكر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- صحيح البخاري

- صحيح مسلم.

- عائض القرني: " لا تحزن"، مكتبة العبيكان، الرياض، ط3 لجمهورية مصر العربية سنة 2005م.

- فريد الأنصاري، مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور ، دار النيل ط1، 2010.

 

 

---------------------------------

[1] - أقول هذا الكلام لأن النصوص التي وردت في هذا الشأن كثيرة ولا يستوعبها إلا بحث مستقل.

[2] -  مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور للدكتور فريد الأنصاري، دار النيل ط1 ص245.

[3] - هذا الكلام مقتبس من المدخل لابن الحاج، دار الفكر، ط2، 1977،  3/63-64.

[4] - المثنوي العربي النوري، ص289-290.

[5] - المكتوبات ص 593

[6] - رسالة الشكر، انظر غلاف الكتاب

[7] - الثمرة من شجرة الإيمان انظر غلاف الكتاب

[8] - الكلمات، ص 418.

[9] - الكلمات، ص 204.

[10] - الشعاعات، ص 272.

[11] - لولا مخافة الطول لأوردنا أقوال العلماء في ذلك.

[12] - نفسه، نفس ص.

[13] - صيقل الإسلام ص 49-50.

[14] - صيقل الإسلام ص 51-52

[15] - اللمعات، ص 127.

[16] - المكتوبات، ص 571.

[17] - رسالة الحشر

[18] - انظر مفاتيح النور للمرحوم فريد الأنصاري، ص 114.

[19] - راجع كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي، مجلد الكلمات والشعاعات، وراجع مفاتيح النور المعجم الشامل للكليات للدكتور فريد الأنصاري، مصطلح الإنسان.

[20] - مفاتيح الغيب 2/251.

[21] - مسند الحميدي رقم 439، و إتحاف السادة المتقين للزبيدي 9/87 و 273. نقلا عن موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، المجلد الثامن ص95 الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

[22] - الكلمات ص 582.

[23] - رواه مسلم في كتاب القدر من حديث مطرف عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله اعلم اهل الجنة من اهل النار فقال نعم قال ففيم يعمل العاملون قال: كل ميسر لما خلق له.

[24] - انظر ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة مكتبة الخانجي، ط2، ص 200. والنص أورده الجاحظ في البيان والتبيين ضمن مقاطع من كلام البلغاء.

[25] -  المكتوبات ص 593

[26] - الملاحق ص 278.

[27] - الكلمات ص 573.

[28] - صيقل الإسلام ص 122-124.

[29] - الإيمان وتكامل الإنسان. ص40

[30] - مفاتيح الغيب، 10/108 .

[31]- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار دار الكتب العلمية ط1/2002 ص1/554. الحديث أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 32-36. ومسلم في فضائل الصحابة حديث 70.

[32] - عائض القرني: " لا تحزن"

[33] - المثنوي العربي النوري، ص .59.

[34] - المثنوي العربي النوري، ص 62.

[35] - إبراهيم : 15

[36] - مفاتيح الغيب 19/99-100 المجلد العاشر.

[37] - المثنوي العربي النوري، ص 63.

[38] - صيقل الإسلام، ص 160.

[39] - صيقل الإسلام، ص 498.

[40] - صيقل الإسلام، ص 499.

[41] - الكلمات ص 352.

[42] - الكلمات، 353

[43] - مفاتيح الغيب. 6/8.

[44] -  مفاتيح الغيب. 7/71-72.

[45] - الضحى 7-8

[46] - الشورى 52

[47] - هود 49

[48] - العلق 1

[49] - النساء 113

[50] - الأنعام 122

[51] - الشورى 52

[52] - النور 35

[53] - البقرة 247

[54] - يوسف 55

[55] - المطففين:  

[56] - مفاتيح الغيب  31/98. المجلد السادس عشر.

[57] - روح البيان 3/64

[58] - الاعتصام 1/70.

[59] - أخرجاه في الصحيحين، من حديث معاوية رضي الله عنه.رقم الحديث في صحيح البخاري 1237.

[60] - مريم:96

[61] - الحج:32

[62] - رواه مسلم [62]

 

 

 


31-) كبرى مشاكل العصر الحديث - أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور

 

 

كبرى مشاكل العصر الحديث - أسبابها-

وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور

                                          

 

                                           د. محمد حمد كنان ميغا          

جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية

بسلطنة بروناي دار السلام       

 

 

مقدّمة

لقد كرّم الله البشرية ببعثة الأنبياء والرسل ليأخذوا بأيدي الناس إلى ما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم، ويُبعدوهم عن كل ما ينغّص حياتهم الدنيوية والأخروية.

وهذا موضوع: (كبرى مشاكل العصر الحديث- أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور) الذي أتقدّم به للمشاركة في هذا المؤتمر العالمي العاشر لرسائل النور يناقش كبرى مشاكل العصر الحديث - التي تقض مضاجع البشرية، والتي نتجت عن الظلم والكراهية والفساد بأنواعها - مع ذكر أسبابها والحلول التي قدّمها المنهج النبوي لهذه المشاكل، قصد تحقيق الأهداف التالية:

  1. بيان الحلول الناجعة لكبرى مشاكل العصر الحديث.
  2. بيان مثالية مناهج النبوة وضرورة الاقتداء بالهدي النبوي.
  3. التنبيه على ما انفرد به رسائل النور من منهجية استنباطية في الكشف عن حقيقة النبوة ودورها في تحقيق المصالح ودفع المفاسد. 

 ولتحقيق هذه الأهداف بنيت البحث على مقدّمة وأربعة مباحث وخاتمة على النحو الآتي:

المبحث الأول: المشاكل النفسية والأخلاقية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

المبحث الثاني: المشاكل البيئية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

المبحث الثالث: المشاكل الاقتصادية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

المبحث الرابع: المشاكل السياسية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

 والخاتمة: في بيان أهم نتائج البحث.

      هذا، وسيناقش البحث كل ما من شأنه أن يثريه في مختلف جوانبه.

 

المبحث الأول: المشاكل النفسية والأخلاقية – أسبابها - وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

إن المشاكل النفسية والأخلاقية التي يعيشها العالم اليوم كثيرة ومتنوعة. وقد سببت هذه المشاكل في ضعف البنية الاجتماعية، بسبب التعدي على العقل الذي هو مناط التكليف والإنتاج. وهتك الأعراض التي هي سياج الإنسانية وكرامتها. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ".[1] وفيما يلي عرض هذه المشاكل ثم ذكر أسبابها والحلول في المنهج النبوي على ضوء رسائل النور:

  • المشاكل الأخلاقية وأسبابها:
  1. ظاهرة العري.

هذه الصفة التي حذّر النبي صلى الله عليه وسلم منها وبيّن أنّ أهلها بعيدون كل البعد عن الجنة ونعيمها بحيث لا يجدون حتى ريحها في قوله عليه الصلاة والسلام: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ، مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا".[2] هذا الحديث من معجزاته صلى الله عليه وسلم. فإننا نعيش اليوم هذه الظاهرة بالفعل. لا حاجة للبيان.

  1. ظاهرة الزنا واللواط والسحاق.

ما كان الزنا يقع في قديم الزمان إلا في خفية، ولكنه اليوم أصبح علنا وانتشر بشكل يمكن أن يطلق عليه ظاهرة. والأشنع منه اللواط والسحاق اللذان انتشرا في هذا الزمان، حتى لم يعد أصحابها يخفونها، بل ينادون بالزواج. والله عزّ وجل قد أهلك قوما عن بكرة أبيهم من أجل هذه الفعلة القبيحة. وحذر من الزنا وكل ما هو وسيلة إليه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.[3] وأوقع أشد العقوبات على مرتكبيه فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.[4] وقال في قوم لوط: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.[5] وقال في إهلاكهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.[6]

  1. ظاهرة الكذب والخيانة.

هاتان الصفتان الذميمة البعيدتان من صفات المؤمنين، وبعيدتان من هدي المرسلين. قال صلى الله عليه وسلم: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".[7]

  1. ظاهرة النميمة.

أما هذه الصفة فقد صرّح النبي صلى الله أن المتصف بها لا يدخل الجنة. قال صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ".[8] وذلك للمفسدة العظيمة المترتبة عليها. فكم من نفس بريئة قتلت بسبب هذه الصفة! وكم من حرب أثيرت بين الدول بسببها!

أسباب هذه المشاكل الأخلاقية:

يمكن أن نلخص أسباب هذه المشاكل الأخلاقية فيما يلي:

  • البعد عن الهدي النبوي الشريف الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق. وقد حذر الله تعالى من الإعراض عن الله تعالى وعن هدي نبيه صلى الله عليه وسلم: فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.[9] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين﴾.[10]
  • دعوى التحرر والحرية. إنها الحرية الزائفة التي تجعل الإنسان عبدا لشهواته، ساقطا في النهاية في المهالك. إن الحرية الحقيقية كما تُقررها رسائل النور هي الإيمان بالله تعالى. فالمؤمن هو الحر الحقيقي، حيث حرّر نفسه من كل شؤم الحياة، وحرّر نفسه من عذاب الله يوم القيامة.
  • الطمع والجشع. إن الطمع والجشع يدفعان بالإنسان إلى هدر كرامته الإنسانية والدينية معا.
  • حب الظهور والشهرة. إن حب الظهور والشهرة تدفع صاحبه إلى الكذب وإلى النميمة، وإلى مدح النفس بما ليس فيها..
  • المنافسة السخيفة على متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية. إن هذا السبب قد يؤدي إلى الكذب، والخيانة، وربما أدى إلى القتل.
  • التسيب في وسائل الإعلام. وهذا السبب هو الفتنة الكبرى اليوم، فقد سبب في انتشار العري في المجتمعات التي كانت محافظة قبل عشرين سنة، ومن ثم انتشار الزنا واللواط، وكل أنواع الجرائم التي تعاني منها المجتمعات البشرية اليوم.
  • الانقياد للنفس الأمّارة بالسوء وللشيطان الرجيم. وهذا الذي يؤدي إلى استخدام وسائل الإعلام في الوجوه السلبية المشار إليها آنفا.
  • ضعف الإيمان والرقابة الذاتية. وهذا هو رأس كل بلية. ولهذا فإنّ رسائلَ النور كلَّها تدعو إلى إحياء الإيمان في القلوب والمحافظة عليه.
  • الخلل في التربية. وهذا السبب نتج عن ضعف الإيمان وفقدان الوازع الديني الذي يحصن الإنسان من الزلل.
  • المشاكل النفسية:
  1. القلق والحزن المستمر.
  2. الوسوسة.
  3. اليأس.
  4. الجنون.
  5. الانتحار أيا كان سببه.

أسباب هذه المشاكل النفسية:

يمكن القول بأن هذه المشاكل النفسية لها صلة مباشرة بالمشاكل الأخلاقية، لذا فإننا نجزم بأن المشاكل الأخلاقية تعتبر من أهم الأسباب للمشاكل النفسية، بالإضافة إلى الأسباب التالية:

 -الخوف من فوات شيء مظنون الحصول: وهذا لا يكون إلا من غير المؤمن أو ضعيف الإيمان.

- الخوف من الموت: وهذا كذلك كسابقه.

- الغلو: إن كل شيء تجاوز حده انقلب إلى ضده، فالغلو قد يؤدي إلى الوسوسة..

- عدم الإيمان. هذا السبب قد يؤدي إلى اليأس من الحياة ثم إلى الانتحار..

- فقدان الثقة بالنفس. هذا كذلك يؤدي إلى اليأس.

- تعاطي المخدرات والمسكرات. وهذا هو سبب كثير من جنون الشباب في هذا العصر ومن ثم الانتحار.

أما الحلول التي قدمها الهدي النبوي الشريف لهذه المشاكل بنوعيها وهي التي تهمنا أكثر، فنلخصها فيما يأتي:

لقد اقتبس بديع الزمان سعيد النورسي من نور الرسالة المحمدية الذي به يستضيء المؤمن في حياته، فلا يرى حوله إلا نورا، ولا يفعل إلا الفضائل، ولا يفسر المشاهد من حوله إلا بالفأل الحسن، فيعيش سعيدا ويموت سعيدا. إنه النور الذي يمتد أمام المؤمن إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.[11]

هكذا ضرب النورسي المثل الرائع في بيان ((مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة)).[12] حين ضرب المثل بين الرجل الرباني السعيد والآخر الأناني الشقي اللذين خرجا للسياحة والتجارة، فافترقا كل توجه إلى جهة. فالأناني المغرور الذي كان متشائماً لقي بلداً في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءاً وفاقاً على تشاؤمه... أمّا الآخر الرجل الربّاني العابد لله، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة بحيث لقي في رحلته مملكة طيّبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال... فبينما كان ذلك الرجل الأول المتشائم منشغلاً بألمه وآلام الناس كلهم.. كان الثاني السعيد المتفائل مسروراً مع سرور الناس كلهم فرحاً مع فرحهم. فضلاً عن أنه غنم لنفسه تجارة حسنة مباركة فشكر ربه  وحمده.[13]

نعم هكذا يفعل الإيمان بالقلب إذا تغلغل فيه، فإنه يبعده من كل المنكرات ويطهره من كل هموم الدنيا وغمومها، فيكون بعيدا من وساوس الشيطان والأمراض النفسية الخبيثة من القلق والوسوسة والحزن المزمن، التي عالجها المصطفى صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عن الغضب، وطرح الشك والظنّ. كما جاء في قوله لذلك الرجل الذي قال له أوصني: "قَالَ: لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ".[14] وقوله عليه الصلاة والسلام في علاج الوسوسة: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".[15] وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَان".[16]

حقًّا إنّ الكفر والفسق والفجور تورث أهلها آلاما وعذابا موهومة في هذه الحياة الدنيا وتورثها أنواعا من المشاكل النفسية. كما أن الإيمان يورث اللذةَ والسعادةَ في نفوس أهله في هذه الحياة الدنيا، فلا يخافون من وقوع الموت، ولا يحزنون على فراق الأهل والمال؛ لأنهم يرون الموت إعفاءً من التكاليف، وانتقالا إلى دار النعيم.

فمن كان هذا شأنه لا شك أنه سيكون مستريحا من هموم الدنيا وغمومها وأتعابها المعنوية.

لقد سد الهدي النبوي كل الطرق التي تؤدي إلى فساد الأخلاق بسياج منيع متأصل بالنصوص القرآنية والحديثية، التي منها:

من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.[17] وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.[18] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.[19] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.[20]

ومن السنة: هناك أحاديث  كثيرة تعتبر حلا لهذه المشاكل المذكورة نذكر منها ما يأتي:

1- قال عليه الصلاة والسلام: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا أَوْ يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا".[21]

2- قوله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ. قَالُوا وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلاَمِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ".[22]

3- وقوله عليه الصلاة والسلام: " تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَمَنْ أَصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ إِن شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِن شَاءَ عَفَا عَنْهُ".[23]

  1. وقوله صلّى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا".[24] 
  2. وقوله صلّى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَن شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ".[25] وغير هذه النصوص مما ورد في الحث على التوكل على الله تعالى، والصبر، والرضا بقضائه وقدره، وطرح الشك والظن..الخ.

6-وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".[26]

نعم إنّ العلاج الحقيقي لهذه الأحاسيس الإنسانية التي وُجِّهَتْ نحو الأخلاق السيئة هو التدرج بأصحابها من أجل تحويلها إلى الخير؛ لأنّ طلب الإقلاع عن الأخلاق السيئة المعتادة من غير إظهار بديل يعتبر من قبيل تكليف ما لا يطاق، فكل خُلُق ذميمٍ له عكس من الأخلاق الحميدة يمكن الانتقال إليه.

وقد لخص بديع الزمان علاج كثير من هذه المشاكل المذكورة في علاجين كبيرين:

(( أحدهما: التوكل على الله والتحلي بالصبر، أي الاستناد إلى قدرة الخالق الكريم والثقة بحكمته سبحانه. والآخر هو: الدعاء والسؤال ثم القناعة بالعطاء، والشكر عليه والثقة برحمة الرزاق الرحيم)).[27]

ويقول أيضا: ((إن "الكلمات" التي كُتبت لبيان أسرار القرآن هي أنجع دواء لأمراض هذا العصر وأفضل مرهم يمرر على جروحه، وأنفع نور يبدد هجمات خيول الظلام الحالك على المجتمع الإسلامي، وأصدق مرشد ودليل لأولئك الحيارى الهائمين في وديان الضلالة)).[28]

فَلِمَ الشكوى من البلاء والمرض؟! إذا علمنا أنّ منها تتجلى الأسماء الحسنى، وصفاته العليا؛ كالشافي من الأمراض والرازق للجائع والمحروم. كيف نشكو منها! وبالمصائب والبلايا تتصفّى الحياة، وبالأمراض والنوائب تتزكى.[29] فليحذر الذين يشكون من البلاء من أن يكونوا كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾.[30] فالمؤمن ينبغي أن يجعل كل دقيقة في حياته مغنما له. كما قال عليه الصلاة والسلام: "عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحد إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ. إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا لَهُ".[31]

وأخيرا أشار بديع الزمان إلى أنّ القلق على المستقبل إحساس عند كل إنسان، ولكنه عندما يتجاوز الحد فإنه يكدّر الحياةَ أمام الإنسان ويجعله يسأم من رحمة الرزاق. ولكنه ما أن يتصور هذا المستقبل زمنا قصيرا بقصر عمره حتى يزول عنه هذا القلق كأن لم يكن؛ لأنه قد تأكّد لديه بإيمانه أنه عمّا قليل سيمضي إلى الحياة الأبدية. وهذا نص كلامه: ((فمثلا: القلق على المستقبل. هذا الإحساس موجود في كل إنسان، فعندما يقلق قلقاً شديداً على المستقبل يرى أنه لا يملك عهداً للوصول إلى ذلك المستقبل الذي يقلق عليه، فضلاً عن أنّ ذلك المستقبل القصير الأمد مكفول من حيث الرزق - من قبل الرزاق - فإذاً لا يستحق كل هذا القلق الشديد. وعندها يصرف وجهه عنه، متوجهاً إلى مستقبل حقيقي مديد، وهو ما وراء القبر والذي لم يُكفَل للغافلين)).[32] 

 

المبحث الثاني: المشاكل البيئية – أسبابها - وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

إنّ أهم المشاكل البيئية التي تعاني منها الإنسانية اليوم تكمن في سوء استغلال الموارد الطبيعية، والتلوث البيئي.

وأهم أسباب هذه المشاكل البيئية هي:

الابتعاد عن الهدي النبوي الذي يَعْتَبِرُ النظافةَ من الإيمان، ويحث على المحافظة على البيئة.

ومنها: فقدان الشعور بالمسئولية.

ومنها: التنافس الشديد بين الشركات، و بين الدول من أجل التكاثر في متاع الحياة الدنيا الزائلة. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.[33]

الحلول لهذه المشاكل البيئية في الهدي النبوي من خلال رسائل النور:

لقد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنه ما من شيء في الأرض ولا في السماء إلا ويسبّح الله تعالى ويسجد له عز وجل وأنها جميعا خدام ل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.[34] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.[35]  وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.[36]  نعم إنّ الكونَ كُلَّهُ ساجدٌ لله عز وجل، فكل شيء في الوجود مُجَنَّدٌ لطاعته سبحانه وتعالى ودليل على وحدانيته تعالى. يؤكد ذلك بديع الزمان في قوله: ((إن سعي جميع المخلوقات، صغيرها وكبيرها - عدا الإنسان والوحوش الكاسرة - لإنجاز وظائفها بانتظام تام ودقة كاملة، ابتداءً من الشمس والقمر والأرض إلى أصغر مخلوق، بشكل لا يتجاوز أحد حدّه قيد أنملة، ضمن الطاعة التامة والانقياد الكامل المحفوفَين بهيبة عظيمة، يظهر لنا أن هذه المخلوقات لا تتحرك ولا تسكن إلاّ بأمر العظيم ذي العزة والجلال)).[37]

وقد دلت النصوص من السنة على نهي النبي صلى الله صلى عليه وسلم عن البول في الماء الراكد. كما نهى عن قضاء الحاجة في ثلاثة مواضع: قارعة الطريق، والظل، وموارد المياه. كما نهى عن قطع الأشجار عموما وبخاصة في الحرمين. إلا للضرورة. والضرورة تقدّر بقدرها. وأمر بالنظافة والمحافظة على طهارة البدن والثوب والمكان. في أحاديث كثير يضيق المقام لإيرادها.

إذا كانت هذه النصوص من الكتاب والسنة تُقرّر ما تقدّم من الحقائق الإيمانية لزم منها وجوب المحافظة على البيئة استجابة لله ورسوله، وعملا بسنة الاستخلاف في الأرض. هذا الاستخلاف الذي يستلزم البناءَ لا الهدمَ، والصلاحَ في الأرض لا الفسادَ فيها، والرفقَ والرحمةَ لا العنفَ والقسوةَ..

وقد قرّر بديع الزمان سعيد النورسي في الكليات هذه الحقائق الإيمانية بتفسيره الكتاب المقروء بكتاب الكون المنظور، يستدل بها على القدرة الإلهية وبديع خلقه التي تدل على أنه لا شريك له في صنعه وتدبيره وأن كل ذرة من ذرات الكون مأمورة بفعل ما أنيط بها من مهام. وذلك من قوله: ((كل ذرة من ذرات الهواء - مثلاً - تستطيع أن تدخل في كل زهرة، وفي كل ثمرة، وفي كل ورقة، وتتمكن من أن تؤدي دورها هناك. فلو لم تكن هذه الذرة مأمورةً ومسخرةً للزم أن تكون على علمٍ بأشكال ما تمكنت من الدخول فيه، وبصورته وتركيبه، وهيئته.. وكل ذرة من ذرات التراب - مثلاً - يمكن أن تكون سبباً لنشوء البذور ونمو أنواعها جميعاً. فلو لم تكن مأمورة ومسخّرة للزم أن تحتوي آلات وأجهزة معنوية بعدد أنواع الأعشاب والأشجار... واعلم أن عدم الاعتقاد بالإله الواحد الأحد يستلزم الاعتقاد بآلهة عدة بعدد الموجودات!))[38] فإذا كانت هذه الذرات الكونية كلها مأمورة، فإن ذلك يقتضي عدم الاعتداء عليها؛ لأنها جميعا وضعت على نظام دقيق متناسق لسير الحياة.

 

المبحث الثالث: المشاكل الاقتصادية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

إنّ من أعظم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها العالم اليوم: هو التزايد في نسبة الفقر. والندرة الإنتاجية. وسوء توزيع الثروة.

ومن أهم أسباب هذه المشاكل الاقتصادية: البعد عن الهدي النبوي. والطمع والجشع والأنانية. وانتشار الربا. وقلة العمل. وفقدان الرحمة والرأفة. والتنافس في جمع المال.

الحلول من الهدي النبوي للمشاكل الاقتصادية من خلال رسائل النور:

إنّ النظام المالي الإسلامي مبني أساسا على التكافل وضمان حد الكفاية لكل فرد من أفراد المجتمع، وذلك من خلال مجموعة من التشريعات التي على رأسها: الزكاة، ثم الإنفاق العام على الأهل والأقارب، والصدقات العامة على الفقراء والمساكين والمحتاجين، ثم الهبة والهدية. وإلى جانب هذه التشريعات فإن المنهج النبوي في النظام المالي يؤكد على وجوب العمل على كل بالغ عاقل مستطيع. ورَفَعَ العملَ إلى مصاف العبادات. وحرم السؤال إلا لعدد من الناس: وهم العاجزون عن العمل، أو من أصيب في ماله. أو من غلبت عليه الديون..

قال صلى الله عليه وسلم: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ".[39] وقال صلى آله عليه وسلم: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ".[40] وقال في الحث على العمل: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحَزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفُّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَن يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ".[41] وقال عليه الصلاة والسلام في النهي عن السؤال: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَصَابَتْ مَالَهُ حَالِقَةٌ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ سَوَادًا مِن مَعِيشَةٍ ثُمَّ يُمْسِكُ عَن الْمَسْأَلَةِ. وَرَجُلٌ حَمَلَ بَيْنَ قَوْمِهِ حَمَالَةً فَيَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّي حَمَالَتَهُ ثُمَّ يُمْسِكُ عَن الْمَسْأَلَةِ. وَرَجُلٌ يُقْسِمُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ باللهِ لَقَدْ حَلَّتْ لِفُلَانٍ الْمَسْأَلَةُ. فَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ لَا يَأْكُلُ إِلَّا سُحْتًا".[42]

علاوة على الآيات والأحاديث التي تحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى على المحتاجين، ولا سيما الذين لا يسألون الناس إلحافا، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وتوفير حقوق الأرامل والأيتام والعجزة في مالية الدولة العامة.

وكذلك مَنَعَ التشريعُ الإسلاميُّ الاحتكارَ بأنواعها، وطرقَ الكسب المحرمة؛ كالربا، وبيع المحرمات، والتهريب، والرشوة، والقمار..الخ.

يقول النورسي: ((نحن مكلّفون باتّباع هدي الأنبياء عليهم السلام في نشر الحق وتبليغه مع الاستغناء عن الناس ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ .[43] وإنّ التوكًّلَ والقناعَةَ والاقتصادَ خزينةٌ عظيمةٌ، وكَنْزٌ ثمينٌ لا يُعَوَّضَانِ بشيءٍ)).[44]

 إنّ رزق الإنسان مقدّرٌ بمقدار لا يتجاوزه قيدَ أُنملةٍ، فلا داعي للحيل والمراوغات والكذب والخيانة في طلب المال وجمعه. كل ما في الكون من نبات وجماد وحيوان مسخّر للإنسان ليستفيد منه في دنياه لأخراه كرما ورحمة من الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان. هكذا يفسر بديع الزمان المظاهر الكونية التي سُخّرت للإنسان فيقول: ((إن إكساء الأشجار جميعاً بحلل شبيهة بالسندس الخضر - كأنها حور الجنة - وتزيينَها بمرصّعات الأزهار الجميلة والثمار اللطيفة، وتسخيرَها لخدمتنا بإنتاجها ألطف الأثمار المتنوعة وألذَّها في نهايات أغصانها التي هي أيديها اللطيفة.. وتمكيننا من جني العسل اللذيذ - الذي فيه شفاء للناس - من حشرة سامة.. وإلباسَنا أجمل ثياب وألينها مما تحوكه حشرة بلا يد.. وادّخار خزينة رحمة عظيمة لنا في بذرة صغيرة جداً.. كل ذلك يرينا بداهةً كرماً في غاية الجمال، ورحمة في غاية اللطف)).[45]  ويؤكد أن هذه النِّعَمَ الدنيويةَ التي أنعم الله بها على البشر ما هي إلا صورة مصغرة لنعيم الجنة. وأنّ لَذَّاتِهَا قصيرةُ الْمَدَى، لذا لا ينبغي للعاقل أن يجعلها همَّه وشغله الشاغل. حتى لا يكون كمن وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعبد الدينار والدرهم: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".[46]  إنّ الدنيا مزرعة للآخرة فيجب أن نغرس فيها ما ينفعنا في الآخرة وإلا كان ما جمعناه فيها وبالا ونقمة علينا. يقول النورسي: ((إننا إذا أدركنا أن دنيانا الخاصة مزرعة مؤقتة للآخرة والجنة، وحوّلنا أحاسيسنا الشديدة ومشاعرنا القوية نحوها كالحرص والطلب والمحبة وأمثالها إلى نتائج تلك المزرعة وثمراتها وسنابلها، تلك هي فوائدها الأخروية. ينقلب عندها ذلك العشق المجازي إلى عشق حقيقي. وبخلاف هذا نكون ممن قال الله تعالى في حقهم ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.[47])).[48]  

ويقول أيضا: ((إن الإنسان يبدي حرصاً شديداً نحو المال والجاه، ولكنه يرى أن ذلك المال الفاني الذي هو أمانة بيده مؤقتاً، وذلك الجاه الذي هو مدار شهرة ذات بلاء، ومصدر رياء مهلك، لا يستحقان ذلك الحرص الشديد. وعند ذلك يتوجه إلى الجاه الحقيقي الذي هو المراتب المعنوية ودرجات القرب الإلهي وزاد الآخرة، ويتوجه إلى المال الحقيقي الذي هو الأعمال الأخروية. فينقلب الحرص المجازي الذي هو أخلاق ذميمة إلى حرص حقيقي الذي هو أخلاق حميدة سامية)).[49]

هذه هي أهم الحلول التي قدمها الهدي النبوي للمشاكل الاقتصادية في كل زمان ومكان، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الحيل في الكسب وجمع المال واستثماره بالطرق المحرمة. مع العلم أن الرسول الله عليه وسلم قال: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القيامةِ حتّى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ".[50]

 

المبحث الرابع: المشاكل السياسية – أسبابها- وحلولها في المنهج النبوي من خلال رسائل النور.

إنّ المشاكل السياسية في هذا العصر تكمن في الأمور التالية:

توكيل السلطة إلى غير أهلها، واستغلال السلطة في الظلم وتحقيق المصالح الشخصية، وانتشار الكذب والتزوير، وانتشار البطالة والجرائم الإنسانية، وفقدان الحريات العامة.

أما أسباب هذه المشاكل فيمكن تلخيصها فيما يلي:

منها: البعد عن المنهج النبوي المبني أساسا على العدالة المحضة بين كل أفراد المجتمع.

ومنها: الاستبداد بالحكم.

ومنها:  سوء التدبير.

ومنها: تفشي الرشوة والمحسوبية.

حلول هذه المشاكل في الهدي النبوي من خلال رسائل النور:

إنّ السياسة الشرعية التي أسّسها المصطفى عليه الصلاة والسلام مبنية أساسا على العدالة، وتدبير شؤون الأمة الدينية والدنيوية بما يضمن مصالحها الدنيوية والأخروية. إنها العدالة المحضة حسب تعبير بديع الزمان سعيد النورسي، وهي التي سار عليه الخلفاء الراشدون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

إنها السياسة التي تضمن الحقوق العامة، وتختار الرجلَ المناسبَ للمكان المناسب بعيدة من الاستبداد والمحسوبية والرشوة والتزوير. إنها السياسة العادلة التي يكون فيها الاختيار لمن اتفقت عليه الأمة أو أولو العلم والنهى من الأمة.

هذا النوع من السياسة هو الذي أشار إليه النورسي في جوابه عن سؤال: ما حقيقة الوقائع التي دبّت في صفوف المسلمين في عهد سيدنا علي رضي الله عنه؟ وماذا نسمي أولئك الذي ماتوا وقُتلوا فيها؟ حيث قال: ((إن معركة الجمل التي دارت رحاها بين سيدنا علي رضي الله عنه وجماعته من جهة، وبين طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين من جهة أخرى، هي معركة بين العدالة المحضة والعدالة الإضافية (النسبية). وتوضيحها كالآتي:

لقد جعل سيدنا علي رضي الله عنه العدالةَ المحضة أساساً لسياسته في إدارة دفة الحكم، وسار بمقتضاها على وفق اجتهاده وبمثل ما كان الشيخان يسيران عليه من قبله. أما معارضوه فقد قالوا: إنّ  صفاء القلوب وطهارة النفوس في عهد الشيخين كانا ملائمين وممهّدين لكي تنشر العدالة المحضة سلطانها على المجتمع، إلاّ أنّ دخول أقوام متباينةِ الطبائِعِ والاتجاهاتِ وهم على ضعف الإسلام بمرور الزمن في هذا المجتمع، أدّى إلى وضع عوائقَ مهمّةً إزاءَ الرغبةِ في تطبيق العدالة المحضة، فغدا تطبيقها صعباً، لذا فقد اجتهدوا على أساس بالعدالة النسبية التي هي اختيار لأهون الشرين)).[51]

إنّ المشاكل السياسية، ولا سيما التي هي من قبيل الفتنة الاجتماعية، علاجها لا يكون بالقوة ولا بعزل السلطة. وإنما يكون بإصلاح ذلك المجتمع الذي دبّت فيه الفتنة، وتنوير الأفكار المختلفة حتى تتجانس فتتعانق ثم تتعايش في ظل عدالة محضة، أو نسبية على الأقل. يقول النورسي ضمن جوابه السابق: ((إنّ مقاومة تلك الفتن وإزالتها هي بمواجهتها بإصلاح ذلك المجتمع وتنوير الأفكار المختلفة، وليس بكشف قلة من المفسدين)).[52]

كفانا الله شر الفتن، وحفظنا من منكرات الأخلاق، وجعلنا ممن يصلحون في الأرض ولا يفسدون. أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث، وأن يكتب له التوفيق في خدمة أهداف هذا المؤتمر العلمي النوري.

 

خاتمة

لقد أتيت بحمد الله تعالى وتوفيقه على ما قصدت التنبيه عليه في هذا البحث المتواضع الذي يعتبر في الحقيقة اقتباسا من نور الكتاب والسنة. حيث أشرت إلى المشاكل النفسية والأخلاقية وأسبابها في هذا العصر ثم أوردت الحلول من الهدي النبوي عبر نصوص من الكتاب والسنة على ضوء كليات رسائل النور. ثم أردفت ذلك بالمشاكل البيئية وأسبابها والحلول من الهدي النبوي على ضوء كليات رسائل النور. ثم أتبعت ذلك بالمشاكل الاقتصادية وأسبابها والحلول من الهدي النبوي على ضوء كليات رسائل النور. ثم ذيلت ذلك بالمشاكل السياسية وأسبابها وحلولها من الهدي النبوي على ضوء كليات رسائل النور. فتمخضت عن ذلك النتائج التالية:

  1. إنّ أهم أسباب المشاكل النفسية والأخلاقية في هذا العصر، هو البعد عن هدي الأنبياء والمرسلين، وسوء استغلال وسائل الإعلام الحديثة، ودعوى التحرر والحرية الزائفة، وقلة الحياء.
  2. إنّ التشريع الإسلامي قد عالج المشاكل النفسية والأخلاقية بمنهج الترغيب والترهيب، وذلك ببيان مفاسد هذه الأخلاق السيئة وآثارها على الفرد والمجتمع في دينه ونفسه وعقله وعرضه، ثم طَرْحِ البديلَ في مقابل تلك الأخلاق السيئة، والتدرج بأصحابها نحو الكمال الإنساني بعرض الآثارِ الحميدةِ للأخلاقِ الفاضلةِ على الفرد والمجتمع، والعاقبةِ الحسنةِ التي أُعِدَّتْ لأصحابها.
  3. وإنّ أهم علاج للمشاكل النفسية يكمن في شيئين: أحدهما: التوكل على الله تعالى والتحلي بالصبر. والآخر: الدعاء والسؤال ثم القناعة بالعطاء، والشكر عليه والثقة برحمة الرزاق الرحيم.
  4. إنّ حياة الإنسان بين المسرّةِ والمضرّةِ هي كالمرآة التي من خلالها تتجلّى أسماء الله الحسنى وصفاته العليا. كالرحيم، والرزاق، والشافي..الخ
  5. إنّ المشاكلَ البيئيّةَ نتجت عن البعد عن الهدي النبوي الذي جعل النظافة من الإيمان، ومنع تجاوز الحد في استغلال الطبيعة. كما نتجت عن فقدان الشعور بالمسئولية، وعن التكاثر في الأموال.
  6. إنّ كُلَّ شيء في الكون مجنّد لطاعة الله تعالى بالتسبيح والسجود، وفق نظام إلهي دقيق. وذلك يستلزم المحافظةَ على المحيط الإنساني من نبات وجماد وبر وبحر؛ لأن بالمحافظة عليها ينتظم سير الحياة، فيستحق الإنسانُ بالفعل منصبَ الاستخلاف، الذي يوجب البناءَ لا الهدمَ، والصلاحَ لا الفسادَ، والرفقَ والرحمةَ لا العنفَ والقسوةَ.
  7.  إنّ المشاكل الاقتصادية في هذا العصر نتجت عن البعد عن المنهج النبوي في النظام المالي المبني على التكافل، والعمل من أجل تحقيق رغبات الآخرين بحكم الأخوة الإيمانية. كما نتجت عن الطمع والجشع، وانتشار الربا، وفقدان الرحمة والرأفة. والتنافس في جمع المال.
  8.   إنّ الكسب الحلال في النظام المالي الإسلامي يرتقي إلى درجة العبادات. وأنّ السؤال حرام على كل قادر على العمل إلا من استثناهم الشارع. فيجب بذلك على القادرين الإنفاق على المحتاجين، والبحث عنهم من أجل النفقة.
  9. إنّ المال أمانة بيد الإنسان، وسيسأل عنه يوم القيامة من أين اكتسبه وفيما أنفقه.
  10. إنّ رزق الإنسان في هذه الحياة مقدّر بمقدار لا يتجاوزه قيدَ أُنملةٍ، فلا داعي للحيل والمراوغات والكذب والخيانة في طلب المال وجمعه.
  11. إنّ المالَ الحقيقيَّ هو الأعمال الأخروية التي يدخرها الإنسان لنفسه للحياة الأبدية. وإنّ الجاهَ الحقيقيَّ هو المراتب المعنوية ودرجات القرب الإلهي وزاد الآخرة. وليست تلك الشهرة العابرة التي مهما عَلَوْتَ بها فارقتها يوما بالموت.
  12. إنّ المشاكلَ السياسيةَ في هذا العصر نتجت عن البعد عن الهدي النبوي المبني أساسا على العدالة المحضة. كما نتجت عن الاستبداد وسوء التدبير..الخ.
  13. إنّ السياسة العادلة هي التي تعمل على تدبير شؤون الأمة الدينية والدنيوية بما يضمن مصالحها الدنيوية والأخروية.
  14. إنّ الفتنَ الاجتماعيةَ والسياسيةَ لا تُحَلُّ إلّا بإصلاح ذلك المجتمع الذي دبّت فيه الفتنة، وتنوير الأفكار المختلفة حتى تتجانس فتتعانق ثم تتعايش في ظل عدالة محضة، أو نسبية على الأقل. وليس بكشف قلة من المفسدين في ظل تلك الفتن.

هذا ما تيسر في هذا المقام والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يكتب له القبول والنفع في خدمة هذا المؤتمر النوري.

 

 

توصيات

لقد ظهر لي وأنا أعد هذا البحث أن أذيّله ببعض التوصيات التي أراها من الأهمية بمكان، وهي:

  1. إيجاد مركز متخصص في البحث عن الحلول الإسلامية الواقعية لمشاكل هذا العصر.
  2. إحداث تنظيمات شبابية تقوم بتنوير أفكار الشباب في الجامعات والمؤسسات التعليمية وفقا لمنهج رسائل النور الذي يجعل المظاهر الكونية ناطقة وشاهدة على صدق المنهج النبوي.
  3. تنظيم مؤتمرات متخصصة حول مشاكل هذا العصر سنويا، ولا سيما في البيئات التي انتشر فيها الفساد في العالم.

-------------------------------

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم برواية حفص.
  • المراجع المختلفة:
  1. الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني. مسند الإمام أحمد. تعليق شعيب الأرنؤوط. ط. وسنة (بدون). مؤسسة قرطبة – القاهرة.
  2. البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي. صحيح البخاري (الجامع الصحيح المختصر). تحقيق الدكتور مصطفى ديب البغا. ط. الثالثة. 1407هـ/ 1987م. دار ابن كثير – بيروت.
  3. بديع الزمان سعيد النورسي. كليات رسائل النور. الكلمات. والمكتوبات. واللمعات. النسخة الإلكترونية.
  4. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى. السنن الكبرى. تحقيق محمد عبد القادر عطا. ط.(بدون) سنة 1414هـ/1994م. مكتبة دار الباز- مكة المكرمة.
  5. الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي. سنن الترمذي (الجامع الصحيح). تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون. ط. وسنة (بدون). دار إحياء التراث العربي – بيروت.
  6. ابن خزيمة أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة السلمي النيسابوري. صحيح ابن خزيمة. تحقيق د.محمد مصطفى الأعظمي. ط. وسنة (بدون). المكتب الإسلامي- بيروت.
  7. الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب. المعجم الكبير. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. ط. الثانية، سنة 1404ه/ 1983م. مكتبة العلوم والحكم- الموصل.
  8. النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري. صحيح مسلم (الجامع الصحيح). ط. وسنة (بدون). دار الجيل – بيروت.

 

-------------------------------

[1] -السنن الكبرى. للبيهقي. كتاب الشهادات. باب بَيَانِ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَمَعَالِيهَا. ج10. ص191.

[2] - صحيح مسلم. كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. بَابُ النَّارُ يَدْخُلُهَا الْجَبَّارُونَ وَالْجَنَّةُ يَدْخُلُهَا الضُّعَفَاء. ج4. ص2186.

[3] - سورة الإسراء. الآية (32).

[4] - سورة النور. الآية (2).

[5] - سورة الأعراف. الآية (80- 81).

[6] - سورة الحجر. الآية (73- 74).

[7] - صحيح البخاري. كتاب الإيمان. بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق. ج1. ص16. وكتاب الشهادات. بَابُ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الوَعْدِ. ج3. ص180. وكتاب الوصايا. بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ]مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ[. سورة النساء: (11). ج4. 4. وصحيح مسلم. كتاب الإيمان. بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِق. ج1. ص78.

[8] - صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ. ج1. ص70.

[9] - سورة طه. الآية (124).

[10] - سورة الزخرف. الآية (36).

[11] - سورة الحديد. الآية (13).

[12] - كليات رسائل النور. لبديع الزمان سعيد النورسي. الكلمات. الكلمة الثانية. النسخة الإلكترونية. ص4.

[13] - المرجع السابق. ص4-5. بتصرف.

[14] - صحيح البخاري. كتاب الأدب. باب الحذر من الغضب. ج5. ص2266.

[15] - صحيح مسلم. كتاب الحيض. باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ فِى الْحَدَثِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّىَ بِطَهَارَتِهِ تِلْكَ. ج1. ص190.

[16] - صحيح مسلم. كتاب المساجد. باب السَّهْوِ فِى الصَّلاَةِ وَالسُّجُودِ لَهُ.. ج2. ص82.

[17] - سورة الإسراء. الآية (32).

[18] - سورة الأعراف. الآية (157).

[19] - سورة الأعراف. الآية (56، 85).

[20] - سورة طه. الآية (131).

[21] - صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ. ج1. ص76.

[22] - صحيح البخاري. كتاب المظالم. باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات. ج2. ص869. وصحيح مسلم. كتاب اللباس والزينة. باب النَّهْىِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ وَإِعْطَاءِ الطَّرِيقِ حَقَّهُ. ج6. ص165.

[23] - صحيح البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وبيعة العقبة. ج3. ص1412.

[24] - صحيح البخاري. كتاب الأدب. باب قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) سورة التوبة. الآية (119) وما ينهى عن الكذب. ج5. ص2261. وصحيح مسلم. كتاب البر والصلة والآداب. باب قُبْحِ الْكَذِبِ وَحُسْنِ الصِّدْقِ وَفَضْلِهِ. ج8. ص29.

[25] - صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب التواضع. ج5. ص2384.

[26] - صحيح البخاري. كتاب التوحيد. بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ]وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[.  آل عمران، الآية (28). ج9. ص121. و بَابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّه. ج9. ص157. وصحيح مسلم. كتاب الدعاء والذكر والتوبة والاستغفار. بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى. ج4. ص2061. وبَابُ  فَضْلِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. ج4. ص2067.

[27] - كليات رسائل النور. لبديع الزمان سعيد النورسي.  الكلمات.  الكلمة السابعة. ص21.

[28] - المرجع السابق. المكتوبات. المكتوب الخامس. ص23.

[29] - المرجع السابق. اللمعات. اللمعة الثانية. النكتة الثانية. ص8. بتصرف.

[30] - سورة العنكبوت، الآية (10).

[31] - مسند الإمام أحمد. ج4. ص333. من حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

[32] - كليات رسائل النور. لبديع الزمان سعيد النورسي. المكتوب التاسع. ص36.

[33] - سورة الروم. الآية (41).

[34] - سورة الإسراء. الآية (44).

[35] - سورة النحل. الآية (48- 49).

[36] - سورة الحج. الآية (18).

[37] - كليات رسائل النور. لبديع الزمان سعيد النورسي. الكلمات. الكلمة العاشرة. الصورة الثانية عشرة. الحقيقة الثانية: باب الكرم والرحمة. ص59.

[38] - المرجع السابق. الكلمات. الكلمة العاشرة. الصورة الثانية عشرة. ص54- 55.

[39] - صحيح البخاري. كتاب البيوع. باب كسب الرجل وعمله بيده. ج2. ص729.

[40] - سنن الترمذي. كتاب الأحكام. باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده. ج3 ص639.

[41] - صحيح البخاري. كتاب الزكاة. باب الاستعفاف عن المسألة. ج2. ص535. و باب قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا)  سورة البقرة (273). وكم الغنى. ج2. ص536. وكتاب البيوع. باب كسب الرجل وعمله بيده. ج2. ص730.

[42] - صحيح ابن خزيمة. باب الدليل على أن شهادة ذوي الحجا في هذا الموضع هي اليمين إذ الله عز و جل قد سمى اليمين في اللعان شهادة. ج4. ص65. 

[43] - سورة يونس، الآية (72). وسورة هود، الآية (29). وسورة سبأ، الآية (47).

[44] - كليات رسائل النور. لبديع الزمان سعيد النورسي.  المكتوبات. المكتوب الثاني. ص11. بتصرف.

[45] -كليات رسائل النور. بديع الزمان سعيد النورسي. الكلمات. الكلمة العاشرة. الحقيقة الثانية: باب الكرم والرحمة. ص59.

[46] - صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب ما يتقى من فتنة المال. ج5. ص2364.

[47] - سورة الحشر، الآية (19).

[48] - كليات رسائل النور. بديع الزمان سعيد النورسي.  المكتوبات. المكتوب الأول. السؤال الرابع. ص9.

[49] - المرجع السابق. المكتوب التاسع. ص36.

[50] - المعجم الكبير. للطبراني. ج20. ص60. من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وشعب الإيمان. للبيهقي. ج3. ص 278.

[51] - المرجع السابق. المكتوبات. المكتوب الخامس عشر. ص59.

[52] - المرجع نفسه. ص58.

 

 


32-) طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية

 

 

طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية

والأحوال الشخصية

 

أ.د. علي بن حسين موسى      

كلية الشريعة وأصول الدين     

جامعة الملك خالد – أبها- السعودية.

 

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد..

فالنبوة مشتملة على علوم وأعمال هي أشرف العلوم وأشرف الأعمال على الإطلاق، وبها سعادة الدنيا والآخرة، وسأكتفي في عرض ضرورة النبوة للبشرية وطرق إثباتها بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية بما أورده الإمام بديع الزمان النورسي؛ فقد طرح عدة تساؤلات بدأها بقوله: نعم يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس، مثل هذا الرسول الكريم، كلزوم الضوء للشمس لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياء كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام. ومن تلك التساؤلات قوله:

فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟

أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بواسطة يلفت الأنظار إليها؟

أم هل يمكن لمن زين هذا الكون بمخلوقات معبرة عن كمال أسمائه الحسنى وجعله قصراً رائعاً وجمله ببدائع صنعته المذهلة، وعرضه على الأنظار، ثم لا يكل أمر إيضاحه إلى مرشد معلم رائد؟

أم هل يمكن أن لا يبين مالك هذا الكون بواسطة رسول، ما الغاية من تحولات هذا الكون، وما القصد من هذا الطلسم المغلق؟ وأن لا يجيب بواسطته عن الأسئلة الثلاثة المستعصية بالموجودات وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ومن تكون؟ وغيرها من التساؤلات ثم ختم ذلك بقوله: وهكذا فإن هناك دلائل أخرى زيادة على ما تقدم كلها براهين قاطعة تبين وظائف النبوة ومهامها، وتوضح أن الألوهية لا تكون إلا برسالة.([1])

ومن خلال هذه التساؤلات تظهر أهمية النبوة وأنها ضرورية للبشرية؛ إذ بها تتحقق عبودية الخالق سبحانه وتعالى، ويستحيل أن يترك الخلق بدون رسول يعلمهم كيف يعبدون الله سبحانه وتعالى وما لهم في الآخرة من الأجر العظيم والفوز بالجنة.

وهذا البحث يحاول أن يجيب على التساؤل والذي مفاده هل النبوة تثبت بالدلائل العقلية أم أن هناك دلائل أخرى تثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال رسائل النور.

وجاء هذا البحث مشتملاً على مقدمة، ومدخل للدراسة، ومبحثين، وخاتمة.

وهو على النحو الآتي:

المقدمة : وتشمل أهمية الموضوع،  وخطة البحث.

مدخل الدراسة وفيه:

        أولاً: التعريف بمصطلحات البحث.

        ثانياً: أقسام دلائل النبوة.

المبحث الأول: الدلائل العقلية على ثبوت صدق النبوة.

المبحث الثاني: الأحوال الشخصية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.

الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

 

مدخل الدراسة

أولاً: التعريف بمصطلحات البحث:

  أ- معنى الدلائل:

الدلائل لغة: جمع دلالة بالفتح والكسر، وهي العلامة والأمارة. يقال: دله على الطريق يدله دَلالة ودِلالة، ودلولة، والفتح أعلى.([2])

وفي الاصطلاح: دلائل النبوة: هي الأدلة التي تعرف بها نبوة النبي الصادق، ويعرف بها كذب المدعي للنبوة من المتنبئين الكذبة.([3])

ب - معنى النبوة:

النبوة في اللغة: مشتقة إما من (النبأ) أو (النباوة) أو (النبوة) أو (النبي)([4]) ؛ فإذا كانت مأخوذة من (النبأ) فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر. وإذا كانت مأخوذة من (النباوة أو النبوة)؛ فتكون بمعنى الرفعة والعلو؛ لأن (النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع). أما إذا كانت مأخوذة من (النبي) بدون همز، فيكون معناها الطريق إلى الله عز وجل؛ لأن معنى "النبي" الطريق.

والنبوة تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة إخبار عن الله عز وجل، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهى الطريق الموصلة إلى الله سبحانه.

أما النبوة في الاصطلاح: " فهي خبر خاص يكرم الله عز وجل به أحدا من عباده؛ فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد"([5])

"فالله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم، ويحرضونهم على هدايتهم، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلونهم على طريق النجاة. وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم،  ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم." ([6])

ج -  مفهوم الأحوال الشخصية للنبي:

أحوال النبي الشخصية: يقصد بها القرائن والأحوال التي تعرب عن النبي وتعرف به، وقد عبر "الإمام النورسي عن تلك الأحوال بعبارة موجزة فقال: " هو كالشمس يدل على ذاته بذاته"([7])

 

ثانياً: أقسام دلائل النبوة:

لقد تحدث الإمام النورسي عن دلائل النبوة في مواطن عدة من رسائل النور، وأطال في شرحها وأورد الأدلة العقلية، والبراهين الساطعة على صدق النبوة، والمتأمل في أقواله يلحظ أنه قسم تلك الدلائل إلى أقسام عدة ويمكن إيجازها في الآتي:

1ـ الإشارات في الكتب السماوية  بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

2ـ الإرهاصات عند مولده وقبل نبوته صلى الله عليه وسلم

3ـ المعجزات المصاحبة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي وقعت في حياته صلى الله عليه وسلم

4ـ الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي جامعة لسعادة الدارين.

5ـ دلائل النبوة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.

6ـ دلائل النبوة في أمور خارج عن ذاته الشريفة (الحوادث التي أخبر عنها في الماضي والحاضر والمستقبل).

7ـ ما أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب من تغيير وتبديل للعقول والنفوس والطبائع، فشكل دولة عظيمة وبنا مجتمعاً ربانياً في زمن قصير، بحيث لو اجتمع مائة من الفلاسفة وأعطوا مائة سنة ما فعلوا جزءاً من مائة جزء مما فعله هذا النبي الأمي، وهذا دليل على نبوته.

وما يؤكد هذا التقسيم لدلائل النبوة ما أورده الإمام النورسي في الرشحة الثانية من الكلمة التاسعة عشر في الكلمات ما نصه: " تصدقه مئات إشارات الكتب السماوية من بشارات التوراة والإنجيل والزبور وزبر الأولين، وكذلك تصدقه رموز ألوف الإرهاصات الكثيرة المشهورة، كذلك تصدقه دلالات معجزاته من أمثال شق القمر، ونبعان الماء من الأصابع كالكوثر، ومجيء الشجر بدعوته، ونزول المطر في آن دعائه، وشبع الكثير من طعامه القليل، وتكلم الضب والذئب والضبي  والجمل والحجر، إلى ألف من معجزاته، كما بينه الرواة والمحدثون والمحققون ... وكذلك تصدقه الشريعة الجامعة لسعادة الدارين".([8])

وما قرره الإمام بديع الزمان النورسي في رسائل النور من أن الدلائل على صدق  نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتنوعة وليست محصورة في المعجزات، يدل على سعة علمه وإطلاعه، وفهمه العميق لما سطره علماء المسلمين الأوائل كالإمام البيهقي وغيره .

وخلاصة ما أورده علماء المسلمين من تقسيم لدلائل النبوة يمكن حصره في قسمين رئيسيين:

القسم الأول: يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات.

القسم الآخر: يعتمد على النظر في شخص النبي وأحواله وأخلاقه ودعوته ووقائع سيرته.

وقد اتخذ الإمام النورسي منهجاً متميزاً مجملاً في قبول تلك الآثار، والوقائع، والأحوال وفهمها فهماً صحيحاً موافقاً لما كان عليه سلف الأمة؛ حيث يتلخص منهجه في قبول تلك الدلائل إلى أن منها ما هو  قطعي الثبوت، ومنها ما هو متواتر تواتراً معنوياً.

 

المبحث الأول: الدلائل العقلية على ثبوت صدق النبوة.

لقد اهتم الإمام بديع الزمان النورسي بالأدلة العقلية على ثبوت صدق النبوة، اهتماماً بالغاً واستنبط أدلة عقلية جديدة لم يسبق إليها ـــ حسب علمي ـــ ومن تلك الأدلة:

قوله: "ما دام حسن الصنعة موجودا في الكون، وهو أمر قطعي كما يشاهد، يلزم إذا ثبوت الرسالة الأحمدية صلى الله عليه وسلم، بقطعية يقينية بدرجة الشهود؛ لأن حسن الصنعة، وجمال الصورة في هذه المصنوعات يدلان على أن في صانعها إرادة تحسين، وطلب تزيين في غاية القوة، وإرادة التحسين وطلب التزيين يدلان على أن في صانعها محبة علوية، ورغبة قدسية؛ لإظهار كمالات صنعته التي في مصنوعاته، وأن تلك المحبة والرغبة تقتضيان قطعاً تمركزهما في أكمل وأنور المصنوعات وأبدعها، ألا وهو الإنسان؛ ذلك لأن الإنسان هو الثمرة المجهزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وأن الثمرة هي أجمع جزء وأبعده من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي.

فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل، والماثل في حضوره؛ ذلك لأنه يصرف كل نظره العام، وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه، وإلى استحسان صنتعه، وتقديرها وإلى شكر آلآئه ونعمه؛ فبالبداهة يكون ذلك الفرد هو المخاطب المقرب والحبيب المحبوب"([9])

وقد أفاض ـــ رحمه الله ـــ كثيراً في هذا النوع من الأدلة العقلية على ثبوت صدق النبوة في أكثر من موطن في رسائل النور. اقتصرت على واحدٍ منها خشيت الإطالة.

وممن تحدث عن الأدلة العقلية في ثبوت صدق النبوة من علماء المسلمين الأوائل الإمام ابن حزم في كتابه الشهير: (الفصل) فقال: معلوم عقلاً أن إثبات حدوث الأشياء، وأن لها محدث لم يزل واحداً لا مبدأ له و لا كان معه غيره، ولا مدبر سواه، ولا خالق غيره ؛فإذ قد ثبت هذا كله، وصح أنه تعالى أخرج العالم كله إلى الوجود بعد أن لم يكن بلا كلفة، ولا معاناة، ولا طبيعة، ولا استعانة، ولا مثال سلف، ولا علة، موجبة ولا حكم سابق قبل الخلق، يكون ذلك الحكم لغيره تعالى، فقد ثبت أنه لم يفعل إذ لم يشأ وفعل إذ شاء كما شاء، فيزيد ما شاء وينقص ما شاء، فكل منطوق به مما يتشكك في النفس أولاً يتشكك فهو داخل له تعالى في باب الإمكان، إن الممكن ليس واقعاً في العالم وقوعاً واحداً ألا ترى أن نبات اللحية للرجال ما بين الثمان عشرة إلى عشرين سنة ممكن وهو في حدود الإثني عشر سنة إلى العامين ممتنع، وأن فك الإشكالات العويصة، واستخراج المعاني الغامضة، وقول الشعر البديع، وصناعة البلاغة الرائقة، ممكن لذي الذهن اللطيف، والذكاء النافذ، وغير ممكن من ذي البلادة والشديدة والغباوة المفرطة ؛ فعلى هذا ما كان ممتنعا بيننا؛ إذ ليس في بنيتنا ولا في طبيعتنا، ولا من عادتنا؛ فهو غير ممتنع على الذي لا بنية له، ولا طبيعة له، ولا عادة عنده، ولا رتبة لازمة لفعله؛ فإذ قد صح هذا، فقد صح أنه لا نهاية لما يقوى عليه تعالى؛ فصح أن النبوة في الإمكان، وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة؛ إلا أنه شاء ذلك ؛فعلمهم الله تعالى العلم بدون تعلم، ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له ([10])

واستدل بوجود أنواع العلوم في حياة البشرية؛ كالطب والفلك، وعلوم اللغة وأنواع الصناعات واستخراج المعادن والحراث والحصاد وكل هذه العلوم موجودة في تاريخ البشرية، ويستحيل الاهتداء إليها بدون دراية وتعلم؛ فلا بد من إنسان علمه الله تعالى تلك العلوم والصناعات، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الوحي وهي النبوة.

قال ابن حزم  ــــ رحمه الله ــــ مقرراً ذلك من خلال وجود أنواع العلوم والصناعات:  أن الله تعالى ابتدأ العالم ولم يكن موجودا حتى خلقه الله تعالى ؛ فبيقين ندري أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه فيما بيننا دون تعليم كالطب ... وكعلم النجوم ... وكاللغة وكالحرث والحصاد ... واستخراج المعادن ونحو ذلك، وكل هذا لا سبيل إلى الاهتداء إليه دون تعليم ؛فوجب بالضرورة.

ولا بد أنه لا بد من إنسانٍ واحدٍ فأكثر علمهم الله تعالى ابتداءً كل هذا دون معلم لكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة؛ فإذاً لا بد من نبي أو أنبياء ضرورة.([11])

وقال أيضاً: أن كل من لم يشاهد تلك الصناعات ويعلم تلك العلوم؛ فإنه لا يهتدي إليها إلا بتعلم، وتعليم؛ فكل من لم يشاهد هذه الأمور لا سبيل له إلى اختراعها البتة؛كالذي يولد وهو أصم؛ فإنه لا يمكن له البتة الاهتداء إلى الكلام، ولا إلى مخارج الحروف، وكالبلاد التي ليست فيها بعض الصناعات، وهذه العلوم المذكورة ...لا يمكن البتة  اهتداء أحد منهم إلى علم لم يعرفه، ولا إلى صناعة

لم يعرف بها؛ فلا سبيل إلى تهديهم إليها البتة حتى يعلموها، ولو كان ممكناً في الطبيعة التهدي إليها دون تعليم لوجد من ذلك في العالم على سعته، وعلى مرور الأزمان من يهتدي إليها ولو واحداً وهذا أمر يقطع على أنه لا يوجد، ولم يوجد وهكذا القول في العلوم ولا فرق...؛ فصح بذلك أنه لا بد من وحي من الله تعالى في ذلك.([12])

ومن الأدلة العقلية: أن الإنسان بحاجة إلى تعلم وتعليم حتى في بعض الأمور البسيطة، كدفن الميت ؛ فلم يهتد الإنسان إلى ذلك إلا بتعليم من الخالق سبحانه وتعالى،  ففي قصة ابني آدم برهان ودليل على ذلك؛ فعندما قتل أحدهما الآخر لم يهتد إلى مواراة سوءة أخيه ؛فبعث الله عز وجل من يعلمه كيف يواري سوءة أخيه؛ فاقتضى ذلك ضرورة أن الله قد بعث أنبياء، وأن هؤلاء الأنبياء قد علموا الناس أمور معاشهم ومعادهم. قال تعالى: ﴿ وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ٱبنَي ءَادَمَ بِٱلحَقِّ إِذ قَرَّبَا قُربَانا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ ٱلأخَرِ قَالَ لَأَقتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللهُ مِنَ ٱلمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ ٱللهَ رَبَّ ٱلعَٰلَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثمِي وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ  فَطَوَّعَت لَهُۥ نَفسُهُۥ قَتلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصبَحَ مِنَ ٱلخَٰسِرِينَ * فَبَعَثَ ٱللهُ غُرَابا يَبحَثُ فِي ٱلأَرضِ لِيُرِيَهُۥ كَيفَ يُوَٰرِي سَوءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَٰوَيلَتَىٰ أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَٰذَا ٱلغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوءَةَ أَخِي فَأَصبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ﴾ ]سورة المائدة:27ــ31[

وبناءً على ما تقدم من ثبوت النبوة بالأدلة العقلية، والبراهين الساطعة قبل مجيء الأنبياء عليهم السلام، وأنها واقعة في حد الإمكان،  فوجوبها بعد وقوعها ومعرفة الأدلة على صدق مدعيها من باب أولى. "بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبته للظلم والسفه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،  بل جحداً للرب بالكلية وإنكار،  وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب...، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب على الله، وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أوليائه واستمرت نصرته عليهم دائماً، والله تعالى يقره على ذلك، ... فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم

ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم، لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالاً للصالحين. إذ لا يليق بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد"([13])

 

المبحث الثاني: الأحوال الشخصية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

قرر كثير من علماء المسلمين أن دلائل النبوة ليست محصورة في المعجزات، بل هي من جملة أدلة صدق النبوة، قال ابن أبي العز الحنفي ـــ رحمه الله ـــ : والطريقة المشهورة عند أهل الكلام، والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات...، وقرروا ذلك بطرق مضطربة ...، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لكن الدليل غير محصور في المعجزات فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة ما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه :

لو لم يكن فيه آيات مبينة                كانت بديهته تأتيك بالخبر. ([14])

وكذلك بين الإمام الغزالي أن معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يحصل بها اليقين فقال: "فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء، والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم،  وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً،  معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما؛ فيحصل لك علم ضروري بحالهما، فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يحصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة".([15])

وهذا ما أكده الإمام النورسي في رسائل النور في أكثر من موطن من أن دلائل النبوة ليست محصورة في المعجزات بل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية وسجاياه العالية، وصفاته النبيلة وأخلاقه الفاضلة من أهم دلائل ثبوت صدق النبوة فقال: " كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقه الدلائل الأنفسية،  إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق ... وكذا جمع شخصيته المعنوية في وظيفته أفاض جميع السجايا الغالية والخصال النزيهة ..." ([16])

إلى آخر ما أفاض في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أوجز ذلك في عبارة بليغة قدم بها الكلمة التاسعة عشرة فقال: "وما مدحت محمداً بمقالتي ولكن مدحت مقالتي بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فالشمائل المحمدية التي تفوق الحسن هي التي جملتها." ([17])

ويكفي في ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى مدح نبيه بمدح لم يمدح به نبياً سواه فقال عز وجل:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم ﴾ ]سورةالقلم:4[، وفسرت عائشة رضي الله عنها خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: ( كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ )([18])

 وقد جمع الله له مكارم الأخلاق كما في قوله تعالى: ﴿ خُذِ ٱلعَفوَ وَأمُر بِٱلعُرفِ وَأَعرِض عَنِ ٱلجَٰهِلِينَ ﴾ ]سورة الأعراف: 199[

قال جعفر بن محمد: " أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية،  وقد ذكر أنه لما نزلت هذه الآية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لجبريل عليه السلام ما هذا ؟ قال: لا أدري حتى أسأل. فسأل ثم رجع إليه فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"([19])

وقد بين الإمام النورسي في الكلمة الحادية والثلاثين أن الأعداء والأولياء اتفقوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتصف بمكارم الأخلاق، ومحاسنها، وتعامله مع أصحابه وأعدائه أكبر دليل على ذلك فقال: "لقد اتفق الأعداء والأولياء بما لا ريب فيه أن ما يتحلى به صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الفاضلة هو في أسمى الدرجات، وأن ما يتصف به من سجايا حميدة في دعوته هو أعلى المراتب تشهد بذلك معاملاته وسلوكه مع الناس، وأن شريعته الغراء تضم أكبر الخصال الحسنة، تشهد بذلك محاسن الأخلاق في دينه القويم. "([20])

فأخلاقه الكريمة، وأحواله الشخصية من أكبر الدلائل على صدق نبوته، وهو الذي دفع خديجة بنت خويلد (أم المؤمنين رضي الله عنها) للدخول في الإسلام لأنها تعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الصادق الأمين، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ــ رضي الله عنهاــ أنها قالت: (...دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ؛ قَالَ لِخَدِيجَةَ أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ قَالَتْ خَدِيجَةُ كَلاَّ أَبْشِرْ فَوَاللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؛ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ،  وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا ...)([21])

فخديجة ـــ رضي الله عنها ـــ قد استدلت بمحاسن أخلاقه من صلته للرحم، وصدقه في الحديث، وحمله للكل، وإكرام الضيف، والإعانة على نوائب الحق على صدق نبوته؛ فكان هذا سبباً لدخولها في الإسلام.

ومن الأدلة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم ما استدل به هرقل من أن مكارم أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله، وصفاته، وأحوال من آمن به دليل على صدق نبوته؛ كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ،  وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: لاَ قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ : فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ: لاَ وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ،  وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿ قُل يَٰأَهلَ ٱلكِتَٰبِ تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَاءِ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلَّا نَعبُدَ إِلَّا ٱللهَ وَلَا نُشرِكَ بِهِۦ شَي‍ٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابا مِّن دُونِ ٱللهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُواْ ٱشهَدُواْ بِأَنَّا مُسلِمُونَ ﴾ ]سورة آل عمران:64[

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ." ([22])

وقد بين هرقل أن ما اتصف به الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق النبيلة وما يأمر به من عبادة الله تعالى، والتحذير من الشرك، وعبادة الأوثان وما يأمر به من الصلاة، والصدق، وحفظ الوعود والعهود، والعفاف... ونحو ذلك من أعظم الأدلة على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي موطن آخر بين ابن أبي العز أن دلائل النبوة كثيرة ومتنوعة فقال: " إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم - علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة:

منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك، وبقاء العاقبة لهم.

ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، - كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم - عرف صدق الرسل.

ومنها أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق"([23])

 

الخـــــــــــــاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد..

فبعد هذه الرحلة الماتعة مع رسائل النور ومن خلال البحث في "طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية" توصل الباحث إلى نتائج من أهمها :

1ـ أن استنباطات بديع الزمان النورسي في إثبات دلائل النبوة جديدة ومبتكرة، ولم يسبق إلى بعضها ــــ حسب علمي ـــ وهذا يدل على ذكائه الحاد وسعة اطلاعه وعلمه وفهمه للعلوم الشرعية، وتأملاته العميقة في الكون.

2 ـ من الطرق العقلية في إثبات النبوة : معلوم عقلاً إثبات حدوث الأشياء،  وأن الله خالقها ؛ فإذا قد صح هذا فقد صح أن النبوة في الإمكان وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة ؛ فعلمهم العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له.

3ـ وجود أنواع العلوم والصناعات في حياة البشرية وتاريخها يستحيل الاهتداء إليها بدون دراية وتعلم؛ فلا بد من إنسان علمه الله تعالى تلك العلوم والصناعات، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الوحي وهي النبوة.

4ـ أن دلائل إثبات النبوة ليست محصورة في المعجزات، وإنما هناك دلائل أخرى، وهي ما عبر عنها الإمام النورسي حينما قال: هو كالشمس يدل على ذاته بذاته.

5ـ اتفاق علماء المسلمين على أن دلائل النبوة منها ما يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات. ومنها ما يعتمد على النظر في شخص النبي وأحواله وأخلاقه ودعوته ووقائع سيرته. وهو ما أكده الإمام النورسي في رسائل النور.

 

من أهم التوصيات التي يراها الباحث

ـــــ الاهتمام بقراءة رسائل النور، والوقوف على استنباطات وتأملات واجتهادات الإمام النورسي، وترجمتها إلى مناهج عملية تطبيقية تستفيد منها الأمة المحمدية في حياتها العلمية والعملية.

 

----------------------

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

  1. ابن ابي العز : القاضي علي بن علي بن  محمد، شرح العقيدة الطحاوية،  تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي، شعيب الأرنؤوط، (ط/1، مؤسسة الرسالة ــــ بيروت، 1408هـ / 1988م)
  2. ابن حزم : أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل،(وبهامشه: الملل والنحل) للإمام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني،  ( الناشر: مكتبة الخانجي ــــ القاهرة).
  3. ابن حنبل: أحمد ابن حنبل، مسند  أحمد بن حنبل، تحقيق: السيد أبو المعاطي النوري،  (ط/1، عالم الكتب ـــ بيروت،  1419هــ ــــ1998م).
  4. ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون،  مقدمة ابن خلدون .
  5. ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم  مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ( دار الفكر ــــ 1399هــ ــــ 1979م)
  6. ابن قيم الجوزية،  تهذيب مدارج السالكين ،  تهذيب: عبد المنعم صالح العلي العربي، (دولة الإمارات العربية المتحدة،  وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف).
  7. ابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب،( ط/1،دار صادر ـــ بيروت، 1410هــ ــــــــ 1990م)
  8. البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، الجامع الصحيح، ( حسب ترقيم فتح الباري)، ( دار الشعب – القاهرة،  الطبعة : الأولى،  1407 – 1987)
  9. البيهقي، شعب الإيمان،  رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بتحقيق: فالح بن ثاني.
  10. الرازي: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح،  تحقيق: محمود خاطر، (طبعة جديدة، مكتبة لبنان ناشرون ـــ بيروت، 1415هــ ـــ 1995م)
  11. راضي: ياسر إسماعيل راضي، النبوة وضرورتها للإنسانية في القرآن بمنظور رسائل النور، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
  12. الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي،  المنقذ من الضلال، تحقيق: محمد محمد جابر، (المكتبة الثقافية - بيروت / لبنان )
  13. الفوزان: صالح بن فوزان بن عبد الله،  الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، (ب:ت)
  14. النورسي: بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الكلمات)، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي،  (ط 2،  دار سوزلر ــــ القاهرة،  1412هـ ـــــ 1992م).

 

 

------------------------

[1] ـ انظر: الكلمات ، الكلمة العاشرة ، الإشارة الثانية ، ( ص62-63)

[2]- انظر: لسان العرب، مادة: (دلل)، (11 /249 ) ، و مختار الصحاح ، مادة: (د ل ل )، (218)

[3] - الفوزان: صالح بن فوزان بن عبد الله ، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ،(ص166)

[4] - انظر: لسان العرب، مادة (نبأ) ، (1/162- 163)، ومعجم مقاييس اللغة، (5/ 384ـ 385).

[5] -  البيهقي، شعب الإيمان ، الباب الثاني من شعب الإيمان ، (ص 275).

[6] - ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون،  مقدمة ابن خلدون ، (ص38)

[7] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر ، (ص255)

[8] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر، الرشحة الثانية: (ص255)

[9] ـ الكلمات : الكلمة الثامنة عشر ، النقطة الثالثة ، (ص252)

[10] ـ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ،(1/66) بتصرف.

[11] ـ الفصل :(1/64ــــ65) بتصرف.

[12] ـ الفصل: (1/ 65) بتصرف.

[13] ـ شرح العقيدة الطحاوية، (1/153ـ154)

[14] ـ شرح العقيدة الطحاوية ، ( 1/140) بتصرف

[15] ـ  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، (ص55ـ56)

[16] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر ، (ص255ــــــ256)

[17] ـ الكلمات ، (ص254)

[18] ـ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ـــ رضي الله عنها ــ ،(ح 24601)، (6/91)

[19] ـ تهذيب مدارج السالكين ، (ص413)

[20] ـ الكلمات ، (ص 689)

[21] ـ أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها ، ك: بدء الوحي ، ب:ماودعك ربك وما قلى، (ح 4953 ) ، (ج6/ص215).

[22] ـ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ، ك: بدء الوحي ،( ح 7) ، (ج1/ص5)

[23] ـ شرح العقيدة الطحاوية ،(ص 115ـ116)

 

 


33-) العمل الإيجابي وأهميته في حياة المسلمين

 

العمل الإيجابي وأهميته في حياة المسلمين

 

أ.د عمّار جيدل               

كلية العلوم الإسلامية          

– جامعة الجزائر1 بن يوسف بن خده –

ملخّص البحث:

يعرف العالم الإسلامي في ظل الظروف الراهنة كثيرا من مظاهر التزاحم المشروع، والذي تحوّل بفعل غياب الانتماء إلى الأمة والوطن في التصرفات إلى مصدر تهالك على إشباع الحاجات المادية والمعنوية الفردية على حساب الأمة والمجتمع والوطن، فشاع فينا داء "نفسي نفسي" ومرض" أنا مالي"[1] فكانا منبعين رئيسين للمهلكات، فتحوّل التزاحم المشروع في أصل وضعه إلى مصدر بلاء.

تحوّل التزاحم إلى تكسير عظام المتخالفين لبعضهم البعض، حتى غدت ساعة الحرية ساعة فوضى بامتياز، وغدا التشهير بالمخالف مسلكا أساسيا في التعامل مع المخالف الفكري والمسلكي، في وضع هذا شأنه نحن بحاجة إلى الاستفادة من خبرة علمية وعملية لثقافة العمل الإيجابي، ذلك أنّها دعوة للبذل قدر الطاقة لأجل الصالح العام مرضاة لله تعالى، والإفادة من كلّ المكوّنات فيما تحسن الخوض فيه والإفادة به.

تنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها: إنّ المجتمعات المفتقدة لثقافة العمل الإيجابي تتآكل طاقاتها ومكاسبها وقواها المادية والمعنوية، بحيث يتفنن أهل الوطن الواحد في كيفية منع بعضهم بعضا من بذل أي معروف أو عمل مفيد لحركة تنمية المجتمع والوطن والأمة، فينصب الجهد على منع المخالف من تأطير الواقع فكريا واجتماعيا.

تحاول الورقة المقدّمة بين أيديكم بيان الأثر السلبي لغياب ثقافة العمل الإيجابي، وأهمية استحضار ثقافة العمل الإيجابي في التعامل الإيجابي مع الحاضر وصناعة المستقبل.

مقدمة:

     تعد رسائل النور [2]_التي صنّفها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي[3]_ في حقيقة أمرها ووفق ما أراد صاحبها جامعة بديلة عن المدرسة التي تمكَّن منها خللٌ طرأ على أهلها في أوضاعهم العلمية والأدبية والأخلاقية إضافة إلى أوضاعهم الإيمانية أو الدينية بصفة عامة، لهذا كانت رسائل النور في وضعها الأصلي برنامج تلك الجامعة، ونظرا لعدم التمكّن العملي من تنفيذ مشروع تلك الجامعة، فقد تحوّل برنامجها المعروف برسائل النور إلى جامعة حرة مفتوحة متنقّلة.

والرغبة في معالجة وضع تسترعي معرفته تيسيرا لإصلاحه، نعرف حال الإسلام والمسلمين من خلال السؤال عن الأسباب التي دعت الأستاذ النورسي إلى التفكير في تأسيس تلك الجامعة (الزهراء)، وهو سؤال في حقيقة الأمر عن الأسباب الداعية إلى التفكير في وضع رسائل النور. وهل مازالت تلك الأسباب قائمة، فتبقى قيمة رسائل النور كبيرة لبقاء مبررات نشأتها ماثلة أمامنا ؟

الضرورات المنهجية لمعالجة الموضوع في إطار فسحة زمنية مقدّرة لإلقاء المحاضرة، فرضت عرض تشخيص أوضاع العالم الإسلامي كما صوّرتها رسائل النور، ثم التعريج على العلاج كما صوّره بديع الزمان[4]، فنعرض قضيتين في شكل متداخل يفي بالغرض ويستجيب للاختصار المركّز الذي تفرضه المؤتمرات العلمية.

تؤكّد مقاصد[5] رسائل النور أنّ القصد الأكبر منها هو خدمة الإنسان مقصد مقاصد رسائل النور، ذلك أنّ الإنسان هو المحور الرئيس الذي تدور عليه الرسائل، فهو مراعى في صياغة الرسائل ولغتها وأساليبها وأمثلتها وتفاصيل مواضيعها...، والإنسان المراعي في جملة ما أشرنا إليه هو ابن عصره ومصره، يتأثّر بأوضاعه ويؤثّر فيها، وبالرغم من تأثير المعطيات اليومية والعامة الزمنية على تفكيره في الواقع، وإظهار تنزيل الفهم في تدبير الشأن العام والخاص، وما يفرضه من تغيّر مستمر في تدبير التصرفات في الظروف العادية وظروف التزاحم، إلاّ أنّ هذا لا يغني عن التركيز على العمل الدؤوب على استعادة الإنسان أصل ما خلق مزوّدا به وخلق باستعداد لقبوله، وهذا ما رمت رسائل النور إلى تحقيق القول فيه، تمكينا له من القلوب والعقول وعملا على تجليته في شعاب الحياة، حدّدت رسائل النور المقاصد الكلية للدين[6] وفق ما استشفها الأستاذ بديع الزمان من القرآن الكريم، يستفاد من العرض التفصيلي لمقاصد رسائل النور حال المسلمين أنفسهم وحال الإسلام[7] كما يعرضونه أو يتجلى للآخرين من رؤى المسلمين وتصرفاتهم، لهذا فعرض المقاصد الكلية لرسائل النور ثري بالإشارة إلى المتطلّبات النظرية والعملية في سياق اللحظة الحضارية الراهنة.

فقد المناعة الحضارية: هيمنة العمل السلبي.

إذا فقد الإنسان الشعور بالانتماء للأمة والمجتمع والوطن أصبح عرضة لفقد المناعة الحضارية، وفقدُ المناعة الحضارية المكتسب أساس تجنّد الإنسان في مقدمة الفيلق المسيء لنفسه وأمته ومجتمعه ووطنه، ذلك أنّ حبه لنفسه أفقده الحَمِيَّة الوطنية والدينية والاجتماعية، فلا يهمه أمر البلاد والعباد بقدر ما تهمه نفسه، تلك هي أهم أعراض المرض الخطير الذي أصاب الأمة في مقاتلها، أشار إلى ذلك الأستاذ بديع الزمان في جملة الرسائل وبأساليب مختلفة.
يمكن ومن زاوية وظيفية أن نستشف بمسلك استقرائي أنّ عصرنا تميّز –بحسب تعبير الأستاذ النورسي- بهيمنة العمل السلبي وتضييع العمل الإيجابي والإرهاب والعنف والفوضى والاستبداد والظلم إضافة إلى غيبوبة تسمّت صحوة، بسبب الإيمان المهدد داخليا وخارجيا زيادة إلى المحاولات الملحّة لإبعاد المسلمين عن دينهم من خلال إبعادهم عن القرآن الكريم، ولا شك أن تلك المحاولات قد تعددت صورها وتنوّعت أساليبها في أيامنا الأخيرة، وأتت أُكُلَها للأسف الشديد، بسبب خوف الناس والسلطة الحاكمة من المتديّنين، وبسبب عرض المتدينين لدينهم عرضا غير موفّق، حتى غاب عن العقول التفكير في الضمانات الواقعية لعدم تغوّل البعض على البعض، بصرف النظر عن الألوان الفكرية والسياسية، الخَطْبُ عام في تعامل المخالف مع مخالفه، السلبية تملأ الآفاق، وبالرغم من التساوي في العنجهية والتعسّف والسلبية التي  هي منظار لا يرى من خلاله المصاب بفقد المناعة الحضارية غير سلبيات الآخرين، ويصرف النظر عن إيجابياتهم،  قد تكون هذه الخلال الخسيسة في غير المتديّنين أظهر وأشدّ مما عليه عند المتدينين بالإسلام، إلاّ أنّ هذا لا يمنع من تحميل المسؤولية الأكبر للفصيل الأخير، ذلك أن من منطلق العمل الإيجابي فإنّ اللوم ينصبّ أساسا على خَدَمَةِ الإيمان أكثر مما ينصب على جهود الآخرين، لأنّهم أحرى بمعرفة وضعهم في التخطيط للدعوة وحماية مكاسبها، ومعرفة جيّدة بطريق العرض المراعية لظروف الناس العامة والخاصة في التفكير والتدبير والتبليغ، مع معرفة لما فقدناه في دنيا التدين، وخاصة فقد الصلة بين الإيمان والأخلاق، والذي أصبح بسببه الانتماء غير مثمر، كأنّه مجرد كلمات تلاك ثم ترمى، فضعفت الأخوة والمحبّة والتضحية والاتّحاد، مما سهّل طريق تمكّن كثير من الأمراض الاجتماعية.

هذا حال المسلمين منذ أمد ليس بقصير، والوضع على حاله، ومما يزيد هذا التحليل والتشخيص أهمية اتّساع رقعة تلك النقائص، فقد كانت في بداية أمرها محدودة المساحة إلا أنّها في أيامنا الأخيرة استشرت وعمّت، بحيث لا تجد بلدا من بلاد المسلمين بمنأى عن الوقوع في أسرها أو شراكها، لهذا عدّ تشخيصه عاما ومُعَرّفا بحال بلاد المسلمين قاطبة، وللتشابه الكبير الذي يكاد يصل حدّ التطابق في تشخيص حالنا، عدّت وصفته صالحة لمختلف البيئات الإسلامية بحكم التشابه المشار إليها، كما أنّ مردّ ذلك التشابه راجع إلى صور عرض الإسلام (محرّك الوعي وأساس التعامل مع الكون والحياة والموالف والمخالف...) ومؤسسات استنساخ أنموذج الإنسان كمؤسسات تبليغ الدين وعرضه والمنظومة التربوية والاجتماعية والسياسية والقانونية والفنية والرياضية...

التشخيص: أسباب فقد المناعة الحضارية المكتسب.

شاع بين الناس أنّ الإنسان الذي أزفت أيامه في الحياة الدنيا على الانتهاء، يكون سريع الخطو إلى تطليق دنيا الناس وقصر جهده على ما ينتظره في الدار الآخرة، وهذا شأن من يعيش لنفسه، أمّا من يعيش لأمّته؛ فإنّه يستصحب بتصرّفاته قبل أقواله سنّة النبي (صلى الله عليه وسلّم)، فيتجاوز الأنانية وينادي بملء فيه متأسيا بسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) :"أمتي، أمّتي"[8]

وقد كانِ الأستاذ بديع الزمان النورسي متمثّلا التوجيهات النبوية الكريمة، فضمّن آخر درس ألقاه في الحياة الدنيا[9] توجيهات تبيّن حال الأمّة الإسلامية والخلل الطارئ على تصوّراتها وتصرّفاتها.

ولو أردنا أن نلخّص تلك الأمراض التي أصابت الأمة، لوجدناها ما زالت بيننا تمدّ بعناصر البقاء للرعونة في تصوّراتنا وتصرّفاتنا، ولعلّ أهمّها على رأي النورسي، ما ملخّصه النقاط الآتية:

 تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي.

أهمية العمل الإيجابي:

    يولّد تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي الانشغال عن المبادئ المهددة، فتتهيّأ النفوس للغفلة عن إنقاذ الإيمان، ومن ثمّ تضييع وظيفة الخدمة الإيمانية، بسبب ضياع الإخلاص التام، وشيوع التخريب المعنوي.

لم تأت هذه الأمراض الفتّاكة من فراغ، بل صنعناها في مؤسساتنا الاجتماعية واستنسختها منظوماتنا التربوية المتجلية في مؤسسات التعليم العام والتعليم الديني على الخصوص؛ فكانت بالفعل والقول مسوّقات تلك التصوّرات والتصرّفات.

يستشف من مبررات إنشاء مدرسة الزهراء (الجامعة التي تمثّل رسائل النور برنامجها)[10] أنّ الخلل الطارئ على الأمّة نشأ بفعل كسبها وتصرّفات اتباعها، لهذا توقّف الأستاذ عند تلك الأسباب عرضا وتحليلا، ومن زاوية تحيينية  نرى أنّ تلك المبررات مازالت حاضرة بيننا بعناوين مختلفة؛ فمازالت مشكلة التعليم تفرض نفسها، وما زال إهمال المناطق الفقيرة والنائية سببا في توتّر العلاقات بين المركز(السلطة المركزية) والأطراف (مواطن الأقليات أو المنبوذين...)، وزادت المؤامرة على الإسلام استفحالا، وشاعت النـزعات الانفصالية في بلاد المسلمين، وعطّلت المدارس دورها في صناعة الوعي، وتحكّم قلّة قليلة من الأسرة الإنسانية في مصير الأغلبية الساحقة المسحوقة، وتحوّل المؤمنون عن وظيفة الخدمة.

تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي وآثاره التدميرية:

حضور الأستاذ النورسي في المشهد الثقافي والتربوي أكبر من أن يستدلّ عليه؛ فعباراته الواردة في درسه الأخير، تؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّنا أمام شخصية منفصلة جسمانيا عن المجتمع[11]، تعيش نوع عزلة شعورية، قلبها يتقطّر شفقة على المجتمع والأمة، ولكن من غير أن يكون منساقا لدواعي الأيام  ومتطلبات الحياة العادية فضلا عن الرغيدة، يتألّم لآلام المجتمع وتضييعه لآماله، فأكبر الآلام جاءته من إحساسه المرهف بما آل إليه أمرنا، ورغبته الأكيدة في استعادة الأمة لحضورها أمام ربّها عبادة متجلية في شعاب الحياة، وتُرى تطهيرا للعقول وتعميرا للقلوب والأرض.

 وليس للأمة استعادة هذه الوظيفة الربانية ما لم تزل من طريقها ملوّثات البيئة الفكرية[12]، تطهير البيئة عمل يتّصل بوعيها بما تعيشه من سلبيات خطيرة؛ فمن ذلك تنبيه الأستاذ إلى خطورة العمل السلبي على الأمة في حاضرها ومستقبلها، لما يقتضيه من عناية بأقوال وأعمال المخالفين أكثر من العناية بالبذل العملي الميداني، يشير إلى ذلك المعنى قول الأستاذ:

"إنّ وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام."[13]

ومن مقتضيات العمل الإيجابي السعي الدؤوب للقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله، وهذا يفرض التجمّل بالصبر والتقلّد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة[14]، وغني عن التأكيد أن لفظ البناءة يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ المطلوب هو تجاوز العمل السلبي بعمل يضيف قيمة مضافة للعمل المكتسب، إنّها تعني البناء لا الهدم وتهدف إلى تحقيق الاتصال والابتعاد عن الانفصال بكل معانيه وأبعاده، وفي ذلك مسلك حياة ومنهج تبليغ.

إنّه مسلك ينأى بالملتزم به ولا سيما الذين هيمن عليهم التشوّف إلى تصفية القلب لله عما سوى الله، عشّاق الحرية بمعناه الوظيفي المحرر من أسر التعلّق بالدنيا ومفاتنها رغبة في تعميرها طلبا لتمام الرضا الإلهي، وهؤلاء هم الذين سُكِنَتْ قلوبهم بخدمة الأمة، وقد عمل الأستاذ برسائل النور على غرس ثقافة العمل الإيجابي المؤسس على عشق خدمة الأمة والتمتّع بنفعها، فكانت رسائل النور بفضل الله مانعة من الوقوع تحت طائلة المضاعفات الثانوية لتغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي، فعملت الرسائل على دفع كلّ ما من شأنه تعريض حاضر الأمة ومستقبلها للخطر، فكانت للأستاذ عناية ببيان المضاعفات الخطيرة لشيوع العمل السلبي، ولعل من أهمّها:

أ – ضياع الأمن والاستقرار:

ضياع الأمن والاستقرار نظرا لما يتطّلبه العمل السلبي من نقد ومطارحات ونقاشات، وهي أفتك الوسائل في تصفية الخصومات بعنوان الموضوعية، ولو فكّر المزاولون للنقد في جدواه وأهميته بالنسبة لحاضر الأمة ومستقبلها لابتعدوا عن كثير من قضايا النقاش، ولو فكّر في المسألة بإيجابية لأمكن تجاوز النقد بالعمل الإيجابي، والذي من ثمراته المباشرة الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، لما يفرضه من عمل بنّاء يؤسس للتواصل وينشد تحقيقه بكل أبعاده.

وقد ضرب الأستاذ النورسي أروع الأمثلة في العمل الإيجابي، رغم تهيّئ الجو للعمل السلبي، فقال متحدّثا عن نفسه:

     "أقول متخذًا من نفسي مثالاً: إنّني لم انحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث. فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما إنّني لم أعر أيّة أهمية على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والإعدام. وطوري هذا تجاه القواد الأربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط. إلاّ أنّني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله. بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل."[15]

ومن ذلك أنّه رحمه الله لم يدع بسوء حتى على المدعي العام الذي اتخذ ضدّه قراره الجائر بالرغم من أنّه قد اثبت أخطاءه البالغة واحداً وثمانين خطأً.[16]

المسألة الأساسية في هذا الزمان هي العمل الإيجابي الذي طريقه الجهاد المعنوي، وإقامة السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.

ب- خوف الحكّام:

يحذّر الأستاذ النورسي من الاغترار بقوّة مسلك العمل الإيجابي واستعماله في غير تأمين الأمن الداخلي، ذلك أنّ وظيفته الأساسية هي الإعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما يملك من قوة. لهذا السبب لم يشتغل الأستاذ بما يخلّ بنظام الأمن، وكانت تصرّفاته سعيا دؤوبا لدفع خوف الحكام و أنصارهم من جهة، وسعيا إلى التحقق بالحرية التي هي مطلب الجميع خدمة للبلاد والعباد.[17]

ج – الانشغال بالمعارك الهامشية عن المعركة الأصلية:

نسجّل في البداية أنّ العمل السلبي يشغل المهتمين بالدعوة عن المعارك المصيرية، ويسلمهم إلى معارك هامشية، المنتصر فيها منهزم، بالنظر إلى ضياع معركة المصير، وانشغالا بأولوية الأولويات سعى بديع الزمان إلى تطمين الحكّام على ملكهم ودفع خوفهم من المتديّنين[18]، وبهذا الصدد تراه يؤكّد أنّه ليس من مقاصد رسائل النور أو أهدافها في العصر الحاضر الاشتغال بالسياسة، إذ تتلخّص المعركة في تحطيم الكفر المطلق الذي يعدّ أس أساس الفوضى والاستبداد والتأسيس للأمن و النظام و الحرية والعدالة.[19]

صرّح بديع الزمان بهذه المعاني في سياق مرافعته عن رسائل النور فقال رحمه الله: "أيها البائسون!.. إن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة، بل تقوم بتحطيم الكفر المطلق - الذي أسفله الفوضى وأعلاه الاستبداد المطلق - وتفتيته وردّه على أعقابه. ..تسعى رسائل النور إلى تأسيس الأمن والنظام والحرية والعدالة في هذا البلد."[20]

د – الابتعاد عن مواطن التهمة:

تدل تصرّفاته رحمه الله على تبني ذلك المسلك في التغيير، إذ تأسيسا لمعاني طلب الأمن والحرية والنظام والعدالة، تجده ينأى بنفسه عن أن يكون هدفا للاتّهام بالتعلّق بالدنيا و مفاتنها، لهذا تجده من منطلق الحكمة في التبليغ يتهرّب تهرّبا شديدا وينفر من التعرّض للسياسة والحكم، بالرغم من امتلاكه قوّة الحق ما يسمح له بالدفاع عن حقه بجدارة وكفاءة، تؤكّدها إشارته الرائعة إلى مقتضيات تغييب العدالة بالرغم من عزوفه عن الخوض في السياسة، وعزاءه في ذلك أنّه مادام كل شيء زائلاً وفانياً ومادام الموت موجوداً والقبر لا يزال فاغراً فاه، ومادام الأذى ينقلب إلى رحمة، فإننا نفضل أن نصبر ونتوكل على الله ونشكره ونسكت. أما محاولة الإخلال بسكوتنا وهدوئنا بالإكراه بإيقاع الأذى بنا فإنها تناقض كل مفاهيم العدالة والغيرة الوطنية والحمية الملية.[21]

هـ – قلب الموازين:

- غيبوبة تسمّت صحوة:

ينأى العمل السلبي بأصحابه عن رؤية القضايا بموضوعية؛ يقلبُ هذا المسلك المحكّم التصوّرات وتهيمن عليه تشوّهات ظاهرة، فلا يرى الأمور على ما هي عليه في الواقع، وذلك من منطلق الرغبة الجامحة في تدمير الآخر، عِوض الانشغال بالبناء.، ذلك أنّ مواقفها تعبّر عن ردود أفعال أكثر مما تعبّر عن حركة ذاتية مؤسّسة على معرفة جيّدة بالمعطيات وتفاعلها مع الواقع.

المصلح الإيجابي حينما يسجّل خللا في التصوّرات وانحرافا في الفعل، يسعى جاهدا إلى تحصيل صحوة تتجاوز الوعي الراهن الذي من مكوّناته عقلية العمل السلبي، ثم التأسيس لوعي يستوعب الراهن بجميع مكوّناته المادية والمعنوية، ويستلهم من القرآن دواءه، ذلك هو مسلك المصلحين الرساليين عبر الزمان.

جعل بديع الزمان التأسيس لصحوة إسلامية راشدة مقصدا رئيسا من مقاصد رسائل النور، ذلك ما ورد في الرسائل:" أجل إن الهدف الذي كان يصبو إليه ...منذ نعومة أظفاره والأمل الذي كان يحدوه ...هو حصول صحوة إسلامية تعم العالم الإسلامي.

أثبت الأستاذ تبني هذا المسلك الإيجابي في مباحثاته مع مئات العلماء في كثير من الأماكن التي حلّ بها حتى حيّر السياسيين. ولم تغادره هذه المسؤولية الجسيمة والمهمة الثقيلة والشوق الدائم قط. فكان يأمل أن يكون الإعلان عن الحرية والمشروطية في خدمة الشريعة الغراء، ويكون ذلك تباشير سعادة الأناضول والعالم الإسلامي قاطبة.

وأكّد تبني ذلك المسلك بلسانه وقلمه؛ فألقى الخطب في ضوء ذلك الأمل وكتب المقالات بغية تحقيقه، وظهر ذلك أيضاً في مؤلفاته ولاسيما في السنوحات، واللمعات وغيرهما مما ألّفه في تلك المرحلة، وكان لا يتوانى في التصريح أن أعظم صوت مدوٍ في المستقبل هو صوت القرآن العظيم."[22]

مهاجمة العلماء المخالفين:

يتوقّف أنصار العمل السلبي كثيرا عند نقد المخالفين دون نظرٍ في المضاعفات الثانوية لتلك الهجمات، إذ قد نهيّئهم بتلك التصرفات للانخراط في سلك المناوئين لأصالة الأمة وميراثها.

سعى الأستاذ إلى بيان عدم جدوى هذا المسلك، فأكّد على ضرورة تجاوز مسلك البحث النظري المجرّد؛ إذ بيّن بأحواله قبل مقاله أنّ الميل إليه صرف للطاقات في غير أبوابها، يشهد لهذه المعاني قوله: "إخواني ! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض إلجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر ضرورة، بدون علم وعملوا وفقها....فلا تتحرشوا بهم وإنْ كان المعارضون لنا من العلماء الأئمة."

ويضرب النورسي أروع أمثلة العزوف عن مهاجمة أمثال أولئك العلماء، فقد كانت مواقفه تنبجس منها ثقافة العمل الإيجابي، وفي هذه المعاني قال:

"إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الإيجابي وأتحمّل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم."

ويؤكّد ذلك المعنى في قوله:" إنّنا لا نلتفت إلى الدنيا، فإذا ما نظرنا إليها فنحن لا نسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل إيجابي. وبسبب هذه الحقائق وأمثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم."

- الاستجابة لضغوط الزمان:

المتلبّس بالعمل السلبي تقرن أفعاله في الغالب بمحاولات تكييف الموروث الثقافي والحضاري برغبات الغالب المحلي أو الدولي الوقتي الراهن، ويصل أحيانا الرغبة في التكيّف مع رغبة الغازي؛ فمن ذلك الفهم الخاطئ لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، من ذلك ما حكاه النورسي عن بعضهم، وخاصة في قولهم: "نحن الآن مضطرون. أي أننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: إنّ الضرورات تبيح المحظورات."، فقال الأستاذ مخاطبا تلك الزمرة من المعجبين المخطئين في تقدير الضرورات: "إنّكم منخدعون تماماً؛ لأنّ الضرورة النابعة من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي إن لم تأت الضرورة عن طريق الحرام فلا ضير."

ويزيد الأستاذ المسألة وضوحا بسوق الأمثلة، فقال:"مثلاً: إذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فإنّ الحكم يجري عليه ولا يكون بريئاً بل يعاقب. ولكن إذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما - وهو في حالة الاختلال - فهو معذور ولا يعاقب. لأنه لم يقترف الجريمة بإرادته. وهكذا قلت للقواد والأئمة: أي الأمور تُعد ضرورية مما سوى الأكل والعيش؟. فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً."[23]

و - تضييع الحرية:

التركيز على تبني العمل السلبي يجلب التضييق على التصرّفات، ذلك أنّ الحكام أو من يقوم مقامهم يضيقون ذرعا بالعمل السلبي، بل سيكون العمل السلبي سببا في التضييق على العمل الإيجابي النابع من مصادر أخرى، فينال المجيد عقوبة بجريرة المقصّر، ولا يبعد هذا الخطر بغير المرافعة عن الحرية التي تخدم العمل الإيجابي، بل لا يمكن تصوّر عمل إيجابي في غير جو الحرية، لهذا رافع الأستاذ عن الحرية[24] من منطلق التأسيس للعمل الإيجابي والمحافظة عليه؛ فدعا إلى وضع قوانين أساسية تصونها من العابثين والوصوليين والانتهازيين، وتكون تلك القوانين مصونة بالشريعة الغراء، فالعمل على تكوين وعي بضرورة الحرية لا يختلف من حيث القيمة والتأثير عن العمل الإيجابي المؤسس للصحوة نفسها، إذ الخلوص إلى الصحوة يمرّ ضرورة عبر الحرية.

كما تجلى العمل على تأسيس صحوة إسلامية راشدة بإعادة الأمور إلى نصابها، فيعود الإيمان إلى مركزه في صناعة الوعي بالحياة ويكوّن دافع العمل على الخير الإنساني العام، وطريق ذلك إنقاذ الإيمان، وبهذا يكون من أهمّ متطلّبات تحصيل صحوة إنقاذ الإيمان والاعتصام بالقرآن الكريم.

إلاّ أنّ فعالية هذا المسعى تفرض سعيا مستمرا للتحقّق بالجهاد المعنوي وتحقيقه على مستوى الأحوال قبل الأقوال، لهذا يجب التحلي بمقتضيات الجهاد المعنوي.

النتائج المباشرة لتغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي:

1 – الغفلة عن إنقاذ الإيمان وعن الاعتصام بالقرآن:

اعتبر الأستاذ رحمه الله أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم، وفي ذلك أقصر طرق لصد الإلحاد، وحصر الأستاذ نظره في هذا المقصد، ذلك أنّ حماية الإيمان وإنقاذه حماية للأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لهذا فالمرافعة مطلوبة حتى بمنظور وطني، لأنّها وطنية صادقة، ترمي إلى حماية البلاد والعباد من الوقوع في مخالب الأمراض القاتلة كالكفر والإلحاد الذين هم أخطر من طاعون والسل.

وقد كانت تلك المساعي سببا في تكالب أعداء الوطن والدين من الملحدين؛ فاختلقوا الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، وبالرغم من ذلك بقي الأستاذ صلبا شامخا صابرا، يجابه كل ذلك بثقة المؤمن بالله، ومردّ ذلك التحمّل، الإيمان، ذلك المقصد الذي عمل على إنقاذه، فقد كان الإيمان مصدر العمل الإيجابي البناء ومرجعه، وهو المصدر الوحيد والرئيس لتلك الإيجابية.

ويرجع تركيز الأستاذ على عامل الإيمان الفاعل لأنّه أقوى من صولجان السياسة، ويمثّل برنامجا مكثّفا يسع الحياة كلّها، إذ لو كانت لنا مائة من الأيدي لما كفت في حمل النور المنبعث من الإيمان، ذلك الإيمان الذي كان وسيبقى أساس مسلكنا الحاثّ على الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين نعمل عملاً إيجابياً بناءً.[25]

- أهداف إنقاذ الإيمان:

أ – المصالحة بين المدرستين الدينية والحديثة:

المسلك المؤسس على الإيمان كمقصد رئيس في تطعيم الأمّة ضد أمراض الإلحاد مدرسة تُصالح بين أهل المدرستين الدينية والحديثة وأهل الزوايا والتكايا وتجعلهم يتّحدون في خدمة ذلك المقصد، ذلك أنّ الإيمان يحدث بينهم الميل عن التنازع ثم الميل إلى تبادل الأفكار[26] المؤسس للتثاقف الإيجابي.

ب – أقصر طرق الفعالية:

يعتبر بديع الزمان رسائل النور من أهم وأقصر طرق تحقيق مقصد إنقاذ الإيمان وتحقيق الفعالية المنشودة المؤسسة للإيجابية المطلوبة، ذلك أنّها تطبيق عملي للأساس النظري الذي حقق القول فيه، فالعالية تسترد باستعادة الصورة الشاملة للدين، تلك الصورة المؤسسة على الطهارة في كلّ شيء طهارة القلب والعقل والبدن والأعضاء والمكان.

ج – مصدر قيم الخير وصد الشر:

الإيمان مصدر قيم الخير وحائط صدّ الشر من ولوج القلوب والعقول؛ فهو الدافع إلى الشكر والعبادة اللتين تعتبران مدار المقاصد الإلهية في بناء تعمير الكون ولا سيما الإنسان الذي هو أفضل عنصر في الكون وأفضل المخلوقات إزاء النعم التي جعلت له، يمثّل الإيمان مدار الاستفادة من الكون وعناصره المادية والمعنوية[27]، ذلك المقصد الذي يعدّ بمثابة محرّك سائر المقاصد ولبّ لبابها.

د – أساس التواصل الإسلامي والإنساني:

الإيمان يؤسس للتواصل بين المؤمنين من جهة وسائر مكوّنات الأسرة الإنسانية من جهة أخرى؛ ذلك أنّه رابطة قوية في التأسيس المعنوي لأسمى جمعية وأقدسها في الوقت الماضي والحاضر والمستقبل، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية، وتواصل هؤلاء مع سائر أفراد الأسرة الإنسانية مبناه القيّم المؤسسة للإيمان، تلك القيم التي يرى من خلالها البشر من أسرة واحدة ولا فضل فيها لعربي على أعجمي ولأبيض على أسود، وأنّهم خلقوا للتعارف، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات:13)

هـ :أساس الشكر والعبادة :

أصفى خلاصة مترشحة من الإيمان بجميع مضامينه وأبعاده الوظيفية الشكر والعبادة والحمد والمحبّة، وتعدّ في رسائل النور أهم المقاصد الإلهية في الكون وأهم نتيجة لخلق العالم.[28]

و – التأسيس القلبي والعقلي للشفقة والمحبّة:

تعمل رسائل النور من خلال مقاصدها إلى تجاوز ما شاع تداوله بين البشر من ألفاظ فقدت اجتماعيا معانيها وخاصة مصطلحي المحبّة والشفقة، إذ لا نجد لتلك المعاني في مزاولتنا الاجتماعية سندا من نقل أو عقل أو قلب، فكان منهج الرسائل مؤسسا للفكرة في أصل وضعها؛ فاستصحبت في وضع الرسائل، بل جعلها من غاياتها الرئيسة تأسيسا وتمحيصا، يشهد لهذه المعاني تأكيد بديع الزمان النورسي أنّ منهج رسائل النور يعبّر عن الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة من الوقوع تحت طائلة الاستجابة للاستفزاز الاجتماعي أو المعرفي من خلال قصر الاهتمام على الأمور الجزئية على حساب الأمور الكلية والأساسية، نحو اختصار الهم في المزاولة السياسية نقدا وتمحيصا بل وحتى تأسيسا.

والقضية بهذا الصدد تحتاج إلى تدقيق، فالمسألة المشار إليها قد تكون قضية خطيرة وكلية لها دور أساسي في تزييف الوعي أو تأخير صناعة وعي، إلاّ أنّها بالنظر إلى المسألة الأم تعتبر جزئية، من ذلك مثلا في ظل الظروف الراهنة مسألة الإلحاد؛ فلو قصرنا المعركة على المبتلين بهذا المرض النفسي والمعرفي؛ فإننا سنخسر أبناءهم وربّما أحفادهم، لهذا يؤكّد الأستاذ على أنّ وراء كل فرد من أولئك المبتلين بالإلحاد -واستحقوا بذلك العقاب- عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء. فإذا نـزل بأحد أولئك المبتلين المستحقين للعقاب كارثة أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضا سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه. وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة[29] عن الاهتمام بالمسائل الجزئية على حساب معركة المصير المعبّر عنها بقضية حماية المكاسب الإيمانية والتأسيس لبقائها في المجتمع دون الدخول في معركة قد تعرّض البلاد والعباد إلى ما تحمد عقباه، لهذا يلحّ النورسي على التحليل الذي بموجبه نقدّر الأولويات، وأولوية الأولويات حسب تقديره حماية الإيمان بتثبيته وإثباته إن اقتضى الحال، وفي ذلك أبيَن جواب وأحسنه على الإلحاد عوض الدخول في مهاترات تعرّض طاقات الأمة إلى الضياع أو على الأقل تسهم في صرفها في غير أبوابها.

ح – إنقاذ الإيمان يعطي الحياة معنى:

إنقاذ الإيمان يعطي معنى إيجابيا لكل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن الكبير (الدنيا) أو السجن الصغير المعروف، فيمكن أن يُكسِب المرء ثواب عبادة عشرة أيام من عبادة يوم واحد، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية -من حيث النتيجة- إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين.[30]

يحلّي الإيمان المنقذ الحياة بالرحمة وبذلك تكسب الحياةُ معنى وتشدّ إليها القلوب والعقول بما يخدم تعبيدها لله تعالى؛ فالرحمة وفق ضبط الشرع لها من أدلة القيامة والسعادة الأبدية؛ لأن الرحمة إنما تكون رحمةً، والنعمة نعمةً إذا جاءت القيامة وحصلت السعادة الأبدية. وإلاّ فالعقلُ الذي هو من أعظم النِعَم يكون مصيبةً على الإنسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف أنواع الرحمة تتحولان ألماً شديداً بملاحظة الفراق الأبدي.[31]

ط - إنقاذ الإنسان والاستجابة لحاجاته:

ترمي المقاصد الكلية والجزئية إلى إنقاذ الإنسان، فتستجيب تلك المقاصد لحاجاته، إذ لا يمكن تصوّر عدم استجابة العدالة والحكمة الربانيتين لتلك الحاجة العظمى، حاجة البقاء لأسمى مخلوق وهو الإنسان في حين أنهما تستجيبان لأدنى حاجة لأضعف مخلوق، فهل من الممكن أن تردّا أهم ما يرجوه الإنسان وأعظم ما يتمناه، وألاّ تصونا حشمة الربوبية وتتخلفا عن الإجابة لحقوق العباد؟[32]

وبذلك تعطي للحياة البشرية معنى وتزوّدها بالعناصر الإنسانية في التصرّفات والمقاصد والأهداف المتعلّقة بالحياة الدنيوية نفسها.

ي- تجاوز الهلاك:

إنقاذ الإيمان يؤسس لحائط صدّ معرفي واجتماعي و ...فيؤسس للتطعيم المعرفي والحضاري المانع من هيمنة الفكر المهلك، والمؤسس لتجاوز هذا النمط من التفكير المهلك فضلا عن منع المبتلى بذلك من إهلاك نفسه، لهذا ينصح الأستاذ وبإلحاح بالتعلّق بالدين والعض عليه بالنواجذ فهو حامينا من الهلاك الدنيوي والأخروي، لهذا قال النورسي ناصحا:

"أيها المسلم لا ترخِ يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا وكياننا تجاه الدمار الذي تولّده هذه النتيجة المخيفة لتقدم أوروبا، بل عض عليه بالنواجذ واستعصم به بقوة، وإلاّ فمصيرك الهلاك."[33]

س - تليين القلوب:

ترمي مقاصد رسائل النور إلى تثبيت القلوب وتنشيط عزائم الأتقياء والصالحين وتشدّ على أيديهم؛ فتزوّدهم بالقيم والأصول الميسّرة لتحقيق ذلك الأمر بيسر و وضوح، بل تتجاوز ذلك إلى خدمة كل من دخلها محررا من أفكار مسبقة؛ وهو سرّ فشل أعداء رسائل النور المتسترين في تحمّل تلك الفتوحات النورية، فنبّهوا المسؤولين في الدولة ضد أهل الرسائل، وأثاروهم عليهم، فأصبحت الحياة -مرة أخرى- ثقيلة مضجرة، إلاّ أنّ العناية الإلهية تجلّت على حين غرة، حيث إن المسؤولين أنفسهم -وهم أحوج الناس إلى رسائل النور- بدأوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل الله أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث إنهم بدأوا بتقديرها والإعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتهم هذه النتيجة منافع جمة، إذ هي خير مائة مرة ممّا هم فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما عانوه من اضطراب وقلق. ولكن ما إن مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون -وهم الأعداء المتسترون- نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ونبّهوا أذهانها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون والإرهابيون -وهم واجهة الشيوعيين- حتى إن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد على الأستاذ النورسي وتلاميذه، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.[34]

2 - تضيع وظيفة الخدمة :

تضييع وظيفة الخدمة الإيمانية غفلة ظاهرة عن مقتضيات الجهاد المعنوي كالتغافل عن التكليف والانشغال بالبحث النظري الذي لم تكلّف به، ومن ذلك البعد عن العمل الإيجابي البنّاء وتمثّل العمل الهدّام.

يؤكّد النورسي أنّ وظيفتنا الخدمة فحسب. بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وأنّنا مكلّفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا. وبهذا الصدد يردد الأستاذ قول جلال الدين خوارزم شاه: "إنّ وظيفتي الخدمة الإيمانية، أمّا النصر أو الهزيمة فمن الله سبحانه. وإنّني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم." [35]

ييسّر إنقاذ الإيمان تحرير مجال الفعل الإنساني بدقة متناهية، فتجلي تلك الحقيقة المنقذة مساحة الفعل، وتؤسس للعمل في المساحات المتاحة فعلا والابتعاد عن المساحات غير المطلوبة أو الممنوعة، والقيام بوظيفة الخدمة انسجاما مع العناصر الكونية في شقيها المادي والمعنوي، ذلك أنّ بين العناصر الكونية تكاملا يستغرق الجميع؛ فقد أعطى القدير الجليل كلَّ عنصرٍ من العناصر وظائف كثيرة، ويُنشئ على كلٍ من تلك الوظائف نتائج كثيرة.[36]

- خدمة الإيمان:

تتميّز رسائل النور بإكساب قرائها علما بطريقة مبتكرة أصيلة في تحصيل الحقيقة؛ ذلك أن كلّ تحصيل علمي آخر تكون الغاية من الاستمرار فيه هي المنفعة المادية أو الحصول على موقع ما. بمعنى أنّ الدوام لهذه الدروس لا تكون عن رغبة بل في الغالب للحصول على منافع مادية أو على شهرة. أما رسائل النور فتشبه جامعة حرة مفتوحة، والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.[37]

خدمة الإيمان تيسّر للإنسان تذكّر الغايات والمقاصد لأنّ الإنسان مبتلىً بالنسيان، وأسوأ النسيان نسيانَ نفسه. إلاّ أنّ نسيان النفس إن كان في المعاملة، والخدمة، والسعي، والتفكّر فهو الضلال. وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال. فأهل الضلال، وأهل الهدى متعاكسان في النسيان والتذكر. أما الضال ؛ فينسى نفسه عند النظر للعمل، وتطبيق دساتير الوظيفة، بل يمدّ نظرَه إلى الآفاق لتطمين الأنانية المتفرعنة، وغرورَه المنبسط الذي تضيق عنه النفس. لكن يتذكر نفسه في كل شيء من الغايات فتيلاً أو نقيراً. حتى لا غاية عنده، إلاّ ما يعود إلى نفسه. وأنّ غاية الغايات في نظره، حب ذاته.[38]

ومن مظاهر خدمة الإيمان جعل الهدف المباشر لرسائل النور هو الآخرة، ولا علاقة له بالدنيا إلا بقدر ما ييسّر له العمل على تحقيق مقصد الآخرة، يشهد لهذا قول الأستاذ:" إنّ رسائل النور لا تستهدف الدنيا، بل تستهدف السعادة الأخروية الدائمة وتستهدف نيل رضى الله الباقي الأزلي الرحيم ذي الجلال الذي لا يشكّل الحسن والجمال في الدنيا إلاّ ظلاً خافتاً لجماله ولا تشكّل لطائف الجنة جميعاً إلاّ لمعة من محبته سبحانه. فما دام مثل هذا الهدف الإلهي المقدّس ومثل هذا الهدف السامي موجوداً، فإنني أبرئ رسائل النور وأنزهها ألف مرة من الوقوع في أمور سفلية ومحرمة تؤدي إلى نتيجة كتحريض الناس ضد الحكومة. ونحن نلوذ بحمى الله تعالى من شرور هؤلاء الذين لا يريدون منا أن نتعلم أمور ديننا ولا أن نخدم إيماننا فيفترون علينا مثل هذه الافتراءات لكي يقضوا علينا.[39]

- نيل مرضاة الله:

يحقق السعي إلى الخدمة الإيمانية التهيّؤ لنيل رضا الله سبحانه وتعالى، لأنّ الله هيّأ لنا فرصة اكتساب محبّة الملايين من أهل الحقيقة ودعاءهم وشفاعتهم. وأنّ الحقيقة السامية المسماة بـ "رسائل النور" أمامكم. فهل المراتب والمقامات الدنيوية الفانية والسفلية هي غايتها؟ أم أنّ غايتها هي نيل رضى الله تعالى الذي هو السعادة العظمى والفرحة الكبرى والهناء التي ما بعدها هناء؟

 أو َتحفز كلماتها الإنسان إلى الأخلاق الرديئة والهابطة أم تجهزهم بالإيمان وتجملهم بالفضيلة وبالأخلاق السامية؟ أنتم تجدون رسائل النور أمامكم وهى منبثقة من الإعجاز المعنوي للقرآن المبين الذي هو نور إلهي. فما دام اكتساب الإيمان، والانتقال بهذا الإيمان في الدنيا إلى سعادة الدار الآخرة أهم غاية للإنسان، ومادامت رسائل النور تقدم -بفيض من القرآن- الحقائق الإيمانية وتقرب مئات الآلاف من قرائها ومستنسخيها إلى هذا الهدف، إنّ طلاب النور لا يسعون إلا لنيل رضى الله تعالى وانّه لا هدف لهم سواه.[40]

– بعث الصلة بين الإيمان والأخلاق:

شاع في أدبياتنا الانفصال النكد بين الأخلاق والإيمان، حتى صارت الصلة بينهما مفقودة؛ فتجد الرجل يدندن بكلمات إيمانية لا صلة لها بحياته الشخصية أو الاجتماعية، كأن يكون لسانه لاهجا بذكر الله ولكن عقله وسلوكه في أبعد ما تكون عن تلك المعاني المرددّة باللسان، وقد ظهرت رسائل النور من أجل تجاوز ذلك الانفصال بالتأسيس للتواصل بينهما؛ فجعلت الهدف الوحيد والخدمة الوحيدة لرسائل النور والأستاذ وطلبة النور هي إيفاء خدمة مقدسة للإسلام ولاسيما إيفاء خدمة مقدسة للأمة المسلمة من ناحية الإيمان والأخلاق...، وأنّ إيفاءنا هذه الوظائف هو في سبيل الحصول على رضى الله تعالى...[41] بل نعمل على الاشتغال بالحقائق الإيمانية وحدها[42]  وربطها بالأخلاق، إذ لا معنى لإيمان مفصول عن الأخلاق.

- الأخوة و المحبّة و التضحية:

رسائل النور سعيٌ إلى تحصيل المحبّة والأخوة والتضحية وصورة عملية لتمثّلها، وبهذا تيسّرت لها فرصة تبليغها، ذلك أنّها عملت على التأسيس العملي لجمعية الجنود المؤمنين، وتشمل في عضويتها جميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد كلهم داخلون في هذه الجمعية. والذي يعد من أقدس أهدافها الاتحاد والاخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة الله يمثّل جنود تلك الجمعية مراكزها، لهذا ينصح الأستاذ بالسعي إلى الانتساب إليهم، لأنّ صفّهم الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.[43]

- الاتّحاد بين أهل الإيمان:

صرّح بديع الزمان في أكثر من موضع وبأسلوب صريح -كما هي عادته- أنّ من أهم غايات ومقاصد رسائل النور العمل على توحيد كلمة المؤمنين، ولمّ شملهم لخدمة هدف واحد مؤدّاه خدمة الإيمان نفسه، وطريقه التأسيس العملي للوحدة الشعورية بين المؤمنين أنفسهم؛ فلا يصح أن يبقى المؤمنون مشتتين في أهدافهم وجهودهم، ولهذا المسعى أثر عظيم في استئصال مرض خطير معبّر عنه بقولهم: "مالي وما عليّ فليفكر غيري"، يشهد لهذه المعاني قوله رحمه الله:

" إنّ قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف. إذ كما لا يمكن الاتحاد في المسالك والمشارب فلا يجوز أيضاً، لأن التقليد يشق طريقه ويؤدي إلى القول: "مالي وما عليّ فليفكر غيري".[44]

- دفع الأمراض الاجتماعية بالإيمان:

يدفع الإيمان كثيرا من الأمراض الاجتماعية الفتّاكة، منها على سبيل المثال لا الحصر، مرض الحرص الذي يعدّ من رؤوس البلايا الأخلاقية والاجتماعية، ذلك أنّه كان وسيبقى سببا في تضييع كنـز العيش الهنيء الرغيد ومبعث الراحة في الحياة المنبعث من القناعة، ومن هنا كان الحرص علّة الخيبة ومعدن الخسران والســـفالة كما يتبين ذلك من الحكمة (القناعة كنـز لا يفنى) المستفادة من السنة المطهّرة من نحو ما أخرجه البخاري قال النبي عليه الصلاة والسلام:"‏ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ"، ذلك أنّ الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي؛ لأنّه لو وُجد حرص في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم عليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاص التام قطعاً ولا يمكنه الحصول عليه. فهذه النتيجة ذات أهمية عظمى جديرة بالدقة والملاحظة.[45]

تصون الدفعة الإيمانية من الحسد والمنافسة غير الشريفة، ذلك أنّ من مقتضيات الإيمان أن يتحرر المؤمن من تلك الأمراض، إذ ليس في أمور ديننا أمثال هذه الأمراض، ويرجع منشأ تلك الأسقام إلى تجاوز أو غفلة عن الأبعاد الوظيفية للإيمان، وما يترتّب عنها من تهالك على الشهوات وما ينجرّ عنها من مناقشات وتسابق ثم تزاحم ينتهي بأصحابه إلى الحسد. ولما كانت الدنيا ضيقة ومؤقتة ولا تشبع رغبات الإنسان ومطالبه الكثيرة، وحيث إنّ المتهالكين على الدنيا كثر يتزاحمون على شيء واحد، فالنتيجة إذن السقوط في هاوية الحسد والمنافسة.

ويدفع خطر تلك الأسقام بالتعلّق بالإيمان ومقتضياته وخاصة التفكير العملي في الآخرة وما أعدّ الله فيها للمؤمنين، إنّها فسيحة، بحيث يكون لكلّ مؤمن جنة عرضها السماوات والأرض تمتدّ إلى مسافة خمسمـائـة سنــة، ولكل منهم سبعون ألفاً من الحور والقصور، فلا موجب هناك إذن إلى الحسد والمنافسة قط، فيدلّنا هذا على أنّه لا حسد ولا مشاحنة في أعمال صالحة تفضي إلى الآخرة، أي لا مجال للمنافسة والتحاسد فيها، فمَن تحاسد فهو لاشك مراء أي أنّه يتحرى مغانم دنيوية. [46]

3 – ضياع الإخلاص التام:

يذكر الأستاذ أنّ لهذا العصر مرضاً داهماً. هو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة.

يرى الأستاذ أنّ أوّل درس من دروس رسائل النور الذي تلقاه من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفسحتى يتم إنقاذ الإيمان بتقلّد الإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنّة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية.

ويرى الأستاذ أنّ الذي يختار الإخلاص التام مسلكا لا بدّ أن يتهيّأ للتضحية والفداء، ولا يحقق ذلك مالم يتجاوز الأنانية.

منح بديع الزمان تجاوز هذا المرض الخطير الأولوية المطلقة، تأسيسا للإخلاص التام الذي من مقتضياته خدمة المسائل الإيمانية، ظهر هذا المسلك في أحلك الظروف وأصعبها.

ويعبّر النورسي عن الالتزام بخط الإخلاص التام بتفضيله مسألة إيمانية عن الدنيا وما فيها، ذكر أنّه لو منحت له سلطنة الدنيا لفضّل عنها مسألة إيمانية واحدة باقية. لذا فقد فضّل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة أو في حرف منها في الحرب، وفي الخط الأمامي بين قنابل مدافع الأعداء فأمر طالبه المسمى  حبيب: أخرج الدفتر فأملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي أنّه لم يترك حرفاً واحداً ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل يفضلها على إنقاذ حياته.[47]

4 – شيوع التخريبات الداخلية:

من المهام التي طلب الأستاذ النورسي مجابهتها التخريبات الداخلية التي تسرّبت إلى صفوف الأمّة، وقد أكّد ذلك بعبارات واضحة، قال الأستاذ: "في الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناّء هدفه الحد من الكفر المطلق لدعوته إلى جهنّم المعنوي".

 سعى الأستاذ رحمه الله إلى تحقيق هذا الهدف النبيل بوصفه سدا أمام خطر داهم متعدد الوجوه والأشكال:

- الكفر المطلق مولّد لجهنّم معنوي.

- الكفر المطلق أب الفوضى.

- الكفر المطلق أصل الإرهاب.

- وسيلة المنافقين والزنادقة للحد من أثر الإيمان في الحياة.[48]

و بيّن النورسي أنّ رسائل النور سد أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن، فقد كان الدرس القرآني واقيا من التيار الجارف للإلحاد الذي استولى على دول كثيرة وأقام سداً أمام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم أمام هذا الخطر الداهم.

ومن أثار تلك التخريبات أنّ المسلّم المتحوّل عن دينه يتحوّل إلى إرهابي، لأنّ المسلم الصميم لا يمكن أن يخرج عن الإسلام ويتنصّر أو يتهود أو يكون بلشفيا... لأن النصراني إذا أسلم فإنّ حبه لعيسى عليه السلام يزداد أكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله الإسلام"، ثم يزيد المسألة وضوحا  فيؤكّد بما لا يدع مجالا للشكل على أنّ تحوّل المسلم عن دينه ليس فيه خير لا لنفسه ولا لمجتمعه ولا لبلده ولا للإنسانية، لأنّ المسلم إذا ارتد وحلّ ربقته من سلسلة الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم وتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له أن يدخل أي دين آخر بل يكون إرهابياً. ولا يبقى في روحه أي نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سمّ قاتل للحياة الاجتماعية.[49]

ساهم انتشار رسائل النور بقسط وافر في قطع دابر تلك التخريبات، فكان لها الفضل بعد الله في إنقاذ كثير من أفراد المجتمع -على تنّوع أعراقه- من الكفر والفوضى وساعدتهم على التآخي والوحدة بالرغم من اختلاف الأعراق المكوّنة للأمة، ومساهمتها مازالت حيّة بيننا، إذ تقدّم للإنسانية في العصر الحاضر تعريفا شاملا مجملا بالحقيقة الإسلامية وبذلك تسعف الإنسانية بقارب ينقذها من الإرهاب ويدفعه عنها.[50]

مؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل[51] بين الموالفين في الملة ظاهر، بل يتعداه للتأسيس  على العمل الإيجابي طريقا للتواصل مع المخالفين في الملة المشاركين لنا في الانتماء إلى الأسرة الإنسانية، فنحن مسؤولون عنهم أمام الله إن لم نسعفهم بالعمل الإيجابي على استعادتهم فطرهم التي خلقهم الله مزوّدين بها فأجلتهم الشياطين عنها، العمل الإيجابي نأي بأنفسنا عن القيام بوظيفة صرف الناس عن استعادتهم فطرهم في كلّ جوانبها التوحيدية والعقلية والقيم الإنسانية المشتركة، الإسلام الذي هو الحل لمعضلات العالم بحاجة إلى مسلم هو احل وليس مسلما هو المشكلة، والمسلم الذي على يديه يكون الحل هو المسلم المقتنع عقلا والمتحقق  قلبا بأهمية العمل الإيجابي في تفعيل دور الناس، جميع الناس، في التأسيس لصناعة حضارة إنسانية راشدة، يتفيّأ في ظلالها الوارفة الموالف  والمخالف على السواء.

الخاتمة

يظهر مما سلف بيانه أنّ للعمل الإيجابي أهمية كبيرة في حياة الفرد والجماعة والدولة والأمة، فهو مصدر مهمّ باعث على الاهتمام بالقيمة المضافة المقدّمة للأمة في عالم المعنويات والأفكار والتدبير والتصرفات العامة، يؤسس الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي لتجاوز مرض تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي بحل بسيط واضح وعميق منطلقه بعث العمل الإيجابي والابتعاد عن العمل السلبي، مقتضاه كن إيجابيا بالتصرّف الإيجابي ستدفع العلم السلبي، ومقتضى هذا السعي العمل على إنقاذ الإيمان، وعلى رأس مظاهر هذا المسعى القيام بوظيفة الخدمة الإيمانية، إذ ليس الإيمان مجرّد كلمة تلاك، بل يمثّل برنامجا مكثّفا يسع الأنفاس والحياة في شمولها المادي والمعنوي، الفردي والاجتماعي، العقلي والقلبي...ولا يمكن التحقّق بذلك بغير الإخلاص التام الذي يدفع المتحلّي به إلى تطليق الأنانية ويرشّدها خدمة للصالح العام للأمّة، وبهذا يكون مستعدا لمقاومة التخريبات المعنوية الذاتية التي تمثّلها الأنانية وداء الفرعونية كمجابه التخريبات الداخلية والخارجية التي يمثّلها الكفر المطلق، وطريق ذلك الاستعداد للتضحية من أجل الآخرة من أجل نيل مرضاة الله سبحانه وتعالى.

رأس بعث ثقافة العمل الإيجابي التساؤل عن قصورك وتقصيرك، قبل الفزع إلى مراقبة قصور وتقصير الآخرين، والذي لا يمكن الخلوص إليه إلا بالتجسس على الآخرين ومراقبة أقوالهم وأحوالهم.

 من أراد أن يتغيّر ما حوله، يقال له تغيّر يتغيّر ما حولك من ماديات ومعنويات، تريد أن تعامل بتسامح تسامح، تريد أن تأخذ حقّك قم بواجبك، ولو قام كلّ منّا بواجبه على أكمل وجه ما احتاج أحدنا للمطالبة بحقه، ومجتمع يطالب بالحقوق مع غفلة عن القيام بالواجب يصل به الأمر حدّ الجمود على الأنا، وهو مرض قاتل باعث على مرض " أنا مالي"، من أراد أن يكون موصولا بالحق والخلق، فليصل الحق بالطاعة والخلق بالخدمة، فسترى نتائج عجيبة، العمل الإيجابي يؤسس على الإقرار بما للآخرين من فضل وفضائل، ومن أقررت له بالفضل والفضائل يقر لك  بما لك من فضل وفضائل، وما عندكم من فضل وفضائل بحاجة إلى تفعيل لاكتشاف ما لا تملكون من فضل وفضائل مستودعة عند الآخرين، والتفكير في قومة أمّة يحتاج تدبيرا رأسه الإقرار بحقيقة موضوعية مفادها أنّ القومة الكلية المؤسسة للحضارة بحاجة إلى الكلّ، ولا يمكن إسهام كلّ بحسب طاقاتهم وقدراتهم واستعداداتهم بغير ثقافة العمل الإيجابي المؤسس لتنمية ما نملك من إيجابيات والباعث على استئصال السلبيات.

                                                      والله الموفّق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد

مصادر البحث ومراجعه

  • القرآن الكريم
  • السنة المطهّرة
  • صحيح البخاري
  • صحيح مسلم
  • رسائل النور، الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي:
  • الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • إشارات الإعجاز، تحقيق و تعليق إحسان قاسم الصالحي ، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • المثنوي العربي النوري، تحقيق وتعليق إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • سيرة ذاتية، اعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م

جيدل(عمار)

  • بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية –المنهج والتطبيق-، دار سوزلر، إسطنبول‏ تركيا.2001م.
  • حقيقة مقاصد رسائل النور- استمدادها وامتدادتها- الطبعة الثانية 2009م، دار النيل القاهرة.
  • ماهية الإنسان وصلتها بحريته ووظيفته الاجتماعية، دار سوزلر، إسطنبول‏ تركيا، 2001.
  • حوار الحضارات ومؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل الإنساني، الطبعة الأولى، 2003م، دار الحامد، عمان الأردن.
  • ملوثات البيئة الفكرية –رؤية إسلامية- مجلة المسلم المعاصر عدد سنة  2004م.

----------------------------------

[1] - أشار إلى هذا الداء العضال العلامة زاهد الكوثري رحمه الله.(اين؟)

[2]  - رسائل النور من تسع مجلدات عناوينها على النحو الآتي: الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، المثنوي العربي، الملاحق، صيقل الإسلام، سيرة ذاتية-ترجمة وافية من كلام الأستاذ وتلاميذه- راجع كتابنا بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية –المنهج والتطبيق-

[3]  - بديع الزمان سعيد النورسي (1294هـ-1379هـ )(1877م - 23/03/1960م) ألّف رسائل النور لمواجهة الخطر الذي كان يتهدد الإيمان في العصر الحديث، فشغل نفسه بمهمة رئيسة عرفت بـ"إثبات الحقائق الإيمانية".

[4] - بديع الزمان سعيد النورسي (1294هـ-1379هـ )(1879م -23/03/1960م)ألّف رسائل النور لمواجهة الخطر الذي كان يتهدد الإيمان في العصر الحديث، فشغل نفسه بمهمة رئيسة عرفت بـ"إثبات الحقائق الإيمانية".

[5]  - راجع كتابنا: حقيقة مقاصد رسائل النور- استمدادها وامتدادتها- الطبعة الثانية 2009م، دار النيل القاهرة.

[6] -  مقاصد الدين في رسائل النور تتلخص فيما يأتي: التوحيد والنبوة والحشر ثم العبادة والعدالة.

[7] - وهذا لا يخدش في الإسلام كما هو من حيث كونه دين الله الخاتم.

[8] - جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ. رواه مسلم (1/465(

[9] - آخر درس ألقاه. انظر: ملحق اميرداغ2، انظر سيرة ذاتية/بديع الزمان النورسي/إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص .

[10]  - رسائل النور فتشبه جامعة حرة غير منظمة، والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.

[11]  - - تعيش عزلة اختيارية

[12] - راجع مقالنا: ملوثات البيئة الفكرية –رؤية إسلامية- مجلة المسلم المعاصر عدد سنة  2004م.

[13]  - انظر سيرة ذاتية/بديع الزمان النورسي/إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، 469

[14] - المصدر نفسه

[15]  - المصدر نفسه.

[16]  -  انظر المصدر نفسه

[17]  - أبيَنُ شاهدٍ على ذلك مقابلته لكثير من الإساءات بإحسان منقطع المثيل، ولعلّ من أبينِ الشواهد على ذلك أنّه لم يدع بسوء على من أذاقه الأمرّين في المحاكمة أو في النفي أو ..

[18] - يرجع أساسا إلى سوء عرضهم لبضاعتهم الفكرية والدينية.

[19]  -  انظر السيرة الذاتية ص 472.

[20]  - الشعاعات 334- بتصرف -

[21]  - انظر الشعاعات 347

[22] - سيرة ذاتية 182

[23]  - انظر عددا أكبر من الأمثلة، السيرة الذاتية 471...

[24]  - انظر كتابنا، ماهية الإنسان وصلتها بحريته ووظيفته الاجتماعية

[25]  - انظر سيرة ذاتية 364

[26] - سيرة ذاتية 506

[27]  - انظر المكتوبات 308

 -[28]  اللمعات 559

[29] - انظر الشعاعات 406

[30]  - انظر الشعاعات 519

[31]  -  انظر الكلمات 69

[32]  - إشارات الإعجاز 29

[33]  - انظر صيقل الإسلام367

[34]  - انظر سيرة الذاتية 383

[35]  - - انظر سيرة ذاتية 470

[36]  - انظر الكلمات197

[37]  - انظر الشعاعات 593

[38]  - انظر المثنوي العربي 406

[39]  - انظر الشعاعات 429، 601

[40]  - انظر الشعاعات 606

[41]  - انظر الشعاعات 622

[42] - انظر الملاحق 94

[43]  - انظر صيقل الإسلام 447 ، سيرة ذاتية 107

[44]  - صيقل الإسلام/الخطبة الشامية 536 سيرة ذاتية 99

[45] - انظر اللمعات 220-222

[46] انظر اللمعات 237-

[47] - انظر السيرة الذاتية

[48]- انظر السيرة الذاتية 472-473 -

[49]- انظر السيرة الذاتية -

[50] - انظر السيرة الذاتية 471 - 474

[51]  - راجع كتابنا: حوار الحضارات ومؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل الإنساني، الطبعة الأولى، 2003م، دار الحامد عمان، الأردن.

 

 

 


34-) منهج الإمام النورسي منهج نبوي في معالجة الأزمات الاجتماعيَّة الإخلاص نموذجاً

 

 

منهج الإمام النورسي منهج نبوي في معالجة الأزمات الاجتماعيَّة

الإخلاص نموذجاً

 

حسن عبدالله حمد النيل عبدالله  

معهد العلوم والبحوث الإسلامية  

جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا

الخرطوم-السودان       

 

 

تمهيد:

الحمد لله الذي ارتضى الإسلام لعباده شريعة ومنهج حياة، وأكمل لهم الدّين وأتمّ عليهم النّعمة، وجعل العلماء ورثة الأنبياء وخصّهم بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والصلاة والسّلام على سيّدنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه الشرفاء، وكلّ من آمن بدعوته واتّبع سنّته إلى يوم الدين.

أمَّا بعد..فلم تزل رسائل النور مستمرة فيضاً، دفّاقةٌ بالعطاء، مدرارٌ للخير، مبشّرٌ بالخيرية لكل من قطع بها سبلاً، وأقام بها سلوكًا، وأنار بها مجتمعًا.

فكان من تمام نعم الله على أمّة الإسلام أن قيّض لها رجالاً يذودون عن حِياضها ويحفظون دينها أكثر مما يحمون به أنفسهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلًا، فسطّروا لنا أسفارًا غدت خير ميراث أقام به خلفَهم.

فظهر في المحيط الإسلامي علماء أجلاء بفضل اجتهادات أبانوا عِظم شريعة الإسلام وخُلودها، وأبرزوا مزاياها وارتباطها بكلّ قريب وبعيد في دنيا النَّاس، وحبسوا حياتهم للعلم والعمل به، وإعلاء كلمة الإسلام، فخطّوا لنا كتباً تحوي ذخائر علمهم، في موسوعات ومصنَّفات، ومختصرات، ويعدّ الشيخ بديع الزمان النورسي واحداً من العلماء البارزين في القرن الماضي، من خلال ما خلّفه من تراث فكري ذو طابع خاص يفتقر إلى من يرفع عنه غشاوة الغموض التي تكتنف هذه الشخصية العلمية التي بلغت من العلم  شأوًا كبيرًا، وإنّ رجلًا يحوز ثقة أمّة فتُعتمَد كتبُه، رجل بلغ الغاية!".

وسدًّا لفراغ تلك الثغرة، وضبابية الرؤية حول تراث هذه الشخصيَّة خصوصًا ومدرسته النورانيَّة عمومًا، كان لزامًا على المنصفين من الطلبة والباحثين المعاصرين أن يبادروا إلى نفض الغبار عن كتبه، لإضفاء القول الفصل إزاءَها إذ الحكمُ على الشيء فرع عن تصوُّره.

اهتم النورسي في رسائله بالتركيز على إصلاح البنية الداخليَّة للإنسان لأجل تشكيل الروح على نحو حيوي وجذري يخلق في الإنسان هويته الحقيقة خلقاً، ويزرع في داخله شعوراً فياضاً علوياً يتزين بطلب رضاء الله والصفاء والإخلاص والفداء، فهي المشاعر الإيمانيَّة التي تضرب بجذورها في لحمة الحياة والتي لا تعرفها أي مدنيَّة ماديَّة، لأنَّها ليست متاعاً مادياً ولا مظهراً لنظريات خادعة ولهذا ربط النورسي كل ذلك بالعمل الحيوي، لأنَّ ميدان أفكاره هو الحياة ذاتها، ومن ثم تظهر في الأفعال وتنبض بها سيماء الوجوه.

ومن هذا المنطلق الأسمى لبناء الذاتيَّة من الداخل، تدعو رسائل النور إلى بناء المجتمع بناء صحيحاً، فتدعو إلى تأمين الراحة العامَّة والهدوء الاجتماعي، رافضة جميع حركات الهدم والتمزيق، لأنَّها تؤصل الحركية الإيجابيَّة الفعَّالة، مناهضة جميع الحركات السلبية بتقوية أواصر المحبة والأخوة والترابط والتراحم في بنية المجتمع، وتدعو بقوة إلى الاتحاد والامتزاج، ومن ثم تحارب بضراوة كل دعاوى وأفكار الفرقة التي حاولت إخماد روح الأخوة التي هي أخص خصائص الدعوة القرآنيَّة، ومن ثم فهي تضع قواعد لبناء الأُمة في مقابل دعاوى القبلية والقوميَّة والعنصريَّة والمّلية السلبيَّة والشعوبيَّة. ([1])

تتعدد في رسائل النور الإشارات والتعبيرات الواضحة الداعيَّة إلى نبذ الخلافات والنزاعات التي تنشب نتيجة العناد والحسد والنفاق والحقد، وتدعو إلى التضامن والتعاضد فانتشار سلوك الحسد والرياء والبغض والنفاق...، من شأنه التأثير في عمل المسلم، لا من جهة عدم قبول الله تعالى لعمله فقط، ولكن من جهة تدني قيمته وتسببه في انحطاط المسلمين كذلك؛ إذاً كلما انتفى الإخلاص عن العمل تعرض صاحبه للإحباط والبطلان المؤدي إلى الانسلاخ عن الدين الصحيح.

ودعى النورسي إلى التمسك بروح الدّين، من الإخلاص لله والصدق ومحبة الآخرين والصبر على الإبتلاء والتوكل على الربّ والإكثار من الصلاة والخوف بل والبكاء من خشية الله وحده والتناصح والتواضع والحث على مقاومة ابليس والحذر من الغش والحسد وابتغاء غير وجه الله وزلات اللسان والفوضى والنزاع والتحزّب وظلم الأخرين....وغيرها.

ويقول الأستاذ النورسي إن أخطر جهة من الأنانيَّة هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصاً لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل، وترك دواعي الحسد والمنافسة والأحاسيس النفسية التافهة، وترك ما يتصور خطأ أنَّه من العزة والكرامة.

اهتم الأستاذ النورسي بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت.

ومن النماذج التي اتخذها النورسي في حل أفات المجتمع الدعوة إلى "الإخلاص" وقد أفراد له في رسائله بابا خاصاً في "جزء اللمعات"، ودعي إلى ضرورة ترسيخ سره في الذات، لأنَّ فقدانه ضياع لخدمة أسرار القرآن، وفقدان للسعادة الأبدية لأجل مطامع دنيوية زائلة كالرياء والإعجاب بالنفس.

فنجاة الإنسان في إخلاصه لله تعالي، فهو الشفرة المعنوية لخدمة آيات الله تعالى والظفر بأسرارها وكسب الإخلاص يأتي برابطة الموت التي تنفر من الرياء وتربط الإنسان بالإخلاص، كما أن الإخلاص يعطى النفس حضوراً وسكينة.

إذاً علينا أن ننمي بداخلنا الإخلاص، كي نصل إلى السلام الحقيقي بكل ما أُمِّنّا عليه في أجسادنا أو بمن نحن مسؤولون عنهم، سلام مع الله عز وجل والنفس والإطار المحيط بنا سواءً كان الأسرة أم المجتمع.

يقول بديع الزمان: "إن إصابة الأمة في قلبها إنَّما هو من ضعف الدين ولن تنعم بالصحة إلا بتقوية الدين"([2]) لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ([3])، وقَال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ([4])، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.([5]) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ([6]) قيل: أراد بالإحسان الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا.

وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِه).([7])

ومعنى الإِخلاص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه، والشوائب في العقائد وفي الأعمال تفسد الإِتقان والإِخلاص، وإياكم أن تفهموا أن أحداً لا تأتي له هذه المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ " قَالَ: "وَسَمِعْته يَقُولُ: تُوبُوا إلَى رَبِّكُمْ فَوَاَللهِ إنِّي لَأَتُوبُ إلَى رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مِائَةَ مَرَّةٍ فِي الْيَوْم "([8]).

وينفي الإخلاص الشرك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: 'إن الله - تبارك وتعالى - يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي، يا أيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله - تبارك وتعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم؛ فإنها للرحم، وليس لله منها شيء'. وروى الدارقطني قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم البزار، ثنا أبو حاتم الرازي، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا وعنده([9]).

أدرك بديع الزمان عن وعي وبصيرة أن إيمان المسلم في العصر الحديث ينقصه توهج هذا الإخلاص الصادق وسره. وإن أقوى الحوافز التي يمكنها أن تدفع الإنسان إلى الإتقان والإجادة في كل شيء، وإلى البعد عن كل ما يضر بذاته أو بالمخلوقات، هو ارتباطه بمصدر الهداية الذي يهبه الإخلاص والسعي إلى إرضاء الخالق سبحانه، ومن هنا كان اهتمام النورسي بجانب الأخلاق في بناء الحضارة، تلك الأخلاق التي تستمد من عقيدة الإسلام فتكون أثراً للإيمان بكافة معانيه فالذي يجعل الإنسان يحرز الإخلاص هو تفكره في أن الدافع إلى العمل هو الأمر الإلهي لا غير، ونتيجته كسب رضاه.([10])

وقد قال سعيد بن جبير: الإخلاص: أن لا يشرك في دينه، ولا يرائي في عمله أحداً. وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال ابن معاذ: تمييز العمل من الذنوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم. وقال البوشنجي: هو معنى لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان، أي لا يطلع عليه إلا الله. وقال رويم: هو ارتفاع عملك عن الرؤية. وقال حذيفة المرعشي: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن([11]).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الإِخْلاصِ لِلَّهِ وَعِبَادَتِهِ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَارَقَهَا وَاللهُ عَنْهُ رَاضٍ "([12])

إن الإخلاص إذاً واسطة الخلاص ووسيلة النجاة من العذاب، فالعداء والعناد يزعزعان حياة المؤمن المعنوية فتتأذى سلامة عبوديته لله، إذ يضيع الاخلاص ! ذلك لأنَّ المعاند الذي ينحاز إلى رأيه وجماعته يروم التفوق على خصمه حتى في اعمال البر التي يزاولها. فلا يوفق توفيقًا كاملاً إلى عمل خالص لوجه الله. ثمَّ إنَّه لا يوفق أيضاً إلى العدالة، إذ يرجح الموالين لرأيه الموافقين له في احكامه ومعاملاته على غيرهم.. وهكذا يضيع اساسان مهمان لبناء البر الإخلاص والعدالة بالخصام والعداء ([13])

إن الله سبحانه وتعالى الذي هو ربنا وربكم لا يفضل أحداً على أحدٍ إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله.. ولذلك فنحن نضع الإخلاص أولاً وقد يكون العمل واحداً أمام الناس.. هذا يأخذ به ثوابا وذلك يأخذ به وزرا وعذابا فالمهم هو أن يكون العمل خالصا لله. ([14])

واذا ما كان ثمة غرور وانانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقاً ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الاخلاص ويحبط عمله ويكون اثراً بعد عين. ([15])

الإِخلاص لا تحدده لوائح ولا قوانين إنما يحدده الحق سبحانه وتعالى فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سَأَلْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِخْلَاصِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ :سَأَلْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنِ الْإِخْلَاصِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ: سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي »([16])

فهم النورسي أن الاخلاص يجعل وعي الإنسان ونفسه وحركته منسجمة مع مراد الله وقوانين وسننه وبالتالي تتحقق فاعليته التجديدية فيكون خليفة صالحا نورانيا. ([17])

فالإخلاص هو ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ([18]) بيان لهذه الصبغة، وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، لأن "العبادة "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك، حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده، في تلك الأعمال، فتقديم المعمول، يؤذن بالحصر([19]).

وهو مرآة التجلي تعكس ما تعكس من أنوار وأسرار ذلك أن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين، فيكتسب بذلك قيمة تجعله لائقاً بالجنة لأنَّ الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل، ويربطه بوثاق شديد، ونسبة إليه فالإيمان إنَّما هو انتساب، لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلي الصنعة الإلهية فيه، وظهور آيات نقوش الأسماء الربانية على صفحة وجوده. ([20])

فنجاة الإنسان في إخلاصه لله تعالى، فهو الشفرة المعنوية لخدمة آيات الله تعالى والظفر بأسرارها وكسب الإخلاص يأتي برابطة الموت التي تنفر من الرياء وتربط الإنسان بالإخلاص، كما أن الإخلاص يعطى النفس حضوراً وسكينة. وفى الإخلاص تدعيم لرابطة الأخوة التي تطورت عند النورسي فصارت" فناء في الأخوان" بما يعني أن يفني كل منا في الأخر، فينسى كل منا حسياته لأجل الآخرين، أنَّه منطق الأخوة في الله ([21])

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دخل الجنة»([22]) وقوله: «خالصًا من قلبه» هذا ينفي الشرك؛ لأن الإخلاص ينافي الشرك ومن ترك العمل فهو مشرك لأنَّه عابدٌ للشيطان ولأنه معرض عن دين الله ؛ ومن أعرض عن دين الله كفر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى- « نَّ رَبَّكُمْ رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ أَوْ مَحَاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلا هَالِكٌ » ([23]).

ونعرف أن الحق يجزي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، لأنَّ كل فعل تلازمه طاقة من الإِخلاص في نفاذه، فكأن الحق قد وضع نظاماً بأن الحسنة بعشر أمثالها، ثم بالنية المخلصة تبلغ الأضعاف إلى ما شاء الله. وقد وضع الحق هذا النظام؛ لأنه جل وعلا يريد للحسنة أن تُفعل، وينتفع الغير بها، فإن كان فاعلها حريصاً على الأجر الزائد فهو يقدمها بنية مخلصة، ويقول الحق لنا: " مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ "([24])

ويقول أيضاً: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ...﴾ ([25])  وقال الرسول صلى الله عليه وسلم« اللهم إنِّي أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك»([26])

إذاً نحن مضطرون إليه،كما قال النورسي بل مكلفون به تكليفاً، وأحوج ما نكون إلى ترسيخ سر الإخلاص في ذواتنا، إذ لو لم نفز به لضاع منا بعض ما كسبناه من الخدمة المقدسة حتى الآن، ولما دامت واستمرت خدمتنا، ثم نحاسب عليها حساباً عسيراً، حيث نكون ممن يشملهم النهي الإلهي وتهديده الشديد في قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾ ([27]) بما أخللنا بالإخلاص فأفسدنا السعادة الأبدية، لأجل مطامع دنيوية دنيئة، مقيتة، مضرة، مكدرة، لا طائل من ورائها ولا فائدة، إرضاء لمنافع شخصية جزئية تافهة أمثال الإعجاب بالنفس والرياء، ونكون أيضاً من المتجاوزين حقوق إخواننا في هذه الخدمة، ومن المعتدين على نهج الخدمة القرآنية، ومن الذين أساءوا الأدب فلم يقدروا قدسية الحقائق الإيمانية وسموها حق قدرها. ([28])

الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية، وهو قولك إياك نعبد وإياك نستعين ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ ([29])

قال النورسي: الاخلاص؛ الذي هو أساس مسلكنا، فالاخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولا سيما من يحمل أفكارًا موالية إلى جهة معينة، يحاول أن يجعل كل شئ أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه واعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الايمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شئ كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية الا رضى الله سبحان. وفي الحقيقة، إنَّه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سر الاخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الالهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.

قال ابن القيم: (في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه وقدره ومعانقة الصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه وداوم ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد هذه الفاقة أبدًا) ([30])

وأخيراً أن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.

جعلنا الله وإياكم من عباده المؤمنين الصالحين، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا هذا العمل، ووفقنا لما يحبه ويرضاه، إنَّه تعالى سميع مجيب.

 

 

 

---------------------------

([1]) النورسي، اللمعات ص 174.

([2]) النورسي، صيقل الإسلام، 532.

([3]) سورة البينة، الآية (5).

([4]) سورة الزمر، الآية (3).

([5]) سورة الزمر، الآية (14).

([6]) سورة النحل، الآية (90).

([7]) صحيح البخاري، باب الحرص على الحديث، ج /1، ص193، حديث رقم 99.

([8]) صحيح مسلم، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، ج/6، ص216، حديث رقم (4870).

([9]) صحيح البخاري  باب قوله ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، حدثني يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسه عن المنهال عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس تحفة الأشراف، ح/4، ص452.

([10]) النورسي، اللمعات، ص 137.

([11]) أبوحيان التوحيدي، البحر المحيط، ج/،2 ص51.

([12]) الحاكم، المستدرك، باب تفسير سورة التوبة، ج/2، ص362. حديث رقم (3277).

([13]) النورسي، المكتوبات، ص350.

([14]) تفسير الشعراوي، ج/2، ص266.

([15]) النورسي، اللمعات، ص 228.

([16]) ذكره الغزالى في إحياء علوم الدين. ( ضعيف ) كما في السلسلة الضعيفة للألباني ج/2،ص630.

([17]) النورسي، اللمعات، ص199.

([18]) سورة البقرة، الآية (138).

([19]) تفسير السعدي، ج/1، ص68

([20]) النورسي، الكلمات، ص 348.

([21]) النورسي، اللمعات، ص 245.

([22]) صحيح مسلم، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل الله له الوسيلة، ج/2، ص328، حديث رقم (578).

([23]) صحيح مسلم، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، ج/1، ص322، حديث رقم (186).

([24]) سورة الحديد، الآية (11).

([25]) سورة البقرة، الآية (245).

([26]) أخرجه الديلمى، كنز العمال، حديث رقم(5126).

([27]) سورة البقرة، الآية (42).

([28]) النورسي، اللمعات، ص242.

([29]) سورة الروم،، الآية30.

([30]) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج/3، ص164.

 

 


35-) أواصر العناصر الكونية من منظور بديع الزمان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أواصر العناصر الكونية

من منظور الأستاذ بديع الزمان النورسي –رحمه الله-

الدكتور عثمان محمد غريب.                

جامعة صلاح الدين في أربيل-عاصمة إقليم كردستان العراق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد فمما لا يقبل المراء والجدال أن سوء فهم هذا الكون الفسيح وعدم إدراك أواصر عناصره وعدم التعامل معه مَعرفيا واستعمارا واستثمارا وتسخيرا من أكثر أسباب الانحطاط والتخلف التي جعلت الأمة الإسلامية في نهاية الركب وذيل القافلة، فتأخرنا من حيث تقدم غيرنا، وتخلفنا من حيث ازدهروا.

لذا ارتأيت أن يكون بحثي هذا محاولة مني لكشف أهم الأواصر والوشائج بين الإنسان وبقية عناصر الكون كما رآها الأستاذ بديع الزمان النورسي –رحمه الله- ونثرها كالدرر في رسائله ، وحاول جاهدا التعرفَ عليها وعلى مواطن الخلل ومواضع الزلل في حياة الأمة الإسلامية.

وأردت بهذا أن أَلفِتَ الأنظارَ إلى هذا الجانبِ المشرقِ من رسائل النور، وأُقدِّمَ الأدويةَ التي وصفها الأستاذُ لأمراض الأمة وعللِها من هذا الجانب.

وقد قسمت بحثي إلى تمهيد في التعريف بالإنسان والكون عند النورسي، وفذلكة بين يدي الأواصر والوشائج، وعدة مطالب مخصصةٍ للأواصر بين الإنسان وبقيةِ عناصر الكون، ونبين من خلال ذلك أهمية تفعيل تلك العلاقة على التقدم في جوانبه المختلفة، وهي كالآتي:

الآصرة الأولى: آصرة العبادة لله (تسبيحا وسجودا)

الآصرة الثانية: آصرة المحبة.

الآصرة الثالثة : آصرة المعرفة.

الآصرة الرابعة: آصرة التسخير والتثمير.

الآصرة الخامسة: آصرة التأديب.

الآصرة السادسة: آصرة الجمال.

ونختم البحث بأهم النتائج التي توصلنا إليها في بحثنا هذا.

وبـهذا يتبين أن ارتباط الإنسان مع هذا الكون إنما هو كالروح التي ترتبط بعلاقات وأواصر مع جميع أنحاء الجسم، حتى تجعل جميع أعضائه وجميع أجزائه، في تعاون تامٍّ فيما بينها، ولا يحجبها شيءٌ عن إدارة شؤون كل جزء من أجزاء الجسم، وإيفاء حاجات الجسم بكل جزء من أجزائه، وتقدر الروح على مدّ عضو واحدٍ بأمدادٍ من سائر الأعضاء، وتستطيع أن تسوق الأعضاء الأخرى إلى خدمته، بل تقدر أن تعرِف جميعَ الحاجات بكل جزءٍ من أجزاء الجسم، وتدير من هذا الجزء الواحد الجسمَ بأكمله، بل تتمكن الروح أن ترى وتسمع بكل جزء من أجزاء الجسم إن كانت قد اكتسبت نورانية أكثر –كما قال الأستاذ-.

وفي هذه العجالة أريد أن أقدم معتصر المختصر لهاته الأواصر والوشائج، أسأل المولى -عزَّ وجلَّ- أن يعيننا على ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تمهيد في التعريف بالإنسان والكون

قديما قال المناطقة: الحكم على الشيء فرع تصوره، ومن هنا أصبح علينا لزاما أن نعرف بأهم المصطلحين البارزين في عنوان البحث: الإنسان والكون.

وكان من المفروض أن نقدم تعريف الكون على تعريف الإنسان لزوما من باب تقديم الكل على الجزء، ولكن عندما ندقق النظر في آيات الذكر الحكيم يظهر لنا جليا أن الإنسان هو غاية الكون وثمرته لذا ارتأينا تقديم الإنسان تقديما للأهم على المهم والغاية على الوسيلة.

أولا: الإنسان كما يراه الأستاذ بديع الزمان يختلف تماما عن الإنسان في منظور الفلاسفة، ففي الوقت الذي يختلف الفلاسفة فيما بينهم مترددين في بيان ماهية الإنسان وأهميته، مابين قول بكونه مجرد آلة في هذا الكون، أو جزء حقير أمام هذا الكون الفسيح، أو مجرد حيوان أذكى استطاع أن يسخر غيره لمصالحه، نرى الأستاذ -حاله حال مولانا جلال الدين الرومي- ينأى بنفسه بعيدا عن كل هاته المعمعات الفلسفية العقيمة وينظر إلى الإنسان من زاوية أخرى يكون الإنسان فيها أعلى رتبة وأنبل غاية وأسمى فكرا، ومع هذا لا يخلو هذا الإنسان من عيوب ونقائص ربما لا تلفيها في غيره.!

يقول الحكماء يأن الإنسان هو العالَم الصغير، والعالَم هو الإنسان الكبير، لكن مولانا جلال الدين جاء وعكس المفهوم لأنه لا يوجد في الخليقة أعظم من الإنسان، فنسمعه يقول:

إذن أنت في الصورة العالَمُ الأصغر، وأنت في المعنى العالَمُ الأكبر.

وفي الظاهر يكون الغصن أصلا للثمرة، لكن الفرع في الحقيقة من أجل الثمرة.

فإن لم يكن الميل إلى الثمرة والأمل فيه، فمتى كان البستاني يغرس جذور الشجر؟!

ومن ثم فإن ذلك الشجر على سبيل المعنى ولد من الثمر، وإن كان الثمر قد ولد منه على سبيل الصورة.([1])

وأما الإنسان عند الأستاذ بديع الزمان فله مميزات خاصة به تميزه عن غيره من مخلوقات الله في الكون.!

فبالإضافة إلى أنه أكرم المخلوقات وأشرفها نرى الأستاذ يعرف لنا الإنسان تعريفا دقيقا بأنه:

هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمعُ ما فيها من الصفات.

وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية.

وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم.

وهو أكرم ضيف في قصر الكون.

وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر.

وهو المأمور المكلف بحرث مزرعة الأرض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم وألوف المؤهلات.

وهو خليفة الأرض، والمفتش الباحث في مملكة الأرض والمرسل من لدن سلطان الازل والابد والعامل تحت رقابته.

وهو المتصرف في شؤون الأرض مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها.

وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة، والحامل للأمانة الكبرى التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها،

وهو الذي يعكس كالمرآة جميع تجليات الأسماء الحسنى ويتجلى فيه اسم الله الأعظم.

وهو المخاطب المقصود للخطاب السبحاني والأكثر فهماً للكلام الرباني.

وهو الأكثر فاقة وعجزاً من بين أحياء الكون.

وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له أعداء ومؤذيات بلا عد ومقاصد وآلاماً بلا حد.

وهو أغنى استعداداً من بين ذوي الحياة.. وهو اشد إحساسا وشعوراً بالألم - ضمن لذة الحياة - حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة.

وهو أشد شوقاً إلى البقاء وأكثر حاجة إلى الخلود، بل هو الأجدر به.. وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو أُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود.

وهو الذي يحب الذي أنعم عليه حباً لحد العبادة، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب أيضا.

وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الأكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود.([2])

ثم يذكر لنا الأستاذ أن أفراد الإنسان متفاوتة في الفضل والرتبة، فقد فضل الله بعضها على بعض، وأعظم آية في كتاب الكون الكبير، وأعظم اسمٍ في ذلك القرآن الكبير، وبذرة شجرة الكون، وأنور ثمارها، وشمس قصر هذا العالم، والبدر المنوّر له، والدال على سلطان ربوبية الله، والكشّاف الحكيم للغز الكائنات، هو سيدنا محمد الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي ضم الأنبياء جميعاً تحت جناح الرسالة وحمى العالم الإسلامي تحت جناح الإسلام، فحلّق بهما في طبقات الحقيقة متقدماً موكبَ جميع الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصديقين، وجميع الأصفياء والمحققين.([3])

وهذا يعني أن سيدنا محمد يساوي جميع من سبقه من الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام

از دِرَم ها نام شاهان برکَنَند --- نــامِ احـمــــد تـا ابـــد بـر مـی زننــد

نامِ احمـد نامِ جمله انبیــاست--- چون که صد آمد، نود هم پیش ماست.([4])

المطلب الثاني: تعريف الكون عند الأستاذ –رحمه الله-:

الكون في نظر الأستاذ بديع الزمان هو مسجد كبير وكتاب منير مليء بآيات تكوينية يتلوها القرآن الكريم على الثقلين.([5])

ونراه كذلك يعرفه بمثله في سياق عتابه للنفس الكسول ويقول:

ولو كانت لديك وسيلة -أيها الإنسان- لقتل الموت، ولإزالة الزوال عن الدنيا، ولو كان عندك دواء لرفع العجز والفقر عن البشرية، ووساطة لغلق باب القبر إلى الأبد، فهاتها إذن وقُلها لأسمع وأطيع.. وإلاّ فاخرس، فان القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا. فلننصت اليه، ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لساننا رطباً بذكره وتلاوته.([6])

وكذلك أثناء كلامه عن وجود الملائكة وعملهم في الكون ويقول: فلابــد أن تكون لهذه الوظائف غير النهائية والعبادات المتنوعة، أنواع غير نهائية أيضا من  " الملائكة "  وأجناس غير محدودة من  " الروحانيات " ، كي يعمّروا بصفوفهم المتراصّة ويملؤوا هذا المسجد الكبير.. هذا العالم.. هذا الكون..([7])

فذلكة الأواصر والوشائج

مما لا يقبل المِراء أن الإنسان ليس كائنا انعزاليا يعيش بمفرده منطويا على ذاته، وبما أودع الله فيه من ماهية جامعة يرتبط مع مظاهر الوجود وعناصر الكون بأواصر ووشائج شتى مما يجعله في أخذ وعطاء مع بقية الكائنات، فهو ليس من مادة بسيطة وجامدة تأبى التغير، بل هو معمل عظيم متقن الصنع، أجهزته دائمة التجدد، وكالقصر المنيف، أنحاؤه دائمة التحول، وذرات وجوده تعمل دوماً وتسعى دون توقف، وترتبط بوشائج وأواصر عديدة متنوعة شاملة لجميع مجالات الكون مع مظاهر الوجود في الكون من حوله، والذرات العاملة في جسده تحتاط من أن تخل بتلك الروابط، وتتحاشى أن تنفصم تلك العلاقات، فهي حذرة في تصرفها هذا، وتتخذ موقفاً ملائماً لها على وفق تلك العلاقات كأنها تنظر إلى جميع الكائنات وتشاهدها وتتفاعل معها.([8])

فيا أيها الإنسان الباحثُ عن الحقيقة أعِر سمعَك للأستاذ النورسي لحظات واستخرج من بحر كلماته اللؤلؤ والمرجان.

المطلب الأول: الآصرة الأولى: آصرة العبادة لله (تسبيحا وسجودا)

من المعلوم أن الذكر الحكيم قد أخبرنا بأن الكون بأسره في تسبيح دائم للخالق العظيم والرب الرحيم.

كما في قوله تعالى ((سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)). الحديد: الآية 1

وقوله تعالى ((وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا)) الإسراء من الآية 44.

فلم يبق في الكون في هذا الكون الفسيح إلا أنت أيها المسكين ((فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين))  الحجر: ٩٨

فيا أيها الغافل المسكين، ويا مَنْ يظن نفسَه هَملاً دون حساب، ويا مَنْ يغرق في نكران الجميل والكفران!.

إن الكريم ذا الجمال يعرّف نفسه ويحبّبُها اليك بهذا الحشد من الألسنة التي لا تعد ولا تحصى، وإن أردت أن تصرف نفسك عن ذلك التعريف، فما عليك الاّ أن تكمم جميع هذه الأفواه المسبحة، وتسكت تلك الألسنة كافة.

وأنّى لك هذا!!

فما دام إسكات تلك الألسنة الناطقة بالتوحيد غير ممكن، فما عليك إلاّ الإصغاء والإنصات إليها. وإلا فلن تنجو بمجرد سد الأذن بأصابع الغفلة، لأن عملك هذا لا يسكت الكون. فالكون جميعاً، والموجودات كافة ناطقة بالتوحيد. فدلائل التوحيد وأصداؤه شواهد عدل لا تنقطع ولا تنتهي أبداً. فلا بد أنها ستُدينك.([9])

هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتب في صحيفة واحدة منه، وهي سطح الأرض، ويُكتب في ملزمة واحدة منه، وهي الربيع، ثلاثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة، وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات، كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معاً ومتداخلاً بعضها ببعض بلا اختلاط ولا خطأ ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال بل يُكتب في كل كلمة منه كالشجرة، قصيدة كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه كالبذرة، فهرس كتاب كامل. فكما ان هذا مشاهد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد ان وراءه قلماً سيالاً يسطر، فلكم إذن أن تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمة وحكم شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم وهو العالم، على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جل وعلا، قياساً إلى ذلك الكتاب المذكور في المثال. وذلك بمقتضى ما تقرؤونه من علم حكمة الأشياء أو فن القراءة والكتابة، وتناوله بمقياس أكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير. بل تفهمون كيف يعرّف الخالقَ العظيم بـ "الله أكبر" وكيف يعلّم التقديس بـ "سبحان الله" وكيف يحبّب الله سبحانه إلينا بثناء "الحمد لله". الربوبية، بمعاملة غيابية، فأدّوا وظيفة التكبير والتسبيح، قائلين: الله أكبر.([10])

وتسبيحاتها؛ هي قيامها بوظائف حياتها بأبدع طراز بقوة الله سبحانه، وببذل الجهد في العمل. وعباداتها؛ هي هداياها وتحياتها التي تقدمها إلى الفاطر الجليل واهب الحياة. ([11])

ولكن.. أفضل هذه البلابل طراً وأشرفها وأنورها وابهرها وأعظمها وأكرمها، وأعلاها صوتاً وأجلاها نعتاً وأتمها ذكراً وأعمها شكراً وأكملها ماهية وأحسنها صورة، هو الذي يثير الوجدَ والجذب والشوق في الأرض والسماوات العلى، في بستان هذا الكون العظيم، بسجعاته اللطيفة وتضرعاته اللذيذة، وتسبيحاته العلوية.. وهو العندليب العظيم لنوع البشر، في بستان الكائنات، بلبل القرآن لبني آدم، محمد الأمين، عليه وعلى أله وأمثاله، أفضل الصلوات وأجمل التسليمات.([12])

ثم إن الإنسان إذا قنت لربه بقلب سليم وسبح بلسان الحال والمقال فإن بقية عناصر الكون ستشاركه في ذلكم النشيد القدسي كما فعلوا مع سيدنا داود عليه السلام، قال تعالى (إنّا سخّرنا الجبالَ معه يسبّحنَ بالعشيّ والإشراق) سورة ص: 18

وقال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) سورة الحديد:10

ثم نرى الأستاذ النورسي يلفت أنظارنا وأنظار تلاميذه إلى الشجرة المنتصبة أمام غرفته، وهي شجرة الدُلب ذات الأغصان الثلاثة، حيث تمثل كلمة عظيمة ينطق بها لسان هذا الجبل الموجود في فم "بارلا"  ألا ترى كم من مئات ألسنة الأغصان لكل رأس من رؤوس الشجرة الثلاثة، وكم من مئات ثمرات الكلمات الموزونة المنتظمة في كل لسان؟ وكم من مئات حروف البذيرات المجنحة في كل ثمرة من الثمرات؟ ألا يسبّح كلٌ من تلك الرؤوس والألسنة لمالك الملك الذي له امر كن فيكون؟  الاّ يسبّح بكلام فصيح، وبثناء بليغ واضح، حتى إنك تشاهد تسبيحاتها وتسمعها؟!([13])

هذه الآيات الكريمة التي تذكر معجزات سيدنا داود عليه السلام تدل على أن الله سبحانه قد منح تسبيحاته واذكاره من القوة العظيمة والصوت الرخيم والأداء الجميل ما جعل الجبال في وجدٍ وشوق، وكأنها حاكٍ عظيم تردد تسبيحاتٍ واذكاراً. أو كأنها إنسان ضخم يسبّح في حلقة ذكر حول رئيس الحلقة.

نعم! انها لحقيقة قاطعة، أليس كل جبل ذي كهوف يمكن ان يتكلم مع كل إنسان بلسانه، ويردد كالببغاء ما يذكره؟ فإن قلت " الحمد لله" أمام جبل، فهو يقول ايضاً: "الحمد لله" وذلك برجع الصدى.. فما دام الله سبحانه وتعالى قد وهب هذه القابلية للجبال، فيمكن اذاً أن تنكشف هذه القابلية وتنبسط أكثر من هذا.([14])

ثم إن التسبيح الحقيقي ليس هو الدردمة اللسانية فقط، وإنما هو تسبيح باللسان والجوارح والجنان، إذ ليس كل من سبح بلسانه مسبحا في الحقيقة، فرب مسبح باللسان كفور بأعماله.

وقال أبن الوردي:

قد عجبنا لأميرٍ ... ظلم الناس وسبح

فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح!! ([15])

وفي الختام لنشارك الأستاذ النورسي –رحمه الله- في مناجاته ونردد معه:

فَسُبْحانَكَ يا مَنْ تُسَبّحُ بِحَمْدِكَ السَّمآءُ بِكَلِمَاتِ نُجُومِهَا وَشُموُسِهَا وَاَقمَارِهَا، بِرُمُوزِ حِكَمِهَا.

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الجَوُّ بِكَلِمَاتِ سَحاباتِهِ وَرُعُودِهَا وَبُرُوقِهَا وَأمطَارِهَا، بِإشاراتِ فَوَائِدِهَا.

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ رَأسُ الأرض بِكَلِمَاتِ مَعَادِنِهَا وَنَبَاتَاتِهَا وَأشْجَارِهَا وَحَيْوَانَاتِهَا، بِدَلالاتِ انْتِظَامَاتِهَا.

وَتُسَبّـِحُ بِـحَـمْـدِكَ النَّـبَاتَاتُ وَاَلأشْجَـارُ بِكَلـِمَاتِ أوْرَاقِـهَـا وَأزهَارهَـا وَثَمَرَاتِهَا، بَتَصْريحَاتِ مَنَافِعِهَا.

وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأزهَارُ وَالأثْمَارُ بِكَلِمَاتِ بُذُورِهَا وَأجْنِحَتِها وَنَوَاتَاتِهَا، بِعَجَائبِ صَنْعَتِهَا.

وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ النَّواتَاتُ وَالبُذُورُ بَألسِنَةِ سَنَابِلِهَا وكَلِمَاتِ حَبَّاتِهَا بالمُشَاهَدةِ.

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ كُلُّ نَبَاتٍ بِغَايَةِ الوُضُوحِ وَالظُهُورِ عِنْدَ انْكِشافِ أكمَامِها وَتَبَسُّمِ بَنَاتِهَا بَأفْوَاهِ مُزَيَّنَاتِ أزاهيرِهَا وَمُنْتَظَمَاتِ سَنَابِلِهَا، بِكَلِمَاتِ مَوْزُونَاتِ بُذُورِهَا([16])

سُبْحَانَكَ مَا سَبَّحْنَاكَ حَقَّ تَسْبِيحِكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والأرض وَمَنْ فيهنَّ.

الآصرة الثانية: آصرة المحبة.

المحبة سر من أسرار الله تعالى أودعه في جميع ذرات هذا الوجود، والكون كله قائم على هاته الآصرة العظيمة التي لا تكاد توصف بالكلمات، وذلك لأن المحبة -كما يقول الأستاذ- هي جوهر الكون كله، وبه تقوم حركة الموجودات كلها، وقوانين الانجذاب والجذب والجاذبية التي تجري في الموجودات إنما هي آتية من المحبة، وهذا يعني أن للإنسان محبين ومحبات من أفراد الكون، ليس بالمليارات والتريليونات([17]) والجوجلات([18])، بل إلى حد يعجز ألسنة البشرية وأقلامهم عند عدها وحصرها.!!

ولهذا تجد جبل أحد يقول عنه المصطفى –صلى الله عليه وسلم- بأنه يحبهم ويحبونه.!!([19])

وقد نقل الأستاذ النورسي عن بعضهم قوله:

كل ذرات الوجود في نشوة المحبة، الفَلَكُ نَشوانٌ والمَلَك نَشوانٌ، النجومٌ والسَّمواتُ نَشاوى، القمرُ والشمسُ والأرض نَشاوى، والعناصر والنباتات والأشجار نَشاوى.([20])

وإذا كان الأمر كذلك فما ينبغي أن ننظر إلى الوجه القبيح للدنيا ونترك وجوهَها الأُخَرَ البراقةَ.!

وهنا قد يساورك ارتياب و يخالجك شك تعبر عنه باستفهام مفاده: هل للدنيا غير هذا الوجه القبيح الدميم بمقارنتها بكمالات الجنة وجمالها ومحاسنها، هل لها غير هذا الوجه الفاني الزائل المؤلم الخدَّاع الذي يحجب المؤمن عن معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته ويلهيه عن الاستعداد لحياته الأخروية الباقية؟!

للإجابة على السؤال المحير نقول:

لو خلعت عن عينيك النظارةَ السوداءَ القاتمةَ، ونظرت إلى الدنيا تلكم النظرةَ التفاؤليةَ التي كان يملكها الأستاذ لبان لك الأمر وانجلى.

فللدنيا عند الأستاذ بديع الزمان وجهان آخران مشرقان يدلان على أن الدنيا مبعث كمال إلهي وحجة له، وإذا أردت التوضيح فاستمع للأستاذ منصتا ومخبِتا -وهو يذكر لك ذينِك الوجهين- وبشِّر المخبِتين:

الوجه الاول: الذي يؤدي وظيفة مرآةٍ لأسماء الله الحسنى بالمعنى الحرفي، ويبين آثار تلك الأسماء ونقوشها، فهذا الوجه مكاتيب صمدانية لا تحد. لذا يستحق العشق لا النفور، لأنه في غاية الجمال!.

الوجه الثاني: الذي تكون فيه الدنيا مزرعة للآخرة، مزرعةً الجنة، موضعً أزهار أزاهير الرحمة الإلهية. وهذا الوجه جميل كالوجه الأول يستحق المحبة لا التحقير.([21])

وبهذا يتبين لك المقصودُ من التحقير الوارد في النصوص المقدسة للدنيا، وتكون قد هديت إلى رشد التوفيق بينها وبين النصوص الأخرى التي تذكر الموجودات بأهميةٍ بالغةٍ وإعجاب وإطراء مما جعل الدنيا مرغوبة فيها لدى الصحابة الكرام وسائر أولياء الله تعالى.

ومن ثم يظهر لك خطأ الذين تركوا الدنيا فصارت في أيدي أعدائهم، ومن ثم أصبحوا عالة على غيرهم مع أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف([22])، واليد العليا المعطاء خير من اليد السفلى.([23])

والنورسي رحمه الله يجمل لنا القول في حب الدنيا قائلا:

"اجعل حبك للدنيا وما فيها من مخلوقات بالمعنى (الحرفي) وليس بالمعنى (الاسمي) أي لمعنى ما فيها وليس لذاتها. ولا تقل لشيء: " ما أجمل هذا "  بل قل:  " ما أجمله خلقاً "  أو  " ما أجمل خلقه " ! وإياك أن تترك ثغرة يدخل منها حبٌ لغير الله في باطن قلبك، فإن باطنه مرآة الصمد، وخاص به سبحانه وتعالى. وقل:

اللّهم ارزقنا حبك وحب ما يقرّبنا إليك.

وهكذا فان جميع ما ذكرناه من أنواع المحبة، إن وجهت الوجهة الصائبة على الصورة المذكورة آنفاً، اي عندما تكون لله وفي سبيله، فإنها تورث لذة حقيقية بلا ألم. وتكون وصالاً حقاً بلا زوال، بل تزيد محبة الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن أنها محبة مشروعة وشكر لله في اللذة نفسها، وفكر في آلائه في المحبة عينها.([24])

ثم يذكر لنا الأستاذ مثالا توضيحيا:

إذا أهدى إليك سلطان عظيم تفاحة - مثلاً - فانك ستكّن لها نوعين من المحبة، وستلتذ بها بشكلين من اللذة:

الأولى:

المحبة التي تعود الى التفاحة، من حيث إنها فاكهة طيبة فيها لذة بقدر ما فيها من خصائص، هذه المحبة لا تعود إلى الســلـطــان. بل  مَن يأكلــها بــشراهــة أمامه يبدي محبته للتفاحة وليس للسلطان، وقد لا يعجب السلطان ذلك التصرف منه، وينفر من تلك المحبة الشديدة للنفس. علاوة على أن لذة التفاحة جزئية وهي في زوال. اذ بمجرد الانتهاء من أكلها تزول اللذة وتورث الأسف.

أما المحبة الثانية:

فهي للتكرمة السلطانية والتفاتته اللطيفة التي ظهرت بالتفاحة.. فكأن تلك التفاحة نموذج للتوجه السلطاني، او هي ثناء مجسّم منه. فالذي يتسلم هدية السلطان حباً وكرامةً يبدي محبته للسلطان وليس للتفاحة. علماً ان في تلك التفاحة التي صارت مظهراً للتكرمة لذة تفوق وتسمو على ألف تفاحة اخرى. فهذه اللذة هي الشكران بعينه، وهذه المحبة هي محبة ذات احترام وتوقير يليق بالسلطان.([25])

وهذا المنهج الذي سلكه الإمام إنما نبع من فهمه الثاقب لمقاصد القرآن ومراميه الدقيقة.

فهاهو القرآن يخاطب الأمة قائلا: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) سورة الأنفال الآية:60.

فيا ليت شِعري كيف يستعد لملاقاة العدو مَن طلَّق الدنيا ولا يملك منها ما يسد به رمقه ويستر به سوءته.!

ويا ليت شِعري كيف يبنى المساجد ويَعمُرها من لا ناقة له في الدنيا ولا جمل، بل ولا دجاجة ولا بيضة.!

ولا أدري كيف يُفَعَّلُ ركنُ الزكاة فينا ونحنُ فقراء عالة نتكفَّفُ الناسَ.

وكيف يَحج بيتَ الله العتيقِ ويزوره الناس زَرافات ووحدانا وكلهم لا يستطيعون إليه سبيلا.!

وقولوا لي حينئذ من يَقدِر على اقتحام العقبة ويَفك الرقبةَ ويطعم في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة؟!

ومن ذا الذي يُطيق أن يُبغض الكونَ الذي هو مظهر كمالات الله وجمالاته وجلالاته؟!

ومن يقدر على بغض الشمس الوهاجة، و القمر المنير، و الرياح اللواقح، والزهور اليانعة والأشجار المثمرة.؟

والحق أقول: إن نظرة النورسي -رحمه الله- جعلته ينظر إلى الدنيا بعين المحبة والشفقة حتى بلغت به المحبة إلى مرحلة أضحى الذي يخافه الناس ويضطربون بذكر اسمه ويكرهونه محبوبا للأستاذ -رحمه الله-، فها نحن نستمع إليه وهو يذكر لنا أنه حالَما ذكر اسم عزرائيل - الذي يملأ ذكره الناس رعباً وارتجافاً - شعر بحالة ذاتِ طعم في غاية الحلاوة والسلوان، فحمد الله، وبدأ يحب عزرائيل حباً خالصاً، على أنه واحد من الملائكة الذين يعتبر الايمان بوجودهم ركناً من أركان الايمان.([26])

  هذه النظرة الدقيقة هي التي تفهمنا مدى تأثر الكون بالإنسان وانفعاله بما يعتري الإنسان من حالات الفرح والترح والحزن والسرور، وتفهمنا حقيقة الآية الكريمة (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأرض وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) الدخان:29.

إن هذه الآية تقول بالمفهوم المخالف: بما أن أهل الإيمان يبثون حبهم للسموات والأرض بل للموجودات جميعا بحبهم للّه، باعتبارهما مرايا عاكسة لتجليات أسمائه الحسنى، ويعرفون وظائف السموات والأرض، ويقدرونهما حق قدرهما، ويصدقون حقائقهما الحقة، ويفهمون - بالإيمان - ما تفيدان من معانٍ، ويمنحونهما ما يستحقان من القيمة والاحترام، لهذا تهتز السَّموات، وتحزن الأرض، لموت أهل الإيمان ولا تتحملان فراقَهم لأن الكائنات جميعاً مرتبطة مع أهل الايمان، وذات علاقة بهم، وراضيةٌ عنهم، وتبكيان على فراقهم، بخلاف أهل الزيغ والضلال الذين يستهينون بالسموات والأرض، ويتخذون منهما موقف العداء والإهانة والاستخفاف، وينكرون وظائفهما ويتهمونهما بالعبثية ولا يدركون معاني ما يؤديانه من مهام، ويبخسون حقهما، بل لا يعرفون خالقَهما ولا دلالاتهما على صانعهما، فإن السموات والأرض لا تبكيان على جنائزهم عند موتهم بل تدعوان عليهم وتظهران رضاهما لفراقهم وارتياحهما لهلاكهم.([27])

هذا حال السموات والأرض مع المؤمن في نظر التلميذ الوفي للقرآن الكريم نعني به أستاذنا الجليل بديع الزمان.

إن تلميذ الفلسفة يفرّ من أخيه إيثاراً لنفسه، ويقيم عليه الدعوى، أما تلميذ القرآن فإنه يرى جميع عباد الله الصالحين في الأرض والسموات إخوانا له، ويشعر من أعماق روحه بأواصر شوق تشدّه نحوهم، فيدعو لهم دعاءً خالصاً نابعاً من صميم قلبه (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) فهو يسعد بسعادتهم. حتى إنه يرى ما هو أعظم الأشياء كالعرش الأعظم والشمس الضخمة مأموراً مسخَّراً مثله.([28])

ومن جانب آخر نرى للأستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار ايضاً. فعندما يرى كلباً - مثلاً - في الطريق يشفق عليه ويبادر تلاميذه بالقول:

- هل لديكم كِسرة خبز؟ فيأخذها ويعطيها للكلب.

ويقول: هذه حيوانات وفية، وان عدوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها.

وكان عندما يرى في السهول السلحفاة - مثلاً - على حوافي السواقي يقول:

- ما شاء الله، بارك الله، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم.

وأحيانا عندما كان الأستاذ يرى مملكة النمل أو يرى تلاميذه يحركون حجراً وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول: لا تقلقوا راحة هذه الحيوانات.

وعندما كان يلتقي في تجواله صيادي الأرانب والطيور يقول لهم:

- لا تروِّعوا هذه الحيوانات ببنادقكم ولا تؤذوا غيرها.

وهكذا وبهذا الأسلوب كان ينصح الصيادين الهواة. حتى جعل الكثيرين منهم يتخلون عن الصيد.([29])

ونختم هذه الآصرة النورسية بأبيات مثنوية:([30])

از محبت تلخها شیرین شود     وز محبت مسها زرِّین شود 
ازمحبت دُردها صافی شود      وز محبت دَردها شافی شود
از محبت خارها گل می شود     وز محبت سرکه ها مُل می شود
از محبت دار تختی می شود     وز محبت بار بُختی می شود
از محبت سجن گلشن می شود   بی محبت روضه گلخن می شود
از محبت نار نوری می شود      وز محبت دیو حوری می شود
از محبت سنگ روغن می شود    بی محبت موم آهن می شود
از محبت حزن شادی می شود    وز محبت غول هادی می شود
از محبت نیش نوشی می شود    وز محبت شیر موشی می شود
از محبت سُقم صحت می شود   وز محبت قهر رحمت می شود
از محبت مرده ، زنده می شود   وز محبت شاه بنده می شود
این محبت هم نتیجه دانش است  کی گزافه بر چنین تختی نشست

الآصرة الثالثة : آصرة المعرفة.

النورسي –رحمه الله- لم يكن من الأُلَى المارِّين غير الآبـِهين بما يـجري فيما حوله من عناصر هذا الكون الفسيح والمسجد الكبير.

فلا تكاد تجده يخطو خطوة أو يجلس جلسة إلا وهو متأمل فيما حوله تأمل العاشق الولهان لصانعه، المتلهف لمزيد من المعارف والتجليات التي توصله إلى خالقه.

فمرة يُوَلِّي وجهَه شَطر السماء بكواكبها ونجومها الكثيرة.

ومرة يذهب بفكره ويسافر صوب البحر الهائج وما يحمله من كائنات ومخلوقات متنوعة مختلفة تفوق العد والإحصاء.

ومرة يتجول في السهول الممتدة على مد البصر وبين المروج المزدهرة بالأثمار والأزهار، ويتصفح كتاب الكون المنظور بنظراته الدقيقة الواعية ويقرأ ما وراءه من معان ورموز، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً بين يديه بكل اهتمام وذوق، وكان يقول لطلابه في أثناء ذهابهم وإيابهم في السيارة:

أأنتم تطالعون كتاب الكون ايضاً؟

ثم يردف ذلك ببيان ما في جميع ذرات الكون من معارف وأدلة على العروج نحو العلا وهو يناجي خالقه وباريه قائلا:

اللّهم يا عدل. يا حكم. يا عليم. يا حكيم. انه ليس في الرياح مَرّةٌ، ولا في السحاب قطرة، ولا في الرعود زجرة، ولا في البروق لمعة، ولا في الرياض زهرة، ولا في الجنان ثمرة، ولا في الهواء نحلة، ولا في النبات صبغة، ولا في الحيوان صنعة، ولا في الوجود زينة، ولا في الكون ذرة، ولا في الخلق نظام، ولا في الفطرة ميزان، ولا في العرش شيء، ولا في الكرسي شأن، ولا في السماء نجم، ولا في الأرض آية: إلا وهي لك أدلة شهدت، وآيات تشهد على أنك واجب، واحد، أحد، صمد، جميع الخلق مقهورون تحت قدرتك، قلوبهم في قبضتك، نواصّيهم بيدك، مقاليدهم لديك. لا تتحرك ذرة إلا بإذنك.([31])

ثم نرى الأستاذ وهو يعود أدراجَه ويلقي عصا التَّرحال أمام نفسه التي لطالما تأملها واستخرج الدرر من مخبوءاتـها ثم يخاطبها ويقول:

يا أيها العقل! أفِق، أين الآلة المشؤومة من مفتاح كنوز الكائنات؟

ويا أيتها العين! أبِصري جيداً، أين السمسرة الدنيئة من الإمعان في المكتبة الإلهية؟

ويا أيها اللسان! ذق بحلاوة، أين بواب المعمل والاصطبل مِن ناظِر خزينةِ الرحمة الإلهية؟.

إن هدايا الرحمن الجميلة ـ كالعقل والقلب والعين وما شابهها ـ ما وُهبت لك إلاّ لتهيئك لفتح أبواب السعادة الأبدية، فما أعظمها خسارة أن تتحول تلكم الهدايا إلى صورة مؤلمة تفتح لك أبواب جهنم!.([32])

ونحن في هذا المقام -نقولها دونما مواربة- حريٌ بنا أن نتواضع لهذا الأستاذ الجليل ونظهر إعجابنا به وبأعظم مرشدين من مرشديه القرآن الكريم والنبي العظيم –صلى الله عليه وسلم- ونرتل لهم هذا الترتيل قائلين: ما أعظمه من مرشد ربَّى بديع الزمان.!

مطالعة الكون:

والأستاذ لشغفه بالمعرفة والوصول على الحقيقة كان باحوثاً عن مصادر المعرفة، وما كان يدع شيئا يراه أو يسمع به أو يخطر بباله إلا وكان يفتح له بصيرته ويطالع صفحاته مطالعة المتفائل ويعتبره آية على مولاه ومصدرا من مصادر المعرفة الموصلة للحقيقة، لذا يجعله أستاذا له ويأخذ منه الدروس والعبر.

ومن هنا صرَّح بأن له ثمانين ألف أستاذ وأستاذ.! وإليك جملة من أساتيذه:

أولا: القرآن الكريم، يقول الأستاذ عن هذا الأستاذ الكريم:

ومن أعظم الأساتيذ وأكرمهم قرآننا الكريم ونبينا العظيم –صلى الله عليه وسلم-.

يقول الأستاذ: لما كان لي أستاذ أزلي وهو القرآن العظيم، فلا أراني مضطراً أن أبالي ـ ولو بقدر جناح ذبابة ـ في طريق الحقيقة والمعرفة، بأولئك الصقور الذين هم تلاميذ الفلسفة الملوثة بالضلالة والعقل المبتلى بالأوهام. فمهما كنت أدنى منهم درجة إلاّ أن أستاذهم أدنى بدرجات لا حدّ لها من أستاذي، فبفضل أستاذي وهمته لم تستطع المادةُ التي أغرقتهم ان تبلل قدمي. نعم!  إن الجندي البسيط الحامل لأوامر سلطان عظيم وقوانينه، يمكنه أن ينجز من الأعمال مالا ينجزه مشير لدى ملك صغير.([33])

ثانيا: أستاذ البشرية الأكبر سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

يقول عنه النورسي بأن: هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛  إذ هو أستاذ البشرية الأكبر، ونبيها الأعظم، وأعظم معلم.. وأكمل أستاذ.. واصدق قدوة.. وأقوم رائد.([34])

ثالثا: سيدنا علي -رضي الله عنه- الذي هو أعظم أستاذ لطلاب رسائل النور بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، لذا يقرر بأن الشيعة والعلويين - الذين يدعون إلى محبته -  إن لم يستمعوا إلى رسائل النور أزيد من أهل السنة فان دعوى محبتهم لآل البيت ليس في محلها.([35])

رابعا: الأم: التي هي أول أستاذ للإنسان وأكثر من يؤثر فيه تعليماً.([36])

خامسا: أستاذه الفارسي الشيخ عبد القادر الكيلاني –قدس الله روحه- الطبيب المرشد لأستاذنا بكتابه "فتوح الغيب"، وأستاذه الهندي الإمام الرباني –قدس الله روحه- الأستاذ الأنيس والرءوف الشفيق بكتابه "مكتوبات".([37])

سادسا: جميع الموجودات من أصغر مخلوق إلى أعظمه.

استمع إليه وهو يذكر لنا كيف جعل مخلوقا صغيرا أستاذا له:

 "كنت يوماً في جدال مع نفسي، اذ اغترت بما انعم الله عليها، وتوهمت انها مالكة لها، وبدأت بالفخر والمدح.

فقلت لها: انكِ لا تملكين شيئاً بل هو أمانة. فتركت الغرور والفخر. ولكنها تكاسلت قائلة: لِمَ أرعى ما ليس لي؟ وماذا عليّ لو ضاع؟.

وفجأة رأيت ذبابة وقفت على يدي وبدأت بتنظيف وجهها وعينها وجناحيها وهي أمانات لديها تنظيفاً على أجمل ما يكون، مثلما ينظف الجندي سلاحه وملابسه التي سلّمتها له الدولة، فقلت لنفسي: انظري إلى هذه الذبابة، فنظرت وتعلّمت منها درساً بليغاً. وهكذا أصبح الذباب استاذاً لنفسي الكسلانة.

إن فضلات الذباب لا ضرر لها من حيث الطب، بل قد تكون شراباً حلواً (وغذاء لحشرات اخرى) إذ ليس من المستبعد عن الحكمة الإلهية، بل من شأنها أن تجعل من الذباب مكائن تصفية وأجهزة استحالة، نظراً لأكلها ألوف الأصناف من مواد هي منشأ الجراثيم والسموم.

نعم ان من طوائف الذباب - مما سوى النحل - طائفة تأكل المواد المتعفنة المختلفة فتقطر دوماً قطرات من مواد حلوة بدلاً من فضلاتها - كنزول  المنّ على أوراق الأشجار - فتثبت أنها مكائن استحالة.

وهكذا يتبين أمام الأنظار مدى عظمة امة الذباب الصغير هذا، ومدى عظمة وظائفها. وكأنها تقول بلسان الحال: لا تنظروا إلى صغر أجسامنا بل إلى عِظَم وظائفنا. وقولوا: سبحان الله.([38])

الآصرة الرابعة: آصرة التسخير والتثمير.

القرآن الكريم قد نص في أكثر من موضع على أن الكون بأسره مسخر للإنسان الذي أكرمه الله تعالى وجعله سيد مخلوقاته.

ثم إنه كما تثمر الشجرة فكذلك الإنسان لابد أن يكون مثمرا، ومن هنا كان الإنسان هو حقاً أكرم ثمرة لشجرة الكون. ([39])

وكما قال تعالى في تثمير النبات هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة النحل:الآيتان: 10-11، كذلك قال في تثمير الإنسان (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) سورة هود:الآية 7.

أما بالنسبة لآصرة التسخير فقد قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)  سورة إبراهيم: الآيات 32-33-34.

وقال أيضا: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأرض جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ سورة الجاثية: الآيتان: 12-13.

وعندما يقرأ اللبيب هاته الآيات الكريمات يستشعر مدى إكرام الله لهذا الإنسان ومدى تسخير هذا الكون العظيم بجميع ذراته لهذا الكائن الضعيف.

ما أعظم إنسانا كانت الشموس والأقمار والنجوم والكواكب والجبال الرواسي والرياح والبحار والفلك الجارية وبقية العناصر مجرد خدم مسخرين له.!

وما أجهل هذا الإنسان الذي جعل من خدمه أسيادا له.!!

وهذه الآيات تبين كيف أن الله تعالى قد خلق هذا الكون للإنسان في حكم قصر، وأرسل ماء الحياة من السماء إلى الأرض، فجعل السماء والأرض مسخرتين كأنهما خادمان عاملان على إيصال الرزق إلى الناس كافة، كما سخر له السفينة ليمنح الفرصة لكل أحد، ليستفيد من ثمار الأرض كافة، ليضمن له العيش فيتبادل الأفراد فيما بينهم ثمار سعيهم وأعمالهم. أي جعل لكل من البحر والشجر والريح أوضاعاً خاصة بحيث تكون الريح كالسوط والسفينة كالفرس والبحر كالصحراء الواسعة تحتها. كما انه سبحانه جعل الإنسان يرتبط مع كل ما في انحاء المعمورة بالسفينة وبوسائط نقل فطرية في الانهار والروافد وسيّر له الشمس والقمر وجعلهما ملاحين مأمورين لإدارة دولاب الكائنات الكبير واحضار الفصول المختلفة واعداد ما فيها من نعم إلهية. كما سخر الليل والنهار جاعلاً الليل لباساً وغطاءً ليخلد الإنسان إلى الراحة والنهار معاشاً ليتجر فيه.([40])

يذكر القرآن في هذه الآيات ما في خلق السموات والأرض من تجلي سلطنة الالوهية الذي يُظهر تجلي كمال قدرته سبحانه وعظمة ربوبيته، ويَشهد على وحدانيته.. ويذكر تجلي الربوبية في اختلاف الليل والنهار، وتجلي الرحمة بتسخير السفينة وجريانها في البحر التي هي من الوسائل العظمى للحياة الاجتماعية، وتجلي عظمة القدرة في انزال الماء الباعث على الحياة من السماء إلى الأرض الميتة واحيائها مع طوائفها التي تزيد على مئات الآلاف، وجعلها في صورة معرض للعجائب والغرائب.. كما يذكر تجلي الرحمة والقدرة في خلق ما لا يحد من الحيوانات المختلفة من تراب بسيط.. كما يذكر تجلي الرحمة والحكمة من توظيف الرياح بوظائف جليلة كتلقيح النباتات وتنفسها، وجعلها صالحة في ترديد انفاس الأحياء بتحريكها وإدارتها.. كما يذكر تجلي الربوبية في تسخير السحب وجمعها وتفريقها وهي معلقة بين السماء والأرض كأنها جنود منصاعون للأوامر يتفرقون للراحة ثم يجّمعون لتلقي الاوامر في عرض عظيم.([41])

ثم ينظر ذلك السائح إلى "الرياح" التي تجول في الجو فيرى أن الهواء يستخدم في وظائف كثيرة، في منتهى الحكمة والكرم استخداماً كأن كل ذرة من ذرات ذلك الهواء الجامد - وهي لا تملك شعوراً - تسمع وتعي ما يلقى إليها من الأوامر الصادرة من سلطان هذا الكون. فتؤدي خدماتها بقوة ذلك الآمر وهيمنته وتنفّذها بكل انتظام ودقة دون أن تتوانى في شيء منها فتدخل هذه الذرات في استنشاق جميع أحياء الأرض للهواء، أو نقل الأصوات أو المواد الضرورية لذوي الحياة كالحرارة والضوء والكهرباء، او التوسط لتلقيح النباتات أو ما شابهها من الوظائف الكثيرة، فهي تستخدم بجميع هذه الخدمات من قبل يد غيبية استخداماً في منتهى الشعور، والعلم، والحيوية.([42])

وهكذا جعل (الحي القيوم –سبحانه-) الإنسانَ مركزاً للكون، ومحوراً له، بل سخّر الكون له فمدّ أمامه سفرة عظيمة عظم الكون لتتلذذ أنواع معداته المادية والمعنوية.

اما حكمة قيام الكون بسر القيومية على الإنسان - من جهة - فهي للوظائف المهمة الثلاث التي أنيطت بالإنسان:

الأولى: تنظيم جميع أنواع النعم المبثوثة في الكائنات بالإنسان وربطها بأواصر المنافع التي تخص الإنسان، كما تنظَّم خرز المسبحة بالخيط، فتُربط رؤوس خيوط النعم بالإنسان ومصالحه ومنافعه. فيكون الإنسان بما يشبه فهرساً لأنواع ما في خزائن الرحمة الإلهية ونموذجاً لمحتوياتها.

الوظيفة الثانية: كون الإنسان موضع خطابه سبحانه بما أودع فيه من خصائص جامعة أهّلته ليكون موضع خطابه سبحانه وتعالى، ومقدّراً لبدائع صنائعه ومعجباً بها، ونهوضه بتقديم آلاء الشكر والثناء والحمد الشعوري التام. على ما بُسط أمامه من أنواع النعم والآلاء العميمة.

الوظيفة الثالثة: قيام الإنسان بحياته بمهمة مرآة عاكسة لشؤون (الحي القيوم) ولصفاته الجليلة المحيطة.([43])

الآصرة الخامسة: آصرة التأديب.

من الأواصر الأخرى التي تربط عناصر الكون بالإنسان آصرة التأديب الذي يؤدِّبُ به عناصرُ الكونِ أخاهم في الكونية، بل سيدَهم وقائدَهم، أعني به ذلكم الإنسان الذي أكرمه الله بالسيادة على مخلوقاته بيد أنه يتغابى عن درك الأفضال الربانية عليه وينحرف عن جادة الصواب أو يغفل عن المهمة التي أوكلت إليه، فينقلب عليه جميع ذرات الوجود ويضربونه ضربة تأديب عسى أن يثوب إلى رشده ويؤوب من دَشتِ الضلالة القاحل إلى نواضر أَيْكِ الإيمان.

والأستاذ النورسي –رحمه الله- يذكر لنا نوعين من هذه الآصرة، نوعا لتأديب المؤمنين عندما يغفلون، ويسمي هذا النوع بلطمات الرأفة وصفعات الرحمة([44])

والنوع الثاني نوع تأديب للظلمة والكفار الذين ناصبوا العداء لأهل الحق.

وضمن دائرة النوع الأول وعلى ضوء قوله تعالى (ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه والله رَؤوفٌ بالعِبادِ) سورة آل عمران:30، يفسر لنا الأستاذ سراً من أسرار تلكم اللطمات التأديبية الرحيمة والصفعات العتابية الرؤوفة التي تلقاها إخوتُه الأحبةُ العاملون في خدمة القرآن الكريم، وذلك من جراء أخطاء ونسيان وغفلة وقعوا فيها بمقتضى جبلتهم البشرية. ويردف ذلك بذكر لطمات من هذا النوع تلقاها هو كلما رام الخلوة بُغيةَ الجلوة.

وضمن النوع الثاني يكشف لنا الأستاذ سر حَنَقِ الكائنات وغضبِها، ويذكر لنا أن ذلك كله لن يكون إلا بمحض رحمة الله بمخلوقاته وحكمته فيه، لأن الله -سبحانه وتعالى- قد أعطى كلَّ عنصرٍ من العناصر وظائف كثيرة، فإذا ما قصّر أحد العناصر في أداء وظيفته فإن الله تعالى يأذن للعناصر الأخرى أن تقوم بوظيفة التأديب رحمة وشفقة به، ولما كان قسم من المفاسد هو عصياناً شاملاً وتعدّياً فاضحاً على حقوق كثير من المخلوقات وإهانة لها واستخفافا بها فإن ذلك يستدعي غـضب العناصر ويثير غيظها، ولاشك أن تأديب أولئك العصاة إظهاراً لبشاعة عصيانهم وجسامة جنايتهم، إنما هو عين الحكمة والعدالة، وعين الرحمة للمظلومين في الوقت نفسه.([45])

وكما أن أقوى الأشياء وأعظم العناصر يستكين لأضعفِ الأشياء وأصغرها بسبب طاعته وخضوعه لمولاه واستقامته في سيره فإن أضعف الأشياء يغضب ويشتد غضبه على أقوى العناصر الذي يحيد عن الحق ويهرع إلى الضلالة والغي!.

وكما أن النار أضحت بردا وسلاما على إبراهيم، والغضب سكت عن البحر الهائج الغضوب لأجل معصومٍ على لوحٍ منكسر دعا بقلبٍ منكسر؛ فإنه يشتد غضبه على من جعل الحق وراءه ظهريا.

وتمرده على مولاه يثير غضب الكائنات ويجعل الأرض والسموات في حنق وغيظ عليهم فتأتيه صفعات الأمراض ولطمات المصائب([46]) علَّه يثوب وإلى رشده يؤوب.

والقرآن الكريم يعبّر لنا بأسلوبه المعجز عن غضب الكائنات وتغيّظ عناصر الكون جميعها وتهيّج الموجودات كافة من شر أهل الضلالة، عندما يصف اِشتراكَ السماء والأرض بالهجوم على قوم "نوح عليه السلام" في الطوفان، وعَصْفَ الرياح بقوم "عاد" والصيحةَ على "ثمود"، وهيجانَ الماء على قوم فرعون، ونَقمةَ الأرض على قارون.. عند رفضهم الإيمان حتى إن جهنم  (تكادُ تميّزُ من الغيظ)  (الملك: 8).([47])

 ((تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأرض وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)) سورة مريم 90-92

والدارس لحياة الأولياء والعارفين يرى من استنفار الكون لنصرتهم والذود عنهم نماذج وأمثلة كثيرة تفوق العد والحصر، كيف لا واللهُ –تعالى- يقول كما في الحديث القدسي: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.([48])

وإذا أنخنا مطايانا بباب الأستاذ بديع الزمان لألفينا من تلكم النماذج نماذج، ولنذكر هنا على عجالة من أمرنا بعض مثل هاته الألطاف الإلهية عليه، وكيف انتصرت السموات والأرض لرسائل النور المتمثلة في شخصه الكريم.

فها هو الأستاذ ليقينه بقيام جميع عناصر الكون –ما عدا الإنس والجن- بأداء وظيفة التأديب والانتصار للحق نراه يحذَر أولي الشأن في المحكمة من مغبة هجومهم على رسائل النور.

فقد ثبت أنه بعد أن أخذوا إفادته التي دامت أربع ساعات ونصف الساعة والأستاذ يعاني الضيق، قال لهم محذرا إياهم: "لا تحرموني من الرسائل، وإلا تكون خسارة جسيمة لي ولهذا الوطن، فالأرض تحتد وتغضب بالزلزلة".

ومما أثار استغرابهم أنه بعد قولته هذه بثلاث دقائق وقعت الزلزلة ودامت ثلاث ثواني، واظهرت غضب الأرض، وشبت النار في دائرة المعارف في "انقرة" وفي كراج السيارات وفي معمل في "ازمير" وفي عمارة كبيرة في "اطنه"، في وقت الهجوم على رسائل النور وطلابها، مما يدل على أن هذه الحوادث لا يمكن أن تكون مصادفة بل كانت صفعة قوية من صفعات بقية العناصر التي أخذتها حمية الدفاع عن عنصر آخر من عناصر الكون كاد أن يسلط عليه بعض من قطعوا أواصرهم مع بقية العناصر الكونية.([49])

 

الآصرة السادسة: آصرة الجمال

من الأواصر التي تربط الإنسان ببقية العناصر أن الله تعالى زيَّن لهذا الإنسان جميع مخلوقاته من السموات وما فيها من نجوم وكواكب والأرض وما فيها وعليها من حيوان ونبات وجماد.

ومن أجل التمتع بهذا التزيين خلق في الإنسان حاجته إلى الجمال كحاجته إلى الطعام والشراب والنكاح.

قال تعالى ((وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ)) سورة الحجر:16.

وقال أيضا: ((إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ)) سورة الصافات:6.

وقال عن حكمة خلق الأنعام: ((وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)) سورة النحل:6.

وقال أيضا: ((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) سورة النحل:8.

وكما أمر الله تعالى بالأكل من الثمرات وإعطاء حقها يوم حصادها كذلك أمرنا بالنظر إليها وإشباع الروح بجمالها فقال: ((انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) سورة الأنعام:99.

وكذلك يأمر بالنظر إلى زينة السماء ووجهها المبتسم ويقول: ((أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها...)) إلى آخر الآية (ق:6).

ولهذا فإن تزيين الكائنات بدقائق الصنعة المبدعة التي لا تعدّ ولا تحصى، وبمحاسن ذات معانٍ ونقوش حكيمة، يتطلب ـ بالبداهة - أنظار متفكرين ومستحسنين، ومعجبين مقدّرين.. أي يستدعي وجودهم.

إن هاته الآية الكريمة تلفت نظر الإنسان إلى وجه السماء الجميل المزّين الساطع الباهر والتهلل المهيب، والتبسم والبشاشة في زينة وجمال، مما يبيّن عظمة سلطنة الصانع الجليل، ومدى الدقة في صنعته الجميلة. اذ كما أن إضاءة مصابيح وأنوار وإظهار مظاهر الفرح والبهجة في يوم اعتلاء السلطان العرش، إنما هو لبيان درجة كماله في مضمار الرقي الحضاري. كذلك السموات العظيمة بنجومها المهيبة تُظهر لنظر المتأمل كمال سلطنة الصانع الجليل وجمال صنعته البديعة.

 وتشعشع السراج وتهلل المصباح  وتلألؤ النجوم تعلن لأهل النهى سلطنة بلا انتهاء.

فيا أيها الإنسان انظر إلى الصحيفة الملونة الزاهية لكتاب الكون كيف صوّرها قلم القدرة المذهّب.

لم تبق نقطة مظلمة لأبصار أرباب القلوب، فكأنه سبحانه قد حرّر آياته من نور.

انظر! ما أعظمها من معجزة حكمة، تقود إلى الإذعان! وما اسماها من مشاهد بديعة في فضاء الكون!

واستمع إلى النجوم أيضا، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ، لترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.

إنها جميعاً تهتف وتقول معاً بلسان الحق:

نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال، نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته، نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.

فنحن ألوف العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.

نحن ألوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.([50])

وفي نهاية المطاف نرى كل من له مسكة من لب عندما ينظر إلى هذا الكون بنظر العبرة، يشعر الوجدان والقلب، بحدسٍ صادق، إن الذي يجمّل هذه الكائنات ويزيّنها بأنواع المحاسن لا شك أن له جمالاً وكمالاً لا منتهى لهما، ولهذا يظهر الجمال والكمال في فعله.([51])

 

الخاتمة في أهم النتائج التي توصل إليه البحث

  1. إن الإنسان بما أودع الله فيه من ماهية جامعة يرتبط مع مظاهر الوجود وعناصر الكون بأواصر ووشائج شتى مما يجعله في أخذ وعطاء مع بقية الكائنات.
  2. إن ارتباط الإنسان مع هذا الكون إنما هو كالروح التي ترتبط بعلاقات وأواصر مع جميع أنحاء الجسم، حتى تجعل جميع أعضائه وجميع أجزائه، في تعاون تامٍّ فيما بينها، ولا يحجبها شئٌ عن إدارة شؤون كل جزء من أجزاء الجسم.
  3. الإنسان عند الأستاذ بديع الزمان هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمعُ ما فيها من الصفات.
  4. وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية.
  5. وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم.
  6. وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الاكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود.
  7. الكون في نظر الأستاذ بديع الزمان هو مسجد كبير وكتاب منير مليء بآيات تكوينية يتلوها القرآن الكريم على الثقلين.
  8. الأواصر التي تربط الإنسان بالكون كثيرة، من أبرزها:
  • آصرة العبادة لله (تسبيحا وسجودا)
  • آصرة المحبة.
  • آصرة المعرفة.
  • آصرة التسخير والتثمير.
  • آصرة التأديب.
  • آصرة الجمال

 

---------------------

المصادر

  1. الجامع الصحيح للإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري- تحقيق: مصطفى ديب البغا- دار ابن كثير باليمامة 1987م.
  2. زهر الأكم في الأمثال والحكم، أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد نور الدين اليوسي (المتوفى: 1102هـ)- تحقيق: د محمد حجي، د محمد الأخضر، نشر الشركة الجديدة - دار الثقافة، الدار البيضاء – المغرب- الطبعة: الأولى، 1401 هـ - 1981م.
  3. السيرة الذاتية، بديع الزمان سعيد النورسي، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.
  4. الشعاعات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.
  5. صحيح مسلم للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج ت261هـ دار إحياء التراث العربي- 1972م.
  6. الكلمات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.
  7. اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.
  8. المثنوي العربي النوري، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.
  9. مثنوي معنوي، مولانا جلال الدين محمد مولوي، فرهنگسراى ميردشتي- چاپ سوم ١٣٨٩ه.ش-تهران.
  10. مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، ترجمه وشرحه د.إبراهيم الدسوقي شتا، طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية-القاهرة -1997م.
  11. الملاحق، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر، الطبعة الخامسة،2008م.

 

-------------------------------------

([1])  مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، ترجمه وشرحه د.إبراهيم الدسوقي شتا، طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية- القاهرة -1997: الكتاب الرابع، أبيات 521-524. ص86

([2])  الشعاعات- الشعاع الحادي عشر - ص:272- 273

([3])  الكلمات-الكلمة الثانية والعشرون - ص: 340.

([4]) مثنوي معنوي، مولانا جلال الدين محمد مولوي، فرهنگسراى ميردشتي-چاپ سوم ١٣٨٩ه.ش-تهران: بیت شماره  1105 و1106: ص55.

([5])  ينظر: الكلمات: الكلمة  السابعة - ص: 30، و الكلمة التاسعة والعشرون - ص: 583.

([6])  الكلمات-الكلمة  السابعة - ص: 30

([7])  الكلمات-الكلمة التاسعة والعشرون - ص: 583.

([8])  اللمعات-اللمعة الثالثة - ص: 21، واللمعة الثالثة والعشرون - ص: 272

([9])  الكلمة الثالثة والثلاثون - ص: 787.

([10])  الكلمات-الكلمة الثالثة عشرة - ص: 176 -177.

([11])  الكلمات-الكلمة الرابعة والعشرون - ص: 403

([12])  المصدر نفسه.

([13])  الكلمات-الكلمة الرابعة عشرة - ص: 186

([14])  الكلمات-الكلمة العشرون - ص: 283

([15])  زهر الأكم في الأمثال والحكم، أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد نور الدين اليوسي (المتوفى: 1102هـ)

تحقيق: د محمد حجي، د محمد الأخضر، نشر الشركة الجديدة - دار الثقافة، الدار البيضاء - المغرب

الطبعة: الأولى، 1401 هـ - 1981 م:2/164.

([16])  اللمعات-اللمعة التاسعة والعشرون - ص: 458

([17])  عبارة عن واحد صحيح وعلى يمينه اثنا عشر صفرًا ، أي (1012).

([18])  عبارة عن واحد صحيح وعلى يمينه مائة صفر، أي (10100).

([19])  صحيح البخاري- كتاب الجهاد والسير- باب فضل الخدمة في الغزو.

([20])  الكلمة الثانية والثلاثون - ص: 728-729.

([21])  ينظر: الكلمات-الكلمة الثانية والثلاثون - ص: 730 .

([22])  جزء من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب القدر-باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله - حديث:‏4923‏، وتمامه:

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان "

([23])  إشارة إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه- كتاب الزكاة-باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى - حديث:‏1373 عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر ، وذكر الصدقة ، والتعفف ، والمسألة : " اليد العليا خير من اليد السفلى ، فاليد العليا : هي المنفقة ، والسفلى : هي السائلة ".

([24])  الكلمات- الكلمة الثانية والثلاثون - ص: 749-750.

([25])  المصدر نفسه.

([26])  الشعاع الحادي عشر - ص: 318

([27])  ينظر: الكلمات-الكلمة الثانية والثلاثون - ص: 745-746.

([28])  اللمعات-اللمعة السابعة عشرة - ص: 182.

([29]) السيرة الذاتية ص534

([30]) مثنوي معنوي: الكتاب الثاني: ص 233.

([31])  المثنوي العربي النوري - ص: 414.

([32])  الكلمة  السادسة - ص: 24

([33])  الكلمة  الثلاثون –الهامش رقم1: ص: 636

([34])  ينظر: الشعاعات-الشعاع الحادي عشر - ص: 275 والشعاع الخامس عشر - ص: 654-655.

([35])  ينظر: ملحق أميرداغ-الملاحق - ملحق أميرداغ/1، ص: 270

([36])  اللمعات-اللمعة الرابعة والعشرون - ص: 308

([37])  اللمعات-اللمعة السادسة والعشرون - ص: 365

([38])  سيرة ذاتية - ص: 534

([39])  الكلمات- الكلمة الثلاثون - ص: 628.

([40])  الكلمات-الكلمة الخامسة والعشرون - ص: 482-493.

([41])  الكلمات-الكلمة الخامسة والعشرون - ص: 478.

([42]) الشعاعات- الشعاع السابع - ص: 144

([43])  اللمعة الثلاثون - ص:594- 595

([44])  اللمعات-اللمعة العاشرة - ص: 66.

([45])  الكلمات-الكلمة الرابعة عشرة - ص:196- 197.

([46])  المثنوي العربي النوري - ص: 166.

([47])  اللمعات-اللمعة الثالثة عشرة - ص: 127

([48])  جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه-باب التواضع برقم 6502  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)

([49])  الشعاعات -الشعاع الرابع عشر - ص: 498-499

([50])  الكلمات- الكلمة الثانية والثلاثون - ص:703- 706.

([51])  الكلمات-الكلمة الثانية والثلاثون - ص: 725.

 

 


36-) معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور

 

معرفة الله تعالى

وأثرها على العمل الإيجابي

ــ من خلال رسائل النور ــ 

للإمام النورسي

 

أ . م . د : عادل عبد الله حمد      
دكتوراه في العقيدة والفكر الإسلامي 
أستاذ مساعد في كلية العلوم الإسلامية
جامعة صلاح الدين / أربيل      

 

الملخص

العقيدة هي الأساس الذي قام عليه الأديان السماوية كافة ، بل هي الحد الفاصل بين الأيمان والشرك ، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها .

أما بالنسبة إلى العقيدة الإسلامية فأنها تتميز عن غيرها بكونها هي الحق الذي يوائم مع الفطرة السليمة ، والعقول المستقيمة، لأنها ربانية المصدر ، سهلة المأخذ ، لا يشوبها غلو ولا جفاء ، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب ، وفي الآخرة من العذاب .

وبما أن الإيمان بالله تعالى هي مدار العقيدة ومغزاها ، فقد جعل الله تعالى معرفته لكل مطلوب سبباً وطريقاً سهلاً يوصل إليه ، وجعل الإيمان به تعالى من أعظم المطالب وأِشرفها ، لأن معرفته تعالى روح الإيمان وأصله وغايته ، فكلما ازداد العبد معرفةً بخالقه وأسمائه وصفاته ازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه الله تعالى لا محالة ([1]) .

وقد ذهب الإمام النورسي ( رحمه الله ) إلى أن الإيمان بالله تعالى ومعرفته تعدُّ من أشرف الغايات وأعلاها مرتبة الذي يستطيع الإنسان أن يدركها في حياته ، فيقول : " اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق ، وأعظم نتيجة للفطرة الإنسانية هو : الإيمان بالله ، واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية ، وأفضل مقام للبشرية هو : معرفة الله التي في ذلك الإيمان ، واعلم إن أزهى سعادة للإنس والجن ، وأحلى نعمة هو : محبة الله النابعة من تلك المعرفة ، واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه هو اللذة الروحية المترشحة من تلك المحبة .

أجل ! إن جميع أنواع السعادة الحقة ، والسرور الخالص ، والنعمة التي ما بعدها نعمة ، واللذة التي لا تفوقها لذة ، إنما هي في معرفة الله ، في محبة الله ، فلا سعادة ، ولا مسرة ، ولا نعمة حقاً بدونها " ([2]) .

ولا شك أن معرفة الله تعالى ومحبته يجب أن يتجلى على عمل العبد الإيجابي في تصرفاته وتعامله في حياته اليومية ، وذلك بالتسامح والرأفة والمحبة مع محيطه والإحسان إليهم . 

وهذا العمل الإيجابي الذي دعا إليه الإسلام يتجلى بكل وضوح في حياة وسيرة بديع الزمان النورسي مع مجتمعه وتلاميذه ،  فيقول : " لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع ، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعيد قرباناً ليس في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ عشرون مليونا فقط ، بل في سبيل إيمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين . ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي ، وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني ارضى أن اُحرق في لهيب جهنم ، إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور " ([3]) .

 

المقدمة  

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } ([4]) ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ، وعلى آله وصحبه الكرام ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أمَّا بعد :

فأن مسألة معرفة الله تعالى في العقيدة الإسلامية من أهم وأكبر مباحثها ، وذلك لكثرة ما وقع التنازع بين الملل والنحل، والقرآن الكريم في آيات كثيرة دعا الإنسان إلى معرفة خالقه عن طريق التفكر والتدبر في سنن الكون ونظامه الدقيق ، ودعا إلى التعمق في أثار قدرته تعالى على خلقه .  

فمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هو أساس العمل وقاعدتها وأصلها ، لأن عبادة الله تعالى موقوفة عليها ، فمن لا يعرف ربه حق معرفته فلا يفرده بالعبادة ، ولا تتم هذه المعرفة إلاَّ بالتفكر والتعلم لما دلت عليه أسماء الله الحسنى من المعاني واستشعارها في القلب .

ويرى الإمام بديع الزمان النورسي المعرفة الإلهية بأنها ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها ، ورأى أن من عرف الله عز وجل حق المعرفة ، وقدره حق قدره ، وأقام الفرائض المفروضة عليه، واجتنب المناهي المنهية عليه ، وأحل الحلال معتقداً حله ، وحرم الحرام معتقداً تحريمه ، وهو في كل ذلك يرجو رضا الله تعالى ورحمته، ويخشى عقوبته طيلة حياته ، فهو المؤمن حقاً ، له من ربه مغفرة وأجر عظيم .

ومن الجدير بالذكر أن مجدد العصر الإمام النورسي خاض في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن تعقيدات علم الكلام ، لأنه رأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى أدلة أخرى ، ولذلك عدَّ ( رحمه الله ) المعرفة الربانية من خلال كتاب الله تعالى من أبرز نتائج الاستقامة على الدين ، وأساساً لكل علم والحكمة ، وفي هذا الصدد يخاطب النفس فيقول : " إن كنت ترومين الحصول على علم الحقيقة والحكمة الحقة ، فاظفري بمعرفة الله ، إذ حقائق الموجودات كلها إنما هي أشعة اسم الله الحق ، ومظاهر أسمائه الحسنى ، وتجليات صفاته الجليلة " ([5]) .

وهذه المعرفة الإلهية ، والقيم النبيلة ، والأخلاق النيرة الحميدة الذي دعا إليها الأستاذ النورسي (رحمه الله ) سبق أن تمسك بها المسلمون مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم
في عصر الرسالة ، فتمكنوا من خلالها نشر روح التسامح والأخوة على العالم الإسلامي ، فأصبح لهم السيادة والريادة على القوى العظمى ، ليس لقوتهم القتالية والعسكرية فحسب ، بل لإيمانهم وما بذلوه من خدمة والعمل الإنساني مع الشعوب المحررة .   

وفيما يتعلق بالعمل الإيجابي فقد حمل الإمام المجدد على أكتافه هموم أمته ومشاكلها طيلة حياته ، محللاً أسباب ضعفها وتخلفها، باحثاً عن وسائل قوتها ونهضتها ، وقد تحرى عن هذه الأسباب بتمعَّن في القرآن الكريم ، ووجد الجواب الشافي والكافي في ينابيعه المباركة ما يرشده إلى علاج الحاضر ، وبناء المستقبل على أساس علمي رصين وبشكل أفضل .  

واستشعاراً بهذه الأهمية الملحة نجد أن الأستاذ النورسي في كثير من المناسبات من رسائله حث طلابه ودعاهم إلى المشاركة في العمل البناء الجاد أقتداءاً بسيرة الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وطلب منهم في الوقت نفسه الابتعاد عن كل مظاهر العمل السلبي ، وعلمهم أنه كيف صبر لسنوات طويلة على البلاء والأذى من أجل الحفاظ على أمن الأمة واستقرارها ، فيقول : " إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام ، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي ... لا إنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول ، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام ، وبالصحب الكرام رضي الله عنهم الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر وغزوة أحد " ([6]) .

أهمية الموضوع :

  1. تظهر أهمية هذا الموضوع في مدى اهتمام الباحثين به ، وبما أن موضوع البحث يتعلق بالدين الإسلامي ويتناول جانباً من جوانب رسائل النور للإمام النورسي ( رحمه الله ) فأنه اكتسب أهميته ، لأن شرف الموضوع بمتعلقه ، وليس هناك شرف أكبر من خدمة الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عنه .
  2. تُعَدُّ مسألة العمل الإيجابي من قضايا الساخنة في عصرنا الحالي ، حيث أن أنظار العالم موجه إلى العالم الإسلامي لكون أحداث العنف وأعمال الشنيعة في كل بقاع المعمورة ترتبط باسم المسلمين ، والإسلام في غنى عنها .    

الهدف من الموضوع :

  1. يهدف هذا البحث المتواضع إلى إلقاء الضوء على الموضوع : ( معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور للإمام النورسي رحمه الله ) ،  وإن ما يفعله بعض المسلمون من الأعمال السلبية غير الحميدة لا علاقة لها بالإسلام .
  2. حث الناس ولفت أنظارهم إلى سماحة الإسلامي وعظمته ، إذ أن الإسلام دعا إلى العمل الإيجابي واحترام والتعايش السلمي الديني بين جميع الأديان والثقافات منذ أكثر من 1400 سنة . 
  3. دعوة المسلمين إلى قراءة رسائل النور والاستفادة منها بعمق ، حيث تعدُّ كتب كليات الرسائل من أهم المصادر الذي عالج قضايا العصر الحساسة برؤيا علمية واضحة ، من غير التعصب والتشدد لمذهب أو طائفة معينة .

ثالثاً :خطة البحث :

اقتضت المادة العلمية تقسيمه على مقدمة يقفوها مبحثين ، فنتائجه ، فمصادره ومراجعه .

تكلمت في المبحث الأول عن موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى ، وخصصت المبحث الثاني لأثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي . وختمتُ الدراسة بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج البحث . 

وختاماً أعتذر عمَّا بدر مني من خطأ أو تقصير ، وأرجو من الله العليم الحكيم أن يلهمنا الصواب ، وان يسدد خطانا ، وأرجو أيضاً أن يكون عملي هذا موافقاً لخدمة ديننا الحنيف ، ويساهم في نشر رسائل النور وخدمتها بشكل هادف ، ويجعله الله تعالى ذخيرة في حسناتي ، إنه سميع مجيب .                   

 

المبحث الأول

موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى

إن معرفة الله تعالى أمر غيبي مبني على ثبوت الخبر بالدليل، وهو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية ([7]) ، يقول الإيجي :"وقد اختلف في أول واجب على المكلف... فالأكثر ومنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري على أنه معرفة الله تعالى ، إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية " ([8]) .   

واعتبروا أن معرفة الله تعالى هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان ، والهدف الأسنى من استخلافه على كوكب الأرض ، ومن أجل هذه الغاية المقدّسة فطره رب العالمين على حب المعرفة ، وزوده بما يَحْفِزُهُ إليها ، ويدفعه نحوها من لطائف الحدس والحسّ والشعور والخيال ، ومن فوقها كلّها ملكة العقل والإدراك ، لكي يسعى لامتلاكها والارتقاء بنفسه إليها ([9]) .

ويرى الأستاذ النُوْرْسي أن الإنسان إنما جيء به إلى هذا العالم لأجل أمر واحد وهو : معرفة الله تعالى والدعاء والتضرع إليه ، فيقول : " أذن فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد ، فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) ، كما أن اُسَّ هذا الأساس هو : الإيمان بالله جل وعلا " ([10]) .    

وبناء عليه فقد قسم العلماء معرفة الله تعالى على قسمين :

(1) معرفة وجود ومعاني ، وهذا هو المطلوب من العباد .

(2) معرفة كنه وحقيقة ، وهذا غير المطلوب من أحد من خلقه ، لأنه مستحيل أن يعرف كنه وحقيقة ذاته تعالى ، فهو مما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فالمطلوب أذن معرفة الذات بالوجود ، ومعرفة الصفات بالمعاني ، والاعتقاد الجازم بأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله  ([11]) .

والمعرفة لا تحصل إلاَّ بالنظر في عظمة الله تعالى وقدرته على خلقه، لذا فإن أول ما يجب على الإنسان هو : النظر في آثار عظمة الله تعالى وسلطانه ، لأن مالم يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب ، فإذا نظر وصل إلى الغاية التي خلق من أجلها وهي معرفة الله تعالى ([12]) .    

وقد اقتتطف الأستاذ النورسي من ثمار القرآن الكريم آية كريمة على وجوب المعرفة على كل الإنسان ، وهو قول الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلاّ لِيَعْبُدون } ([13]) ، فاستنبط منها أسراراً جليلة ، وحكماً بالغة ،  فيقول : " يفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: إن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه ، هي: معرفة خالق الكون سبحانه ، والأيمان به ، والقيام بعبادته ، كما أن وظيفة فطرته ، وفريضة ذمَّته ، هي : معرفة الله والإيمان به ، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً " ([14]) .   

ويلحظ مما سبق أن المتكلمين والإمام النورسي ألزموا الناس بالبحث والنظر عن وجود الله تعالى أولاً ، وإن أول شيء أوجبوه هي معرفته عز وجل على اختلاف في بدايات المعرفة ، وذلك لوجوبها بأدلة من المصدرين الشريفين ([15])  .

ومن الجدير بالذكر أن بديع الزمان الإمام النورسي خالف منهج المتكلمين في طريقة استدلالهم على معرفة الله تعالى ، وذهب إلى أن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، لأنه لا يوصل الإنسان إلى الإيمان اليقيني في ما يتعلق بمعرفة الله تعالى ووحدانيته ، بل أن الطريق الصحيح في ذلك هو منهج القرآن الكريم الذي لا يشوبه شائب ، فيقول :" إن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، ولا تورث الاطمئنان القلبي ، في حين إن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز ، تصبح معرفة تامة وتسكب الاطمئنان الكامل في القلب ... والمعرفة المستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضور القلبي الدائم ، فضلاً عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم ولا تسجنها في سجن النسيان المطلق ، بل تنقذها من الإهمال والعبثية وتستخدمها في سبيل الله سبحانه ، جاعلة من كل شيء مرآة تعكس المعرفة الإلهية وتفتح في كل شيء نافذة إلى المعرفة الإلهية " ([16]) .    

وهذا الرأي من الإمام النورسي لم يكن بدعاً وخروجاً عن المألوف ، بل هو رأي سبق إليه كبار العلماء ، يقول الإمام الغزالي : " فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله ، فلا يحصل من علم الكلام ، بل يكاد أن يكون الكلام حجاباً عليه ومانعاً منه ، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة " ([17]) .    

ولم يكن اختيار الإمام النورسي لمنهج القرآن الكريم في الاستدلال على معرفة الله تعالى والمسائل العقدية نابعة عن عدم الاطلاع على المناهج الأخرى ، بل أنه قد اختارها بعد دراستها والتمعن فيها ، وقد توصل إلى نتيجة مفادها : أن الاستدلال بالقرآن الكريم في تقرير المسائل الإيمانية من أوضحها وأجلها ، وسمى دليله هذا بالعناية والاختراع ، وهو يتفق في هذا الاستدلال مع ابن رشد ([18]) ( رحمهما الله تعالى ) ، فيقول :  " إن أصول العروج إلى عرش الكمالات وهو معرفة الله جلّ جلاله أربعة :

أولها : منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي .

ثانيها : طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان.

هذان الأصلان وإن تشعبا من القرآن الكريم ، إلاَّ أن فكر البشر قد أفرغهما في صور أخرى فأصبحتا طويلة وذات مشاكل .

ثالثها : مسلك الفلاسفة.

هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات والأوهام.

رابعها : المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة ، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه وأقربه إلى الله وأشمله لبنى الإنسان . ونحن قد اخترنا هذا الطريق. وهو نوعان:

الأول: دليل العناية :

إن جميع الآيات الكريمة التي تعدد منافع الأشياء، تومئ إلى هذا الدليل وينظم هذا البرهان ، وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل ، مما يثبت قصْد الصانع وحكمته وينفي وهْمَ المصادفة ... فان شئت فراجع القرآن الكريم، تجد دليل العناية بأكمل وجه، في وجوه الممكنات، لأن القرآن الكريم الذي يأمر بالتفكر في الكون ، يعدّد أيضاً الفوائد ويذكّر بالنعم الإلهية .. فتلك الآيات الجليلة مظاهر لهذا البرهان ، برهان العناية .

الثاني: دليل الاختراع :

إن الله تعالى قد أعطى كل فرد وكل نوع ، وجوداً خاصاً ، هو منشأ آثاره المخصوصة ، ومنبع كمالاته اللائقة ، فلا نوع يتسلسل إلى الأزل ، لأنه من الممكنات ، فضلاً عن أن حدوث قسم منها مشاهد وقسم آخر يراه العقل بنظر الحكمة . إن انقلاب الحقائق محال ، وسلسلة النوع المتوسط لا تدوم ،أما تحول الأصناف فهو غير انقلاب الحقائق" ([19]) .

ولاشك أن منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى الله تعالى ومعرفته هو المنهج الذي اعتمد عليه رسول الله صلى الله وعليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام النورسي : " إن أقوى منهج من بين المناهج المؤدية إلى معرفة الله ، كعبة الكمالات ، وأكثرها استقامة ، هو المحجة البيضاء التي سلكها صاحب المدينة المنورة صلى الله وعليه وسلم ، ذلك المنهج الذي ترجمه لسانه الصادق المبارك العاكس كالمرآة لما في قلبه الشريف - الذي هو كمشكاة مطلة على عوالم الغيب - فهو صلى الله وعليه وسلم روح الهداية، واصدق شاهد حي وافصح برهان ناطق واقطع حجة على الصانع الجليل؛ إذ من حيث الخليقة، ذاته برهان باهر، ومن حيث الحقيقة لسانه شاهد صادق .نعم! أن محمداً صلى الله وعليه وسلم حجة قاطعة على وجوده تعالى وعلى النبوة وعلى الحشر وعلى الحق وعلى الحقيقة  " ([20]) .

وفيما يتعلق بأسباب المعرفة فأنها تكون بأمور عدة ، نذكر منها :

  1. النظر والتفكر في مخلوقاته عز وجل ، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تأمر الإنسان وتحثه يتدبر وينظر إلى آثار عظمة الله تعالى وقدرته قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } ([21])، وقوله تعالى: { فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }([22]) ، وقوله تعالى : { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ }([23]) ، وقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } ([24]) ، وقوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }([25])  ، فدلت الآيات الكريمات أن الفكر في دلائل معرفة الله تعالى وعظمته وقدرته واجب على كل مكلف .
  2. ومن أسباب معرفة العبد ربه النظر في آياته الشرعية وهي الوحي الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فينظر في هذه الآيات وما فيها من المصالح العظيمة التي لا تقوم حياة الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا بها ، فإذا نظر فيها وتأملها وما اشتملت عليه من العلم والحكمة وجد انتظامها موافقتها لمصالح العباد عرف بذلك ربه عز وجل كما قال الله تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } ([26]).
  3.  ومنها ما يلقى الله عز وجل في قلب المؤمن من معرفة الله سبحانه وتعالى حتى كأنه يرى ربه رأي العين ([27]) ، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أن سيدنا جبريل عليه السلام  سأل النبي صلى الله وعليه وسلم عن الإحسان ، ؟ فقال : [ ما الْإِحْسَانُ قال أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإنه يَرَاكَ ]  ([28]) .    

المبحث الثاني

أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي

إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة ، والظنون السيئة الفاسدة ، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه .

وكما أن الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، والعمل بموجب تلك المعرفة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده ([29]) .

وكان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه ويحثهم على العمل الإيجابي ، ويدعوهم إلى التسامح والتصافح ، والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف ، فيقول : " إخواني ! إن مرضي قد اشتد كثيراً ، ولعلي أتوفى قريباً ، أو امنع من المكالمة كلياً - كما كنت امنع أحياناً منها - لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين ، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين ، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً ، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا ، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر ، ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً ، لذا انظروا اليهم كـ أهون الشرين ، ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم " ([30]).

وفيما يأتي نسلط الضوء على أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور وكالآتي :

1 - حصول الأمن والأمان :

إن من آثار معرفة الله تعالى حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ، ممن يعيش في المجتمع ، لأنه يعرف ما يحل له فيأخذه ، ويحرم ما عليه فيتركه ، فيكف عن الاعتداء والظلم والعدوان ، وهضم حقوق الآخرين ، تفاعلاً مع عقيدته التي تملى عليه ذلك ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم ، يقول الله تعالى : { اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ([31])  .

ومن الجدير بالذكر أن الأمن نعمة ربانية عظيمة تدوم وتزيد بالشكر والعرفان ، وتحرم بالكفر والعصيان ، يقول الله تعالى : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد } ([32])  .

وقد انطلق بديع الزمان النورسي في ذلك من مسلَّمة منطقية مُضمَّنها أن تحقيق الأمن والأمان نعمة ربانية وعد الله تعالى بها عباده الصالحين ، وهيأهم لحمايتها ، وهذه القناعة جعلته ينذر حياته لنشر الأمن واستتبابه ، وإسعاد الناس في جميع ربوع وطنه ([33]) ، فيقول : " ليهلكني الله ثلاث مرات إن لم أكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن ، وأكثر من ألف مدعٍ عام " ([34]) .

ولم يكن هذا الموقف والدعوة من مجدد العصر الإمام النورسي شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة ، وحسبنا أن نذكر موقفاً من مواقفه ودعواته ، فيقول : " أما نحن طلاب النور، فإننا نسعى لمعاونة الإدارة ، وإقرار الأمن والنظام ، وإحراز السعادة للأمة والوطن " ([35]).

وقد لاقت هذه الدعوة من الإمام النورسي صدى كبيراً بين الناس ، وكانت كافية في نشر الأمن وأستتابتها في أرجاء الدولة التركية ، وإلجام أفواه المحرضين وأصحاب النفوس الضعيفة وأرباب المصالح الذين يحاولون نشر الفوضى في المجتمع والأخلال بأمنها وسلمها الوطني ، فيقول : " على الرغم من وجود قوى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام ، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة … لم يستطيعوا الإخلال بالأمن ، وما سبب ذلك إلاّ ستمائة ألف من نسخ رسائل النور، وخمسمائة ألف طالب من طلابها ، وقد أصبحوا كقوة معنوية مساندة للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة "([36]).

لقد اقتنع الإمام النورسي منذ بداية أمره بأن تحقيق الطمأنينة للأمة ، وحفظ الأمن للوطن مأتىً عظيم لا يتأتى إلاّ بإعداد العدة الكافية لذلك ، وقد حدد ( رحمه الله ) سبل إنقاذ الأمة من حافية الهاوية إلى برّ الأمان ، فيقول : " هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة ، وهذا الوطن ، ونجاتهما من الفوضى والإرهاب ، ومن المخاطر العظيمة : الأول : الرحمة ، والثاني : الاحترام ، والثالث : الأمن والثقة ، والرابع : اجتناب المحرمات ، والتمييز بين الحرام والحلال ، والخامس : الطاعة ، وترك التسيب " ([37]) .

ويلحظ أن هذه الأسس الخمسة التي دعا إليها الإمام النورسي هي بمثابة ركائز أساسية للنظام في البلاد ، والمساس بها يعني : المساس بالوطن والأمة ، وإن من تدبر القرآن الكريم على مُكث وعلم ومعرفة ، يتضح له هذه المفاهيم بكل الوضوح ، ويتجلى له أن أقصر الطرق إلى تحقيق الأمن ، وأيسر السبل إلى تثبيت الأمان والاستقرار هو التمسك بكتاب الله تعالى ([38]) .

2 - العُجب والتكبر :

إن تطهير القلب من مرض العُجب والتكبر يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة ، فإذا استشعر العبد عظمة الله تعالى وكبريائه وجلاله ، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه ، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع ، لأن مقياس المؤمن الكامل هو التواضع لله تعالى ، أمَّا غير المؤمن أو الشخص الناقص فيرى نفسه مختلف عن الآخرين ، أو أنه أفضل منهم ، وقد عدَّ الأستاذ النورسي هذا التكبر والعُجب إذا وجد في الإنسان صغراً وليس كمالاً ، فيقول " إن مقياس العظمة في الكاملين هو التواضع ، أما الناقصون القاصرون فميزان الصُغر فيهم هو التكبر " ([39]).

وأيضاً الإنسان إذا كمل توكله على الله تعالى واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله تعالى وحده ، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه ([40]).

يقول الإمام النورسي : " فيا أيها الإنسان ! اذا آمنتَ بالله وحدَه وأصبحتَ عبداً له وحدَه ، فُزتَ بموقعٍ مرموقٍ فوق جميع المخلوقات. أما اذا استنكفتَ من العبودية وتجاهلتَها فسوف تكون عبداً ذليلاً أمام المخلوقات العاجزة ، واذا ما تباهيتَ بقدرتك وأنانيتك ، وتخلّيتَ عن الدعاء والتوكل ، وتكبرّتَ وزِغتَ عن طريق الحق والصواب، فستكون أضعفَ من النملة والنحلة من جهة الخير والإيجاد ، بل أضعف من الذبابة والعنكبوت. وستكون أثقلَ من الجبل وأضرّ من الطاعون من جهة الشر والتخريب " ([41]).

3 - طمأنينة القلب :

إن من آثار معرفة الله تعالى على الفرد تخصب القلب بالخير في عقائده وعواطفه وإراداته ، كما أنها عامل في توازن القلب واستقراره ، وكلما كانت معرفته أكمل ، كان حظه من ذلك أكبر ، وذلك أن لكل اسم من أسماء الله تعالى عبودية خاصة ، وأثراً معيناً في القلب والفكر والسلوك .

لأن أصل معرفة العبودية أن تكون مبنية عَلَى الافتقار إِلى الله تعالى ، لأن القلوب لا تطمئن ولا تهدأ ولا تسكن ولا ترتاح إلا بأن تعرف الله تعالى وأن تعبده عَزَّ وَجَلَّ ، فإن من لم يعرف الله عَزَّ وَجَلَّ حق المعرفة ، ويعبده حق العبادة كان فيه من الشقاء والألم ، والنكد والنغص بقدر جهله بالله تعالى ([42]) .   

وعليه فأن معرفة لله تعالى واعتقاد أنه متصف بالصفة الكمال يحدث أثراً كبيراً في القلب ، فالقلب باستشعاره لمعنى عظمته تعالى يتفاعل ويتجاوب مع ذلك المعنى ويتأثر به ، وينبعث لموجبه ، محبة أو خوفاً ، رغبة أو رهبة ، أو تعظيماً وإجلالاً ، أو توكلاً ورجاء ([43]).

فأكمل الناس عبودية لربه : المتعبد بجميع الأسماء والصفات ، لأن قلب الإنسان لا يشعر بالاطمئنان ولذة العبادة إلاَّ من خلال معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته التوقيفية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ([44]) .

وقد استشعر الإمام النورسي بهذه اللذة الروحانية في حياته ، ويمكن أن نلتمسها في سلوكه وكلامه بكل وضوح ، فيقول  : " إن قلب الإنسان مثلما ينشر الحياة إلى أرجاء الجسد ، فالعقدة الحياتية في الوجدان - وهي معرفة الله - تنشر الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في مواهبه واستعداداته غير المحدودة ... إذن فالوجدان يطل على الحقائق بذاتها من هاتين النافذتين ، فيرى هيمنة النظام على العالم كله ، والخالق الكريم ينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين .. فمهما أطبق العقل جفنه ، ومهما أغمض عينيه ، فالفطرة تراه وعيون الوجدان مفتحة دائماً ، والقلب نافذة مفتوحة " ([45]).

4 - الحقد والحسد :

إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير في سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه، وتسليمه لشرعه، راضياً بقدره، واثقاً بعدله وحكمته، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته ، يقول الإمام النورسي : " إن الذين يملأ قلوبهم الحقد والعداوة تجاه إخوانهم المؤمنين إنما يظلمون أنفسهم أولاً، علاوة على ظلمهم لإخوانهم ، وفضلاً عن تجاوزهم حدود الرحمة الإلهية ، حيث أنه بالحقد والعداوة يوقع نفسه في عذاب أليم، فيقاسي عذاباً  كلما رأى نعمة حلّت بخصمه ، ويعاني ألماً من خوفه . وإن نشأت العداوة من الحسد فدونه العذاب الأليم، لأن الحسد أشد إيلاماً للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبه بلهيبه ، أما المحسود فلا يمسه من الحسد شيء ، أو يتضرر طفيفاً "([46]).

وقد بيِّن لنا الأستاذ النورسي سبل علاج هذا المرض الخطير ، وذكر في مستهل كلامه : أن من يحسد محسوده كأنه يعترض على قسمة الله تعالى وقدره فيقول : " علاج الحسد هو: أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك إن ما ناله محسوده من أعراض دنيوية ، من مال وقوة ومنصب ـ إنما هو أعراض زائلة فانية ، فائدتها قليلة، مشقتها عظيمة . أما اذا كان الحسد ناشئاً من دوافع آخروية ، فلا حسد أصلاً. ولو تحرك عرق الحسد حتى في هذه الأمور، فالحاسد أما أنه مراء، يحبط حسناته الآخروية في الدنيا ، أو أنه يسئ الظن بمحسوده فيظلمه . ثم أن الحاسد في حسده يسخط على قدر الله ، لأنه يحزن من مجيء فضل من الله ورحمته على محسوده ، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدر الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة ، ومعلوم أن من ينتقد القدر كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها " ([47]) .

5 - الأنانية وحب النفس :

إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن يعرف الله حق معرفته ، ويؤمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على فعل الخير ، فيقول  :" إخواني ! ربما أموت قريباً ، فان لهذا العصر مرضاً داهماً ، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة ، إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم ، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس ، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي ، ولله الحمد والمنة ، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي ، فهناك الكثيرون ممن يضحون بإنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية " ([48]) .

ويعرض لنا الأستاذ محمد فتح الله كولن روح المحبة والتسامح التي كان يتسم بها الإمام النورسي ( رحمه الله ) ، وأنه ما دعا بالسوء حتى على الذين ظلموه وآذوه طيلة حياته ، بل دعا الله تعالى أن يغفر لهم ،  فيقول : " أما داعي القرن العشرين-  أي بديع الزمان سعيد النورسي-  الذي نفي من بلده وكأنه شرير ، والذي قضى حياته متنقلاً من سجن إلى سجن ، فإنه لم يدع على من ظلمه ، بل دعا الله أن يغفر لهم ، وأن ينقذوا إيمانهم ، فضرب لهم مثلاً رائعاً في الحلم ، فيا ليت الذين أتوا من بعده استطاعوا فهم سر حلمه هذا " ([49]) .

6 - التوكل على الله تعالى :

التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فيتوكل على الله في مغفرة الذنوب ، وفي حصول الرزق ، والإحسان ... وإذا تبين أن التوكل على الله وثقة العبد واطمئنانه إلى ربه ومليكه ومدبره يمثل حصناً حصيناً يحمي الله به العبد ، فيكون راسخ الإيمان قوياً ثابتاً عند الابتلاء وفي مجابهة الفتن والمغريات التي تستهدف زعزعة دينه...إذا تبين ذلك ، فإن القلق الناتج عن عدم التوكل على الله عند من قام في قلبه مرض الريب والنفاق ، يكون دافعاً إلى موالاة غير المسلمين والركون إليهم والتعاون معهم على نشر الفكر الخبيث والتخطيط والمكر ([50])  .

فبالتوكل تحصل قوة القلب وشجاعته ، وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد في الحياة ، ثقة بالله ، وتعرضاً لتوفيقه وتسديده ، وهذا التعلق بالله يورث الإخلاص في الأعمال كلها لله وحده ، وعدم النظر إلى المخلوقين ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، أو إعطاؤهم ومنعهم ، فأمره كله لله ، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه ، ويلبسه السكون إلى مسببها ([51])  .

ويصف الإمام النورسي مثل الإنسان الذي يتوكل على الله تعالى بإيمانه ، وبين الذي يتجاهل ذلك ، فيقول : " أن الإيمان نورٌ وهو قوةٌ أيضاً ، فالإنسان الذي يظفر بالأيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائناتِ ويتخلصَ من ضيق الحوادثِ، مستنداً إلى قوةِ إيمانه فَيبحرُ متفرجاً على سفينة الحياة في خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام قائلاً: تَوكَّلتُ على الله، ويسلّم أعباءه الثقيلةَ أمانةً إلى يدِ القُدرةِ للقدير المطلق، ويقطعُ بذلك سبيلَ الدنيا مطمئنّ البال في سهولةٍ وراحةٍ حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفعَ طائراً إلى الجنة للدخول إلى السعادة الأبدية . أما اِذا ترك الإنسان التوكل فلا يستطيع التحليقَ والطيرانَ إلى الجنة فحسب بل ستجذبه تلك الأثقالُ إلى أسفلَ سافلين ، فالإيمان إذن يقتضى التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين " ([52])  .

7 - المعية مع الله تعالى :

من آثار معرفة الله تعالى وتوحيده على الإنسان شعورهم بمعية الله تعالى معهم في كل زمان ومكان ، فالعبد بتوحيده لله تعالى حقق أمراً مهماً هو أن يكون عبداً لله تعالى وحده ، ولا يقبل إلاَّ أمره ، ولا يجيب إلاَّ نهيه ، ولا يسعى إلاَّ إلى رضوانه ، فكل الطاعات والعبادات تكون لله الواحد الأحد ، يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ([53])  .  

ويصور لنا الأستاذ النورسي حاجة البشر إلى المعية مع الله تعالى للوقف أمام تحديات الأشرار وكيدهم ، فيقول :" إن الإنسان لدى انحيازه إلى جانب التخريب بالكفر والعصيان، يسبب دماراً رهيباً بعمل جزئي، فان أهل الإيمان محتاجون إذن، تجاه هؤلاء المخربين، إلى عناية إلهية عظيمة، لأنه إذا تعهّد عشرة من الرجال الأقوياء بالحفاظ على بيت وتعميره، فان طفلاً شريراً في محاولته إحراق البيت، يُلجئ أولئك الرجال إلى الذهاب إلى وليّه بل التوسل إلى السلطان. لذا فالمؤمنون محتاجون أشد الحاجة إلى عنايته سبحانه وتعالى للصمود تجاه هؤلاء العصاة الفاجرين " ([54]).

8 - محبة الله تعالى :

أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته توجب محبته تعالى في القلوب ، وتوجب أيضاً خشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له ، إذ أن النفوس قد جبلت على حب الكمال والفضل ، فإذا تحققت محبة الله تعالى في القلوب انقادت الجوارح بالأعمال ، وتحققت الحكمة التي خلق العبد من أجلها وهي عبادة الله تعالى ، وهذا هو عين سعادة العبد ، ولا سبيل إلى هذه السعادة إلى بمعرفة خالقه وأسمائه وصفاته ، والتفقه بمعانيها ، وأحكامها ، ومقتضياتها  ([55]).

وقد بيِّن الإمام النورسي أهمية معرفة الله تعالى ومحبته بالنسبة إلى الإنسان ، حيث عدَّها من أعظم وأسمى الغايات التي خلق الإنسان من أجلها، فيقول :"اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الإنسانية.. هو (الإيمان بالله ) .. واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (معرفة الله) التي في ذلك الإيمان.. واعلم أن أزهى سعادة للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو (محبة الله) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه .. هو (اللذة الروحية) المترشحة من تلك المحبة .

أجل! إن جميع أنواع السعادة الحقة، والسرور الخالص، والنعمة التي ما بعدها نعمة، واللذة التي لا تفوقها لذة، إنما هي في (معرفة الله) .. في (محبة الله) . فلا سعادة، ولا مسرة، ولا نعمة حقاً بدونها. فكل من عرف الله تعالى حق المعرفة، وملأ قلبه من نور محبته، سيكون أهلاً لسعادة لا تنتهي، ولنعمة لا تنضب، ولأنوار وأسرار لا تنفد، وسينالها إما فعلاً وواقعاً أو استعداداً وقابلية . بينما الذي لا يعرف خالقه حق المعرفة، ولا يكنّ له ما يليق من حب وود، يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يحصر " ([56]).

9 - زيادة الإيمان :

تعد معرفة الله تعالى من أعظم أسباب زيادة الإيمان ، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا ، يقول تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } ([57])  .

ومعرفة الله تعالى تثمر زيادة الإيمان لدى المؤمنين ، وبحسب معرفة الإنسان بربه، يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص ، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك : تدبر صفاته وأسمائه في القرآن الكريم ([58]) .   

ولما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها ، والاتصاف بهذه الصفات والأسماء الحسنى يزيد الإيمان ويغرسه في قلب المؤمن  ، يقول الأستاذ النورسي : " إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى اسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم ، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه، فالإيمان إنما هو انتساب ؛ لذا يكتسب الإنسان بالأيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة "([59]) .    

10 - القوة واليقين :

أن من آثار معرفة الله تعالى على عباده اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، وبذلك تحصل القوة للمسلمين ، والانتصار على أعدائهم ، والثبات أمام  التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .

ولا شك أن هذه القوة واليقين لا تحصل إلا من خلال معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته والعمل بمقتضاها ، فمن عرف ربه تمام المعرفة تحقق لنفسه ولمجتمعه هذه الآثار الحسنة العظيمة ، فمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق وانفراده بذلك لا شريك له، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة ([60]) .

وكان بديع الزمان الأستاذ النورسي كثيراً ما يدعو طلابه والمسلمين إلى الوحدة والاتحاد والتآخي والتوادّ والتحاب ، ونبذ الخلافات والمنازعات ، وتجنب التفرقة ، والبعد عن الحركات المتطرفة ، لأنها تضعف شأنهم ، وتهز كيانهم ، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ([61]) ، وكان يحذر من إثارة الاختلافات التي يحاول الأعداء نشرها بين المسلمين أفراداً وشعوباً ودولاً ، مستغلين بعض حالات الضعف والتخلف والجهل والغفلة ، وكان دائم الهتاف : "أيها العالم الإسلامي، إن حياتك في الاتحاد، وإن موتك في الفرقة والاختلاف " ([62]) .

11 - تزكية النفوس :

إن تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة الله تعالى وصفاته ، فالشريعة المنزلة من عند الله تعالى تهدف إلى إصلاح الإنسان ، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته يعصم من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد خالقه ، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه تأثيراً كبيراً ، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.

يقول الإمام النورسي : " فالإنسان جيء إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بمعرفة الله تعالى ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد . فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) كما أن اُسَّ هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا " ([63]) .

12 -  الابتعاد عن العواطف الفاسدة :

أن المؤثر الأول في تخليص القلب من العواطف الفاسدة هو عمرانه بالتوحيد والإيمان ، إذ به تقوى محبته لربه ، وتزداد خوفاً ورجاؤه له ، وأن الطريق إلى ذلك هو معرفة الله تعالى بأسمائه وأفعاله ، واستشعار القلب لذلك ، ثم عبادته تعالى بهذه المعرفة الصحيحة.

ذلك أن النفوس قد تهفو إلى العواطف الفاسدة وإلى مقارفة المعاصي ، فتذكر أن الله تعالى يبصرها ، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه ، فتنزجر ، وتجانب المعصية  ([64]) .

ويرى الأستاذ النورسي أن الذي يؤمن بالله تعالى هو الذي يفوض أمره إلى خالقه في الأمر كله ، وبالتالي يبتعد عن العواطف الفاسدة التي يقيتها الشارع الحكيم والناس جميعاً ، ويعتقد بأنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة من قبل معبوده ، فيقدم على أفعال الحميدة الحسنة ، وفي المقابل يتجنب الأهواء الفاسدة ، فيقول : " إن الذي يتحدث عن القدر والجزء الاختياري إن كان ذا إيمان كامل ، مطمئن القلب ، فأنه يفوّض أمر الكائنات كلها، ونفسه كذلك ، إلى الله سبحانه وتعالى، ويعتقد بأن الأمور تجري تحت تصرفه سبحانه وتدبيره  ... ويظل في دائرة العبودية ويرضخ للتكليف الإلهي ويأخذه على عاتقه . وينظر إلى القدر في الحسنات والفضائل الصادرة عنه، لئلا يأخذه الغرور، فيشكر ربه بدل الفخر، ويرى القدر في المصائب التي تنزل به فيصبر " ([65]) .

بل أنه (رحمه الله) ذهب إلى أبعد من هذا ، ورأى أن إدارة مائة من المفسدين أصعب من إدارة ألوف الصالحين ، لأنه يصعب تنظيم شؤونهم وضبط أمرهم ، فيقول : " إن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزل اعتقادهم ، أصعب من إدارة ألوف من المتدينين ، فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا ، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم ، والتعاون ، والأمنية بينهم ، وما هي إلاّ بالتقوى " ([66])  .

ووجد الأستاذ النورسي أن العلاج لكل داء يوجد دواءه الشافي في القرآن الكريم ، والعودة إليه وتطبيقه قولاً وعملاً ، يقول  : "لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله .. وفيه حث كبير على الفضيلة ـ خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي، وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شيء " ([67]) .

الخاتمة

  1. إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فهي مدار العقيدة الإسلامية ومغزاها ، وروح الإيمان وأصله وغايته .
  2. خاض بديع الزمان الإمام النورسي في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن التعقيدات علم الكلام ، ورأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى بيان أو أدلة أخرى .
  3. مفهوم المعرفة الإلهية عند الإمام بديع الزمان النُوْرْسي ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها .
  4. الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده .
  5. كرس الإمام سعيد النورسي حياته لأعمال الإيجابية في سبيل خدمة مجتمعه والأمة الإسلامية ، وحاول إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الراهنة ، يوافق روح العصر الحديث ، ويلبي متطلبات الحياة الاجتماعية من منظور إسلامي  .
  6. أثبت مجدد العصر بديع الزمان من خلال مؤلفاته وخدمات التي قام بها لمجتمعه أن النظام الإسلامي ذات أهداف واضحة ، وهي عبارة عن منظومة من القيم التي لا يمكن تجزئتها أو التخلي عنها أو استبدالها أو مقارنتها بنظم أخرى .
  7. كان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه القيام بالعمل الإيجابي والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف .
  8. إن من آثار معرفة الله تعالى على عباده حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ممن يعيش في المجتمع ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم .
  9. لم يكن دعوة الإمام النورسي إلى إقرار الأمن في المجتمع شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة .
  10. التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فبه تحصل قوة القلب وشجاعته  وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد المثمر في الحياة . 
  11. معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق ، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة .
  12. إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير على العمل الإيجابي ، وعلى سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه ، وتسليمه لشرعه ، راضياً بقدره ، واثقاً بعدله وحكمته ، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته .
  13. إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن عرف الله حق معرفته ، وآمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على العمل الإيجابي .
  14.  إن من آثار معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، والانتصار على أعداء الدين، والثبات أمام  التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .

 

----------------------------

(1) ينظر : شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : 2.

([2]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2/ 273 .

([3]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) :  9 / 516 .

([4]) سورة الأنعام : 1 .

([5])الكلمات : الكلمة ( 26) 1 / 547 .

([6]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) : 9 /  532 .

([7]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 107 .

([8])  المواقف : 1 / 165 .

([9]) الصور والمرايا  : 1 / 36 . 

([10]) الكلمات : الكلمة (23) : 1/355 .

([11]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 108 .

([12]) ينظر : صب العذاب على من سب الأصحاب : 357 .

([13]) سورة الذاريات: 56 .

([14]) الشعاعات : (الشعاع : 7) : 2 / 129 .

([15]) ينظر : مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : 122 .

([16]) المكتوبات : المكتوب (26) : 2/411 .

([17]) إحياء علوم الدين  : 1 / 23 .

([18]) ينظر : مناهج الأدلة في عقائد الملة : 25 .

([19]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 )  : 8 / 112 .

([20]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 ) 8 / 124 .

([21])سورة الأعراف : 185.

([22]) سورة الروم : 50.

([23]) سورة يونس :101.

([24]) سورة سبأ : 46.

([25]) سورة آل عمران : 102.

([26])سورة النساء : 82.

([27])شرح ثلاثة الأصول : 44 .

([28])أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب : الإيمان ، بَاب : سُؤَالِ جِبْرِيلَ النبي  r : 1/27 ، رقم الحديث (50) .

([29]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 361 .

([30]) السيرة الذاتية : الباب الثاني (10)  9 /  536 .

([31]) سورة آل عمران : 103 .

([32]) سورة إبراهيم : 7  .

([33]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان : 9 . 

([34])  اللمعات : اللمعة (27) 3/ 364 .

([35]) الشعاعات : الشعاع (14) 4 /534 .

([36]) الملاحق : ملحق أميرداغ (2) : 7 / 348 .

([37]) الملاحق : ملحق قسطموني  :  7 / 201 .

([38]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان :13 .

([39]) الكلمات : الكلمة ( 33) : 1/ 856 .

([40]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 441 .

([41]) الكلمات : الكلمة : (23) : 1 /  360 .

([42]) ينظر : شرح العقيدة الطحاوية :  65 .

([43]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 474 .

([44]) ينظر : مدارج السالكين : 1/452.

([45]) صيقل الإسلام  : المحاكمات ( المقالة الثالثة ) :  8 / 112 .

([46]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .

([47]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .

([48]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10)  9 /  537 .

([49]) النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) 261 .

([50]) ينظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 498.

([51]) استانبول :  (95 )  1 / 264  .

([52]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 352 .

([53]) سورة الأنعام :163.

([54]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .

([55]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .

([56]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2 / 273 . 

([57]) سورة محمد :17.

([58]) ينظر : العبودية مسائل وقواعد ومباحث :  3 .

([59]) الكلمات  : الكلمة (23) : 1 / 348 .

([60]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .

([61]) سورة الحجرات :10.

([62]) استانبول (98) : 2 /  149 .

([63]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 355 .

([64]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 415 .

([65]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .

([66]) المثنوي العربي النوري : ( زهرة من رياض القرآن الكريم ) : 6 / 273 .

([67]) إشارات الإعجاز : 272 ، نقلاً : الكونية الأخلاقية : 12 .

 

_____________________

قائمة المصادر والمراجع

  1. أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة :  عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع : ط(1) دار النشر : عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة  1423هـ / 2003م
  2. إحياء علوم الدين : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ( ت 550هـ)  دار المعرفة ، بيروت .
  3. استانبول :  (95 ) : على ذيل المكتبة الشاملة .
  4. إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  5. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ، ط(1) الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة  ، السعودية 1421هـ .
  6. الجامع الصحيح المختصر: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي (ت256هـ ) تحقيق: مصطفى ديب البغا ، ط (3) دار ابن كثير ,  بيروت  1407هـ  1987م .
  7. السيرة الذاتية : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  8. شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : سعيد بن علي بن وهف القحطاني ، راجعه : الشيح عبدالله عبدالرحمن الجبرين ، سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني (4) ، مؤسسة الجريسي ، الرياض .
  9. شرح العقيدة السفارينية (الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية) : محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني ( ت 1181هـ) تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبدالمقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض 1998م .
  10. شرح العقيدة الطحاوية : ابن أبي العز الحنفي (ت 792 هـ) ط (4) دار المكتب الإسلامي، بيروت 1391هـ .
  11.  شرح ثلاثة الأصول : محمد بن صالح العثيمين (ت 1206ه) ، أعداد : فهد بن ناصر ،  دار الثريا للنشر  1422ه / 2001م .  
  12.  الشعاعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  13.  صب العذاب على من سب الأصحاب : أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن أبي الثناء الألوسي (ت 1342هـ).
  14.  الصور والمرايا في تراث النورسي الفكري والوجداني : أديب إبراهيم الدباغ .
  15.  صيقل الإسلام : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  16.  العبودية مسائل وقواعد ومباحث : عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف ، ط(1) دار النـشر: مدار الوطن للنشر 1420 هـ - 1999 م .
  17.  فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان :  أ.د. ميمون باريش .
  18.  الكلمات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  19.  اللمعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  20.  المثنوي العربي النوري : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7) ، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  21.  مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ، ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) تحقيق: محمد حامد الفقي ، ط(2) دار الكتاب العربي ، بيروت  1393 هـ  1973م .
  22.  مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : أشرف بن عبد الحميد بارقعان .
  23.  المكتوبات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  24.  الملاحق : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  25. مناهج الأدلة في عقائد الملة: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ت595هـ) تحقيق: محمود قاسم، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ، 1969م.
  26.  المواقف : عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( ت 753هـ) تحقيق: عبد الرحمن عميرة ، ط(1) دار الجيل ، بيروت  1417هـ  1997م .
  27.  النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) : محمد فتح الله كولن : ط (6) دار النيل ، مصر 1432ه 2011م .

 

 


37-) دور النبوة في تعزيز الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في فكر الإمام النورسي

 

دور النبوة في تعزيز الإيمان

من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في فكر الإمام النورسي

 

الدكتورة: أحلام محمود علي مطالقة       

كلية الشريعة – جامعة اليرموك الأردن الأردن

 

 

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الأمين الرحمة المهداة للعالمين، أما بعد:

النبوة منحة ربانية تمثل أعظم معاني الرحمة الإلهية بالإنسان؛ لأن العقل البشري عاجز عن اكتشاف كنه الله وحقيقته، كما تعتري القوى العقلية النقص من خلال استيلاء الشهوات والرغبات وحظوظ النفس، فظهرت التجاوزات في عالم البشرية من ظلم وطغيان وقتل وتشريد وعنف وإرهاب وجوع وفقر وأنانية وأثرة وما ترتب عليها من فساد وإفساد ألغت أبسط معاني الإنسانية وطغت فيها أطماع الإنسان وظلمه ومن هنا احتاجت البشرية إلى النبوة لتقوم بدورها في تعزيز الإيمان.

فجاءت الكتب السماوية التي هي منحة النبوات ومنها القرآن الكريم الذي هو وحي أوحت به نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي هو أعلى مقام من بين كلمات الله جميعا تلك الكلمات التي لا تحدها حدود وتجلت فيه معاني كل اسم من أسماء الله الحسنى لتعزيز الإيمان في كل زمان ومكان لأنه الخطاب الأزلي والرحمة الربانية المهداة التي تستنير البشرية بهداه لتكون تجليات أسماء الله الحسنى الباعث والدافع لفعل كل ما هو حسن، والمانع من فعل كل ما هو قبيح؛ ومن هنا فان تجليات أسماء الله الحسنى وانعكاساتها على أفعال الإنسان قد تقف أمام تجاوزاته وظلمه وتعديه على أخيه الإنسان.

مشكلة الدراسة وأهدافها:

تمثلت مشكلة الدراسة في غياب تفعيل معاني النبوة ومقاصدها وتجلياتها في واقع البشرية، والشاهد عليه ما نراه من السلبيات والتجاوزات والظلم الذي تشهده الأرض وقد ازدادت حدة تلك التجاوزات في الآونة الأخيرة وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ مما يعني أن البشرية بحاجة إلى تقوية معاني الإيمان لتقف أمام كل أشكال الإفساد في الأرض وقد أكد الإمام النورسي على ضرورة النبوة وحاجة البشرية إليها لتعزيز الإيمان من خلال رسائله، ومن هنا تتحدد أسئلة الدراسة بالسؤال الرئيس الآتي:

ما دور النبوة في تعزيز الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في فكر الإمام النورسي؟ ويتفرع عن السؤال المحوري الأسئلة الفرعية الآتية:

  • ما مفهوم النبوة وأدلتها؟
  • ما أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة؟
  • ما أساليب النبوة في تعزيز أركان الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى؟
  • ما آثار تجليات أسماء الله الحسنى في تعزيز الإيمان؟

 

مخطط الدراسة:

المقدمة

المبحث الأول: النبوة مفهومها، أدلتها.

المطلب الأول: مفهوم النبوة لغة واصطلاحا.

المطلب الثاني: أدلة النبوة الشرعية والعقلية. 

المبحث الثاني: أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة.

المطلب الأول: قصور العقل البشري.

المطلب الثاني: تغلب حظوظ النفس وتأثيراتها السلبية.

المبحث الثالث: أساليب النبوة في تعزيز أركان الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى:

 المطلب الأول: تعزيز الشكر الكلي لله.

المطلب الثاني: تعزيز إدراك درجة القدرة الإلهية بموازين العجز والفقر عند الإنسان.

المطلب الثالث: تعزيز معاني الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في الكون

المطلب الرابع: تعزيز معاني الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

المبحث الرابع: آثار تجليات أسماء الله الحسنى عند الإمام النورسي:

المطلب الأول: زيادة المعرفة بالخالق والتعرف على كمالاته.

المطلب الثاني: زيادة استشعار الأنس بالله وعلاقته بخلقه.

المطلب الثالث: زيادة إدراك العلاقة بين صفاته تعالى وعلمه المحيط بالحياة السرمدية.

المطلب الرابع: الخروج من دائرة العبثية إلى دائرة الحكمة.

المطلب الخامس: تحقيق العبودية الكاملة لله من خلال توحيد وجهة الإنسان وترقيته من مراتب الحيوانية إلى مراتب الكمال الإنساني.                                                    

 

المبحث الأول: النبوة مفهومها، أدلتها.

المطلب الأول: مفهوم النبوة لغة واصطلاحاً.

تشير معاني النبوة إلى النبأ وهو الخبر وأنبأ بمعنى أخبر فنبيء (مهموزاً) هو المخبر عن الله تعالى.[1] وكذلك تشتق النبوة من نَبَو أو نبا بمعنى ارتفع فنقول نبا بصره ينبو أي ارتفع بصره، فالنبي هنا مشتق من النبَّوة وهي الارتفاع كأنه مفضَّل على سائر الناس برفع منزلته.[2]

وهذه المعاني اللغوية تشير إلى أن النبي وظيفته الإخبار والتبليغ لأنه مبلّغ عن ربه، كما تشير إلى أن الأنبياء من خير البشر وعليتهم فهم من أشرف الناس وأعلاهم منزلةً وهذا ما تشير إليه اشتقاقات نَبَو أي ارتفع.

أما مفهوم النبوة اصطلاحاً فتشير كلمة النبي إلى " الإنسان المخبر عن الله جل اسمه بغير واسطة بينه وبين الله تعالى"[3]، وهو " إنسان بعثه الله تعالى لتبليغ ما أوحاه الله إليه"[4]

كما تشير كلمة النبي إلى " عبد اصطفاه الله تعالى بالوحي إليه"[5]

ونلاحظ الارتباط ما بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي حيث أن المعنى الاصطلاحي يشير إلى اصطفاء الله لعبد من بين البشر ومعنى ذلك علو منزلته وهذا ما تُشير إليه المعاني اللغوية، كذلك يشير التعريف إلى مهمة الرسول وهو التبليغ ولا يخرج هذا من معنى الإخبار في اللغة.

المطلب الثاني: أدلة النبوة الشرعية:

يقرر الربَ تعالى في القرآن الكريم أمر النبوة وإثبات جنسها بما وقع في العالم من قصة نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وغيرهم، فيذكر وجود هؤلاء وإن قوماً صدقوهم وقوماً كذبوهم، ويبين حال من صدقهم وحال من كذبهم، فيعلم بالاضطرار حينئذٍ ثبوت نبوة هؤلاء، لهذا لما سمع ورقة بن نوفل النجاشي وغيرهما القرآن الكريم، قال ورقة بن نوفل: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى؛ وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، فكان عندهم علم بما جاء به موسى واعتبروا به، ولولا ذلك لم يعلموا هذا، وكذلك الجن لما سمعت القرآن ولّوا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف:30)

ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المزمل 15-16).

كما وردت سورة كاملة اسمها الأنبياء، ووردت في سورة الأنعام إقرار النبوة بقوله ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ  فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ  يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام 91-92).

فهو سبحانه يثبت وجود جنس الأنبياء ابتداءً كما في السور المكية، حيث يثبت وجود هذا الجنس وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه، ثم نبوة عين هذا النبي تكون ظاهرة لأن الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء، فمن أقَرَّ بجنس الأنبياء كان إقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم في غاية الظهور... ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء وهو الغالب على عامتهم أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم، والعرب عرفوا ما جاء به محمد، فلما أقروا بجنس الأنبياء لم يبق عندهم في محمد شك، فجميع ما يذكره الله  تعالى في القرآن من قصص الأنبياء يدل على نبوة محمد بطريق الأولى إذ كانوا من جنس واحد ونبوته أكمل فينبغي معرفة هذا فإنه أصلٌ عظيم[6]

ويقرر القرآن الكريم في أكثر من موضع أنه ما من أمةٍ إلا وقد أرسل لها رسولاً كقوله تعالى:﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾  (فاطر:24)

المطلب الثالث: أدلة النبوة العقلية:

هناك حاجة ملحَّة للنبوة لأن الدين من الضرورات الخمس ولا يكون الدين من غير نبوة، ولأن فيها خير هذا الإنسان ونفعه في دنياه وأخراه، ولأنه بغير النبوة تتعرض حياته للشقاء في الدنيا و الهلاك في الآخرة أي تهدد ضروراته الأخرى بالهلاك نفساً ومالاً وعرضاً ونسلاً، ومن ثم كانت النبوة بهذا المعنى ضرورة تقتضيها خلقة الإنسان بكل ما فيها من ضرورات.[7]

ومن أدلة النبوة العقلية طبيعة خلق الإنسان فبما " أن الإنسان مخلوق من مادة وروح وأن في الحواس والعقل في عالم الشهادة ما يمكن أن يشبع أمر المادة فإن الروح تشتاق وتحتاج إلى ما يشبعها من معرفة غيبية مثل طبيعتها من مصدر غيبي في غير عالم الشهادة وهو عالم الغيب وهو جبريل والطريق هنا جبريل وهو روح من عالم الغيب فهو الذي ينقل إلى النبي ما يمكن أن يشبع روح الإنسان في تطلعاتها وأشواقها فالنبوة إذن ضرورية للإنسان لإشباع روحه فضلاً عن تأكيدها على إشباع حياته المادية بتوجيهها الوجهة الصحيحة في الحياة الدنيا بما يجعل الإنسان متوازناً في سلوكه وحياته كما هو متوازن في خلقته من المادة والروح.[8]

وهنا تتضح العلاقة بين خلقة الإنسان وروحية النبوة، حيث أن خلقة الإنسان التي فيها " تمييز الإنسان بالعنصر الروحي"[9] ومن هنا قد يكمن السرّ في تسمية ملك الوحي جبريل عليه السلام بالروح لأنه طريق الوحي إلى النبي ذي الطبيعة الروحية الإنسانية.

وهذا ما يؤكده النورسي حيث يبين ضرورة النبوة العقلية بقوله:

"نعم، يلزم لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم كلزوم الضوء للشمس لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للإلوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام" [10] فالنورسي يؤكد أن توحيد الإلوهية وإظهارها لا يمكن أن يصل الإنسان إليها دون وجود النبوة، ومن هنا فإن الإمام النورسي جعل النبوة مقصداً من مقاصد القرآن الأربعة بقوله: "من مقاصد القرآن الأربعة: التوحيد، النبوة، الحشر، العدل مع العبودية"[11]، ويشير إلى أن النبوة تثبت الإيمان وذلك بقوله " لا يعيرُ نظر النبوة اهتماماً لحوادث المستقبل الجزئية التي لا تدخل ضمن الحقائق الإيمانية" [12].

ومن الضرورات العقلية للنبوة التي يشير إليها النورسي احتياج البشرية إلى منظم ينظم شؤونها ويسوسها وإلا لعمت الفوضى وذلك بقوله" " إن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير، والنحل من دون يعسوب لا تترك حتماً البشر من دون نبي من دون شريعة، نعم هكذا يقتضي سرَّ نظام العالم" [13].

 

المبحث الثاني: أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة:

المطلب الأول: قصور العقل البشري:

إذا كنا نسلم بأن للعقل البشري الدور الكبير في هداية الإنسان وتوجيهه توجيهاً حكيماً ومنطقياً صوب المواقف الصحيحة والسليمة فإن هذا العقل عرضة للتأثر بمجموعة من العوامل المضلة،" فالعقل كما هو معروف في مضمار صراع متواصل ومتلاحق مع الأهواء والشهوات الكثيرة التي تحيط به والتي تحاول جاهدة أن تأخذ بزمام الإنسانية نحو عالم الانحراف الفكري والمادي المعتم، ونرى أن هذا العقل في نزال مستمر وفي حالة تذبذب بين الفوز والاندحار وبين الانتصار والخسارة...... ومن هنا يظهر بوضوح وجلاء حاجة هذا العقل إلى التوجيه والمساندة.... التي لا مناص من أن تكون عناية سماوية ورعاية إلهية تنشله من وهدة الضياع وهذه وتوجهه الوجهة السليمة بعيداً عن الانحراف والتشتت والضياع" [14]

وهذا ما يؤكده النورسي حيث يبين أن قصور العقل البشري سبب من أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة لتسديد طريق العقل وتوجيهه وذلك بقوله: " إنه  لما لم يكف ميل الإنسان الطبيعي وسوق إنسانيته وقصر نظره واختلاط الأوهام في طريق عقله احتاج البشر أشد الحاجة إلى مرشد ومعلم فذلك المرشد هو النبي صلى الله عليه وسلم"[15]

فالعقل قد تعتريه الأوهام وهو قاصر النظر ومحدود القدرات، وإذا كان محدود القدرات في عالم الشهادة حتى معرفة الإنسان نفسه محدودة كما يقول الكسيس كارل " إن معرفتنا بأنفسنا مازالت بدائية في الغالب" [16].

لذا فإن التجارب البشرية التي هي نتاج العقل غير كافية لتنمية استعدادات الإنسان نحو الخير والسعادة ومن هنا احتاج إلى النبوة وهذا ما يؤكده النورسي بقوله: " فعدم كفاية هذا القانون البشري الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية لإنماء بذور ثمرة استعدادات الإنسان احتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقق له سعادة الدارين معاً مادةً ومعنى وتتوسع حسب قامة استعداداته ونموها"[17].

المطلب الثاني: عجز الإنسان وضعفه:

من أسباب حاجة الإنسان إلى النبوة عجز الإنسان وضعفه: قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
(النساء:28) يربط الإمام النورسي بين حاجة الإنسان إلى التوحيد الذي هو مقاصد الرسالات وبين عجز الإنسان وضعفه فيقول: " إن جميع المزايا الإنسانية وجميع مقاصد الإنسان العليا مرتبطة بالتوحيد وتتحقق بسرّ التوحيد فلولا التوحيد لأصبح الإنسان أشقى المخلوقات.... لأن الإنسان يحمل عجزاً غير متناهٍ" [18] ويقرر هذه الحقيقة في موضع آخر أن عجز الإنسان وضعفه سبب حاجته إلى نبي مرشد حيث يقول: " فالإنسان الذي هذه قابلياته، يدرك قصور نظره في صنعته وزحمة الأوهام عليه وافتقاره في جبلته الإنسانية مما يدله على حاجته الماسة إلى نبي مرشد يحافظ على موازنة النظام المتقن في العالم " [19] فافتقار الإنسان يشير إلى ضعفه وعجزه وحاجته المستمرة إلى هداية الله من خلال الرسل.

ويؤكد هذا العجز في موطن آخر حين يؤكد أن هذه هي طبيعة البشر فيقول: " إن الإنسان بفطرته ضعيف جداً يده قصيرة وعمره قصير وقدرته محدودة وصبره محدود" [20] وسبب هذا الضعف تحكم الرغبات فيه مما يجعله بحاجة إلى من يوجه تلك الرغبات الوجهة الصحيحة من خلال الواحد الأحد الذي هو مقصد الرسالات والنبوات، يقول الإمام النورسي: " ففي الإنسان ألوف من الرغبات الايجابية والسلبية أمثال هذه الرغبة رغبة البقاء تلك الرغبات ممتدة إلى جهة الأبد والخلود .... فالذي يطمئن هذه الرغبات ويهدهدها ويضمد جرحي الإنسان الغائرين العجز والفقر ليس إلا الواحد الأحد" [21].

المطلب الثالث: تغلب حظوظ النفس وتأثيراتها السلبية:

إن من أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة ما يصيب الإنسان من حظوظ النفس التي تبعده عن الطريق المستقيم " إن هذا الإنسان ميّال إلى الأثرة والأنانية والاستبداد وحبّ الذات فلو ترك الإنسان وأهواؤه ورغباته دون إخضاعها للموازين الإلهية المبرمجة لها والمهذبة لاندفاعاتها فإنه سيتحول وغيره إلى مجتمع متصارع تسوده النزوات الفردية والشهوات الشخصية فتضيع عند ذلك كل الموازين" [22].

وهنا يحذر الإمام النورسي من الخضوع للنفس الأمارة بالسوء بقوله: " أيها المؤمن لا تبذل ما تملكه من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك التي هي أمارة بالسوء وهي قبيحة ناقصة مضرَّة لك، ولا تتخذها محبوبتك ومعشوقتك ولا تجعل هواها معبودك بل اجعل محبوبك وهو أهل لمحبة غير متناهية ذلكم القادر على الإحسان (الله)" [23].

إن الله هو القادر على تخليص الإنسان من طغيان النفس وتأثيرات شهواتها السلبية حيث يشير الإمام النورسي "أن تكرار (لا إله إلا الله) لشوق الحاجة إليها آلاف المرات لأجل إضاءة تلك العوالم... بنور الإيمان.... فهي تزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة .... وتشوقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء" [24].

وحظوظ النفس هذه تدفع الإنسان إلى حبّ الدنيا وتفضيلها على الآخرة والسبيل لتخليص النفس الإنسانية من تلك النزوات تعريفها بحقيقة العذاب يوم القيامة وهذا ما جاءت به النبوات، وهذا ما يشير إليه الإمام النورسي بقوله: " إن نوازع الإنسان وأحاسيسه المادية لا ترى العقبى فتفضل درهماً من لذة عاجلة على قنطار من لذات آجلة هذه الأحاسيس قد طغت – في هذا العصر- على عقل الإنسان وسيطرت على فكره، لذا فالسبيل الوحيد لإنقاذ السفيه من سفهه هو الكشف عن ألمه في لذته نفسها ومساعدته على التغلب على أحاسيسه تلك .... إذ المرء في زماننا هذا مع علمه بلذائذ الآخرة ونعيمها الثمين كالألماس يفضل عليها متعاً دنيوية تافهة أشبه ما تكون بقطع زجاجية قابلة للكسر كما تشير إليها الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ  يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ﴾ ( إبراهيم : 3) وبناء على هذا ولشدة حبه للدنيا تراه ينساق وراء أرباب الضلالة ويتبعهم .... والسبيل الوحيد لإنقاذه من خطر الانسياق هذا هو إظهار آلام جهنم وعذابها في الدنيا" [25].

فمن التأثيرات السلبية لتغلب حظوظ النفس الآلام التي تسببها تلك الرغبات في الدنيا ويؤكد ذلك الإمام النورسي بقوله: " إن في الضلالة جحيماً معنوياً في هذه الدنيا، كما ثبت أن في الاسمان نعيماً معنوياً في الدنيا أيضاً، وهي تبرهن أن في المعاصي والفساد والمتع المحرمة آلاماً معنوية مبرّحة" [26].

وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ  عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ( طه:124)

وهكذا فإن الإمام النورسي في أكثر من موضع من رسائل النور في معظم الموازنات التي يعقدها ينفر أشد الناس اتباعاً لهواهم وأكثرهم تعنتاً وعناداً من الخوض في متعهم المحرمة ... وتدفع بالعقلاء منهم إلى طرق باب التوبة والاستغفار" [27].

المطلب الثالث: أساليب النبوة في تعزيز الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى:

يؤكد الإمام النورسي في أكثر من موضع من رسائل النور إلى أن تجليات أسماء الله الحسنى واسم الله الأعظم تنعكس في مرآة النفس فتترك آثار الإيمان في النفس البشرية ومنها قول الامام النورسي: "أيها الإنسان إن ينابيع المحبة المتفجرة في أعماقك والمتوجهة إلى الله سبحانه والمتعلقة بأسمائه الحسنى والمولهة بصفاته الجليلة لا تجعلها مبتذلة بتشبثها بالموجودات الفانية ولا تهدرها دون فائدة على المخلوقات الزائلة، ذلك لأن الآثار والمخلوقات فانيتان، بينما الأسماء الحسنى البادية تجلياتها وجمالها على تلك الآثار والمصنوعات باقية دائمة ففي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلاف من طبقات الكمال" [28]،ويشير إلى أن تجليات أسماء الله الحسنى هي التي تبدد الظلام في هذا العالم، فيقول الإمام النورسي: "وهكذا ففي الوقت الذي رأيت عالم الإنسان هذا غارقاً في مثل هذه الظلمات وأنا على وشك الصراخ من أعماق قلبي وروحي وعقلي بل بجميع مشاعري بل بجميع ذرات وجودي إذا بالنور المنبعث من القرآن والإيمان الراسخ الناشئ منه يحطم ذلك المنظار المضل ويهب لعقلي بصراً نافذاً أرى به الأسماء الإلهية الحسنى وقد أشرقت كالشمس الساطعة من بروجها"[29]، وتتجلى مظاهر أسماء الله الحسنى في تحقيق الإيمان في النفس البشرية من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: تعزيز الشكر الكلي لله تعالى: إن من تجليات أسماء الله الحسنى وانعكاساتها في مرآة النفس البشرية تحقيق الشكر الكلي لله تعالى في كل سكنات وحركات الإنسان لأن  "شكر المنعم واجب عقلاً وشرعاً، والعقل لا يهتدي لمعرفة ذلك الطريق إلا بالسمع والسمع لا يكون إلا بإرسال الرسل" [30]؛ فتحقيق الشكر لله تعالى لا يتحقق إلا من خلال النبوات وهذا ما أشار إليه الإمام النورسي في أكثر من موطن في رسائل النور منها قوله: " وكذا رحمة الربوبية الواسعة تتطلب أن يظهر العبد حاجاته الخاصة ... وأن يعلن إحسان ربه وآلاءه العميمة بالشكر والثناء والحمد بقوله "الحمد لله" [31]، والشكر ليس على النعم والآلاء فحسب بل على نعمة الإيمان وتفضيل الإنسان على سائر المخلوقات، يقول الإمام النورسي مؤكداً هذا الشكر الكلي لله تعالى: " وكذا حسبي من فضلني جنساً ونوعاً وديناً وإيماناً على كثير من مخلوقاته فلم يجعلني جامداً ولا حيواناً ولا ضالاً فله الحمد وله الشكر" [32].

ويُظهر النورسي تجليات الإيمان في النفس البشرية من خلال تجليات أسماء الله الرحيم والقدير والبديع في تحقيق الشكر بقوله: " فعرفت بنور الإيمان أن الذي خلقني ويديم حياتي هو في منتهى السخاء والرحمة واللطف وفي غاية القدرة والإبداع، عرفت ماذا يعني التسبيح والتقديس والحمد والشكر والتكبير والتعظيم والتوحيد"[33].

ويؤكد النورسي أن من تجليات اسم الله المنعم المعطي الوهاب تحقيق الشكر الكلي فيتساءل: " إننا نبدي احتراماً وتوقيراً لمن يكون سبباً لنعمه علينا، فيا ترى ماذا يطلب منا ربنا الله صاحب تلك النعم كلها ومالكها الحقيقي بـ الجواب: إن ذلك المنعم الحقيقي يطلب منا ثلاثة أمور ثمناً لتلك النعم الغالية: الأول: الذكر، الثاني: الشكر، الثالث: الفكر، فبسم الله بدءاً هي ذكر، والحمد الله ختاماً هي شكر، وما يتوسطهما هو فكر، أي التأمل في هذه النعم البديعة، والإدراك بأنها معجزة قدرة الأحد الصمد وهدايا رحمته الواسعة" [34].

والقيام على خدمة الدين هو نوع من الشكر الكلي لله، فيخاطب النورسي نفسه المرائية قائلاً "واعلمي أن خدمتك للدين وعباداتك ما هي إلا شكر ما انعم الله عليك، وهي أداء لوظيفة الفطرة وفريضة الخلق ونتيجة الصنعة الإلهية، اعلمي هذا وأنقذي نفسك من العجب والرياء" [35]

بل إن أسرار الحياة كلها وكل ما فيها تظهر تجليات قدرة الله فتحتاج إلى الشكر، وهذا ما أشار إليه الإمام النورسي بقوله: "إن الحياة بجميع أجهزتها منشأ للشكر، ومدار للعبادة والتسبيح" [36] بل إن المرض كما يشير النورسي إلى قصة اثنين من طلابه صبري ومصطفى[37] اللذين أصبحا على تقوى عظيمة بإرشاد مرض أصابهما ثم يقول: "فما دامت الأمراض تحمل في مضامينها هذه المنافع الكبيرة فلا يجوز الشكوى منها، بل يجب الاعتماد على الرحمة الإلهية بالتوكل والصبر بل بالحمد والشكر.[38] وهكذا فإن تجليات أسماء الله الحسنى توجب أنت لست مالكاً لنفسك بل أنت مملوكٌ للقادر المطلق القدرة والرحيم المطلق الرحمة فلا ترهق نفسك بتحميلها مشقة حياتك فإن الذي وهب الحياة هو الذي يديرها"[39]، وهذا الضعف هو الذي يؤدي إلى العبودية لله كآثارٍ لتجليات أسماء الله الحسنى الكاملة يقول الامام النورسي" إن معنى العبادة هو سجود العبد بمحبةٍ خالصة وبتقدير وإعجاب في الحضرة الإلهية وأمام كمال الربوبية والقدرة الصمدانية والرحمة الإلهية مشاهداً في نفسه تقصيره وعجزه وفقره... وأن يعلن العبد... أن ربه منزَّه عن أي نقص... وأنه مقدّس من جميع تقصيرات الكائنات ونقائصها... وكذا قدرة الشكر الكلي على الإنسان بتعدد أحواله صحةً وسقماً، فقراً وغنى،إعطاءً ومنعاً، بلاءً وفرجاً، همَّاً وفرحاً... وهكذا فالإنسان في كل أحواله في حالة شكر وحمدٍ دائمين لله صاحب الأسماء الحسنى التامة.

المطلب الثاني: تعزيز إدراك درجة القدرة الإلهية بموازين العجز والفقر عند الإنسان:

إن من تجليات أسماء الله الحسنى إدراك كمال القدرة الإلهية إذا قيست بمقاييس العجز البشري.

يؤكد النورسي في تلك التجليات لاسم الله الحي القيوم الرحيم القدير الذي وهب الحياة بقوله: " وكذا حسبي من الحياة وقيمتها مقياسيتي بأمثال عجزي المطلق وفقري المطلق وضعفي المطلق لمراتب قدرة القدير المطلق ودرجات رحمة الرحيم المطلق وطبقات قوة القوي المطلق، وكذا حسبي بمعكسيتي بجزئيات صفاتي من العلم والإرادة والقدرة الجزئية لفهم الصفات المحيطة لخالقي، فافهم علمه المحيط بميزان علمي الجزئي"[40].

وقوله: " وكذا حسبي من الحياة ووظيفتها كوني كلمة مكتوبة بقلم القدرة ومفهمة دالة على أسماء القدير المطلق الحي القيوم بمظهرية حياتي للشؤون الذاتية لفاطري الذي له الأسماء الحسنى" [41]

ويرى النورسي أن من الفوائد المعنوية والوظائف الفطرية في حياته المتوجهة إلى الخالق الكريم "إن حياتي بضعفها وعجزها وفقرها واحتياجها تؤدي مهمة مرآة عاكسة لقدرة خالق الحياة وقوته وغناه ورحمته إذ كما تُعلم درجات لذَّة الطعام بمقدار الجوع وتعلم مراتب الضوء بمراتب الظلام... كذلك عرفت بالعجز والفقر غير المحددين الكامنين في حياتي القدرة لخالقي ورحمته الواسعة من حيث إزالة حاجاتي التي لا تنتهي ودفع أعدائي الذين لا يُعدون، فعلمتُ وظيفة العبودية وتزودت بالسؤال والدعاء والالتجاء والتذلل" [42]، فكمال قدرة الله تعالى عرفت بموازين الفقر والعجز عند الإنسان وإظهار احتياجه وفقره له، وتظهر تجليات أسماء الله الحسنى في إظهار مدى قدرة الله تعالى من خلال تربية الفرد تربية إيمانية من خلال انعكاس حياة الفرد لمرآة خالق الحياة من خلال " قيام حياتي بوظيفة المرآة للأسماء الإلهية التي تتجلى عليها نقوشها، نعم كلما نظرت إلى حياتي وإلى جسمي لمستُ مئات الأنماط من آثار المعجزات والنقوش والإبداع فضلاً عن مشاهدتي بأني أربى تربيةً في منتهى الشفقة والرحمة ..... ففرقتُ بنور الإيمان أن الذي خلقني.... في غاية القدرة" [43]

كما أن تجليات أسماء الله الحسنى تعالج ضعف الإنسان وتلبي احتياجاته من خلال التعرف على كمال قدرة الله تعالى وتجلي حق التوكل على الله لتخلصه من هموم هذه الدنيا، وهذا ما يؤكده النورسي بقوله: " أنه يداوي ضعف الإنسان وعجزه وفقره واحتياجه بالتوكل على القدير الرحيم مسلّماً أثقال الحياة وأعباء الوجود إلى قدرته سبحانه وإلى رحمته الواسعة دون أن يحملها على كاهل الإنسان"[44]، ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر حيث لا يحمّل الإنسان مسؤولية ضعفه بل يكل نفسه إلى الله القادر على كل شيء فيقول النورسي" أيها الإنسان الربوبية الكاملة تتطلب من العبد أيضاً أن يلتجئ إليها ويتوكل عليها لرؤيته ضعف نفسه الشديد وعجز المخلوقات قائلاً " الله أكبر" بإعجاب وتقدير واستحسان تجاه عظمة آثار القدرة الصمدانية"[45]، بل إن ضعف الإنسان وعجزه يُظهر بجلاء وضوح قدرة الله المطلقة وتجليات أسماء الله الحسنى وهو الذي يجعل الإنسان يتوجه بالعبودية الخالصة لله تعالى وذلك " لأن الفاطر الحكيم قد أودع في ماهيّتة المعنوية عجزاً عظيماً لا نهاية له وفقراً جسيماً لا حدّ له وذلك ليكون مرآة واسعة جامعة جداً للتجليات غير المحدودة " للقدير الرحيم" الذي لا نهاية لقدرته ورحمته وللغني الكريم الذي لا منتهى لغناه وكرمه"[46]

المطلب الثالث: تعزيز معاني الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في الكون.

أن الكون وما فيه شاهد على تجليات معاني أسماء الله الحسنى بنظامه البديع المحكم، يقول النورسي" ليس في السموات من دوران وحركة إلا ويشير إلى وجودك ويدلُّ عليه، بانتظامه البديع هذا وما من جرم من الأجرام السماوية إلا ويشهد شهادة على ربوبيتك ويشير إشارة إلى وحدتك لسكونها في أداء وظيفتها بلا ضوضاء وببقائها بلا عمد فهذه السموات الصافية الطاهرة الجميلة تدل دلالة ظاهرة على هيبة ربوبيتك وعظمة قدرتك المبدعة وتشير إشارة قوية إلى سعة حاكميتك المحيطة بالسموات الشاسعة وإلى رحمتك الواسعة المحتضنة لكل ذي حياة وتشهد بلا ريب على شمول حكمتك لكل فعلٍ على إحاطة علمك بكل شيء"[47]

وهذه الآثار المبثوثة في الكون تعكس الاعتراف بوحدانية الله وبواجب الوجود لأنها مسخَّرة من قبل الله وبأمره، يقول النورسي" إن هذه النجوم الخارقة وهذه الشموس الضخمة والأقمار العجيبة قد سخّرت ونظمت ووَّظفت في ملكك أنت بأمرك أنت وبقوتك وبقدرتك أنت وبإرادتك وتدبيرك أنت.... لجميع تلك الأجرام العلوية تسبّح وتكبّر للخالق الواحد الذي خلقها ويجريها ويديرها وتقول بلسان الحال: "سبحان الله الله أكبر"[48]

وهذا مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)

وجمال هذه الصنعة في الكون تؤدي إلى استشعار جمال الكون كانعكاس لاسم الله بديع السموات والأرض واستشعار نِعم الله في الكون.

يقول النورسي " وكذا حسبي من كل جمال وذي إحسان الجميل الرحيم الذي ما هذه المصنوعات الجميلات إلا مرايا متفانية لتجدد أنوار جماله بمرّ الفصول والعصور والدهور وهذه النعم المتواترة والأثمار المتعاقبة في الربيع والصيف مظاهر لتجدد مراتب إنعامه الدائم على مَر الأنام والأيّام والأعوام"[49]

المطلب الرابع: تعزيز معاني الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

إن تحقيق العبودية الكاملة لا تنحصر في تأدية العبادات المخصوصة، بل لابد أن تنعكس تجليات أسماء الله الحسنى المعبود بحق في علاقة الإنسان بالإنسان، حيث إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كأثر من آثار النبوة قد أثرت في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وغيّر عاداتهم السلبية، يقول النورسي "انظر إلى هذا الشخص النوراني كيف ينشر من الحقيقة نوراً وضياءً... فانظرْ قد تبدَّل شكل العالم.... وتحَّول الأعداء .. أحباباً وإخواناً"[50]

كما انعكست تجليات أسماء الله الحسنى في مراقبة الإنسان لعمله لأنه" يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم ويسجلها كذلك"[51]، مما يدفع الإنسان إلى عدم ظلم أخيه الإنسان أو التجاوز والطغيان، بل التوحيد يولّد محبة الإنسان لأخيه الإنسان إذ أن "المحبة التي هي ألذ شعور في الإنسان وأطيبه وأسماه إذا ما أعانها سرُّ التوحيد يجعل الإنسان الصغير واسعاً سعة الكون وعظيماً وكبيراً كبره حتى يجعله سلطاناً محبوباً على المخلوقات كافة"[52]

بل تنعكس تجليات أسماء الله الحسنى على جوارح الإنسان وحواسه فلا يوظفها إلا في كل خير لتنعكس إيجابا على علاقة المسلم بربه وبنفسه وبأخيه المسلم، يقول النورسي" وكذا حسبي ممن أدرج في شخصي الصغير الفقير وأدمج في وجودي الضعيف الفقير هذه الأعضاء والآلات وهذه الجوارح والجهازات وهذه الحواس والحسيَّات... لإحساس جميع أنواع نعمه ولإذاقة أكثر تجليات أسمائه بجليل ألوهيته وجميل رحمته وبكبير ربوبيته وكريم رأفته وبعظيم قدرته ولطيف حكمته"[53]، بل إن تجليات اسم الله تكرار لا إله إلا الله بشوق الحاجة إليها تعرِّف الإنسان بجزاء ارتكابه الجنايات وتجاوزه لحدّه و " ترقيّه إلى مرتبة معرفة عظم جزاء الجنايات... وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء"[54]

بل يدفع هذا بالإنسان إلى تنمية الوازع الداخلي ومحاسبة الإنسان نفسه ومراقبة أعماله فلا يطغى ولا يظلم أخاه الإنسان، يقول الإمام النورسي"نعم يفهم من تجلي هذه الحفيظية ..أن لمالك هذه الموجودات عناية بالغة لتسجيل كل شيء وحفظه كل ما يجري في ملكه.. بحيث إنه يكتب ويستكتب أدنى حادثة وأهون عمل.... فلابد أن تدخل أعماله... وأفعاله... ضمن ميزان حسَّاس ومحاسبة دقيقة"[55]

وهذه المحاسبة الدقيقة تولّد مسؤولية الإنسان عن أعماله، وهذا ما يؤكده الإيمان بالقرآن الكريم، يقول النورسي" نعم إن القرآن الكريم يبين أن الإنسان مسئول عن سيئاته مسؤولية كاملة"[56]

وهذه المسؤولية والمحاسبة تقف اليوم أمام كل ظلم وتعدٍّ وتخريب وتدمير مما يحقق السعادة للبشرية وذلك بإشراقات أسماء الله الحسنى حيث " أشرقت كالشمس الساطعة من بروجها فاسم الله العادل رأيته بازغاً من برج الحكيم واسم الرحمن من برج الكريم واسم الرحيم من برج الغفور واسم الباعث من برج الوارث واسم المحيي من برج المحسن....فأضاءت هذه الأسماء بنورها الباهر عوالم كثيرة داخل عالم الإنسان المظلم وحوّلتها إلى عوالم مشرقة بهيجة"[57]

 

المبحث الرابع : آثار تجليات أسماء الله الحسنى:

المطلب الأول: زيادة المعرفة بالخالق و التعرف على كمالاته :حيث أنه كل ذرة في الكون تشهد  على كمالات الله تعالى كأثر من آثار تجليات أسماء الله الحسنى يقول النورسي (إن كل ذرة من ذرات الهواء تستطيع أن تزور أي زهرة أو ثمرة كانت وتتمكن من الدخول والعمل فيها فلو لم تكن الذرة مأمورة مسخرة من لدن القدير المطلق البصير بكل شيء للزم أن تكون تلك الذرة تائهة .... وهكذا تشع هذه الذرة شعاعا من شعاعات نور التوحيد كالشمس واضحة" [58] وجمال الكون وتنظيمه وتصرف الله فيه يدل على كمال صفاته  فهو حاضر وناظر رقيب حسيب يقول النورسي "إننا نشاهد على سطح الأرض ... أن هناك خلقا وتصرفا وفعاليه مع انسجام كامل... ودقة الصنعة وبدائعها وروعتها .. فإيجاد كل هذا في آن واحد وفي كل مكان بالطراز نفسه وفي كل فرد مع إظهار الصنعة الخارقة والفعالية المعجزة لا شك مطلقا انه برهان ساطع وختم  يخص من لا يحده مكان مثلما انه في كل مكان حاضر وناظر رقيب حسيب ومن لا يخفى عليه شيء مثلما أنه لا يعجزه شيء فخلق الذرات والنجوم سواء أمام  قدرته"[59] ويناجي النورسي ربه في موضع آخر ليشهد على كمالات الخالق ووحدانيته من خلال هذا الانتظام البديع في الكون فيقول "ليس في السموات دوران وحركة إلا ويشهد شهادة على ربوبيتك ويشير إشارة إلى وحدتك بسكونها في أداء وظيفتها بلا  ضوضاء  وببقائها بلا عمد"[60] وهذا يشير إلى  كمال أسمائه الحسنى من شمول الحكمة والإحاطة بكل شيء " فهذه السموات الصافية ... تدل دلاله  ظاهرة على هيبة ربوبيتك وعظمة قدرتك المبدعة وتشير إلى سعة حاكميتك .... إلى رحمتك الواسعة ... وتشهد على شمول حكمتك بكل فعل وعلى إحاطة علمك بكل شيء"[61] وهذه الذرات التي تسير بحكمة تتجلى فيها معاني أسماء الله الحسنى، وهذا ما يؤكده النورسي بقوله " انه سبحانه تعالى يحرك الذرات بحكمة تامة ويسخرها في وظائف منظمة لأجل إظهار بدائع الموجودات كي تفيد الأسماء الحسنى عن معاني تجلياتها غير المتناهية " [62]

 

المطلب الثاني : زيادة استشعار الأنس  بالله و علاقته بخلقه :

إن تجليات أسماء الله الحسنى هي التي تخرج الإنسان من الضيق والحزن وكل ألم لاستشعاره بأن الله معه ويأنس بوجوده فيحقق له السعادة الحقيقية ويخرجه من ضنك الدنيا وضيقها ويظهر ذلك في تجليات اسم الله الحي القيوم والوكيل فيبين النورسي الأنس بالله من خلال قوله: "وراجعت أستاذي الآية الكريمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) فقالت لي: انظر إلى الحياة كما يريدها (الحي القيوم) الذي وهب لك الحياة .... نظرت إلى الحياة من حيث توجه ماهيتها وحقيقتها إلى (الحي القيوم) فرأيت وعلمت أن ماهية حياتي في مخزن مفاتيح كنوز الأسماء الإلهية"[63] ثم يظهر اثر اسم الله الوكيل في التخلص من ضيق الدنيا وآلامها بقوله: "راجعت الآية الكريمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) فقالت لي: تدبر في معاني وانظر إليها بمنظار الإيمان وأنا بدوري نظرت إلى معانيها بعين الإيمان فرأيت أن وجودي الذي هو ذرة غيرة جداً مرآة لوجود غير متناه.... فنجوت من ظلمات لا حد لها تورثها أوهام موحشة  وتخلصت من آلام لا حد لها" [64] وتظهر  تجليات  أسماء الله  القادر الرحيم  في تخليصه من أعباء الدنيا واستشعار القرب والأنس بالله، يقول النورسي: "أيها الإنسان أنت لست مالكاً لنفسك بل أنت مملوك للقادر المطلق القدرة الرحيم المطلق الرحمة فلا ترهق نفسك بتحميلها مشقه حياتك فإن  الذي وهب الحياة هو الذي يديرها" [65] ويبين  النورسي أن أهل الضلالة الذين يقاسون ويعانون الألم و الضنك و يعيشون في عالم الظلمات لا يبدد هذا الظلام إلا نور الإيمان الذي يعكس تجليات أسماء الله الحسنى، يقول النورسي: "ففي الوقت الذي رأيت عالم الإنسان هذا غارقا في مثل هذه الظلمات ... إذا بالنور المنبعث من القرآن والإيمان الراسخ الناشئ منه يحطم ذلك  المنظار المضل و يهب  لعقلي بصراً  نافذاً أرى به الأسماء الإلهية الحسنى وقد أشرقت كالشمس الساطعة من بروجها "[66] مما يدفع بالإنسان إلى اللجوء إلى الله والتوكل عليه  مستندا إلى التوكل والتضرع لله. [67]

 

المطلب الرابع: زيادة إدراك العلاقة بين صفاته تعالى وعلمه المحيط بالحياة السرمدية:

فالخالق الحكيم والعالم المحيط علمه بكل شيء وتجليات تلك الأسماء الإلهية تظهر علم الله المحيط بالحياة السرمدية، يقول النورسي: "نعم كما أن الموجودات الحية المبثوثة في الأرض كافة تشير بحياتها إلى الخالق  الحكيم إلى وحدانية  فتلك الأحياء تشهد بموتها على سرمدية ذلك الحي الباقي"[68] فالحياة و الموت شاهدان  على سرمدية الحي القيوم، ويعرف ذلك من خلال النبوة التي تجلت فيها اسم الحي الذي هو المحيي المميت  يقول  النورسي: "نعم ما دام  الكون  قد خلق لأجل الحياة والحياة هي أعظم تجل وأكمل نقش وأجمل صنعة  للحي القيوم جل جلاله ومادامت حياته السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب إذ لو لم  تكن هناك رسل ولا كتب لما عرفنا تلك الحياة السرمدية"[69] "وهذا الخالق الأزلي وسرمدية حاكميته لا تحصرهما هذه الدنيا القصيرة "[70]

المطلب الرابع: الخروج من دائرة العبثية إلى دائرة الحكمة: إن من تجليات أسماء الله الحسنى و لاسيما الحكيم أن الله لم يخلق شيئا عبثا بل الحكمة نراها في كل حركات وسكنات هذا الكون لتحقيق أهداف النبوة، ومن ثم السعادة الحقيقية للإنسان، يقول النورسي: " إذا بيع العقل إلى الله واستعمل في سبيله ... فإنما ينظر صاحبه وكيفما يفكر يرى الحكمة الإلهية في كل شيء .... فيرقى العقل بهذا إلى مرتبه مرشد رباني يهيئ صاحبه للسعادة الخالدة "[71] وتظهر تلك الحكمة في نظر العقل في كمال الكون ونظامه التي سبيلها العبادة ليصل إلى سر الحكمة وعدم العبثية، يقول النورسي: " وهذه العبادة توجه الأفكار إلى الصانع الحكيم وهذا التوجه يؤسس الانقياد، والانقياد هو للإيصال إلى النظام الأكمل والارتباط به، وهذا النظام الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية " [72] .

 حتى العلوم الكونية تشهد على الحكمة بعكس الضلالة الموجودة في العلوم المادية البحتة، يقول النورسي: "فالهندسة مثلا علم من العلوم وحقيقتها وغايتها ومنتهاها هي الوصول إلى اسم (العدل والمقدر) من الأسماء الحسنى وبلوغ مشاهدة التجليات الحكيمة لذلك الاسم بكل عظمتها وهيبتها في مرآة علم الهندسة، والطب مثلا علم ومهارة ومهنة في الوقت نفسه فمنتهاه وحقيقته يستند إلى اسم من أسماء الله الحسنى وهو (الشافي) فيصل الطب إلى كماله ويصبح حقيقة فعلا بمشاهدة التجليات الرحيمة لاسم (الشافي) في الأدوية المبثوثة على سطح العلوم الذي تمثل صيدلية عظمى"[73]  "والعلوم التي تبحث في حقيقة الموجودات كالفيزياء والكيمياء والحيوان هذه العلوم التي هي (حكمة الأشياء) يمكن أن تكون حكمة حقيقية بمشاهدة التجليات الكبرى لاسم الله (الحكيم) جل جلاله في الأشياء، وهي تجليات تدبير وتربية ورعاية وبرؤية هذه التجليات في منافع الأشياء ومصالحها تصبح تلك الحكمة حكمة حقا أي باستناده إلى ذلك الاسم (الحكيم).... وإلا فإما أن تنقلب إلى خرافات وتصبح عبثا لا طائل من ورائها أو تفتح سبيلا إلى الضلالة كما هو الحال في الفلسفة الطبيعية المادية " [74].

وهذه الحكمة انعكاس لنور النبوة، يقول النورسي: "لقد تحولت بذلك النور حركات الكائنات وتنوعها وتغيراتها من العبثية والتفاهة وملعبة المصادفة إلى مكاتيب ربانية وصحائف آيات تكوينية ومرايا أسماء إلهية حتى ترقي العالم  وصار كتاب الحكمة الصمدانية " [75].

وهكذا خرجت كل الكائنات بما فيها الإنسان من دائرة العبثية إلى دائرة الحكمة كانعكاس لتجليات اسم الله (الحكيم) من مرآة النبوة بل إن النبوة جاءت لتحقيق الحكمة " اعلم أن حكمة الصانع الجليل وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد كل ذلك يستلزم قطعا النبوة في نوع البشر" [76]

المطلب الخامس : تحقيق العبودية لله من خلال توحيد وجهة الإنسان وترقيته من مراتب الحيوانية إلى مراتب الكمال الإنساني.

وتظهر تجليات اسماء الله الحسنى التي تنعكس من النبوة لتحقيق الهدف النهائي من خلق الإنسان﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) وهذه هي هدف النبوات لترقية الإنسان إلى مراتب الكمال الإنساني، يؤكد النورسي ذلك بقوله :" اسمع فانك تشاهد أن النبوة المطلقة التي هي بمثابة معدن نظام البشرية المادي والمعنوي ومركز انتظام أحوال كثير من الأنواع التي ضمتها تحت تصرفها قوة العقل، هذه النبوة برهانها رقي الإنسان على الحيوانية " [77]

وتتحقق العبودية الكاملة من خلال تنظيم أوقات الإنسان بالصلوات الخمس ويشرح النورسي أهمية هذه الصلوات ودورها في اللجوء إلى رب العالمين في كل وقت وحين من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء لتطرق بالدعاء باب القدير ذي الجلال وباب الرحيم ذي الجمال عارضة حالها امامه سائلة التوفيق والعون منه سبحانه [78]وسبب ترقية الإنسان هو النبوة بفضل سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  يقول النورسي: "وانظر إلى الإنسان كيف ترقى من حضيض الحيوانية بسبب تنورها بنور هذا الشخص  النوراني"[79]

ومن آثار تحقيق العبودية الكاملة لله تحقيق تجليات اسم الله الحفيظ الرقيب، يقول النورسي: "أمن الممكن لحفيظ ورقيب يحفظ بانتظام وميزان ما في السماء والأرض وما في البر والبحر من رطب ويابس فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها انه لا يحافظ ولا يراقب أعمال الإنسان الذي يملك فطرة سامية ويشغل رتبة الخلافة في الأرض ويحمل مهمة الأمانة الكبرى؟ ... نعم يفهم من تجلي هذه الحفيظة انه لا بد أن تدخل أعماله وأفعاله ضمن ميزان حساس ومحاسبة دقيقة" [80]، وهذا ينمي في النفس الإنسانية الوازع الداخلي فيراقب الإنسان نفسه بنفسه ويحاسبها ومن ثم تتعزز العبودية الكاملة لله من خلال تأكيد حقيقة أن الدنيا دار مقر وليست دار مستقر، ويؤكد ذلك النورسي من خلال تجليات أسماء الله الحسنى "ويعرفه بأنه ليس بحيوان ناطق بل هو إنسان بحق وضيف عزيز مكرم عند الملك الرحمن، ويداوي أيضا تلك الجروح الإنسانية الناشئة من فناء الدنيا وزوال الأشياء، ومن حب الفانيات يداويها بلطف وحنان بإظهاره الدنيا دار ضيافة الرحمن ومبينا أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الحسنى وموضحا آن مصنوعاتها رسائل ربانية تتجدد كل حين بإذن ربها، فينفذ الإنسان من قبضة ظلمات الأوهام " [81]

 

الخاتمة: النتائج والتوصيات: أولاً: النتائج: تبين بعد عرض البحث النتائج الآتية:

1-أن مفهوم النبوة يتعلق بعبد اصطفاه الله تعالى بالوحي إليه.

2-يثبت الإمام النورسي أدلة النبوة العقلية من خلال حاجة الكون إلى منظم ينظم شئونه ويسوسها وهو سرَ نظام العالم، كما أن توحيد الألوهية يظهر من خلال النبوة ويثبت الإيمان.

3-يؤكد الإمام النورسي أن أسباب حاجة الإنسانية إلى النبوة تتمثل بقصور العقل البشري، وعجز الإنسان وضعفه، وتغلب حظوظ النفس وتأثيراتها السلبية.

4-يبين النورسي أن أساليب النبوة في تعزيز الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى تتمثل بتعزيز الشكر الكلي لله تعالى وإدراك درجة القدرة الإلهية بموازين العجز عند الإنسان، وتعزيز معاني الإيمان من خلال تجليات أسماء الله الحسنى في الكون وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

5-تتمثل آثار تجليات أسماء الله الحسنى بزيادة المعرفة بالخالق والتعرف على كمالاته والأنس به، وإدراك العلاقة بين صفاته تعالى وعلمه المحيط بالحياة السرمدية، والخروج من دائرة العبثية إلى دائرة الحكمة، وتحقيق العبودية الكاملة لله بترقية الإنسان إلى مراتب الكمال الإنساني

 

----------------------------------

المصادر والمراجع

ابن فارس القزويني، أبو حسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، القاهرة، دار إحياء الكتب العلمية،1949.

ابن منظور ،أبو الفضل محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربي ،1996 .

التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، بيروت، دار الكتب العلمية.

حبنكة. عبد الرحمن، العقيدة الإسلامية أسسها، دمشق، دار القلم، طـ12، 2004.

الديباجي، السيد أبو القاسم، النبوة دراسة معاصرة، لبنان، دار الثقلين، د. ت.

الغزنوي، جمال الدين الحنفي، أصول الدين، تحقيق: عمر الداعوق، بيروت، دار البشائر، ط1، 1998م .

 الفيروز أبادي، مجد الدين بن يعقوب الشيرازي، القاموس المحيط، بيروت، مؤسسة الرسالة ،ط4، 1994.

القرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1404 هـ - 1983.

كاريل، الكسيس، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة: عادل شفيق، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1973م.

كردي بني فضل، راجح عبد الحميد، النبوة ضرورة لخلقة الإنسان ولتأسيسه، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مجلد6، العدد3، 1431 هـ - 2010 م .

النورسي، بديع الزمان سعيد، الشعاعات (كليات رسائل النور(4). ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2005.

النورسي، بديع الزمان سعيد، الشعاعات (كليات رسائل النور (4)، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2005.

النورسي، بديع الزمان سعيد، الكلمات ( كليات رسائل النور(1)، ترجمة: إحسان قاسم ألصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004.

النورسي، بديع الزمان سعيد، صيقل الاسلام (كليات رسائل النور (8)، ترجمة : احسان قاسم الصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004.

النورسي، بديع الزمان سعيد، اللمعات ( كليات رسائل النور"3") ترجمة: إحسان قاسم ألصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004.

----------------------------------

[1] الفيروز أبادي، مجد الدين بن يعقوب الشيرازي، القاموس المحيط، بيروت، مؤسسة الرسالة ،ط4 ، 1994، ج1| 162 ،ابن منظور ،أبو الفضل محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربي ،1996 ؛ج 1|37.

[2] ابن فارس القزويني، أبو حسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، القاهرة، دار إحياء الكتب العلمية،1949،ج5/385.

[3] الديباجي، السيد أبو القاسم، النبوة دراسة معاصرة، لبنان، دار الثقلين، د. ت، ص 15

[4] التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، بيروت، دار الكتب العلمية، ج3، \268.

[5] حبنكة. عبد الرحمن، العقيدة الإسلامية أسسها، دمشق، دار القلم، طـ12، 2004، ص 266.

[6] ابن تيمية، النبوات، ص 28.

[7] كردي بني فضل، راجح عبد الحميد، النبوة ضرورة لخلقة الإنسان ولتأسيسه، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مجلد6، العدد3، 1431 هـ - 2010 م ، ص 199 .

[8] المرجع نفسه، ص 200

[9] القرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1404 هـ - 1983، ص 75

[10] النورسي، بديع الزمان سعيد، الكلمات ( كليات رسائل النور(1) ، ترجمة: إحسان قاسم ألصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004، ص 62.

[11] النورسي، بديع الزمان سعيد، الشعاعات ( كليات رسائل النور(4). ترجمة : إحسان قاسم الصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2005، ص 310.

[12] النورسي، الشعاعات، ص 105.

[13] النورسي، الكلمات، 843

[14] الديباجي، النبوة دراسة معاصرة، ص 24 (بتصرف)

[15] النورسي، بديع الزمان سعيد، صيقل الاسلام (كليات رسائل النور (8)، ترجمة : احسان قاسم الصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004، ص 138.

[16] كاريل، الكسيس، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة: عادل شفيق، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1973م، ص 13-14.

[17] النورسي، صيقل الاسلام، ص 138.

[18] النورسي، بديع الزمان سعيد، الشعاعات (كليات رسائل النور (4)) ، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2005، ص18.

[19] النورسي، صيقل الاسلام، 126.

[20] النورسي، الكلمات، 41.

[21] النورسي، الشعاعات، ص 19.

[22] الديباجي، النبوة دراسة معاصرة، ص 18.

[23] النورسي، الكلمات، ص 761.

[24] النورسي، الكلمات، ص 535.

[25] النورسي، صيقل الإسلام، ص 483.

[26] النورسي، صيقل الإسلام، ص 483.

[27] النورسي، صيقل الإسلام ، 484.

[28] النورسي، الكلمات، ص 762.

[29] النورسي، صيقل الاسلام، ص 485.

[30] الغزنوي، جمال الدين الحنفي، أصول الدين، تحقيق: عمر الداعوق، بيروت، دار البشائر، ط1، 1998م ، ص 120

[31] النورسي، الكلمات، ص 39

[32]  النورسي، الشعاعات، ص 101

[33] النورسي، الشعاعات، ص 84.

[34] النورسي، الكلمات، ص 8

[35] النورسي، الكلمات، ص 555

[36] النورسي، بديع الزمان سعيد،اللمعات ( كليات رسائل النور"3") ترجمة: إحسان قاسم ألصالحي، القاهرة، شركة سوزلر للنشر، ط4، 2004، ص169

[37] انظر القصة: النورسي، اللمعات، ص 326.

[38] النورسي، اللمعات، ص 327.

[39] النورسي، الكلمات، 760

[40] النورسي، الشعاعات، 99.

[41] النورسي، الشعاعات، ص99

[42] النورسي، الشعاعات، ص83

[43] النورسي، الشعاعات، ص 83

[44] النورسي، الكلمات، ص 759

[45] النورسي، الكلمات، ص 39

[46] النورسي، الكلمات، 362

[47] النورسي، الشعاعات، 48-49

[48] النورسي، الشعاعات، ص 49

[49] النورسي، الشعاعات، 99

[50] النورسي، الكلمات، 256-257

[51] النورسي، الشعاعات، 75

[52] النورسي، الشعاعات، ص 19

[53]النورسي، الشعاعات، ص 100

[54] النورسي، الكلمات، ص 535

[55] النورسي، الكلمات، ص 82-83

[56] النورسي، الكلمات، 542

[57] النورسي، صيقل الاسلام، ص 485

[58] . النورسي  ، الكلمات ، 332

[59] . النورسي  ، الكلمات ، 337

[60] . النورسي  ، الشعاعات ، 48

[61] . النورسي  ، الشعاعات ، 49

[62] . النورسي  ، الكلمات ، 656

[63] . النورسي، الشعاعات ، 81-82

[64] . النورسي، الشعاعات ، 79

[65] . النورسي، الكلمات ، 760

[66] . النورسي ، صيقل الاسلام ، 485

[67] .انظر: النورسي  ، الكلمات، 130

[68] . النورسي، الكلمات، 814

[69] . النورسي  ، الكلمات، 118

[70] . النورسي  ، الكلمات، 112

[71] . النورسي  ، الكلمات، 23

[72]- النورسي ، صيقل الإسلام ، ص: 138 .

[73]- النورسي ، الكلمات ص: 290 – 291 .

[74]- النورسي ، الكلمات ص: 291 .

[75]- النورسي ، الكلمات ص: 257.

[76]- النورسي ، صيقل الإسلام ، ص: 135 .

[77]- النورسي ، صيقل الإسلام ، ص: 136 .

[78]- انظر اهمية الصلوات ودورها في تحقيق العبودية الكاملة ، النورسي ، الكلمات ، ص: 41 – 44 .

[79]- النورسي ، الكليات  ، ص: 257.

[80]- النورسي ، الكلمات  ، ص: 81-82 .

[81]- النورسي ، الكلمات  ، ص: 759.


38-) بديع الزمان عبقرية ابتعثها القدر

 

عباقرة الفكر هم الاستثناء من بين المجتمعات البشرية التقليدية، وإنّ أفكارهم لتسطع في ليالي الشعوب الحالكة كما تسطع الشمس في رائعة النهار و"النورسي" هو واحدٌ من هؤلاء العباقرة الذين ابتعثهم القدر ليكونوا منار هدى يستضاءُ بهم كلما اشتد الظلام واحلولكت لياليه.

ليس بفضل عالمٍ بين جملة من العلماء كفضل مَن هو مفرد فَذٌّ لم يسبقه أحد ولم يلحق به أحد، ومن هنا كان ضوء النورسي أشدّ ألقاً وأعظم نوراً.

ماذا تريدون يا أحبابي، أتريدون إلتقائي..؟ حسناً عليكم بقراءة "رسائل النور" فستلتقوني فيها... هكذا قال "النورسي".

العبقرية كانت تعلن عن نفسها في "النورسي" منذ نعومة أظفاره، إنه رجل القدر المرصود للدفاع عن القرآن في أكثر العصور جحوداً، لنستمع إليه وهو يقول: (لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها).

ما كان الدين حليف العبودية والجهل والتأخر، بل هو صنو الحرية والعلم والتقدم، هكذا كان يقول للعشائر في كتابه "المناظرات"... أتريدون مثالاً على الاتحاد والجد والعمل، هذه مستعمرات النمل تعلموا منها، كيف تجدّ وتبني وتتعاون فيما بينها، مثلها فكونوا... ومنها تعلموا...

إيماناً من "النورسي" بأهمية العلوم الحديثة في ارتقاء المسلمين يتقدم إلى السلطان في "استانبول" بمشروع إنشاء جامعة شرقي البلاد تعنى بالعلوم الحديثة إلى جانب العلوم الدينية.

أما كتابه "إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز" فهو آية من آيات عبقريته الفكرية. ففي الوقت الذي كان يخوض المعارك قائداً للأنصار في الحرب التركية الروسية كان ذهنه يعمل بحيوية عجيبة في تصنيف كتاب يكشف عن عظمة القرآن البلاغية والإعجازية من غير أن يكون معه أي مصدر يستعين به سوى القرآن نفسه، ولا ينفك يدعو إلى تأسيس هيئة علمية من اختصاصات متنوعة للقيام بتفسير القرآن، لقد عشق القرآن وعشق الدعوة إليه وهو القائل: (ليكن ألف سعيد، وليس سعيداً واحداً، فداء لحقيقة واحدة من حقائق القرآن).

ولئن أسَر "الروس" جسمه في هذه الحرب إلاّ أنّ روحه وفكره ظلاّ طليقين يعملان لله ويدعوان له دون أن يحدهما حدٌ أو يمنعهما مانع. نعم، ماذا فقد مَنْ وجده، وماذا وجد مَن فقده.

وفي عودته إلى "استانبول" من الأسر وجد الدولة العثمانية وهي تتهاوى وتنهار، وتقوم الجمهورية على أنقاضها مشعلة نار الجحود والإلحاد في كل مكان من أرجاء البلاد. فينسحب من الحياة العامّة ليتاح له التفكير بهدوء، ثم لا يلبث حتى يعود أكثر إصراراً وتصميماً على العمل من أجل رفع راية القرآن محلقة في أجواء تركية كما كانت مدة من قبل.

إيها الأخوة... أيها الأحباب... إنحنوا إعجاباً وتقديراً لـ"بارلا" العزيزة التي شهدت أولى "رسائل النور" وهي تترى من قلم الأستاذ المنفي فيها... امعنوا النظر في الكلمات تجدوا فيها عظمة الإيمان والعبادات، وإعجاز القرآن، وأحقية الحشر والنشر.

أما مكتوباته فهي دواء ناجع، ودحض تام لكل الشكوك التي حاول الأعداء أن يثيروها حول صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بما يقنع العقل ويطمئن القلب.

أما "اللمعات" فهي خطابات في منتهى اللطف تواسي المرضى، وتعين الشيوخ في شيخوختهم، وتثير نخوة الشباب، وتهدهد الأطفال، وتذكر النساء، فضلاً عمّا حرّره في قضايا التصوف ما له وما عليه.

ثم نجده في السيرة أنه يؤخذ من منفى إلى آخر، فتوالى السجون والمنافي والإقامات الإجبارية ومحاولات التسميم. ومع هذا فهو منشرح لقراءة الحكام لرسائل النور حتى لو كانت قراءة عدائية. فنراه بعيداً بعداً كلياً عن الحقد والنفور رغم أنه أُدخل السجن ظلماً وبهتاناً، بل يستمر في دروسه الإيمانية للمساجين الذين هم أحوج ما يكونون إليها. حتى إنه يرفع يديه ليدعو على المدعي العام لكنه حينما رأى طفلته الصغيرة يرق قلبه عليها فيخفضهما. ويقول: لقد صفحت عن الذين ظلموني وأذاقوني مرّ العذاب، وهذا منتهى الشفقة والرحمة. ويلقى بهذا درسا إلى طلابه، فيقول لهم: نحن فدائيو المحبة لا مجال لنا للخصومة. وأن أجدر شيء للمحبة هو المحبة نفسها وأجدر شيء للخصومة هو الخصومة نفسها.

وهكذا تلي المحكمة محكمة أخرى والنفي إثر النفي والترصدات لا تنفك. ولكن بعناية الله سبحانه أخفقت جميع المحاولات لإسكات قلم النورسي، فنراه يزين كتابه " الشعاعات" بمسائل دقيقة في التوحيد وجمال العبادة، وعلامات الساعة، بل جعل الكون كله كتاباً مفتوحاً أمام الإنسان فينظر إليه بعين السائح المستفسر عن كل ما حوله، فيستنطق الشمس والقمر والنجوم بل العالم أجمع عن الخالق. فيعير السمع إلى كل صوب ويقف عند كل جماعة ولا يسمع إلاّ صوت لا إله إلاّ الله. ويقول: إن كنت تريد أن تشاهد تلك الحقائق الرفيعة عن قُرب، فاذهب إلى بحرٍ هائج، وإلى أرضٍ مهتزّة بالزلازل، وأسألهما: ما تقولان؟ ستسمع حتماً أنهما يناديان: يا جليل.. يا جليل.. يا عزيز.. يا جبار…

ثم اذهب إلى الفراخ والصغار من الحيوانات، التي تعيش في البحر أو على الأرض، والتي تُربّى في منتهى الشفقة والرحمة، وأسألها: ما تقولين؟ لابد أنّها تترنم: يا جميل .. يا جميل.. يا رحيم.. يا رحيم.

ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال. وتصنّت للحيوانات كيف تقول: يا رحمن يا رزاق. واسأل الربيع، فستسمع منـه: يا حنان يا رحمن يا رحيم يا كريم يا لطيف يا عطوف يا مصوّر يا منوّر يـا محـسن يا مزيّن.. وأمثالَـها من الأسماء الكثيرة 

وسيرته طافحة بالرقة والشفقة على الخلق، بل حتى نراه يسكب الدموع الغزيرة على الأبرياء الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية. فيحمل هموم العالم في قلبه ويفضّلها على همومه الشخصية، ويبكي على الذين حُرموا الإيمان وتركوا الدنيا دون إيمان. بل حتى إنه يقول يوماً لطلابه: أنه على استعداد لدخول جهنم إنقاذاً لإيمان أمتي... وأن الاختلاف بين أفراد الأمة يقضّ مضجعه وأن الله لم يخلق الاختلاف في الألوان واللغات إلاّ لأجل العيش في وفاق وسلام. بل يدعو إلى الوفاق مع الروحانيين من النصارى لمواجهة الإلحاد والفساد الذي يسري في العالم سريان الطاعون.

وهكذا كلما تجولنا في صفحات رسائل النور يعظم في أعيننا هذا الرجل العظيم سعيد النورسي.

ولكن يا ترى هل عُرف هذا الرجل العظيم في العالم أجمع... لنلقي نظرة إلى خارج البلاد. فنرى أنه بعد وفاة هذا المفكر العظيم سنة 1960 ترجمت رسائل النور إلى مل يقرب من أربعين لغة من لغات العالم. وغدت حياته وفكره مادة مئات من الكتب وعشرات من المؤتمرات وآلاف من المقالات، وأنشئت وحدات دراسية وكراسي جامعية حتى في الغرب.

وختاماً نختم سياحتنا الخيالية مع النجم القطبي لهذا العصر، ونتوجه إليكم أيها الجمع الكريم.

أن بديع الزمان شمس منيرة، وما هذا الذي ذكرناه إلاّ دعوة متواضعة له . فالاستفاضة الحقة من تلك الأنوار هي في تجوالكم في صفحات رسائل النور. وقراءتها قراءة جادة.

 

 


39-) القواعـد التي يجـب مراعاتـها في تطبيــق السنــة النبويــة في الحيــاة في منظور الإمام النورسي

 

 

 

القواعـد التي يجـب مراعاتـها في تطبيــق السنــة النبويــة في الحيــاة

في منظور الإمام النورسي

 

الأستاذ الدكتور رابــــــح بن أحمد دفــــرور 

عميد كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية

بجامعة أدرار - الجزائر           

 

 

مقدمــــــــــة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

كثيرة هي الأسباب التي تدعونا لاستخلاص القواعد واستنباط الضوابط التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة المعاصرة من منظور رسائل النور، ولعل أهمها ما يلي:

أولا: أهمية السنة النبوية ودورها في تنظيم الحياة، وإصلاح الفرد والمجتمع عند الإمام المصلح سعيد النورسي، حيث يعتبر الهدي النبوي كالبوصلة التي تبين اتجاه حركة السفن فلا تضل طريقها وسط الأمواج المتلاطمة، وكالمصباح الذي يضيئ فيهتدي حامله في الطرق المظلمة.

ثانيا: استيعاب الإمام النورسي لواقع الأمة الإسلامية المعاصرة، فهو متلاطم الأفكار، متشعب المذاهب والمعتقدات، موجب للحيرة والاضطراب في التفكير والسلوك والمعتقد، حيث انتشر الفكر المادي الإلحادي فشوه بيضة الإسلام، وعصف الخلاف واشتد بين الفرق المسلمة: السنة والشيعة والمتصوفة... فعمد إلى اختيار منهج علمي يوضح كيفية الاستفادة من السنة النبوية  بما يحقق تفاعلا إيجابيا مع هذا الواقع.

ثالثا: تصور الإمام النورسي الدقيق لشمولية السنة النبوية لكل نواحي الحياة البشرية ومتطلباتها، وإيرادها حلولا  لمشاكلها، وعثورها على الأدوية لأمراضها وعللها. فهو يرى أن دساتيرها أفضل دواء وأنفعه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية والاجتماعية.

وتهدف هذه المداخلة إلى إبراز أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها في فهم السنة النبوية، وكيفية تطبيقها، ليستفيد منها المسلم المعاصر في تحصين دينه، وتنوير فكره، وترشيد سلوكه، وكيفية تعامله مع من يخالفه في العقيدة والمنهج والسلوك، وكل ذلك من منظور رسائل النور، وفق الخطة الآتية:

أولا: مفهوم السنة النبوية عند الإمام النورسي.

ثانيا: أهمية السنة النبوية في فكر الإمام النورسي.

ثالثـا: القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي.

 

أولا: مفهوم السنة عند النورسي

لم يخض الإمام النورسي في مفهوم السنة النبوية، وتفصيلاتها وأنواعها، وأقسامها على طريقة الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، باعتماد التعريف على الحدود والقوالب، وإنما ركز في ذلك على الجانب العملي الخلقي للسنة، إذ يعتبر ذلك أهم ما يفرزه تطبيق السنة، وأهم ما يظهر على المتمسك بها، وأهم الثمرات التي يجنيها متبع السنة في حياته الفردية والجماعية، وهو بهذا الاعتبار تجده يحصر السنة النبوية في تلك الآداب والأخلاق والعادات التي تحلى بها سيد المرسلين عليه أفضل صلاة وأزكى سلام.

يقول الإمام النورسي مبرزا ماهية السنة النبوية: "حقيقة السنة هي آداب عظيمة، وأخلاق جليلة، فقد جمع الله أصول الآداب وقواعدها في رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم - فمن يهجر السنة المطهرة فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم"[1]

وانطلاقا من هذا المفهوم فإنه لا معنى لتطبيق السنه النبوية، ولا يمكن أن تؤتي نفعها في حياة الفرد والمجتمع، إذا ظلت تمارس في شكل طقوس جوفاء، وحركات خالية من المعاني الروحية والأدبية المقصودة منها،  وهذا ما تمثل في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- : "رُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا السَّهَرُ وَرُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ"[2]

 

ثانيا: أهمية السنة النبوية في فكر الإمام النورسي.

إن السنة النبوية تعتبر مصدرا أساسا من مصادر كشف الظلمة، وإزالة الغمة، وإنارة الطريق أمام الضال، فهي كالبوصلة التي لا يستغني عنها قبطان السفينة في وسط البحار، وكالمصباح الذي يهدي صاحبه إذا اشتدت الظلمة وحلكت. وهذا ما يجب أن يعتقده كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، فالسنة النبوية ليست ترفا فكريا، أو خيارا عمليا يقوم به المسلم عند الحاجة، وإنما هي أساس لا غنى عنه إذا حلت الشدائد، وعصفت المصائب، وتفرقت السبل، وحارت القلوب، وتاهت العقول، وإنها الحق فيما جاءت به، والنجاة فيما أمرت به، ذلك لأنها نابعة عن المعصوم – صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ النجم:4-5

قال الإمام النورسي مبينا الوصفة الطبية لأمراض الزمان وعلله: "عصر مريض، وعنصر سقيم، وعضو عليل، وصفتها الطبية هي اتباع القرآن"[3] ولا شك أن السنة النبوية هي الترجمان الخلقي للقرآن الكريم، ونموذجه العملي. وقال أيضا: "إن الحديث النبوي معدن الحياة، وملهم الحقائق"[4]

وعلى المسلم العاقل أن يكون أول مستفيد في حياته، من هذا المصدر الموصوف بالعصمة فهو لا يضل من اتبعه، ولا يخطئ من انتهجه، فيه الشفاء لكل علة، والمخرج من كل معضلة، وهداية من كل ضلالة، وعصمة من كل غواية، يجد فيه متبعه طمأنينة عند كل حيرة، وأمانا من كل فزع.

ولقد مثل الإمام النورسي لأهمية اتباع السنة النبوية بالمقارنة بين أساسيات المدنية السنية وبين أساسيات المدنية الحديثة التي أورثتها الحضارة الغربية المبنية على الأفكار الفلسفية البشرية، وتستبعد كل ما كان مصدره ديني. حيث أظهر أن المدنية السنية تستند إلى الحق بدلا من القوة، والحق من شأنه العدالة والتوازن، وهدفها الفضيلة بدلا من المنفعة، والفضيلة من شأنها المودة والتجاذب، ودستورها في الحياة التعاون بدلا من الجدال والصراع، والتعاون من شأنه الاتحاد والتساند، وتجعل الرابطة الدينية والوطنية بدلا من العنصرية والقومية، وهذه الرابطة من شأنها الأخوة المخلصة، والمسالمة الجادة، والدفاع  فقط عند الاعتداء الخارجي[5].

أما المدنية التي أفرزتها الحضارة الغربية فهي تستند إلى القوة التي من شأنها التجاوز والاعتداء، وهدفها المنفعة التي من شأنها التزاحم والتخاصم، ودستورها الصراع والجدال، وهذا ما يؤدي إلى التنازع، ورابطتها بين الكتل البشرية هي العنصرية والقومية التي تتوسع على حساب الآخرين، فتبلعهم وتمحي وجودهم، وهذا ما يؤدي إلى التصادم والتقاتل لأجل البقاء[6].

وإن هذه المقارنة التي ضربها الإمام النورسي بين المدنية السنية والمدنية الغربية الحديثة تعد مقارنة شاملة لأهم المقومات الأساسية التي تعنى بالوجود الإنساني، وبقيمه الروحية والحضارية والأخلاقية، وتميز كيانه عن الكيان الحيواني. ويهتدي في نهاية الأمر إلى أن المدنية السنية بتلك الأساسيات تضع الهدى بدلا من الهوى، والهدى من شأنه أن يرفع الإنسان: روحا وجسدا، فردا وجماعة إلى مراقي الكمالات.

أما المدنية الغربية فهي تضع الهوى بدلا من الهدى، وتلبي رغبات النفس الأمارة بالسوء، وتقضي على القيم التي يسمو بها الإنسان: روحيا وأخلاقيا وحضارة، فيرتد مسخا في صورة بشر، ويصدق عليه قولـــــــــه تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: 17، ويخلص إلى أن الإسلام القائم على هدي الكتاب والسنة لهو حامي الوجود الإنساني: جسديا، وروحيا، وأخلاقيا، ولا نجاة من إفرازات المدنية الغربية وظلماتها إلا بالاعتصام به.

قال النورسي: "فلا تزح يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا، واستعصم به وإلا هلكت" [7]

 

ثالثـا: القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي.

      إن السنة النبوية التي تعتبر أفضل نموذج للاقتداء، وأكمل مرشد للاتباع والسلوك، وأحكم دستور، وأعظم قانون يتخذه المسلم في تنظيم حياته الفردية والجماعية، إنها لا تؤتي أكلها، ولا تلمس ثمرتها، ولا تظهر نتائجها في حياة الفرد والمجتمع على الوجه الأكمل إلا إذا روعي في تطبيقها مجموعة من القواعد، وجملة من الضوابط، ينبغي على المسلم أن يراعيها، وأن يأخذ بها عند التطبيق، وإن المتأمل في رسائل النور التي أبدعها الإمام النورسي يمكنه أن يحدد بعضا من تلك القواعد والضوابط، ولعل من أهها ما يلي:

القاعدة الأولى: اتباع السنة النبوية وتقليدها في الأمور كلها

إن المسلم حين يعمل جاهدا على أن يتبع السنة النبوية، ويقلدها في الأمور كلها، إنه يجعل أعماله اليومية، وسلوكاته الفطرية، وحركاته وسكناته العادية، قربة إلى الله، وعبادة يؤجر عليها، إذا كان ذلك بنية اتباع السنة النبوية، وتقليد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في حركاته وتصرفاته، فالأكل والشرب واللباس... مثلا هي أعمال يقوم بها الإنسان بشكل يومي ليلبي حاجته الفطرية البيولوجية، لكنه إذا تحرى في ذلك الكيفية التي كان يقوم بها النبي –صلى الله عليه وسلم- في أكله وشربه ولباسه ... حصلت له متابعة السنة، وكان بذلك مأجورا، وبهذا الاتباع والتقليد يجعل كل لحظة من لحظات حياته بل عمره كله عبادة، ومجالا لتحصيل الأجر والثواب.

قال الإمام النورسي: "أما السنن النبوية في العادات والتعاملات فإنها تصيّر العادة عبادة رغم أن تاركها لا يلام، إلا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب الله –صلى الله عليه وسلم-"[8]

وهذا المعنى هو نفسه ما تمثل في حديث  النبي – صلى الله عليه وسلم- حين اعتبر معاشرة المؤمن زوجه صدقة مأجورا عليها إذا كان ذلك في حلال، متبعا السنة، غير مخالف، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا"[9]

هذا وإن اتباع السنة النبوية لهو ضرورة يتحرى بها شرع الله، وهو سبحانه لا يعبد إلا بما شرع، فلا يلتبس على المؤمن العمل المقبول من المردود عند الله - تعالى- ، فالاتباع لا يبقي مجالا للعقل أو الذوق في تحسين الأمور أو تقبيحها، بل يجعل العمل صوابا حتما عند الله لحصول موافقته للسنة النبوية. والمؤمن الفطن عليه أن يتحرى قطعية الصواب في العمل بالاتباع، لا أن يجعل الصواب في عمله محتملا بالابتداع. وهذا ما أكد عليه النبي – صلى الله عليه وسلم- في حديثه حين ذم البدع ومحدثات الأمور، وشدد على ضرورة اتباع السنة فقال: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"[10]

ولهذا الأمر يجعل النورسي الفرق شاسعا بين السنة النبوية وغيرها من الآداب المبتدعة فيقول: "إن اتباع سنة واحدة من السنن النبوية يكون مقبولا عند الله أعظم من مائة من الآداب والنوافل الخاصة... وإن سنة واحدة من السنن النبوية ترجح ألفا من الآداب الصوفية"[11]

هذا وإن الاتباع المطلق لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يحقق للفرد مصلحة ومنفعة في حياته الشخصية والاجتماعية، ذلك لأن عادات النبي – صلى الله عليه وسلم- وحركاته وسكناته حكمة ومنفعة له، ولكل من اتبعه، واقتفى أثره، وقلد أفعاله. وإن الإعراض عن السنة النبوية حرمان من منفعة عظيمة قد لا يدركها الإنسان بعقله، وتفويت لمصلحة جليلة لا توجد إلا عند المعصوم في أفعاله، الحكيم في أقواله – صلى الله عليه وسلم-

قال الإمام النورسي: "أما عاداته – صلى الله عليه وسلم- وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدا تقليدها واتباعها حكمة ومصلحة سواء في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا، فضلا عن أنها بالمتابعة تصيّر تلك الآداب والعادات بحكم العبادة... فالسعيد المحظوظ هو من له أوفر نصيب من هذا الاتباع للسنة النبوية"[12]

القاعدة الثانية: الإخلاص في اتباع السنة النبوية

إن لازم قبول الأعمال عند الله – تعالى- أمران أساسان، أولهما: أن يكون العمل موافقا للسنة النبوية، متبعا لها، وهو ما ذكر في القاعدة الأولى، وثانيهما: أن يكون ذلك العمل خالصا لوجه الله – تعالى- فمهما وافق العمل السنة وخلا من الإخلاص فإنه مردود على صاحبه، فقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم- قبول الأعمال مرهونا بحسن نية صاحبه، وبمدى إخلاصه فيه، فقال: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ "[13]

وقد فصل الفضيل بن عياض  رحمه الله هذا المعنى وأوضحه في قوله: "دين الله أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة"[14].

وإن هذا المعنى حين استشعره صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- صاروا يخشون من أن يدخل الرياء أعمالهم فيفسدها، وأن لا يخلصوا فيها فترد عليهم، فقد جاء التحذير من ذلك في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً"[15]

وهذا ما جاء واضحا مؤكدا في فكر الإمام النورسي، حيث جعل الإخلاص الطريق الوحيد للخلاص من الشرك الخفي، والطريق الأوحد للوصول إلى مرتبة الولاية فقال: "الإخلاص هو أهم أساس لجميع طرق الولاية، وسبل الطريقة، ذلك لأن الإخلاص هو الطريق الأوحد للخلاص من الشرك الخفي"[16]

وبعد هذا العرض لأهمية الإخلاص وضرورته فإن المسلم الذي يسعى إلى الارتقاء إلى معية الأولياء وصحبة الصالحين، لا يكفيه في ذلك مجرد اتباع السنة، ولا ينفعه تقليد حركات النبي – صلى الله عليه وسلم- وسكناته ما لم يصاحب ذلك الاتباع إخلاص قلبي لله – تعالى- بل إن الإخلاص إذا ما فقتد في العمل، وأريد به السمعة والرياء، فقد حبط ذلك العمل، وكتب عليه وزر، وكان وبالا على صاحبه، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الكهف: 110

 

القاعدة الثالثة: تقديم السنة وآدابها على الطريقة

الطريقة منهج تربوي سلوكي يسلكه الإنسان ابتغاء القربى من الله، وذلك عن طريق الاجهاد في العبادات، وترك المنهيات، وتربية النفس وتزكيتها برياضات روحية خاصة. والأصل في ذلك أن يستمد من الكتاب والسنة واجتهاد العلماء، غير أن تلك الاجتهادات قد يعتريها بعض الغلو والتطرف والاعتقاد الفاسد فتخرج عن مقاصد السنة النبوية, وربما تطور المقام بصاحبها، وأعجب بطريقته، وظن أنها أحسن الوسائل الموصلة إلى الولاية، وأن أوراده أنفع في تربية النفس وتزكيتها من تلك الأدعية والأوراد السنية الثابتة فيقدمها عليها، وبذلك يقع في استحسان البدعة ومخالفة السنة.

قال الإمام النورسي محذرا من الانزلاق وراء البدع، وتقديمها على السنة النبوية: "من المزالق ترجيح بعض المتطرفين والمتعصبين جدا للطريقة لأوراد طريقتهم ولآدابها على أذكار السنة النبوية الشريفة، فيسقطون بذلك إلى منزلق  مخالفة السنة المطهرة، وتركها في الوقت الذي يظلون متشبثين بأوراد طريقتهم، أي أنهم يسلكون سلوك غير المبالي بآداب السنة النبوية، فيهوون في الورطة."[17]

وإن المنهج التي توصل إليه الإمام النورسي بصفاء فطرته، وغزاوة علمه، وتمسكه بسنة نبيه، أن السنة النبوية لا يمكن أن يقدم عليها أي طريقة مها علا شأن صاحبها، ومهما ظهر له ولأتباعه أنها الأنفع والأحسن في مجال التربية والسلوك. فقد قال: "إن سنة واحدة من السنن النبوية ترجح ألفا من آداب التصوف"[18]  

إن السنة النبوية لا تؤتي أكلها كاملا في حياة المسلم، ولا يسلم من مخالفتها إلا بالاعتقاد الجازم بأنها أفضل من جميع الطرق التي ظن أصحابها أنها الأحسن في مجال التربية والسلوك, ذلك لأن ما جاءت به السنة النبوية متصف بالعصمة التي لا ضلال فيها، وبالكمال الذي لا تقص فيه، وأما ما وضعه أصحاب التصوف من طرق وأوراد... فهو ضلال مبين إذا عارض السنة، وهو خلاف الأولى إذا لم يخالفها، وكان في أحسن حال. وفي مثل هذا المقام جاء تحذير الله – سبحانه-  للمخالفين لسنة رسوله، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: 63    

القاعدة الرابعة: تذكر النبي – صلى الله عليه وسلم- عند القيام بسنته

إن من تمام النفع الحاصل من خلال اتباع السنة النبوية، والاسترشاد بتوجيهاتها ودلائلها أن يستحضر المسلم في مخيلته – أثناء قيامه بأي سنة – تلك المواقف والشواهد التي كانت أسبابا ومجالات لورود تلك السنة، والكيفية التي وردت بها، لأنه بهذا الاستحضار يستشعر معية النبي -صلى الله عليه وسلم-  وهو يفعل تلك السنة، كما يستشعر بشكل أكثر رقابة الله – سبحانه- على عمله ذلك، فيزداد إخلاصه له. فيكون عمله أكثر نفعا، وأزكى ثمرة. 

قال الإمام النورسي: "إن الاتباع المباشر للسنة المطهرة يذكر بالرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم- فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب إلى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية، كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها إلى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها، لأن الإنسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم- فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر أنه – صلى الله عليه وسلم- صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه إلى الشارع الحقيقي وهو الله – سبحانه وتعالى- فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة"[19] 

القاعد الخامسة: الاعتدال في تطبيق السنة النبوية

الغلو في تطبيق السنة النبوية والتشدد فيها من أهم الأسباب التي تفسد تلك المنافع التي تجنى من خلال التطبيق المعتدل والوسطي للسنة، كما يفرز فكرا متشددا، وسلوكا شاذا، ومنهجا جانحا، وظواهر غريبة عن المألوف عند البشر، ولقد عالج النبي – صلى الله عليه وسلم- هذه المسألة عندما ظهرت أول بادرة في زمانه، ووضع لها حدا ببراءته من ذلك الفعل، واعتبر ذلك خروجا عن السنة ومجانبا لها، وبين أمثل المناهج في كيفية تطبيق سنته.

فعن أنَسَ بن مالك قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بُيوت أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي صلى الله عله وسلم، فلمّا أُخبِرُوا، كأنّهم تَقَالُّوهَا، فقالوا "وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم- قد غُفر له ما تَقدّم مِن ذَنبه وما تأَخّر." قال أحدُهم "أمّا أنا فإنّي أُصَلِّي الليلَ أبداً"، وقال آخَرُ "أنا أصُومُ الدّهرَ ولا أُفطِرُ"، وقال آخَرُ "أنا أَعْتَزِلُ النساءَ فلا أَتَزوَّجُ أبداً". فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذِين قلتم كذا وكذا، أَمَا والله إنّي لأَخشاكم للهِ وأَتقاكم له، لكنّي أَصُومُ وأُفطِرُ، وأُصلّي وأَرقُدُ وأَتَزوَّجُ النّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنّتِي فلَيس مِنِّي"[20].

وفي موقف آخر نجده – صلى الله عليه وسلم- يحذر من الغلو والتطرف، ويجعل ذلك من أسباب هلاك الأمم والأقوام فقال: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ"[21]

وإننا لنجد الإمام النورسي يؤكد على هذه المسألة، ويعتبرها أساسا لصلاح أي عمل، فقال: "لا خير في الإفراط والتفريط في كل شيء، وإن الاستقامة هي الحد الوسط، الذي اختاره أهل السنة والجماعة"[22]

ويستشف عظم هذه القاعدة من خلال تأمله في شخصية النبي – صلى الله عليه وسلم- وسيرته وأفعاله وأقواله التي تميزت بظاهرة الاعتدال في كل الأمور، فكان نموذجا للاستقامة، ومثالا لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هود: 112.

 ومن الأمثلة على ذلك فإن قواه العقلية – صلى الله عليه وسلم- سارت نحو الحكمة، فهي بين الغباء والخب، وسارت قواه الغضبية نحو الشجاعة السامية، فهي بين الجبن والتهور، كما سارت قواه الشهوية نحو العفة، فهي بين الخمود والفجور، وسارت حياته كلها نحو الاستقامة، فهي بين الإفراط والتفريط.[23]

وهكذا يظهر أن الاستقامة في الأفعال تفرز الفضيلة التي تكون بين رذيلتين ذميمتين، فليحذر المسلم من الوقوع في إحداهما، وأن الاعتدال والوسطية أساس اتباع السنة النبوية، وإلا صار ذلك تنطعا وتشددا يوجب براءة النبي – صلى الله عليه وسلم- من صاحبه.

 

الخــــاتمـــــــة

وفي نهاية هذه الورقة نخلص إلى مجموعة النتائج الآتية:

أولا: يحصر الإمام النورسي مفهوم السنة النبوية في تلك الآداب والأخلاق والعادات التي تحلى بها سيد المرسلين عليه أفضل صلاة وأزكى سلام.

ثانيا: تظهر أهمية السنة النبوية عند الإمام النورسي في كونها مصدرا أساسا في كشف الظلمة، وإنارة الطريق أمام الضال، وحاجة المسلم لها كحاجة قبطان السفينة للبوصلة، وحاجة من يسير في الظلمة للمصباح المضيء.

ثالثا: من أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية لتؤتي نفعها للفرد والمجتمع ما يلي:

القاعدة الأولى: اتباع السنة النبوية وتقليدها في الأمور كلها.

القاعدة الثانية: الإخلاص في اتباع السنة النبوية .

 القاعدة الثالثة: تقديم السنة وآدابها على الطريقة.

القاعدة الرابعة: تذكر النبي – صلى الله عليه وسلم- عند القيام بسنته.

القاعد الخامسة: الاعتدال في تطبيق السنة النبوية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

------------------------

قائمة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم .
  2.  السنن الكبرى، أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، دار الباز، طبع سنة1414هـ،1994م
  3. شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت: محمد زغلول، دار الكتب العلمية، ط1، 1410ه
  4.  صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير ، اليمامة ، بيروت، ط3سنة 1407هـ، 1987م، تحقيق: د/ مصطفى ديب البوغا
  5. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، دار إحياء التراث، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
  6. مسند أحمد، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر.
  7.  معالم التنزيل في تفسير القرآن، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: عبد الله النمر، دار طيبة للنشر، ط 4 سنة 1997.
  8.  كليات رسائل النور: اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر.
  9. كليات رسائل النور: المكتوبات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر.

 

 

-----------------------------

[1] - اللمعات، ص: 87

[2] - رواه أحمد في المسند، 18: 43 والبيهقي في السنن الكبرى، 4: 270

[3] - المكتوبات، ص: 610

[4] - المصدر نفسه

[5] - ينظر المكتوبات، ص: 607

[6] - ينظر المصدر نفسه

[7] - المصدر نفسه

[8] - اللمعات ، ص: 90

[9] - رواه مسلم في كتاب: الزكاة،  باب: بَاب بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ

[10]ـــــ رواه البيهقي في شعب الإيمان، 10: 21

[11] - المكتوبات، ص: 588

[12] - اللمعات، ص: 94-95

[13] - رواه البخاري، باب: بدء الوحي ، كتاب: بدء الوحي

[14] - تفسير البغوي، 8: 176

[15] - رواه أحمد، 48: 123

[16] - المكتوبات، ص: 581د

[17] - المكتوبات، ص: 588

[18] - المصدر نفسة، ص: 588

[19] - اللمعات، ص: 81

[20] - رواه البخاري، كتاب:  النكاح ، باب: الترغيب في النكاح

[21] - أخرجه أحمد، 7: 111

[22] - اللمعات، ص: 37

[23] - ينظر اللمعات،   ص: 96

 

 


40-) القواعد الخمسون في قراءة رسائل النور

 

 

القواعد الخمسون في قراءة رسائل النور

د. عبدالحكيم الأنيس                  

كبير باحثين أول في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي

ألقاها في الندوة العالمية الثالثة للأكاديميين الشباب

18-19/6/2011             

اسطنبول                   

باسمه سبحانه وله الحمد

 

 القواعد الخمسين لقراءة رسائل النور

  1. من البديهي أن نقول أولاً: يجب أن تقرأ كل ما كتبه الأستاذ بلا استثناء، فالاستثناء هنا مفرغ، وأذكر هنا مقولة للشيخ أبو غدة:

الكتاب إذا لم تقرأه كلَّه لا يعطيك سرَّه

  1. من البديهي أن نقول ثانياً: اقرأ أيها الباحث –ما استطعت- ما كتب عنه في الشرق والغرب.
  2. أعد قراءة ما قرأت، على قاعدة: قراءة كتاب مرتين خير من قراءة كتابين.
  3. زر الأماكن التي كتب فيها مقتدياً بالواقدي الذي كان يزور مواقع الغزوات والأحداث قبل أن يكتب عنها. ومقتدياً بالمحب الذي يقول:

أرى أثارهم فأذوب شوقاً وأسكب في مواطنهم دموعي

  1. اعرف تواريخ ما كتب
  2. اعرف كيف تشكلت رسائل النور وكيف رتبت وما يدخل فيها
  3. حاول أن تعلم سر الترتيب
  4. توقف عند المكرر واعرف حكمته
  5. جزّء الرسائل على صفحات محددة

الكلمات 875

المكتوبات 584

اللمعات 539

الشعاعات 659

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز 235

المثنوي العربي النوري 473

الملاحق 391

صيقل الاسلام 520

سيرة ذاتية 582

المجموع: 4858

وبتقسيم هذا العدد على 40 صفحة يصبح لدينا (45 و 121) يوماً

ففي (121) يوماً يمكن أن تقرأ كليات النور كلها.

ولو قسمنا العدد على 100 أي أنك تقرأ كل يوم (100) صفحة

فتكون النتيجة (58و48 يوماً).

  1. تهيأ نفسياً وقلبياً للدخول إلى عالم النور.
  2. اقرأ السيرة الذاتية أولاً وتمكن فيها والواجب أن تقرأ الكتابين: سيرة ذاتية، وبديع الزمان: نظرة عامة عن حياته وأثاره وهذا وصفه الشيخ أبو غدة: كتاب حافز ممتع للغاية.
  3. قارن بين ما تقرأ وبين كتابات أخرى في الموضوع، فإذا قرأت "رسالة الشيوخ" فاقرأ  "طب الأشياخ" لابن الجوزي.
  4. فهرس ما تقرأ بنفسك لنفسك.
  5. علِّق على ما تقرأ حالاً ولا تؤجل كتابة ما يخطر لك.
  6. ابحث عن مصادر فكر بديع الزمان
  7. تأمل في طريقة تعامله مع المصادر
  8. لا تتعجل بالحُكم على أمرٍ لم تستوعبه
  9. اسأل نفسك دائماً: لِمَ قال هذا ولِمن؟
  10. اربط بين الموضوعات المتشابهة والمتقاربة
  11. تعمّق في طريقة تعامل النورسي مع السنة لمعرفة ما زاده على أقوال الشراح.
  12. لا تسرع إلى إنكار حديث ضعيف أو موضوع قبل البحث عنه من جديد.
  13. هناك ملحوظات على طريقة التخريج فانتبه لها، كأن يُحكم على حديث بالضعف أو الوضع دون ذكر البديل الصحيح.
  14. لا تعتمد على الفهارس لأنها لا تغطي الموضوعات.
  15. احذر بعض الأخطاء المطبعية.
  16. تذوق الأساليب البلاغية في الرسائل ولاسيما التشبيهات.
  17. افتح عينيك على عالم النبات فهو في الرسائل مميز
  18. وتأمل في عالم الحيوان فهو في الرسائل ذو أهمية بالغة.
  19. اعمل لنفسك ملفاً بعنوان: رجال حول النورسي
  20. لا تغفل عن موضوع مهم في الرسائل هو عوامل استقرار الدول.
  21. تلمس وأنت تقرأ حلولاً لمشكلات قائمة أو قد تقوم.
  22. حاول وأنت تقرأ أن تقرأ ما بقي حبيساً في صدر الأستاذ.
  23. هناك فروق بين الكلمات والمكتوبات واللمعات والشعاعات فاعمل على اكتشافها.
  24. جرب أن تصنف الأفكار القديمة التي ظلت مع الأستاذ إلى آخر حياته.
  25. كان من عادة العلماء إذا قرأوا أن ينتقوا، فافعل فعلهم واسلك طريقهم، ولتكن لديك منتقيات تخاطب روحك وعقلك وقلبك، وتؤثر فيك، أو تجد أنك ستحتاجها في حياتك العلمية والعملية.
  26. وأنت تقرأ لاحظ دقة الأستاذ العلمية وحفاظه على هذه الدقة وتصحيحه الرسائل بنفسه، وتذكر جهود العلماء في الحفاظ على الكلمة العلمية.

يقول الأستاذ: "لقد ازداد كثيراً هذه السنة عدد الذين يكتبون رسائل النور والحمد لله ويأتي إليّ التصحيح الثاني فأنشغل به بصورة سريعة طوال اليوم، لذا يتأخر كثير من أموري المهمة، إذ أرى أن هذه الوظيفة أهم من غيرها".

  1. خصص لنفسك نسخة للمطالعة والمراجعة، تبقى معك في سائر حياتك العلمية.
  2. اضبط هذه النسخة بالشكل، فإن ذلك سيساعدك كثيراً في القراءة الثانية، وحين المراجعات لإعداد بحوث أو أوراق أو كلمات أو أفكار.
  3. ارفع صوتك بالقراءة وهذا الأسلوب سيضطرك إلى معرفة ضبط ما تقرأ، وهذا سيقوي علاقتك باللغة، ويجعلك على صلة حية بالمعاجم.
  4. هناك كثير من الكلمات التي تصلح أن تكون شعارات فحاول أن تستخرجها في ملف خاص، وذلك كقوله:
  • إن المحجوب عن نور الله بستار الطبيعة يمنح كل شيء ألوهية، ثم يسلطه على نفسه.
  • الشهرة مستبدة متحكمة، إذ تملّك صاحبَها ما لا يملك، فالخواجة نصر الدين جحا لا يملك من لطائفه المنتشرة غير العُشر.
  • قوله على لسان الأثمار المعلقة على الأشجار:

"لا تحصرن نظرك في الخرائب وحدها، فهلاّ نظرت إلينا، وأنعمت النظر فينا".

  • إنني أعيش بدون طعام ولكني لا أعيش بدون حرية.
  1. وهناك كثير من الجمل التي يمكن أن تعد حكماً تذكّرنا بحكم الرفاعي وابن عطاء الله، فاعمل على جمعها وتصنيفها. وتابع ما بدأه عبد الرحمن ابن أخي الشيخ ومن ذلك قوله:

"إن عشرين سنة من عمر مبهم أفضل من ألف سنة من عمر معلوم النهاية"

  1. من المفيد جداً أن تعقد مقارنة بين السيرة الذاتية للأستاذ وسيرة أهل عصره وإن تقدمت وفياتهم عليه أو تأخرت. فاقرأ مذكرات الدعوة والداعية لحسن البنا والفرقان للصيادي والأيام لطه حسين وحياتي لأحمد أمين وطفل من القرية لسيد قطب ومذكرات شاهد القرن لمالك بن نبي. اقرأ كل هذا لتزداد فهماً لهم وللأستاذ.
  2. كوّن لنفسك معجماً أو قاعدة بيانات لما كُتِبَ عن الأستاذ باللغة العربية وغيرها من اللغات إن استطعت.
  3. استفد من مناهج العلماء المتقدمين في كتابتهم عن الأعلام لتثري أفكارك وتفتح عينك على ما لم تره، وتستدل على ما يمكن استخراجه وتبويبه من رسائل النور.

ومن أبرزهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي الذي كتب مناقب عمر بن الخطاب وبناه على ثمانين باباً، ومناقب عمر بن عبد العزيز وبناه على أربعة وأربعين باباً، ومناقب معروف الكرخي وبناه على سبعة وعشرين باباً، ومناقب أحمد بن حنبل وبناه على مئة باب.

  1. سيخطر لك وأنت تقرأ خواطر مهمة عن موضوعات لم تجدها أخذتْ حظها من الدرس والنظر فاكتبها حالاً فلعلك تنهض لتحقيقها بنفسك أو تقترحها على آخرين.
  2. لا بأس أن تفكر بتعلّم اللغة التركية لتقرأ ما كتبه الأستاذ بها، وهذا سيزيدك اطلاعاً على التراث النوري والثروة النورية.

وقد تنهض إلى مراجعة الأرشيف العثماني الضخم وتستخرج ما لم يخرج.

  1. من الجميل والمفيد أن تصنف أنواع المخاطبين في رسائل النور، من النفس إلى الآخر حين يكون طالباً محباً، أو شانئاً عدواً، وإنساناً حاضراً، وإنساناً سيأتي بعد سنين.

وفوق هذا كله خطابه رب العزة ونبيه الأعظم.

ولعلك ستجد نفسك هي المعنية بقوله: يا نفسي المغرقة بالفخر، المعجبة بالشهرة، الهائمة وراء المدح والثناء، يا نفسي الغوية.. يا نفسي الشقية، هل إن عمرك أبدي، وهل عندك عهد قطعي بالبقاء إلى السنة المقبلة بل إلى الغد.

يا نفسي الشرهة... يا نفسي الطائشة.. يا نفسي المغرمة بالدنيا.

  1. توقف عند تعامل النورسي مع الزمن: في ليله ونهاره، وسفره واستقراره، وسكونه وكلامه، ويقظته ومنامه. واستمتع بقوله: نسيم التجلي يهب وقت الأسحار، فانتبهي يا عيني في السحر، واسألي المولى العناية، فالسَحَر متابة المذنبين، فهب يا قلبي تائباً في الفجر مستغفراً لدى باب مولاك" ومن ذلك أن تتوقف مع: النورسي ورمضان، والنورسي وأوقات التأليف.
  2. ستجد في التتبع معلومات غير متداولة ولا معروفة فاجعل هذا من هدفك لتضيف جديداً، ومن ذلك مراسلة الأستاذ مع علماء عصره.

مثال ذلك رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن زين العابدين الأنطاكي الحلبي وقد كشف عن ذلك في كتاب صدر عن الشيخ عبدالرحمن بعنوان: الغريب المهاجر المقهور.

  1. كان للأستاذ آمال في التأليف ومن ذلك قوله: "فأملي بالله عظيم أن تجمع كذلك تلك الأجزاء المتناثرة التي تثبت بالأدلة والبراهين أن أهل الضلالة يعيشون في جهنم في هذه الدنيا، وأن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة في هذه الدنيا أيضاً... وآمل أن تجتمع تلك الأجزاء من رسائل النور في مجموعة موجزة تنشر بعون الله وتوفيقه".

ومن الوفاء أن تعمل على تحقيق تلك الآمال.

  1. وبعد فلنتعلم من النورسي ونحن نقرأ رسائل النور أمراً في غاية الأهمية، هو قولنا لما لا نعلمه: لا نعلم. كما قال الأستاذ حين سئل عن شيء: "إنني الآن لا أعلم حكمة ذلك العدد".

ونختم بهذه الكلمة للأستاذ:

"أيها الأخ التركي:

احذر وانتبه أنت بالذات، فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجاً لا يمكن فصلها عن الإسلام، ومتى ما حاولت عزلها عن الإسلام فقد هلكتَ إذن وانتهى أمرُك، ألا ترى أن جميع مفاخرك في الماضي قد سجل في سجل الإسلام، وأن تلك المفاخر لا يمكن أن تُمحى من الوجود قطعاً فلا تمحها أنت من قلبك بالاستماع إلى الشبهات التي تثيرها شياطين الإنس".المكتوبات 2/391

 

 


41-) تأملات في النبي والنبوات

 

 

تأملات في النبي والنبوات

 

                                                                                              أديب إبراهيم الدباغ         

المركز الأكاديمي للدراسات والبحوث

إسطنبول              

 

1-النبوة

من خلال التأمل الاستقرائي العميق لتاريخ النبوات على سطح هذه الأرض يمكن أن نخلص إلى نتيجة في تعريف "النبوة" مفادها أنّ "النبوة" بمعناها الشامل المحيط، إنما هي عملية استنهاض إلهي للقوى الإدراكية والروحية الكامنة في "الجوهر الإنساني" لدى "النبي"، ومن ثمة فهي عملية توسيع زاوية النظر عند "النبي" في اعتماد الشمولية الجامعة بين الإنسان من جهة والعالمين المرئي وغير المرئي من جهة أخرى. و"النبي" وإن كان مبعوثًا لزمان ومكان معيّنين، غير أنه ينظر إلى "الزمان" من فوق الزمان ومن خارجه، وينظر إلى "المكان" من فوق المكان ومن خارجه كذلك، فيأتي نظره أنفذ وأصدق وأبعد وأشمل، وعند ما يبلغ "النبي" هذه الرؤية الشمولية فإن الزمن سيتوقف عنده، وينشأ زمن جديد يشرع بالتشكل من تعاليمه ومسيرته ومن التوجهات الإلهية الموحَى بها إليه.

 

2-النبي

و"النبي" لا يتوقف عند درجة واحدة من سلم المعرفة، بل هو في ترقٍّ دائم مع كل نفَس من أنفاسه، حتى يرى العالم في أوج توهجه الجمالي، وإعجازية انتظامه ودقة صنعه، كما أنه يرى الإنسان هو المكان الأرفع الذي يحرص على جعله مرآةً عاكسة تعكس عالمه الداخلي والخارجي على حد سواء.

إنّ "النبي" يثير في قومه من الانفعالات ما يحفز الجموع لتخطي الركود العقلي والروحي اللذين اعتاد الإنسان العادي أن يعيش في دائرتهما. فتجعله أكثر جرأةً على كسر قيود نفسه، والتخلّص من أغلال عقله وروحه، فهو بمثابة الحجر الكبير -ولا مناقشة في المثال- الذي يحرك أمواج المياه الراكدة في بحيرة الزمن الساكن فالانفعال القوي، والتوتر الشديد والقلق العميق الذي يحدثه "النبي" في الإنسان، كل هذه تعمل مجتمعة على إزاحة الأستار عن الجانب الروحي العميق في الكيان البشري لم يكن معروفًا لديه من قبل، وهو في كل الأحوال سيلمس في داخله قوة عاملة تدفع به نحو هدفية إنْ كانت مجهولة اليوم لديه إلاّ أن "النبي" سيعينه على فهمها وإدراكها، ويرسم له طريق الوصول إليها، لذلك صار من أعظم مهام "النبي" هو تدارك أولئك اليائسين الذين قد بلغ بهم اليأس إلى حدّ اعتقادهم أن وجودهم نفسه على سطح هذه الأرض إنما هو خطأ كوني ما كان للكون أن يخطئ فيهم هذا الخطأ الشنيع، حيث ألقى بهم بدون مبالاة على قارعة هذه الأرض ليعانوا فيها الغربة والحرمان ومختلف صنوف العذاب والإحباط. وذلك لكونهم يتعاملون مع حقائق الوجود كمجرد ظواهر أو أرقام أو حسابات، بينما هذه الحقائق لها ارتباط وثيق بالأنفس والأرواح وحتى السلوكيات.

 

3-محك الإيمان

وتوصل الإنسان إلى فهم الوجود ضمن هذه المعطيات النفسية والروحية، هو محك الإيمان الذي يسعى "النبي" إلى إرساء قواعده في النفوس البشرية التي يتعامل معها، إنه -أي النبي- يحمل على كاهله من الأعباء والإشكالات التي تنتظر الحلول ما لم تستطع قوة أجيال كاملة أن تحملها وتجد الحلول اللازمة لها، فلا عجب إذن -والأمر كذلك- إذا رأينا "النبي" وهو يغير مجرى الزمن ويفتح تاريخًا جديدًا لأعماله المجيدة في الأقوام والشعوب والأمم.

 

4-نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

فتتابع "النبوات" عبر الأزمنة قد توقف وإلى الأبد عند "نبوة" محمد الكبرى، جامعة النبوات، والمحتوية على خلاصاتها، فليس من نبوة ولا نبي بعده، فهو عليه السلام اللبنة القمة التي تُرِك محلها فارغًا في صرح "النبوات" ليكون هو تلك اللبنة التمام كما أخبر عليه السلام.

ولكونه الجامع الأعظم، والمحتوى الأوسع لكل تجارب الأنبياء السابقين، فإن نبوته اكتسبت بهذه الجامعية صفة الخلود والسرمدية والامتداد عبرَ الزمن حتى نهاياته، فهو عليه السلام نبي هذا العصر ونبي كل عصر آتٍ إلى قيام الساعة، فلا جرم أن نرى تعاليمه والقرآن الموحى به إليه قادرَين على إنشاء رجال أنبياء ولكن من غير وحي، ورسل ولكن من غير رسالات منزلات عليهم وهذه إحدى خواص هذه الأمة التي تميزت بها عن غيرها من الأمم فكان بعض رجالاتها من العلماء كأنبياء بني إسرائيل كما قال عليه السلام في الإشارة إلى ذلك "علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل". فمحمد صلى الله عليه وسلم ظاهر واضح الظهور يتراءى للناس من خلال هؤلاء العلماء المتتلمذين على كتابه وعلى سنته، فهو يعيش ويحيا في أفكارهم وفي أعمالهم، يدور مع الزمن حيث دار، ويتخلل في علماء أمته جيلاً بعد جيل إلى نهاية العالم.

 

5-"النورسي"

و"النورسي" رحمه الله من علماء هذه الأمة الأفذاذ، فقد خالط الوحيان - القرآن والسنة- سمعه وبصره ومخّه وعظمه وعصبه ولحمه ودمه، فتنفس أنفاسهما، وتشرب رحيقهما، بهما عاش، ولهما كرَّس وجوده وحياته وقلمه ورسائله "رسائل النور". إنه يرتقي قمة هذا العصر حاملاً بيديه الوحيين العظيمين ويقف على هذه القمة مناديًا إنسان اليوم ليعود إلى كنف النبوات من جديد بعد ما عاناه من جفافات روحية وتصحرات وجدانية كادت تأتي على البقية الباقية من خضرة الإيمان في قلبه.

فــ "النورسي" بشهادة الذين قرأوا له وهم كثيرون من أعمق وأوسع الذهنيات الإيمانية في هذا العصر، وكثيرًا ما يستعصى على الفهم إلاّ إذا فهم على أنه مرآة عظيمة وصقيلة مهمتها الأساس أنْ تعكس روح النبي الخاتم، وروح قرآنه الموحى به إليه، فمسألة العودة إلى الدين وإنْ كانت مسألة مرتبطة بضمير الفرد غير أنها إلى جانب ذلك قضية في غاية الأهمّية للحضارة القائمة فما لم تعد هذه الحضارة إلى الدين وتجعله واحدًا من أعمدة ركائزها فإنها مهددة بالانهيار والسقوط كما يتنبأ بذلك جَمٌّ غفير من أساطين هذه الحضارة ومفكّريها. فالمسألة برمتها تكمن في ابتكار مفاهيم جديدة غير تلقيدية ولا نمطية حول علاقة الإنسان بالحياة وبالموت، وعلاقة الحضارة كذلك بالحياة وبالموت.

 

6-الحياة والموت

وقد اكتشف "النورسي" هذا المفهوم من خلال تأمله الطويل والعميق في الحياة والموت. فالحياة عنده هي عملية انطلاق من قيود العدميات والنسبيات التي هي أساس كل الشرور التي يطفح بها العالم، وهي -أي الحياة- بعد ذلك وقبل ذلك قدحة من قدحات المطلق الإلهي وتجلٍّ من تجليات اسمه تعالى "الحي" في الإنسان والكون والكائنات، هكذا يفهم "النورسي" المعنى العميق للحياة، والمعنى العميق للموت، حيث يرى فيه وجهًا آخر من وجهي الحياة، لأن "الموت" مخلوق "الذي خلق الموت والحياة" ولأن الموت مخلوق كالحياة، فالموت إذن ليس عدمًا وحتى العدم نفسه فهو بيدر الموجودات، لأنّ الموجودات يتوالى مجيئها منه بعد عملية الخلق والإيجاد كما يقول مولانا جلال الدين الرومي.

 

7-عالم الحداثة وما بعد الحداثة

والسؤال المتربص بنا في هذا المقام وينتظر الإجابة عليه هو: هل العالم اليوم، عالم الحداثة كما يسمّونه، وعالم ما بعد الحداثة كما يقولون، الغائص في هذه المادية الغليظة والمرعبة قادر على فهم "النبوات" وقادر على استيعاب غيبياتها، والإيمان بما ورائياتها، فعقل العالم اليوم مصاب بكلال ذهني، وقصور إدراكي، وفقدانه لذكائه الفطري المطمور تحت ركام من مغالطات المنطق، وسفسطات الفلسفة، وتنوع الثقافات، وفوضى الأفكار والأيدلوجيات، وغياب الهدفية والمآل والمصير عن اهتمامات الإنسان.. كل هذا صحيح، وهذا الصحيح المظلم القاتم الظلام في أشد حاجاته اليوم إلى "النبي" و"النبوات" لأنه لا شيء يمكنه أن يمنح الإنسان المعنى والمغزى لحياته، ويعرفه بهدفيه الحياة التي يحياها، ويفتح منافذ روحه وعقله على المآل والمصير، وعلى الموت وما بعد الموت، غير "النبي" وغير "النبوات". فالموت والحياة يبقيان لغْزين من ألغاز هذا الوجود اللذين يتحدّيان عقل الإنسان، وهما الحقيقتان الوجوديتان اللتان نشهد تكرارهما أمام أعيننا كل يوم، الأمر الذي جعل "النورسي" يقول: "إذا لم نكن قادرين على إيقاف قوافل الموتى التي تزور المقابر، وتدخل القبور كل يوم، وإذا لم يستطع أحد إلغاء الموت من فوق هذه الأرض، فإن ذلك يستدعي التفكير الجدّي في معنى "الموت والحياة"، والتفكير الجدّي كذلك في مآل الإنسان ومصيره".

 

8-المآل والمصير

والتفكير في "المآل والمصير" هو ما أكّدت عليه "النبوات" جميعًا وحثَّتْ عليه الإنسان، وطلبت منه أن يكون من أعظم اهتماماته وأكبرها ولكن غالبية البشر لقصر نظرهم يقعون في مشاغل الحياة الدنيوية وتفاهاتها وحماقاتها، ولا يرغبون في تحمل مسؤولية هذا التفكير وما يترتّب عليه من التزامات ولا يريدون أن يدفعوا ثمن ما يتطلبه سُموُّ هذا التفكير من جهد ذهني وجسدي وسلوكي، واستنهاض للقوى الروحية النائمة في أعماقهم، وما يستدعيه ذلك من قوة إرادة وقوة عزيمة، وإصرار على المضي في هذه الطريق إلى نهاية الشوط.

 

9-الإيمان بالنبوة

فالمؤمن بالنبوة يشق طريقه وسط عصر الشك هذا، ووسط شك كل العصور دون أن يتزعزع إيمانه للحظة واحدة مهما يُثارُ من حوله من شكوكيات يراد له أن ينزلق نحوها.

والمؤمن بـ"النبي" و"النبوة" يصبح من القوة والاقتدار بحيث يستطيع أن يشكل منعطفًا جديدًا في أساليب التفكير السائدة في عصره، وقد يستطيع أن يلفت انتباه حضارة بأسرها ويثير اهتمامها لتتبنّى أسلوب تفكيره الإيماني، فالنبوي التفكير يمثل بحد ذاته استدراكًا وتصحيحًا للمعطيات الفكرية للحضارة القائمة أو الحضارات اللاحقة.

وهذه الانعطافات في مسيرة الزمن، ومسيرة الحضارات هي ما حققه الأنبياء العظام من أصحاب الرسالات الكبرى وحققه خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أربعة عشر قرنًا عاشت في ظلّ نبوته الخاتمة وإنْ كان هذا الظل قد ينحسر بعضَ الشيء عن بعض القرون وقد يمتد ويكثف على بعض القرون الأخرى إلا أنه يبقى موجودًا ومعروفًا ومُسْعى إليه في حالي انحساره ومَدّه.

والأستاذ "النورسي" يدرك أنّ العصر الذي كُتب له أن يعيش فيه هو عصر الانحسارات الروحية في العالم كله ولاسيما انحسار الظل المحمّدي عن الأمة المحمدية، لذلك فقد رأى أن واجبه الديني والأخلاقي والإنساني يحتم عليه أن يسعى بكل ما يمتلك من قوى روحية وعقلية إلى أنْ يعيد لهذا الروح المحمدي هيمنته على هذه الأمة وتألّقه في سماء حياتها، ففي صوت "النورسي" وفي قلمه شيء من الربانية وشيء أقرب إلى النفحات العلوية، لذا فهو مدفوع بكل خصبه الذهني والروحي إلى تكريس وجوده الأفضل لهذه المهمة المقدّسة، فيقول وهو في غمار هذا العمل المجيد: "لقد ضحّيتُ حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع.. فليس في قلبي رَغَبٌ في الجنّة، ولا رهَبٌ من جهنّم، فليكن سعيد [يعني نفسه] بل ألف سعيد قربانًا في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ مئات الملايين.. ولئن ظلَّ قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتّى في الجنة، إذْ ستكون هي أيضًا سجنًا لي.. وإنْ رأيتُ إيمان أمّتنا في خير وسلام فإنّني أرضى أنْ أُحرَق في لهيب جهنّم، إذْ بينما يُحرَقُ جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور"([1]).

ولكي نكون أكثر قربًا وفهمًا لهذه الشخصية العظيمة الممتلئة بالشجاعة والصلابة وقوة الشكيمة، لنقرأ معًا ما يقوله عن نفسه التي قاربت أن تكون خارقة من خوارق العادات، فيقول: "لم أذُقْ طوال عمري البالغ نيفًا وثمانين سنة شيئًا من لذائذ الحياة. لقد قضيتُ حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن، ومحاكم البلاد؛ لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرَّعه.. عوملتُ معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، وغُرِبْتُ في أرجاء البلاد كالمشرَّدين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس شهورًا في زنزانات البلاد، ودُسَّ لي السُّمُّ مرارًا، وتعرضتُ لإهانات متنوّعة، ومَرَّت عليّ أوقات رجَّحتُ فيها الموتَ على الحياة ألف ضعف، ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي فربّما كان سعيد اليوم ترابًا تحت التراب"([2]).

 

10-ثورة عقلية وروحية

لا يشك أحد في أنّ البشرية اليوم أعلى إدراكًا، وأعظم علمًا، وأقوى تفهمًا مما كانت عليه فيما مضى من القرون، ولكن قوة الفهم عندها في أمسّ الحاجة إلى نوع من التطهير والتعديل والتقويم، ولاسيما تلك المنطقة المعتمة من عقلها فيما يخص حقائق النبوات والدين، ولكي تحمل نفسها على فهم هذا الجانب المعتم من عقلها في حاجة إلى شجاعة نفسية وعقلية تبلغ حَدَّ البطولة لتأخذ بيدها وتجعلها تجتاز التخلف عن قِمَمِ الفهم والعلم الحقيقين اللذين لازالت تقصر عن فهمها بالشكل المطلوب، وهذا هو ما يمكن أن تقوم به للبشرية النبوات العظيمة وبالأخص الخاتمة منها. فنبوة محمد صلى الله عليه وسلم جاوزت النبوات السابقة بكفاحها البطولي المستمر، وبقدرتها الفائقة على استيعاب المدركات المتجددة للعقل الإنساني مع الزمن، فنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الموحى به إليه إنما هو ثورة عقلية وروحية تستوعب كُلَّ نتاجات العقل الإنساني وقد تسبقها أحيانًا وتمهد لها أحيانًا أخرى كما يشير إلى ذلك "النورسي" في مبحثه الإبداعي عن معجزات الأنبياء عليهم السلام، وهذا هو سِرُّ خلودها وسرمديتها، لأنّ الوحي نفسه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طَه:114).

فلم يسجل تاريخ العلم خلال أربعة عشر قرنًا أيّ تعارض بين حقيقة علمية ثابتة مع أي حقيقة دينية ثابتة في الكتاب والسنة، وأكثر من ذلك يقول "النورسي": "إذا تعارض العقل مع النقل يُؤوّل النقل ليوافق العقل"، وهذه قاعدة أصولية معتمدة من رجال العلم والفقه في كل زمان ومكان. وتوكيدًا لرأيه السابق نورد هنا نصًّا ورد في المقدمة الأولى من كتابه "صيقل الإسلام" حيث يقول: من الأصول المقرّرة أنه: "إذا تعارض العقل والنقل، يُعَدُّ العقل أصلاً ويؤوّل النقل، ولكن ينبغي لذلك العقل أن يكون عقلاً حقًّا"([3])

 

11-السعة والعمق لدى "النورسي"

إنّنا قد نركض وراء "النورسي" لنلحق به، ونتعب من هذا الركض إلى حد اللهاث، ثمّ نرى في آخر الشوط أنّ أفكاره أعمق من أن نطالها أو ندركها، وهذا الأمر هو الذي يدفعني إلى القول بأنّ الأعمال الفكرية الفخمة والعظيمة من مثل "رسائل النور" نادرًا ما تسلس قيادها لمن يريد قياسها بالشبر والمسطر، كما اعتاد الأكادميون أنْ يفعلوا، فمثل هذه الأعمال لا يستطاع ضبطها ولا حصرها، لأنّها تتفلَّتْ من كل ضبط أو حصر، ولكنها تبقى مع ذلك الملهمُ الأعظم لجيشان أفكارنا، وتغذية وجداننا، فأفكار الرجل -أعني النورسي- كشعاعات الطاقة الضوئية المتجددة، تشع في الأذهان والقلوب والأرواح، ثمّ تثوي هناك وتغيب فيها، فلا يستطاع الإمساك بها كما لا يستطاع الإمساك بشعاع الضوء أو النور.. ولكنها تحدث في دواخلنا شيئًا لا ندري ما هو ينقلنا من الحالة الذهنية العادية إلى حالة ذهنية غير قابلة للتفسير، لأنه أكثر رجال الإيمان درايةً بخصائص الروح وسرائر الضمير.

 

12-العقل الكبير والنبوة

فموضوع "النبي" و"النبوة" موضوع كبير يحتاج لمعالجته إلى عقل كبير، وأن يكون هذا العقل محتفظًا على مَرِّ السنين بجدته وحرارته.. والنورسي ما كتب ما كتب بأقلام القصب، بل بأقلام مدادها نزيف الروح، ودماء القلب، وأحسب أنه حين كان يكتب -ولا أزكّيه على الله بل تعالى هو المزكي- يغيب كل شيء من أمام بصره وبصيرته إلاّ الجلال الإلهي، والجمال الأبدي، إنّه من الله تعالى ومن قرآنه يأخذ ليكتب للهِ ولخلق الله.. فالشوق إلى الحقيقة عندما يكتب هو الباعث الأعظم لحرارة الحياة في كتاباته، فهو لا يبحث "في الحياة" أو "عن الحياة" بل يبحث عن لُبِّ الحياة، وعن سِرِّها، وعن قوامها، وعن محركاتها، وعن إدراك مراميها، وعن التعرُّف على توجهاتها، ونتائجها، وخلاصاتها، وبداياتها ونهاياتها.. وعن حقيقة الإنسان، وعن قدراته وطاقاته، ولانهاياته، وتشبثه بالخلود، وعشقه للأبد، والنبوة وضرورتها لبني الإنسان، ونبوة محمد عليه السلام، وعظمة هذه النبوة، وكونها الخاتمة، ودواعي خلودها وبقائها، وحاجة البشرية إليها، وصلاحها لمعالجة أخطاء كل الأزمنة والأمكنة..

 

13-الحقيقة الدينية

فالحقيقة الدينية هي ما ينشده هذا المفكر العظيم من خلال بحوثه في النبوات عمومًا وفي نبوة محمد عليه السلام بالأخص، وهذه الحقيقة عادت على لسانه أنشودة جمالية وجلالية ظلّ ينشدها لنفسه، وينشدها للآخرين من خلق الله بشفافية عجيبة وبصوت حزين كي لا تثقل على الأذهان أو تؤود الوجدان، فبقدر ما كان مهيبًا كان حزينًا، وبقدر ذلك كان مقبولاً من لدن طلابه ولدن كل مَنْ حظي برؤيته أو مجالسته. فقلبه الواسع الكبير ظلَّ في حياته كلها معدن إشفاق وينبوع رحمة حتى لأعدائه الذين جرّعوه شتّى صنوف العذاب، فالبساطة مع التناسق، والتماثل مع التناسب والتألق مع الوضوح من مقومات فكره، ومن ميزات كتاباته، وللتدليل على ذلك نورد بعض أفكاره في النبوة حيث يقول: إنّ القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتمًا البشر من دون نبي، ومن دون شريعة.. نعم هكذا يقتضي سرُّ نظام العالم"([4]).

أما كلامه في "المعراج" فإنه ينمُّ عن عبقرية ذهنية استشرافية غير مسبوقة، وفهم جديد إبداعي النظر حيث يقول: "كل سماء مدار عظيم لعرش الربوبية ومركز جليل لتصرف الألوهية" ثم يمضي فيقول: "حتى عرج به إلى مقام "قاب قوسين" فشرّف بالأحدية بكلامه وبرؤيته، ليجعل ذلك العبد جامعًا لجميع الكمالات الإنسانية، نائلاً جميع التجليات الإلهية، شاهدًا على جميع طبقات الكائنات، داعيًا إلى سلطان الربوبية، مبلغًا للمرضيات الإلهية كشَّافًا لطلسم الكائنات"([5]). ويقول: "فمثلا في أي سماء قابل سيدنا عيسى عليه السلام المتشرف باسم "القدير" سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى متجل في دائرة تلك السماء بالذات بعنوان "القدير، ومثلا إنّ عنوان "المتكلم" الذي تشرّف به سيدنا موسى عليه السلام هو المهيمن على دائرة السماء التي هي مقام سيدنا موسى عليه السلام.

وهكذا فالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لأنه قد حظي بالاسم الأعظم، ولأن نبوته عامة وشاملة وقد نال جميع تجليات الأسماء الحسنى، فإنّ له علاقة إذن مع جميع دوائر الربوبية.. فلا بد أنّ حقيقة معراجه تقتضي مقابلته الأنبياء وهم ذوو مقام في تلك الدوائر، ومروره من جميع الطبقات"([6]).

14-المعرفة الإيمانية

فكم سيكون الأمر عظيمًا إذا استطاع عالمنا الإسلامي أن ينجب اليوم رجالاً ذوي ذهنيات عظيمة وخصبة، كما عند "النورسي"، فإني أحسب أنّ "المعرفة الإيمانية" لهذه الأمّة ستزداد وتتسع وتمتد حتى يصبح بمقدورها أن تستوعب معارف العصر من دون شعور بالقصور أو الدونية، فإنّنا نحن البشر لا يبهرنا شيء كما يبهرنا ما تعانيه العقول الكبيرة من حنين إلى المعرفة، ومن رغبة في أنْ نرى الإرادات الجبَّارة لعظام المفكرين وهي تناضل من أجل إدراكات أكثر عمقًا، وأعظم اتّساعًا، وأقدر على التغيير والتجديد، وهذا هو ما تحتاجه الأمة في الوقت الحاضر.

 

 

------------------------

[1]  سيرة ذاتية، سعيد النورسي، ص:457.

[2]  سيرة ذاتية، سعيد النورسي، ص:457.

[3]  صيقل الإسلام، سعيد النورسي، ص:29.

[4]  اللوامع، سعيد النورسي، ص:843.

[5]  اللوامع، سعيد النورسي، ص:852.

[6]  اللوامع، سعيد النورسي، ص:674.

 

 


42-) قراءة الأنبياء كتاب الكون  من خلال رسائل النور

 

 

قراءة الأنبياء كتاب الكون

 من خلال رسائل النور

 

أ.د. زياد خليل الدغامين         

كلية الشريعة - جامعة آل البيت – الأردن

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى أله وصحبه ومن والاه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،

فلعله ما أساء المسلمون في العصر الحاضر كما أساؤوا في منهج قراءة كتاب الكون، حيث نجم عن هذه الإساءة تخلف في مسيرة حياة الأمة، ونكوصها عن اللحاق بركب الأمم على الصعيد العلمي والتكنولوجي. ولعل هذه الإساءة مترتبة عن سوء قراءة كتاب الوحي أيضا، حيث قرئ قراءات محدودة لم تتجاوز في أحسن الأحوال الوصول بالقراءة إلى تحصيل الأجر والثواب بقطع النظر عن الفهم والعمل اللذين توجبهما القراءة الصحيحة لكتاب الوحي.

وعليه، فإن هذا البحث سيتوجه إلى إبراز منهج النورسي في بيان هدي الأنبياء صلوات الله عليهم في قراءة كتاب الكون من منظور رسائل النور، فقد بينت هذه الرسائل المقصود بالكون، ما هو، وما حقيقته، وما حكمة وجوده، وهل ثمة شبه بينه وبين الإنسان، وما غاياته وأهدافه؟

ويسعى هذا البحث أيضا إلى بيان المهام والوظائف المترتبة عن هذه القراءة. وبيان مفاتيح قراءة كتاب الكون، هل يقرأه المسلمون كما تقرأه أمم الشرق والغرب؟ أم لا بد من قراءة بمواصفات ومعايير خاصة تنبع من خصوصية هذه الأمة التي حملت الأمانة، وكانت خير أمة أخرجت للناس؟ وهل استطاعت العلوم والمعارف الحديثة أن تقف على قراءة كاملة للكون؟

وسنبرز في هذا البحث أهم قضايا قراءة الكون في نظر النورسي، ونجملها في النقاط الآتية:

  1. الكون في نظر النورسي
  2. مقاصد خلق الكون
  3. العلاقة بين القرآن والكون
  4. أثر العلوم المعاصرة في قراءة الكون
  5. قراءة الأنبياء وقراءة الفلاسفة الماديين
  6. منطلقات قراءة الكون
  7. الخاتمة وتشتمل على أهم نتائج البحث وتوصياته

 

  1. الكون في نظر النورسي

ينطلق النورسي في تعريف الكون من منطلق قرآني خالص، وعقيدة إيمانية راسخة جعلته يعرّفه تعريفاً فات كثيراً من العلماء والفلاسفة الوقوف عليه، وجعلته يحيط بشمول قلّ نظيره في كتب السابقين، فالكون في نظر النورسي كتاب، ومسجد، أما كون كتاباً فلأنه يعلّمنا بآياته التكوينية الدلالة على وجود الله سبحانه وعلى وحدانيته، ويشهد كذلك على جميع صفات الكمال والجمال والجلال للذات الجليلة. ويثبت أيضاً كمال ذاته الجليلة المبرأة من كل نقص، والمنزّهة عن كل قصور؛ ذلك لأن ظهور الكمال في أثرٍ ما، يدل على كمال الفعل الذي هو مصدره، كما هو بديهي، وكمال الفعل هذا يدلّ على كمال الاسم، وكمال الاسم يدل على كمال الصفات، وكمال الصفات يدل على كمال الشأن الذاتي، وكمال الشأن الذاتي يدل على كمال الذات - ذات الشؤون - حَدساً وضرورة وبداهة ... هذا الكون إنسان أكبر، يذكر ربَّه بصوت عالٍ، والأصوات الرقيقة لأجزائه وذراته كلها تدوي مع ذلك الصوت الهادر: لا إله إلا هو.([1])

ويبين أنه مادة عظيمة للقراءة، ويصفه بأنه كتاب مفتوح يحتاج إلى مطالعة للنظر في آفاقه.([2])

وأما كونه مسجداً فلأنّ جميع المخلوقات - ولا سيما السموات والأرض - منهمكة في ذكر وتهليل وتسبيح ينبض بالحيوية. وقد تسنم الكل وظائفهم بكل شوق ونشوة، وهـم ينجزونها بكل سعادة وامتنان.([3]) فاعتبار الكون مسجدا واعتبار كل مخلوق فيه بحكم مصلّ عابد لله الواحد يوضح الأبعاد التي يرمي إليها النورسي في قراءة الكون.

ولأنه مسجد عظيم تلهج كل مخلوقاته بتسبيح الله تعالى، ولم يخرج عن نظام هذا المسجد إلا مردة الإنس والجن، يقول النورسي: وهكذا فالكون يسبح خالقه الجليل متفقا، ويشهد على وحدانيته، مؤدياً بكمال الطاعة ما أنيط به من وظائف العبودية. إلا الإنسان الذي هو خلاصــة الكـون ونتيجته وخليفته المكرم وثمرته الــيانــعة، يقــوم بخلاف جميع ما في الكون وبضده، فيكفر بالله ويشرك به. فكــم هــو قبــيــح صنــيعه هـذا؟ وكــم يا ترى يــســتـحق عقـاباً عـلى مـا قــدمت يداه.([4])

وهو مسخر للإنسان ليمارس نشاطه المعنوي والمادي كاملاً، لقد جعل الحي القيوم سبحانه الإنسان مركزاً للكون، ومحوراً له، وسخّر الكون له فمدّ أمامه سفرة عظيمة عظم الكون لتتلذذ أنواع معداته المادية والمعنوية.([5])

هذا التعريف ذو دلالة واضحة تدل على أنّ الاتجاه الصحيح للقراءة ينبغي أن يتم وفق هذا التعريف، ذلك لأنّ تعريف الشيء فرع عن تصوره، فإذا ما تصورنا الكون على هذا النحو فإن قراءته ستكون قراءة آمنة مستقيمة ذات مقاصد جليلة. أما إذا قرئ الكون على أسس الفلسفة المادية وتخليطاتها، فإنها بدون شك ستكون قراءة شاذة مضطربة!

 

  1. مقاصد خلق الكون

الوقوف على مقاصد خلق الكون وأسرار وجوده يعين –كذلك- على قراءته قراءة صحيحة هادية إلى الحق، ومبيّنة وظيفة الإنسان فيه. ولهذه المقاصد ينبغي أن يقرأ الكون، ويبين قراءة الأنبياء له. يقول رحمه الله: "إن هذا الكون قد زُيِّن بحِكَمٍ ومصالح شتى ضمن انتظام كامل لا نقص فيه، وان تلك الأنظمة البديعة والحِكَم السامية النابعة من تلك الحكمة المعجزة المحيطة بالكون قد أدرجت بمقياس اصغر، حتى في اصغر كائن حي وفي أصغر بذرة..([6]) وقد أوجده الله لغايات سامية، ومقاصد جليلة، إظهارا لكماله.([7]) ومن أبرز هذه المقاصد:

  1. إثبات التوحيد والوحدانية المطلقة لله الخالق سبحانه وما له من أسماء وصفات:

توجهت معظم رسائل النور إلى بيان هذا المقصد في كل مناسبة، يقول رحمه الله: إن جميع الموجودات من الذرّات إلى السيارات كل منها برهان نيّر على وجوب وجوده سبحانه، وهو الواجب الوجود والقدير المطلق، فكل سلسلة من السلاسل الموجودة في العالم دليل قاطع على وحدانيته.([8])

ويرى أن قراءة كتاب الكون لتدلل على وحدانية الخالق، بل إن الكون لا يفهم إلا ليعرّف بخالقه سبحانه، فيقول: إنّ القرآن الكريم إنما يبحث عن الكائنات استطراداً، للاستدلال على ذات الله وصفاته وأسمائه الحسنى، أي يُفهم معاني هذا الكتاب، كتاب الكون العظيم كي يعرِّف خالقه.([9]) إن هذا الكون مظهر لجميع تجليات الأسماء الحسنى.([10])

إنّ هذا الكون العظيم وما فيه من مصابيح مضيئة، وقناديل متدلية يبين بوضوح سلطان هذا المعرض العظيم والمهرجان الكبير، ويعرّف منوّره ومدبّره البديع وصانعه الجليل، بشهادة هذه النجوم المتلألئة، ويحببه إلى الجميع بالتحميد والتسبيح والتقديس بل يسوقهم إلى عبادته سبحانه.([11]) فهو شاهد صدق على وحدانية الخالق سبحانه.

هذا الكتاب يدل على الخالق سبحانه، ويفهم معنى الله أكبر، ويعلم التقديس بـ سبحان الله، ويحبب الله إلينا بثناء الحمد لله.([12])

والخلاصة التي يقررها النورسي أن الأرض التي هي بمثابة قلب الكون، قد أصبحت مَشْهَرَاً لعجائب مصنوعات الله البديعة، ومحشراً لغرائب مخلوقاته الجميلة، وممراً لقافلة موجوداته الوفيرة، ومسجداً لعباده المتراصين صفوفاً عليها، ومقراً لأداء عباداتهم..  هذه الأرض تظهر من شعاع التوحيد ما يملأ الكون نوراً وضياءً.([13])

ويعدّ الشرك كذباً وافتراءً وتطاولاً على نظام الوجود كله، ويؤكد أن لا مجال للشرك في هذا الكون، فيقول: إنّه لا مكان للشرك قط في هذا الكون الشاسع العظيم الذي أبدعه الصانع القدير الحكيم بقدرته وحكمته؛ لأن وجود منتهى النظام في كل شيء لن يسمح بالشرك أبداً، فلو تدخلت أيدٍ متعددة في خلق شيء ما لبان التفاوت والاختلال في ذلك الشيء.([14])

نعم؛ ان الشرك استهانة بشعة بالكون، وتعدّ عظيم عليه، وحطّ من قيمته وتهوين من شأنه، لإنكاره حكمة الخلق وردّه وظائف المخلوقات، تلك الوظائف الجليلة.([15]) لأنّ العالم الأكبر، أي: الكون كله، والإنسان وهو العالم الأصغر ومثاله المصغر، يظهران معاً دلائل الوحدانية المسطّرة في الآفاق والأنفس بقلم القدر والقدرة.([16])

 

 

  1. إثبات الحشر والآخرة

إثبات الحشر بوصفه مقصدا أعظم لوجود هذا الكون من القضايا الرئيسة في رسائل النور، فوجود الحشر كوجود الكون، فمن أنكر وجود الآخرة أنكر وجود الكون، قال رحمه الله: الذي يريد أن ينكر الآخرة عليه أن ينكر وجود هذا الكون أولاً بجميع ما فيه من حقائق، وإلا فالكائنات مع حقائقها المتأصلة فيها تكذِّبه بألوفٍ من الألسنة، وتثبت له انه الكذّاب الأشر.([17])

ويبين أن مسألة الحشر حقيقة راسخة قوية بحيث لا يمكن أن تزحزحها أيّة قوة مهما كانت حتى لو استطاعت أن تزيح الكرة الأرضية وتحطمها، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقرّ تلك الحقيقة بمقتضى أسمائه الحسنى جميعها وصفاته الجليلة كلها. وان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم  يصدّقها بمعجزاته وبراهينه كلها. والقرآن الكريم يثبتها بجميع آياته وحقائقه. والكون يشهد لها بجميع آياته التكوينية وشؤونه الحكيمة.([18]) فمؤدّى هذا الكون إلى زوال، وليس فيه ما يمكن أن يكون خالدا، أو يتصف بصفات الخلود، فزواله مؤذن ببداية حياة آخرة. وهو أمر يشهد له نظام الكون والموجودات كلها.

إنّ حقيقة كمالات هذا الكون وآياته التكوينية الحكيمة وجميع حقائقه المرتبطة بالحقائق الإنسانية تدل دلالة قاطعة على وجود الآخرة وعلى تحققها وتشهد شهادة صادقة على مجيء الحشر وانفتاح أبواب الجنة والنار.([19])

 

ج. إثبات النبوة

تنبهت رسائل النور إلى أهمية وجود قارئ يكون أسوة في قراءة هذا الكون، وجعل سلسلة النبوة هي ذلك القارئ الحقيقي الذي يتأهل للأسوة والقدوة، وجعل من نبوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم تلك الأسوة الحسنة في القراءة، فوجود الكون يقتضي وجود تلك السلسلة من الأنبياء: يقول رحمه الله: كما أن هذا الكون يدل على صانعه وكاتبه، ومصّوره الذي أوجده، والذي يديره، ويرتبه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير ... فهو كذلك يستدعي لا محالة وجود من يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلم ويُعلّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلّم الحكم الربانية في تحوّلاته وتبدّلاته، ويدرّس نتائج حركاته الوظيفية، ويعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات، أي: يقتضي داعياً عظيماً، ومنادياً صادقاً، وأستاذاً محققاً، ومعلماً بارعاً، فأدرك السائح أن الكون - من حيث هذا الاقتضاء - يدل ويشهد على صدق هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصوابه الذي هو أفضل من أتمّ هذه الوظائف والمهمات وعلى كونه أفضل واصدق مبعوث لرب العالمين.([20]) فبه صلى الله عليه وسلم يقتدى في قراءة كتاب الكون.

إن محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين، وسرمدية ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛  إذ هو أستاذ البشرية الأكبر.([21]) فهو المعلم، وهو القارئ الحقيقي لنظام الكون ومفردات وجوده، والكاشف عن أسراره و طبيعة علاقاته.

 

د. إثبات مقصد الشكر وتحقيق العبودية لله رب العالمين

أضاف النورسي رحمه الله مقصداً آخر من مقاصد خلق الكون، وهو القيام بحق الشكر، فقال: مثلما يبيّن القرآن الحكيم أن الشكر نتيجة الخلق والغاية منه، فالكون الذي هو بمثابة قرآن كبير مجسّم يُظهِر أيضاً أن أهمّ نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر.([22]) أي شكر المنعم سبحانه على نعمائه وآلائه.

إنّ المعجزة الكبرى للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم ذو البيان المعجز، تتجلى فيه حقيقة تعليم الأسماء بوضوح تام، وبتفصيل أتم، ويبين الأهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويُظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق البشر إليها ويوجهه نحوها، مثيراً فيه رغبة شديدة فيها، حتى انه يبين بأسلوب التشويق أن "أيها الإنسان! المقصد الأسمى من خلق هذا الكون هو قيامك أنت بعبودية كلية تجاه تظاهر الربوبية، وان الغاية القصوى من خلقك أنت هي بلوغ تلك العبودية بالعلوم والكمالات.([23])

هذه أبرز المقاصد التي خلص إليها النورسي رحمه الله -إضافة إلى التعريف الذي ذكره- تحدّد معالم القراءة الحقيقية للكون وغاياتها، فلا مجال للهو والعبث في هذا الوجود. وكما أنّ القرآن معلم، كذلك الكون هو معلم، وكذلك النبوّة علمت الإنسان المنهج الأقوم في هذه القراءة، التي تتوجه أساساً إلى إثبات هذه المقاصد، وبذلك يمتاز النورسي بهذا البيان للمقاصد الكونية من حيث مواجهته الفلسفة الإلحادية التي تقرأ كتاب الكون قراءة صماء بكماء بعيداً عن هذه المقاصد، حيث اشتغلت بالصنعة عن الصانع، وبالخلق عن الخالق جلّ جلاله!

 

  1. العلاقة بين القرآن والكون

القرآن والكون كتابات عظيمان من كتب الله سبحانه، أحدهما مسطور والآخر منظور، ولا يفهم أحدهما إلا في ضوء الآخر، ولا يقرأ إلا بوجوده. قال رحمه الله: "إنّ القرآن الكريم المقروء هو أعظم تفسير وأسماه، وأبلغ ترجمان وأعلاه لهذا الكون البديع، الذي هو قرآن آخر عظيم منظور([24]) ومقصد هذا التفسير هو بيان تناسق الصنعة الإلهية في الكون.([25]) فإذا كان القرآن تفسيراً لكتاب الكون فكيف يقرأ كتاب الكون بعيداً عنه!

وتتأكد أهمية هذه العلاقة حين يبين النورسي أن القرآن يحوّل الكون إلى كتاب ناطق، فيرى أنّ القرآن الكريم ببياناته القوية النافذة يمزّق غطاء الألفة وستار العادة الملقى على موجودات الكون قاطبة .. فيكشف القرآن بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويُلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحاً كنزاً لا يفنى للعلوم أمام العقول.([26]) ويرسخ في أعماق المؤمن إحاطة ربوبيته سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتها المهيبة في الآفاق والأنفس.([27])

لقد أنقذ قراء تاريخ الأمم السالفة وحوادث العالم مما يطرأ عليها من الخرافات والافتراءات والأكاذيب، وأرشدهم إلى أحداث الماضي ووقائع الكون النيرة.([28])

والقرآن الكريم يأمر بالتفكر في الكون([29])

كذلك، فإنّ كتاب الكون يفسّر آيات القرآن الكريم، يقول رحمه الله: "إن كتابَ الكونِ المشهود بآياته الشؤونية تفسّر تلك الآيات القرآنية، وتقرِّبُها إلى فهمك بإراءة كثيرٍ من نظائرها المشهودة لعينك، في تلافيف اختلاف الليل والنهار، وفي معاطفِ تحولِ الفصول والأعصار".([30]) وهو تفسير منهجي يجعل من قراءة الكون بعيدا عن القرآن قراءة ذات مقاصد دنيا.

ويبين آثار القراءة ويدعو إلى الانتفاع بها في واقع سلوك الإنسان، فيقول: "إن القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا، فلننصت إليه! ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم؛ حتى يكون لساننا رطباً بذكره وتلاوته!([31])

ومن الأمور البديعة التي أوردها النورسي في أوجه علاقة القرآن بالكون، أن أحكام القرآن الكريم مرتبطة بالكون ارتباطا وثيقا، وضرب مثلا بذلك في الاقتصاد والنهي عن التبذير والإسراف، وهذا حكم قرآني مبني على الحكمة، والحكمة مهيمنة على نظام الكون، وهي تجلّ أعظم لاسمه الحكيم. وكذا العدالة، والطهر، وهما مظهر لتجلي اسمه العدل، والقدوس. ثم قال: اعلم أن "العدالة والاقتصاد والطهر" التي هي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام، ما أشدها إيغالا في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدها عراقة وأصالة. وأدرك من هذا مدى قوة ارتباط أحكام القرآن بالكون، وكيف أنها مدّت جذوراً عميقة في أغوار الكون فأحاطته بعرىً وثيقة لا انفصام لها. ثم إن إفساد تلك الحقائق ممتنعٌ كامتناع إفساد نظام الكون والإخلال به وتشويه صورته. ([32])

ويؤكد النورسي قضية في غاية الأهمية وهي أن كتاب الكون يتجدد كما يتجدد كتاب الوحي بوفرة المعاني والحكم والأسرار، فيقول: إن أسماء الله الحسنى لها تجليات لا تحد ولا تحصر، فتنوع المخلوقات إلى أنواع لا تحصر ناشئ من تنوع تلك التجليات غير المحصورة... بمعنى ان تلك الأسماء تقضى بتجدد كتاب الكون، أي تجدد الموجودات آناً فآناً، باستمرار دون توقف،([33])

 

  1. أثر العلوم المعاصرة  في قراءة الكون

يوظف النورسي رحمه الله العلوم المعاصرة في قراءة الكون ويبين أنّها كالمجسات في اكتشاف النظام الذي تسير عليه الكائنات، فكل نوع من أنواع الكائنات قد خصّ بعلم أو في طريقه إلى ذلك، لذا يُظهر كلُ علمٍ ما في نوعه من انتظام ونظام بكلية قواعده، لأن كل علم في الحقيقة عبارة عن دساتير وقواعد كلية. وكلية القواعد تدل على حسن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكلية. فالإنسان مع انه قد لا يحيط بنفسه بالنظام كلّه إلا انه يدركه بجواسيس العلوم، فيرى أن الإنسان الأكبر - وهو العالم - منظمٌ كالإنسان الأصغر سواءً بسواء. فما من شيء  إلا ومبني على أسس حكيمة، فلا عبث، ولا شيء سدىً."([34]) وثمرة هذه العلوم هي الدلالة على خالق الكون، قال رحمه الله: "وهكذا فإنّ كل علم من العلوم العديدة جداً، يدل على خالق الكون ذي الجلال - قياسا على ما سبق - ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته، وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادّة باصرة، ونظرات ذات عبرة.([35])

وتطبيقاً لمبدأ الجمع بين القراءتين يدعو النورسي رحمه الله إلى مزج العلوم الكونية الحديثة ودرجها مع العلوم الدينية([36]) ولا بد من فتح طريق لجريان العلوم الكونية الحديثة إلى المدارس الدينية، بفتح نبع صافٍ لتلك العلوم بحيث لا ينفر منها أهل المدارس الدينية، ولقد قلت مراراً بأن فهماً خطأً وتوهماً مشؤوماً قد أقاما – لحد الآن - سدّين أمام جريان العلوم.([37])

ويحذر النورسي- في الوقت نفسه - من العلوم المادية القادمة من الغرب ويصفها بأنها ضارّة، إلا للضرورة وللحاجات، وللصنعة، واستراحة البشر.([38]) وهذا ليس نكرانا لأهمية تلك العلوم، بل هو يوظفها توظيفا تنقضي به مصالح البشر المادية، وسبب هذا التحفظ أنها اشتغلت بالخلق عن الخالق. وضلت بإيثار الصنعة عنه جل جلاله.

 

  1. قراءة الأنبياء وقراءة الفلاسفة الماديين

شكلت قراءة كتابي الوحي والكون محوراً مهما في رسائل النور، واكتسبت أهمية كبيرة؛ نظراً للتحدي الكبير الذي شكلته القراءة الخاطئة لهذين الكتابين، خصوصا قراءة كتاب الكون الذي ضلت بقراءته الفلسفة الغربية، ومن أجل هذا كثر حديث النورسي عن القراءة الخاطئة للكون التي قامت بها الفلسفة الغربية فضلت، وأضلت كثيراً من الخلق.

وفي عرض مقارنته بين سلسلة النبوة والدين وسلسلة الفلسفة يبين النورسي أن بونًا شاسعاً بين هاتين السلسلتين، في فهم الكون وقراءته، فالفلسفة أضفت على الكون كآبة فصار مقبرةً شاسعة موحشة، وميدان إعدامات مخيفة، ولكن النبوّة جعلته روضة من رياض النور... وتضخم (الأنا) في نظر الفلسفة الغربية بوصفه أحد مقروءات هذا الوجود فكان يدل على نفسه بنفسه، وأن وجوده حقيقة وليس ظلاً، وأنه مالك حقيقي ... وبدأت تتحدث عن مظاهر الوجود علـى هـذه الصــورة فتـقول: ما أجمل هذا! بـدلاً من: ما أجمـل خـلـق هذا!!([39])

ولقد اعتقد عظماء الفلسفة وروادها ودهاتها، أمثال أفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي - بناء على تلك الأسس الفاسدة - بأن الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي "التشبّه بالواجب"! أي بالخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حكماً فرعونياً طاغياً، ومهّدوا الطريق لكثير من الطوائف المتلبسة بأنواع من الشرك، أمثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم، وذلك بتهييجهم "الأنانية" لتجري طليقة في أودية الشرك والضلالة، فسدّوا سبيل العبودية إلى الله، وغلّقوا أبواب العجز والضعف والفقر والحاجة والقصور والنقص المندرجة في فطرة الإنسان، فضلوا في أوحال الطبيعة وما نجوا من حمأة الشرك كلياً ولا اهتدوا إلى باب الشكر الواسع. وتقضي أن معناه في ذاته، ويعمل لأجل نفسه.. المتلبسة بأنواع من الشرك، امثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم ... هكذا نظر الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، ومَن تبعهم من الأصفياء والأولياء، إلى "أنا "بهذا الوجه. وشاهدوه على حقيقته هكذا. فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوّضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال، واقرّوا جميعاً، ان ذلك المالك جل وعلا لا شريك له ولا نظير، لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته، وهو المتعال الذي لا يحتاج إلى شيء، فلا معين له ولا وزير، بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير. وما" الأسباب "إلاّ أستار وحُجب ظاهرية تدل على قدرته وعظمته..  وما" الطبيعة " إلاّ شريعته الفطرية، ومجموعة قوانينه الجارية في الكون، إظهاراً لقدرته وعظمته جل جلاله.([40]) وتحقيقا للعبودية([41]) فأي قراءة للكون لا تحقق العبودية لله تعالى هي قراءة منحرفة مخالفة لنهج الأنبياء.

ويؤكد ضرورة النبوة لضبط القوانين الجارية في نظام الكون، فيقول: إنّ النبوة التي هي قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها ضرورية لنوع البشر. فلو لم تكن النبوة لهلك النوع البشري. إذ كأنه ألقي من عالم  مختل إلى عالم منظم، فيخل بالقوانين الجارية العامة.([42]) لأن النبوة تفسر حقيقة ذلك النظام والانتظام في الوجود وتسنده إلى خالقه الحقيقي وليس إلى الصدفة كما زعم الفلاسفة الماديون وغيرهم.

إنّ وظيفة النبوة لا تقتصر على تعليم العلوم الإلهية والسمو بعالم الروح، بل لتلقّن العلوم الإلهية والحكمة الربانية، فجمع فيهم سلطنة الدنيا الســـعــيــدة وســعادة الآخـــرة الخــالـدة.([43]) كما في شأن يوسف عليه السلام.

إن أكبر تزوير ارتكبته الفلسفة هو أنها ضخمت وجود الإنسان حتى عادلته بوجود الله، ولم تر أنه مخلوق ضعيف، خلق للعبادة، فتاهت بذلك عن رؤية الحق. وإذا ضلّت في قراءة أعظم موجودات الكون وهو الإنسان، فإنّ ضلالها كبير في قراءة بقية أفراد الوجود الكوني. فجاء الأنبياء والمرسلون ليعلموا البشر كيف تقرأ مفردات الوجود.

لقد وهمت الفلسفة الحديثة حين تصوّرت أن "القوانين المعنوية" التي تشاهد آثارها في ربط أنظمة الكون البديع، والنابعة من "الحكمة" البالغة للبارئ المصور سبحانه، تتصورها كأنها قوانين مادية، فتتعامل معها في أبحاثها كما يتعامل مع المواد، والأشياء الجامدة.([44])

إنّ قراءة حقيقة جادة للكون تدل على عظمة الربوبية وتدل عليها.([45]) وهذا من أهم مقاصد قراءة كتاب الكون. ويؤكد النورسي أن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والأنبياء يدلون بشهادتهم إلى أن تجليات الأسماء الحسنى - ذات الجلال والجمال - الظاهرةَ آثارُها في هذه الدنيا، وفي العوالم كافة، ستدوم دواماً اسطعَ وأبهرَ في أبد الآباد.. وان تجلياتها - ذات الرحمة - وآلاءها المــشاهدة نمـاذجــها في هذا العـالم الفاني، ستثمر بابهى نور واعظم تألق، وستبقى دوماً في دار السعادة...([46])

إن من أكبر الحقائق التي ينبغي قراءتها في هذا الكون، هي الرسالة المحمدية؛ لأنها السراج المنير للعالمين كليهما.([47]) فهي من أهم مقروءات هذا الوجود؛ لأنها كشفت عن أسرار الحياة، وطرق الوصول إلى الحياة الباقية الخالدة في الآخرة.

 

6. منطلقات قراءة الكون

  1. القراءة التوحيدية الاستكشافية للكون

ينطلق النورسي من التوحيد المطلق لله تعالى في قراءة الكون، فهو الذي يحل طلسم الكون([48]) وهذا التوحيد " ليس تقريرياً، ولا تلقينياً، ولا تقليدياً، ولا ترديدياً، بل استكشافياً.. فيه ما في الاستكشاف من متعة ومغامرة ومعاناة، فهو يأخذنا - عبر خواطره - في جولة استكشافية في أغوار النفس الإنسانية، ويدور بنا في أنسجة الروح والفكر والضمير، ثم يزيح التراب عن ذاكرة الكون الموؤدة تحت ركام علوم العصر، ويستنطقها لتحدثنا عن بصمات "التوحيد"، وتدلنا على آيات الاله الواحد الذي لا يقبل الشريك.. ولا يتركنا إلا ونحن قد اكتشفنا "التوحيد" والتقيناه في أشد الأشياء الكونية والنفسية بداهةً، فينبثق في صميم أفئدتنا انبثاقا، وينغرس بشكل عفوي في أعماق أرواحنا وضمائرنا، فيهز هذا التوحيد الاستكشافي أعماق النفس، ويفعم الذهن بطاقات الذكاء، ويشدُّ في الوجدان أجهزة التلقي عن الكون والحياة، فيستمر المسلم كشافاً رائداً لأعمق الحقائق - في الكون والإنسان - في ديمومة لا تتوقف حتى تتوقف حياته.. فيزيد فهماً، ويتسع وعياً ويخصب وجوداً وحياةً.([49])

إنّ الإيمان بالله تعالى قد حول الكون إلى مسجد أكبر، فيصبح منوراً مؤنساً، ذا حياة وشعور، وبذلك يذوق المؤمن شعاعاً من لذة الحياة الباقية، أما الفلسفة والعلم الماديان فقد حوّلا الكون إلى ظلام بارد لا حياة فيه.([50])

إنه "بسر التوحيد يُفهم أنّ الكون برمته كتاب صمداني ينطوي على معاني عميقة غزيرة... فلولا التوحيد لانكسفت جميع مزايا  الكون وكمالاته المذكورة آنفاً، ولانقلبت تلك الحقائق السامية الراقية إلى أضدادها".([51]) إن كل ذرة تشهد بلسان عجزها على وجود القدير المطلق، وتشهد بإظهارها الانسجام التام مع نظام الكون العام على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى.([52])

"ألق نظرةً على كتاب الكون الكبير تَرَ أنه يقرأ على الكون كله، ختمَ الوحدة بوضوح تام، بقدر عظمته وسعته ذلك لأن هذه الموجودات كأجزاء معمل منتظم، وأركان قصر معظم، وأنحاء مدينة عامرة، كُّل جزءٍ ظهير للآخر، كل جزء يمدّ يد العون للآخر، ويجدّ في إسعاف حاجاته. والأجزاء جميعاً تسعى يداً بيد بانتظام تام في خدمة ذوي الحياة، متكاتفة متساندة متوجهة إلى غاية معينة في طاعة مدبّر حكيمٍ واحدٍ.([53]) فالانتظام في آيات كتاب الكون يدلل على تلك الوحدة والواحدية التي تعنى بذلك الانتظام.([54])

أنه بالوحدة والأحدية يتحول جميعُ الكون بمثابة جنودٍ مستنفرين لذلك الواحد الاحد، وموظفين مسخّرين له. وبمجيء الآخرة ووجودها تتحقق كمالاته وتصان من السقوط وتسود عدالته المطلقة، وتنجو من الظلم، وتُنزّه حكمته العامة وتبرأ من العبث والسفاهة، وتأخذ رحمتُه الواسعة مداها، وتُنقذ من التعذيب المشين. وتبدو عزته وقدرته المطلقتان وتُنقَذان من العجز الذليل. وتتقدّس كل صفة من صفاته سبحانه وتتجلى منزّهة جليلة.([55])

 

  1. الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في قراءة كتاب الكون

يرى النورسي رحمه الله أنّه لا بد من قارئ بارع يقرأ هذا الكون قراءة هادية قاصدة، وهذا القارئ لا يتمثل إلا في سلسلة النبوة، وهذه السلسلة تمثلت في شخص الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يصفه النورسي بأنّه "ترجمان آيات الكون".([56]) وهو القدوة والأسوة في هذه القراءة، وكأني بالنورسي يخطر بباله تلك الخرافات التي علقت بأذهان الناس، ولحقت ببعض مظاهر الكون نتيجة وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد؛ فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم".([57]) إنّ الصلاة والدعاء مواقف يتخذها المسلم من هذه الظاهرة؛ لأنها مذكرة بانهيار الكون، ومنذرة بقيام الساعة!

لا جرم، أن أحب مخلوق لدى ذلك المستتر بالغيب، وأصدق عبدٍ له هو مَن كان عاملاً خالصاً لمقاصده المذكورة آنفاً، ومَن يحل السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لغزه، ومن يسعى دوماً باسم خالقه ويستمد القوة منه ويستعين به وحده في كل شيء فينال المدد والتوفيق منه سبحانه. ومن ذا يكون هذا غير محمد القرشي عليه الصلاة والسلام.([58])

ويبين الرسول أن كل مظاهر هذا الكون تشهد له صلى الله عليه وسلم كما يشهد لها بدلالتها على وحدانية الله تعالى.([59]) يذكر النورسي: ان الرسول الأكرم قد قال ليلة المعراج في الحضرة الإلهية باسم جميع الكون بدل السلام: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" قالها، باسم البشرية جمعاء،.... ثم يقول: فعندما كنت اقرأ في التشهد "التحيات.." خطرت معانيها الكلية على روحي فتحولت فجأة - في خيالي- عناصر دنياي الخاصة من تراب و ماء و هواء و نور، إلى أربعة ألسن كلية ذاكرة. كل منها يذكر بأحواله: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات.([60])

ويفهم النورسي قضية أخرى في هذا السياق، وهي أن القراءة الراشدة تقتضي أن يكون هدي الله ورسوله الموجِهين للقراءة الصحيحة القاصدة قائماً في هذا الوجود، فمصير الكون مرتبط بهما،" فإذا ما فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون، جَنّ جنونه وفَقَدت الكرة الأرضية صوابَها، وزال عقلُها، وظلت دون شعور، واصطدمت بإحدى سيارات الفضاء، وقامت القيامة.([61]) لأن البشر عندها سيتخبطون في عشواء، ويهبطون في مهواة من الأهواء.

3. العمل بموجب السنن الإلهية في الكون

ينبه النورسي رحمه الله إلى أهمية العمل بموجب سنن الله في الكون، وهي قوانينه الكاشفة عن الحكم والأسرار التي ينتظم بها، ([62]) ويبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل بالسنن الإلهية.([63]) وهو قدوة في ذلك. وفيه تحقيق للعبودية، وتحقيق للكمالات المعنوية والمادية من رقي وحضارة.

إن اتباع السنن الإلهية يمكن أن يحول الدنيا الواسعة إلى مدينة عظيمة.([64])

4. قراءة الكون تستلزم الإيمان

   يقرن النورسي بين قراءة الكتابين للوصول إلى مقصد الإيمان، فيوجه النظر إلى كتاب الوحي الذي تتضمن كل كلمة من كلماته كتاباً خُطّ بقلم دقيق، والذي تحت كل حرف من حروفه قصيدة دُبجت بقلم رفيع. ثم يوجه النظر إلى كتاب الكون الذي تتضمن كل صحيفة فيه كتباً كثيرة، لا بل كل كلمة منها كتاباً، وكل حرف منها قصيدةً..  فوجه الأرض صحيفة، وما أكثر ما فيها من كتب، ثم يخلص إلى القول: إنّ كتاب كهذا ما يكون إلا من إبداع قلم صاحب قدرة متصف بالجمال والجلال والحكمة المطلقة. أي أن مجرد النظر إلى العالَم ومشاهدته يستلزم هذا الإيمان، إلاّ مَنْ أسكَرته الضلالة!. ([65])

    إن الإيمان هو نور الكون والوجود..([66])

إن العين التي تقرأ وتطالع كتاب الكون ينبغي أن تشاهد معجزات الصنعة الربانية في الوجود، وكأنها نحلة بين أزاهير الرحمة الإلهية في بستان الأرض، فتقطّر من شَهْد العبرة والمعرفة والمحبة نور الشهادة إلى القلب المؤمن.([67])

 

5.  قراءة معجزات الأنبياء في ضوء الرقي المادي

القضية المحورية في قراءة الأنبياء للكون، كان على اعتبار أن الكون مظهر لتجلي أسماء الله الحسنى، وأنهم المنادون والشاهدون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين على خزائن رحمة الله الأخروية وكنوز إحساناته في عالم البقاء، وتجليات أسمائه الحسنى التي تنكشف كلياً في دار السعادة.([68])

إنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسه أن الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّاداً للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضا. أي انه يأمر بالاقتداء بهم وإتباعهم إتباعا كاملاً في الأمور المادية والمعنوية ([69])

نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعيّن أبعد الأهداف النهائية لها ويحددها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما إن الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله.([70])

وبذلك يظهر أن قراءة الأنبياء للكون قد حققت نوعين من الرقي: الرقي المعنوي بالوصول إلى الكمالات الروحية التي ترقى بإنسانية الإنسان. والرقي المادي بالوصول إلى كل أسباب الراحة من منتجات العلوم والتكنولوجيا.

 

الخاتمة والتوصيات

الحمد لله الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث، وأخلص إلى النتائج التي توصل إليها، وأجملها في النقاط الآتية:

  1. الكون مخلوق عظيم تتجلى فيه أسماء الله الحسنى، وهو مسجد كبير تسبح فيه المخلوقات بحمد الله تعالى. وهو مسخر للإنسان، هذا التعريف يحدد الاتجاه الصحيح في قراءة كتاب الكون.
  2. تحدد في ضوء رسالات الأنبياء مقاصد خلق الكون. وأعظم هذه المقاصد الدلالة علة التوحيد وإثبات الآخرة والنبوّة والحشر، والقيام بحق شكر الله تعالى.
  3. القرآن والكون كتابان لله تعالى يفسر أحدهما الآخر، ولا يمكن فهم أحدهما إلا في ضوء الآخر، وهما كتابان متجددان بالحكم والأسرار الإلهية.
  4. العلوم المعاصرة تتساند مع هدايات الوحي وعلومه في الدلالة على أن هذا الكون مخلوق لله الواحد جلّ جلاله.
  5. قراءة الأنبياء للكون قراءة توحيدية هادية إلى مقاصد جليلة، وقراءة الفلسفة المادية قراءة إلحادية باطلة.
  6. ثمة منطلقات رصينة استخلصها النورسي من هدي الأنبياء في قراءة الكون، من أبرزها أن التوحيد منطلق وغاية في الوقت نفسه في قراءة الكون، وأن هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم منطلق آخر في هذا القراءة، كذلك العمل بالسنن الإلهية، وتفعيل قانون السببية. واستثمار معجزات الأنبياء.

وأهم توصية يمكن أن أتقدم بها لهذا المؤتمر الكريم هي: ضرورة إعداد كتب علمية منهجية في العقيدة والثقافة الإسلامية وعلم التربية والأخلاق تدرس في المدارس والجامعات التركية من خلال رسائل النور، فتعليم العقيدة الإيمانية نموذج واضح، فالطالب لا يتعلم العقيدة بصورتها الجافة كما هي في كتب المتكلمين وعلماء الكلام، ولكن يتعلمها بدلالاتها المشاهدة من خلال تجلي أسماء الله الحسنى في هذا الوجود. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

--------------------------

[1] الكلمات، ص 342، 520.

[2] الملاحق – ملحق أميرداغ 1، ص 285.

[3] الكلمات، ص 30، ص 499.

[4] الكلمات، ص 838.

[5] اللمعات، ص 593-594.

[6] اللمعات، ص 534.

[7] الكلمات، ص 65.

[8] الكلمات، ص 723.

[9] المكتوبات، ص 269.

[10] الكلمات، ص 204.

[11] الكلمات، ص 177.

[12] الكلمات، ص 178.

[13] الكلمات، ص 812.

[14] اللمعات، ص 531.

[15] الشعاعات، ص 15.

[16] الكتوبات، ص 301.

[17] اللمعات، ص 527.

[18] الكلمات، ص 96.

[19] الشعاعات، ص 286.

[20] الشعاعات، ص 171. وانظر: الكلمات، ص : 113.

[21] الشعاعات، ص 654. وانظر : اللمعات، ص 537.

[22] المكتوبات، ص469.

[23] الكلمات، ص 292.

[24] الكلمات، ص133، ص 143.

[25] الكلمات، ص 151.

[26] الكلمات، ص 150.

[27] الكلمات، ص 533. والشعاعات، ص 310.

[28] المكتوبات، ص 243.

[29] صيقل الإسلام، ص 124.

[30] المثنوي العربي النوري، ص 447.

[31] الكلمات، ص 30.

 [32] انظر: اللمعات، ص 526.

[33] المكتوبات، ص 109، 373.

[34] المثنوي العربي النوري، ص 426.

[35] الشعاعات، ص 260.

[36] صيقل الإسلام، ص 428.

[37] صيقل الإسلام، ص 430.

[38] المثنوي العربي النوري، ص 216.

[39] الكلمات، انظر: الصفحات: 143، 640-641.

[40] الكلمات، ص 640-641.

[41] المثنوي العربي النوري، ص 329.

[42] صيقل الإسلام ، ص 140.

[43] الكلمات، 486.

[44] اللمعات، ص 282.

[45] الكلمات، ص 202.

[46] الكلمات، ص 108.

[47] الشعاعات، ص 313.

[48] الكلمات، ص 26. هذا إلى جانب القرآن الكريم، فهو الذي يحل طلسم الكون كذلك، فالقرآن مصدر الإيمان والتوحيد، فلا مشاحة في الاصطلاح. انظر: الكلمات، ص 153.

[49] المثنوي العربي النوري، ص 15.

[50] الشعاعات، ص 328.

[51] الشعاعات، ص 14.

[52] الكلمات، ص 333.

[53] الكلمات، ص 338.

[54] انظر: اللمعات، ص 530.

[55] الكلمات، ص 113.

[56]  انظر: الكلمات، ص 30، ص 43.

[57] رواه البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس.

[58] المكتوبات، ص 285.

[59] انظر: المكتوبات، ص 251.

[60] انظر: الملاحق – ملحق أمير داغ 2، ص 408،411- 413.

[61] اللمعات، ص 568. وانظر : الكلمات، ص :9 11.

[62] انظر : صيقل الإسلام، ص 531.

[63] صيقل الإسلام، ص 65.

[64] الكلمات، ص 283.

[65] الكلمات، ص 60.

[66] المثنوي العربي النوري، ص 136.

[67] الكلمات، ص 24.

[68] الكلمات، ص 109.

[69] الكلمات، ص 279.

[70] المصدر السابق نفسه.

 

 

 


43-) التأويل في رسائل النور

 

التأويل في رسائل النور

 

أ.د. صدرالدين كوموشR 

 

بعد توضيح معنى التأويل بشكل مختصر سنسعى لإيضاح ما أجري ما التأويل في رسائل النور.

التأويل: مصدر على صيغة التفعيل، ومشتق من “أوْل” بمعنى الرجوع للأصل وتفيد عدة معاني منها: تدوير ، قلب، الايصال للمقصود، النتيجة، العاقبة، الجزاء” وما اليها من المعاني. والمقصود منه في الكلام سياق وإيصال المعنى لما يراد منه، أي توضيحه. [1]

والتأويل اصطلاحاً، يعني “توضيح اللفظ لا حسب معناه الظاهري بل حسب ما يُحتمل من المعنى الموافق للكتاب والسنة”. والتفسير  لغة يأتي بمعنى “الشرح والاستبانة” واصطلاحاً هو شرح معنى الآية وملابساتها وقصتها وسبب نزولها بلفظ يدل على المعنى بصورة واضحة. فمثلاً توضيح الآية {يخرج الحي من الميت} بمعنى “يخرج الفرخ من البيض” تفسير ، وتوضيحها بمعنى “يخرج المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل” تأويل.[2]

هناك وجهات نظر مختلفة بين رجال العلم في موضوع مفهوم التأويل والتفسير. فقسم منهم يستعملون التأويل والتفسير بنفس المعنى، وقسم منهم قد استعمل التفسير بمعنى “الشرح والتوضيح استناداً  على الدليل القاطع” والتأويل بمعنى “ترجيح معنى من بين المعاني المحتملة” [3]

ولم يكن هناك تضاد بين “التفسير” و “التأويل” في المراحل الأولى للإسلام، حتى إن اصطلاح “التأويل” كثيراً ما كان يستعمل في توضيح وشرح معاني القرآن الكريم، ويرجح على اصطلاح “التفسير” فمثلاً  سمّى المفسر ابن جرير الطبري تفسيره الذي كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري (310/922) بــ (جامع البيان عن تأويل آي القرآن). فمثلما استعمل الطبري كلمة “التأويل” كاصطلاح  لعملية التوضيح كافة، فقد استعمله للتوضيحات العقلية ايضاً. [4]

وسيراً على خط مواز لعمله هذا، بل  وأكثر من ذلك، فقد اتخذ المعتزلة العلم العقلي  [5]قسطاساً في تأويل الآيات المتشابهة ولا سيما ما يتعلق منها بصفات الله تعالى. ومع اجتناب علماء السلف عن التأويل بهذا المعنى، لم يجتنب علماء الخلف عن مثل هذه التأويلات. وقد سعى أهل الاعتزال للاستفادة من أسلوب اللغة العربية (ولا سيما من المجاز) باستعمال أسلوب التأويل  في توضيح الآيات المتشابهة للتوصل الى النتيجة. [6]

ولتأثير هذه الحركة على أهل السنة ، فقد سار الأشاعرة والماتريدية  اللذان هما بمثابة سواعد أهل السنة، في موضوع تأويل الآيات المتعلقة بصفات الله تعالى موازياً مع أهل الاعتزال.[7]

وفي أواسط القرن الثالث عشر أصابت الاسلام ضربة كبيرة جراء الإستيلاء المغولي، وقد سعى العلماء والمفكرون في القرن الرابع عشر  للقيام بحملات صحوة ونهوض في هذا المجال، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل لأن المرحلة مرحلة جمود وتأخر. غير أننا أصبحنا نرى في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حملات صحوة وحيوية جديدة في مجال العلم والفكر ولا سيما في مصر وتركيا وجنوبي قارة الهند. ويعتبر بديع الزمان من ممثلي ورواد هذه الساحة في تركيا. ومع وجود بعض الفوارق في الفكر والاسلوب في هذه المرحلة، كما هو شأن بقية المراحل بين ممثلي الساحة الفكرية والعلمية، إلا أنهم دافعوا عن الإسلام بأنه دين علم وحضارة،  غير ان موازينهم تختلف، فبعضهم يعتمد على العقل أساسا في تأويل النقل وتفسيره، وبعضهم يتخذ النقل الصحيح اساساً  ويجعل العقل تابعاً لهذا الاساس.

ويعتبر بديع الزمان من المجموعة الأولى الذين يرتكزون على العقل أساسا في تفسير القرآن، فهو يرى أن العقل (يُتخذ) أساسا عندما يتعارض مع النقل، ويؤوّل النقل. وذلك أن القصد هو الأساس. وقد ألف كتاباً تحت اسم “محاكمات” بهذا الموضوع، وهو يأسف على تأخر الأمة لعدم فهمها مقاصد القرآن غاية الأسف قائلاً: “وا أسفى.. لقد انخدعنا فتركنا جوهر الاسلام ولبابه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.وأسأنا الفهم، فأسأنا الأدب معه، وعجزنا عن ان نوفيه حقّه حق الايفاء وما يستحقه من الاحترام، حتى رغِبَ عنّا ، ونَفَر مِنّا، وتستر بسحائب الأوهام والخيالات”[8]

فقد اتخذ الاستاذ بديع الزمان مقصد الاسلام والقرآن أساساً، ويرى أنه من الخطأ التحرك حسب الظاهر دون التمسك بالجوهر. ومقاصد القرآن الأساسية (هي )أربعة وهي: التوحيد ، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدالة.  وما في القرآن الكريم من أبحاث خارجة عن هذه المقاصد الأربعة هو بحث استطرادي.[9]

ونفهم من هذا: أن الاستاذ بديع الزمان يرى هذه المقاصد الأربعة  اساساً في تفسير القرآن، ويلزم تفسير الآيات على وجهتها. وأية آية تتعارض مع العقل فينبغي تفسيرها على وجهة هذه المقاصد بشكل يوافق العقل، غير ان بديع الزمان يؤكد تأكيداً جازما على تفسير هذه الآيات موافقاً لبلاغة اللغة العربية وفنونها وقواعدها، وليس تفسيراً اعتباطياً اهوائياً.[10] فالمجاز ، والاستعارة والكناية وأمثالها من الطرق التي يدل بها اللفظ على المعنى تأتي في مقدمة فنون البلاغة المستعملة في التأويل.

 وقد انقسم علماء الإسلام في موضوع استعمال المجاز كوسيلة في تفسير القرآن الكريم الى ثلاثة اقسام:

القسم الأول: المعتزلة الذين يستعملون المجاز كسلاح في موضوع تأويل المتون الدينية التي لا يتلاءم مع منهجهم وأفكارهم. فهؤلاء يقيمون اللغة على أنها نتاج فكري بشري ويقيمونها على أنها اصطلاح بشري، وعليه يرون أن العقل يأتي قبل النقل في موضوع العلم.

القسم الثاني: الظاهريون الذين يرفضون وجود المجاز في القرآن الكريم، كما يرفضونه في اللغة، فهؤلاء يتخذون المعنى الظاهر للقرآن الكريم أساساً، ويحيلون المتون المبهمة منه الى الله تعالى، ويقولون أنه لا يعلم المراد من تلك المتون إلا الله. وهؤلاء يعتقدون أن اللغة توقيفي، علّمها الله لآدم عليه السلام ومنه انتقلت الى أولاده، وعليه يقولون إن اساس العلم الوحي.

القسم الثالث: فهؤلاء يتبعون طريقاً وسطاً في استعمال المجاز لتوضيح المتون الدينية نظراً للقسمين السابقين المفرطين، فهؤلاء يشكلون أكثرية المسلمين من الأشاعرة والماتريدية، وفكرهم هو التأليف والتوفيق بين العقل والنقل.

يحتل بديع الزمان مكانته في استعمال المجاز كأداة للتأويل في القسم الثالث الذي يمتاز بالإعتدال والتأليف والتوفيق[11]. ولأجل استعمال المجاز استعمالاً صحيحاً يوصي بديع الزمان باتخاذ ما يعلم هذا الفن من علوم البلاغة والمنطق دليلاً. والمجاز في نظره وسيلة يستعمله العلماء المتبحرون وليس الجهلاء، وفي هذا الصدد يقول: “اذا وقع المجاز من يد العلم الى يد الجهل ينقلب الى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات اذ المجازات والتشبيهات اذا ما اقطتفتهما يسار  الجهل المظلم من يمين العلم المنور، او استمرتا وطال عمرهما، انقلبتا الى “حقيقة” مستفرغة من الطراوة والنداوة، فتصير سراباً خادعاً بعدما كانت شراباً زلالاً، وتصبح عجوزاً شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.

نعم! إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يصبح كثيفاً قاتماً يحجب الحقيقة الاصلية” [12] فمثلاً “وما استدل بعض المفسرين بلفظ "من السماء" في آية {ويُنَزِّلُ من السماء من جبال فيها من بَرَدٍ} على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "البعض" وجود بحر تحت السماء، فنظر البلاغة لا يرى عليه سكة الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء” [13]

ومع هذا يقيم الاستاذ بديع الزمان استعمال التغير في اللغة أي المجاز، والتشبيه، والاستعارة والكناية وأمثالها من الفنون، بأنها قانون فطري لا يمكن الاستغناء عنها. ويأتي بالكلمات المترادفة والمشتركة دليلاً على التجدد والتغير في اللغة قائلاً: “إن كثيراً من الكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغبات الشابة لدى الخلف، لأنها غدت عجوزاً لا زينة لها. لذا أصبحت سبباً لدفعهم الى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير. هذه القاعدة جارية في اللغات مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره؛ إذ من شأن المحقق:

 سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية.. والغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شئ ومصدره” [14]

ومع هذا يجلب الاستاذ بديع الزمان النظر الى وجوب التصرف بدقة وحذر في هذا الموضوع، وإلى خطورة استعمال المجاز كيفما يشاء، فللمعنى الحقيقي حسب رأيه علامة، والقسطاس الذي يشخص تلك العلامة، هو الحسن المجرد النابع من توازن مقاصد الشريعة. ويجب أن يكون استعمال المجاز تحت قواعد البلاغة، ويعتبر تقييم المجاز حقيقة والحقيقة مجازاً خارج قواعد البلاغة، مساندة لإستبداد الجهل.[15]

فكما يتراءى أن الاستاذ بديع الزمان يسند جواز المجاز على بعض الأسس. وهذه الأسس  هي:

1- للمعنى الحقيقى علامة، فالكلمة أو الجملة أو الآية أو أي متن آخر،  التي تحمل هذه العلامة لا يمكن تقييمها بأنها مجاز، أي لا يمكن تأويلها.

2- ولأجل فهم وإدراك ما تحمله أي عبارة من طابع الحقيقة وتشخيصها، ينبغي مقايسة مقاصد الشريعة ومن ثم تقييم النتيجة. والحسن المجرد الذي يتم الحصول عليها في النتيجة هو ميزان الحقيقة.

3- لا يمكن حمل أية كلمة أو متن على المجاز اعتباطاً كيفما يشاء، بل ينبغي اجراءها ضمن اطار قواعد البلاغة، وإلاّ يعتبر التصرّف اهوائياً، مما يكون هذا الأمر  سبباً لسوء التقييم بين المجاز والحقيقة، وبالأخير يؤدي إلى مساندة استبداد الجهل.

ولأجل حمل أي معنى على المجاز يقول الاستاذ بديع الزمان بضرورة اتباع قواعد البلاغة، ويقول في هذا الموضوع : “ان الخاصية المميزة للتنـزيل، الاعجاز، والاعجاز يتولد من ذروة البلاغة، والبلاغة مؤسسة على مزايا وخصائص، لاسيما الاستعارة والمجاز. فمن لم ينظر بمنظارهما لا يفوز بمزاياها.. فكم في التنـزيل من “تنـزلات الهية الى عقول البشر” تسيّل ينابيع العلوم في اساليب العرب تأنيساً للأذهان. والتي تعبّر عن مراعاة الافهام واحترام الحسيات ومماشاة الاذهان.

ولما كان الامر هكذا.. فلابد لأهل التفسير أن يقدروا القرآن حق قدره، واَلاّ يبخسوا قيمته، وان لا يؤولوه بأمر لم تصدقه البلاغة ولم يكن من ميزته. وذلك قد تحقق بوضوحٍ أجلى من كل حقيقة، ان معاني القرآن الكريم حق، كما ان طريقة افادته وتصويره للمعاني بليغة ورفيعة. فمن لا يُعزي الجزئيات الى ذلك المعدن ولا يلحقها بذلك النبع يكن من المبخسين حقه.” [16]

والآن نذكر بعض الأمثلة التي قدمها بديع الزمان في المجاز:

فقد أوّل آية {والجبال أوتاداً }(سورة النبأ:7) بأربعة أوجه:

أ- في الوجه الأول من التأويل: تُشبه الجبال بأوتاد السفينة، والمجال الفضائي بمحيط كبير، وكرة الأرض بغواصة، والجبال التي توازن كرة الأرض في المجال الفضائي، بمثابة الأوتاد الحديدية التي توازن حركة السفينة الجارية.

ب- وفي الوجه الثاني من التأويل: تُشبه الجبال بجهاز التنفس: فالهزّات والزعزعات القادمة من داخل الأرض تسكن وتهدأ بواسطتها. وذلك أن الجبال بمثابة مسامات سطح الأرض، فعندما يحدث انفجار أو هزة داخلية تتنفس الأرض بواسطة الجبال فتسكن غضبه وتهدأ حدته. اذن إن استقرار الأرض هو بواسطة الجبال.

ج- وفي الوجه الثالث من التفسير: تعتبر الجبال كعنصر للموازنة في حماية حياة الإنسان. فالأرض تعمر من قبل الإنسان، والإنسان بمثابة عماد هذا الأمر، وحياته تتوقف على حماية منبع الحياة من الماء والتراب والهواء بأكمل وجه وأنظفه. وللجبال دور كبير في حماية نظافة هذه المصادر الثلاثة للحياة، كما أن الجبال هي مخازن المياه، فلها أيضاً خاصية تجذب رطوبة الهواء، لتنقيه بمثابة الأمشاط المنظفة. وكما أن الجبال تعدل بين الحرارة والبرودة، كذلك هي تنظف الهواء من الغازات المضرة، وتحافظ على التراب من تسلط المستنقعات والطين والبحار.

د- وفي الوجه الرابع من التأويل: تشبه الجبال بأوتاد الخيم. وعليه إن قشرة الأرض قد ألقيت وفرشت على الأوتاد في المناطق المكتظة بالسلاسل الجبلية كخيم البدو، أما في المناطق ذات الجبال المنفردة، فهي بمثابة خيمة قد ألقيت على وتد واحد فقط. [17]

سؤال: {وينـزل من السماء من جبال فيها من برد } (سورة النور:43) يعتبر نزول المطر حسب ظاهر هذه الآية الكريمة من الجبال المتشكلة من برد في السماء. كيف توضح هذه الآية؟

الجواب: لو تمسك أي كلام بالمعنى الظاهري ولم ينفصل عنه، من دون أن يكون موافقاً للبلاغة وملائماً للعقل ومطابقاً للمنطق، يعتبر هذا الأمر جموداً وخفوتاً لذلك الكلام. وذلك فالآية الكريمة {قوارير من فضة } (سورة الإنسان:15)  الواردة في وصف أطباق الجنة بأنها بيضاء كالفضة، ووضاءة كالبلور، تتضمن استعارة لطيفة، كالآتي:

بما أن أطباق الجنة  ليست من الزجاج، ولا من الفضة، لذا لا يجوز حمله على ظاهر هذه الجملة، وذلك لا يقال لتلك الأطباق “اطباق زجاجية مصنوعة من الفضة”. وذلك لا يوجد موافقة بين العنصرين. غير ان المعنى المجازي المراد من قواير من فضة هو شفافية القوارير وبياض الفضة، أي أن تلك الأطباق شفافة كالزجاج، وبيضاء كالفضة.

“كذلك {من جبال فيها من برد} متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعريّ بالنظر الى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة ،فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الإلهية، قابلَها جوُّ السماء محاكياً لها مسابقاً معها لإظهار معجزة العظمة الإلهية فبرز متبرقعاً ومتقمصاً بالسحاب المتقطع جبالا وأطواداً وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحاً ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن اسلوب العرب تشبيه السحاب لا سيما الصيفي بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم.... فإذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فـ {ينـزل من السماء } أي من جهة السماء. “من جبال” أي من سحاب كالجبال. “من برد” أي في لونه ورطوبته وبرودته.

فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي اتقن كل شئ صنعاً”.[18]

يقول بديع الزمان: حين تُفَسر هذه الآية الكريمة بالمعنى الظاهري القطعي فإنه يعني “جحود حق البلاغة، إذ الاستعارة البديعة في الآية الأولى تتوقد بحيث تذيب الجمود المتجمد، وتشق كالبرق ستار سحب الظاهر. [19]

والمثال الثاني الوارد في رسائل النور حول إستعمال المجاز هو “مسألة الثور والحوت” المشهورة. يحلل بديع الزمان هذه الرواية كالآتي:

“لا يخفى أن “مسألة الثور والحوت” المشهورة دخيلة في الاسلام وطفيلية عليه، أسلمت مع راويها، فان شئت راجع “المقدمة الثالثة” لترى من أي باب دخلت.

أما نسبتها إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فانظر الى مرآة “المقدمة الرابعة” ترى سرّ الحاقها به. وبعد هذا فإن كون “الأرض على الثور والحوت” يروى فيه حديث:

أولا: لا نسلّم أنه حديث، لأن عليه علامة الإسرائيليات.

ثانياً: ولو سلّمنا أنه حديث، فإنه آحادي، يفيد الظن لضعف الاتصال. فلا يدخل في العقيدة، إذ اليقين شرط فيها.

ثالثاً: حتى لو كان متواتراً وقطعي المتن، فليس بقطعي الدلالة. "[20]

وفي حالة قبول صحة هذه الرواية، يؤوّل بديع الزمان الحديث بثلاثة أوجه:

“الوجه الأول: فكما أن حَمَلة العرش المسماة بــ: الثور، النسر، الانسان، وغيرهم ملائكة، كذلك هذا الثور والحوت ملكان اثنان حاملان للارض. والاّ فان تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز - كالأرض - مناف لنظام العالم! ويرد في لسان الشريعة: أن لكل نوع ملكاً موكلاً خاصاً به يلائمه، وقد سمي ذلك الملك باسم ذلك النوع، بناءً على هذه العلاقة، وربما يتمثل بصورته في عالم الملائكة. وقد روي حديث بهذا المعنى: إن الشمس تغرب في كل مساء تحت العرش وتسجد عنده ثم تستأذن وتعود.

نعم إن الملك الموكّل على الشمس اسمه الشمس ومثاله الشمس، وهو الذي يذهب ويؤوب.

ولدى الفلاسفة الإلهيين: إن لكل نوع ماهية مجرّدة حية ناطقة تمد الأفراد. ويعبّر عنهم الشرع: مَلَك الجبال ومَلَك البحار وملك الأمطار، إلاّ انه لا تأثير لهم تأثيراً حقيقياً إذ لا مؤثر في الكون إلا الله. أما الحكمة في وضع الاسباب الظاهرية فهي في اظهار العزة والعظمة لكي لا يرى النظر المتوجه الى دائرة الاسباب مباشرة يد القدرة لأمور خسيسة ظاهرة من دون حجاب. أما في الملكوتية وفي حقيقة الامر وهي دائرة العقيدة، فإن مباشرة يد القدرة بدون حجاب لكل شيئ، يلائم العزة؛ اذ كل شئ في هذه الجهة سام وعال... ذلك تقدير العزيز العليم.

الوجه الثاني:

إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.

فإذا سأل أحد: بِمَ تقوم الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم. أو إذا سأل: بِمَ تقوم المدنية؟ فالجواب: على المعرفة والصناعة والتجارة. أو إذا سأل: بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟ فالجواب: بالعلم والعمل.

كذلك أجاب سيد الكونين وفخر العالمين r - والله أعلم - بناء على ما سبق ذلك السائل الذي لم يستعد ذهنه لدرك الحقائق - بدلالة المقدمة الثانية - وسأل عن شيئ خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيئ؟ فأجابه رسولنا الكريم r بما يلزمه أصلاً: الأرض على الثور. أي إن عمارة الأرض لنوع البشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولة على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتى يصدق عليهم المثل السائر: كل الصيد في جوف الفرا!

فهذا جواب لطيف حقّ حتى لو كان مزاحاً فإنه r لا يقول الاّ حقاً. ولو سلّم أن السائل سأل عن كيفية الخلقة. فقد [تلّقى السامع بغير المترقب]كما هو القاعدة في علم البيان، اذ تلقى الاجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم.

الوجه الثالث:

إن الثور والحوت برجان مقدّران في مدار الأرض السنوي. فتلك البروج وإن كانت افتراضية موهومة، إلاّ أن السنن الإلهية الجارية في العالم والتي تنظم وتربط الأجرام السماوية والمسماة لفظاً واصطلاحاً بالجاذبية العامة، قد تمركزت في تلك البروج، لذا فالتعبير الفلكي: “الارض على البروج” جائز.

هذا الوجه هو في نظر علم الفلك الحديث، لأن القديم قد افترض البروج في السماء، بينما الحديث افترضها في مدار الأرض، لذا يحوز هذا التأويل أهمية في نظر الفلك الحديث.”[21]

ورأي الأستاذ النورسي حول المتشابهات القرآنية حسب افادته كالآتي:

“أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات:

فاعلم! أن إرشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة الاّ بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة بل يمر نظرهم الى الحقائق.

مثلاً: إن التصرف الالهي في الكائنات يتصور بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختير الكناية في {الرحمن على العرش استوى} (سورة طه:5) واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُ الارشاد رعايةَ افهامهم واحترامَ حسياتهم، ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصابى في كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل تسمى بــ “التنـزلات الإلهية الى عقول البشر”، فهذا التنـزل لتأنيس اذهانهم. فلهذا وضع صور المتشابهات منظاراً على نظر العلماء. ألا ترى كيف أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات إلا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها صور للحقائق الغامضة”[22]

الكناية

ومن الفنون التي يستعملها بديع الزمان في التأويل الكناية

يقول في هذا الموضوع:

“ومن الأصول المقررة أيضاً:

إن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى “المعاني الأولى” كما يعبر عنها فن البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى “المعاني الثانوية”. فكما إذا قيل: “طويل النجاد” فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخص طويل القامة وإن لم يكن له سيف. وكما تكون الكلمة الواحدة في كلام، قرينة المجاز للاستعارة، فإن طائفة من الآيات الكريمة، كأنها كلمة واحدة لكلام الله، تكون قرائن لحقائق وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وأدلاء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.

حاصل الكلام:من لم يضع هذه الحقيقة نصب العين، وعجز عن موازنة الآيات، ولم يتمكن من الحكم بينها حكماً عدلاً، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاة؛ إن القرآن يقول: {لا تقربوا الصلاة}.. أما ما بعده فلست حافظاً للآية! ألا يكون هذا موضع هزء في نظر الحقيقة؟!.” [23]

ويوصي بديع الزمان بالإبتعاد عن الإفراط والتفريط في موضوع التأويل، كسائر الموضوعات، انسجاماً مع الروح الإسلامية. فهو يرى “ان ميل التفريط من شأنه حمل كل شيء على الظاهر.. حتى لينتهي الأمر تدريجياً إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف. وإن حب الإفراط من شأنه النظر إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجياً الى نشوء مذهب الباطنية الباطل. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضرراً منه بدرجات” [24]

كما حذر الاستاذ عن هذا الطريق المهلك، فقد قدّم الميزان للوصول الى الصراط المستقيم، وحسب نظره أن هذا الميزان هو "فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمة مع المنطق".

نعم! أقول: الحكمة (الفلسفة) لها خير كثير مع تضمنها الشر، إلا أنه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلمة أنه يلزم اختيار أهون الشرين.

نعم! إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرها قليل، خرافاتها كثيرة، حتى نهى السلف - الى حد ما - عنها، حيث الأذهان كانت غير مستعدة، والافكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العلوم. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرها كثير - من جهة المادة - بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيقة، لابد أن يكون لكل زمان حكمه”. [25]

وخلاصة القول نستطيع أن نقول: إن مؤلف رسائل النور الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يرى أن التعليم الموجه للظاهر في المدارس الدينية المنتشرة في العالم الإسلامي، ادت الى تأخرها، وخروجها عن مسراها الطبيعي.

لذا فقد اتبع طريقاً وسطاً في تأويل المتون الدينية كالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مبتعداً عن الإفراط والتفريط، ومتبعاً حلاً وسطاً ملائماً. وعندما يتعارض النقل مع العقل، فهو يتخذ العقل أساساً وعليه يؤول النقل، مستعملاً في هذا المجال قواعد البلاغة، والمنطق، وأمثالها من الفنون كالمجاز والتشبيه والإستعارة والكناية، ولم يقبل التأويل غير الموافق للكتاب والسنة، وقواعد البلاغة والمنطق.

ولهذا السبب فكما هو يُعارض الباطنية المفرطة المعارضة للموازين السابقة، كذلك يعارض الظاهرية التي تقيم كل شيء حسب الظاهر، وتبقى في حالة مستهزئ أمام العقل.

ترجمة : جميل شانلي

---------------------------------

R  من مواليد مدينة أرضروم سنة 1945م حصل على الدكتوراه سنة 1983 وحاليا استاذ في جامعة مرمرة باستانبول , له خمسة كتب منشورة.

[1] - التأويل حسب رأى المفسر حمدي ألماليلي “تحويل الشئ للغاية المقصودة منه فعلاً وعلماً”. فمثلاً : مادامت الغاية المقصودة من الماء هي الحياة، فتحويل الماء الى الحياة تأويل، والحياة مآل الماء (اي غاية توصله)، وقصد معنى الحياة من كلمة “الماء” مجازاً، هو تأويل لفظي. وعلم كيفية الحياة التي تنتجها المادة التي يقال لها “الماء”، هو تأويل معنوي. ويقال لكلا هذين الشكلين “تأويل علمي”، وتحويل الماء فعلاً الى الحياة “تأويل فعلي” (تفسير حق ديني قرآن دلي، جلد 1 / المقدمة، 27)

[2] -  انظر كلمة (التأويل) من كتاب التعريفات/  الشريف علي بن محمد الجرجاني .اذ يقول: التأويل في الاصل الترجيح، وفي الشرع: صرف اللفظ عن معنناه الظاهر الى معنى يحتمله اذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى {يخرج الحي من الميت} ان اراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيراً وإن اراد اخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً.

[3] - يراجع تفسير المنار

[4] - يراجع نفس المصدر

[5] -  مذهب اعتقادي، له مبادئ خاصة به (خمسة اسس)، اتخذ العقل اساساً . (بكر طوبال أوغلو/ علم الكلام. ص 169).

[6] - حسب نظرتهم هناك آيات محكمة ومتشابهة في القرآن الكريم، إلا أنه لم يُبين ايهما محكمة وأيهما متشابهة، ولا يتم التوصل إلى ذلك إلا بالمعرفة العقلية التي هي القسطاس . وحسب هذه النظرة تعتبر ما تتطابق منها مباشرة بالمفاهيم اللغوية، والإصطلاحات العقلية “المحكم الواضح” وما تعارض معها بحيث لا يمكن قبول معانيها اللغوية مباشرة (بالمتشابه المبهم) ولاجل ازالة وَهمَ التعارض بين المحكم والمتشابه، فقد توسلوا بعنصر المجاز (أبو زيد، ناصر حامد/ مشكلة تأويل القرآن عبر التاريخ وفي يومنا الحاضر (ترجمة عمر أوزسوي) مجلة الأبحاث الإسلامية، 9/29)

[7] -  بيد أن المعتزلة والخوارج لم تدم وجودها كمدرسة بعد القرن السادس الهجري إلا ان الزمخشري المتوفي سنة 538 الهجرية يعد من ممثلي هذه المدرسة، وقد دوّنت آراؤهم وأفكارهم في كتب أهل السنة والجماعة. ومع عدم وجود مذهب الإعتزال في يومنا الحاضر، فقد قبل علماء أهل السنة كثيراً من أفكارهم ولا سيما في موضوع تأويل النقل المتعارض مع العقل والتوافق بينهما.

[8] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 22

[9] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 30

[10] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 42

[11] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، المقدمة السادسة

[12] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[13] - اشارات الإعجاز، ص 138

[14] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[15] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[16] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 85

[17] -  صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 86

[18] - اشارات الإعجاز/ ص 139-140

[19] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 90

[20] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 73

[21] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 73-75

[22] - اشارات الإعجاز/ ، ص 175

[23] - صيقل الإسلام/ المحاكمات ، ص 31

[24] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 41

[25] - صيقل الاسلام/ المحاكمات/ ص 41


44-) قراءة النبوة للكتاب المنظور: دراسة سيمـيائـية في فكر النورسي

 

قراءة النبوة للكتاب المنظور:

دراسة سيمـيائـية في فكر النورسي

                                                                       

الدكتور إسماعيل إبراهيم المشهداني     

جامعة الموصل،كلية التربية، قسم اللغة العربية

 

 

إنّ الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّد وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

يؤكد الأستاذ سعيد النورسي بأنّ النبوة: مفتاح الحقيقة، ويصفها بنواة أنبتت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها لأنها صنو القرآن، وشبهها بالشمس التي أثمرت أركان الإسلامية الأحد عشر، أي: الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان، فالنبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه، وتعد مع التوحيد من مقاصد القرآن وعناصره الأصلية، ولأن النبوة مظهر لصفة الربوبية تكون جامعة وكلية([1]).

ويقصد بالكتاب المنظور: الكون الأكبر وما يحويه من حيوات وأنظمة، وهو الذي وقع عليه فعل القراءة النبوية متنمذجا بفكر الأستاذ النورسي القائل: إن هذا الكون كتاب على نحو عظيم، فوجه الأرض صحيفة، والشجرة كلمة، فكتاب كهذا لا يكون إلا من إبداع مقتدر متصف بالجمال والجلال والحكمة المطلقة. إنّ مجرد النظر إلى العالَم ومشاهدته يستلزم الإيمان، ولذا نقل عن الأنبياء تواتر تأملهم وتفكرهم في الكون وآياته، ذلك الكتاب المنظور الذي يعد آية من آيات الله عز وجل، ولذا عدَّ الرسولَ محمد ﷺ "ترجمان آيات كتاب الكون الكبير"([2]).

أما السيميائية: فتُعرّف بأنها دراسة (الإشارات/العلامات) في حياة البشر دراسة منهجية بوصفها علامات حاملة معنى([3])، والقدر المشترك في تحديد مفهوم السيميائية هو تعريفها بـ"نظرية العلامات"([4]). تهتم السيميائية بالعلامات وطبيعتها، وتحاول الكشف عن القوانين التي تحكمها وتفسّـر حقيقتها، وبهذا يتأكد لدينا أساسية حضور العلامة في السيميائية، وتعرف العلامة بأنها: وحدة ذات وجهين مترابطين، هما: التصور والصورة، وبالجمع بينهما يتبلور الدال والمدلول.

وقد عُرّب هذا المنهج بمسميات متعددة سنوحدها في دراستنا بـ(السيميائية) وهي علم العلامات([5])، و"في معناها الأكثر بداهة هي تساؤلات حول المعنى"([6])، وإن الإشارة في الفكر السيميائي تنطوي على صورة صوتية وتصور أو دال ومدلول، وأنّ هناك هوة بين الكلمات والأشياء، وبين الإشارات والمراجع، فالإشارات تدل على المفاهيم التي هي من أركان الفكر([7]). فعلم الدلالة يدرس علاقة العبارات بالأشياء الخارجية كموضوع مركزي، فالأشياء مستقلة عن اللغة تمام الاستقلال ([8]).

وقد يتساءل البعض لمَ دراسة فكر النورسي سيميائياً؟

والجواب: لأننا نتعلم من السيميائية أننا نعيش في عالم من العلامات التي تمكننا من فهم جميع الأشياء التي من حولنا([9])، فقد استطاعت السيميائية دراسة الصورة، لأنها علم يختص بدراسة الأنساق التواصلية اللسانية وغير اللسانية، ومن هنا نظرت إلى الصورة على أنها نسق مؤهل لإنشاء الدلالات كغيره من الأنساق، ومن ثم يمكن الاستعانة به في عملية التواصل، وذلك لوجود علاقة معللة تربط الصورة بالمرجع الخارجي الذي تحيل عليه([10]).

تتجلى العملية السيميائية في مستويين: أولها محاولتها تفسير العالم كأنه كتاب، وثانيهما تفسّر الكتاب كأنه عالم([11])، وسنفيد في بحثنا هذا من جهود المدرستين السيميائيتين الأمريكية والأوربية، متمثلتين بجهود الفيلسوف تشارلز بيرس والألسني فرديناند دوسوسير وغيرهما.

سنعدُّ -في بحثنا هذا- مظاهرَ الكون دوالا علامية يمكننا قراءة الفعل النبوي تجاهها متنمذجا بخطاب النورسي عن السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والشمس والقمر..، والتي تعدّ نماذج الكتاب المنظور، وهذا ما سندرسه في بحثنا -بعونه تعالى- وفق المعطيات السيميائية التالية: الشفرة والدليل والأيقونة والرمز والعلامة التبادلية والتتابعية والإحالة العلامية والمؤشر.

1.شفرة الكتاب المنظور

الشفرة أو السنن: هي النظام الفكري المحدد للفهم، وبها نستطيع استخلاص معنى من حدث ما، وسيختلف تفسير الظواهر الطبيعية وفقا لها([12]).

يمكننا إيضاح شفرة الكتاب المنظور بحادثة انشقاق القمر المعجزة، والتي وقف عندها النورسي كثيرا في كتاباته، فهذه الحادثة المعجزة يمكن قراءتها بأكثر من وجه تبعا للشفرة المعيّنة، فهناك الشفرة العلمية التي تؤكد انشقاق القمر وتعده ظاهرة طبيعية، فقد نشرت وكالة الفضاء (ناسا) صورة للقمر، وعليه أثر شقٍّ طويل من أقصاه إلى أقصاه([13]). قال تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾([14]).

أما الشفرة الإيمانية التي ينطلق منها النورسي في قراءته للكتاب فتؤكد: أن المولى سبحانه وتعالى شقَّ القمر المعلق في السماء والمرتبط مع الأرض بإشارة من عبده، فأظهر معجزته هذه، إثباتاً لرسالة ذلك العبد الحبيب، حتى أصبح كالفلقتين المنيرتين([15])، وهذه قراءة تختلف جذريا عن القراءة الأولى المكتفية بالرصد والمشاهدة، لأنها تتعمق السبيل وتؤكد المعجزة الخالدة التي أيّد بها الله تعالى نبيه ﷺ، قال تعالى:﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ([16])، وروى ابْن مَسْعُودٍ رضي الله تعالى قَالَ:"انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اشْهَدُوا"([17])، فيعدّ ذلك الانشقاق من علامات قيام الساعة([18])، وإثبات للرسالة المحمدية، وهذا ما يؤكد التعالق الجوهري بين النبوة والكون معا.

إنّ انشقاق القمر معجزة لإثبات الرسالة المحمدية، وإظهار نبوته إلى الجن والإنس، كذلك المعراج هو معجزة عبوديته  التي أظهرت محبوبيته إلى الأرواح والملائكة([19])، يجمع النورسي هنا بين معجزتين، تسمى الثانية فيهما بحادثة الإسراء والمعراج، والتي نقلها من كونها انتقالاً جسمانياً وروحانياً للسماوات العلا، إلى كونها معجزة عبودية ملؤها الحب، وهذا ما جعلها تستند لشفرة إيمانية تختلف جذريا عن الشفرة المادية التي تفسر الانتقال الفيزيائي للأجسام فقط.

جعل النورسي من حادثة انشقاق القمر علامة لصدق النبوة، وذلك بقوله: يوجد على صدق نبوة الرسول محمد ﷺ من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يعدُّ ولا يحصى، كظهور المعجزات على يديه، كانشقاق القمر الذي انشق إلى نصفين بإشارة منه كما نص عليه القرآن([20]). وعدّها من المعجزات الآنية: فأكدّ أنّ الخوارق النبوية الظاهرة أنواع، منها الحسيَّة التي أظهرها وقت التحدِّي والدعوى، كتكلم الحجر.. ([21]). فمعجزة (انشقاق القمر) تؤكد صدق النبوة ابتداء، ومن ثمّ تسهم في الانتقال الإيماني إلى الدائرة الإسلامية الرحبة عند شهادة العبد بالتوحيد. والمهم هنا في قراءة (شفرة الكتاب المنظور) انطلاق النورسي لتعزيز الشفرة الإيمانية في تفسير الظواهر المعيّنة، وهذه الشفرة ستكون مغايرة للشفرات العلمية والأسطورية.. وغيرها.

يجعل النورسي الكون كله تابعا للرسول الخاتم ﷺ، بقوله: فجميع المخلوقات آذانٌ صاغية له، بل المملكة برمّتها تصغى إليه، فانشقَّ بإشارته القمر وجاء لدعوته الشجرُ، ونزل سرعة بدعائه المطرُ، وأظلته الغمامة من الحرّ، وشبعَ من صاع طعامه مئات من البشر، وارتوى جيش كامل من أصحابه  رضي الله عنهم من الماء النابع من بين أصابعه الخمسة المباركة عندما اشتد بهم العطش، وأنطقَ الله له الضبّ والظبي والذئب والجذع والذراع والجمل والجبل والحجر والمدر، وهذه معجزات نبوية لا يمكن تفسيرها إلا تفسيرا خارقا للعادة، عندها ستعجز المنطلقات العلمية والعادية عن تفسيرها.

كما يتحدث النورسي عن تسبيح الجبال مع نبي الله داود عليه السلام([22])، ولا يعدّها صدى صوتيا، بل يؤكد تعقيل الجمادات وإنطاقها، فالجبال مع داود ليست عاكسة للأصوات بل مرددة لها، وليست مرجعة للكلام بل قائلة له حقيقة. فالشفرة الإيمانية التي ينطلق منها النورسي هي التي حددت معالم القراءة النبوية، وغايرت بين الشفرات المتعددة.

2.دليل الكون المنظور:

تتسم علاقة الدال بالمدلول في (الدليل) بالواقعية الفعلية، ويتحقق الدليل: بأي شيء يؤدي وظيفته كعلامة اعتمادا على صلة السبب بالنتيجة، أو الشيء ومدلوله([23])، والنتيجة: هي استدلال مطابق لقواعد المنطق، وتنتج من العلاقة المنطقية التي تربط المبادئ بالقضية التي تنجم عنها([24])، فالدليل مكون من دال ومدلول، ويشكل صعيد الدوال العبارة، ويشكل صعيد المدلولات المحتوى([25]). سنستشهد لدليل الكون المنظور، بربط النورسي لحياة الكون بالرسالة المحمدية والقرآن، وذلك بقوله: ما دام الكون قد خُلق لأجل الحياة، وأنّ الحياة هي أعظم تجلٍّ وأجمل صنعة للحي القيوم سبحانه، فلابد أن تدلّ الحياة -التي في الكون- دلالة قاطعة على الحي الأزلي وعلى وجوب وجوده، فالحياة المحمدية -المادية والمعنوية- مترشحة من الحياة ومن روح الكون، بل إنّ حياة محمد ﷺ بشهادة آثارها، حياة لحياة الكون، والوحي القرآني بشهادة حقائقه الحيوية روح لحياة الكون وعقل لشعوره([26]). فلمخلوقات عالم البقاء علاقة قوية بنور رسول الله ﷺ، إذ بالنور الذي أتى به ستعمر الجنة ودار الآخرة بالجنّ والإنس، فالرسول الكريم محمد الأمين ﷺ وسيلة سعادة الدارين وحبيب ربِّ العالمين([27]).

يوضح هذا النص علاقة (الدال بالمدلول) في الدليل، المنظوية في علاقة السبب بالنتيجة، إذ يعدّ النورسي النبوة المتمثلة بالرسول محمد ﷺ والقرآن سبباً، والحياة نتيجة مترتبة على ذلك السبب.

والسؤال المطروح هنا، هل يقصد النورسي الحياة المادية أم المعنوية؟

ليرجح الجواب المعنوية فيها، إذ تواجه الحياة المادية معوقتين تخصان الرسول والكون معا، فالقرآن أثبت إمكانية فقد الرسول ﷺ ماديا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..﴾ ([28])، وكذلك أثبت الواقع. أما الكون فيرتسم ماديا أيضا، لأنه موجود وفق مسارين، أي أنّ فيه نجدين معا.

ولذا يُحمل كلام النورسي عن الحياة على الوصف المعنوي، فالرسالة والقرآن كلاهما حياة للكون وإيجاد له. وهذا انطلاق من الكتاب المسطور القائل:﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ([29]).

وفسّر النبي الحياة والموت، بكون الإيمان حياة كما أنّ الكفر موت، في الحديث الذي روته: أم خالد بنت الأسود عندما دخلت على النبي ﷺ فقال:(من هذه؟) فقالوا:أم خالد بنت الأسود فقال: (الحمد لله الذي يخرج الحي من الميت) يعني المؤمن من الكافر([30])، وكانت امرأة صالحة ومات أبوها كافرا.

فكما كانت رسالته سبباً لإيجاد دار الامتحان هذه فإنّ عبودية الرسول ﷺ لله تعالى أصبحت سبباً لخلق تلك الدار السعيدة الأبدية. وتعال لنتجرد من قيود الزمان، ولنذهب بأفكارنا إلى عصر النبوة، وبخيالنا إلى تلك الجزيرة العربية كي نحظى بزيارته، وهو يزاول وظيفته بكامل عبوديته انظر كيف أنه سبب السعادة بما أتى به من رسالة وهداية، وهو الداعي لإيجاد تلك السعادة، أنه يدعو إلى السعادة الأبدية في صلاة كبرى شاملة، حتى أن الجزيرة العربية بل الأرض برمّتها، كأنها تصلي مع صلاته، وتبتهل إلى الله بابتهاله الجميل([31]).

يؤكد النورسي أنّ الرسالة المحمدية سبب لوجود (دار الامتحان) كما أنّ عبودية الرسول ﷺ لله تعالى  أصبحت سبباً لخلق دار السعادة كما يُعدّ هو سببا للسعادة. ويثنّي النورسي في كلامه هذا السعادة ويجعلها دنيوية وأخروية، وكلاهما يتحققان بالفعل الرسالي الخاتم. ويرادف النورسي العبادة بالسعادة، وهذه قمة التسامي الشامل، لأنه يبعد صفة المشقة والصعوبة المرتبطة بالعبادة عنها، ليستعيظ عن ذلك بالإحلال المتبادل بينهما، ليشكل بنية الترادف بين العبادة والسعادة.

وهذا ما يفسر اقتداء الأرض بالرسول ﷺ إماما ومبتهلا، بوصفها أحد أهم معالم الكتاب المنظور، فالأرض مركز الكون وحاملة الرسالات السماوية ومبعث الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويشكّل اقتداؤها به ﷺ ملمحا أساسيا في انقياد الكون الطوعي للنبوة.

ومن جهة مماثلة يجعل النورسي المقام المحمود الذي وعد به الرسول محمد ﷺ نتيجة لخلق الكتاب المنظور، وذلك في قوله: إنّ المقام المحمود طرف وغصن من حقيقة عظمى، وهو ثمرة لأعظم نتيجة لخلق الكون. أما طلب تلك الثمرة وذلك الغصن والطرف، فهو طلب تحقيق تلك الحقيقة العامة الشاملة العظمى وحصولها، ومجيء العالم الباقي الذي هو أعظم غصن من شجرة الخلق وطلب تحققه. وطلب تحقق القيامة والحشر الذي هو أعظم نتيجة للكون وطلب انفتاح دار السعادة. فيتذكر المرء أنَّه -بهذا الطلب والسؤال- يشترك في العبودية البشرية والأدعية الإنسانية التي هي أهم سبب لوجود دار السعادة والجنة الخالدة([32]).

عندها سيكون العالم والحياة وما فيها من عبودية وأدعية سببا والمقام المحمود والجنة نتيجة يسعى إليها الإنسان في حركة دائبة متواصلة. فتتسم علاقة (العالم/الحياة) بـ(المقام المحمود/الجنة) في (الدليل) بالفعلية والتحقق، لأنه أدى وظيفته كعلامة اعتمادا على صلة المقام المحمود بدار السعادة والجنة الخالدة.

3.الكتاب المنظور أيقونة الهية:

الأيقونة: هي أي شيء يؤدي وظيفته كعلامة انطلاقا من سمات ذاتية تشبه المرجع أو المشار إليه([33]). وهي نمط من العلامات في ترتيب بيرس، حيث توجد علاقة تماثل صورية بالمرجع الملموس، وتحيل على الموضوع الذي تسجله اعتمادا على ما تمتلكه من مميزات، وتشير لتماثل العلامة لبعض مظاهرها([34]). تقوم الايقونة على مبدأ المشابهة بين العلامة ومدلولها أو مرجعها. وسندرس الايقونة بوصفها مصطلحا سيميائيا، وسنبعدها عن المفهوم الوثني.

وسنمثّل لدراسة الايقونة بحديث النورسي عن دور النبوة في الكتاب المنظور، وذلك بقوله: لقد تبدل وضع العالم بنور النبي ﷺ وتبيّنت حقيقة الإنسان والكون وماهيتهما بذلك النور، وانكشفت بذلك الضياء، فظهر أنّ موجودات هذا الكون مكاتيب صمدانية تستقرئ الأسماء الحسنى، ومأمورات -ذات معنى ومغزى- تليق بالبقاء. فلولا ذلك النور لظل الكون مستوراً تحت ظلام الأوهام، محكوماً عليه بالفناء المطلق والعدم، تافهاً دون معنى ونفع، بل كان عبثاً وسدى ووليد الصدفة، ولهذا السرِّ فإنّ كل شيءٍ في الأرض والسماء، من الثرى الى الثريا يستضيء بنوره ويبدي علاقته به([35]). ففي هذا النص يجعل النورسي النور النبوي أيقونة كونية، فبه تمّ التبدّل المرجو من الأسوأ الى الأحسن، كما تبينت حقيقة الانسان والكون معا، لأنّ الإنسان قطب الكون الأول. فالأيقونة تُظهر مبدأ التشابه بين النبوة متمثلة بالرسول الخاتم ﷺ والهداية المبددة لظلام الأوهام والفناء المطلق والعدم، والعبثية والسدى.

ومن موقع آخر يشابه النورسي بين تلازم الكون وخالقه تعالى، ورسوله ﷺ بتلازم الضوء للشمس، وذلك بقوله: يلزم أن يكون لهذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم ﷺ، كلزوم الضوء للشمس. لأنه كما لا يمكن للشمس إلاّ أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلاّ أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام ([36]). فكما أنّ الضوء صدور عن الشمس فكذلك الكون المقتدي بالرسول ﷺ صدور عن الله تعالى. فالنبوة هي المظهرة لمعطيات الألوهية وتعاليمها السمحة، كما أنها تحقيق فعلي للنص القدسي متجسد بإنسان، ولذا وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها الرسول ﷺ عندما سألها سَعْد بن هِشَام عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ([37]). وهذا ما شكل بنية المشابهة الأيقونية بين الدال والمدلول.

إنّ ماهية الكون وقيمته ومزاياه تتحقق بالنور الذي أتى به محمد ﷺ وبه تُعلم وظائف موجوداته ونتائجها ومهماتها وقيمتها، وبه يكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيب إلهية بليغة وقرآن ربّاني مجسّم ومعرض آثار سبحانية مهيب. إذ لولا نوره لاتخذ الكون ماهية خراب مخيف ذات أخلاط متشابهة واضطرابات متعاقبة يتردى في خضم ظلمات العدم والعبث والزوال والفناء([38]).    

مع الإثبات يتعدى النور المحمدي إلى ثلاثة مفاعيل كونية، هي: ماهيته وقيمته ومزاياه. وهذا ما أسس لمفهوم الأيقونة القائمة على التماثل بين الدال والمدلول، أي بين النبوة متمثلة بالرسول الخاتم ﷺ والكتاب المنظور ومعطياته الكونية. ويتنبأ النورسي بالكون المستقبلي، وذلك بقوله: سيكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيب إلهية بليغة وقرآن رباني مجسّم ومعرض آثار سبحانية مهيب، ويشكل هذا بنية المماثلة بينهما ليؤسس مفهوم الأيقونة الكونية القائمة على الطوعية والانقياد للممارسات النبوية الكريمة. إنّ مفهوم المماثلة المنبثق عن مصطلح الأيقونة السيميائي، يتأسس في تحويل النبوة النصَّ إلى عمل وممارسة، ولذا كان النبي ﷺ قدوة لأنه دعا إلى الله تعالى بفعله قبل قوله، وممارساته قبل نصه.

4.رمز النبوة في الكتاب المنظور:

الرمز: مصطلح بيرسي يعادل الإشارة الدالة الاعتباطية عند دي سوسير([39])، وهو: "علامة عشوائية عرفية"([40])، ويتوافر على علاقة واقعية أو حقيقية بين الدال والمدلول. وسنمثل لرمز النبوة في الكتاب المنظور السيميائي بخطاب النورسي الآتي:

ما دام مالك الملك قد اختار الأرض من الكون، واختار الإنسان من الأرض، ووهب له مكانة سامية، وأولاه الاهتمام والعناية، واختار الأنبياء والأولياء والأصفياء من بين الناس، وأكرمهم بالمعجزات والتوفيق في الأعمال، واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمزَ فخرهم واعتزازهم ألا وهو محمد ﷺ، فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية طوال قرون عدة([41]).

يَعدُّ النورسي في نصه المتقدم الرسولَ محمد ﷺ رمزاً بمفهومه الواقعي والحقيقي، وقد أضفى عليه مبدأ الاصطفاء والاختيار أو الاجتباء، وهذه هي مقومات الرمز النورسي، على عكس الرمز البيرسي القائم على الاعتباطية العشوائية. فالواقعية والحقيقة سمتا الرمز النورسي في توصيف الرسول محمد ﷺ، فهو المؤسس للتطابق والتماثل بين الدال والمدلول، ولذا عُدّ رمزا علاميا ذا خصوصية وتفرد.

ما دام الكون قد خُلق لأجل الحياة، وأنّ الحياة هي أعظم تجلّ وأكمل نقش وأجمل صنعة للحي القيوم جلّ جلاله، وما دامت حياته السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، إذ لو لم تكن هناك رسل ولا كتب لما عُرفت تلك الحياة الأزلية، فكما أنّ تكلم الفرد يبين حيويته وحياته كذلك الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم يدلون على ذلك المتكلم الحي. فلابد أنّ الحياة التي في الكون تدل دلالة قاطعة على (الحي الأزلي) سبحانه وعلى وجوب وجوده، كما أنَّ شعاعات الحياة الأزلية وتجلياتها تتعلق مع أركان الإيمان مثل: (إرسال الرسل) و(إنزال الكتب) وتثبتهما رمزاً، ولا سيما الرسالة المحمدية والوحي القرآني. إذ يصح القول: إنهما ثابتان كقطعية ثبوت الحياة، فهما بمثابة روح الحياة وعقلها([42]).

يذهب النورسي إلى عدّ الأنبياء والرسل علامة سيميائية في الكون، وذلك بقوله: الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم يدلُّون على ذلك المتكلم الحي. عندها سيتحول الأنبياء وكتبهم إلى رمز سيميائي بذلك الإثبات النورسي. ولا بدّ لذلك الإثبات من تأكيدٍ ليكون حقيقة واقعية يؤكدها البرهان، فكما تعدُّ الحياة عند الجميع ثابتة لا ينازع فيها أحد، فكذلك النورسي يعدّ الرسالة المحمدية والوحي القرآني ثابتين قطعياً كقطعية ثبوت الحياة.

5.علامة الكتاب المنظور (التبادلية/التتابعية):

إنّ أية علامة يوجد في شفرتها جزء من قائمة تبادلية، ضمن المحاور الآتية:

1.نظام من العلامات التي تربطها بإشارات أخرى من خلال التشابه والاختلاف.  2.تشابه الكلمات صوتيا.      3.ترابط الكلمة تبادليا مع المترادفات والمتضادات.   4.ترابط الكلمات في الجذر نفسه.

فيشير التبادل إلى ارتباط كلمة بكلمات أخرى، أما التتابع فيشير إلى: علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى، وتوصف الوظائف التتابعية بالخطية. أي يعدّ التتابع أفقيا والتبادل عموديا([43]).

وسنقرأ النص النورسي الخاص بالكتاب العظيم (المسطور/المنظور) قراءة سيميائية من جهة العلامة التبادلية:

فيما يخص المحور الأول يطلق على القرآن والكون لفظ الكتاب، فالأول مسطور والثاني منظور، وقد طرفها الأول بنية التشابه كما أسس طرفها الثاني بنية الاختلاف. ولا يقف التشابه إلى هذا الحد بل يتجاوزه عندما يَعدُّ الأستاذ سعيد النورسي الكون البديع: قرآناً عظيما منظورا([44]). وفيه ترسيخٌ لأمرين:

الأول: يعزز القراءة التي لها أهمية كبرى في حياة الأمة وتنميتها. والثاني: تبيين التشابه بين القرآن الكريم والكون، فكلاهما صدور عن خالق عظيم واحد أحد، ويقتضي المنبع الواحد التشابه.

وقد تأتت أهمية الكتابين من كاتبهما، ولذا يقيم النورسي علاقة دائمة بين الكتابين وخالقهما، وينتقد ناظري الكون بمعزل عن مبدعه وخالقه. فيصف الفلسفة بأنها ضالة عن الحقيقة، فقد كان عليها "أن تنظر إلى كتاب الكون نظرتها إلى الحروف- الدالة على كاتبها -فقد نظرت إليها بالمعنى الاسمي، أي أن الموجودات قائمة بذاتها، وبدأت تتحدث عنها على هذه الصورة فتقول: ما أجمل هذا! بدلاً من: ما أجملَ خلق هذا، سالبة بهذا القول الجمال الحقيقي للشيء، فأهانت بإسنادها الجمال إلى الشيء نفسه جميع الموجودات". فالكتابان يشيران إلى الله تعالى، ويضيف النورسي: ولكم "أن تقدّروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كلِّ كلمة منه معان جمّة وحِكم شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم وهو العالم، على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جلَّ وعلا"([45]).

أما ما يخص المحور الثاني: (تشابه الكلمات صوتيا) فيتضح في ثنائية (المسطور/المنظور) المتوافقة، فقد أحال التشابه الصوتي الكتابَ إلى علامة سيميائية تبادلية.

أما المحور الثالث في العلامة التبادلية: (ترابط الكلمة مع المترادفات والمتضادات) فنجد الكتابين (المسطور/المنظور): مترادفين في خصائصهما كالإبداع والإعجاز والمنبع الواحد والتوافق والإحالة..، ومتضادين في كون الأول كلام الله غير مخلوق والثاني مخلوق.

وتتوضح العلامة التبادلية في المحور الرابع: بـ(ترابط الكلمات في الجذر نفسه) فيشتق القرآن والكون من الجذر نفسه (كتب) وكلاهما كتاب، فالقرآن كتاب مسطور كما أن الكون كتاب منظور، فالله تعالى هو "الذي كتب هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجّل تاريخ حياة كل شجرة في كل بذر من بذورها، ودوّن وظائف حياة كل عشب ومهام كل زهر في جميع نواها"([46]) ،فكلاهما مشتقان من الجذر نفسه.

من زاوية أخرى يشابه النورسي بين الكتابين، لوجود التشابه الصوتي بينهما، وهذا ما يؤسس لترادف الكتابين واشتقاقهما من جذر واحد. وذلك لوجود آية عظمى كامنة فيهما، وهذه الآية هي الرسول الخاتم ﷺ، فعلى الرغم من الاختلاف الإحالي بينهما، لكنهما متشابهان، ليس في المنبع فقط بل المحتوى والجوهر. ويتجلى ذلك بقوله:" إنّ أعظم آية في كتاب الكون الكبير، وأعظم اسمٍ في ذلك القرآن الكبير..والدالّ على سلطان ربوبية الله، والكشّاف الحكيم للغز الكائنات، هو سيدنا محمد الأمين ﷺ، الذي ضم الأنبياء جميعاً تحت جناح الرسالة، وحمى العالم الإسلامي تحت جناح الإسلام، فحلّق بهما في طبقات الحقيقة متقدماً موكبَ جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وجميع الأولياء والصدّيقين، وجميع الأصفياء والمحققين، مبيّناً الوحدانية واضحة جلية بكل ما أوتي من قوة، فاتحاً طريقاً سوياً إلى عرش الأحدية، دالاً على طريق الإيمان باللّه، مثبتاً الوحدانية الحقة"([47]). كما يَعدُّ النورسي: الرسولَ محمدا الأمين ﷺ الفردَ الأكمل والجامع للكمالات الإنسية، لأنّ الإنسان وحده هو المؤهل للرُّقي([48]). فالرسول الخاتم محمد ﷺ هو آية الكونين وجوهر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ومكمن النبوة لأنه ضمّ الأنبياء جميعاً تحت جناح رسالته، وهو الفرد الأكمل والجامع للكمالات في الكتابين المنظور والمسطور.

أما التتابع فيشير إلى: علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى، وتوصفُ الوظيفة التتابعية بالخطية. فيعدّ التتابع أفقيا والتبادل عموديا. ويمكننا ايضاح هذه العلامة بالمثلث الآتي:

1.jpg  

 

 

                 

فالله تعالى كاتب الكتابين العظيمين (المسطور/المنظور) وله دور الفاعل لهما معا، فيأخذ في الكتاب الأول دور المتكلم وفي الكتاب الثاني دور الخالق، وهذا ما أسس بنية (التشابه/الاختلاف) فيهما، فسِمات تشابه الكتابين كثيرة ومتعددة، في حين ينفرد الاختلاف في (الكلام/الخلق) الإلهي.

وكمثال للتتابع يحضر الكون شاهداً للإيمان: فمثلما السَّمواتُ والفضاء والأرض تشهد على وحدانيتك وعلى وجودك، فالبحار والأنهار والجداول والعيون أيضاً تشهد على وُجُوب وُجُودِك وعلى وحدانيتك([49]). ليكون الكون بسمائه وفضائه والأرض والبحار والأنهار والجداول والعيون على علاقة بوحدانية الله وشاهدة له بالإيمان.

ويمثل النورسي لتصديق ومشاركة الكون للأنبياء في العبادة بقوله: يدعو آدم عليه السلام لحاجةٍ شديدة عظيمة عامة بحيث تشترك معه -في دعائه- الأرضُ بل السماء بل كل الموجودات، فيقولون بألسنة الأحوال: نعم يا ربنا تقبّل دعاءه فنحن أيضاً مع جميع ما تجلّى علينا من أسمائك نطلب حصولَ ما يطلبه([50]). وهذا مثال للتتابع المشترك، عندما تشاركُ كل الموجودات من أرض وسماء، أبا البشر عليه السلام في دعائه: تأمينا وحصولا.

ويقتضي حديثنا عن علامة الكتاب المنظور (التبادلية/التتابعية)، الحديث عن الإحالة في الكتاب المنظور أيضا، لوجود اندماج سيميائي بينهما، ويقصد بالإحالة: أنّ لكل علامة موضوع تشير إليه، وإنّ الكلمات تكتسب معانيها من البنية التبادلية أي من كلمات أخرى في اللغة([51]).

فالحاكمية الإلهية المطلقة تردّ الشرك بشدة مهما كان نوعه، ومن هنا نرى القرآن الكريم يفيض في بيان التوحيد الخالص ويردّ الشرك بشدة. فكما اقتضت الحاكمية الإلهية التوحيد والوحدانية بقطعية تامة، كذلك النظام المتقن والانسجام البديع المشاهدان في الكون -ابتداء من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والأفراد والذرات- كل منهما شاهدُ عدلٍ وبرهان على تلك الوحدانية، إذ لو كان هناك نفوذ لغير الواحد الأحد، لفسد هذا النظام البديع، واختل هذا التوزان المحكم المشاهَد في الكون، فصدق الله العظيم القائل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ([52])،من أجل هذا السرّ العظيم نرى القرآن الكريم يذكر التوحيد بكل حرارة وشوق، ويكرر ذكره بكلِّ حلاوة وذوق، وأن الأنبياء والعلماء يجدون بغيتهم ومنتهى سعادتهم في أفضل ما قالوه: "لا إله إلاّ هو"([53]).

انطلاقا من معنى الإحالة: أنّ لكل علامة موضوع تشير إليه، يؤكد النص النورسي هذا أنّ معالم الكون أجمع (النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن والجزئيات والأفراد والذرات..) تشير إلى التوحيد بكل ما يعنيه من إخلاص وتجرّد وإفراد الله بالعبادة والتوكل والطلب. ويعدُّ النورسي التوحيدَ سبباً للتوازن الكوني والانتظام والتناسق، وهو بذلك يستنطق النص القرآني المؤكد للتوحيد، ويعدّ استشهاده بالآية دليلا له، ومن هنا يمكننا بيان الإشارة الإحالية في النص النورسي المتابع للنص القرآني وفق المربع السيميائي الآتي:

            3      

 

  فتوحيد الله يتوافق مع (النظام والتوازن) المستغرق للكتاب المنظور، ويصل إلى أن يكون سببا لهما. في حين يتناقض التوحيد مع الفساد والاختلال الكوني، ويشير التناقض إلى العلاقة القائمة بين الإثبات والنفي، عندما يكون أحدهما نفيا للآخر، وبنحو أخص يشير التناقض: إلى ضرب تعارضي قائم بين الكلية الموجبة والجزئية السالبة، وبين الكلية السالبة والجزئية الموجبة، أو قضية تجمع عناصر متمانعة. أما التضاد فيشير إلى موضوعين يتعارضان ويزدادان تنافرا في الوعي من خلال التعارض، ويطلق على مفهومين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف ويمكن الإحساس بتعاكسهما حدسيا([54]). في حين يتوافق الشرك مع (الفساد والاختلال) لأنه سبب لهما، يتناقض الشرك مع نظام وتوازن الكون، وهذا ما أسس لتضاد (النظام والتوازن) من جهة و(الفساد والاختلال) من جهة أخرى.

فصلاح النظام الكوني البديع وتحقق التوازن المحكم في الكتاب المنظور، يشير إلى رسوخ مفهوم التوحيد في العالم وتمكنه في الوجود، فعندما تكون دلالة التوحيد في (صلاح النظام البديع/تحقق التوازن المحكم) في الكون، تكون دلالة الشرك (فساد النظام البديع/اختلال التوازن المحكم) في الكون أيضا، وفق مفهوم البنية التبادلية للكلمات الأخرى في اللغة.

يريد النورسي من الإنسان إمعان النظر في الكون، ليجد مكمن عظمته صادرة عن خالقه تعالى، فليس ثمة فوضى ولا تسيّب، والكون كله بأجزائه ومكوناته ينطلق من الحكمة والإتقان الإلهي.

6.مؤشر الكتاب المنظور:

تكون العلامة مؤشرا حين يكون هناك ارتباط وجودي بين الإشارة وما تدل عليه، فمثلا تعدُّ الآثار مؤشراً للحضور([55]). ويعني الأثر بحكم البرهنة المعقدة: وجود صنف من الفاعلين المؤثرين تركوا ذلك الأثر، ويحدد الأثر مكانة وصفات ووجود المؤثر([56]).

يمكن في مؤشر الكتاب المنظور أن يشير الكون أجمع إلى الخالق العظيم، وقد سُئل أحدهم ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله إنّ أثر الأقدام لتدل على المسير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدلُّ ذلك على وجود اللطيف الخبير؟([57]).

يبدأ النورسي في تعداد مفردات الكون الشاسع وأجزائه المتنوعة ليجعلها شاهدة عليه تعالى، ومؤكدة على صدق نبوة محمد ﷺ، فالنور أو الضوء إنما هو للإعلان عن مصنوعات الله سبحانه، أي أنّ الضوء مسخّر من لدن خالق حكيم، وانظر إلى الرياح والينابيع والجداول والأنهار، وتأمل في تفجرها من الأرض أو الجبال. وأنظر إلى أنواع الأحجار والأزهار والأثمار والطيور والسُحب الثقال والسماء وتمعن في القمر وأجرام السماء .. وهكذا يفتح كُلّ ما ذكرناه من العناصر الكلية نافذة واسعة جداً تبيّن وجود الله سبحانه وتظهر وحدانيته، وتعلن عن كمال قدرته وعظمة سلطانه. فالكون جميعاً والموجودات كافة ناطقة بالتوحيد، فدلائل التوحيد وأصداؤه شواهد عدل لا تنقطع ولا تنتهي أبداً في الكتاب المنظور([58]).

فرغم الظهور الجلي للآيات الكونية القاطعة على وحدانية الله وعظمته، فقد زاغ عنها الكثيرون، ولذا أسهب النورسي في تعداد تلك الآيات العظيمات ليرسخ الإيمان في النفوس ويقويه في القلوب، فقد تحدث القرآن عن أناس استمعوا للنبي ﷺ ورأوا الآيات ومع ذلك لم يؤمنوا بدعوته: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا..﴾ ([59])، وهذا هو سبيل الكافرين، على عكس المؤمنين الذين ترشدهم تلك الآيات إلى الإيمان بالله وحده، وقد تناصت أبيات أبو العتاهية مع نص النورسي المتقدم:

فَيا عَجَبا كَيفَ يُعصى الإِلَـ      
 

 

ـهُ أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ؟!
 

وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ
      

 

عَلَيـنا  وَتَــسكيـنَـةٍ  شـاهِــدُ



 

 

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ
 

 

تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ الواحِدُ([60])
 

ويماثل النورسي شهادة الأنبياء بإشارة الكون وشهادته، وذلك بقوله:

"يَا رَبَّ العالمين!   يَا إله الأولين والآخِرين!   يَا رَبَّ السَّمواتِ والأرضين!

لقد علمتُ بتعليم الرّسُولِ الأكرم ﷺ وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت أنه: مثلما السَّمَاء والفضاء والأرض والبر والبحر والشَّجر والنبات والحيوان.. تَعرفُك بأفرادها وأجزائها وذراتها، وتشهد على وُجودِكَ وعلى وَحدتك، وتدلُ عليهما وتشير، فإنّ الأنبياء والأولياء والأصفياء.. يشهدون ويخبرون بوجوب وجودك ووحدانيَتك وأحدِيتك إخباراً قاطعاً". فوصفَ الأولى بالدلالة والإشارة التي ماثلها بالشهادة التوحيدية. ليأخذا معا دور فاعل الشهادة والقائم بها، وإن كانت هذه الشهادة الثنائية للتوحيد تنفرد وتتقابل عندما: يدلُّ الكون ويشهد شهادة كلية على رسالتة النبي الكريم ﷺ وصدقه وعلى كونه أفضل مبعوث لله ربِّ العالمين([61]). عندئذ سيتحول الكتاب المنظور من كونه معززا بشهادة نبوية ليشهد للوحدانية، إلى تفرد شهودي لإثبات صدق النبي الكريم ﷺ، وهذا هو ملمح الانتقال الثنائي إلى الوحدة.

ولهذه الغاية يحضّ النورسي الإنسان إلى إمعان النظر في سيمياء الأرض ويرشده الى دوام التفكر والنظر، ويخاطبه بقوله: "أمعن النظر في ملامح الأرض وسيمائها، وفي مطرزات تعاريجها، ونقوش انحناءات سطحها، والتواءات جسمها، ولاحظ شكلها وألوانها الزاهية المتنوعة بتنوع تربتها، والتي تتسم بالحكمة والإبداع، وتثير الحيرة والإعجاب فدونك الأنهار والسواقي والبحار والجداول وسفوح الجبال"([62])، وإنها جميعا تشير الى الخالق تعالى.

وبهذا نكون قد أنهينا بحثنا: قراءة النبوة للكتاب المنظور وفق المنهج السيميائي والذي استغرق المصطلحات الآتية: الشفرة والدليل والأيقونة والرمز والعلامة التبادلية والتتابعية والإحالة العلامية والمؤشر، فتمّت دراسة الكتاب المنظور سيميائياً.

والحمد لله أولا وآخراً على منّه وآلائه.

 

 

---------------------------

([1]) ينظر: اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة ،1993 :194، والمثنوي العربي النوري،بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط1، القاهرة، 1995 :123، 176.

([2]) الكلمات،بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط1، القاهرة،1993: 43، 60.

([3]) ينظر: السيمياء والتأويل،روبرت شولز، تر:سعيد الغانمي،المؤسسة العربية للدراسات، ط1، عمان، 1994 :13-14.

([4]) السيميائيّة وفلسفة اللغة، أمبرتو إيكو،تر:د.أحمد الصمعي، دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت-لبنان،2005 :44.

([5]) العلاماتية وعلم النص، منذر العياشي، المركز الثقافي العربي، ط1، المغرب، 2004: 13.

([6]) مفاهيم السيميائيات، سعيد بنكراد، مجلة علامات، ع17، 2004: 85.

([7]) ينظر:السيمياء والتأويل:52.

([8]) مبادئ في علم الأدلة، رولان بارت، تر: محمد البكري، دار الحوار للنشر والتوزيع،ط2، اللاذقية-سورية ،1987 :14.

([9]) ينظر:أسس السيميائية، دانيال تشاندلر، تر: د.طلال وهبه، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2008 :43.

([10]) العلامة الايقونية والتواصل الإشهاري، د.محمد حاين، الملتقى الخامس (السيمياء والنص الأدبي)،الجزائر، 2008: 205-206.

([11]) السيميائيات الواصفة: المنطق السيميائي..، أحمد يوسف، الدار العربية للعلوم، ط1، بيروت-لبنان، 2005 :56.

([12]) ينظر:السيمياء والتأويل:248.

([13]) ينظر:دلائل النبوة،د. منقذ بن محمود السقار،د.م.ط:62.

([14]) سورة فصلت:53.

([15]) الكلمات:706.

([16]) سورة القمر:1.

([17]) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير،ط1، دمشق-بيروت، 2002 :1228.

([18]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، علي الواحدي، تح: صفوان داوودي، دار القلم، ط1، دمشق، 1995: 1045.

([19]) الكلمات:149 .

([20]) الشعاعات، بديع الزمان سعيد النورسي، تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة،1993 :166-167.

([21]) إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز، النورسي، تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة، 2002 :178.

([22]) ينظر: المثنوي العربي النوري:65، 330. والشعاعات:167. واللمعات:125. والكلمات:286.

([23]) دليل الناقد الأدبي..، د.سعد البازعي ود.الرويلي ، المركز الثقافي العربي، ط3، الدار البيضاء ،2002 :180-181.

([24]) موسوعة لالاند الفلسفية، اندريه لالاند، تر: خليل أحمد، منشورات عويدات، ط2، بيروت،2001 :1/214-215.

([25]) مبادئ في علم الأدلة:66.

([26])ينظر:الكلمات:118-120.

([27])المكتوبات، بديع الزمان سعيد النورسي،تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر،ط3، القاهرة،2001: 391-392 .

([28])سورة آل عمرآن: 144.

([29])سورة الروم:19.

([30])المعجم الكبير، سليمان الطبراني، تح: حمدي عبد المجيد، مكتبة العلوم والحكم، ط2، الموصل، 1983 :25/95.

([31])ينظر:الكلمات:73.

([32]) الشعاعات:131-132.

([33]) ينظر: السيمياء والتأويل:242.

([34]) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، د.سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني،ط1، بيروت، 1985 :44.

([35]) ينظر:الكلمات:74.

([36]) ينظر:م.ن:62.

([37]) مسند الإمام الحافظ أحمد بن حنبل، بيت الأفكار الدولية، د.ط، الرياض،1998 :1887.

([38]) الشعاعات:666.

([39]) السيمياء والتأويل:247.

([40]) دليل الناقد الأدبي:181.

([41]) الكلمات:112.

([42]) اللمعات:567، والكلمات:118-119.

([43]) ينظر: السيمياء والتأويل:242-243.

([44]) الكلمات:143.

([45]) ينظر: الكلمات: 143 ،177-178.

([46]) الشعاعات:299.

([47]) الكلمات: 343 .

([48]) المكتوبات:396.

([49])الشعاعات: 54.

([50])الكلمات:261.

([51])السيمياء والتأويل:241.

([52])سورة الأنبياء:22.

([53])ينظر: اللمعات:550-553.

([54]) موسوعة لالاند الفلسفية:1/222-224.

([55]) السيمياء والتأويل:249-250.

([56]) السيميائيـّة وفلسفة اللغة:102.

([57]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تح: سامي السلامة، دار طيبة، ط2، المملكة العربية السعودية ،1999 :1/197 .

([58]) ينظر: الكلمات: 805-807.

([59]) سورة الأنعام:25.

([60]) ديوان أبي العتاهية، دار بيروت، د.ط ،1986 :122.

([61]) ينظر: الشعاعات:63، 666.   

([62]) الكلمات:811.

 

 


45-) واقع الإنسانية في ما بعد عصر النبوة مدخل للحديث عن دور العلماء ورثة الأنبياء

 

واقع الإنسانية في ما بعد عصر النبوة

مدخل للحديث عن دور العلماء ورثة الأنبياء

 

أ.د. سليمان عشراتي        

المركز الجامعي بالبيّض/ الجزائر

 

 

ما كان الله ليضيع مخلوقاته، فيتركهم في هذه الحياة، هملا، بلا هداية علوية قارة، يواجهون المصير ويجابهون المستجدات التي تحدثها المدنيات، وتفرضها المتغيرات الحضارية والتاريخية، وهي في غالبيتها مستجدات ومتغيرات تحدو الإنسان إلى الافتتان بالأهواء، والأخذ بالخيارات السهلة والقرارات الآنية أو غير المتبصرة، الأمر الذي يجنح بالإنسانية إلى الحيدة عن القوامة الروحية والنكوص عن الحق اللذين رُشِّح الإنسان بهما إلى الاستخلاف في الأرض.

عاشت البشرية منذ أن وُجدت على ظهر الأرض محفوفة برعاية الله المجسدة واقعا وعن كثب في ما تعهدهم به من بعثات نبوية وتَنَزُّلاتٍ رسالية، وفي ما ظلوا يتداولونه من تعاليم السماء الموجهة إلى الأرض.

ولقد شاءت الإرادة الالهية - بعد أن سارت بالآدميين نحو استيفاء عوامل القوامة- أن تنهي ذلك النهج من العناية الرسالية المباشرة، فلم تعد البشرية تستقبل نبوءات الهية أو تتلقى كتبا سماوية.

 لقد أكمل الله دينه للعالمين في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، واستوفى لهم الهداية، وشاء أن يتركهم يشقون الطريق مسترشدين بكتاب الله وسنة خاتم النبيئين، فهل يعني هذا أن البشرية بلغت حد الرشد والأهلية التي أرادها لها الخالق بحيث اقتضت لها المشيئة الالهية أن تسير مستمسكة بالحق المبين، ومسترشدة بتعاليم السماء التي انتهت إليها بواسطة التنزيل، من غير ما حاجة إلى حضور أنبياء ومرسلين.

بمعنى آخر، هل أن توقف البعثات السماوية يعني أن البشرية قد امتلكت –فعلا-الاهلية التي جعلتها تشب عن طوق التوجيه المباشر، أم أنه امتحان آخر جمعي-بعد امتحان آدم- أراد الله أن يبتلي به البشرية بعد ما حملها مسؤوليتها ومنحها حريتها في التزام الهداية واتباع الرشد في ضوء وصايا الإسلام، باعتباره دين العالمين؟ 

 

النبوة مقوم وجود وعامل استمرار وبقاء

وكما زود الله عبده (المخلوق الضعيف) بعوامل القوة وفي مقدمتها ملكة النسيان والأمل.. بالنسيان يتداوى من الجروح والليْعات، وبالأمل يتحدى الموانع والقهريات، كذلك هيأ الله مقوم النبوة، لتضطلع بدور المعلم، وسط كون مغلق الأكناف، مترامي المجاهيل، تغدو مساحات الإيمان فيه بمثابة الفتحات التي تنتشر منها الأنوار في باقي الأركان، بل لقد هيأها (النبوة) لتنهض أيضا بدور السند الوجودي الذي يعطي للحياة والأحياء مبرر الوجود والاستمرار.

النبوة مفتاح سلَّمه الله للآدمي يفتح به المغاليق.. وهي اعتراض على هُوج العواصف التي تمحق الإنسان، جراء عبوره مناطق الاضطراب والقنوط الروحي المتكاثرة على امتداد الطريق.

إن النبوة طوبوغرافية تموقع الإنسان طبق احداثياتها، وبنى مكانة جوارية له مع الأفق الأعلى.

الإنسان المادي العاصر الذي عاش خارج وهج النبوة، يتموضع في المركز، بل هو المركز والأنا المتضخم، المفصول عن الكون، الغافل عن مد علاقة مع القدر، فهو كائن يخبط في الضلالة، يسير مغترا بأسطورة غلبة العلم، مراهنا على العقل الغفل من الايمان ولذلك، ومهما ذهب هذا الإنسان(العقل) بعيدا في التطور، فإنه يرتد إلى ذاته، يعيد سؤال الحيرة لماذا؟ وإلى أين؟ ولا يزال الوجود يتقرح بسؤال الحيرة، وينخذل برعونة الصمت، ولن يجد من جواب شاف إلا في ما قررته النبوة.

النبوة أسطورة في نظر منكري الالوهية، لكنها يقين عند المؤمنين، لأن العقل (الناموس) الذي يسير الكون عقل مآلي بالحتمية، تجددي بالاطراد، وليس عقلا عدميا. فليس هناك شيء من أشياء الكون انبثق ثم انعدم تماما، كل شيء يحيا ويموت ثم ينبعث على صورة ما. والقدرة التي هيأت الوجود بدءا، هي ذاتها التي تهيئ الإعادة قطعا، لأن الانبثاق الوجودي ومفتاحه الإيماني (كن فيكون)، ترتبت عنه صيرورة لا تمضي إلى العدم، العدم معدوم في منطق المؤمن، بل صيرورة تمضي نحو الكمال والخلود، تلك هي مشيئة الله.

النبوة تلقين للتوحيد، وجواب حاسم من الفاعل الاول(الخالق) عن حيرة المخلوقين، إنها المنطق الذي تنسجم معه علة خلق الحياة، لأن العدم وضع عقيم، وفاعل الوجود هو علة الوجود.

وضْعُ ما بعد النبوة في الديانات الكتابية اليهودية والمسيحية والإسلام

تؤمن اليهودية بأن الإله -يهوة- قد أناط مصير شعبه المختار ببعثة المسيح الذي سيعيد الاعتبار والامتياز لبيت اسرائيل، ويرسي دعائمه، ويبوئه المكانة على رأس العالمين، سيدةً، ومخصوصة بأفضال يهوة.

وإذا كانت عقيدة اليهود قد انعقدت على الايمان بمجيء المسيح الذي يلم شعثهم، ويجمع شتاتهم، فإن اليهودية من جهتها تعيش التوقف على صعيد توالي بعثات النبوة، فمنذ يوحنا المعمدان لم يخاطبها يهوة، بعد أن ظل الوسط اليهودي لا يخلو في أي عهد من نبي أو متنبئ، بل وكان الأنبياء الكثر أحيانا يتعايشون في البيئة الواحدة.

ومن جهة أخرى نعلم أن شريعتهم قد جعلت الوراثة الدينية تسترسل في اللاويين، سلالة هارون، فهي السلالة التي تتوارث مرفق الفتوى ووظيفة التشريع، لكن هذا التشريع يخص اليهودية حصرا، باعتبار اليهودية دينا قوميا مغلقا.

إن صِلةُ الأرض بالسماء فيما يخص الشعب اليهودي، موصولة على الصعيد العملي، من خلال الاجتهاد الذي يمارسه كبار الربيين، لكن هذه الصلة لا تتسع لأبعد من شؤون الشعب المختار[1].

والمجتهد اليهودي يمارس وظيفة النبوءة على اعتبار حيازته العلم، أو بكون خبرة أسلافه القدامى انتهت إليه.

ونجد المسيحية من جهتها قد بنت رؤيتها إلى الحياة والمستقبل على هذا المصير الرجوعي الذي سيكون للمسيح المصلوب.

إذ سيعود ابن الله ليقيم المملكة التي يتآلف في كنفها الذئب والخروف، وتحيي المخلوقات الرخاء السرمدي تحت راية يهوة. لكن، وإلى أن يعود المسيح، فإن المسيحية بتقسيماتها المتعددة، تظل موصولة بهيكل المؤسسة الكنسية، أو البابوية.. 

من جهته الإسلام الذي اختتم حقبة النبوءات، لم يعتمد بديلا مشخصا يحل محل النبوءة، إذ نراه أخلى الأفق بين العباد وخالقهم، ولم يقم سلطة أو وصاية على باب الله، إنما أودع المسلمين الكتاب والسنة، وجعل التمسك بهما تمسكا بالموثق، والحيدة عنهما حيدة عن الموثق، لكنه أسند مهمة عملية وتبليغية للعلماء حين جعلهم ورثة للأنبياء.

خاتمية الرسالة الإسلامية وطدت مبدأ الوراثة  النبوية 

أحوال كثيرة وأعمال عديدة طفق يجسدها المسلمون منذ فجر الإسلام، تعكس معنى الوراثة وحقيقتها، من ذلك مثلا وثبة سيدنا أبي بكر الصديق في التصدي للردة، وتصفيتها بكل الوسائل، رغم الرجاحة العددية والتفوق المددي الذي كان للمعسكر المرتد.

لقد كان الباعث على تلك الوثبة هو الإيمان بالحق، والتصديق بالرسالة، والائتمان عليهما، وكلها عوامل تدفع إلى تفعيل مبدإ الوراثة المعنوية، وإعمال ركن المسؤولية التي تجعل المسلم يفتدي الوديعة المحمدية، بكافة أنواع التضحيات، والذود عنها بكامل البسالة، وذاك ما قام به الصدِّيقُ، ما أن رأى قوى الشر تنقلب على وديعة النبي: الإسلام الحنيف.

 وقل مثل ذلك عن جملة أعمال للخلفاء الراشدين والصحابة الميامين، إذ لبثوا يتصدون للوقائع والمستجدات بروح الوراثة الايمانية، وطفقوا يعالجون الطوارئ والاشكالات بإحساس المسؤولية الشخصية، والاخلاص الباتِّ، معولين على ما أنشأته فيهم تربية الرسول، وملازمة القرآن، من روح تماهوا بها في الإسلام قلبا وقالبا، بحيث أضحى الإسلام مجسدا فيهم، وأضحوا هم مجسدين في الإسلام، سواء بسواء.

لقد واجهوا الحياة بقلوب عامرة بالإيمان، وصنعوا المآثر والفتوحات بما اكتسبوا من اقتدار قرآني، وظلوا يتجاوزن المعضلات بالاجتهاد والاستخارة، ويمضون إلى العلا بما تمليه عليهم التسديدات القلبية، فكانوا بكل ذلك الإخلاص وارثين، الحائزين على المكرمات..

يقول النورسي:

"إن الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين (رضي الله عنهم) ممن لهم أرفع المراتب، وحظوا بالولاية الكبرى، قد تلقت جميع لطائفهم حظها من القرآن مباشرة، فأصبح القرآن لهم مرشدا، حقيقيا وكافيا، وهذا يعني  ويدل على أن القرآن  مثلما  يعبر عن الحقائق في كل زمان، فإنه يفيض بفيوضات الولاية  الكبرى إلى من هو أهل  لها في كل وقت"[2].

لقد مكنهم التواصل الروحي العميق مع الإسلام، أن يظهروا كل ذلك القدر من المحبة والتعظيم للنبي، فعاشوا بعد ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى بارئه عز وجل، وكأنهم لا يزالون في حضرته، يستنون بسنته، ويقتدون بقدوته، فكانت من ثمة وراثيتهم الروحية والمعنوية لشريعته.

لقد لبثوا طيلة العهد الذهبي (زمن الخلفاء الراشدين) موصولين بسنته، يأتمرون بأوامرها ونواهيها، بحيث ظلت في النوازل هي حاديهم إلى اليُمْن، ودافعهم إلى الخير، ومسددهم إلى النجاحات، الأمر الذي أثمر تلك الاحوال من التوفيقات والبركات على صعيد الفتوح المدنية، والانجازات الهيكلية، والاجتهادات التشريعية..

وحتى تلك الاجتهادات التي جانبت السداد، كانوا فيها من أصحاب الأجر الواحد، إذ كان حاديهم هو تحصيل الخير.. لقد سدد بعضهم -كما يقول النورسي- بمقتضى العزيمة، وبعضهم الآخر بمقتضى الرخصة [3]، فكان من ثمة ذلك الخلاف بينهما، لكن الأجر موصول لذا وذاك، بالنظر إلى أن الخلاف لم يكن على الهدف الإيماني، وإنما كان نتيجة اختلاف زاوية النظر بينهم، وتفاوتٍ في التقدير.

ولقد تصرمت العهود على أمتنا، وهي لا تجد طريقا للتجدد والانبعاث من رقدات الانحطاط التي تكبس عليها، إلا بالعودة في كل مرة إلى دينها.

ودور علماء الأمة وربانييها، ثابت في هزهزتها، ودفعها إلى الحركة والحياة، كلما غيبها الوهن. 

لماذا الوراثة النبوية؟

لا ريب أن من شأن تمادي الزمان أن يراكم الشوائب على نصاعة وجه الشرائع، ولما كان الإسلام، دين سيدنا محمد، هو خاتمة الاديان، وأن نبيه هو تاج الرسل ومسك ختام سلاسل الأنبياء المبعوثين إلى هذه الأرض، كان من الحكمة الالهية أن هيأ للأمة –والإنسانية- ما يضمن سدادها عبر الأزمان والدهور، إذ أودعها كتاب ربها وسنة نبيها محمد (ص)، وأضفى على العلماء الصالحين صبغة الوراثة  الروحية (العلماء ورثة الأنبياء).

فالوصي الروحي المؤتمن على الامة-بعد النبي- هو الكتاب والسنة، يضاف إليهما العالم المجدد الذي أعلن الرسول الكريم أنه يبعث على رأس القرن.

ذلك أن الكتاب والسنة على عهد البعثة ونزول الرسالة، إنما تجسدا في كيان حي هو شخص النبي، وبرحيل شخص النبي بقيت ريادة الأمة وقيادتها الروحية والشرعية منوطة بالكتاب والسنة، ولَمَّا كانت عُرى الإسلام في النفوس عرضة للتراخي أو يلحقها الفتور والخفوت بمرور الزمن، كانت الحاجة ملحة إلى ضمان بعثها في القلوب دوريا، وإحياء جذوتها في النفوس مرحليا، من هنا كانت أهمية الامام القرني مجدد الشريعة الذي أشار إليه الرسول (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة دينها أو كما قال عليه السلام).

ومما لا ريب فيه أن الشخص المَعنِي بتجسيد هذه الإناطة الجليلة والجسيمة لا يكون إلا عالي الطراز، مستوفيا لفضائل روحية ودعوية ترقى به إلى الجدارة التي تؤهله لأن يمثل صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بحق وريثه الروحي والشرعي.

 بوظيفة التجديد تستمر الوظيفة النبوية المعنوية التي يمضي العلماء الربانيون في النهوض بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، (العلماء ورثة الأنبياء)..

وإن معنى استرسال الوظيفة النبوية بعد أن سد الله باب البعثات السماوية، لا يدل إلا على اكتمال الناموس للعالمين، وانفتاح الأفق في وجه الإنسانية كي تعيش الحياة المكرمة بالإيمان، ضمن حدود الإسلام..

فبانقطاع البعثات، تكفل المولى –عز وجل- بضمان أسباب التنوير والهداية السماوية، فأسند للعلماء الكُمَّل، باعتبارهم ورثة الأنبياء، مهمة  تجديد الدين، إذ بتجديد الدين تنضبط وتائر الحياة، وتطرد المسيرة البشرية على ايقاع شرع الله السمح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

  من هنا يتبدى استمرار صلة المسلمين والإسلام بالله، إذ لا يخلو قرن من ظهور مجدد، يستظهر ويقرأ الرسالة بما يقتضيه التقادم وكرور العهود وتبدل الاجيال، من تجلية وتغطية شرعية تثبت الاصول، وتدمج التفريعات والمضمومات في موقعها من الكليات.

من يتصدى للاستشراءات والشذوذات والكبائر بعد انقضاء عصر النبوة؟

لا ريب أن حديثنا عن النبوة اليوم هو حديث في التاريخ، وقد تغدو أهمية موضوع النبوة راجحة إذا نحن عاينا صلة هذه الآلية العلوية التي انحسرت ظلالها عن عالمنا الأرضي منذ خمسة عشر قرنا، وربطناها بواقعنا الروحي والمدني اليوم بعد تصرم كل هذه القرون.

وإذا كنا نرى أن الفكر الحداثي السائد بالبلاد التي تزدهر فيها التكنولوجيا والعلم التقني، قد زحزح الدين إلى خارج دائرة الجدِّيات، فالمؤكد أن الشعور الإنساني حتى في تلك البلاد، ما زال يبدي من أحوال الاستجابات الروحية ما يثبت غيبية الإنسان.

هناك ظواهر ولدها واقع اللاإيمان، نراها تتسع، منها مثلا ظاهرة حرق الجثامين في المجتمعات الغربية التي جرت أحوالها منذ القدم على دفن  الموتى وتخصيص المقابر لهم.

لا ريب أن عملية الحرق هي تدبير ثقافي أفرزته وضعية اللاإيمان التي أحدثتها توجهات الفكر والثقافة والتعليم المتبع في دول شتى من بلاد الغرب، بل وفي بلاد كثيرة من العالم.

وإنها ظاهرة تندرج ضمن تحولات انتكاسية متزايدة، لا تفتأ تتكاثر تبعا لإمعان المدنية الراهنة في خط سيرها المبتعد عن الدين.

إن حرق الجثة هو امتهان للآدمي الذي لا تنتهي تكريميته بمجرد الوفاة كما ينص الدين.

وإنه امتهان يترابط مع امتهانات أخرى ناتجة عن ترديات لا تحصى (منها زواج المثليين[4]) تولدها مدنية العصر، كانت حرية لو أن العصر عصر نبوءات، بأن ترى السماء تتدخل لردعها ورد الأمور إلى نصابها من السداد.

وواضح أننا نلمس -حتى في هذا المستوى من اللاإيمان- حيرة بَعدية، وقنوطا وجوديا، وصبغة روحانية لا تؤكد إلا أن مرور الكائن البشري بمرحلة الحياة إلى الموت، ما هو بالحادثة الغفل والمجردة من الغائية، وإنما هو حادثة لها بعديتها ومآلها الاستمراري  ومستقبليتها الغيبية وكل ذلك ألحت على التدليل عليه النبوة.

إن ما يروج اليوم في وساط الغرب من تبني خيار حرق الجثمان ورمي رماده أو خزنه، أو ما شاكل ذلك، لهو ظاهرة تحمل خطابا روحيا يريد المعني صاحب الجثمان أن يعبر عنه.

قد يكون وراء الظاهرة سبب لاقتصادي[5]، قد يكون لمجرد التأثر بالظاهرة على اعتبارها معطى من افرازات ثقافة هذا العصر المادي. قد تكون تعبيرا من تعبيرات العبث التي تصطبغ بها مساحات من حياتنا المعاصرة..

لكن المؤكد أن الظاهرة تنطوي على حقيقة صادمة موصولة بما يعيشه الإنسان اللاديني من انسداد روحي يلح عليه إلى ما بعد الموت.

ترى ما عسى الإنسانية أن تفعله إزاء هذه الانحطاطات التي بات فكر العصر ينافح عنها، ويحمل العالمين على اعتناقها حملا؟

ما البديل الفعال عن مرفق النبوة الذي كان في الازمنة القديمة ينهض بالتقويم والتسديد وإعادة الأمور إلى نصابها؟

لا ريب أن مهمة كل هذا تعود إلى العلماء العاملين.

ولا ريب أن أمتنا الإسلامية الحاملة لدين الله إلى العالمين، قد نكبت في هذا الزمن ولا زالت تنتكب في عقيدتها وكرامتها وفي وجودها وأوطانها، الأمر الذي يجعلها في نظر ذاتها ونظر العالمين أمة بلا شأن، بلا حول والا طول، عاجزة عن تحصين ذاتها، متخلفة في الفكر والبصيرة عن أن تفعِّل كتابها ومقومات الوقاية لديها، فهي من ثمة تتلقى التدنيس بدل أن تنهض بالذود عن نفسها وعن العالم بما أُأْتُمِنَتْ عليه من مأمورية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن القرآن أَحَلَّ المسلمين (وهم من أجناس الأرض كلها) بحيث ينوبون في دور نشر الصلاح والاصلاح عن النبوة.

ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمدت صف العلماء الربانيين للنهوض بأمر الكتاب والسنة، أي بوظيفة النبوة، بعد انقضاء نهج البعثات السماوية إلى الأرض.

ولقد ظلت أمتنا تشهد على مدى قرون الانحطاط المتعاقبة، ظهور ربانيين، أوفوا حق النيابة عن رسول الله بما قدموا من خدمة للامة، وما نهضوا به من منافحة عن الإسلام. 

 ولا ريب أن من طلائع من أوقف حياته على المدافعة عن الإسلام والمسلمين في عصرنا الراهن، الامام النورسي.

العصر الراهن تنفتح فيه الطريق أمام الوراثة، وتضحى الولاية[6] وظيفة بعث واِحياء، تتجسد كراماتُها على أرض الواقع

الوراثة تجسيد للاستخلاف، فالعالم الداعية المجدد، هو خليفة النبي في الوظيفة الترشيدية، والجماعة الصالحة قد تكتسب من الرجحان الشرعي ما يسمو باجتهادها إلى مرتبة العصمة والتوفيق، لأن يد الله مع الجماعة، والعالم المجدد هو –بالفعل- مجسد للوراثية، فحضوره بمثابة المعادل الموضوعي لحضور النبي الخاتم الجامع المبلغ  لرسالة  الختم الجامعة . ومهمته النداء والحداء بالأمة كي تتواثق من جديد مع العقيدة، وتحيي تعاليمها كما تجسدت على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولقد حاول النهوض بمهمة الوراثة في بعض أطوار الأمة، صفٌّ ممن أصطلح على تسميتهم (أولياء)، إذ  كان التمحيص الذي عرك الأمة شاقا، بحيث لبثت تستمد أسباب الاستمرار من جهة مظان الاعتقاد في الولاية وفي كرامات متقمصيها، أحياء وأمواتا، عن صدق أو زيف، منزلقة في نهاية المطاف  نحو الاسطورة، في غفلة عما يكمن في الدين من قوة مثورة، ومسددة.. 

وإذا كان عصرنا الراهن قد تجاوز بفكره وثقافاته مقوم الولاية كما ظلت أجيال العصور السابقة تتمثلها وتعتنقها، فلا ريب أن مفهوم الولاية لم يلغ من ضمير الأمة ومن واقعها، إنما أخذ مدلولا آخر، وانبنى على وظيفة غير التي كانت له.. فالعمل المثمر الذي ينهض به الداعية القرآني، حين يستوفي حظوظ المقبولية الإلهية، يحوِّلُ القائمَ به إلى مصباح نور، وإلى رمز ومرجعية، يجتذب الجموع بلا هرج أو مرج، يلمسون في رحابه البركات، ويستقون من ينابيع ما يدلل عليه ويدعو إليه الفيوضات والخيرات، وهو ما تجسد في سيرة النورسي ومن سار على نهجه.. إذ طريق الوراثية مفتوح في وجه الأفذاذ القرآنيين، فهم العلماء ورثة الأنبياء الذين لا يخلو منهم عصر.

النورسي العالم المجدد الوارث.

حديث النورسي عن تجربته الدعوية وجهاده الأليم، يتضمن الحديث عن حياة العالم المجتهد الوارث لمأمورية التبليغ.

وإذا كان النورسي قد لبث ينعت نفسه بدلال القرآن وخادمه، فلا شك أنه كان يعبر- تحت هذه الصفة- عما يجد من رحابة  وانعتاق وتحرر  كان يستمدها من تلك الصبغة النورانية التي ميزت علاقته بالوحي وبآيات المنزول القدسي.

فبطفوح أعماقه بأنوار القرآن، اكتسب تلك الصفة المفارقة التي يجدها المؤمن حين تعرج به الحقائق الايمانية إلى مقام اليقين، صفة قوامها الخشوع والعبودية التي لا شائبة فيها حيال الله من جهة، والقوة والعزة والتأدب في التواصل مع سائر المخلوقات من جهة ثانية، بحيث يمحي من نفسه كل اعتبار آخر يخالط ما استقر في نفسه للخالق من عظمة وسلطان مطلقين.

يقول النورسي في المكتوبات:

خادم القرآن الصادق، مهما كان من عامة الناس، إلا أنه يبلّغ أوامر القرآن الكريم باسم القرآن نفسه إلى أعظم  إنسان من دون تردد ولا إحجام، ويبيع جواهر القرآن الثمينة جدا لأغنى إنسان روحا بافتخار واعتزاز واستغناء، من دون تذلل وتوسل.

إن هذا الاعتداد الذي يرْشَحُ من هذا التصريح، إنما يعرب عن حال وطيدة من الرسوخ كانت روح النورسي تستشعرها في علاقتها بالقرآن، إذ كانت تلك الروح بمثابة الشجرة المنغرسة في أرضية التنزيل، تتبادل معها الحماية والتماسك ومقاومة الانجراف. لقد كان النورسي يتفاعل مع القرآن وينفعل به على نحو ما يتفاعل الوارث بإرثه والوصي بوديعته.. لا غرو في ذلك، فإن النورسي كان على إدراك عارم بمسؤولية القرآنيين إزاء الأمة والملة، وبخطورة ما أوجبته عليهم منزلتهم بوصفهم علماء ورثة الأنبياء.

ولأنه كان يوقن بأن روحه قد تشربت روح القرآن، فقد مضى يحكم رابطته مع القرآن في ضوء ما يقتضيه الإيمان والطلائعية من واجب النهوض بالوصاية والحماية والاحتضان الأمومي للقرآن.

الوراثة الروحية

 ومن الثابت أن الوراثة الروحية تظل في وظيفتها الترشيدية لصيقةً بالمصدر الأم، لا تتجاوزه، فوراثة النبوة تعني أن هناك داعية استوفى على نحو صميم، قوامة الاخلاص والصديقية، وتأهل لأنْ ينهض بمسؤولية تلقين الشرع، وإحياء العقيدة، وحفْز الناس إلى أن يوطدوا صلتهم بالدين، وكل ذلك يتم عن طريق بعث روح تمثل التعاليم الأصلية، كتابا وسنة، وتعزيز ثقافة الاهتداء بالسنة، والنظر بمنظارها، فاتِّباع الكتابِ باعتباره المعين القدسي الفياض، والاهتداء بالسنة بوصفها الترجمان الأمين للقرآن، والعمل الدؤوب على جعل تلك التعاليم تمضي في سكتها القويمة كما أرساها الخالق لعباده، وبلغها النبي الكريم، وتلقاها عنه المؤمنون، كل ذلك هو السبيل الذي يتوخاه المجددون، ويسلكه الوارثون، ويتشبث به الصديقون..

إن هذا النهج الوراثي قد التزمه النورسي، واستمر يكافح جراءه بلا هوادة، ضمن ظروف متناهية التمحيص، إلى آخر نفس من العمر، فكان لجهاده من الثمار والتوفيقات ما بوأه مقعده في صدارة الأعلام الوارثين.

تفيدنا وقائع سيرة النورسي -باعتباره المجدد لعصره، والعالم الذي عمل على إحياء الملة في مرحلة الانكساف الديني الذي عرفته بلاده خلال أطوار القرن العشرين- أن القدر قد أهله لتبوإ المرجعية بما مَنَّ عليه مِن نبوع وتوفيقات جعلت منه رجل القرن والإمام المجاهد الذي لم يبعث العقيدة ويعيد زرع قواعدها في المجتمع التركي فحسب، وإنما جاهد جهادا مريرا وضحى بالعمر كله، منافحا  ضد مخططات اجتثاثها من أرض الوطن كلية، واستبدالها بعقيدة الضلال والكفر واللادينية.

تتجلى تلك القدرية في تفاصيل حياة هذا الفذ وكلياتها، فعلى قدر ما كانت تمحيصية المجتمع التركي في مضمار إبعاده عن الدين والملة، درامية، بقدر ما كانت حياة النورسي غاية في التحدي والبسالة والافتداء، الأمر الذي يجعل منه أروع داعية عرفها القرن العشرين وأبرز من تجسد فيه نموذج الوراثية.

ظلت الأذهان في ما سلف من عهودنا الإسلامية، تتمثل العالم المجدد الذي أشارت إليه التبشيرة النبوية المعروفة (يبعث على رأس كل قرن من يجدد لها دينها...) على هيئة فقيه مستوعب للشريعة، باذل لتعليمها وقواعدها في الاوساط، متصدٍّ بالتأليف والاجتهاد إلى حل العالق من القضايا والمستجد من النوازل الفقهية، منشط للوضع الحضاري الخامل، وزارع لبذور من الاِحياء والانعاش الروحي بين المسلمين.. لعلنا نستحضر سيرة الغزالي في هذا الصدد.

وقد يرتفع سقف العطاء، فيكون المجدد استشهاديا يبذل روحه بما يتصدى للاعتراض عليه من بطش السلاطين، أو جور الحكام، ومنعهم من تغيير أحكام الله ..

فمهام المجددين راوحت على مدار العهود، بين المطلب التنويري، الاحيائي، وبين التضحية ورفع لواء الجهاد.

لكن تجربة النورسي تجاوزت كل هذا، لأنها ظهرت في عصر تصدت فيها المدنية المادية بكافة أقطارها وعالمية أوزارها الافكية وافرازاتها الفلسفية والعلمية والايديولوجية تناهض الدين، وتلغي مفهوم الربوبية الروحية إلغاء باتّاً، لا هوادة فيه.

 لقد اقترنت النهضة الغربية وفتوحاتها العلمية والمعرفية، بهبوط أسهم الديانات في بورصة الفكر التقدمي، فتظاهرت الفلسفات والايديولوجيات المادية واتحدت على ضرب الدين واستئصال القابليات الروحية في المجتمع والإنسان، ومضت هذه الروح الجحودية تتجذر مع الزمن، ثم سادت بحيث باتت اللادينية هي دين النخب وقناعة الماديين.

لقد عزز وجهةَ الكفرِ، وروَّجَ للإلحاد عالميا، ما حققته البشرية خلال القرنين الماضيين من ألوان التقدم المادي المطرد، إذ أن نجاحات الإنسان في حقول التجهيز التقني والمدني والتجريب العلمي والتكنولوجي، أنسته الله، فأعلن عن موت الخالق، وألَّه بدله المخلوق، ثم - وبتسارع المكاسب المدنية- زاغ الإنسان كَرَّةً أًخرى فأقصى ذاته،  واستهان بالمكارم الإنسانية، وخنع  للآلة، وانسلب بالغرائزية والسطحية، وازداد نكوصه فغرق أكثر في الحضيضة، وأحاط به الخواء -أو أوشك- من كل جانب، وسادت عالمه التشييئية، فكان على إنسان هذا العصر أن يسير صوب الطريق المسدود.

ضمن هذا التهديم العالمي الشرس للدين، وجد النورسي نفسه يشهر سيف الروح، ويتصدى لرياح حضارة مادية آمنت بأن رهاناتها في هذا الكون تعول على العقل الحسي وحده، وراحت تعمل على (تحرير) الفكر والعقل أو تنفيره من كل نزوع روحي، روحاني، مرتدة بالإنسان من آفاق الطمأنينة واليقين الديني، لتربطه بالأرض وبالمادة، قاطعة صلته بالسماء.

لم يحارب النورسي الردة التي اجتاحت وطنه وعصفت بمجتمعه، فحسب، بل حارب عالم الكفر الذي كان يمد المدنية المعاصرة ودوائرها العلمية والسياسية والاجتماعية بمدود الفكر الفلسفي المادي، ويزودها بالقيم الجحودية والمثل الغلف .

كانت طوائف الالحاد -وما أسرع تكاثرها في مراحل الزلزال الروحي والعمى العقدي- تتلقى بصورة مطردة أحدث نظريات الكفر، وأجد تقليعات الزندقة، فكانت تربة الإيمان تتغذى باطراد من مياه صرفٍ امتدت شبكاتها تسقي الأرض، وتنبت ثمارا يانعة المظهر، لكنها تنشر الأوبئة الفتاكة. 

كان جهاد النورسي يتصدى لمواجهة كفرية شاملة تستند على تحديثات جهنمية في مجال التخريب الروحي، وتعززها مكاسب مادية تبهر على الدوام، وتسلب الالباب.

في ذلك المنحدر الخطير الذي تردت فيه الجموع نحو هوة اللا اِيمان، رابط النورسي الاعزل إلا من الايمان بالله، إذ كان على يقين من أنه ينازل الفكر الضلالي العالمي، ويسدد له الضربات بروح واثقة من وهن ايدلوجيات الافك، وتهافت حجتها أمام صرامة سلاح القرآن، الأمر الذي قوى فيه روح الصمود، وجعله رغم الاندحارات الفادحة، يخرج من المنازلة منتصرا.

كان جهاده يتوخى قصم ظهر الكفر العالمي، لأن الزنادقة من أبناء الملة كانوا يتسلحون ويتجهزون ويتلقون الدعم من الدوائر اللادينية العالمية، دوائر بينها وبين الدين عامة، والإسلام خاصة، عداء شيطاني، لذا مضت تلك الدوائر تزود فلول الكفر في المجتمع التركي بكل سلاح فتاك، وتمدهم بكل منهج مغرٍ، وكل وسيلة تنفير..

كانت المدرسة توجه إلى الكفر معتمدة النهج اللائكي الذي كانت السلطات التركية تتهافت على استيراده بغباوة منكرة من بلاد الكفر، وكانت الثكنة تلقن العداوة للدين، وتخرج الجندي الذي تأهل لأن يرابط مقاوما للدين، معاديا له بسبق إصرار. وكانت الجمعيات المدنية، لاسيما قطاعات المرأة المتفرنجة، تحث الخطا بالمجتمع على طريق التحلل والغواية. وكانت السياسة تمارس لعبة السحرة، فلا تزداد الامة بخططها إلا تغربا وضياعا.

كل ميكانزمات المجتمع اتجهت بالأمة صوب الانسلاخ عن الدين، وازداد الملاحدة الماسكون على المقادة حقدا على الإسلام، فجففوا المجتمع من الدعاة، ومن المتدينين، ولم يتركوا من متنفس للناس إلا منابر رثيثة  احترف فيها وعاظ مقيدو الحرية أو مصطنعون في أكثريتهم، ترديد تعليمات اللائكيين، الأمر الذي انعكس بالسلب، وجعل المساجد تعيش البوار بدورها، وتكاد تخلو إلا من أفراد شاخوا فقبعوا  ينتظرون لقاء الله.

إزاء هذا الواقع الارتدادي الذي تحولت فيه تركيا مصبا لسيول مسخة من فكر الضلال، نهض النورسي، لا يجدد الدين فقط، وإنما يعيد غراسته بعد أن جدَّت الايديولوجية في إزالة رسومه من المجتمع، بل لقد راح إلى ذلك يقتلع عقيدة الكفر ذات الجذور الوطيدة في الأرض، الموصولة بمجتمعات الكفر وبمنابع الالحاد في دول الغرب والشرق معا..

النورسي جدد مفهوم الوراثة

جدد النورسي في مفهوم الوراثة، إذ كان عراكه ضد نبوءات إلحادية تلقت التلبية من كل آفاق الأرض، نبوءات استطاعت أن تغافل العالم، وأن تطرح نفسها أمام العالمين على أن علمها (الديالكتيكي، الصراعي) هو علم اليقين، بل وعين القين.

دحر النورسي وخذل متنبئة العصر ماركس ونظراءه داروين وفرويد وآخرين، وزاد معهم زمرا من رموز الكفر وأئمة التفاهة وأذيالهم وفي سائر الآفاق.   

لقد ظل النورسي يقر أن انجازه للرسائل، إنما كان من توفيقات الله ومننه التي لم ينعم بها عليه وحده فحسب، وإنما أنعم بها على المجتمع التركي  والأمة قاطبة[7]..

بل لقد رأينا النورسي يكثر من القول بأن الرسائل كانت من خطرات ما ظل القرآن يلقي به إليه في رباطه الجهادي، فليس له منها –كما يتصور- إلا أوجاع التلقي.

والحقيقة أن الرسائل كانت كلمة قرآنية نورانية عجيبة الفعل، وفق الله النورسي أن يدوي بها في عصر احتكر فيه أولياء الشيطان صهوة المنابر، وأخرسوا صوت المآذن.

ولقد تحمل في سبيل تحريرها عناء كثيرا وأسى منهكا وحسرات مدمرة، جراء ما كان يراه من فجائع ومنكرات تستهدف الأمة في دينها وعقيدتها وانتمائها.

"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري، ولا تعود إلي أبدا، وإنما للقرآن وحده، فلقد ترشحت من زلال القرآن.. وكذلك الامر في سائر الرسائل بصورة عامة"[8].

أجل لقد طفق يؤكد هوية الرسائل ونَسَبِها القرآني الالهامي، إذ بحسبه أن تأليفها حصل بطاقة خارجة عن إرادته، ومُكْنَةٍ  لم يعهدها في نفسه، في ما سلف له قبلها من تأليف. يقول:

ولو بلغ صوتي أرجاء العالم كافة، لكنت أقول بكل ما أوتيت من قوة: إن (الكلمات) جميلة رائعة، وإنها حقائق وإنها ليست مني، وإنما هي شعاعات التمعت من حقائق القرآن الكريم، فلم أجَمِّل أنا حقائق القرآن، بل لم أتمكن من إظهار جمالها، وإنما الحقائق الجميلة القرآنية هي التي جملت عباراتي، ورفعت من شأنها، واستنادا إلى قاعدة:

                        وما مدحت محمدا  بمقالتي     ولكن مدحت مقالتي بمحمد.

لا ريب أن علم النفس يشرح هذه الاحوال التي يستشعرها أهل الموهبة إزاء روائعهم، إذ هناك حد من الابداع، إذا ما تجاوزته القريحة من حيث التفنن، فإنها حتما تنكر نفسها ولا ترى وجها لعلاقتها العضوية معه.

زد على ذلك فإن طبيعة التنسك وروح الفناء التي تميز أهل الذكر وأرباب القلوب، وهم يكابدون بفكرهم القضايا الكبرى، ويهضمون بقلوبهم الخواطر والتمثلات )الما-فوقية(، هي التي ترسم تلك المسافة التي تفصل المبدع عن ابداعه، أشبه بالبطل في الميدان حين يحمى الوطيس، فهو لا يعيش خوارق الاستبسال إلا على نحو روحي، وبغياب ترجح به كينونته، فهو فرد لكنه من حيث القوة والفتك بمثابة مائة. 

هكذا كان النورسي يدخل المعركة من رحاب القرآن، يخطو إلى الساحة منجذبا، بلا عدة ولا سلاح، ويقتحم الصفوف فيبلو فيها البلاء الباهر، وما يلبث أن يغادر الميدان مثقلا بالجراح والغنائم، لا يدري كيف تحصلها، ولا الكيفية التي ذارع بها الأقران.

مبدأ (وعلم آدم الأسماء كلها) يتكامل مع  مقاصدية ارسال الرسل وبعث الأنبياء

هيأت العناية الالهية الكون، وأثثته بكل ما يضمن الوجود الكريم، وتعهدت الكائن البشري فصاحبته في رحلة الحياة الدنيا من خلال تواتر الرسل والرسالات التي تدرجت بالبشرية من طور الفطرة والسذاجة، إلى طور الرشد واستكمال القوامة المهيئة لتأدية وظيفة الاستخلاف في الكون.

لا ريب أن أول مظاهر الاستصحاب الرباني قد تجسد في تلك القابلية التحصيلية التي جهز به الآدمي ليكون مخلوقا يتعلم ويترقى إلى الكمال، وذلك ما عبرت عنه آية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ [9].

إن هذا التهييئ الفطري للتحصيل وكسب المعرفة، هو أبرز ضمانات التسديد التي حصن الله بها عباده الآدميين من التهمج وملازمة طور البدائية. فقابلية التعلم المركوزة في الإنسان هي الجسر الذي مر من فوقه المخلوق البشري من التمرس بالمعرفة الأرضية إلى تلقي الاستنارة السماوية، ومن تلقن العلم التجريبي، إلى التزكية بترشيدات الله وتشريعاته.

من هنا يمكن القول إن جزءا من كُنْهِ النبوة قد أودعه الله في روح الآدمي مبدءا[10] حين جعله قادرا على الاستئناس إلى شؤونه بالغريزة والفطرة (وهديناه النجدين)، ثم باستلهام حس التمييز لديه، قبل أن ينتهي إلى طور الاستهداء بواسطة الترشيد العلوي الذي تحقق له عن طريق تتابع مسلسل البنوءات ونزول الرسالات.

ليست النبوة إلا فاعلية موضوعية يهيئها الله للعباد من خلال شخص النبي المرسل، ليرتقي بهم في سلم المخلوقية، ويربط الصلة بينهم وبين الخالق، فتضحى تعاليم السماء هي الصِّوَى والمعالم التي تهدي إلى رحاب الايمان.

إن دور النبوة في تزكية الكائن البشري قد عزز دور الجبلة التي فطر الله العباد عليها، والتي ظلوا بها يجنحون إلى التسامي الروحي، والتفتح على المعاني العلوية، والإشارات الترميزية المحيلة على الما-فوق، والبحث عن القداسة، والسعي للتواصل مع الغيب.

هناك استعداد ادراكي في النفس يتناغى مع سيمـياء الكون، ويتجاذب مع مظاهر الجلال والجمال فيه، وذلك هو سر تقاطب الروح مع ما تكتسي به الطبيعة وعوالم الهيئة من تجليات أسماء الله الحسنى.

وإن الوثنية هي مرحلة ارتباك وحيرة، ضلت فيها الفطرة عن الرُّسُوِّ على قاعدة التوحيد.

فالإنسان الاول نزل مزودا بشرط الاستعداد الإيماني الذي أودعه الله فيه من خلال مقوم الروح (فنفخنا فيه من روحنا)، ثم تعهدته الرحمة الالهية تنويرا وتوجيها بواسطة تعاليم السماء التي طفق الأنبياء يتلقونها من خالق الكون، ويبذرون نَواها في المحيط من حواليهم، تهيئة للأرض أن تستظل بظلال الايمان.

لابد أن يكون مضي الحقب قد ترك أثره في الكون وعلى الإنسان، ولابد أن عرى الايمان في الروح جراء ذلك الاسترسال في الزمن، تَرِقُّ وتدق، فمن شأن الاستنامة للغفلة وافتقاد المنور أن تزيل الباعث الروحي، ولكن استعداد التحنف ظل حيا في الآدمي، من هنا ظلت مكامن الايمان تحدوه إلى الارتباط بالمافوق، فلذا استمر ينشئ مراسم التعبد ويبذل القربات إلى آلهة الشرك، دون أن يفلح في تحصيل السكينة لوجوده، ودون أن يوفق إلى السمو الكينوني، إذ عاش عبدا للطبيعة التي استلبته، فلم يحسن تفهم عناصرها، ولا أدرك الرابطة التي تربطه بالأشياء من حواليه، فما خاف شيئا أو توهم فيه قدرة ما إلا ألقى عليه من مشاعر الإعلاء ما ألقى، فلذا عاش متواصلا –وهْماً- بآلهة وأنصاف آلهة، وبأرواح اعتبرها(خيرة) وأخرى شريرة، ومضى يوطد معتقداته في أشياء الكون ومعطيات الطبيعة المحيطة به، فازداد رغامه الروحي والنفسي، وبدل أن يكون سيد الكائنات، راح يعبد الحيوان ويعبد الجماد، فبذلك تبوأ الحضيضية في سلم الموجودات.

لا ريب أن نزوع الإنسان إلى الوثنية نزوع لا يخلو من ايجابية على اعتبار أن المحرك له على ذلك الطريق الذي اندفع يبحث فيه عن الربوبية، هو محرك جِبِلِّي، لا ينفك عنه المخلوق الإنساني، حتى أنه ليمكننا القول إن المؤشر على العقل عند الإنسان دون بقية المخلوقات، هو هذا النزوع إلى الايمان الذي يميز الإنسان عما سواه، من هنا نرى أن الوثنية استجابة روحية تحمل في جوهرها حس العبْدية، فهي من ثمة استعداد ايماني ايجابي، لولا أنها وقعت في الوحل، بإيمانها بالمخلوق (المؤله) بدل الخالق، من هنا كانت الوثنية ضلالا اقتضى أن يبدد الله ظلماته، فهيأ الأنبياء والرسل لتقويم تلك النوازع السلبية في البشر، ولتحويل تسفلهم إلى هداية، وجهالتهم إلى علم، وتعدديتهم المعتقدية إلى توحيد، وروحيتهم التشييئية إلى إعلاء وتنزيه.

ومن هنا أيضا يمكن القول إن التحنف في مستوياته البكر (المخاضية)، هو وثنية لا إرادية، لأن الروح  يستغرقها في تلك المرحلة البحث عن الله العلي القدير، فهي لتعطشها إلى الايمان بالله القدير، لا تفتأ تسقط معاني الالوهية على مظان كثيرة، في كل مرة تعتقد أنها وجدت الإله الحق، وإن تجربة سيدنا ابراهيم لتعبر عن هذا القلق الإيماني في مراحل الارهاص، وعن هذه الإرادة الجارفة المتطلعة إلى الرسو في مرسى التوحيد.

 فهي (الوثنية) من ثمة، انسياق إلى العبادة وإلى الاعتقاد في الخالق، غير أنه انسياق لم يستهد إلى السبيل الصحيح.

بل إنها ترجمان عملي وروحي يُعبِّر عن اعتمال تلك النفخة من روح الله المودعة في كيان الآدمي، في بحثها الفطري عن الانبثاق والتواصل مع خالقها، عز وجل.

إن الاستجابة التي يقابل بها العبد دعاء الأنبياء المرسلين إلى الايمان بالله رب العالمين، هي المسلك السوي الذي ينبجس من صميم ما يسكن الكيان من حفول روحي، ينبعث حين يتلقى الدعوة إلى الله الواحد، من قناة النبوة.

لكأن لحظة الايمان هي لحظة تتحرك فيها معاني آية (وعلم آدم الأسماء كلها) وتسري في العبد، فتتجاوب القابلية والجبلة في الروح، مع نداء التزكية الذي يصلها عن طريق النبي. لكأن روح العبد المهيإ للإيمان، وهي تتلقى خطاب الهداية المباشر، تستشعر أنها –بحق-على حال من النضج والاستعداد ما ييسر عليها النقلة من حال الايمان بالقوة إلى حال الايمان بالفعل.

لا غرو في ذلك، إذ فتئت دعوات الرسل تشرق دائما، وعلى البسيطة مجاميع من النفوس الظمأى ترتقب بزوق الإشراق..

ولبثت دائما الطلائعُ المستجيبون لنداء الايمان، يتحلقون حول الداعي إلى الله، ويلتحمون به، وكأنهم يقولون له طالما انتظرنا هذا الصوت، طالما ترقبنا هذه الطلَّة.

القـــــــــرآن أعظم كتاب بلغه أعظم نبي

يسترشد المسلمون بالقرآن الكريم، ويجد أهل البصيرة تفسيرا لآياته البينات في تدبر معانيه وتفهم مخاطباته، كما يجدون أيضا تفسيرا لها (آياته) في ما حفل به الكون المنشور من معاني الجلال والقدرة، ففي التدبر في مظاهر الكون وعوالم الملكوت (باعتبارها قرآنا شاخصا، ومصحفا ماثلا)، يتجلى كثير من حقائق القرآن ودلالاته، وتتضح معانيه وكوامنه. 

والمؤمن لا تزيده التجليات القرآنية سواء بوجهها الخطابي اللفظي، أم الكوني المادي الحسي، إلا إيمانا ورسوخا في العقيدة.

وإذا كانت الأسماء الحسنى موكولة بالكائنات والظواهر والوجود، فإن من شأن التأمل في مظاهر الكون أن يقوي روح الإيمان لدى ذوي الاستعداد الروحي، فوراء كل مظهر كوني يقوم اسم من أسماء الله الحسنى، يدلل على الخالق القدير. " لكون الإنسان قادرا على إظهار تجليات  الأسماء الحسنى المتظاهرة في الوجود كافة، دفعة واحدة في مرآة روحه، إذ هو أنور ثمرات شجرة الكائنات وأجمعها من حيث الصفات والاستعدادات"[11].

تمظهر الحضور الالهي من خلال شخص النبي

العلاقة بين الخالق والمخلوق علاقة تنزيه، والتنزيه احتجاب، إذ الكمال إذا لم يتعال، ابتُذِلَ، وانتقصت قيمته، ولقد اقتضت قدرة خالق الاكوان أن يَرى ولا يُرى، هو يرانا ولا يغيب عنه شيء من أمرنا مهما كمن، ونحن لا نراه عيانا، وإنما نراه بيانا من خلال أكوانه وخرائق صنعته التي تحيط بنا ونلمسها في سريان المواسم، وجريان الأزمنة، وتتابع الظواهر، وانتظام النواميس، إذ لا يشذ عن قوانين الله الكونية شيء..

نراه في ما شاد وأبدع، ونلمسه في ما سوَّى وعدَّلَ، وإن أقرب مجال لرؤية الخالق هو هذه النشأة الفائقة الدقة التي اكتملت بها كينونتنا الجسدية والنفسية على غرار ما اكتملت سائر الظواهر في الآفاق من حولنا، فعالم الأنفس، نموذج مصغر لعالم الآفاق، ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾

ومن كمال ربوبية الخالق عنايته بمخلوقاته، إذ خلق الكون وجهزه بأنواع عناصر التسخير، واستخلف فيه الإنسان، وحمله مسؤولية التعمير، واقتضى كل ذلك أن يكون الإنسان على رشد، فكان أن كفل المولى له الترشيد بواسطة رسله وأنبيائه، فكانت تعاليمهم تحمل إليه صوت الله، تُعمق فيه الاحساس الفطري بالتبعية الروحية إلى خالقه رب العالمين..

لقد جسدت النبوة حضور الله على الأرض، وأعطت للوجود معنى السرمدية الذي تتأكد به تكليفية الإنسان ومسؤوليته في الوجود، فلا يضل ولا ينحط، لأن الوعي بالمصير الحشري يجعل سيرة الإنسان-المؤمن- تتزن، فهو يعيش مفاعلا الحياة بمكامن الرحمة التي يستمدها من صبغة الرحمانية التي صبغه بها بارئُه، عاملا على جعل مظاهر الرحمة تحقق في الوقع، فتشمل البيئة والمخلوقات.

فحضور الله عز وجل يتكثف بصور اعتبارية، من خلال شخص النبي، إذ النبي المرسل هو الصلة الواصلة بين المعبود والعباد، بل إنه الماهية التي يرى العباد فيها وجه الله من خلال ما يتلقونه عنه من تعاليم ووصايا وترشيدات شاء ربهم أن يواصلهم بها، ويفاعلهم عن طريقها، ويشملهم بنعمه من خلالها.

وظيفة الأنبياء والرسل تعليم البشرية، والسمو بها روحيا وعقليا

الكلمة الحادية عشرة من رسائل النور جاءت في صورة تمثيل قصصي، جسدت وظيفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبقية الأنبياء ومن سار على نهجهم من الاولياء الصالحين والعلماء الاصفياء، وما بذلوه في تعليم البشرية وهداية الخلق إلى الصراط المستقيم[12].

حضور النبوة الشخصي، هو الكيفية التي شاء الله أن ينقي بها رحاب هذا العالم من مظاهر الشرك، إذ جبل الإنسان على العبادة وحب التأليه، ذلك لأن الاحساس بالضياع الوجودي، وافتقاد السند الذي يسكن لاشعور الإنسان[13]، يجعلانه كائنا تعبديا، ذا طبيعة روحية - وإن تسترت- فهي قوية مكينة.

فالدين بما هو مشاعر حب نغدقها على الجهة التي نسقط عليها القداسة، ونتنسم من صددها الرجاء، وبما هو أيضا خوف نفلت من وطأته بالاعتصام بحرمة جهة ما، لا نراها لكن نفترض لها وجودا وحضورا ما، إن الدين بهذا الوجه، هو أحد أبرز ثوابت الإنسان التي لا ينفك عنها ولا يتجرد منها، لأنها شرطٌ جِبِلِّي لا يفتأ الإنسان يعبر عنه بشكل أو آخر، ولنا العبرة في بقايا مجتمعات الإنسان البدائي كما نراها اليوم، فهي تعيش بالرصيد الروحي، الاعتقادي، الطقوسي الذي توارثته السلالة منذ كانت، لأن الفطرة في الإنسان نزاعة إلى التروحن، أي إلى التقوى والعبادة والإذعان إلى الماوراء، إلى (المجهول المعلوم).  

من هنا قضت رحمة الله بالخلق أن يُرَشِّد فيهم هذه القابلية، بإرسال الأنبياء وتكليف الرسل بتعليم الآدميين عقيدة الايمان الطاهرة، وتوجيههم الوجهة التي يعرفون بها خالقهم، فيعبدونه ولا يضلون عن عبادته، ذلك لان أصل العبادة هو الحمد والشكر المستحقان من العباد لرب العباد. وإن مبتغى لقاء الله، والتقرب إليه، والاقرار بأفضاله ونعمه، كلها تتم بالعبادة، فهي السبيل للتواصل مع المعبود . 

إن النظر إلى وجه الله لا يكون في الحياة الدنيا إلا عن هذا السبيل، وإن مثوله عز وجل للعباد، لا يكون عيانيا، – هو المنزه عن التحيز- وإنما يتم  من خلال بعثة النبي المرسل إلى العباد.

 دحر إبليس

بالبعثة يندحر الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة، إذ الحياة دار الغفلة، والعيش فيها يفتح باب الضلال إذا لم تتسيج الحظيرة، وينتصب الحارس حيال بابها.

نزوعات الشر في الإنسان تدفعه إلى الزيغ والحيدة، ولا يرشده إلى الحق إلا المرشدون المصطفون.. ولقد هيأ الله النفس لتكون مثابة للهداية، كما هيأها لتكون سكنا للشيطان.. وإنما الشيطان قوة غير مرئية مصدرها كامن في ما نستبطن من أهواء هي مناط التمحيص. فمعادلة التمحيص تكتمل متى تلقت النفس حظها من الترشيد على يد الأنبياء المرسلين، إذ لا يؤاخذ الله العبد الجاهل الذي لم تصله الهداية، ولا يتحمل العبد مسؤولية الغواية إلا إذ علم حدود الله التي ترسمها له وتضبطها تعاليم الرسل في صورة شريعة، فبتلك الشريعة تتوطد مسطرة السلوك في حياة الناس، ويغدو حضور الله مقرونا في قلب العبد بمراعاة هذا العبد لتلك الحدود، كما يغدو حضور الشيطان مقرونا بالحيدة عن تلك الحدود أو تعديها..

فبمراعاة التعاليم السماوية يندحر ابليس، وتنحسر وساوسه عن صدورنا، ويغدو القلب مجلى للإيمان، ومضمارا لحب الخير، ولا يتأتى ذلك إلا بالتزامنا بما يبلغه لنا الأنبياء من شرائع، تلك الشرائع التي حواها في المحصلة الختامية، كتابنا المبين، القرآن العظيم.

 استكمال مقومات الإنسان الكامل

ومما تؤكده الديانات السماوية أن الخالق كتب على الآدميين عبور المسافة الدنيوية، ليتقرر عليها مصيرهم الأخروي، فهم في تجربة الحياة يعيشون مقصدية بناء واستكمال يستوفون فيه نقصهم، ويتقوون عن ضعف النفس، إذ لا يتأكد لهم الاستحقاق والتفوق إلا بعبادة الله، والصمود في وجه الابتلاءات، ظفرا بالدرجة العليا، والنعيم المقيم.

ولا يبلغ العبد مرتبة الكمال الإنساني، إلا إذا أحسن العمل ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾.

ومقومات الكمال هي اتّباع سنة النبي، والتطابق معها قدر الوسع، فالتطابق مع السنة يرتفع بالنفس إلى مستوى يقربها –بالاتباع- من مقام النموذج محل الاقتداء.

إن صورة النبي المرسل بوصفه صوت الله في الأرض، تنتصب في وجدان الاجيال المؤمنة مثالا للكمال، بحيث تضحى شمائل ذلك المثال الفائقة مصدر إلهام لكل مؤمن متبع للسنة، منضبط السلوك على وفق معاييرها. وحياة الأمة –والبشرية قاطبة- تكتسب من الكثافة والرجحان على قدر ما تتوفق إليه من أحوال الالتزام بالنهج النبوي[14].

ربط الأرض بالسماء، وتجديد توطين عبادة الله في الأرض

بإرسال الرسل وبَعْث الأنبياء، يجدد الخالق الصلة بين السماء والأرض، فالبعثة من ثمة تغدو صحوة روحية تتحقق لأهل الأرض، وتذكرهم بمعنى الحياة، ومعنى التحرر من الاساطير، وتبين وجه الضلال ووجه الهداية، والايمان الحق والايمان الباطل، بل وتعيِّن لهم الغاية من وراء الوجود، فالبعثة النبوية تغدو  بمثابة هطلة الماء تجدد الربيع، والهزة التي توقظ النيام، وتفتح عيونهم على الفجر المتجدد، والأنوار الوليدة.

إن الإنسان الذي طبع على النسيان والميل عن الحق (آدم نسي الامر، وأنساه الشيطان الوصية)، هو في حاجة إلى التذكير الدوري، وإن البعثات السماوية إنما تحمل الترياق إلى البشر الذي يرمم النفوس. وإن أثر كرور الزمن على العقائد لثابت. وما تعرضت له التوراة –مثلا- من تحريف لَشاهد على هذه الحقيقة التحولية التي تتعرض لها الرسالات، سواء من حيث الشكل أو المقاصد، لذا كان تواتر بعثات السماء إلى الأرض من الأنبياء والمرسلين، مانعا روحيا عقديا تعهد به الخالق أهل الأرض حتى لا تتمادى البشرية في الضلال ..

فبتجدد البعثات السماوية تتقوى العلاقة مع السماء، وتتوطن تعاليم الخالق على الأرض، ويستمر نور الروح يبين للسالكين الطريق إلى الحق..

ولا ريب أن الإنسان المزود بالخيال والعقل، هو المخلوق الوحيد المهيأ لابتداع الخير وتوسيع دائرته لتشمل باقي الكائنات والمخلوقات الأخرى المتساكنة معه على البسيطة، كما أنه هو المخلوق المهيأ لابتداع الشر وتخطي الحدود إلى الخطيئة ما لم يترشد، وإن توحله في ما يتوهمه من معتقدات مضللة إنما يكون من هذا السبيل، ولم يزل الوهم يبعد الإنسان عن سواء السبيل، ولم يفتأ الزيغ يشرد به عن الهدى، ولم ينجُ من حيرة الضياع ووطأة الضلال المبين إلا بعد أن لطف به الخالق الرحيم، فهيأ له المرشدين، ردوه إلى جادة الصواب والايمان، الامر الذي كفل له تزكية النفس وتحصيل الرفعة والنجاة من البوائق والتسفلات، فتاريخ البشرية من غير مدود السماء بالاستنارة التي لبث الأنبياء والمرسلون يحملونها لأهل الأرض، كان يكون طافحا بالمخازي، وخلقيته لا تكون إلا خلقية الغريزة والتردي والبهيمية.

وما تألقت مدنية من مدنيات البشر عبر التاريخ، إلا وكان سبب ترديها ما كان يخالط روحيتها من دنس معنوي، يتزايد بتزايد التطور، ويتفاقم باستبحار التقدم، فيرتد فسادا يسف بالكرامة الإنسانية، ويعيق الحياة عن أن تمضي على رسلها، وإن انكسار المدنيات ذات الأصل الكتابي السماوي، إنما يحصل بابتعادها عن تعاليم السماء، تلك التعاليم التي من مقاصدها الأساسية السمو بالإنسان روحا وعقلا وأخلاقا، وجعل الحياة تدور على معنى محوري سام، بحيث تغدو غاياتها الكبرى أن تكون مزرعة للآخرة، وورشة لتكثير الحسنات والصالحات.

 

شحذ الروح من خلال تعاليم السماء تنقية لها من شوائب الزيغ.

من مقاصد استرسال البعثات السماوية إلى الأرض تَعَهُّدُ روحِ الآدمي وصونها عن التلف المعنوي، على اعتبار أن هذا الآدمي هو المستخلفَ في الأرض والمكلفَ بعبادة الله وبعمارة ملكه، ومن المعلوم أن تتابع العهود يُبْلِي جدَّةَ الروحِ، ولأجل تجديد شحذها وصهرها ونفي الصدإ عنها، تتلاحق الرسالات، تعيد البشرية إلى الهدى.

من هنا كانت دعوة أنبياء الله واحدة في الجوهر، فهي دعوة إلى التوحيد، تستنقذ العقل البشري من تبعات الغفلة والحيدة عن الطريق، ومن هنا أيضا كان تجديد البعثة النبوية والرسولية، حدثا كونيا تعيد السماء به شحن الروح بطاقة الايمان، وتسدد نظر الآدمي وعقله نحو التوحيد، فعن طريق التوحيد تتحدد مسؤولية العبد إزاء ما أوكل إليه من واجبات، وهو أن يعبد الله وحده ويعمل الصالحات، فبعبادة الله يحرر الإنسان روحه وإرادته من كل قيد قامع أو اعتقاد مكبل.. إذ لا يتحقق للآدمي شرط الحرية البناءة التي تقوم بها مسؤوليته الكونية، إلا إذا أناط مصيره بالخالق ومحض طاعته له، فبالإيمان بالخالق تتوطد المحبة بين الكائنات، ويصير قلب الإنسان خزانا يفيض بالحمد والتآخي حتى على بقية الكائنات التي تعايشه في أرجاء الطبيعة (مائدة الله العظمى)[15]، إذ المحبة تقرب الإنسان من مخلوقات الله، وتجعل الكون خزان نِعَم يصيب منها ما يشاء، لا يؤدي مقابل المتع والافضال إلا الشكر.  

 بناء المدنيات الموحِّدة والمستقطبة للبشرية

وإذا كانت الفكرة الدينية هي التي ظلت -على مر الحقب - تحفز الإنسان على التحضر، وتدفعه إلى التمدن، إذ أثبتت كتابات المؤرخين وأهل الفكر[16] أن أزيد من عشرين مدنية من أعظم ما عرفته البشرية وأشهر ما احتفظ التاريخ لنا بذكره، كان أساس قيامها هو العاملُ الديني، فلا ريب أن ذلك الاطراد الديني المهيئ للحضارة، إنما يؤكد عضوية البعد التعبدي بالنسبة للإنسان، فالعبادة هي علة وجود الإنسان في هذا الكون، كم أن الوجود الإنساني علته هي عبادة الله، ولذا كان الباعث الحضاري الذي أسس لكل حضارة عرفها الإنسان، هو العامل الروحي.

من خلال بناء المعبد، طفق الإنسان يبحث عن الخالق، وعن القداسة، وإهداء القربات.

وفي وجدان الإنسان يتَطابَقَ الباعثان العقدي والتعميري، لذا عاش يؤسس اجتماعه في كل طور من أطوار تاريخيته على معطى الدين والعمران، حيث لبث ينجذب بما حمل في نفسه من استعداد تحنفي إلى الايمان بالغيب (حتى ولو في صورة وثنية)، انجذابه إلى التعمير، فالمعبد[17] كان منطلق تشييد سائر الحضارات، حتى لكأن مدلول الآية ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، يعني هذا التوافق الروحي والمدني الذي جبل الله عليه عباده، فجعلهم ينزعون إلى التقوى وحب التأليه، كانجذابهم إلى التعمير والتمدن.  

لكن أهمية الدين السماوي، والدين الختم بالخصوص (الإسلام)، أنه وطد لتشييد المدنية الموحدة بين البشر، المستقطبة للآدميين بما تميزت به من روح إنساني جامعة، ومثل إحسانية لا تمييز فيها، ومقاصد كونية لا تخرج عن  الايمان بالخالق رب العالمين..

لقد سادت الحضارة الصينية عصرها فقاومت العدوان الخارجي بتشييد سور قبعت وراءه إلى أن فقدت القدرة الصمود وآذنها الضعف بالاستسلام والانهزام، وكل ذلك لأن البعد الروحي كان معتلا وغير صريح في انتمائه إلى السماء، وإلى الخالق جل وعلا..

وسادت اليونانية، ففتحت الآفاق ونشرت معارفها في الامصار، لكنها ما لبثت أن شاخت وانحسر ظلها، ذلك لأن الفكرة الدينية المؤسسة لمدنيتها إنما ظلت تحمل جرثوم الفناء الذاتي، لأنها فكرة وثنية، تعددية، أسطورية، وقل مثل ذلك على سليلتها المدنية الرومانية، فقد حاولت أن تمد لعمرها باعتناق المسيحية، لكن مطعن المسيحية ظل ولا يزال، يكمن في تثليثيتها، فهي وثنية من بعض الوجوه..

 الإسلام وحده، ساد وانتشر، وبلَّغه إلى الأقاصي تجارٌ بسطاء ورحالة أفرادٌ.. ورغم الانكسار الحضاري والانحسار المدني الذي جرَّت إليه سياسة الملك العضوض، والحيدة عن مقاصد الرسالة، والتحول بالدين من كونه دعوة إلى الله، إلى جعله وسيلة للفيء والخراج.. رغم كل ذلك فهذا الإسلام لم يمت، ولم يفقد وجاهته العالمية، على الرغم من التخلف المرحلي للمجتمعات المنتسبة إليه، واستمرار بعضها في إفراز إيديولوجيات كابسة، كابتة، تنفر وتسيء إلى سماحته، فهو دين العالمين، الحامل لجوهر أخوة إنسانية، يترشح بها اليوم وغدا، كما ترشح أمس، لأن يكون دين الله التام الذي ارتضاه للعالمين.  

وإن امتياز الإسلام هو في محفوظيته، إذ لم يَشُبْهُ أدنى تغييرٍ أو تحريف، ثم هو في عصاميته وذاتية انتشاره بعيدا عن أي وصاية أبوية (بابوية)، فهو دين الله الذي جعل شريعته تستمر بفضل تجدد جهود العلماء العاملين الذين تؤهلهم قرآنيتهم لتشبيب العقيدة، وإعادة الفتوة إليها كلما ارتخت عراها في النفوس وقصرت الأطوار والاجيال عن الارتفاع والتسامي إلى مستوى مثلها.

من هنا تغدو دعوة القرآنيين ورثة النبوة، شمولية، فعلى نحو ما تتوجه إلى الأمة، هي في الآن ذاته تخاطب العالمين، إيمانا من المسلم بأنه مؤتمن على رسالة قدِّرَ له أن يبلغها إلى البشرية، وهو ما جسدته رسائل النور وصاحبها العالم الوريث، فقد جعلت من مخاطبة الآخرين مقصدا واضحا من مقاصدها، إذ طفقت تذكر العاملين من بني الإسلام إلى مسؤوليتهم في الدعوة العالمية، قياما بوظيفة استخلفتهم فيها إشارة النبي (بلغوا عني ولو..).

المعجزات توجيه عقلي وتجهيزي وحضاري للإنسان

لا تزال الحكمة ضالة الإنسان الفطن، يستلهمها من شتى المصادر، من الكون ومما يتداوله في علاقاته من قيم وتجارب، ويستمدها أيضا من تعاليم السماء.

ولقد ظلت تعاليم الأنبياء مصدرا للحكمة وللتجليات التي يجد فيها العقل الإنساني من الفوائد ما يحقق له والمنفعة والتبصر.

ولقد لعبت معجزات الأنبياء والمرسلين دورا مهما في توسيع المدى التصوري أمام العقل البشري، فالمعجزات لبثت تهز الذهن الإنساني، بتحقيقها ما لا يتحقق، وتنفيذ ما ليس معهودا بالنسب للعقل والعرف البشريين.

فكان للمعجزات -من ثمة- إسهام في توجيه البشرية نحو الابتكارات والانجازات التي ظلت العقلية الوثنية تقصر على الآلهة حصولَ ما يضاهيها في الخراقة والتفرد. يقول النورسي:

إن كل معجزة من معجزات الأنبياء  تشير إلى خارقة من خوارق الصناعات البشرية، أما معجزة سيدنا آدم فهي تشير إلى فهرس خوارق العلوم والفنون والكمالات، وتشوق إليها جميعا.. أما المعجزة الكبرى للرسول صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم..فلأن حقيقة تعليم الأسماء تتجلى بوضوح تام، وبتفصيل أتم، فإنه يبين الاهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق  البشر  إليها  ويوجهه نحوها، مثيرا رغبة شديدة  فيها.[18]

ثم يضيف:

إن القرآن بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط  الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل  إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير  بها إلى أبعد نهاياتها وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعين أبعد الاهداف النهائية ويسوقها إليها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضها على بلوغ تلك الغاية ويسوقها إليها[19]

كيف تغدو المعجزة باعثا عقليا وعمليا على الاكتشاف والاختراع؟

إن تواتر المدهش من الأحداث والخارق من الوقائع، وتواتر الأخبار به، يكون له أول الأمر وقع الصدمة على الإنسان، لكن العقل الإنساني المطبوع على الفضول، ينتهي به التوق والرغبة في معرفة المجهول، إلى أن يتدرج إلى استيعاب الظواهر، فينتقل بالظواهر العجيبة من مرحلة التلقي والاذعان، إلى مرحلة الفهم والتدبر، وغالبا ما يكون التدبر بسيطا، لا يعدو إعادة تمثل الظاهرة الاعجازية، غير أن العقل -وفي أثناء ذلك التمثل- يقوم بما يشبه عملية التحليل الذهني، متمرسا على الربط بين الأحوال المرتسمة، والتساؤل عن الأخرى الكامنة، وهو ما ينبه فيه ملكات الدراية، ويشحذ مكامن الفطنة، الأمر الذي ينتهي به إلى توسيع استقصاءاته وتعميق تحسساته ورصد ملاحظاته، ثم إلى جمع استخلاصاته وتقييدها وجعلها منطلقات لأحوال من السبر قد تتداوله قريحة فردية أو أكثر، في جيل أو أكثر من جيل، وهو ما ينتهي بتحصيل الثمرة، واكتشاف القانون .

إن التطلع إلى استبانة كُنْهِ القدرة الخفية التي تنطوي عليها المعجزة، يحرك في الإنسان وازع الاهتمام بالبعد الخفي في الظواهر، الأمر الذي ينتهي به شيئا فشيئا، ومع تلاح وتنوع التجارب، إلى وضع اليد على مساحة من قوانين النشوء والتحول والايجاد التي هيأها الله لحياة الكائنات والموجودات في هذا الكون.

في وقتنا الراهن –مثلا- يكثر الحديث عن طاقة الريح، والقرآن قص علينا معجزة تسخير الريح لسليمان.. وإذا كان الإنسان قد استمر في تسخير الريح على مدار التاريخ، إذ جعلها محركا لأشرعته في البحر، وجعلها مديرا لأرحيته في البر، وجعلها معالم يستهدي بوجهة هبوبها، بل لقد استغل الريح في أعمال الزراعة، وفي الحرب، وفي مجالات أخرى، فإنه اليوم يلتفت إلى الطاقة في عصر شحت أو كادت فيه المصادر الخام، فنراه يعقد الرهان على تثمير طاقة الريح، ويباشر إقامة مصانع التوليد في مجاري الهبوب، على الشطآن، وفي البحار، وعلى الهضاب والجبال.. فالمعجزات النبوية بأثرها الخارق، ظلت على مدار الحقب، تلفت الذهن البشري، وتوعز إليه بالأفكار والتصورات، مساهمة بذلك في تحفيزه وبعث همته على النهوض بما تهيأ له العقل في مجال الابداع .

معجزات نبوية لا تحصى تكون ظلت مادة وعلة لتحريك الفهم والتفكير والاستلهام، وبالتالي منطلقا لاكتشافات حقق بها الإنسان احتياطا من الفوائد والرخاء للبشرية.   

 ترقية الآدميين بالتدرج بهم عبر سُـلَّم  الشرائع والعقائد

اقتضت مشيئة الله أن تتدرج بالعباد على سلم الرقي، فخصتهم ببعثات تطورت بهم من شوط إلى شوط، تكميلا لإنسانيتهم من حيث المكارم والمحامد.

إن هذا التدرج العقدي يدخل في مشيئة التمحيص التي هي قدر الآدميين في هذه الحياة، وإن التكاليف الشرعية التي طفق يوجبها الخالق على عباده، كانت متفاوتة بحسب أهلية الإنسان في كل طور من أطوار التاريخ.

وإذا كان المولى قد خص أقواما بعينها بجعل البعثة تخصهم، إذ ميزهم بالرسالات، فلأنه تعالى شاء لهم أن يكونوا معلمي الإنسانية، فكان من ثمة أمر تكليفهم بتحمل مهمة الايمان، بمثابة التمحيص والتأهيل للأمة الجديرة بالإمامة والخيرية.

لقد فتئ المولى -عز وجل- يواتر بعث أنبيائه، متعاقبين أو متزامنين، وفتئ يمسك بعثاته أحيانا وفق تقدير يعلم ضرورته هو، وكل ذلك التدبير كان لأجل تحضير البشر كي يتهيأوا لإستيعاب مقاصد التعاليم السماوية،  كما فتئ سبحانه وتعالى، يتوسع بتفاصيل شرائعه بحسب ما يعلم أنه يرفع من مكانة الإنسان اطرادا، ويقربه من درجة الأهلية، من هنا ظلت الاحكام الجزئية تتغير في المدونات الشرعية، إما بأمر السماء أو باجتهاد العلماء، فيما ظلت الكليات ثابتة، وقارة، صبغة الله ومن أحسن من صبغة الله ونحن له عابدون[20].

يقول النورسي:

تتبدل شرائع بتبدل العصور، وقد تأتي شرائع مختلفة وترسل رسل كرام في عصر واحد، حسب الاقوام[21] ..أما جزئيات الاحكام غير المنصوص عليها التي تقتضي التبديل تبعا للظروف، فإن اجتهادات فقهاء المذاهب كفيلة بمعالجة التبديل، فكما تبدل الملابس باختلاف المواسم، وتغير الادوية حسب حاجة المرضى، كذلك تبدل الشرائع حسب العصور، وتدور الاحكام وفق استعدادات الامم الفطرية، لأن الاحكام الشرعية الفرعية تتبع الاحوال البشرية، وتأتي منسجمة معها وتصبح دواء لدائها.[22]

ولقد كان ذلك التدرج التشريعي الذي جسدته بعثات الأنبياء والرسل، يمضي بالإنسانية قُدُماً نحو التهئ لتلقي الدين الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والذي أحدث به الانقلاب الجذري في النظرة إلى الكون والاشياء والحقائق، ما تنوَّر به العقلُ الإنساني إلى حد كبير.

 يقول النورسي:

كانت هوات سحيقة بين طبقات البشر قبل الإسلام مع بعد شاسع عجيب بينها، فاستوجب تعدد الأنبياء وظهورهم في وقت واحد، كما استوجب تنوع الشرائع وتعدد المذاهب، ولكن الإسلام أوجد انقلابا في البشرية فتقارب الناس واتحد الشرع وأضحى الرسول  واحدا.[23]

يضيف:

ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام، كانت الطبقات البشرية متباعدة بعضها عن بعض، مع ما فيهم  من جفاء وشدة في السجايا، فكانوا أقرب ما يكونون إلى البداوة في الافكار، لذا أتت الشرائع في تلك الأزمنة متباينة مختلفة، مع موافقتها لأحوالهم، وانسجامها على أوضاعهم، حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد.

ولكن بمجيء خاتم النبيين وهو نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم تكاملت  البشرية وكأنها ترقت من مرحلة الدراسة الابتدائية إلى مرحلة الدراسة العالية، وأصبحت أهلا لأن تتلقى درسا واحدا، وتنصت إلى معلم واحد، وتعمل بشريعة واحدة، فرغم كثرة الاختلافات لم تعد هناك حاجة إلى شرائع عدة، ولا ضرورة إلى معلمين عديدين.[24] .

بانتشار تعاليم الدين الإسلامي في الأرض، (إذ أوجد الله لها الأمة الخيرية التي حملته إلى الآفاق) تكون المشيئة الالهية قد هيأت الإنسانية لأن تضحى راشدة، وفي مستوى تأهيلي يجعلها أقدر على استيعاب جدارة الشريعة الإسلامية، فالإنسان بعد بعثة سيدنا محمد يكون قد بلغ حد الشبوب (شب عن الطوق)، ولا جرم أن من شأن تزايد أسباب الضلال، وتفاقم الخيبات والنكوصات التي تصيب البشر نتيجة شرودهم عن جادة الحق، أن يحملهم على إعادة التفكير، والبحث عن الجادة، وعندئذ لن يكون مثل الأخذ بشرع الله المزكى، عاصما لهم من الدمار.

ويمكن القول إن البشرية اليوم هي في وضع عقلي وروحي متأهل إلى حد مشجع، لأن يحدد ما يفيدها، ولن يكون هناك أفيد للبشرية من الإسلام، بدليل ما تعيشه المدنية الراهنة من اختناقات لم تخفف من وطأتها ألوان التداوي التي يدأب الإنسان المعاصر على تجريب مفعولاتها.. ولقد بات جليا أن الأيادي لن تلبث أن تمتد شيئا فشيئا، إلى الإسلام، تتطهر من درن الجحود.

لقد سارت البعثات النبوية والرسولية على طريق انتهى بالإنسان إلى بلوغ مكانة[25] عقلية وروحية شارفت السقفية، بحيث لم يعد هناك حاجة للبعثات السماوية، إذ انتهى التدرج الالهي بالبشرية إلى حد تأهل فيه العقل الإنساني لأن يتلقى الترشيد من نصوص الكتاب والسنة ومن تنويرات العلماء الورثة، إذ سيغدو الزيغ والضلال  الديني مظهرا من مظاهر الانحراف الروحي والضعف الفكري الذي يحتاج إلى التنبيه بوسائل الترشيد الإيماني، وبوسائط التذكير بتعاليم الدين الحق.

فالإنسانية بعد بعثة النبي محمد باتت على قوامة روحية تسترشد فيها بذاتها، وباستنارتها العقلية إلى طريق الحق.

 وبات الجنوح عن الدين يتقوم بما ينهض به العلماء ورثة الأنبياء، وبات ظهورهم (المجددين) في المجتمع الإسلامي بمثابة البعثة، لأن الغاية من جهودهم هي إحياء الأمة، وإصلاح حالها، والثبات على نهج (لا يصلح آخر هذه الأمة(المعلم) إلا بما صلح به أولها).

ولقد توخت البعثات السماوية أن تسد باب الفذلكة[26] العقلية المنحرفة، وتجعل العقل الإنساني يسير في وجهة مثمرة تبتعد عن مساجلة الفراغات المعرفية والخواءات التصورية التي لا طائل من ورائها، إذ أن هناك منصات في مضمار العلم أناطها الله بنفسه، فلا سبيل للإنسان أن يخترق حجبها ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، وكل مسعى إلى استشراف الماورائيات هو رجم بالغيب، ولا جدوى منه .

لكأن آية ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، وردت لتوعز للإنسان بخطله وخطإه إذا ما باشر التفكير في اللامفكر فيه، في الغيب، وفي ما لبثت الفلسفة الميتافيزيقية تراوح فيه من أسئلة حول الوجود والغاية والمصير، وهي أسئلة، أجابت عنها الديانات لا سيما الإسلام، إذ جعل الحياة مدخلا للآخرة، فهي مقام الإيمان والعمل الصالح، تمكينا للروح من مقام الخلود.

وإن تعاليم الأنبياء والمرسلين ظلت ترشد العقل إلى ما يصونه من وحشة الضلال ومن حيرة الضياع، ومن قلق الوجود ومرارة الحياة [27].

وإن مهمة العلماء الوارثين، لا سيما في عصر الضلال الفكري المعاصر، هو تفنيد الأباطيل، وذلك ما نهض به النورسي، وكرر الاشارة إليه، والغبطة بتسجيل الانتصارات الحاسمة فيه.

 

 

---------------------------

[1] - يَقَرُّ في خلد طوائف من اليهود أن خصيصة النبوءة مستمرة فيهم عبر الازمنة، لذا ترى أصنافهم يختصون بالدراسات الانسانية والفكرية والمستقبليات بل وبالعلوم الدقيقة والتجريبية، لأنها تتيح لهم أن يحققوا صفة التنبئ التي يَعُدُّونها امتيازا خصُّوا به، بوصفهم الأمة التي حازت على مجاميع الأنبياء، وعاشت أجيالها تتعاطى النبوءة. وقد ورد في بعاد الغرب. سياقات التوراة  تنبأ فالرب ينطق بلسانك).

[2] - النورسي، المكتوبات ص459

[3] - يرى النورسي أن معركة الجمل..هي معركة بين العدالة المحضة والعدالة الاضافية(النسبية).. والقاتل والمقتول كلاهما من أهل الجنة.. وكلاهما مأجوران..رغم معرفتنا أن اجتهاد الامام  علي (ر) كان صوابا ، وأن اجتهاد مخالفيه مجانب للصواب. المكتوبات ص 66

[4] - لقد دمر الله أهل سدوم وعمورة بسبب شذوذهم، انتقاما منهم، وتقويما لما نال حرمة النبوة التي كان في ذلك العهد ينهض بها كل من سيدنا ابراهيم وسيدنا لوط.

[5] - إذ تكاليف تحصيل القبر والدفن أعلى من تكاليف الحرق.

[6] -  النورسي الكلمات، ص 576.

[7] - في مواقف كثيرة من الرسائل، يصرح النورسي بأهمية الرسائل ونفعها للإنسانية قاطبة، باعتبارها كلية مختصة في انقاذ عقيدة الايمان التوحيدي لكل من ينتسب إليها، مسلما وغير مسلم.

[8] - النورسي  المكتوبات ص 476

[9] - (وعلم آدم الاسماء كلها وعرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) . البقرة آية 31

[10] - سنرى كيف يرشدنا سيد النبئين إلى أن الرؤية الصالحة شطر من النبوة

[11] - النورسي ، الكلمات، ص670

[12]- المكتوبات ص 134

[13] - وهو ما عبر عنه القرآن بالضلال، لأن الضال يهلك تحت وطأة الشعور بالتيه والانقطاع.

[14] - نفسه ص 130 _ 133

[15] - من كنايات النورسي عن خيرات الله المبذولة في طبقات الكون والطبيعة.

[16] - راجع مالك بن نبي في مشكلات الحضارة، وكذا مقدمة بن خلدون، فضلا عما ورد بحول هذا الصدد، في متون الموسوعات.. 

[17] - م .س

[18] - نفسه ص292

[19] - نفسه279

[20] - البقرة آية 138

[21] - الكلمات ص568

[22] -نفسه ص568

[23] -نفسه ص864

[24] - الكلمات ص569

[25] - المكتوبات؟ ص 279

[26] - يقول النورسي: إن النبوة في البشرية فذلكة الخير، وخلاصة الكمال وأساسه، وأن الدين الحق فهرس السعادة ، ص194

[27] -370 انظر  النورسي  الكلمات. ص144

 

 


46-) التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي

 

التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي

 

أ.د/يوسي الهواري           

جامعة وهران  الجزائر        

كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية

 

             

الملخص

               ما من شك أن الشيبخ بديع الزمان النورسي من أولئك القلائل، الذين تركوا بصماتهم في واقع الأمة الإسلامية، و لعلي لا أجدني مبالغا إذا ما قلت أن الشيخ النورسي نموذج فذ جمع بين تحصيل علمي عميق، ورغبة ملحة في الدعوة إلى الله، وتصوف عملي ظهرت آثاره جلية في تفاصيل حياته، من خلال حركته الإصلاحية التجديدية، والتي أسهمت بقسط كبير في الحفاظ على هوية المجتمع التركي، بعد أن عصفت به رياح العلمانية والتغريب.

             لقد قيل الكثير عن التصوف، مما يحتاج إلى زيادة إيضاح وبيان، ومهما يكن من أمر المنتقدين، فإن التصوف جانب أصيل من هذا الدين، بل هو روحه، ومادته الأولية، فأنى للأعمال أن تؤتي أكلها، بعيدا عن استحضار خشية الله، ومراقبة المولى جل وعلى، ومشاهدته في صفحات هذا الكون، ولا يعيب هذا التصوف ما علق به من بدع ومحدثات، فإن العوارض لا تملك من القوة، ما به تعود على ماهية وحقيقة التصوف بالإبطال.

             لم يكن التصوف  غريبا عن هذه الأمة، فلقد أسهم الصوفية عبر التاريخ، بما لا يمكن إنكاره، في الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية،  من خلال حركاتهم الإصلاحية،  التي هي في واقع الأمر  تجديد لهذا الدين في أهم جانب من جوانبه، ألا هو التدين مصدر كل صلاح واستقامة، ومن هنا تأتي هذه الورقة للتأكيد على صوفية المنهج الإصلاحي للشيخ النورسي رحمه الله، فلولا هذا التصوف بمفهومه السني العميق، ما كان لحركته أن يكون لها هذا الصدى الواسع، وقد يحلو للبعض من خلال أطروحاتهم الزعم أن الشيخ النورسي انتقد التصوف فخرج بذلك عن عباءة الصوفية,  ولعمري إن مثل هذا الزعم انكار للحقائق، فالشيخ  لم يخرج عما قام به غيره من الصوفية من ممارسة الحسبة على أهل السلوك وتزكية النفوس.

تمهيد:

              بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونديرا، وداعيا إلى الخير وسراجا منيرا، بعثه بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، بيضاء في صفائها ونقائها، المتمسك بها على هدى ونور، والمتجمل بها على سداد ورشاد، قال تعالى:" هو الذي بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"- الجمعة:2-  ورأس هذا الأمر كله تزكية النفس الإنسانية والارتقاء بها إلى كمالاتها، أو بالأحرى العودة بها إلى فطرتها الأولى، وهي عبوديتها وافتقارها واحتياجها إلى خالقها، وبارئها في كل حين وآن، قال تعالى:" ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني"

             ولا يماري أي أحد أن هذا المعنى هو روح الإسلام وحقيقته وجوهره، واي أحد يخالف في أن جهاد النفس وحملها على مكارم الأخلاق، وتحقيق الاستقامة، هو المقصود الأصلي من هذه الشريعة، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" - الذاريات: 56 - ولقد ادرك الرعيل الأول من هذه الأمة أهمية السلوك في تحقيق العبودية، وهم مع إدراكهم علما وعملا،  لم يحاولوا أن ينظَروا لجهاد النفس هذا، لقربهم عهدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولاهتمامهم في المقام الأول بإصلاح النفوس من خلال التربية النفسية والإقبال على الطاعات، إلا أن حدث بعدهم من أفرد لهذا المنهج السلوكي اسمًا جديدًا لا عهد لمن قبلهم به – التصوف – ومع مررو القرون أصاب هذا المنهج ما اصاب الإسلام باعتباره جزء لا يتجزء منه، فأصبح التصوف مجرد شعار مفرغا من مضامينه الراقية.

          ولكن من رحمة الله بعباده أن خص هذه الأمة بمن يجدد لها أمر دينها كما دل على ذلك الحديث المشهور، وليس من المبالغة في شيء، الزعم أن الشيخ النورسي هو أحد هؤلاء المجددين، من خلال إعادة بعثه هذا المنهج السلوكي من جديد، ولست أقصد بهذا البعث، التعريف بالتصوف، وإنما أقصد إعمال هذا المنهج في محاولة إصلاح أحوال هذه الأمة، والعودة بها إلى منهج ربها، وعلى الرغم من أن الشيخ النورسي في أكثر من موضع في "اللمعات" يصرح بأنه ليس صوفيًا، لكن الرجل صوفي حتى النخاع، ومن الصعب لمن انعم النظر في مؤلفاته، وتوقف عند تفاصيل حياته أن يقتنع بخلاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة كمحاولة متواضعة لإبراز هذه الحقيقة من خلال تتبع تلويحاته التسعة التي تعكس وجهة نظره في التصوف. [1]

 

 التلويح الأول:

               الطريقة عند النورسي غرضها معرفة الحقائق الإيجابية والقرآنية ونيلها عبر السير والسلوك الروحانى في ظل المعراج الأحمدى وتحت رايته؛ بخطوات القلب وصولاً إلى حالة وجدانية وذوقية بما يشبه الشهود، فالطريقة والتصوف سر إنسانى رفيع وكمال بشرى سام.

             يرى الشيخ النورسي رحمه الله أن الحقائق الإيمانية والقرآنية حقائق شهودية، فهي ليست من قبيل الحقائق النظرية التي يمكن أن تنال بالنظر والاستدلال، فالإيمان بالله وإن كان مبدأه العقل، إلا أنه لن يثمر عبودية ولا افتقارا ولا احتياجا، إلا إذا انتقل هذا الإيمان من مجرد علم حصولي، إلى علم حضوري، تتحد فيه النفس والقلب بالعلم، فيصبح الإيمان وجدانا ودوقا وحالة نفسية، ولتحقيق هذا المقصد، لامناص من شغل القلب  بالإقبال على ذكر الله ضمن مراتب الولاية عبر سبيل الطريق وهو التصوف.

           إن كلام الشيخ بديع الزمان لا يختلف في قليل أو في كثير مع ما أجمع عليه أهل السلوك: من أن المقصود بالتصوف أو الطريقة هو تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان ومن أن المعرفة وسيلتها القلب أو النفس، قال الشيخ زروق رحمه الله في كتابه القواعد:" قد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجعها كله، إلى صدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه والله أعلم."[2] وعرفه الشيخ ابن عجيبة التصوف:" بأنه علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل،وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة."[3] 

             ولعل تعريف الشيخ أبو الحسن الشادلي يلقي الضوء على حقيقة التصوف بعيدا عن حساسية المصطلح عند البعض، بما يقطع الطريق أمام أولئك الذين اعتقدوا أن التصوف يتنافي وحقائق هذا الدين، قال رحمه الله:"  التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية." [4]

            قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته:

                                علم به تصفيُة البواطن    مِن كدرات النفس في المواطن

               قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت:" التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها ووصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبروالرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنره عن أخلاقها المذمومةوصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى."[5]

            إن الطريق إلى تصفية النفوس وتزكيتها فرض لازم،  وحتم واجب، إذ كيف يتصور تنبيه القلب من غفلته دون المررو بمجاهدة النفس، قال تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" –العنكبوت:69- وهذا لعمري لا يمكن أي ينازع فيه احد، وعليه ليس للصوفية اختصاص بهذا الأمر إلا ما كان منهم من زيادة التأكيد عليه، والوقوف عند دقيق مسائله، وهو على هذا الأساس مسلك لابد أن يسير فيه الجميع، قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:" من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهولا يشعر  " . قال ابن علاَّن الصديقي:" ولقد صدق فيما قال - يعني أبا الحسن الشاذلي - فأي شخص يا أخي يصوم ولا يعجب بصومه ؟ وأي شخص يصلي ولا يعجب بصلاته ؟ وهكذاسائر الطاعات.[6]

           إن عبقرية الشيخ النورسي التي تجلت في جهاده ودعوته، وصبره على نوائب الدهر، وتفانيه في جهاده، نتاج طبيعي لوعيه على المستوى العملي، بضرورة  سلوك طريق مجاهدة النفس، من خلال تخليتها وتحليتها عبر مقامات ومنازل ومدارج،  للوصول بها إلى مقام الإحسان وهو مقام شهود أحديته سبحانه وتعالى، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فالشيخ رحمه الله اتصل الأستاذ من حيث الإسنادُ بالطريقة النقشبندية, وهي طريقةٌ تربي أبناءها على الأخلاق والآداب، كما أنه كان كثير الانجداب إلى شيخ الطريقة القادرية الشيخ الكبير الكيلاني المتوفى سنة (561هـ).

             يقول الأستاذ: "وعلى الرغم من أنني منتسب إلى الطريقة النقشبندية بثلاث جهات فإن محبة الطريقة القادرية ومشْرَبِـها يجري فيّ حُكْمُه دون اختيار مني،  كنت ... أقول: أيها الشيخ الكيلاني, أقرأ لك سورة الفاتحة, جُدْ لي ما ضيعته من جوز مثلًا أو أي شئ ... وإنه لأمرٌ عجيب, فوالله لقد أمدني الشيخ بدعائه وهمته ألف مرة، ولهذا ما قرأت من أوراد وأذكار طوال حياتي إلاّ وأهديتها أولًا إلى حضرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم إلى الشيخ الكيلاني " [7]

             ولعلَّ ذلك يرجع إلى شدة الشيخ الكيلاني في الحق، وعدَمُ مبالاته بالخلق، وبغضه الشديد لتملق الناس، وفوق هذا كله فإن الشيخ الجيلاني، صاحب حركة إصلاحية وتجديدية، أرادت أن تعيد لهذا الدين جدوته، من خلال تصحيح مفهوم التدين، وجعله مركز الحياة بكل تجادباتها، وهي مفرداتٌ تروق للنورسي وتستهويه، وتتناسب مع شخصيته.

لتلويح الثانى

                    يؤكد الشيخ النورسي في التلويح الثاني أن هذا السير والسلوك القلبي والتحرك الروحي وسائله ومفاتيحه ذكر الله أولا والتفكر ثانيًا، ومحاسنها لا تحصى وفيهما فوائد أخروية وفوائد دنيوية تتمثل في إزالة الوحشة وتخفيف ثقل الحياة وغلوائها ولو جزئيًا، ولا يختلف كلام النورسي عن كلام  أهل التحقيق من أن الذكر ملازم لمن رام السير في طريق التعرف على الله، إذ لا يخلو مقام من مقامات السير ولا منزل من منازل السائرين إلى الله من الذكر، فبذكر الله يترقى المؤمن في درجات الكمال، وأنى للعبد أن يستقيظ من غفلته وهو لا يعرف ربه، هذه المعرفة التي خلق الإنسان من أجلها، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون."

                  قال ابن عطاء الله السكندري:" الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أوفعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى."[8]  وقال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: " الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء ؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر."[9]   

                 لقد أدرك الصوفية ومن واقع تجربتهم الروحية، أن إنسانية الإنسان تكمن في تحقيق عبوديته الله، ولن يتم هذا الأمر على حقيقته إلا بذكر الله في جميع أحوالهم ذكرا قلبيا ولسانيا وحاليا، وهاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في جميع أحواله، فالعارفون بالله عندهم من داوموا على ذكر الله وأعرضوا بقلوبهم عن ما سوى الله من متع الدنيا وشهواتها الزائلة، فانشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم، كيف لا وقد حظي هؤلاء بمجالسة خير أنيس، فليس للوحشة من سبيل إليهم.

              قال تعالى:" والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعد اللهُ لهُم مغفِرةً وأجراً عظيما." -الأحزاب 35 - قال ابن عباس رضي الله عنهما:  المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من مترله، ذكر الله تعالى   [10] .وقال مجاهد:" لايكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومطجعا."[11] و قال الإمام النووي:" أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم،  والدعاء ونحو ذلك."[12]

              كان الشيخ النورسي رحمه الله وهو يؤكد على مفتاح الذكر في السير إلى الله، على وعي تام  بما يحدثه الذكر من تحول جذري على مستوى السلوك العملي، هذا الوعي الذي كان نتيجة حتمية لخوضه غمار هذه التجربة الروحية، التي فجرت في نفسه سيلا جارفا من الطاقات، ظهرت آثارها جلية على مستوى حركته الإصلاحية،  حركة أحيت أمة كانت على وشك الموت ولا زالت حركته تفعل فعلها اليوم، فالذكر صقال القلوب، ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق، لا بغيره. لذلك فالمريد لا يصيبه غم أو هم أو حزن إلا بسبب غفلته عن ذكر الله، ولو اشتغل بذكر الله لدام فرحه وقرت عينه، إذ الذكر مفتاح السرور والفرح، كما أن الغفلة مفتاح الحزن والكدر.

التلويح الثالث

                  يواصل الشيخ النورسي رحمه الله إيضاح معالم الطريق الصوفي، هذا الطريق الذي يعنى بالسلوك العملي ، والمنهج الأخلاقي، وهو في هذا كله حريص على إبراز التصوف بوجهه الصحيح، مستدركا ومصصحا  أن الولاية حجة الرسالة، وأن الطريقة برهان الشريعة، ذلك لأن ما بلغته الرسالة من الحقائق الإيمانية تراها الولاية بدرجة عين اليقين بشهود قلبي وتذوق روحاني فاصدقها، وتصديقها هذا حجة قاطعة لآحقية الرسالة، وإن ما جاءت به الشريعة من حقائق الأحكام، فإن الطريقة برهان على أحقية تلك الأحكام، وعلى صدورها من الحق تبارك وتعالى بما استفاضت منها واستفادت بكشفياتها وأذواقها.

                 يسعى النورسي جاهدا من خلال هذا التلويح الثالث إلى بيان توافق الشريعة مع الحقيقة، فإذا كانت الشريعة قد تكفلت ببيان الحقائق الإيمانية، فإن الحقيقة هي الضامنة لوجدانية هذه الحقائق وصيرورتها سلوكا ومنهج حياة، إذ كيف للحقائق الإيمانية أن تفعل فعلها في نفس المؤمن، وهي أجساد بدون أرواح، أليس الرقي بها من العلم الحصولي إلى  العلم الحضوري،  يحتاج إلى السير في طريق المكابدة ومجاهدة  قال تعالى:" والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا." وليس من الإنصاف في شيء رد الطريقة لمجرد وقوع المنتسبين إليها في أخطاء، ويكفي في بيان زيف قول من يقول ببطلان الطريقة، صمودها في وجه الغزاة من أعداء هذا الدين.

              يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: " لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم." [13]

             يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته المشهورة بِرد المحتار: " الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات...  وقال أيضا فالحقيقة: هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حد له ولا جهة. وهي والطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة، وباطنها الحقيقة، فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبد في لبنه، لا يظفر من اللبن بزبده بدون مخضه،والمراد من الثلاثة الشريعة، والطريقة، والحقيقة إِقامة العبودية على الوجه المراد من العبد.[14]

          إن الشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمن تمسك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، وأهل التصوف هم أشد الناس ابتعادا عن البدع، قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في فتاواه:" فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض،وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد،وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم."[15]

             كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتاب والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام."[16]

التلويح الرابع

               سلوك طريق الولاية عند الشيخ النورسي مع سهولته هو ذو مصاعب، ومع قصره فهو طويل جدًا ومع نفاسته وعلوه فهو محفوف بالمخاطر ومع سعته فهو ضيق جدًا. والنورسي يبين أن الطريق طريقان وأن السير سيران:

(1) السير الأنفسي: الذي يبدأ من النفس ليخترق أنانية القلب ويعالج أمراضه لينفتح له سبيل الحقيقة ومنها ينفذ إلى الآفاق الكونية، والغاية من هذا السير كسر شوكة الأنانية والأثرة وتحطيمها وترك الهوى وإماتة النفس أي إماتة رغائبها وشهواتها.

(2) والسير الآفاقي: حيث يشاهد صاحب هذا السير تجليات أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة في مظاهر تلك الآفاق والكون الواسع ثم ينفذ إلى دائرة النفس فيرى أنوار تلك التجليات بمقاييس مصغرة.

              السير إلى الله أو معرفة الله عند الصوفية تتم بأحد طريقين اثنين:

طريق الترقي: وهو  - طريق أهل السلوك -، وهم طلاب التحقيق بالحقيقة من وجه العمل بالطريقة، وهؤلاء يبدو لهم في أول الأمر اتساع أفعال الحق سبحانه وتعالى، فيتحصل له التعظيم من هذا الوجه، ويكون حاله فيه إسقاط التدبير، فإذا تحقق بذلك، بدا له من حقائق الأسماء مجموع معانيها، فيبدو له من معاني الصفات ما يستغرق ما عندة من معاني الأسماء، فيقف في بساط الإجلال والتعظيم، ثم يبدو له من عظمة الصفات وإحاطتها عظمة الذت الكريمة، التي لاتصح عظمة الصفات بدون عظمتها،فإذا انتهى إلى حد تعظيم الذات الكريمة كان بساط تعظيم الربوبية مطلقا في التزام العبودية، فالسالك وهو يقطع مراحل السير صعودا قصد تحقيق العبودية، يشاهد عظمة آثار افعاله سبحانه وتعالى، الدالة على عظمة أسماءه، التي تدل بدورها على عظمة صفاته، ليصل السالك إلى شهود كمال الذات. [17]

طريق التدلي: وهو طريق أهل الجذب والمجدوب هو من أخد الله قلبه إليه بدون مهلة، بوجه لا يبقى فيه متسع لغيره، وأهل الجدب في قيامهم بحق العبودية، في عين تعظيم الربوبية، يحصل لهم في أول الأمر من ا لتعظيم والإجلال ما يستغرقهم استغراقا، فإذا تمكنت حقيقة التعظيم منهم أوجبت لهم شهود عظمة صفاته، فهو المتصف سبحانه وتعالى بأوصاف الجلال والجمال،، ومن تم يبدو لهم من عظمة الصفات اتساع الوجوه الراجعة إليها والتفاصيل الواقعة عليها،، فيبدو لهم من تفاصيل العظمة في كل فصل من فصول النسب الأسمائية ما يجلي لهم معاني ما هم فيه من شهود عظمة الأوصاف، حتى تنكشف لعم عظمة الأسماء،  ثم يردهم عزوجل إلى شهود أثاره.[18]

           قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه:" دَلَّ بِوجودِ آثَارِهِ عَلَى وُجُودِ أَسمَائِهِ ، وَبِوُجُودِ أَسمَائِهِ عَلَى ثُبُوتِ أَوْصَافِهِ ، وَبِوُجُودِ أَوْصَافِهِ عَلَى وُجُودِ ذَاتِهِ ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَقُومَ الوَصْفُ بِنَفْسِهِ , فَأَهْلُ الجَذْبِ يَكْشِفُ لهمْ عَنْ كَمَالِ ذَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ صِفَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى التَّعَلُّقِ بِأَسمَائِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ آثَارِهِ، وَالسَّالِكُونَ عَلَى عَكْسِ هَذَا ، فَنِهَايَةُ السَّالِكِينَ بِدَايَةُ المَجْذُوبِينَ لكِنْ لا بِمَعْنَىً وَاحِدٍ ، فَرُبمَّا التَقَيَا في الطَّرِيق ِ، هَذَا في تَرَقِّيهِ وَهَذا في تَدَلِّيه" ِ.[19]

           ولا يخلو هذين الطريقين من محادير ومصاعب ومطبات،نبه عليها أهل التحقيق، منها ما يصدر من السالكين من شطحات ومن أقوال ظاهرها مخالف لأحكام الشرع، وللقوم كلام في كيفية التعامل مع ما يصدر عن هؤلاء،  ملتزمين في ذلك بضوابط الشرع الحنيف.

التلويح الخامس

             وحدة الوجود عند النورسي ومن ضمنها وحدة الشهود، حصر النظر في وجود واجب الوجود أي الموجود الحق هو واجب الوجود سبحانه وتعالى فحسب دون سواه، وأما  سائر الموجودات فما هي إلا عالة على واجب الوجود، وما كان لها أن تكون لولا واجب الووجود،  فالغني حقيقة هو الله، أما غيره من الأكوان فمفتقر إليه سبحانه وتعالى، فليست وحدة الوجود لدى النورسي تعنى اتحاد الخالق بالمخلوق أو الحلول والاتحاد أو امتزاج اللاهوت بالناسوت كما يقول بذلك الزنادقة والملاحدة والمارقون عن الدين القويم والمحجة الواضحة.

             والنورسي في هذا لم يخرج عما  قرره وأكده أهل التحقيق من الصوفية، من أن الله مباين لخلقه، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا حلول ولا اتحاد، قال صاحب كتاب الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد:  حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعت، بالشيخ أبي العباس المرسي - تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي -وفاوضته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإِنكار عليهم، والنهي عن طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع .[20]

              قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي : أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إِذا أطلقوه، هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإِرادة معه والاختيار، والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيءٍ ما إِلى غيره.[21]

               قال ابن القيم رحمه الله:" فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ؛ قد فَنوا بعبادة محبوبهم، عن عبادة ما سواه،وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه. ومن تحقق ذا الفناء لا يحب إِلا في الله، ولا يبغض إِلا فيه، ولا يوالي إِلا فيه، ولا يعادي إِلا فيه، ولا يعطي إِلا لله،ولا يمنع إِلا لله، ولا يرجو إِلا إِياه، ولا يستعين إِلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله، ويكون الله ورسوله أحب إِليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إِليه...[22]

التلويح السادس

           وفيه يحرص الشيخ النورسي على التأكيد على وجوب اتباع السنة النبوية المطهرة، والتنبيه على ضرورة تحلي المنتسبين لهذه الطرق بالإخلاص، والشيخ النورسي في تأكيداته هذه متفق تمام الاتفاق مع كلام أهل التحقيق من الصوفية، من أن  الطريق لا معنى له ما لم يكن صاجبه، أشد الناس اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأمام الشاطبي في كتابه الاعتصام :" إن كثيرا من الجهال يعتقدون (في الصوفية) أنهم متساهلون في الإتباع ، والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون عليه ، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به." [23]

           قال إمام الطائفة الجنيد رحمه الله:" إنه لتقع فى قلبى النَكتة من علوم القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة." يقول ابن القيم": فرحمة الله على أبى القاسم ـ يقصد الجنيد ـ ما أتْبَعَه لسنة رسول الله ، وما أقفاه لطريقته ـ أى النبى ـ وطريقة أصحابه[24]  .

            أما الإخلاص الذي هو أساس الطرق الصوفية، فهو: أن لا يكون للنفس حظ في عمل من الأعمال التعبدية، الجسمية منها والقلبية والمالية، وأن لا يرى إخلاصه، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى:" الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ محمدةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ لمخلوق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى."[25]

            ومن تمام اللإخلاص والمحبة، أن سالك الطريق لا يبغي من وراء سلوكه ما يعود عليه بالنفع في هذه الحياة الدنيا، متغافلا عن الآخرة التي هي دار الجزاء، أما الدنيا فدار امتحان وتكليف، فليس هي المقصودة أصالة، بل هي مطية الآخرة، وبهذا ينبه النورسي كما نبه غيره من العارفين بالله أن المقصود الأسمى هو تحقيق العبودية لله، أما خوارق العادات والمعارف اللدنية فلا ينبغي أن تكون الشغل الشاغل للسالك، فأعظم كرامة بالنسبة للصوفية هي دوام التوفيق، وتجاوز حجب النفس والاستقامة على أوامر الشرع، ويكفي في بيان موقف الصوفية من خوارق العادات عدم اشتراطهم الكرامة في تحقق الولاية.

قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته:" واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات.[26]

التلويح السابع

             الشريعة عند الشيخ النورسي هي نتيجة الخطاب الإلهي من الربوبية المطلقة، وهنا يرد الشيخ على من يفرق بين الحقيقة والشريعة، كما يرى النورسي أن الطريقة والحقيقة وسيلتان وليستا غايتين ولا يمكن أن توجد طريقة خارج نطاق السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة، وهذا ما هو عين ما نادى به أهل التحقيق من الصوفية، فمما لا شك فيه أن الحقائق الشرعية من حيث هي واحدة، لاتعدد فيه، ومخطأ من يعتقد أن أهل الشريعة لهم حقائقهم الظاهرة، وأهل الحقيقة لهم حقائقهم الباطنة، ولازم هذا القول حاصله الخروج عن ربقة التكاليف الشرعية والتحرر من اوامر الشرع بعد إدراك الحقائق الباطنة.

           إن الطريقة عند الصوفية وسيلة لتحويل الحقائق الإيمانية إلى وجدان وحالة شعورية، تهيمن على حركات المؤمن وسكناته، ولا جرم أن هذه الطريقة تستخدم وسائل شرعية لتحقيق هذا المقصد، فالانتقال من مقام إلى مقام ومن منزل إلى منزل من خلال المجاهدات، كل ذلك مرهون بما شرع الله، كما أن الحقيقة وسيلة، فإن من اعتقد أن الحقيقة غاية فبمجرد حصول هذه الأدواق ألقى عنه التكاليف، مع أن حصول هذه اللدة القلبية وهذه الطمأنمينة، وسائل للمداومة على طاعة الله،  قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى:" كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِر إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم." [27] وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (تركالعبادات المفروضة زندقة. وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال.[28]

وفى التلويح الثامن

              تكلم بديع الزمان عما سماه مزالق وورطات للسالكين يحذر منها كل التحذير، ويبين خطورتها وأضرارها على من يقعون فيها، كمن يرجحون الولاية على النبوة، أو من يفضلون الأولياء على الصحابة، وهو ينعى على بعض متصوفة اليوم الذين يرجحون أورادهم وأذكارهم التي كتبوها بأيديهم على المأثور من أذكار السنة النبوية الشريفة، ويجافون أذكار الرسول صلى الله عليه وسلم وأدعيته المأثورة التي هي من جوامع الكلم، ومن خير الدعاء وأفضل الذكر وأعظم البركة، أو الظن بأن الإلهام الذي يناله أحدهم بكسبه ومجاهدته أعظم في مرتبة الوحى المنزل من السماء، أو من يفضل الكرامات على واجبات الدين ويدع الثانية اكتفاء بالأولى أو من ينصرف إلى الفخر والإدعاء وإشاعة الشطحات لجمع الأتباع ونيل الحظوة لدى الدهماء.

            هذه المزالق التي حذر منها الشيخ النورسي رحمه الله، هو فيها تبع للمحقيقين من الصوفية، ولقد مارس الصوفية في وقت مبكر هذه الحسبة، وحذروا من وقوع هذه المخالفات والمزالق، وإِنَّ من يطالع كتب القوم السليمة من الدس، مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالةالقشيرية، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي،وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة.

التلويح التاسع

             يختم الشيخ رحمه الله هذه التلويحات ببيان عدة ثمرات لسلوك الطريق أجملها في تحقيق الوجود الحقيقي للإنسان بحسن توجهه إلى الله، وتخلصه من الوحشة في الدنيا، ونيل مقام التوكل والإخلاص والعمل على أن يصل إلى مرتبة الكمال، ، ولطالما كانت الطرق الصوفية السنية بصرف النظر عما علق بها من بدع ، حصنا منيعا يلود به المسلمون من تلك الحملات الاستعمارية  والتبشيرية، في العالم الإسلامي عامة، وفي الجزائر خاصة  فقد حاول الأباء البيض نشر مسيحيتهم الكاذبة في ربوع القطر الجزائر، كما حاولت  فرنسا الاستعمارية محو هوية الشعب الجزائري المسلم، أكثر من قرن من الزمان ، إلا أنها ظلت جسما غريبا وورما خبيثا، لابد وان يجتث إن بكيفية أو بأخرى، فاندلعت ثورات شعبية عديدة كان روادها وحامولوا لوائها شيوخ الطرق الصوفية، ، فدونك  بن زعمون والدرقاوي و الشيخ السنوسي والأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة، وغيرهم كثيرون.

الخاتمة:

            إن الذين انتقدوا التصوف، أكثرهم عرف التصوف من خلال ما علق به من بدع، وغاب عن هؤلاء البحث في معنى التصوف ،فليس من الإنصاف  في شيء أن تحمل على التصوف أوزار الأدعياء واللصقاء ، الذين يندسون في صفوفه نفاقا واحتيالا ، أو جهلا وفضولا ، فإنه ما من نحلة في القديم والحديث سلمت من أوزار اللصقاء الذين ينتمون اليها من غير أهلها، كما يقول عباس محمود العقاد، لقد حاول السيخ النورسي من خلال تلويحاته أن يعيد للتصوف بهائه ونظارته، ويؤكد للجميع أن التصوف ما هو إلا الاعتناء بهذا النفس، تزكية ومحاسبة والوصول بها إلى مقام العبودية وهو مقام إعلان الاحتياج والافتقار إلى الله، لتتجلى هذه العبودية بأسمى معانيها، من خلال منهج حياة متكامل، يستمد أصوله من القرآن الكريم.

             أن تكون صوفيا عند النورسي هو أن تكون تلميذا للقرآن الكريم، ترتع في رياضه وتستظل بظلاله، لقد جسد الشيخ النورسي مفهوم التصوف السني في حياته على أكمل وجه  فنشأة الشيخ في أحضان التصوف،  وتدرجه في مراتب السالكين، على طريقة القوم وأذواقهم، أورثه فهما عميقا لهذا الدين، وهمة عالية في مجابهة الخطوب، ومثابرة في محاولة تغيير الواقع،  امتثالا للتكليف وتطبيقا عمليا لمفهوم العبودية، لم يكن التصوف عند الشيخ هروبا من الواقع، وفقدانا للوعي بالوجود، بل التصوف عند النورسي وعند المحقيقين من أهل التصوف تفان في خدمة المولى عزوجل، وخدمة المولى هي القيام بإخلاص بواجب العبودية وحق الربوبية، إنه بكل بساطة أن تحي كما أراد الله لك.

 

-------------------------

قائمة المصادر والمراجع:

ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين دار الكتاب العربي، بيروت، للبنان.

ابن تيمية، مجموع فتاوى أحمد بن تيمية، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، وأشرف جلال الشرقاوي، دار الحديث، القاهرة، ط: 1427ھ-2006م.  

ابن عابدين، الحاشية ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1992.

ابن عجيبة ، معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف عبد المجيد خيالي، مركز الثرات الثقافي المغربي، الدار البيضاء، المغرب.

ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، دار المعارف، القاهرة، مصر.

إبن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح في تهذيب النفوس، المطبعة والمكتبة المحمودية، القاهرة، مصر.

ابن أحمد بن حنبل، مسند.

 علان الصديقي الشافعي، الفتوحات الربانية على الأذكارالنووية دار إحياء الثرات العربي، بيروت.

جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير دار الكتب العلمية، بيروت.

حامد عبراهيم صقر، نور التحقيق في صحة أعمال الطريق، مطبعة دار التآليف، مصر.

زروق، قواعد التصوف،  تحقيق عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

زروق، شرح الحكم العطائية، تحق عبد الحليم محمود، مطابع دار الشعب بالقاهرة.

الشاطبي،الموافقات، دار ابن عفان، القاهرة.

عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني الشيخ منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا.

العروسي، نتائج الأفكار على شرح الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.

مصطفى إسماعيل المدني، النصرة النبوية على هامش شرح الرائية مط الشرفية 1316 .

النورسي، المكتوبات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر،1995م.

النورسي، اللمعات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر، 1995م.

---------------------------

[1] كليات رسائل النور، المكتوبات 571.

[2] الشيخ زرق، قواعد التصوف 21.

[3] الشيخ ابن عجيبة معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف ص 4.

[4] الشيخ للعلامة حامد صقر الشادلي، نور التحقيق ص ٩٣ . 

[5] الشيخ مصطفى إسماعيل المدني النصرة النبوية على هامش شرح الرائية للفاسي ص ٢٦

[6] ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم ص ٧

[7] النورسي، اللمعات، اللمعة الثامنة ص50.

[8] ابن عطاء الله السكندري،  مفتاح الفلاح" ص ٤

[9] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ١.

[10] الفتوحات الربانية على الأذكار١٠٩ - النووية" ج ١/ص ١٠٦

[11] المرجع السابق.

[12] المرجع السابق ج ١/ص ١٠٦

[13] الشيخ أحمد زروق، قواعد التصوف ص ٣.

[14] حاشية ابن عابدين ج4/240.

[15] أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى ج ١٠ص516. 

[16] إِيقاظ الهمم" ج ٢. ص ٣٠٢

[17] الشيخ زروق، شرح الحكم العطائية 334.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة ج ٢. ص ١٣٤

[21]  المرجع السابق.

[22] ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج ١. ص 90.

[23] الموافقات، الشاطبي، ج1ص120.

[24] ابن القيم، مدارج السالكين، جـ3صـ76 .

[25] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ٩.

[26] المرجع السابق.

[27] الشيخ عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني" ص 158.

[28] المرجع السابق.

 

 


47-) القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة من منظور رسائل النور

 

 

القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية

في الحياة من منظور رسائل النور

 

د. يحيى ضاحي علي شطناوي 

كلية الشريعة- قسم اصول الدين

جامعة اليرموك- الأردن   

 

المقدمة

تعد السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ولذا لا بد من إيلائها العناية التي تليق بمكانتها، ومع هذا فهناك قواعد لابد أن يستنير بها أهل كل زمان أثناء تطبيق السنة النبوية في الحياة، لأن الكلام النظري شيء والتطبيق العملي شيء آخر.

وإن عدم مراعاة تلك القواعد يوقع الناس في إشكالات لا حصر لها وُيظهر السنة بمظهر التناقض وعدم الانسجام، بل ربما شكك البعض في كون ذلك النص وحيا من لدن المعصوم.

فكان من الأهمية بمكان الوقوف على تلك القواعد وتجليتها وضرب أمثلة عليها كي يتضح الأمر ويستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

وممن تنبه لهذا الإمام النورسي رحمه الله، فأشار إلى ضرورة الاعتماد على الأحاديث الصحيحة وترك أقوال القصاص والإخباريين والروايات الإسرائيلية.

وكان من منهجه عدم الوقوف عند ظاهر النص، فكان يغوص في أعماق المعاني محاولا توظيفها في مواجهة التيارات المعادية للإسلام والمشككة في عقيدته، إضافة لمنهجه المتميز في فهم الأحاديث المشكلة، وموقفه من المعجزات النبوية فقدم إضاءات ومعايير ضرورية لإزالة كثير من اللبس وتصحيح الأفهام المغلوطة، وهذا ينسجم مع الدعوة بضرورة قراءة روح النصوص وعدم الاقتصار على ظواهرها، ومراعاة السياق الذي ورد فيه الحديث وملابساته، وعدم اجتزائه، وكل ذلك وفق مقاصد الشرع الحنيف، القاضي باختيار الأيسر ورفع الحرج.

وتجدر الإشارة إلى أن الإمام النورسي قد خصص جانباً مهماً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته فأفرد رسائل خاصة لتناول موضوع من هذه الموضوعات، وأشار في بعض الأحيان إشارات لامحة في معرض تناوله لغيرها من الموضوعات.([1])

وهو في تعامله مع الحديث النبوي والسيرة الشريفة يسلك مسلكاً فريداً فلا هو مسلك المحدثين الذين يتقيدون بمنهج محدد، ولا هو مسلك المؤرخين الذين يدرسون السيرة النبوية أيضاً بمنهجهم الخاص، فتراه يعتمد أسلوباً نقدياً انتقائياً وفق الضوابط والمعايير المعتمدة لكي لا يتبقى أمام القارئ إلا ما هو مقبول وفق تلك الضوابط والمعايير([2]

ويمكن تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: أهمية معرفة سياق الحديث ومقصد الشارع

المبحث الثاني: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد

المبحث الثالث: مراعاة ألفاظ الحديث والتفريق بين الحقيقة والمجاز

الخاتمة: أهم النتائج والتوصيات

 

 

المبحث الأول: أهمية معرفة سياق الحديث ومقصد الشارع

سياق الحديث الذي ورد فيه له أهمية كبرى في فهمه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يؤخذ حديث شريف بشكل منفصل بعيد عن سياقه الذي قيل فيه، فإن مراعاة السياق يسهم كثيراً في دقة توجيه البوصلة نحو الفهم السـليم للحديث، ولذا لابد من الاطلاع على أسباب ورود الحديث، ومعرفة المقاصد التي يرمي إليها الشارع الحكيم من وراء ذلك التكليف، ثم تنزيل ذلك بالأسلوب المناسب على الواقع المعاصر.

وقد ألمح الإمام النورسي لذلك في عدة مواطن من ذلك قوله: إن الأحاديث الشريفة التي تبحث عن علامات القيامة، وعن وقوعات آخر الزمان، وعن فضائل بعض الأعمال وثوابه، لا تفهم حسن فهم، فلذلك قال قسم يعتمد على عقولهم من أهل العلم لقسم منها: إنه ضعيف أو موضوع، وذهب قسم ضعيف الإيمان قوي الأنانية إلى إنكارها([3]).

ومن هذا الباب ما جاء في منع المرأة من السفر إلا ومعها محرم، فقصد الشارع هو الخوف على المرأة من سفرها وحدها حين كان ذلك يتم على الدواب وتقطع فيه الفيافي والقفار دون إحساس بالأمن والأمان، ولكن لما تغير الحال فإنه ينبغي علينا مراعاة التطور الذي حصل في واقع السفر وتنقل المرأة، وانعكاس ذلك على ما تشعر به من الأمان، حيث بات بإمكانها أن تسافر في وسائل المواصلات المتطورة، مع عشرات من الركاب، دون أن تخشى على نفسها شيئاً كثيراً، إذ يغلب على الظن في كثير من المواطن شعورها بالأمان، ويؤيد اعتبار هذه العلة في منعها من السفر فيما ورد من أحاديث، مثل حديث عدي بن حاتم مرفوعاً عند البـخاري:حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي في معرض المدح بظهور الإسلام: " لترينّ الظعينة(أي المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله) وقوله: " يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تقدم البيت (أي الكعبة) لا زوج معها"([4]).

وهذا أرفق بالمسلمين اليوم ولا يجعلهم في حرج في ظل التطور الهائل في وسائل المواصلات، لاسيما وأن بعض الأئمة أجاز للمرأة أن تحج بلا محرم إذا كانت مع نسوة ورفقة مأمونة.([5])

ومن ذلك أيضا حديث صدقة الفطر الذي يوجب إخراجها صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، وفي وقت محدد قبل صلاة العيد من يوم الفطر.

      وفي ذلك الزمن كان الوقت كافيا لصغر حجم المجتمع، وكانت تلك الأصناف مقبولة لتداولها وعدم توافر النقود كما حدث في أزمان لاحقة.

ولا يخفى أن فهم السنة وتفسيرها وروايتها، بعيداً عن مقاصد الشريعة وغاياتها يحمل آثارا سلبية، ويوقع الناس في الحرج ويضيّق عليهم، وهذا يتعارض مع الآيات والأحاديث التي تبين عظمة الإسلام في رفع الحرج وعدم المشقة.

 والقول بأنه لا يجوز إخراج صدقة الفطر من غير هذه الأصناف، يتنافى مع مقصد الشريعة، من تحقيق مصلحة الفقير وسد حاجاته، وتيسير أمر الصـدقة على من أراد إخراجها، ولعل الأقرب
لتحقيق هذا المقصد ما قال به الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن عبد العزيز وغيره من فقهاء السلف حيث لاحظوا أن المقصد، هو إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال والطواف في هذا اليوم، وإشراكهم فرحة العيد، وهذا يتحقق بدفع القيمة أكثر من دفع الأطعمة العينية ليتصرف فيها حسب حاجاته([6]).

وقل نحو ذلك في حديث تحريم التصوير، فإن سياق الحديث ومقصد الشارع من التحريم هو مضاهاة خلق الله تعالى، وهذا غير واقع على التصوير الفوتوغرافي، ولذا كان من الخطأ الذي يقع فيه بعض العلماء عندما يسحبون ما جاء من أحاديث في شأن التصوير، على التصوير الفوتوغرافي اليوم، مع أن المتأمل جيداً، يجد أن التصوير بالكاميرا لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومِن ثَم فلا يدخل في دلالات النصوص الواردة في التصوير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كلمة التصوير كانت دلالاتها مباشرة على ما يسمى اليوم بالنحت، وتصوير الأشياء مجسمة بنحتها، سواء من الحجر أو من الخشب أو غيره، وبالتالي لا يدخل التصوير الفوتوغرافي ضمن دائرة التحريم.

 

 

المبحث الثاني: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد

السنة النبوية مترابطة ومنسجمة ولا يمكن أن يأتي حديث يأمر بأمر ويأتي آخر بنقيضه، إلا أن يكون ناسخا له.

ومن هنا تكمن المشكلة في اجتزاء النصوص وعدم الجمع بينها، فتجد أحدهم يعجبه أمر فيستشهد عليه بحديث معين، بل ينكر على من يعمل بخلافه، رغم أننا لو جمعنا بين الأحاديث لوجدنا أن المسألة أهون بكثير.

ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال الحديث الشريف في عقوبة المسبل إزاره وكون ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار"([7])

فتجد من يتقيد بهذا الحديث ويقصر ثوبه، ونقول له: جزاك الله خيرا، لكن البعض يبدأ وينكر على من لم يفعل ذلك، وربما وصفه بأنه مخالف للسنة.

ولو رجعنا لأحاديث أخرى في ذات الموضوع لتكاملت الصورة، فنجد في صحيح البخاري رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، قال أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لست ممن يصنعه خيلاء"([8])

وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين بأن النهي وارد فيمن جر ثوبه على سبيل التكبر والخيلاء، وانه لا حرج على من انجر إزاره بغير قصد مطلقا([9]).

ومثال آخر: ذلك الحديث الذي رواه البخاري، في كتاب المزارعة من صحيحه، عن أبي أمامة الباهلي حين نظر إلى آلة حرث (محراث) فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل هذا بيتَ قومٍ إلا أدخله الله الذل([10])"

فظاهره يفيد كراهية الرسول للحرث والزراعة التي تفضي إلى ذل العاملين فيها، وكيف ينسجم ذلك مع نصوص أخرى كثيرة تحث على الغرس والزراعة مثل حديث : "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة"([11]).

 فأي عمل أفضل من هذا العمل، وأي حث على الزراعة أفضل من هذا الحث، بل جاء حديث يحث على غرس الفسيلة حتى لو كانت القيامة ستقوم.

والجمع بين أحاديث الحث والذم، أن الأصل الحث على الزراعة، والذم في حالة كون ذلك مضيعا لما أمر بحفظه كالجهاد مثلا أو جاوز الحد فيه([12])، ويؤيد ذلك الحديث الشريف: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"([13]).

ومن أمثلته حديث النهي النساء عن زيارة القبور، بينما هناك حديث عام يقول فيه صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت"([14])

ويأتي السؤال : ألا تحتاج المرأة كالرجل في تذكر الموت، فكيف تنهى عن زيارة المقابر؟ والجمع بين الحديثين سهل ميسور، فيحمل النهي في حال ما إذا كانت المرأة مبالغة في زيارتها ومضيعة للحقوق المترتبة عليها، مع ما يصاحب تلك الزيارة من نياحة وشق للجيوب، ويؤيد ذلك حديث أم عطية قالت: كنا ننهى عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا([15])، وقال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه ليس بحرام([16]).

ولذا كان تعارض الحديث مع القرآن كافياً لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لردّه، فهذا عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس، بأن زوجها طلقها آخر تطليقة، ولم يجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى، فرده وقال: "لا ندع كتاب الله وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت"، أشار عمر بكتاب الله إلى الآية ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ (سورة الطلاق: 6)

كما أن عائشة ردت حديث "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" لمخالفته لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى﴾ (سورة الإسراء: 15)، فمثل هذه المخالفة ينبغي أن تكون كافية في رد الحديث، في حال ثبوتها وعدم إمكانية الجمع أو التوفيق بين الآية والحديث، ذلك أن شِقَّيْ الوحي لا يمكن أن يتعارضا في النهاية وإن بدا ذلك في لحظة من اللحظات.

لكن ينبغي الحذر من التسرع والتوسع في دعوى تعارض الأحاديث مع الآيات، دون أن يكون لذلك أساس صحيح، فكما أنه ينبغي عرض السنة على القرآن لأن ذلك يساهم في فهمها، ويساعد في التوثق من الحكم على الحديث، للعلاقة العضوية بين شقي الوحي، فإن عرض السنة على السنة من باب أولى([17])

 

المبحث الثالث: مراعاة الأحاديث المشكلة والتفريق بين الحقيقة والمجاز

على العالم أن يبين للناس ألفاظ الحديث من واقع اللغة حتى لا يقعوا في اللبس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العالم الفقيه لا يحدث الناس بكل ما يعرفه من أحاديث حتى لو كانت صحيحة، وخاصة التي لا تهمهم في واقع حياتهم كأحاديث الفتن، والمشكلة ونحوها([18])

يقول النورسي: " كما أن للقرآن متشابهات تحتاج إلى التأويل أو تقتضي مطلق التسليم فإن للأحاديث أيضا مشكلات كمتشابهات القرآن تحتاج أحيانا إلى تفسير وتعبير دقيقين جدا..."([19]).

فمثلا ما المصلحة في تحديث الناس بحديث لطم موسى عليه السلام لملك الموت وفقئه لعينه؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي وأباك في النار!

هناك حديث صحيح يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء"([20])، ولو أن السامع أخذ اللفظ على حقيقته لوقع في إشكال، لكن المعنى المجازي يسعف في ذلك، ويتذوقه كل من عرف جمال اللغة وسحرها، كما يقول الناس في اليوم الشديد الحر: إن طاقة من جهنم قد فتحت، فيكون على قول إنه ورد مورد التشبيه([21])

وكذا حديث أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فلا يفهم أحد أن حقيقة الجنة عند أرجل الأم، إنما يفهم أن بر الأم ورعايتها من أوسع الأبواب المؤدية إلى الجنة([22])

وقد استعرض د. عماد الدين خليل جانبا من الأحاديث المشكلة وموقف النورسي منها:

قال: أحاديث الساعة وثواب الأعمال :

بسبب الغموض الذي يكتنف فهم الأحاديث التي تبحث في «علامات الساعة وأحداثها»، وفي «فضائل الأعمال وثوابها» والتي ضعفها عدد من أهل العلم وأنكرها آخرون، يقدم النورسي مجموعة من الأصول والقواعد العامة للاستهداء بها في فهم هذا القسم من الأحاديث دون الرجوع إلى منهج المحدثين وعلومهم وأدواتهم في التعامل مع الحديث، فهو يلجأ إلى أسلوبه في التدليل والمقارنة والاستنتاج معتمداً على الشاهد العقلي حيناً والشاهد الحسي حيناً آخر، والشاهد الوجداني أو الروحي حيناً ثالثاً([23]).

فيبين في الأصل الأول أن الدين امتحان يميز بين الأرواح العالية والسافلة، لذا فهو يبحث في الحوادث المستقبلية بصيغة ليست مبهمة إلى حد استعصاء فهمها، وليست واضحة وضوحاً بدهياً يدعو إلى التصديق حتماً، وإنما يعرضها عرضاً منفتحاً على العقول، لا يعجزها ولا يسلب منها القدرة على الاختيار. فلو ظهرت علامة من علامات الساعة ظهوراً واضحاً واضطر الناس للتصديق لتساوت عندئذ الاستعدادات الفطرية، ولضاع سر التكليف، ولهذا السبب ظهرت اختلافات كثيرة في مثل هذه المسائل (كمسألة المهدي المنتظر ..)، وصدرت أحكام متضاربة نتيجة للاختلاف في الروايات([24]).

ويستمر بديع الزمان في عرض الأصول الأخرى، مركزاً على الأسباب التي أسهمت في تضعيف الحديث؛ فيشير إلى تسرب الإسرائيليات، وإقحام بعض أقوال الرواة أو المعاني التي استنبطوها من متن الحديث.

كما يشير إلى ضرورة التعامل الحذر مع الأدوات البلاغية كالحكايات والأمثال والتشبيهات، وألا تؤخذ على إنها حقائق مادية، ويبرز الحكمة من إخفاء كثير من التفاصيل عن القضايا الغيبية، ويقف طويلاً عند هذه المسألة مناقشاً تفاصيلها ومقدماً الأمثلة المساعدة على الإقناع .

ويوضح في الأصل التاسع أن قسمين من الأحاديث النبوية المتعلقة بفضائل الأعمال قد عبّر عنها الرسول  صلى الله عليه وسلم بأسلوب بلاغي يناسب الترغيب والترهيب، لذا ظن من نظر إليها نظراً سطحياً أنها تحمل مبالغة، مع أنها ليست كذلك فهي جميعاً حق وحقيقة . مثل ذلك الحديث الآتي «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما شرب الكافر منها جرعة ماء» أو كما قال([25]).

ويضيف في أصل آخر أنه كما توجد في القرآن الكريم آيات متشابهات تحتاج إلى تأويل أو تطلب التسليم المطلق، كذلك في الحديث الشريف مشكلات تحتاج أحياناً إلى تفسير وتعبير دقيقين([26]).

ويبيّن في الأصل الأخير السبب في ظهور اختلاف حول بعض الحقائق، فيقول : (إن نظر النبوة والتوحيد والإيمان يرى الحقائق في نور الألوهية والآخرة ووحدة الكون، لأنه متوجه إليها أما العلم التجريبـي والفلسفة الحديثة فإنهما يريان الأمور من زاوية الأسباب المادية والطبيعية؛ لأنهما متوجهان إليها، فالمسافة – إذن – بين زاويتي النظر بعيدة جداً)([27])، وهذا ما يؤدي إلى ظهور حقيقتين مختلفتين مع أنهما قد تكونان حقيقة واحدة . ويؤكد النورسي عدم تعارض الحقيقة العلمية القاطعة مع حقيقة النص القرآني المقدس، فيد العلم التجريبـي قاصرة عن بلوغ طرف من حقائق القرآن الرفيعة([28]).

نعم لا يمكن لحقيقة علمية أن تتعارض مع النص الصحيح من قرآن أو سنة، لأن المنزل واحد سبحانه، إنما التعارض ينشأ في الأفهام القاصرة، نتيجة عدم إدراك القواعد والضوابط التي يُعمل بها في مثل هذه الحالات، أو نتيجة عدم التفريق بين الحقيقة والمجاز، أو قياس الأمر الغيبي على المشاهد في حياة الإنسان، وبخاصة في الأحاديث المشكلة.

وهكذا نرى أنه لابد من التعامل مع السنة النبوية وفق قواعد محددة أثناء تطبيقها في واقع الحياة، وبدون ذلك تحصل إشكالات وتناقضات نحن في غنى عنها.

 

الخاتمة: أهم النتائج

- السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ولا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال

- ضرورة فهم السنة النبوية وفق القواعد المعتبرة التي قررها علماء الإسلام، وبدون تلك القواعد سيحصل الاضطراب والإشكال

- كان الإمام النورسي ثاقب البصيرة حاضر الذهن في تعامله مع الأحاديث النبوية يركز على استخلاص العبر والعظات ويوظفها لخدمة واقعه ويبتعد عن التنظير.

- إن السمة المميزة لمنهج النورسي هي عدم وقوفه عند ظواهر الأحاديث فهو يغوص في أعماق المعاني محاولاً توظيفها في مواجهة التيارات المعادية للإسلام والمشككة في عقيدته، وله نظرة حكيمة في موقفه من الأحاديث المشكلة.

- ضرورة معرفة سياق الحديث والمناسبة التي قيل فيها قبل أخذ الحكم منه

- ضرورة جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد، لتتكامل الصورة

- وجوب مراعاة ألفاظ الحديث والتفريق بين الحقيقة والمجاز

هذا والله ولي التوفيق، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

 

------------------------------

[1] الرسائل التي خصصت بكاملها للحديث عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: «الرسالة الأحمدية»، و«أصول في فهم أحاديث الساعة وثواب الأعمال» و«المعراج النبوي»، و«المعجزات الأحمدية» و«منهاج السنة»و «الإخبار بالغيب»، و«مرقاة السنة وترياق مرض البدعة» و«القسم الثالث من الشعاع الخامس عشر».

[2]  انظر خليل: أ.د. عماد الدين، الرسول صلى الله عليه وسلم في رسائل النور ـ ص 11 .

[3] النورسي: بديع الزمان سعيد، مجموعة المقالات من كليات رسائل النور، عني بتصحيحها محمد زاهد الملازكردي ص391-392  عالم الكتب، بيروت، ط1، 1406/1985

[4]  رواه البخاري في صحيحه، انظر الصحيح بشرحه فتح الباري لابن حجر 7/510 رقم الحديث3595 كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام،  وانظر فتح الباري لا بن حجر 5/66  ط1، 1425/2004 دار الكتب العلمية، بيروت

[5] انظر القرضاوي: د. يوسف، كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط،  ص131-132، ط3 1411/1991 المعهد العالمي للفكر الإسلامي

[6] انظر القرضاوي: ص137-1139، وسعيد: د. عبد الجبار، منهجية التعامل مع السنة النبوية ، مجلة اسلامية المعرفة بحوث ودراسات  العدد 018

[7]  رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب تحريم إسبال الإزار، انظر الصحيح بشرح النووي 2/114، ط3، 1398/1978 دار الفكر، بيروت

[8]  رواه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس باب من جر إزاره من غير خيلاء، انظر الصحيح مع الفتح 11/217 رقم الحديث 5784

[9] ينظر شرح الحديث عند ابن حجر في فتح الباري 11/217 وشرح النووي على مسلم 2/116

[10] صحيح البخاري: كتاب المزارعة، انظر الصحيح مع الفتح 6/4 رقم 2321

[11] رواه البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 6/3 رقم 2320 كتاب الحرث والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ومسلم، انظر الصحيح بشرح النووي 10/215، كتاب المساقاة والمزارعة، باب فضل الغرس والزرع

[12] انظر ابن حجر : فتح الباري 6/4-5

[13]  رواه الإمام  أحمد في مسنده (4987) وأبو داود في سننه (3462) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وانظر السلسلة الصحيحة

[14] صحيح مسلم بشرح النووي 7/8 كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه في زيارة قبر أمه

[15] صحيح مسلم بشرح النووي 7/2 كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن إتباع الجنائز

[16] انظر شرح النووي على صحيح مسلم 7/8

[17] انظر سعيد: د. عبد الجبار، منهجية التعامل مع السنة النبوية ، مجلة اسلامية المعرفة بحوث ودراسات العدد 018

[18] يشهد لهذا حديث معاذ في الصحيحين، وفيه: وحق العباد على الله أن لايعذب من لايشرك به شيئا، قال معاذ: أفلا أبشر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا" وما رواه البخاري تعليقا عن علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ما رواه مسلم عن ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوما لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

[19] النورسي: مجموعة المقالات، ص404

[20] صحيح البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 7/271 رقم 3261 كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، وانظر الفتح 11/148 رقم5725 كتاب الطب، باب الحمى من فيح جهنم

[21] انظر فتح الباري 11/148

[22] انظر القرضاوي: ص168-169

[23] انظر : عماد الدين خليل – ص 5 .

[24] انظر : المرجع السابق : ص – 5 و 6 .

[25] أصل الحديث :(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) حديث صحيح أخرجه الترمذي(2422) «تحفة» وأبو نعيم في «حلية الأولياء»(3/253) .

[26] انظر : بديع الزمان : الكلمات ـ ص 400 .

[27] المصدر السابق ـ ص 401 .

[28] انظر : بديع الزمان : الكلمات ـ ص 402 .

 

 


48-) أهمية مقصد النبوة في رسائل النور

 

                                                                

أهمية مقصد النبوة في رسائل النور

 

أ.د. عمار جيدل

جامعة الجزائر

 

 

حفلت رسائل النور بمقصد النبوة احتفالا كبيرا، وأدرجت رسائل النور مقصد النبوة ضمن الأقطاب الأربعة التي عليها مدار القرآن الكريم، المبيّنة بقول الأستاذ" التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة مع العبادة"[1]، فقد بيّن الأستاذ النورسي أنّ النبوة من أهم مقاصد القرآن الكريم، ووضّح أنّ لهذا المقصد أهمية جليلة، لها أبعادها الوظيفية الظاهرة، فما أهمية مقصد النبوة؟، وما أبعادها الوظيفية؟ وما أهمية النبوة في دفع مفسدات الفطرة التوحيدية.

سنحاول الإجابة عن الأسئلة الرئيسة استنادا إلى ما أورده الأستاذ في رسائل النور، ولهذا سنتوقّف في هذا العرض عند النقاط الآتية:

  •  

ثانيا: الأبعاد الوظيفية لأهمية بحث مقصد النبوة.

ثالثا: أهمية النبوة في دفع مفسدات فعالية التوحيد.

 

  •  
  1. الكشف عن قيمة الإنسان:

قيمة المجتمع والدولة من قيمة الإنسان، والدولة التي لا قيمة فيها للإنسان دولة لا قيمة لها، ومن ثمّ لا طمع في إقلاع حضري في مجتمع لا قيمة الإنسان فيه، وترجع قيمة الإنسانإلى قوّته المعنوية التي استودعها الله فيه، وجعل الأنبياء بها مذكّرين، لهذا تستمد قيمة الإنسان من مقصد النبوة استردادا وبناء وتذكيرا، لهذا فالنبوة مصدر مهمّلاسترداد الإنسان خيريته، إذ في النبوة من المحفّزات الموضوعية الفعّالة في استرداد وإيجاد دافعية الخير حال تضييعها، وفضلا عن ذلك فالنبوة تؤكّد على حماية الخيرية والدفع على تفعيلها، فمثلا، كما أنّ وجود الجنة والنار ضروري في الآخرة، فهو ضروري للدنيا لأجل دفع الناس لبذل الصالحات لبعضهم البعض، كما أنّ الإيمان بالنبوة يؤسس لليقين بأنّ الغلبة المطلقة ستكون للخير وللدين الحق في المستقبل، حتى يكون الخير والفضيلة غالبين على البشرية، كما هو الأمر بالنسبة لسائر الكائنات، وحتى يحقّ أن يقال في حقّه:" إنّه قد تحقق وتقرر في سر الحكمة الأزلية في النوع البشري أيضا"[2]، كلّ ذلك لجعل الإنسان عمّالا للخير بذّالا للمعروف مرضات لله وخدمة للخلق.

  1. أهمية النبوة في العبادة:

النبوة الطريق الأساسي لتحقيق العبودية واسترداد العناصر الإنسانية في التفكير والتدبير، كما أنّ العبادة  أهم باعث على التعامل الإيجابي مع الكون والحياة، وفي هذا دليل على أهمية النبوة في العبادة.

وتيسيرا لتحقيق النبوة مقاصدها، اختار الله الأنبياء من أكمل البشر صفاتا واستعدادا وأيّدهم بالمعجزات، فوهبهم الحكمة وفصل الخطاب، وجعل النبي الخاتم مُتَحَلّيا بأعلى مراتب تلك الشروط والصفات، فكان أكمل أنموذج يقتدى به، وحثّ البشرية على الاقتداء به، من هنا كان لابد من وجود إشارة ترغّب وتحثُّ على التأسي  به[3]، وخاصة في مقام العبودية التي هي أساس الإنسانية.

  1. أهمية النبوة في تفسير نظام الكون:
  • النبوة جزء من نظام الكون:

يقتضي سر نظام الكون ضرورة النبوة للبشرية، ذلك" أن القدرة الإلهية التي لم تترك النمل من دون من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتمًا البشر من دون نبي، من دون شريعة"[4]، والنبوة تتجاوز مجرد كونها ضرورة لإرشاد البشر وتربيتهم وفق ما يحقق نجاحهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، بل النبوة منسجمة مع الجمال الحقيقي للكون ونظامه وتناسقه وكماله.[5]

  • دلالة الكون على النبوة:

ترتبط النبوة بالتوحيد والحشر ارتباطا وثيقا، فلا ترى بينها انفصاما لاستحالته، لذلك كانت الحجج على التوحيد حججا على إثبات النبوات،  لأنّ" المتكلّم الحي الذي يأمر وينهى بكلماته وخطاباته من وراء الغيب المحجوب وراء ستار الكون، لا بد أنّ الحياة التي في الكون تدلُّ دلالة قاطعة على" الحي الأزلي" سبحانه وتعالى وعلى وجوب وجوده، كما أنّ شعاعات الحياة الأزلية كذلك وتجلياتها تنظر وتتوجّه إلى ما لها ارتباطات وعلاقات معها من أركان الإيمان مثل(إرسال الرسل)و(إنزال الكتب)وتثبتهما رمزا، ولاسيما " الرسالة المحمدية"" والوحي القرآني"، إذ يصح القول: إنّهما ثابتان قاطعان كقطعية ثبوت الحياة، حيث إنّهما بمثابة روح الحياة وعقلها"[6]

  1. طريق جلب السعادة الدنيوية:

من بين الأهداف التي ترمي إليها دوما النبوة التأسيس للفعالية في حياة المسلم، وهي رأس ما يطلب رسمه في طريق جلب السعادة الدنيوية، والدليل على ذلك أنّ ما ناله المسلمون عربا وعجما من سعادة دنيوية عائد ضرورة إلى الاقتناع بما جاءت به النبوة من توجيهات ملأت الأفاق بالخير سعيا وكسبا وبذلا، فقد أسست فيهم النبوة الرضا بقضاء الله وقدره، فكانوا يرون الحكمة في المقصد النبوة، ويتلقّون دروس العبرة من الحوادث بدلا من الرهبة والهلع منها. [7]

  1. عنصر قوّة الإنسان المعنوية والمادية:

تمدّ النبوة المسلم بعناصر القوة المعنوية وتدفعه لكسب عناصر القوة المادية، فيُعَدُ مقصد النبوة مصدر الخلفية النظرية لعنصري القوتين المادية والمعنوية، الأولى إيجادا والثانية دفعا على الكسب، فمرد شجاعتنا وبطولاتنا على مرّ التاريخ التزامنا بما جاءت به النبوة، فقد كانت راية الإسلام والتوحيد التي بين أيدينا والتي جاءتنا بطريق النبوة، كانت سببا قويّا في شجاعتنا وبطولاتنا[8]المتناقلة جيلا بعد جيل.

  1. اكتشاف حكمة الوظيفة:

قراءة مقصد النبوة بعين القلب والعقل يسمح باكتشاف حكمة وظيفة الإنسان، لأنّه" لما توجّه نوع البشر نحو المستقبل سأل عن الحكمة من قبل الكائنات، ومن جانب حكومة الخلقة مستنطقا: يا بني آدم! من أين؟ ما تصنعون؟ من سلطانكم؟ من أين مبدؤكم ؟ وما المصير؟. فبينما المحاورة، إذ قام سيّد البشر محمد صلى الله عليه وسلّم وخطيبهم ومرشدهم: أيّها السائل نحن معاشر الموجودات أتينا بأمر السلطان الأزلي، مأمورين ضمن دائرة القدرة الإلهية، وقد ألبسنا واجب الوجود المتصف بجميع صفات الكمال، وهو الحاكم الأزلي، حلّة الوجود هذه، ومنحنا استعدادا هو رأسمال السعادة...ونحن معاشر البشر ننشغل الآن بتهيئة أسباب الأبدية...ونحن على جناح السفر، من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية، فيا أيّتها الحكمة اشهدي وقولي مثلما ترين، ولا تخلطي الأمور بالسفسطة"[9]

ولا يتوقّف الأمر عند اكتشاف البعد الوظيفي بل يتعدّاه إلى التنبيه إلى أصول السعادة الأبدية المخزونة في الالتزام بمقصد النبوة، لأنّه لا يلتئم وقبول العبث في الكون مع الثابت بشهادة العقل والحكمة والاستقراء ذلك النظام المتكامل الدال على السعادة الأبدية، لأنّ العدم يحيل كلشيء إلى العبث[10]

  1. التعرّف على الحكمة:

لا يكون النظر إلى الكائنات نظر حكمة، إلاّ إذا أبصرها الإنسان في إطار رؤية مقصدية، تحتكم إلى مقصد النبوة في جميع شؤونه النظرية والتدبيرية، وهي رؤية تجعلك ترى الدنيا كأنّها شجرة عظيمة متناغمة،فكما أنّ الشجرة لها أغصان وأوراق وأزاهير وثمرات، ففي العالم السفلي- الذي هو شقّ من شجرة الخلقة- تشاهد أيضا أنّ العناصر بمثابة أغصانه، والنباتات والأشجار في حكم أوراقه، والحيوانات كأنها أزاهيره، والأناسي كأنّهم ثمراته، فالقانون الإلهي الجاري على الأشجار يلزم أن يكون جاريا أيضا على هذه الشجرة العظيمة، وذلك بمقتضى اسم الله"الحكيم"، لذا فمن مقتضى الحكمة أن تكون شجرة الخلقة هذه ناشئة أيضا من نواة، وأن تتكون النواة جامعة نماذج وأسس سائر العوالم فضلا عن احتوائه على العالم الجسماني، لأنّ النواة الأصيلة للكائنات المتضمنة لألاف العوالم ومنشأها يمكن أن تكون مادة جامدة قط. [11]

  1. دلا لات حضور اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) في ألفاظ الشهادة:

اعتبر الأستاذ كلّ كلمة في الشهادة الثانية" أشهد أنّ محمدا رسول الله" تومئ إلى كثير من القضايا المهمّة إيمانيا من زاوية وظيفية صرف.

  • برهان صادق حق من البراهين الحقّة للنبوة المحمدية.
  • تشير إلى وظيفة من وظائف النبوة، وتعبّر عن مقام من مقامات[12] النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام.
  • تشير إلى أهمية النبي عليه الصلاة والسلام في الكون، إذ يمثّل نورا كلّيا للكون في جوانبه المادية والمعنوية، لأنّه ما خرّب البشر أنفسهم وما حولهم إلاّ حين فارقوا نور الرسالة المحمدية، لهذا حقّ للعالم أن يعبّر عن فرحته بوجود النبي الخاتم،[13] لأنه مصدر باعث على الخيرية في الكون إنشاءً وبذلاً.

ثانيا: الأبعاد الوظيفية لأهمية بحث مقصد النبوة.

يمثل مقصد النبوة ركنا مندمجا في التوحيد ومرتبطا به ارتباطا عضويا، يستغرق كلّ مجالات الحياة، كما أنّ هذا المقصد مرتبط بأبعاد وظيفية ظاهرة في النظر والتدبير المتعلّقين بسير الحياة، ويمكن أن نستخلص من مقصد النبوة الأبعاد الوظيفية الآتية:

  1. البعد الإنساني في النبوة:

رأس المقاصد التي يتوخى مقصد النبوة التأكيد عليه هو الإنسان، لهذا جعلته النبوة عُمْدة المخاطبين بما جاءت به، لهذا غطى مقصد مقصد النبوة جملة أبعاد الإنسان الإيمانية والنفسية والاجتماعية والمعرفية والمنهجية، و...صيغت خطاباتها مع استعداداته ومكوّناته وحاجاته، كما يظهر ذلك من أدلتها، وحاجاجها، وما طلبت من الإنسان تجسيده، كما تجلى في مضمونها عنصر التكامل الذي يستغرق جميع ميادين استعدادات الإنسان وحاجاته.

  1.  الأهمية الإيمانية:

يمثل مقصد النبوة مصدر الإيمان الباعث على الفعالية المتجلية في وعي الأفراد والمجتمعات، إيمان قطعي بمخرجات عملية، يدبر المؤمن بموجب هذه الفعالية الإيمانية كلّ تصرفاته ومواقفه في شعاب الحياة.

  •  يوضح الإيمان بالنبوة طريق العروج إلى الآخرة:

تحدد النبوة مسالك الترقي في سلّم المعار ف النورانية، وترسم خطط نيلها وسبل الترقي فيها، فهي مجلّية طريق العروج للآخرة، لهذا يعتني بها كلّ من جعل العروج مقصدا في حياته، له بها عناية تعلّما وتبليغا وحماية في القلوب وفي شعاب الحياة.

  • إصلاح الدنيا وتعميرها:

 معرفة النبوة ليست معرفة جافة تحشى بها الرؤوس ويتباهى بها في المجالس، بل هي معرفة إذا سكنت سويداء القلب وتحققت بها العقول حفّزت ببواعثها الباطنية والعقلية على تدبير الحياة بما يرضي الله بحسب ما جاءت به النبوة نفسها من قيم الخير، كما تبعث على التضحيات الجسام وتحمّل الأذى خدمة للخلق مرضاة للحق[14]

  1. الأهمية النفسية:

جعل الإنسان الاقتداء بالنبي هدفا في الحياة، يوجد فيه دافعا نفسيا قويا للاستزادة مما يجلب رضا الرحمن، ذلك أنّ " التعريف بحسب الغاية أولى، إذ العلم بالغاية يزيد شوق المحصّل، وكما قال المناطقة إنّ التعلّق بعلم المنطق وهو من علوم الآلة متوقّف على تعريفه بحسب الغاية[15]، وهوبدوره متوقّف على معرفة وجه كونه آلة، وهذا متوقّف على الحاجة إليه، فجهة الحاجة تدفع إلى تحصيله، أي أنّ تعلّق الناسبعلم من علوم الآلة مترتّبعلى معرفة وجه آليته ووجه الحاجة إليه، فالجواب عن المقصد من تلك الآلةيحبّبنا في الآلة (المقصد) نفسها، لهذا كان اكتشافه دافعا نفسيالتحصيل ما ينال به المقصد نفسه.

لهذا كان العلم بمقصد النبوة حافزا نفسيا قويّا لدفع العامل بمقتضاها إلى الاستزادة من الخير ودفع الشر وحفظ المناعة الإيمانية بتجلياتها الاجتماعية، كما أنّ الارتباط بالمقاصد التافهة يأسر المتعلّق بها، فيقع جرّاء التعلّق بها على أمّ رأسه، فيتحوّل من رجل عزيز مكرّم إلى ذليل حقير، بسبب فقد المناعة الإيمانية، فيتحوّل إلى خطر يمشي على الأرض، يشهد لهذا المعنى تحذير الأستاذ النورسي من جعل الدنيا غاية من معرفة المقصد، إنّك إن فعلت ذلك ورضيت به، فسوف تكون في حكم أصغر عصفور.[16]

قال الأستاذ:" ثبت بالتجربة أنّ أفضل منقذ من ظلم هذا العصر المريض الغادر المشئوم ومن ظلماته الدامسة، هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة"[17]، ولاشكّ أنّ مربط الفرس في كلّ ذلك مقصد النبوة.

  1.  التشجيع على العمل والبذل خدمة للناس:

يحفّز مقصد النبوة مدركها عقلا المتحقق بها قلبا على البذل المستمر بالاستعداد للرحلة المقررة على كلّ إنسان، مصداقا لقوله تعالى في سور الرحمن ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الآية:26-27)  ، ومن كان هذا شأنه استعد قلبيا ونفسيا وعمليا للبذل من غير انتظار عوض من غير الله سبحانه وتعالى، من هنا  كانت معرفة النبوة الحقة جالبة لجملة من النتائج الإصلاحية النظرية والعملية، منها:

  • إيجاد دافع التضحية:

يندفع الإنسان العارف بمقام النبوة ومضامينها إلى التضحية في مباشرة التعامل مع الدنيا ومشاكلها في كنف نظرة تهيمن عليها العناية بالمقاصد السامية، فالمؤمن بالنبوة العامل بمقتضى ما جاءت به من أحكام، إذا اشتد به المرض وضايقته أنواع الظلم وألوان الغربة، لاح بين ناظريه ما بشّرت به النبوة بأنّه مرشّح لحياة أخرى أبدية، وأنّه مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة، ففي هذه الأثناء يترك كلّ شيء تقطر منه الحسرة ويجعله يتأوّه ويتأفّف، وأبدله بكل ما يبشّر بالخير والفرح ويجعله في حمد دائم، ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلاّ بقدرة غير محدودة للقدير المطلق، وهو عين ما جاءت به النبوة تكليفا من الحق سبحانه وتعالى.

 

  • البذل المتوافق مع استعدادات الإنسان:

قررت النبوة التكاليف بما ينسجم واستعدادات الإنسان وحاجاته الفطرية، فالفطرة ليست مصادمة للفطرة لأنّها من خالق الفطرة نفسها، لهذا أيّدت النبوة إشعاب الحاجات الغريزية بما يحفظ النسل، فوضعت الحكمة الإلهيةميلا وشوقا في الإنسان لإدامة النسل، ووضع أجرة لأداء هذه الوظيفة الفطرية، وهي اللذة، فالرجل ربّما يتحمّل مشاق ساعة لأجل هذه اللذة التي لا تدوم عشر دقائق – إن كانت مشروعة- بينما المرأةتحمل في بطنها الطفل حوالي عشرة أشهر، مقابل هذه المتعة التي تدوم عشر دقائق، فضلاعمّا تتحمل من مشقات طوال عشر سنوات من أجل طفلها، بمعنى أنّ تلك اللذة التي عشر دقائق تزيل أهمية ذلك الميل الفطري، حيث تسوق إلى هذه المصاعب الكثيرة والمتاعب المستمرة.[18]

  • النبوة وتحمّل تبعات السير في مسلك الإيمان:

التمسّك بمسلك النبوة في التعامل مع الحياة، يسعف المتحقق بها بقوّة داخلية تدفعه إلى تحمّل تبعات السير باكتشاف جزء من حكمة الله في خلق الإنسان التي هي نقطة رئيسة من بحر المقاصد، إذ أنّ كلّ إنسان في كلّ زمان ومكان، له نصيبه من المصائب الجارية إما قلبا أو روحا أو عقلا أو بدنا، ويعاني من العذاب والرهق ما يعاني، ولاسيّما أهل الضلالة والغافلين حيث إنّهم غافلون عن النبوة الرحمة المهداة من الله سبحانه وتعالى، تلك الرحمة الشاملة والمتكاملة، من هنا كان المائل عن النبوة قد سلب من نفسه الإشفاق والرثاء لحاله، حسب قاعدة"الراضي بالضرر لا ينظر له" أي من يرضى لنفسه الضرر لا يستحق النظر إليه برحمة، فلا يُرْثى له ولايشفق عليه، فهو الذي تسبّب في نزول البلاء به.[19]

النظر إلى الحياة والكون في إطار مقصد النبوة يسهم في الكشف عن الحكمة الإلهية الجزئية المتجلية في عالم الأشخاص والأشياء، فترى تلك الحقائق في كلّ حادثة وفي كلّ شيء، وبذلك يرى في كلّ شيء كمال الحكمة الإلهية، وجمال عدالتها، وبها يستعين على مجابهة مصائب الحياة، إنّ التسليم للنبوة يعني التسليم التام لأمر الله، فيبدي الرضا به، ولا يقدّم شفقته على الرحمة الإلهية كي يقاسي العذاب والألم.[20]

د- النبوة إرشاد إلى باب الله:

يضرب الأستاذ أروع الأمثلة لتحقيق النبوة التعريف بباب الله سبحانه وتعالى، فيذكر بأسلوب تربوي لافت للانتباه، قائلا:" انظر أيها الإنسان المعاند إلى ما أظهره السلطان من معجزات متنوعة في سائر الأماكن، فما رأيته هنا في المعرض، أو في الميدان، أو في القصر، من الأمور العجيبة له نماذج في كلّ مكان، إلاّ أنّه يختلف من حيث الشكل والتركيب، أيّها المعاند أنعم النظر في هذا، لترى مدى ظهور انتظام الحكمة، ومبلغ وضوح إشارات العناية، ومقدار بروز أمارات العدالة، ودرجة ظهور ثمرات الرحمة الواسعة، في تلك القصور المتبدّلة، وفي تلك الميادين الفانية، وفي تلك المعارض الزائلة، فمن لم يفقد بصيرته يفهم يقينا أنّ لن يكون – بل لا يمكن تصوره- حكمة أكمل من حكمة ذلك السلطان ولا عناية أجمل من عنايته، ولا رحمة أشمل من رحمته، ولا عدالة أجلّ من عدالته،...إنكار ذلك حماقة فاضحة، كحماقة من يرى ضوء الشمس وينكر الشمس نفسها في رابعة النهار، ويلزم أيضا القول بأنّ القائم بما نراه من إجراءات تتّسم بالحكمة وأفعال ذات غايات كريمة وحسنات ملؤها الرحمة إنّما يلهو ويعبث ويغدر- حاشاه ثم حاشاه- وما هذا إلاّ قلب الحقائق إلى أضدادها، وهو المحال باتفاق جميع ذوي العقول غير السوفسطائي الأبله الذي ينكر وجود الأشياء، حتى وجود نفسه.[21]

هـ- النبوة ودفع الغفلة العامة:

تدفع النبوة الغفلة العامة بما تحدثه بإذن الله في نفوس وعقول وقلوب المتحققين بها، ذلك أنّها تدفع إلى العمل بمقتضى ما تضمنته من أبعاد فردية واجتماعية، وتعد هذه الأبعاد التجلي الأكبر للالتزام بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم، والنبوة  بما اشتملت عليه من أبعاد وظيفية بمضمون اجتماعي إنساني، تجلّت فيها حكم لا حصر لها، حكم نحن بحاجة إليها في دفع الغفلة العامة، دفع يستوعب جملة مكوّنات الإنسان واستعداداته، فترى الأستاذ في مقام التذكير يخاطب القلب والعقل والروح ولا يغفل عن متطلبات البدن، منها تأكيده على الموازنة بين الأهلية والوحشية كي ترى بعض الحكم الظاهرة الباهرة[22] التي جاءت بها النبوة الخاتمة.

و- النبوة وصناعة الوعي:

لا يختلف منصفان في أنّ النبوة من أهم مصادر صناعة الوعي الذي يترقى به الإنسان في أناسته وإنسانيته، ذلك أنّها مصدر وعي الإنسان بوظيفته ووعيه بالكون، ولهذا كلّف الله الإنسان وفق نصوص المتلقات بالطريق النبوي بالنظر في الآفاق (الكون) والأنفس (الإنسان)، وجعل حججه ظاهرة قاهرة متجلية فيما لا حصر له من مجالات الكون الفسيح، لهذا وجّهه إلى النظر فيه، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣)، فيعرف الإنسان بطريق النبي الخاتم (عليه الصلاة والسلام) ماهيته التي حدّدها له خالقه، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾      (البقرة: ٣٠)

فيكون مقصد النبوة معّرفا بحقيقة الإنسان ومذكّرا بها حال فقدها، وهو بهذا شاحذا للهمم ومنشّطا للعزائم، فيكتشف الإنسان قيمته بنسبة ماهيته،... وماهيته بدرجة همّته، وهمّته بمقدار أهمية المقصد الذي يشغله أو يشتغل به[23]، وبقدر علوّ المقصد تتعالى همّة الإنسان وتتوسّع أبعاد وظيفته.

   إنّ الذي استرد مهمّته المبيّنة من قبل النبي (صلى الله عليه وسلّم) تسكن كيانه قيمة الاقتداء بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وسلّم) ويكون مثالا مشخّصا لا للأمة بحسب بل للإنسانية جميعا، فتتسامى أخلاقه وتنتهي به همّة الاقتداء إلى أخلاق تمشي على الأرض من أهم مخرجاتها مواقف اجتماعية تنبجس منها خدمة الخلق، فيتحوّل الإنسان الصغير الهزيل بفعل التحقق بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلّم - المتقلّب في العجز المطلق- بكرم الله إلى خليل مخاطب وهبه الله مقاما ساميا بين مخلوقاته.[24]

  1.  أهمية النبوة في تنبيه المخاطب:

تخاطب النبوة قلب الإنسان وعقله، وتجعل من الكون المنظور ميدانا مهما للتذكير، ذلك أنّ الإنسان إنْ نظر إلى الكون في كنف مقصد النبوة نبّهه المقصد إلى الشواهد الجزئية المبثوثة في الكون نفسه (الكتاب المنظور) بطريقة حكيمة، تؤيّدها الشواهد الكلية والجزئية المبثوثة في القرآن الكريم (الكتاب المسطور)، قال الأستاذ: "فهذه الخواتيم القرآنية التي تُمْهَرُ بها الآيات مع تأييدها لآياتها، ترفع رأس المخاطب من الجزئي المشتّت إلى الكلي البسيط الواضح، ومن الجزء المفصّل إلى الكلّ المجمل، وتوجّه نظره إلى المقصد الأعلى"[25]

  • التخلٌق بالأخلاق النبوية

تمنح النبوة المتعلّق بأوامرها ونواهيها وتوجيهاتها السعي إلى جعل الغاية الإنسانية الوظيفة الأساسية للبشرية، فتتعلّق الهمم بالتخلّق بالأخلاق النبوية لأنّها مصدر جعل الإنسانية أفقا للسير، و"التي تعني التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة – التي أمر بها الله سبحانه وتعالى- وأن يعلم الإنسان عجزه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقره فيلوذ برحمته تعالى، وينظر، ويشاهد فقره فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجاته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى[26]، ويتوكّل عليه حق التوكّل، التوكّل الذي يعني أخذ الأسباب، ذلك أنّ التوكّل في ترتيب المقدمات كسل، بينما تفويض الأمر إلى الله في ترتيب النتيجة توكّل يأمر به الشارع[27]

 

  • النبوة والتنبيه العلمي والمنهجي
  • النبوة والكشف عن أهمية الكتاب الكريم

لا يحتاج اكتشاف الصلة بين الكتاب والنبوة إلى كبير عناء، ذلك أنّ كلاّ منهما يخدم الآخر ويدل عليه، قال الأستاذ: "وجود ذلك المعلّم الأستاذ الذي نشاهده ونسمع خطابه، إذ لولاه لذهبت تلك المقاصد هباء منثورا، كالكتاب الذي يفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرّد أوراق لا معنى لها[28]، فالكتاب الخاتم الذي أرسل به النبي الخاتم عليه السلام يمثّل مصدرا معرفيا أساسيا في معرفة مقاصد الخالق في حق الخليقة من جهة، ووسائل تحقيق تلك المقاصد من جهة أخرى.

  • النبوة والتنبيه إلى البعد المنهجي:

ترمي النبوة إلى التأسيس للتربية المنهجية للمتحقق بها، حتى يغدو التفكير المنهجي من المتطلبات الأساسية لامتثال التوجيهات التي جاءت بها النبوة، ولهذا صرّحت رسائل النور أنّ وسيلة حقة (وإن كانت في باطل) غالبة على وسيلة باطلة (ولو كانت في حق).[29]

كما أنّه من التربية المنهجية أن يتعلّق الإنسان بالأسباب الموجبة لإيجاد نتائجها المرتبطة بها ارتباطا سننيا، فلا نرمي تحقيق الصعود بسلوك طريق النزول أو العكس، كما أنّنا لا نفتّش عن الفعالية بغير سبلها الموضوعية والسننية، الفعالية ترجع إلى التضحية والتضحية مصدر قوّتها القوة المعنوية التي توجبها، وبهذا الصدد يتساءل الأستاذ: "ما الحكمة من القوة المعنوية في تحمّل هذا المضحي، لأشدّ الظلم النمرودي من أعداء الوطن والدين المستترين، وفي عدم مواجهته القوة المادية بالرد المادي التخريبي؟ فها أنا أعلن لكم ولأهل الوجدان كلهم جميعا: إنّ القرآن الحكيم قد علّمه ذلك لأجل ألاّ يتضرر تسعون بريئا بسبب زنادقة ملحدين نسبتهم عشرة في المائة، ومن أجل المحافظة على الأمن والنظام في الداخل بقوّته كلّها، ومن أجل نصب حارس في قلب كلّ إنسان بدروس النور، ولولا ذلك، لانتقمت في يوم واحد من أعدائي الذين ظلموني مدة ثمان وعشرين سنة، لهذا لا ترى الأستاذ مدافعا ضد من يهين عزّته وكرامته حفاظا على الأمن من أجل الأبرياء، وفي ذلك قال: "أنا مستعد للتضحية بحياتي الدنيوية من أجل ملّة الإسلام."[30]

  • النبوة وسننية التفكير:

النظر بعيني القلب والعقل في مقصد النبوة، يسعف المتأمّل في التأسيس للتفكير السنني، لحمة التفكير المنهجي، من ذلك التأكيد على التفكير المنهجي من خلال التأكيد على التحليل السنني في التعامل مع الظواهر بجميع اشكالها وأنواعها، سواء تعلّق الأمر بالدين أو بالدنيا، ذلك أنّ الأنبياء لهم تسليم بمقاليد الأمور وفق سنن الله في الخلق، فيكون انقيادهم انقياد لقوانين الله الجارية في العالم.[31]

  • النبوة ورؤية أثر الحكمة:

نستشف من النبوة رؤية الحكمة المبثوثة في كلّ الكون، صغيره وكبيره، فترى الحكمة في الأفراد والجماعات وكل عناصر الكون المادية والمعنوية، قال الأستاذ: "انظر، كيف تنجز الأعمال هنا بحكمة فائقة وانتظام بديع، وتأمّل كيف ينظر إلى المعاملات بمنظار عدالة حقّة وميزان صائب"[32]

  • النبوة  تيسّر تفسير سير الحياة وتنظيم الكون:

النظر إلى الكون من زاوية مقصد النبوة ييسّر تفسير سير الكون، حتى أنّه يتجلى فيها أنّ المقصد الأعظم من مكونات الكون هو الإنسان، فهو المقصود الأظهر لخالق الموجودات، وهو مرآة الأنوار، لصانع المخلوقات، قال الأستاذ: "الإنسان الأصغر في هذه الكائنات هو المدار الأظهر للنشر والمحشر في هذه الموجودات"[33]

ثالثا: دفع مفسدات فعالية التوحيد:

بيّن مما سلف تقريره أنّ للنبوة أهمية عظيمة بالنسبة لحياة الإنسان السوي، ذلك أنّها مصدر وحيد للكشف عن قيمة الإنسان، وطريق جلب سعادته وعنصر قوته المعنوية والمادية، وهي نفسها من أهم مجليات حكمة وظيفة الإنسان، فتساعده على التعرّف على حكمة وجوده، وتعلّمه دفع مفسدات فعالية التوحيد في الحياة.

لا يستفيد المرء من معرفة المقاصد الحقّة من الخليقة ما لم يتحرّر عقلا وقلبا من مجموعة من المكدّرات المعنوية والمادية، المعرفة المجملة أو التفصيلية للمقاصد وإن كانت نافعة فيدفع المنغّصات من قلوب وعقول المكلّفين، إلاّ أنّ الاستفادة العظيمة منها تفرض تحررا دائمالمدركها من الوقوع تحت طائلة موانع الاستفادة من إدراك تلك المقاصد الشرعية، وبهذا الصدد ذكر الأستاذ مجموعة لا يستهان بها من صوارف البال عن التعلّق بالمعالي وموانع القراءة الموضوعية والإيجابيةللكون والحياة، ولو أطلق الباحث لنفسه عنان بحثها واستقصائها لما وسعته المجلّدات الطوال، لهذا سنقتصر في هذه العجالة على بعضها.

  1. النظر إلى الكون من زاوية الشرك:

يبطل الانتفاع بمقصد النبوة إذا نظر إلى الكون من زاوية الشرك، ذلك أنّالتدخّل العشوائي للشرك في أي موجود من الموجودات-مهما كان جزئيا- وفي أي كائن حي-مهما كان بسيطا أو صغيرا- يفسد تلك الغايات، ويبطل تلك المقاصد، ويصرف الأذهان عن تلك الغايات، وعمّن أرادها وقصدها، إلى الأسباب، وهذا ما يخالف ماهية الربوبية المطلقة تماما ويعاديها، فلا بد إذًا أن تمنع هذه الربوبية الواحدة المطلقة الشرك وصورته بأي شكل من الأشكال، فإرشادات القرآن الكريم الغزيرة المستمرة إلى التوحيد، وإلى التقديس والتنزيه والتسبيح، في آياته الكريمة، وفي كلماته، وحتى حروفه وهيئاته، نابعة من هذا السر الأعظم.[34]

تخيّل أنّه قيل للأرض التي هي جندي في جيش السماوات، قفي لا تتدخلي في أمر التناغم المحدد للوظيفة الجزئية في الإطار الكلي الشامل للمنظومة الفلكية، وأحيل استحصال نتيجة الانتظام وذلك الوضع إلى السماوات نفسها، وسُلكت طريق الكثرة والشرك بدل الوحدة، يلزم عندئذ أن تقطع ملايين النجوم كلّ منها أكبر بألوف المرات من الكرة الأرضية، أن تقطع كل يوم وكلّ سنة مسافة مليارات السنين في أربع وعشرين ساعة.[35]

لا يبعد الكفر والمعصية عن أثر الشرك بسبب بعدهما عن المقاصد المعنوية والمادية الخاصة والعامة، إنّ الكفر والمعصية نوع من العدم والتخريب، فيمكن أن يحرّكهما الجزء الاختياري بأمر اعتباري، فيسببان نتائج مرعبة، لأنّ الكفر وإن كان سيئة واحدة، إلاّ أنّه تحقير لجميع الكائنات بوصمها بالتفاهة والعبثية، وتكذيب لجميع الموجودات الدالة على الوحدانية، وتزييف لجميع تجلّيات الأسماء الحسنى، فإنّ تهديده سبحانه وتعالى وشكواه باسم الكائنات قاطبة، وتهديدات مريعة هو عين الحكمة وأنّ تعذيبه بعذاب خالد هو عين العدالة.[36]

إنّ الكفر والضلالة تجاوز شنيع وتعدّ رهيب، وجريمة تتعلّق بجميع الموجودات، ذلك لأنّ أهل الكفر والضلالة يرفضون الغاية السامية لخلق الكائنات التي نتيجتها العظمى عبودية الإنسان وتوجّهه بالإيمان والطاعة والانقياد للربوبية الإلهية، فإنكارهم هذه النتيجة العظمى للكون-التي هي العلّة الغائية وسبب بقاء الموجودات- نوعٌ من تعد على حقوق جميع المخلوقات.[37]

  1. حصر الهمّة في الاستفادة الشخصية:

تستحيل الاستفادة الاجتماعية من معرفة مقصد النبوة إذا فَنيَ المستفيد في جهة استفادته وحصر ذهنه في طريقها، ونسي ما عداها وينظر في كلّ شيء من خلال نفسه ويحصر المقاصد فيما يتعلّق بها، فإذا لا مجازفة في الكلام الموجّهإلى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: إنّ زحل الذي أبدعه خالقه لآلاف الحكم، وفي كلّ حكمة آلاف الجهات، وفي كلّ جهة آلاف المستفيدين من العلّة الغائية من وجوده، لا يمكن حصر علّته الغائية في الشخصالمشار إليه[38].

وبناء على ما سلف كان الإنسان من أظلم الخلق، فانظر ما أشدّه ظلما! فلشدّة حبّه لنفسه لا يعطي الأشياء قيمة إلاّ بمقدار خدمتها له، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها له، ويظن العلّة الغائية في الحياة هي عين الحياة، متغافلا في ذلك عن مبادئ رئيسة مؤداها أنّ للخالق في كلّ حيّ حِكَما تدق عن العقول.[39]

  1. التعلّق بالدنيا ومفاتنها:

الذهول عن مقصد النبوة يجعل المرء متعلّقا بالدنيا ومفاتنها، والمبتلى بحب الدنيا يحسب أنّ العلّة الغائية في الحياة وبقائها هي الحياة نفسها، وأنّ كلّ ما أبدعته القدرة الإلهية الأزلية في جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الأجهزة العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنّما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعة الزوال، ولأجل البقاء، كلا ثمّ كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من كتاب الحياة، لصار أظهروأبهرُ وأنورُ دلائل الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات الكائنات، وأعجبَ أغربَ وأنْسَبَ مثال العبثية والإسراف، وعدم الانتظام وعدم الحكمة، كمثل شجر –كحبل- ليس بها إلاّ ثمرة فردة كخردلة، بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجة مالكية الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها، ثم سائر الثمرات والغايات راجعة إلى المُحْيي جلّ جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوان وأنواع جلوات رحمته في جنّته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور الحياة الدنيوية.[40]

يولّد التعلّق بالدنيا تبديل الغاية من الوجود، فتصبح كالغاية المشهورة بين أهل الغفلة التي تتلخّص في جهة استفادة فاقد الغاية الحقيقية من الدنيا نفسها، والتي لا تعدو الأكل والشرب، فيكون بذاك أذلّ وأحقر وأصغر من غاية تامّة لخلقة الشيء، بل هي وسيلة إحدى غاياته.[41]

  1. الإغراب في الأسلوب والمضامين:

تلحق الغرابة الأسلوب ضررا عظيما بفهم مقصد النبوة وغاياته النبيلة، فتكون سببا في عزوف الناس عن النظر إلى مقصد النبوة نفسه، ولا يشفع لها سلامة النيات وصحة الغايات، ذلك أنّ" الانشغال بذلك المسلك الذي يفتح مغاليق تلك الأسرار الغيبية يلحق الضرر بالعمل لأسس الإسلام، لهذا كان العمل في مسلك الوضوح أهم من ذلك المسلك وأثمن منه وأقوم، وهو محور الحاجة العامة ويَسُد الحاجة الماسة للجميع بالعمل لأسس الإسلام وهو خدمة خزينة الحقائق الإيمانية والاستفادة منها، من هذا المنطلق وُجّهنا إلى سلوك هذا الطريق، لأنّ الانشغال بذلك المسلك يجعل المرء يدع أعظم المقاصد وأجلّها- وهي الحقائق الإيمانية- في درجة تالية.[42]

  1. الصراع المستهلك للطاقات المهدر للأوقات:

الاختلاف في الالتزام بمقتضى مقصد النبوة كان وسيبقى سببا في شرارة الفتن، ذلك أنّك لا تجد بين المتصارعين اتّفاقا في مقصد النبوة بوصفها دافعا وغاية وأنموذجا في التصرفات والتدبير، ولو دقّقت النظر لوجدت المتصارعين صرعى ذواتهم عبّادا لها، مما يفضي إلى انشقاقات غير قابلة للالتئام، وخير شاهد على ذلك وضع أمتنا والعالم[43]، فحاضرالعالم دليل ناطق على هيمنة الصراع وغلبته على حساب التوافق المغيّب الأعظم بسبب تضييع الانتساب إلى النبوة في شعاب الحياة، لأن الانتماء إلى مسلك النبوة يثمر خدمة اجتماعية للخلق جميعا،ذلك أنّ رأس الأبعاد الوظيفية لمسلك النبوة أن يكون المرء بذّالا للخير لكلّ الناس، يبذلها لأهله صلة للرحم الإيمانية، ويبذلها لغيرهم تحبيبا لدين الله إلى أنفس المخالفين في الملّة، لعلّه يسعفهم باسترداد فطرتهم التي فطرهم الله عليها.

  1. التأهّل لنيل العقوبة الدنيوية والأخروية:

يقع الإنسان جرّاء عدم انسجامه مع مقصد النبوة تحت طائلة استحقاق العقوبة المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، لأنّ العاصي لمقام النبوة يستحق بلا ريب التهديد الرهيب كما يستحق أنواعا من الوعيد المرعب[44]، بسبب عدم التناغم مع مقصد النبوة وأبعاده الوظيفية في بعديها المادي والمعنوي، حتى تغدو المظالم التي يقترفها الإنسان عند خرقه غاية وجوده المبيّنة في مقصد النبوة سببا في الغضب الإلهي والسخط الرباني، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجج غضبها على مقترفيها.[45]

  1. التحوّل السلبي:

العقل عضو وآلة، إنْ لم تبعه-يا أخي – كما أكّده مقصد النبوة لله ولم تستعمله في سبيله، وجعلته في سبيل الهوى والنفس، فإنّه يتحوّل إلى عضو مشؤوم مزعج وعاجز، إذ يحمّلك آلام الماضي الحزينة وأهوال المستقبل المخيفة، فينحدر عندئذ إلى درك آلة ضارة مشؤومة، ألا ترى كيف يهرب المائل عن مقصد النبوة-المعروف بالفاسق-من واقع حياته وينغمس في اللهو أو السكر إنقاذا لنفسه من إزعاجات عقله؟ ولكن إذا بيع العقل لله، واستُعمل في سبيله ولأجله، فإنّه يكون مفتاحا رائعا بحيث يفتح ما لا يعد من خزائن الرحمة الإلهية، وكنوز الحكمة الربانية فأينما ينظر صاحبه وكيفما يفكّر يرى الحكمة الإلهية في كلّ شيء، وكلّ موجود، وكل حادثة، ويشاهد الرحمة الإلهية متجلية على الوجود كلّه، فيرقى العقل بالالتزام بمقصد النبوة إلى مرتبة مرشد رباني يهيّئ صاحبة للسعادة الخالدة.[46]

إنّ إهمال الإنسان لمقصد النبوة أو نسيانها في تدبير شؤونه الفردية والجماعية يوقعه فريسة الأنانية، فتتحوّل الأذهان إلى أنانيات الأفراد تحوم حولها[47] خادمة لها وخاضعة لنزواتها، وبذلك تكون مدمّرة لنفسها ولغيرها.

  1. إهمال التكليف:

جعل الشارع الحكيم مقصد النبوة متناغما مع معطيات الزمان والمكان وضرورات الظروف والحياة، وهذا يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ النبوة وضعت في أصلها منسجمة مع الأبعاد الوظيفية لوجود الناس على الأرض، منسجمة ومرتبطة بحقائق التكليف، ومقاصد التكليف الشرعي منسجمة مع استعدادات الإنسانوحاجاته،ومن ثمّ كانت الغفلة عن مقصد النبوة، غفلة عن التكليف وإهمالا له، وخضوعا للابتلاء الذي لا يسلم منه عاقل، فضلا عن كون الابتلاء من مقتضيات التكليفالمؤسس على الحرية- أساس التكليف-، ويرىالأستاذ أنّ سر الامتحان وحكمة التكليف يقتضيان معا فتح مجال الاختيار أمام العقل من دون سلب الإرادة منه، وبغيرها يفقد التكليف فائدته والغاية من الامتحان، ولتساوى الفحم الخسيس مع الألماس النفيس[48]، فالتسليم بمقصد النبوة المؤكّدة للعدل الإلهي يفرض القول بالحرية أساسا للتكليف، وهي عمدة القبول بفكرتي الحساب والعقاب كما نقله النبي صلى الله عليه وسلّم عن الله، وكما بيّنه هو نفسه.

 

الخاتمة:

بيّنت في البحث أهمية مقصد النبوة بالنسبة للإنسان، والأبعاد الوظيفية لمقصد النبوة، ثم عرّجت بناءً على الضرورات المنهجية على أهمية النبوة في دفع مفسدات فعالية التوحيد.

وخلص الباحث إلى أنّ لمقصد النبوة أهمية جليلة بالنسبة للإنسان، فمنه يكتشف الإنسان قيمته، ومسالك العبادة، وتسعفه النبوة في التأسيس لتفسير موضوعي لنظام الكون، ذلك أنّ النبوة جزء من نظام الكون، فكان الكون جملة من الأدلة على النبوة نفسها، وفضلا عن ذلك فالنبوة طريق جلب السعادة الدنيوية، ومصدر عنصر قوّة الإنسان المعنوية والمادية، ومن ثمّ كانت النبوة منبع اكتشاف حكمة الإنسان لوظيفته، فيتعرّف من خلالها على الحكمة، المتجلية في دلالات حضور اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) في ألفاظ الشهادة، وكلّ ما سبقت الإشارة إليه يؤكّد أنّ لمقصد النبوة أبعادا وظيفية تستغرق جملة مكوّنات الحياة وتغطي جملة ميادين شعاب الحياة، فلها بعد إنساني، يظهر في أهميته الإيمانية، وبيانه لطريق العروج إلى الآخرة، بما يضمن إصلاح الدنيا وتعميرها، والنبوة هي مبعث الفعالية في كلّ ذلك، وخاصة في البعد النفسي المشجّع على العمل والبذل خدمة للناس، وإيجاد دافع التضحية، المتوافق مع استعدادات الإنسان، فتدرّبه منخلال دراسة قصص الأنبياء السابقين على تحمّل تبعات السير في مسلك الإيمان، وتدفعه إلى استرداد وظيفة الإرشاد إلى باب الله، بالدفع الدائم للغفلة العامة، فيسهم في صناعة الوعي بالحياة وقيمتها، من خلال تنبيه المخاطب إلى ضرورة التخلٌق بالأخلاق النبوية، ومقتضياتها العلمية والمنهجية المتجلية في سننية  التفكير.

 والمتحقق بجملة المعاني المشار إليها، يدفع جملة من مفسدات فعالية التوحيد، فيرفض موضوعيا النظر إلى الكون من زاوية الشرك، ويستأصل حصر الهمّة في الاستفادة الشخصية، بتطعيم المسلم ضد داء التعلّق بالدنيا ومفاتنها، والإغراب في الأسلوب والمضامين، والتحرر من الصراع المستهلك للطاقات المهدر للأوقات، بما يجعله مصروف الذهن عن التحوّل السلبي وإهمال التكليف.

 

 

 

--------------------------------

[1] راجع المثنوي العربي النوري 230، إشارات الإعجاز 23

[2] صيقل الإسلام 504

[3] راجع الكلمات 282

[4] الكلمات 843

[5] راجع الشعاعات 652

[6] الكلمات 119

[7]  صيقل الإسلام 519

[8]  راجع صيقل الإسلام 540

[9]  صيقل الإسلام 158

[10] صيقل الإسلام 160

[11] راجع الكلمات 692

[12] راجع اللمعات 497

[13] راجع الكلمات 119،  الشعاعات 657

[14] راجع السيرة الذاتية 4

[15] راجع صيقل الإسلام 243

[16]  راجع الكلمات 20

[17] - سيرة ذاتية 309

[18] راجع الملاحق 341

[19] راجع الملاحق 341

[20] راجع الملاحق 153

[21] راجع الكلمات 57

[22] راجع المثنوي العربي 451

[23] راجع صيقل الإسلام 464

[24] راجع اللمعات 389

[25] المثنوي العربي 267

[26] الكلمات 642

[27] راجع اللمعات 870

[28] راجع الكلمات 132

[29] راجع اللمعات 871

[30] سيرة ذاتية 463

[31] راجع صيقل الإسلام 65

  [32]الكلمات 50 

[33] الكلمات 732

[34] راجع الشعاعات 194

[35] راجع المكتوبات 333

[36] راجع الكلمات 544

[37] راجع اللمعات 128

[38] راجع إشارات الإعجاز 224

[39] راجع المثنوي العربي 311

[40] راجع المثنوي العربي 193

[41] راجع المثنوي العربي 466

[42] راجع الملاحق 148

[43] راجع المكتوبات 348

[44]  راجع الكلمات 191

[45] راجع الكلمات 529، الشعاعات 306

[46] راجع الكلمات 23

[47] راجع اللمعات 851، المكتوبات 41

[48] راجع المكتوبات 118

 

 


49-) التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور

 

 

التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية

في رسائل النور

 

ملخص البحث

د. علي مصطفى[1]

يلاحظ دارس رسائل النور نزوع الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى فهم النصوص الشرعية كتابا وسنة فهما إيجابيا يتفق مع الأصول الشرعية والقواعد العقلية المرعية؛ مستبعدا الفهم السلبي المخالف لها والمؤدي إلى الشذوذ في الأفكار والمواقف في كثير من الأحيان، سواء في تأملاته الفكرية أو أجوبة أسئلة طلبة النور أو المرافعات القضائية أمام مختلف المحاكم التي مثل أمامها طيلة حياته.

ويندرج ضمن هذه الرؤية توجيه الأستاذ الأحاديث النبوية توجيها إيجابيا، ينتهي به إلى بيان المعنى الصحيح الذي ترشد إليه تلك الأحاديث، ناقدا الفهم السلبي الذي أدى إلى استشكال هذه الأحاديث أو الطعن فيها أو تأسيس فهم سلبي بناء عليها.

ومن الملاحظ أن الأستاذ يأبى أن يردّ الحديث ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حيث يفهم الحديث فهما إيجابيا متفقا مع الأصول الشرعية والعقلية مستبعدا الفهم المخالف لتلك الأصول، ويرفض نصب التعارض بين الحديث من جهة وبين القرآن وصريح العقل من جهة أخرى.

وبالرغم من أنّ هذا مسلك التعامل مع مختلف الحديث كان سائدا عند السابقين ومتداولا بينهم، فإنّ للأستاذ نظرات تجديدية تؤكّد تميّز تعامله معها  بفروق جدية في منهجية الفهم الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ بديع الزمان.

يحاول هذا البحث الوقوف على معالم التوجيه الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ وجوانب التجديد فيها ضمن ثلاثة مطالب هي:

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنّبوّة.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات.

الخاتمة: أبرزت فيها النتائج والتوصيات.

الكلمات المفتاحية: رسائل النور، بديع الزمان النورسي، مشكل الحديث، تأويل الحديث.

 

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء وبديع الزمان

تنبه العلماء مبكرا إلى أن بعض متون الأحاديث يُتَوَهَّم منها أحيانا معاني باطلة مخالفة للثابت من نصوص الشريعة أو صريح العقل أو الحس أو العلم؛ فاشتغلوا بتفسيرها والجواب عن الإستشكالات التي حولها، من أجل فهمها فهما صحيحا يتفق مع أصول الشريعة، ويستبعد المعنى الباطل الذي يتوهمه الناظر في المتن المشكل. وقد اهتم بديع الزمان بهذه المتون وأدلى بدلوه في توجيهها توجيها إيجابيا يتفق مع ثوابت الشرع وصريح العقل، وبهذا يكون بديع الزمان قد حذا حذو العلماء السابقين ونسج على منوالهم في اعتماد المعنى الإيجابي للحديث واستبعاد المعنى السلبي والفهم الشاذ المخالف للثابت والمستقر في الشرع والعقل.

يسجّل الباحث أن الأستاذ ومع موافقته تلك امتاز بعرض مباين لهم، ذلك أنّ قارئ رسائل النور يجد بديع الزمان قد سلك منهجا مغايرا لمنهج العلماء السابقين في توجيه الأحاديث النبوية، ويتضح هذا الاختلاف في ملمحين اثنين:

الملمح الأول: بين التفسير والتأويل

اشتغل العلماء السابقون في تفسير المتون المشكلة لكشف غموضها وفك تعارضها مع غيرها بإعمال النسخ والجمع والترجيح واعتمدوا المستويات الدلالية في اللغة كالعام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والحقيقة والمجاز إلخ، وقد تعددت مناهجهم واتجاهاتهم في كشف الغموض وفك التعارض بين الأحاديث تاركين لنا ثروة علمية قيّمة لازال أهل العلم ينهلون منها ويستعينون بها فيما يستجد من إشكالات.

لكن بديع الزمان اشتغل في تأويل النصوص المشكلة وفهمها فهما إشاريا معتمدا على ثقافته الشرعية وقدرته المميزة على استكناه المعاني واستدعائها، وإبراز العلاقات الخفية بينها.

صحيح أن المعنى الذي يقدمه ليس ظاهرا يدرك مباشرة وأنه يحتاج إلى طول تدبّر للوقوف عليه وإدراك العلاقة بينه وبين لفظ الحديث؛ إلا أنه معنى يتفق مع قواعد الشريعة من جهة والقواعد العقلية والحسية من جهة أخرى مع عدم المنافاة بينه وبين لفظ الحديث ومعناه الظاهر؛ مما يشعر القارئ بالمتعة العقلية واللذة الروحية عند مطالعة هذه المعاني العميقة.

وهذا التأويل الإشاري وإن كان منهجا مطروقا في تأويل القرآن إلا أنه غير مطروق من قبل حسب علمي في تأويل مشكل الحديث؛ فيكون الاعتماد على المعنى الإشاري في تأويل مشكل الحديث إضافة مميزة وتجديدا علميا يحسب لبديع الزمان في تطوير علم مشكل الحديث.

الملمح الثاني: بين نقد السند ونقد المتن

من المعلوم أن التأويل فرع القبول؛[2] أي أن العالم إذا اشتغل بتوجيه معنى الحديث فإن هذا يدل على صحته عنده؛ فقد ثبت عنده أنه صادر عن النبي r؛ ولذلك يشتغل بمعناه، وإلاّ فلا فائدة من الاشتغال بمعنى كلام لم يصدر عن المعصوم r ولا يجوز نصب التعارض أصلا بين كلام النبي r وكلام غيره؛ لأن كلام النبي r مقدم على كلام كل أحد.

لكن الناظر في كتب مختلف الحديث يلحظ أن العلماء يبحثون في معاني أحاديث ضعيفة ويحاولون حل التعارض بينها وبين ما صح من الحديث، ولعل هذا ناشئ من أمرين:

الأول: إن هذا الحديث مختلف في صحته بين العلماء، ولعل من يشتغل بتوجيه معناه يرى أنه صحيح، وما أكثر الأحاديث المختلف في صحتها.

الثاني: إنهم يشتغلون بتوجيه معناه تنزلا؛ أي على فرض صحته، وكثير من العلماء يتوسعون في هذا إتماما لبيان الحجة ومراعاة للخلاف في صحة الحديث.

إلا أنهم لا يشتغلون في توجيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف؛ لأنها ليست أحاديث نبوية لثبوت عدم صدورها عن النبي r، وإنما ألحقت بالأحاديث النبوية تجوزا؛ لأن الوضاعين والمتروكين ادعوا أنها أحاديث فبحث العلماء دعواهم هذه ضمن نقدهم لأحاديث سائر الرواة.

أما بديع الزمان فلم أره يشتغل بنقد الأسانيد ولا يحاول أن يضعّف الأحاديث أو يحكم بأنها موضوعة من مدخل الجرح والتعديل أو علل الأسانيد، وقد تكلم في هذا الأمر بوضوح قائلا: "ولما كانت الأنظار قد لفتت إلى هذا الحديث الشريف المتشابه دون مبرر -بل بما فيه ضرر- وأن هناك أحاديث أخرى متشابهة له بكثرة؛ يلزم بيان (حقيقة) دفعاً للشبهات وإزالة للأوهام.أقول: إن ذكر هذه (الحقيقة) ضروري بغض النظر عن ثبوت الحديث".[3]

يتضح من كلامه أنه يشتغل بتوضيح المعنى الصحيح واستبعاد المعنى المتوهم خطأ عن الحديث بغض النظر عن درجة صحته، مما يدل على أنه لا يلزم أن يكون قد حكم بصحة كل حديث تأوّله. وهذا يشبه ما يتأوّله العلماء السابقون على سبيل التنزّل كما سبق بيانه. وربما غلّط بعض رواة الحديث بسبب روايتهم ما يتعذّر تأويله من المتون المنكرة كما فعل في حديث الأرض على الثور والحوت حيث قال: وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لايتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول r".[4]

وفي الوقت نفسه فإنه لا يعيب على أهل الحديث مسلكهم في رد الأحاديث الضعيفة والموضوعة بسبب الإسناد، وإنما يرى أنه قد خفي عليهم المعنى الذي يشير إليه الحديث، وأن الأولى حسب رأيه قبول الحديث وتأويله إشاريا كما يفعل دائما.[5]

ولعل الذي ألجأ بديع الزمان إلى هذا المنهج أنه ألّف الرسائل بعيدا عن الكتب والمراجع التي تحوي الجرح والتعديل وعلل الأسانيد؛ فقد قضى حياته بين السجن والنفي في ظروف لا تسمح له بمراجعة الكتب،[6] ومع ذلك فقد أبدع في التأليف مما يدل على ثقافة  واسعة في علوم الشريعة كان قد حصلها في شبابه قبل المحنة. ولا شك أن التأليف بعيدا عن المكتبة يسبب قلة النقل عن الآخرين والاعتماد الكلي على الذاكرة والقدرة على الاستنتاج وتوليد الأفكار؛ لذلك جاءت رسائل النور مليئة بالأفكار والخواطر الإيمانية التي لا تجدها عند غيره لأنها نتاج علمه، وقل ما ينقل عن غيره،[7] وهذه المواضع المنقولة سردها للاستشهاد بها أو لنقدها غالبا.

وتتبدى حافظته الحديثية عند كلامه على المعجزات النبوية فقد سرد المئات من أحاديث المعجزات وقسمها تقسيما مبتكرا للاستدلال بها على صدق النبوة.[8] أما الكلام على علل الأسانيد والجرح والتعديل فهو ميدان آخر يحتاج إلى إمعان النظر في الكتب وكثرة المذاكرة مع الأقران وهو ما تعذر إمكانه في حق بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنبوة

تعرض بديع الزمان لعدد من الأحاديث النبوية المتعلقة بالألوهية والنبوة، ورد المعاني الباطلة المتوهمة من متونها، ثم أعمل فكره في استخراج معاني إشارية تتفق مع أصول الشريعة وقطعياتها، وفيما يلي وقفات مع نماذج من تلك الأحاديث.

أولا: حديث إن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن[9]

قال بديع الزمان: "لقد ورد في حديث شريف (إناللّٰه خلق آدمَ على صـورة الرحـمن)، أو كما قال r.فسَّرَ قسمٌ من أهل الطرق الصوفية هذا الحديث الشريف تفسيراً عجيباً لايليق بالعقائد الإيمانية، ولاينسجم معها.بل بلغ ببعضٍ من أهل العشق أن نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان نظرتهم إلى صورة الرحمن! ولما كان في أغلب أهل العشق حالة استغراقية ذاهلة والتباس في الأمور، فلربما يُعذَرون في تلقّياتهم المخالفة للحقيقة. إلاّ أن أهل الصحو، وأهل الوعي والرشاد يرفضون رفضاً باتاً تلك المعاني المنافية لأسس عقائد الإيمان، ولا يقبلونها قطعاً. ولو رضي بها أحدٌ فقد سقط في خطأ وجانَبَ الصواب."[10]

يتبين من كلام بديع الزمان أنه يرفض تفسير هذا الحديث تفسيرا يعتمد على تشبيه اللّٰه بخلقه رفضا قاطعا؛ لأن تنزيه اللّٰه تعالى عن مماثلة المخلوقات أصل قطعي من أصول العقائد الدينية في الإسلام دلّت عليه أدلة سمعية وعقلية كثيرة، ومن أظهرها قول اللّٰه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.الشورى:11

ثم يبيّن المقصود من الحديث وهو " أن الإنسان مخلوق على صورة تُظهر تجلّي اسم اللّٰه الرحمن إظهارا تاما"،[11] ثم يضرب مثالا لتقريب المعنى فيقول: "وفي الحديث الشريف إشارة كذلك إلى أن في الإنسان والأحياء من المظاهر الدالة على " الرحمن الرحيم" ما هو بمثابة مرايا عاكسة لتجلياته سبحانه، فدلالة الإنسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جلية، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالة المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. فكما يمكن أن يقال لتلك المرآة: إنها الشمس، إشارةً إلى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال -وقد قيل في الحديث- إن في الإنسان صورة الرحمن، إشارة إلى وضوح دلالته على اسم الرحمن وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به."[12]

إذن، فالمقصود من الحديث أن خلق الإنسان يدل على خالقه، وعظمة خلقه تدل على عظمة خالقه ومدبّره. وهذا المعنى الإشاري الذي استنبطه بديع الزمان من الحديث قد صرّح به القرآن في غير ما آية، فقد أمر اللّٰه تعالى الإنسان أن يتفكر في نفسه فيما حوله ليستدل على خالقه، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ و َفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾،الذاريات:20-21 إن القصد من الأمر بالتفكر في المخلوقات هو الاستدلال على وجود اللّٰه وعظمته وكماله ليترسخ الإيمان به وتعظيمه وتعظيم أمره ونهيه.

ثانيا: حديث لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن[13]

قال بديع الزمان: "وكذا حسبي من جعلني مظهرا جامعا لتجليات أسمائه، وأنعم عليّ بنعمة لا تسعها الكائنات بسر حديث (لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن)، يعني أن الماهية الإنسانية مظهر جامع لجميع تجليات الأسماء المتجلية في جميع الكائنات".[14]

من الواضح أن المعنى الحرفي للحديث غير مراد، وأن المقصود باتساع قلب المؤمن باللّٰه أن هذا القلب قد امتلأ إيمانا باللّٰه ومحبة وخشية، فصارت حركاته وسكناته ناطقة بعظمة اللّٰه وكماله، واستحالت دليلا من دلائل وجوده وتوحيده وجلاله.

ويذهب بديع الزمان إلى أن امتلاء القلب باللّٰه بهذا المعنى سر كمال سعادة الحياة، فقال: "أما كمال سعادة حياتك فهو الشعور بما يتجلى من أنوار التجليات الإلهية في مرآة حياتك وحبها وإظهار الشوق إليها وأنت مالك للشعور ثم الفناء في محبتها ترسيخ تلك الأنوار المنعكسة وتمكينها في بؤبؤ عين قلبك. ولأجل هذا قيل... هذا المعنى للحديث القدسي الذي رفعك لأعلى عليين."[15]

ولعلّ أعلى عليين الذي يقصده بديع الزمان ما عبّر عنه الحديث الشريف من وصف حال من أحبه اللّٰه، فقد قال رسول اللّٰهr: "وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه".[16]

ثالثا: حديث لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك[17]

من المعلوم أن الدلالة على اللّٰه وعبادته وتوحيده هي غاية الخلق، قال اللّٰه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾،الذاريات، 56 وقد سخر اللّٰه كل ما في السماوات والأرض للإنسان كي يقوم بهذه المهمة العظيمة، مهمة عمارة الأرض بعبادة اللّٰه وتعظيمه، قال اللّٰه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ.﴾الجاثية:13

فغاية الخلق إذن ليست شخص النبي محمد r، هذا ما يدلّ عليه القرآن صراحة في آيات كثيرة، ولكن بديع الزمان أورده عدة مرات[18] مستشهدا به ومستخرجا منه معنى إشاريا بديعا يتفق مع القرآن في تقرير غاية الخلق، ويستبعد المعنى الحرفي الظاهري الباطل المخالف للثابت في الشرع.

صحيح أن بديع الزمان يقرر أن غاية خلق الكون هي محمد r حيث يقول: "إن ذلك النبي الكريم r هو علة الكون الغائية، أي أنّه موضع نظر خالق الكون، نظر إليه وخلق الكون، ويصح القول أنه لو لم يكن قد أوجده ما كان يوجد الكون".[19] ثم يقرر أن هذا المعنى مستمد من الحديث المذكور فيقول: "إن محمداً rالذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين، وسرمدية ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربّه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو أستاذ البشرية الأكبر، ونبيها الأعظم r، وفخر العالم، القمين بخطاب (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك)وكما أن حقيقته -أي الحقيقة المحمدية- هي سببُ خلق العالم، ونتيجتُه وأكملُ ثمراته. كذلك تتحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة، إذ تصبح مرايا باقية للجميل الجليل السرمدي تعكس تجليات صفاته الجليلة، وآثاره القيّمة الموظفة لدى أفعاله الحكيمة جلّ جلالُه، ورسائله البليغة المرسلة من الملأ الأعلى، وتغدو حاملة لعالم باق، منتجة دار سعادة خالدة ودار آخرة أبدية يشتاق إليها ذوو الشعور كلهم.. وأمثالها من الحقائق التي تتحقق بالحقيقة المحمدية والرسالة الأحمدية".[20]

يتضح من كلام الأستاذ أن المقصود بعلة الكون الغائية ليس شخص النبي r على الرغم من شرف شخصه الكريم، وإنما المقصود رسالته ودعوته إلى توحيد اللّٰه وعبادته، إذ أن رسالة الإسلام هي التي عرفت المخلوقات بخالقها ودلّتهم على عبادته وتوحيده، فلولا الرسالة لما كان للكون فائدة، ولولا الرسول لما كانت الرسالة. وبهذا المعنى الدقيق يتفق الحديث مع القرآن في تقرير العلة الغائية من خلق الكون.

ويزيد بديع الزمان هذا المعنى وضوحا بقوله: "واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمزَ فخرهم واعتزازهم، ألا وهو محمد r. فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية، طوال قرون عدة، حتى كأن الكائنات قد خُلقت لأجله، لبروز غاياتها جميعاً به، وظهورها بالدين الـذي بُعث به، وانجلائها بالقرآن الـذي اُنزل عليه".[21]

بعد تأمل كلام الأستاذ يتبين أنه أوّل الحديث تأويلا سائغا ووجّه الحديث توجيها يتفق مع القرآن في بيان الغاية من خلق الكون.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات

هناك بعض الأحاديث المتعلقة بخلق الملائكة والأرض يُتَوَهَّم معنى غريبا أو باطلا يتعارض مع الشرع والعقل، بعضها صحيح من حيث الإسناد وبعضها ضعيف أو شديد الضعف، وقد تأولها بديع الزمان تأويلا إشاريا لطيفا يتفق مع الشرع ولا يخالف العقل.

أولا: حديث إن للّٰه ملائكة لها أربعون أو أربعون ألف رأس، في كل رأس أربعون ألف فم، وفي كل فم أربعون ألف لسان يسبح أربعين ألف تسبيحة[22]

إن غرابة هذه الهيئة مع عدم وجود هذا الحديث في كتب الحديث وافتقاره إلى الإسناد يدفع أهل العلم إلى الحكم بوضعه وعدم الاشتغال بروايته أو تأويله، لكن الأستاذ ذكره عدة مرات[23] بألفاظ متقاربه وتأوله تأولا يدفع عنه الغرابة، ويجعله موافقا للعقل.

قال الأستاذ: "لما كانت الكرة الأرضية تسبح للّٰه بعدد رؤوس الأنواع الموجودة فيها؛ من حيوان ونبات وجماد وبعدد ألسنة أفراد تلك الأنواع وبمقدار أعضاء تلك الأفراد وبعدد أوراقها وثمارها، فإنّ تقديم هذه العبودية الفطرية غير الشعورية العظيمة جدا وتمثيلها وعرضها بعلم وشعور على الحضرة الإلهية المقدّسة يتطلّب حتما ملكا موكلا له أربعون ألف رأس وفي كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بكل لسان أربعين ألف تسبيحة، مثلما أخبر المخبر الصادق بهذه الحقيقة نفسها".[24]

يريد الأستاذ أن يقول لنا أن لا غرابة في هيئة الملك هذه؛ لأن مخلوقات اللّٰه الكثيرة والمتشعبة يسبح كل جزء منها ربه، فعادي أن يوكل بكل هذه المخلوقات ملائكة تماثلها في الضخامة كي تعرض هذه التسبيحات الكثيرة على اللّٰه تعالى.

ويستدل الأستاذ بهذه الهيئة الضخمة للملك الموكل بأعمال الإنسان أن الملك يحصي تسبيحات الإنسان بدقة متناهية فلا يفوته إحصاؤها على الرغم من الأصوات والخلجات التي لا تحد الصادرة عن الإنسان.[25] وكما أنه دقيق ومنتظم في إحصاء عبادات الإنسان فإن عبادته الخاصة أيضا في غاية الانتظام والكمال والسعة والكلية.[26]

ولا يُفَوِّت الأستاذ الفرصة بضرب الأمثلة التقريبية كما هو أسلوبه المفضل لتوضيح المعنى وتقريبه، فقال: "هناك بعض الموجودات الجسمانية الضخمة تُنجز وظائفَ عبوديتها بأربعين ألف رأس وبأربعين ألف نمط وشكل. فالسماءُ مثلا تسبّح بالشموس والنجوم، والأرضُ أيضا مع أنها واحدة من المخلوقات، فإنها تقوم بوظائف عبوديتها وتسبيحاتها لربّها بمائةِ ألف رأس، وفي كل رأس مئاتُ الألوف من الأفواه، وفي كل فم مئاتُ الألوف من الألسنة، فلأجل أن يُظهر المَلك الموكّل بكرة الأرض هذا المعنى في عالم الملكوت، لابدّ أن يَظهر هو الآخر بتلك الهيئة والصورة. حتى إنني رأيت ما يقارب الأربعين غصنا -بما يشبه الرأس-لشجرة متوسطة من أشجار اللوز، ومن ثم نظرت إلى أحد أغصانِها فكان له ما يقارب الأربعين من الأغصان الصغيرة بمثابة الألسنة، ورأيت هناك أربعين زهرة قد تفتحتْ من أحد تلك الألسنة. فنظرتُ بدقة وأمعنت بحكمة إلى تلك الأزهار، فإذا في كل زهرة ما يقارب الأربعين من الخيوط الدقيقة المنتظمة ذات الألوان البديعة والدقة الرائعة، بحيث إن كلّ خيط من تلك الخيوط يُظهر تجلّيا من تجلّيات أسماء الصانع ذي الجلال ويستنطق اسما من أسمائه الحسنى.فهل من الممكن أن صانع شجرة اللوز ذا الجلال، وهو الحكيم ذو الجمال، الذي حمّل تلك الشجرة الجامدة جميعَ تلك الوظائف ثم لا يركّب عليها مَلَكا موكلا، يناسبها، وبمثابة الروح لها، ويفهم معنى وجودها، ويعبّر عن ذلك المعنى ويعلنه للكائنات ويرفعه إلى الحضرة المقدسة؟"[27]

ولا يتبين من كلام الأستاذ السابق هل ظهور هيئة الملك بهذه الصورة هي حقيقة خلقته أم أنها صورة تقريبية يظهر بها الملك ليتمكن من القيام بوظائفه؟! وكذلك قوله في الكلمات: "إن المخبر الصادق قد صوّر مثلا الملائكة الموكلين بحمل العرش وكذا حملة الأرض والسماوات أو ملائكة آخرين – بأن للملك أربعين ألف رأس في كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بأربعين ألف نوع من التسبيحات. هذه الحقيقة الرفيعة في أمثال هذه الأحاديث الشريفة تعبّر عن انتظام العبادة وكليتها وشمولها لدى الملائكة".[28] فهل هذه الهيئة حقيقة أم مثال؟!

لكني وقفت على كلام له في توجيه حديث لطم موسى عين ملك الموت يدلّ على أن هذه الهيئة ليست خلقته الحقيقية، قال: "لقد بينّا... وحسب دلالات أحاديث نبوية شريفة: بأن هناك من الملائكة من يملكون أربعين ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان -أي لهم ثمانون ألف عين أيضاً- وكل لسان يسبح بأربعين ألف تسبيحة. فما دام الملائكة الموكلون موكلين حسب أنواع عالم الشهادة، وهم يمثلون تسبيحات تلك الأنواع في عالم الأرواح، فلابد أن يكون لهم تلك الصورة والهيأة. لأن الارض –مثلاً-ـ وهي مخلوقة واحدة، تسبح للّٰه. وهي تملك أربعين ألف نوع من الأنواع، بل مئات الألوف منها، والتي كل منها بحكم رؤوس مسبحة لها، ولكل نوع من الأنواع ألوف من الأفراد التي هي بمثابة الألسنة.. وهكذا.فالملك الموكل على الكرة الأرضية ينبغي أن يكون له أربعون ألف رأس، بل مئات الألوف من الرؤوس، ولابد أن يكون لكل رأس مئات الألوف من الألسنة.. وهكذا.فبناء على هذا المسلك: فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -ولهأن يلطم- تلك العين التيتراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. واللّٰهأعلم بالصواب ولا يعلم الغيب الاّ هو. قل إنما العلم عند اللّٰه".[29]

والخلاصة أنه ذكر أن اللطم لم يتوجه إلى حقيقة خلقة ملك الموت لكنه توجه إلى العين التي هي واحدة من ثمانين ألف عين التي يظهر بها ملك الموت للقيام بوظيفته، وهذا يدل على أنه أوّل الحديث تأويلا مجازيا وهو يرى أنّ هذه الهيئة ما سيقت إلا لبيان معنى إشاري يبين العلاقة بين ضخامة هيئة الملائكة وعملها الموكلة به وهو إحصاء تسبيحات المخلوقات الكثيرة المنتشرة في الكون، وهو عمل يقتضي أن يكون الموكل به مخلوقا بهيئة تتسم بالضخامة والكثرة حسب ضخامة وكثرة وانتشار المخلوقات التي يراقبها.

ثانيا: حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه[30]

سئل الأستاذ عن صحة حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعد أن دارت مناقشة حوله، ويبدو أن السائلين قد استغربوا معنى هذا الحديث، وزاد في استغرابهم أنه مخرج في الصحيحين، ويبدو أن المناقشة لم تسفر عن شيء مقنع؛ فأرسلوا إلى بديع الزمان ليحل لهم الإشكال، فأجاب ما ملخصه:[31]

  بما أن الحديث في الصحيحين فهو صحيح ثابت عن النبي r، وكما أن في القرآن آيات متشابهات فكذلك في الحديث النبوي أحاديث متشابهات، وهي ما يطلق عليها العلماء مشكل الحديث، فالواجب إزالة إشكاله وبيان المعنى الصحيح المقصود؛ لأن المعنى الحرفي الظاهر غير مراد قطعا.

ثم وجّه لطم موسى عين الملك ثلاثةمسالك:[32]

المسلك الأول: "إن عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روح كل فرد. فلا يمنع فعل هنا فعلاً هناك؛ لأنه نوراني، والشيء النوراني يمكنه أن يحضر ويتمثل بالذات في أماكن غير محدودة، بوساطة مرايا غير محدودة. فتمثلات النوراني تملك خواصه. وتعتبر عينه وليست غيره. فتمثلات الشمس في المرايا المختلفة مثلما تُظهر ضوء الشمس وحرارتها، فتمثلات الروحانيين -كالملائكة- تُظهرأيضاً خواصها في المرايا المختلفة في عالم المثال، فهي عين أولئك الروحانيين وليست غيرهم. فالملائكة يتمثلون في المرايا حسب قابليات المرايا. فحسب هذا المسلك: ليس محالاً قط، ولا هو بأمر فوق المعتاد، ولا هو أمر غير معقول، أن يتعرض مثال ملك الموت المتمثل للإنسان عند قبض روحه -وهو مثال جزئي إنساني- إلى لطمة سيدنا موسى عليه السلام وهو الشخصية العظيمة المهيبة من أولي العزم من الرسل، ثم فقؤه لعين تلك الصورة المثالية لملك الموت، الذي لبس زي تلك الصورة".

المسلك الثاني: "إن الملائكة العظام من أمثال سيدنا جبرائيل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام، كل منهم بمثابة ناظر عام ورئيس، لهم أعوان من نوعهم وممن يشبهونهم، ولكن بطراز أصغر، فهؤلاء المعاونون الصغار مختلفون حسب اختلاف المخلوقات الموكلين بهم. فالذين يقبضون أرواح الصالحينيختلفون عن الذين يقبضون أرواح الطالحين، فهم طوائف مختلفة من الملائكة. فحسب هذا المسلك: فإن سيدنا موسى عليه السلام، لم يلطم سيدنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسد المثالي لأحد أعوانه، وذلك بعنفوان النبوة الجليلة وبسطة جسمه وجلادة خلقه وحظوته عند ربه القدير. وهكذا يصبح الأمر معقولاً جداً".

المسلك الثالث: بما أن الملائكة لها أربعون ألف رأس وأربعون ألف لسان لتتمكن من القيام بوظائفها مع كل إنسان وفي كل مكان كما سبق الكلام عليه في المطلب الثالث "فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -وله أن يلطم- تلك العين التيتراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. واللّٰهأعلم بالصواب ولا يعلم الغيب إلاّ هو. قل إنما العلم عند اللّٰه".

والخلاصة من التوجيهات الثلاثة أن اللطم لم يكن متوجها إلى الخلقة الحقيقية للملك وإنما توجه للصورة المثالية التي تشكل بها ملك الموت أو أحد أعوانه، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه عدد من شراح الحديث أن اللطم كان للعين الإنسية في الهيئة الإنسية التي تشكل بها ملك الموت عندما جاء ليقبض روحه، وهو تصرف عادي؛ لأنه ظن أنه رجل أراد قتله.[33]

ثالثا: حديث الأرض على الثور والحوت[34]

ذكر بديع الزمان هذا الحديث مثالا على التشبيهات والتمثيلات التي يسيء الناس فهمها بحملها على الحقيقة فتتحول من تشبيهات لطيفة إلى معان باطلة تحيلها العقول، فقال: " هناك كثير من التشبيهات والتمثيلات البلاغية تؤخذ كحقائقَ مادية، إما بمرور الزمن أو بانتقالها من يد العلم إلى يد الجهل، فيقع الناسُ في الخطأ من حسبان تلك التشبيهات حقائقَ مادية.فمثلا: إن المَلَكين المسمَيين بالثور والحوت، والمتمثلين على صورتَيهما في عالَم المثال، وهما من ملائكة اللّٰه المُشرفة على الحيوانات البرية والبحرية، قد تحوّلا إلى ثورٍ ضخم وحوتٍ مجسم في ظن الناس وتصورهم الخاطئ، مما أدى إلى الاعتراض على الحديث".[35]

وقبل أن أبيّن توجيه الحديث الذي استنبطه بديع الزمان لا بد من بيان أنه لا يقرّ الخرافات الكثيرة من الإسرائيليات التي رويت مع هذا الحديث مما يحيلها العقل ولا يقبلها الشرع، قال في بيان رأيه عندما سئل عن الخرافات التي لا يقرها العلم: "تذكرون يا أخي في سؤالكم:أن علماء الدين يقولون: الأرض تقوم على الحوت والثور، علماً أن الجغرافية تراها كوكباً معلقاً يدور في السماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت!الجواب:هناك رواية صحيحة تُسند إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، تقول: سُئل الرسول r:على أي شيء تقوم الأرض؟ أجاب: على الثور والحوت. وفي رواية أخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الحوت. ولكن عدداً من المحدثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديمة وردت عن الإسرائيليات، ولاسيما من علماء بني إسرائيل الذين أسلموا فهؤلاء غيروا معنى الحديث وحولوه إلى معنى عجيب غريب جدا، حيث طبقوا الحديث على ما شاهدوه من حكايات حول الثور والحوت في الكتب السابقة".[36] وقال: "وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لايتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول r".[37]

ثم يشرع الأستاذ في بيان المعنى البلاغي الذي ارتآه، وقد بيّن أنه يمكن توجيه الحديث بثلاثة وجوه:[38]

الوجه الأول: "أما الأرض التي هي شقيقة صغيرة للسموات ورفيقة أمينة للسيارات فقد عُين لها ملكان مشرفان يحملانها، يطلق على أحدهما: "الثور" وعلى الآخر "الحوت". والحكمة في تسميتهما بهذين الاسمين هي أن الأرض قسمان: البر والبحر أي اليابسة والماء، فالذي يعمر البحر أو الماء هو الحوت أو السمك، أما الذي يعمر البر والتراب فهو الثور، حيث أن مدار حياة الإنسان على الزراعة المحمولة على كاهل الثور.فالملكان الموكلان بالأرض إذن هما قائدان لها ومشرفان عليها،لذا لهما تعلق وارتباط ومناسبة -من جهة- مع طائفة الحوت ونوع الثور. ولربما -والعلم عند اللّٰه-يتمثلان في عالم الملكوت وفي عالم المثال على صورة الحوت والثور. فإشارة إلى هذه المناسبة والعلاقة، وإيماء إلى ذينك النوعين من مخلوقات الأرض، قال الذي أوتي جوامع الكلم r: "الأرض على الثور والحوت"، فأفاد بجملة واحدة وجيزة بليغة عن حقيقة عظيمة عميقة قد لايعبر عنها في صحيفة كاملة".

الوجه الثاني: "لو قيل: بمَ تقوم هذه الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم: أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته وإقدامه وعلى دراية قلم الموظفين وعدالتهم.وحيث أن الأرض مسكن الأحياء، وسيد الأحياء الإنسان، والقسم الأعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة التي هي على عاتق الثور ومحور تجارتهم على السمك. فمثلما يمكن القول: أن الدولة تقوم على السيف والقلم يمكن كذلك القول: إن الأرض تقوم على الثور والحوت؛ لأنه متى ما أحجم الثور عن العمل ولم يلق السمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيش للإنسان وتنهار الحياة، ويدمر الخالق الحكيم سبحانه الأرض.وهكذا أجاب الرسول الكريم r عن السؤال بحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلمتين اثنتين مبيناً حقيقة واسعة تتعلق بمدى ارتباط حياة الإنسان بالحيوان فقال: الأرض على الثور والحوت".

الوجه الثالث: "إنه حري بلسان ذلك النبي الكريم المعجز أن يقول مرة: على الثور، مشيراً به إلى حقيقة عميقة لاتدرك إلا بعد قرون عديدة، حيث أن الأرض في تلك الفترة -أي فترة السؤال- كانت في الصورة المثالية لبرج الثور، بينما عندما سئل r السؤال نفسه بعد شهر قال: على الحوت؛ لأن الأرض كانت في ظل برج الحوت.وهكذا أشار r بقوله: "على الثور والحوت" إلى هذه الحقيقة العظيمة التي ستظهر في المستقبل وتتوضح... وأشار به إلى حركة الأرض وسياحتها... ورمز به إلى أن البروج السماوية الحقيقية والعاملة هي التي في مدار الأرض السنوي، والأرض هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون اجرام سيارة فيها. واللّٰه اعلم بالصواب".

   يتضح مما سبق أن المقصود بالثور والحوت ليس حقيقة اللفظ، وإنما هو معنى مجازي يقصد به الملكان الموكلان بالأرض، وأطلق عليهما لفظ الثور والحوت إشارة إلى أن الأرض إما بحر أو بر، وقوام حياة الإنسان في البحر السمك وفي البر الثور الذي يحرث الأرض. أو أن قوام حياة الإنسان إما صيد السمك من البحر أو زراعة البر بالثور فيصد أن يقال إن قيام الحياة على الأرض إنما يكون بالحوت والثور. والوجه الثالث يدل على إعجاز علمي اكتشفه الإنسان فيما بعد حيث أن الأرض تدور فتكون في زمن في ظل برج الثور، وفي زمن آخر في ظل برج الحوت.

الخاتمة

ضمّنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات:

1. اهتم بديع الزمان بتوجيه متون الأحاديث النبوية إلى المعاني الإيجابية، ويبتعد عن الفهم السلبي والشاذ المخالف لصحيح النقل أو صريح العقل.

2. يظهر التجديد في تعامل بديع الزمان مع المتون التي تُتَوَهَّم منها معاني باطلة في أمرين: الأول: اتجاهه إلى تأويل تلك المتون تأويلا إشاريا يراعي أصول الشريعة وصريح العقل ولا يجافي دلالة لفظ الحديث أيضا. الثاني: أنه يلجأ إلى تأويل المتون المشكلة بقطع النظر عن أسانيدها هل هي ثابتة عن النبي r أم لا.

3. المعاني الإشارية التي يتأوّلها بديع الزمان للمتون المشكلة فيها إبداع يُشعر القارئ باللذة العقلية والمتعة الروحية.

4. على الرغم من غنى رسائل النور بالأحاديث النبوية استدلالا وتأويلا إلا أن الجانب الحديثي في رسائل النور لم ينل ما يستحق من البحث والدراسة من قبل الباحثين؛ فأكثر ما كتب حول رسائل النور يعالج مسائل الفكر والدعوة وأسئلة النهضة، أما الدراسات الحديثية فلم أقف إلا على دراستين غير منشورتين، ولم أستطع الحصول عليهما مع الأسف.

5. من أهم القضايا الحديثية التي بحثها بديع الزمان في الرسائل وبذل جهدا مميزا في دراستها وتستحق اهتمام الباحثين: مشكل الحديث، وأحاديث الفضائل، وأحاديث أشراط الساعة، ودلائل النبوة.

* * *

 

----------------------------

[1]كلية الإلهيات، جامعة حران، شانلي أورفة/ تركيا.

[2]انظر، الشوكاني، محمد بن علي، ت (1250) هـ،إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عناية، دار الكتاب العربي، ط1، 199م ([2]/138).

[3] سعيد النورسي، المكتوبات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ،1992م، المكتوب الثامن والعشرون، ص (456).

[4] سعيد النورسي، اللمعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ،1992م، اللمعة الرابعة عشر، ص (142).

[5] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة احسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ،1992م، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (386).

[6] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص (256).

[7] انظر، المصدر السابق.

[8] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر: المعجزات الأحمدية، ص (111).

[9] أخرج البخاري، محمد بن إسماعيل، ت (256) هـ، في الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1987م، كتاب الاستئذان، باب السلام، رقم الحديث (5873)، (5/2299). وأخرج مسلم ابن الحجاج، ت (261) هـ، الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، رقم الحديث (2841)، (4/2183) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعا: " خلق الله آدم على صورته". أما اللفظ الذي ذكره الأستاذ "خلق الله آدم على صورة الرحمن" قد أخرجه عبــــــــــد الله بن أحمد، ت (290) في كتاب السنة، تحقيق محمد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، ط1، 1406هـ، (2/472)، والبيهقي، أحمد بن الحسين، ت (458) هـ في الأسماء والصفات، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، ط[9](2/64). وانظر الخلاف في تصحيحه عند ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني،ت(852) هـ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز ومحب الدين الخطيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، مصورة عن الطبعة السلفية (5/183).

[10] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[11] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[12] المصدر السابق، ص (154).

[13] ذكر ابن تيمية أن هذا الحديث من الإسرائيليات، وليس له إسناد معروف عن النبي r، وفسره تفسيرا قريبا مما ذكره بديع الزمان، انظر، ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم الحراني، ت (728)، مجموع الفتاوى، تحقيق أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، ط3، 2005م (18/376). وقال العراقي: لا أصل له، انظر، العراقي، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين، ت (806) هـ، تخريج الإحياء المسمى المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (2/712). وكذا قال كل من وقفت عليه ممن تكلم على الحديث.

[14] سعيد النورسي، الشعاعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ، 1992م،الشعاع الرابع، ص (101)، واللمعات، اللمعة التاسعة والعشرون، ص (509).

[15] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الحادية عشرة، ص (139-140).

[16]رواه البخاري في الصحيح، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث (6137)، (5/2384).

[17] ذكره الصاغاني في الموضوعات، انظر، الصاغاني، الحسن بن محمد، ت (650) هـ، الموضوعات، تحقيق نجم خلف، دار المأمون للتراث، دمشق، ط2، 1405هـ ([17]) /52)، وقال العجلوني: لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا، العجلوني، إسماعيل بن محمد، ت (1162) هـ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي (2/164).

[18] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة العاشرة، ص (75)، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (234،235،253، 254، 260)، الشعاعات، الشعاع التاسع، الشعاع الخامس عشر، ص (237،655).

[19] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (254).

[20] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (655).

[21] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (237).

[22] لم أجده في كتب الحديث.

[23] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشر والتاسعة والعشرون، ص (187،188،606)، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454)، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327)، الملاحق، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1، 1992م، ملحق أمير داغ-2، ص (357).

[24] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327).

[25] انظر، سعيد النورسي، الملاحق، ملحق أمير داغ2، ص (357).

[26] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[27] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[28] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشرة، ص (187).

[29] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454-45).

[30] عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه"، أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأنبياء، باب وفاة موسى، رقم الحديث (3226)، (3/1250)، وأخرجه مسلم في الصحيح واللفظ له، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى، رقم الحديث (2372)، (4/1842). وزيادة "ففقأ عينه في مسلم دون البخاري".

[31] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص 451-455).

[32] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (453-455).

[33] انظر، ابن حجر، فتح الباري (6/442،443).

[34] ذكر المفسرون في تفسيرنون والقلم رواية عن ابن عباس موقوفة عليه فيها ذكر الثور والحوت، انظر مثلا: الطبري، محمد ابن جرير، ت (310) هـ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000م (23/521). وصححها الحاكم في المستدرك، انظر، الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، ت ( 405) هـ، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1990م، كتاب التفسير، رقم الحديث (3840)، (2/540). وقد ذكر السيوطي روايات كثيرة بتفصيلات أخرى في هذا الموضوع، انظر، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، ت (911) هـ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 199م (8/241).

[35] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (389)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الخامس، ص (105)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، ص (326).

[36] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (138).

[37] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (142).

[38] المصدر السابق، ص (140-142).

 

 


50-) الهدي النبوي لحل مشاكل العصر الحديث في ضوء رسائل النور

 

 

الهدي النبوي لحل مشاكل العصر الحديث

في ضوء رسائل النور

 

د. إيمان عبد الحميد الدباغ              

جامعة الموصل، كلية العلوم الاسلامية، العراق.

 

المقدمة

تخصص رسائل النور مساحة واسعة للحديث عن المشاكل التي تتعرض لها المجتمعات الإسلامية والتي هي في تفاقم مستمر محاولة طرح حلول مناسبة لها بما يتناسب مع التغيرات التي طرأت على هذا العصر، فالأمة الإسلامية قد تعرضت عبر تاريخها إلى فترات من الضعف والتأخر والهزيمة، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة منها أخلاقية ومنها فكرية، ثم ازداد الضعف سوءا ليكون خلافا في فروع الفقه وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أو خلافا في تقويم بعض حوادث تاريخ السيرة النبوية وتاريخ الصحابة العظام وغيرها.

ورسائل النور في حديثها عن العلاج تضع تطبيق الشريعة الإسلامية بما جاء فيها من كتاب وسنة في مصاف متقدم من حيث الأهمية، ثم تبعتها وسائل أخرى لا يتحقق نجاح تطبيق الشريعة الإسلامية إلا بها كتفعيل دور المؤسسة الدعوية والمؤسسة التربوية وأخذ المراكز الإسلامية كالمساجد والزوايا والتكايا دورها المغيب، ثم معالجة الأمراض الاجتماعية التي تزداد استفحالا مع مرور السنين، وإصلاح المؤسسة السياسية وجعل السياسة أداة طوعية بيد الدين لا العكس من أجل تحقيق حياة اجتماعية فاضلة.

المطلب الأول: أسباب تأخر وضعف المسلمين في العصر الحديث

هناك أسباب عدة تسببت في تأخر وضعف المسلمين منها:

أولا. الاختلاف:

يحتل هذا الموضوع الذي تناولته رسائل (المكتوبات والسانحات واللمعات والكلمات..) مساحة واسعة منها وأولته اهتماما واضحا من خلال عرضه وشرحه وتحليله مطلقة عليه أحيانا بـ (الفوضى) و(النفاق) و(الخصومة) و(التنافر) وطارحة أسس علاجه من خلال(الاتحاد) و(الاتفاق) ومقسمة إياه إلى خلاف فكري وفقهي وخلاف في العمل والتربية، أما الاختلاف الفكري فهو الناشئ عن الاجتهاد وتعدد الآراء وتحوّل مسار هذا الاختلاف من اختلاف ايجابي يهدف إلى الوصول إلى الحق كما قال عنه الرسول r (اخْتِلَافُ أَصْحَابِي رَحْمَةُ)([1]). أي عندما يروج المسلمون لمسلكهم دون أن يهدموا مسالك الآخرين أو يطعنوا فيها، ويسعون إلى إكمال النقص إن وجد ورأب الصدع والإصلاح ما استطاعوا لذلك سبيلا([2]). وجعل اختلافهم ينحصر في الوسائل لا في الأسس والغايات وأن يحسنوا إلى بعضهم ويجعلوا قول الرسول r  (الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ)([3]). أساس التعامل بينهم([4]). إلى خلاف سلبي يسوده التنازع والشقاق والتعصب وتشنيع المخالف وتخريب مسلكه وهدمه([5]). وقد حذر الرسول r  من الاختلاف بل إنه أمر أصحابه أن ينصرفوا عن قراءة القرآن إذا خشي من ورائها أن تودي إلى الاختلاف، يقول r  (اقرَءُوا القُرآنَ ما ائتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)([6]). فرغم ما لقراءة القرآن من فضل وان قراءة كل حرف منه عشر حسنات إلا أن الرسول r لم يأذن بقراءته إذا أدى ذلك إلى التنازع والاختلاف، أو مزج الضروريات الدينية بالمسائل الفرعية الخلافية وجعلها كأنها تابعة لها، مع ادعاء المخالف بأنه على صواب وغيره على خطا، وهذا شكل خطرا كبيرا على المسلمين الذين عجزوا إثر ذلك عن تميز الضروريات الدينية والأمور النظرية الممتزجة معها فجعلهم يعممون سهواً أو وهماً الأخطاء التي تصدر عن بعض الأمور الاجتهادية على الأحكام كلها([7]). وقد نبهت رسائل النور على ضرورة حل الخلاف لاسيما أنه يسبب للأمة الإسلامية الركود والتخلف([8]). ويشيع الجهل والتعصب بين المسلمين الأمر الذي جعل الغرب يحمل ظناً خاطئاً بان الإسلام هو من يعين الاستبداد الذي شاع في المجتمعات الإسلامية في عصرنا هذا([9]).

في حين أضافت رسالة الكلمات ( الكلمة السابعة والعشرون) إلى قائمة الاختلاف خلاف آخر وهو التعرض للمذاهب الفقهية والمجتهدين العظام، عندما ادعى قسم من الناس حبهم للدين وحبهم للرسول r  وآل بيته بأنهم في مستوى المجتهدين العظام مبررين قولهم بأن المذاهب الفقهية متباينة في أمور ومسائل اجتهادية فيمكنهم الاجتهاد وبالتالي فهم ليسوا مضطرين إلى إتباعهم، وعندما رأوا أن النظريات الإسلامية لم يكملُ هدمها أعلنوا اعتراضهم على الصحابة الكرام وطعنوا بإعراضهم وقدحوا بهم وسبوهم([10]). وتناسوا إن رسول الله r كان يجل صحابته ويعظم من شأن عملهم وشأن دعمهم له في نشر الإسلام، فقال عنهم (لا تسُبّوا أصحابِي فلوَ أنّ أحدَكمْ أنفقَ مِثلَ أحدٍ ذهباً ما بلغَ مُدّ أحدِهِمْ ولا نصيفَهُ)([11]). ثم ازداد حدة هذا الخلاف أن دخلت في كتب العقائد وتدرجت مع مدارج الإيمان، وقد عالجت هذه المسألة (اللمعة الرابعة من رسالة اللمعات) معالجة موجزة لمسألة تطور الخلاف والانقسام بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة وهي مسألة ذات بعد تاريخي، بدأ بخلاف عن من هو أحق بالخلافة بعد الرسول r ، ثم تدرج ليكون خلاف في العقائد، وقد استشهدت رسائل النور بأحاديث الرسول r بحب علي وفضله ومكانته عنده، كقوله r  (إن نَسل كُل نَبي من صِلبه، وجُعل نسلي من صُلبك يا عليّ)([12]). وقوله (من كنتُ مَوْلَاهُ فعليّ مَولَاهُ)([13]). فضلاً عن ضربه الأمثال في حبه للحسن والحسين، إلا أنه في الوقت ذاته حذر رسول اللهr   من خطورة الغلو في محبة سيدنا علي رضي الله عنه كخطورة الغلو في محبة سيدنا عيسى(عليه السلام) على النصارى([14]). وقد حاولت رسائل النور تحذير المسلمين في عدم الإفراط والتفريط وان ينتهجوا المنهج الوسطي الذي التزم به أهل السنة والجماعة في محبة آل البيت تأسيا بالرسول r، لان المستفيد الوحيد من هذا الغلو والانحراف عن المنهج القويم هو الاستعمار الذي طالما حاول ويحاول استغلال هذا الحاجز الذي تكون بين السنة والشيعة بفعل هذا الاختلاف في ضرب بعضهم ببعض وجعل أحدهم أداة لإفناء الآخر، لذلك دعت رسائل النور المسلمين إلى ضرورة إنهاء هذا النزاع ونبذ المسائل الجزئية التي تثير هذا الاختلاف والعودة من جديد إلى قوة العقيدة والترابط بروابط الإيمان والإخوة([15]).  فضلاً عن حديثها عن أنواع أخرى من الاختلافات سيأتي الكلام عنها لاسيما الاختلاف بين الدعاة والجماعات الإسلامية والاختلاف بين المدارس الدينية والمدارس الحديثة والتكايا والزوايا وغيرها.

ثانيا. التكفير

يحتل هذا الموضوع الذي انفردت به رسالتا (اللوامع والسانحات) أهمية كبيرة رغم أنها تناولتها في أسطر معدودة إلا أنها سلطت الضوء على أهم مسبب لشيوع هذه الظاهرة في مجتمعاتنا اليوم، وهو عجز بعض المسلمين عن إدراك وفهم كثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة لاسيما التي وردت ما بين كونها مطلقة إلا أنها عدت كلية وما بين مؤقتة إلا أنها عدت دائمة وما بين مقيدة إلا أنها اعتبرت عامة([16]). وبالتالي أوقعهم جهلهم بمستنقع التكفير ونسوا أن حق الحياة مكفول للجميع ولا يحق لأحد منع الحياة بحجة الكفر، فمثلما لا تكون كل صفة من صفات المسلم مسلمةُ كذلك لا تكون جميع صفات الكافر كافرة ولا نابعة من كفره، فأحيانا تكون هناك صفة مسلمةُ يتصف بها كافر تتغلب على صفةِ غير مشروعة لدى مسلم([17]).

ثالثا. التقليد الأعمى للغرب

إن الاستفادة من تجارب الآخرين لا باس بها وأن التعاون يحقق التكافل والتكامل ويمد جسورا من العلاقات الإنسانية بين الشعوب والأمم، إلا أن الذي تسميه رسائل النور بـ (التقليد المفتوح) يجب أن يخضع لقواعد التمحيص والإمعان وهو أمر يحتاج إلى أن يقف المسلمون عليه لاسيما إذا انحصر هذا التقليد في الشكل والمضمون لثقافات وسلوكيات وأخلاق الغرب مما أثر بشكل وآخر على مستقبل أبنائنا ومجتمعنا وهويتنا وثقافتنا، لذلك حاولت رسائل النور تنبيه المسلمين على ضرورة تحقيق الموازنة في الاقتباس من الغرب وأن لا يكون التقليد تقليداً أعمى، وأن يجعلوا الاقتباس في حدود ما يعين على الرقي المدني من علوم وصناعات وأن يبتعدوا عن العادات والأخلاق التي لا تتوافق مع المجتمع الإسلامي، وأن يكون التعامل وفقا للمعادلة (خذ ما صفا دع ما كدر)([18]). وقد طرحت رسائل النور قاعدة شرعية في عمليات الاقتباس وهي: إخضاع العلوم الحديثة والثقافات الجديدة الآتية من الغرب تحت رقابة المدرسة الشرعية ليتم تصفيتها بمصفاة الشريعة من شوائب الانحلال والاستبداد ([19]).

وبدلاً من التقليد الأعمى فقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يأخذ العقل دوره في التفكير والعمل في قوله تعالى ﴿لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ([20]).﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾([21]).﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ([22]). لان التقليد الأعمى غالبا ما يسبب تجميد العقول وتكميم الأفواه([23]).

رابعا. نمو الفكر القومي العنصري

من أسباب الضعف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية هو نمو الفكر القومي المبني على العرق والجنس وقد سبب ذلك تناكراً وتعانداً واضحاً بين المسلمين فقدوا إثره هويتهم الإسلامية واستبدلوها بهوية قومية مما أضعف ذلك روابط الإخوة والمحبة([24]). وقد نهى الرسول r عن استبدال رابطة الدين برابطة القومية، إذ يقول (ألا لَا فَضلَ لِعَرَبيًّ عَلَى أعجَمِيًّ، وَلَا لِعَجمِيًّ عَلَى عَرَبيًّ وَلَا لأَحْمَرَ عَلَى أسوَدَ وَلَا أسْوَدَ عَلَى أحْمَرَ إلّا بِالتّقوَى)([25]). فالإسلام يجب ما قبله من عصبية وجاهلية والأسس المتبعة في القومية ذي الصبغة العنصرية هي أسس ظالمة بعيدة عن الصواب والعدالة وفيها خطر عظيم، كما أنها وسيلة من وسائل الاستعمار في البلاد الإسلامية([26]).

خامسا. الفتور في السعي وعدم الرغبة

كان أحد أسباب ضعف الأمة الفتور في السعي وعدم الرغبة، وهذا مخالف للآية الكريمة ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ([27]). ومخالف لسنة الرسول r في قوله(مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)([28]). ويرجع ذلك لأسباب عدة منها عجز بعض الوعاظ والرجال عن فهم متطلبات إعلاء كلمة الله إنما تكون بالتقدم والرقي المادي فضلاً عن فهم الفرق بين القناعة في (التحصيل والكسب) والقناعة في (المحصول والأجرة)، وفهم البون الشاسع بين (التواكل) الذي هو عنوان للكسل (والتوكل) الذي هو الإيمان بالتقديرات الإلهية، كذلك مسلك أبناء المجتمع في المعيشة الذي جعلت مسلكهم مسلكاً يوافق الكسل ويلائمه من خلال اعتمادهم الكلي على العمل الوظيفي الحكومي وحصره في المنفعة الشخصية وتخليهم عن الأعمال التي تعود إلى منفعة الأمة كالصناعة والزراعة والتجارة([29]). وكما نعلم أن هذه الجوانب الثلاثة إذا ما تكاملت في أي دولة فإنها ستكون عنوانا لقوتها وتقدمها ونفوذها بين بقية الأمم.

المطلب الثاني: السبل المثلى في العلاج

أولا. تطبيق الشريعة الإسلامية وإتباع السنة

إن تفرق مجتمعاتنا الإسلامية جاءت لاعتمادها على نظم مأخوذة من أنظمة أخرى غير إسلامية وتوجهها في حل مشاكلها نحو حلول تقدمها كتب غير القرآن الكريم الذي أصبح في زماننا الأن " كتابا مباركا يتبرك بتلاوته فحسب" ولو رجع المسلمون إلى القرآن الكريم لوجدوا فيه بلسما لجميع قضاياهم([30]).

فالشريعة فسرت وأوضحت كل ما يلزم المجتمعات الإسلامية وفيما لا يلزمها، لأنها أجملت جميع العلوم الأساسية منها " فن تهذيب الروح وعلم رياضة القلب وعلم تربية الوجدان وفن تدبير الجسد وعلم إدارة المنزل وفن سياسته المدنية وعلم أنظمة العالم وفن الحقوق وعلم المعاملات وفن الآداب الاجتماعية ... وغيرها" ([31]). لذا وجب على المسلمين بذل كل ما بوسعهم لتقوية الحقائق الإيمانية والعقائد الإسلامية والتزام تطبيق السنة النبوية ففيهما السعادة الأبدية([32]).

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ([33]). فمحبة الله مرهونة بإتباع السنة المطهرة لاسيما عند استيلاء البدع وغلبتها، وقد أكدت رسائل النور على القيمة العالية لإتباع السنة وخاصة عند فساد الأمة وغلبة البدع، يقول الرسول r (مَن تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ)([34]). ذلك أن إتباع المسلم لسنة الرسول r والتأدب بآدابه سينقلب إلى استحضار للرقابة الإلهية عليه من أعلىّ الأمور حتى ابسطها كالأكل والشرب والنوم وغيرها، وسيتحول إتباع السنة من عادة إلى عبادة([35]). وسينتقل نفعها عند ذاك من الفرد إلى الجماعة ثم إلى المجتمع بشكل عام، لان السنة النبوية قد جمعت منابع الأدب وأصوله وقد صدق رسول الله حين قال (أدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي)([36]). وتركها وهجرها حرمان للمسلم من خير عظيم، كما شهد القرآن الكريم للرسول r حين قال عنه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾([37])، إنما هي شهادة نموذجية في وصف الرسول الكريم بمحاسن الأخلاق التي فطر عليها فأصبحت كل أفعاله وأقواله وأحواله وحركاته نموذجا تقتدي به البشرية([38]).

وترى رسائل النور أن تطبيق الشريعة وإتباع السنة أفضل دواء وأنفعه لكثير من الأمراض الروحية والعقلية والقلبية لاسيما الاجتماعية منها([39]). كما أن بتطبيق الشريعة تمكين (للإيمان بالآخرة) من النفس البشرية، وهذا التمكين سيحقق بسط الفضائل في المجتمعات الإسلامية وإعلان مظاهر الاحترام المتبادل والمحبة الخالصة فضلاً عن تحقيق الإحسان والفضيلة والتوقير فتصبح المجتمعات الإسلامية أشبه ما تكون مرآة تعكس الفضائل العظيمة التي جاء بها الإسلام([40]).

كما أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتعارض مع المدنية لكنها ليست المدنية الحاضرة المطلقة بل المدنية المشروطة([41]). وقد بينت لنا رسائل النور شروط هذه المدنية في أنها تقوم على العدالة والتوازن والفضيلة والمحبة والتجاذب والإخوة والسلام والوئام والتعاون والاتحاد، ترتبط بالرابطة الإسلامية والوطنية والمهنية بدلاً من العنصرية، وتهدف إلى رفع الإنسانية إلى مراقي الكمالات وتضمن تحقيق السعادة للجميع([42]). وإذا ما أريد في تطبيق الشريعة الإسلامية النجاح فقد وجب الأخذ بها بوسيلة التدرج، والتي جاءت كالآتي:

- الأخذ بوسيلة التدرج

تجد رسائل النور أن تطبيق الشريعة في مجتمع ما لا يتم بسهولة ويسر إلا بعد صبر وجهد ووقت طويل، وذلك لشيوع المنكرات وعجز المسلمين عن تحمل أعباء الطريق ومشاقه لتربص الأعداء بهم من كل جانب، وانطلاقا من المعطيات التي اعتمدتها رسائل النور في التزامها بالكتاب والسنة، ورؤيتها في أن تكون منهجية الإصلاح تبدأ من الجزئي إلى الكلي، فقد رأت الرسائل بوجوب أن يأخذ المسلم بوسيلة التدرج في تطبيق الشريعة في علاج منكر أو أمر اعتادت عليه المجتمعات الإسلامية وترفضه الشريعة، ذلك لان رفع أمرٍ ما مستأصل في طبيعة البشر بشكل مباشر دون التمهيد له قد يسبب رفضا وموقفا مضاداً وبالتالي يفشل المشروع الإسلامي في تحقيق غايته، فالمشرع الإسلامي على سبيل المثال مهد السبل لتحويل الرق من أقسى صوره إلى ما ييسر الوصول إلى الحرية التامة والانتقال إليها([43]). أو التدرج في تحريم الخمر بمراحل متعددة، فالرسول محمد  قد بُعث والأصنام حول الكعبة تحيط بهم وتعلوها، ولم يأمر الرسول r بإزالتها إلا يوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، أي بعد بعثته بواحد وعشرين عاماً، لتقديره r أنه لو قام بتحطيمها في أول يوم قبل أن تحطم داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بشكل أعظم وعندها يتفاقم الأمر ويعظم الضرر لذلك تركها حتى يعد رجاله ويصلح نفوسهم ويطهر قلوبهم.

وقد يلاقي المسلمون ممن يؤمن بوسيلة التدرج اعتراضاً ورفضاً من بعض المسلمين الذين أطلقت عليهم رسائل النور في رسالة(المناظرات) (أهل الإفراط) محتجين برفضهم بوجود قول صريح في كتاب الله عز وجل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾([44]). وقد أوّلت رسالة (المناظرات) هذه الآية بأن المقصود بـ(الحكم) هو (التصديق)([45]). أي التصديق بالله وبشرعه وليس الحكم بمفهومه السياسي.

  • تحقيق الرقي المعنوي والمادي

وكنتيجة حتمية عن تطبيق الشريعة الإسلامية تجد رسائل النور أن التزام المسلمين بالدين والقيم والأخلاق يكفل للمسلمين الرقي المعنوي والتقدم ويؤهلهم لإدارة المجتمعات البشرية، ويبعدهم عن الوقوع في مصائب التخلف والاضمحلال والاضطرابات، فإذا ما حرص المسلم على تطبيق مكارم أخلاق الإسلام وكمال قيمه كان سببا في دخول بقية الأديان في الإسلام وربما رضوخ دول عظمة للإسلام لاسيما وأن الطبيعة البشرية لا تستطيع العيش بدون دين، فـ " (نقطة استناد) البشر عند مهاجمة المصائب والأعداء من الخارج والداخل مع عجزه وقلة حيلته، وكذا (نقطة استمداده) لآماله غير المحدودة الممتدة إلى الأبد مع فقره وفاقته، ليس إلا (معرفة الصانع) والإيمان به والتصديق بالآخرة، فلا سبيل للبشرية المتيقظة إلى الخلاص من غفوتها سوى الإقرار بكل ذلك، وما لم يوجد في صدفة القلب جوهر الدين الحق، فسوف تقوم قيامات مادية ومعنوية على رأس البشر وسيكون أشقى الحيوانات وأذلها" ([46]).

لكن المجتمعات الإسلامية تحتاج في الوقت ذاته إلى التمدن لكي تصل إلى تحقيق حضارة إسلامية متكاملة ويكون ذلك بالرقي المادي الذي قدمه الإسلام، هذا الرقي الذي يتحقق بالقضاء على الجهل، والتطور العلمي في استثمار الطبيعة وإعداد لوازم الرفاه والسعي بالمعرفة لتطوير المجتمعات، فالرقي المادي يحقق للمجتمعات الإسلامية "القوة " ويلبي "الحاجات الملحة" من الصناعات المجهزة بالوسائل والمبادئ الكاملة، ويقضي على الفقر، ويحقق "الحرية الشخصية" التي ترشد البشرية إلى سبل التسابق والتنافس المحمود ذات المقاصد السامية، ويحقق "الشهامة الإيمانية " أي سعي الإنسان في الحفاظ على كرامته وكرامة الآخرين، وأن "لا يرضى الذل لنفسه أمام الظالمين ولا يلحقه بالمظلومين" ، ثم أخيراً تحقيق العزة للمسلمين بإعلاء كلمة الله بين البشرية كافة([47]).

 

ثانيا. تفعيل دور المؤسسة الدعوية والمراكز والمؤسسات التربوية والإسلامية

  1. المؤسسة الدعوية

عبرت رسائل النور عن منهجية راقيه ذات بعد أنساني وأخلاقي في فهم واقع العمل الإسلامي وكيفية تعامل الداعي مع هذا الواقع في فهم مبسط بعيد عن التعقيد ورؤيتها في أن الذي يستخدم أفكار العوام في الدعوة مع استخدام حيل الترغيب والترهيب يكون أقل تأثيرا من الذي ينفذ إلى قلوب الناس ويوقظ في نفوسهم حساً نائماً كحس الحرية والحمية الملية والمحبة، يتبعها إيقاظ حسيات أخرى تكون أكثر قدرة في التأثير والتفاعل مع الدعوة، فالرسول r استطاع أن يغير قلوباً  قاسية تعودت على وأد البنات فنقلها نقلة نوعية إلى قلوب ترق وتترحم على أصغر الكائنات، وأخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وأسس لهم دولة في زمن قصير([48]). ولتكون الدعوة ناجحة من حيث الأسلوب والمنهاج في معالجة مشاكل هذا العصر طرحت رسائل النور شروط متعددة في ذلك جاءت كالآتي:

  1. تحري الداعي للموضوع المناسب من حيث السياق، واستحضار مناسبة الكلام، واختيار المكان والزمان الملائم، وكون الموضوع موافقاً لحاجات العصر، أي أن الداعي يتكلم بما يناسب تشخيص علة هذا العصر.
  2. أن تكون الدعوة على درجة استقراء أفكار الجمهور الأكثر، وبما أن أغلبية الجمهور هم من العوام، وجمهور العوام لا يستطيعون أن يجردوا عقولهم مما ألفوا عليه في حياتهم أو مما تركز في مخيالاتهم فبالتالي لا يستطيعون إدراك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة إلا بمنظور خيالهم أو تصويرها بصورة مألوفاتهم، لذلك وجب على الداعية أن يسعى إلى مجاراة عقولهم ومراعاة أفكارهم وأن يكلمهم وفقا لما فهموه([49]).
  3. عدم قياس الماضي على الحاضر مع ضرورة إيراد الأدلة الكافية التي لابد منها للتأثير.
  4. المحافظة على الموازنة الموجودة في الشريعة من حيث التفريق بين المهم والاهم([50]).
  5. ابتعاد الدعاة والعلماء عن المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة، لأن هذا ينشأ عنه الاختلاف والتفرق، وأن يمتثلوا بالآية الكريمة ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَهِ﴾([51])، بإيثار الحق والهدى على أتباع النفس والهوى ودفع السيئة بالحسنى، وأن يستغني الداعي عن الأجر المادي والمعنوي الذي يأتيه من الناس تمثلا بالآية الكريمة ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾([52])، وأن يحرص في الحفاظ على الفضائل والمكارم من خلال التمسك بالحقيقة والبقاء والثبات ضمن منافسة شريفة نزيهة في سبيل الحق بعيداً عن الحسد والمزاحمة والمغانم الدنيوية وعدم الانحراف عن دستور الإنصاف وابتغاء الحق والثبات على الاستقامة في السير([53]). وقصد المنافع وترك الغرور والأنانية والمراء والالتزام بالأخوة([54]).
  6. الاتفاق مع جماعة أهل الحق وعدم الاختلاف سبب من أسباب القوة وأحد وسائل التوفيق الإلهي وأحد منابع العزة الإسلامية، فالداعي عليه أن يجعل من الآية الكريمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾([55]). نصب عينيه وأن يتخذ من الآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾([56]). دستوراً للعمل في الحياة الاجتماعية، فالاتفاق يؤدي إلى الوحدة التي تتولد عنها روابط الإخوة والمحبة والاتفاق، ولتحقيق الاتفاق وجب على الداعية أن يحسن الظن بالآخرين وأن يتعامل مع أخيه على نحو " إن مسلكي حق وهو أفضل وأجمل" من دون أن يتدخل في أمر مسالك الآخرين، لكن لا يجوز أن يقول: " الحق هو مسلكي فحسب " أو " إن الحسن والجمال في مسلكي وحده" فربما " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"([57])، وهذا الأمر يترتب عليه أن يغض الطرف عن عيوب جماعة أهل الحق، وان يعفو عن هفوات إخوانه، وان لا ينشغل بهم أو يهون من شأنهم، وأن يصفح عن تقصيرهم، وأن لا يدخل في نقاشات داخلية عقيمة وأن يمتثل لقوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ([58]). وأن لا ينظر إلى صغر أو كبر ما يقدمه للإسلام ولا إلى سموه وتفاهته فالعبرة هي في النتيجة والغاية "فالذرّة في سبيل رضاه سبحانه مع الإخلاص تصبح نجمة متلألئة"([59]).
  7. الافتخار بصحبة السالكين في منهج الحق وربط عرى المحبة معهم امتثالا لحديث النبي محمد r (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الحبُّ فِي اللهِ)([60]). وقوله (لَا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخيهِ مَا يُحِبٌّ لِنَفْسِهِ)([61]). وأن يعد كل من يعمل للإسلام (من أهل الحق) هو خير منه وأفضل، فإيثار البقاء أن يكون تابعاً خير من تسلم المسؤولية التي لا تخلو أحيانا من مرض الإعجاب بالنفس والغرور، وبالتالي يسهل على الداعية نيل الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى([62]). يقول تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾([63]). فتقديم الآخرين على الذات في المراتب والمناصب والتكريم من المنافع العظيمة التي ينالها المسلم ويثاب عليها([64]).
  8. أهمية الإخلاص في العمل، والعلم بان رضى الله لا ينال إلا بالإخلاص وليس بكثرة الأتباع ولا النجاح والتوفيق في الأعمال، والاهتمام بالنوع قبل الكم فإرشاد شخص واحد يكون موضع رضى الله سبحانه وتعالى بقدر إرشاد ألف شخص، فمناهج النبوة قد علمتنا دروسا مستفيضة في ذلك فقد نالوا ثواب النبوة وكثير منهم لم يؤمن لهم إلا قليل فليس الثواب هو بكثرة التابعين وإنما يكون بنيل شرف رضى الله سبحانه، كما أن تصديق الناس للكلام وقبول الدعوة هو فضل من الله يؤتيه من يشاء لذا وجب على الداعية أن لا يشغل نفسه بما قدره الله ودبره([65]).
  9. على الداعية أن يتقن أساليب الدعوة وفنونها من حيث انتقاء العبارات واختيار المعاملات وصبها لجذب المقابل للدعوة، فإذا ما أراد أن يغلب خصمه يدفع سيئته بالحسنة وبذلك تخمد نار الخصومة، أما إذا قابل إساءته بمثل ذلك فإن الخصومة تزداد ذراها ويدوم العداء وتستمر الشحناء، فإذا أكرم الداعية خصمه وعامله بالإحسان وأكرمه وخاطبه بعبارات لطيفة ومحبوبة كأن يقول له: (إنك صالح، إنك فاضل)، قد يدفعه إلى الصلاح ويملكه ويجعله أخاً له وكذا مخاطبة الصالح بـ: (إنك طالح، إنك فاسد) قد يسوقه ذلك إلى الفساد([66]). وان يمتثلوا بقوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (([67].

 

 

  1. المراكز والمؤسسات التربوية والإسلامية

لا يخفى ما للمؤسسات والجامعات الإسلامية من أهمية في بث الوعي الديني بين المسلمين، فتفعيل دور المؤسسات العلمية الإسلامية التربوية له أهمية في نشر حقائق الإسلام لاسيما إذا ما دمجت هذه المؤسسات بين الدراسة الدينية والعلوم الكونية، ورسائل النور ترى في عملية الاندماج كشفاً لحقائق الإنسانية الناصعة المطعمة بلذة الإيمان وبعكسه سيكون وبالاً على المسلمين لأنه سيدخلهم في عالم يشوبه ظلمات التخلف والتعصب، تقول رسالة (الإخلاص):  "ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا والتعصب الذميم في ذاك"([68]). وقد أفردت رسائل النور مساحة واسعة منها تبحث فيها شروط نجاح المؤسسة التعليمية بشكل يتناسب مع حاجة طالب العلم ومع حاجة أو متطلبات هذا العصر، فقد نصحت الرسائل طالب أي علم لاسيما طلاب العلوم الدينية أن يتخذ علما من العلوم أساسا له ويأخذ خلاصة من كل علم من العلوم المتعلقة به لإتمام صورة ذلك العلم، وأن يهتم بالعلم الذي هو أهل لقدرته وبما هو مستعد للقيام به وترك العلوم التي لا يكون أهلا باستيعابها أو الإحاطة بمداركها، فيكون الطالب عندئذ أقدر على محبة الصنعة وأقدر على احترام مقاييسها والفناء في إتقانها وإلا فإنه سيضيع قدراته في أمور هي خارجة عن نطاق قدرته وسيشوه الصنعة التي لا يميل لها لأنه خالف الفطرة، كما أن في إدراك طالب العلم بأنه خادم للعلم وأنه ساعي في منفعة الناس به سيخلصه من شعور السيادة والتفوق على الآخرين وسيجنبه من استخدام العلم كوسيلة للقسر والإكراه والاستبداد وسيجنب استخدام الوظائف من أناس ليسوا أهلاً لها لاسيما الوظائف في المدارس الدينية، وقد وجب للتخلص من ذلك في تنظيم المدرسين وفقا للتخصصات وتقسيم الأعمال وفقاً للميل الفطري لطالب العلم، وعدم إدراج العلوم الفرعية في مسلك أعلى من العلوم العالية والرئيسية التي هي أصل القصد، فضلاً عن ذلك السعي في تعويد الطالب على عدم حصر وقته وفكره في قراءة كتب المناهج الرسمية فحسب بل قراءة كتب منوعة تأتي فائدتها عليه، وإجراء المناظرات العلمية([69]).

وترى أيضا ضرورة وجود معلمين يضحون بمنافعهم الشخصية دنيوية كانت أم أخروية في سبيل منفعة طلبة أهل العلم، ويسعون في خدمة الحقائق الإيمانية فيطمئن إليهم طلبتهم إطمئنانا كاملا يخرجهم عن موضع الشبهات أو لا تجعلهم في حاجة إلى إيراد الأدلة لهم فيكون ذلك سبباً في تقوية إيمانهم وتجعلهم يقولون:(حقاً إن ذلك الدرس الإيماني هو عين الحقيقة)([70]).

كما توجب على الحكومة أن تسعى إلى فتح مدارس نموذجية للتعليم تجمع بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة في مناطق مختلفة، وإحياء المدارس التي فيها عجز في تدريس بعض المعارف([71]). وإنشاء الجامعات التي تكون على غرار جامع الأزهر في المناطق التي تفتقر إليها من أجل إنماء الروح الإسلامية وتحقيق التلاقح الفكري بين الحضارة الغربية وحقائق الإسلام([72]). يطبق في هذه الجامعات قاعدة تقسيم الإعمال حسب التخصص، واستخدام اللغات المحلية إلى جانب اللغة العربية في التدريس، ودمج مناهجها بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة، وأن يعامل خريجوها على قدم المساواة مع طلاب الدراسات العليا الملتحقين بالمؤسسات التعليمية الأخرى وأن تعد امتحاناتهم على نفس الدرجة من الاعتبار والأهمية من اهتمامات المؤسسات التعليمية الأخرى([73]). وتجد رسائل النور أن التصالح بين المدارس الدينية والمدارس الحديثة وأهل الزوايا والتكايا سيحقق الاتحاد في المقصد([74])، تقول رسالة(المناظرات) :" إن الإسلام لو تجسد لكان قصراً مشيداً نورانياً ينور الأرض ويبهجها فأحد منازله "مدرسة حديثة" وإحدى حجراته "مدرسة دينية" وإحدى زواياه "تكية" ورواقه مجمع الكل، ومجلس الشورى، يكمل البعض نقص الأخر" ([75]).

 فضلا عن تفعيل دور المساجد والزوايا والتكايا وإزالة الخلاف الذي قد ينشأ بينها لاسيما وأنها تعتبر بمثابة معسكرات معنوية أو جندية روحانية، فالرباط فيها يشجع على التزام النفس وترك المنافع الشخصية ويشجع على المحبة بين أفرادها وتباين الأفكار فيما بينها يؤثر سلبا على أساس الأخلاق الإسلامية ويفرق اتحاد الأمة، ويؤخرهم عن ركب الحضارة ويعزز من شيوع فكرة الإفراط والتفريط، لذا وجب على أصحاب هذه المراكز الدعوية المهمة الصلح فيما بينها عن طريق توحيد الأفكار وتمتين العلاقات التي تقود إلى الاعتدال والرقي، على أن يحذر المسلمون من بعض المبتدعين الذين يمكن أن يستغلوا هذه المراكز في تشكيل فرق من أهل البدع والضلال([76]). فتفعيل دور التربية الإيمانية وتهذيب النفس التي توفرها هذه المراكز والمؤسسات يعد عاملا فعالا في نصرة المسلمين في عصرنا هذا فبها يقضى على الاختلاف والتفرق ويسود الإخلاص في القول والعمل وبها تسود العدالة والمحبة([77]).  

ثالثا. معالجة الأمراض الاجتماعية

تحتاج المجتمعات الإسلامية اليوم إلى قوة معنوية حقيقة لكي تستطيع أن تتخلص من الأمراض الاجتماعية التي انتشرت بين الناس من أخلاق فاسدة وصفات ذميمة، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى الإسلام وتحقيق حقائقه، فالأمة لا يمكنها أن تتذوق السعادة في الدنيا أو تعيش حياة اجتماعية فاضلة إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية([78]). كما أن اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها تدفع المفاسد، وتمكن الإنسان من التحرك خلالها لمواجهة الخطايا التي تنتج عن بعض أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة([79]). وقد طرحت رسائل النور أسس خمسة عدتها أسباب أساسية في تحقيق حياة اجتماعية كريمة أمنة بعيدة عن الفوضى والانقسام وهي: الاحترام المتبادل، والشفقة والرحمة، والابتعاد عن الحرام، والحفاظ على الأمن ونبذ الفوضى والغوغائية والدخول في الطاعة([80]). وهي ذاتها التي اعتمدها الرسول r في بناء دولته الإسلامية في المدينة المنورة، وكما هو معلوم أن هذه الأسس ضروريات في تحقيق رفاهية أي مجتمع ما، لكن في الوقت ذاته لا يخلو الحال من ضرورة إيجاد دعائم تحمي هذه الأسس من الانهيار فوجود الأمن والاحترام والرحمة في مجتمع ما لا يتناسب أبدا مع وجود عدد من الإمراض التي انتشرت بين الناس: كالبؤس واليأس والجهل وانعدام الصدق والعداوة والاختلاف وغيرها([81]). وبالتالي وجب على المسلمين إيجاد حلول لها، فجاءت على النحو التالي:

فعلاج البؤس أو ما أطلقت عليه رسائل النور أحيانا بـ "الفقر" أو "الجوع" أو "الحاجة" أو "التخلف المادي والتقني" أو "الضرورة"، يكون عن طريق تفعيل ركن الزكاة وفرضه على المجتمع فرضاً عاماً، فالزكاة "تؤمن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه العوام وتضمن الاحترام والطاعة من العوام تجاه الخواص"([82]). يقول الرسول (المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كالُبْنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً)([83]). و(خَيرُ النَّاسِ أنْفَعُهُم لِلنَّاسِ)([84]). فضلاً عن تحريم الربا الذي يسبب البطالة، والسعي وبذل الجهد الذي ينتج عنه الرقي، "فجزاء العمل والسعي هو الثروة وجزاء الكسل والبطالة هو البؤس"([85]). تقول رسالة المكتوبات:" إن اشد الناس شقاءً واضطراباً وضيقاً هو العاطل عن العمل، لأن العاطل هو ابن أخ العدم، أما السعي فهو حياة الوجود ويقظة الحياة.."([86]). فهي تحث على العمل والابتعاد عن البطالة والاكتفاء بالموجود.

 كما وجب على المسلم أن يختار المهنة التي تناسب فطرته وقابليته([87]). ويمكنه أن يستفاد من صناعة غير المسلمين فكفر الكافر وفسقه لا يضر بالمهرة ولا بالصنعة([88]). وأن يشجع على استخدام المنتوج المحلي بدلا من استخدام المنتوج الأجنبي([89]). وهذا جانب مهم في تشجيع اقتصاد البلاد الإسلامية، وأن تكون غاية المسلم في العمل الذي يقوم به هو لتقديم خدمة تفيد المجتمع كالزراعة والتجارة والصناعة، الخدمة التي عدتها رسائل النور فرض كفاية، إذ تقول:" إن الامتثال والطاعة لقانون التكامل والرقي للصانع الجليل- الجاري في الكون على وفق تقسيم الأعمال- فرض وواجب"([90])، لا لكسب العيش فقط - كالوظيفة الحكومية على سبيل المثال إذا ما سخرها لخدمة نفسه على حساب مصلحة الأمة- وبالتالي يعجز عن إفادة الآخرين([91]).

أما علاج الجهل الذي هو أساس كل سوء يكون بالعلم والمعرفة وتأسيس المدارس والمراكز التعليمية الدينية التي تجمع بين العلوم الدينية والدنيوية، وإنهاء التباين في الأفكار بين المؤسسات التربوية والدينية الثلاثة من حيث تدريس العلوم الدينية في المدارس الحديثة تدريسا حقيقيا وتحصيل بعض العلوم الحديثة في المدارس الدينية وتواجد علماء متبحرين في التكايا والزوايا([92])، وأن تتسلح الدول بسلاح العلم فبه القوة الحقيقة ذلك لأن "الحكومات التي تستند إلى القوة ستشيخ مثلها في ذلك مثل قوتها بسرعة، ولكن لما كان شأن العلم ومجده في تزايد مستمر، فإن الحكومات التي تستند إلى العلم ستكتب لها حياة أبدية.."([93]). فعلاج الجهل يكون إذن بسلاح المعرفة (وقد أشرنا إلى كيفية تفعيل دور المؤسسة التربوية في أخذ دورها سابقا). 

أما اليأس الذي هو داء عضال للأمم والشعوب والمانع لبلوغ الكمالات، فعلاجه الآية الكريمة ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾([94]). والقول المأثور (مَالَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ) فالشهامة الإسلامية تأبى أن يكون شأنها شأن الجبناء والعاجزين([95]).

أما تحقيق الصدق في المجتمعات الإسلامية الذي هو " أسس أساس الإسلام وواسطة العقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية"، وهو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية فيكون عن طريق ترك الرياء والمداهنة والتصنع والنفاق والكذب، فالكذب هو مفتاح الكفر والخرافات وبينه وبين الصدق بون شاسع كالفرق بين الكفر والإيمان، وما تعانيه المجتمعات اليوم من انعدام الأمن والاستقرار ما هو إلا نتيجة أخذ الشعوب بالكذب وجعلها أساسا في التعامل فيما بينها([96]). والتأكيد على المحبة بين المسلمين لأنها ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع إلى تحقيق السعادة، والابتعاد عن العداوة التي إذا ما انتشرت بين الناس تعم الفوضى والظلم والدمار لذا وجب تجنبها والتنفير منها، ومادامت المحبة مضادة للعداوة فلا يمكن أن يجتمعا أبدا كما لا تجتمع الظلمة والنور "فإذا تغلب العداء، انقلبت المحبة إلى مداراة وتصنّع، أما إذا تغلبت المحبة فالعداء ينقلب إلى ترحم وإشفاق ورقّة قلب"([97]). قال الرسول r ( لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ يَلتقِيَان فَيَصُدُّ هَذَا وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأ بِالسَّلَامِ)([98]). " فالإسلام والإنسانية اللذان يقتضيان المحبة هما كجبل (أحد) أما الأسباب المنتجة للعداء فليست إلا كالحصيات الصغيرة، فالذي يجعل العداء يتغلب على المحبة يرتكب في الحقيقة حماقة عظمية، كمن يبخس من قيمة جبل (أحد) ويستصغره إلى أدنى من حصاة "([99]). إذن فالود والمحبة والإخوة هي من طباع الإسلام وروابطه.

وترك التكاسل وعدم المبالاة بأمور المسلمين، وليرفع المسلمون شعار (إن مت أنا فلتحيا أمتي، فإن لي فيها حياة باقية) فإن حسنة واحدة يقوم بها المسلم لخدمة الإسلام لا تقتصر فائدتها على فاعلها وحده وإنما تتعداه لتعم فائدتها معنوياً على بقية المسلمين وهكذا مثلما الحسنات تتضاعف فإن السيئات تتضاعف أيضا لذلك وجب على المسلم الحذر من أن يكون سبباً في مضرة الأمة([100]).

ويكون علاج الاختلاف والتفرقة بالاتفاق والاتحاد ورجوع المسلمين في حل مشاكلهم الدينية إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وأن يأخذوا الأحكام الشرعية والضرورات منهما، ليكون العلاج نابعا من مصدريه الأساس فيتحقق منه نفع عام للمسلمين وتمسك ورغبة وتوجه نحوهما بدلاً من تشتت المسلمين بين آلاف الكتب الفقهية، التي وجب على المسلمين احترامها وتوقيرها هي الأخرى وتحويلها إلى كتب يستشف منها كنوز القرآن الكريم وتفسيراته فهي "وسائل شفافة كالزجاج لعرض قدسية القرآن الكريم وليس حجاباً دونه أو بديلاً عنه"([101]). ويكون أخذ الكتب الفقهية بطرق تربوية خاصة لتأخذ تلك الكتب مكانها الطبيعي ولتصل في أهميتها مصاف كتب الأئمة المجتهدين من السلف الصالح، على أن تجعل الغاية من قراءتها هي لأجل فهم ما يأمر به القرآن الكريم وليس لأجل ما يقوله صاحب الكتاب نفسه([102]). ويكون علاج التفرقة بإعلاء الإخوة الإسلامية بين المسلمين وان يستهدوا بقوله تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .([103])الذي يشير إلى التساند والترابط الذي إذا اختل تفقد الجماعة قوتها ومكانتها، وبالحديث الشريف (المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كالُبْنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً)([104]). أي في الاتحاد القوة والعظمة، ويكون الاتحاد في السعي في توحيد الجماعات الإسلامية في المسالك والمشارب، وانتهاج نهج المحبة فيما بينها وعدم انتقاص أحدها للأخر، وإتباع السنة النبوية والامتثال لأوامرها واجتناب نواهيها، وعدم التمايز بين الناس سواء كانوا من الخاصة أو العامة، مع ضرورة المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية ([105]). وقد عبرت رسائل النور عن الاتحاد والقوة الناتجة عنه بمعادلة رياضية هادفة إذ تقول:" إنكم تعلمون أن ثلاث ألفات إذا كتبت منفردة متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة واحد عشر، فإن بضع أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال فإن قوتهم تكون بقوة ثلاثة أو أربعة أشخاص، بينما إذا ما عملوا متساندين بإخوة حقيقية، مفتخراً كل منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الإخوة أن يكون أحدهم هو الأخر بنفسه، أقول: إنه ماذا ما عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.."([106]).

ومن الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي أيضا، شيوع الحسد الذي يكون وقعه على الحاسد نفسه أكثر ألماً وتأثيراً من المحسود، أما علاجه فيكون بادراك الحاسد عواقب فعله، وأن دوافع حسده ما هي إلا لأغراض دنيوية كأن تكون لمال أو قوة أو منصب، وأن حسده هو بمثابة اعتراض وسخط على قدر الله ورحمته، وأنه سيكون ممن قال عنهم الله تعالى ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ([107]). فهو ظلم نفسه لأنه فسح لقلبه بدخول العداوة إليها، وظلم نفسه مرة أخرى لأنها حرمها من الرحمة الإلهية لأنه اعترض عليها مسبقا([108]).

رابعا. إصلاح المؤسسة السياسية

المتتبع لرسائل النور يجد أنها لا تعارض السياسة بسبب عدم اتفاقها مع الإسلام أو أن العمل للإسلام يستوجب أمامه ترك العمل في السياسة، لكنها وجدت أن خدمة الإسلام داخل التيارات السياسية المعاصرة المتصارعة فيما بينها سيضطرها  إلى أن تتعاون وتركن إلى انحرافات بعض التيارات وستجامل وتهادن هذه التيارات على حساب مصلحة الإسلام، لذلك رأت في ضرورة أن تجتنب السياسة وأن لا تخوض الصراع مع التيارات الجارية داخل البلاد الإسلامية لاسيما ذات الاهتمامات السياسية، ووجدت في (الإخلاص) الذي وضعته أساسا في مسلكها، هو ما يمنعها عن جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، وترى أن الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى هو أفضل من الاستناد إلى قوة التيارات الحاضرة، كما أن إشفاقها على نفسها وخوفها من التلوث في ظلم الآخرين وإضرارهم جعلها تعزف عن السياسة لاسيما وأن المجتمعات في العصر الحاضر بدأت تأخذ بمضمون الآية الكريمة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ([109]). أساسا في تعامل الناس بعضهم مع بعض في الوقت الذي عزفوا وتناسوا قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾([110]). والذي يدعو إلى معاقبة من أخطأ وأجرم دون أن يحمل هذا الأمر الآخرين جريرة خطأ من قام به([111]). وهذا هو من طبيعة السياسة التي تقوم على التغاضي عن كثير من أخطاء وانحرافات الآخرين في سبيل أن تصل إلى غاية معينة، لذلك آثرت رسائل النور أن تجتنب السياسة وتبتعد عنها، تقول رسالة الشعاعات (الشعاع الرابع عشر): "إن الداخلين الآن ساحة السياسة مع وجود تيارات قوية سائدة لا يستطيع أحد منهم أن يحافظ على استقلاليته وعلى إخلاصه، لأن تياراً من هذه التيارات سيجره إليه ويجعله يعمل لحسابه ويستغله في مقاصده الدنيوية، مما يؤدي إلى الإخلال بقدسية عمله وخدمته، ثم إن أشد أنواع الظلم مع أشد أنواع الاستبداد قد أصبحت دستوراً وقانوناً من قوانين الصراع والنزاع المادي في هذا العصر...لذا كان على طلبة النور أن يبقوا محايدين تماماً، وكان من الضروري لهم عدم الخوض في السياسة وفي الصراع المادي وعدم الاشتراك فيه"([112]).

إلا أنها لم تأل جهدا في نصح الحكام وذوي السلطة وتحذيرهم من السياسة التي لا تتناسب في جوهرها مع الإسلام، إذ أرادت أن تفهم السياسيين أن السلطة لا تستطيع تحقيق القوة وفرض الطاعة على المجتمع إلا بتحقيق قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾([113]). وهذا الاعتصام فيه شرطان الأول امتثال السلطة بالشعائر الإسلامية وفرضها على المجتمع سيحقق قوة للدولة وهذه القوة هي من تمنع الأعداء من التجاسر والتطاول على الدول الإسلامية، الثاني أن هذا العصر هو عصر الجماعة، والشخصية المعنوية التي هي روح الجماعة أثبت وأمتن من شخصية الفرد، والسلطة لا تتمكن من أداء وظائفها إلا إذا استندت إلى هذه الروح المعنوية، كما أن الشخصية المعنوية تعكس روح العامة فإذا كانت فاسدة ففسادها ينعكس على السلطة وان كانت خيرة فسينعكس هذا الخير على السلطة([114]).

كما ترى رسائل النور في كيفية إصلاح المؤسسة السياسية ضرورة أن يجعل السياسيون سياساتهم تابعة للدين في كل شيء ومصالحه وفي وئام معه لا أن يجعلوا الدين أداة للسياسة، وأن يجعلوها وسيلة منقادة للشريعة ولا يقبلوا بالحرية إلا على أساس الوجه المشروع، وأن يتخذ السياسيون قوله r  (الحَبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ)([115]). بدلا من القول الرائج (الحب في السياسة والبغض في السياسة)([116]). فتطبيقها للشريعة الإسلامية سيحقق سعادة أمة الإسلام وسيحقق حياة اجتماعية فاضلة وسيخلص الأمم من الأخلاق الفاسدة والصفات الذميمة، فلو أخذت الحكومات على سبيل المثال بتطبيق الحد أو العقاب الشرعي في جريمة السرقة امتثالاً للآية الكريمة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ([117]). أو امتثالاً بقوله r  (لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سرَقَتْ لقَطَعْتُ يَدَهَا)([118]). لتخلصت المجتمعات الإسلامية من هذا الداء المستأصل فيما بينها ولعم الخير على الجميع([119]). كما أن طاعة ولي الأمر فريضة وأوجبت على المجتمع هذه الطاعة إلا أنها اشترطت أن يكون الحاكم مستقيما متدينا قائما بالحق، وإلا فلا طاعة له([120]).

 

 

الخاتمة

عند مراجعة المادة التي قدمتها رسائل النور عن الهدي النبوي في معالجة مشاكل العصر في المقاطع التي عالجها البحث نجد ما يلي:

  1. علاج رسائل النور لمشاكل العصر كان بمنهجية شكلت سقفا راسخا فوق تاريخ الأمة الإسلامية، متعاملة معها بلغة العصر الداخل بصراع في مواجهة جاهلية العصر الحديث.
  2. وظفت رسائل النور القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في بناء مادتها، متبعة معها عنصر التدرج في البدء والانطلاق من الجزئي إلى الكلي، معدة أن طريق الشريعة الإسلامية وتحقيق الحقائق الإيمانية أقصر الطرق في علاج مشاكل العصر.
  3. شخصت رسائل النور أنواع الاختلاف وعدته سبباً رئيسياً في ضعف وتأخر المجتمعات الإسلامية، ووضعت الحلول له ليستهدي بها المسلمون ويتخطوا العقبات التي وضعها الاستعمار أمامهم والتي تحول بينهم وبين إعلاء كلمة الله والتفاني في سبيلها.
  4. أكدت رسائل النور على قيمة الإخلاص والعمل والعقل والعلم، وعدتها أسبابا لتحقيق رقي المجتمعات، وأكدت على إيمانها بمبدأ التكامل من حيث ربط العلوم الدينية والعلوم الدنيوية في سبيل مواجهة جاهلية العصر.
  5. تشخيصها للإمراض الاجتماعية بنظرة واسعة وعميقة أوقعتها على حلول ناجعة وسريعة تتخطى بها ما تفرزه تلك الأمراض من أثار سلبية على المجتمعات والتي تكون سببا في إعاقة نهوضها وتقدمها.

 

 

 

-----------------------

([1]) قال الحافظ العراقي سنده ضعيف وقال أيضا آدم بن أبي إياس في كتاب العلم بلفظ اختلاف أصحابي لأمتي رحمة وهو مرسل ضعيف، ينظر: زين الدين محمد بن علي بن زين العابدين الحدادي القاهري، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج:1، ط1 (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1356) ص49.

([2]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (المكتوبات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (2)، ط5، المكتوب الثاني والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص342-343.

([3]) أبو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني، مسند الإمام احمد، تحقيق: شعيب الارنؤوط وآخرون، ج:35، ط2، رقم الحديث(21471)، (مؤسسة الرسالة، 1999) ص229.

([4]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص343-344.

([5]) المصدر نفسه، ص343؛ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (سيرة ذاتية)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (9)، ط5، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص314.

([6]) محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري، الجامع الصحيح، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ج:6، ط1، رقم الحديث(5061) (دار طوق النجاة، 1422ه) ص198.

([7]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (صيقل الإسلام)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (8)، ط1،  السانحات، (اسطنبول: دار سوزلر للنشر، 1995) ص349-350.

([8]) المكتوبات،  المكتوب السادس والعشرون، ص412-420؛ النورسي، سيرة ذاتية، ص314.

([9]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص443.

([10]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الكلمات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (1)، ط5، الكلمة السابعة والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص572.

([11]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:5، رقم الحديث(3673)،  ص8؛ محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق:  بشار عواد معروف، ج:6، رقم الحديث(3861)، (بيروت:دار الغرب الإسلامي، 1998) ص178.

([12]) علي بن احمد ابن محمد الطيب بن الجلابي المعروف بابن المغازلي، مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تحقيق: أبو عبد الرحمن تركي ابن عبد الله الوادي، ط1، (صنعاء: دار الآثار، 2003). قال ابن تيمية عن هذا الكتاب في منهاج السنة( وأما نقل ابن المغازي فاضعف واضعف فان هذا قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعة ما لا يخفى انه كذب على من له أدنى معرفة بالحديث).

([13]) أبو عبد الله احمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، فضائل الصحابة، تحقيق: وصي الله محمد عباس، ج:2، ط1، رقم الحديث (959)، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1983) ص569؛ بن حنبل، مسند الإمام احمد، ج:2، رقم الحديث(1311)ص71.

([14]) البخاري،  الجامع الصحيح، ج:4، رقم الحديث(3445)، ص167؛ ابن المغازلي، مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

([15]) النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة، ص31-37.

([16]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص339.

([17]) النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص854-855.

([18]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص468-469؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص86.

([19]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص530.

([20]) سورة الأعراف، الآية(176).

([21]) سورة محمد، الآية(24).

([22]) سورة آل عمران، الآية(65).

([23]) النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، ص571.

([24]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص334-335.

([25]) الشيباني، مسند الإمام احمد، ج:38، رقم الحديث(23489)، ص474.

([26]) المكتوبات، المكتوب الخامس عشر والسادس عشر، ص70، ص82؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص502.

([27]) سورة النجم، الآية(39).

([28]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:3، رقم الحديث(2027)، ص57.

([29]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص402-403.

([30]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص349.

([31]) النورسي، صيقل الإسلام،  محاكمات عقلية، ص150.

([32]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الخامس، ص27.

([33]) سورة آل عمران، الآية(31).

([34]) أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشْران بن مهران البغدادي، مالي ابن بشران، ضبط نصه: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف العزازي، ج:1، ط1، رقم الحديث (501)، (الرياض: دار الوطن، 1997)ص218.

([35]) النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية عشرة، ص74-79.

([36]) أخرجه العسكري وهو حديث ضعيف، ينظر: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، ج:1، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997) ص97.

([37]) سورة القلم، الآية(4).

([38]) النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية عشرة،  ص95.

([39]) المصدر نفسه، ص80-83..

([40]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الشعاعات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (4)، ط4، الشعاع الحادي عشر، رسالة الثمرة ( القاهرة: شركة سوزلر للنشر والتوزيع، 2005) ص283.

([41]) النورسي، السيرة الذاتية، ص98.

([42]) المصدر نفسه، ص 140-141.

([43]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص426.

([44]) سورة المائدة، الآية(44).

([45]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص426-427.

([46]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص ص493-499-500 .

([47]) المصدر نفسه، ص499-500.

([48]) النورسي، صيقل الإسلام،  محاكمات عقلية، ص147-148.

([49]) المصدر نفسه، ص149-153؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص72-73.

([50]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص473؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([51]) سورة هود، الآية(29).

([52]) سورة النور، الآية(54).

([53]) بديع الزمان سعيد النورسي، من كليات رسائل النور (الإخلاص والإخوة)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط1، اللمعة العشرون(القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2010) ص21-22، ص39-45؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص339؛ النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص234-236.

([54]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الثالث عشر، ص376، ص399.

([55]) سورة الأنفال، الآية(46).

([56]) سورة المائدة، الآية(2).

([57]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص23-35؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص338-339؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع،  ص846.

([58]) سورة الفرقان، الآية(72).

([59]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص35-38.

([60]) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، ج:4، رقم الحديث(4601) (بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت) ص327.

([61]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:1، ص13.

([62]) المصدر نفسه، ص30-32.

([63]) سورة الحشر، الآية(9).

([64]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (اللمعات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (3)، ط5، اللمعة الحادية والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص237.

([65]) المصدر نفسه، 26-29؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833.

([66]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص57-58؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص339؛ النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص236-237.

([67]) سورة الفرقان، الآية(72).

([68]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص7-8.

([69]) النورسي، صيقل الإسلام، محاكمات عقلية، ص66-67؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص 71، ص497-498.

([70]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص225.

([71]) النورسي، السيرة الذاتية، ص498-499.

([72]) المصدر نفسه، ص500.

([73]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص407-428؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص503-506.

([74]) النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([75]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص430؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص506.

([76]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص422؛ النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص473.

([77]) النورسي، اللمعة الحادية والعشرون، ص236-237.

([78]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص521.

([79]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص169.

([80]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص406-407؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص391.

([81]) المصدر نفسه، ص492.

([82]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص350-351؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833.

([83]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 32، رقم الحديث(19625)، ص399.

([84]) أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر المصري، مسند الشهاب، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، ج:2، ط2، رقم الحديث(1234)، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986) ص223.

([85]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص500؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833-834، ص861؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص146.

([86]) النورسي، المكتوبات، رسالة نوى الحقائق، ص613.

([87]) النورسي، صيقل الإسلام، محاكمات عقلية، ص127.

([88]) المصدر نفسه، المحكمة العرفية العسكرية، ص443.

([89]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص470-472.

([90]) النورسي، صيقل الاسلام،  محاكمات عقلية، ص43.

([91]) المصدر نفسه،  المناظرات، ص403-404،  ص428.

([92]) النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([93]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص407-428.

([94]) سورة الزمر، الآية(53).

([95]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص505-506.

([96]) المصدر نفسه، ص507-508؛ النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص417؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص836.

([97]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص78-84؛ النورسي، صيقل الإسلام، المناظرات، ص423؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص509.

([98]) أبو داود سليمان بن داود بن الجادر الطيالسي البصري، مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: محمد بن عبد المحسن التركي، ج:1، ط1، (مصر: دار هجر، 1999)ص484.

([99]) النورسي، صيقل الإسلام، المناظرات، ص423.

([100]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص510-514.

([101]) النورسي، صيقل الإسلام، السانحات، ص347.

([102]) المصدر نفسه، ص347-348.

([103]) سورة الأنفال، الآية(46).

([104]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 32، رقم الحديث(19625)، ص399.

([105]) النورسي، السيرة الذاتية، ص99-100؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص536-537.

([106]) المصدر نفسه، ص248.

([107]) سورة الأحزاب، الآية(72).

([108]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص340-341.

([109]) سورة إبراهيم، الآية(34).

([110]) سورة الأنعام، الآية(164).

([111]) النورسي، الملاحق، ملحق أميرداغ-1، ص243-244.

([112]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص424.

([113]) سورة آل عمران، الآية(104).

([114]) النورسي، السيرة الذاتية، ص185-186.

([115]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 35، رقم الحديث(21303)،  ص229.

([116]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص152، وملحق أميرداغ -2، ص334؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص521.

([117]) سورة المائدة، الآية(38).

([118]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:4، رقم الحديث(3475)، ص175.

([119]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص522-523.

([120]) المصدر نفسه،  المحكمة العسكرية العرفية، ص443.

 

 


51-) أبعاد امتـــثال الوحـــي لـــــدى الأنبيــــــــــاء وأثرها في دعوة النورسي من خـــلال رســـائل النـــور

 

 

أبعاد امتـــثال الوحـــي لـــــدى الأنبيــــــــــاء وأثرها في دعوة النورسي

من خـــلال رســـائل النـــور

                           

الدكتـــــــــور: محــــــــمَّد بودبـــــــــــــــان         

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية: قسنطينة – الجزائر

 

 

تمهيــــــــــد:

إنَّ لكلِّ دعوةٍ أيًّا كان صاحبها، أو حاميها، أو ممتثلها، ظروفاً وملابساتٍ؛ وجذوةً توقظ الهشيم بلهيبها؛ وأسباباً لوجودها واستمرارها؛ ومخاطبين آمنوا بها واستلهموها من أساساتها ومرتكزاتها إلى غاية دقائقها وتفصيلاتها. وإنَّ مقدار نجاح دعوةٍ ما – في الغالب الأعمّ- مرتبطٌ بدرجة تشرُّب الداعية لما يدعو إليه، أي لمدى امتثاله له، وهو في الشَّأن الإسلامي امتثال الوحي الإلهي الذي هو موضوع رسالة الأنبياء، الذي يورِّثونه بدورهم للعلماء، حيث يتَّخذونه مادَّة دعوتهم وتعليمهم؛ وامتثال الوحي هو "مادة الصدق" الذي ينبغي أن يكون بين المبلِّغين والمخاطَبِين؛ الذي يجعل بعد ذلك للدعوة أحد الحسنيين: إمَّا تحقيق أهدافها وانتصارها، وإمَّا الشهادة دونها ببذل النفس، والمال وكلّ مسرَّات الدنيا ولذَّاتها ومباهجها. وهو ما أريد بيانه في هذه المداخلة؛ بإسقاطه على الدَّعوة النُّورية للمجدِّد بديع الزمان النُّورسي؛ ولتحقيق الغاية من هذه الورقة البحثيَّة، ارتأيت أن أمزج في العرض فيها بين أمرين:

  • معالم التشبُّه بالأنبياء لدى النورسي.
  • معالم امتثاله لوحي الأنبياء في دعوته، الذي اجتمع في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين.

 

أوَّلاً: الوعي بمعالم النبوَّة ومفاهيمها لدى النّورسي.

إنَّ وعي النُّورسي بمعالم النبوَّة ومفاهيمها وتفصيلاتها؛ كان على الدرجة التامَّة من الوضوح والتشرُّب؛ حتَّى إنَّه لا يمكن أن يخلو له كلامٌ عن ذكر النبوَّة والأنبياء، أو الإشارة إليهما –ولو من بعيد- ولا عجب من ذلك من داعيةٍ اشتغل بالقرآن العظيم حياته كلَّها؛ بحيث أدرك مقاصده فقال: « إنَّ المقاصد الأساسية من القرآن، وعناصره الأصلية أربعةٌ: التَّوحيد والنبوَّة والحشر، والعدالة»[1].

وفهمه لرسالته الخيريَّة النُّوريَّة إنَّما أفاده من فهمه لضرورة النبوَّة للبشريَّة بأنَّ: « النبوَّة في البشريَّة فذلكة الخير، وخلاصة الكمال وأساسه؛ وأنَّ الدِّين الحقَّ فهرس السعادة؛ وأنَّ الإيمان حسنٌ منزَّهٌ، وجمالٌ مجرَّدٌ. وحيث إنَّ حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقًّا ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهدٌ في هذا العالم؛ فبالبداهة يكون الحقُّ، والحقيقة في جانب النبوَّة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشرُّ والخسارة في مخالفيهم».[2]

ويمكننا أن نلحظ أنَّ أروع تصوير لشرف الأنبياء المصطفين، وعلوِّ منزلتهم؛ وقربهم من الله تعالى؛ وعظم رسالتهم، كان في الصورة التاسعة من الكلمة العاشرة في مبحث الحشر[3]؛ بل أروع منه كلامه في المثنوي العربي النُّوري حيث قال: «ثمَّ إنَّه كما لا يمكن وجود الشَّمس بلا نشر ضياء؛ كذلك لا يمكن الألوهية بلا تظاهر بإرسال الرُّسل. ولا يمكن جمالٌ في نهاية الكمال بلا تبارزٍ وبلا تعرُّفٍ بواسطة رسولٍ معرِّفٍ. ولا يمكن كمال صنعةٍ في غاية الجمال بلا تشهيرٍ بواسطة دلالٍ ينادي عليه. ولا يمكن سلطنة ربوبيَّةٍ عامَّة، بلا عبوديَّة كلِّيَّةٍ، بإعلان وحدانيته وصمديَّته في طبقات الكثرة بواسطة مبعوث ذي الجناحين. ولا يمكن حسنٌ لا نهاية له، بلا طلب ذي الحُسن، ومحبَّته، لمشاهدة محاسن جماله، ولطائف حسنه في مرآة. وبلا إرادته لإشهاد أنظار المستحسنين عليه، وإراءته لهم بواسطة عبدٍ حبيبٍ يتحبَّب إليه، ورسولٍ يحبِّبه إلى النَّاس. أي هو بعبوديته مرآةٌ لشهود ذي الجمال، جمال ربوبيَّته، وبرسالته مدار إشهاده»[4]. وقد خصَّ النبيَّ محمَّدا صلى الله عليه وسلَّم بأعظم الشرف والوصف والتعظيم، وأهليته للرسالة العظيمة الخاتمة[5]. كما إنَّه بيَّن وظيفة الرسول في حكاية تمثيليَّة بديعة بيَّن من خلالها كيف تدعو الأنبياء؛ وكيف يكون نصحهم وإرشادهم للنَّاس، وكيف تكون تلامذتهم.[6] وقرَّر: « أنَّ أعظم وليٍّ من الأولياء لا يبلغ أيَّ نبيٍّ من الأنبياء»[7].

كما يدرك النُّورسي وظيفة الأنبياء التي ورثها عنهم؛ وجعلها عنواناً لعطائه: « إنَّ جميع الأنبياء وهم ذوي الأرواح النيِّرة... يبشِّرون البشريَّة بالسعادة الأبديَّة؛ وينذرون أهل الضلالة بأنَّ مصيرهم النَّار؛ ويبشِّرون أهل الهداية بأنَّ عاقبتهم الجنَّة».[8] «كذلك الأنبياء والرُّسل عليهم السَّلام، والكتب المنزلة عليهم، يبيِّنون ويدلُّون على ذلك المتكلِّم الحيّ الذي يأمر وينهى بكلماته وخطاباته من وراء الغيب المحجوب وراء ستار الكون

وهو مدركٌ أنَّ حلقة النبوَّة أساسٌ في تحقق الكمالات الإنسانيَّة: « وإذا تأمَّلت في أحوال النوع بنظر نافذٍ، رأيت كلَّ ترقيَّات الرُّوح المعنويَّة؛ وكلَّ تكمُّلات العقل، وترقيات الفكر المثمرة، بدرجةٍ تحير فيها العقول؛ إنَّما وجدت كافَّةً بالتكليف. وإنَّما استيقظت ببعثة الأنبياء، وإنَّما تلقحت بالشرائع، وإنَّما ألهمت من الأديان؛ ولولاها لبقي الإنسان حيواناً ولانعدمت هذه الكمالات الوجدانيَّة، وتلك المحاسن الأخلاقيَّة».[9]

كما يدرك تمام الإدراك أنَّ للنبوَّة متطلَّباتٍ متعلِّقة بالشريعة وتطبيقها وانتشارها: «ثمَّ لمحافظة تأثير تلك الشَّريعة، وجريانها، لابدَّ من مقنِّنٍ، وصاحبٍ ومبلِّغٍ ومرجعٍ، وما هو إلاَّ النبيُّ عليه السلام. ثمَّ إنَّ النبيَّ لإدامة حاكميته في الظواهر والبواطن، وفي العقول والطبائع، يحتاج إلى امتيازٍ وتفوُّقٍ: مادةً ومعنىً، سيرةً وصورةً، خلقاً وخُلقاً. ويحتاج أيضاً إلى دليلٍ على قوَّةِ المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم؛ وما الدليلُ إلاَّ المعجزات. ثمَّ لتأسيس إطاعة الأوامر، وتأمين اجتناب النواهي، يحتاج إلى إدامة تصوُّر عظمة الصانع، وصاحب الملك في الأذهان؛ وما هو إلاَّ تجلِّي العقائد. ثمَّ لإدامة التصوُّر، ورسوخ العقائد، يحتاج إلى مذكِّرٍ مكرّر، وعملٍ متجدِّدٍ؛ وما المذكِّر المكرر إلاَّ العبادةُ».[10]

والنُّورسي يدرك، ويتحقَّق ما امتثالُ الأنبياء للوحي، وما درجة الكمال البشري التي بلغوها في ذلك، وبخاصَّة خاتمهم، قال: «كان الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد امتثل امتثالا كاملاً قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾[11] فالاستقامة تظهر في جميع أفعاله وأقواله وأحواله، ظهوراً لا لبس فيه».[12]

وعلى ضوء الكلام الأخير؛ ارتأيت أن أتناول أبعاد امتثال الوحي لدى الأنبياء وإسقاطاتها على دعوة النُّورسي من خلال ثلاثة مناحٍ: من ناحية التصورات والمعتقدات؛ ثم من ناحية السلوك النفسي؛ وأخيراً من ناحية التطبيق في طريقة الدعوة ونهجها.

 

ثانياً: امتثال الوحي في باب التصوّرات والمعتقدات.

إنَّ أيَّ صاحب دعوةٍ لا يمكنه أن يؤدِّي رسالته مالم يكن له تصوُّرٌ واضحٌ، وبيِّنٌ عن موضوعها وأبعادها وتفصيلاتها؛ فيتشرَّب معانيها، ويتذوَّق هو حلاوة معانيها؛ ويرتبطَ بها وجدانيًّا وشعوريًّا، بحيث يصير وجودُهُ، وعيشُه، ومآلُه مرتبطاً بدعوته؛ فيبذل حينها الغالي والنَّفيس في سبيلها؛ ولا يرضى أن تزول دعوتُه دون زواله هو؛ ولا يدور في خلده ارتياب، ولا يساوره أدنى الشَّك. وإنَّ ذلك واضحٌ، على التمام من الوضوح في حياة الأنبياء، والتي يرثها عنهم العلماء؛ الذين يرون في ذلك الميراث حقًّا لأمم الأنبياء، لا يجوز بحالٍ التَّفريط فيه.

إنَّ الله تعالى علَّم نبيَّه مالم يعلم، وأرشده إلى أنَّ العلم قبل القول والعمل؛ فمالم يَصْفُ التصوُّر والاعتقاد، فلا سبيل إلى صواب القول والعمل؛ قال الله تعالى آمراً نبيَّه الكريم ومرشداً له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالـمُؤْمِنَاتِ﴾[13].

والنّورسي استمدَّ تعليمه من القرآن الكريم، وفي مدرسة النبوَّة كما يُستفاد من قوله: «يا ربِّي الرحيم: لقد أدركت بتعليم الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وفهمتُ من تدريس القرآن الحكيم...».[14] وهو قد كان دائباً محاوِلاً أن يتفهَّم غاية وجوده، ومسار حياةٍ مُنجيةٍ؛ فحالما يستيقن التصوُّرات القرآنيَّة الموحى بها، لا يرى عنها بديلاً أو حِوَلاً؛ ففي حادثة عدم قيامه للقائد الروسي مثلاً وهو في الأسر، حيث كاد يكون سبباً في إعدامه، قال: إنَّني عالمٌ مسلمٌ أحمل في قلبي الإيمان؛ فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممَّن لا يحمله؛ فلو أنَّني قد قمتُ له احتراماً، لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي، ولهذا لم أقم له.[15] ويقينه ذلك، مع يقينه أنَّ أجلَه بيد الله، جعل حكم الإعدام يُلغى في حقِّه.

والإنسان الداعية يستمد تعليمه من رسالته التي يجعلها تعليمه؛ والنُّورسي علَّمه القرآن في مدرسة النبوَّة كما وصف: « إني نظراً إلى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[16]؛ ومستنداً إلى أنَّ التَّنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه، كذلك يعلِّمك بإشاراته ورموزه؛ لأفهمُ من إشارات أستاذية إعجاز القرآن في قصص الأنبياء ومعجزاتهم التَّشويق، والتَّشجيع للبشر على التوسُّل للوصول إلى أشباهها. كأنَّ القرآن بتلك القصص يضع أصبعه على الخطوط الأساسيَّة، ونظائر نتايج نهايات مساعي البشر للترقِّي في الاستقبال الذي يبنى على مؤسَّسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل. وكأنَّ القرآن يمسح ظهر البشر بيد التَّشويق والتَّشجيع قائلاً له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق»[17].

ثالثاً: امتثال الوحي في النَّفس.

وإذا  كان المظهر الأوَّل لامتثال الوحي هو في باب التصوُّرات والمعتقدات، فإنَّه لا بدَّ أن تظهر آثار ذلك الامتثال النظري في العمل والسلوك الظاهر؛ وهو ما يكون تمهيداً للسبيل أمام الخطاب الدَّعويِّ الذي لا يمكنه أن يُثمر مالم ينبني على اهتداء صاحب الدعوة بنور دعوته؛ حتَّى يُبصر المخاطبون حاله فيتبعونه لما رأوه من النور؛ كما يدلُّنا عليه الرجل الساعي من أقصى المدينة؛ فقد أرشد قومه إلى أنَّ الحال المستقيمة للمرسلين دليلٌ على صدقهم فقال لهم فيما حكاه الله تعالى عنه في محكم التَّنزيل: ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[18]. فالله تعالى هو الذي يصنعهم على عينه؛ وأَمَرَهم أن يكونوا صالحين وفق الوحي الذي أنزله عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[19]. فيستحقُّون حينها الثناء الجميل كالذي أثنى به الله تعالى على نبيِّه الكريم بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[20].

وهذا الامتثال في النَّفس، يستوجب علينا أن نقف معه في بعض النّقاط كالآتي:

  1. منَّة الله تعالى وسبق لطفه بإعداد الأنبياء والدعاة.

إذا كان الأنبياء يمتثلون الوحي فيزيِّنون به أنفسهم؛ فإنَّه تجدر الإشارة أنَّ الله تبارك، وجلَّ وعلا يسبق لطفُه بهم، فيزيِّنهم باستعداداتٍ ابتداءً، صناعةً لهم على عينه؛ أي بما هو خارجٌ عن كسبهم أساساً؛ وتقع مشابهة العلماء للأنبياء باعتبار الوراثة لهم. وقد تحقَّقت الآية الكريمة في النّورسي على سبيل المشابهة: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[21] فقال محدِّثا بنعمة ربِّه عليه: «إنَّ أكثر أحداث حياتي قد جرت خارجةً عن طوق اقتداري وشعوري وتدبيري؛ إذ أعطِيَت لها سيرًا معيَّنا، ووجِّهت وجهةً غريبة، لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم».[22]

والحرمان في تكوين الدَّاعية كما في الأنبياء هو إعدادٌ لهم لتحمُّل الرسالة، وصرفٌ لهم عن الشواغل والصارفات عن مهمَّات الأمور؛ وقد نال النُّورسي نصيبا من ذلك، قال رحمه الله تعالى: تبيَّن لي بياناً قاطعاً أنَّه كان إحساناً عظيماً عدم منحي الشِّعر والخط ... فلو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقرُّ في القلب. فما من علمٍ بدأت به سابقاً، إلاَّ وكنت أكتبه في روحي... أمَّا الشِّعر، فرغم أنَّه وسيلةٌ مهمَّةٌ للتَّعبير؛ فإنَّ الخيال يقضي فيه بحُكمِه، فيختلط بالحقيقة، ويغيِّر من صورتها؛ وأحياناً تتداخل الحقائق. ولم يفتح القدر الإلهي باب الشِّعر أمامنا، عنايةً وفضلاً منه تعالى؛ لأنَّه كان من المقدَّر أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم، التي هي حقٌّ خالصٌ، ومحض الحقيقة؛ فالآية الكريمة: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[23] متوجِّهة إلى هذا المعنى.[24]

وقال كذلك مبيِّنا أنَّ الله تعالى يختار له أحسن المسار: « إنَّني أحمد الله تعالى حمداً لا أحصيه؛ إذ حوَّل أنواع الظلم والمكاره التي جابهني بها أهل الدنيا، إلى أنواعٍ من الفضل والرَّحمة. وإليكم البيان: بينما كنت منعزلاً في مغارة –وقد طلَّقت السياسة، وتجرَّدت عن الدنيا منشغلاً بأمور آخرتي- أخرجني أهل الدُّنيا من هناك، ونفوني –ظلماً وعدواناً – فجعل الخالق الرَّحيم الحكيم هذا النفيَ لي رحمةً؛ إذ حوَّل ذلك الانزواء في الجبل الذي كان معرَّضاً لعواملَ تُخِلُّ بالإخلاص والأمان، إلى خلوةٍ في جبال: "بارلا" يحيط بها الأمن والاطمئنان والإخلاص».[25]

 

  1. من امتثال الوحي عدم الركون إلى النَّفس وإن ظهر صلاحها.

الأنبياء أعلم النَّاس بمنزلتها، لا تريد رفعاً لها لما هو أعلى من منزلتها؛ ولذلك يحاربون النَّفس التي هي أعدى العِدا؛ وكذلك عُلِّموا: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾[26]. والنُّورسي امتثالاً للوحي يرفض الركون إلى نفسه، والاغترار بغرورها؛ فهو بما علمه من الوحي، أعلمُ بنفسه من أقرب النَّاس إلى نفسه، فثناء النَّاس عليه لا يجعله يغفل عن اليقين الذي يعلمه عن نفسه، قال رحمه الله: أرفض حسن الظنِّ المفرط بشخصي، الذي يفوق كثيراً حدِّي وطوقي؛ لأنِّي –كإخوتي – لا أحسن الظنَّ بنفسي.[27]

بل نجده يحاسب نفسه حسابا شديداً: اعلم يا "أنا" المتمرّد المغرور المتكبِّر؛ انظر إلى درجة ضعفك وعجزك وفقرك ومسكنتك؛ إذ يبارزك ويصارعك فتخرُّ صَعِقاً، الحُوَيْنُ الذي لا يُرى إلاَّ بتكبيره مرَّاتٍ ودرجاتٍ.[28] ويستمر في مجاهدة نفسه بلا توقُّف فيقول: « اعلم أنَّ هذه ثلاثون سنة لي مجادلةً مع طاغوتين وهما "أنا" في الإنسان؛ و"الطبيعة" في العالم».[29]

فهو مدركٌ للنَّفس ومتطلَّباتها الطاغية، فلذلك كان دائم التَّحذير لها؛ وخاطبها ذات المرَّات فقال لها: «اعلمي: يا أيَّتها النَّفس الأمَّارة أنَّ لك دنيا هي قصرٌ؛ واسعةٌ مبنيَّةٌ بآمالك وتعلُّقاتِك، واحتياجاتك إلى الأكوان».[30] فالنُّورسي كان معرضاً عن الدنيا وزخرفها، وكذلك الأنبياء تتبِّع تحذير ربِّها من الركون إلى الدُّنيا، والاطمئنان بها.

  1. امتثال الوحي لدى الأنبياء وورثتهم قاعدة تربويَّة دعويَّة.

إنَّ امتثال الأنبياء عليهم السلام للوحي – وهم مبلِّغوه- هو تأصيلٌ لمبدأ القدوة؛ وضمانٌ لاستمرار ذلك في توريث علومهم للأمم والأجيال من بعدهم؛ ومبدأ اتخاذ القدوة هو مبدأ فطريٌّ متأصِّلٌ في خلقة الإنسان، فالولد الصغير في نشأته ينظر في محيطه الأقرب فالقريب، ويحاكي السلوكات والتصرُّفات ونحوها من المكتسبات ولذلك فإنَّ إنكار القدوة، إنكارٌ للأبوَّة والأمومة أوَّلاً، ثمَّ تمزيقٌ للأسرة ثانياً، ودعوى للتحلُّل من الأخلاق والقيم، والآداب الرفيعة ثالثاً. إنَّ إنكار القدوة إنكارٌ لرسالة المعلِّم والمربِّي؛ والأخطر من ذلك أنَّها دعوى لإنكار رسالة الأنبياء والمرسلين والمصلحين.[31]

وإذا تأمَّلنا دعوة النُّورسي النُّورية، فإنَّنا نجده قد قام بأمرين في هذا المسار هما:

  • تشبُّهه بالأنبياء عليهم السلام، واتِّخاذه القدوة بهم.
  • إعطاء القدوة بنفسه، ثمَّ بأصحابه طلبة النُّور.

فالتشبُّه بالصالحين سبيل نجاح الدعوة، فالأنبياء –وهم إخوةٌ لعلاَّتٍ- أمروا أن يكونوا قدوةً بعضهم لبعض، لاهتدائهم وامتثالهم لنور الوحي: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهْ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾[32].

ومن تشبُّه النُّورسي بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تعبُّده في الخلوة قبل البعثة: قال في المكتوب الرابع: «أنا الآن في موضعٍ، على ذروة شجرة صنوبر ضخمةٍ عظيمة، منتصبةٍ على قمَّة شاهقةٍ من قمم جبل "جام" لقد استوحشتُ من الإنس، واستأنستُ بالوحوش».[33]

 

ثالثا: امتثال الوحي في البلاغ.

يأتي في المرحلة اللاحقة من المرحلتين السابقتين، أن يحدث امتثالٌ للوحي في كيفيَّة البلاغ والدعوة في حدِّ ذاتها؛ فالأنبياء دعوتها على هدىً وبصيرةٍ:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الـمُشْرِكِينَ﴾[34]. ولذلك فإنَّ دعوة الأنبياء لا تأتي مخالفة للبصيرة التي استيقنوها نظريًّا، وامتثلوها في أنفسهم؛ فقد قرَّر الله تعالى أنَّه: ﴿مَاكَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الـمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[35].

وعلى ذلك فإنَّ تمام امتثال الوحي يكون بعدم التصرفُ في دعوةٍ لا يملك الداعية حقَّ تبديلها، أو المساومة عليها؛ لأنَّها ليست ملكه، بل هو مؤتمنٌ عليها: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِم ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[36].

فالمنهج الذي يحكم دعوة الأنبياء وورثتهم، لا ترسم معالمه وخطوطَهُ الأهواءُ، ولا تتحكم في مساراته التحكُّمات الشخصية، ولا تميل به الميولات؛ وإنَّما يضبطه ويسدِّده الوحي؛ فلننظر في أبعاد ذلك، وإسقاطاته على دعوة النُّورسي رضي الله تعالى عنه كالآتي:

  1. امتثال الوحي يجعل الداعية مبلِّغاً.

أي إنَّه مؤتمنٌ؛ وهذا يستتبع تقرير أمرين:

  • أنَّ النتيجة والتوفيق على الله.
  • أن يصمد الداعية في وجه الإغراءات أو التهديدات على السواء.

فأمَّا الأمر الأوَّل فكان يُدركه النّورسي تمام الإدراك؛ قال رحمه الله تعالى: «إنَّ وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص؛ أمَّا إحراز التَّوفيق، وحملُ النَّاس على القبول، ودفع المعارضين، فهو مـمَّا يتولاَّه الله سبحانه».[37] وذلك يشدُّ من أزر الداعية؛ بما يطمئنه على أجره وجزائه عند ربه؛ على بلاغه.

وأمَّا الأمر الآخر: وهو تجنُّب الترغيب والترهيب الدنيويَّين أن يؤثِّرا في امتثال الوحي في البلاغ؛ فإنَّه شديد الوضوح في قصص الأنبياء: فكم من نبيٍّ قال كما قال نوحٌ لقومه:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الـمُسْلِمِينَ﴾[38]. وكم من نبيٍّ فوَّض أمره لربه؛ غير آبه بالملأ من قومه، كصنيع هودٍ عليه السلام: ﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَريءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[39]. فالرغبة إلى الله، والرهبة منه، ذلك دستور الأنبياء.

إنَّ النُّورسي بادئ ذي بدء يوصي العالم  - ونفسَه - أن لا يفتري على الله، وألا يحزن بما يلقاه من شظف العيش، فيتصرَّف في ما يحمله من الرِّسالة المؤتمن عليها، مقابل حطام الدنيا، أو استرضاءً للمخالفين؛ فقال له: «اعلم أيُّها العالم الدِّينيّ: لا تحزن على عدم الرَّغبة في عملك، وقلَّة أجرتك؛ إذ المكافأة الدنيويَّة تنظر إلى جهة الاحتياج، لا إلى درجة القيمة الذاتيَّة. إذ جهة المزيَّة الذاتية ناظرةٌ إلى المكافأة الأخرويَّة؛ لا يجوز لك أن تشتري بها ثمناً قليلاً من متاع الغرور».[40]

ولذلك فإنَّه رفض الإغراءات الدنيوية جميعها؛ وقال: «إنَّ سرَّ الإخلاص يمنعني منعاً باتًّا أن أجعل رسائل النُّور، والخدمة الإيمانيَّة أداةً لرتبٍ دنيويَّةٍ؛ ولمقاماتٍ أخرويَّة لشخصي. كما أرفض رفضا قاطعاً جعل تلك الخدمة المقدَّسة وسيلةً لراحتي بالذَّات، وقضاء حياتي الدنيويَّة مرتاحاً هنيئاً. حيث إنَّ صرف الحسنات الأخرويَّة وثمراتها الخالدة في سبيل نيل لذائذ جزئيَّةٍ لحياةٍ فانيَّةٍ ينافي سرَّ الإخلاص».[41] وقال لطلاب النُّور: «إنَّ درس الحقيقة الذي تأخذه من أستاذٍ لا يتنازل إلى حطام الدُّنيا والذلِّ؛ ولا يطلب عوضاً عن أدائه الحقَّ والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنُّع؛ هذا الدرس هو بقيمة الألماس. بينما الدرس الذي يُتَلقَّى من أستاذٍ اُضطرَّ إلى أخذ الصدقات؛ وإلى التصنُّع للأغنياء، وإلى التَّضحية حتَّى بعزَّته العلميَّة، في سبيل جلب أنظار النَّاس، فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدَّقون عليه؛ وبهذا جوَّز أخذ ثمرات الآخرة في الدُّنيا. أقول: إنَّ هذا الدرس يهون إلى مستوى قطعٍ زجاجيَّةٍ، ولو كان الدرس هو نفسه»[42].

بل إنَّ الأمر أفضى به إلى رفض الهدية، بل ورفضها من أقرب المقربين إلى نفسه؛ وألحق ذلك بأخذ الأجر على البلاغ؛ وما يرتبط بها من محظورات؛ قال في المكتوب الثاني: «نحن مكلَّفون باتِّباع الأنبياء – عليهم السلام- في نشر الحقِّ وتبليغه؛ وإنَّ القرآن الكريم يذكر الذين نشروا الحقَّ أنَّهم أظهروا الاستغناء عن النَّاس بقولهم: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ﴾[43]؛ وإنَّ الآية الكريمة: ﴿ اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[44] في سورة يس، تفيد معاني جمَّةً، ومغزًى عميقاً، فيما تخصُّ مسألتنا هذه».[45]

وأمَّا عن الصلابة والشجاعة في الحقِّ لدى النُّورسي؛ فحدِّث عنهما ولا حرج، فقد بلغ فيها مبالغ مذهلة؛ وذلك ما ينبغي أن يتحلَّى به صاحب أيِّ دعوة؛ حتَّى يستطيع تحمُّل الإذاية، وتقوى نفسيَّته، ويكتمل امتثاله حينها؛ قال النُّورسي عن نفسه: «إنَّ أصدقائي وأحبابي الذين يلاحظون راحتي وأحوالي، يستغربون من إيثاري الصَّمت، وتجمُّلي بالصبر اتّجاه كلِّ مصيبةٍ تنزل بي؛ فيتساءلون: كيف تتحمَّل الضِّيق والمشاقَّ التي تنزل بك؟ فلقد كنتَ من قبل شديد الغضب، لا ترضى أن يمسَّ أحدٌ عزَّتك، وكنت لا تتحمَّل أدنى إهانةٍ»[46]؛ فداعي عدم التحمُّل موجود في طباع النُّورسي، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم والاشتغال بتعليمه هذَّبا كلَّ شيءٍ فيه.

ويصف لنا مصطفى صنغور، تلميذُهُ بعض البلاء الذي نزل بأستاذه إذا قال: « ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون هذا "السعيد" المسعود، موضع فخرٍ واعتزاز بما بيَّن للبشريَّة بنور القرآن المبين طريق العروج إلى أعلى مراتب المعرفة الإلهيَّة برسائل النور؛ قام أهل الشقاء بنقيض ذلك، فتجرَّأوا على تسميمه مرَّاتٍ ومرَّات...حتَّى رماه الصبيان بالحجارة حينما خرج من بيته يوماً في قسطموني، قاصدا التوضُّأ من النبع؛ ولكنَّه تحمَّل وتجمَّل بالصبر؛ ولم يحمل في صدره غير السلامة، وفي قلبه غير الطُّهر لأولئك الصبيان؛ فلم يغضب، ولم يحقد عليهم، بل دعا لهم بالخير. وقال: لقد أصبح هؤلاء سببا لكشفي سرًّا من أسرار آيةٍ جليلةٍ في سورة يــــــــــــس. ثمَّ أصبح أولئك بفضل الله وبركة الدعاء لهم بعد ذلك يهرولون إلى أستاذنا أينما رأوه، ويقبِّلون يده، ويرجون منه الدعاء».[47]

وصلابة النُّورسي كانت روحاً يصبُّها على تلاميذه إذ قال لهم: "ولتكن رؤوسنا فداءً لحقيقةٍ افتدتها ملايين رؤوس الأبطال" قال: هذه الجملة التي صدعتُ بها وجوهَهُم في المحكمة ختامَ مرافعتي، أعلنَّا بها أنَّنا نثبُت حتَّى النِّهاية؛ فلا نتخلَّى عن هذه الدَّعوى؛ وآمل ألاَّ يكون فيكم من يتخلَّى عنها. فما دمتم قد صبرتم وصمدتم حتَّى الآن، فتجمَّلوا بالصبر والتحمُّل؛ فإنَّ قسمتنا من الرِّزق، ووظيفتنا هنا لم تنتهيا بعد.[48]

وقال يصوِّر حجم الدنيا ومعناها لديه، ولدى المهتدين بدعوته في مقابل ظنون من يتربَّصون به من أعداء دعوته النُّورانيَّة: « إنَّ هناك خُلُقاً ضعيفًا، وعرقاً واهياً لدى الإنسان؛ وهما الاهتمام بهموم العيش والطمع؛ فقد بحثوا عنهما كثيراً للاستفادة منهما، ولكن لم يجنوا شيئاً بفضل الله من ذلك الجانب الضعيف؛ حتَّى خلصوا إلى أنَّ متاع الدُّنيا الذي يضحُّون في سبيله بمقدَّساتهم، تافهٌ لا يساوي شيئاً عندنا. وقد تحقَّق ذلك عندهم بحوادث كثيرة؛ حتَّى إنَّه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا أكثر من مئة مرَّة استفساراً رسميًّا من الإدارات المحلِّيَّة: بم يعيش؟».[49]

  1. امتثال المنهج التعليمي النبوي.

إذ إنَّه لا شيء يعلو على تربية الأنبياء، ونهجهم؛ ويمكننا أن نلحظ سلوك النُّورسي في تعليمه ودعوته بما تظهر فيه ملامح الامتثال، والتشرُّب للتعليم النبويّ الشريف؛ فمن ذلك:

أ/ ربطه لأعماله وأقواله بالقرآن الكريم، وهو عمل النبيِّ الخاتم عليه الصلاة والسلام، وهذا مالا يحتاج إلى التَّمثيل له، فرسائل النُّور كلُّها تشهد له به.

ب/ اعتماده أسلوب السؤال والجواب... ويكفي أن نعلم أنَّ مجموعة المكتوبات إنَّما هي أجوبةٌ عن أسئلة أحد السابقين من تلامذته في "بارلا"، وهو: "خلوصي يحي كيل" الذي كان يبعث إلى أستاذه أسئلته، وما يُستفسَر منه من أمورٍ إيمانيَّةٍ؛ وجُمعت بأمر الأستاذ نفسه، وسمِّيت بـــ: "المكتوبات".[50]  

جــــــ/ ضربه للمثل التوضيحيِّ، وإن كان لم يقع حقيقةً، ولكنَّه ممَّا يقع؛ قال مصدِّرا الكلمة العاشرة في مبحث الحشر: « إنَّ سبب إيرادي التَّشبيه والتَّمثيل بصورة حكاياتٍ في هذه الرسائل، هو تقريب المعاني إلى الأذهان من ناحيَّةٍ، وإظهار مدى معقوليَّة الحقائق الإسلاميَّة، ومدى تناسبها، ورصانتها من ناحية أخرى. فمغزى الحكايات إنَّما هو الحقائق التي تنتهي إليها، والتي تدلُّ عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكاياتٍ خياليَّة، وإنَّما حقائق صادقة»[51]. وغالب أمثلته عن الجنود والجندية. فالكلمات في الغالبية العظمى منها تنفذ إلى غرضها من خلال حكايةٍ توضيحيَّة فيها ضرب المثال؛ فيقول: «فأنصت معي إلى هذه الحكاية التَّمثيليَّة القصيرة:...»[52]. وهو يأخذ في هذا بمسلك القرآن الكريم، إذ يقول: « اعلم أنَّ القرآن المعجز البيان، يعبِّر كثيراً عن تبيين الحقائق بضرب المثل؛ بسِرِّ أنَّ الحقائق المجرَّدة الإلهيَّة متمثلَّة في دائرة الإمكان، ويلاحظ من خلفها شؤون دائرة الوجوب؛ ولله المثل الأعلى».[53]

د/ أمره لتلاميذ النور أن يقتدوا به، بما يُذكِّرنا بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لتأخذوا مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه»[54].

هــ/ اغتنامه الفرص التي تعنُّ له من أمكنة، أو أزمنة، أو أشياء، للتنبيه على حكمة معيَّنة. قال مصطفى صنغور، تلميذ الأستاذ: « كنَّا نخرج معه أيَّام الصيف إلى الغابة البعيدة؛ فكان يصحِّح في الطريق، أو يستمع إلى ما نقرأه من الرسائل، أو يدرِّسنا من إحدى مؤلَّفاته القديمة... وهكذا فما كنَّا نشعر بسأم ولا تعبٍ مع الأستاذ، حتَّى ولو كان الدرس من الصباح إلى المساء، ومشيا على الأقدام».[55]

و/ الترفُّق في الخطاب: الأنبياء لها ترفُّق بالأنفس، ولين في الحديث وتألُّفٌ للنفوس؛ ويمكننا أن نلحظ النورسي مثلاً في "الكلمات" حين يختمها؛ يختمها أو يضمِّنها بمخاطبة النَّفس عادةً، نفسِه هو فيقسو عليها، ويرفق بنفوس النَّاس: «فيا نفسي الكسلى؛ ويا صاحبي في الخيال [...] فيا نفسي، ويا أيُّها الرَّجل المنصت معي إلى هذه الحكاية: ...»[56]؛ وكم هو ليِّن شفيق في مخاطبة العاصي: فيا صديقي الحميم، ويا نفسي الأمَّارة بالسوء: ...[57]

والشفقة سمة بارزة في الأنبياء؛ لأنهم يعلمون من الله مالا يعلمه غيرهم من البشر، وقد كان النّورسي مدركاً لذلك: ففي الحقيقة الخامسة من الكلمة العاشرة عنونها: "باب الشفقة وعبودية محمَّد صلى الله عليه وسلَّم".[58] وهو ما امتثله في إعراضه عن السياسة في آخر عمره وقد كان مقبلاً عليها؛ قال: « إنَّ القانون الأساس للسياسة البشريَّة هو: "يُضحَّى بالأفراد من أجل سلامة الأمَّة؛ وتُفدى بالأشخاص حفاظاً على الجماعة؛ ويرخص كلُّ شيءٍ في سبيل حماية الوطن". فجميع الجرائم البشعة التي ارتكبت في البشريَّة إلى الآن إنَّما ترتكب بالاستعمال السيِّء لهذه القاعدة، ولهذا القانون الأساس... ولقد وجدتُ عوضاً عن هذا القانون البشريِّ الأساس الغادر، القانون الأساس للقرآن العظيم النَّازل من العرش الأعظم؛ وذلك في الآيتين الآتيتين: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[59]؛ ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾[60] فهاتان الآيتان تعلِّمان القاعدة الجليلة الآتية: لا يُؤاخذ أحدٌ بجريرة شخصٍ آخر؛ ثمَّ إنَّ البرئ لا يُضحَّى به –حتَّى من أجل جميع النَّاس- دون رضاه؛ ولكن لو ضحَّى بنفسه بإرادته، وبرضاه، فتلك مرتبة الشَّهادة».[61]

ز/ البدء بالأهمّ فالمهم: فإنَّ الأنبياء كذلك تفعل؛ وإنَّ النورسي قد نذر حياته ودعوته لإنقاذ الإيمان من براثن الإلحاد؛ وقد أطال النفس في إثبات الحشر في الكلمة العاشرة وتوابعها؛ والسبب في ذلك نستنبطه من كلامه الآتي: «... لأنَّ دعوته صلَّى الله عليه وسلَّم طوال حياته المباركة قد انصبَّت بعد التَّوحيد على الحشر...».[62] وذلك ما جعل النُّورسي يقول: إنَّ هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصُّوفيَّة، بل زمان إنقاذ الإيمان. فهذا الكلام منه ترتيبٌ للأولويات.[63]

وأختم هذه الورقة البحثيَّة بالبيان أنَّ الممتثل للوحي حقًّا في دعوته، هو الحريص على نفع البشر؛ من دون أن يتَّخذ النَّاس أدواتٍ لتحقيق أغراضٍ جانبيَّة؛ وهو ما نراه من مختلف مراحل حياة النُّورسي؛ وإذا كان أعظم النَّفع الذي يمكن أن يوصله البشر للبشر أن يستقذوهم من النار  بإنقاذ الإيمان كما تفعل الأنبياء، فإنَّ النُّورسي قد كان حريصا عليه، كما تبيِّنه روايته الآتية، حيث قال: « سألني بعض الموظَّفين المرموقين: لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال، حول جعلك واعظاً عامًّا، ومسؤولاً عن عموم "كردستان" والولايات الشَّرقيَّة بدلاً عن الشيخ السنوسي، براتبٍ قدره ثلاثمائة ليرة؟ ذلك لأنَّك لو كنت قبلت هذا العرض منه، لكنت سبباً في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحيَّة الثورة.

فقلت لهم جواباً على سؤالهم هذا: بدلاً من قيامي بإنقاذ عشرين، أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال؛ فإنَّ رسائل النُّور كانت وسيلةً وسبباً لإنقاذ ملايين السنين للحياة الأخرويَّة لمئات الآلاف من المواطنين...[64]

فالأنبياءُ بما يُعِدُّهم الله تعالى له، وصنعه لهم، يؤدُّون وظائفهم بحسب تلك الاستعدادات؛ والعلماء عليهم أن ينظروا في ما أعدَّهم الله له لينفعوا به عباده؛ والنُّورسي يعلِّم ما هو متأكد من قدرته على إيصال النَّفع للنَّاس منه، قال: «بيد أنِّي عالمٌ دينيٌّ، مكلَّفٌ شرعاً بإفادة النَّاس، لذا أريد أن أخدمهم من هذه النَّاحية أيضاً؛ إلاَّ أنَّ هذه الخدمة تعود بالنَّفع إلى الحياة الاجتماعيَّة والدنيويَّة، وهذه مالا أقدر عليها؛ فضلاً عن أنَّه يتعذَّر القيام بعملٍ سليمٍ صحيحٍ في زمنٍ عاصف. لذا تخلَّيت عن هذه الجهة، وفضَّلت عليها العمل في خدمة الإيمان التي هي أهمُّ خدمةٍ وألزمُها وأسلمها. وقد تركت الباب مفتوحاً، ليصل إلى الآخرين ما كسبته لنفسي من حقائق الإيمان، وما جرَّبته في نفسي من أدويةٍ معنويَّةٍ ... وليس لأحدٍ، سوى الشَّيطان الرَّجيم أن يعترض على هذه الخدمة»[65].

كما أنَّ الممتثل للوحي حقاًّ هو المدرك أنَّ الأنبياء تجمع لا تفرِّق: إنَّ النبيَّ عليه السلام يوحِّد بالعبادة قلوب الموحِّدين في صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع ألسنتهم جميعاً على كلمةٍ واحدةٍ.[66]

 

 

 

 

--------------------------------

[1]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ (ط3)، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2002م، ص23.

[2]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: اللُّمعات؛  ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2002م، ص194.

[3]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الكلمات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2000م، ص 55.

[4]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري؛  ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط1،  شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1995م، ص87.

[5]- انظر: الكلمات؛ ص 63.

[6]- الكلمات؛ ص130.

[7]- المرجع نفسه؛ ص149.

[8]- المرجع نفسه ص108-109.

[9]- إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ص207.

[10]- المرجع نفسه؛ ص148.

[11]- هود: 112

[12]- اللُّمعات؛ ص96.

[13]- محمَّد: 19.

[14]- الكلمات؛ ص108-109.

[15]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الشعاعات؛  ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط2،  شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1993م، ص571.

[16]- الأنعام: 59.

[17]- إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ص238.

[18]- يـــــــس: 21.

[19]- المؤمنون: 51.

[20]- القلم: 4.

[21]- طه: 39.

[22]- بديع الزمان سعيد النُّورسي: كلِّيات رسائل النور: سيرة ذاتيَّة؛ إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط3، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2000م، ص10.

[23]- يس: 69.

[24]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الملاحق في فقه دعوة النُّور؛  ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط3،  شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1999م، ص81.

[25]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المكتوبات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2001م، ص56.

[26]- إبراهيم : 11.

[27]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص308 .

[28]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط1،  شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1995م، ص178.

[29]- المرجع نفسه، ص221.

[30]- المرجع نفسه، ص130.

[31]- حسن الشرقاوي: الذين ينكرون القدوة؛ مؤسسة شباب الجامعة: الإسكندرية- مصر؛ 1984م، ص 8.

[32]- الأنعام: 90.

[33]- المكتوبات؛ ص23.

[34]- يوسف: 108.

[35]- آل عمران: 79-80.

[36]- يونس: 15.

[37]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛  ص345 .

[38]- يونس: 72.

[39]- هود: 54- 56.

[40]- المثنوي العربي النوري؛ ص180.

[41]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص330 .

[42]- المرجع نفسه؛ ص58.

[43]- يونس: 72.

[44]- يـــــس: 21.

[45]- المكتوبات؛ ص16.

[46]- المكتوبات؛ ص79-80.

[47]- سيرة ذاتيَّة؛ ص: س،ش من المقدِّمة.

[48]- الشعاعات؛  ص395.

[49]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص310 .

[50]- المكتوبات؛ هامش ص15.

[51]- الكلمات؛ ص 47.

[52]- المرجع نفسه، ص 36.

[53]- المثنوي العربي النوري؛  ص195.

[54]- مسلم: الحج؛ باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: لتأخذوا مناسككم، ح3124، ص588.

[55]- سيرة ذاتيَّة؛ ص: س من المقدِّمة.

[56]- الكلمات؛ ص 34-35.

[57]- المرجع نفسه، ص137.

[58]- المرجع نفسه، ص72.

[59]- الأنعام: 164.

[60]- المائدة: 32.

[61]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛  ص376 -377.

[62]- الكلمات؛ ص107.

[63]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛  ص263 .

[64]- الشعاعات؛  ص343.

[65]- المكتوبات؛ ص78.

[66]- اللُّمعات؛ ص194.

 

 


52-) الحريّة الشرعية في أزاهير النّور

                                                                                               

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحريّة الشرعية في أزاهير النّور:

تأصـيل لمخبر التّحضّر

د.محمّد البشير الهاشمي مغلي        

أستاذ الدراسات الإسلامية العليا       

قسم الكتاب والسنة            

كلية أصول الدين والشريعة الإسلامية   

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

قسنطينة – الجزائر .         

 

 

 

         منهاج التّحرير:

 

         ليس ثمّة من هو أكثر وعيا بحرّيته من الإنسان. ذلك أنّه خليفة الله في أرضه، فالحرية هي إحدى خاصيات التكريم الإلهي فيه. لذلك يقول في الصّيقل : " أعيش بدون خبز ولا أستطيع العيش بدون حرّية ." (1) وإن كان الحيوان هو أيضا قد خلق طليقا فإنّه مسخّر لخدمة الإنسان الذي يسأل عن حبسه وتقييده بما يتعارض ومفهوم التّسخير: " وأولو المشاعر وجميع الكائنات بدورها مسخّرة وساعية لأجل الحياة، وذوو الحياة مسخّرون لذوي الأرواح وقد بعثوا إلى الدنيا لأجلهم، وذوو الأرواح مسخّرون للإنسان وفي عونه دائما ..." (2) إلاّ أن يستبدّ استبداده الاستعلائي فيضيّق على ممنوح الحرّية ولو في هرّة فيقع تحت طائلة الحديث الشريف الوارد في تلك المرأة المتطاغية التي دخلت النّار في قطّة حبستها، لأنها انتزعت منها تجبّرا وقهرا منيحة الخالق فيها .(3)

         وغير بديهي أنّ المرء يولد حقيقة حرّا في المجتمع! وإن بدا طليق الرسغين والكعبين، كما تلوّح إليه مقرّرات دوي الصّرخة القديمة: " متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " في إشارة إلى الثورة على حيف الأغلال المادّية وحثيث الدّعوة إلى كسر السلاسل الحديدية.

ولكننا نجده عند التأمّل العميق، مطوّقا منذ عطاسه الأوّل بشبكة عريضة من المكبّلات الاجتماعية، راسفا في ضروب من العادات والتقاليد والأعراف، واقعا في أسر قيود معنوية كثيرة، رازحا تحت نير كلكل من مؤثّرات داخلية وخارجية شتّى، ليس أقلّها المذهبية والأساليب الكلامية والاتجاهات الدّهرية والمناهج الفلسفية والتيارات الفكرية والانتماءات التقليدية المختلفة بمنطق غير نوراني بعيد عن " السير مع العقل تحت نظارة القلب والمضيّ مع القلب تحت نظارة العقل " (4) كما تزهر بذلك إحدى ثمرات رسائـل النّور. فضلا عن الرذائل وكلّها أغلال بدليل هذه اللمعة: " لا تتبدّل الحقائق بتبدّل الأسّماء" (5) .

         فيجيء الإسلام لينتشله من وهدة الرّسوف في رقّ استعبادي عريق، وذلك بإفراده ليس فقط بالحقّ في كامل الحريّة التكريميّة ولكن أيضا – وهنا المائز القويّ – بنجدة الإنسانية المعذّبة بمنهج التّحرّر التكريمي الحقّ، إضافة – وهنا الخصيصة المتفرّدة – إلى أساليب الحفاظ على ديمومة مكاسب الانعتاق دون غبن ليشمل سكّان المعمورة قاطبة .

         كلّ ذلك في صدوف عن مجرّد الاكتفاء بالإعلان النظري أو الاستهلاك الإعلامي أو التّبجّح بعارض التّصريح الدّعائي المتأخر والموسوم بالعالمي!! (6)

         بيد أنّ أكثر الأحرار تمتّعا بحرّيته في الدّنيا وأكرم مستكرم بها هو من لا يخضع فيها على الإطلاق إلا لسيّد واحد. وليس ذلك يرشّح لذي بصيرة غير المسلم الذي حرّره مفهوم التّوحيد في أجلى صوره وأرقى معانيه، على نحو ما تلخّصه عبارة التّهليل الرّائعة التي تسوق شهادة رمزية الانعتاق الأصلي وسمة التّحضر الدّائم والتي انطوى الشّق الأوّل منها على نفي كلّي لزيف أجناس المستعبدين ورفض كاسح لجميع عوامل الاستعباد. ليستقلّ الإثبات في الشّق الثاني بحقيقة ربوبيّة السيّد المحرّر الأوحد وبنفوذ مطلق الإقرار بألوهية واهب التّحرّر ... فالكلّ له بها عبيد أحرار. " فمن كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير " (7). وهذه لمعة نفيسة.

         فأحر بها إذن من شهادة تلقّن علم الحرّية وفنّ التحرر ومنهاج التّحرير بلا منازع وقد تشرّف بحمـل لوائها من قبل، المسلم، وتحديدا بالمواصفات التلميحية النّورسية: " المكّي" (8)  "المدني" (9)، "البدري"(10)، "الحديبي " (11)، "الشوري " (12) .

 

نطاق الحرية:

يأبى الإسلام في منظور النّورسي حرّية بهيمية سائبة كالتي تدّعيها المدنية الغربية برداءة، سيما أنّ الدّين الحنيف يدعو إلى حرّية تكريميّة مسؤولة مهذّبة وإلا فالحرّية بلا حدود وهم بحرّية زائفة والواقع أنّه لا توجد حرّية مطلقة في العالم! وإنّما هناك نسب متفاوتة في الحرّيات من حيث السّعة والبعد الإنسانيّ ودرجة التّحضـّر. ويصدق في هذا الصـدد، قول الفيلسـوف الألمـاني ليبنـتـز (1646-1716 م) : " إنّ الله وحده هو الحرّ الكامل. أمّا المخلوقات العاقلة فلا توصف بالحرّية إلاّ بقدر خلوصها من الهوى".

هذا وحرّية بلا حدود تقلّب في عبوديّة أوسع، ورسف في رقّ أشمل، بل هي تنويع في الكوابل وتلوين للقيود، أو هي تمديد في سلاسلها ...

ومعلوم أنّ التمديد في سلاسل القيد قد يوهم بالحرّية، ولكنه لا يحرّر مهما اتسعت فضاءات الحرّية “الموهومة “! وليس في الإسلام ما ألفاه نيتشه وهو " يلخّص مسيرة الصّراع بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد بالقول إنّ جميع الفترات التاريخية منذ ظهور المسيحية كانت في جملتها مسرحا لأخلاق العبيد إذ لم تكن أخلاق السّادة تظهر إلاّ عرضا، ولذلك كانت تختفي سريعا " (13) .

         ثـمّ إنّ الحـرّ بطبعه لا يقيّد نفسه، فلا يتّجه تلقائيا إلى التقليص من الحرّية، بل تراه في مطمحه يهفو إلى الاستزادة منها سجيّة... وإنّما هو يتقيّد بالإملاء والإلزام، " لأنّ الحريّة الحقيقية يلزم أن تتحلّى بآداب الشريعة وإلاّ فإنّها لا تعدّ حرّية." (14)

         ولئن اعتبرت المدنية التائهة القيد من الحرّية انتقاصا من السّيادة فهذا صحيح مادام واضع القيد بشرا وصيغ ذلك في دساتير وقوانين ونظم...

وبقدر الحدّ منها يكون الاستعباد وتحلّ التّبعية .

يكون ذلك بالفعل، بنحو أو آخر، رقّا بين النّاس بشكل منظّم أو مقنّن حين يضعه أو يسنّه الأقوى للأضعف. فهولا يخرج بحال عن مفهوم العبوديّة مهما تطوّر إطار الاستعباد أو دخل التنميق على المسمّيات. فتلك هي إذن في عين بديع الزّمان "حرّية حريّة بالنّار، لأنّها تختصّ بالكفّار ..."(15)

         أمّا إذا كان واضع القيد الإله سبحانه في جملة آداب سماوية رفيعة هي الأخلاق الشرعية، أضحت العبودية ذاتها تكريما لا يلبث أن يتحوّل بالوعي الإيمانيّ إلى عبادة حرّة وسعادة أبديّة بشعـاع آخر : " الحرّية بالنسبة إلى الإنسان تنتج العبودية أمام الله. "(16)

 وتلك الحرّية بعينها...: " عطيّة الرحمن إذ أنها خاصيّة الإيمان " (17) وساعتها : " من كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير ." (18)

         ولننظر هنينة في أمر القيود بمجهر الأداة الدقيقة التي تمنحها لنا شهادة التوحيد : فـ" لا إله " رفض لأصناف القيود ...وهاتيك القيود ذاتية مصطنعة قهرية مستعبدة استذلالية جائرة من صنع الإنسان .وهي في الحصيلة هاتكة لحريته ساحقة مبدّدة للأحرار .

         و... " إلا الله" استثناء لصنف واحد من القيود، وتلك القيود موضوعية ثابتة مقبولة محررة تكريمية، من تدبير الخالق تعالى. وهي في الحصيلة منعشة للحرّية واقية لها، جامعة مؤلفة للأحرار.

         ولذلك حذّر النّورسي من مغبة إطلاق الزمام للنوازع والفوضى باسم الحرّية وكان يدعو إلى ضبط الدّوافع بضوابط الشريعة (19):" قيّدوا الحريّة بآداب الشرع لأنّ عوام النّاس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلّوا أحرارا سائبين بلا قيد " (20) .

         ولا عاصم إذن من تلك الفوضى والفرقة ومن تضارب المصالح والانجراف الأخلاقي إلا أن تلتزم الحرّية بالدّين الأمثل.(21)

         هذا وقد يكون الإنسان حرّا وإن بدا مكبّلا بالقيود إلى الأذقان، إذا كان شعوره يفيض بمبادئ الحرّية وقيمها ومثلها فيضا بلا ليّا أو ياسريّا أو نورسيّا لغلبة الرّوح على المادة.

وقد يكون كذلك في الظاهر حرّا طليقا من كل قيد مادّي، ومع ذلك نجده في الحقيقة واقعا في أسر قيود لامرئية كثيرة، مطأطئا لشهوات عديدة، تستعبده أهواء شتّى وتسترقّه أغلال اجتماعية تجتاح روادع العقل ووازعات الضمير وزواجر الرأي العام وقوارع الدين وتخترق معالم الإنسانية فيه، لتنساب في دوّابية أحطّ من الحيوانية العجماء .

ولقد عبّر عنها صيقل الإسلام وهي مغلولة بخوارم المروءة: "بطنطنة الأغراض التي تشوّش على صدى موسيقى الحرّية ." (22)

 

الانعتاق اليوسفيّ :

         في ضوء " الكلمات " النورانية نفهم السرّ الذي من أجله آثر يوسف الصّديق، عليه السلام، في إباء وكبرياء أن يكون حرّا في سجن العزيز على أن يظّل عبدا في قصر الملك:

 " فمن عرف الله وأطاعه سعيد ولو كان في السجن، ومن نسيه فهو في السّجن ولو كان يعيش في القصور " (23).

وما كان ليدرك بانشراح سعادة هذا الانعتاق الجيّاش لولا قناعته بيقين تجريبيّ محسوس بأنّ " العبادة تحرّر من أسوار السّجن " (24) سواء كان هذا السّجن زنزانة الطاغوت أم مربض المجتمع الجاهلي. ومن قبل كم من أسير حرب كان الأسر في الإسلام يعزّ عليه ويودّ لو أنّه يفديه " بحرّيته" في غيره!

         ذلك أن أبلغ معاني الحرّية ما ارتبط في دعمها بالقيم لا ما ارتطم في دحضها بالإرادات والتحكّمات والقهر. انظر إلى الصيقل كيف يصقل وشاحها الشرعي بهذا الإخراج البلاغي المبين وهذا اليقين اليوسفيّ الرّكين:" ألا إنّ الحرية هي أن يكون المرء مطلق العنان في حركاته المشروعة مصونا من التعرض له محـفوظ الحقوق ولا يتحكّم بعض ببـعض ليتجلّى فيه نهي الآيـة الكريمـة:( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) آل عمران : 64 ولا يتأمّر عليه غير القرآن والعدالة والتأدّب لئلا يفسد حرّية إخوانه ..." (25) .

 

الحريات الفكرية في الإسلام:

         يجدر التذكير هنا بإطار المبادئ الإسلامية التي تنطلق منها أزاهير النّور حين الحديث عن الحرية الفكرية، وأنها لم تكن انتزاعية كما في الغرب، أو أنها جاءت استجابة لتطّور تاريخي، أو ثمرة نضالات مريرة أو مثخنة بحربين عالميتين، أو أعقبت محاكم التفتيش ...

 كلاّ بل هي لم تبرح قطّ من مستلزمات العقيدة ومقرّرات الدين أساسا. ولعلّ أبلغ تعبير عن هذا التّجذير الإيماني لأعماقها لألاء هذه اللّمعة البارقة: " إن الإيمان يعلّمني بأنّني مرشّح لدنيا أخرى أبديّة، وأنّي مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة." (26) أو إشراق هذا الشعاع السّاطع: " بمقدار قوّة الإيمان تتلألأ الحرّية وتسطع ..." (27) .

         وفي استقراء مرامز التحرير الإيماني الفيّاض يقول أديب إبراهيم الدّباغ إنّ هذا الإيمان : "يطلق الإنسان " من أسر الزمان والمكان، ويضع عنه قيود الدنيا وأغلالها ويمنحه سعة يسع بها الكائنات ويعطيه أمداء نحو الآزال والآباد، فيغدو عمره عمر العالم، وحاضره بحرا تصبّ فيه أنهار الأزمنة، ماضيها ومستقبلها، فيصبح بذلك إنسانا كونيا، داره الكون كلّه، وحديقته العالم جميعه، وموضع نظره البشرية بأسرها، يريد لها ما يريده لنفسه من هذا السّمو الذي سما إليه وهذا الارتقاء الذي ارتقى نحوه، فهذه هي رسالة " الإيمان " (28) .

         ذلك أنّ نجدة الإسلام الرئيسية الأولى للإنسان تتمثّل في حرية الاعتقاد حين أزاح من أمامه، في منهج اكتساب عقيدته، جميع العوائق والعقبات التي تقف دون اختياره الحرّ وإن كانت معنوية أو انتصبت بنحو غير مباشر.

 والجميل أنّه لم يستعجله البتّة في تحصيلها. وإنما اشترط في نتيجتها جدّية أن يكون الالتزام رديف اليقين كيلا تذهب ثمرتها العقلية هدرا في مجتمع عقائدي حرّ؛ وألا تظلّ حكرا على صاحبها أو حبيسة معتنقها. بل تراه أوجب مبدأ التحرير بعد التّحرّر، إيمانا منه بأنّ الانعتاق لا يكتمل إلا بالعتق خدمة لمبدإ آخر يقضي بوجوب الإقناع بعد حصول الاقتناع في غيريّة خيريّة عالميّة دفّاقة نستلهمها بيسر وغزارة من الحديث الذهبيّ الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ."

وهذا قاض بجهاد مقدّس في تحرير الآخرين بعد اكتمال التّحّرر الذاتي، إذ لا جدال في أنّ فاقد الحرّية لا يعطيها. فـ " إكسير الإيمان إذا دخل في القلب يصيّر الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجّنة، وبالكفر يصير خزفا فانيا، إذ لا إيمان يرى تحت القشر الفاني لبّا لطيفا رصينا ويرى ما يتوهّم حبابا مشمسا زائلا، ألماسا متنوّرا. والكفر يرى القشر لبّا فيتصلّب فيه فقط، فتنزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة، بل إلى الجماد " (29) .

وبتوخي الاقتضاب نقول في لمس تحليلي للخواطر:

 

حرية الرأي :

         إنّ حرية الرأي إذا كانت هادفة تكشف عن زاوية نظر مغايرة يثرى بها الرأي ويزداد سدادا، ويتعزّز بها العقل وتتربّع بها الحكمة وتنمو الملكات فأيّ ضير في إطلاقها إلا من قيدي العقيدة والأخلاق لضمان أسلوب التعامل الحضاري الرفيع والتّجاور في كنف الاحترام المتبادل؟

ولذلك تنطلق زفرة أسير الفكر الحرّ من غياهب النفي والحجر على الحرية الفكرية والدعوية وهو منكبّ على التّأمل في حفريات سرّ القول المأثور : " تفكّر ساعة خير من عبادة سنة " وفي رواية صاحب الإحياء " خير من ستين سنة " (30) والذي حدا به إلى تأليف " الحزب الأكبر النّوري " ضمن كتاب التفكير الإيماني ليزيل به عن نفسه الضيق والسآمة والإرهاق (31) تنطلق هذه الزّفرة الحرّى لتتحول إلى صرخة مدوّية لتبدّد سجوف " الحرّية العلمية " المزعومة بهذا التساؤل : " ما الجانب المحظور من التحاق شاب بريء يحتاج إلى العون والمساعدة بصفوف طلبة النّور كي ينقذ إيمانه وينجو من التّردي في هاوية الأخلاق الذّميمة ؟ " (32). اللّهم إلا إذا انقلب ظهر المجنّ على الحقائق وتبدّلت الأوضاع غير الأوضاع حينها لا يألو من "جمع في حفظـه جـمع الجوامع جمـيعه في جمعة " (33) في كشف زيف هذا الواقع الملبّس ببركانّية هذا التصريح التشنيعي الفاضح : " لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة ولبست الخيانة رداء الحمية وأطلق على الجهاد اسم البغي وعلى الأسر اسم الحرية. وهكذا تبادلت الأضداد صورها " (34) وبعد هذا الازدراء والتّهكّم في مقاومة التلبيس والتّدليس بالباطل يقرّر هذه الحقيقة:" لا يمكن بالظّلم والجور محو الحرّية (35) في أيّ شكل من أشكالها .

 

تأسيس الشورى :

         ثمّ إن الإسلام لم يكتف بالإعلان عن المبادئ، بل انبرى إلى إنشاء هياكل لترسيخها في النفوس والمجتمعات:

 حيث قرّر بكل سبق وريادة، باعتباره دينا، وهنا المفخرة، وليس منظّمة أمميّة أو حكومة أو برلمانا أو حزبا سياسيا، تأسيس الشورى. وأمر المعصوم (ص) رغم ما في عصمته من غنية، بإجراء المشورة ونشر تقاليد الاستشارة، طبعا على غير المنحى العصريّ المتعثر الذي يقف بعرجته على "العلم " دون الأخلاق ...

         وحين يقرّر بديع الزّمان عن معاناة ومكابدة بعيدا عن التجريد والتقريظ أو التنظير الدّعائي البحت أن " الحرّية التي هي ضمن نطاق الشريعة وأن مفتاح حظّ آسيا وسعد الإسلام موجود في الشورى... (36) فإنّه يخرج من إطار الأدبيات التّمجيدية إلى البوح العملي الواقعي الصادق ليعلن بعزيمة رجل السّياسة الشرعية المحنّك: " إنّ ما يفتح حظّ آسيا هو الشورى والحرية المشروطتان بتربية الشريعة الغرّاء" (37).

 وليس سواهما من ملجإ في الرّاهن دون الأنظمة المستبدّة الجائرة. وإلا كانت حقيقة بتهكّمه بمثل هذه الألقاب المتزندقة التي ندّد بها على هذا النّحو الكاشف : " جمعية تشكّلت برئاسة " الجهل " آغـا و" العناد " أفندي و" الغرض " بك و" الانتقام " باشا و" التقليد " حضرة تلري ومسيو" الثرثرة " وهي جمعية تشوّه" الشورى " التي هي منبع سعادتنا " (38).

 

         ميزة الاجتهاد في رحاب التّحضر الإسلامي:

 

         ثم ألم يؤن الأوان للمكابرين أن يعلموا أنّ حرّية الرّأي في الإسلام قد أفضت إلى إنشاء مناهج الاجتهاد وتعدّد المذاهب وانتشار مدارس الرأي وقيام علم الكلام على أساس من رحابة الصّدر في الاستماع إلى الآخرين، هذا الذي يطلقون عليه اليوم اصطلاح " حرية التعبير " أو حرية الاختلاف والتّنوع (39) وهو مسبوق لا محالة بالشعار الذهبي لحضارتنا الإسلامية الزاهرة: " لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها " وليس مثله شعار يجرّئ في الحقّ ويرفع عن القائلين حواجز الخوف ! إلاّ مرادفاته من قبيل هذه المأثورة: " فلا تأخذك في الله لومة لائم " أو قرينات هذه الآية الكريمة في تجسيد الموقف القولي المسؤول : " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون "(40) وحسبنا من هذا دليلا على كفالة حرّية التعبير التي يزخر بها تراثنا الإسلامي العتيد .

         وعودا إلى سياق الاجتهاد فإنّ العلامة النّورسي يستدرك براغماتيته بهذا التّحذير من الاستبداد الخفيّ المناهض للشورى الحقيقية بين أولي العلم والاختصاص العالي حيث يقول : " ولكن لا يكون هذا الاجتهاد موضع عمل إلاّ عندما يقترن بتصديق نوع من إجماع الجمهور. فمثل هذا الشيخ - أي شيخ الإسلام – المستند إلى المجلس الشوري – يكون قد نال هذا السرّ. فكما نرى في كتب الشريعة أن مدار الفتوى: الإجماع. ورأي الجمهور، يلزم الآن ذلك أيضا ليكون فيصلا قاطعا لدابر الفوضى الناشبة في الآراء ... " (41) .

 

مسك الختام :

 

         بهذه " اللّمع " النّيرات وفي ضوء هذه " الكلمات " النورانية وباستثمار القرآن المجيد " أستاذ الحضارات ونبع التّقدم والرقي " تتوخّى رسائل النور حركة إيجابية في الحياة تتنامى "بإكسير  الإيمان" وكأنّها " ترياق شاف من جميع جروح العصر الدّامية " (42) بعيدا عن الفلسفة المادية التي يعتبرها داعية الأناضول طاعونا معنويّا (43 ) في نشدان أزليّ شامخ شموخ الجبل سبحـان وارارات (44) للحرّية المستندة إلى الشريعة الغراء .

         تلك إذن هي ملامح ومضية من إشراقات لمع العلامة بديع الذي لا يخلو أسلوبه العلمي والأدبيّ الروحاني من البديع في بليغ رسائله المستنيرة التي احتسبها لخلاص البشرية من نكباتها ومتردّياتها بقيم حرّية تكريمية لا تتجزأ في عالم المحراب الكبير بحيث لا يرضى فيها أي إنسان، تحقّق انعتاقه بعقيدة التوحيد الصحيح" أن يكون حرّا في مجتمع العبيد كما لا يرضى أن يكون عبدا في مجتمع الأحرار " .

 

 

 

-------------------

  1. بديع الزمان سعيد النورسي. أنقرة. 1958 صيقل الإسلام ص 274.
  2. الشعاعات .ص 62.
  3. انظر الحديث .
  4. نقلا عن أديب إبراهيم الدّباغ : فجر المسلم المنتظر أفكار ومشاعر بين يدي النورسي دار الصحوة للنشر والتوزيع .القاهرة. 1420هـ -2000 م .ص 32.
  5. الصيقل. ص 271.
  6. في إشارة إلى وثيقة الأمم المتحدة المتعلقة بالإعلان لحقوق الإنسان في 1948م. ومن قبل إعلان الثورة الفرنسية في نص 1789م.
  7.  الصيقل : ص 275 .
  8. إنه " مكّي " بصورة إيمانه وعمق عقيدته، وفي تحرره من " الصنمية " بجميع أشكالها وأنواعها. وبتأجيج روح الكون في روحه. وبتحرره من ثقله الكتلوي وصيرورته طاقة حيّة يحركها حنين لا يقاوم للاندفاع نحو أعتاب الحضرة الإلهية لتسليمه كلية وجوده إليه سبحانه وتعالى ."انظر فجر المسلم المنتطر مرجع سابق. ص 22 .
  9. "مدني " في إرساء هذا البناء الإيماني الشامخ على قواعد الشرعية وأسسه العلمية في التعامل مع الحياة والمجتمع " المرجع نفسه. ص 22. 23.
  10. "بدري" في شجاعته وفي توكّله على الله ورجائه النّصر منه وحده ". المرجع نفسه. ص23.
  11. " حديبي " " في حنكته ومرونته وقدرته على التعامل مع الآخرين أخذا وعطاء من دون المساس بثوابت الإيمان والعقيدة " المرجع نفسه الصفحة نفسها.
  12. " شوري " " فيما يتخذ من قرار ويقدم عليه من فعل.المرجع نفسه.
  13. انظر : د.محمد عابد الجابري : قضايا في الفكر المعاصر .مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت .لبنان – حزيران – يونيو 1997.ص50.
  14. الشيخ سعيد النورسي: الخطبة الشامية ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي لبنان .1974 ص50.
  15. الصيقل .ص394.
  16.  Munazarat ,S,18 نقلا عن د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والديني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .ط.2. مطبعة المدني القاهرة : 1446ه/1995م. ص 276.
  17. الصيقل : 395.
  18.  Said Nursi ,Tarihçe –i Hayat , I st .91  نقلا عن المرجع السابق ص 275.
  19.  د.عشراتي سليمان : النورسي في رحاب القرآن وجهاده المعنوي في ثنايا رحلة العمر. شركة سوزلر للنشر والتوزيع .فرع القاهرة .1999م. ص 299.بتصرف قليل .
  20. الصيقل .ص 443
  21. نفسه .ص300
  22.  الصيقل / المناظرات ص 394.
  23. انظر : ص116
  24. نفسه .ض.ن.
  25. انظر :الصيقل .ص118.
  26. اللمعات .ص389.
  27. الصيقل .المناظرات .ص396.
  28. انظر : فجر المسلم المنتظر ...ص 116.
  29. الشيخ النورسي: المثنوي العربي النوري .تحقيق إحسان قاسم الصالحي .   استنبول 1969.ص 158.
  30. انظر: الغزالي : إحياء علوم الدين .ج 4.ص411.
  31. انظر طبعة بيروت 1974.ص 139و140.
  32. انظر : الشعاع الخامس.ص 433 وص470.
  33. في إشارة إلى قراءته يوميا ساعة أو ساعتين لكتاب ( جمع الطوابع ) لابن السّبكي وهو من علماء الشافعية. انظر:د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والدّيني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .مرجع سبق ذكره .ص36 .
  34. انظر: نوى الحقائق .ص604.
  35. اللّمعة 22.ص 258 .
  36. الصيقل .ص462.
  37. الصيقل .ص57.
  38. الصيقل.ص359.
  39. انظر:د.محمّد البشير الهاشمي مغلي :التقريب بين منازع الاختلاف ومنازعات الخلاف .ضمن منشورات المجلس الإسلامي الأعلى.أعمال الملتقى الدّولي للتفاهم بين المذاهب الإسلامية الجزائر –25-27 مارس. 2002 م. ص469 –494.               
  40. الزخرف: 28
  41. الصيقل. ص253.
  42. الصيقل .ص193.
  43. اللوامع .ص877.
  44.  في إشارة إلى تصريحه أمام المحكمة العرفية انظر : الصيقل / المناظرات ص463.

 

 

 


53-) مفهوم النبوة وضرورتها للبشرية  بمنظور رسائل النور
 
مفهوم النبوة وضرورتها للبشرية
 بمنظور رسائل النور

 

د. حامد أشرف همداني     

أستاذ مشارك، بقسم اللغة العربية

جامعة بنجاب، لاهور، باكستان

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وبعد:

إننا حين نتناول سيرة وفكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي؛ فإننا نقف أمام مدرسة شاملة لتجديد الفكر الإسلامي. وهكذا نقف أمام مفكر عظيم اتخذ على عاتقه أن ينشر مؤلفاته وسط فترة من الظلام الحالك شهدها عصره.

لم يكن الإمام النورسي صاحب نظرة سطحية أو معرفة ظاهرية لمفهوم النبوة وما ينبع منها من قيم ومبادئ أو نظم ومعطيات، بل كان ذا فكرٍ عميق ونظرة ثاقبة وعقلية تحليلية سرت إلى بحور اللآلئ وعمق الحكم والأسرار لثمرة النبوة الشريفة وحاجة الإنسانية لها في شتى مجالاتها. وبذلك وجدناه؛ نوع الحديث، ونثر الفوائد، وأتقن التعليق في رسائله النورانية حيث أولى اهتماماً بالغاً بموضوع النبوة، وقد شغلت مساحات شاسعة في رسائله.

يرى الأستاذ النورسي أن السبيل الوحيد لسعادة الإنسانية في حياتها الدنيوية ومآلها الأخروي، هو الرجوع إلى الكتاب الكريم والتمسك بالسنة النبوية، وأن النبوة بمفهومها العام ومهمة الرسل الكرام أحد المقاصد القرآنية الأربعة التي ركز عليها النورسي في رسائله النورانية. ومن أمعن النظر في كتابات النورسي تيقن بأنه قد أولى اهتماماً بالغاً بموضوع النبوة بالتصريح أو التعريض في جميع رسائله حتى أنه يمكن استخراج مؤلف مستقل عن موضوع النبوة وأهميتها من هذه الكتابات. ومن هذا المنظور جاء هذا البحث يتناول مفهوم النبوة وضرورتها للإنسانية بمنظور رسائل النور.

ولقد قمت بتوفيق الله ومعونته بدراسة متأنية لجميع رسائل الإمام النورسي للتعرف على مفهوم النبوة لديه وكيفية إثباته للنبوة وفوائدها وضرورتها للبشرية. ولقد قمت بتقسيم البحث إلى مباحث تالية وخاتمة:

المبحث الأول: تعريف النبوة وماهيتها في نظر النورسي

أولاً : مفهوم النبوة

إذا تصفحنا رسائل النور للوصول إلى تعريف لغوي أو اصطلاحي للنبوة وجدنا أن الأستاذ النورسي لم يول اهتمامه بهذا الجانب وإنما نجده يكتفي ببيان معنى النبوة وتعريفها خلال ذكره للوظائف الحقيقية والمعاني الجوهرية لمهمة كل من الأنبياء والرسل. فنجده في حديثه يعبر أحياناً بالنبوة والأنبياء وأخرى بالرسالة أو الرسل كحديثه عن مقاصد القرآن الأربعة فنجده يقول في كتابه الشعاعات: "أن مقاصد القرآن الأربعة هي (التوحيد، النبوة، الحشر، العدالة مع العبودية)".([1]) ويعبر عنه بقوله في صيقل الإسلام: "إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية المنبثة في كل جهاته أربعة: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدل".

وتارة يعبر عن النبوة بالرسالة فيقول: "إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد، والرسالة، والحشر، والعدالة مع العبودية" ([2]). وأحياناً يقرن بينها في الوظيفة كحديثه عنها في الدلالة على وجود اليوم الآخر حيث يقول: "إن أخبار مائة وأربعة وعشرين ألفاً من المصطفين الأخيار وهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام - كما نص عليه الحديث - إخباراً بالإجماع والتواتر مستندين إلى الشهود عند بعضهم وإلى حق اليقين عند آخرين، عن وجود الدار الآخرة".([3])

فالنبوة بمفهومها العام في فكر النورسي؛ تأخذ طابع الرسالة والتبليغ عن الله، وهو يرى أن الرسول هو الوسيلة والدليل المعرّف عن الله تعالى، "إن ما يعرّف لنا ربَّنا لايعد ولايحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة: إحداها: هذه الكائنات، وقد سمعتَ بعض آيات هذا الكتاب الكبير. وثانيتها: الآية الكبرى من هذا الكتاب، وهي خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوزالخفية عليه الصلاة والسلام. وثالثتها: مفسر كتاب العالم، وحجة الله على الأنام، أي القرآن الحكيم." ([4])

ويرى النورسي أن النبي يبعث بصفتين: "صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات المخلوقات عند الحضرة الربانية. وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه إلى العالمين كافة".([5])

ونرى النورسي يتحدث عن رتبة النبوة فيحدد أن النبوة أسمى وأرفع الدرجات كلها حيث يقول: "ثم إن رتبة النبوة أسمى و أرفع بكثير من درجة الولاية بحيث إن جلوة بوزن درهم من النبوة تفضل رطلاً من جلوة الولاية".([6])

أما الأنبياء الذين ورد ذكرهم في رسائل النور فهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، ويونس، وداود، وسليمان، وموسى، وهارون، وإلياس، وزكريا، وعيسى، ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين. ويتبين من ذلك أن حديث النورسي عن النبوة يدور حول الرسل الذين جمعوا بين النبوة والرسالة في الغالب.

ثانياً: ماهية النبوة

النبوة اصطفاء إلهي ولقد جرت سنة الله في خلقه أن يصطفي بعض عباده لمهمة النبوة والرسالة كما قال تعالى: ﴿اَللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ([7]) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفٰى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾([8]) وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسٰى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾([9])، وهذا الاصطفاء والاختيار منة إلهية امتن الله بها على الأنبياء والمرسلين فلم يصلوا إليها بكسب ولا جهد، ولا كانت ثمرة لعمل أو رياضة للنفس قاموا بها كما يزعم الضلال من الفلاسفة. حيث ذهبوا إلى أن النبوة مكتسبة وأن من هذب نفسه بالخلوة والعبادة وأخلى نفسه عن الشواغل العائقة عن المشاهدة، وراض نفسه، وهذبها، تهيأ للنبوة. ([10])

      فالنبوة والرسالة محض فضل من الله يختص به من شاء من عباده، وهو سبحانه أعلم بمواقع فضله، ومحال رضاه، وأعلم بمن يصلح لهذا الشأن، فهو سبحانه صاحب الخلق والتدبير، والاختيار والاصطفاء، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالٰى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾([11])، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتّٰى نُؤْتٰى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾([12]) ومع كون النبوة منحة إلهية، إلا أن الله لايختار لها إلا أناساً خصهم وميزهم بخصائص ومميزات ليست موجودة في سائر البشر. فالرسل أكمل البشر خَلقاً وخُلقاً، وأرجحهم عقلاً، وأوفرهم ذكاء، وأنورهم قلباً. وهذا شأن الرسل أجمعين. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما اصطفاه الله لمهمة الرسالة الخاتمة، خصه بخصائص ليست موجودة في غيره، وهيأه تهيئة خاصة تتناسب مع هذه المهمة الجليلة.

أراد الأستاذ النورسي أن يوضح هذا المعنى بخطاب التدريج العقلي لتدرك البشرية حاجتها إلى النبوة، لا سيما نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك في الإشارة البليغة الأولى تحت قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ بِالْهُدٰى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾([13]). فقال: "لا ريب أن مالك هذا الكون وربه يخلق ما يخلق عن علم ويتصرف في شؤونه عن حكمة ويدير كل جهة عن رؤية ومشاهدة، ويربي كل شيء عن علم وبصيرة ويدبر الأمر قاصداً إظهار الحكم والغايات والمصالح التي تتراءى من كل شيء. فما دام الخالق يعلم، فالعالم يتكلم، وحيث أنه سيتكلم فسيكون كلامه حتماً مع من يفهمه من ذوي الشعور والفكر والإدراك، بل مع الإنسان الذي هو أفضل أنواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعهم لتلك الصفات، وما دام كلامه سيكون مع نوع الإنسان فسيتكلم إذن مع من هو أهل للخطاب من الكاملين من بني الإنسان الذين يملكون أعلى استعداد وأرفع أخلاق والذين هم أهل لأن يكونوا قدوة للجنس البشري وأئمة له، فلا ريب أنه سيتكلم مع محمد صلى الله عليه وسلم الذي شهد بحقه الأولياء والخصماء بأنه صاحب أسمى أخلاق وأفضل استعداد، والذي اقتدى به خمس العالم، وانضم تحت لوائه المعنوي نصف الأرض، واستضاء المستقبل بالنور الذي بُعث به طوال ثلاثة عشر قرناً من الزمان..."([14])

والنبوة عامة في نظر النورسي تمثل "نواة أنبتت الشجرة الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها"([15]) "وأضوأ ثمراتها وأنورها وأولاها وأجلاها وأحسنها وأزينها وأعظمها وأكرمها وأشرفها وألطفها وأجمعها وأنفعها هو محمد عليه السلام".([16])

ثانياً: ضرورة النبوة المطلقة والنبوة المحمدية للبشرية

إن النبوة مقتضى الألوهية ونعمة من نعم الله في تجلّيه بأسمائه الحسنى؛ لأنها طريق هداية الإنسان من خالق الإنسان؛ وهو سبحانه الأعلم بما تتحمله فطرة الإنسان، وبما تستدعيه وظيفته، فهي رحمة، وحكمة، وعدل، وإقامة حجة. وإنها ملتقى الربانية والإنسانية، إذ هي مقتضى تعليم الله الإنسان ما يلزمه لمعرفة نفسه، ومعرفة إيمانه، ومعرفة ما يلزمه من عبادة ربه، والتزامه بشريعته، والسلوك وفق قيم الخير والعدل، للفوز بسعادة الدنيا والآخرة. وإن الإنسان في حاجة لهذه المعرفة عبر النبي الإنسان القدوة الذي يتلقى من الله بصفته نبياً، ويقود البشر في عبادة ربه بصفته إنساناً مثلهم. فالنبوة بالتالي معرفة موقع الإنسان في ظل معرفة قدر الله، وهي ميزان الحق والعدل بإقامة الحجة على البشر، فهي ضرورة البشرية ومقتضى الألوهية.

وقد أكد الأستاذ النورسي هذا المعنى فقال: "أن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة.. "([17])

وقال في موضع آخر وهو يخاطب القارئ: "استمع إلى ما أقول فإني أبدأ بالأصغر: برهان النبوة مطلقاً، ثم الأكبر: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. اعلم! إن حكمة الصانع الجليل.. وعدم العبثية في أفعاله.. ومراعاته النظام في أقل ما في العالم.. وعدم إهماله أخس ما فيه.. وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد.. كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر .."([18])

"فالنبوة المطلقة هي بمثابة معدن نظام البشرية المادي والمعنوي ومركز انتظام أموال كثير من الأنواع التي ضمتها تحت تصرفها قوة العقل.." ([19]) "ولقد ظهر ألوف الأنبياء عليهم السلام وأعلنوا النبوة وأثبتوا نبوتهم بمعجزاتهم التي تربو على الألوف.. فجميع أولئك الأنبياء الكرام يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد وجود النبوة المطلقة من نوع البشر.. فهي برهان قاطع على النبوة المطلقة، صغرى البراهين. وهذا ما يسمى بالتواتر المعنوي أو سموّه ما شئتم من الأسماء فهو دليل قوي"([20]).

إن أعظم برهان يراه الأستاذ النورسي للنبوة المطلقة هو رقي الإنسان على الحيوانية وذلك في نقاط ثلاثة يبينها لنا:

"الأولى: إدراك الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء .. وقابليته العلمية والتركيبية .. وقدرته على محاكاة الطبيعة ومساوقة نواميس الله الجارية في الكون بصنعته ومهارته ... فالنبي المرشد هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن رسالته خالدة". ([21])

النقطة الثانية: "إن اللاتناهية المغروزة في الإنسان، وميله إلى التجاوز في طبيعته، وعدم تحدد قواه، وعدم انضباط آماله. هذه اللاتناهية في الميول والآمال لايسعها قانون البشر ... فعدم كفاية هذا القانون البشري الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية، لإنماء بذور ثمرة استعدادات الإنسان، احتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقق له سعادة الدارين معاً مادةً ومعنىً، وتتوسع حسب قامة استعداداته ونموها فالذي أتى بالشريعة هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم". ([22])

النقطة الثالثة: "هي اعتدال مزاج الإنسان، ولطافة طبعه، وميله إلى الزينة، أي ميله الفطري إلى العيش اللائق بالإنسانية... ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه، ليتشاركوا فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم".([23])

ويختم حديثه بعد ذكر النقاط الثلاثة بقوله: "فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات نتج لك بالضرورة: أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر، فلو لم تكن النبوة لهلك نوع البشر". ([24])

أما ضرورة نبوة محمد  صلى الله عليه وسلم: فنرى أن الأستاذ النورسي يجعل ضرورة البشرية للنبوة المطلقة مقدمة لضرورة البشرية للنبوة المحمدية جمعاء. فهو يرى أن أسس مدار النبوة تبدو بأكمل وجه وأظهره في النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أعظم أهلية لمنصب الرسالة ومهمة التبليغ وقد جمع من الدلائل والمزايا والأوصاف ما اتصف به جميع الرسل السابقين، وفي هذا الصدد قال: "لما كانت النبوة محققة وثابتة في الجنس البشري وأن مئات الألوف من البشر جاءوا فأعلنوا النبوة وقدموا المعجزات برهاناً وتأييداً لها، فلا شك أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تكون أثبت وآكد من الجميع، لأن مدار نبوة الأنبياء وكيفية معاملاتهم مع أممهم والدلائل والمزايا والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال: موسى وعيسى عليهما السلام توجد بأتم صورها وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. وحيث إن علة حكم النبوة وسببها أكمل وجوداً في ذاته صلى الله عليه وسلم فإن حكم النبوة لا محالة ثابت له بقطعية أوضح من سائر الأنبياء عليهم السلام". ([25])

وقد بيّن الأستاذ النورسي ضرورة نبوته صلى الله عليه وسلم وحاجة الكون لها في النقطة الخامسة في حديثه عن قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلِٰى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾([26])، فيقول: "يصح أن يقال: أن اسم الله (الحكم) و(الحكيم) يقتضيان بداهة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، ويدلان عليها ويستلزمانها... فإنسان هذه مهمته إنسان ضروري وجوده بل يستلزمه هذا الكون، كضرورة الشمس ولزومها ..لذا فكما تستلزم الشمس الضوء ويستلزم الضوء النهار، فالحكم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته".([27])

ونرى النورسي يقيم الأدلة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأكملهم، وأن رسالته عامة للبشرية جمعاء، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع، وجامعة لمحاسنها، وتلك المقاصد مندمجة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾([28]).

يقول النورسي: "... ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت الطبقات البشرية متباعدة بعضها عن بعض، مع ما فيهم من جفاء وشدة في السجايا. لذا أتت الشرائع في تلك الأزمنة متباينة مختلفة مع موافقتها لأحوالهم وانسجامها على أوضاعهم حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد. ولكن بمجيء خاتم النبيين وهو نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم تكاملت البشرية وكأنها ترقت من مرحلة الدراسة الابتدائية فالثانوية إلى مرحلة الدراسة العالية وأصبحت أهلاً لأن تتلقى درساً واحداً وتنصت إلى معلم واحد وتعمل بشريعة واحدة، فرغم كثرة الاختلافات لم تعد هناك حاجة إلى شرائع عدة ولا ضرورة إلى معلمين عديدين." ([29])

ويقول في موضع آخر: "إن جميع دوائر السلطنة الإلهية تعرفه صلى الله عليه وسلم معرفة جيدة أو يعّرفه الله لهم ابتداءً من الملائكة إلى الذباب والعنكبوت فهو بلا شك خاتم الأنبياء ورسول رب العالمين، وأن رسالته عامة للكائنات قاطبة لا تختص بأمة دون أمة كغيره من الأنبياء المرسلين."([30])

ثالثاً: كيفية إثبات النبوة وبيان ضرورتها عند النورسي

وفيما يتعلق بضرورة نبوته صلى الله عليه وسلم؛ وإثبات تلك النبوة بالأدلة والبراهين، قد وفىّ الإمام النورسي هذا الجانب وتحدث عن دلائل النبوة في مواضع عدة وخصها في المكتوب التاسع عشر (ويختص بالمعجزات الأحمدية)، وكذا الكلمتين: التاسعة عشر والحادية والثلاثين الخاصتين بالرسالة الأحمدية، وأطال في ذلك وشرح وأقام حججاً وبراهين كثيرة لتثبيت عقيدة المسلم بصورة أساسية والتي تتمثل بلفظ الشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، فهو يرى ابتداءً أن شهادة (لا إله إلا الله) تستلزم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. "فاعلم أنه (لا إله إلا الله) بكل براهينه المذكورة، يستلزم (محمد رسول الله)." ([31])

وقد لخص دلائل النبوة في رسالته ((إشارات الإعجاز)) في ستة مسائل، نوجزها بالتالي:

الأولى: أن جميع الأنبياء عليهم السلام شاهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

الثانية: أن كل أحواله وحركاته تدل بالمبدأ على صدقه، وبالمنتهى على حقانيته.

الثالثة: أن الأزمنة الثلاثة الماضية والحاضرة -إشارة إلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم والمستقبلية ثم ذاته الشريفة دليل على نبوته.

الرابعة: أن قصص الأنبياء المذكورة على لسانه عليه السلام في القرآن الكريم برهان على نبوته، فمجموع دلائل نبوة الأنبياء في حكم دليل معنوي له، وجميع معجزاتهم في حكم معجزة معنوية له صلى الله عليه وسلم.

الخامسة: ما أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب من تغيير وتبديل للعقول والنفوس والطبائع، فشكل دولة عظيمة وبنى مجتمعاً ربانياً في زمن قصير، بحيث لو اجتمع مائة من الفلاسفة وأعطوا مائة سنة ما فعلوا جزءاً من مائة جزء مما فعله هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم. وهذا دليل على نبوته.

السادسة: ومفادها بأنه صلى الله عليه وسلم أتى بشريعة كافلة لسعادة الناس كافة، وهي زبدة وخلاصة جميع العلوم الإلهية والفنون الحقيقية...، وقد شهد الأعداء بفضل تلك الشريعة وأهميتها للإنسانية، وهذا دليل على نبوته.([32])

ونرى النورسي يفصل القول في إثبات النبوة المحمدية بالمعجزات التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم برهاناً على صدقه ونبوته "إن بحث تلك المعجزات كلها يحتاج إلى مجلدات لكثرتها وتنوعها، وقد ألّف العلماء الأصفياء مجلدات ضخمة حول تفاصيل دلائل النبوة والمعجزات، إلاّ أننا هنا نكتفي بإشارات مجملة إلى ما هو قطعي الثبوت والمتواتر معنىً من الأنواع الكلية لتلك المعجزات.

إن دلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم قسمان:

الأول: الحالات التي سُميت بالإرهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبل النبوة ووقت الولادة.

الثاني: دلائل النبوة الأخرى وهذا ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده صلى الله عليه وسلم تصديقاً لنبوته.

ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة صلى الله عليه وسلم. وهذا أيضاً قسمان:

الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.

الثاني: ما ظهر منها في أمور خارجة عن ذاته الشريفة، أي في الآفاق والكون. وهذا أيضاً قسمان:

قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضاً:

القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمان المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعاً، كل نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكل نوع منها نماذج عدة مكررة.

القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه - بما علّمه الله سبحانه - وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر. ([33])

وكما أن الإمام النورسي أثبت النبوة المحمدية بدلائل وبراهين سبق ذكرها آنفاً فإنه كذلك قد أورد جملة من الحكايات والقصص عن طريق التشبيه والتمثيل بهدف الوصول إلى حقيقة النبوة وحاجة الإنسانية لها. والغرض من هذه الأمثال والحكايات على لسان النورسي هو:

"إن سبب إيرادي التشبيه والتمثيل بصورة حكايات في هذه الرسائل هو تقريب المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائق التي تنتهي إليها والتي تدل عليها كناية. فهي إذاً ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة".([34])

فلنذكر نموذجاً واحداً لإيضاح ذلك.

"إذ أن كان ثمة قصر فخم فيه مصباح كهربائي عظيم تشعبت منه قوة الكهرباء إلى مصابيح أصغر فأصغر موزعة في منازل صغيرة مرتبطة كلها بالمصباح الرئيس. فلو أطفأ أحدهم المصباح الكهربائي الكبير، فسيعم الظلام المنازل الأخرى كلها وتستولي الوحشة فيها، ولكن لأن هناك مصابيح في قصور أخرى غير مربوطة بالمصباح الكبير في القصر الفخم، فإن صاحب القصر هذا إن أطفأ المصباح الكهربائي الكبير فإن مصابيح صغيرة تعمل على الإضاءة في القصور الأخرى، ويمكنه أن يؤدي بها عمله، لا يستطيع اللصوص نهب شيء منه.

فيا نفسي! القصر الأول: هو المسلم. والمصباح الكبير: هو سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب ذلك المسلم، فإن نسيه وأخرج الإيمان به من قلبه-والعياذ بالله- فلا يؤمن بعدُ بأي نبي آخر. بل لا يبقى موضع للكمالات في روحه، بل ينسى ربه الجليل ويكون ما أُدرج في ماهيته من منازل ولطائف طعمة للظلام، ويحدث في قلبه دماراً رهيباً وتستولي عليه الوحشة، تُرى ما الذي يغني عن هذا الدمار الرهيب، وما النفع الذي يكسبه حتى يستطيع أن يُعّمر ذلك الدمار والوحشة‍‍؟!

أما الأجانب فإنهم يشبهون القصر الثاني، بحيث لو أخرجوا نور محمد صلى الله عليه وسلم من قلوبهم، تظل لديهم أنوار بالنسبة لهم- أو يظنون أنها تظل! إذ يمكن أن يبقى لديهم شيء من العقيدة بالله والإيمان بموسى وعيسى عليهما السلام- والذي هو محور كمال أخلاقهم".([35])

رابعاً: الآثار والعواقب المترتبة على جحود النبوة.

يرى النورسي أن من البداهة أن يكون الحق والحقيقة في جانب النبوة وفي يد الأنبياء عليهم السلام لأن النبوة في البشرية منبع الخير وخلاصة الكمال وأساسه، ومن ثم يرى النتيجة العكسية لمخالفة النبوة وجحودها هي الضلالة والشر والخسارة.([36])

فهو يقرر هذا المعنى بمعايشته مع حقيقة قرآنية في قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، صِرَاطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾([37]) حيث يستنبط أن الصراط المستقيم يمثل قوافل الأنبياء ومن تبعهم وهي أنور قوافل البشرية الراحلة إلى الماضي والتي تسير في جادة مستقيمة كبرى تمد إلى الأبد .. ويبين عاقبة من خالفهم بقوله: "يا سبحان الله، ما أفدح خسارة، وما أعظم هلاك من ترك الالتحاق بهذه القافلة النورانية العظمى، والتي مضت بسلام وأمان وأزالت حجب الظلمات ونوّرت المستقبل.. إن من يملك ذرة من شعور لا بد أن يدرك هذا".([38])

ويركز رحمه الله على ضرورة اتباع السنة المحمدية الخالدة في مواضع كثيرة من رسائله فيقول: "إن السنة النبوية المطهرة في حقيقة أمرها لهي أدب عظيم، فليس فيها مسألة إلا وتنطوي على أدب ونور عظيم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (أدَّبَنِيْ رَبِّيْ فَأَحْسَنَ تَأْدِيْبِيْ)([39]).

نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحيط علماً بالسنة المطهرة، يدرك يقيناً أن الله سبحانه وتعالى قد جمع أصول الآداب وقواعدها في حبيبه صلى الله عليه وسلم. فالذي يهجر سنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محروماً من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل. ويكون مصداق القاعدة: بي ادب محروم باشد أز لطف رب ([40])".([41])

خامساً: دور النبوة في سعادة البشرية وإنقاذها من الضلال.

إن الإنسان جُبل على جلب الخير ودفع الشر ولن يتمكن من ذلك إلا بالتأسي بقدوة كاملة وأسوة حسنة ترشده إلى السعادة الأبدية وتنقذه من الضلال. والأنبياء الكرام عليهم السلام هم الذين قدموا أسوة كاملة للبشرية لسعادتها الأبدية وخلاصها من الضلال: "اعلم أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنه برهانٌ ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حقٍ بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أنه بدعوته وبهدايته سببُ حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة إيجادها ..."([42])

ويؤكد النورسي أن البشرية لن تنال السعادة في حياتها إلاّ بتحقيق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾([43]). حيث يحلق حول شخصيته صلى الله عليه وسلم وضرورة اتباع سنته الشريفة واعتبارها الحجر الأساس لسعادة الدارين ومفتاح السعادة الأبدية. ([44])

ويخاطب النفس قائلاً: "إن كنت حقاً تريدين أن تنالي عملاً أخروياً خالداً في عمر قصير؟ أو أن تحولي السعادة إلى عبادة وتبدلي غفلتك إلى طمأنينة وسكينة. فاتبعي السنة النبوية الشريفة. إن إنجاز الأعمال وفق السنة الشريفة يجعل العمل الفاني القصير مداراً للحياة الأبدية ذات ثمار خالدة. لذا فأنصتي جيداً إلى قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِيْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ﴾([45]).([46])

سادساً: ضرورة النبوة للدعوة إلى توحيد الخالق وإثبات وجوده

ذكر الإمام النورسي في كتاباته المختلفة ثلاثة براهين كبيرة وحجج كلية لتوحيد الخالق وإثبات وجوده:

"إن ما يعرّف لنا ربَّنا لايعد ولايحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة:

إحداها: هذه الكائنات، وقد سمعتَ بعض آيات هذا الكتاب الكبير.

وثانيتها: الآية الكبرى من هذا الكتاب، وهي خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوزالخفية عليه الصلاة والسلام.

وثالثتها: مفسر كتاب العالم، وحجة الله على الأنام، أي القرآن الحكيم". ([47])

وأضاف برهاناً رابعاً في موضع آخر حيث يقول بعد سرد هذه البراهين الثلاثة:

البرهان الرابع: الوجدان الحي، أو الفطرة الشاعرة، الذي يمثل البرزخ ونقطة اتصال عالمي الغيب والشهادة. فالفطرة الشاعرة أو الوجدان نافذة إلى العقل ينشر منها شعاع التوحيد."([48])

وخلال حديثه عن البرهان الأول تطرق النورسي إلى الوظيفة الأساسية للأنبياء والرسل؛ وهي إجماعهم على التوحيد الخالص للخالق سبحانه، والدعوة إلى تحقيق وجوده وعبادته، فيقول: "إن جميع الأنبياء عليهم السلام وهم خيرة نوع البشر وأكملهم قاطبة، يذكرون بلسان واحد ويرددون معاً بالإجماع (لا إله إلاّ هو) وهم جميعاً يدعون إلى التوحيد الخالص بقوة ما لا يحد من معجزاتهم الباهرة المصدقة لهم ولدعواهم".([49])

ثم نراه يقرر في نهاية المطاف أن رافع لواء التوحيد والمعرف الأمثل للربوبية والألوهية هو محمد صلى الله عليه وسلم: "فتعال ياعقلى وتأمل!. إن أساس جميع دعاوى هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وغاية حياته كلها، هي الشهادة على وجود واجب الوجود، والدلالة على وحدانيته، وبيان صفاته الجليلة، وإظهار أسمائه الحسنى، وإثبات كل ذلك، وإعلانه وإعلامه؛ استناداً إلى ما في دينه من ألوف الحقائق الراسخة الأساس وإلى قوة ما أظهره الله على يده مئات من معجزاته القاطعة الباهرة. أي أن الشمس المعنوية التي تضيء هذا الكون والبرهان النيّرعلى وجود خالقنا سبحانه ووحدانيته، هوهذا النبي الكريم الملقب بـحبيب الله صلى الله  عليه وسلم"([50])

"فهو برهان التوحيد الناطق، قد أعلن التوحيد وأظهره بجلاء، وبينّه للبشرية أبلغ بيان، في جميع سيرته العطرة ..، فهو يملك بجناحي الرسالة والولاية قوة إجماع وتواتر جميع الأنبياء الذين أتوا قبله وقوة وإجماع جميع الأولياء والأصفياء الذين أتوا بعده، وفتح بهذه القوة الهائلة نافذة واسعة عظيمة سعت العالم الإسلامي إزاء معرفة الله سبحانه".([51])

ولقد تعرض النورسي في الإشارة التاسعة عشر من المعجزات الأحمدية إلى وجه دلالته صلى الله عليه وسلم على التوحيد ومدى صدقه وحجيته وأحقيته ضمن خمسة عشر أساساً. ([52])

سابعاً: ضرورة النبوة للدعوة إلى عبادة الله تعالى.

أن الهدف الأساسي والغاية العظمى للإنسانية في هذا الوجود هي العبادة لله وحده ولقد صرح القرآن بها في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوْنِ﴾([53]) ، فلُّب دعوة الأنبياء وجوهر الرسالات السماوية هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما يعبد من دونه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُوْلٍ إِلاَّ نُوْحِيْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُوْنِ ﴾([54]).

فالرسل قد بينّوا للإنسانية سر وجودهم في هذه الدنيا، وأجابوا على أسئلتهم الفطرية من حكمة الوجود والخلق، وهذا ما أشار إليه النورسي في رسائله:

"فالرسول يجيب عن ألغاز الأسئلة الثلاثة المستعصية في الموجودات: من أين؟ وإلى أين؟ ومتى تكون؟ فهل يمكن للخالق ذي الجلال الذي عرّف نفسه إلى ذوي الشعور بهذه المخلوقات الجميلة، وحببها إليهم بنعمه الغالية، أن لا يبين لهم بوساطة رسول ما يريد منهم وما يرضيه إزاء هذه النعم السابغة؟"([55])

ويقول النورسي في بيان أهمية العبادة وفوائدها في حياة البشر: "اعلم أن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه. وأن الدين الحق فهرس السعادة. وأن الإيمان حُسنٌ منزَّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقاً ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة في مخالفيهم. فإن شئت فانظر إلى مثال واحد من بين ألوف الأمثلة على محاسن العبودية التي جاء بها النبي عليه السلام وهو: أن النبي عليه السلام يوحِّد بالعبادة قلوبَ الموحدين في صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع ألسنتهم جميعاً على كلمة واحدة. حتى يقابل هذا الإنسانُ عظمة الخطاب الصادر من المعبود الحق سبحانه بأصوات قلوبٍ وألسنةٍ لا تحد وبدعواتها، متعاوناً متسانداً، بحيث يُظهر الجميع عبوديةً واسعةً جداً إزاء عظمة أُلوهية المعبود الحق فكأن كرة الأرض برمَّتها هي التي تنطق بذلك الذكر، وتدعو بذلك الدعاء، وتصلّي لله بأقطارها وتمتثل بأرجائها الأمر النازل بالعزة والعظمة من فوق السموات السبع: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾([56]).

وبهذا الاتحاد صار الإنسان وهو المخلوق الضعيف الصغير الذي هو كالذرة في هذه العوالم، عبداً محبوباً لدى خالق السموات والأرض من جهة وعظمة عبوديته له، وأصبح خليفة الأرض وسلطانها، وسيد الحيوانات ورئيسها، وغاية خلق الكائنات ونتيجتها." ([57])

وينطلق النورسي من هذا الحوار ليؤكد أن هناك أساسين بدونهما لا تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغدو الإنسان إنساناً حقاً، وهما:

 

الأول: القيام بشكر الله تعالى تجاه كل نوع من أنواع النعم وعبادته.

الثاني: الإيمان بتجليات الأسماء الحسنى ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة.([58])

ثامناً: ضرورة النبوة للإيمان باليوم الآخر.

إن الإيمان باليوم الآخر ومافيه من الحشر لمن الأسس التي دعا إليها جميع الشرائع السماوية والإيمان باليوم الآخر ينبني على إخبار من الأنبياء والرسل ولا يمنع العقل إمكان الحشر ووقوعه فلذا نرى النورسي يثبت الحشر بكل من العقل والنقل: "أما الحشر فيجوز إثباته بالعقل والنقل: أما العقليّ فراجع إلى ما بيّنا بقدر الطاقة في تفسير ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُوْنَ﴾([59]) حاصله: إن النظام والرحمة والنعمة إنما تكون نظاماً ورحمة ونعمة إن جاء الحشر.. وأما النقليّ فقول كل الإنسان مع حكم القرآن المعجز بوقوعه. وأما النقليّ مع الرمز للعقليّ فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي فإنه عدّد الآيات المثبتة للحشر. والحاصل: إنه ما من متأمل في نظائرِ وأشباهِ وأمثالِ الحشرفي كثيرمن الأنواع إلاّ ويتحدس من تفاريق الأمارات إلى وجود الحشرالجسماني والسعادة الأبدية."([60])

ويتبين من بعض الكتابات الأخرى للنورسي أن هذه القضية توقيفية محضة ولا مجال للعقل في مناقشتها أو إنكارها، وقد بيّن الإمام النورسي هذا المفهوم في ختام رسالة الحشر قائلاً:

"... وكذلك اتفق علماء الإسلام بأن قضية الحشر؛ قضية نقلية، أي أن أدلتها نقلية، ولا يمكن الوصول إليها عقلاً وأن العقل لو اعتمد على مقاييسه الكلية لظل عاجزاً مضطراً إلى التقليد".([61])

ويعتقد النورسي أن مسألة الحشر واليوم الآخر لا يمكن فهمها إلاّ بتعليم أستاذين معجزين وهما "القرآن الكريم، والرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم".([62])

فالدليل الأول للحشر هو القرآن الكريم: ""ففي المقدمة القرآن الكريم - ذو البيان المعجز - يشهد بجميع معجزاته وحججه وحقائقه - التي تثبت أحقيّته - على حدوث الحشر ويثبته، حيث أن ثُلث القرآن تقريباً، وأوائل أغلب السور القصار، آيات جلية دالة على الحشر" ([63])

أما الدليل الثاني للحشر والإيمان باليوم الآخر فهو: "المعلم والقدوة محمد صلى الله عليه وسلم: فإن جميع المعجزات الدالة على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع دلائل نبوته وجميع البراهين الدالة على صدقه، تشهد بمجموعها معاً على حقيقة الحشر، وتدل عليها وتثبتها، لأن دعوته صلى الله عليه وسلم طوال حياته المباركة قد انصبت بعد التوحيد على الحشر. وأن جميع معجزاته وحججه التي تدل على صدق الأنبياء عليهم السلام وتحمل الآخرين على تصديقهم تشهد على الحقيقة نفسها، وهي الحشر. وكذا شهادة الكتب المنزلة التي رقّت الشهادة الصادرة من الرسل الكرام إلى درجة البداهة ووضحتها، تشهدان على الحقيقة نفسها." ([64]) فهو يفتح بعبوديته باب الآخرة مثلما يفتح برسالته باب الدنيا.([65])

تاسعاً: النبوة أنموذجٌ رائعٌ للسلوك الإنساني القيم والأخلاق الفاضلة

أشار النورسي إلى بعض المعالم التربوية التي اقتضتها النبوة لتقديم أنموذج رائع للسلوك الإنساني الصحيح وبناء الشخصية الإسلامية المتصلة بخالقها سبحانه، فهو يوقن تماماً أن من أهم ما بُعث به الأنبياء هو إتمام مكارم الأخلاق وتربية بني البشر وفق ما يرتضيه رب البشر، يقول في ظلال قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ﴾([66]): "في الآية إيحاء إلى العدالة والنبوة أيضاً؛ لأن بالرسل تربية نوع البشر".([67])

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلاَقِ)([68]) يقول: "أي: إنما بعثني الله إلى الناس لتتميم الخصال الحميدة وإنقاذ البشرية من الطباع الذميمة"([69]).

فالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتعاليمه السنية ترشد الإنسانية للسلوك القيم والأخلاق الفاضلة: "وكذا الإسلام الذي صدر من أفعال مَن هو أميّ صلى الله عليه وسلم ومن أقواله، ومن أحواله، هو رائد ومصدر ثلاثمائة مليون من البشر ومرجعهم في كل عصر، ومعلم لعقولهم ومرشد لها، ومنوّر لقلوبهم ومهذّب لها ومربّ ٍ لنفوسهم ومزَكٍ لها، ومدار لانبساط أرواحهم ومعدن لسموها.. لم يأت  ولن يأتي له مثيل".([70])

والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قدوة خالدة للبشرية جمعاء لأنه تلقى عناية إلهية خاصة ورعاية ربانية فريدة حتى كان صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق خلقاً وسلوكاً وأدباً وعلماً. وهو ممثل البشرية في العدل والاستقامة والقيادة والتواضع..  وفي هذا المعنى كان النورسي صاحب إدراك عميق بحقيقة نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

"نعم مادام - عليه الصلاة والسلام- متصفاً بأسمى مراتب محاسن الأخلاق، باتفاق الأولياء والأعداء. وأنه صلى الله عليه وسلم هو المصطفى المختار من بين بني البشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع.. ومادام هو أكمل إنسان، بل أكمل قدوة ومرشد بدلالة آلاف المعجزات، وبشهادة العالم الإسلامي الذي كوّنه، وبكمالاته الشخصية بتصديق حقائق ما بلغه القرآن الحكيم.. ومادام ملايين من أهل الكمال قد سموا في مراتب الكمالات، وترقوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا إلى سعادة الدارين.. فلابد أن سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحركاته هي أفضل نموذج للاقتداء وأكمل مرشد للاتباع والسلوك وأحكم دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساساً في تنظيم حياته. فالسعيد المحظوظ هو من له أوفر نصيب من هذا الاتباع للسنة الشريفة. ومن لم يتبع السنة فهو في خسران مبين إن كان متكاسلاً عنها.. وفي جناية كبرى إن كان غير مكترث بها.. وفي ضلالة عظيمة إن كان منتقداً لها بما يومئ التكذيب بها".([71])

عاشراً: النبوة مثلٌ حيٌ للتقدم الحضاري البشري.

ذكر الإمام النورسي أن القرآن الكريم الذي خاطب البشرية قاطبة لم يهمل ذكر منجزات العلم والصناعة - والتي تعد حصيلة التقدم الإنساني ورقيه- من حياة البشر، بل قد أشار إلى تلك الخوارق العلمية من جهتين:

الجهة الأولى: عند إشارته إلى معجزات الأنبياء عليهم السلام.

الجهة الثانية: عند إشارته إلى بعض الحوادث التاريخية. ([72])

ومحور حديثنا بيان الجهة الأولى حيث بيّن القرآن الكريم أن الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يقتدى بهم، في رقيهم المعنوي والمادي أيضاً عن طريق معجزاتهم.

"إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير إلى أبعد نهاياتها وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، ثم يحثها على بلوغ تلك الغاية..، إذ كما أن الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله". ([73])

وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بين التشويق والتشجيع قائلاً له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى عض تلك الخوارق!([74])

قدَّم الإمام النورسي أنموذجاً مختاراً من معجزات الأنبياء عليهم السلام مشيراً إلى الخوارق العلمية التي تضمنتها تلك المعجزات لتكون هداة للبشرية، ففي قوله تعالى:﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيْحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾([75]) تبين الآية معجزة سليمان عليه السلام لتسخير الريح له حيث قطع في الهواء ما يقطع في شهرين في يوم واحد. فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء، ... وفي المعجزة الكبرى لآدم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾([76]) يرى النورسي أن كل ما ناله الإنسان -من حيث جامعية ما أودع الله فيه من استعدادات- من الكمال العلمي والتقدم الفني، ووصوله إلى خوارق الصناعات والاكتشافات تعبر عنه الآية الكريمة بتعليم الأسماء.

بمعنى أن لكل كمال وعلم وتقدم وفن- أياً كان- حقيقة سامية عالية...

ويختم النورسي حديثه عن معجزات الأنبياء بذكر خاتم ديوان النبوة، وسيد المرسلين، الذي تعد جميع معجزات الرسل معجزة واحدة لتصديق دعوى رسالته صلى الله عليه وسلم. ومعجزته الكبرى هي القرآن الكريم وقد تحدى بها الإنس والجن بقوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَّأْتُوْا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُوْنَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾.([77])

وقد أشارت الآية؛ إلى أن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم وتنصب إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمام الحكم والقوة. ولما كان القرآن الكريم يسوق جزالة البيان وبلاغة الكلام مقدماً ويكررها كثيراً فكأنه يرمز إلى أن البلاغة والجزالة في الكلام  - وهما من أسطع العلوم والفنون- سيلبسان أزهى حللهما وأروع صورهما في آخر الزمان، حتى يغدو الناس يستلهمون أمضى سلاحهم من جزالة البيان وسحره، ويستلمون أرهب قوتهم من بلاغة الأداء وذلك عند بيان أفكارهم ومعتقداتهم لإقناع الآخرين بها، أو عند تفنيد آرائهم وقراراتهم.. " ([78])

 

 

الخاتمة : وتشمل خلاصة البحث وأهم التوصيات والاقتراحات

1. إن الإمام النورسي قد أولى اهتماماً بالغاً بموضوع النبوة بالتصريح أو التعريض في جميع رسائله حتى أنه يمكن استخراج مؤلف مستقل عن موضوع النبوة وأهميتها من هذه الكتابات.

2. إن مقاصد القرآن الأربعة في نظر النورسي هي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدالة مع العبودية.

3. النبوة بمفهومها العام في فكر النورسي؛ تأخذ طابع الرسالة والتبليغ عن الله.

4. إن النبوة منحة إلهية، إلا أن الله يختار لها أناساً خصهم وميزهم بخصائص ومميزات ليست موجودة في سائر البشر. فالرسل أكمل البشر خَلقاً وخُلقاً، وأرجحهم عقلاً، وأوفرهم ذكاء، وأنورهم قلباً.

5. جميع الأنبياء الكرام يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد وجود النبوة المطلقة من نوع البشر.

6. إن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر، فلو لم تكن النبوة لهلك نوع البشر.

7. كما تستلزم الشمس الضوء ويستلزم الضوء النهار، فالحكم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.

8. قد لخص النورسي دلائل النبوة المحمدية في رسالته إشارات الإعجاز في ستة مسائل.

9. قد أورد النورسي جملة من الحكايات والقصص عن طريق التشبيه والتمثيل بهدف الوصول إلى حقيقة النبوة وحاجة الإنسانية لها.

10. من يهجر سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محروماً من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل.

11. يؤكد النورسي أن البشرية لن تنال السعادة في حياتها إلاّ بتحقيق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾( آل عمران: 31)

12. إن رافع لواء التوحيد والمعرف الأمثل للربوبية والألوهية هو محمد صلى الله عليه وسلم.

13. إن هناك أساسين بدونهما لا تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغدو الإنسان إنساناً حقاً، وهما:

الأول: القيام بشكر الله تعالى تجاه كل نوع من أنواع النعم وعبادته.

الثاني: الإيمان بتجليات الأسماء الحسنى ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة.

14. إن مسألة الحشر واليوم الآخر لا يمكن فهمها إلاّ بتعليم أستاذين معجزين وهما: القرآن الكريم، والرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم

15. كان صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق خلقاً وسلوكاً وأدباً وعلماً. وهو ممثل البشرية في العدل والاستقامة والقيادة والتواضع.

16. النبوة مثلٌ حيٌ للتقدم الحضاري البشري

 

التوصيات

ـ يترتب عن ضرورة النبوة للبشرية مايلي:

1. التأكيد على ألا يقدم على التعاليم النبوية شئ من كلام البشر.

2. أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه منطلقاً للأبحاث والدراسات.

3. أن يكون المنهاج النبوي أصلاً للتربية والتعليم.

4. يجب اتخاذ كافة الوسائل لنشر أفكار الأستاذ النورسي وأمثاله من علماء الأمة المخلصين الدعاة إلى الكتاب والسنة.

5. إن إعمال الفكر في كتاب الله تعالى والأحاديث النبوية للوصول إلى فهم جديد، أمر مطلوب مالم يجنح عن المنهج السليم الذي التزمته أمة الإسلام عبر القرون.

6ـ إن القضايا المستجدة في العصر الحديث تستدعي إعمال الفكر للوصول إلى حلول شرعية عن طريق استنباطها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

 

 

---------------------------------

المصادر والمراجع

 ـ أحمد بن حنبل (الإمام): المسند، شرح والتحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، 1365 ـ 1375هـ، دارالمعارف، مصر

ـ الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الطبعة الأولى 1399هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، المجلد الأول.

ـ البيهقي، أبوبكر أحمد بن الحسين: السنن الكبرى، الطبعة الأولى، 1344هـ، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند

ـ السفاريني، محمد بن أحمد: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، مطابع الأصفهاني، جدة، 1382هـ.

ـ الرومي، جلال الدين: مثنوي الرومي،  ط. ممباي

ـ العجلوني، إسماعيل بن محمد: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت

ـ مالك بن أنس(الإمام): الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت، طبعة عيسى البابي الحلبي

ـ المتقي الهندي: علاؤ الدين علي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، الطبعة الخامسة 1408هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت

ـ النورسي، بديع الزمان:

إشارات الإعجاز، طبعة دار سوزلر: بغداد دار الأنبار، مطبعة الخلود، ط1، 1409هـ-1989م

الشعاعات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م

صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، استنبول: دار سوزلر، ط1، 1416هـ/ 1995م

الكلمات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م

اللمعات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م

المثنوي العربي النوري، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م

المكتوبات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م

 

 

 

-------------------------

[1]  انظر: الشعاعات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م، ص 310، صيقل الإسلام: بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، استنبول: دار سوزلر، ط1، 1416هـ/ 1995م)، ص 29، 120

[2]  إشارات الإعجاز، طبعة دار سوزلر: بغداد دار الأنبار، مطبعة الخلود، ط1، 1409هـ/1989م، ص 23

[3]  الكلمات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م ، ص 127

[4]  المثنوي العربي النوري، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م، ص55

[5]  الكلمات: ص 62.

[6]  اللمعات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م، ص 36

[7]  الحج: 75

[8]  آل عمران: 33

[9]  الأعراف: 144

[10]  انظر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية، للشيخ محمد بن أحمد السفاريني، مطابع الأصفهاني، جدة، 1382هـ، ج 2 ص268.

[11]  القصص: 68

[12]  الأنعام: 124

[13]  التوبة: 33

[14]  المكتوبات، طبعة دار سوزلر: استنبول، ط1، 1412هـ/1992م، ص 113-114.

[15]  المثنوي العربي: ص176

[16]  المصدر السابق: ص330

[17]  الكلمات: ص 843

[18]  صيقل الإسلام: ص 135

[19]   صيقل الإسلام: ص 136

[20]  صيقل الإسلام: ص139 ـ 140.

[21]  صيقل الإسلام: ص 136.

[22]  صيقل الإسلام: 138ـ 139

[23]  صيقل الإسلام: ص137 ـ 138.

[24]  صيقل الإسلام: ص 138، 140.

[25]  المكتوبات: ص 115.

[26]  النحل: 125

[27]  اللمعات: ص 536-537 ، و الشعاعات: ص654

[28]  البقرة:4

[29]  الكلمات: ص 569.

[30] المكتوبات: ص 214.

[31]  المثنوي العربي: ص 123.

[32]  انظر إشارات الإعجاز: ص 207-220. (بتصرف)، وراجع لتفصيل هذه البراهين والدلائل لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب التاسع عشر، من المكتوبات ص151ـ 156، 238، 242ـ 248، 261ـ 264 والكلمة التاسعة عشرة، من كتاب الكلمات: ص 254ـ 264، وصيقل الإسلام: ص142 ومابعدها

[33]  المكتوبات : 115 ـ 117

[34]  الكلمات، ص 46.

[35]  الكلمات: ص 417.

[36]  اللمعات: ص 194.

[37]  الفاتحة:5

[38]  المكتوبات: ص510 .

[39]  المتقي الهندي: علاؤ الدين علي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، الطبعة الخامسة 1408هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، برقم 31895، ج11، ص 406، والحديث معناه صحيح، ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود (شرح المناوى على الجامع الصغير) وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج18 ص375: معناه صحيح ولكن لا يعرف له إسناد ثابت وأيده السخاوي والسيوطي. راجع: العجلوني، إسماعيل بن محمد: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1 ص 70 ـ والألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، الطبعة الأولى 1399هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، المجلد الأول، برقم  72.

[40]  مثنوي الرومي ج1/ص3 ط. ممباي

[41]  اللمعات: ص 87، وراجع أيضاً الكلمات: 260 .

[42]  المكتوبات : 263

[43]  آل عمران: 31

[44]  اللمعات: ص 90-96. إشارات الإعجاز: ص 81، المثنوي النوري: ص62ـ 63، المكتوبات: ص267

[45]  الأعراف:156

[46]  الكلمات: ص 416

[47]  المثنوري النوري: 55

[48]  المثنوي النوري: 421 ومابعدها

[49]  الشعاعات: ص156.

[50]  الشعاعات: ص 172 ومابعدها

[51]  الكلمات: ص 831-832.

[52]  راجع للتفصيل: المكتوبات: ص251-255

[53]  الذاريات: 56

[54]  الأنبياء: 92

[55]  الكلمات: ص 63

[56]  البقرة: 43

[57]  اللمعات : 194

[58]  الكلمات: ص 137، وراجع لمزيد من التفصيل: اللمعات: ص194ـ 195و 290ـ 292

[59]  البقرة: 4

[60]  إشارات الإعجاز: ص 194

[61]  الكلمات: ص 101.

[62]  الشعاعات: ص 275، وراجع لمزيد من التفصيل: الكلمات: ص 107.

[63]  الشعاعات: ص231

[64]  الكلمات: ص 107، والشعاعات: ص 231

[65]  الكلمات: ص 76.

[66]  الفاتحة:1

[67]  إشارات الإعجاز: ص 31.

[68]   البيهقي، أبوبكر أحمد بن الحسين: السنن الكبرى، الطبعة الأولى، 1344هـ، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند، برقم الحديث 21301 ، ج 10، ص 1091 ـ وأحمد بن حنبل (الإمام): المسند، شرح والتحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، 1365 ـ 1375هـ، دارالمعارف، مصر، من مسند أبي هريرة برقم 8595 بلفظ صالح الأخلاق ـ ومالك بن أنس(الإمام): الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت، طبعة عيسى البابي الحلبي، كتاب الجامع كترجمة الباب

[69]   صيقل الإسلام: ص 491.

[70]   الشعاعات: 168

[71]   اللمعات: ص 94-95.

[72]   الكلمات: ص 278

[73]   الكلمات: ص 279.(بتصرف)

[74]   إشارات الإعجاز: ص 302.

[75]   سبأ:12

[76]  البقرة:31

[77]   الإسراء:88

[78]  الكلمات: ص 278-292. (بتصرف)