Most Read in the Category of قالوا عن النورسي

1-) صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

سيرة حياته: ما بين سعيد القديم  في  المرحلة الأولى من حياته  1293 هـ 1343 هـ  الموافق لـ 1876 م - 1926 م، وسعيد الجديد في المرحلة  الثانية  من حياته 1343 هـ 1379ه-  ينبغي  تتبع حياته  بحثا عما يحقق فرضية التصوف  في حياته سلوكا أو قربا أو تتلمذا.

سعيد القديم / الحياة الأولى:

-  اشتهر سعيد النورسي منذ طفولته بذكاء خارق أهّله لإتقان علوم الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وغيرها من العلوم.

- وينقل عنه تلامذته أنه كان ميالا للبيئة الصوفية، إذ كانت الطريقة النقشبندية شائعة في تركيا.

- طلب من السلطان عبد الحميد تأسيس مدرسة دينية علمية (مدرسة الزهراء لخدمة القرآن).

- قاد فرقة الأنصار وكان مرشدأً لها.

- انتقل سنة 1923 م إلى "وان" قرب إحدى خرائب مهجورة قديمة على جبل "أرك"، واستمر في الاعتكاف والانزواء، وكأن الله يهيئه لمواجهة الخطوب الهائلة والأعاصير المدمرة التي أوشكت أن تهب على الإسلام. (1)

- رفض الاشتراك في ثورة الشيخ " سعيد بيران " ضد مصطفى كمال، لعدم رغبته في إهراق دم المسلمين الأبرياء في حركة لا أمل فيها(2).

هذه ملامح  حياة سعيد القديم ذكاء ونبوغا وموسوعية في العلوم، وخدمة للقرآن، وميلا إلى البيئة الصوفية، وميلا إلى الاعتكاف والانزواء،  ورفضا للثورات التي تريق دماء المسلمين، هي ملامح  تمكن من القول بنشوء قيادة  دينية لم تتضح معالمها بعد.

سعيد الجديد / الحياة الثانية:   

- في منفاه بمدينة " بارلا " من أعمال " اسبارطة "  الذي أرادوه منفى تخبو فيه جذوة النورسي ويخمل ذكره، كان ميلاد سعيد الجديد وميلاد رسائل النور التي استغرقت  طوال حياته.

- في منفاه تظهر بعض علامات التصوف:

1-  قلة الطعام، "  كان الأستاذ معتل الصحة دائما، وكان قليل الإقبال على الطعام، بل يمكن القول بأنه قضى عمره كله وهو نصف شبعان ونصف جائع، إذ كان يقضي  يومه الكامل بإناء صغير من الحساء مع كسرات من الخبز، وقضى حياته كلها على ما ادخره سابقا من الليرات الذهبية وعلى الاقتصاد الكامل والبركة الربانية "(3).هذه البركة  الربانية يبحث عنها النورسي في اللمعة التاسعة عشرة قائلا: " ومن الجدير بالملاحظة أن قسما من أولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدين بعد سنتين، لعد التزامهم بالاقتصاد، إلا أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني - ولله الحمد - ببركة الاقتصاد إلى ما بعد سبع سنوات، فلم ترق مني ماء الوجه، ولم تدفعني  لعرض حاجتي إلى لناس، ولم تفسد علي ما اتخذته دستورا لحياتي وهو " الاستغناء عن الناس "(4).

2- الخلوة في الجبال وبين الأشجار: " كان يقضي أكثر وقته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع و الصيف إلى جبال " جام "، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الأشجار متأملا ومتعبدا"(5).

3– العزلة والوحشة: يقول عنها النورسي نفسه " حينما كنت في منفاي ذلك الأسر الأليم بقيت وحدي منفردا منعزلا عن الناس على قمة جبل  ( جام ) المطلة على مراعي ( بارلا ) .. كنت أبحث عن نور في تلك العزلة. وذات ليلة، في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة، المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرتفع، إذا بشيخوختي تشعرني بألوان وأنواع من الغربة المتداخلة - كما جاء ذلك في المكتوب السادس بوضوح - ففي سكون تلك الليلة حيث لا أثر و لا صوت سوى ذلك الصدى الأليم قد أصاب صميم مشاعري، ومس أعماق شيخوختي وغربتي "(6).

4- الحزن طريق الإيمان  بالله" ومن خلال هذا الحزن الذي يمازجه الحزن، بدأت  أبحث عن نور، وعن قبس أمل، وعن باب رجاء، وسرعان ما جاء " الإيمان بالله " لنجدتي ولشد أزري، ومنحني أنسا عظيما بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي أضعافا مضاعفة لكان ذلك الأنس كافيا لإزالتها "(7).

-  ورغم صدور كلمات  منه تنبئ عن علامات  فارقة لرؤيته للتصوف، لكونه تصوف النورسي المبدع والعبقري، نذكر من هذه العلامات الفارقة براءته من أن يكون شيخ طريقة :

-  " لقد سألتم: هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية ؟ وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة. إن كثيرين يدخلون الجنة بغير الانتماء إلى طريقة صوفية، ولكن لا يدخل أحد الجنة بغير إيمان "(8).

- " إنني لست بشيخ طريقة، فالوقت الآن ليس وقت طرق صوفية بل وقت إنقاذ الإيمان "(9).

- " إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين "(10).

-  " أعوذ بالله من الشيطان والسياسة " شعار رفعه النورسي بعد انسحابه من ميدان السياسة، وانتقاله إلى سعيد الجديد.

-  "  الطريق الصحيح الوحيد هو طريق الإسلام من دون أن يدخل بنفسه إلى ساحة السياسة بل بقي أيضا بعيدا عنها يصرف كل جهده لتربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر، مع تنبيه مستمر إلى طلبته أن يتخذوا العمل الإيجابي البناء شعارا لهم دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها(11).

ما بين تصريح النورسي بأنه ليس شيخ طريقة، وأن الإيمان طريق الجنة  دون انتساب لطريقة، وبين بناء مدرسة نورانية مستمدة من الإسلام وعلومه، والدعوة إلى العمل الإيجابي البناء،  تتضح المعادلة التي تحقق منهجا بديعا لتصوف النورسي: طريقا إلى الإيمان  وعملا إيجابيا دون انتساب لشيخ أو طريقة. تلك بداية التحقق من فرضية  " النورسي صوفي " بإطلالة على حياة النورسي القديم والجديد، الميال إلى العزلة، والمبتعد عن شيطان السياسة، وداعي السلطان عبد الحميد إلى تأسيس مدرسة دينية علمية في شرقي الأناضول ( مدرسة الزهراء)، ثم إبداع رسائل النور التي راجت  رواجا كبيرا، وأصبحت آلاف النسخ اليدوية تنتشر في القرى والنواحي والمدن، فتكسب آلاف الأنصار وتشعل جذوة الإيمان في آلاف القلوب، وهي الرسائل التي "فرضت (حركة ا لنور) على واقع المجتمع التركي، فلم يعد بوسع أحد أن يتجاهلها، فهذه المحاكم المتلاحقة للأستاذ بديع الزمان ولطلابه لم تستطع أبدا أن تكون سدا مانعا أمام هذه الحركة، بل شاءت حكمة الله أن تكون هذه المحاكم نفسها وسيلة فعالة في نشر رسائل النور "(12).

____________________________

(1) بديع الزمان النورسي  إحسان قاسم الصالحي ص 57.

(2) نفسه ص 58.

(3) نفسه ص 68.

(4) اللمعات  ص 215.

(5) نفسه ص 68.

(6) نفسه ص 69.

(7) اللمعات ص  349.

(8) نفسه  ص 83.

(9) نفسه ص 73.

(10) نفسه ص 89.

(11) نفسه ص 109.

(12) نفسه ص 110.


2-) جوانب من حياة بديع الزمان سعيد النورسى

جوانب من حياة

بديع الزمان سعيد النورسى

احسان قاسم الصالحي

مركز بحوث رسائل النور

استانبول

إن حياة بديع الزمان سعيد النورسي حافلة بالأحداث الجسام إلا أننا نوجزها بالآتي فنقول:

إنه عاصر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفترة الإتحاد والترقي وأحداث الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ثم العهد الجمهوري والحزب الواحد الحاكم ثم فترة تعدد الأحزاب وحياة ديمقراطية في البلاد.

فقد ولد سعيد النورسي سنة 1293 هـ (1876م) في قرية (نورس) التابعة لولاية بتليس شرقي الأناضول. وتتلمذ على أخيه الكبير (الملا عبد الله) واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو، ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذ والمدارس، ويتلقى العلوم الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم، يرفده ذكاؤه المشرق، الذي اعترف به أساتذته جميعهم بعد إمتحانات صعبة، كان يجريها له كل منهم، واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة، حتى أنه درس وحفظ كتاب (جمع الجوامع) في أصول الفقه في أسبوع واحد.

ولم تلبث شهرة هذا الشاب ان انتشرت بعد ان فاق في مناقشاته علماء منطقته جميعا، فسموه (سعيد المشهور). ثم ذهب إلى مدينة (تللو) حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروزابادي إلى باب السين.

وفي سنة 1892م ذهب إلى (ماردين) ؛ حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي فأصدر أمرا بإخراجه، وسيق إلى (بتليس). فلما عرف واليها حقيقة هذا الشاب العالم ألح عليه ان يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية، لاسيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو، حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.

ثم ذهب إلى مدينة (وان) سنة 1894م وانكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ ؛ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها وذلك حينما احس في أثناء مجالسته مع بعض المثقفين أنه بحاجة إلى الاغتراف من تلك العلوم فأطلق عليه أهل العلم (بديع الزمان) اعترافا منهم بذكائه الحاد وعلمه الغزير واطلاعه الواسع.

كان الفكر المادي قد بدأ يجتاح العالم كله، ووجهت العلوم الحديثة وجهة بعيدة عن الدين بل مناهضة له. وأخذ العالم الإسلامي يئن تحت وطأة هذا الغزو الفكري. والدولة العثمانية لم تعد قادرة بمؤسساتها القديمة على الوقوف أمامه، وحل المشكلات المستعصية التي أفرزه. وبلغ الأمر إلى الهجوم على القرآن الكريم نفسه، حتى نشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) قد صرح في مجلس العموم البريطاني مخاطبا النواب قائلا : (ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود او نقطع صلة المسلمين به). زلزل هذا الخبر كيان بديع الزمان وأقض مضجعه فعلم ان القرآن مستهدف، فأعلن لمن حوله : (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لايخبو سناها ولايمكن إطفاء نورها). فشد الرحال إلى إستانبول عام 1907م، وقدم مشروعا إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء)-على غرار الأزهر الشريف- تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية الحديثة وفق مقولته :(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلم الحديثة، فبإمتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك)  .

وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة وبانهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحدا، حتى أن احدهم عبر عن إعجابه الشديد بعد ان اختبره اختبارا دقيقا، قال : (إن علمه ليس كسبيا، وإنما هو هبة إلهية، وعلم لدني).

وفي سنة 911م ذهب إلى بلاد الشام، وألقى خطبه بليغة من على منبر الجامع الأموي دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبين فيها أمراض الأمة الإسلامية وسبل علاجها، ثم رجع إلى استانبول وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الإسلامية على السلطان رشاد، فوعده السلطان خيرا، وفعلا خصص المبلغ فشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة (وان)، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع.

وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أعلنت شكل من طلابه والمتطوعين فرق "الأنصار" وخاضوا غمار الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وألف في خضم المعارك تفسيره القيم (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) باللغة العربية، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة (بتليس) كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعا مستميتا، حتى أنه جرح جرحا بليغا، وأسر من قبل الروس وسيق إلى معتقلات الأسرى في قوصتورما.. (في سبيريا). وهناك استمر على إلقاء دروسه الإيمانية على الضباط الذين كانوا معه والبالغ عددهم (90) ضابطا. وبعد نشوب الثورة البلشفية والاضطرابات التي نجمت منها تمكن من الهروب من الأسر بأعجوبة نادرة وبعناية ربانية واضحة. مارا في طريقه بوارشو وألمانيا وفينا. وعندما وصل إلى استانبول منح وسام الحرب، واستقبل إستقبالا رائعا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية. وكلفته الدولة بتسنم بعض الوظائف، رفضها جميعا إلا ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في (دار الحكمة الإسلامية)، التي كانت لاتوجه إلا لكبار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته.

وبعد دخول الغزاة إلى استانبول احس النورسي ان طعنة كبيرة وجهت إلى العالم الإسلامي، ولذك شمر عن ساعد الجد، ونشر رسالة (الخطوات الست) سرا هاجم فيها الغزاة بشدة، وأزال دواعي اليأس الذي خيم على كثير من الناس. حتى حكم عليه بالإعدام غيابيا من قبل الغزاة الإنكليز.

ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دعي إلى أنقرة عدة مرات. ويصف دعوته هذه بالآتي:

"دعيت لزيارة أنقرة سنة (1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلا أنني أبصرت-خلال موجة الفرح هذه- زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفت من أعماق روحي، وصرخت مستغيثا بالله العلي القدير..."  .

وهناك وجد أن معظم أركان الدولة لايؤدون حتى الفرائض الدينية، فوجه إلى المجلس النيابي (مجلس المبعوثان) بيانا مؤثرا إستهله بـ"أيها المبعوثون إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". وحصلت بينه وبين مصطفى كمال مشادة قوية. وعرض على المجلس أيضا مشروع إنشاء الجامعة الإسلامية فلقي القبول، إلا أن ظروفا سياسية حالت دون إكمال المشروع.

تيقن بديع الزمان أن الإصلاح لايمكن أن يتم في الأروقة السياسية مع فساد الأسس وضعف الإيمان. فتوجه إلى مدينة (وان) سنة 1923م، واعتزل الناس في جبل (أرك) القريب منها، طوال سنتين متعبدا ومتأملا. وفي هذه الفترة تشكلت الحكومة الجمهورية   بعد إلغاء الخلافة  . ثم قام الشيخ (سعيد بيران النقشبندي) بالثورة ضد السلطة آنذاك  ، وأشار إليه بديع الزمان أن يعدل عن موقفه هذا حيث ستسفك دماء بريئة، ولكنه لم ينتصح بنصيحته، وفعلا أريقت دماء زكية دون جدوى. وأخمدت الثورة، وعلى إثرها سنت القوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون من الزمان. فمنع تدريس الدين في المدارس كافة، وبدلت الأرقام والحروف العربية في الكتابة إلىالحروف اللاتينية، وحرم الأذان الشرعي وإقامة الصلاة باللغة العربية، وجرت محاولات ترجمة القرآن الكريم وسعي لقراءة الترجمة في الصلوات. كما أعلنت علمانية الدولة، فمنع القيام بأي نشاط أو فعالية في صالح الإسلام، إذ حظر طبع الكتب الإسلامية، وأرغم الناس على تغيير الزي إلى الزي الأوروبي، فالرجال أرغموا على لبس القبعة والنساء على السفور والتكشف.. وشكلت محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق لعلماء أجلاء، ولكل من تحدثه نفسه بالإعتراض على السلطة الحاكمة.

ورغم موقف بديع الزمان ذاك من الثورة، إلا انه لم ينج من شرارة الفتن والإضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى غربي الأناضول، إلى مدينة (بوردور). ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي (بارلا) في جنوب غربي الأناضول ووصل إليها سنة 1927م.

ظن أعداء الإيمان سيقضى عليه في (بارلا) تلك القرية النائية، ويخمد ذكره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت (بارلا) مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن الكريم، إذ ألف الأستاذ النورسي هناك معظم (رسائل النور). وتسربت هذه الرسائل عن طريق الإستنتساخ اليدوي سرا، وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها.

ولإلتزامه هو وطلابه بالأذان الشرعي والحروف العربية ولإنتشار الرسائل الإيمانية الواسع. سيقوا من منفى إلى آخر، وزجوا في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، فكان المولى القدير يقيض لهذه الرسائل القرآنية من يستنسخها، وينشر هذا الفيض الإيماني، حتى أيقظت روح الإيمان الراكدة لدى أهل الإيمان، وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص.

 وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م فأصبحت في (130) رسالة، جمعت تحت عنوان (كليات رسائل النور). ولم تتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلا بعد سنة 1954م وكان يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها.

لبى الأستاذ النورسي نداء ربه الكريم في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 آذار 1960م في مدينة (أورفة). ولكن السلطات العسكرية الحاكمة لم تدعه يرتاح حتى في قبره، إذ قاموا-في أوائل شهر تموز-بنبش قبره ونقل رفات هذا العالم الجليل بالطائرة إلى جهة مجهولة، بعد أن أعلنوا منع التجول في مدينة (أورفة) وملؤوها بالجنود المدججين بالسلاح.

تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.

سعيد القديم وسعيد الجديد:

يطلق الأستاذ النورسي على نفسه "سعيد القديم" قبل تأليفه لرسائل النور (سنة 1927م) حيث كان يأمل ان الإصلاح وخدمة الدين يمكن ان يكون في بعث الروح في مؤسسات الدولة الإجتماعية والدينية بالطرق السياسية. بينما يعد نفسه بعد تلك السنة "سعيدا الجديد" الذي تولى مهمة إنقاذ الإيمان وترسيخه في القلوب والأذهان، باسلوب منطقي علمي قلبي فطري برسائل النور المستلهمة من فيض القرآن الكريم، وبالالتزام التام بالإخلاص لله، بعيدا عن الأجواء السياسية.

آثـــــاره :

ترك الأستاذ النورسي وراءه موسوعة ايمانية رائعة تسد حاجة هذا العصر وتخاطب مدارك ابنائه، تلك هي "رسائل النور" التي استقاها من فيض نور القرآن الكريم، فهي :

تفسير شهودي للقرآن الكريم، يعتمد على حقائق الآيات الكريمة، وإثبات معانيها، بتوضيحها من خلال استشهادات يتحاور فيها العقل والقلب، وتمتزج فيها الروح واللطائف الأخرى. فهي تفسير لمعاني القرآن الكريم أكثر مما هو تفسير لألفاظ الآيات الكريمة وعباراتها، تعالج القضايا والمقاصد الأساسية التي يدور عليها القرآن الكريم وهي : التوحيد والنبوة والآخرة والعدالة. وتدحض في الوقت نفسه اباطيل الفلاسفة الاوربيين وشبهات اعداء الإيمان حول القرآن والإيمان من أساسها، وتثبت حقائق القرآن والإيمان وأركانه بدلائل قاطعة وأدلة رصينة وأمثلة واقعية قريبة.

1- آثار سعيد القديم :

التي طبعت منها باللغة العربية :

1- الخطبة الشامية-دواء اليأس-(ط. 1911 و1912)

2- رجتة العوام ورجتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط. 1912)

3- اشارات الاعجاز في مظان الإيجاز (ط. 1918)

4- قزل إيجاز على السلم (ط. 1921)

5- لمعات من التوحيد الحقيقي، رشحات من بحر معرفة النبي (ص)، لاسيما (ط. 1921)

6- قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922)

7- شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط.1922)

8- حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط.1922)

9- زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923)

10- ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922) وذيل الذرة (ط. 1923)

11- حباب من عمان القرآن (ط. 1923)

والتي طبعت منها باللغة التركية :

1- محاكمات (ط. 1911)

2- مناظرات (ط. 1911)

3- ديوان حرب عرفي (ط. 1911 و1912)

4- تشخيص العلة (ط. 1912)

5- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط. 1919)

6- سنوحات (ط.1920)

7- حقيقت جكردكلري/1 (ط.1920)

8- لمعات (ط. 1921)

9- طلوعات (ط. 1921)

10- شعاعات من معرفة النبي (ص) (ط. 1921)

11- رموز (ط. 1921)

12- اشارات (ط. 1921)

13- لمعات (ط. 1921)

14- خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية

15- حقيقت جكردكلري/2 (ط.1921)

2- آثار سعيد الجديد (رسائل النور)

1- الكلمات : تضم 33 كلمة باللغة التركية

2- المكتوبات : تضم 33 مكتوبا باللغة التركية

3-اللمعات : تضم 33 لمعة باللغة التركية

4- الشعاعات : تضم 15 شعاعا باللغة التركية

5- اشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : باللغة العربية (من آثاره القديمة وضمه إلى (رسائل النور)

6- المثنوي العربي النوري (ويضم رسائل من آثاره العربية : لمعات، رشحات، لاسيما، قطرة، ذرة، شمة، حبة، زهرة، شعلة، نور من انوار نجوم القرآن، ونقطة "باللغة التركية")

7- الملاحق في فقه دعوة النور (وتضم : ملحق بارلا، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ 2.1 باللغة التركية)

8-صيقل الإسلام (آثار سعيد القديم) : محاكمات، قزل ايجاز على السلم (في المنطق)، تعليقات على برهان الكلنبوي (في المنطق)، السانحات، المناظرات، المحكمة العسكرية العرفية، الخطبة الشامية، الخطوات الست.

9- سيرة ذاتية باللغة التركية

ولقد من الله علينا بفضله وكرمه ترجمة رسائل النور كاملة إلى اللغة العربية. وحققنا العربية منها على اصولها المخطوطة. كما ترجمت الأربعة الأولى منها إلى اللغة الإنكليزية الأخت الفاضلة شكران واحدة. وترجمت كثير من الرسائل الصغيرة إلى 15 لغة اخرى أو يزيد.

 


3-) موقع رسائل النور من الفكر الإسلامي الحديث

موقع رسائل النور

من الفكر الإسلامي الحديث

د. مهدية أمنوح

أستاذ الفكر والحضارة 

بكلية الاداب والعلوم الإنسانية-تطوان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد مثلت الفترة المعروفة بالحديثة وهي المبتدئة من القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين فترة مصيرية في حياة الشعوب الإسلامية. إذ تراكمت إبانها تجارب عديدة ومتنوعة في كافة الميادين يمكن أن نسميها بالمشكلات الحضارية أو الإشكاليات الحضارية نظرا لكونها لم تجد لها حلولا عملية بعد.

وأهم ما ميز الفكر الإسلامي الحديث في هذه الآونة هو الإلتفاف حول مائدة عامة من القضايا التي كانت تأرق أعلامه وتجد صدى في تجاوب عوامه.

وقد كان لمبادئ الانعتاق والتحرر من التواكل والتحرر من الآخر مساحة كبيرة في برامج هذا الفكر. إذ كان هذان العنصران في توافقهما واجتماعهما بمثابة المكبلان للإنسان الإسلامي والمعيقان له عن الحركة. فنشأ من ثم ما يمكن أن نطلق عليه وفق تعبير أحد الباحثين الإسلاميين" صراعا فكريا" عم حضوره كل البلاد الإسلامية بدون استثناء أسفر عن ظهور مبادئ موازية للمبدأين الأولين من مثل : تحقيق الذات الإسلامية أوترسيخ الهوية (وليس البحث عنها)، والتقدم.

جاءت الدعوة إلى تحقيق الذات الإسلامية التي غاب حضورها الفعلي بشكل مريب ؛ وذلك قصد التخلص من حالة نفسية عويصة للغاية تصور فيها الإنسان الإسلامي ذاته شبحا مخيفا أو ظلا باهتا وإعداد وضع صحي تغيب فيه الدونية والانفصام وذلك بإكساب الإنسان المسلم شجاعة كافية كي يتقدم إلى العالم كله باسمه الحقيقي وشكله الأصلي وانتمائه الأصيل وهو عين المبدإ الثاني الذي سميته بترسيخ الهوية عوض البحث عنها، نظرا لأن أصالة العالم الإسلامي لم تضع منه كي يبحث عنها. بل إنه كتمها إما قسرا وقهرا أو ضعفا وتواكلا.

وهنا تظهر مسألة الصراع الفكري على مسرح أحداث العالم الإسلامي بإثارة مبدإ ثالث هو ضرورة التقدم وكيفية تحقيقه في غياب وصاية الآخر المذمومة والمحبطة للطاقات الإسلامية.

إذا ثبت هذا عند حديثنا عن الفكر الإسلامي بصفة عامة في هذه الإبان فإن هناك عناصر خاصة تميز نوعا من الفكر الإسلامي عن نوع آخر وذلك بحسب التنوع البيئي بما فيه السياسي والاجتماعي و... العلائقي في الداخل والخارج.

ولنا في "رسائل النور" التي ألفها الأستاذ سعيد النورسي أنموذجا مفصلا وشاهدا في هذا المقام. إذ هي عبارة عن مادة مكثفة من المقالات والخطب والخواطر والتحليلات والتفسيرات التي انصب جزء كبير منها إن لم أقل جلها في تفسير القرآن الكريم. وما تسميتها برسائل النور إلا لكونها تطمح إلى الاقتباس من نورانية هذا الكتاب بدورانها في فلكه وقربها منه. فقد "شقت رسائل النور طريقها إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحت سبيلا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية، حجج علمية وكشفت طريقا مباشرا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام والعقيدة وأصول الدين" .

والقارئ قد يحار تجاه التعريف للرسائل. ما هي هذه المادة بالضبط؟ أهي تصوف أم كلام، خاصة حينما يطلع على كلام صاحبها : "لقد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة فالبدع تحول دون ذلك، مفكرا في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة– بل الألزم له – أن يدخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق وتضم خلاصة الطرق الإثنتي عشرة المهمة ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة. حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لايلج في الإلحاد بسهولة ولايقهر قلبه. ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدا فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقا، بشرط ألا يدخلوا – حسب المستطاع - في البدع ولايرتكبوا الآثام التي تحول دون التقوى وتجرحها".

إنها ليست شيئا من هذا بل إنها هذا كله. فقد توسل الخطاب في رسائل النور بإمكانيات منهجية ومعرفية إسلامية كثيرة خاصة منها منهج الجدل ومنهج الذوق. إذ أن الاستفادة من القدامى في هذين البابين واردة لا محالة. بل إن مؤلف الرسائل الأستاذ سعيد النورسي يعطيها أكثر من حظ القدامى والمحدثين أيضا حين يدعو أهل التصوف إلى الانضواء تحت ظلال رسائل النور إيمانا منه بكون الرسائل أقرب إلى الحقيقة القرآنية والربانية من غيرها. فقد جعلت محورا لها التفكر في الآفاق وفي الأنفس وفق ما ورد في القرآن الكريم.

وعن هذا التفكر يرى النورسي أن رسائل النور تبين أن الموجودات قاطبة إنما هي مظاهر الأسماء الحسنى بحيث لاتدع مجالا للغفلة قط. فلا شيء يكون حائلادون السكينة والإطمئنان. لذا تكسب قارئها مرتبة واسعة من الاطمئنان سعة الكون كله وتفتح أمامه دائرة عبودية واسعة ودائمة سعة الكون أيضا كما أنه -أي النورسي- يؤيد التفصيل في التفكر في الأنفس ويرى أن الطريق هو أقصر من التفكر في الآفاق وقطعي أيضا.

حتى إنه عندما يعرف النتيجة التي يتم التوصل إليها بالتفكر النفسي بمرتبة حق اليقين. وقد قام المؤلف بإضافة قسم بعنوان "شهادة الماهية الإنسانية" إلى خلاصة الخلاصة التي هي بمثابة خلاصة بالعربية للآية الكبرى التي تشكل مثالا في التفكر الآفاقي  ويبين أسباب هذه الإضافة في أحد مكاتيب أميرداغ على الشكل التالي :

"نعم إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناء قراءتي لخلاصة، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جدا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات بإيمان واطمئنان ووجدان جازم شهودي وإذعاني وبسهولة ويسر" .

وهكذا مهما حاولنا ضبط تعريفنا لرسائل النور فإننا لن نصيب إذا لم نتتبع وحداتها أو فقراتها بالبحث في ضوء الأحداث والظروف التي كانت تمر بها تركيا عندئذ. فقراءة هذه الرسائل في ذاكرة الفكر الإسلامي في عموميته أمر فيه مغالطة كبيرة. بل إن الاحتفاظ بالخصوصية الكاملة والتامة لفكر هذه المكتوبات هو الشرط الأساس لوضع أقدام القارئ على السبيل الصحيح (المواضيع تكاد تكون واحدة لكن أسلوب المعالجة والأولويات في ترتيب العناصر وغير ذلك ليس واحدا). فجميع المفكرين في إصلاح أوضاع العالم الإسلامي تطرقوا لمواضيع الاستبداد، والتعليم والعدل، والتنمية، و... ولكن ما قاله محمد عبده يتميز عما قاله محمد إقبال وعما قاله غيرهما. إذ لكل واحد في إطار بيئته اصطلاحاته الشارحة والباحثة عن الحلول.

وعليه أقول، إنها محاولة لتفسير القرآن وتفكر في آيات الآفاق والأنفس، أي نعم. لكن مع ايقاع أو جرس الزمن الإجتماعي والسياسي والحضاري لتركيا الحديثة بهدوئها وضجيجها، بمدها وجزرها.

وخير ما يعكس هذه الصورة سفر صيقل الإسلام في مواضع متنوعة حيث يقول الأستاذ سعيد في إحدى الفقرات "لقد ألقيت نظرة إلى رسالة "المناظرات". وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها فرأيت فيها وفي مؤلفات "سعيد القديم" أخطاء وهفوات. إذ ألف تلك الآثار في حالة روحية ولدها الانقلاب السياسي وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به" .

فلقد أحس بإحساس مسبق أن "رسائل النور" ستنقذ ايمان كثير من المؤمنين وستشد أزرهم... إلا أنه نظر إلى هذا النور من خلال الأحداث السياسية التي واكبت الانقلاب، وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل ... إلا أنه لم يوفق في التعبير عن بشراه توفيقا كاملا .

-كأننا برسائل النور-على لسان مؤلفها- في التجارب  تستعجل أمرا لم يحن أوانه بعد.

ولكن بحلول الحرب العالمية وخضها للمجتمع التركي وخاصة منه تلك العناصر التي كان النورسي يعول عليها في تدشين فجر جديد. تبين له الأمر. فعاد "سعيد الجديد" إلى الاستمرار في مهامه وخالف "سعيدا القديم".

ولا أرى هذه المخالفة إلا في وجهة واحدة هي الوجهة السياسية أما فيما عدا ذلك فنهج رسائل النور بقي حاملا للروح المبشرة والمؤمنة بغد أفضل بثقة كبيرة وعزم أكيد.

"إنني أقسم بما آتاني الله من قوة بل لو كان لي ما لا يعد ولا يحصى من الألسنة لأقسمت بها جميعا، بالذي خلق العالم بهذا النظام الأكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات إلى السيارات، السابحات في أجواء الفضاء. ومن جناح البعوضة إلى قناديل النجوم المتلألئة في السماوات... لايمكن أن يخرج البشر على سنة الله الجارية في الكون ويخالف بقية إخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضي بغلبة الشر على الخير... فهذا لايمكن قطعا"  (فالنصر آت لا محالة)

وتقرير مثل هذا مسند بقسم غليظ لا يمكن أن يصدر إلا ممن يعرف موطئ أقدامه ونتيجة منطوقه.

والشئ نفسه نلحظه في كيفية تعليله للمسألة الحضارية حيث يطرح السؤل التالي :

ما الشر الذي جعل العالم الإسلامي يقف على أعتاب القرون الوسطى بينما طار الأجانب والأوربيون بخاصة نحو المستقبل؟!.

الأمر في تمثله راجع إلى مجموعة من الأدواء التي يعاني منها المسلمون في عهده (وإلى يومنا هذا) من مثل :

1- اليأس : يأس الفرد بالتراكم (=يأسا مركبا) عبر سنين متعددة، ترتب عنه وضع نفسي عويص.

2- الكذب : وهو أنواع كثيرة ومراتب متفاوتة..

3- العدوانية والتباغض وهي ظاهرة نفسية تدل على فقدان التوازن على مستوى شبكة العلاقات الاجتماعية.

4- الجهل بما عند المسلمين من روابط نورانية وخاصة تلك التي تربطهم بالآخرة أو بالحياة الأخرى.

5- الاستبداد وهو حالة نفسية قبل أن تكون سياسية.

6- الذاتية أو حب الذات والظهور.

وبعد. فموقع هذه الرسائل يظهر في كونها متفتقة وصادرة عن واقع مصدوم حيث إن صدمته أتته من : -تكرار الفشل في تسمية الأشياء بأساميها الحقيقية ومن الفشل في إعادة الإنسان الإسلامي إلى موضعه الأصلي.

- فمثلت من ثم رد فعل بناء حول الفرد إلى أمة حيث ظهرت نتيجة ذلك في المجتمع التركي المعاصر.

ودلت أيضا على رد فعل بناء حول الفكرة إلى تجربة ناجحة من ناحية الكيف وذلك من خلال السلوك العملى لطلبة النور في واقع تركيا الاجتماعي.

وخلاصة الخلاصة أن كاتب الرسائل عاش بين الأفكار الخادعة والأفكار المخدوعة بحثا عن - وأملا في تحقيق :- قاعدة مجتمعية شرعية ثابتة لاينخرم فيها أي شرط من الشروط التي تحقق الحياة الكريمة والأخرى السعيدة وذلك بتوفير عنصري : - الأمن، والعدل.

لأجل رد الظلم ودفعه عن الإنسان (وخاصة المسلم). ونجد في ثنايا هذا الحديث تذكير بما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته قائلا:

"لاتحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المقصود بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه" اهـ .


4-) أهل الكتاب والقرآن قراءة في ضوء رسائل النور

أهل الكتاب والقرآن

قراءة في ضوء رسائل النور

أ.د. عبد العزيز شهبر*

1876 ـ 1960هذه هي الفترة الزمنية التي عاش فيها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله. وهي فترة حبلى بالأحداث الكبيرة. وخلالها برز اسم بديع الزمان أستاذا مجددا ومرشدا ومعلما كثر طلابه وعظم تأثيره .

وفي حمأة محاولات الإطاحة بدولة الخلافة العثمانية وما تمثله تلك الإطاحة من ضربة للعالم الإسلامي وللخلص من المسلمين (1)، وفي خضم اشتداد شوكة دول المـنـظـومـة الفكرية المسيحية ، وازدهار أطروحات الاستعمار واستفحال دعاوى الانتصار للفكر القومي والدولة الوطنية القومية ، وتنامي المد الشيوعي وانتشار الصهيونية(2)، وتأسس الأحلاف وانتظامها في معسكر شرقي ماركسي وآخر غربي أطلسي رأسمالي ليبيرالي . . . في خضم كل ذلك ، أبى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلا أن يبني فكرا إسلاميا تجديديا (3) يقارع كل تلك الدعاوى انطلاقا من معجزة القرآن الكريم ومعانيه الخالدة.

إن علم الأستاذ النورسي خلاصة تأمل عميق في آي كتاب الله المبين، وعصارة تدبر وتفكر في أسرار الذكر الحكيم. تدبر وتأمل ارتبط فيهما الإيمان بالعقل، فكان أن تمثل كل ذلك في أسلوب من التأليف عجيب وفي طرائق من التفسير غير مسبوقة، وكانت (رسائل النور) آية «ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم وأثبتت ما كان يظن بعيدا عن العقل كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني للمعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حضيرة الإيمان ، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم ـ وما حوله ـ بأجمعه سيكون ذا علاقة بها …» .(4)

 

لقد اجتهد الأستاذ النورسي رحمه الله عبر رسائل النور وآثار أخرى، واستطاع أن يبين للعالم ثبات حقائق القرآن الكريم وانفتاح أسلوبه على كل العصور وكل الثقافات حتى الثقافة الحديثة. واستطاع أن يؤسس نسقا فكريا واجه الطروحات المعاصرة وبين أن الفكر الإسلامي فكر يقبل التجدد والتطوير دون أن يبتعد عن الأسس القرآنية الثابتة . وقد استوقفتني أثناء قراءتي لآثار النورسي السياقات التي تحدث فيها رحمه الله عن أهل الكتاب وعن النصرانية واليهودية. لقد تشكل موقفه عنهم من خلال ما استخلصه من الآيات القرآنية المتعلقة بهم.

ميز الأستاذ النورسي في رسائله بين فصائل متعددة:

أهل التثليت ،  أهل الضلالة، أهل الغفلة، أهل الكتاب، أهل الهداية، أهل الحقيقة، أهل الإيمان، أهل القرآن . . . وضمن كل خانة من هذه الخانات تندرج جماعة من الناس اختارت لنفسها نهجا وطريقا، ورسمت لها نسقا فكريا خاصا، وتميزت بموقف من الوحي الإلهي وفهم خاص له.

وعلى اختلاف فهمها وموقفها انقسمت أقساما ثلاثة:

قسم فهم مقاصد الوحي ووعى حقائق التنـزيل  فلم يبدل ولم يغير.

وقسم طال عليه الأمد فاتبع هواه وبدل وغير كلام الله عن مواضعه، وبقي جزء من هذا القسم يبحث عن طريق الله وسيدرك لا محالة القسم الأول ويتحالف معه لمحاربة أهل الزندقة. .

وقسم ثالث رأى الضلالة نهجا ومسلكا ومآله الخسران.

وضمن القسم الثاني يدرج الأستاذ النورسي قسما من أهل الكتاب يرى أنهم أحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الكريم. يتعلق الأمر هنا بذلك القسم الذي اقترب من التوحيد؛ يقول : «ستجد النصرانية أمامها الانطفاء أو  الاصطفاء . وسوف تلقي السلاح وتستسلم للإسلام. لقد تمزقت عدة مرات، حتى آلت إلى "البروتستانتية" ولم تسعفها كذلك، وتمزق الستار مرة أخرى، فوقعت في ضلالة مطلقة. إلا أن قسما منها اقترب من التوحيد، وسيجد فيه الفلاح. وهي الآن على وشك التمزق، إن لم تنطفئ فإنها تتصفى وتكون ملك الإسلام ( إذ تجد نفسها أمام الحقائق الإسلامية الجامعة لأسس النصرانية الحقيقية) هذا سر عظيم أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام، وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته».(5)

إن هذه الحقيقة القرآنية تحكم كل السياقات التي يرد فيها ذكر أهل الكتاب وديانات أهل الكتاب. ومادام الدين عند الله الإسلام من آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، ومادام سياق النبوة واحدا، ومادام المصدر واحدا، فإن على أهل الكتاب تصحيح عقيدتهم بالعودة إلى التوحيد الخالص، وليس هناك حسب الأستاذ النورسي معين يمكنهم النهل منه أثناء عملية التصحيح والاندراج في سلك سياق النبوة أوفى من القرآن الكريم. إن النصرانية الحقيقية ليست حسب الأستاذ النورسي إلا تلك التي وردت معالمها في القرآن الكريم ويوم يتدبر أهل الكتاب آيات القرآن الكريم سيلاحظون حقائق كتبهم تتكامل فيه، وسيدركون عندئذ أن لا اكتمال لعقائدهم إلا به. يقول الأستاذ: " إن أهل هذا العصر الذي اغتر بنفسه وأصم أذنيه عن سماع القرآن أكثر من أي عصر مضى وأهل الكتاب منهم  خاصة اْحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ" يا اْهل الكتاب  يا أْهل الكتاب " حتى  كاْن ذلك الخطاب موجه إلى هذا العصر بالذات ،إذ لفظ أهل الكتاب  يتضمن معنى أهل الثقافة الحديثة أيضا ، فالقرِان يطلق نداءه في أجواء  الآفاق و يملأ الأرض و السبع الطباق بكل شدة و قوة و بكل نضارة و شباب فيـقـول : { يا أهل الكتاب تعالوا  إلى كلمة سواء بيننا و بينكم } ".(6)

إن لقاء أهل القرآن و أهل الكتاب أمر قرره القرآن الكريم و حدد عناصره و حدوده: 1- ألا نعبد إلا الله ، 2  –ولا نشرك به شيئا ، 3–ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. وأي لقاء غاب فيه عنصر من تلك العناصر الثلاثة ملغى و نتيجته محددة في قوله تعالى : {فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (7)

يرى الأستاذ النورسي أن عبارة أهل الكتاب تشمل أهل الثقافة الحديثة بكل مكوناتها و توجهاتها. وما دامت هذه الثقافة الحديثة و معها المدنية الحديثة قد استفادت في بنائها من محاسن الأديان السابقة فإنها مدعوة إلى التدبر في القرآن الكريم. و إذا ما كان لها ذلك فسوف تدرك أنها تبقي دون حكمة القرآن ، هذه الحكمة التي تقبل (الحق) نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلا من(القوة)، و تجعل رضى الله و نيل الفضائل غاية و هدفا عوض (المنفعة) و تتخذ دستور التعاون أساسا في الحياة بدلا من دستور الصراع ، و تلتزم رابطة الدين بدلا من العنصرية و القومية السلبية….(8)

إن القرآن وحده استطاع توضيح ذلك الخيط الرابط بين جميع الرسل و الأنبياء السابقين و بين الكتب المنـزلة { قولوا آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهـيـم و إسـمـاعـيل و إسـحاق و يعـقـوب و الأسـباط و ما أوتـي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون}(9) ، انه إذن كتاب جامع لحقائق الكتب السابقة في أصح صيغة و أعجز أسلوب. و ما دام الأمر كذلك فلأهل الكتاب يهودا كانوا و نصارى سواء كانوا من الفريق المتمسك بنصوص الكــتـب المـقــدسة في صـيغـتـها المحـرفـة و المبدلة ،أو كانوا من أهل الثقافة الحديثة ممن انطلقوا من محاسن الأديان و بنوا فلسفات و شرائع ارتضوها منهجا ، مدعوون إلى الوقوف على حقائق القرآن الخالدة و علي دين الإسلام الذي تندرج اليهودية و النصرانية في سياقه { إن الدين عند الله الإسلام}(10) و {ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين}(11) ، و الآية الأخيرة إذا  كانت وفرت في السابق ردا قاطعا على من ادعى نصرانية إبراهيم عليه السلام أو يهوديته ، فإنها جواب على دعاة الدعوة الإبراهيمية في العصر الحديث.

يرى الأستاذ النورسي أن ما ورد من أسس الكتب السابقة في القرآن الكريم دليل على المصدرية الآلهية لهذا القرآن و دليل على نبوة محمد عليه الصلاة و السلام ، و هو أمر يمكن لأهل الكتاب الوقوف عليه من خلال قراءة ناقدة لكتبهم و من خلال قراءة القرآن الكريم.إن الكتب السماوية حسب الأستاذ النورسي رحمه الله ، و على ما اعتراها من تبديل  و تغيير ظلت تحتفظ ببصمات دالة على أصالتها و مصدريتها  ،  ومن  شأن تلك البصمات أن تكون دافعا لأهل الكتاب من أجل التصحيح. يرى الأستاذ أن ورود بشارات متعلقة بمحمد صلى الله عليه و سلم في الكتب السماوية السابقة أمر ضروري و قطعي ، إذ لا يمكن لتلك الكتب أن تهمل ذكر حادثة البعثة المحمدية أعظم حادثة في تاريخ البشرية وتذكر حوادث جزئية. يقول الأستاذ النورسي في شأن الآية الكريمة : {والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هو يوقنون}، ان فيها '' عطف الدليل على المدلول، أي: '' يا أهل الكتاب إذا آمنتم بالأنبياء السابقين والكتب السالفة لزم عليكم أن تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لأنهم بشروا به، ولأن مدار صدقهم، ونزولها ومناط نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في القرآن بوجه أكمل وفي محمد عليه السلام …'' (12) وقد وقف الأستاذ النورسي عند كثير من جمل الإنجيل والتوراة بشرت بهذا النبي الذي ستتلألأ معه الشريعة الإلهية بعد أن جاءت من سيناء وأشرقت في سَـيْـعَــر (13). إن دليل وجود تلك البشارات في الكتب السالفة أمر أقره القرآن الكريم، وتجلى ذلك بشكل واضح في الآية الكريمة على لسان عيسى عليه السلام:{ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة. ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه أحمد} (14)، وقد أورد الأستاذ خبر كثير من أهل الكتاب ممن :" نبذوا الخصومة والعناد وآمنوا بالإسلام بعدما رأوا  أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، وبينوا لغيرهم من العلماء فألزموهم الحجة" (15).

إن تقبل أهل الكتاب لحقائق القرآن ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام أمر لا يخرجهم عن قشرهم فكتبهم لازالت تنطق ببشارات متعلقة بهذا الرسول الكريم، وهم إن صدقوا بتلك البشارات أذعنوا لحقائق القرآن الكريم وآمنوا بمصدريته الإلهية . وإن في الآية الرابعة من سورة البقرة مثلا : " إشارة إلى تشويق أهل الكتاب على الإيمان وتأنيسهم، والتسهيل عليهم. كأنه يقول: " لا يشقن عليكم الدخول في هذا السلك، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرة إنما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ما هو مؤسس لديكم " إذ القرآن معدل ومكمل في الأصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأصول الشرائع السالفة. إلا أنه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير الزمان والمكان؛ فكما  تتحول الأدوية والألبسة في الفصول الأربعة، وطرز التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر …(16)

إن ما بين القرآن الكريم وبعض ما ورد في الكتب السماوية من اتفاق سيدفع المسلمين وفريق من أهل الكتاب إلى التقارب والاتفاق من أجل دفع عدو مشترك واحد هو الملحد المعتدي يقول: " لقد ثبت في الحديث الصحيح أن المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين إلى أهل القرآن للوقوف معا تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فأهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعا لعدوهم المشترك الملحد المعتدي " (17).

والأستاذ بهذا يضع استراتيجية في اللقاء بأهل الكتاب تقوم على حقيقة ثابتة هي تقارب أهل القرآن مع المتدينين الحقيقيين من النصارى من أجل محاربة الإلحاد مع تجميد لكل المناقشات و الخلاقات.

أما الجولة الأخيرة من هذا التقارب واللقاء فحين تسلم النصرانية أمرها للإسلام ويتحقق ما أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته (18).إن الفرق بين الإسلام وسائر الأديان ومنها النصرانية حسب بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله هو التوحيد الخالص وهو أمر يبعد المسلمين حكاما ومحكومين من الغرور  والتكبر ويلغي الوساطات بين المسلم وخالقه. ومادام هذا التوحيد أصلا، فسوف يذعن لحقيقته أهل الكتاب في آخر المطاف.

خلاصة القول أن الأستاذ النورسي في حديثه عن أهل الكتاب ظل منسجما مع ما ورد في شأنهم في القرآن الكريم، وظل موجها بما تقره حقائق القرآن الكريم إنه على يقين ثابت من انسجام أهل الكتاب مع الإسلام في آخر الزمان ومن انتصار حكمة القرآن الكريم.

{ ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، أفلا تعقلون ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه  وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المومنين}.(18)

و بخصوص إقامة أهل الكتاب في الدولة المسلمة نجد الأستاذ النورسي يؤمن بضرورة تحقيق مساواة بينهم و بين رعايا هذه الدولة من المسلمين مساواة ينبغي أن تؤصل من القرآن الكريم  و تسترشد بما هو حي من تاريخ الدولة في الإسلام . و بمقابل ذلك اهتم الأستاذ بديع الزمان النورسي بالجالية المسلمة المقيمة في الدول الأوربية المسيحية .                                                                            

_______________

(1)- لقد كان إحساس الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بهذه الطعنات عميقا يقول : " لقد كنت أحس بأن هذه الضربات التي وجهت إلى العالم الإسلامي كأنها وجهت إلى أعماق قلبي " انظر مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور بديع الزمان سعيد النورسي نظرة عامة عن حياته وآثاره. إحسان قاسم الصالحي. ص 49، ط 2، دار سوزلر،  استنبول 1987.

وانظر أعمال المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي : تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1استنبول 1996.

(2) - انظر قصة الأستاذ مع الصهيوني عمانوئيل  كراصو في المرجع السابق ص 30

(3) -  انظر مؤلف النورسي متكلم العصر الحديث ، د محسن عبد الحميد ، دار سوزلر للنشر، القاهرة 1995.

(4) - دليل الخدمة لتلاميذ القرآن ص 24نقلا عن كتاب أستاذنا إحسان قاسم السالف الذكر.

(5) -  اللوامع، ملحق بـ " كليات رسائل النور" 1. الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي ،  ص 845، ط  1. دار سوزلر استنبول 1992.

(6) - الكلمات ترجمة، إحسان قاسم الصالحي، ص 471 ـ 472.

(7) - سورة آل عمران الآية 63.

(8) - الكلمات ، ص 472 ـ 473.

(9) - سورة آل عمران الآية 83.

(10) - سورة آل عمران الآية 19

(11) - سورة آل عمران الآية 66.

(12) -  إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي ص 58 ـ 59. ط 1دار سوزلر استنبول 1994.

(13) -  كليات رسائل النور، 2المكتوبات تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسـم الصالحي،  ص  219 ـ 234، ط 1، دار سوزلر، استنبول 1992.

(14) - سورة الصف آية 6.

(15) - المكتوبات ص 221.

(16) - إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ص 59.

(17) - اللمعات وانظر مقال الحوار بين المسيحية والإسلام أورسولا سيولر، ضمن بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، ص 37، ط 1، استنبول 1997.

(18) - اللوامع، ملحق بالكلمات، ص 845.

(19) - سورة آل عمران الآيات 63 ـ 67.

_______________

مصادر ومراجع

1ـ القرآن الكريم

2ـ كليات رسائل النور تأليف بديع الزمان سعيد النورسي -ترجمة إحسان قاسم الصالحي:

الكلمات   ط 1  ـ استنبول 1992.    المكتوبات  ط 1  ـ استنبول 1992.

اللمعات    ط 1  ـ استنبول 1993.   الشعاعات  ط 1  ـ استنبول 1993.

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز  (تحقيق) ط 1ـ استنبول 1994.

3ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي. ترجمة أورخان محمد علي. ط 1استنبول 1997.

4ـ بديع الزمان سعيد النورسي-نظرة عامة عن حياته وآثاره ، إحسان قاسم الصالحي. ط 1استنبول 1987.

5ـ المؤتمر العالمي الثالث لبديع الزمان سعيد النورسي تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1. استنبول 1996.

6ـ بديع الزمان النورسي فكره ودعوته. المعهد العالمي للفكر الإسلامي (الأردن) مركز بحوث رسائل النور ط 1. 1997.

7ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي ، ط 1. دار سوزلر القاهرة 1993.

8ـ النورسي متكلم العصر الحديث، د. محسن عبد الحميد . القاهرة 1995.

*- من مواليد مدينة العرائس – المغرب. أكمل دراسته بجامعة غرناطة  قسم الدراسات السامية ودرس بجامعة الكومبلوطنسي قسم الدراسات العبرانية والآرامية وتاريخ الأديان في إسبانيا وحصل على الدكتوراه سنة 1991 شغل منصب رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بتطوان واُعتمد خبيرا في اكاديمية المملكة المغربية  في الدراسات الموريسكية وهو رئيس وحدة البحث في تاريخ الأديان والحضارات الشرقية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب. نشر أبحاثا  بالعربية والإسبانية والفرنسية وترجم عن العبرانية والإسبانية القديمة والبرتغالية القديمة واللاتينية.

 


5-) الطريق إلى اليقين عند النورسي

الطريق إلى اليقين عند النورسي

د: عائشة الهلالي

أستاذة الحديث والتفسير

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

الحضور الكريم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نجتمع اليوم في ضيافة تغني فيها القرائح عن البطون، ونرحب بمن قطعوا إلينا كيلومترات وكيلومترات وجاءوا تطبيقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما يسر الله له به طريقا إلى الجنة) ، فنسأل الله أن ييسر لإخواننا القادمين من بعيد : الطريق إلى الجنة، ونسأله كذلك أن يجعلنا من أهل الجنة آمين.

اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، اللهم اجعل في أبصارنا نورا واجعل في أسماعنا نورا واجعل عن أيماننا نورا واجعل عن شمائلنا نورا ومن خلفنا نورا واعظم لنا نورا واجعل لنا نورا يارب العالمين.

انطلق الأستاذ رحمه الله من يقينيات القرآن الكريم، ليحدثنا عن موضوع اليقين ولا شك أن موضوع اليقين من القضايا الأساسية، ويكفي لذلك أن نعرف قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( اليقين : الإيمان كله) . "وإذا تزاوج اليقين بالصبر أعطى الإمامة في الدين." وقد جمع النورسي رحمه الله بين اليقين وبين الصبر فكانت له الإمامة في الدين. إذا رجعنا إلى القرآن الكريم سنجد بأن كلمة اليقين وردت في خمسة أوجه : وجه التصديق، ووجه الموت، ووجه العيان، ووجه العلم اليقين، ووجه الصدق.

أريد -إن شاء الله تعالى- أن انطلق من : قول ابن مسعود رضي الله عنه ومن هذه الوجوه القرآنية الخمسة لأنظر إلى جهود الأستاذ سعيد النورسي - رحمه الله - لأعرف جهوده في موضوع اليقين.

لاشك أن هذه الجهود التي بذلها الأستاذ في كليات رسائل النور،كانت جهودا مهمة جدا، حيث أنها بلغت عنده حد اليقين، وقد اختبرها في بناء نفسه وإقامة كيانه المنقض، قبل اختبار فاعليتها على مسح جرحات روحه وزرق انشقاقات وجدانه.

من أبرز القضايا التي وردت في كليات رسائل النور : قضية الإيمان وقضاياه الغيبية بعد الموت، وخصوصا منزلة اليقين.

وإذا رجعنا إلى ابن القيم رحمه الله نجده : يصف اليقين بأنه روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل شك وريب وسخط وهم وغم، فامتلأ محبة الله وخوفا منه ورضا به وشكرا وتوكلا إليه وإنابة عليه، فهو مادة مقامات السائر في طريق الله سبحانه وتعالى والحامد له.

في هذه الكلمة القصيرة أحاول أن اقدم اليقين والطريق إليه من خلال رسائل النور، ولكن ما ان عزمت على انتخاب أهم ما يمكن أن يقال فوجئت بكثرة القضايا الداخلة في هذا الموضوع، فصار حالي مثل حال الرجل الذي خرج للصيد فخرج عليه الظباء من اليمين ومن اليسار ومن الأمام ومن الخلف فقال : تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يعيد ولكن ما لا يدرك كله لايترك جله.

أقول وبالله التوفيق :

أولا نقف عند مصطلح اليقين فنجد بأن اليقين عند النورسي هو الإيمان التحقيقي وليس الإيمان التقليدي الذي لايثبت للشبهات والأوهام، أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع مدى وأشمل وأمتن.

- مراتب اليقين عند النورسي:

مراتب اليقين عند النورسي كثيرة جدا وأبرزها:

1 - مرتبة علم اليقين : وهي مرتبة تقاوم الشبهات المهاجمة بقوة ما فيها من براهين.

2 - مرتبة عين اليقين : وتضم مراتب كثيرة جدا، بل لها مظاهر بعدد الأسماء الإلهية حتى تجعل الكون يتلو آيات الله.

3 - مرتبة حق اليقين : وهي مرتبة لها مراتب كثيرة جدا وصاحب هذه المرتبة هو صاحب الإيمان الذي لاتنال منه جيوش الشبهات إذا هاجمته.

بعد أن عرفنا مراتب اليقين، ماهي الطريق إلى اليقين التي يصفها لنا الأستاذ رحمه الله؟

يقول الأستاذ سعيد : "للوصول إلى الله سبحانه طرائق كثيرة وسبل عديدة ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم". لاشك أن الطرق كثيرة لكن المورد والمنهل هو القرآن الكريم، "إلا أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم". يقول الأستاذ النورسي : "ولقد استفدت من فيض القرآن الكريم بالرغم من فهمي القاصر طريقا قصيرا وسبيلا سويا.." سأذكر الآن هذا الطريق الذي ذكره الأستاذ.

طريق العجز، طريق الفقر’ طريق الشفقة، طريق التفكر، يقول الأستاذ : "نعم، إن العجز كالعشق طريق موصل إلى الله بل اقرب وأسلم إذ هو يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية، والفقر مثله يوصل إلى اسم الله " الرحمان" وكذلك الشفقة كالعشق موصلة إلى الله إلا أنها أنفذ منه في السير وأوسع مدى إذ هي توصل إلى إسم الله "الرحيم"، والتفكر ايضا كالعشق إلا أنه أغنى منه وأسطع نورا وأرجى سبيلا إذ هو يوصل السالك إلى اسم الله الحكيم"، ويصف الأستاذ النورسي هذا الطريق ذي الخطوات الأربع "بأنه حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية"  فلا يقصد بالعجز والفقر: إظهاره أمام الناس، وإنما هو إظهار ذلك أمام الله سبحانه وتعالى. فالفقر هنا الإفتقار إلى الله سبحانه وتعالى وليس الإفتقار إلى الناس." أما أوراد هذا الطريق وأذكاره"  يقول الأستاذ رحمه الله :" فتنحصر في اتباع السنة النبوية والعمل بالفرائض ولاسيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان والعمل بالأذكار عقبها وترك الكبائر " أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم (كل خطوة من هذه الخطوات يأتي لها بمنبع لأنه في البداية قال : مورد ومنهل كأننا أمام منبع من الماء إذن سيعطينا منابع هذه الخطوات التي تحدث عنها في القرآن الكريم : ومع الأسف الشديد، لايسمح الوقت، لكي أذكر تفصيل هذه المنابع، ولكن سأذكر الآيات الكريمة التي أحال عليها الأستاذ رحمه الله :

"قوله تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم) تشير إلى خطوة العجز، العجز أمام الله تعالى. (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) تشير إلى خطوة والفقر، الإفتقار إلى الله سبحانه ( ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) تشير إلى خطوة الشفقة ( كل شيء هالك إلا وجهه). تشير إلى خطوة التفكر".(1)

يقول الأستاذ النورسي في مكان آخر من هذه الخطوة، خطوة التفكر وهي طريق موصل إلى الله سبحانه وتعالى : "التفكر نور يذيب الغفلة الباردة، والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة". ونجد كلمة الأوهام وهي كلمة لها علاقة بالجهل، والجهل: نقيض اليقين، لأن اليقين علم، والجهل نقيض العلم، والوهم : نوع من أنواع الجهل، فيقول الأستاذ : " والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة، لكن إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل "، يعطينا توجيها في التفكر فهناك التفكر في النفس وهناك التفكر في الآفاق،" إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل وفصله تفصيلا بمقتضى الإسم - يقصد اسم الله سبحانه وتعالى- "الباطن" المتعمق إذ كمال الصنعة أتم في تحليله وتفصيله، وإذا تفكرت في الآفاق فاجمل وأسرع ولا تغص و لا تخض إلا لحاجة إيضاح القاعدة ولا تحدد النظر كما هو مقتضى الإسم "الظاهر".(2)

بعد أن تحدثت عن هذه الطريق ذات الخطوات الأربع للوصول إلى الله تعالى، ماهي ثمرات هذا اليقين يقول الأستاذ رحمه الله : في ثمرة من ثمرات اليقين-لأن اليقين له ثمرات متعددة فله ثمرة التوكل وله ثمرة الصبر وله ثمرة الشوق إلى الله تعالى وله ثمار متعددة - الشوق ثمرة من ثمرات اليقين، يحذر النورسي رحمه الله طلابه من جملة عوائق تسقط المؤمن من أعلى جواد الشوق الذي تمتطيه الهمة ويقدم علاجا قرآنيا لهذه الآفات النفسية الحائلة دون السير إلى الله تعالى، لاشك أن الإنسان في بداية سيره إلى الله يحذوه الشوق ولكن بمجرد أن يركب المطية تأتي مجموعة من العوائق، تأتي مجموعــة من الآفـات، تأتي مجموعة من الأخطار، يقول الأستاذ رحمه الله ويسرد لتلاميذته ولنا جميعا، الآفات التي تسقطنا من فوق الجواد الذي نركبه اتجاها إلى الله سبحانه وتعالى : "أولا اليأس وعلاجه قوله تعالى : (لاتقنطوا) .. حب الظهور ونيل التفوق وعلاجه قوله تعالى ( كونوا قوامين) .. الإستعجال وعلاجه قوله تعالى (اصبروا وصابروا ورابطوا) ..الرأي الشخصي المستبد والتفكير الإنفرادي الذي يبدد أعمال الإنسان وعلاجه الحديث الشريف : "خير الناس أنفعهم للناس" ..التقليد : كذلك من الآفات علاجه ( وعلى الله فليتوكل المومنون) .. التسويف وهو العدو الغدار، التسويف الناجم من العجز وفقدان الثقة بالنفس فينشأ منه تأجيل الأعمال الأخروية من اليوم إلى الغد يمسك يد الهمة. أما تحدي هذه المصيبة التي تصيبنا وهي من جنود إبليس وعلاجه ( لايضركم من ضل إذا اهتديتم) .. أما العدو الملحد الذي يحذرنا منه النورسي رحمه الله وهو التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله. فيقول لتلاميذته: أرسلوا عليه الآية الكريمة (فاستقم كما أمرت) .. أخيرا الآفة الخطيرة  حب الراحة والدعة الذي هو أم المصائب ووكر الرذائل فيصفد الهمة بسلاسله وأغلاله ويقعدها عن طلب معالي الأمور ويقذفها في هاوية السفالة والذلة فعليكم أن تخرجوا على ذلك السفاح - يقول لتلامذته- : عليكم أن تخرجو على ذلك السفاح الساحر ويقصد به حب الراحة والدعة أخرجوا له البطل المجاهد الآية الكريمة   ( وأن ليس للإنسان إلا ماسعى) ولننظر إلى تسمية الآية الكريمة باسم البطل المجاهد .(3)

في مكان آخر نجد الأستاذ النورسي -رحمه الله- يحذر  تلامذته من أمراض نفسية خطيرة منها -حرص النفس -العجز- الحسد- فهذه أمراض خطيرة تتخفى على الإنسان في أثواب كثيرة لتقضي على المرء وعلى يقينه يقول الأستاذ النورسي : " إن في الحرص والإسراف عقوبة معنوية معجلة وجزاءا قلبيا إذ يجعل صاحبه ثملا من كثرة الشكوى والقلق فترى العقوبة نفسها بل أشد منها في الحسد والتنافس والغيرة حتى أن الحسد يحرق

صاحبه قبل غيره".(4)

كيف نحافظ على اليقين : ذكر الأستاذ مجموعة من العقبات وذكر مجموعة من الآيات لمواجهة هذه العقبات ولكن أسمى طريق وأحكم طريق للمحافظة على اليقين، وهو اليقين نفسه، الذي قال عنه سبحانه وتعالى ( واعبد ربك حتى ياتيك اليقين) اليقين هنا هو الموت ولذلك اعتمد الأستاذ رحمه الله على الموت : لاكتساب اليقين وللمحافظة على اليقين، وللقضاء على نظر الغفلة وتعويضه بالنظر الراشد.

يقول النورسي لنفسه، وهو يخاطب نفسه : "لا تديرن رأسك جفلة من الموت خائفة من القبر بل حذقي في القبر وانظري إلى حفرته بشهامة واستمعي إلى ما يطلب، وابتسمي لوجه الموت برجولة وانظري ماذا يريد وإياك أن تغفلي، لاتقولي أبدا أن الزمن قد تغير وأن العصر قد تبدل وأن الناس قد انغمسوا في الدنيا وافتتنوا بحياتها فهم سكارى بهموم العيش، ذلك لأن الموت لايتغير" (5) ولذلك يقول الأستاذ لتلاميذته موجها إياهم للأخذ بالأسباب والتوكل على الله : " إن وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص أما إحراز التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين فهو مما يتولاه الله سبحانه، نحن لا نتدخل فيما هو موكول إلى الله حتى إذا غُلبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا."

 هناك نصوص جميلة أخرى، فنحن نعرف أن الأستاذ سعيد قطع مرحلتين من حياته مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد، فلننظر إليه: لما ذهب في يوم من الأيام إلى قمة قلعة أنقرة :" التي أصابها الكبر والبلى أكثر مني فتمثلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة واعتراني حزن شديد وأسى عميق - انظروا إلى الشيخوخة التي يصفها (- من "شيب السنة " - السنة فيها شيب - في موسم الخريف ومن شيبي أنا ومن هرم القلعة ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية ومن وفاة سلطنة الخلافة ومن شيخوخة الدنيا، فاضطرتني تلك الحالة للنظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل أنقب عن نور وأبحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحس به من أكنف الظلمات اللاتي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.

فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثا عن نور ورجاء بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيأة مقبرة كبرى لأبي وأجدادي والنوع الإنساني فأوحشتني بدلا من أن تسليني، ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشا عن الدواء فتراءئ لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي و لأمثالي...

يئست من هذه الجهة أيضا، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة عمري فرأيت أن على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط وهي تنظر إلى، تلك هي جنازتي فطأطأت رأسي ناظرا إلى جذور شجرة عمري فرأيت أن التراب الذي هناك ماهو إلا رميم عظامي وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معا وامتزجا وهما يداسان تحت الأقدام فأضاف إلى دائي داء من دون أن يمنحاني دواء ثم حولت نظري على مضض إلى ما ورائي فرأيت أن هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في دنيا العبث وتنحدر في ظلمات العدم فسكبت هذه النظرة السم على جروحي بدلا من أن تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي ولما لم أجد في تلك الجهة خيرا ولا أملا وليت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيدا فرأيت أن القبر واقف لي بالمرصاد على قارعة الطريق فاغرا فاه يحدق بي وخلفه الصراط الممتد إلى حين الأبد وتترائى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد وليس لي من نقطة استناد امام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولاأملك سلاحا يدفع عني غير جزء ضئيل من الإرادة الجزئية فليس لي إذن أمام أولئك الأعداء الذين لاحصر لهم والأشياء المضرة غير المحصورة سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الإختياري..." (6)

النص طويل ولكن في الأخير نلاحظ بأن الأستاذ غيّر هذه النظرة من نظرة الحزن إلى نظرة التفاؤل حيث نظر إلى الموت نظرة حقيقية، كان يعيش هذا الإضطراب لما نظر إلى هذه الجهات الست التي ذكرتها :" تتوالى علي منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة إذ بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان تمدني وتضيئ تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة مالو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وانواع الظلمات مائة مرة لكانت تلك الأنوار كافية ووافية لإحاطتها. فماذا وقع بعد ذلك الحزن وتلك الوحشة فبدلت تلك الأنوار السلسة الطويلة من الوحشة إلى سلوان ورجاء وحولت كل المخاوف إلى أنس القلب وأمل الروح الواحدة تلو الأخرى نعم إن الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى وحولها إلى مجلس منور أنوس، وإلى ملتقى الأحباب وأظهر ذلك لعين اليقين وحق اليقين ثم إن الإيمان قد أظهر بعلم اليقين أن المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة كما يقول الأستاذ الغفلة التي تبين لنا المستقبل كقبر واسع. أما هو بعد الأنوار ماذا قال ؟ القبر عند النورسي رحمه الله- مجلس ضيافة رحمانية أعدت في قصور السعادة الخالدة ثم إن الإيمان قد حطم صورة التابوت والنعش تحولت صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر – التي نظرها بنظر الغفلة – صارت متجرا أخرويا وصارت دار ضيافة رائعة للرحمان " ثم إن الإيمان قد بصرني بعلم اليقين أن ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة أنها ليست كذلك، النعش والجنازة ماذا صارت ؟ صارت انطلاقا للروح فصارت أهلا للحياة الأبدية ...(7)

لمن يريد أن يعود لهذا التحليل الجيد يراجع كتاب "مرشد أخوات الآخرة " للأستاذ النورسي وهو من كليات رسائل النور  وهو كتاب جميل جدا فيه توجيهات قيمة للأخوات المسلمات وسماها بهذا الإسم (أخوات الآخرة) وكذلك فيه توجيه للشيوخ وللعجائز ويعتبر بأن سن الشيخوخة هو سن الكمال ويعزي الشيوخ والعجائز.

أريد أن أختم، وأرجو أن ينتبه الحاضرون إلى مسألة مهمة جدا وهي أن النورسي رحمه الله فعلا كان ذا يقين وكان ذا صبر وصار إماما في الدين، ولكن لاننسى القولة المشهورة : (وراء كل عظيم امرأة) إن أم النورسي والتي كان اسمها "نورية" من المسائل الغريبة التي لاحظتها- أنها ما أرضعت أولادها إلا وهي على طهر ووضوء، وانظروا إلى كلام جميل جدا في هذا الكتاب، يقول :" وأرجوا أن نقارن وضعنا مع هذا الكلام يقول :" نعم إن أول أستاذ الإنسان وأكثر من يؤثر فيه تعليما إنما هي والدته "، يقول الأستاذ :"هذا المعنى الذي أتحسسه دائما إحساسا قاطعا في شخصي، أقسم بالله أن أَرِسَخ دَرسٍ أخدته وكأنما يتجدد علي إنما هو تلقينات والدتي رحمها الله ودروسها المعنوية حتى استقرت في أعماق فطرتي وأصبحت كالبذور في جسدي في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم أني قد أخذت دروساً من ثمانين ألف شخص، بل أرى يقينا أن سائر الدروس إنما تبقى على تلك البذور بمعنى أني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى"- انظروا إلى معاناتنا معاناة أطفالنا، معاناة نسائنا ورجالنا ومعاناة مجتمعنا، تصوروا يتذكر الأستاذ ما علمته له الأستاذة في السنة الأولى والدته رحمها الله.

يقول : إني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى من عمري بذور أساس ضمن الحقائق العظمى التي أراها الآن وأنا في الثمانين من عمري.(8)

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

_________________________

1- انظر الكلمات ص558-561

2- انظر المثنوي العربي النوري ص256

3- انظر صيقل الإسلام – المناظرات ص433-434

4- انظر المكتوبات 344- 345

5- انظر الكلمات ص 193

6- انظر اللمعات ص 352

7- انظر اللمعات ص 353

8- سيرة ذاتية ص43

 


6-) العبرة من حياة المفكر الإسلامي بديع الزمان النورسي

العبرة من حياة المفكر الإسلامي

بديع الزمان النورسي

1294 /1379 هـ

1876 /1960  م

د. محمد الكتاني

مكلف بمهمة بالديوان الملكي

الرباط

بسم الله الرحمن الرحيم

العبرة بمعناها العميق ما يكتشفه الفكر من خلال الوقائع و الأحداث من سنن كونية ثابتة، يعبر من خلالها إلى إدراك حتمياتها و قياس ما يتوقع منها إلى ما وقع بالفعل، و بذلك يستشرف معالم المستقبل من خلال التناظر الحتمي بين الواقع والمتوقع بصورة تقريبية، لأن السنن الكونية تدور مع هذا الواقع، متجلية ظاهرة، أو كامنة مستترة. و لكنها مقروءة من لدن ذوي البصائر و العقول. فما يحدث في كل عصر أو في كل طور من أطوار التاريخ، وإن كان لا يتكرر بنفس الصور والهيآت و التفاصيل و الجزئيات، إلا أنه يحافظ على نسقية الأسباب و المسببات. وترابط المقدمات و النتائج، وإذا لم يستطع حاضرنا أن يقرأ الماضي الذي عاشه أسلافنا، لاجتلاء السنن المحركة لتاريخ الإنسان فأي جدوى من قراءة هذا التاريخ؟

ونحن المسلمين من أحوج الأمم إلى قراءة تاريخها، و تاريخ غيرها بهذا الوعي وبهذا الإنفتاح. و تجاوز النظر إليه بوصفه تراكما أو تعاقبا أو ماضيا ولى إلى غير رجعة إلى النظر إليه مختبرا للسلوك الإنساني، يكشف عن النتائج الحتمية لأي سلوك، و القرآن الكريم يطالبنا بهذه القراءة " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبل" (1)

و من مقومات الأمة الإسلامية أن الإسلام بوصفه نظاما و منهجا الهيا للإنسان في حياته، لا يتوفر و حسب على تفاصيل هذا المنهج عقيدة و شريعة و قيما أخلاقية من خلال القرآن و السنة و الفكر المنبثق عنهما، و إنما يتوفر أيضا على تاريخ ممتد عبر فضاءات شاسعة من الزمان و المكان، نقرأه و نستوعبه، فنتمكن بفضله من اختبار قيم الإسلام و منهجه، و من تحقيق مصداقية ما يدعو إليه، وذلك من خلال معترك النضال و التصادم مع عقائد و إيديولوجيات، و شعوب وحضارات، و مناهج و ثقافات. و هكذا ألقى الإسلام أمته في معترك الحياة. و في مختبر التاريخ الإنساني المحكوم بآلياته الثابتة و سننه الإلهية الدائرة.

و لعل في مقدمة العبر المستفادة من تاريخ الإسلام، أنه ظل ثابتا في مجرى هذا التاريخ الإنساني، بعد أن دخل كل صقع من أصقاع الدنيا، و خالط كل شعوب الأرض، و ثبت أقدامه هنا و هناك، برغم الحرب الضروس التي شنت عليه من كل حدب و صوب، و من كل العقائد و الثقافات المخالفة. سواء كانت حربا شنت عليه من داخل مجتمعاته، بالتزييف و التضليل و الشبهات التشكيكية. أو كانت حربا شنت عليه من  خارج أوطانه كالغزو العسكري و الاستعماري.

و في سياق هذا التاريخ المبتلي بأعدائه و بجهل بعض أبنائه تبرز أمامنا ثلاث حقائق:

الأولى:أن الاسلام استعصى على التزييف لحقائقه الكبرى و لمنهجه العام، برغم كون خطة التزييف و التحريف قد شنت عليه منذ القرون الأولى لتحويله عن وجهته ، و ذلك عقب التقائه بالثقافات الشرقية القديمة، و بالنحل و المذاهب التي كان يدين بها اللذين استقبلوه في ديارهم، من الامم في آسيا و إفريقيا. و نحن نقرأ آثار هذا التصادم بينه و بين المعتقدات و التقافات في كتب علم الكلام، و كتب الملل و النحل، فتقف على محاولات التزييف أو التكييف مع المعتقدات الوثنية، وعلى ردود الفعل أو ضدها. و العبرة هنا أن الإسلام من خلال علمائه و مفكريه ظل يحاور و يجادل، و يصحح المفاهيم، و يثبت الأسس و المبادئ. و نلاحظ بإمعان أن الحركة التصحيحية المقاومة للتزييف و للشبه المعترضة و للأبطال المزعوم لم تكن لتفلح في مناهجها و تنتصر على خصومها إلا بقدر ما كان يتسلح به العلماء و المجاهدون و المجددون من علوم و معارف، لا يجد العقل الصحيح مناصا من الإقرار بها و التسليم بمنطقها. لأن الإسلام و هو يدعو للعلم و النظر الصحيح في الأنفس و الآفاق و الاعتبار بالسنن الكونية و القوانين الطبيعية يلزم علماءه بأن يكونوا في طليعة من يمثلون قيم هذه الدعوة القرآنية و إلا كانوا محجوجين أمام خصومهم، و من يفوقهم في تحصيل العلوم و اصطناع مناهج النظر السديد، و لم تقع الإساءة الى الإسلام إلا ممن دعى إليه بغير علم، أو رد على خصومه بغير علم، أو ضاق صدره بالحوار على أساس البرهان.

الثانية: أن الإسلام لم يصمد بحقائقه و قيمه في معترك التاريخ المحكوم بالصراع، و بالشد و الجذب، إلا لأن الله قيض له في كل زمان و مكان من يؤمن بتلك الحقائق و يلتزم بتلك القيم، و يشخص النموذج الأخلاقي بمقوماته الثلاثة، الإيمان و العلم و العمل. و بفضل هذا التشخيص في السلوك اليومي تم اختبار مصداقية المنهج الإسلامي. لأن الدعوة بالقدوة هي المحك على صدق الفكرة وفعاليتها. و التاريخ الإسلامي يدلنا على أن شعوبا و مجتمعات دخلت في الإسلام بعد توقف حركة الفتوحات، كانت تفوق أعدادها تلك التي دخلت في الإسلام في زمن الفتوحات. و كانت الوسيلة هي تمكين هذه الشعوب من تلقي الخطاب الإلهي الذي هو القرآن. و كان تعريب ألسنتها مقدمة لاكتسابها الهوية الإسلامية، و هي هوية لا يمكن اكتسابها على مستوى العقل و الوجدان بغير التواصل مع القرآن.

الثالثة: أن الصمود ضد التزييف و الوقوف في وجه الغزو الفكري و الحرب المعلنة على الإسلام كان لهما مصدر قوة لا تقاوم و لا تتخاذل. و هي التواصل العميق مع القرآن. فمنذ نزل القرآن إلى اليوم ظل بمثابة القوة التي لا ينفد مددها، و مصدر التجديد الذي لا يخبو له شعاع، أو قل " حجة الله البالغة" التي يطالعها العقل في كل عصر، و يجد فيها دليل إثبات حجيتها و صدق مضمونها.

هذه مقدمة لا بد منها نمهد بها لوضع العلامة التركي بديع الزمان سعيد النورسي في إطار عصره، و سياق التاريخ المتصل به الذي حدد له مسيرته الفكرية و أملى عليه المسؤولية التي نهض بها، عن اقتناع و اختيار، و جاهد في سبيل تبليغ ما وقع في نفسه من نورانية القرآن و حكمته و اعجازه في بيئة ثقافية و حضارية، قامت بينها و بين الاتصال بالقرآن حوافز و موانع، و تهيأت لامتصاص الشبه و الأباطيل، و التشبع بالغزو الفكري الزاحف بصوره الزاهية ومغرياته القوية.

ولد سعيد النورسي سنة 1876و هي السنة التي تولى فيها الخلافة العثمانية السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يعد من أبرز و أقوى سلاطين آل عثمان المتأخرين. و كانت الدولة العثمانية قد أخذت طريقها نحو التدهور و التفكك، بفعل تحالف القوى الغربية على تقاسم ميراثها العظيم. فانبرى السلطان عبد الحميد بعد ادراكه لما يتحدد امبراطوريته العظيمة من مخاطر في الداخل والخارج لإتخاد المواقف الحازمة، والإمساك بالسلطة بيد من حديد.

كانت الحروب ضد السلطنة العثمانية تثار هنا وهناك لإستنزاف قواها وكانت النعرات القومية تذكي لهيبها من لدن اليهود والجواسيس والتجار ومن لدن المبشرين والدبلوماسيين الأوربيين . فتتمرد الشعوب المنضوية تحت سلطان الخلافة، في كل من الجبل الأسود والبلقان وغيرهما. ولم يقتصر عمل الدول الغربية تجاه الدولة العثمانية على هذه الحروب الإستنزافية المفتعلة، وإذكاء روح الإنفصال والتمرد لإقتطاع أجزاء منها. وإنما كانوا يعملون على شن حرب تفكيكية مماثلة داخل الكيان الإجتماعي،فشجعوا على إنشاء الأحزاب والجمعيات ذات الأفكار الغربية الليبيرالية " كجمعية تركيا الفتاة" و جمعية "الإتحاد والترقي" وغيرها من الجمعيات السرية التي كانت تعبر عما كان يتطلع إليه المجتمع أوالشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني من تغيير أوضاعها والطموح إلى استقلالها ولذلك قامت هذه الجمعيات بإشاعة الوعي القومي على نحو مثير.

وقد كان لليهود دور كبير في إنجاح الخطط الإستعمارية و القضاء على الخلافة العثمانية. فقد كانوا قد طلبوا من السلطان عبد الحميد مرات عديدة ان يسمح لليهود المقيمين في "سالونيك" بالهجرة إلى فلسطين، ليتخذوا منها وطنا لهم، و أغروا بمختلف المغريات فلم يفلحوا، إذ كان قد رفض هذا العرض مرارا بشدة، ومضي إلى أبعد من ذلك فأصدر أمره بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. وعندما أدركوا أنهم أمام سلطان قوي عنيد، مشبع بفكرة وحدة العالم الإسلامي ووحدة الديار الإسلامية أيقنوا أن زواله هو الكفيل بتحقيق فكرة الوطن القومي لليهود، وأن زواله لايمكن إلا بزوال نظام الخلافة أو زعزعته من أساسه، وتحقق لهم خلع السلطان عبد الحميد سنة 1909. وعلى إثر هذا الانقلاب زحف الجيش المرابط في سالونيك إلى العاصمة "الأستانة "، وانضم  إليه عدد من اليهود والبلغار. وكانت اللجنة التي بلغت السلطان العثماني قرار الخلع تتكون من يهودي ويوناني وأرمني، وعلى رأسها إيمانويل قره صو الماسوني الإيطالي المشهور.

و قد حكم الإتحاديون أي حزب "الاتحاد و الترقي" الذي هو امتداد لحزب "تركيا الفتاة" طيلة الفترة الواقعة بين الانقلاب و سقوط الخلافة. و تعاقب على كرسي "الخلافة" الإسلامية صوريا ثلاثة خلفاء، و قد ظهرت خلال هذه الأحدات فكرة "القومية الطورانية" بقوة، و شاعت لدى الخاص و العام لاتخادها رابطة أساسية بدل "الرابطة الدينية" و هكذا أذكيت روح القومية التركية بدلا من الروح الإسلامية، التي أصبحت تواجه حربا ممنهجة. و أصبح العداء سافرا لكل ما يمت للإسلام من صلة، و لا سيما محاكمة العلماء و نفيهم و تتبع نشاطهم و شن الهجمات على الشريعة الإسلامية، و على من يظهر التعلق بها فضلا عن الالتزام بها.

و نتصور مدى الصراع المرير الذي واجه المسلمين في تركيا من لدن هذه التيارات المختلفة، المتحالفة للقضاء على الهوية الإسلامية و تفكيك كل روابطها وقيمها، و تحويل المجتمع التركي الى مجتمع علماني يقتفي أثر المجتمعات الغربية. و هو ما حققه بالفعل كمال اتاتورك، بعد الغاء الخلافة و إقامة الجمهورية العلمانية عام 1924. فاعتمد القانون المدني السويسري، و قانون العقوبات الإيطالي و القانون التجاري الألماني. و بمقتدى ذلك ألغى العمل بالشريعة الإسلامية، حتى بالنسبة للأحوال الشخصية. ثم فرض على الأتراك اتخاذ القبعة بدل العمامة، كما فرض السفور فرضا على النساء. و اتخذ الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية في اللغة التركية. و بذلك اتضح أن الغاء الخلافة كان مجرد خطوة لالغاء الهوية الإسلامية نفسها. و قد استشهد في معارك الثورة على هذه السياسة آلاف الأتراك، فوجهوا بالقمع، قطعا للرقاب و شنقا على أعواد المشانق و رميا بالرصاص، لمجرد كونهم رفضوا التنازل عن هويتهم واستقلالهم في الحفاظ على تقاليدهم الشرقية الإسلامية.

لقد عانى العلماء المسلمون في تركيا معاناة قاسية خلال العقود الأولى لقيام الجمهورية التركية إذ كانوا يرون الدولة العلمانية القائمة تشجع على الارتداد، وتفرض الانسلاخ من الهوية، على خلاف ما تدعيه النزعة "العلمانية" من توفير حرية الاعتقاد و الممارسة للدين. فاستشهد من أولائك العلماء من استشهد، و هاجر من هاجر، و في مقدمتهم علماء كبار أمثال الشيخ مصطفى صبري (-1954) والشيخ محمد زاهد الكوثري (1952-) و هما معاصران للعلامة بديع الزمان النورسي (-1960)، و متقاربان معه مولدا و وفاة.

و لنا أن نتساءل : ماذا كان الخيار الممكن لعالم مسلم، وسط مجتمع يعيش مخاضا قاسيا ينقله من واقع لآخر؟ أو الموقف الأنسب وسط هذا الصراع الكبير الذي عاشته تركيا خلال الربع الأخير من القرن الماضي و الربع الأول من هذا القرن؟ إن هذه الحقبة القاسية التي كانت بمثابة زلزال هدم كل ما بناه الماضي، وأقام على أنقاضه أبنية جديدة، و لا سيما ما يتصل بالثقافة كانت توقف كل مفكر سلم يومئد أمام مسؤوليته ملقية عليه هذا التساؤل الأساسي مذا يجب فعله؟

مهما يكن الجواب فإن بديع الزمان النورسي أخذ مكانه من واجهة نضالية فكرية و علمية، تحرى ألا يكون لها أية صلة بالسياسة. فآثر العمل في العمق، لتثبيت العقيدة الإسلامية، و النضح عن القرآن بكل الوسائل، و ابراز مضمونه الأخلاقي و المعرفي، الذي يحيط بالحياة الإنسانية و يصلها بخالقها و يعلو على كل قيم الحضارات المادية. و قد ناصر النورسي في جهاده بعض الأفكار الإيجابية التي حملتها الحضارة الغربية، و زيف ما عداها من النزعات و الأفكار الهدامة والمادية. و لعله لم يكن له خيار في هذا الإتجاه بحكم التربية الأساسية التي نشأ عليها و بحكم الوسط البيئي الذي صاغ له شخصيته.

نشأ سعيد النورسي في بيئة قروية متواضعة، و في أحضان والدين شديدي الورع، بقرية نورس بولاية بتليس التركية، بشرقي بلاد الأناضول. و كان كل ما يحيط به في هذا الوسط يلون شخصيته. و أخذت مخايل الذكاء و النبوغ تظهر عليه منذ العاشرة من عمره، فأقبل على العلوم النقلية و العقلية و العصرية، يحفظ منها و يستوعبها، في نهم يثير الإعجاب، و خلال ذلك تشبع بالنزعة التصوفية، واستمع الى مناقب الأولياء و المشايخ و السادة الصوفية باعجاب و تأثر. و لم ينخرط في مناظرة علمية أو جدل علمي إلا خرج منها ظاهرا على خصومه أو رفاقه، مثيرا للإعجاب لدى الشيوخ و الأساتذة، فلقب ببديع الزمان، و هو بعد في سن العشرين. كما انفتح عقله على ما كان يعرفه المجتمع التركي من تيارات اصلاحية و أفكار غربية، فتعاطف مع الأفكار السياسية التي كانت تنادي بضرورة الوحدة الإسلامية، و أعجب بشخصيات أمثال الأفغاني و محمد عبده و الشاعر التركي نامق كمال، و أيد الدستور الذي عاد إليه السلطان عبد الحميد سنة 1908. و أخذ يلقي الخطب في مختلف مساجد اسطنبول، ليظهر العلاقة بين الشريعة الإسلامية و بين نظام الشورى و نظام المشروطية الذي كان يعني يومئذ النظام البرلماني. و جاهر بضرورة تقييد نظام الحياة الدستورية و البرلمانية بالقيم الإسلاميةو بالشريعة التي تقوم على نظام الشورى و حذر من تحول الحرية الى ذريعة للاستبداد ، او للانفلات من القيود الأخلاقية و القيم الحضارية الإسلامية. وقال: " إن مفتاح رقي المسلمين كامن في الحياة النيابية، أو موجود حسب عبارته في الشورى التي هي المشروطية ". لقد انسحق حسب قوله ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت اقدام الإستبداد المعنوي الذي هو الإستعمار الأوروبي. و إن الحرية لهي العلاج الوحيد لإنقاد هذه الملايين من المسلمين من الأسر، فحتى لو تضرر هنا - بفرض المحال - عشرون مليونا منهم من أجل إرساء الحرية فليكن ذلك فداء. إذ نأخذ ثلاثمائة مليون مسلم حر، بدفع عشرين مليون من أسراهم" .(2)

و في فورة الشعور باسترجاع الدستور و استرجاع الحريات و القضاء على الإستبداد  شايع النورسي بعض افكار حزب "تركيا الفتاة " معتقدا أن من أعضاء هذا الحزب من يخدم الإسلام بالفعل، برغم وجود طائفة من الماسونيين المفسدين المندسين وسطهم. كما كان يحسن الظن بدعاة الفكر الحر و بالأفكار الليبيرالية، بغضا منه للاستبداد و الظلم اللذين كانا يطبقان على المجتمع التركي، و يفرقان بين المسلمين و المؤمنين. فالمسلمون في نظره هم الذين يومنون و يلتزمون بالعمل وفق الشريعة. اما المؤمنون فهم الذين يكتفون بالإيمان بالقيم الإسلامية، و لا يعملون بأحكام الشريعة. و ثقة منه في حكم جماعة الإتحاد و الترقي المبنية على دعم الحريات - و هو ما تراءى له في بداية الأمر - طالب الحكومة بضمان مستقبل العلماء بالولاية الشرقية لتركيا. و طالب ايضا بنصيب هؤلاء العلماء من معنى الإتحاد و الترقي و بإنشاء مجلس شورى للإجتهاد أي أنه طالب بإقامة الإجتهاد الجماعي للعلماء لمواجهة تخلف الشريعة في استيعاب شؤون العصر. وكان له أيضا موقف واضح من اختيار نوع الوعي الذي يمكن أن يحقق نهضة الشرق، بين خيارين، ظلا في نزاع عميق لفترة طويلة، و هما الرابطة  الإسلامية والرابطةالقومية . فكان يعلن أن الولاء الديني أو الرابطة الإسلامية هي التي ستدفع بالشرق إلى نهضته المنشودة، و تبعده عن مهالك الفتن و النعرات القومية. و يقول في هذا الصدد:" نحن الشرقيين لا نشبه الغربيين. إذ المهيمن على قلوبنا هو الشعور الديني. فإن بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدر الإلهي،  إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق و يقوده إلى التقدم و الرقي"(3).

و خلال الحرب العالمية الأ‏ولى شارك النورسي في قيادة فرق المتطوعين الذين انخرطوا في هذه الحرب، ووقع في الأسر على يد الجنود الروس. و كان يشغل وقته بوعظ الجنود الأسرى، و إلقاء الدروس عليهم. لقد انخرط النورسي في حياة عصره منذ الحرب العالمية الأولى و تفاعل مع التيارات الفكرية و السياسية، محتفظا بإيمانه الشديد بعظمة الإسلام و بقدرته على خلق مدنية عظيمة تليق برسالته الكونية. و الواقع أن انشغاله كان قويا بمصير العالم الإسلامي الذي كان يبدو من خلال الحرب العالمية بمثابة ريشة في مهب الرياح. رياح المصالح الكبرى للدول الكبرى، و كانت تركيا نفسها أمام تكبد هزيمة ساحقة محققة، و لكن الأمل كان يفعم قلبه، من انبعاث وعي إسلامي شامل، يعود بالمسلمين إلى وحدتهم و تضامنهم تجاه التحديات التي تواجههم، و توقظ وعيهم من خلال نكبات الحروب و دمارها، و الاستعمار و ويلاته، و تدفعهم إلى النهضة البناءة و الصحوة المبدعة.

لم يكن النورسي يرى هذه الحرب التي خاضها الأتراك على كره منهم سوى حرب بين مدنية غربية مادية و مدنية شرقية إسلامية. كانت قد نشبت بين الشرق و الغرب منذ قرون خلت، و استعادت شراستها خلال هذه الحرب الأخيرة، و قد أدرك أنها تنطوي على صراع بين منهجين في الحياة، منهج يعتد بالحق و منهج يعتد بالقوة. و الحق من شأنه العدالة و التوازن و هدفه الفضيلة بدل المنفعة. والفضيلة من شأنها المحبة و التجاذب و دستورها في الحياة التعاون بدل الصراع. فالخلاف عميق بين مدنية تقوم على احترام مقومات الحق، و مدنية تقوم على الاعتداد بمقومات القوة و الصراع.

و يتحرر الأستاذ النورسي من أسر الروس فيعود إلى إسطنبول و إلى معاناته للشدائد و تقلبات الأيام و هزائم المسلمين، و شعوره بالمرارة تجاه انهيار كل ما كان يؤمله من العودة إلى القيم الإسلامية في خضم "علمنة" المجتمع التركي واستأصاله من هويته، و هكذا لاذ بحصن منيع و ملاذ رفيع، ظل مصدر قوة المسلمين في طور من أطوار تاريخهم، و عقب كل هزيمة من هزائمهم، و هو الإنكباب على القرآن لاستعانة وهجه الخالد في النفوس، و تأثيره في العقول عن طريق نقل الخطاب القرآني و تحليله إلى نفوس الإتراك.

كان قد بلغ الخمسين من العمر عندما ألغيت الخلافة الإسلامية، و شرع الحكام في تحويل صبغة المجتمع التركي و ثقافته إلى صبغة غربية وثقافية وضعية. فرغب في الإنزواء من مسرح الحياة الإجتماعية، و آثر التأمل و تعميق الدعوة إلى القرآن و الإبقاء على توهج نوره في قلوب المؤمنين، و دفع ما يراد أن يغشاه من تشكيك أو تهميش. و في هذه المرحلة بدأ سعيد النورسي مرحلة عمر جديدة قوامها خدمة القرآن  و استلهام حقائقه و اكتناه مكنونات علمه، و نبذ كل ما علق بفكره من فلسفات الغرب و مذاهبه، بذلك انتصار القلب على العقل وهي رحلة إستغرقت بقية عمره إلى أن وافته المنية سنة 1960.

ما العبرة التي يمكن استخلاصها من هذه السيرة المجاهدة المليئة بالعبر و القيم والتجارب المثمرة؟

لا نعتقد أن هناك عبرة واحدة يمكن استخلاصها من هذه الحياة المديدة، فالعبر منها تتعدد بتعدد وجهات النظر و مناهج التحليل. و ذلك بالنسبة لرجل خوطب ذات يوم بهذه العبارات:

" يا رجل القدر، يا رجل عصر النكبة و الفتنة و الهلاك".

إنه بالفعل كان رجل مرحلة "التحول" من فلك الإسلام و الحضارة الشرقية إلى فلك العلمانية و الحضارة الغربية، و بما أنه عصر تحول  فقد كان بالتالي عصر نكبة و فتنة و تدمير، بقدر ما كان في نظر الآخرين عصر ثورة و انقلاب و إعادة بناء.

و هنا أعود إلى التمهيد الذي قدمت به لهذه القراءة الموجزة لحياة النورسي، لأن حياته تؤكد بعض الاستنتاجات السابقة. فالنورسي مثل الصمود في وجه التحريف و التزييف، واستعلاء الفكر الغربي في المجتمع التركي. و هو و إن زاوج بين معطيات الثقافة الإسلامية و بين الثقافة العلمية الغربية حتى حدود الأربعين من عمره، إلا أنه رجع بعد ذلك إلى إيثار المنهج العرفاني الذي طبع حياته بصفة نهائية. و يمكن القول بأنه قد ولد من جديد بعد هذه التجربة العقلية والوجدانية التي خاضها بصمود في تجاذب بين الواقع السياسي و مختلف المؤثرات الثقافية و الاجتماعية. لقد ولد من جديد بعد اسقاط الخلافة الإسلامية، واستعلاء النزعة العلمانية، فتعمق ما كان يعيشه المجتمع التركي من تحولات سريعة لا يدري إلا الله ما ستؤول إليه. في هذه المرحلة جعل من القرآن مرجعه الوحيد في سيرته العرفانية، و اعتبر خدمته هي الواجهة الحقيقية لمقاومة كل غزو فكري، للحفاظ على عقيدة الإسلام و مقوماتها. و نذكر في هذا السياق أن حكم كمال أتاتورك قد فرض على المسلمين في تركيا منذ سنة 1932قراءة القرآن المترجم إلى اللغة التركية بدل اللغة العربية، و كذلك فرض أن يطبع المصحف الكريم بهذه اللغة كما فرض اللغة التركية في خطب الجمعة، و فرض الآذان والإقامة للصلاة بالتركية.

لقد شعر النورسي بكل مرارة، و إن لم يعبر عن ذلك بأن مجتمعه الذي انسلخ تدريجيا عن عربية القرآن هو أحوج ما يكون في الوقت الراهن إلى ترجمان لمعاني القرآن. و لهذا السبب اعتبر أن واجبه الأول أن يكون واحدا من هؤلاء العلماء الذين يحافظون على اشعاع القرآن و تأثيره في قلوب المسلمين، الذين حالت بينهم و بين هذا القرآن الكريم حواجز سميكة. فكتب "رسائل النور" باللغة التركية، لتقديم المضمون القرآني إلى المسلم التركي.

و مع ذلك، يمكننا أن نتساءل أي أثر يمكن احداثه في قلب مسلم حيل بينه وبين سماع الخطاب الإلهي في صيغته الإلهية المعجزة؟ و هو نفس السؤال الذي يمكن أن نطرحه في كل وقت بالنسبة لأي شعب إسلامي لا يعرف اللغة العربية. كما نتساءل أيضا: هل كان بالإمكان أن يقع بأي بلد عربي، يتلقى القرآن مباشرة ويصغي إلى خطابه في كل حين، ما وقع في تركيا من انقلاب ثقافي عميق، انقلاب حول المجتمع من هوية إلى أخرى ؟ إن العبرة هنا هي الإنسلاخ من هوية الإسلام.  ومما يؤكد هذه النتيجة أن القرآن يوم نزل لينقل الإنسان من وثنيته وشركه إلى وحدانية الله وتغيير المجتمع، إنما انطلق من هذا الإعجاز القرآني الذي لا يدرك غوره ولا يستطاع تحديده، لأنه خطاب الله المباشر إلى وجدان الإنسان. قال تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه."(4) قال بعض العلماء : لولا أن سماعه حجة وبرهان  على تصديق النبوة وعلى إدراك الحقيقة لما كان لهذا الأمر معنى .

فهل نستمع إلى القرآن اليوم عبر التواصل اللغوي الضروري لإدراك برهانية القرآن ونورانيته ؟ أحسب أن الصراع اللغوي الذي سلط على اللغة العربية قد جرد المسلمين ولا يزال من أسلحة المقاومة، لتقبل الفكر الوافد، بلغات الغرب، بذوق اهله و مزاجهم. فلا يجدون بعد ذلك مساغا للغة القرآن أو هديه. و هذا ما فطن إليه العقلاء من قومنا، فاعتبروا الدفاع عن عروبة اللسان دفاعا عن الهوية الإسلامية. بل هذا مايوقفنا عليه تاريخ المجتمعات الإسلامية منذ القرن السادس الهجري، لأن ابتداء انهيار دولة الإسلام الكبرى كان بابتداء تفككها السياسي، ثم انتقل الأمر إلى اصطناع اللغات القومية بدل العربية، فضعفت العلاقة بين شعوب إسلامية عديدة وبين كتاب الله. لقد استعادت تلك الشعوب في نظر نفسها لغاتها القومية، ولكنها فرضت حاجزا منيعا بينها وبين القرآن. و قام في أوساطها ما يشبه "الإكليروس"، الذي يجعل العلماء الذين يلمون باللغة العربية وسطاء بين الشعوب الإسلامية و بين الإسلام نفسه. ثم طغت العواطف القومية على الأواصر الدينية في العصر الحديث، وجاء الغزو الحضاري والإستعماري فاخترق هذا الكيان المتناثر للأمة الإسلامية لم يستثن من ذلك مشرقا ولا مغربا.

و شجعه على الإغتراب و الشك في الماضي الإسلامي و في ثراته، في حين أيقظ لديه مشاعر التراث القديم الذي يعبر عن أصوله العرقية، و ينمي لديه "الشعوبية"، ضد الأمة العربية. و ها نحن نعيش اليوم الاغتراب بكل معانيه وأبعاده.

و العبرة الأخرى من جهاد النورسي ومن سيرته أن القرآن الكريم يظل مفزع المؤمن عندما تحيط به أسباب الإرهاق و عوامل الإحباط و اليأس، فيجد فيه المدد الرباني و القوة المعنوية الدافقة، بل يجد فيه المنهج الأقوم لتحدي كل القوى المناوئة، كما يجد فيه الخطاب الهادي لكل فكر يبحث عن الحق و لكل قلب يلتمس نور هذا الحق.

يقول النورسي : "أخذتني الأقدار نفيا من مدينة إلى أخرى، و في هذه الأثناء تولدت في صميم قلبي معان جليلة، نابعة من فيوضات القرآن الكريم أمليتها على من حولي من الأشخاص في رسائل أطلقت عليها "رسائل النور" لأنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم "(5). و هكذا جاء تأليف هذه الرسائل و املاؤها على المحيطين به و المريدين له منهجا من مناهج الدعوة إلى الله التي نهض بها سعيد النورسي بعد أن لاحقه النفي و المطاردة، حتى لا يتصل به أحد أو يتأثر بدعوته. و لكنه برغم ذلك وجد في طائفة من مريديه و طلابه وسيلة لاستنساخ تلك الرسائل  بأيديهم و توزيعها. و بقيت هذه الرسائل تنتشر بهذه الطريقة، على مدى عشرين عاما، في غفلة من السلطات التي كانت قد منعت الكتابة بالحرف العربي، و أغلقت كل المطابع التي تعمل بالحرف العربي. و عندما اتسعت دائرة الطلاب من حوله ازداد انتشار رسائل النور بفضل استنساخ كل من يتلقاها لرسالة أو أكثر من تلك الرسائل خدمة للقرآن. فهذه الطريقة كانت بمثابة جهاد خفي، تحدى به النورسي تطويق القرآن بسدود و حواجز لا تعبر. لقد استطاع النورسي بفضل توهج روحه و إيمانه أن يبقى على شعلة الإيمان في شموع تتحدى غياهب الظلام.

و لا يسعنا اليوم و في هذا السياق بعد أن استوعبنا العبرة من حياة النورسي إلا أن نستحضر قوله تعالى : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره ولو كره الكافرون"(6).

بقي أن نقول كلمة عن "رسائل النور". هذه الرسائل التي كانت فيضا من استلهام القرآن، للإجابة عن كل ما يخطر بالفكر المؤمن و الفكر الشاك و الفكر الملحد من مشكلات و معضلات. إنها عبارة عن رسائل و إجابات بلغت ستة آلاف صفحة تستعرض كل ما يملأ الفكر الإنساني من مشكلات و يساوره من خواطر مما يؤكد حيوية الفكر الإسلامي و طاقاته العجيبة في كل زمان و مكان لمواجهة معضلات زمانه و أزمات حضارته. و بهذه الرسائل أثبت النورسي لأمته أن الحضارة الغربية و الثقافة الغربية مهما بلغتا من الإنتشار و النفوذ فإنهما لن تقضيا على جذوة القرآن في نفوس أهله، بل إن هذا القرآن لهو بمثابة المشكاة التي لا تستمد زيتها من غير كلام الله الأزلي.

يقول النورسي نفسه عن المهمة التي قامت بها هذه الرسائل :

"إن أجزاء رسائل النور قد حلت أكثر من مائة من أسرار الدين و الشريعة والقرآن الكريم، ووضحتها و كشفتها و ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم، وأثبتت بوضوح كوضوح الشمس ما كان يظن بعيدا عن العقل من حقائق القرآن كحقائق المعراج النبوي و الحشر الجسماني، أثبتتها لأشد المعاندين و المتمردين من الفلاسفة و الزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حظيرة الإيمان، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم - و ما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، و لا جرم أنها حقيقة قرآنية تشغل هذا العصر و المستقبل، و تأخذ جل اهتمامه، و أنها سيف المآسي بتار في قبضة أهل الإيمان" (7).

و يقول عن منهجها :

"ثم إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان انقاذ الإيمان. و لله الحمد فإن رسائل النور قد أنجزت و ما تزال تنجز هذه المهمة و في أصعب الظروف. إن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الامام علي و الحسن و الحسين و الشيخ الكيلاني رضوان الله عليهم أجمعين. اذ تلقيت درس الحقيقة -على طريقة أويس القرني- مباشرة من الامام علي رضي الله عنه بوساطة الشيخ الكيلاني (قدس سره) و الامام زين العابدين و الحسن و الحسين رضي الله عنهم، لذا فإن دائرة عملنا و خدماتنا هي دائرتهم"(8).

و يقول عن علاقتها بالفلسفة:

" إن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور و تصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، و ليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، و تعين الأخلاق و المثل الانسانية، و تمهد السبل للرقي الصناعي هي في وفاق و مصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، و لا تعارضها، و لا يسعها ذلك، لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة و الإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة و اللهو، و حيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها و ذلك بنصبها موازين دقيقة، و دساتير رصينة، و بعقدها موازنات و مقايسات معززة ببراهين دامغة، فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة" (9).

العبرة الأخيرة من هذه الكلمات المتفرقة: أن "النورسي" كان بمثابة "كوكب" في عصره يتلقى نور القرآن وسط مجتمع "أعجمي" ليعكسه على قلوب حائرة، أو باحثة عن الحق و عن الحقيقة وسط تيارات عاتية من الضلال و الالحاد. فكان بحق من الذين ورثوا رسالة "التبليغ" و تحملوها بتفان و إخلاص.

أما العبرة الشخصية التي استفدتها من النورسي و تراثه فهي أنني اكتشفت فيه و من خلاله معنى كون "المؤمن" بمثابة النواة الصلبة التي لا يمكن اختراقها، إذا ما كان هذا المؤمن ينظر بنور الله.

 

_______________________________

(1) سورة الروم: الآية:42

(2)  صيقل الإسلام ص356 .

(3) صيقل الاسلام ص530 .

(4) سورة التوبة: الآية :6

(5) الشعاعات ص 542

(6)  سورة الصف: الآية: 8

(7) الملاحق ص248

(8) الملاحق ص 262- 263

(9) الملاحق ص 286 


7-) التجديد العقدي عند النورسي

التجديد العقدي عند النورسي

د. الحسين ايت سعيد

استاذ السنة وعلومها

بكلية الأداب بمراكش

إن المعتقد هو المحرك للإنسان، وهو الذي يضبط توجهاته، ويحدد له ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يذر، وهو الذي يجلى له حقائق الأشياء فيراها بذلك المنظار، ويرفض مشاهدتها بمنظار آخر. بغض النظر عن كون الرؤية أو المعتقد سليمين أو عليلين.

ذلك أن عملية التفاعل مع الواقع، والتاثير فيه، وتغييره بأفعال الإنسان، تمر من مرحلتين اثنتين :

إحداهما : عملية التصور لما ينبغي أن يفعل، وما ينبغي أن يترك، وما يجوز أن يقدم، وما لا يجوز وما يجوز أن يؤجل، فالعقل يتصور ذلك كله ويرتب جزئياته، وينسقها بعمليات معقدة، حتى تصبح كخريطة بناء يحتذى حذوها، ويقوم على وفقها ورسم بناء عظيم، وفق تلك الخريطة، بلا تزيد ولاتنقص.

والثانية : عملية التنفيذ الفعلي والتطبيق لما تصوره الذهن ورسمه، تنفيذ له في عالم المادة والواقع الخارجي، طبقا لذلك المصدر المعهود، فكل من سعى لفعل شيء أو تركه في الخارج، فإنه يسعى له بعد تصوره وإدراكه، فغير المتصور لايسعى في فعله، وغير المدرك لايتصور وجوده.

ومن هذا المنطلق والسنة الحتمية، يجري جميع العقلاء لتحقيق تصوراتهم وإبرازها، وإخراجها من عالم المُثل إلى عالم الحقائق الملموسات، بغض النظر عن كون تلك التصورات حقا أو باطلا.

وقد لخص الأقدمون هذا كله في عبارة جامعة وجيزة بليغة، وهي قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره ".

وإذا كان للدافع الداخلي وإداركه كل هذا الأثر في العالم الخارجي وكان ذلك غريزة لا يشعر بها أغلب الخلق، وكانت النتائج المترتبة على ذلك، قد تكون حسنة  وقد تكون سيئة، كان الناس بحاجة إلى تفكير جدي ضروري في تصحيح تلك التصورات الغرزية، حتى تكون ثمارها في الواقع يانعة، واشجارها باسقة وارفة الظلال، يأوي إليها، من اضناه الجوع لتشبعه، ومن لفحته السموم لتظله.

وهذا التفكير الضروري، هو أيضا خاضع لمقاييس البشر التي تختلف في معايير القبح والجمال، والمنفعة والمضرة، والمصلحة والمفسدة، والتفكير السديد من التفكير الأرعن، المنسوج بأهواء وغرائز الناس التي لاتكاد تأتلف على شيء. فأملق الناس إلى سنخ آخر، وركن شديد يأوون إليه، من أهواء مضلة، ومصالح متباينة، ليجنبهم كل ملغ من الأقوال والأفعال، وهنا أدركت عناية الله عز وجل هذا الإنسان المكلف، فأرسل إليه رسله تترى، وأنزل له الكتب، تلخصه، من براثن الهوى والشهوة والمنفعة المتوهمة، وبدأت ببناء كيانه الباطني، وشحنه بقوة موصولة بالله، مستمدة من اسم الله هذه القوة هي العقيدة، التي ستتفجر من مخبوء هذا الإنسان، لتصبح عيونا وأنهارا، تسقي الأفئدة الميتة، وتروي الضمائر الهامدة، لتحيا برحيقها العذب، وزلالها الصافي، وتنمو في أحضان التدرج والسنن المنصوبة المشهودة، ولهذا ركز القرآن المكي على هذا الباطن إصلاحا، وتهذيبا، وتغييرا، وتقويما ورصداً ومتابعة، فاستغرق بناء الكيان الداخلي الذي سيشيد عليه صرح البناء الخارجي، مدة أكثر من مدة البناء الخارجي، للدلالة على أن القوة في الإنسان تأتي من الداخل، وليس من الخارج وان التغيير تال لذلك، يأتي من الضمائر، وليس من  المظاهر فإذا تجدرت هذه القوة في الداخل، ونمت نموا طبعيا، وحضنت حضانة حصيفة، وأخذت من الزاد ما يكفيها، فإنه لن يقف في وجهها قوة خارجية، مهما عظمت وتجبرت، وملكت وتملكت، لأن سنة الله جرت أن العاقبة للتقوى، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون.

ولهذا الملحظ عُني علماء هذه الأمة، وأمناؤها على الوحي بأمر العقيدة، وجعلوها أقدس الأوْلويات، وأمعنوا في تقرير حقائقها، وأجمعوا على تبيان مسالكها، ومعضوا من كل من تنكب سبيلها أو قرر غير مضامينها، ومظوا من ينقر لها عن بديل، فاستنارت الأفئدة لذلك بتوجيههم وتذكيرهم، وقوي الوارع، وقل الرقيب، وانتشرت الامانة بذلك والعفة، وأصبح الخدن يبحث مع خدنه في أمر جامع، لا أمر جامح نازع.

ومن هؤلاء العلماء الذين لهم شرف تقرير حقائق العقيدة العلامة المجدد، الشيخ بديع الزمان النورسي - رحمه الله - الذي جدد ولا شك في مجال تقرير العقيدة من جهات.

احدها : ابتعاده عن جدل  المتكلمين في تقرير حقائق الإيمان، فلم يفتعل معركة بين العقيدة والواقع حتى يحتاج لسيف مسلت، ولا كان غرضه الدخول في معارك لا تكاد تنتهي.

وثانيتها: تقرير حقائق المعتقد بلغة عصره وتقريبها بأمثلة حية من العلوم المادية، التي كان الناس يقدسونها في زمانه، وتعنو لها جباههم، ولذلك يكثر في كلامه، ضرب الأمثلة، بالذرات، والنباتات والحيوانات، والكائنات الحية، والطبيعة.

وهذه كلها مصطلحات علمية، تقرب الصورة ، وتقنع الخصم، وتورث الإيمان باستحقاق الله عز وجل لعبودية العباد، وهذا أعز مطلب.

وثالثها : عدم إبعاد نتائج المعتقد عن تقرير حقائق هذا المعتقد، وهي التربية على الأخلاق والفضائل التي تستمد، من نصوص العقائد، وقد فطن لهذه المسألة المهمة، التي كان كثيرون يغفلونها في الدرس العقدي، فيصبح  بذلك جافا لا رصيد له من الواقع، يخرج منه المتلقي كما دخل إليه، لم يبل ببلاله، ولامش من معناه ما يشفي غليله، فوقعت المسافة والشقة، بين ما يتلقنه الشخص، وبين عمله، فضاع الجهد، ومضغت الحقيقة، فأصبح المسلم بذلك فارغاً يبابا ينطبق عليه قول القائل :

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت      مسافة الخلف بين القول والعمل

ولأهمية هذا المعنى - أعني التخلق بمضامين العقيدة - يكثر الشيخ النورسي من التذكير بجلال الله، وجماله، وإحسانه لعباده، وحكمته في خلقه وكماله، ليلفت نظرنا إلى التخلق بهذه الأخلاق، والتحلي بمداليلها، إنه لايكفي ان نتعلم أن الله حكيم، ولانبغي الحكمة ولانتجللها، كما لايكفي ان نعلم ان الله رحيم ولانرحمُ ولانتراحم، وبهذا ربط الشيخ الايمان بآثاره النفسية والواقعية، واعاد وشائج القربى والتلاحم لجزئيات العقيدة، فأصبحت بذلك منتظمة من كلية، تهيمن وتجمع الأشتات. هذه غاية الجدة التي أغفلت منذ أزمنة سحيقة.

هذه الخصائص الثلاث في تصور الشيخ النورسي للعقيدة ، تشمل عنده: الربوية، والألوهية، والنبوات. ولننصت إليه وهو يقرر هذه الحقائق في هذه الجوانب الثلاث من خلال كتابه « أنا »:

1- الجانب الأول : الربوبية :

يقول المؤلف: "إن في حركة كل ذرة وفي سكونها، يتلمع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان... إن كل ذرة من الذرات، إن لم تكن مأمورة بأوامر الله تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفعله، وإن لم تتحول بعلمه وقدرته، فلابد أن يكون لكل ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حد لها. وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء، لأن كل ذرة... تعمل عملا منتظما في جسم كل كائن حي، علما أن أنظمة الأشياء، وقوانين تركيبها، مخالف بعضها بعضا، ولايمكن عمل شيء ما لم تعلم أنظمته، وحتى لو قامت الذرة بعمل، فلا يخلو من خطأ، والحال أن الأعمال تنجز من دون خطأ، فإذن إما أن تلك الذرات العاملة، تعمل وفق أوامر من يملك علماً محيطاً بكل شيء، وبإذنه وبعلمه، وبإرادته... أو ينبغي ان يكون لها مثلُ ذلك العلم المحيط والقدرة المطلقة » .

هكذا سلك الشيخ -رحمه الله- لإثبات ربوبية الله تعالى لخلقه مسلك الحدوث والافتقار، ومسلك عناية الله تعالى بخلقه، وقد استعمل نوع من السبر والتقسيم في حصر الأوجه، ثم نفي ما لا يمكن منها، لإثبات الممكن، وهو المطلوب، وهو في هذا قد لايخرج عن تقسيمات المتكلمين للموجودات، لكنه أبرز القضية في قالب آخر تفهم به بلا عناء، ولم ينسه في صدد تقرير ما قرره أن يبطل خرافة المصادقة، التي كان الفكر المادي الملحد روج لها بكثرة في زمانه، وأرادوا لها أن تكون حقيقة من الحقائق، ولكنها فكرة ماتت، حيث ولدت، وأثبتت التجارب العلمية المخبرية، سفسطتَها وخيالها.

2- الجانب الثاني : الألوهية

يقول الشيخ - بصدد تقرير هذه الحقيقة - : "بل إن خلق تلك اللطائف والحواس والمشاعر في وجودكم، وإدراجها في فطرتكم، إنما يستند على أساسين اثنين :

الأول : أن تجعلكم تستشعرون الشكر تجاه كل نوع من أنواع النعم التي أسبغها عليكم المنعم سبحانه، أي عليكم بالشعور بها، والقيام بشكره تعالى وعبادته.

الثاني : أن تجعلكم تعرفون أقسام تجليات الأسماء الحسنى، التي تعم الوجود كله معرفتها وتذوقها فردا فردا، أي، عليكم الإيمان بتلك الأسماء ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة، وعلى هذين الأساسين تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغذو الإنسان إنسانا حقا » اهـ 

هكذا قرر الشيخ العبودية الاختيارية التي هي حق الله على عباده بدليل الانعام الذي يبعثه على عبودية فيها محبة واخلاص، لاعبودية فيها كراهة وانتكاس. لأن كمال العبودية، في كمال المحبة للمعبود، والانقياد له ظاهراً وباطنا.

الجانب الثالث : النبوات

يقول الشيخ النورسي في بيان هذه الحقيقة : "إن في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر تيارين عظيمين وكسلسلتين للأفكار يجريان عبر الأزمنة والعصور... احداهما  سلسلة النبوة والدين، والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة، فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين.. استجارت الفلسفة بالدين، وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته... ومتى انفرجت الشقة بينهما...احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة... والآن لنجد منشأ كل من تلكما السلسلتين... فإن سلسلة الفلسفة التي عصت الدين اتخذت صورة شجرة زقوم خبيثة تنشر ظلمات الشرك وتنشر الضلالة ... وبجانب هذه الشجرة الخبيثة- نشات شجرة طوبى العبودية لله، تلك هي سلسلة النبوة، فأثمرت ثمرات يانعة طيبة في بستان الكرة الأرضية ومدتها إلى البشرية، فتدلت قطوفاً دانية، من غصن القوة العقلية أنبياء ومرسلون، وصديقون وأولياء صالحون... وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا « أنا »... إن النبوة تمضى آخذة وجهاً لأنا والفلسفة تقبل آخذة الوجه الآخر لأنا فالوجه الأول الذي يتطلع إلى حقائق النبوة، هذا الوجه منشأ العبودية الخالصة لله، أي إن « أنا » يعرف أنه عبد لله مطيع لمعبوده...هكذا نظر الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من الأصفياء والاولياء إلى « أنا » بهذا الوجه، وشاهدوه على حقيقته هكذا، فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال.... أما الوجه الثاني فقد اتخذته الفلسفة، وقد نظرت إلى « أنا » بالمعنى الأسمى، أي تقول « إن أنا يدل على نفسه بنفسه... » اهـ .

هكذا قرر الشيخ مسلكين في حال بيانهما او اتخاذهما، مسلك الفلسفة ومسلك النبوة، فالمقارنة هنا، وإن كانت لا تصح في ذاتها، إلا أن الغرض بها، هو الوصول إلى إبطال استقلال الفلسفة عن النبوة، ولهذا الملحظ صحت المقارنة، فالشيخ النورسي، هو فيلسوف كبير، قد خبر الفلسفة وعرف أدواءها، وعلم منعرجاتها الملتوية، ولذلك حينما يتكلم عنها يتكلم ، وهو من أبناء دروبها، فقوله فيها قول صادق، وحكمه عليها حكم عادل، وقد قرر بصفاء إيمانه، وبراعة عبارته، أن الفلسفة- يعني عالم الأفكار، للفلسفة بعينها- لابد أن تخضع للدين والنبوة والوحي، إذا أرادت ان تعبر عن انسجامها التام مع الكون كله، فإذ تفلتت من هذا المرض ومن قيوده، فإنها تصبح وحشاً كاسراً، يأكل ويفترس كل ما أتى عليه، وهذا تأكيد منه  على غلط الفلاسفة حينما زعموا استغناءهم عن الوحي والنبوة.

والشيخ لم ينس بيان ما يترتب على كل من النبوة والفلسفة من نتائج واقعية كافية في الحكم على مدى أحقية أحدهما دون الآخر بالاتباع، ولايخفى تشبيهه البارع لهما بشجرتين، ولفوائدهما بالثمار، وبذلك جمع بين متعة الكلمة ورنينها المشوق، وتقرير الحقائق الكلية المعبرة، التي تمر عبر سلاسة العبارة ومنافذها المتفتحة المفعمة بروح جديدة تسري في كيان الأحياء الحقيقيين، وتقوم بها الحجة لله ولعباده على الجامدين المقلدين أو الأموات الهالكين الذين لاتنفعهم الذكرى، ولايتذكرون.(*)

 

___________________________

(*) ندوة الرباط – جهود النورسي التجديدية – المغرب 1999

 

 


8-) النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

د. محمد أمين الإسماعيلي

أستاد العقيدة وتاريخ الأديان

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - بالرباط 

1- النورسية  في مواجهة العلمنة

ولد بديع الزمان سعيد النورسي سنة 1876 وتوفي سنة 1960 فيكون قد شهد ما يزيد قليلا عن الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مع ما يزيد قليلا عن النصف الأول من القرن العشرين. وهذه السنين التي جاوزت الثمانين عاما تعد من الأعوام الخطيرة في تاريخ الشرق الإسلامي.

لقد فتح النورسي عينيه على أحداث تركيا الجسام، وتلمس أمة كبيرة لها هويتها الإسلامية وأصالتها الدينية فخورة بوجودها الإيماني، تزهو به وتنتخر، لأنها وصلت بالإسلام إلى قمة الحياة والمجد، وسادت على الأمم ؛ بفضل عقيدتها، وأصالتها، ثم أصابها المرض الذي يصيب الحضارات الكبرى، فتاهت وصارت تبحث عن نفسها بين التنظيمات الأوربية المستوردة، وبين الأصالة، وفكرة الجامعة الإسلامية، وأصبح دورها مشتتا  بين الطورانية والعلمانية وفصل بين الإيمان والزمان.

في هذا الوضع  المتلاطم الأمواج، كانت تركيا تبحث عن مستقبل جديد لا يعرف طريق الوصول إليه، باهت المعالم غامض الأهداف، مجهول النتائج، فاقد القدوة، فمنذ أن ظهرت المسألة الشرقية، التي كانت عنوانا لخطط أوربا للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي ونهب ثرواتها بمختلف الطرق والأساليب، وممتلكات الخلافة العثمانية توزع كالفريسة التي تنتهك حرمانها بين مفترسيها، وافتقدت القدوة داخل المجتمع التركي الذي غلب  عليه اليأس والفنوط وهو يرى أمجاده تضيع في ثنايا التاريخ الذي لم يعد يقرأه احد أو يتدبر عبره ودروسه أحد وكانت الأمة اجتثت من جذورها نهائيا.

وتلقت الخلافة ضربة موجعة حينما وجهت فرنسا حملتها على مصر واحتل الانجليز الهند، وتوالت النكبات واختلت الأحداث، وتطور مفهوم المسألة الشرقية، وصار معناه العمل على إضعاف القوة السياسية للإسلام.

وهكذا وقعت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت ممتلكات الخلافة الإسلامية العثمانية وكانت الحرب العالمية الأولى قاصمة الظهر ونهاية الخلافة العثمانية التي دافعت عن الإسلام وأهله قرونا عديدة من الزمن.

 هذا فيما يخص العدو الخارجي، أما العدو الداخلي فكان خطره أعظم، وقد تمثل في دعاوى القومية والوطنية التي حولت حركة الجهاد الإسلامي إلى حركة ضيقة دفاعية تجزيئية ، عكس مقاصد الجهاد في العقيدة الإسلامية، وقاد التعصب بعض رجال تركيا الفتاة  و مثقفي البلاد  العلمانيين إلى الإصلاح الدستوري، ثم العمل على القضاء على الخلافة العثمانية وعلمنة تركيا. فظهرت الثورة الكمالية وتفشت العلمانية التي تعادي الدين، ونتج عن ذلك ظهور الشقاق بين المسلمين، وتطورت النزعات القومية والحركات الوطنية في كافة أجزاء الخلافة العثمانية. وقد واكب النهضات الصناعية التي أسست مجتمعات داخل المدن بعيدا عن أعين الحشمة البدوية  والقروية التي كانت تقيم الأخلاق الإسلامية في حياتها، فكان لابد من قيام حركة إصلاح تحفظ هوية الأمة وتصون أخلاقها ضد العلمانية الزاحفة، ومن ورائها المستعمر الغاشم. وهنا برزت النورسية كمصباح مضئ ما لبث ان عم نوره المبارك كافة ارجاء الخلافة . لقد نشأ النورسي نشأة الحامل للأمانة وتربى ليكون رائدا لأمته ومثالا يحتذى به. "ووقف في مقدمة الصفوف وفي أول الخنادق في اسطانبول لايرضى بمغادرتها إلى أي مكان آخر، يؤدي واجبه المقدس ضد المحتلين بأفضل ما يملكه ".

ولم تستطع جميعة الاتحاد والترقي أن تنال من همته أو تفل من عضده  بل سار سيره في ترسيخ المبادئ، وإنشاء العلم بين الناس. فقد كان رحمه الله قد توقع حدوث الكارثة بالأمة الإسلامية والخلافة، "فكثيرا ما نبه المعنيين والمسؤولين من سلاطين وحكام بأن القرن الآتى هو قرن العلم، لذا فإن المدارس الدينية القائمة آنذاك والتي كانت مقتصرة على الدراسات الدينية فحسب، لا تخرج أجيالا من الشباب قادرة على التصدي للمغرمين بالحضارة الغربية ما لم تطعم هذه الدراسات بالعلوم الكونية الحديثة. لذا فقد حذر وأنذر وأعذر في خطبه الكثيرة ومقالاته الجديدة وتآليفه ومقابلاته الشخصية وتجواله في المدن والأرياف.. كل ذلك لإيقاظ الأمة والمسؤولين من هذه الحملة التي طال امدها ومن الكارثة المتوقعة، ولكن صيحاته هذه لم تلق سوى آذانا صما وقلوبا غلفا لا تعي.. حتى وقعت الكارثة" .

2- النورسية والإصلاح العقدي :

نشأت النورسية نشأة اسلامية خالصة، مدفوعة بإيمان عميق، متوجهة إلى أهداف عقدية صريحة لأن العقيدة هي روح الأمة، والطريق إلى إحيائها  فبدأ بديع الزمان النورسي من إصلاح الفكر العقدي، السائد. فإذا كانت مدرسة الجزيرة العربية سنة 1115 قد خلفت أثرا إصلاحيا وهبت ريحها على العالم الإسلامي، فأثارت عواطف الأمة الإسلامية لتهب لإنقاذ نفسها بدينها بعد ان فشلت تجارب القوميات في أوربا وتهاوت الخلافة على مرأى ومسمع من الشعوب المسلمة، بفعل العامل الداخلي الذي ترك الأخذ بالأسباب، والعامل الخارجي المتمثل في تكالب قوى الشر المتعصبة ضد امة الإسلام قد أعقبت قيام هذه الحركة منها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة ما شومي في أندونيسيا، والمودودي في باكستان والمهدي السوادني في السودان، والنورسي في تركيا.

وإذا كانت مدرسة الشيخ حسن البنا تجسد عقيدة سلفية وحركة صوفية أسهمت في خلق ثورة فكرية تجديدية في التفكير الإسلامي، وحملت لواء الثورة ضد الحركات الإستعمارية في المشرق القريب والبعيد، فإن مدرسة الشيخ سعيد النورسي هي المدرسة الأولى التي حملت لواء التجديد في الفكر الإسلامي في تركيا الطورانية، وبخاصة ضد دعاوى الوضعية القومية المتعصبة التي تهاوت في معاقلها في الغرب قبل الشرق القريب والبعيد، وتنامت مع القادم الجديد الذي عبأ تركيا بغيرما كان ينبغي أن تعبأ به فمالت في أوديتها تيارات تبحث بواسطتها عن ذاتها أو هويتها  هل ترتمي في أحضان الدب الأبيض أو تعود إلى ما كانت عليه قبل الإسلام؟ أم تتمسك بدينها فتحفظ لنفسها الوجود الداخلي والإنسجام الخارجي؟ وسؤالنا قبل ذلك هو : ما الذي دفع النورسي لحركته التجديدية في الفكر الإسلامي للحفاظ على تركيا مسلمة؟

يجيب النورسي على هذا الإشكال فيصف  الإنسان التركي بأنه ذلك المسافر الذي أرسل إلى الدنيا لأجل الإيمان، وأن سعيه ينبغي ان ينحصر في البحث عن الذات، وذلك بسياحة فكرية في عالم الكائنات للإستفسار عن خالقه في كل شيء، والتعرف على ربه في كل مكان، وترسخ إيمانه بدرجة حق اليقين، بوجوب وجود الهه الذي يبحث عنه.

ويصور النورسي هذا الإنسان التركي بالباحث الذي يدعو إلى القيام برحلة سياحة ليتفقد أحواله وذلك من خلال أربع حقائق قدسية تستحوذ على الكائنات وتستوجب التوحيد بدرجة البداهة.

أ- الحقيقة الأولى : هي الألوهية المطلقة : وحقيقة هذه العبودية تتلخص في كونها لا تقبل المشاركة معها، لأن الذين يقابلون تلك الألوهية بالشكر والعبادة هم ثمرات ذات مشاعر في قمة شجرة الكائنات، لذا فـإن إمكان وجود آخرين يشدون انتباه الناس، ويجذبونهم إليهم، ويجعلونهم ممتنين لهم وشاكرين، محاولين تنسيتهم معبودهم الحق الذي يمكنه أن ينسى بسرعة لغيابه عن الرؤية ولاحتجابه عن الأنظار-مناقض لماهية الألوهية ومناف لمقاصدها القدسية، ولا يمكن قبوله إطلاقا.

فهو يربط الناس بالسماء دون إبعادهم من الأرض التي تتطلب منهم العمارة وتحقيق الأثر، فكل من ينسي الإنسان مهمته في الحياة يكون قد استغفله وأخرجه عن مهمته مهما كانت الدعوة التي يوجهه إليها.

الحقيقة الثانية : الربوبية المطلقة : والاعتراف بها يقتضي التعلق بخالق الإنسان ورفض الشريك مطلقا فيها، لأن أهم غايات تلك الربوبية وأقصى مقاصدها هو إظهار جمالها، وإعلان كمالها، وعرض صنائعها النفسية، وإبراز بدائعها القيمة. وقد تجمعت هذه المقاصد جميعها في كل ذي روح، بل حتى في الجزئيات، لذا لايمكن أن تقبل الربوبية الواحدة المطلقة الشرك ولا الشركاء إطلاقا.

الحقيقة الثالثة : الكمالات : ومعناها الإتقان للكون  والحياة والإنسان فجميع ما في الكون من حكم سامية وجمال خارق وقوانين عادلة، وغايات حكيمة إنما تدل بالبداهة على وجود حقيقة الكمالات... ويعني شهادة ظاهرة على كمال الخالق سبحانه الذي أوجد هذا الكون من العدم، ويدير أمره في كل ناحية إدارة معجزة جذابة جميلة، فضلا عن أنها دلالة واضحة على كمال الإنسان الذي هو المرآة الشاعرة العاكسة لتجليات الخالق جل وعلا.

الحقيقة الرابعة : الحاكمية المطلقة : وهي النظرة الفاحصة الواسعة إلى الكون، الذي يرى انه بمثابة مملكة مهيبة في غاية الفعالية والعظمة، وتظهر له كأنها مدينة عظيمة تتم إدارتها إدارة حكيمة، وذات  سلطنة وحاكمية في منتهى القوة والهيبة. ويجد أن كل شيء وكل نوع متملك ومسخر لوظيفة معينة. فما دامت الحاكمية الواحدة المطلقة حقيقة كائنة، وهي موجودة ، فلا بد أن الشرك لا حقيقة له ؛ ذلك لأن الحقيقة الجازمة التي تصرح بها الآية الكريمة ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)  تفيد بأنه لو تدخلت أيد متعددة في مسألة معينة وكان لها النفوذ اختلطت المسألة نفسها. فلو كان في مملكة ما حاكمان، أو حتى لو كان في ناحية ما مسؤولان، فإن النظام يفسد ويختل وتتحول الإدارة إلى هرج ومرج .

هذه الحقائق عند سعيد النورسي يريد من خلالها أن يقول : إن على المسلم في كل مكان وزمان أن يقدر موقفه، وأن يعيد بناء نفسه، وبناء حياته الاجتماعية على ضوء المبادئ النهائية، وأن يستنبط من أهدافه، منه التي لم تتكشف بعد إلا تكشفا جزئيا تلك الحاكمية الروحية التي هي منتهى غاية الإسلام ومقصده-والتي بدونها يفقد وجوده الحر الثابت الذي يتخذ منهجه من الدين الحق الذي هو أحرص من العلم على الوصول إلى ما هو في النهاية حق، وإلى صيانة هذا الحق. ويريد أن يقول إن الإنسان العصري وقد أعياه نشاطه العلمي كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحية الكاملة. وقد استغرق في الواقع الآلي الظاهر للعيان فأصبح مقطوع الصلة بأعماق وجوده -تلك الأعماق التي لم يسبر غورها بعد. والحقيقة في نظر الإسلام الحق روحية ووجودها يتحقق في نشاطها الدنيوي، فالمادة لا تكون لها حقيقة ما حتى تكشف عن أصلها المتأصل فيما هو روحاني.

وخلاصة أمر  النورسي يتجلى في أن منتهى غاية الذات ليس أن ترى شيئا، بل أن تصير شيئا، والجهد الذي تبذله الذات لكي تكون شيئا هو  الذي يكشف لها فرصها الأخيرة لشحذ موضوعيتها وتحصيل هوية أكثر عمقا ورحم الله الإمام الغزالي حينما قال : أنا أريد إذن، أنا موجود.

 


9-) خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

كنا دائما نشير إلى عبقرية النورسي وإبداعه الذي جعل معاصريه يلقبونه بديعا، وكنا نشير إلى معادلة يود أن يحقق من خلالها منهجه الصوفي الذي ينكر أي انتساب لطريقة  إلا طريق القرآن والإيمان، ثم  يثبت بحياته و فكره ومنهج تعامله مع  طلابه معالم طريقة صوفية متميزة، فما هي معالم هذا المنهج الفريد المستمد من سيرة حياته والعوامل المؤثرة فيها ومن مؤلفاته وأفكاره؟

أثبتت سيرة حياته تتلمذا على الشيخ القادري عبد القادر الكيلاني  في كتابه " فتوح الغيب "، وقوله "كن طبيبي أيها الشيخ "، كما أثبتت تتلمذه على الإمام الفاروقي السرهندي في كتابه " مكتوبات".

 ونتج عن هذا التتلمذ نـزوع إلى تأسيس طريقته القائمة على " تربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر"، واتخاذ العمل الإيجابي البناء شعاراً دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها.

ونتج  عنه قيادة حركة النور، وانتشارها في واقع المجتمع التركي. كما نتج عنه تأثير في تقويم وتغيير سلوك الفرد لإنقاذه من الصفات الهابطة. وتميز طالب النور بالعيش في المجتمع وقد تطهر من لوثات الضلالة والنفاق لشدة ارتباطه اليومي بالرسائل. وهي دليل عملي على تأثير الرسائل في تقويم السلوك .

كما تميز بالتزام توجيهات أستاذه  القائمة على مجموعة من المبادئ :

1 – توقير الجماعات والطرق فلا تجريح ولا حدة ولا تهور، والاكتفاء بالدفاع مع إظهار روح المصالحة بعيدا عن الأنانية.

2 -  التشدد في مواجهة القسم الفاسد  من الغرب، واستثناء  القسم الطيب النافع.

3 – التزام الطريقة الموافقة لأهل السنة والجماعة، حفظا لحقائق القرآن والإيمان. وسيرا على محجتها البيضاء المنكرة لمطلق الولاية.  والمؤمنة إيمان أستاذها النورسي بأن: "جميع الطرق غير النابعة من القرآن لا توصل الإنسان إلى الحقيقة".

ورغم هذه القيادة الفكرية ينكر اعتبارها مشيخة، ويحيل على رسائل النور "لأن قراءتها أفضل مئة مرة من الحديث معي"(1).هذا ما يعبر عنه بعض المتخصصين في فكر النورسي قوله: " إن رسائل النور ليست طريقة صوفية  بل حقيقة، وهي نور مفاض من الآيات القرآنية، ولم تستق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاصة لهذا الزمان "(2).

كما ينكر في المقابل أية مشيخة إلا مشيخة القرآن العظيم، قائلا: " إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها ..وشمس هذه الكواكب السيارة إنما هو "القرآن الكريم " فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق .. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه" (3).هذا ما يؤكده الأستاذ إحسان قاسم الصالحي مترجم الرسائل قائلا: " لم يكن هناك أي مصدر عند المؤلف سوى القرآن الكريم، فكان يستلهم من الآية معانيها، ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها " (4).

لكنه يوجه المتدبر للقرآن الكريم إلى أن يكون مفسرا وعلامة حقا ومتخصصا في كل علم من العلوم، سواء اللغوية أو الشرعية أو العلوم الكونية. وإلى عدم الوقوع تحت تأثير أذواقه الشخصية، وخلط نهجه واجتهاداته الشخصية بتفسيره، حتى تبقى الحقيقة صافية نقية لا شائبة فيها. 

من هذا النور القرآني نتلمس معالم صوفية النورسي البيانية، متلونة بعبقريته وإبداعه، غير محتاجة لشيخ أو مرشد. إنها بيانية  صادرة عن مجادلة هائلة بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه، إذا قلت إن لغتها قد أشكلت على فهمك، فإن النورسي يقرّ بها، ويلتمس لها عذرا  قائلا: " لا تظنن أني باختياري أشكلتُ عليك عبارة هذه الرسالة، إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش،  والكلمات إنما تولدت في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيها الأنوار مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا، إذ سلكت طريقا غير مسلوك، في برزخ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود " (5).

من هذا النور القرآني البياني نعود إلى فرضية صوفيته، واقفين حائرين أمام هذه المعادلة  التي ترجح حينا بُعده عن الصوفية أو المشيخة أو الانتساب إلى طريقة، وتعضدها  مواقفه وآراؤه في الرسائل، ثم ترجح حينا آخر منهجه الصوفي البياني المبدع  الفريد " تقديرا للتصوف ورجالاته، واقتداء بسلوكهم زهدا وذكرا ومناجاة، ومحبة  ومعراجا وحفظا لحقائق الإيمان.

هذه  شربة من نبع  بديع  الزمان النورسي، تزداد معها شوقا إلى المزيد حتى  ترتوي من نور رسائله وتدرك البون الشاسع بين من يدب في  الأرض، ومن يعرج إلى السماء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

______________________

(1) ملحق اميرداغ / 2 ص 394.

(2) قسطموني ص 202.

(3) المكتوبات ص 457 .

(4) بديع الزمان النورسي ص 150 .

(5) المثنوي العربي النوري 35.


10-) ضرب الأمثال والمجاز في كتابات سعيد النورسي

ضرب الأمثال والمجاز

في كتابات سعيد النورسي

أ. د. جيـن سـمث(1)

يتميز النورسي باستخدامه كلا من القلب والعقل والخيال والفكر في كتاباته. وتعد هذه الميزة، أي قدرته على التعبير بكلمات صريحة ولكن ثرية من حيث قوتها الرمزية والدلالية، من العوامل التي أدامت أثره طوال القرن العشرين إلى يومنا هذا، بحيث مازال يعتبر من كبار دعاة الإسلام ومفسري القرآن. فالذي يقرأ رسائل النور يحس بنار الشوق التي تحرق في قلب النورسي، ويفهم تعليماته، ويتذوق الحقيقة مثله من خلال تصويرات وعبارات حية بل ودهاشة أحيانا. ولما كان النورسي مفسرا للقرآن فهو بطبيعة الحال يريد أن يبين أغمض المسائل القرآنية إلى أبسط الناس، فأصبحت الرسائل تزخر بشتى أنواع التمثيل و المجاز والحكايات التمثيلية.

تقول مترجمة حياة النورسي، السيدة شكران واحدة " إن هذه التمثيلات تجلب وتشد أنظار القراء، كما أنها في الوقت نفسه تيسر لهم فهم أمور لم تكن لتستسغيها عقولهم. وهذه الميزة سبب هام في انتشار رسائل النور وانتصاراتها المتتالية في حقل الدعوة ".

تعتبر التمثيلات والصور التي يرسمها النورسي وهو يصف الحياة والموت والقبر وما بعده في نظرنا من أقوى وجوه التمثيل والتشبيه التي يمكن للقارئ أن يعثر عليها في الرسائل. بيد أن كلمة " يصف " في هذا المقام لا تعكس تعاليم  النورسي حول هذه القضايا المصيرية كما ينبغي. ذلك أن همّ النورسي ليس هو وصف الموت أو البرزخ أو القيامة على الطراز الذي نجده في الكتب الإسلامية التي تناولت هذه المواضيع سواء كانت القديمة منها أم الحديثة. ولا هو يكترث بأن يصف لنا أحوال الحشر والقيامة، تلك الأحداث الهائلة التي يكرر ذكرها القرآن، كما هي موصوفة في كتاب الله، رغم أن ذلك الكتاب كان سلوانه الوحيد، لم يتخذ أستاذا غيره ولم يعتمد في برهانه على شيء ما عدا آياته. كان دأبه في الوصف دأب كتّاب العصر الحديث الذين ركزوا على الأخلاق والإيمان، ولم يبالوا بتفاصيل وجزئيات أطوار الحياة  والموت.

لكن اعتماد النورسي في هذا الصدد على تمثيلات تشير إلى حالات روحية ونفسية، عوض أن تشير إلى حقائق خارجية جعله ينفرد بأسلوب  يميزه عن معظم معاصريه.

كانت ومازالت التشبيهات والتعابير المجازية إلى يومنا من الإجراءات المتبعة في الوعظ منذ قديم الزمان، والعهد القديم من الكتاب المقدس بما يحتوي عليه من ضرب الأمثال أحسن دليل على ذلك. فإذا كنا نريد أن نكشف عن سر قوة التمثيلات عند النورسي يجب علينا أن ندرك بأن النورسي إنما يتبين هذا الأسلوب لأغراض تعليمية، تهدف إلى الوعظ لا الوصف. وأكثر ما يهدف إليه هذا الوعظ هو: مقابلة الكفر بالإيمان ثم إظهار الفرق والتغاير بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن في هذا الوجود.

قد يجد القارئ أن بعض هذه التشبيهات والتمثيلات تتكرر في مواقع كثيرة بينما يتكرر لا البعض الآخر إلا قليلا. والنورسي يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة بحيث كانت ترد إلى قلبه " كاللمعات " لكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حجم كليات رسائل النور ليس بضئيل وأن النورسي كان يكتب لمخاطبين شتى وفقا لاختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، يتيسر لنا فهم سبب تكرار مباحث الموت والقبر في كتاباته.

ولم يكن للنورسي أن يختار الأسلوب ولا الظروف التي يكتب فيها، وهو يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة، وأنها كانت ترد على قلبه كاللمعات الخاطفة. فلو أخذنا مثالا السرعة التي كتبت فيها رسالة المرضى، والظروف المزعجة التي كتبت فيها رسالة الشيوخ لما عاتب الواحد منا النورسي على هذه التكرارات. سبق أن قلنا بأن ما تميز به النورسي هو تمكنه من المقايسة الصائبة بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن بحيث لا يصعب علينا أن نرى بوضوح الفرق والتباين في فكر النورسي بين الإنسان المؤمن والإنسان الذي لا يؤمن إلا قليلا، أو الذي يكاد سلوكه ينافي مقتضيات الإيمان والدين تماما. لذا قليلا جدا ما تراه يدع حظا لوجه التشابه بين الناس حين يصف الموت والقبر لأنه كان يؤمن إيمانا جازما بأن مفهومنا لتلك الحالتين يتفاوت ويتغاير حسب درجة اعتقادنا وإيماننا بالله وإخلاصنا له. ويجدر بنا أن نشير هنا بأن النورسي كان على وعي بمعضلات الحياة الدينية كما كان يدرك أسرارها، فهو بهذه المقايسات بين الإيمان وضده لا يصر بأنه يسعنا أن نقسم المشاعر والنوايا الإنسانية إلي قبيح وحسن كما تقسم الغرفة بفاصل. إن النورسي يعترف بأن الأمر ليس بهذه البساطة إذ يعلمنا بأنه هو نفسه قد فشل في إقامة بعض تعاليم القرآن على الوجه المطلوب في مناسبات عديدة. بل وحتى وصل به الأمر إلى أن يصف نفسه بالمذنب، المكفّن داخل قبره  راجيا رحمة ربه.

إن ما يجعلنا ننجذب إلى كتابات النورسي ليس هو التزامه وتعهده برسالاته فقط، بل محاورته نفسه فيها كأن إلحاحاتها تخصه هو بالدرجة الأولى. وفعلا أن الواحد منا وهو يقرأ للنورسي حين يتكلم عن تقدم سنه وعن الموت الذي ينتظره ليحسّ بأنه ينصت للنورسي وهو يخاطب نفسه. نعم، لقد كان النورسي يدرك بأن الموت بطبيعته شيء مرعب يذعر البشرية بأكملها، لذا لم يتقزز من أن يرشّح نفسه مع الذين يحتاجون إلى السلوان أمام وجه الموت المخيف و مع من هم في حاجة ماسة أن يقنعوا بوجهه الحسن الباعث على الأمل.

يزخر التراث الإسلامي بالكتب التي تبحث في أمور الآخرة والحشر. وكثير منها تلك التي تصف تفاصيل وجزئيات أطوار الموت وما بعد الموت إلى يوم الحشر، تبين فيها كيف أن كلا من تلك الأطوار يعكس نتائج ما قدمه شخصا ما وهو في الحياة من جهة، وتنبئ عما سيكون عليه ذلك الشخص يوم الحساب من جهة أخرى. يختلف النورسي عن هؤلاء في تصويره لهذه المسائل لأنه كان يؤمن بأن أطوار وأحوال الموت والقبر كما سبقنا وأن قلنا، تتعلق مباشرة بعقيدة الناس ودرجة قوة إيمانهم. فبينما هي تبدو مناظر مخيفة وموحشة، فإنها تبدو لصاحب الإيمان وكأنها جنان ترحب.

__________________

(1) استاذة في جامعة هارفورد بأمريكا.


11-) أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

الأستاذ حسين عاشور(1)

إذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج البشرى الأسمى للأخلاق ، وهو القدوة الكبرى للبشرية في هذا الصدد ، فإن من الطبيعي أن يحاول كل مسلم أن يتحلى بما أمكنه من شمائل الأخلاق المحمدية ، ولاشك أن المصلحين والدعاة وأهل العزيمة أكثر حرصاً على التحلي بما أمكن من تلك الأخلاق ، وهكذا فإن الشيخ بديع الزمان سعيد النورسى - ذلك المصلح الكبير – من أكثر الناس حرصا على التحلي بما أمكن من تلك الشمائل ، ولاشك أن نجاح النورسى فى دعوته ووصول رسائله وأفكاره إلى عدد هائل من البشر في تركيا وخارجها يرجع فى جزء كبير منه إلى تحلى الرجل بعدد من الصفات الأخلاقية التي أعطته المصداقية والقدرة على الوصول إلى قلوب الناس، وأعطته الصلابة والقدرة على الصبر على ظلم الظالمين وتعسف السلطات معه في بعض الأحيان. ولأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة في الأخلاق للشيخ النورسى - كان خلقه القرآن ، فإن شمائل الشيخ النورسى مستمدة بدورها من القرآن الكريم ، ولعلنا إذا ما تتبعنا مواقف حياة الشيخ النورسى، وكذا أفكاره وآراؤه واجتهاداته التي اشتملت عليها رسائله نجد أن الأخلاق القرآنية تهيمن على جزء كبير من أفكاره وممارساته على حد سواء، ومن الصعب بالطبع تتبع كل تلك الآثار في مؤلفاته ومواقفه وسيرته ، لأن ذلك يعنى أن نتكلم عن كل شئ تقريبا وكل يوم وكل فكرة ، لأن الأخلاق القرآنية تسرى في كل ذلك سريانا خفيا وظاهرا وشاملا ومستمرا ، ولهذا السبب فإن تركيزنا على بعض المواقف والأفكار سيكون مجرد ضرب نماذج أو اختيار بعض الفاكهة من بستان كبير ، ولا يعنى هذا أن تلك المختارات التي سنقف عندها هي أفضل الفاكهة وأعطر الزهور في بستان الشيخ النورسى، بل هي مثل غيرها الكثير مجرد قطفات سريعة ووقفات أمام خضم هائل من المواقف والأفكار الأخلاقية .وفى الحقيقة فإن الشيخ سعيد النورسى نفسه يلفت نظرنا إلى حقيقة تأثره الأخلاقي والفكري بالقرآن الكريم، قائلا"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري ولا تعود إلى أبدا إنما للقرآن وحده، وقد ترشحت من زلال القرآن" .وقياسا على ذلك فإن مواقف الشيخ سعيد النورسى وحياته ما دهى إلا رشحات من القرآن الكريم .

*  *   *

واجه الشيخ سعيد صعوبات جمة في حياته ودعوته، وقد تنوعت تلك الصعوبات تنوعا كبيرا بدءاً من ظروف شديدة الصعوبة ظهر فيها الشيخ سعيد .. كان المنحنى الحضاري الإسلامي في ذلك الوقت في أسوأ مراحل نـزوله، وكانت القوى الدولية تتآمر على الإسلام والمسلمين، وكانت الخلافة العثمانية تسقط، وكان العلمانيون والدنيويون ودعاة تنحية الإسلام والثقافة الإسلامية والشرع الإسلامي لهم الكلمة الأولى والأخيرة في كل المجالات تقريبا بما فيها المجال الثقافي، أي أن الضغط كان هائلا، ومع ذلك ورغم ذلك بل رغم حالات التعسف الواضحة ضد الشيخ من نفى وسجن وشائعات وحصار، رغم كل شئ نجح الشيخ سعيد النورسى في الصمود،وتوصيل دعوته وكلماته، وهذا يعنى أننا أمام مصلح يتمتع بصفات أخلاقية نادرة، يتمتع بالصبر والثقة في الله،يتمتع بالصلابة والتجرد، يتمتع أيضا بالإخلاص وعدم الرياء، يتمتع بالتجرد وعدم الطمع، يتمتع بما يجعله أهلا لأن يواجه قوى عاتية كبيرة متنوعة داخلية وخارجية، وهو الذي لا يملك إلا قلبه وعقله ولسانه ولا شئ أكثر!!.. يقول الأستاذ مصطفى صنغور أحد ملازمي الإمام في تلك الأيام الصعبة: إن المنظمات الإلحادية السرية كانت تستهدف إزالة الشعائر الإسلامية ورفعها الواحدة تلو الأخرى، وطمس روح الإسلام في الأمة التركية التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون بل منذ عهد العباسيين، ولتحقيق هدفهم هذا بدءوا بتنفيذ خطة تنشئة جيل يقوم بنفسه بعد ثلاثين سنة بإزالة القرآن ونـزعه من القلوب، وفعلا بدأوا بتنفيذ خطتهم هذه ونجحوا في قطع روابط هذه الأمة بالإسلام وسعوا لها بشتى الوسائل، فالقضية إذن ليست قضية جزئية موضعية، بل هي قضية عامة شاملة تتعلق بإيمان الملايين من أبناء الجيل المقبل وتتعلق بالحياة الأبدية لشعب كامل .. شعب الأناضول حيث شهدت تلك الفترة تحولات رهيبة ودماراً فظيعاً، وعداءً شرسا للإسلام والقرآن، ونسى التاريخ المجيد لهذه الأمة البطلة حتى دفعت تلك المنظمات الإلحادية الجيل الناشئ - ولا سيما طلاب المدارس - إلى نسيان ماضي أجدادهم الملئ بالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وذلك بكلام براق في الظاهر لكي يقطعوا صلتهم بالإسلام حتى هيأوا جوا ملائما لإقرار نظام إلحادي سافر. فينبغي وضع تلك الأيام الحالكة القاسية الرهيبة نصب العين لدى دراسة دعوة الأستاذ النورسى وخدمته للقرآن والإيمان". وهذا الكلام من الأستاذ مصطفى صنغور يدل دلالة قاطعة على أن صفات الأستاذ النورسى الأخلاقية كانت عالية جدا وإلا لما استطاع مواجهة تلك الظروف الحالكة القاسية الرهيبة!!..

*  *  *

اهتم الأستاذ النورسى بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت. وفى هذا الصدد فإنه يقتفى أثر الصحابة الذين كان بعضهم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يقعوا فيه. ومن هذه الصفات الأخلاقية السلبية من دسائس شياطين الإنس والجن مثل حب الشهرة، وذلك لصرف خدام القرآن عن ذلك العمل المقدس وذلك الجهاد المعنوي الرفيع، وإفساد الإخلاص وإحباط العمل ومن ثم الفشل في النهاية .وهو هنا يكشف عن جانب حقيقي في شخصيته دون أن يتحدث عنه، وهو التجرد والإخلاص والترفع عن الجاه والشهرة، ولاشك أن ذلك كان أحد أهم عوامل نجاح دعوته ووصولها إلى قلوب الملايين. وثاني هذه الصفات هي الشعور بالخوف، ويرى الأستاذ النورسى أن الطغاة والظالمين الماكرين يستغلون كثيرا هذا الشعور لدى الإنسان فيلجمون به الجبناء، ويستفيد كثيرا جواسيس أهل الدنيا ودعاة الضلال من هذا الشعور لدى العوام، ولاسيما لدى العلماء، فيلقون في روعهم المخاوف ويثيرون فيهم الأوهام بمثل شخص محتال، يُظهر لأحدهم ما يخافه - وهو على سطح دار- فيثير أوهامه، ويدفعه تدريجيا إلى الوراء حتى يقربه من الحافة، فيرديه على عقبه فيهلك، كذلك يثير أهل الضلالة عرق الخوف حتى يدخل بعضهم في فم الثعبان لئلا تلسعه بعوضة .ولاشك أن تمتع الأستاذ سعيد النورسى بعكس صفة الخوف -وهى الشجاعة والإقدام والثقة في الله كان عاملا هاما من عوامل نجاح دعوته، وهى بالتأكيد صفة أخلاقية قرآنية،ومن المفيد هنا أن نذكر حادثة تؤكد شجاعة الأستاذ النورسى ذلك أنه عندما احتل الإنجليز استانبول ودمروا لمدافع في المضيق، سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليزية من المشيخة الإسلامية ستة أسئلة، وكان الأستاذ سعيد في ذلك الوقت عضوا في دار الحكمة الإسلامية فقالوا له : أجب على أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون، فقال لهم: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة بل بصقة واحدة، لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقنا وأخذت بخناقنا ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور .ومن الطبيعي أن موقفا كهذا كان يمكن أن يجر الهلاك والمشقة على الأستاذ النورسى، ولكنه كان يؤمن بأن الشجاعة خلق إسلامي رفيع ينبغي الأخذ به في كل الأحوال،بل أكثر من هذا كان يؤمن أن الشجاعة تنجى من المهالك بعكس الجبن، فهو يقول :إن أكثر من يجرح ويصاب في الحروب هم الذين يهربون، وأن أقل الجنود إصابة هم أولئك الثابتون في مواقعهم، فالآية القرآنية الكريمة تقول :" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "وهى تشير بمعناها الإشاري إلى أن الفارين من الموت يقابلونه أكثر من غيرهم .والصفة السلبية الثالثة هي الطمع، ويرى الشيخ النورسى أن الشياطين يقتنصون الكثير بشباك الطمع، يقول الشيخ سعيد :"الرزق مقدر بالقدر الإلهي، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولذا يجب أن يكون الرزق حلالا، والسعي له مشروعاً بدون إراقة ماء الوجه، وأن الاطمئنان بالقناعة يديم الحياة ويضمن الرزق أكثر من المرتب" . ولاشك أن الشيخ النورسى قد ضرب المثل العالي في هذه الصفة، فقد كان زاهدا، لا يطمع في شئ من حطام الدنيا وتعالى دائما على اللهاث من أجل المال، وكان مثلا يحتذى في رفض تلك الصفة السلبية - الطمع - والتحلى بعكسها وهو القناعة . والصفة الأخلاقية السلبية الرابعة هي التعصب والعنصرية،والشيخ سعيد النورسى هنا يفند أفكار دعاة القومية التركية، ويعتبرها عملا من دسائس الشيطان لأنها تأتى على حساب الانتماء الإسلامي، وبديهي أن الشيخ سعيد النورسى وهو الكردي الأصل كان يعكس الانتماء الإسلامي والإنساني الواسع الفسيح، فوجه دعوته الإصلاحية للكرد والأتراك والعرب وغيرهم على حد سواء، وكان يرفض دعاة العنصرية والتعصب للقومية التركية أو الكردية أو أى قومية عنصرية. والصفة الأخلاقية السلبية الخامسة هي الأنانية والغرور،ولاشك أن الشيطان يدفع الإنسان إلى الفساد والإفساد وتخريب الأرض عن طريق إثارة نـزعة الغرور والأنانية فيه، ولاشك أن الشيخ سعيد النورسى قد تخلى عن الغرور والأنانية وإلا لما وصلت أفكاره إلى هذا العدد الهائل من الناس، حيث إن المغرور والأناني لا يمكن أن يصل إلى قلوب الناس مهما كانت درجة ذكائه إلا في حالات استثنائية وهى مؤقتة سرعان ما تتلاشى … أما استمرار الأجيال وتواصلها في الاقتداء بالشيخ النورسى يدل دلالة قاطعة على نفسية بسيطة غير مغرور وعن أنا غير متغطرسة. يقول الأستاذ النورسى: إن أخطر جهة من الأنانية هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصا لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل. والصفة الأخلاقية السلبية السادسة هي حب الراحة والدعة، ولاشك أن الشيخ الأستاذ سعيد النورسى قد تمتع بعكس هذا الخلق السلبي، لا يركن إلى الراحة والدعة، بل شديد الحماس والنشاط وبذل الجهد في سبيل خدمة العلوم الإسلامية أو الدفاع عن حقائق الإسلام أو فضح أفكار الظالمين والملحدين، ويرى الأستاذ سعيد النورسى أن هناك طرقا شيطانية عديدة لفتنة الإنسان ودعوته إلى الدعة والراحة وصرفه عن الحماس والنشاط، ويؤكد الأستاذ النورسى على أن الإسلام يحض على الصبر والنشاط والهمة لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ". وهكذا فإن الشيخ سعيد النورسى كان يتمتع بحق بالصفات الأخلاقية الإيمانية، وهى أخلاق قرآنية في جوهرها، وهكذا فإن أخلاق سعيد النورسى كانت أخلاق قرآنية. (*)

 

___________________

(1) المشرف العام لمجلة المختار الإسلامي، القاهرة

(*) المؤتمر العالمي السادس لبديع الزمان سعيد النورسي


12-) مقدمة كتاب الرجل والاعصار

مقدمة كتاب الرجل والاعصار

الأستاذ الدكتور عمّار جيدل

الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين،وبعد  

المترجَم له بهذا الكتاب ليس عالما عاديا فضلا عن أن يكون رجلا عاديا، والتعامل مع أمثال هذا العالم الفذ، يقتضي حضورا قلبيا وعقليا في تواكب وتناغم، إذ التعامل معه بأحد المنطقين يضيّع الحقيقة المفردة (غير قابلة للتجزئة) المكوّنة لرسائله المعروفة برسائل النور ويضيّع الخطوط الرئيسة في فهم شخصيته .

إنّنا أمام شخصية متكاملة تقطر إخلاصا وتتّقد ذكاء ودقة تحليل وتنبجس أفكارا في حيوية لافتة للانتباه، إنّنا أمام عَلَم يعتصر قلبُه ألما لما آل إليه أمر أمّتنا، ويتدفّق حيوية في تلمّس مسلك إخراجها من أزمتها، أزمة اختصرها رحمه الله في الخطر الذي يتهدد الإيمان في العصر الراهن. إنّه خطر يرغب في اجتثاث الإيمان من الجذور. ولا شك أنّ طبيعة الأزمة الراهنة لا تختلف عما ذكره الأستاذ رحمه الله، ومن هنا ما زال تحليله حريا بالعناية من جهة وقابلا للاستثمار في صناعة الحاضر والمستقبل وفق ما تحدّده مطالب الإيمان من جهة أخرى. جعل بديع الزمان إنقاذ الإيمان  وصدّ الإلحاد مقصدا رئيسا في رسائل النور؛ فكان رغم الصعاب المتمثّلة في المراقبة التي لا تغادره يتحيّن فرص تبليغ ذلك المقصد النبيل؛ فكان يتجاذب الحديث مع من وفّقوا إلى لقائه، ويخاطبهم حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة. فينصبّ حديثه مجملاً حول أهمية الإيمان في الوقت الحاضر، وكان يصرّح بملء فيه بأنّ القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن .

واعتبر رحمه الله أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد، وحماية الإيمان وإنقاذه حماية لأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لهذا فالمرافعة مطلوبة حتى بمنظور وطني، لأنّها وطنية صادقة، ترمي إلى حماية البلاد والعباد من الوقوع في مخالب الأمراض القاتلة كالكفر والإلحاد اللذين هما أخطر من الطاعون والسل.

 الإيمان الفاعل أقوى من صولجان السياسة، وبرنامج مكثّف يسع الحياة كلّها، إذ لو كانت لنا مائة من الأيدي لما كفت في حمل النور المنبعث من الإيمان، ذلك الإيمان الذي كان وسيبقى أساس مسلكنا الحاث على الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين (نعمل عملاً إيجابيا بناءً)(1).

يهدف بديع الزمان النورسي في إطار إنقاذ الإيمان إلى المصالحة بين المدرستين الدينية والحديثة، والتأسيس لأقصر طرق الفعالية الإيمانية، والبرهنة العملية بالحال (قبل المقال) على أنّ رسائل النور مصدر قيم الخير وصدّ الشر، وأساس التواصل الإسلامي والإنساني، زيادة إلى كونها طريق تحقيق الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبّة وإعلاء كلمة الله التي هي أساس الشكر والعبادة، والتأسيس القلبي والعقلي للشفقة والمحبّة، إنّنا أمام مسلك يؤكّد أنّ الإيمان يعطي الحياة معنى، يدفع الأمراض الاجتماعية، وينقذ الإنسان ويستجيب لحاجاته، ويسعفه على تجاوز الهلاك ويليّن قلبه ويبعث الصلة بين إيمانه وأخلاقه، فتظهر في تصرّفاتنا الأخوة والمحبّة والتضحية الاتّحاد .

إذا أردت دليلا عمليا تطبيقيا على حسن تلك الأهداف ونبالتها وسبل تمثّلها؛ فإليك الدليل بالحال قبل المقال، الفرصة سانحة، اقرأ سيرة هذا الرجل الفذ، ولكن لا تقرأ سيرته قراءة الرواية أو قراءة جافة مجرّدة، بل ينبغي المزاوجة بين حضور القلب والعقل وصدق التوجّه في التعرّف على سيرته، تيسيرا لاستيعاب تلك السيرة العطرة وتمكينا لفهم ظروف ولادة ما جادت به قريحة هذا الرجل من جهة، وأهمية أفكاره في فهم الماضي واستيعاب الحاضر والتخطيط الجيّد لصناعة المستقبل من جهة أخرى .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل (*)

_________________________

(1) السيرة الذاتية لبديع الزمان النورسي

(*)مقدمة للأستاذ الدكتور عمّار جيدل على كتاب ( الرجل والاعصار ) سيرة ذاتية مختصرة لبديع الزمان سعيد النورسي لاحسان الصالحي

 

 


13-) مقدمة رسالة الآية الكبرى

مقدمة رسالة الآية الكبرى

الدكتور محسن عبد الحميد

يتقدم "النورسي" في هدوء ذكي، ليأخذ بيد طالب الحقيقة في جولة رائعة، شاسعة هائلة، كي يفتح له فيها مغاليق عقله وقلبه، ويوقفه أمام لوحة الوجود، وجمالها الأخاذ ومظاهرها البديعة، بادئاً رحلته الكونية من عجائب الآفاق العلوية الى مدهشات الكائنات السفلية، سابراً غورها، واصفاً اتساقها وتوازنها، ولوحاتها الفنية الرائعة، التي تأخذ بالالباب وتضرب على أوتار القلوب، فتوقظ الغافل، وتنير بصيرة الذاهل، وتأخذ بيد الجاهل، الى عالم من حقائق العلم والمعرفة في اطار السببية الحاسمة، والغائية العميقة، والتخطيط الكوني الشامل الجامع الذي يقطع بوجود الخالق العظيم الذي تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن.

كل ذلك باسلوب شاعري خصب، بعيداً عن قيود المصطلحات الكلامية، وجمود المقدمات الفلسفية التي تزيد في الحيرة، دون ان تنقذ في عصرنا هذا عقيدة، او تبني ايماناً، او تدخل اشراق الروحانية الإسلامية المتزنة في كيان الانسان المسلم.

تستهل الرسالة بتنبيه مهم ومقدمة توضح ورطتين تزعزعان اليقين الإيماني وسبل النجاة منهما.

وفي الباب الأول: براهين الوجود تبدأ بدلالة السموات والجو وكرة الأرض والبحار والانهار والجبال والصحارى بجميع ما فيها وما عليها وانواع الاشجار والنباتات المسبحات وانواع الحيوانات والطيور وشهادتها على التوحيد واجماع الانبياء بمعجزاتهم و اتفاق الاصفياء ببراهينهم واجماع الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم واتفاق الملائكة والعقول المستقيمة والقلوب السليمة وحقيقة الوحي والفرق بين الالهام والوحي وماهية الالهام ودلالات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم وبيان عظمته ودلالة الكون بحقيقة الحدوث والامكان وبحقيقة التعاون ودلالة مقام المعرفة الحضورية بحقيقة الفعالية المهيمنة على الكون وبحقيقة التكلم الالهي

وفي الباب الثاني: براهين التوحيد تتضمن حقائق الالوهية المطلقة والربوبية المطلقة و الكمالات والحاكمية المطلقة ثم حقيقة العظمة والكبرياء وظهور الافعال الربانية ظهوراً مطلقاً وحقيقة الايجاد والابداع وكلية الموجودات وظهورها معا والانتظام الاكمل ووحدة المواد ثم حقيقة الفتاحية و الرحمانية و التدبير والادارة و الرحيمية والرزاقية.(*)

____________

كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:320 الحاشية

 


14-) إعجاز القرآن في رسائل النور

إعجاز القرآن

في رسائل النور

أ.د. محسن عبد الحميد

جامعة بغداد - العراق

لا شك أن دراسات كثيرة في إعجاز القرآن قد سبقت النورسي ابتداء من الجاحظ، مرورا بابن قتيبة والرماني والواسطي والخطابي والباقلاني، ثم وصلت هذه الجهود المثمرة إلى نحوي كبير صاحب ذوق رفيع في فهم الأدب عامة والإعجاز القرآني خاصة، فصاغ منها نظرية إعجازية متكاملة، سميت بنظرية النظم في كتابيه النفيسين "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز".

هذا النحوي الكبير هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي شرح وجهة نظره شرحا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على أساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه، وبين الشكل والمضمون، وقرر أن إعجاز القرآن في نظمه، لا في الكلمة المفردة بمعناه القاموسي، ولا في مجرد المعاني دون تصوير الألفاظ لها تصويرا مناسبا.

وبناء على ذلك فقد عرّف النظم بأنه تعليق الكلم بعضه على بعض وجعل بعضه بسبب من بعض، أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه عـلم النحو، وتعمل على قوانينـه وأصوله وتعرف مناهجه ولا تزيغ عنها (1).

ولا أشك أن الأستاذ النورسي قد أطلع على ذلك التراث كله في الكتب البلاغية التي درسها، والتفاسير التي مرّ بها ولا سيما نظرية النظم. فقد بدأ بتأليف تفسير في بدايات حياته أراد أن يطبق تلك النظرية تفصيليا شاملا على آيات القرآن الكريم، من حيث المباني المترابطة مع المعاني، سواء في المعارف اللغوية أم العقلية أم الذوقية، الكلية منها والجزئية. والتي اعتمد عليها في الكشف عن أسرار المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الأسلوب القرآني.

والحقيقة التي نتلمسها في دراسات النورسي الكثيرة عن إعجاز القرآن في رسائل النور، أنه لم يقيد نفسه بالنظم في ضوء كلام الجرجاني عنه، وإنما وضعه في دائرة أوسع تتلاءم وتتناغم مع القراءات الثلاث لتجليات الأسماء الحسنى في القرآن الكريم "نصا وكونا ورسولا" فاظهر النورسي بناء على ذلك أن إعجاز القرآن بحر لا ساحل له، بحيث إن كل أحد من الناس وإن كل أحد صاحب اختصاص من العلماء والأدباء والمفكرين، يأخذ حظه من ذلك الإعجاز، وهذا هو الذي تحقق اليوم.

وقد دخل بعبقريته الفذة وأسلوبه الرشيق وذوقه الجمالي في ذلك البحر العميق الواسع بحيث جعل منه بتكامليته وتوازنه وشموليته، مدار صراع فكري، أودعه ليس فيما كتب من بحوث مباشرة محدودة عن إعجاز القرآن، بل جعل منه نسيجا باطنا وظاهراً لرسائله النورية المائة والثلاثين.

فإن قلت إن رسائل النور كلها هي رسائل في إثبات إعجاز القرآن بجميع وجوهه ما بالغت في ذلك، بل قد أصبت الحقيقة.

لقد أهتم النورسي في دراساته الشاملة هذه بمستوى الأداء اللفظي ومستوى الأداء التركيبي، ومستوى الأداء المعنوي، فربط بينها ربطا محكما كأنه يقدم أرقى "سيمفونية" تضرب على أوتار القلوب وتفتح مغاليق عقول أشد المعاندين المنكرين بأحقية إعجاز هذا الكتاب الكريم.

وأحاول في الفقرات الآتية أن ألخص بعض ما كتبه النورسي عن وجوه إعجاز القرآن.

ـ إيصال نظرية النظم من تحليل الجملة المفردة إلى المترابطة في الموضوع الواحد والسورة الواحدة والقرآن كله، بدءاً باللفظة مع اللفظة والآية مع الآية والسورة مع السورة، محاولا التغلغل في معاني الآيات ومبانيها. حيث أراد بناءها تفصيلا على تجليات الأسماء الحسنى في عالم العقيدة والدعوة والسلوك والصراع الفكري والحضاري.

ـ أسلوب القرآن يتفوق على الأساليب كلها عند الموازنة، لأنه يخاطب الكينونة الإنسانية، عقلا وعاطفة نفسا وروحا. وهذه المخاطبة الشاملة الموحدة، التي قُدِّمت في إطار صياغة بيانية رفيعة، تفيد العقل تغلغلا في الكون وإدراكا لنظامه الدقيق، والقلب في إحداث تأثير ذلك التغلغل في السلوك، والنفس في تطهيرها من آفاتها الكثيرة، والروح حيث تنتعش بتذوق جمال التعبير في النص والإنتشاء بعنصر الجمال في الوجود.

ـ وفي حدود المعالجات الجزئية في بيان مستويات التعبير يؤكد النورسي كثيرا على النغم الذي يجمع بين الألفاظ الخفيفة والثقيلة، والمهموسة والمجهورة في آية واحدة، فلا تحس بها وأنت تقرأها، وكأن ألفاظ الآية تسير حسب سياق واحد في الجرس والنغمة(2).

ـ يعد النورسي التكرار في القرآن الكريم ذكرا ودعاء ودعوة، فالذكر يُكرر والدعاء يردد والدعوة تؤكد. ثم إن التكرار يناسب الحاجات النفسية خاصة والبشرية عامة، بجانب ذلك يؤدي التكرار مهمة تربوية. على أن الحقائق الكبيرة والمسائل الدقيقة والغايات العظيمة تتطلب التكرار، حتى تستقر بعمق وثبات في الكينونة الإنسانية.

ومع كل ذلك، يعتقد النورسي أن التكرار الذي نتحدث عنه في القرآن الكريم، هو تكرار صوري، حيث لا تكرار حقيقة فيه، لأن المسألة الواحدة تعرض في سياقات متنوعة وفي إطار نظم آخر، فلا يعد هذا تكرارا حقيقيا(3).

ويتحدث النورسي عن إعجاز آخر في القرآن غفل عنه السابقون في رأيي وهو تأكيده على جامعية القرآن الكريم الخارقة التي تجمع بين الألفاظ ومعانيها، من العقائد والسنن والشرائع والآداب والأخلاق وأنظمة الحياة والقصص وأخبار الآخرة، بحيث تشكل سقفا زمانيا، يفهمه المختلفون في المستويات في زمان واحد، كل حسب علمه وفهمه وعصره(4).

وكان النورسي منتبها ودقيقا عندما فوت الفرصة أمام المتصيدين في الماء العكر من اللاعبين بألفاظ القرآن، فاشترط أن تُفهم هذه الجامعية في حدود ألفاظ وتراكيب اللغة العربية وفي إطار أصول الشريعة ومقاصدها وأسرارها(5).

ويبنى النورسي على تلك الجامعية المعجزة، أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره كالكلمة الواحدة، لا تنافر بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه ولا اختلاف مع مقدمه ومؤخره. فعلى الرغم من أنه "نـزل منجما نجماً نجماً لمواقع الحاجات نـزولا متفرقا متقطعا فإنه يجمع السلاسة الرائقة والسلامة الفائقة، والتساند المتين والتناسب الرصين والتعاون القوى بين الجمل وهيئاتها والتجاوب الرفيع بين الآيات ومقاصدها". (6)

ـ ويتحدث النورسي عن الإعجاز في المعاني القرآنية بالقياس إلى المعاني التي كانت سائدة في الجاهلية. ولعله يريد أن يقول إن الإنسان أبن بيئته، فكيف خرج عربي أمي كان يعيش في هذه البيئة المغلقة عن تلك المعاني السائدة كليا. (7)

ـ ويتحدث عن فصاحته الخارقة التي لا تورث الملل فهو عذب سائغ، يحافظ على طراوته وحلاوته، ويعبر عن المقاصد التي أراد أن يضعها أمام البشرية بفطرية ناصعة.(8)

أما التصوير الفني فقد أدركه النورسي، إذ يذهب إلى "أن السحر البياني إذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما والجمادات ذات أرواح والنبات عقلاء فيوقع بينها محاورة قد تنجر إلى المخاصمة وقد توُصل إلى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال". (9)

ولا يقف النورسي عند هذا الحد، بل يعرض عالمية الخطاب القرآني واستحالة أن يصدر مثل هذا الخطاب من رجل أمّي، وأن يكون مستمرا في التنوير والإرشاد للطبقات جميعها.(10)

ويتحدث أيضا حديثا مطولا عن إخبارات القرآن بالغيب، مما يعدّه البعض من دلائل النبوة وليس من إعجاز القرآن.(11)

_________________________

(1)- دلائل الإعجاز ص 43،88،95،117 ت ش عبد المنعم الخفاجي ط 1 القاهرة

(2)- الكلمات ص 432،433،437

(3)- الكلمات ص 265

(4)- الكلمات ص 451 وما بعدها.

(5)- الكلمات ص 881

(6)- الكلمات ص 481-482

(7)- الكلمات ص 430

(8)- إشارات الإعجاز

(9)- الكلمات ص 481-482

(10)- المثنوي ص 224

(11)- المثنوي ص 304


15-) النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

أ. د. عشراتي سليمان

استوعب النُوْرْسي معنى الإنسانية ضمن وعي ديني كوني مفتوح على العالمية.. إذ الإسلام هو دين الله الذي لا يقيم الحواجز بين البشر وإن ألحدوا، وإن تباينت عقائدهم. فالمسلم يؤاخي في التوحيد اليهودي والمسيحي والكتابي عامة، ولا يرى فيهم أعداء أو خصوما ما كان الاحترام والقسطاس مرعيا بينهم، بل ويؤاخي كذلك الملحد والوثني بحكم الرابطة الإنسانية، ويشفق عليهما ولا يهينهما أو يزدريهما ما بقيا في حدود قناعتهما، ولا يسعه عندئذ إلا أن يتمنى لهما الهداية.

ذلك لأن النُوْرْسي يرى في مخلوقية الإنسان ذروة الإعجاز الذي شاء الله أن يجسد من خلاله قدرته ومطلقيته، إذ الإنسان هو تاج الوجود ، وكل ما أبدعه الله من أكوان ونعم وأفضال ، إنما هي لفائدته ولتكريميته:

"كذلك الإنسان الذي هو ثمرة شجرة الكائنات، إذ المقصود من إيجادها إنما هو الإنسان وغاية إيجادها إنما هو الإنسان، وغاية إيجاد الموجودات هي الإنسان، وبذرة تلك الثمرة قلب الإنسان ، وهو أنو مرآة للصانع الجليل وأجمعها. 

كما نشأ إدراك النُوْرْسي لمعنى الإنسانية من خلال صلة روحية وعضوية جمعته برائع النماذج القطبية التي تواصل معها بواسطة ثقافة بيته الصوفية، حيث كان - وسيبقى - الضمير الجماعي لتلك البيئة يكبر ويمجد تلك النخب الصالحة من الأقطاب، والتي كانت سيرتها كما تواترت وتلقتها الأجيال، مجالا للعظمة والكمال والقدسية.. من حيث طفق الوجدان الفردي والجمعي يستلهم شواهد التضحية والصبر والتجرد والسماحة والبذل.

لقد أنبأتنا سيرة النُوْرْسي واعترافاته أنه ظل منقادا إلى تأثير الأفذاذ من رجال التصوف وأهل السلوك، وأنه انحاز إليهم بمواجده وأن خميرة قيمه الإنسانية تأتت من نفاذ ذلك الوهج المعنوي الذي كان يتلقاه من سيرتهم. لقد تسامى هؤلاء القديسون الأطهار ونظروا إلى الكون والوجود من منظور رباني، فأضفوا محبتهم وسماحتهم وكرمهم على كل شيء، لاسيما على الإنسان، فلا غرابة أن تغدو البشرية جملة قريبة إلى قلوبهم يعطفون عليها ويرأفون بها وينظرون إليها بعين الإشفاق..

على ذلك النهج سار النُوْرْسي، وفي ظله تشكلت رؤيته للكون والإنسان، وعلى خطا الأطهار بلور عقيدته ونظرته إلى الكون وعلاقته بالمخلوقات وفي مقدمتها الإنسان.. فلا عجب أن تتفتح دعوته على الإنسانية قاطبة، وأن تتميز رؤاه ببعدها الشمولي الذي لم يغفل أي بعد من الأبعاد المحققة لفردية الكائن البشري ، باعتباره المخلوق المكرم في هذا الكون.

لقد ارتكزت روحية النُوْرْسي على دعامة الإيمان بالله ، فتواصلت أعماقه مع الله وتواشجت مع مخلوقاته وفي طليعتها الإنسان. لقد ورث عن بيئته الأولى حسا توحيديا حيا، فالانغلاق الذي عاشته بيئاتنا التقليدية كان له فضل كبير على حفظ القيم وصون الايمان، حيث أن جو الانقطاع الاجتماعي الذي تعيشه القرى والمداشر يعزز قابلية التوكل على الله ، ويقرب عالم الغيب إلى النفوس، فثقافة العزلة نفسها تشحذ روح البسالة والتوكل على الخالق فهي من ثمة سبيل معزز للايمان .

ذلك لأن النفوس في رتابتها المعتادة تعيش التفرغ ، ولما كان التفرغ في البيئة الإسلامية يعني التوجه إلى الله والاشتغال بما يعطي للحضور الإلهي كثافته ومحسوسية على صعيد الروح والنفس، فقد تكيفت روح النُوْرْسي منذ نشأتها على هذا الحضور الإلهي الذي يلازمها أينما توجهت، الأمر الذي ولد في النفس هذه القوامة التي تترتب في كنفها النـزعات والمطالب. ثم إن العقيدة الإسلامية بما تحمل من منظومة قيم ومبادئ إنما هي عقيدة إنسانية بلا منازع.

إذ الطبقات العليا من رجالاتها، ممن يعدون مناط القدوة والأسوة بدءا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، يعتبرون جميعا مصادر شحن وشحذ للهمة والرحمة والسمو. كما أن أحداث التاريخ الإسلامي تعد صعيدا حافلا بوقائع السماحة التي تشمخ بها معاني الإنسانية. وكلها تعاليم وقيم تمرس عليها النُوْرْسي، وتشبع بها، وحملها شعاراتٍ، واتخذها سلوكا ورسالة عمل على تحقيقها  بكل استماتة .

لكن النُوْرْسي عاش في مرحلة تأجج فيها الصراع الحضاري بين الغرب والشرق على أشرس ما يكون التأجج ، فقد استأنف الغرب حملاته الصليبية واستهدف بها العالمين، يستأصل الأمم ويهجرها بالملايين من قاراة لأخرى، ويمسح الشعوب تدجينا لها لتتقبل وجوده وسيادته عليها ، وكان صراع الصليبية مع الإسلام ذروة المخاض العراكي الذي شهده القرنان التاسع عشر والعشرون، الحقبة التي عاشها النُوْرْسي، واصطلى بلهبها.

تلك هي تقريبا الأسس التي ارتكزت عليها إنسانية النُوْرْسي ، هذه الإنسانية التي سنراها تتخصب وتغتني في تالي مراحل حياته.. حيث سنجد الرؤية تتكيف مرتين، الأولى يوم دخل استانبول نكرة لا يعرفه أحد تقريبا، فقد كان طبيعيا في ذلك اللقاء الأولي بالمدينة أن يتوسع إطار الوعي لديه وتمتد ظلال الفهم وتتخصب الرؤية بأبعاد أخرى يتعزز في ضوئها وازع إنسانيته.

كما أن عودته إلى نفس الصعيد المدني، من خلال ملابسة الأوساط المدنية ومرجعيات المجتمع الحضري ، أثناء الحرب الكونية الأولى، قد عمق ذلك التكييف الذي رأيناه يتعهد به مثله وقناعاته الإنسانية .. وهو ما أسفر عن تحول في المسيرة ، تحول جعله يختار موقعا أكثر استراتيجية في تفعيل الأحداث والتاريخ، وفي تكريس رؤيته الإنسانية المستمدة من القرآن..

لقد نضجت رؤيته الإنسانية في كنف الحياد والتسامي والتأمل .

حقا إنه نافح عن الإسلام والمسلمين ، وصاول عن انتماء وحضارة ، لكن العقل يثبت أن دفاعه عن تلك القيم والمقومات إنما كان دفاعا عن الإنسانية، إذ لم يكن الإسلام يوما - ولن يكون - إلا حضارة مشرعة للعالمين، ومثابة تمحي فيها العصبيات والانتماءات ، إذ الانخراط في سلك الإسلام انخراط في الكونية بأسس حددها الله ، وأثبتت القرون من الازدهار الحضاري الإسلامي أنها – حقا - أسس تستجيب بأصالة لمفهوم العالمية والتآخي والانتماء القدسي الذي تزول معه كل الاعتبارات الشكلية والوضعية المميزة بين الآدميين.

لم يكن تمجيد النُوْرْسي للترك والعرب - كما سنرى في غير هذا المقام - عصبية وانحيازا يتنافى مع المثل الإنسانية التي حملها ، ولكنه كان تمجيدا للكونية الإسلامية التي جسدت على أرض الواقع مبدأ المساواة ، وبينت كيف تتعاور الأم والشعوب على صعيد الإسلام حق وشرف حمل الرسالة المحمدية ، وكيف لا يقف دون حيازة شارتها القدسية - الخلافة - الاعتبار القومي أو الروحي..

إن روح النُوْرْسي - بكل تأكيد - سوف تبادر من عالمها الأخروي إلى التنويه وتعظيم كل قبيل من أهل الأرض يكتب له أن يشمخ براية الإسلام ويتطاول بعزة القرآن ويدفع بها إلى العالمين، كيفما كان لون هذا القبيل أو موطنه أو ماضيه.. ذلك لأن المنظور الذي قوَّمَ به النُوْرْسي البشرية منظور رباني لا تمايز بين الناس فيه إلا بالعمل الصالح.. وأي عمل صالح أسنى من رفع راية الإسلام وإشهارها بين العالمين ، فبذلك العمل الصالح مجد النُوْرْسي كلا من أمتي الترك والعرب ، وكان تمجيده لهما يندرج ضمن سياق إنساني لا شائبة فيه من عرقية أو شوفينية أو تعصب.

شهد النُوْرْسي عن كثب عالما متفجرا  تتعارض فيه الرؤى السياسية والايديولوجية حيال الإنسان والحضارة والكون والوجود ، ورأى كيف أن الغرب الطاغي يعنت الأمم والشعوب المستضعفة ويرغمها على الرضوخ إليه بالقوة والسلاح أو بالدس والاستغواء..

عاين النُوْرْسي من موقعه الاعتكافي ذلك التعارض الحدي الذي كان يميز أوضاع كل من الإنسان المسلم المقهور والإنسان الغربي القاهر، وتفجع بعدم تكافُئ الشروط الصراعية بين الجانبين ، وزاده أسى أن يرى توفيقات الغرب العلمية والتقنية والحضارية لا تلطف من غلواء طغيانه ضد الشعوب والإنسانية ، ولكنها تسَعِّر منها قدما.

لقد كان يدرك أن الحلبة تجمع بين انتماءين وبين نموذجين حضاريين لكن أوضاعهما الراهنة تباين بينهما قيمة ودينامية وتوجها وفاعلية.. لقد كان  الإنسان الأول يرسف في قيود الماضي الشائه ، ضحية للانحطاط ولحال متفاقمة من الابتلاءات والصدمات.. وكان إلى ذلك مدعوا للانتفاض وإنجاز الانبعاث في إطار كوني تبليغي تؤهله له رسالته القرآنية لو وجد إلى الرشد سبيلا .

فيما كان الآخر منتصبا بخيلاء ، مشهرا سيفه بجوع الى الفتك ، يدوس بقدميه كرامة الإنسانية ويضرب مقدساتها .. لقد كان هو الآخر ضحية لأحوال مدنية راهنة  تكرست فيها اختلالات متوارثة وجهت العقل في وجهة الظهور العلمي المتوحش غير المقيد بالضوابط الإنسانية. لكنه مع ذلك كان يتوفر على خمائر جوهرية من الفطرة والتوفيق ما أيسر عليها أن تترشد وترقى إلى علياء المثل لو التفتت إلى الدين الحق ، وهو ما كان يجعل النُوْرْسي يتوقع للإنسانية الخير ، ذلك أنه كان يرى أوروبا حبلى بالإسلام ، وهي مرشحة إما للإسلام وإما لترشيد مسيحتها بما يقربها من القرآن ويدرجها ضمن نهجه، وعندئذ ترتقي البشرية الارتقاء الحق وتهتدي إلى سواء السبيل وتتعزز إنسانية الإنسان.

لقد كانت مقاصد الدعوة النورية هي استنقاذ ما تبقى من إنسانية الإنسان في كلا المعسكرين ، فتجديد همة المسلم هي عودة به إلى فطرته الخلاقة وإلى استنارته التي لا تزيغ بها أوهام بشريتها ، كما أن تدثير الإنسان ببردة الإسلام هو قمة تكريمه ، لما يترتب عن ذلك من تغيير كلي يمضي به على طريق الصلاح .. لقد توهمت المدينة  المسلمة أنها بتقمص أوضاع المدنية الغربية ستتخلص من أوحالها ، ولم يعتم الإنسان المسلم  أن وعى إفلاسه ، لكنه عجز عن الخلاص ولم يستطع فكاكا عن مأساته، بعد أن أضاع ليس المثل فقط ، ولكن إلى ذلك القابلية والفطرة والاستعداد للخير ، وكل ذلك جراء انغماسه..

فالضرر الذي لحق المسلم ضرر مزدوج ، فهو من جهة محبط بأعباء الانحطاط، وهو من جهة أخرى منسحق بما طرأ عليه من تبعات التمدن السطحي، فعاش الفاجعة.

ضمن هذه الجدلية الحضارية الحادة نهض النُوْرْسي وفي يده كتاب الله ، يدعو إلى سبيله بالموعظة والحسنى ، غايته تعميق الروح الإنسانية في الإنسان من خلال بث تعاليم القرآن.