Most Read in the Category of قالوا عن النورسي

1-) صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

صلة بديع الزمان النورسي بالصوفية

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

سيرة حياته: ما بين سعيد القديم  في  المرحلة الأولى من حياته  1293 هـ 1343 هـ  الموافق لـ 1876 م - 1926 م، وسعيد الجديد في المرحلة  الثانية  من حياته 1343 هـ 1379ه-  ينبغي  تتبع حياته  بحثا عما يحقق فرضية التصوف  في حياته سلوكا أو قربا أو تتلمذا.

سعيد القديم / الحياة الأولى:

-  اشتهر سعيد النورسي منذ طفولته بذكاء خارق أهّله لإتقان علوم الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وغيرها من العلوم.

- وينقل عنه تلامذته أنه كان ميالا للبيئة الصوفية، إذ كانت الطريقة النقشبندية شائعة في تركيا.

- طلب من السلطان عبد الحميد تأسيس مدرسة دينية علمية (مدرسة الزهراء لخدمة القرآن).

- قاد فرقة الأنصار وكان مرشدأً لها.

- انتقل سنة 1923 م إلى "وان" قرب إحدى خرائب مهجورة قديمة على جبل "أرك"، واستمر في الاعتكاف والانزواء، وكأن الله يهيئه لمواجهة الخطوب الهائلة والأعاصير المدمرة التي أوشكت أن تهب على الإسلام. (1)

- رفض الاشتراك في ثورة الشيخ " سعيد بيران " ضد مصطفى كمال، لعدم رغبته في إهراق دم المسلمين الأبرياء في حركة لا أمل فيها(2).

هذه ملامح  حياة سعيد القديم ذكاء ونبوغا وموسوعية في العلوم، وخدمة للقرآن، وميلا إلى البيئة الصوفية، وميلا إلى الاعتكاف والانزواء،  ورفضا للثورات التي تريق دماء المسلمين، هي ملامح  تمكن من القول بنشوء قيادة  دينية لم تتضح معالمها بعد.

سعيد الجديد / الحياة الثانية:   

- في منفاه بمدينة " بارلا " من أعمال " اسبارطة "  الذي أرادوه منفى تخبو فيه جذوة النورسي ويخمل ذكره، كان ميلاد سعيد الجديد وميلاد رسائل النور التي استغرقت  طوال حياته.

- في منفاه تظهر بعض علامات التصوف:

1-  قلة الطعام، "  كان الأستاذ معتل الصحة دائما، وكان قليل الإقبال على الطعام، بل يمكن القول بأنه قضى عمره كله وهو نصف شبعان ونصف جائع، إذ كان يقضي  يومه الكامل بإناء صغير من الحساء مع كسرات من الخبز، وقضى حياته كلها على ما ادخره سابقا من الليرات الذهبية وعلى الاقتصاد الكامل والبركة الربانية "(3).هذه البركة  الربانية يبحث عنها النورسي في اللمعة التاسعة عشرة قائلا: " ومن الجدير بالملاحظة أن قسما من أولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدين بعد سنتين، لعد التزامهم بالاقتصاد، إلا أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني - ولله الحمد - ببركة الاقتصاد إلى ما بعد سبع سنوات، فلم ترق مني ماء الوجه، ولم تدفعني  لعرض حاجتي إلى لناس، ولم تفسد علي ما اتخذته دستورا لحياتي وهو " الاستغناء عن الناس "(4).

2- الخلوة في الجبال وبين الأشجار: " كان يقضي أكثر وقته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع و الصيف إلى جبال " جام "، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الأشجار متأملا ومتعبدا"(5).

3– العزلة والوحشة: يقول عنها النورسي نفسه " حينما كنت في منفاي ذلك الأسر الأليم بقيت وحدي منفردا منعزلا عن الناس على قمة جبل  ( جام ) المطلة على مراعي ( بارلا ) .. كنت أبحث عن نور في تلك العزلة. وذات ليلة، في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة، المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرتفع، إذا بشيخوختي تشعرني بألوان وأنواع من الغربة المتداخلة - كما جاء ذلك في المكتوب السادس بوضوح - ففي سكون تلك الليلة حيث لا أثر و لا صوت سوى ذلك الصدى الأليم قد أصاب صميم مشاعري، ومس أعماق شيخوختي وغربتي "(6).

4- الحزن طريق الإيمان  بالله" ومن خلال هذا الحزن الذي يمازجه الحزن، بدأت  أبحث عن نور، وعن قبس أمل، وعن باب رجاء، وسرعان ما جاء " الإيمان بالله " لنجدتي ولشد أزري، ومنحني أنسا عظيما بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي أضعافا مضاعفة لكان ذلك الأنس كافيا لإزالتها "(7).

-  ورغم صدور كلمات  منه تنبئ عن علامات  فارقة لرؤيته للتصوف، لكونه تصوف النورسي المبدع والعبقري، نذكر من هذه العلامات الفارقة براءته من أن يكون شيخ طريقة :

-  " لقد سألتم: هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية ؟ وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة. إن كثيرين يدخلون الجنة بغير الانتماء إلى طريقة صوفية، ولكن لا يدخل أحد الجنة بغير إيمان "(8).

- " إنني لست بشيخ طريقة، فالوقت الآن ليس وقت طرق صوفية بل وقت إنقاذ الإيمان "(9).

- " إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين "(10).

-  " أعوذ بالله من الشيطان والسياسة " شعار رفعه النورسي بعد انسحابه من ميدان السياسة، وانتقاله إلى سعيد الجديد.

-  "  الطريق الصحيح الوحيد هو طريق الإسلام من دون أن يدخل بنفسه إلى ساحة السياسة بل بقي أيضا بعيدا عنها يصرف كل جهده لتربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر، مع تنبيه مستمر إلى طلبته أن يتخذوا العمل الإيجابي البناء شعارا لهم دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها(11).

ما بين تصريح النورسي بأنه ليس شيخ طريقة، وأن الإيمان طريق الجنة  دون انتساب لطريقة، وبين بناء مدرسة نورانية مستمدة من الإسلام وعلومه، والدعوة إلى العمل الإيجابي البناء،  تتضح المعادلة التي تحقق منهجا بديعا لتصوف النورسي: طريقا إلى الإيمان  وعملا إيجابيا دون انتساب لشيخ أو طريقة. تلك بداية التحقق من فرضية  " النورسي صوفي " بإطلالة على حياة النورسي القديم والجديد، الميال إلى العزلة، والمبتعد عن شيطان السياسة، وداعي السلطان عبد الحميد إلى تأسيس مدرسة دينية علمية في شرقي الأناضول ( مدرسة الزهراء)، ثم إبداع رسائل النور التي راجت  رواجا كبيرا، وأصبحت آلاف النسخ اليدوية تنتشر في القرى والنواحي والمدن، فتكسب آلاف الأنصار وتشعل جذوة الإيمان في آلاف القلوب، وهي الرسائل التي "فرضت (حركة ا لنور) على واقع المجتمع التركي، فلم يعد بوسع أحد أن يتجاهلها، فهذه المحاكم المتلاحقة للأستاذ بديع الزمان ولطلابه لم تستطع أبدا أن تكون سدا مانعا أمام هذه الحركة، بل شاءت حكمة الله أن تكون هذه المحاكم نفسها وسيلة فعالة في نشر رسائل النور "(12).

____________________________

(1) بديع الزمان النورسي  إحسان قاسم الصالحي ص 57.

(2) نفسه ص 58.

(3) نفسه ص 68.

(4) اللمعات  ص 215.

(5) نفسه ص 68.

(6) نفسه ص 69.

(7) اللمعات ص  349.

(8) نفسه  ص 83.

(9) نفسه ص 73.

(10) نفسه ص 89.

(11) نفسه ص 109.

(12) نفسه ص 110.


2-) جوانب من حياة بديع الزمان سعيد النورسى

جوانب من حياة

بديع الزمان سعيد النورسى

احسان قاسم الصالحي

مركز بحوث رسائل النور

استانبول

إن حياة بديع الزمان سعيد النورسي حافلة بالأحداث الجسام إلا أننا نوجزها بالآتي فنقول:

إنه عاصر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفترة الإتحاد والترقي وأحداث الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ثم العهد الجمهوري والحزب الواحد الحاكم ثم فترة تعدد الأحزاب وحياة ديمقراطية في البلاد.

فقد ولد سعيد النورسي سنة 1293 هـ (1876م) في قرية (نورس) التابعة لولاية بتليس شرقي الأناضول. وتتلمذ على أخيه الكبير (الملا عبد الله) واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو، ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذ والمدارس، ويتلقى العلوم الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم، يرفده ذكاؤه المشرق، الذي اعترف به أساتذته جميعهم بعد إمتحانات صعبة، كان يجريها له كل منهم، واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة، حتى أنه درس وحفظ كتاب (جمع الجوامع) في أصول الفقه في أسبوع واحد.

ولم تلبث شهرة هذا الشاب ان انتشرت بعد ان فاق في مناقشاته علماء منطقته جميعا، فسموه (سعيد المشهور). ثم ذهب إلى مدينة (تللو) حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروزابادي إلى باب السين.

وفي سنة 1892م ذهب إلى (ماردين) ؛ حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي فأصدر أمرا بإخراجه، وسيق إلى (بتليس). فلما عرف واليها حقيقة هذا الشاب العالم ألح عليه ان يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية، لاسيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو، حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.

ثم ذهب إلى مدينة (وان) سنة 1894م وانكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ ؛ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها وذلك حينما احس في أثناء مجالسته مع بعض المثقفين أنه بحاجة إلى الاغتراف من تلك العلوم فأطلق عليه أهل العلم (بديع الزمان) اعترافا منهم بذكائه الحاد وعلمه الغزير واطلاعه الواسع.

كان الفكر المادي قد بدأ يجتاح العالم كله، ووجهت العلوم الحديثة وجهة بعيدة عن الدين بل مناهضة له. وأخذ العالم الإسلامي يئن تحت وطأة هذا الغزو الفكري. والدولة العثمانية لم تعد قادرة بمؤسساتها القديمة على الوقوف أمامه، وحل المشكلات المستعصية التي أفرزه. وبلغ الأمر إلى الهجوم على القرآن الكريم نفسه، حتى نشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) قد صرح في مجلس العموم البريطاني مخاطبا النواب قائلا : (ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود او نقطع صلة المسلمين به). زلزل هذا الخبر كيان بديع الزمان وأقض مضجعه فعلم ان القرآن مستهدف، فأعلن لمن حوله : (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لايخبو سناها ولايمكن إطفاء نورها). فشد الرحال إلى إستانبول عام 1907م، وقدم مشروعا إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء)-على غرار الأزهر الشريف- تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية الحديثة وفق مقولته :(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلم الحديثة، فبإمتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك)  .

وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة وبانهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحدا، حتى أن احدهم عبر عن إعجابه الشديد بعد ان اختبره اختبارا دقيقا، قال : (إن علمه ليس كسبيا، وإنما هو هبة إلهية، وعلم لدني).

وفي سنة 911م ذهب إلى بلاد الشام، وألقى خطبه بليغة من على منبر الجامع الأموي دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبين فيها أمراض الأمة الإسلامية وسبل علاجها، ثم رجع إلى استانبول وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الإسلامية على السلطان رشاد، فوعده السلطان خيرا، وفعلا خصص المبلغ فشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة (وان)، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع.

وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أعلنت شكل من طلابه والمتطوعين فرق "الأنصار" وخاضوا غمار الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وألف في خضم المعارك تفسيره القيم (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) باللغة العربية، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة (بتليس) كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعا مستميتا، حتى أنه جرح جرحا بليغا، وأسر من قبل الروس وسيق إلى معتقلات الأسرى في قوصتورما.. (في سبيريا). وهناك استمر على إلقاء دروسه الإيمانية على الضباط الذين كانوا معه والبالغ عددهم (90) ضابطا. وبعد نشوب الثورة البلشفية والاضطرابات التي نجمت منها تمكن من الهروب من الأسر بأعجوبة نادرة وبعناية ربانية واضحة. مارا في طريقه بوارشو وألمانيا وفينا. وعندما وصل إلى استانبول منح وسام الحرب، واستقبل إستقبالا رائعا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية. وكلفته الدولة بتسنم بعض الوظائف، رفضها جميعا إلا ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في (دار الحكمة الإسلامية)، التي كانت لاتوجه إلا لكبار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته.

وبعد دخول الغزاة إلى استانبول احس النورسي ان طعنة كبيرة وجهت إلى العالم الإسلامي، ولذك شمر عن ساعد الجد، ونشر رسالة (الخطوات الست) سرا هاجم فيها الغزاة بشدة، وأزال دواعي اليأس الذي خيم على كثير من الناس. حتى حكم عليه بالإعدام غيابيا من قبل الغزاة الإنكليز.

ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دعي إلى أنقرة عدة مرات. ويصف دعوته هذه بالآتي:

"دعيت لزيارة أنقرة سنة (1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلا أنني أبصرت-خلال موجة الفرح هذه- زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفت من أعماق روحي، وصرخت مستغيثا بالله العلي القدير..."  .

وهناك وجد أن معظم أركان الدولة لايؤدون حتى الفرائض الدينية، فوجه إلى المجلس النيابي (مجلس المبعوثان) بيانا مؤثرا إستهله بـ"أيها المبعوثون إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". وحصلت بينه وبين مصطفى كمال مشادة قوية. وعرض على المجلس أيضا مشروع إنشاء الجامعة الإسلامية فلقي القبول، إلا أن ظروفا سياسية حالت دون إكمال المشروع.

تيقن بديع الزمان أن الإصلاح لايمكن أن يتم في الأروقة السياسية مع فساد الأسس وضعف الإيمان. فتوجه إلى مدينة (وان) سنة 1923م، واعتزل الناس في جبل (أرك) القريب منها، طوال سنتين متعبدا ومتأملا. وفي هذه الفترة تشكلت الحكومة الجمهورية   بعد إلغاء الخلافة  . ثم قام الشيخ (سعيد بيران النقشبندي) بالثورة ضد السلطة آنذاك  ، وأشار إليه بديع الزمان أن يعدل عن موقفه هذا حيث ستسفك دماء بريئة، ولكنه لم ينتصح بنصيحته، وفعلا أريقت دماء زكية دون جدوى. وأخمدت الثورة، وعلى إثرها سنت القوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون من الزمان. فمنع تدريس الدين في المدارس كافة، وبدلت الأرقام والحروف العربية في الكتابة إلىالحروف اللاتينية، وحرم الأذان الشرعي وإقامة الصلاة باللغة العربية، وجرت محاولات ترجمة القرآن الكريم وسعي لقراءة الترجمة في الصلوات. كما أعلنت علمانية الدولة، فمنع القيام بأي نشاط أو فعالية في صالح الإسلام، إذ حظر طبع الكتب الإسلامية، وأرغم الناس على تغيير الزي إلى الزي الأوروبي، فالرجال أرغموا على لبس القبعة والنساء على السفور والتكشف.. وشكلت محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق لعلماء أجلاء، ولكل من تحدثه نفسه بالإعتراض على السلطة الحاكمة.

ورغم موقف بديع الزمان ذاك من الثورة، إلا انه لم ينج من شرارة الفتن والإضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى غربي الأناضول، إلى مدينة (بوردور). ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي (بارلا) في جنوب غربي الأناضول ووصل إليها سنة 1927م.

ظن أعداء الإيمان سيقضى عليه في (بارلا) تلك القرية النائية، ويخمد ذكره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت (بارلا) مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن الكريم، إذ ألف الأستاذ النورسي هناك معظم (رسائل النور). وتسربت هذه الرسائل عن طريق الإستنتساخ اليدوي سرا، وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها.

ولإلتزامه هو وطلابه بالأذان الشرعي والحروف العربية ولإنتشار الرسائل الإيمانية الواسع. سيقوا من منفى إلى آخر، وزجوا في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، فكان المولى القدير يقيض لهذه الرسائل القرآنية من يستنسخها، وينشر هذا الفيض الإيماني، حتى أيقظت روح الإيمان الراكدة لدى أهل الإيمان، وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص.

 وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م فأصبحت في (130) رسالة، جمعت تحت عنوان (كليات رسائل النور). ولم تتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلا بعد سنة 1954م وكان يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها.

لبى الأستاذ النورسي نداء ربه الكريم في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 آذار 1960م في مدينة (أورفة). ولكن السلطات العسكرية الحاكمة لم تدعه يرتاح حتى في قبره، إذ قاموا-في أوائل شهر تموز-بنبش قبره ونقل رفات هذا العالم الجليل بالطائرة إلى جهة مجهولة، بعد أن أعلنوا منع التجول في مدينة (أورفة) وملؤوها بالجنود المدججين بالسلاح.

تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.

سعيد القديم وسعيد الجديد:

يطلق الأستاذ النورسي على نفسه "سعيد القديم" قبل تأليفه لرسائل النور (سنة 1927م) حيث كان يأمل ان الإصلاح وخدمة الدين يمكن ان يكون في بعث الروح في مؤسسات الدولة الإجتماعية والدينية بالطرق السياسية. بينما يعد نفسه بعد تلك السنة "سعيدا الجديد" الذي تولى مهمة إنقاذ الإيمان وترسيخه في القلوب والأذهان، باسلوب منطقي علمي قلبي فطري برسائل النور المستلهمة من فيض القرآن الكريم، وبالالتزام التام بالإخلاص لله، بعيدا عن الأجواء السياسية.

آثـــــاره :

ترك الأستاذ النورسي وراءه موسوعة ايمانية رائعة تسد حاجة هذا العصر وتخاطب مدارك ابنائه، تلك هي "رسائل النور" التي استقاها من فيض نور القرآن الكريم، فهي :

تفسير شهودي للقرآن الكريم، يعتمد على حقائق الآيات الكريمة، وإثبات معانيها، بتوضيحها من خلال استشهادات يتحاور فيها العقل والقلب، وتمتزج فيها الروح واللطائف الأخرى. فهي تفسير لمعاني القرآن الكريم أكثر مما هو تفسير لألفاظ الآيات الكريمة وعباراتها، تعالج القضايا والمقاصد الأساسية التي يدور عليها القرآن الكريم وهي : التوحيد والنبوة والآخرة والعدالة. وتدحض في الوقت نفسه اباطيل الفلاسفة الاوربيين وشبهات اعداء الإيمان حول القرآن والإيمان من أساسها، وتثبت حقائق القرآن والإيمان وأركانه بدلائل قاطعة وأدلة رصينة وأمثلة واقعية قريبة.

1- آثار سعيد القديم :

التي طبعت منها باللغة العربية :

1- الخطبة الشامية-دواء اليأس-(ط. 1911 و1912)

2- رجتة العوام ورجتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط. 1912)

3- اشارات الاعجاز في مظان الإيجاز (ط. 1918)

4- قزل إيجاز على السلم (ط. 1921)

5- لمعات من التوحيد الحقيقي، رشحات من بحر معرفة النبي (ص)، لاسيما (ط. 1921)

6- قطرة من بحر التوحيد وذيل القطرة (ط. 1922)

7- شمة من نسيم هداية القرآن وذيل الشمة (ط.1922)

8- حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن وذيل الحبة (ط.1922)

9- زهرة من رياض القرآن الحكيم وذيل الزهرة (ط. 1923)

10- ذرة من شعاع هداية القرآن (ط. 1922) وذيل الذرة (ط. 1923)

11- حباب من عمان القرآن (ط. 1923)

والتي طبعت منها باللغة التركية :

1- محاكمات (ط. 1911)

2- مناظرات (ط. 1911)

3- ديوان حرب عرفي (ط. 1911 و1912)

4- تشخيص العلة (ط. 1912)

5- نقطة من نور معرفة الله جل جلاله (ط. 1919)

6- سنوحات (ط.1920)

7- حقيقت جكردكلري/1 (ط.1920)

8- لمعات (ط. 1921)

9- طلوعات (ط. 1921)

10- شعاعات من معرفة النبي (ص) (ط. 1921)

11- رموز (ط. 1921)

12- اشارات (ط. 1921)

13- لمعات (ط. 1921)

14- خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية

15- حقيقت جكردكلري/2 (ط.1921)

2- آثار سعيد الجديد (رسائل النور)

1- الكلمات : تضم 33 كلمة باللغة التركية

2- المكتوبات : تضم 33 مكتوبا باللغة التركية

3-اللمعات : تضم 33 لمعة باللغة التركية

4- الشعاعات : تضم 15 شعاعا باللغة التركية

5- اشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : باللغة العربية (من آثاره القديمة وضمه إلى (رسائل النور)

6- المثنوي العربي النوري (ويضم رسائل من آثاره العربية : لمعات، رشحات، لاسيما، قطرة، ذرة، شمة، حبة، زهرة، شعلة، نور من انوار نجوم القرآن، ونقطة "باللغة التركية")

7- الملاحق في فقه دعوة النور (وتضم : ملحق بارلا، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ 2.1 باللغة التركية)

8-صيقل الإسلام (آثار سعيد القديم) : محاكمات، قزل ايجاز على السلم (في المنطق)، تعليقات على برهان الكلنبوي (في المنطق)، السانحات، المناظرات، المحكمة العسكرية العرفية، الخطبة الشامية، الخطوات الست.

9- سيرة ذاتية باللغة التركية

ولقد من الله علينا بفضله وكرمه ترجمة رسائل النور كاملة إلى اللغة العربية. وحققنا العربية منها على اصولها المخطوطة. كما ترجمت الأربعة الأولى منها إلى اللغة الإنكليزية الأخت الفاضلة شكران واحدة. وترجمت كثير من الرسائل الصغيرة إلى 15 لغة اخرى أو يزيد.

 


3-) موقع رسائل النور من الفكر الإسلامي الحديث

موقع رسائل النور

من الفكر الإسلامي الحديث

د. مهدية أمنوح

أستاذ الفكر والحضارة 

بكلية الاداب والعلوم الإنسانية-تطوان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد مثلت الفترة المعروفة بالحديثة وهي المبتدئة من القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين فترة مصيرية في حياة الشعوب الإسلامية. إذ تراكمت إبانها تجارب عديدة ومتنوعة في كافة الميادين يمكن أن نسميها بالمشكلات الحضارية أو الإشكاليات الحضارية نظرا لكونها لم تجد لها حلولا عملية بعد.

وأهم ما ميز الفكر الإسلامي الحديث في هذه الآونة هو الإلتفاف حول مائدة عامة من القضايا التي كانت تأرق أعلامه وتجد صدى في تجاوب عوامه.

وقد كان لمبادئ الانعتاق والتحرر من التواكل والتحرر من الآخر مساحة كبيرة في برامج هذا الفكر. إذ كان هذان العنصران في توافقهما واجتماعهما بمثابة المكبلان للإنسان الإسلامي والمعيقان له عن الحركة. فنشأ من ثم ما يمكن أن نطلق عليه وفق تعبير أحد الباحثين الإسلاميين" صراعا فكريا" عم حضوره كل البلاد الإسلامية بدون استثناء أسفر عن ظهور مبادئ موازية للمبدأين الأولين من مثل : تحقيق الذات الإسلامية أوترسيخ الهوية (وليس البحث عنها)، والتقدم.

جاءت الدعوة إلى تحقيق الذات الإسلامية التي غاب حضورها الفعلي بشكل مريب ؛ وذلك قصد التخلص من حالة نفسية عويصة للغاية تصور فيها الإنسان الإسلامي ذاته شبحا مخيفا أو ظلا باهتا وإعداد وضع صحي تغيب فيه الدونية والانفصام وذلك بإكساب الإنسان المسلم شجاعة كافية كي يتقدم إلى العالم كله باسمه الحقيقي وشكله الأصلي وانتمائه الأصيل وهو عين المبدإ الثاني الذي سميته بترسيخ الهوية عوض البحث عنها، نظرا لأن أصالة العالم الإسلامي لم تضع منه كي يبحث عنها. بل إنه كتمها إما قسرا وقهرا أو ضعفا وتواكلا.

وهنا تظهر مسألة الصراع الفكري على مسرح أحداث العالم الإسلامي بإثارة مبدإ ثالث هو ضرورة التقدم وكيفية تحقيقه في غياب وصاية الآخر المذمومة والمحبطة للطاقات الإسلامية.

إذا ثبت هذا عند حديثنا عن الفكر الإسلامي بصفة عامة في هذه الإبان فإن هناك عناصر خاصة تميز نوعا من الفكر الإسلامي عن نوع آخر وذلك بحسب التنوع البيئي بما فيه السياسي والاجتماعي و... العلائقي في الداخل والخارج.

ولنا في "رسائل النور" التي ألفها الأستاذ سعيد النورسي أنموذجا مفصلا وشاهدا في هذا المقام. إذ هي عبارة عن مادة مكثفة من المقالات والخطب والخواطر والتحليلات والتفسيرات التي انصب جزء كبير منها إن لم أقل جلها في تفسير القرآن الكريم. وما تسميتها برسائل النور إلا لكونها تطمح إلى الاقتباس من نورانية هذا الكتاب بدورانها في فلكه وقربها منه. فقد "شقت رسائل النور طريقها إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحت سبيلا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن براهين منطقية، حجج علمية وكشفت طريقا مباشرا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام والعقيدة وأصول الدين" .

والقارئ قد يحار تجاه التعريف للرسائل. ما هي هذه المادة بالضبط؟ أهي تصوف أم كلام، خاصة حينما يطلع على كلام صاحبها : "لقد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة فالبدع تحول دون ذلك، مفكرا في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة– بل الألزم له – أن يدخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق وتضم خلاصة الطرق الإثنتي عشرة المهمة ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة. حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لايلج في الإلحاد بسهولة ولايقهر قلبه. ولهذا فهم لا يتزعزعون أبدا فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقا، بشرط ألا يدخلوا – حسب المستطاع - في البدع ولايرتكبوا الآثام التي تحول دون التقوى وتجرحها".

إنها ليست شيئا من هذا بل إنها هذا كله. فقد توسل الخطاب في رسائل النور بإمكانيات منهجية ومعرفية إسلامية كثيرة خاصة منها منهج الجدل ومنهج الذوق. إذ أن الاستفادة من القدامى في هذين البابين واردة لا محالة. بل إن مؤلف الرسائل الأستاذ سعيد النورسي يعطيها أكثر من حظ القدامى والمحدثين أيضا حين يدعو أهل التصوف إلى الانضواء تحت ظلال رسائل النور إيمانا منه بكون الرسائل أقرب إلى الحقيقة القرآنية والربانية من غيرها. فقد جعلت محورا لها التفكر في الآفاق وفي الأنفس وفق ما ورد في القرآن الكريم.

وعن هذا التفكر يرى النورسي أن رسائل النور تبين أن الموجودات قاطبة إنما هي مظاهر الأسماء الحسنى بحيث لاتدع مجالا للغفلة قط. فلا شيء يكون حائلادون السكينة والإطمئنان. لذا تكسب قارئها مرتبة واسعة من الاطمئنان سعة الكون كله وتفتح أمامه دائرة عبودية واسعة ودائمة سعة الكون أيضا كما أنه -أي النورسي- يؤيد التفصيل في التفكر في الأنفس ويرى أن الطريق هو أقصر من التفكر في الآفاق وقطعي أيضا.

حتى إنه عندما يعرف النتيجة التي يتم التوصل إليها بالتفكر النفسي بمرتبة حق اليقين. وقد قام المؤلف بإضافة قسم بعنوان "شهادة الماهية الإنسانية" إلى خلاصة الخلاصة التي هي بمثابة خلاصة بالعربية للآية الكبرى التي تشكل مثالا في التفكر الآفاقي  ويبين أسباب هذه الإضافة في أحد مكاتيب أميرداغ على الشكل التالي :

"نعم إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناء قراءتي لخلاصة، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جدا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلك الخريطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات بإيمان واطمئنان ووجدان جازم شهودي وإذعاني وبسهولة ويسر" .

وهكذا مهما حاولنا ضبط تعريفنا لرسائل النور فإننا لن نصيب إذا لم نتتبع وحداتها أو فقراتها بالبحث في ضوء الأحداث والظروف التي كانت تمر بها تركيا عندئذ. فقراءة هذه الرسائل في ذاكرة الفكر الإسلامي في عموميته أمر فيه مغالطة كبيرة. بل إن الاحتفاظ بالخصوصية الكاملة والتامة لفكر هذه المكتوبات هو الشرط الأساس لوضع أقدام القارئ على السبيل الصحيح (المواضيع تكاد تكون واحدة لكن أسلوب المعالجة والأولويات في ترتيب العناصر وغير ذلك ليس واحدا). فجميع المفكرين في إصلاح أوضاع العالم الإسلامي تطرقوا لمواضيع الاستبداد، والتعليم والعدل، والتنمية، و... ولكن ما قاله محمد عبده يتميز عما قاله محمد إقبال وعما قاله غيرهما. إذ لكل واحد في إطار بيئته اصطلاحاته الشارحة والباحثة عن الحلول.

وعليه أقول، إنها محاولة لتفسير القرآن وتفكر في آيات الآفاق والأنفس، أي نعم. لكن مع ايقاع أو جرس الزمن الإجتماعي والسياسي والحضاري لتركيا الحديثة بهدوئها وضجيجها، بمدها وجزرها.

وخير ما يعكس هذه الصورة سفر صيقل الإسلام في مواضع متنوعة حيث يقول الأستاذ سعيد في إحدى الفقرات "لقد ألقيت نظرة إلى رسالة "المناظرات". وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها فرأيت فيها وفي مؤلفات "سعيد القديم" أخطاء وهفوات. إذ ألف تلك الآثار في حالة روحية ولدها الانقلاب السياسي وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به" .

فلقد أحس بإحساس مسبق أن "رسائل النور" ستنقذ ايمان كثير من المؤمنين وستشد أزرهم... إلا أنه نظر إلى هذا النور من خلال الأحداث السياسية التي واكبت الانقلاب، وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل ... إلا أنه لم يوفق في التعبير عن بشراه توفيقا كاملا .

-كأننا برسائل النور-على لسان مؤلفها- في التجارب  تستعجل أمرا لم يحن أوانه بعد.

ولكن بحلول الحرب العالمية وخضها للمجتمع التركي وخاصة منه تلك العناصر التي كان النورسي يعول عليها في تدشين فجر جديد. تبين له الأمر. فعاد "سعيد الجديد" إلى الاستمرار في مهامه وخالف "سعيدا القديم".

ولا أرى هذه المخالفة إلا في وجهة واحدة هي الوجهة السياسية أما فيما عدا ذلك فنهج رسائل النور بقي حاملا للروح المبشرة والمؤمنة بغد أفضل بثقة كبيرة وعزم أكيد.

"إنني أقسم بما آتاني الله من قوة بل لو كان لي ما لا يعد ولا يحصى من الألسنة لأقسمت بها جميعا، بالذي خلق العالم بهذا النظام الأكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات إلى السيارات، السابحات في أجواء الفضاء. ومن جناح البعوضة إلى قناديل النجوم المتلألئة في السماوات... لايمكن أن يخرج البشر على سنة الله الجارية في الكون ويخالف بقية إخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضي بغلبة الشر على الخير... فهذا لايمكن قطعا"  (فالنصر آت لا محالة)

وتقرير مثل هذا مسند بقسم غليظ لا يمكن أن يصدر إلا ممن يعرف موطئ أقدامه ونتيجة منطوقه.

والشئ نفسه نلحظه في كيفية تعليله للمسألة الحضارية حيث يطرح السؤل التالي :

ما الشر الذي جعل العالم الإسلامي يقف على أعتاب القرون الوسطى بينما طار الأجانب والأوربيون بخاصة نحو المستقبل؟!.

الأمر في تمثله راجع إلى مجموعة من الأدواء التي يعاني منها المسلمون في عهده (وإلى يومنا هذا) من مثل :

1- اليأس : يأس الفرد بالتراكم (=يأسا مركبا) عبر سنين متعددة، ترتب عنه وضع نفسي عويص.

2- الكذب : وهو أنواع كثيرة ومراتب متفاوتة..

3- العدوانية والتباغض وهي ظاهرة نفسية تدل على فقدان التوازن على مستوى شبكة العلاقات الاجتماعية.

4- الجهل بما عند المسلمين من روابط نورانية وخاصة تلك التي تربطهم بالآخرة أو بالحياة الأخرى.

5- الاستبداد وهو حالة نفسية قبل أن تكون سياسية.

6- الذاتية أو حب الذات والظهور.

وبعد. فموقع هذه الرسائل يظهر في كونها متفتقة وصادرة عن واقع مصدوم حيث إن صدمته أتته من : -تكرار الفشل في تسمية الأشياء بأساميها الحقيقية ومن الفشل في إعادة الإنسان الإسلامي إلى موضعه الأصلي.

- فمثلت من ثم رد فعل بناء حول الفرد إلى أمة حيث ظهرت نتيجة ذلك في المجتمع التركي المعاصر.

ودلت أيضا على رد فعل بناء حول الفكرة إلى تجربة ناجحة من ناحية الكيف وذلك من خلال السلوك العملى لطلبة النور في واقع تركيا الاجتماعي.

وخلاصة الخلاصة أن كاتب الرسائل عاش بين الأفكار الخادعة والأفكار المخدوعة بحثا عن - وأملا في تحقيق :- قاعدة مجتمعية شرعية ثابتة لاينخرم فيها أي شرط من الشروط التي تحقق الحياة الكريمة والأخرى السعيدة وذلك بتوفير عنصري : - الأمن، والعدل.

لأجل رد الظلم ودفعه عن الإنسان (وخاصة المسلم). ونجد في ثنايا هذا الحديث تذكير بما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته قائلا:

"لاتحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المقصود بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه" اهـ .


4-) أهل الكتاب والقرآن قراءة في ضوء رسائل النور

أهل الكتاب والقرآن

قراءة في ضوء رسائل النور

أ.د. عبد العزيز شهبر*

1876 ـ 1960هذه هي الفترة الزمنية التي عاش فيها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله. وهي فترة حبلى بالأحداث الكبيرة. وخلالها برز اسم بديع الزمان أستاذا مجددا ومرشدا ومعلما كثر طلابه وعظم تأثيره .

وفي حمأة محاولات الإطاحة بدولة الخلافة العثمانية وما تمثله تلك الإطاحة من ضربة للعالم الإسلامي وللخلص من المسلمين (1)، وفي خضم اشتداد شوكة دول المـنـظـومـة الفكرية المسيحية ، وازدهار أطروحات الاستعمار واستفحال دعاوى الانتصار للفكر القومي والدولة الوطنية القومية ، وتنامي المد الشيوعي وانتشار الصهيونية(2)، وتأسس الأحلاف وانتظامها في معسكر شرقي ماركسي وآخر غربي أطلسي رأسمالي ليبيرالي . . . في خضم كل ذلك ، أبى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلا أن يبني فكرا إسلاميا تجديديا (3) يقارع كل تلك الدعاوى انطلاقا من معجزة القرآن الكريم ومعانيه الخالدة.

إن علم الأستاذ النورسي خلاصة تأمل عميق في آي كتاب الله المبين، وعصارة تدبر وتفكر في أسرار الذكر الحكيم. تدبر وتأمل ارتبط فيهما الإيمان بالعقل، فكان أن تمثل كل ذلك في أسلوب من التأليف عجيب وفي طرائق من التفسير غير مسبوقة، وكانت (رسائل النور) آية «ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم وأثبتت ما كان يظن بعيدا عن العقل كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني للمعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حضيرة الإيمان ، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم ـ وما حوله ـ بأجمعه سيكون ذا علاقة بها …» .(4)

 

لقد اجتهد الأستاذ النورسي رحمه الله عبر رسائل النور وآثار أخرى، واستطاع أن يبين للعالم ثبات حقائق القرآن الكريم وانفتاح أسلوبه على كل العصور وكل الثقافات حتى الثقافة الحديثة. واستطاع أن يؤسس نسقا فكريا واجه الطروحات المعاصرة وبين أن الفكر الإسلامي فكر يقبل التجدد والتطوير دون أن يبتعد عن الأسس القرآنية الثابتة . وقد استوقفتني أثناء قراءتي لآثار النورسي السياقات التي تحدث فيها رحمه الله عن أهل الكتاب وعن النصرانية واليهودية. لقد تشكل موقفه عنهم من خلال ما استخلصه من الآيات القرآنية المتعلقة بهم.

ميز الأستاذ النورسي في رسائله بين فصائل متعددة:

أهل التثليت ،  أهل الضلالة، أهل الغفلة، أهل الكتاب، أهل الهداية، أهل الحقيقة، أهل الإيمان، أهل القرآن . . . وضمن كل خانة من هذه الخانات تندرج جماعة من الناس اختارت لنفسها نهجا وطريقا، ورسمت لها نسقا فكريا خاصا، وتميزت بموقف من الوحي الإلهي وفهم خاص له.

وعلى اختلاف فهمها وموقفها انقسمت أقساما ثلاثة:

قسم فهم مقاصد الوحي ووعى حقائق التنـزيل  فلم يبدل ولم يغير.

وقسم طال عليه الأمد فاتبع هواه وبدل وغير كلام الله عن مواضعه، وبقي جزء من هذا القسم يبحث عن طريق الله وسيدرك لا محالة القسم الأول ويتحالف معه لمحاربة أهل الزندقة. .

وقسم ثالث رأى الضلالة نهجا ومسلكا ومآله الخسران.

وضمن القسم الثاني يدرج الأستاذ النورسي قسما من أهل الكتاب يرى أنهم أحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الكريم. يتعلق الأمر هنا بذلك القسم الذي اقترب من التوحيد؛ يقول : «ستجد النصرانية أمامها الانطفاء أو  الاصطفاء . وسوف تلقي السلاح وتستسلم للإسلام. لقد تمزقت عدة مرات، حتى آلت إلى "البروتستانتية" ولم تسعفها كذلك، وتمزق الستار مرة أخرى، فوقعت في ضلالة مطلقة. إلا أن قسما منها اقترب من التوحيد، وسيجد فيه الفلاح. وهي الآن على وشك التمزق، إن لم تنطفئ فإنها تتصفى وتكون ملك الإسلام ( إذ تجد نفسها أمام الحقائق الإسلامية الجامعة لأسس النصرانية الحقيقية) هذا سر عظيم أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام، وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته».(5)

إن هذه الحقيقة القرآنية تحكم كل السياقات التي يرد فيها ذكر أهل الكتاب وديانات أهل الكتاب. ومادام الدين عند الله الإسلام من آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، ومادام سياق النبوة واحدا، ومادام المصدر واحدا، فإن على أهل الكتاب تصحيح عقيدتهم بالعودة إلى التوحيد الخالص، وليس هناك حسب الأستاذ النورسي معين يمكنهم النهل منه أثناء عملية التصحيح والاندراج في سلك سياق النبوة أوفى من القرآن الكريم. إن النصرانية الحقيقية ليست حسب الأستاذ النورسي إلا تلك التي وردت معالمها في القرآن الكريم ويوم يتدبر أهل الكتاب آيات القرآن الكريم سيلاحظون حقائق كتبهم تتكامل فيه، وسيدركون عندئذ أن لا اكتمال لعقائدهم إلا به. يقول الأستاذ: " إن أهل هذا العصر الذي اغتر بنفسه وأصم أذنيه عن سماع القرآن أكثر من أي عصر مضى وأهل الكتاب منهم  خاصة اْحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ" يا اْهل الكتاب  يا أْهل الكتاب " حتى  كاْن ذلك الخطاب موجه إلى هذا العصر بالذات ،إذ لفظ أهل الكتاب  يتضمن معنى أهل الثقافة الحديثة أيضا ، فالقرِان يطلق نداءه في أجواء  الآفاق و يملأ الأرض و السبع الطباق بكل شدة و قوة و بكل نضارة و شباب فيـقـول : { يا أهل الكتاب تعالوا  إلى كلمة سواء بيننا و بينكم } ".(6)

إن لقاء أهل القرآن و أهل الكتاب أمر قرره القرآن الكريم و حدد عناصره و حدوده: 1- ألا نعبد إلا الله ، 2  –ولا نشرك به شيئا ، 3–ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. وأي لقاء غاب فيه عنصر من تلك العناصر الثلاثة ملغى و نتيجته محددة في قوله تعالى : {فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (7)

يرى الأستاذ النورسي أن عبارة أهل الكتاب تشمل أهل الثقافة الحديثة بكل مكوناتها و توجهاتها. وما دامت هذه الثقافة الحديثة و معها المدنية الحديثة قد استفادت في بنائها من محاسن الأديان السابقة فإنها مدعوة إلى التدبر في القرآن الكريم. و إذا ما كان لها ذلك فسوف تدرك أنها تبقي دون حكمة القرآن ، هذه الحكمة التي تقبل (الحق) نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلا من(القوة)، و تجعل رضى الله و نيل الفضائل غاية و هدفا عوض (المنفعة) و تتخذ دستور التعاون أساسا في الحياة بدلا من دستور الصراع ، و تلتزم رابطة الدين بدلا من العنصرية و القومية السلبية….(8)

إن القرآن وحده استطاع توضيح ذلك الخيط الرابط بين جميع الرسل و الأنبياء السابقين و بين الكتب المنـزلة { قولوا آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهـيـم و إسـمـاعـيل و إسـحاق و يعـقـوب و الأسـباط و ما أوتـي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون}(9) ، انه إذن كتاب جامع لحقائق الكتب السابقة في أصح صيغة و أعجز أسلوب. و ما دام الأمر كذلك فلأهل الكتاب يهودا كانوا و نصارى سواء كانوا من الفريق المتمسك بنصوص الكــتـب المـقــدسة في صـيغـتـها المحـرفـة و المبدلة ،أو كانوا من أهل الثقافة الحديثة ممن انطلقوا من محاسن الأديان و بنوا فلسفات و شرائع ارتضوها منهجا ، مدعوون إلى الوقوف على حقائق القرآن الخالدة و علي دين الإسلام الذي تندرج اليهودية و النصرانية في سياقه { إن الدين عند الله الإسلام}(10) و {ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين}(11) ، و الآية الأخيرة إذا  كانت وفرت في السابق ردا قاطعا على من ادعى نصرانية إبراهيم عليه السلام أو يهوديته ، فإنها جواب على دعاة الدعوة الإبراهيمية في العصر الحديث.

يرى الأستاذ النورسي أن ما ورد من أسس الكتب السابقة في القرآن الكريم دليل على المصدرية الآلهية لهذا القرآن و دليل على نبوة محمد عليه الصلاة و السلام ، و هو أمر يمكن لأهل الكتاب الوقوف عليه من خلال قراءة ناقدة لكتبهم و من خلال قراءة القرآن الكريم.إن الكتب السماوية حسب الأستاذ النورسي رحمه الله ، و على ما اعتراها من تبديل  و تغيير ظلت تحتفظ ببصمات دالة على أصالتها و مصدريتها  ،  ومن  شأن تلك البصمات أن تكون دافعا لأهل الكتاب من أجل التصحيح. يرى الأستاذ أن ورود بشارات متعلقة بمحمد صلى الله عليه و سلم في الكتب السماوية السابقة أمر ضروري و قطعي ، إذ لا يمكن لتلك الكتب أن تهمل ذكر حادثة البعثة المحمدية أعظم حادثة في تاريخ البشرية وتذكر حوادث جزئية. يقول الأستاذ النورسي في شأن الآية الكريمة : {والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هو يوقنون}، ان فيها '' عطف الدليل على المدلول، أي: '' يا أهل الكتاب إذا آمنتم بالأنبياء السابقين والكتب السالفة لزم عليكم أن تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لأنهم بشروا به، ولأن مدار صدقهم، ونزولها ومناط نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في القرآن بوجه أكمل وفي محمد عليه السلام …'' (12) وقد وقف الأستاذ النورسي عند كثير من جمل الإنجيل والتوراة بشرت بهذا النبي الذي ستتلألأ معه الشريعة الإلهية بعد أن جاءت من سيناء وأشرقت في سَـيْـعَــر (13). إن دليل وجود تلك البشارات في الكتب السالفة أمر أقره القرآن الكريم، وتجلى ذلك بشكل واضح في الآية الكريمة على لسان عيسى عليه السلام:{ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة. ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه أحمد} (14)، وقد أورد الأستاذ خبر كثير من أهل الكتاب ممن :" نبذوا الخصومة والعناد وآمنوا بالإسلام بعدما رأوا  أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، وبينوا لغيرهم من العلماء فألزموهم الحجة" (15).

إن تقبل أهل الكتاب لحقائق القرآن ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام أمر لا يخرجهم عن قشرهم فكتبهم لازالت تنطق ببشارات متعلقة بهذا الرسول الكريم، وهم إن صدقوا بتلك البشارات أذعنوا لحقائق القرآن الكريم وآمنوا بمصدريته الإلهية . وإن في الآية الرابعة من سورة البقرة مثلا : " إشارة إلى تشويق أهل الكتاب على الإيمان وتأنيسهم، والتسهيل عليهم. كأنه يقول: " لا يشقن عليكم الدخول في هذا السلك، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرة إنما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ما هو مؤسس لديكم " إذ القرآن معدل ومكمل في الأصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأصول الشرائع السالفة. إلا أنه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير الزمان والمكان؛ فكما  تتحول الأدوية والألبسة في الفصول الأربعة، وطرز التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر …(16)

إن ما بين القرآن الكريم وبعض ما ورد في الكتب السماوية من اتفاق سيدفع المسلمين وفريق من أهل الكتاب إلى التقارب والاتفاق من أجل دفع عدو مشترك واحد هو الملحد المعتدي يقول: " لقد ثبت في الحديث الصحيح أن المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين إلى أهل القرآن للوقوف معا تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فأهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعا لعدوهم المشترك الملحد المعتدي " (17).

والأستاذ بهذا يضع استراتيجية في اللقاء بأهل الكتاب تقوم على حقيقة ثابتة هي تقارب أهل القرآن مع المتدينين الحقيقيين من النصارى من أجل محاربة الإلحاد مع تجميد لكل المناقشات و الخلاقات.

أما الجولة الأخيرة من هذا التقارب واللقاء فحين تسلم النصرانية أمرها للإسلام ويتحقق ما أشار إليه الرسول الكريم بنـزول عيسى عليه السلام وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته (18).إن الفرق بين الإسلام وسائر الأديان ومنها النصرانية حسب بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله هو التوحيد الخالص وهو أمر يبعد المسلمين حكاما ومحكومين من الغرور  والتكبر ويلغي الوساطات بين المسلم وخالقه. ومادام هذا التوحيد أصلا، فسوف يذعن لحقيقته أهل الكتاب في آخر المطاف.

خلاصة القول أن الأستاذ النورسي في حديثه عن أهل الكتاب ظل منسجما مع ما ورد في شأنهم في القرآن الكريم، وظل موجها بما تقره حقائق القرآن الكريم إنه على يقين ثابت من انسجام أهل الكتاب مع الإسلام في آخر الزمان ومن انتصار حكمة القرآن الكريم.

{ ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، أفلا تعقلون ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه  وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المومنين}.(18)

و بخصوص إقامة أهل الكتاب في الدولة المسلمة نجد الأستاذ النورسي يؤمن بضرورة تحقيق مساواة بينهم و بين رعايا هذه الدولة من المسلمين مساواة ينبغي أن تؤصل من القرآن الكريم  و تسترشد بما هو حي من تاريخ الدولة في الإسلام . و بمقابل ذلك اهتم الأستاذ بديع الزمان النورسي بالجالية المسلمة المقيمة في الدول الأوربية المسيحية .                                                                            

_______________

(1)- لقد كان إحساس الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بهذه الطعنات عميقا يقول : " لقد كنت أحس بأن هذه الضربات التي وجهت إلى العالم الإسلامي كأنها وجهت إلى أعماق قلبي " انظر مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور بديع الزمان سعيد النورسي نظرة عامة عن حياته وآثاره. إحسان قاسم الصالحي. ص 49، ط 2، دار سوزلر،  استنبول 1987.

وانظر أعمال المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي : تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1استنبول 1996.

(2) - انظر قصة الأستاذ مع الصهيوني عمانوئيل  كراصو في المرجع السابق ص 30

(3) -  انظر مؤلف النورسي متكلم العصر الحديث ، د محسن عبد الحميد ، دار سوزلر للنشر، القاهرة 1995.

(4) - دليل الخدمة لتلاميذ القرآن ص 24نقلا عن كتاب أستاذنا إحسان قاسم السالف الذكر.

(5) -  اللوامع، ملحق بـ " كليات رسائل النور" 1. الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي ،  ص 845، ط  1. دار سوزلر استنبول 1992.

(6) - الكلمات ترجمة، إحسان قاسم الصالحي، ص 471 ـ 472.

(7) - سورة آل عمران الآية 63.

(8) - الكلمات ، ص 472 ـ 473.

(9) - سورة آل عمران الآية 83.

(10) - سورة آل عمران الآية 19

(11) - سورة آل عمران الآية 66.

(12) -  إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي ص 58 ـ 59. ط 1دار سوزلر استنبول 1994.

(13) -  كليات رسائل النور، 2المكتوبات تأليف بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسـم الصالحي،  ص  219 ـ 234، ط 1، دار سوزلر، استنبول 1992.

(14) - سورة الصف آية 6.

(15) - المكتوبات ص 221.

(16) - إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ص 59.

(17) - اللمعات وانظر مقال الحوار بين المسيحية والإسلام أورسولا سيولر، ضمن بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، ص 37، ط 1، استنبول 1997.

(18) - اللوامع، ملحق بالكلمات، ص 845.

(19) - سورة آل عمران الآيات 63 ـ 67.

_______________

مصادر ومراجع

1ـ القرآن الكريم

2ـ كليات رسائل النور تأليف بديع الزمان سعيد النورسي -ترجمة إحسان قاسم الصالحي:

الكلمات   ط 1  ـ استنبول 1992.    المكتوبات  ط 1  ـ استنبول 1992.

اللمعات    ط 1  ـ استنبول 1993.   الشعاعات  ط 1  ـ استنبول 1993.

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز  (تحقيق) ط 1ـ استنبول 1994.

3ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي. ترجمة أورخان محمد علي. ط 1استنبول 1997.

4ـ بديع الزمان سعيد النورسي-نظرة عامة عن حياته وآثاره ، إحسان قاسم الصالحي. ط 1استنبول 1987.

5ـ المؤتمر العالمي الثالث لبديع الزمان سعيد النورسي تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين ط 1. استنبول 1996.

6ـ بديع الزمان النورسي فكره ودعوته. المعهد العالمي للفكر الإسلامي (الأردن) مركز بحوث رسائل النور ط 1. 1997.

7ـ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي ، ط 1. دار سوزلر القاهرة 1993.

8ـ النورسي متكلم العصر الحديث، د. محسن عبد الحميد . القاهرة 1995.

*- من مواليد مدينة العرائس – المغرب. أكمل دراسته بجامعة غرناطة  قسم الدراسات السامية ودرس بجامعة الكومبلوطنسي قسم الدراسات العبرانية والآرامية وتاريخ الأديان في إسبانيا وحصل على الدكتوراه سنة 1991 شغل منصب رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بتطوان واُعتمد خبيرا في اكاديمية المملكة المغربية  في الدراسات الموريسكية وهو رئيس وحدة البحث في تاريخ الأديان والحضارات الشرقية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب. نشر أبحاثا  بالعربية والإسبانية والفرنسية وترجم عن العبرانية والإسبانية القديمة والبرتغالية القديمة واللاتينية.

 


5-) الطريق إلى اليقين عند النورسي

الطريق إلى اليقين عند النورسي

د: عائشة الهلالي

أستاذة الحديث والتفسير

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

الحضور الكريم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نجتمع اليوم في ضيافة تغني فيها القرائح عن البطون، ونرحب بمن قطعوا إلينا كيلومترات وكيلومترات وجاءوا تطبيقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما يسر الله له به طريقا إلى الجنة) ، فنسأل الله أن ييسر لإخواننا القادمين من بعيد : الطريق إلى الجنة، ونسأله كذلك أن يجعلنا من أهل الجنة آمين.

اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، اللهم اجعل في أبصارنا نورا واجعل في أسماعنا نورا واجعل عن أيماننا نورا واجعل عن شمائلنا نورا ومن خلفنا نورا واعظم لنا نورا واجعل لنا نورا يارب العالمين.

انطلق الأستاذ رحمه الله من يقينيات القرآن الكريم، ليحدثنا عن موضوع اليقين ولا شك أن موضوع اليقين من القضايا الأساسية، ويكفي لذلك أن نعرف قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( اليقين : الإيمان كله) . "وإذا تزاوج اليقين بالصبر أعطى الإمامة في الدين." وقد جمع النورسي رحمه الله بين اليقين وبين الصبر فكانت له الإمامة في الدين. إذا رجعنا إلى القرآن الكريم سنجد بأن كلمة اليقين وردت في خمسة أوجه : وجه التصديق، ووجه الموت، ووجه العيان، ووجه العلم اليقين، ووجه الصدق.

أريد -إن شاء الله تعالى- أن انطلق من : قول ابن مسعود رضي الله عنه ومن هذه الوجوه القرآنية الخمسة لأنظر إلى جهود الأستاذ سعيد النورسي - رحمه الله - لأعرف جهوده في موضوع اليقين.

لاشك أن هذه الجهود التي بذلها الأستاذ في كليات رسائل النور،كانت جهودا مهمة جدا، حيث أنها بلغت عنده حد اليقين، وقد اختبرها في بناء نفسه وإقامة كيانه المنقض، قبل اختبار فاعليتها على مسح جرحات روحه وزرق انشقاقات وجدانه.

من أبرز القضايا التي وردت في كليات رسائل النور : قضية الإيمان وقضاياه الغيبية بعد الموت، وخصوصا منزلة اليقين.

وإذا رجعنا إلى ابن القيم رحمه الله نجده : يصف اليقين بأنه روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل شك وريب وسخط وهم وغم، فامتلأ محبة الله وخوفا منه ورضا به وشكرا وتوكلا إليه وإنابة عليه، فهو مادة مقامات السائر في طريق الله سبحانه وتعالى والحامد له.

في هذه الكلمة القصيرة أحاول أن اقدم اليقين والطريق إليه من خلال رسائل النور، ولكن ما ان عزمت على انتخاب أهم ما يمكن أن يقال فوجئت بكثرة القضايا الداخلة في هذا الموضوع، فصار حالي مثل حال الرجل الذي خرج للصيد فخرج عليه الظباء من اليمين ومن اليسار ومن الأمام ومن الخلف فقال : تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يعيد ولكن ما لا يدرك كله لايترك جله.

أقول وبالله التوفيق :

أولا نقف عند مصطلح اليقين فنجد بأن اليقين عند النورسي هو الإيمان التحقيقي وليس الإيمان التقليدي الذي لايثبت للشبهات والأوهام، أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع مدى وأشمل وأمتن.

- مراتب اليقين عند النورسي:

مراتب اليقين عند النورسي كثيرة جدا وأبرزها:

1 - مرتبة علم اليقين : وهي مرتبة تقاوم الشبهات المهاجمة بقوة ما فيها من براهين.

2 - مرتبة عين اليقين : وتضم مراتب كثيرة جدا، بل لها مظاهر بعدد الأسماء الإلهية حتى تجعل الكون يتلو آيات الله.

3 - مرتبة حق اليقين : وهي مرتبة لها مراتب كثيرة جدا وصاحب هذه المرتبة هو صاحب الإيمان الذي لاتنال منه جيوش الشبهات إذا هاجمته.

بعد أن عرفنا مراتب اليقين، ماهي الطريق إلى اليقين التي يصفها لنا الأستاذ رحمه الله؟

يقول الأستاذ سعيد : "للوصول إلى الله سبحانه طرائق كثيرة وسبل عديدة ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم". لاشك أن الطرق كثيرة لكن المورد والمنهل هو القرآن الكريم، "إلا أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم". يقول الأستاذ النورسي : "ولقد استفدت من فيض القرآن الكريم بالرغم من فهمي القاصر طريقا قصيرا وسبيلا سويا.." سأذكر الآن هذا الطريق الذي ذكره الأستاذ.

طريق العجز، طريق الفقر’ طريق الشفقة، طريق التفكر، يقول الأستاذ : "نعم، إن العجز كالعشق طريق موصل إلى الله بل اقرب وأسلم إذ هو يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية، والفقر مثله يوصل إلى اسم الله " الرحمان" وكذلك الشفقة كالعشق موصلة إلى الله إلا أنها أنفذ منه في السير وأوسع مدى إذ هي توصل إلى إسم الله "الرحيم"، والتفكر ايضا كالعشق إلا أنه أغنى منه وأسطع نورا وأرجى سبيلا إذ هو يوصل السالك إلى اسم الله الحكيم"، ويصف الأستاذ النورسي هذا الطريق ذي الخطوات الأربع "بأنه حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية"  فلا يقصد بالعجز والفقر: إظهاره أمام الناس، وإنما هو إظهار ذلك أمام الله سبحانه وتعالى. فالفقر هنا الإفتقار إلى الله سبحانه وتعالى وليس الإفتقار إلى الناس." أما أوراد هذا الطريق وأذكاره"  يقول الأستاذ رحمه الله :" فتنحصر في اتباع السنة النبوية والعمل بالفرائض ولاسيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان والعمل بالأذكار عقبها وترك الكبائر " أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم (كل خطوة من هذه الخطوات يأتي لها بمنبع لأنه في البداية قال : مورد ومنهل كأننا أمام منبع من الماء إذن سيعطينا منابع هذه الخطوات التي تحدث عنها في القرآن الكريم : ومع الأسف الشديد، لايسمح الوقت، لكي أذكر تفصيل هذه المنابع، ولكن سأذكر الآيات الكريمة التي أحال عليها الأستاذ رحمه الله :

"قوله تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم) تشير إلى خطوة العجز، العجز أمام الله تعالى. (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) تشير إلى خطوة والفقر، الإفتقار إلى الله سبحانه ( ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) تشير إلى خطوة الشفقة ( كل شيء هالك إلا وجهه). تشير إلى خطوة التفكر".(1)

يقول الأستاذ النورسي في مكان آخر من هذه الخطوة، خطوة التفكر وهي طريق موصل إلى الله سبحانه وتعالى : "التفكر نور يذيب الغفلة الباردة، والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة". ونجد كلمة الأوهام وهي كلمة لها علاقة بالجهل، والجهل: نقيض اليقين، لأن اليقين علم، والجهل نقيض العلم، والوهم : نوع من أنواع الجهل، فيقول الأستاذ : " والدقة نار تحرق الأوهام المظلمة اليابسة، لكن إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل "، يعطينا توجيها في التفكر فهناك التفكر في النفس وهناك التفكر في الآفاق،" إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل وفصله تفصيلا بمقتضى الإسم - يقصد اسم الله سبحانه وتعالى- "الباطن" المتعمق إذ كمال الصنعة أتم في تحليله وتفصيله، وإذا تفكرت في الآفاق فاجمل وأسرع ولا تغص و لا تخض إلا لحاجة إيضاح القاعدة ولا تحدد النظر كما هو مقتضى الإسم "الظاهر".(2)

بعد أن تحدثت عن هذه الطريق ذات الخطوات الأربع للوصول إلى الله تعالى، ماهي ثمرات هذا اليقين يقول الأستاذ رحمه الله : في ثمرة من ثمرات اليقين-لأن اليقين له ثمرات متعددة فله ثمرة التوكل وله ثمرة الصبر وله ثمرة الشوق إلى الله تعالى وله ثمار متعددة - الشوق ثمرة من ثمرات اليقين، يحذر النورسي رحمه الله طلابه من جملة عوائق تسقط المؤمن من أعلى جواد الشوق الذي تمتطيه الهمة ويقدم علاجا قرآنيا لهذه الآفات النفسية الحائلة دون السير إلى الله تعالى، لاشك أن الإنسان في بداية سيره إلى الله يحذوه الشوق ولكن بمجرد أن يركب المطية تأتي مجموعة من العوائق، تأتي مجموعــة من الآفـات، تأتي مجموعة من الأخطار، يقول الأستاذ رحمه الله ويسرد لتلاميذته ولنا جميعا، الآفات التي تسقطنا من فوق الجواد الذي نركبه اتجاها إلى الله سبحانه وتعالى : "أولا اليأس وعلاجه قوله تعالى : (لاتقنطوا) .. حب الظهور ونيل التفوق وعلاجه قوله تعالى ( كونوا قوامين) .. الإستعجال وعلاجه قوله تعالى (اصبروا وصابروا ورابطوا) ..الرأي الشخصي المستبد والتفكير الإنفرادي الذي يبدد أعمال الإنسان وعلاجه الحديث الشريف : "خير الناس أنفعهم للناس" ..التقليد : كذلك من الآفات علاجه ( وعلى الله فليتوكل المومنون) .. التسويف وهو العدو الغدار، التسويف الناجم من العجز وفقدان الثقة بالنفس فينشأ منه تأجيل الأعمال الأخروية من اليوم إلى الغد يمسك يد الهمة. أما تحدي هذه المصيبة التي تصيبنا وهي من جنود إبليس وعلاجه ( لايضركم من ضل إذا اهتديتم) .. أما العدو الملحد الذي يحذرنا منه النورسي رحمه الله وهو التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله. فيقول لتلاميذته: أرسلوا عليه الآية الكريمة (فاستقم كما أمرت) .. أخيرا الآفة الخطيرة  حب الراحة والدعة الذي هو أم المصائب ووكر الرذائل فيصفد الهمة بسلاسله وأغلاله ويقعدها عن طلب معالي الأمور ويقذفها في هاوية السفالة والذلة فعليكم أن تخرجوا على ذلك السفاح - يقول لتلامذته- : عليكم أن تخرجو على ذلك السفاح الساحر ويقصد به حب الراحة والدعة أخرجوا له البطل المجاهد الآية الكريمة   ( وأن ليس للإنسان إلا ماسعى) ولننظر إلى تسمية الآية الكريمة باسم البطل المجاهد .(3)

في مكان آخر نجد الأستاذ النورسي -رحمه الله- يحذر  تلامذته من أمراض نفسية خطيرة منها -حرص النفس -العجز- الحسد- فهذه أمراض خطيرة تتخفى على الإنسان في أثواب كثيرة لتقضي على المرء وعلى يقينه يقول الأستاذ النورسي : " إن في الحرص والإسراف عقوبة معنوية معجلة وجزاءا قلبيا إذ يجعل صاحبه ثملا من كثرة الشكوى والقلق فترى العقوبة نفسها بل أشد منها في الحسد والتنافس والغيرة حتى أن الحسد يحرق

صاحبه قبل غيره".(4)

كيف نحافظ على اليقين : ذكر الأستاذ مجموعة من العقبات وذكر مجموعة من الآيات لمواجهة هذه العقبات ولكن أسمى طريق وأحكم طريق للمحافظة على اليقين، وهو اليقين نفسه، الذي قال عنه سبحانه وتعالى ( واعبد ربك حتى ياتيك اليقين) اليقين هنا هو الموت ولذلك اعتمد الأستاذ رحمه الله على الموت : لاكتساب اليقين وللمحافظة على اليقين، وللقضاء على نظر الغفلة وتعويضه بالنظر الراشد.

يقول النورسي لنفسه، وهو يخاطب نفسه : "لا تديرن رأسك جفلة من الموت خائفة من القبر بل حذقي في القبر وانظري إلى حفرته بشهامة واستمعي إلى ما يطلب، وابتسمي لوجه الموت برجولة وانظري ماذا يريد وإياك أن تغفلي، لاتقولي أبدا أن الزمن قد تغير وأن العصر قد تبدل وأن الناس قد انغمسوا في الدنيا وافتتنوا بحياتها فهم سكارى بهموم العيش، ذلك لأن الموت لايتغير" (5) ولذلك يقول الأستاذ لتلاميذته موجها إياهم للأخذ بالأسباب والتوكل على الله : " إن وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص أما إحراز التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين فهو مما يتولاه الله سبحانه، نحن لا نتدخل فيما هو موكول إلى الله حتى إذا غُلبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا."

 هناك نصوص جميلة أخرى، فنحن نعرف أن الأستاذ سعيد قطع مرحلتين من حياته مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد، فلننظر إليه: لما ذهب في يوم من الأيام إلى قمة قلعة أنقرة :" التي أصابها الكبر والبلى أكثر مني فتمثلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة واعتراني حزن شديد وأسى عميق - انظروا إلى الشيخوخة التي يصفها (- من "شيب السنة " - السنة فيها شيب - في موسم الخريف ومن شيبي أنا ومن هرم القلعة ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية ومن وفاة سلطنة الخلافة ومن شيخوخة الدنيا، فاضطرتني تلك الحالة للنظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل أنقب عن نور وأبحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحس به من أكنف الظلمات اللاتي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.

فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثا عن نور ورجاء بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيأة مقبرة كبرى لأبي وأجدادي والنوع الإنساني فأوحشتني بدلا من أن تسليني، ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشا عن الدواء فتراءئ لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي و لأمثالي...

يئست من هذه الجهة أيضا، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة عمري فرأيت أن على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط وهي تنظر إلى، تلك هي جنازتي فطأطأت رأسي ناظرا إلى جذور شجرة عمري فرأيت أن التراب الذي هناك ماهو إلا رميم عظامي وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معا وامتزجا وهما يداسان تحت الأقدام فأضاف إلى دائي داء من دون أن يمنحاني دواء ثم حولت نظري على مضض إلى ما ورائي فرأيت أن هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في دنيا العبث وتنحدر في ظلمات العدم فسكبت هذه النظرة السم على جروحي بدلا من أن تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي ولما لم أجد في تلك الجهة خيرا ولا أملا وليت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيدا فرأيت أن القبر واقف لي بالمرصاد على قارعة الطريق فاغرا فاه يحدق بي وخلفه الصراط الممتد إلى حين الأبد وتترائى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد وليس لي من نقطة استناد امام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولاأملك سلاحا يدفع عني غير جزء ضئيل من الإرادة الجزئية فليس لي إذن أمام أولئك الأعداء الذين لاحصر لهم والأشياء المضرة غير المحصورة سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الإختياري..." (6)

النص طويل ولكن في الأخير نلاحظ بأن الأستاذ غيّر هذه النظرة من نظرة الحزن إلى نظرة التفاؤل حيث نظر إلى الموت نظرة حقيقية، كان يعيش هذا الإضطراب لما نظر إلى هذه الجهات الست التي ذكرتها :" تتوالى علي منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة إذ بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان تمدني وتضيئ تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة مالو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وانواع الظلمات مائة مرة لكانت تلك الأنوار كافية ووافية لإحاطتها. فماذا وقع بعد ذلك الحزن وتلك الوحشة فبدلت تلك الأنوار السلسة الطويلة من الوحشة إلى سلوان ورجاء وحولت كل المخاوف إلى أنس القلب وأمل الروح الواحدة تلو الأخرى نعم إن الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى وحولها إلى مجلس منور أنوس، وإلى ملتقى الأحباب وأظهر ذلك لعين اليقين وحق اليقين ثم إن الإيمان قد أظهر بعلم اليقين أن المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة كما يقول الأستاذ الغفلة التي تبين لنا المستقبل كقبر واسع. أما هو بعد الأنوار ماذا قال ؟ القبر عند النورسي رحمه الله- مجلس ضيافة رحمانية أعدت في قصور السعادة الخالدة ثم إن الإيمان قد حطم صورة التابوت والنعش تحولت صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر – التي نظرها بنظر الغفلة – صارت متجرا أخرويا وصارت دار ضيافة رائعة للرحمان " ثم إن الإيمان قد بصرني بعلم اليقين أن ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة أنها ليست كذلك، النعش والجنازة ماذا صارت ؟ صارت انطلاقا للروح فصارت أهلا للحياة الأبدية ...(7)

لمن يريد أن يعود لهذا التحليل الجيد يراجع كتاب "مرشد أخوات الآخرة " للأستاذ النورسي وهو من كليات رسائل النور  وهو كتاب جميل جدا فيه توجيهات قيمة للأخوات المسلمات وسماها بهذا الإسم (أخوات الآخرة) وكذلك فيه توجيه للشيوخ وللعجائز ويعتبر بأن سن الشيخوخة هو سن الكمال ويعزي الشيوخ والعجائز.

أريد أن أختم، وأرجو أن ينتبه الحاضرون إلى مسألة مهمة جدا وهي أن النورسي رحمه الله فعلا كان ذا يقين وكان ذا صبر وصار إماما في الدين، ولكن لاننسى القولة المشهورة : (وراء كل عظيم امرأة) إن أم النورسي والتي كان اسمها "نورية" من المسائل الغريبة التي لاحظتها- أنها ما أرضعت أولادها إلا وهي على طهر ووضوء، وانظروا إلى كلام جميل جدا في هذا الكتاب، يقول :" وأرجوا أن نقارن وضعنا مع هذا الكلام يقول :" نعم إن أول أستاذ الإنسان وأكثر من يؤثر فيه تعليما إنما هي والدته "، يقول الأستاذ :"هذا المعنى الذي أتحسسه دائما إحساسا قاطعا في شخصي، أقسم بالله أن أَرِسَخ دَرسٍ أخدته وكأنما يتجدد علي إنما هو تلقينات والدتي رحمها الله ودروسها المعنوية حتى استقرت في أعماق فطرتي وأصبحت كالبذور في جسدي في غضون عمري الذي يناهز الثمانين رغم أني قد أخذت دروساً من ثمانين ألف شخص، بل أرى يقينا أن سائر الدروس إنما تبقى على تلك البذور بمعنى أني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى"- انظروا إلى معاناتنا معاناة أطفالنا، معاناة نسائنا ورجالنا ومعاناة مجتمعنا، تصوروا يتذكر الأستاذ ما علمته له الأستاذة في السنة الأولى والدته رحمها الله.

يقول : إني أشاهد درس والدتي رحمها الله وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى من عمري بذور أساس ضمن الحقائق العظمى التي أراها الآن وأنا في الثمانين من عمري.(8)

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

_________________________

1- انظر الكلمات ص558-561

2- انظر المثنوي العربي النوري ص256

3- انظر صيقل الإسلام – المناظرات ص433-434

4- انظر المكتوبات 344- 345

5- انظر الكلمات ص 193

6- انظر اللمعات ص 352

7- انظر اللمعات ص 353

8- سيرة ذاتية ص43

 


6-) العبرة من حياة المفكر الإسلامي بديع الزمان النورسي

العبرة من حياة المفكر الإسلامي

بديع الزمان النورسي

1294 /1379 هـ

1876 /1960  م

د. محمد الكتاني

مكلف بمهمة بالديوان الملكي

الرباط

بسم الله الرحمن الرحيم

العبرة بمعناها العميق ما يكتشفه الفكر من خلال الوقائع و الأحداث من سنن كونية ثابتة، يعبر من خلالها إلى إدراك حتمياتها و قياس ما يتوقع منها إلى ما وقع بالفعل، و بذلك يستشرف معالم المستقبل من خلال التناظر الحتمي بين الواقع والمتوقع بصورة تقريبية، لأن السنن الكونية تدور مع هذا الواقع، متجلية ظاهرة، أو كامنة مستترة. و لكنها مقروءة من لدن ذوي البصائر و العقول. فما يحدث في كل عصر أو في كل طور من أطوار التاريخ، وإن كان لا يتكرر بنفس الصور والهيآت و التفاصيل و الجزئيات، إلا أنه يحافظ على نسقية الأسباب و المسببات. وترابط المقدمات و النتائج، وإذا لم يستطع حاضرنا أن يقرأ الماضي الذي عاشه أسلافنا، لاجتلاء السنن المحركة لتاريخ الإنسان فأي جدوى من قراءة هذا التاريخ؟

ونحن المسلمين من أحوج الأمم إلى قراءة تاريخها، و تاريخ غيرها بهذا الوعي وبهذا الإنفتاح. و تجاوز النظر إليه بوصفه تراكما أو تعاقبا أو ماضيا ولى إلى غير رجعة إلى النظر إليه مختبرا للسلوك الإنساني، يكشف عن النتائج الحتمية لأي سلوك، و القرآن الكريم يطالبنا بهذه القراءة " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبل" (1)

و من مقومات الأمة الإسلامية أن الإسلام بوصفه نظاما و منهجا الهيا للإنسان في حياته، لا يتوفر و حسب على تفاصيل هذا المنهج عقيدة و شريعة و قيما أخلاقية من خلال القرآن و السنة و الفكر المنبثق عنهما، و إنما يتوفر أيضا على تاريخ ممتد عبر فضاءات شاسعة من الزمان و المكان، نقرأه و نستوعبه، فنتمكن بفضله من اختبار قيم الإسلام و منهجه، و من تحقيق مصداقية ما يدعو إليه، وذلك من خلال معترك النضال و التصادم مع عقائد و إيديولوجيات، و شعوب وحضارات، و مناهج و ثقافات. و هكذا ألقى الإسلام أمته في معترك الحياة. و في مختبر التاريخ الإنساني المحكوم بآلياته الثابتة و سننه الإلهية الدائرة.

و لعل في مقدمة العبر المستفادة من تاريخ الإسلام، أنه ظل ثابتا في مجرى هذا التاريخ الإنساني، بعد أن دخل كل صقع من أصقاع الدنيا، و خالط كل شعوب الأرض، و ثبت أقدامه هنا و هناك، برغم الحرب الضروس التي شنت عليه من كل حدب و صوب، و من كل العقائد و الثقافات المخالفة. سواء كانت حربا شنت عليه من داخل مجتمعاته، بالتزييف و التضليل و الشبهات التشكيكية. أو كانت حربا شنت عليه من  خارج أوطانه كالغزو العسكري و الاستعماري.

و في سياق هذا التاريخ المبتلي بأعدائه و بجهل بعض أبنائه تبرز أمامنا ثلاث حقائق:

الأولى:أن الاسلام استعصى على التزييف لحقائقه الكبرى و لمنهجه العام، برغم كون خطة التزييف و التحريف قد شنت عليه منذ القرون الأولى لتحويله عن وجهته ، و ذلك عقب التقائه بالثقافات الشرقية القديمة، و بالنحل و المذاهب التي كان يدين بها اللذين استقبلوه في ديارهم، من الامم في آسيا و إفريقيا. و نحن نقرأ آثار هذا التصادم بينه و بين المعتقدات و التقافات في كتب علم الكلام، و كتب الملل و النحل، فتقف على محاولات التزييف أو التكييف مع المعتقدات الوثنية، وعلى ردود الفعل أو ضدها. و العبرة هنا أن الإسلام من خلال علمائه و مفكريه ظل يحاور و يجادل، و يصحح المفاهيم، و يثبت الأسس و المبادئ. و نلاحظ بإمعان أن الحركة التصحيحية المقاومة للتزييف و للشبه المعترضة و للأبطال المزعوم لم تكن لتفلح في مناهجها و تنتصر على خصومها إلا بقدر ما كان يتسلح به العلماء و المجاهدون و المجددون من علوم و معارف، لا يجد العقل الصحيح مناصا من الإقرار بها و التسليم بمنطقها. لأن الإسلام و هو يدعو للعلم و النظر الصحيح في الأنفس و الآفاق و الاعتبار بالسنن الكونية و القوانين الطبيعية يلزم علماءه بأن يكونوا في طليعة من يمثلون قيم هذه الدعوة القرآنية و إلا كانوا محجوجين أمام خصومهم، و من يفوقهم في تحصيل العلوم و اصطناع مناهج النظر السديد، و لم تقع الإساءة الى الإسلام إلا ممن دعى إليه بغير علم، أو رد على خصومه بغير علم، أو ضاق صدره بالحوار على أساس البرهان.

الثانية: أن الإسلام لم يصمد بحقائقه و قيمه في معترك التاريخ المحكوم بالصراع، و بالشد و الجذب، إلا لأن الله قيض له في كل زمان و مكان من يؤمن بتلك الحقائق و يلتزم بتلك القيم، و يشخص النموذج الأخلاقي بمقوماته الثلاثة، الإيمان و العلم و العمل. و بفضل هذا التشخيص في السلوك اليومي تم اختبار مصداقية المنهج الإسلامي. لأن الدعوة بالقدوة هي المحك على صدق الفكرة وفعاليتها. و التاريخ الإسلامي يدلنا على أن شعوبا و مجتمعات دخلت في الإسلام بعد توقف حركة الفتوحات، كانت تفوق أعدادها تلك التي دخلت في الإسلام في زمن الفتوحات. و كانت الوسيلة هي تمكين هذه الشعوب من تلقي الخطاب الإلهي الذي هو القرآن. و كان تعريب ألسنتها مقدمة لاكتسابها الهوية الإسلامية، و هي هوية لا يمكن اكتسابها على مستوى العقل و الوجدان بغير التواصل مع القرآن.

الثالثة: أن الصمود ضد التزييف و الوقوف في وجه الغزو الفكري و الحرب المعلنة على الإسلام كان لهما مصدر قوة لا تقاوم و لا تتخاذل. و هي التواصل العميق مع القرآن. فمنذ نزل القرآن إلى اليوم ظل بمثابة القوة التي لا ينفد مددها، و مصدر التجديد الذي لا يخبو له شعاع، أو قل " حجة الله البالغة" التي يطالعها العقل في كل عصر، و يجد فيها دليل إثبات حجيتها و صدق مضمونها.

هذه مقدمة لا بد منها نمهد بها لوضع العلامة التركي بديع الزمان سعيد النورسي في إطار عصره، و سياق التاريخ المتصل به الذي حدد له مسيرته الفكرية و أملى عليه المسؤولية التي نهض بها، عن اقتناع و اختيار، و جاهد في سبيل تبليغ ما وقع في نفسه من نورانية القرآن و حكمته و اعجازه في بيئة ثقافية و حضارية، قامت بينها و بين الاتصال بالقرآن حوافز و موانع، و تهيأت لامتصاص الشبه و الأباطيل، و التشبع بالغزو الفكري الزاحف بصوره الزاهية ومغرياته القوية.

ولد سعيد النورسي سنة 1876و هي السنة التي تولى فيها الخلافة العثمانية السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يعد من أبرز و أقوى سلاطين آل عثمان المتأخرين. و كانت الدولة العثمانية قد أخذت طريقها نحو التدهور و التفكك، بفعل تحالف القوى الغربية على تقاسم ميراثها العظيم. فانبرى السلطان عبد الحميد بعد ادراكه لما يتحدد امبراطوريته العظيمة من مخاطر في الداخل والخارج لإتخاد المواقف الحازمة، والإمساك بالسلطة بيد من حديد.

كانت الحروب ضد السلطنة العثمانية تثار هنا وهناك لإستنزاف قواها وكانت النعرات القومية تذكي لهيبها من لدن اليهود والجواسيس والتجار ومن لدن المبشرين والدبلوماسيين الأوربيين . فتتمرد الشعوب المنضوية تحت سلطان الخلافة، في كل من الجبل الأسود والبلقان وغيرهما. ولم يقتصر عمل الدول الغربية تجاه الدولة العثمانية على هذه الحروب الإستنزافية المفتعلة، وإذكاء روح الإنفصال والتمرد لإقتطاع أجزاء منها. وإنما كانوا يعملون على شن حرب تفكيكية مماثلة داخل الكيان الإجتماعي،فشجعوا على إنشاء الأحزاب والجمعيات ذات الأفكار الغربية الليبيرالية " كجمعية تركيا الفتاة" و جمعية "الإتحاد والترقي" وغيرها من الجمعيات السرية التي كانت تعبر عما كان يتطلع إليه المجتمع أوالشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني من تغيير أوضاعها والطموح إلى استقلالها ولذلك قامت هذه الجمعيات بإشاعة الوعي القومي على نحو مثير.

وقد كان لليهود دور كبير في إنجاح الخطط الإستعمارية و القضاء على الخلافة العثمانية. فقد كانوا قد طلبوا من السلطان عبد الحميد مرات عديدة ان يسمح لليهود المقيمين في "سالونيك" بالهجرة إلى فلسطين، ليتخذوا منها وطنا لهم، و أغروا بمختلف المغريات فلم يفلحوا، إذ كان قد رفض هذا العرض مرارا بشدة، ومضي إلى أبعد من ذلك فأصدر أمره بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. وعندما أدركوا أنهم أمام سلطان قوي عنيد، مشبع بفكرة وحدة العالم الإسلامي ووحدة الديار الإسلامية أيقنوا أن زواله هو الكفيل بتحقيق فكرة الوطن القومي لليهود، وأن زواله لايمكن إلا بزوال نظام الخلافة أو زعزعته من أساسه، وتحقق لهم خلع السلطان عبد الحميد سنة 1909. وعلى إثر هذا الانقلاب زحف الجيش المرابط في سالونيك إلى العاصمة "الأستانة "، وانضم  إليه عدد من اليهود والبلغار. وكانت اللجنة التي بلغت السلطان العثماني قرار الخلع تتكون من يهودي ويوناني وأرمني، وعلى رأسها إيمانويل قره صو الماسوني الإيطالي المشهور.

و قد حكم الإتحاديون أي حزب "الاتحاد و الترقي" الذي هو امتداد لحزب "تركيا الفتاة" طيلة الفترة الواقعة بين الانقلاب و سقوط الخلافة. و تعاقب على كرسي "الخلافة" الإسلامية صوريا ثلاثة خلفاء، و قد ظهرت خلال هذه الأحدات فكرة "القومية الطورانية" بقوة، و شاعت لدى الخاص و العام لاتخادها رابطة أساسية بدل "الرابطة الدينية" و هكذا أذكيت روح القومية التركية بدلا من الروح الإسلامية، التي أصبحت تواجه حربا ممنهجة. و أصبح العداء سافرا لكل ما يمت للإسلام من صلة، و لا سيما محاكمة العلماء و نفيهم و تتبع نشاطهم و شن الهجمات على الشريعة الإسلامية، و على من يظهر التعلق بها فضلا عن الالتزام بها.

و نتصور مدى الصراع المرير الذي واجه المسلمين في تركيا من لدن هذه التيارات المختلفة، المتحالفة للقضاء على الهوية الإسلامية و تفكيك كل روابطها وقيمها، و تحويل المجتمع التركي الى مجتمع علماني يقتفي أثر المجتمعات الغربية. و هو ما حققه بالفعل كمال اتاتورك، بعد الغاء الخلافة و إقامة الجمهورية العلمانية عام 1924. فاعتمد القانون المدني السويسري، و قانون العقوبات الإيطالي و القانون التجاري الألماني. و بمقتدى ذلك ألغى العمل بالشريعة الإسلامية، حتى بالنسبة للأحوال الشخصية. ثم فرض على الأتراك اتخاذ القبعة بدل العمامة، كما فرض السفور فرضا على النساء. و اتخذ الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية في اللغة التركية. و بذلك اتضح أن الغاء الخلافة كان مجرد خطوة لالغاء الهوية الإسلامية نفسها. و قد استشهد في معارك الثورة على هذه السياسة آلاف الأتراك، فوجهوا بالقمع، قطعا للرقاب و شنقا على أعواد المشانق و رميا بالرصاص، لمجرد كونهم رفضوا التنازل عن هويتهم واستقلالهم في الحفاظ على تقاليدهم الشرقية الإسلامية.

لقد عانى العلماء المسلمون في تركيا معاناة قاسية خلال العقود الأولى لقيام الجمهورية التركية إذ كانوا يرون الدولة العلمانية القائمة تشجع على الارتداد، وتفرض الانسلاخ من الهوية، على خلاف ما تدعيه النزعة "العلمانية" من توفير حرية الاعتقاد و الممارسة للدين. فاستشهد من أولائك العلماء من استشهد، و هاجر من هاجر، و في مقدمتهم علماء كبار أمثال الشيخ مصطفى صبري (-1954) والشيخ محمد زاهد الكوثري (1952-) و هما معاصران للعلامة بديع الزمان النورسي (-1960)، و متقاربان معه مولدا و وفاة.

و لنا أن نتساءل : ماذا كان الخيار الممكن لعالم مسلم، وسط مجتمع يعيش مخاضا قاسيا ينقله من واقع لآخر؟ أو الموقف الأنسب وسط هذا الصراع الكبير الذي عاشته تركيا خلال الربع الأخير من القرن الماضي و الربع الأول من هذا القرن؟ إن هذه الحقبة القاسية التي كانت بمثابة زلزال هدم كل ما بناه الماضي، وأقام على أنقاضه أبنية جديدة، و لا سيما ما يتصل بالثقافة كانت توقف كل مفكر سلم يومئد أمام مسؤوليته ملقية عليه هذا التساؤل الأساسي مذا يجب فعله؟

مهما يكن الجواب فإن بديع الزمان النورسي أخذ مكانه من واجهة نضالية فكرية و علمية، تحرى ألا يكون لها أية صلة بالسياسة. فآثر العمل في العمق، لتثبيت العقيدة الإسلامية، و النضح عن القرآن بكل الوسائل، و ابراز مضمونه الأخلاقي و المعرفي، الذي يحيط بالحياة الإنسانية و يصلها بخالقها و يعلو على كل قيم الحضارات المادية. و قد ناصر النورسي في جهاده بعض الأفكار الإيجابية التي حملتها الحضارة الغربية، و زيف ما عداها من النزعات و الأفكار الهدامة والمادية. و لعله لم يكن له خيار في هذا الإتجاه بحكم التربية الأساسية التي نشأ عليها و بحكم الوسط البيئي الذي صاغ له شخصيته.

نشأ سعيد النورسي في بيئة قروية متواضعة، و في أحضان والدين شديدي الورع، بقرية نورس بولاية بتليس التركية، بشرقي بلاد الأناضول. و كان كل ما يحيط به في هذا الوسط يلون شخصيته. و أخذت مخايل الذكاء و النبوغ تظهر عليه منذ العاشرة من عمره، فأقبل على العلوم النقلية و العقلية و العصرية، يحفظ منها و يستوعبها، في نهم يثير الإعجاب، و خلال ذلك تشبع بالنزعة التصوفية، واستمع الى مناقب الأولياء و المشايخ و السادة الصوفية باعجاب و تأثر. و لم ينخرط في مناظرة علمية أو جدل علمي إلا خرج منها ظاهرا على خصومه أو رفاقه، مثيرا للإعجاب لدى الشيوخ و الأساتذة، فلقب ببديع الزمان، و هو بعد في سن العشرين. كما انفتح عقله على ما كان يعرفه المجتمع التركي من تيارات اصلاحية و أفكار غربية، فتعاطف مع الأفكار السياسية التي كانت تنادي بضرورة الوحدة الإسلامية، و أعجب بشخصيات أمثال الأفغاني و محمد عبده و الشاعر التركي نامق كمال، و أيد الدستور الذي عاد إليه السلطان عبد الحميد سنة 1908. و أخذ يلقي الخطب في مختلف مساجد اسطنبول، ليظهر العلاقة بين الشريعة الإسلامية و بين نظام الشورى و نظام المشروطية الذي كان يعني يومئذ النظام البرلماني. و جاهر بضرورة تقييد نظام الحياة الدستورية و البرلمانية بالقيم الإسلاميةو بالشريعة التي تقوم على نظام الشورى و حذر من تحول الحرية الى ذريعة للاستبداد ، او للانفلات من القيود الأخلاقية و القيم الحضارية الإسلامية. وقال: " إن مفتاح رقي المسلمين كامن في الحياة النيابية، أو موجود حسب عبارته في الشورى التي هي المشروطية ". لقد انسحق حسب قوله ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت اقدام الإستبداد المعنوي الذي هو الإستعمار الأوروبي. و إن الحرية لهي العلاج الوحيد لإنقاد هذه الملايين من المسلمين من الأسر، فحتى لو تضرر هنا - بفرض المحال - عشرون مليونا منهم من أجل إرساء الحرية فليكن ذلك فداء. إذ نأخذ ثلاثمائة مليون مسلم حر، بدفع عشرين مليون من أسراهم" .(2)

و في فورة الشعور باسترجاع الدستور و استرجاع الحريات و القضاء على الإستبداد  شايع النورسي بعض افكار حزب "تركيا الفتاة " معتقدا أن من أعضاء هذا الحزب من يخدم الإسلام بالفعل، برغم وجود طائفة من الماسونيين المفسدين المندسين وسطهم. كما كان يحسن الظن بدعاة الفكر الحر و بالأفكار الليبيرالية، بغضا منه للاستبداد و الظلم اللذين كانا يطبقان على المجتمع التركي، و يفرقان بين المسلمين و المؤمنين. فالمسلمون في نظره هم الذين يومنون و يلتزمون بالعمل وفق الشريعة. اما المؤمنون فهم الذين يكتفون بالإيمان بالقيم الإسلامية، و لا يعملون بأحكام الشريعة. و ثقة منه في حكم جماعة الإتحاد و الترقي المبنية على دعم الحريات - و هو ما تراءى له في بداية الأمر - طالب الحكومة بضمان مستقبل العلماء بالولاية الشرقية لتركيا. و طالب ايضا بنصيب هؤلاء العلماء من معنى الإتحاد و الترقي و بإنشاء مجلس شورى للإجتهاد أي أنه طالب بإقامة الإجتهاد الجماعي للعلماء لمواجهة تخلف الشريعة في استيعاب شؤون العصر. وكان له أيضا موقف واضح من اختيار نوع الوعي الذي يمكن أن يحقق نهضة الشرق، بين خيارين، ظلا في نزاع عميق لفترة طويلة، و هما الرابطة  الإسلامية والرابطةالقومية . فكان يعلن أن الولاء الديني أو الرابطة الإسلامية هي التي ستدفع بالشرق إلى نهضته المنشودة، و تبعده عن مهالك الفتن و النعرات القومية. و يقول في هذا الصدد:" نحن الشرقيين لا نشبه الغربيين. إذ المهيمن على قلوبنا هو الشعور الديني. فإن بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدر الإلهي،  إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق و يقوده إلى التقدم و الرقي"(3).

و خلال الحرب العالمية الأ‏ولى شارك النورسي في قيادة فرق المتطوعين الذين انخرطوا في هذه الحرب، ووقع في الأسر على يد الجنود الروس. و كان يشغل وقته بوعظ الجنود الأسرى، و إلقاء الدروس عليهم. لقد انخرط النورسي في حياة عصره منذ الحرب العالمية الأولى و تفاعل مع التيارات الفكرية و السياسية، محتفظا بإيمانه الشديد بعظمة الإسلام و بقدرته على خلق مدنية عظيمة تليق برسالته الكونية. و الواقع أن انشغاله كان قويا بمصير العالم الإسلامي الذي كان يبدو من خلال الحرب العالمية بمثابة ريشة في مهب الرياح. رياح المصالح الكبرى للدول الكبرى، و كانت تركيا نفسها أمام تكبد هزيمة ساحقة محققة، و لكن الأمل كان يفعم قلبه، من انبعاث وعي إسلامي شامل، يعود بالمسلمين إلى وحدتهم و تضامنهم تجاه التحديات التي تواجههم، و توقظ وعيهم من خلال نكبات الحروب و دمارها، و الاستعمار و ويلاته، و تدفعهم إلى النهضة البناءة و الصحوة المبدعة.

لم يكن النورسي يرى هذه الحرب التي خاضها الأتراك على كره منهم سوى حرب بين مدنية غربية مادية و مدنية شرقية إسلامية. كانت قد نشبت بين الشرق و الغرب منذ قرون خلت، و استعادت شراستها خلال هذه الحرب الأخيرة، و قد أدرك أنها تنطوي على صراع بين منهجين في الحياة، منهج يعتد بالحق و منهج يعتد بالقوة. و الحق من شأنه العدالة و التوازن و هدفه الفضيلة بدل المنفعة. والفضيلة من شأنها المحبة و التجاذب و دستورها في الحياة التعاون بدل الصراع. فالخلاف عميق بين مدنية تقوم على احترام مقومات الحق، و مدنية تقوم على الاعتداد بمقومات القوة و الصراع.

و يتحرر الأستاذ النورسي من أسر الروس فيعود إلى إسطنبول و إلى معاناته للشدائد و تقلبات الأيام و هزائم المسلمين، و شعوره بالمرارة تجاه انهيار كل ما كان يؤمله من العودة إلى القيم الإسلامية في خضم "علمنة" المجتمع التركي واستأصاله من هويته، و هكذا لاذ بحصن منيع و ملاذ رفيع، ظل مصدر قوة المسلمين في طور من أطوار تاريخهم، و عقب كل هزيمة من هزائمهم، و هو الإنكباب على القرآن لاستعانة وهجه الخالد في النفوس، و تأثيره في العقول عن طريق نقل الخطاب القرآني و تحليله إلى نفوس الإتراك.

كان قد بلغ الخمسين من العمر عندما ألغيت الخلافة الإسلامية، و شرع الحكام في تحويل صبغة المجتمع التركي و ثقافته إلى صبغة غربية وثقافية وضعية. فرغب في الإنزواء من مسرح الحياة الإجتماعية، و آثر التأمل و تعميق الدعوة إلى القرآن و الإبقاء على توهج نوره في قلوب المؤمنين، و دفع ما يراد أن يغشاه من تشكيك أو تهميش. و في هذه المرحلة بدأ سعيد النورسي مرحلة عمر جديدة قوامها خدمة القرآن  و استلهام حقائقه و اكتناه مكنونات علمه، و نبذ كل ما علق بفكره من فلسفات الغرب و مذاهبه، بذلك انتصار القلب على العقل وهي رحلة إستغرقت بقية عمره إلى أن وافته المنية سنة 1960.

ما العبرة التي يمكن استخلاصها من هذه السيرة المجاهدة المليئة بالعبر و القيم والتجارب المثمرة؟

لا نعتقد أن هناك عبرة واحدة يمكن استخلاصها من هذه الحياة المديدة، فالعبر منها تتعدد بتعدد وجهات النظر و مناهج التحليل. و ذلك بالنسبة لرجل خوطب ذات يوم بهذه العبارات:

" يا رجل القدر، يا رجل عصر النكبة و الفتنة و الهلاك".

إنه بالفعل كان رجل مرحلة "التحول" من فلك الإسلام و الحضارة الشرقية إلى فلك العلمانية و الحضارة الغربية، و بما أنه عصر تحول  فقد كان بالتالي عصر نكبة و فتنة و تدمير، بقدر ما كان في نظر الآخرين عصر ثورة و انقلاب و إعادة بناء.

و هنا أعود إلى التمهيد الذي قدمت به لهذه القراءة الموجزة لحياة النورسي، لأن حياته تؤكد بعض الاستنتاجات السابقة. فالنورسي مثل الصمود في وجه التحريف و التزييف، واستعلاء الفكر الغربي في المجتمع التركي. و هو و إن زاوج بين معطيات الثقافة الإسلامية و بين الثقافة العلمية الغربية حتى حدود الأربعين من عمره، إلا أنه رجع بعد ذلك إلى إيثار المنهج العرفاني الذي طبع حياته بصفة نهائية. و يمكن القول بأنه قد ولد من جديد بعد هذه التجربة العقلية والوجدانية التي خاضها بصمود في تجاذب بين الواقع السياسي و مختلف المؤثرات الثقافية و الاجتماعية. لقد ولد من جديد بعد اسقاط الخلافة الإسلامية، واستعلاء النزعة العلمانية، فتعمق ما كان يعيشه المجتمع التركي من تحولات سريعة لا يدري إلا الله ما ستؤول إليه. في هذه المرحلة جعل من القرآن مرجعه الوحيد في سيرته العرفانية، و اعتبر خدمته هي الواجهة الحقيقية لمقاومة كل غزو فكري، للحفاظ على عقيدة الإسلام و مقوماتها. و نذكر في هذا السياق أن حكم كمال أتاتورك قد فرض على المسلمين في تركيا منذ سنة 1932قراءة القرآن المترجم إلى اللغة التركية بدل اللغة العربية، و كذلك فرض أن يطبع المصحف الكريم بهذه اللغة كما فرض اللغة التركية في خطب الجمعة، و فرض الآذان والإقامة للصلاة بالتركية.

لقد شعر النورسي بكل مرارة، و إن لم يعبر عن ذلك بأن مجتمعه الذي انسلخ تدريجيا عن عربية القرآن هو أحوج ما يكون في الوقت الراهن إلى ترجمان لمعاني القرآن. و لهذا السبب اعتبر أن واجبه الأول أن يكون واحدا من هؤلاء العلماء الذين يحافظون على اشعاع القرآن و تأثيره في قلوب المسلمين، الذين حالت بينهم و بين هذا القرآن الكريم حواجز سميكة. فكتب "رسائل النور" باللغة التركية، لتقديم المضمون القرآني إلى المسلم التركي.

و مع ذلك، يمكننا أن نتساءل أي أثر يمكن احداثه في قلب مسلم حيل بينه وبين سماع الخطاب الإلهي في صيغته الإلهية المعجزة؟ و هو نفس السؤال الذي يمكن أن نطرحه في كل وقت بالنسبة لأي شعب إسلامي لا يعرف اللغة العربية. كما نتساءل أيضا: هل كان بالإمكان أن يقع بأي بلد عربي، يتلقى القرآن مباشرة ويصغي إلى خطابه في كل حين، ما وقع في تركيا من انقلاب ثقافي عميق، انقلاب حول المجتمع من هوية إلى أخرى ؟ إن العبرة هنا هي الإنسلاخ من هوية الإسلام.  ومما يؤكد هذه النتيجة أن القرآن يوم نزل لينقل الإنسان من وثنيته وشركه إلى وحدانية الله وتغيير المجتمع، إنما انطلق من هذا الإعجاز القرآني الذي لا يدرك غوره ولا يستطاع تحديده، لأنه خطاب الله المباشر إلى وجدان الإنسان. قال تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه."(4) قال بعض العلماء : لولا أن سماعه حجة وبرهان  على تصديق النبوة وعلى إدراك الحقيقة لما كان لهذا الأمر معنى .

فهل نستمع إلى القرآن اليوم عبر التواصل اللغوي الضروري لإدراك برهانية القرآن ونورانيته ؟ أحسب أن الصراع اللغوي الذي سلط على اللغة العربية قد جرد المسلمين ولا يزال من أسلحة المقاومة، لتقبل الفكر الوافد، بلغات الغرب، بذوق اهله و مزاجهم. فلا يجدون بعد ذلك مساغا للغة القرآن أو هديه. و هذا ما فطن إليه العقلاء من قومنا، فاعتبروا الدفاع عن عروبة اللسان دفاعا عن الهوية الإسلامية. بل هذا مايوقفنا عليه تاريخ المجتمعات الإسلامية منذ القرن السادس الهجري، لأن ابتداء انهيار دولة الإسلام الكبرى كان بابتداء تفككها السياسي، ثم انتقل الأمر إلى اصطناع اللغات القومية بدل العربية، فضعفت العلاقة بين شعوب إسلامية عديدة وبين كتاب الله. لقد استعادت تلك الشعوب في نظر نفسها لغاتها القومية، ولكنها فرضت حاجزا منيعا بينها وبين القرآن. و قام في أوساطها ما يشبه "الإكليروس"، الذي يجعل العلماء الذين يلمون باللغة العربية وسطاء بين الشعوب الإسلامية و بين الإسلام نفسه. ثم طغت العواطف القومية على الأواصر الدينية في العصر الحديث، وجاء الغزو الحضاري والإستعماري فاخترق هذا الكيان المتناثر للأمة الإسلامية لم يستثن من ذلك مشرقا ولا مغربا.

و شجعه على الإغتراب و الشك في الماضي الإسلامي و في ثراته، في حين أيقظ لديه مشاعر التراث القديم الذي يعبر عن أصوله العرقية، و ينمي لديه "الشعوبية"، ضد الأمة العربية. و ها نحن نعيش اليوم الاغتراب بكل معانيه وأبعاده.

و العبرة الأخرى من جهاد النورسي ومن سيرته أن القرآن الكريم يظل مفزع المؤمن عندما تحيط به أسباب الإرهاق و عوامل الإحباط و اليأس، فيجد فيه المدد الرباني و القوة المعنوية الدافقة، بل يجد فيه المنهج الأقوم لتحدي كل القوى المناوئة، كما يجد فيه الخطاب الهادي لكل فكر يبحث عن الحق و لكل قلب يلتمس نور هذا الحق.

يقول النورسي : "أخذتني الأقدار نفيا من مدينة إلى أخرى، و في هذه الأثناء تولدت في صميم قلبي معان جليلة، نابعة من فيوضات القرآن الكريم أمليتها على من حولي من الأشخاص في رسائل أطلقت عليها "رسائل النور" لأنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم "(5). و هكذا جاء تأليف هذه الرسائل و املاؤها على المحيطين به و المريدين له منهجا من مناهج الدعوة إلى الله التي نهض بها سعيد النورسي بعد أن لاحقه النفي و المطاردة، حتى لا يتصل به أحد أو يتأثر بدعوته. و لكنه برغم ذلك وجد في طائفة من مريديه و طلابه وسيلة لاستنساخ تلك الرسائل  بأيديهم و توزيعها. و بقيت هذه الرسائل تنتشر بهذه الطريقة، على مدى عشرين عاما، في غفلة من السلطات التي كانت قد منعت الكتابة بالحرف العربي، و أغلقت كل المطابع التي تعمل بالحرف العربي. و عندما اتسعت دائرة الطلاب من حوله ازداد انتشار رسائل النور بفضل استنساخ كل من يتلقاها لرسالة أو أكثر من تلك الرسائل خدمة للقرآن. فهذه الطريقة كانت بمثابة جهاد خفي، تحدى به النورسي تطويق القرآن بسدود و حواجز لا تعبر. لقد استطاع النورسي بفضل توهج روحه و إيمانه أن يبقى على شعلة الإيمان في شموع تتحدى غياهب الظلام.

و لا يسعنا اليوم و في هذا السياق بعد أن استوعبنا العبرة من حياة النورسي إلا أن نستحضر قوله تعالى : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره ولو كره الكافرون"(6).

بقي أن نقول كلمة عن "رسائل النور". هذه الرسائل التي كانت فيضا من استلهام القرآن، للإجابة عن كل ما يخطر بالفكر المؤمن و الفكر الشاك و الفكر الملحد من مشكلات و معضلات. إنها عبارة عن رسائل و إجابات بلغت ستة آلاف صفحة تستعرض كل ما يملأ الفكر الإنساني من مشكلات و يساوره من خواطر مما يؤكد حيوية الفكر الإسلامي و طاقاته العجيبة في كل زمان و مكان لمواجهة معضلات زمانه و أزمات حضارته. و بهذه الرسائل أثبت النورسي لأمته أن الحضارة الغربية و الثقافة الغربية مهما بلغتا من الإنتشار و النفوذ فإنهما لن تقضيا على جذوة القرآن في نفوس أهله، بل إن هذا القرآن لهو بمثابة المشكاة التي لا تستمد زيتها من غير كلام الله الأزلي.

يقول النورسي نفسه عن المهمة التي قامت بها هذه الرسائل :

"إن أجزاء رسائل النور قد حلت أكثر من مائة من أسرار الدين و الشريعة والقرآن الكريم، ووضحتها و كشفتها و ألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم، وأثبتت بوضوح كوضوح الشمس ما كان يظن بعيدا عن العقل من حقائق القرآن كحقائق المعراج النبوي و الحشر الجسماني، أثبتتها لأشد المعاندين و المتمردين من الفلاسفة و الزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حظيرة الإيمان، فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم - و ما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، و لا جرم أنها حقيقة قرآنية تشغل هذا العصر و المستقبل، و تأخذ جل اهتمامه، و أنها سيف المآسي بتار في قبضة أهل الإيمان" (7).

و يقول عن منهجها :

"ثم إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان انقاذ الإيمان. و لله الحمد فإن رسائل النور قد أنجزت و ما تزال تنجز هذه المهمة و في أصعب الظروف. إن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الامام علي و الحسن و الحسين و الشيخ الكيلاني رضوان الله عليهم أجمعين. اذ تلقيت درس الحقيقة -على طريقة أويس القرني- مباشرة من الامام علي رضي الله عنه بوساطة الشيخ الكيلاني (قدس سره) و الامام زين العابدين و الحسن و الحسين رضي الله عنهم، لذا فإن دائرة عملنا و خدماتنا هي دائرتهم"(8).

و يقول عن علاقتها بالفلسفة:

" إن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور و تصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، و ليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، و تعين الأخلاق و المثل الانسانية، و تمهد السبل للرقي الصناعي هي في وفاق و مصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، و لا تعارضها، و لا يسعها ذلك، لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة و الإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة و اللهو، و حيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها و ذلك بنصبها موازين دقيقة، و دساتير رصينة، و بعقدها موازنات و مقايسات معززة ببراهين دامغة، فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة" (9).

العبرة الأخيرة من هذه الكلمات المتفرقة: أن "النورسي" كان بمثابة "كوكب" في عصره يتلقى نور القرآن وسط مجتمع "أعجمي" ليعكسه على قلوب حائرة، أو باحثة عن الحق و عن الحقيقة وسط تيارات عاتية من الضلال و الالحاد. فكان بحق من الذين ورثوا رسالة "التبليغ" و تحملوها بتفان و إخلاص.

أما العبرة الشخصية التي استفدتها من النورسي و تراثه فهي أنني اكتشفت فيه و من خلاله معنى كون "المؤمن" بمثابة النواة الصلبة التي لا يمكن اختراقها، إذا ما كان هذا المؤمن ينظر بنور الله.

 

_______________________________

(1) سورة الروم: الآية:42

(2)  صيقل الإسلام ص356 .

(3) صيقل الاسلام ص530 .

(4) سورة التوبة: الآية :6

(5) الشعاعات ص 542

(6)  سورة الصف: الآية: 8

(7) الملاحق ص248

(8) الملاحق ص 262- 263

(9) الملاحق ص 286 


7-) التجديد العقدي عند النورسي

التجديد العقدي عند النورسي

د. الحسين ايت سعيد

استاذ السنة وعلومها

بكلية الأداب بمراكش

إن المعتقد هو المحرك للإنسان، وهو الذي يضبط توجهاته، ويحدد له ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يذر، وهو الذي يجلى له حقائق الأشياء فيراها بذلك المنظار، ويرفض مشاهدتها بمنظار آخر. بغض النظر عن كون الرؤية أو المعتقد سليمين أو عليلين.

ذلك أن عملية التفاعل مع الواقع، والتاثير فيه، وتغييره بأفعال الإنسان، تمر من مرحلتين اثنتين :

إحداهما : عملية التصور لما ينبغي أن يفعل، وما ينبغي أن يترك، وما يجوز أن يقدم، وما لا يجوز وما يجوز أن يؤجل، فالعقل يتصور ذلك كله ويرتب جزئياته، وينسقها بعمليات معقدة، حتى تصبح كخريطة بناء يحتذى حذوها، ويقوم على وفقها ورسم بناء عظيم، وفق تلك الخريطة، بلا تزيد ولاتنقص.

والثانية : عملية التنفيذ الفعلي والتطبيق لما تصوره الذهن ورسمه، تنفيذ له في عالم المادة والواقع الخارجي، طبقا لذلك المصدر المعهود، فكل من سعى لفعل شيء أو تركه في الخارج، فإنه يسعى له بعد تصوره وإدراكه، فغير المتصور لايسعى في فعله، وغير المدرك لايتصور وجوده.

ومن هذا المنطلق والسنة الحتمية، يجري جميع العقلاء لتحقيق تصوراتهم وإبرازها، وإخراجها من عالم المُثل إلى عالم الحقائق الملموسات، بغض النظر عن كون تلك التصورات حقا أو باطلا.

وقد لخص الأقدمون هذا كله في عبارة جامعة وجيزة بليغة، وهي قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره ".

وإذا كان للدافع الداخلي وإداركه كل هذا الأثر في العالم الخارجي وكان ذلك غريزة لا يشعر بها أغلب الخلق، وكانت النتائج المترتبة على ذلك، قد تكون حسنة  وقد تكون سيئة، كان الناس بحاجة إلى تفكير جدي ضروري في تصحيح تلك التصورات الغرزية، حتى تكون ثمارها في الواقع يانعة، واشجارها باسقة وارفة الظلال، يأوي إليها، من اضناه الجوع لتشبعه، ومن لفحته السموم لتظله.

وهذا التفكير الضروري، هو أيضا خاضع لمقاييس البشر التي تختلف في معايير القبح والجمال، والمنفعة والمضرة، والمصلحة والمفسدة، والتفكير السديد من التفكير الأرعن، المنسوج بأهواء وغرائز الناس التي لاتكاد تأتلف على شيء. فأملق الناس إلى سنخ آخر، وركن شديد يأوون إليه، من أهواء مضلة، ومصالح متباينة، ليجنبهم كل ملغ من الأقوال والأفعال، وهنا أدركت عناية الله عز وجل هذا الإنسان المكلف، فأرسل إليه رسله تترى، وأنزل له الكتب، تلخصه، من براثن الهوى والشهوة والمنفعة المتوهمة، وبدأت ببناء كيانه الباطني، وشحنه بقوة موصولة بالله، مستمدة من اسم الله هذه القوة هي العقيدة، التي ستتفجر من مخبوء هذا الإنسان، لتصبح عيونا وأنهارا، تسقي الأفئدة الميتة، وتروي الضمائر الهامدة، لتحيا برحيقها العذب، وزلالها الصافي، وتنمو في أحضان التدرج والسنن المنصوبة المشهودة، ولهذا ركز القرآن المكي على هذا الباطن إصلاحا، وتهذيبا، وتغييرا، وتقويما ورصداً ومتابعة، فاستغرق بناء الكيان الداخلي الذي سيشيد عليه صرح البناء الخارجي، مدة أكثر من مدة البناء الخارجي، للدلالة على أن القوة في الإنسان تأتي من الداخل، وليس من الخارج وان التغيير تال لذلك، يأتي من الضمائر، وليس من  المظاهر فإذا تجدرت هذه القوة في الداخل، ونمت نموا طبعيا، وحضنت حضانة حصيفة، وأخذت من الزاد ما يكفيها، فإنه لن يقف في وجهها قوة خارجية، مهما عظمت وتجبرت، وملكت وتملكت، لأن سنة الله جرت أن العاقبة للتقوى، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون.

ولهذا الملحظ عُني علماء هذه الأمة، وأمناؤها على الوحي بأمر العقيدة، وجعلوها أقدس الأوْلويات، وأمعنوا في تقرير حقائقها، وأجمعوا على تبيان مسالكها، ومعضوا من كل من تنكب سبيلها أو قرر غير مضامينها، ومظوا من ينقر لها عن بديل، فاستنارت الأفئدة لذلك بتوجيههم وتذكيرهم، وقوي الوارع، وقل الرقيب، وانتشرت الامانة بذلك والعفة، وأصبح الخدن يبحث مع خدنه في أمر جامع، لا أمر جامح نازع.

ومن هؤلاء العلماء الذين لهم شرف تقرير حقائق العقيدة العلامة المجدد، الشيخ بديع الزمان النورسي - رحمه الله - الذي جدد ولا شك في مجال تقرير العقيدة من جهات.

احدها : ابتعاده عن جدل  المتكلمين في تقرير حقائق الإيمان، فلم يفتعل معركة بين العقيدة والواقع حتى يحتاج لسيف مسلت، ولا كان غرضه الدخول في معارك لا تكاد تنتهي.

وثانيتها: تقرير حقائق المعتقد بلغة عصره وتقريبها بأمثلة حية من العلوم المادية، التي كان الناس يقدسونها في زمانه، وتعنو لها جباههم، ولذلك يكثر في كلامه، ضرب الأمثلة، بالذرات، والنباتات والحيوانات، والكائنات الحية، والطبيعة.

وهذه كلها مصطلحات علمية، تقرب الصورة ، وتقنع الخصم، وتورث الإيمان باستحقاق الله عز وجل لعبودية العباد، وهذا أعز مطلب.

وثالثها : عدم إبعاد نتائج المعتقد عن تقرير حقائق هذا المعتقد، وهي التربية على الأخلاق والفضائل التي تستمد، من نصوص العقائد، وقد فطن لهذه المسألة المهمة، التي كان كثيرون يغفلونها في الدرس العقدي، فيصبح  بذلك جافا لا رصيد له من الواقع، يخرج منه المتلقي كما دخل إليه، لم يبل ببلاله، ولامش من معناه ما يشفي غليله، فوقعت المسافة والشقة، بين ما يتلقنه الشخص، وبين عمله، فضاع الجهد، ومضغت الحقيقة، فأصبح المسلم بذلك فارغاً يبابا ينطبق عليه قول القائل :

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت      مسافة الخلف بين القول والعمل

ولأهمية هذا المعنى - أعني التخلق بمضامين العقيدة - يكثر الشيخ النورسي من التذكير بجلال الله، وجماله، وإحسانه لعباده، وحكمته في خلقه وكماله، ليلفت نظرنا إلى التخلق بهذه الأخلاق، والتحلي بمداليلها، إنه لايكفي ان نتعلم أن الله حكيم، ولانبغي الحكمة ولانتجللها، كما لايكفي ان نعلم ان الله رحيم ولانرحمُ ولانتراحم، وبهذا ربط الشيخ الايمان بآثاره النفسية والواقعية، واعاد وشائج القربى والتلاحم لجزئيات العقيدة، فأصبحت بذلك منتظمة من كلية، تهيمن وتجمع الأشتات. هذه غاية الجدة التي أغفلت منذ أزمنة سحيقة.

هذه الخصائص الثلاث في تصور الشيخ النورسي للعقيدة ، تشمل عنده: الربوية، والألوهية، والنبوات. ولننصت إليه وهو يقرر هذه الحقائق في هذه الجوانب الثلاث من خلال كتابه « أنا »:

1- الجانب الأول : الربوبية :

يقول المؤلف: "إن في حركة كل ذرة وفي سكونها، يتلمع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان... إن كل ذرة من الذرات، إن لم تكن مأمورة بأوامر الله تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفعله، وإن لم تتحول بعلمه وقدرته، فلابد أن يكون لكل ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حد لها. وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء، لأن كل ذرة... تعمل عملا منتظما في جسم كل كائن حي، علما أن أنظمة الأشياء، وقوانين تركيبها، مخالف بعضها بعضا، ولايمكن عمل شيء ما لم تعلم أنظمته، وحتى لو قامت الذرة بعمل، فلا يخلو من خطأ، والحال أن الأعمال تنجز من دون خطأ، فإذن إما أن تلك الذرات العاملة، تعمل وفق أوامر من يملك علماً محيطاً بكل شيء، وبإذنه وبعلمه، وبإرادته... أو ينبغي ان يكون لها مثلُ ذلك العلم المحيط والقدرة المطلقة » .

هكذا سلك الشيخ -رحمه الله- لإثبات ربوبية الله تعالى لخلقه مسلك الحدوث والافتقار، ومسلك عناية الله تعالى بخلقه، وقد استعمل نوع من السبر والتقسيم في حصر الأوجه، ثم نفي ما لا يمكن منها، لإثبات الممكن، وهو المطلوب، وهو في هذا قد لايخرج عن تقسيمات المتكلمين للموجودات، لكنه أبرز القضية في قالب آخر تفهم به بلا عناء، ولم ينسه في صدد تقرير ما قرره أن يبطل خرافة المصادقة، التي كان الفكر المادي الملحد روج لها بكثرة في زمانه، وأرادوا لها أن تكون حقيقة من الحقائق، ولكنها فكرة ماتت، حيث ولدت، وأثبتت التجارب العلمية المخبرية، سفسطتَها وخيالها.

2- الجانب الثاني : الألوهية

يقول الشيخ - بصدد تقرير هذه الحقيقة - : "بل إن خلق تلك اللطائف والحواس والمشاعر في وجودكم، وإدراجها في فطرتكم، إنما يستند على أساسين اثنين :

الأول : أن تجعلكم تستشعرون الشكر تجاه كل نوع من أنواع النعم التي أسبغها عليكم المنعم سبحانه، أي عليكم بالشعور بها، والقيام بشكره تعالى وعبادته.

الثاني : أن تجعلكم تعرفون أقسام تجليات الأسماء الحسنى، التي تعم الوجود كله معرفتها وتذوقها فردا فردا، أي، عليكم الإيمان بتلك الأسماء ومعرفتها معرفة ذوقية خالصة، وعلى هذين الأساسين تنمو الكمالات الإنسانية وبهما يغذو الإنسان إنسانا حقا » اهـ 

هكذا قرر الشيخ العبودية الاختيارية التي هي حق الله على عباده بدليل الانعام الذي يبعثه على عبودية فيها محبة واخلاص، لاعبودية فيها كراهة وانتكاس. لأن كمال العبودية، في كمال المحبة للمعبود، والانقياد له ظاهراً وباطنا.

الجانب الثالث : النبوات

يقول الشيخ النورسي في بيان هذه الحقيقة : "إن في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر تيارين عظيمين وكسلسلتين للأفكار يجريان عبر الأزمنة والعصور... احداهما  سلسلة النبوة والدين، والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة، فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين.. استجارت الفلسفة بالدين، وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته... ومتى انفرجت الشقة بينهما...احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة... والآن لنجد منشأ كل من تلكما السلسلتين... فإن سلسلة الفلسفة التي عصت الدين اتخذت صورة شجرة زقوم خبيثة تنشر ظلمات الشرك وتنشر الضلالة ... وبجانب هذه الشجرة الخبيثة- نشات شجرة طوبى العبودية لله، تلك هي سلسلة النبوة، فأثمرت ثمرات يانعة طيبة في بستان الكرة الأرضية ومدتها إلى البشرية، فتدلت قطوفاً دانية، من غصن القوة العقلية أنبياء ومرسلون، وصديقون وأولياء صالحون... وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا « أنا »... إن النبوة تمضى آخذة وجهاً لأنا والفلسفة تقبل آخذة الوجه الآخر لأنا فالوجه الأول الذي يتطلع إلى حقائق النبوة، هذا الوجه منشأ العبودية الخالصة لله، أي إن « أنا » يعرف أنه عبد لله مطيع لمعبوده...هكذا نظر الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من الأصفياء والاولياء إلى « أنا » بهذا الوجه، وشاهدوه على حقيقته هكذا، فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال.... أما الوجه الثاني فقد اتخذته الفلسفة، وقد نظرت إلى « أنا » بالمعنى الأسمى، أي تقول « إن أنا يدل على نفسه بنفسه... » اهـ .

هكذا قرر الشيخ مسلكين في حال بيانهما او اتخاذهما، مسلك الفلسفة ومسلك النبوة، فالمقارنة هنا، وإن كانت لا تصح في ذاتها، إلا أن الغرض بها، هو الوصول إلى إبطال استقلال الفلسفة عن النبوة، ولهذا الملحظ صحت المقارنة، فالشيخ النورسي، هو فيلسوف كبير، قد خبر الفلسفة وعرف أدواءها، وعلم منعرجاتها الملتوية، ولذلك حينما يتكلم عنها يتكلم ، وهو من أبناء دروبها، فقوله فيها قول صادق، وحكمه عليها حكم عادل، وقد قرر بصفاء إيمانه، وبراعة عبارته، أن الفلسفة- يعني عالم الأفكار، للفلسفة بعينها- لابد أن تخضع للدين والنبوة والوحي، إذا أرادت ان تعبر عن انسجامها التام مع الكون كله، فإذ تفلتت من هذا المرض ومن قيوده، فإنها تصبح وحشاً كاسراً، يأكل ويفترس كل ما أتى عليه، وهذا تأكيد منه  على غلط الفلاسفة حينما زعموا استغناءهم عن الوحي والنبوة.

والشيخ لم ينس بيان ما يترتب على كل من النبوة والفلسفة من نتائج واقعية كافية في الحكم على مدى أحقية أحدهما دون الآخر بالاتباع، ولايخفى تشبيهه البارع لهما بشجرتين، ولفوائدهما بالثمار، وبذلك جمع بين متعة الكلمة ورنينها المشوق، وتقرير الحقائق الكلية المعبرة، التي تمر عبر سلاسة العبارة ومنافذها المتفتحة المفعمة بروح جديدة تسري في كيان الأحياء الحقيقيين، وتقوم بها الحجة لله ولعباده على الجامدين المقلدين أو الأموات الهالكين الذين لاتنفعهم الذكرى، ولايتذكرون.(*)

 

___________________________

(*) ندوة الرباط – جهود النورسي التجديدية – المغرب 1999

 

 


8-) خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

خصائص المنهج الصوفي عند النورسي

الدكتور سعيد الغزاوي

كلية الآداب ابن مسيك

الدار البيضاء- المغرب

كنا دائما نشير إلى عبقرية النورسي وإبداعه الذي جعل معاصريه يلقبونه بديعا، وكنا نشير إلى معادلة يود أن يحقق من خلالها منهجه الصوفي الذي ينكر أي انتساب لطريقة  إلا طريق القرآن والإيمان، ثم  يثبت بحياته و فكره ومنهج تعامله مع  طلابه معالم طريقة صوفية متميزة، فما هي معالم هذا المنهج الفريد المستمد من سيرة حياته والعوامل المؤثرة فيها ومن مؤلفاته وأفكاره؟

أثبتت سيرة حياته تتلمذا على الشيخ القادري عبد القادر الكيلاني  في كتابه " فتوح الغيب "، وقوله "كن طبيبي أيها الشيخ "، كما أثبتت تتلمذه على الإمام الفاروقي السرهندي في كتابه " مكتوبات".

 ونتج عن هذا التتلمذ نـزوع إلى تأسيس طريقته القائمة على " تربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الآخر"، واتخاذ العمل الإيجابي البناء شعاراً دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها.

ونتج  عنه قيادة حركة النور، وانتشارها في واقع المجتمع التركي. كما نتج عنه تأثير في تقويم وتغيير سلوك الفرد لإنقاذه من الصفات الهابطة. وتميز طالب النور بالعيش في المجتمع وقد تطهر من لوثات الضلالة والنفاق لشدة ارتباطه اليومي بالرسائل. وهي دليل عملي على تأثير الرسائل في تقويم السلوك .

كما تميز بالتزام توجيهات أستاذه  القائمة على مجموعة من المبادئ :

1 – توقير الجماعات والطرق فلا تجريح ولا حدة ولا تهور، والاكتفاء بالدفاع مع إظهار روح المصالحة بعيدا عن الأنانية.

2 -  التشدد في مواجهة القسم الفاسد  من الغرب، واستثناء  القسم الطيب النافع.

3 – التزام الطريقة الموافقة لأهل السنة والجماعة، حفظا لحقائق القرآن والإيمان. وسيرا على محجتها البيضاء المنكرة لمطلق الولاية.  والمؤمنة إيمان أستاذها النورسي بأن: "جميع الطرق غير النابعة من القرآن لا توصل الإنسان إلى الحقيقة".

ورغم هذه القيادة الفكرية ينكر اعتبارها مشيخة، ويحيل على رسائل النور "لأن قراءتها أفضل مئة مرة من الحديث معي"(1).هذا ما يعبر عنه بعض المتخصصين في فكر النورسي قوله: " إن رسائل النور ليست طريقة صوفية  بل حقيقة، وهي نور مفاض من الآيات القرآنية، ولم تستق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاصة لهذا الزمان "(2).

كما ينكر في المقابل أية مشيخة إلا مشيخة القرآن العظيم، قائلا: " إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها ..وشمس هذه الكواكب السيارة إنما هو "القرآن الكريم " فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق .. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه" (3).هذا ما يؤكده الأستاذ إحسان قاسم الصالحي مترجم الرسائل قائلا: " لم يكن هناك أي مصدر عند المؤلف سوى القرآن الكريم، فكان يستلهم من الآية معانيها، ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها " (4).

لكنه يوجه المتدبر للقرآن الكريم إلى أن يكون مفسرا وعلامة حقا ومتخصصا في كل علم من العلوم، سواء اللغوية أو الشرعية أو العلوم الكونية. وإلى عدم الوقوع تحت تأثير أذواقه الشخصية، وخلط نهجه واجتهاداته الشخصية بتفسيره، حتى تبقى الحقيقة صافية نقية لا شائبة فيها. 

من هذا النور القرآني نتلمس معالم صوفية النورسي البيانية، متلونة بعبقريته وإبداعه، غير محتاجة لشيخ أو مرشد. إنها بيانية  صادرة عن مجادلة هائلة بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه، إذا قلت إن لغتها قد أشكلت على فهمك، فإن النورسي يقرّ بها، ويلتمس لها عذرا  قائلا: " لا تظنن أني باختياري أشكلتُ عليك عبارة هذه الرسالة، إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش،  والكلمات إنما تولدت في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيها الأنوار مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا، إذ سلكت طريقا غير مسلوك، في برزخ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود " (5).

من هذا النور القرآني البياني نعود إلى فرضية صوفيته، واقفين حائرين أمام هذه المعادلة  التي ترجح حينا بُعده عن الصوفية أو المشيخة أو الانتساب إلى طريقة، وتعضدها  مواقفه وآراؤه في الرسائل، ثم ترجح حينا آخر منهجه الصوفي البياني المبدع  الفريد " تقديرا للتصوف ورجالاته، واقتداء بسلوكهم زهدا وذكرا ومناجاة، ومحبة  ومعراجا وحفظا لحقائق الإيمان.

هذه  شربة من نبع  بديع  الزمان النورسي، تزداد معها شوقا إلى المزيد حتى  ترتوي من نور رسائله وتدرك البون الشاسع بين من يدب في  الأرض، ومن يعرج إلى السماء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

______________________

(1) ملحق اميرداغ / 2 ص 394.

(2) قسطموني ص 202.

(3) المكتوبات ص 457 .

(4) بديع الزمان النورسي ص 150 .

(5) المثنوي العربي النوري 35.


9-) النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

النورسية هوية الأمة التركية الإسلامية

د. محمد أمين الإسماعيلي

أستاد العقيدة وتاريخ الأديان

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - بالرباط 

1- النورسية  في مواجهة العلمنة

ولد بديع الزمان سعيد النورسي سنة 1876 وتوفي سنة 1960 فيكون قد شهد ما يزيد قليلا عن الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مع ما يزيد قليلا عن النصف الأول من القرن العشرين. وهذه السنين التي جاوزت الثمانين عاما تعد من الأعوام الخطيرة في تاريخ الشرق الإسلامي.

لقد فتح النورسي عينيه على أحداث تركيا الجسام، وتلمس أمة كبيرة لها هويتها الإسلامية وأصالتها الدينية فخورة بوجودها الإيماني، تزهو به وتنتخر، لأنها وصلت بالإسلام إلى قمة الحياة والمجد، وسادت على الأمم ؛ بفضل عقيدتها، وأصالتها، ثم أصابها المرض الذي يصيب الحضارات الكبرى، فتاهت وصارت تبحث عن نفسها بين التنظيمات الأوربية المستوردة، وبين الأصالة، وفكرة الجامعة الإسلامية، وأصبح دورها مشتتا  بين الطورانية والعلمانية وفصل بين الإيمان والزمان.

في هذا الوضع  المتلاطم الأمواج، كانت تركيا تبحث عن مستقبل جديد لا يعرف طريق الوصول إليه، باهت المعالم غامض الأهداف، مجهول النتائج، فاقد القدوة، فمنذ أن ظهرت المسألة الشرقية، التي كانت عنوانا لخطط أوربا للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي ونهب ثرواتها بمختلف الطرق والأساليب، وممتلكات الخلافة العثمانية توزع كالفريسة التي تنتهك حرمانها بين مفترسيها، وافتقدت القدوة داخل المجتمع التركي الذي غلب  عليه اليأس والفنوط وهو يرى أمجاده تضيع في ثنايا التاريخ الذي لم يعد يقرأه احد أو يتدبر عبره ودروسه أحد وكانت الأمة اجتثت من جذورها نهائيا.

وتلقت الخلافة ضربة موجعة حينما وجهت فرنسا حملتها على مصر واحتل الانجليز الهند، وتوالت النكبات واختلت الأحداث، وتطور مفهوم المسألة الشرقية، وصار معناه العمل على إضعاف القوة السياسية للإسلام.

وهكذا وقعت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت ممتلكات الخلافة الإسلامية العثمانية وكانت الحرب العالمية الأولى قاصمة الظهر ونهاية الخلافة العثمانية التي دافعت عن الإسلام وأهله قرونا عديدة من الزمن.

 هذا فيما يخص العدو الخارجي، أما العدو الداخلي فكان خطره أعظم، وقد تمثل في دعاوى القومية والوطنية التي حولت حركة الجهاد الإسلامي إلى حركة ضيقة دفاعية تجزيئية ، عكس مقاصد الجهاد في العقيدة الإسلامية، وقاد التعصب بعض رجال تركيا الفتاة  و مثقفي البلاد  العلمانيين إلى الإصلاح الدستوري، ثم العمل على القضاء على الخلافة العثمانية وعلمنة تركيا. فظهرت الثورة الكمالية وتفشت العلمانية التي تعادي الدين، ونتج عن ذلك ظهور الشقاق بين المسلمين، وتطورت النزعات القومية والحركات الوطنية في كافة أجزاء الخلافة العثمانية. وقد واكب النهضات الصناعية التي أسست مجتمعات داخل المدن بعيدا عن أعين الحشمة البدوية  والقروية التي كانت تقيم الأخلاق الإسلامية في حياتها، فكان لابد من قيام حركة إصلاح تحفظ هوية الأمة وتصون أخلاقها ضد العلمانية الزاحفة، ومن ورائها المستعمر الغاشم. وهنا برزت النورسية كمصباح مضئ ما لبث ان عم نوره المبارك كافة ارجاء الخلافة . لقد نشأ النورسي نشأة الحامل للأمانة وتربى ليكون رائدا لأمته ومثالا يحتذى به. "ووقف في مقدمة الصفوف وفي أول الخنادق في اسطانبول لايرضى بمغادرتها إلى أي مكان آخر، يؤدي واجبه المقدس ضد المحتلين بأفضل ما يملكه ".

ولم تستطع جميعة الاتحاد والترقي أن تنال من همته أو تفل من عضده  بل سار سيره في ترسيخ المبادئ، وإنشاء العلم بين الناس. فقد كان رحمه الله قد توقع حدوث الكارثة بالأمة الإسلامية والخلافة، "فكثيرا ما نبه المعنيين والمسؤولين من سلاطين وحكام بأن القرن الآتى هو قرن العلم، لذا فإن المدارس الدينية القائمة آنذاك والتي كانت مقتصرة على الدراسات الدينية فحسب، لا تخرج أجيالا من الشباب قادرة على التصدي للمغرمين بالحضارة الغربية ما لم تطعم هذه الدراسات بالعلوم الكونية الحديثة. لذا فقد حذر وأنذر وأعذر في خطبه الكثيرة ومقالاته الجديدة وتآليفه ومقابلاته الشخصية وتجواله في المدن والأرياف.. كل ذلك لإيقاظ الأمة والمسؤولين من هذه الحملة التي طال امدها ومن الكارثة المتوقعة، ولكن صيحاته هذه لم تلق سوى آذانا صما وقلوبا غلفا لا تعي.. حتى وقعت الكارثة" .

2- النورسية والإصلاح العقدي :

نشأت النورسية نشأة اسلامية خالصة، مدفوعة بإيمان عميق، متوجهة إلى أهداف عقدية صريحة لأن العقيدة هي روح الأمة، والطريق إلى إحيائها  فبدأ بديع الزمان النورسي من إصلاح الفكر العقدي، السائد. فإذا كانت مدرسة الجزيرة العربية سنة 1115 قد خلفت أثرا إصلاحيا وهبت ريحها على العالم الإسلامي، فأثارت عواطف الأمة الإسلامية لتهب لإنقاذ نفسها بدينها بعد ان فشلت تجارب القوميات في أوربا وتهاوت الخلافة على مرأى ومسمع من الشعوب المسلمة، بفعل العامل الداخلي الذي ترك الأخذ بالأسباب، والعامل الخارجي المتمثل في تكالب قوى الشر المتعصبة ضد امة الإسلام قد أعقبت قيام هذه الحركة منها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة ما شومي في أندونيسيا، والمودودي في باكستان والمهدي السوادني في السودان، والنورسي في تركيا.

وإذا كانت مدرسة الشيخ حسن البنا تجسد عقيدة سلفية وحركة صوفية أسهمت في خلق ثورة فكرية تجديدية في التفكير الإسلامي، وحملت لواء الثورة ضد الحركات الإستعمارية في المشرق القريب والبعيد، فإن مدرسة الشيخ سعيد النورسي هي المدرسة الأولى التي حملت لواء التجديد في الفكر الإسلامي في تركيا الطورانية، وبخاصة ضد دعاوى الوضعية القومية المتعصبة التي تهاوت في معاقلها في الغرب قبل الشرق القريب والبعيد، وتنامت مع القادم الجديد الذي عبأ تركيا بغيرما كان ينبغي أن تعبأ به فمالت في أوديتها تيارات تبحث بواسطتها عن ذاتها أو هويتها  هل ترتمي في أحضان الدب الأبيض أو تعود إلى ما كانت عليه قبل الإسلام؟ أم تتمسك بدينها فتحفظ لنفسها الوجود الداخلي والإنسجام الخارجي؟ وسؤالنا قبل ذلك هو : ما الذي دفع النورسي لحركته التجديدية في الفكر الإسلامي للحفاظ على تركيا مسلمة؟

يجيب النورسي على هذا الإشكال فيصف  الإنسان التركي بأنه ذلك المسافر الذي أرسل إلى الدنيا لأجل الإيمان، وأن سعيه ينبغي ان ينحصر في البحث عن الذات، وذلك بسياحة فكرية في عالم الكائنات للإستفسار عن خالقه في كل شيء، والتعرف على ربه في كل مكان، وترسخ إيمانه بدرجة حق اليقين، بوجوب وجود الهه الذي يبحث عنه.

ويصور النورسي هذا الإنسان التركي بالباحث الذي يدعو إلى القيام برحلة سياحة ليتفقد أحواله وذلك من خلال أربع حقائق قدسية تستحوذ على الكائنات وتستوجب التوحيد بدرجة البداهة.

أ- الحقيقة الأولى : هي الألوهية المطلقة : وحقيقة هذه العبودية تتلخص في كونها لا تقبل المشاركة معها، لأن الذين يقابلون تلك الألوهية بالشكر والعبادة هم ثمرات ذات مشاعر في قمة شجرة الكائنات، لذا فـإن إمكان وجود آخرين يشدون انتباه الناس، ويجذبونهم إليهم، ويجعلونهم ممتنين لهم وشاكرين، محاولين تنسيتهم معبودهم الحق الذي يمكنه أن ينسى بسرعة لغيابه عن الرؤية ولاحتجابه عن الأنظار-مناقض لماهية الألوهية ومناف لمقاصدها القدسية، ولا يمكن قبوله إطلاقا.

فهو يربط الناس بالسماء دون إبعادهم من الأرض التي تتطلب منهم العمارة وتحقيق الأثر، فكل من ينسي الإنسان مهمته في الحياة يكون قد استغفله وأخرجه عن مهمته مهما كانت الدعوة التي يوجهه إليها.

الحقيقة الثانية : الربوبية المطلقة : والاعتراف بها يقتضي التعلق بخالق الإنسان ورفض الشريك مطلقا فيها، لأن أهم غايات تلك الربوبية وأقصى مقاصدها هو إظهار جمالها، وإعلان كمالها، وعرض صنائعها النفسية، وإبراز بدائعها القيمة. وقد تجمعت هذه المقاصد جميعها في كل ذي روح، بل حتى في الجزئيات، لذا لايمكن أن تقبل الربوبية الواحدة المطلقة الشرك ولا الشركاء إطلاقا.

الحقيقة الثالثة : الكمالات : ومعناها الإتقان للكون  والحياة والإنسان فجميع ما في الكون من حكم سامية وجمال خارق وقوانين عادلة، وغايات حكيمة إنما تدل بالبداهة على وجود حقيقة الكمالات... ويعني شهادة ظاهرة على كمال الخالق سبحانه الذي أوجد هذا الكون من العدم، ويدير أمره في كل ناحية إدارة معجزة جذابة جميلة، فضلا عن أنها دلالة واضحة على كمال الإنسان الذي هو المرآة الشاعرة العاكسة لتجليات الخالق جل وعلا.

الحقيقة الرابعة : الحاكمية المطلقة : وهي النظرة الفاحصة الواسعة إلى الكون، الذي يرى انه بمثابة مملكة مهيبة في غاية الفعالية والعظمة، وتظهر له كأنها مدينة عظيمة تتم إدارتها إدارة حكيمة، وذات  سلطنة وحاكمية في منتهى القوة والهيبة. ويجد أن كل شيء وكل نوع متملك ومسخر لوظيفة معينة. فما دامت الحاكمية الواحدة المطلقة حقيقة كائنة، وهي موجودة ، فلا بد أن الشرك لا حقيقة له ؛ ذلك لأن الحقيقة الجازمة التي تصرح بها الآية الكريمة ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)  تفيد بأنه لو تدخلت أيد متعددة في مسألة معينة وكان لها النفوذ اختلطت المسألة نفسها. فلو كان في مملكة ما حاكمان، أو حتى لو كان في ناحية ما مسؤولان، فإن النظام يفسد ويختل وتتحول الإدارة إلى هرج ومرج .

هذه الحقائق عند سعيد النورسي يريد من خلالها أن يقول : إن على المسلم في كل مكان وزمان أن يقدر موقفه، وأن يعيد بناء نفسه، وبناء حياته الاجتماعية على ضوء المبادئ النهائية، وأن يستنبط من أهدافه، منه التي لم تتكشف بعد إلا تكشفا جزئيا تلك الحاكمية الروحية التي هي منتهى غاية الإسلام ومقصده-والتي بدونها يفقد وجوده الحر الثابت الذي يتخذ منهجه من الدين الحق الذي هو أحرص من العلم على الوصول إلى ما هو في النهاية حق، وإلى صيانة هذا الحق. ويريد أن يقول إن الإنسان العصري وقد أعياه نشاطه العلمي كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحية الكاملة. وقد استغرق في الواقع الآلي الظاهر للعيان فأصبح مقطوع الصلة بأعماق وجوده -تلك الأعماق التي لم يسبر غورها بعد. والحقيقة في نظر الإسلام الحق روحية ووجودها يتحقق في نشاطها الدنيوي، فالمادة لا تكون لها حقيقة ما حتى تكشف عن أصلها المتأصل فيما هو روحاني.

وخلاصة أمر  النورسي يتجلى في أن منتهى غاية الذات ليس أن ترى شيئا، بل أن تصير شيئا، والجهد الذي تبذله الذات لكي تكون شيئا هو  الذي يكشف لها فرصها الأخيرة لشحذ موضوعيتها وتحصيل هوية أكثر عمقا ورحم الله الإمام الغزالي حينما قال : أنا أريد إذن، أنا موجود.

 


10-) ضرب الأمثال والمجاز في كتابات سعيد النورسي

ضرب الأمثال والمجاز

في كتابات سعيد النورسي

أ. د. جيـن سـمث(1)

يتميز النورسي باستخدامه كلا من القلب والعقل والخيال والفكر في كتاباته. وتعد هذه الميزة، أي قدرته على التعبير بكلمات صريحة ولكن ثرية من حيث قوتها الرمزية والدلالية، من العوامل التي أدامت أثره طوال القرن العشرين إلى يومنا هذا، بحيث مازال يعتبر من كبار دعاة الإسلام ومفسري القرآن. فالذي يقرأ رسائل النور يحس بنار الشوق التي تحرق في قلب النورسي، ويفهم تعليماته، ويتذوق الحقيقة مثله من خلال تصويرات وعبارات حية بل ودهاشة أحيانا. ولما كان النورسي مفسرا للقرآن فهو بطبيعة الحال يريد أن يبين أغمض المسائل القرآنية إلى أبسط الناس، فأصبحت الرسائل تزخر بشتى أنواع التمثيل و المجاز والحكايات التمثيلية.

تقول مترجمة حياة النورسي، السيدة شكران واحدة " إن هذه التمثيلات تجلب وتشد أنظار القراء، كما أنها في الوقت نفسه تيسر لهم فهم أمور لم تكن لتستسغيها عقولهم. وهذه الميزة سبب هام في انتشار رسائل النور وانتصاراتها المتتالية في حقل الدعوة ".

تعتبر التمثيلات والصور التي يرسمها النورسي وهو يصف الحياة والموت والقبر وما بعده في نظرنا من أقوى وجوه التمثيل والتشبيه التي يمكن للقارئ أن يعثر عليها في الرسائل. بيد أن كلمة " يصف " في هذا المقام لا تعكس تعاليم  النورسي حول هذه القضايا المصيرية كما ينبغي. ذلك أن همّ النورسي ليس هو وصف الموت أو البرزخ أو القيامة على الطراز الذي نجده في الكتب الإسلامية التي تناولت هذه المواضيع سواء كانت القديمة منها أم الحديثة. ولا هو يكترث بأن يصف لنا أحوال الحشر والقيامة، تلك الأحداث الهائلة التي يكرر ذكرها القرآن، كما هي موصوفة في كتاب الله، رغم أن ذلك الكتاب كان سلوانه الوحيد، لم يتخذ أستاذا غيره ولم يعتمد في برهانه على شيء ما عدا آياته. كان دأبه في الوصف دأب كتّاب العصر الحديث الذين ركزوا على الأخلاق والإيمان، ولم يبالوا بتفاصيل وجزئيات أطوار الحياة  والموت.

لكن اعتماد النورسي في هذا الصدد على تمثيلات تشير إلى حالات روحية ونفسية، عوض أن تشير إلى حقائق خارجية جعله ينفرد بأسلوب  يميزه عن معظم معاصريه.

كانت ومازالت التشبيهات والتعابير المجازية إلى يومنا من الإجراءات المتبعة في الوعظ منذ قديم الزمان، والعهد القديم من الكتاب المقدس بما يحتوي عليه من ضرب الأمثال أحسن دليل على ذلك. فإذا كنا نريد أن نكشف عن سر قوة التمثيلات عند النورسي يجب علينا أن ندرك بأن النورسي إنما يتبين هذا الأسلوب لأغراض تعليمية، تهدف إلى الوعظ لا الوصف. وأكثر ما يهدف إليه هذا الوعظ هو: مقابلة الكفر بالإيمان ثم إظهار الفرق والتغاير بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن في هذا الوجود.

قد يجد القارئ أن بعض هذه التشبيهات والتمثيلات تتكرر في مواقع كثيرة بينما يتكرر لا البعض الآخر إلا قليلا. والنورسي يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة بحيث كانت ترد إلى قلبه " كاللمعات " لكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حجم كليات رسائل النور ليس بضئيل وأن النورسي كان يكتب لمخاطبين شتى وفقا لاختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، يتيسر لنا فهم سبب تكرار مباحث الموت والقبر في كتاباته.

ولم يكن للنورسي أن يختار الأسلوب ولا الظروف التي يكتب فيها، وهو يعترف بأن تأليفاته كتبت بسرعة، وأنها كانت ترد على قلبه كاللمعات الخاطفة. فلو أخذنا مثالا السرعة التي كتبت فيها رسالة المرضى، والظروف المزعجة التي كتبت فيها رسالة الشيوخ لما عاتب الواحد منا النورسي على هذه التكرارات. سبق أن قلنا بأن ما تميز به النورسي هو تمكنه من المقايسة الصائبة بين تجربة الكافر وتجربة المؤمن بحيث لا يصعب علينا أن نرى بوضوح الفرق والتباين في فكر النورسي بين الإنسان المؤمن والإنسان الذي لا يؤمن إلا قليلا، أو الذي يكاد سلوكه ينافي مقتضيات الإيمان والدين تماما. لذا قليلا جدا ما تراه يدع حظا لوجه التشابه بين الناس حين يصف الموت والقبر لأنه كان يؤمن إيمانا جازما بأن مفهومنا لتلك الحالتين يتفاوت ويتغاير حسب درجة اعتقادنا وإيماننا بالله وإخلاصنا له. ويجدر بنا أن نشير هنا بأن النورسي كان على وعي بمعضلات الحياة الدينية كما كان يدرك أسرارها، فهو بهذه المقايسات بين الإيمان وضده لا يصر بأنه يسعنا أن نقسم المشاعر والنوايا الإنسانية إلي قبيح وحسن كما تقسم الغرفة بفاصل. إن النورسي يعترف بأن الأمر ليس بهذه البساطة إذ يعلمنا بأنه هو نفسه قد فشل في إقامة بعض تعاليم القرآن على الوجه المطلوب في مناسبات عديدة. بل وحتى وصل به الأمر إلى أن يصف نفسه بالمذنب، المكفّن داخل قبره  راجيا رحمة ربه.

إن ما يجعلنا ننجذب إلى كتابات النورسي ليس هو التزامه وتعهده برسالاته فقط، بل محاورته نفسه فيها كأن إلحاحاتها تخصه هو بالدرجة الأولى. وفعلا أن الواحد منا وهو يقرأ للنورسي حين يتكلم عن تقدم سنه وعن الموت الذي ينتظره ليحسّ بأنه ينصت للنورسي وهو يخاطب نفسه. نعم، لقد كان النورسي يدرك بأن الموت بطبيعته شيء مرعب يذعر البشرية بأكملها، لذا لم يتقزز من أن يرشّح نفسه مع الذين يحتاجون إلى السلوان أمام وجه الموت المخيف و مع من هم في حاجة ماسة أن يقنعوا بوجهه الحسن الباعث على الأمل.

يزخر التراث الإسلامي بالكتب التي تبحث في أمور الآخرة والحشر. وكثير منها تلك التي تصف تفاصيل وجزئيات أطوار الموت وما بعد الموت إلى يوم الحشر، تبين فيها كيف أن كلا من تلك الأطوار يعكس نتائج ما قدمه شخصا ما وهو في الحياة من جهة، وتنبئ عما سيكون عليه ذلك الشخص يوم الحساب من جهة أخرى. يختلف النورسي عن هؤلاء في تصويره لهذه المسائل لأنه كان يؤمن بأن أطوار وأحوال الموت والقبر كما سبقنا وأن قلنا، تتعلق مباشرة بعقيدة الناس ودرجة قوة إيمانهم. فبينما هي تبدو مناظر مخيفة وموحشة، فإنها تبدو لصاحب الإيمان وكأنها جنان ترحب.

__________________

(1) استاذة في جامعة هارفورد بأمريكا.


11-) أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

أخلاق النورسى كأخلاق قرآنية

الأستاذ حسين عاشور(1)

إذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج البشرى الأسمى للأخلاق ، وهو القدوة الكبرى للبشرية في هذا الصدد ، فإن من الطبيعي أن يحاول كل مسلم أن يتحلى بما أمكنه من شمائل الأخلاق المحمدية ، ولاشك أن المصلحين والدعاة وأهل العزيمة أكثر حرصاً على التحلي بما أمكن من تلك الأخلاق ، وهكذا فإن الشيخ بديع الزمان سعيد النورسى - ذلك المصلح الكبير – من أكثر الناس حرصا على التحلي بما أمكن من تلك الشمائل ، ولاشك أن نجاح النورسى فى دعوته ووصول رسائله وأفكاره إلى عدد هائل من البشر في تركيا وخارجها يرجع فى جزء كبير منه إلى تحلى الرجل بعدد من الصفات الأخلاقية التي أعطته المصداقية والقدرة على الوصول إلى قلوب الناس، وأعطته الصلابة والقدرة على الصبر على ظلم الظالمين وتعسف السلطات معه في بعض الأحيان. ولأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة في الأخلاق للشيخ النورسى - كان خلقه القرآن ، فإن شمائل الشيخ النورسى مستمدة بدورها من القرآن الكريم ، ولعلنا إذا ما تتبعنا مواقف حياة الشيخ النورسى، وكذا أفكاره وآراؤه واجتهاداته التي اشتملت عليها رسائله نجد أن الأخلاق القرآنية تهيمن على جزء كبير من أفكاره وممارساته على حد سواء، ومن الصعب بالطبع تتبع كل تلك الآثار في مؤلفاته ومواقفه وسيرته ، لأن ذلك يعنى أن نتكلم عن كل شئ تقريبا وكل يوم وكل فكرة ، لأن الأخلاق القرآنية تسرى في كل ذلك سريانا خفيا وظاهرا وشاملا ومستمرا ، ولهذا السبب فإن تركيزنا على بعض المواقف والأفكار سيكون مجرد ضرب نماذج أو اختيار بعض الفاكهة من بستان كبير ، ولا يعنى هذا أن تلك المختارات التي سنقف عندها هي أفضل الفاكهة وأعطر الزهور في بستان الشيخ النورسى، بل هي مثل غيرها الكثير مجرد قطفات سريعة ووقفات أمام خضم هائل من المواقف والأفكار الأخلاقية .وفى الحقيقة فإن الشيخ سعيد النورسى نفسه يلفت نظرنا إلى حقيقة تأثره الأخلاقي والفكري بالقرآن الكريم، قائلا"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري ولا تعود إلى أبدا إنما للقرآن وحده، وقد ترشحت من زلال القرآن" .وقياسا على ذلك فإن مواقف الشيخ سعيد النورسى وحياته ما دهى إلا رشحات من القرآن الكريم .

*  *   *

واجه الشيخ سعيد صعوبات جمة في حياته ودعوته، وقد تنوعت تلك الصعوبات تنوعا كبيرا بدءاً من ظروف شديدة الصعوبة ظهر فيها الشيخ سعيد .. كان المنحنى الحضاري الإسلامي في ذلك الوقت في أسوأ مراحل نـزوله، وكانت القوى الدولية تتآمر على الإسلام والمسلمين، وكانت الخلافة العثمانية تسقط، وكان العلمانيون والدنيويون ودعاة تنحية الإسلام والثقافة الإسلامية والشرع الإسلامي لهم الكلمة الأولى والأخيرة في كل المجالات تقريبا بما فيها المجال الثقافي، أي أن الضغط كان هائلا، ومع ذلك ورغم ذلك بل رغم حالات التعسف الواضحة ضد الشيخ من نفى وسجن وشائعات وحصار، رغم كل شئ نجح الشيخ سعيد النورسى في الصمود،وتوصيل دعوته وكلماته، وهذا يعنى أننا أمام مصلح يتمتع بصفات أخلاقية نادرة، يتمتع بالصبر والثقة في الله،يتمتع بالصلابة والتجرد، يتمتع أيضا بالإخلاص وعدم الرياء، يتمتع بالتجرد وعدم الطمع، يتمتع بما يجعله أهلا لأن يواجه قوى عاتية كبيرة متنوعة داخلية وخارجية، وهو الذي لا يملك إلا قلبه وعقله ولسانه ولا شئ أكثر!!.. يقول الأستاذ مصطفى صنغور أحد ملازمي الإمام في تلك الأيام الصعبة: إن المنظمات الإلحادية السرية كانت تستهدف إزالة الشعائر الإسلامية ورفعها الواحدة تلو الأخرى، وطمس روح الإسلام في الأمة التركية التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون بل منذ عهد العباسيين، ولتحقيق هدفهم هذا بدءوا بتنفيذ خطة تنشئة جيل يقوم بنفسه بعد ثلاثين سنة بإزالة القرآن ونـزعه من القلوب، وفعلا بدأوا بتنفيذ خطتهم هذه ونجحوا في قطع روابط هذه الأمة بالإسلام وسعوا لها بشتى الوسائل، فالقضية إذن ليست قضية جزئية موضعية، بل هي قضية عامة شاملة تتعلق بإيمان الملايين من أبناء الجيل المقبل وتتعلق بالحياة الأبدية لشعب كامل .. شعب الأناضول حيث شهدت تلك الفترة تحولات رهيبة ودماراً فظيعاً، وعداءً شرسا للإسلام والقرآن، ونسى التاريخ المجيد لهذه الأمة البطلة حتى دفعت تلك المنظمات الإلحادية الجيل الناشئ - ولا سيما طلاب المدارس - إلى نسيان ماضي أجدادهم الملئ بالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وذلك بكلام براق في الظاهر لكي يقطعوا صلتهم بالإسلام حتى هيأوا جوا ملائما لإقرار نظام إلحادي سافر. فينبغي وضع تلك الأيام الحالكة القاسية الرهيبة نصب العين لدى دراسة دعوة الأستاذ النورسى وخدمته للقرآن والإيمان". وهذا الكلام من الأستاذ مصطفى صنغور يدل دلالة قاطعة على أن صفات الأستاذ النورسى الأخلاقية كانت عالية جدا وإلا لما استطاع مواجهة تلك الظروف الحالكة القاسية الرهيبة!!..

*  *  *

اهتم الأستاذ النورسى بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت. وفى هذا الصدد فإنه يقتفى أثر الصحابة الذين كان بعضهم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يقعوا فيه. ومن هذه الصفات الأخلاقية السلبية من دسائس شياطين الإنس والجن مثل حب الشهرة، وذلك لصرف خدام القرآن عن ذلك العمل المقدس وذلك الجهاد المعنوي الرفيع، وإفساد الإخلاص وإحباط العمل ومن ثم الفشل في النهاية .وهو هنا يكشف عن جانب حقيقي في شخصيته دون أن يتحدث عنه، وهو التجرد والإخلاص والترفع عن الجاه والشهرة، ولاشك أن ذلك كان أحد أهم عوامل نجاح دعوته ووصولها إلى قلوب الملايين. وثاني هذه الصفات هي الشعور بالخوف، ويرى الأستاذ النورسى أن الطغاة والظالمين الماكرين يستغلون كثيرا هذا الشعور لدى الإنسان فيلجمون به الجبناء، ويستفيد كثيرا جواسيس أهل الدنيا ودعاة الضلال من هذا الشعور لدى العوام، ولاسيما لدى العلماء، فيلقون في روعهم المخاوف ويثيرون فيهم الأوهام بمثل شخص محتال، يُظهر لأحدهم ما يخافه - وهو على سطح دار- فيثير أوهامه، ويدفعه تدريجيا إلى الوراء حتى يقربه من الحافة، فيرديه على عقبه فيهلك، كذلك يثير أهل الضلالة عرق الخوف حتى يدخل بعضهم في فم الثعبان لئلا تلسعه بعوضة .ولاشك أن تمتع الأستاذ سعيد النورسى بعكس صفة الخوف -وهى الشجاعة والإقدام والثقة في الله كان عاملا هاما من عوامل نجاح دعوته، وهى بالتأكيد صفة أخلاقية قرآنية،ومن المفيد هنا أن نذكر حادثة تؤكد شجاعة الأستاذ النورسى ذلك أنه عندما احتل الإنجليز استانبول ودمروا لمدافع في المضيق، سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليزية من المشيخة الإسلامية ستة أسئلة، وكان الأستاذ سعيد في ذلك الوقت عضوا في دار الحكمة الإسلامية فقالوا له : أجب على أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون، فقال لهم: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة بل بصقة واحدة، لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقنا وأخذت بخناقنا ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور .ومن الطبيعي أن موقفا كهذا كان يمكن أن يجر الهلاك والمشقة على الأستاذ النورسى، ولكنه كان يؤمن بأن الشجاعة خلق إسلامي رفيع ينبغي الأخذ به في كل الأحوال،بل أكثر من هذا كان يؤمن أن الشجاعة تنجى من المهالك بعكس الجبن، فهو يقول :إن أكثر من يجرح ويصاب في الحروب هم الذين يهربون، وأن أقل الجنود إصابة هم أولئك الثابتون في مواقعهم، فالآية القرآنية الكريمة تقول :" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "وهى تشير بمعناها الإشاري إلى أن الفارين من الموت يقابلونه أكثر من غيرهم .والصفة السلبية الثالثة هي الطمع، ويرى الشيخ النورسى أن الشياطين يقتنصون الكثير بشباك الطمع، يقول الشيخ سعيد :"الرزق مقدر بالقدر الإلهي، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولذا يجب أن يكون الرزق حلالا، والسعي له مشروعاً بدون إراقة ماء الوجه، وأن الاطمئنان بالقناعة يديم الحياة ويضمن الرزق أكثر من المرتب" . ولاشك أن الشيخ النورسى قد ضرب المثل العالي في هذه الصفة، فقد كان زاهدا، لا يطمع في شئ من حطام الدنيا وتعالى دائما على اللهاث من أجل المال، وكان مثلا يحتذى في رفض تلك الصفة السلبية - الطمع - والتحلى بعكسها وهو القناعة . والصفة الأخلاقية السلبية الرابعة هي التعصب والعنصرية،والشيخ سعيد النورسى هنا يفند أفكار دعاة القومية التركية، ويعتبرها عملا من دسائس الشيطان لأنها تأتى على حساب الانتماء الإسلامي، وبديهي أن الشيخ سعيد النورسى وهو الكردي الأصل كان يعكس الانتماء الإسلامي والإنساني الواسع الفسيح، فوجه دعوته الإصلاحية للكرد والأتراك والعرب وغيرهم على حد سواء، وكان يرفض دعاة العنصرية والتعصب للقومية التركية أو الكردية أو أى قومية عنصرية. والصفة الأخلاقية السلبية الخامسة هي الأنانية والغرور،ولاشك أن الشيطان يدفع الإنسان إلى الفساد والإفساد وتخريب الأرض عن طريق إثارة نـزعة الغرور والأنانية فيه، ولاشك أن الشيخ سعيد النورسى قد تخلى عن الغرور والأنانية وإلا لما وصلت أفكاره إلى هذا العدد الهائل من الناس، حيث إن المغرور والأناني لا يمكن أن يصل إلى قلوب الناس مهما كانت درجة ذكائه إلا في حالات استثنائية وهى مؤقتة سرعان ما تتلاشى … أما استمرار الأجيال وتواصلها في الاقتداء بالشيخ النورسى يدل دلالة قاطعة على نفسية بسيطة غير مغرور وعن أنا غير متغطرسة. يقول الأستاذ النورسى: إن أخطر جهة من الأنانية هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصا لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل. والصفة الأخلاقية السلبية السادسة هي حب الراحة والدعة، ولاشك أن الشيخ الأستاذ سعيد النورسى قد تمتع بعكس هذا الخلق السلبي، لا يركن إلى الراحة والدعة، بل شديد الحماس والنشاط وبذل الجهد في سبيل خدمة العلوم الإسلامية أو الدفاع عن حقائق الإسلام أو فضح أفكار الظالمين والملحدين، ويرى الأستاذ سعيد النورسى أن هناك طرقا شيطانية عديدة لفتنة الإنسان ودعوته إلى الدعة والراحة وصرفه عن الحماس والنشاط، ويؤكد الأستاذ النورسى على أن الإسلام يحض على الصبر والنشاط والهمة لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ". وهكذا فإن الشيخ سعيد النورسى كان يتمتع بحق بالصفات الأخلاقية الإيمانية، وهى أخلاق قرآنية في جوهرها، وهكذا فإن أخلاق سعيد النورسى كانت أخلاق قرآنية. (*)

 

___________________

(1) المشرف العام لمجلة المختار الإسلامي، القاهرة

(*) المؤتمر العالمي السادس لبديع الزمان سعيد النورسي


12-) مقدمة كتاب الرجل والاعصار

مقدمة كتاب الرجل والاعصار

الأستاذ الدكتور عمّار جيدل

الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين،وبعد  

المترجَم له بهذا الكتاب ليس عالما عاديا فضلا عن أن يكون رجلا عاديا، والتعامل مع أمثال هذا العالم الفذ، يقتضي حضورا قلبيا وعقليا في تواكب وتناغم، إذ التعامل معه بأحد المنطقين يضيّع الحقيقة المفردة (غير قابلة للتجزئة) المكوّنة لرسائله المعروفة برسائل النور ويضيّع الخطوط الرئيسة في فهم شخصيته .

إنّنا أمام شخصية متكاملة تقطر إخلاصا وتتّقد ذكاء ودقة تحليل وتنبجس أفكارا في حيوية لافتة للانتباه، إنّنا أمام عَلَم يعتصر قلبُه ألما لما آل إليه أمر أمّتنا، ويتدفّق حيوية في تلمّس مسلك إخراجها من أزمتها، أزمة اختصرها رحمه الله في الخطر الذي يتهدد الإيمان في العصر الراهن. إنّه خطر يرغب في اجتثاث الإيمان من الجذور. ولا شك أنّ طبيعة الأزمة الراهنة لا تختلف عما ذكره الأستاذ رحمه الله، ومن هنا ما زال تحليله حريا بالعناية من جهة وقابلا للاستثمار في صناعة الحاضر والمستقبل وفق ما تحدّده مطالب الإيمان من جهة أخرى. جعل بديع الزمان إنقاذ الإيمان  وصدّ الإلحاد مقصدا رئيسا في رسائل النور؛ فكان رغم الصعاب المتمثّلة في المراقبة التي لا تغادره يتحيّن فرص تبليغ ذلك المقصد النبيل؛ فكان يتجاذب الحديث مع من وفّقوا إلى لقائه، ويخاطبهم حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة. فينصبّ حديثه مجملاً حول أهمية الإيمان في الوقت الحاضر، وكان يصرّح بملء فيه بأنّ القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن .

واعتبر رحمه الله أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد، وحماية الإيمان وإنقاذه حماية لأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لهذا فالمرافعة مطلوبة حتى بمنظور وطني، لأنّها وطنية صادقة، ترمي إلى حماية البلاد والعباد من الوقوع في مخالب الأمراض القاتلة كالكفر والإلحاد اللذين هما أخطر من الطاعون والسل.

 الإيمان الفاعل أقوى من صولجان السياسة، وبرنامج مكثّف يسع الحياة كلّها، إذ لو كانت لنا مائة من الأيدي لما كفت في حمل النور المنبعث من الإيمان، ذلك الإيمان الذي كان وسيبقى أساس مسلكنا الحاث على الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين (نعمل عملاً إيجابيا بناءً)(1).

يهدف بديع الزمان النورسي في إطار إنقاذ الإيمان إلى المصالحة بين المدرستين الدينية والحديثة، والتأسيس لأقصر طرق الفعالية الإيمانية، والبرهنة العملية بالحال (قبل المقال) على أنّ رسائل النور مصدر قيم الخير وصدّ الشر، وأساس التواصل الإسلامي والإنساني، زيادة إلى كونها طريق تحقيق الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبّة وإعلاء كلمة الله التي هي أساس الشكر والعبادة، والتأسيس القلبي والعقلي للشفقة والمحبّة، إنّنا أمام مسلك يؤكّد أنّ الإيمان يعطي الحياة معنى، يدفع الأمراض الاجتماعية، وينقذ الإنسان ويستجيب لحاجاته، ويسعفه على تجاوز الهلاك ويليّن قلبه ويبعث الصلة بين إيمانه وأخلاقه، فتظهر في تصرّفاتنا الأخوة والمحبّة والتضحية الاتّحاد .

إذا أردت دليلا عمليا تطبيقيا على حسن تلك الأهداف ونبالتها وسبل تمثّلها؛ فإليك الدليل بالحال قبل المقال، الفرصة سانحة، اقرأ سيرة هذا الرجل الفذ، ولكن لا تقرأ سيرته قراءة الرواية أو قراءة جافة مجرّدة، بل ينبغي المزاوجة بين حضور القلب والعقل وصدق التوجّه في التعرّف على سيرته، تيسيرا لاستيعاب تلك السيرة العطرة وتمكينا لفهم ظروف ولادة ما جادت به قريحة هذا الرجل من جهة، وأهمية أفكاره في فهم الماضي واستيعاب الحاضر والتخطيط الجيّد لصناعة المستقبل من جهة أخرى .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل (*)

_________________________

(1) السيرة الذاتية لبديع الزمان النورسي

(*)مقدمة للأستاذ الدكتور عمّار جيدل على كتاب ( الرجل والاعصار ) سيرة ذاتية مختصرة لبديع الزمان سعيد النورسي لاحسان الصالحي

 

 


13-) النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية

أ. د. عشراتي سليمان

استوعب النُوْرْسي معنى الإنسانية ضمن وعي ديني كوني مفتوح على العالمية.. إذ الإسلام هو دين الله الذي لا يقيم الحواجز بين البشر وإن ألحدوا، وإن تباينت عقائدهم. فالمسلم يؤاخي في التوحيد اليهودي والمسيحي والكتابي عامة، ولا يرى فيهم أعداء أو خصوما ما كان الاحترام والقسطاس مرعيا بينهم، بل ويؤاخي كذلك الملحد والوثني بحكم الرابطة الإنسانية، ويشفق عليهما ولا يهينهما أو يزدريهما ما بقيا في حدود قناعتهما، ولا يسعه عندئذ إلا أن يتمنى لهما الهداية.

ذلك لأن النُوْرْسي يرى في مخلوقية الإنسان ذروة الإعجاز الذي شاء الله أن يجسد من خلاله قدرته ومطلقيته، إذ الإنسان هو تاج الوجود ، وكل ما أبدعه الله من أكوان ونعم وأفضال ، إنما هي لفائدته ولتكريميته:

"كذلك الإنسان الذي هو ثمرة شجرة الكائنات، إذ المقصود من إيجادها إنما هو الإنسان وغاية إيجادها إنما هو الإنسان، وغاية إيجاد الموجودات هي الإنسان، وبذرة تلك الثمرة قلب الإنسان ، وهو أنو مرآة للصانع الجليل وأجمعها. 

كما نشأ إدراك النُوْرْسي لمعنى الإنسانية من خلال صلة روحية وعضوية جمعته برائع النماذج القطبية التي تواصل معها بواسطة ثقافة بيته الصوفية، حيث كان - وسيبقى - الضمير الجماعي لتلك البيئة يكبر ويمجد تلك النخب الصالحة من الأقطاب، والتي كانت سيرتها كما تواترت وتلقتها الأجيال، مجالا للعظمة والكمال والقدسية.. من حيث طفق الوجدان الفردي والجمعي يستلهم شواهد التضحية والصبر والتجرد والسماحة والبذل.

لقد أنبأتنا سيرة النُوْرْسي واعترافاته أنه ظل منقادا إلى تأثير الأفذاذ من رجال التصوف وأهل السلوك، وأنه انحاز إليهم بمواجده وأن خميرة قيمه الإنسانية تأتت من نفاذ ذلك الوهج المعنوي الذي كان يتلقاه من سيرتهم. لقد تسامى هؤلاء القديسون الأطهار ونظروا إلى الكون والوجود من منظور رباني، فأضفوا محبتهم وسماحتهم وكرمهم على كل شيء، لاسيما على الإنسان، فلا غرابة أن تغدو البشرية جملة قريبة إلى قلوبهم يعطفون عليها ويرأفون بها وينظرون إليها بعين الإشفاق..

على ذلك النهج سار النُوْرْسي، وفي ظله تشكلت رؤيته للكون والإنسان، وعلى خطا الأطهار بلور عقيدته ونظرته إلى الكون وعلاقته بالمخلوقات وفي مقدمتها الإنسان.. فلا عجب أن تتفتح دعوته على الإنسانية قاطبة، وأن تتميز رؤاه ببعدها الشمولي الذي لم يغفل أي بعد من الأبعاد المحققة لفردية الكائن البشري ، باعتباره المخلوق المكرم في هذا الكون.

لقد ارتكزت روحية النُوْرْسي على دعامة الإيمان بالله ، فتواصلت أعماقه مع الله وتواشجت مع مخلوقاته وفي طليعتها الإنسان. لقد ورث عن بيئته الأولى حسا توحيديا حيا، فالانغلاق الذي عاشته بيئاتنا التقليدية كان له فضل كبير على حفظ القيم وصون الايمان، حيث أن جو الانقطاع الاجتماعي الذي تعيشه القرى والمداشر يعزز قابلية التوكل على الله ، ويقرب عالم الغيب إلى النفوس، فثقافة العزلة نفسها تشحذ روح البسالة والتوكل على الخالق فهي من ثمة سبيل معزز للايمان .

ذلك لأن النفوس في رتابتها المعتادة تعيش التفرغ ، ولما كان التفرغ في البيئة الإسلامية يعني التوجه إلى الله والاشتغال بما يعطي للحضور الإلهي كثافته ومحسوسية على صعيد الروح والنفس، فقد تكيفت روح النُوْرْسي منذ نشأتها على هذا الحضور الإلهي الذي يلازمها أينما توجهت، الأمر الذي ولد في النفس هذه القوامة التي تترتب في كنفها النـزعات والمطالب. ثم إن العقيدة الإسلامية بما تحمل من منظومة قيم ومبادئ إنما هي عقيدة إنسانية بلا منازع.

إذ الطبقات العليا من رجالاتها، ممن يعدون مناط القدوة والأسوة بدءا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، يعتبرون جميعا مصادر شحن وشحذ للهمة والرحمة والسمو. كما أن أحداث التاريخ الإسلامي تعد صعيدا حافلا بوقائع السماحة التي تشمخ بها معاني الإنسانية. وكلها تعاليم وقيم تمرس عليها النُوْرْسي، وتشبع بها، وحملها شعاراتٍ، واتخذها سلوكا ورسالة عمل على تحقيقها  بكل استماتة .

لكن النُوْرْسي عاش في مرحلة تأجج فيها الصراع الحضاري بين الغرب والشرق على أشرس ما يكون التأجج ، فقد استأنف الغرب حملاته الصليبية واستهدف بها العالمين، يستأصل الأمم ويهجرها بالملايين من قاراة لأخرى، ويمسح الشعوب تدجينا لها لتتقبل وجوده وسيادته عليها ، وكان صراع الصليبية مع الإسلام ذروة المخاض العراكي الذي شهده القرنان التاسع عشر والعشرون، الحقبة التي عاشها النُوْرْسي، واصطلى بلهبها.

تلك هي تقريبا الأسس التي ارتكزت عليها إنسانية النُوْرْسي ، هذه الإنسانية التي سنراها تتخصب وتغتني في تالي مراحل حياته.. حيث سنجد الرؤية تتكيف مرتين، الأولى يوم دخل استانبول نكرة لا يعرفه أحد تقريبا، فقد كان طبيعيا في ذلك اللقاء الأولي بالمدينة أن يتوسع إطار الوعي لديه وتمتد ظلال الفهم وتتخصب الرؤية بأبعاد أخرى يتعزز في ضوئها وازع إنسانيته.

كما أن عودته إلى نفس الصعيد المدني، من خلال ملابسة الأوساط المدنية ومرجعيات المجتمع الحضري ، أثناء الحرب الكونية الأولى، قد عمق ذلك التكييف الذي رأيناه يتعهد به مثله وقناعاته الإنسانية .. وهو ما أسفر عن تحول في المسيرة ، تحول جعله يختار موقعا أكثر استراتيجية في تفعيل الأحداث والتاريخ، وفي تكريس رؤيته الإنسانية المستمدة من القرآن..

لقد نضجت رؤيته الإنسانية في كنف الحياد والتسامي والتأمل .

حقا إنه نافح عن الإسلام والمسلمين ، وصاول عن انتماء وحضارة ، لكن العقل يثبت أن دفاعه عن تلك القيم والمقومات إنما كان دفاعا عن الإنسانية، إذ لم يكن الإسلام يوما - ولن يكون - إلا حضارة مشرعة للعالمين، ومثابة تمحي فيها العصبيات والانتماءات ، إذ الانخراط في سلك الإسلام انخراط في الكونية بأسس حددها الله ، وأثبتت القرون من الازدهار الحضاري الإسلامي أنها – حقا - أسس تستجيب بأصالة لمفهوم العالمية والتآخي والانتماء القدسي الذي تزول معه كل الاعتبارات الشكلية والوضعية المميزة بين الآدميين.

لم يكن تمجيد النُوْرْسي للترك والعرب - كما سنرى في غير هذا المقام - عصبية وانحيازا يتنافى مع المثل الإنسانية التي حملها ، ولكنه كان تمجيدا للكونية الإسلامية التي جسدت على أرض الواقع مبدأ المساواة ، وبينت كيف تتعاور الأم والشعوب على صعيد الإسلام حق وشرف حمل الرسالة المحمدية ، وكيف لا يقف دون حيازة شارتها القدسية - الخلافة - الاعتبار القومي أو الروحي..

إن روح النُوْرْسي - بكل تأكيد - سوف تبادر من عالمها الأخروي إلى التنويه وتعظيم كل قبيل من أهل الأرض يكتب له أن يشمخ براية الإسلام ويتطاول بعزة القرآن ويدفع بها إلى العالمين، كيفما كان لون هذا القبيل أو موطنه أو ماضيه.. ذلك لأن المنظور الذي قوَّمَ به النُوْرْسي البشرية منظور رباني لا تمايز بين الناس فيه إلا بالعمل الصالح.. وأي عمل صالح أسنى من رفع راية الإسلام وإشهارها بين العالمين ، فبذلك العمل الصالح مجد النُوْرْسي كلا من أمتي الترك والعرب ، وكان تمجيده لهما يندرج ضمن سياق إنساني لا شائبة فيه من عرقية أو شوفينية أو تعصب.

شهد النُوْرْسي عن كثب عالما متفجرا  تتعارض فيه الرؤى السياسية والايديولوجية حيال الإنسان والحضارة والكون والوجود ، ورأى كيف أن الغرب الطاغي يعنت الأمم والشعوب المستضعفة ويرغمها على الرضوخ إليه بالقوة والسلاح أو بالدس والاستغواء..

عاين النُوْرْسي من موقعه الاعتكافي ذلك التعارض الحدي الذي كان يميز أوضاع كل من الإنسان المسلم المقهور والإنسان الغربي القاهر، وتفجع بعدم تكافُئ الشروط الصراعية بين الجانبين ، وزاده أسى أن يرى توفيقات الغرب العلمية والتقنية والحضارية لا تلطف من غلواء طغيانه ضد الشعوب والإنسانية ، ولكنها تسَعِّر منها قدما.

لقد كان يدرك أن الحلبة تجمع بين انتماءين وبين نموذجين حضاريين لكن أوضاعهما الراهنة تباين بينهما قيمة ودينامية وتوجها وفاعلية.. لقد كان  الإنسان الأول يرسف في قيود الماضي الشائه ، ضحية للانحطاط ولحال متفاقمة من الابتلاءات والصدمات.. وكان إلى ذلك مدعوا للانتفاض وإنجاز الانبعاث في إطار كوني تبليغي تؤهله له رسالته القرآنية لو وجد إلى الرشد سبيلا .

فيما كان الآخر منتصبا بخيلاء ، مشهرا سيفه بجوع الى الفتك ، يدوس بقدميه كرامة الإنسانية ويضرب مقدساتها .. لقد كان هو الآخر ضحية لأحوال مدنية راهنة  تكرست فيها اختلالات متوارثة وجهت العقل في وجهة الظهور العلمي المتوحش غير المقيد بالضوابط الإنسانية. لكنه مع ذلك كان يتوفر على خمائر جوهرية من الفطرة والتوفيق ما أيسر عليها أن تترشد وترقى إلى علياء المثل لو التفتت إلى الدين الحق ، وهو ما كان يجعل النُوْرْسي يتوقع للإنسانية الخير ، ذلك أنه كان يرى أوروبا حبلى بالإسلام ، وهي مرشحة إما للإسلام وإما لترشيد مسيحتها بما يقربها من القرآن ويدرجها ضمن نهجه، وعندئذ ترتقي البشرية الارتقاء الحق وتهتدي إلى سواء السبيل وتتعزز إنسانية الإنسان.

لقد كانت مقاصد الدعوة النورية هي استنقاذ ما تبقى من إنسانية الإنسان في كلا المعسكرين ، فتجديد همة المسلم هي عودة به إلى فطرته الخلاقة وإلى استنارته التي لا تزيغ بها أوهام بشريتها ، كما أن تدثير الإنسان ببردة الإسلام هو قمة تكريمه ، لما يترتب عن ذلك من تغيير كلي يمضي به على طريق الصلاح .. لقد توهمت المدينة  المسلمة أنها بتقمص أوضاع المدنية الغربية ستتخلص من أوحالها ، ولم يعتم الإنسان المسلم  أن وعى إفلاسه ، لكنه عجز عن الخلاص ولم يستطع فكاكا عن مأساته، بعد أن أضاع ليس المثل فقط ، ولكن إلى ذلك القابلية والفطرة والاستعداد للخير ، وكل ذلك جراء انغماسه..

فالضرر الذي لحق المسلم ضرر مزدوج ، فهو من جهة محبط بأعباء الانحطاط، وهو من جهة أخرى منسحق بما طرأ عليه من تبعات التمدن السطحي، فعاش الفاجعة.

ضمن هذه الجدلية الحضارية الحادة نهض النُوْرْسي وفي يده كتاب الله ، يدعو إلى سبيله بالموعظة والحسنى ، غايته تعميق الروح الإنسانية في الإنسان من خلال بث تعاليم القرآن.


14-) مقدمة رسالة الآية الكبرى

مقدمة رسالة الآية الكبرى

الدكتور محسن عبد الحميد

يتقدم "النورسي" في هدوء ذكي، ليأخذ بيد طالب الحقيقة في جولة رائعة، شاسعة هائلة، كي يفتح له فيها مغاليق عقله وقلبه، ويوقفه أمام لوحة الوجود، وجمالها الأخاذ ومظاهرها البديعة، بادئاً رحلته الكونية من عجائب الآفاق العلوية الى مدهشات الكائنات السفلية، سابراً غورها، واصفاً اتساقها وتوازنها، ولوحاتها الفنية الرائعة، التي تأخذ بالالباب وتضرب على أوتار القلوب، فتوقظ الغافل، وتنير بصيرة الذاهل، وتأخذ بيد الجاهل، الى عالم من حقائق العلم والمعرفة في اطار السببية الحاسمة، والغائية العميقة، والتخطيط الكوني الشامل الجامع الذي يقطع بوجود الخالق العظيم الذي تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن.

كل ذلك باسلوب شاعري خصب، بعيداً عن قيود المصطلحات الكلامية، وجمود المقدمات الفلسفية التي تزيد في الحيرة، دون ان تنقذ في عصرنا هذا عقيدة، او تبني ايماناً، او تدخل اشراق الروحانية الإسلامية المتزنة في كيان الانسان المسلم.

تستهل الرسالة بتنبيه مهم ومقدمة توضح ورطتين تزعزعان اليقين الإيماني وسبل النجاة منهما.

وفي الباب الأول: براهين الوجود تبدأ بدلالة السموات والجو وكرة الأرض والبحار والانهار والجبال والصحارى بجميع ما فيها وما عليها وانواع الاشجار والنباتات المسبحات وانواع الحيوانات والطيور وشهادتها على التوحيد واجماع الانبياء بمعجزاتهم و اتفاق الاصفياء ببراهينهم واجماع الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم واتفاق الملائكة والعقول المستقيمة والقلوب السليمة وحقيقة الوحي والفرق بين الالهام والوحي وماهية الالهام ودلالات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم وبيان عظمته ودلالة الكون بحقيقة الحدوث والامكان وبحقيقة التعاون ودلالة مقام المعرفة الحضورية بحقيقة الفعالية المهيمنة على الكون وبحقيقة التكلم الالهي

وفي الباب الثاني: براهين التوحيد تتضمن حقائق الالوهية المطلقة والربوبية المطلقة و الكمالات والحاكمية المطلقة ثم حقيقة العظمة والكبرياء وظهور الافعال الربانية ظهوراً مطلقاً وحقيقة الايجاد والابداع وكلية الموجودات وظهورها معا والانتظام الاكمل ووحدة المواد ثم حقيقة الفتاحية و الرحمانية و التدبير والادارة و الرحيمية والرزاقية.(*)

____________

كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:320 الحاشية

 


15-) إعجاز القرآن في رسائل النور

إعجاز القرآن

في رسائل النور

أ.د. محسن عبد الحميد

جامعة بغداد - العراق

لا شك أن دراسات كثيرة في إعجاز القرآن قد سبقت النورسي ابتداء من الجاحظ، مرورا بابن قتيبة والرماني والواسطي والخطابي والباقلاني، ثم وصلت هذه الجهود المثمرة إلى نحوي كبير صاحب ذوق رفيع في فهم الأدب عامة والإعجاز القرآني خاصة، فصاغ منها نظرية إعجازية متكاملة، سميت بنظرية النظم في كتابيه النفيسين "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز".

هذا النحوي الكبير هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي شرح وجهة نظره شرحا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على أساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه، وبين الشكل والمضمون، وقرر أن إعجاز القرآن في نظمه، لا في الكلمة المفردة بمعناه القاموسي، ولا في مجرد المعاني دون تصوير الألفاظ لها تصويرا مناسبا.

وبناء على ذلك فقد عرّف النظم بأنه تعليق الكلم بعضه على بعض وجعل بعضه بسبب من بعض، أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه عـلم النحو، وتعمل على قوانينـه وأصوله وتعرف مناهجه ولا تزيغ عنها (1).

ولا أشك أن الأستاذ النورسي قد أطلع على ذلك التراث كله في الكتب البلاغية التي درسها، والتفاسير التي مرّ بها ولا سيما نظرية النظم. فقد بدأ بتأليف تفسير في بدايات حياته أراد أن يطبق تلك النظرية تفصيليا شاملا على آيات القرآن الكريم، من حيث المباني المترابطة مع المعاني، سواء في المعارف اللغوية أم العقلية أم الذوقية، الكلية منها والجزئية. والتي اعتمد عليها في الكشف عن أسرار المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الأسلوب القرآني.

والحقيقة التي نتلمسها في دراسات النورسي الكثيرة عن إعجاز القرآن في رسائل النور، أنه لم يقيد نفسه بالنظم في ضوء كلام الجرجاني عنه، وإنما وضعه في دائرة أوسع تتلاءم وتتناغم مع القراءات الثلاث لتجليات الأسماء الحسنى في القرآن الكريم "نصا وكونا ورسولا" فاظهر النورسي بناء على ذلك أن إعجاز القرآن بحر لا ساحل له، بحيث إن كل أحد من الناس وإن كل أحد صاحب اختصاص من العلماء والأدباء والمفكرين، يأخذ حظه من ذلك الإعجاز، وهذا هو الذي تحقق اليوم.

وقد دخل بعبقريته الفذة وأسلوبه الرشيق وذوقه الجمالي في ذلك البحر العميق الواسع بحيث جعل منه بتكامليته وتوازنه وشموليته، مدار صراع فكري، أودعه ليس فيما كتب من بحوث مباشرة محدودة عن إعجاز القرآن، بل جعل منه نسيجا باطنا وظاهراً لرسائله النورية المائة والثلاثين.

فإن قلت إن رسائل النور كلها هي رسائل في إثبات إعجاز القرآن بجميع وجوهه ما بالغت في ذلك، بل قد أصبت الحقيقة.

لقد أهتم النورسي في دراساته الشاملة هذه بمستوى الأداء اللفظي ومستوى الأداء التركيبي، ومستوى الأداء المعنوي، فربط بينها ربطا محكما كأنه يقدم أرقى "سيمفونية" تضرب على أوتار القلوب وتفتح مغاليق عقول أشد المعاندين المنكرين بأحقية إعجاز هذا الكتاب الكريم.

وأحاول في الفقرات الآتية أن ألخص بعض ما كتبه النورسي عن وجوه إعجاز القرآن.

ـ إيصال نظرية النظم من تحليل الجملة المفردة إلى المترابطة في الموضوع الواحد والسورة الواحدة والقرآن كله، بدءاً باللفظة مع اللفظة والآية مع الآية والسورة مع السورة، محاولا التغلغل في معاني الآيات ومبانيها. حيث أراد بناءها تفصيلا على تجليات الأسماء الحسنى في عالم العقيدة والدعوة والسلوك والصراع الفكري والحضاري.

ـ أسلوب القرآن يتفوق على الأساليب كلها عند الموازنة، لأنه يخاطب الكينونة الإنسانية، عقلا وعاطفة نفسا وروحا. وهذه المخاطبة الشاملة الموحدة، التي قُدِّمت في إطار صياغة بيانية رفيعة، تفيد العقل تغلغلا في الكون وإدراكا لنظامه الدقيق، والقلب في إحداث تأثير ذلك التغلغل في السلوك، والنفس في تطهيرها من آفاتها الكثيرة، والروح حيث تنتعش بتذوق جمال التعبير في النص والإنتشاء بعنصر الجمال في الوجود.

ـ وفي حدود المعالجات الجزئية في بيان مستويات التعبير يؤكد النورسي كثيرا على النغم الذي يجمع بين الألفاظ الخفيفة والثقيلة، والمهموسة والمجهورة في آية واحدة، فلا تحس بها وأنت تقرأها، وكأن ألفاظ الآية تسير حسب سياق واحد في الجرس والنغمة(2).

ـ يعد النورسي التكرار في القرآن الكريم ذكرا ودعاء ودعوة، فالذكر يُكرر والدعاء يردد والدعوة تؤكد. ثم إن التكرار يناسب الحاجات النفسية خاصة والبشرية عامة، بجانب ذلك يؤدي التكرار مهمة تربوية. على أن الحقائق الكبيرة والمسائل الدقيقة والغايات العظيمة تتطلب التكرار، حتى تستقر بعمق وثبات في الكينونة الإنسانية.

ومع كل ذلك، يعتقد النورسي أن التكرار الذي نتحدث عنه في القرآن الكريم، هو تكرار صوري، حيث لا تكرار حقيقة فيه، لأن المسألة الواحدة تعرض في سياقات متنوعة وفي إطار نظم آخر، فلا يعد هذا تكرارا حقيقيا(3).

ويتحدث النورسي عن إعجاز آخر في القرآن غفل عنه السابقون في رأيي وهو تأكيده على جامعية القرآن الكريم الخارقة التي تجمع بين الألفاظ ومعانيها، من العقائد والسنن والشرائع والآداب والأخلاق وأنظمة الحياة والقصص وأخبار الآخرة، بحيث تشكل سقفا زمانيا، يفهمه المختلفون في المستويات في زمان واحد، كل حسب علمه وفهمه وعصره(4).

وكان النورسي منتبها ودقيقا عندما فوت الفرصة أمام المتصيدين في الماء العكر من اللاعبين بألفاظ القرآن، فاشترط أن تُفهم هذه الجامعية في حدود ألفاظ وتراكيب اللغة العربية وفي إطار أصول الشريعة ومقاصدها وأسرارها(5).

ويبنى النورسي على تلك الجامعية المعجزة، أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره كالكلمة الواحدة، لا تنافر بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه ولا اختلاف مع مقدمه ومؤخره. فعلى الرغم من أنه "نـزل منجما نجماً نجماً لمواقع الحاجات نـزولا متفرقا متقطعا فإنه يجمع السلاسة الرائقة والسلامة الفائقة، والتساند المتين والتناسب الرصين والتعاون القوى بين الجمل وهيئاتها والتجاوب الرفيع بين الآيات ومقاصدها". (6)

ـ ويتحدث النورسي عن الإعجاز في المعاني القرآنية بالقياس إلى المعاني التي كانت سائدة في الجاهلية. ولعله يريد أن يقول إن الإنسان أبن بيئته، فكيف خرج عربي أمي كان يعيش في هذه البيئة المغلقة عن تلك المعاني السائدة كليا. (7)

ـ ويتحدث عن فصاحته الخارقة التي لا تورث الملل فهو عذب سائغ، يحافظ على طراوته وحلاوته، ويعبر عن المقاصد التي أراد أن يضعها أمام البشرية بفطرية ناصعة.(8)

أما التصوير الفني فقد أدركه النورسي، إذ يذهب إلى "أن السحر البياني إذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما والجمادات ذات أرواح والنبات عقلاء فيوقع بينها محاورة قد تنجر إلى المخاصمة وقد توُصل إلى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال". (9)

ولا يقف النورسي عند هذا الحد، بل يعرض عالمية الخطاب القرآني واستحالة أن يصدر مثل هذا الخطاب من رجل أمّي، وأن يكون مستمرا في التنوير والإرشاد للطبقات جميعها.(10)

ويتحدث أيضا حديثا مطولا عن إخبارات القرآن بالغيب، مما يعدّه البعض من دلائل النبوة وليس من إعجاز القرآن.(11)

_________________________

(1)- دلائل الإعجاز ص 43،88،95،117 ت ش عبد المنعم الخفاجي ط 1 القاهرة

(2)- الكلمات ص 432،433،437

(3)- الكلمات ص 265

(4)- الكلمات ص 451 وما بعدها.

(5)- الكلمات ص 881

(6)- الكلمات ص 481-482

(7)- الكلمات ص 430

(8)- إشارات الإعجاز

(9)- الكلمات ص 481-482

(10)- المثنوي ص 224

(11)- المثنوي ص 304


16-) معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور

 

معرفة الله تعالى

وأثرها على العمل الإيجابي

ــ من خلال رسائل النور ــ 

للإمام النورسي

 

أ . م . د : عادل عبد الله حمد      
دكتوراه في العقيدة والفكر الإسلامي 
أستاذ مساعد في كلية العلوم الإسلامية
جامعة صلاح الدين / أربيل      

 

الملخص

العقيدة هي الأساس الذي قام عليه الأديان السماوية كافة ، بل هي الحد الفاصل بين الأيمان والشرك ، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها .

أما بالنسبة إلى العقيدة الإسلامية فأنها تتميز عن غيرها بكونها هي الحق الذي يوائم مع الفطرة السليمة ، والعقول المستقيمة، لأنها ربانية المصدر ، سهلة المأخذ ، لا يشوبها غلو ولا جفاء ، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب ، وفي الآخرة من العذاب .

وبما أن الإيمان بالله تعالى هي مدار العقيدة ومغزاها ، فقد جعل الله تعالى معرفته لكل مطلوب سبباً وطريقاً سهلاً يوصل إليه ، وجعل الإيمان به تعالى من أعظم المطالب وأِشرفها ، لأن معرفته تعالى روح الإيمان وأصله وغايته ، فكلما ازداد العبد معرفةً بخالقه وأسمائه وصفاته ازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه الله تعالى لا محالة ([1]) .

وقد ذهب الإمام النورسي ( رحمه الله ) إلى أن الإيمان بالله تعالى ومعرفته تعدُّ من أشرف الغايات وأعلاها مرتبة الذي يستطيع الإنسان أن يدركها في حياته ، فيقول : " اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق ، وأعظم نتيجة للفطرة الإنسانية هو : الإيمان بالله ، واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية ، وأفضل مقام للبشرية هو : معرفة الله التي في ذلك الإيمان ، واعلم إن أزهى سعادة للإنس والجن ، وأحلى نعمة هو : محبة الله النابعة من تلك المعرفة ، واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه هو اللذة الروحية المترشحة من تلك المحبة .

أجل ! إن جميع أنواع السعادة الحقة ، والسرور الخالص ، والنعمة التي ما بعدها نعمة ، واللذة التي لا تفوقها لذة ، إنما هي في معرفة الله ، في محبة الله ، فلا سعادة ، ولا مسرة ، ولا نعمة حقاً بدونها " ([2]) .

ولا شك أن معرفة الله تعالى ومحبته يجب أن يتجلى على عمل العبد الإيجابي في تصرفاته وتعامله في حياته اليومية ، وذلك بالتسامح والرأفة والمحبة مع محيطه والإحسان إليهم . 

وهذا العمل الإيجابي الذي دعا إليه الإسلام يتجلى بكل وضوح في حياة وسيرة بديع الزمان النورسي مع مجتمعه وتلاميذه ،  فيقول : " لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع ، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعيد قرباناً ليس في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ عشرون مليونا فقط ، بل في سبيل إيمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين . ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي ، وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني ارضى أن اُحرق في لهيب جهنم ، إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور " ([3]) .

 

المقدمة  

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } ([4]) ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ، وعلى آله وصحبه الكرام ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أمَّا بعد :

فأن مسألة معرفة الله تعالى في العقيدة الإسلامية من أهم وأكبر مباحثها ، وذلك لكثرة ما وقع التنازع بين الملل والنحل، والقرآن الكريم في آيات كثيرة دعا الإنسان إلى معرفة خالقه عن طريق التفكر والتدبر في سنن الكون ونظامه الدقيق ، ودعا إلى التعمق في أثار قدرته تعالى على خلقه .  

فمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هو أساس العمل وقاعدتها وأصلها ، لأن عبادة الله تعالى موقوفة عليها ، فمن لا يعرف ربه حق معرفته فلا يفرده بالعبادة ، ولا تتم هذه المعرفة إلاَّ بالتفكر والتعلم لما دلت عليه أسماء الله الحسنى من المعاني واستشعارها في القلب .

ويرى الإمام بديع الزمان النورسي المعرفة الإلهية بأنها ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها ، ورأى أن من عرف الله عز وجل حق المعرفة ، وقدره حق قدره ، وأقام الفرائض المفروضة عليه، واجتنب المناهي المنهية عليه ، وأحل الحلال معتقداً حله ، وحرم الحرام معتقداً تحريمه ، وهو في كل ذلك يرجو رضا الله تعالى ورحمته، ويخشى عقوبته طيلة حياته ، فهو المؤمن حقاً ، له من ربه مغفرة وأجر عظيم .

ومن الجدير بالذكر أن مجدد العصر الإمام النورسي خاض في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن تعقيدات علم الكلام ، لأنه رأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى أدلة أخرى ، ولذلك عدَّ ( رحمه الله ) المعرفة الربانية من خلال كتاب الله تعالى من أبرز نتائج الاستقامة على الدين ، وأساساً لكل علم والحكمة ، وفي هذا الصدد يخاطب النفس فيقول : " إن كنت ترومين الحصول على علم الحقيقة والحكمة الحقة ، فاظفري بمعرفة الله ، إذ حقائق الموجودات كلها إنما هي أشعة اسم الله الحق ، ومظاهر أسمائه الحسنى ، وتجليات صفاته الجليلة " ([5]) .

وهذه المعرفة الإلهية ، والقيم النبيلة ، والأخلاق النيرة الحميدة الذي دعا إليها الأستاذ النورسي (رحمه الله ) سبق أن تمسك بها المسلمون مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم
في عصر الرسالة ، فتمكنوا من خلالها نشر روح التسامح والأخوة على العالم الإسلامي ، فأصبح لهم السيادة والريادة على القوى العظمى ، ليس لقوتهم القتالية والعسكرية فحسب ، بل لإيمانهم وما بذلوه من خدمة والعمل الإنساني مع الشعوب المحررة .   

وفيما يتعلق بالعمل الإيجابي فقد حمل الإمام المجدد على أكتافه هموم أمته ومشاكلها طيلة حياته ، محللاً أسباب ضعفها وتخلفها، باحثاً عن وسائل قوتها ونهضتها ، وقد تحرى عن هذه الأسباب بتمعَّن في القرآن الكريم ، ووجد الجواب الشافي والكافي في ينابيعه المباركة ما يرشده إلى علاج الحاضر ، وبناء المستقبل على أساس علمي رصين وبشكل أفضل .  

واستشعاراً بهذه الأهمية الملحة نجد أن الأستاذ النورسي في كثير من المناسبات من رسائله حث طلابه ودعاهم إلى المشاركة في العمل البناء الجاد أقتداءاً بسيرة الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وطلب منهم في الوقت نفسه الابتعاد عن كل مظاهر العمل السلبي ، وعلمهم أنه كيف صبر لسنوات طويلة على البلاء والأذى من أجل الحفاظ على أمن الأمة واستقرارها ، فيقول : " إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام ، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي ... لا إنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول ، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام ، وبالصحب الكرام رضي الله عنهم الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر وغزوة أحد " ([6]) .

أهمية الموضوع :

  1. تظهر أهمية هذا الموضوع في مدى اهتمام الباحثين به ، وبما أن موضوع البحث يتعلق بالدين الإسلامي ويتناول جانباً من جوانب رسائل النور للإمام النورسي ( رحمه الله ) فأنه اكتسب أهميته ، لأن شرف الموضوع بمتعلقه ، وليس هناك شرف أكبر من خدمة الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عنه .
  2. تُعَدُّ مسألة العمل الإيجابي من قضايا الساخنة في عصرنا الحالي ، حيث أن أنظار العالم موجه إلى العالم الإسلامي لكون أحداث العنف وأعمال الشنيعة في كل بقاع المعمورة ترتبط باسم المسلمين ، والإسلام في غنى عنها .    

الهدف من الموضوع :

  1. يهدف هذا البحث المتواضع إلى إلقاء الضوء على الموضوع : ( معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور للإمام النورسي رحمه الله ) ،  وإن ما يفعله بعض المسلمون من الأعمال السلبية غير الحميدة لا علاقة لها بالإسلام .
  2. حث الناس ولفت أنظارهم إلى سماحة الإسلامي وعظمته ، إذ أن الإسلام دعا إلى العمل الإيجابي واحترام والتعايش السلمي الديني بين جميع الأديان والثقافات منذ أكثر من 1400 سنة . 
  3. دعوة المسلمين إلى قراءة رسائل النور والاستفادة منها بعمق ، حيث تعدُّ كتب كليات الرسائل من أهم المصادر الذي عالج قضايا العصر الحساسة برؤيا علمية واضحة ، من غير التعصب والتشدد لمذهب أو طائفة معينة .

ثالثاً :خطة البحث :

اقتضت المادة العلمية تقسيمه على مقدمة يقفوها مبحثين ، فنتائجه ، فمصادره ومراجعه .

تكلمت في المبحث الأول عن موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى ، وخصصت المبحث الثاني لأثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي . وختمتُ الدراسة بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج البحث . 

وختاماً أعتذر عمَّا بدر مني من خطأ أو تقصير ، وأرجو من الله العليم الحكيم أن يلهمنا الصواب ، وان يسدد خطانا ، وأرجو أيضاً أن يكون عملي هذا موافقاً لخدمة ديننا الحنيف ، ويساهم في نشر رسائل النور وخدمتها بشكل هادف ، ويجعله الله تعالى ذخيرة في حسناتي ، إنه سميع مجيب .                   

 

المبحث الأول

موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى

إن معرفة الله تعالى أمر غيبي مبني على ثبوت الخبر بالدليل، وهو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية ([7]) ، يقول الإيجي :"وقد اختلف في أول واجب على المكلف... فالأكثر ومنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري على أنه معرفة الله تعالى ، إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية " ([8]) .   

واعتبروا أن معرفة الله تعالى هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان ، والهدف الأسنى من استخلافه على كوكب الأرض ، ومن أجل هذه الغاية المقدّسة فطره رب العالمين على حب المعرفة ، وزوده بما يَحْفِزُهُ إليها ، ويدفعه نحوها من لطائف الحدس والحسّ والشعور والخيال ، ومن فوقها كلّها ملكة العقل والإدراك ، لكي يسعى لامتلاكها والارتقاء بنفسه إليها ([9]) .

ويرى الأستاذ النُوْرْسي أن الإنسان إنما جيء به إلى هذا العالم لأجل أمر واحد وهو : معرفة الله تعالى والدعاء والتضرع إليه ، فيقول : " أذن فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد ، فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) ، كما أن اُسَّ هذا الأساس هو : الإيمان بالله جل وعلا " ([10]) .    

وبناء عليه فقد قسم العلماء معرفة الله تعالى على قسمين :

(1) معرفة وجود ومعاني ، وهذا هو المطلوب من العباد .

(2) معرفة كنه وحقيقة ، وهذا غير المطلوب من أحد من خلقه ، لأنه مستحيل أن يعرف كنه وحقيقة ذاته تعالى ، فهو مما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فالمطلوب أذن معرفة الذات بالوجود ، ومعرفة الصفات بالمعاني ، والاعتقاد الجازم بأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله  ([11]) .

والمعرفة لا تحصل إلاَّ بالنظر في عظمة الله تعالى وقدرته على خلقه، لذا فإن أول ما يجب على الإنسان هو : النظر في آثار عظمة الله تعالى وسلطانه ، لأن مالم يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب ، فإذا نظر وصل إلى الغاية التي خلق من أجلها وهي معرفة الله تعالى ([12]) .    

وقد اقتتطف الأستاذ النورسي من ثمار القرآن الكريم آية كريمة على وجوب المعرفة على كل الإنسان ، وهو قول الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلاّ لِيَعْبُدون } ([13]) ، فاستنبط منها أسراراً جليلة ، وحكماً بالغة ،  فيقول : " يفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: إن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه ، هي: معرفة خالق الكون سبحانه ، والأيمان به ، والقيام بعبادته ، كما أن وظيفة فطرته ، وفريضة ذمَّته ، هي : معرفة الله والإيمان به ، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً " ([14]) .   

ويلحظ مما سبق أن المتكلمين والإمام النورسي ألزموا الناس بالبحث والنظر عن وجود الله تعالى أولاً ، وإن أول شيء أوجبوه هي معرفته عز وجل على اختلاف في بدايات المعرفة ، وذلك لوجوبها بأدلة من المصدرين الشريفين ([15])  .

ومن الجدير بالذكر أن بديع الزمان الإمام النورسي خالف منهج المتكلمين في طريقة استدلالهم على معرفة الله تعالى ، وذهب إلى أن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، لأنه لا يوصل الإنسان إلى الإيمان اليقيني في ما يتعلق بمعرفة الله تعالى ووحدانيته ، بل أن الطريق الصحيح في ذلك هو منهج القرآن الكريم الذي لا يشوبه شائب ، فيقول :" إن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، ولا تورث الاطمئنان القلبي ، في حين إن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز ، تصبح معرفة تامة وتسكب الاطمئنان الكامل في القلب ... والمعرفة المستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضور القلبي الدائم ، فضلاً عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم ولا تسجنها في سجن النسيان المطلق ، بل تنقذها من الإهمال والعبثية وتستخدمها في سبيل الله سبحانه ، جاعلة من كل شيء مرآة تعكس المعرفة الإلهية وتفتح في كل شيء نافذة إلى المعرفة الإلهية " ([16]) .    

وهذا الرأي من الإمام النورسي لم يكن بدعاً وخروجاً عن المألوف ، بل هو رأي سبق إليه كبار العلماء ، يقول الإمام الغزالي : " فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله ، فلا يحصل من علم الكلام ، بل يكاد أن يكون الكلام حجاباً عليه ومانعاً منه ، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة " ([17]) .    

ولم يكن اختيار الإمام النورسي لمنهج القرآن الكريم في الاستدلال على معرفة الله تعالى والمسائل العقدية نابعة عن عدم الاطلاع على المناهج الأخرى ، بل أنه قد اختارها بعد دراستها والتمعن فيها ، وقد توصل إلى نتيجة مفادها : أن الاستدلال بالقرآن الكريم في تقرير المسائل الإيمانية من أوضحها وأجلها ، وسمى دليله هذا بالعناية والاختراع ، وهو يتفق في هذا الاستدلال مع ابن رشد ([18]) ( رحمهما الله تعالى ) ، فيقول :  " إن أصول العروج إلى عرش الكمالات وهو معرفة الله جلّ جلاله أربعة :

أولها : منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي .

ثانيها : طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان.

هذان الأصلان وإن تشعبا من القرآن الكريم ، إلاَّ أن فكر البشر قد أفرغهما في صور أخرى فأصبحتا طويلة وذات مشاكل .

ثالثها : مسلك الفلاسفة.

هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات والأوهام.

رابعها : المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة ، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه وأقربه إلى الله وأشمله لبنى الإنسان . ونحن قد اخترنا هذا الطريق. وهو نوعان:

الأول: دليل العناية :

إن جميع الآيات الكريمة التي تعدد منافع الأشياء، تومئ إلى هذا الدليل وينظم هذا البرهان ، وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل ، مما يثبت قصْد الصانع وحكمته وينفي وهْمَ المصادفة ... فان شئت فراجع القرآن الكريم، تجد دليل العناية بأكمل وجه، في وجوه الممكنات، لأن القرآن الكريم الذي يأمر بالتفكر في الكون ، يعدّد أيضاً الفوائد ويذكّر بالنعم الإلهية .. فتلك الآيات الجليلة مظاهر لهذا البرهان ، برهان العناية .

الثاني: دليل الاختراع :

إن الله تعالى قد أعطى كل فرد وكل نوع ، وجوداً خاصاً ، هو منشأ آثاره المخصوصة ، ومنبع كمالاته اللائقة ، فلا نوع يتسلسل إلى الأزل ، لأنه من الممكنات ، فضلاً عن أن حدوث قسم منها مشاهد وقسم آخر يراه العقل بنظر الحكمة . إن انقلاب الحقائق محال ، وسلسلة النوع المتوسط لا تدوم ،أما تحول الأصناف فهو غير انقلاب الحقائق" ([19]) .

ولاشك أن منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى الله تعالى ومعرفته هو المنهج الذي اعتمد عليه رسول الله صلى الله وعليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام النورسي : " إن أقوى منهج من بين المناهج المؤدية إلى معرفة الله ، كعبة الكمالات ، وأكثرها استقامة ، هو المحجة البيضاء التي سلكها صاحب المدينة المنورة صلى الله وعليه وسلم ، ذلك المنهج الذي ترجمه لسانه الصادق المبارك العاكس كالمرآة لما في قلبه الشريف - الذي هو كمشكاة مطلة على عوالم الغيب - فهو صلى الله وعليه وسلم روح الهداية، واصدق شاهد حي وافصح برهان ناطق واقطع حجة على الصانع الجليل؛ إذ من حيث الخليقة، ذاته برهان باهر، ومن حيث الحقيقة لسانه شاهد صادق .نعم! أن محمداً صلى الله وعليه وسلم حجة قاطعة على وجوده تعالى وعلى النبوة وعلى الحشر وعلى الحق وعلى الحقيقة  " ([20]) .

وفيما يتعلق بأسباب المعرفة فأنها تكون بأمور عدة ، نذكر منها :

  1. النظر والتفكر في مخلوقاته عز وجل ، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تأمر الإنسان وتحثه يتدبر وينظر إلى آثار عظمة الله تعالى وقدرته قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } ([21])، وقوله تعالى: { فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }([22]) ، وقوله تعالى : { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ }([23]) ، وقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } ([24]) ، وقوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }([25])  ، فدلت الآيات الكريمات أن الفكر في دلائل معرفة الله تعالى وعظمته وقدرته واجب على كل مكلف .
  2. ومن أسباب معرفة العبد ربه النظر في آياته الشرعية وهي الوحي الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فينظر في هذه الآيات وما فيها من المصالح العظيمة التي لا تقوم حياة الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا بها ، فإذا نظر فيها وتأملها وما اشتملت عليه من العلم والحكمة وجد انتظامها موافقتها لمصالح العباد عرف بذلك ربه عز وجل كما قال الله تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } ([26]).
  3.  ومنها ما يلقى الله عز وجل في قلب المؤمن من معرفة الله سبحانه وتعالى حتى كأنه يرى ربه رأي العين ([27]) ، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أن سيدنا جبريل عليه السلام  سأل النبي صلى الله وعليه وسلم عن الإحسان ، ؟ فقال : [ ما الْإِحْسَانُ قال أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإنه يَرَاكَ ]  ([28]) .    

المبحث الثاني

أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي

إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة ، والظنون السيئة الفاسدة ، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه .

وكما أن الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، والعمل بموجب تلك المعرفة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده ([29]) .

وكان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه ويحثهم على العمل الإيجابي ، ويدعوهم إلى التسامح والتصافح ، والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف ، فيقول : " إخواني ! إن مرضي قد اشتد كثيراً ، ولعلي أتوفى قريباً ، أو امنع من المكالمة كلياً - كما كنت امنع أحياناً منها - لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين ، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين ، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً ، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا ، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر ، ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً ، لذا انظروا اليهم كـ أهون الشرين ، ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم " ([30]).

وفيما يأتي نسلط الضوء على أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور وكالآتي :

1 - حصول الأمن والأمان :

إن من آثار معرفة الله تعالى حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ، ممن يعيش في المجتمع ، لأنه يعرف ما يحل له فيأخذه ، ويحرم ما عليه فيتركه ، فيكف عن الاعتداء والظلم والعدوان ، وهضم حقوق الآخرين ، تفاعلاً مع عقيدته التي تملى عليه ذلك ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم ، يقول الله تعالى : { اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ([31])  .

ومن الجدير بالذكر أن الأمن نعمة ربانية عظيمة تدوم وتزيد بالشكر والعرفان ، وتحرم بالكفر والعصيان ، يقول الله تعالى : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد } ([32])  .

وقد انطلق بديع الزمان النورسي في ذلك من مسلَّمة منطقية مُضمَّنها أن تحقيق الأمن والأمان نعمة ربانية وعد الله تعالى بها عباده الصالحين ، وهيأهم لحمايتها ، وهذه القناعة جعلته ينذر حياته لنشر الأمن واستتبابه ، وإسعاد الناس في جميع ربوع وطنه ([33]) ، فيقول : " ليهلكني الله ثلاث مرات إن لم أكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن ، وأكثر من ألف مدعٍ عام " ([34]) .

ولم يكن هذا الموقف والدعوة من مجدد العصر الإمام النورسي شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة ، وحسبنا أن نذكر موقفاً من مواقفه ودعواته ، فيقول : " أما نحن طلاب النور، فإننا نسعى لمعاونة الإدارة ، وإقرار الأمن والنظام ، وإحراز السعادة للأمة والوطن " ([35]).

وقد لاقت هذه الدعوة من الإمام النورسي صدى كبيراً بين الناس ، وكانت كافية في نشر الأمن وأستتابتها في أرجاء الدولة التركية ، وإلجام أفواه المحرضين وأصحاب النفوس الضعيفة وأرباب المصالح الذين يحاولون نشر الفوضى في المجتمع والأخلال بأمنها وسلمها الوطني ، فيقول : " على الرغم من وجود قوى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام ، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة … لم يستطيعوا الإخلال بالأمن ، وما سبب ذلك إلاّ ستمائة ألف من نسخ رسائل النور، وخمسمائة ألف طالب من طلابها ، وقد أصبحوا كقوة معنوية مساندة للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة "([36]).

لقد اقتنع الإمام النورسي منذ بداية أمره بأن تحقيق الطمأنينة للأمة ، وحفظ الأمن للوطن مأتىً عظيم لا يتأتى إلاّ بإعداد العدة الكافية لذلك ، وقد حدد ( رحمه الله ) سبل إنقاذ الأمة من حافية الهاوية إلى برّ الأمان ، فيقول : " هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة ، وهذا الوطن ، ونجاتهما من الفوضى والإرهاب ، ومن المخاطر العظيمة : الأول : الرحمة ، والثاني : الاحترام ، والثالث : الأمن والثقة ، والرابع : اجتناب المحرمات ، والتمييز بين الحرام والحلال ، والخامس : الطاعة ، وترك التسيب " ([37]) .

ويلحظ أن هذه الأسس الخمسة التي دعا إليها الإمام النورسي هي بمثابة ركائز أساسية للنظام في البلاد ، والمساس بها يعني : المساس بالوطن والأمة ، وإن من تدبر القرآن الكريم على مُكث وعلم ومعرفة ، يتضح له هذه المفاهيم بكل الوضوح ، ويتجلى له أن أقصر الطرق إلى تحقيق الأمن ، وأيسر السبل إلى تثبيت الأمان والاستقرار هو التمسك بكتاب الله تعالى ([38]) .

2 - العُجب والتكبر :

إن تطهير القلب من مرض العُجب والتكبر يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة ، فإذا استشعر العبد عظمة الله تعالى وكبريائه وجلاله ، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه ، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع ، لأن مقياس المؤمن الكامل هو التواضع لله تعالى ، أمَّا غير المؤمن أو الشخص الناقص فيرى نفسه مختلف عن الآخرين ، أو أنه أفضل منهم ، وقد عدَّ الأستاذ النورسي هذا التكبر والعُجب إذا وجد في الإنسان صغراً وليس كمالاً ، فيقول " إن مقياس العظمة في الكاملين هو التواضع ، أما الناقصون القاصرون فميزان الصُغر فيهم هو التكبر " ([39]).

وأيضاً الإنسان إذا كمل توكله على الله تعالى واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله تعالى وحده ، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه ([40]).

يقول الإمام النورسي : " فيا أيها الإنسان ! اذا آمنتَ بالله وحدَه وأصبحتَ عبداً له وحدَه ، فُزتَ بموقعٍ مرموقٍ فوق جميع المخلوقات. أما اذا استنكفتَ من العبودية وتجاهلتَها فسوف تكون عبداً ذليلاً أمام المخلوقات العاجزة ، واذا ما تباهيتَ بقدرتك وأنانيتك ، وتخلّيتَ عن الدعاء والتوكل ، وتكبرّتَ وزِغتَ عن طريق الحق والصواب، فستكون أضعفَ من النملة والنحلة من جهة الخير والإيجاد ، بل أضعف من الذبابة والعنكبوت. وستكون أثقلَ من الجبل وأضرّ من الطاعون من جهة الشر والتخريب " ([41]).

3 - طمأنينة القلب :

إن من آثار معرفة الله تعالى على الفرد تخصب القلب بالخير في عقائده وعواطفه وإراداته ، كما أنها عامل في توازن القلب واستقراره ، وكلما كانت معرفته أكمل ، كان حظه من ذلك أكبر ، وذلك أن لكل اسم من أسماء الله تعالى عبودية خاصة ، وأثراً معيناً في القلب والفكر والسلوك .

لأن أصل معرفة العبودية أن تكون مبنية عَلَى الافتقار إِلى الله تعالى ، لأن القلوب لا تطمئن ولا تهدأ ولا تسكن ولا ترتاح إلا بأن تعرف الله تعالى وأن تعبده عَزَّ وَجَلَّ ، فإن من لم يعرف الله عَزَّ وَجَلَّ حق المعرفة ، ويعبده حق العبادة كان فيه من الشقاء والألم ، والنكد والنغص بقدر جهله بالله تعالى ([42]) .   

وعليه فأن معرفة لله تعالى واعتقاد أنه متصف بالصفة الكمال يحدث أثراً كبيراً في القلب ، فالقلب باستشعاره لمعنى عظمته تعالى يتفاعل ويتجاوب مع ذلك المعنى ويتأثر به ، وينبعث لموجبه ، محبة أو خوفاً ، رغبة أو رهبة ، أو تعظيماً وإجلالاً ، أو توكلاً ورجاء ([43]).

فأكمل الناس عبودية لربه : المتعبد بجميع الأسماء والصفات ، لأن قلب الإنسان لا يشعر بالاطمئنان ولذة العبادة إلاَّ من خلال معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته التوقيفية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ([44]) .

وقد استشعر الإمام النورسي بهذه اللذة الروحانية في حياته ، ويمكن أن نلتمسها في سلوكه وكلامه بكل وضوح ، فيقول  : " إن قلب الإنسان مثلما ينشر الحياة إلى أرجاء الجسد ، فالعقدة الحياتية في الوجدان - وهي معرفة الله - تنشر الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في مواهبه واستعداداته غير المحدودة ... إذن فالوجدان يطل على الحقائق بذاتها من هاتين النافذتين ، فيرى هيمنة النظام على العالم كله ، والخالق الكريم ينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين .. فمهما أطبق العقل جفنه ، ومهما أغمض عينيه ، فالفطرة تراه وعيون الوجدان مفتحة دائماً ، والقلب نافذة مفتوحة " ([45]).

4 - الحقد والحسد :

إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير في سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه، وتسليمه لشرعه، راضياً بقدره، واثقاً بعدله وحكمته، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته ، يقول الإمام النورسي : " إن الذين يملأ قلوبهم الحقد والعداوة تجاه إخوانهم المؤمنين إنما يظلمون أنفسهم أولاً، علاوة على ظلمهم لإخوانهم ، وفضلاً عن تجاوزهم حدود الرحمة الإلهية ، حيث أنه بالحقد والعداوة يوقع نفسه في عذاب أليم، فيقاسي عذاباً  كلما رأى نعمة حلّت بخصمه ، ويعاني ألماً من خوفه . وإن نشأت العداوة من الحسد فدونه العذاب الأليم، لأن الحسد أشد إيلاماً للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبه بلهيبه ، أما المحسود فلا يمسه من الحسد شيء ، أو يتضرر طفيفاً "([46]).

وقد بيِّن لنا الأستاذ النورسي سبل علاج هذا المرض الخطير ، وذكر في مستهل كلامه : أن من يحسد محسوده كأنه يعترض على قسمة الله تعالى وقدره فيقول : " علاج الحسد هو: أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك إن ما ناله محسوده من أعراض دنيوية ، من مال وقوة ومنصب ـ إنما هو أعراض زائلة فانية ، فائدتها قليلة، مشقتها عظيمة . أما اذا كان الحسد ناشئاً من دوافع آخروية ، فلا حسد أصلاً. ولو تحرك عرق الحسد حتى في هذه الأمور، فالحاسد أما أنه مراء، يحبط حسناته الآخروية في الدنيا ، أو أنه يسئ الظن بمحسوده فيظلمه . ثم أن الحاسد في حسده يسخط على قدر الله ، لأنه يحزن من مجيء فضل من الله ورحمته على محسوده ، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدر الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة ، ومعلوم أن من ينتقد القدر كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها " ([47]) .

5 - الأنانية وحب النفس :

إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن يعرف الله حق معرفته ، ويؤمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على فعل الخير ، فيقول  :" إخواني ! ربما أموت قريباً ، فان لهذا العصر مرضاً داهماً ، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة ، إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم ، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس ، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي ، ولله الحمد والمنة ، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي ، فهناك الكثيرون ممن يضحون بإنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية " ([48]) .

ويعرض لنا الأستاذ محمد فتح الله كولن روح المحبة والتسامح التي كان يتسم بها الإمام النورسي ( رحمه الله ) ، وأنه ما دعا بالسوء حتى على الذين ظلموه وآذوه طيلة حياته ، بل دعا الله تعالى أن يغفر لهم ،  فيقول : " أما داعي القرن العشرين-  أي بديع الزمان سعيد النورسي-  الذي نفي من بلده وكأنه شرير ، والذي قضى حياته متنقلاً من سجن إلى سجن ، فإنه لم يدع على من ظلمه ، بل دعا الله أن يغفر لهم ، وأن ينقذوا إيمانهم ، فضرب لهم مثلاً رائعاً في الحلم ، فيا ليت الذين أتوا من بعده استطاعوا فهم سر حلمه هذا " ([49]) .

6 - التوكل على الله تعالى :

التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فيتوكل على الله في مغفرة الذنوب ، وفي حصول الرزق ، والإحسان ... وإذا تبين أن التوكل على الله وثقة العبد واطمئنانه إلى ربه ومليكه ومدبره يمثل حصناً حصيناً يحمي الله به العبد ، فيكون راسخ الإيمان قوياً ثابتاً عند الابتلاء وفي مجابهة الفتن والمغريات التي تستهدف زعزعة دينه...إذا تبين ذلك ، فإن القلق الناتج عن عدم التوكل على الله عند من قام في قلبه مرض الريب والنفاق ، يكون دافعاً إلى موالاة غير المسلمين والركون إليهم والتعاون معهم على نشر الفكر الخبيث والتخطيط والمكر ([50])  .

فبالتوكل تحصل قوة القلب وشجاعته ، وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد في الحياة ، ثقة بالله ، وتعرضاً لتوفيقه وتسديده ، وهذا التعلق بالله يورث الإخلاص في الأعمال كلها لله وحده ، وعدم النظر إلى المخلوقين ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، أو إعطاؤهم ومنعهم ، فأمره كله لله ، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه ، ويلبسه السكون إلى مسببها ([51])  .

ويصف الإمام النورسي مثل الإنسان الذي يتوكل على الله تعالى بإيمانه ، وبين الذي يتجاهل ذلك ، فيقول : " أن الإيمان نورٌ وهو قوةٌ أيضاً ، فالإنسان الذي يظفر بالأيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائناتِ ويتخلصَ من ضيق الحوادثِ، مستنداً إلى قوةِ إيمانه فَيبحرُ متفرجاً على سفينة الحياة في خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام قائلاً: تَوكَّلتُ على الله، ويسلّم أعباءه الثقيلةَ أمانةً إلى يدِ القُدرةِ للقدير المطلق، ويقطعُ بذلك سبيلَ الدنيا مطمئنّ البال في سهولةٍ وراحةٍ حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفعَ طائراً إلى الجنة للدخول إلى السعادة الأبدية . أما اِذا ترك الإنسان التوكل فلا يستطيع التحليقَ والطيرانَ إلى الجنة فحسب بل ستجذبه تلك الأثقالُ إلى أسفلَ سافلين ، فالإيمان إذن يقتضى التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين " ([52])  .

7 - المعية مع الله تعالى :

من آثار معرفة الله تعالى وتوحيده على الإنسان شعورهم بمعية الله تعالى معهم في كل زمان ومكان ، فالعبد بتوحيده لله تعالى حقق أمراً مهماً هو أن يكون عبداً لله تعالى وحده ، ولا يقبل إلاَّ أمره ، ولا يجيب إلاَّ نهيه ، ولا يسعى إلاَّ إلى رضوانه ، فكل الطاعات والعبادات تكون لله الواحد الأحد ، يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ([53])  .  

ويصور لنا الأستاذ النورسي حاجة البشر إلى المعية مع الله تعالى للوقف أمام تحديات الأشرار وكيدهم ، فيقول :" إن الإنسان لدى انحيازه إلى جانب التخريب بالكفر والعصيان، يسبب دماراً رهيباً بعمل جزئي، فان أهل الإيمان محتاجون إذن، تجاه هؤلاء المخربين، إلى عناية إلهية عظيمة، لأنه إذا تعهّد عشرة من الرجال الأقوياء بالحفاظ على بيت وتعميره، فان طفلاً شريراً في محاولته إحراق البيت، يُلجئ أولئك الرجال إلى الذهاب إلى وليّه بل التوسل إلى السلطان. لذا فالمؤمنون محتاجون أشد الحاجة إلى عنايته سبحانه وتعالى للصمود تجاه هؤلاء العصاة الفاجرين " ([54]).

8 - محبة الله تعالى :

أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته توجب محبته تعالى في القلوب ، وتوجب أيضاً خشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له ، إذ أن النفوس قد جبلت على حب الكمال والفضل ، فإذا تحققت محبة الله تعالى في القلوب انقادت الجوارح بالأعمال ، وتحققت الحكمة التي خلق العبد من أجلها وهي عبادة الله تعالى ، وهذا هو عين سعادة العبد ، ولا سبيل إلى هذه السعادة إلى بمعرفة خالقه وأسمائه وصفاته ، والتفقه بمعانيها ، وأحكامها ، ومقتضياتها  ([55]).

وقد بيِّن الإمام النورسي أهمية معرفة الله تعالى ومحبته بالنسبة إلى الإنسان ، حيث عدَّها من أعظم وأسمى الغايات التي خلق الإنسان من أجلها، فيقول :"اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الإنسانية.. هو (الإيمان بالله ) .. واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (معرفة الله) التي في ذلك الإيمان.. واعلم أن أزهى سعادة للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو (محبة الله) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه .. هو (اللذة الروحية) المترشحة من تلك المحبة .

أجل! إن جميع أنواع السعادة الحقة، والسرور الخالص، والنعمة التي ما بعدها نعمة، واللذة التي لا تفوقها لذة، إنما هي في (معرفة الله) .. في (محبة الله) . فلا سعادة، ولا مسرة، ولا نعمة حقاً بدونها. فكل من عرف الله تعالى حق المعرفة، وملأ قلبه من نور محبته، سيكون أهلاً لسعادة لا تنتهي، ولنعمة لا تنضب، ولأنوار وأسرار لا تنفد، وسينالها إما فعلاً وواقعاً أو استعداداً وقابلية . بينما الذي لا يعرف خالقه حق المعرفة، ولا يكنّ له ما يليق من حب وود، يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يحصر " ([56]).

9 - زيادة الإيمان :

تعد معرفة الله تعالى من أعظم أسباب زيادة الإيمان ، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا ، يقول تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } ([57])  .

ومعرفة الله تعالى تثمر زيادة الإيمان لدى المؤمنين ، وبحسب معرفة الإنسان بربه، يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص ، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك : تدبر صفاته وأسمائه في القرآن الكريم ([58]) .   

ولما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها ، والاتصاف بهذه الصفات والأسماء الحسنى يزيد الإيمان ويغرسه في قلب المؤمن  ، يقول الأستاذ النورسي : " إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى اسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم ، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه، فالإيمان إنما هو انتساب ؛ لذا يكتسب الإنسان بالأيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة "([59]) .    

10 - القوة واليقين :

أن من آثار معرفة الله تعالى على عباده اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، وبذلك تحصل القوة للمسلمين ، والانتصار على أعدائهم ، والثبات أمام  التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .

ولا شك أن هذه القوة واليقين لا تحصل إلا من خلال معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته والعمل بمقتضاها ، فمن عرف ربه تمام المعرفة تحقق لنفسه ولمجتمعه هذه الآثار الحسنة العظيمة ، فمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق وانفراده بذلك لا شريك له، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة ([60]) .

وكان بديع الزمان الأستاذ النورسي كثيراً ما يدعو طلابه والمسلمين إلى الوحدة والاتحاد والتآخي والتوادّ والتحاب ، ونبذ الخلافات والمنازعات ، وتجنب التفرقة ، والبعد عن الحركات المتطرفة ، لأنها تضعف شأنهم ، وتهز كيانهم ، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ([61]) ، وكان يحذر من إثارة الاختلافات التي يحاول الأعداء نشرها بين المسلمين أفراداً وشعوباً ودولاً ، مستغلين بعض حالات الضعف والتخلف والجهل والغفلة ، وكان دائم الهتاف : "أيها العالم الإسلامي، إن حياتك في الاتحاد، وإن موتك في الفرقة والاختلاف " ([62]) .

11 - تزكية النفوس :

إن تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة الله تعالى وصفاته ، فالشريعة المنزلة من عند الله تعالى تهدف إلى إصلاح الإنسان ، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته يعصم من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد خالقه ، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه تأثيراً كبيراً ، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.

يقول الإمام النورسي : " فالإنسان جيء إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بمعرفة الله تعالى ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد . فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) كما أن اُسَّ هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا " ([63]) .

12 -  الابتعاد عن العواطف الفاسدة :

أن المؤثر الأول في تخليص القلب من العواطف الفاسدة هو عمرانه بالتوحيد والإيمان ، إذ به تقوى محبته لربه ، وتزداد خوفاً ورجاؤه له ، وأن الطريق إلى ذلك هو معرفة الله تعالى بأسمائه وأفعاله ، واستشعار القلب لذلك ، ثم عبادته تعالى بهذه المعرفة الصحيحة.

ذلك أن النفوس قد تهفو إلى العواطف الفاسدة وإلى مقارفة المعاصي ، فتذكر أن الله تعالى يبصرها ، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه ، فتنزجر ، وتجانب المعصية  ([64]) .

ويرى الأستاذ النورسي أن الذي يؤمن بالله تعالى هو الذي يفوض أمره إلى خالقه في الأمر كله ، وبالتالي يبتعد عن العواطف الفاسدة التي يقيتها الشارع الحكيم والناس جميعاً ، ويعتقد بأنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة من قبل معبوده ، فيقدم على أفعال الحميدة الحسنة ، وفي المقابل يتجنب الأهواء الفاسدة ، فيقول : " إن الذي يتحدث عن القدر والجزء الاختياري إن كان ذا إيمان كامل ، مطمئن القلب ، فأنه يفوّض أمر الكائنات كلها، ونفسه كذلك ، إلى الله سبحانه وتعالى، ويعتقد بأن الأمور تجري تحت تصرفه سبحانه وتدبيره  ... ويظل في دائرة العبودية ويرضخ للتكليف الإلهي ويأخذه على عاتقه . وينظر إلى القدر في الحسنات والفضائل الصادرة عنه، لئلا يأخذه الغرور، فيشكر ربه بدل الفخر، ويرى القدر في المصائب التي تنزل به فيصبر " ([65]) .

بل أنه (رحمه الله) ذهب إلى أبعد من هذا ، ورأى أن إدارة مائة من المفسدين أصعب من إدارة ألوف الصالحين ، لأنه يصعب تنظيم شؤونهم وضبط أمرهم ، فيقول : " إن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزل اعتقادهم ، أصعب من إدارة ألوف من المتدينين ، فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا ، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم ، والتعاون ، والأمنية بينهم ، وما هي إلاّ بالتقوى " ([66])  .

ووجد الأستاذ النورسي أن العلاج لكل داء يوجد دواءه الشافي في القرآن الكريم ، والعودة إليه وتطبيقه قولاً وعملاً ، يقول  : "لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله .. وفيه حث كبير على الفضيلة ـ خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي، وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شيء " ([67]) .

الخاتمة

  1. إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فهي مدار العقيدة الإسلامية ومغزاها ، وروح الإيمان وأصله وغايته .
  2. خاض بديع الزمان الإمام النورسي في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن التعقيدات علم الكلام ، ورأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى بيان أو أدلة أخرى .
  3. مفهوم المعرفة الإلهية عند الإمام بديع الزمان النُوْرْسي ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها .
  4. الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده .
  5. كرس الإمام سعيد النورسي حياته لأعمال الإيجابية في سبيل خدمة مجتمعه والأمة الإسلامية ، وحاول إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الراهنة ، يوافق روح العصر الحديث ، ويلبي متطلبات الحياة الاجتماعية من منظور إسلامي  .
  6. أثبت مجدد العصر بديع الزمان من خلال مؤلفاته وخدمات التي قام بها لمجتمعه أن النظام الإسلامي ذات أهداف واضحة ، وهي عبارة عن منظومة من القيم التي لا يمكن تجزئتها أو التخلي عنها أو استبدالها أو مقارنتها بنظم أخرى .
  7. كان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه القيام بالعمل الإيجابي والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف .
  8. إن من آثار معرفة الله تعالى على عباده حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ممن يعيش في المجتمع ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم .
  9. لم يكن دعوة الإمام النورسي إلى إقرار الأمن في المجتمع شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة .
  10. التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فبه تحصل قوة القلب وشجاعته  وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد المثمر في الحياة . 
  11. معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق ، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة .
  12. إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير على العمل الإيجابي ، وعلى سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه ، وتسليمه لشرعه ، راضياً بقدره ، واثقاً بعدله وحكمته ، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته .
  13. إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن عرف الله حق معرفته ، وآمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على العمل الإيجابي .
  14.  إن من آثار معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، والانتصار على أعداء الدين، والثبات أمام  التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .

 

----------------------------

(1) ينظر : شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : 2.

([2]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2/ 273 .

([3]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) :  9 / 516 .

([4]) سورة الأنعام : 1 .

([5])الكلمات : الكلمة ( 26) 1 / 547 .

([6]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) : 9 /  532 .

([7]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 107 .

([8])  المواقف : 1 / 165 .

([9]) الصور والمرايا  : 1 / 36 . 

([10]) الكلمات : الكلمة (23) : 1/355 .

([11]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 108 .

([12]) ينظر : صب العذاب على من سب الأصحاب : 357 .

([13]) سورة الذاريات: 56 .

([14]) الشعاعات : (الشعاع : 7) : 2 / 129 .

([15]) ينظر : مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : 122 .

([16]) المكتوبات : المكتوب (26) : 2/411 .

([17]) إحياء علوم الدين  : 1 / 23 .

([18]) ينظر : مناهج الأدلة في عقائد الملة : 25 .

([19]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 )  : 8 / 112 .

([20]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 ) 8 / 124 .

([21])سورة الأعراف : 185.

([22]) سورة الروم : 50.

([23]) سورة يونس :101.

([24]) سورة سبأ : 46.

([25]) سورة آل عمران : 102.

([26])سورة النساء : 82.

([27])شرح ثلاثة الأصول : 44 .

([28])أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب : الإيمان ، بَاب : سُؤَالِ جِبْرِيلَ النبي  r : 1/27 ، رقم الحديث (50) .

([29]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 361 .

([30]) السيرة الذاتية : الباب الثاني (10)  9 /  536 .

([31]) سورة آل عمران : 103 .

([32]) سورة إبراهيم : 7  .

([33]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان : 9 . 

([34])  اللمعات : اللمعة (27) 3/ 364 .

([35]) الشعاعات : الشعاع (14) 4 /534 .

([36]) الملاحق : ملحق أميرداغ (2) : 7 / 348 .

([37]) الملاحق : ملحق قسطموني  :  7 / 201 .

([38]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان :13 .

([39]) الكلمات : الكلمة ( 33) : 1/ 856 .

([40]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 441 .

([41]) الكلمات : الكلمة : (23) : 1 /  360 .

([42]) ينظر : شرح العقيدة الطحاوية :  65 .

([43]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 474 .

([44]) ينظر : مدارج السالكين : 1/452.

([45]) صيقل الإسلام  : المحاكمات ( المقالة الثالثة ) :  8 / 112 .

([46]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .

([47]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .

([48]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10)  9 /  537 .

([49]) النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) 261 .

([50]) ينظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 498.

([51]) استانبول :  (95 )  1 / 264  .

([52]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 352 .

([53]) سورة الأنعام :163.

([54]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .

([55]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .

([56]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2 / 273 . 

([57]) سورة محمد :17.

([58]) ينظر : العبودية مسائل وقواعد ومباحث :  3 .

([59]) الكلمات  : الكلمة (23) : 1 / 348 .

([60]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .

([61]) سورة الحجرات :10.

([62]) استانبول (98) : 2 /  149 .

([63]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 355 .

([64]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 415 .

([65]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .

([66]) المثنوي العربي النوري : ( زهرة من رياض القرآن الكريم ) : 6 / 273 .

([67]) إشارات الإعجاز : 272 ، نقلاً : الكونية الأخلاقية : 12 .

 

_____________________

قائمة المصادر والمراجع

  1. أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة :  عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع : ط(1) دار النشر : عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة  1423هـ / 2003م
  2. إحياء علوم الدين : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ( ت 550هـ)  دار المعرفة ، بيروت .
  3. استانبول :  (95 ) : على ذيل المكتبة الشاملة .
  4. إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  5. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ، ط(1) الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة  ، السعودية 1421هـ .
  6. الجامع الصحيح المختصر: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي (ت256هـ ) تحقيق: مصطفى ديب البغا ، ط (3) دار ابن كثير ,  بيروت  1407هـ  1987م .
  7. السيرة الذاتية : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  8. شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : سعيد بن علي بن وهف القحطاني ، راجعه : الشيح عبدالله عبدالرحمن الجبرين ، سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني (4) ، مؤسسة الجريسي ، الرياض .
  9. شرح العقيدة السفارينية (الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية) : محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني ( ت 1181هـ) تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبدالمقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض 1998م .
  10. شرح العقيدة الطحاوية : ابن أبي العز الحنفي (ت 792 هـ) ط (4) دار المكتب الإسلامي، بيروت 1391هـ .
  11.  شرح ثلاثة الأصول : محمد بن صالح العثيمين (ت 1206ه) ، أعداد : فهد بن ناصر ،  دار الثريا للنشر  1422ه / 2001م .  
  12.  الشعاعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  13.  صب العذاب على من سب الأصحاب : أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن أبي الثناء الألوسي (ت 1342هـ).
  14.  الصور والمرايا في تراث النورسي الفكري والوجداني : أديب إبراهيم الدباغ .
  15.  صيقل الإسلام : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  16.  العبودية مسائل وقواعد ومباحث : عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف ، ط(1) دار النـشر: مدار الوطن للنشر 1420 هـ - 1999 م .
  17.  فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان :  أ.د. ميمون باريش .
  18.  الكلمات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  19.  اللمعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  20.  المثنوي العربي النوري : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7) ، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  21.  مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ، ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) تحقيق: محمد حامد الفقي ، ط(2) دار الكتاب العربي ، بيروت  1393 هـ  1973م .
  22.  مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : أشرف بن عبد الحميد بارقعان .
  23.  المكتوبات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  24.  الملاحق : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه)  ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة  2014م .  
  25. مناهج الأدلة في عقائد الملة: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ت595هـ) تحقيق: محمود قاسم، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ، 1969م.
  26.  المواقف : عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( ت 753هـ) تحقيق: عبد الرحمن عميرة ، ط(1) دار الجيل ، بيروت  1417هـ  1997م .
  27.  النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) : محمد فتح الله كولن : ط (6) دار النيل ، مصر 1432ه 2011م .

 

 


17-) بديع الزمان عبقرية ابتعثها القدر

 

عباقرة الفكر هم الاستثناء من بين المجتمعات البشرية التقليدية، وإنّ أفكارهم لتسطع في ليالي الشعوب الحالكة كما تسطع الشمس في رائعة النهار و"النورسي" هو واحدٌ من هؤلاء العباقرة الذين ابتعثهم القدر ليكونوا منار هدى يستضاءُ بهم كلما اشتد الظلام واحلولكت لياليه.

ليس بفضل عالمٍ بين جملة من العلماء كفضل مَن هو مفرد فَذٌّ لم يسبقه أحد ولم يلحق به أحد، ومن هنا كان ضوء النورسي أشدّ ألقاً وأعظم نوراً.

ماذا تريدون يا أحبابي، أتريدون إلتقائي..؟ حسناً عليكم بقراءة "رسائل النور" فستلتقوني فيها... هكذا قال "النورسي".

العبقرية كانت تعلن عن نفسها في "النورسي" منذ نعومة أظفاره، إنه رجل القدر المرصود للدفاع عن القرآن في أكثر العصور جحوداً، لنستمع إليه وهو يقول: (لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها).

ما كان الدين حليف العبودية والجهل والتأخر، بل هو صنو الحرية والعلم والتقدم، هكذا كان يقول للعشائر في كتابه "المناظرات"... أتريدون مثالاً على الاتحاد والجد والعمل، هذه مستعمرات النمل تعلموا منها، كيف تجدّ وتبني وتتعاون فيما بينها، مثلها فكونوا... ومنها تعلموا...

إيماناً من "النورسي" بأهمية العلوم الحديثة في ارتقاء المسلمين يتقدم إلى السلطان في "استانبول" بمشروع إنشاء جامعة شرقي البلاد تعنى بالعلوم الحديثة إلى جانب العلوم الدينية.

أما كتابه "إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز" فهو آية من آيات عبقريته الفكرية. ففي الوقت الذي كان يخوض المعارك قائداً للأنصار في الحرب التركية الروسية كان ذهنه يعمل بحيوية عجيبة في تصنيف كتاب يكشف عن عظمة القرآن البلاغية والإعجازية من غير أن يكون معه أي مصدر يستعين به سوى القرآن نفسه، ولا ينفك يدعو إلى تأسيس هيئة علمية من اختصاصات متنوعة للقيام بتفسير القرآن، لقد عشق القرآن وعشق الدعوة إليه وهو القائل: (ليكن ألف سعيد، وليس سعيداً واحداً، فداء لحقيقة واحدة من حقائق القرآن).

ولئن أسَر "الروس" جسمه في هذه الحرب إلاّ أنّ روحه وفكره ظلاّ طليقين يعملان لله ويدعوان له دون أن يحدهما حدٌ أو يمنعهما مانع. نعم، ماذا فقد مَنْ وجده، وماذا وجد مَن فقده.

وفي عودته إلى "استانبول" من الأسر وجد الدولة العثمانية وهي تتهاوى وتنهار، وتقوم الجمهورية على أنقاضها مشعلة نار الجحود والإلحاد في كل مكان من أرجاء البلاد. فينسحب من الحياة العامّة ليتاح له التفكير بهدوء، ثم لا يلبث حتى يعود أكثر إصراراً وتصميماً على العمل من أجل رفع راية القرآن محلقة في أجواء تركية كما كانت مدة من قبل.

إيها الأخوة... أيها الأحباب... إنحنوا إعجاباً وتقديراً لـ"بارلا" العزيزة التي شهدت أولى "رسائل النور" وهي تترى من قلم الأستاذ المنفي فيها... امعنوا النظر في الكلمات تجدوا فيها عظمة الإيمان والعبادات، وإعجاز القرآن، وأحقية الحشر والنشر.

أما مكتوباته فهي دواء ناجع، ودحض تام لكل الشكوك التي حاول الأعداء أن يثيروها حول صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بما يقنع العقل ويطمئن القلب.

أما "اللمعات" فهي خطابات في منتهى اللطف تواسي المرضى، وتعين الشيوخ في شيخوختهم، وتثير نخوة الشباب، وتهدهد الأطفال، وتذكر النساء، فضلاً عمّا حرّره في قضايا التصوف ما له وما عليه.

ثم نجده في السيرة أنه يؤخذ من منفى إلى آخر، فتوالى السجون والمنافي والإقامات الإجبارية ومحاولات التسميم. ومع هذا فهو منشرح لقراءة الحكام لرسائل النور حتى لو كانت قراءة عدائية. فنراه بعيداً بعداً كلياً عن الحقد والنفور رغم أنه أُدخل السجن ظلماً وبهتاناً، بل يستمر في دروسه الإيمانية للمساجين الذين هم أحوج ما يكونون إليها. حتى إنه يرفع يديه ليدعو على المدعي العام لكنه حينما رأى طفلته الصغيرة يرق قلبه عليها فيخفضهما. ويقول: لقد صفحت عن الذين ظلموني وأذاقوني مرّ العذاب، وهذا منتهى الشفقة والرحمة. ويلقى بهذا درسا إلى طلابه، فيقول لهم: نحن فدائيو المحبة لا مجال لنا للخصومة. وأن أجدر شيء للمحبة هو المحبة نفسها وأجدر شيء للخصومة هو الخصومة نفسها.

وهكذا تلي المحكمة محكمة أخرى والنفي إثر النفي والترصدات لا تنفك. ولكن بعناية الله سبحانه أخفقت جميع المحاولات لإسكات قلم النورسي، فنراه يزين كتابه " الشعاعات" بمسائل دقيقة في التوحيد وجمال العبادة، وعلامات الساعة، بل جعل الكون كله كتاباً مفتوحاً أمام الإنسان فينظر إليه بعين السائح المستفسر عن كل ما حوله، فيستنطق الشمس والقمر والنجوم بل العالم أجمع عن الخالق. فيعير السمع إلى كل صوب ويقف عند كل جماعة ولا يسمع إلاّ صوت لا إله إلاّ الله. ويقول: إن كنت تريد أن تشاهد تلك الحقائق الرفيعة عن قُرب، فاذهب إلى بحرٍ هائج، وإلى أرضٍ مهتزّة بالزلازل، وأسألهما: ما تقولان؟ ستسمع حتماً أنهما يناديان: يا جليل.. يا جليل.. يا عزيز.. يا جبار…

ثم اذهب إلى الفراخ والصغار من الحيوانات، التي تعيش في البحر أو على الأرض، والتي تُربّى في منتهى الشفقة والرحمة، وأسألها: ما تقولين؟ لابد أنّها تترنم: يا جميل .. يا جميل.. يا رحيم.. يا رحيم.

ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال. وتصنّت للحيوانات كيف تقول: يا رحمن يا رزاق. واسأل الربيع، فستسمع منـه: يا حنان يا رحمن يا رحيم يا كريم يا لطيف يا عطوف يا مصوّر يا منوّر يـا محـسن يا مزيّن.. وأمثالَـها من الأسماء الكثيرة 

وسيرته طافحة بالرقة والشفقة على الخلق، بل حتى نراه يسكب الدموع الغزيرة على الأبرياء الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية. فيحمل هموم العالم في قلبه ويفضّلها على همومه الشخصية، ويبكي على الذين حُرموا الإيمان وتركوا الدنيا دون إيمان. بل حتى إنه يقول يوماً لطلابه: أنه على استعداد لدخول جهنم إنقاذاً لإيمان أمتي... وأن الاختلاف بين أفراد الأمة يقضّ مضجعه وأن الله لم يخلق الاختلاف في الألوان واللغات إلاّ لأجل العيش في وفاق وسلام. بل يدعو إلى الوفاق مع الروحانيين من النصارى لمواجهة الإلحاد والفساد الذي يسري في العالم سريان الطاعون.

وهكذا كلما تجولنا في صفحات رسائل النور يعظم في أعيننا هذا الرجل العظيم سعيد النورسي.

ولكن يا ترى هل عُرف هذا الرجل العظيم في العالم أجمع... لنلقي نظرة إلى خارج البلاد. فنرى أنه بعد وفاة هذا المفكر العظيم سنة 1960 ترجمت رسائل النور إلى مل يقرب من أربعين لغة من لغات العالم. وغدت حياته وفكره مادة مئات من الكتب وعشرات من المؤتمرات وآلاف من المقالات، وأنشئت وحدات دراسية وكراسي جامعية حتى في الغرب.

وختاماً نختم سياحتنا الخيالية مع النجم القطبي لهذا العصر، ونتوجه إليكم أيها الجمع الكريم.

أن بديع الزمان شمس منيرة، وما هذا الذي ذكرناه إلاّ دعوة متواضعة له . فالاستفاضة الحقة من تلك الأنوار هي في تجوالكم في صفحات رسائل النور. وقراءتها قراءة جادة.

 

 


18-) القواعد الخمسون في قراءة رسائل النور

 

 

القواعد الخمسون في قراءة رسائل النور

د. عبدالحكيم الأنيس                  

كبير باحثين أول في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي

ألقاها في الندوة العالمية الثالثة للأكاديميين الشباب

18-19/6/2011             

اسطنبول                   

باسمه سبحانه وله الحمد

 

 القواعد الخمسين لقراءة رسائل النور

  1. من البديهي أن نقول أولاً: يجب أن تقرأ كل ما كتبه الأستاذ بلا استثناء، فالاستثناء هنا مفرغ، وأذكر هنا مقولة للشيخ أبو غدة:

الكتاب إذا لم تقرأه كلَّه لا يعطيك سرَّه

  1. من البديهي أن نقول ثانياً: اقرأ أيها الباحث –ما استطعت- ما كتب عنه في الشرق والغرب.
  2. أعد قراءة ما قرأت، على قاعدة: قراءة كتاب مرتين خير من قراءة كتابين.
  3. زر الأماكن التي كتب فيها مقتدياً بالواقدي الذي كان يزور مواقع الغزوات والأحداث قبل أن يكتب عنها. ومقتدياً بالمحب الذي يقول:

أرى أثارهم فأذوب شوقاً وأسكب في مواطنهم دموعي

  1. اعرف تواريخ ما كتب
  2. اعرف كيف تشكلت رسائل النور وكيف رتبت وما يدخل فيها
  3. حاول أن تعلم سر الترتيب
  4. توقف عند المكرر واعرف حكمته
  5. جزّء الرسائل على صفحات محددة

الكلمات 875

المكتوبات 584

اللمعات 539

الشعاعات 659

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز 235

المثنوي العربي النوري 473

الملاحق 391

صيقل الاسلام 520

سيرة ذاتية 582

المجموع: 4858

وبتقسيم هذا العدد على 40 صفحة يصبح لدينا (45 و 121) يوماً

ففي (121) يوماً يمكن أن تقرأ كليات النور كلها.

ولو قسمنا العدد على 100 أي أنك تقرأ كل يوم (100) صفحة

فتكون النتيجة (58و48 يوماً).

  1. تهيأ نفسياً وقلبياً للدخول إلى عالم النور.
  2. اقرأ السيرة الذاتية أولاً وتمكن فيها والواجب أن تقرأ الكتابين: سيرة ذاتية، وبديع الزمان: نظرة عامة عن حياته وأثاره وهذا وصفه الشيخ أبو غدة: كتاب حافز ممتع للغاية.
  3. قارن بين ما تقرأ وبين كتابات أخرى في الموضوع، فإذا قرأت "رسالة الشيوخ" فاقرأ  "طب الأشياخ" لابن الجوزي.
  4. فهرس ما تقرأ بنفسك لنفسك.
  5. علِّق على ما تقرأ حالاً ولا تؤجل كتابة ما يخطر لك.
  6. ابحث عن مصادر فكر بديع الزمان
  7. تأمل في طريقة تعامله مع المصادر
  8. لا تتعجل بالحُكم على أمرٍ لم تستوعبه
  9. اسأل نفسك دائماً: لِمَ قال هذا ولِمن؟
  10. اربط بين الموضوعات المتشابهة والمتقاربة
  11. تعمّق في طريقة تعامل النورسي مع السنة لمعرفة ما زاده على أقوال الشراح.
  12. لا تسرع إلى إنكار حديث ضعيف أو موضوع قبل البحث عنه من جديد.
  13. هناك ملحوظات على طريقة التخريج فانتبه لها، كأن يُحكم على حديث بالضعف أو الوضع دون ذكر البديل الصحيح.
  14. لا تعتمد على الفهارس لأنها لا تغطي الموضوعات.
  15. احذر بعض الأخطاء المطبعية.
  16. تذوق الأساليب البلاغية في الرسائل ولاسيما التشبيهات.
  17. افتح عينيك على عالم النبات فهو في الرسائل مميز
  18. وتأمل في عالم الحيوان فهو في الرسائل ذو أهمية بالغة.
  19. اعمل لنفسك ملفاً بعنوان: رجال حول النورسي
  20. لا تغفل عن موضوع مهم في الرسائل هو عوامل استقرار الدول.
  21. تلمس وأنت تقرأ حلولاً لمشكلات قائمة أو قد تقوم.
  22. حاول وأنت تقرأ أن تقرأ ما بقي حبيساً في صدر الأستاذ.
  23. هناك فروق بين الكلمات والمكتوبات واللمعات والشعاعات فاعمل على اكتشافها.
  24. جرب أن تصنف الأفكار القديمة التي ظلت مع الأستاذ إلى آخر حياته.
  25. كان من عادة العلماء إذا قرأوا أن ينتقوا، فافعل فعلهم واسلك طريقهم، ولتكن لديك منتقيات تخاطب روحك وعقلك وقلبك، وتؤثر فيك، أو تجد أنك ستحتاجها في حياتك العلمية والعملية.
  26. وأنت تقرأ لاحظ دقة الأستاذ العلمية وحفاظه على هذه الدقة وتصحيحه الرسائل بنفسه، وتذكر جهود العلماء في الحفاظ على الكلمة العلمية.

يقول الأستاذ: "لقد ازداد كثيراً هذه السنة عدد الذين يكتبون رسائل النور والحمد لله ويأتي إليّ التصحيح الثاني فأنشغل به بصورة سريعة طوال اليوم، لذا يتأخر كثير من أموري المهمة، إذ أرى أن هذه الوظيفة أهم من غيرها".

  1. خصص لنفسك نسخة للمطالعة والمراجعة، تبقى معك في سائر حياتك العلمية.
  2. اضبط هذه النسخة بالشكل، فإن ذلك سيساعدك كثيراً في القراءة الثانية، وحين المراجعات لإعداد بحوث أو أوراق أو كلمات أو أفكار.
  3. ارفع صوتك بالقراءة وهذا الأسلوب سيضطرك إلى معرفة ضبط ما تقرأ، وهذا سيقوي علاقتك باللغة، ويجعلك على صلة حية بالمعاجم.
  4. هناك كثير من الكلمات التي تصلح أن تكون شعارات فحاول أن تستخرجها في ملف خاص، وذلك كقوله:
  • إن المحجوب عن نور الله بستار الطبيعة يمنح كل شيء ألوهية، ثم يسلطه على نفسه.
  • الشهرة مستبدة متحكمة، إذ تملّك صاحبَها ما لا يملك، فالخواجة نصر الدين جحا لا يملك من لطائفه المنتشرة غير العُشر.
  • قوله على لسان الأثمار المعلقة على الأشجار:

"لا تحصرن نظرك في الخرائب وحدها، فهلاّ نظرت إلينا، وأنعمت النظر فينا".

  • إنني أعيش بدون طعام ولكني لا أعيش بدون حرية.
  1. وهناك كثير من الجمل التي يمكن أن تعد حكماً تذكّرنا بحكم الرفاعي وابن عطاء الله، فاعمل على جمعها وتصنيفها. وتابع ما بدأه عبد الرحمن ابن أخي الشيخ ومن ذلك قوله:

"إن عشرين سنة من عمر مبهم أفضل من ألف سنة من عمر معلوم النهاية"

  1. من المفيد جداً أن تعقد مقارنة بين السيرة الذاتية للأستاذ وسيرة أهل عصره وإن تقدمت وفياتهم عليه أو تأخرت. فاقرأ مذكرات الدعوة والداعية لحسن البنا والفرقان للصيادي والأيام لطه حسين وحياتي لأحمد أمين وطفل من القرية لسيد قطب ومذكرات شاهد القرن لمالك بن نبي. اقرأ كل هذا لتزداد فهماً لهم وللأستاذ.
  2. كوّن لنفسك معجماً أو قاعدة بيانات لما كُتِبَ عن الأستاذ باللغة العربية وغيرها من اللغات إن استطعت.
  3. استفد من مناهج العلماء المتقدمين في كتابتهم عن الأعلام لتثري أفكارك وتفتح عينك على ما لم تره، وتستدل على ما يمكن استخراجه وتبويبه من رسائل النور.

ومن أبرزهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي الذي كتب مناقب عمر بن الخطاب وبناه على ثمانين باباً، ومناقب عمر بن عبد العزيز وبناه على أربعة وأربعين باباً، ومناقب معروف الكرخي وبناه على سبعة وعشرين باباً، ومناقب أحمد بن حنبل وبناه على مئة باب.

  1. سيخطر لك وأنت تقرأ خواطر مهمة عن موضوعات لم تجدها أخذتْ حظها من الدرس والنظر فاكتبها حالاً فلعلك تنهض لتحقيقها بنفسك أو تقترحها على آخرين.
  2. لا بأس أن تفكر بتعلّم اللغة التركية لتقرأ ما كتبه الأستاذ بها، وهذا سيزيدك اطلاعاً على التراث النوري والثروة النورية.

وقد تنهض إلى مراجعة الأرشيف العثماني الضخم وتستخرج ما لم يخرج.

  1. من الجميل والمفيد أن تصنف أنواع المخاطبين في رسائل النور، من النفس إلى الآخر حين يكون طالباً محباً، أو شانئاً عدواً، وإنساناً حاضراً، وإنساناً سيأتي بعد سنين.

وفوق هذا كله خطابه رب العزة ونبيه الأعظم.

ولعلك ستجد نفسك هي المعنية بقوله: يا نفسي المغرقة بالفخر، المعجبة بالشهرة، الهائمة وراء المدح والثناء، يا نفسي الغوية.. يا نفسي الشقية، هل إن عمرك أبدي، وهل عندك عهد قطعي بالبقاء إلى السنة المقبلة بل إلى الغد.

يا نفسي الشرهة... يا نفسي الطائشة.. يا نفسي المغرمة بالدنيا.

  1. توقف عند تعامل النورسي مع الزمن: في ليله ونهاره، وسفره واستقراره، وسكونه وكلامه، ويقظته ومنامه. واستمتع بقوله: نسيم التجلي يهب وقت الأسحار، فانتبهي يا عيني في السحر، واسألي المولى العناية، فالسَحَر متابة المذنبين، فهب يا قلبي تائباً في الفجر مستغفراً لدى باب مولاك" ومن ذلك أن تتوقف مع: النورسي ورمضان، والنورسي وأوقات التأليف.
  2. ستجد في التتبع معلومات غير متداولة ولا معروفة فاجعل هذا من هدفك لتضيف جديداً، ومن ذلك مراسلة الأستاذ مع علماء عصره.

مثال ذلك رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن زين العابدين الأنطاكي الحلبي وقد كشف عن ذلك في كتاب صدر عن الشيخ عبدالرحمن بعنوان: الغريب المهاجر المقهور.

  1. كان للأستاذ آمال في التأليف ومن ذلك قوله: "فأملي بالله عظيم أن تجمع كذلك تلك الأجزاء المتناثرة التي تثبت بالأدلة والبراهين أن أهل الضلالة يعيشون في جهنم في هذه الدنيا، وأن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة في هذه الدنيا أيضاً... وآمل أن تجتمع تلك الأجزاء من رسائل النور في مجموعة موجزة تنشر بعون الله وتوفيقه".

ومن الوفاء أن تعمل على تحقيق تلك الآمال.

  1. وبعد فلنتعلم من النورسي ونحن نقرأ رسائل النور أمراً في غاية الأهمية، هو قولنا لما لا نعلمه: لا نعلم. كما قال الأستاذ حين سئل عن شيء: "إنني الآن لا أعلم حكمة ذلك العدد".

ونختم بهذه الكلمة للأستاذ:

"أيها الأخ التركي:

احذر وانتبه أنت بالذات، فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجاً لا يمكن فصلها عن الإسلام، ومتى ما حاولت عزلها عن الإسلام فقد هلكتَ إذن وانتهى أمرُك، ألا ترى أن جميع مفاخرك في الماضي قد سجل في سجل الإسلام، وأن تلك المفاخر لا يمكن أن تُمحى من الوجود قطعاً فلا تمحها أنت من قلبك بالاستماع إلى الشبهات التي تثيرها شياطين الإنس".المكتوبات 2/391

 

 


19-) التأويل في رسائل النور

 

التأويل في رسائل النور

 

أ.د. صدرالدين كوموشR 

 

بعد توضيح معنى التأويل بشكل مختصر سنسعى لإيضاح ما أجري ما التأويل في رسائل النور.

التأويل: مصدر على صيغة التفعيل، ومشتق من “أوْل” بمعنى الرجوع للأصل وتفيد عدة معاني منها: تدوير ، قلب، الايصال للمقصود، النتيجة، العاقبة، الجزاء” وما اليها من المعاني. والمقصود منه في الكلام سياق وإيصال المعنى لما يراد منه، أي توضيحه. [1]

والتأويل اصطلاحاً، يعني “توضيح اللفظ لا حسب معناه الظاهري بل حسب ما يُحتمل من المعنى الموافق للكتاب والسنة”. والتفسير  لغة يأتي بمعنى “الشرح والاستبانة” واصطلاحاً هو شرح معنى الآية وملابساتها وقصتها وسبب نزولها بلفظ يدل على المعنى بصورة واضحة. فمثلاً توضيح الآية {يخرج الحي من الميت} بمعنى “يخرج الفرخ من البيض” تفسير ، وتوضيحها بمعنى “يخرج المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل” تأويل.[2]

هناك وجهات نظر مختلفة بين رجال العلم في موضوع مفهوم التأويل والتفسير. فقسم منهم يستعملون التأويل والتفسير بنفس المعنى، وقسم منهم قد استعمل التفسير بمعنى “الشرح والتوضيح استناداً  على الدليل القاطع” والتأويل بمعنى “ترجيح معنى من بين المعاني المحتملة” [3]

ولم يكن هناك تضاد بين “التفسير” و “التأويل” في المراحل الأولى للإسلام، حتى إن اصطلاح “التأويل” كثيراً ما كان يستعمل في توضيح وشرح معاني القرآن الكريم، ويرجح على اصطلاح “التفسير” فمثلاً  سمّى المفسر ابن جرير الطبري تفسيره الذي كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري (310/922) بــ (جامع البيان عن تأويل آي القرآن). فمثلما استعمل الطبري كلمة “التأويل” كاصطلاح  لعملية التوضيح كافة، فقد استعمله للتوضيحات العقلية ايضاً. [4]

وسيراً على خط مواز لعمله هذا، بل  وأكثر من ذلك، فقد اتخذ المعتزلة العلم العقلي  [5]قسطاساً في تأويل الآيات المتشابهة ولا سيما ما يتعلق منها بصفات الله تعالى. ومع اجتناب علماء السلف عن التأويل بهذا المعنى، لم يجتنب علماء الخلف عن مثل هذه التأويلات. وقد سعى أهل الاعتزال للاستفادة من أسلوب اللغة العربية (ولا سيما من المجاز) باستعمال أسلوب التأويل  في توضيح الآيات المتشابهة للتوصل الى النتيجة. [6]

ولتأثير هذه الحركة على أهل السنة ، فقد سار الأشاعرة والماتريدية  اللذان هما بمثابة سواعد أهل السنة، في موضوع تأويل الآيات المتعلقة بصفات الله تعالى موازياً مع أهل الاعتزال.[7]

وفي أواسط القرن الثالث عشر أصابت الاسلام ضربة كبيرة جراء الإستيلاء المغولي، وقد سعى العلماء والمفكرون في القرن الرابع عشر  للقيام بحملات صحوة ونهوض في هذا المجال، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل لأن المرحلة مرحلة جمود وتأخر. غير أننا أصبحنا نرى في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حملات صحوة وحيوية جديدة في مجال العلم والفكر ولا سيما في مصر وتركيا وجنوبي قارة الهند. ويعتبر بديع الزمان من ممثلي ورواد هذه الساحة في تركيا. ومع وجود بعض الفوارق في الفكر والاسلوب في هذه المرحلة، كما هو شأن بقية المراحل بين ممثلي الساحة الفكرية والعلمية، إلا أنهم دافعوا عن الإسلام بأنه دين علم وحضارة،  غير ان موازينهم تختلف، فبعضهم يعتمد على العقل أساسا في تأويل النقل وتفسيره، وبعضهم يتخذ النقل الصحيح اساساً  ويجعل العقل تابعاً لهذا الاساس.

ويعتبر بديع الزمان من المجموعة الأولى الذين يرتكزون على العقل أساسا في تفسير القرآن، فهو يرى أن العقل (يُتخذ) أساسا عندما يتعارض مع النقل، ويؤوّل النقل. وذلك أن القصد هو الأساس. وقد ألف كتاباً تحت اسم “محاكمات” بهذا الموضوع، وهو يأسف على تأخر الأمة لعدم فهمها مقاصد القرآن غاية الأسف قائلاً: “وا أسفى.. لقد انخدعنا فتركنا جوهر الاسلام ولبابه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.وأسأنا الفهم، فأسأنا الأدب معه، وعجزنا عن ان نوفيه حقّه حق الايفاء وما يستحقه من الاحترام، حتى رغِبَ عنّا ، ونَفَر مِنّا، وتستر بسحائب الأوهام والخيالات”[8]

فقد اتخذ الاستاذ بديع الزمان مقصد الاسلام والقرآن أساساً، ويرى أنه من الخطأ التحرك حسب الظاهر دون التمسك بالجوهر. ومقاصد القرآن الأساسية (هي )أربعة وهي: التوحيد ، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدالة.  وما في القرآن الكريم من أبحاث خارجة عن هذه المقاصد الأربعة هو بحث استطرادي.[9]

ونفهم من هذا: أن الاستاذ بديع الزمان يرى هذه المقاصد الأربعة  اساساً في تفسير القرآن، ويلزم تفسير الآيات على وجهتها. وأية آية تتعارض مع العقل فينبغي تفسيرها على وجهة هذه المقاصد بشكل يوافق العقل، غير ان بديع الزمان يؤكد تأكيداً جازما على تفسير هذه الآيات موافقاً لبلاغة اللغة العربية وفنونها وقواعدها، وليس تفسيراً اعتباطياً اهوائياً.[10] فالمجاز ، والاستعارة والكناية وأمثالها من الطرق التي يدل بها اللفظ على المعنى تأتي في مقدمة فنون البلاغة المستعملة في التأويل.

 وقد انقسم علماء الإسلام في موضوع استعمال المجاز كوسيلة في تفسير القرآن الكريم الى ثلاثة اقسام:

القسم الأول: المعتزلة الذين يستعملون المجاز كسلاح في موضوع تأويل المتون الدينية التي لا يتلاءم مع منهجهم وأفكارهم. فهؤلاء يقيمون اللغة على أنها نتاج فكري بشري ويقيمونها على أنها اصطلاح بشري، وعليه يرون أن العقل يأتي قبل النقل في موضوع العلم.

القسم الثاني: الظاهريون الذين يرفضون وجود المجاز في القرآن الكريم، كما يرفضونه في اللغة، فهؤلاء يتخذون المعنى الظاهر للقرآن الكريم أساساً، ويحيلون المتون المبهمة منه الى الله تعالى، ويقولون أنه لا يعلم المراد من تلك المتون إلا الله. وهؤلاء يعتقدون أن اللغة توقيفي، علّمها الله لآدم عليه السلام ومنه انتقلت الى أولاده، وعليه يقولون إن اساس العلم الوحي.

القسم الثالث: فهؤلاء يتبعون طريقاً وسطاً في استعمال المجاز لتوضيح المتون الدينية نظراً للقسمين السابقين المفرطين، فهؤلاء يشكلون أكثرية المسلمين من الأشاعرة والماتريدية، وفكرهم هو التأليف والتوفيق بين العقل والنقل.

يحتل بديع الزمان مكانته في استعمال المجاز كأداة للتأويل في القسم الثالث الذي يمتاز بالإعتدال والتأليف والتوفيق[11]. ولأجل استعمال المجاز استعمالاً صحيحاً يوصي بديع الزمان باتخاذ ما يعلم هذا الفن من علوم البلاغة والمنطق دليلاً. والمجاز في نظره وسيلة يستعمله العلماء المتبحرون وليس الجهلاء، وفي هذا الصدد يقول: “اذا وقع المجاز من يد العلم الى يد الجهل ينقلب الى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات اذ المجازات والتشبيهات اذا ما اقطتفتهما يسار  الجهل المظلم من يمين العلم المنور، او استمرتا وطال عمرهما، انقلبتا الى “حقيقة” مستفرغة من الطراوة والنداوة، فتصير سراباً خادعاً بعدما كانت شراباً زلالاً، وتصبح عجوزاً شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.

نعم! إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يصبح كثيفاً قاتماً يحجب الحقيقة الاصلية” [12] فمثلاً “وما استدل بعض المفسرين بلفظ "من السماء" في آية {ويُنَزِّلُ من السماء من جبال فيها من بَرَدٍ} على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "البعض" وجود بحر تحت السماء، فنظر البلاغة لا يرى عليه سكة الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء” [13]

ومع هذا يقيم الاستاذ بديع الزمان استعمال التغير في اللغة أي المجاز، والتشبيه، والاستعارة والكناية وأمثالها من الفنون، بأنها قانون فطري لا يمكن الاستغناء عنها. ويأتي بالكلمات المترادفة والمشتركة دليلاً على التجدد والتغير في اللغة قائلاً: “إن كثيراً من الكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغبات الشابة لدى الخلف، لأنها غدت عجوزاً لا زينة لها. لذا أصبحت سبباً لدفعهم الى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير. هذه القاعدة جارية في اللغات مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره؛ إذ من شأن المحقق:

 سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية.. والغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شئ ومصدره” [14]

ومع هذا يجلب الاستاذ بديع الزمان النظر الى وجوب التصرف بدقة وحذر في هذا الموضوع، وإلى خطورة استعمال المجاز كيفما يشاء، فللمعنى الحقيقي حسب رأيه علامة، والقسطاس الذي يشخص تلك العلامة، هو الحسن المجرد النابع من توازن مقاصد الشريعة. ويجب أن يكون استعمال المجاز تحت قواعد البلاغة، ويعتبر تقييم المجاز حقيقة والحقيقة مجازاً خارج قواعد البلاغة، مساندة لإستبداد الجهل.[15]

فكما يتراءى أن الاستاذ بديع الزمان يسند جواز المجاز على بعض الأسس. وهذه الأسس  هي:

1- للمعنى الحقيقى علامة، فالكلمة أو الجملة أو الآية أو أي متن آخر،  التي تحمل هذه العلامة لا يمكن تقييمها بأنها مجاز، أي لا يمكن تأويلها.

2- ولأجل فهم وإدراك ما تحمله أي عبارة من طابع الحقيقة وتشخيصها، ينبغي مقايسة مقاصد الشريعة ومن ثم تقييم النتيجة. والحسن المجرد الذي يتم الحصول عليها في النتيجة هو ميزان الحقيقة.

3- لا يمكن حمل أية كلمة أو متن على المجاز اعتباطاً كيفما يشاء، بل ينبغي اجراءها ضمن اطار قواعد البلاغة، وإلاّ يعتبر التصرّف اهوائياً، مما يكون هذا الأمر  سبباً لسوء التقييم بين المجاز والحقيقة، وبالأخير يؤدي إلى مساندة استبداد الجهل.

ولأجل حمل أي معنى على المجاز يقول الاستاذ بديع الزمان بضرورة اتباع قواعد البلاغة، ويقول في هذا الموضوع : “ان الخاصية المميزة للتنـزيل، الاعجاز، والاعجاز يتولد من ذروة البلاغة، والبلاغة مؤسسة على مزايا وخصائص، لاسيما الاستعارة والمجاز. فمن لم ينظر بمنظارهما لا يفوز بمزاياها.. فكم في التنـزيل من “تنـزلات الهية الى عقول البشر” تسيّل ينابيع العلوم في اساليب العرب تأنيساً للأذهان. والتي تعبّر عن مراعاة الافهام واحترام الحسيات ومماشاة الاذهان.

ولما كان الامر هكذا.. فلابد لأهل التفسير أن يقدروا القرآن حق قدره، واَلاّ يبخسوا قيمته، وان لا يؤولوه بأمر لم تصدقه البلاغة ولم يكن من ميزته. وذلك قد تحقق بوضوحٍ أجلى من كل حقيقة، ان معاني القرآن الكريم حق، كما ان طريقة افادته وتصويره للمعاني بليغة ورفيعة. فمن لا يُعزي الجزئيات الى ذلك المعدن ولا يلحقها بذلك النبع يكن من المبخسين حقه.” [16]

والآن نذكر بعض الأمثلة التي قدمها بديع الزمان في المجاز:

فقد أوّل آية {والجبال أوتاداً }(سورة النبأ:7) بأربعة أوجه:

أ- في الوجه الأول من التأويل: تُشبه الجبال بأوتاد السفينة، والمجال الفضائي بمحيط كبير، وكرة الأرض بغواصة، والجبال التي توازن كرة الأرض في المجال الفضائي، بمثابة الأوتاد الحديدية التي توازن حركة السفينة الجارية.

ب- وفي الوجه الثاني من التأويل: تُشبه الجبال بجهاز التنفس: فالهزّات والزعزعات القادمة من داخل الأرض تسكن وتهدأ بواسطتها. وذلك أن الجبال بمثابة مسامات سطح الأرض، فعندما يحدث انفجار أو هزة داخلية تتنفس الأرض بواسطة الجبال فتسكن غضبه وتهدأ حدته. اذن إن استقرار الأرض هو بواسطة الجبال.

ج- وفي الوجه الثالث من التفسير: تعتبر الجبال كعنصر للموازنة في حماية حياة الإنسان. فالأرض تعمر من قبل الإنسان، والإنسان بمثابة عماد هذا الأمر، وحياته تتوقف على حماية منبع الحياة من الماء والتراب والهواء بأكمل وجه وأنظفه. وللجبال دور كبير في حماية نظافة هذه المصادر الثلاثة للحياة، كما أن الجبال هي مخازن المياه، فلها أيضاً خاصية تجذب رطوبة الهواء، لتنقيه بمثابة الأمشاط المنظفة. وكما أن الجبال تعدل بين الحرارة والبرودة، كذلك هي تنظف الهواء من الغازات المضرة، وتحافظ على التراب من تسلط المستنقعات والطين والبحار.

د- وفي الوجه الرابع من التأويل: تشبه الجبال بأوتاد الخيم. وعليه إن قشرة الأرض قد ألقيت وفرشت على الأوتاد في المناطق المكتظة بالسلاسل الجبلية كخيم البدو، أما في المناطق ذات الجبال المنفردة، فهي بمثابة خيمة قد ألقيت على وتد واحد فقط. [17]

سؤال: {وينـزل من السماء من جبال فيها من برد } (سورة النور:43) يعتبر نزول المطر حسب ظاهر هذه الآية الكريمة من الجبال المتشكلة من برد في السماء. كيف توضح هذه الآية؟

الجواب: لو تمسك أي كلام بالمعنى الظاهري ولم ينفصل عنه، من دون أن يكون موافقاً للبلاغة وملائماً للعقل ومطابقاً للمنطق، يعتبر هذا الأمر جموداً وخفوتاً لذلك الكلام. وذلك فالآية الكريمة {قوارير من فضة } (سورة الإنسان:15)  الواردة في وصف أطباق الجنة بأنها بيضاء كالفضة، ووضاءة كالبلور، تتضمن استعارة لطيفة، كالآتي:

بما أن أطباق الجنة  ليست من الزجاج، ولا من الفضة، لذا لا يجوز حمله على ظاهر هذه الجملة، وذلك لا يقال لتلك الأطباق “اطباق زجاجية مصنوعة من الفضة”. وذلك لا يوجد موافقة بين العنصرين. غير ان المعنى المجازي المراد من قواير من فضة هو شفافية القوارير وبياض الفضة، أي أن تلك الأطباق شفافة كالزجاج، وبيضاء كالفضة.

“كذلك {من جبال فيها من برد} متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعريّ بالنظر الى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة ،فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الإلهية، قابلَها جوُّ السماء محاكياً لها مسابقاً معها لإظهار معجزة العظمة الإلهية فبرز متبرقعاً ومتقمصاً بالسحاب المتقطع جبالا وأطواداً وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحاً ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن اسلوب العرب تشبيه السحاب لا سيما الصيفي بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم.... فإذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فـ {ينـزل من السماء } أي من جهة السماء. “من جبال” أي من سحاب كالجبال. “من برد” أي في لونه ورطوبته وبرودته.

فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي اتقن كل شئ صنعاً”.[18]

يقول بديع الزمان: حين تُفَسر هذه الآية الكريمة بالمعنى الظاهري القطعي فإنه يعني “جحود حق البلاغة، إذ الاستعارة البديعة في الآية الأولى تتوقد بحيث تذيب الجمود المتجمد، وتشق كالبرق ستار سحب الظاهر. [19]

والمثال الثاني الوارد في رسائل النور حول إستعمال المجاز هو “مسألة الثور والحوت” المشهورة. يحلل بديع الزمان هذه الرواية كالآتي:

“لا يخفى أن “مسألة الثور والحوت” المشهورة دخيلة في الاسلام وطفيلية عليه، أسلمت مع راويها، فان شئت راجع “المقدمة الثالثة” لترى من أي باب دخلت.

أما نسبتها إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فانظر الى مرآة “المقدمة الرابعة” ترى سرّ الحاقها به. وبعد هذا فإن كون “الأرض على الثور والحوت” يروى فيه حديث:

أولا: لا نسلّم أنه حديث، لأن عليه علامة الإسرائيليات.

ثانياً: ولو سلّمنا أنه حديث، فإنه آحادي، يفيد الظن لضعف الاتصال. فلا يدخل في العقيدة، إذ اليقين شرط فيها.

ثالثاً: حتى لو كان متواتراً وقطعي المتن، فليس بقطعي الدلالة. "[20]

وفي حالة قبول صحة هذه الرواية، يؤوّل بديع الزمان الحديث بثلاثة أوجه:

“الوجه الأول: فكما أن حَمَلة العرش المسماة بــ: الثور، النسر، الانسان، وغيرهم ملائكة، كذلك هذا الثور والحوت ملكان اثنان حاملان للارض. والاّ فان تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز - كالأرض - مناف لنظام العالم! ويرد في لسان الشريعة: أن لكل نوع ملكاً موكلاً خاصاً به يلائمه، وقد سمي ذلك الملك باسم ذلك النوع، بناءً على هذه العلاقة، وربما يتمثل بصورته في عالم الملائكة. وقد روي حديث بهذا المعنى: إن الشمس تغرب في كل مساء تحت العرش وتسجد عنده ثم تستأذن وتعود.

نعم إن الملك الموكّل على الشمس اسمه الشمس ومثاله الشمس، وهو الذي يذهب ويؤوب.

ولدى الفلاسفة الإلهيين: إن لكل نوع ماهية مجرّدة حية ناطقة تمد الأفراد. ويعبّر عنهم الشرع: مَلَك الجبال ومَلَك البحار وملك الأمطار، إلاّ انه لا تأثير لهم تأثيراً حقيقياً إذ لا مؤثر في الكون إلا الله. أما الحكمة في وضع الاسباب الظاهرية فهي في اظهار العزة والعظمة لكي لا يرى النظر المتوجه الى دائرة الاسباب مباشرة يد القدرة لأمور خسيسة ظاهرة من دون حجاب. أما في الملكوتية وفي حقيقة الامر وهي دائرة العقيدة، فإن مباشرة يد القدرة بدون حجاب لكل شيئ، يلائم العزة؛ اذ كل شئ في هذه الجهة سام وعال... ذلك تقدير العزيز العليم.

الوجه الثاني:

إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.

فإذا سأل أحد: بِمَ تقوم الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم. أو إذا سأل: بِمَ تقوم المدنية؟ فالجواب: على المعرفة والصناعة والتجارة. أو إذا سأل: بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟ فالجواب: بالعلم والعمل.

كذلك أجاب سيد الكونين وفخر العالمين r - والله أعلم - بناء على ما سبق ذلك السائل الذي لم يستعد ذهنه لدرك الحقائق - بدلالة المقدمة الثانية - وسأل عن شيئ خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيئ؟ فأجابه رسولنا الكريم r بما يلزمه أصلاً: الأرض على الثور. أي إن عمارة الأرض لنوع البشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولة على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتى يصدق عليهم المثل السائر: كل الصيد في جوف الفرا!

فهذا جواب لطيف حقّ حتى لو كان مزاحاً فإنه r لا يقول الاّ حقاً. ولو سلّم أن السائل سأل عن كيفية الخلقة. فقد [تلّقى السامع بغير المترقب]كما هو القاعدة في علم البيان، اذ تلقى الاجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم.

الوجه الثالث:

إن الثور والحوت برجان مقدّران في مدار الأرض السنوي. فتلك البروج وإن كانت افتراضية موهومة، إلاّ أن السنن الإلهية الجارية في العالم والتي تنظم وتربط الأجرام السماوية والمسماة لفظاً واصطلاحاً بالجاذبية العامة، قد تمركزت في تلك البروج، لذا فالتعبير الفلكي: “الارض على البروج” جائز.

هذا الوجه هو في نظر علم الفلك الحديث، لأن القديم قد افترض البروج في السماء، بينما الحديث افترضها في مدار الأرض، لذا يحوز هذا التأويل أهمية في نظر الفلك الحديث.”[21]

ورأي الأستاذ النورسي حول المتشابهات القرآنية حسب افادته كالآتي:

“أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات:

فاعلم! أن إرشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة الاّ بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة بل يمر نظرهم الى الحقائق.

مثلاً: إن التصرف الالهي في الكائنات يتصور بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختير الكناية في {الرحمن على العرش استوى} (سورة طه:5) واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُ الارشاد رعايةَ افهامهم واحترامَ حسياتهم، ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصابى في كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل تسمى بــ “التنـزلات الإلهية الى عقول البشر”، فهذا التنـزل لتأنيس اذهانهم. فلهذا وضع صور المتشابهات منظاراً على نظر العلماء. ألا ترى كيف أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات إلا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها صور للحقائق الغامضة”[22]

الكناية

ومن الفنون التي يستعملها بديع الزمان في التأويل الكناية

يقول في هذا الموضوع:

“ومن الأصول المقررة أيضاً:

إن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى “المعاني الأولى” كما يعبر عنها فن البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى “المعاني الثانوية”. فكما إذا قيل: “طويل النجاد” فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخص طويل القامة وإن لم يكن له سيف. وكما تكون الكلمة الواحدة في كلام، قرينة المجاز للاستعارة، فإن طائفة من الآيات الكريمة، كأنها كلمة واحدة لكلام الله، تكون قرائن لحقائق وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وأدلاء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.

حاصل الكلام:من لم يضع هذه الحقيقة نصب العين، وعجز عن موازنة الآيات، ولم يتمكن من الحكم بينها حكماً عدلاً، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاة؛ إن القرآن يقول: {لا تقربوا الصلاة}.. أما ما بعده فلست حافظاً للآية! ألا يكون هذا موضع هزء في نظر الحقيقة؟!.” [23]

ويوصي بديع الزمان بالإبتعاد عن الإفراط والتفريط في موضوع التأويل، كسائر الموضوعات، انسجاماً مع الروح الإسلامية. فهو يرى “ان ميل التفريط من شأنه حمل كل شيء على الظاهر.. حتى لينتهي الأمر تدريجياً إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف. وإن حب الإفراط من شأنه النظر إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجياً الى نشوء مذهب الباطنية الباطل. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضرراً منه بدرجات” [24]

كما حذر الاستاذ عن هذا الطريق المهلك، فقد قدّم الميزان للوصول الى الصراط المستقيم، وحسب نظره أن هذا الميزان هو "فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمة مع المنطق".

نعم! أقول: الحكمة (الفلسفة) لها خير كثير مع تضمنها الشر، إلا أنه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلمة أنه يلزم اختيار أهون الشرين.

نعم! إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرها قليل، خرافاتها كثيرة، حتى نهى السلف - الى حد ما - عنها، حيث الأذهان كانت غير مستعدة، والافكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العلوم. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرها كثير - من جهة المادة - بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيقة، لابد أن يكون لكل زمان حكمه”. [25]

وخلاصة القول نستطيع أن نقول: إن مؤلف رسائل النور الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يرى أن التعليم الموجه للظاهر في المدارس الدينية المنتشرة في العالم الإسلامي، ادت الى تأخرها، وخروجها عن مسراها الطبيعي.

لذا فقد اتبع طريقاً وسطاً في تأويل المتون الدينية كالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مبتعداً عن الإفراط والتفريط، ومتبعاً حلاً وسطاً ملائماً. وعندما يتعارض النقل مع العقل، فهو يتخذ العقل أساساً وعليه يؤول النقل، مستعملاً في هذا المجال قواعد البلاغة، والمنطق، وأمثالها من الفنون كالمجاز والتشبيه والإستعارة والكناية، ولم يقبل التأويل غير الموافق للكتاب والسنة، وقواعد البلاغة والمنطق.

ولهذا السبب فكما هو يُعارض الباطنية المفرطة المعارضة للموازين السابقة، كذلك يعارض الظاهرية التي تقيم كل شيء حسب الظاهر، وتبقى في حالة مستهزئ أمام العقل.

ترجمة : جميل شانلي

---------------------------------

R  من مواليد مدينة أرضروم سنة 1945م حصل على الدكتوراه سنة 1983 وحاليا استاذ في جامعة مرمرة باستانبول , له خمسة كتب منشورة.

[1] - التأويل حسب رأى المفسر حمدي ألماليلي “تحويل الشئ للغاية المقصودة منه فعلاً وعلماً”. فمثلاً : مادامت الغاية المقصودة من الماء هي الحياة، فتحويل الماء الى الحياة تأويل، والحياة مآل الماء (اي غاية توصله)، وقصد معنى الحياة من كلمة “الماء” مجازاً، هو تأويل لفظي. وعلم كيفية الحياة التي تنتجها المادة التي يقال لها “الماء”، هو تأويل معنوي. ويقال لكلا هذين الشكلين “تأويل علمي”، وتحويل الماء فعلاً الى الحياة “تأويل فعلي” (تفسير حق ديني قرآن دلي، جلد 1 / المقدمة، 27)

[2] -  انظر كلمة (التأويل) من كتاب التعريفات/  الشريف علي بن محمد الجرجاني .اذ يقول: التأويل في الاصل الترجيح، وفي الشرع: صرف اللفظ عن معنناه الظاهر الى معنى يحتمله اذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى {يخرج الحي من الميت} ان اراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيراً وإن اراد اخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً.

[3] - يراجع تفسير المنار

[4] - يراجع نفس المصدر

[5] -  مذهب اعتقادي، له مبادئ خاصة به (خمسة اسس)، اتخذ العقل اساساً . (بكر طوبال أوغلو/ علم الكلام. ص 169).

[6] - حسب نظرتهم هناك آيات محكمة ومتشابهة في القرآن الكريم، إلا أنه لم يُبين ايهما محكمة وأيهما متشابهة، ولا يتم التوصل إلى ذلك إلا بالمعرفة العقلية التي هي القسطاس . وحسب هذه النظرة تعتبر ما تتطابق منها مباشرة بالمفاهيم اللغوية، والإصطلاحات العقلية “المحكم الواضح” وما تعارض معها بحيث لا يمكن قبول معانيها اللغوية مباشرة (بالمتشابه المبهم) ولاجل ازالة وَهمَ التعارض بين المحكم والمتشابه، فقد توسلوا بعنصر المجاز (أبو زيد، ناصر حامد/ مشكلة تأويل القرآن عبر التاريخ وفي يومنا الحاضر (ترجمة عمر أوزسوي) مجلة الأبحاث الإسلامية، 9/29)

[7] -  بيد أن المعتزلة والخوارج لم تدم وجودها كمدرسة بعد القرن السادس الهجري إلا ان الزمخشري المتوفي سنة 538 الهجرية يعد من ممثلي هذه المدرسة، وقد دوّنت آراؤهم وأفكارهم في كتب أهل السنة والجماعة. ومع عدم وجود مذهب الإعتزال في يومنا الحاضر، فقد قبل علماء أهل السنة كثيراً من أفكارهم ولا سيما في موضوع تأويل النقل المتعارض مع العقل والتوافق بينهما.

[8] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 22

[9] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 30

[10] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 42

[11] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، المقدمة السادسة

[12] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[13] - اشارات الإعجاز، ص 138

[14] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[15] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[16] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 85

[17] -  صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 86

[18] - اشارات الإعجاز/ ص 139-140

[19] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 90

[20] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 73

[21] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 73-75

[22] - اشارات الإعجاز/ ، ص 175

[23] - صيقل الإسلام/ المحاكمات ، ص 31

[24] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 41

[25] - صيقل الاسلام/ المحاكمات/ ص 41


20-) التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي

 

التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي

 

أ.د/يوسي الهواري           

جامعة وهران  الجزائر        

كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية

 

             

الملخص

               ما من شك أن الشيبخ بديع الزمان النورسي من أولئك القلائل، الذين تركوا بصماتهم في واقع الأمة الإسلامية، و لعلي لا أجدني مبالغا إذا ما قلت أن الشيخ النورسي نموذج فذ جمع بين تحصيل علمي عميق، ورغبة ملحة في الدعوة إلى الله، وتصوف عملي ظهرت آثاره جلية في تفاصيل حياته، من خلال حركته الإصلاحية التجديدية، والتي أسهمت بقسط كبير في الحفاظ على هوية المجتمع التركي، بعد أن عصفت به رياح العلمانية والتغريب.

             لقد قيل الكثير عن التصوف، مما يحتاج إلى زيادة إيضاح وبيان، ومهما يكن من أمر المنتقدين، فإن التصوف جانب أصيل من هذا الدين، بل هو روحه، ومادته الأولية، فأنى للأعمال أن تؤتي أكلها، بعيدا عن استحضار خشية الله، ومراقبة المولى جل وعلى، ومشاهدته في صفحات هذا الكون، ولا يعيب هذا التصوف ما علق به من بدع ومحدثات، فإن العوارض لا تملك من القوة، ما به تعود على ماهية وحقيقة التصوف بالإبطال.

             لم يكن التصوف  غريبا عن هذه الأمة، فلقد أسهم الصوفية عبر التاريخ، بما لا يمكن إنكاره، في الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية،  من خلال حركاتهم الإصلاحية،  التي هي في واقع الأمر  تجديد لهذا الدين في أهم جانب من جوانبه، ألا هو التدين مصدر كل صلاح واستقامة، ومن هنا تأتي هذه الورقة للتأكيد على صوفية المنهج الإصلاحي للشيخ النورسي رحمه الله، فلولا هذا التصوف بمفهومه السني العميق، ما كان لحركته أن يكون لها هذا الصدى الواسع، وقد يحلو للبعض من خلال أطروحاتهم الزعم أن الشيخ النورسي انتقد التصوف فخرج بذلك عن عباءة الصوفية,  ولعمري إن مثل هذا الزعم انكار للحقائق، فالشيخ  لم يخرج عما قام به غيره من الصوفية من ممارسة الحسبة على أهل السلوك وتزكية النفوس.

تمهيد:

              بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونديرا، وداعيا إلى الخير وسراجا منيرا، بعثه بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، بيضاء في صفائها ونقائها، المتمسك بها على هدى ونور، والمتجمل بها على سداد ورشاد، قال تعالى:" هو الذي بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"- الجمعة:2-  ورأس هذا الأمر كله تزكية النفس الإنسانية والارتقاء بها إلى كمالاتها، أو بالأحرى العودة بها إلى فطرتها الأولى، وهي عبوديتها وافتقارها واحتياجها إلى خالقها، وبارئها في كل حين وآن، قال تعالى:" ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني"

             ولا يماري أي أحد أن هذا المعنى هو روح الإسلام وحقيقته وجوهره، واي أحد يخالف في أن جهاد النفس وحملها على مكارم الأخلاق، وتحقيق الاستقامة، هو المقصود الأصلي من هذه الشريعة، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" - الذاريات: 56 - ولقد ادرك الرعيل الأول من هذه الأمة أهمية السلوك في تحقيق العبودية، وهم مع إدراكهم علما وعملا،  لم يحاولوا أن ينظَروا لجهاد النفس هذا، لقربهم عهدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولاهتمامهم في المقام الأول بإصلاح النفوس من خلال التربية النفسية والإقبال على الطاعات، إلا أن حدث بعدهم من أفرد لهذا المنهج السلوكي اسمًا جديدًا لا عهد لمن قبلهم به – التصوف – ومع مررو القرون أصاب هذا المنهج ما اصاب الإسلام باعتباره جزء لا يتجزء منه، فأصبح التصوف مجرد شعار مفرغا من مضامينه الراقية.

          ولكن من رحمة الله بعباده أن خص هذه الأمة بمن يجدد لها أمر دينها كما دل على ذلك الحديث المشهور، وليس من المبالغة في شيء، الزعم أن الشيخ النورسي هو أحد هؤلاء المجددين، من خلال إعادة بعثه هذا المنهج السلوكي من جديد، ولست أقصد بهذا البعث، التعريف بالتصوف، وإنما أقصد إعمال هذا المنهج في محاولة إصلاح أحوال هذه الأمة، والعودة بها إلى منهج ربها، وعلى الرغم من أن الشيخ النورسي في أكثر من موضع في "اللمعات" يصرح بأنه ليس صوفيًا، لكن الرجل صوفي حتى النخاع، ومن الصعب لمن انعم النظر في مؤلفاته، وتوقف عند تفاصيل حياته أن يقتنع بخلاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة كمحاولة متواضعة لإبراز هذه الحقيقة من خلال تتبع تلويحاته التسعة التي تعكس وجهة نظره في التصوف. [1]

 

 التلويح الأول:

               الطريقة عند النورسي غرضها معرفة الحقائق الإيجابية والقرآنية ونيلها عبر السير والسلوك الروحانى في ظل المعراج الأحمدى وتحت رايته؛ بخطوات القلب وصولاً إلى حالة وجدانية وذوقية بما يشبه الشهود، فالطريقة والتصوف سر إنسانى رفيع وكمال بشرى سام.

             يرى الشيخ النورسي رحمه الله أن الحقائق الإيمانية والقرآنية حقائق شهودية، فهي ليست من قبيل الحقائق النظرية التي يمكن أن تنال بالنظر والاستدلال، فالإيمان بالله وإن كان مبدأه العقل، إلا أنه لن يثمر عبودية ولا افتقارا ولا احتياجا، إلا إذا انتقل هذا الإيمان من مجرد علم حصولي، إلى علم حضوري، تتحد فيه النفس والقلب بالعلم، فيصبح الإيمان وجدانا ودوقا وحالة نفسية، ولتحقيق هذا المقصد، لامناص من شغل القلب  بالإقبال على ذكر الله ضمن مراتب الولاية عبر سبيل الطريق وهو التصوف.

           إن كلام الشيخ بديع الزمان لا يختلف في قليل أو في كثير مع ما أجمع عليه أهل السلوك: من أن المقصود بالتصوف أو الطريقة هو تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان ومن أن المعرفة وسيلتها القلب أو النفس، قال الشيخ زروق رحمه الله في كتابه القواعد:" قد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجعها كله، إلى صدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه والله أعلم."[2] وعرفه الشيخ ابن عجيبة التصوف:" بأنه علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل،وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة."[3] 

             ولعل تعريف الشيخ أبو الحسن الشادلي يلقي الضوء على حقيقة التصوف بعيدا عن حساسية المصطلح عند البعض، بما يقطع الطريق أمام أولئك الذين اعتقدوا أن التصوف يتنافي وحقائق هذا الدين، قال رحمه الله:"  التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية." [4]

            قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته:

                                علم به تصفيُة البواطن    مِن كدرات النفس في المواطن

               قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت:" التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها ووصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبروالرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنره عن أخلاقها المذمومةوصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى."[5]

            إن الطريق إلى تصفية النفوس وتزكيتها فرض لازم،  وحتم واجب، إذ كيف يتصور تنبيه القلب من غفلته دون المررو بمجاهدة النفس، قال تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" –العنكبوت:69- وهذا لعمري لا يمكن أي ينازع فيه احد، وعليه ليس للصوفية اختصاص بهذا الأمر إلا ما كان منهم من زيادة التأكيد عليه، والوقوف عند دقيق مسائله، وهو على هذا الأساس مسلك لابد أن يسير فيه الجميع، قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:" من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهولا يشعر  " . قال ابن علاَّن الصديقي:" ولقد صدق فيما قال - يعني أبا الحسن الشاذلي - فأي شخص يا أخي يصوم ولا يعجب بصومه ؟ وأي شخص يصلي ولا يعجب بصلاته ؟ وهكذاسائر الطاعات.[6]

           إن عبقرية الشيخ النورسي التي تجلت في جهاده ودعوته، وصبره على نوائب الدهر، وتفانيه في جهاده، نتاج طبيعي لوعيه على المستوى العملي، بضرورة  سلوك طريق مجاهدة النفس، من خلال تخليتها وتحليتها عبر مقامات ومنازل ومدارج،  للوصول بها إلى مقام الإحسان وهو مقام شهود أحديته سبحانه وتعالى، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فالشيخ رحمه الله اتصل الأستاذ من حيث الإسنادُ بالطريقة النقشبندية, وهي طريقةٌ تربي أبناءها على الأخلاق والآداب، كما أنه كان كثير الانجداب إلى شيخ الطريقة القادرية الشيخ الكبير الكيلاني المتوفى سنة (561هـ).

             يقول الأستاذ: "وعلى الرغم من أنني منتسب إلى الطريقة النقشبندية بثلاث جهات فإن محبة الطريقة القادرية ومشْرَبِـها يجري فيّ حُكْمُه دون اختيار مني،  كنت ... أقول: أيها الشيخ الكيلاني, أقرأ لك سورة الفاتحة, جُدْ لي ما ضيعته من جوز مثلًا أو أي شئ ... وإنه لأمرٌ عجيب, فوالله لقد أمدني الشيخ بدعائه وهمته ألف مرة، ولهذا ما قرأت من أوراد وأذكار طوال حياتي إلاّ وأهديتها أولًا إلى حضرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم إلى الشيخ الكيلاني " [7]

             ولعلَّ ذلك يرجع إلى شدة الشيخ الكيلاني في الحق، وعدَمُ مبالاته بالخلق، وبغضه الشديد لتملق الناس، وفوق هذا كله فإن الشيخ الجيلاني، صاحب حركة إصلاحية وتجديدية، أرادت أن تعيد لهذا الدين جدوته، من خلال تصحيح مفهوم التدين، وجعله مركز الحياة بكل تجادباتها، وهي مفرداتٌ تروق للنورسي وتستهويه، وتتناسب مع شخصيته.

لتلويح الثانى

                    يؤكد الشيخ النورسي في التلويح الثاني أن هذا السير والسلوك القلبي والتحرك الروحي وسائله ومفاتيحه ذكر الله أولا والتفكر ثانيًا، ومحاسنها لا تحصى وفيهما فوائد أخروية وفوائد دنيوية تتمثل في إزالة الوحشة وتخفيف ثقل الحياة وغلوائها ولو جزئيًا، ولا يختلف كلام النورسي عن كلام  أهل التحقيق من أن الذكر ملازم لمن رام السير في طريق التعرف على الله، إذ لا يخلو مقام من مقامات السير ولا منزل من منازل السائرين إلى الله من الذكر، فبذكر الله يترقى المؤمن في درجات الكمال، وأنى للعبد أن يستقيظ من غفلته وهو لا يعرف ربه، هذه المعرفة التي خلق الإنسان من أجلها، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون."

                  قال ابن عطاء الله السكندري:" الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أوفعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى."[8]  وقال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: " الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء ؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر."[9]   

                 لقد أدرك الصوفية ومن واقع تجربتهم الروحية، أن إنسانية الإنسان تكمن في تحقيق عبوديته الله، ولن يتم هذا الأمر على حقيقته إلا بذكر الله في جميع أحوالهم ذكرا قلبيا ولسانيا وحاليا، وهاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في جميع أحواله، فالعارفون بالله عندهم من داوموا على ذكر الله وأعرضوا بقلوبهم عن ما سوى الله من متع الدنيا وشهواتها الزائلة، فانشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم، كيف لا وقد حظي هؤلاء بمجالسة خير أنيس، فليس للوحشة من سبيل إليهم.

              قال تعالى:" والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعد اللهُ لهُم مغفِرةً وأجراً عظيما." -الأحزاب 35 - قال ابن عباس رضي الله عنهما:  المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من مترله، ذكر الله تعالى   [10] .وقال مجاهد:" لايكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومطجعا."[11] و قال الإمام النووي:" أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم،  والدعاء ونحو ذلك."[12]

              كان الشيخ النورسي رحمه الله وهو يؤكد على مفتاح الذكر في السير إلى الله، على وعي تام  بما يحدثه الذكر من تحول جذري على مستوى السلوك العملي، هذا الوعي الذي كان نتيجة حتمية لخوضه غمار هذه التجربة الروحية، التي فجرت في نفسه سيلا جارفا من الطاقات، ظهرت آثارها جلية على مستوى حركته الإصلاحية،  حركة أحيت أمة كانت على وشك الموت ولا زالت حركته تفعل فعلها اليوم، فالذكر صقال القلوب، ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق، لا بغيره. لذلك فالمريد لا يصيبه غم أو هم أو حزن إلا بسبب غفلته عن ذكر الله، ولو اشتغل بذكر الله لدام فرحه وقرت عينه، إذ الذكر مفتاح السرور والفرح، كما أن الغفلة مفتاح الحزن والكدر.

التلويح الثالث

                  يواصل الشيخ النورسي رحمه الله إيضاح معالم الطريق الصوفي، هذا الطريق الذي يعنى بالسلوك العملي ، والمنهج الأخلاقي، وهو في هذا كله حريص على إبراز التصوف بوجهه الصحيح، مستدركا ومصصحا  أن الولاية حجة الرسالة، وأن الطريقة برهان الشريعة، ذلك لأن ما بلغته الرسالة من الحقائق الإيمانية تراها الولاية بدرجة عين اليقين بشهود قلبي وتذوق روحاني فاصدقها، وتصديقها هذا حجة قاطعة لآحقية الرسالة، وإن ما جاءت به الشريعة من حقائق الأحكام، فإن الطريقة برهان على أحقية تلك الأحكام، وعلى صدورها من الحق تبارك وتعالى بما استفاضت منها واستفادت بكشفياتها وأذواقها.

                 يسعى النورسي جاهدا من خلال هذا التلويح الثالث إلى بيان توافق الشريعة مع الحقيقة، فإذا كانت الشريعة قد تكفلت ببيان الحقائق الإيمانية، فإن الحقيقة هي الضامنة لوجدانية هذه الحقائق وصيرورتها سلوكا ومنهج حياة، إذ كيف للحقائق الإيمانية أن تفعل فعلها في نفس المؤمن، وهي أجساد بدون أرواح، أليس الرقي بها من العلم الحصولي إلى  العلم الحضوري،  يحتاج إلى السير في طريق المكابدة ومجاهدة  قال تعالى:" والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا." وليس من الإنصاف في شيء رد الطريقة لمجرد وقوع المنتسبين إليها في أخطاء، ويكفي في بيان زيف قول من يقول ببطلان الطريقة، صمودها في وجه الغزاة من أعداء هذا الدين.

              يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: " لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم." [13]

             يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته المشهورة بِرد المحتار: " الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات...  وقال أيضا فالحقيقة: هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حد له ولا جهة. وهي والطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة، وباطنها الحقيقة، فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبد في لبنه، لا يظفر من اللبن بزبده بدون مخضه،والمراد من الثلاثة الشريعة، والطريقة، والحقيقة إِقامة العبودية على الوجه المراد من العبد.[14]

          إن الشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمن تمسك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، وأهل التصوف هم أشد الناس ابتعادا عن البدع، قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في فتاواه:" فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض،وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد،وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم."[15]

             كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتاب والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام."[16]

التلويح الرابع

               سلوك طريق الولاية عند الشيخ النورسي مع سهولته هو ذو مصاعب، ومع قصره فهو طويل جدًا ومع نفاسته وعلوه فهو محفوف بالمخاطر ومع سعته فهو ضيق جدًا. والنورسي يبين أن الطريق طريقان وأن السير سيران:

(1) السير الأنفسي: الذي يبدأ من النفس ليخترق أنانية القلب ويعالج أمراضه لينفتح له سبيل الحقيقة ومنها ينفذ إلى الآفاق الكونية، والغاية من هذا السير كسر شوكة الأنانية والأثرة وتحطيمها وترك الهوى وإماتة النفس أي إماتة رغائبها وشهواتها.

(2) والسير الآفاقي: حيث يشاهد صاحب هذا السير تجليات أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة في مظاهر تلك الآفاق والكون الواسع ثم ينفذ إلى دائرة النفس فيرى أنوار تلك التجليات بمقاييس مصغرة.

              السير إلى الله أو معرفة الله عند الصوفية تتم بأحد طريقين اثنين:

طريق الترقي: وهو  - طريق أهل السلوك -، وهم طلاب التحقيق بالحقيقة من وجه العمل بالطريقة، وهؤلاء يبدو لهم في أول الأمر اتساع أفعال الحق سبحانه وتعالى، فيتحصل له التعظيم من هذا الوجه، ويكون حاله فيه إسقاط التدبير، فإذا تحقق بذلك، بدا له من حقائق الأسماء مجموع معانيها، فيبدو له من معاني الصفات ما يستغرق ما عندة من معاني الأسماء، فيقف في بساط الإجلال والتعظيم، ثم يبدو له من عظمة الصفات وإحاطتها عظمة الذت الكريمة، التي لاتصح عظمة الصفات بدون عظمتها،فإذا انتهى إلى حد تعظيم الذات الكريمة كان بساط تعظيم الربوبية مطلقا في التزام العبودية، فالسالك وهو يقطع مراحل السير صعودا قصد تحقيق العبودية، يشاهد عظمة آثار افعاله سبحانه وتعالى، الدالة على عظمة أسماءه، التي تدل بدورها على عظمة صفاته، ليصل السالك إلى شهود كمال الذات. [17]

طريق التدلي: وهو طريق أهل الجذب والمجدوب هو من أخد الله قلبه إليه بدون مهلة، بوجه لا يبقى فيه متسع لغيره، وأهل الجدب في قيامهم بحق العبودية، في عين تعظيم الربوبية، يحصل لهم في أول الأمر من ا لتعظيم والإجلال ما يستغرقهم استغراقا، فإذا تمكنت حقيقة التعظيم منهم أوجبت لهم شهود عظمة صفاته، فهو المتصف سبحانه وتعالى بأوصاف الجلال والجمال،، ومن تم يبدو لهم من عظمة الصفات اتساع الوجوه الراجعة إليها والتفاصيل الواقعة عليها،، فيبدو لهم من تفاصيل العظمة في كل فصل من فصول النسب الأسمائية ما يجلي لهم معاني ما هم فيه من شهود عظمة الأوصاف، حتى تنكشف لعم عظمة الأسماء،  ثم يردهم عزوجل إلى شهود أثاره.[18]

           قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه:" دَلَّ بِوجودِ آثَارِهِ عَلَى وُجُودِ أَسمَائِهِ ، وَبِوُجُودِ أَسمَائِهِ عَلَى ثُبُوتِ أَوْصَافِهِ ، وَبِوُجُودِ أَوْصَافِهِ عَلَى وُجُودِ ذَاتِهِ ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَقُومَ الوَصْفُ بِنَفْسِهِ , فَأَهْلُ الجَذْبِ يَكْشِفُ لهمْ عَنْ كَمَالِ ذَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ صِفَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى التَّعَلُّقِ بِأَسمَائِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ آثَارِهِ، وَالسَّالِكُونَ عَلَى عَكْسِ هَذَا ، فَنِهَايَةُ السَّالِكِينَ بِدَايَةُ المَجْذُوبِينَ لكِنْ لا بِمَعْنَىً وَاحِدٍ ، فَرُبمَّا التَقَيَا في الطَّرِيق ِ، هَذَا في تَرَقِّيهِ وَهَذا في تَدَلِّيه" ِ.[19]

           ولا يخلو هذين الطريقين من محادير ومصاعب ومطبات،نبه عليها أهل التحقيق، منها ما يصدر من السالكين من شطحات ومن أقوال ظاهرها مخالف لأحكام الشرع، وللقوم كلام في كيفية التعامل مع ما يصدر عن هؤلاء،  ملتزمين في ذلك بضوابط الشرع الحنيف.

التلويح الخامس

             وحدة الوجود عند النورسي ومن ضمنها وحدة الشهود، حصر النظر في وجود واجب الوجود أي الموجود الحق هو واجب الوجود سبحانه وتعالى فحسب دون سواه، وأما  سائر الموجودات فما هي إلا عالة على واجب الوجود، وما كان لها أن تكون لولا واجب الووجود،  فالغني حقيقة هو الله، أما غيره من الأكوان فمفتقر إليه سبحانه وتعالى، فليست وحدة الوجود لدى النورسي تعنى اتحاد الخالق بالمخلوق أو الحلول والاتحاد أو امتزاج اللاهوت بالناسوت كما يقول بذلك الزنادقة والملاحدة والمارقون عن الدين القويم والمحجة الواضحة.

             والنورسي في هذا لم يخرج عما  قرره وأكده أهل التحقيق من الصوفية، من أن الله مباين لخلقه، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا حلول ولا اتحاد، قال صاحب كتاب الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد:  حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعت، بالشيخ أبي العباس المرسي - تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي -وفاوضته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإِنكار عليهم، والنهي عن طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع .[20]

              قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي : أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إِذا أطلقوه، هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإِرادة معه والاختيار، والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيءٍ ما إِلى غيره.[21]

               قال ابن القيم رحمه الله:" فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ؛ قد فَنوا بعبادة محبوبهم، عن عبادة ما سواه،وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه. ومن تحقق ذا الفناء لا يحب إِلا في الله، ولا يبغض إِلا فيه، ولا يوالي إِلا فيه، ولا يعادي إِلا فيه، ولا يعطي إِلا لله،ولا يمنع إِلا لله، ولا يرجو إِلا إِياه، ولا يستعين إِلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله، ويكون الله ورسوله أحب إِليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إِليه...[22]

التلويح السادس

           وفيه يحرص الشيخ النورسي على التأكيد على وجوب اتباع السنة النبوية المطهرة، والتنبيه على ضرورة تحلي المنتسبين لهذه الطرق بالإخلاص، والشيخ النورسي في تأكيداته هذه متفق تمام الاتفاق مع كلام أهل التحقيق من الصوفية، من أن  الطريق لا معنى له ما لم يكن صاجبه، أشد الناس اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأمام الشاطبي في كتابه الاعتصام :" إن كثيرا من الجهال يعتقدون (في الصوفية) أنهم متساهلون في الإتباع ، والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون عليه ، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به." [23]

           قال إمام الطائفة الجنيد رحمه الله:" إنه لتقع فى قلبى النَكتة من علوم القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة." يقول ابن القيم": فرحمة الله على أبى القاسم ـ يقصد الجنيد ـ ما أتْبَعَه لسنة رسول الله ، وما أقفاه لطريقته ـ أى النبى ـ وطريقة أصحابه[24]  .

            أما الإخلاص الذي هو أساس الطرق الصوفية، فهو: أن لا يكون للنفس حظ في عمل من الأعمال التعبدية، الجسمية منها والقلبية والمالية، وأن لا يرى إخلاصه، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى:" الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ محمدةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ لمخلوق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى."[25]

            ومن تمام اللإخلاص والمحبة، أن سالك الطريق لا يبغي من وراء سلوكه ما يعود عليه بالنفع في هذه الحياة الدنيا، متغافلا عن الآخرة التي هي دار الجزاء، أما الدنيا فدار امتحان وتكليف، فليس هي المقصودة أصالة، بل هي مطية الآخرة، وبهذا ينبه النورسي كما نبه غيره من العارفين بالله أن المقصود الأسمى هو تحقيق العبودية لله، أما خوارق العادات والمعارف اللدنية فلا ينبغي أن تكون الشغل الشاغل للسالك، فأعظم كرامة بالنسبة للصوفية هي دوام التوفيق، وتجاوز حجب النفس والاستقامة على أوامر الشرع، ويكفي في بيان موقف الصوفية من خوارق العادات عدم اشتراطهم الكرامة في تحقق الولاية.

قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته:" واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات.[26]

التلويح السابع

             الشريعة عند الشيخ النورسي هي نتيجة الخطاب الإلهي من الربوبية المطلقة، وهنا يرد الشيخ على من يفرق بين الحقيقة والشريعة، كما يرى النورسي أن الطريقة والحقيقة وسيلتان وليستا غايتين ولا يمكن أن توجد طريقة خارج نطاق السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة، وهذا ما هو عين ما نادى به أهل التحقيق من الصوفية، فمما لا شك فيه أن الحقائق الشرعية من حيث هي واحدة، لاتعدد فيه، ومخطأ من يعتقد أن أهل الشريعة لهم حقائقهم الظاهرة، وأهل الحقيقة لهم حقائقهم الباطنة، ولازم هذا القول حاصله الخروج عن ربقة التكاليف الشرعية والتحرر من اوامر الشرع بعد إدراك الحقائق الباطنة.

           إن الطريقة عند الصوفية وسيلة لتحويل الحقائق الإيمانية إلى وجدان وحالة شعورية، تهيمن على حركات المؤمن وسكناته، ولا جرم أن هذه الطريقة تستخدم وسائل شرعية لتحقيق هذا المقصد، فالانتقال من مقام إلى مقام ومن منزل إلى منزل من خلال المجاهدات، كل ذلك مرهون بما شرع الله، كما أن الحقيقة وسيلة، فإن من اعتقد أن الحقيقة غاية فبمجرد حصول هذه الأدواق ألقى عنه التكاليف، مع أن حصول هذه اللدة القلبية وهذه الطمأنمينة، وسائل للمداومة على طاعة الله،  قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى:" كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِر إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم." [27] وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (تركالعبادات المفروضة زندقة. وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال.[28]

وفى التلويح الثامن

              تكلم بديع الزمان عما سماه مزالق وورطات للسالكين يحذر منها كل التحذير، ويبين خطورتها وأضرارها على من يقعون فيها، كمن يرجحون الولاية على النبوة، أو من يفضلون الأولياء على الصحابة، وهو ينعى على بعض متصوفة اليوم الذين يرجحون أورادهم وأذكارهم التي كتبوها بأيديهم على المأثور من أذكار السنة النبوية الشريفة، ويجافون أذكار الرسول صلى الله عليه وسلم وأدعيته المأثورة التي هي من جوامع الكلم، ومن خير الدعاء وأفضل الذكر وأعظم البركة، أو الظن بأن الإلهام الذي يناله أحدهم بكسبه ومجاهدته أعظم في مرتبة الوحى المنزل من السماء، أو من يفضل الكرامات على واجبات الدين ويدع الثانية اكتفاء بالأولى أو من ينصرف إلى الفخر والإدعاء وإشاعة الشطحات لجمع الأتباع ونيل الحظوة لدى الدهماء.

            هذه المزالق التي حذر منها الشيخ النورسي رحمه الله، هو فيها تبع للمحقيقين من الصوفية، ولقد مارس الصوفية في وقت مبكر هذه الحسبة، وحذروا من وقوع هذه المخالفات والمزالق، وإِنَّ من يطالع كتب القوم السليمة من الدس، مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالةالقشيرية، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي،وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة.

التلويح التاسع

             يختم الشيخ رحمه الله هذه التلويحات ببيان عدة ثمرات لسلوك الطريق أجملها في تحقيق الوجود الحقيقي للإنسان بحسن توجهه إلى الله، وتخلصه من الوحشة في الدنيا، ونيل مقام التوكل والإخلاص والعمل على أن يصل إلى مرتبة الكمال، ، ولطالما كانت الطرق الصوفية السنية بصرف النظر عما علق بها من بدع ، حصنا منيعا يلود به المسلمون من تلك الحملات الاستعمارية  والتبشيرية، في العالم الإسلامي عامة، وفي الجزائر خاصة  فقد حاول الأباء البيض نشر مسيحيتهم الكاذبة في ربوع القطر الجزائر، كما حاولت  فرنسا الاستعمارية محو هوية الشعب الجزائري المسلم، أكثر من قرن من الزمان ، إلا أنها ظلت جسما غريبا وورما خبيثا، لابد وان يجتث إن بكيفية أو بأخرى، فاندلعت ثورات شعبية عديدة كان روادها وحامولوا لوائها شيوخ الطرق الصوفية، ، فدونك  بن زعمون والدرقاوي و الشيخ السنوسي والأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة، وغيرهم كثيرون.

الخاتمة:

            إن الذين انتقدوا التصوف، أكثرهم عرف التصوف من خلال ما علق به من بدع، وغاب عن هؤلاء البحث في معنى التصوف ،فليس من الإنصاف  في شيء أن تحمل على التصوف أوزار الأدعياء واللصقاء ، الذين يندسون في صفوفه نفاقا واحتيالا ، أو جهلا وفضولا ، فإنه ما من نحلة في القديم والحديث سلمت من أوزار اللصقاء الذين ينتمون اليها من غير أهلها، كما يقول عباس محمود العقاد، لقد حاول السيخ النورسي من خلال تلويحاته أن يعيد للتصوف بهائه ونظارته، ويؤكد للجميع أن التصوف ما هو إلا الاعتناء بهذا النفس، تزكية ومحاسبة والوصول بها إلى مقام العبودية وهو مقام إعلان الاحتياج والافتقار إلى الله، لتتجلى هذه العبودية بأسمى معانيها، من خلال منهج حياة متكامل، يستمد أصوله من القرآن الكريم.

             أن تكون صوفيا عند النورسي هو أن تكون تلميذا للقرآن الكريم، ترتع في رياضه وتستظل بظلاله، لقد جسد الشيخ النورسي مفهوم التصوف السني في حياته على أكمل وجه  فنشأة الشيخ في أحضان التصوف،  وتدرجه في مراتب السالكين، على طريقة القوم وأذواقهم، أورثه فهما عميقا لهذا الدين، وهمة عالية في مجابهة الخطوب، ومثابرة في محاولة تغيير الواقع،  امتثالا للتكليف وتطبيقا عمليا لمفهوم العبودية، لم يكن التصوف عند الشيخ هروبا من الواقع، وفقدانا للوعي بالوجود، بل التصوف عند النورسي وعند المحقيقين من أهل التصوف تفان في خدمة المولى عزوجل، وخدمة المولى هي القيام بإخلاص بواجب العبودية وحق الربوبية، إنه بكل بساطة أن تحي كما أراد الله لك.

 

-------------------------

قائمة المصادر والمراجع:

ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين دار الكتاب العربي، بيروت، للبنان.

ابن تيمية، مجموع فتاوى أحمد بن تيمية، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، وأشرف جلال الشرقاوي، دار الحديث، القاهرة، ط: 1427ھ-2006م.  

ابن عابدين، الحاشية ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1992.

ابن عجيبة ، معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف عبد المجيد خيالي، مركز الثرات الثقافي المغربي، الدار البيضاء، المغرب.

ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، دار المعارف، القاهرة، مصر.

إبن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح في تهذيب النفوس، المطبعة والمكتبة المحمودية، القاهرة، مصر.

ابن أحمد بن حنبل، مسند.

 علان الصديقي الشافعي، الفتوحات الربانية على الأذكارالنووية دار إحياء الثرات العربي، بيروت.

جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير دار الكتب العلمية، بيروت.

حامد عبراهيم صقر، نور التحقيق في صحة أعمال الطريق، مطبعة دار التآليف، مصر.

زروق، قواعد التصوف،  تحقيق عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

زروق، شرح الحكم العطائية، تحق عبد الحليم محمود، مطابع دار الشعب بالقاهرة.

الشاطبي،الموافقات، دار ابن عفان، القاهرة.

عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني الشيخ منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا.

العروسي، نتائج الأفكار على شرح الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.

مصطفى إسماعيل المدني، النصرة النبوية على هامش شرح الرائية مط الشرفية 1316 .

النورسي، المكتوبات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر،1995م.

النورسي، اللمعات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر، 1995م.

---------------------------

[1] كليات رسائل النور، المكتوبات 571.

[2] الشيخ زرق، قواعد التصوف 21.

[3] الشيخ ابن عجيبة معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف ص 4.

[4] الشيخ للعلامة حامد صقر الشادلي، نور التحقيق ص ٩٣ . 

[5] الشيخ مصطفى إسماعيل المدني النصرة النبوية على هامش شرح الرائية للفاسي ص ٢٦

[6] ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم ص ٧

[7] النورسي، اللمعات، اللمعة الثامنة ص50.

[8] ابن عطاء الله السكندري،  مفتاح الفلاح" ص ٤

[9] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ١.

[10] الفتوحات الربانية على الأذكار١٠٩ - النووية" ج ١/ص ١٠٦

[11] المرجع السابق.

[12] المرجع السابق ج ١/ص ١٠٦

[13] الشيخ أحمد زروق، قواعد التصوف ص ٣.

[14] حاشية ابن عابدين ج4/240.

[15] أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى ج ١٠ص516. 

[16] إِيقاظ الهمم" ج ٢. ص ٣٠٢

[17] الشيخ زروق، شرح الحكم العطائية 334.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة ج ٢. ص ١٣٤

[21]  المرجع السابق.

[22] ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج ١. ص 90.

[23] الموافقات، الشاطبي، ج1ص120.

[24] ابن القيم، مدارج السالكين، جـ3صـ76 .

[25] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ٩.

[26] المرجع السابق.

[27] الشيخ عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني" ص 158.

[28] المرجع السابق.

 

 


21-) التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور

 

 

التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية

في رسائل النور

 

ملخص البحث

د. علي مصطفى[1]

يلاحظ دارس رسائل النور نزوع الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى فهم النصوص الشرعية كتابا وسنة فهما إيجابيا يتفق مع الأصول الشرعية والقواعد العقلية المرعية؛ مستبعدا الفهم السلبي المخالف لها والمؤدي إلى الشذوذ في الأفكار والمواقف في كثير من الأحيان، سواء في تأملاته الفكرية أو أجوبة أسئلة طلبة النور أو المرافعات القضائية أمام مختلف المحاكم التي مثل أمامها طيلة حياته.

ويندرج ضمن هذه الرؤية توجيه الأستاذ الأحاديث النبوية توجيها إيجابيا، ينتهي به إلى بيان المعنى الصحيح الذي ترشد إليه تلك الأحاديث، ناقدا الفهم السلبي الذي أدى إلى استشكال هذه الأحاديث أو الطعن فيها أو تأسيس فهم سلبي بناء عليها.

ومن الملاحظ أن الأستاذ يأبى أن يردّ الحديث ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حيث يفهم الحديث فهما إيجابيا متفقا مع الأصول الشرعية والعقلية مستبعدا الفهم المخالف لتلك الأصول، ويرفض نصب التعارض بين الحديث من جهة وبين القرآن وصريح العقل من جهة أخرى.

وبالرغم من أنّ هذا مسلك التعامل مع مختلف الحديث كان سائدا عند السابقين ومتداولا بينهم، فإنّ للأستاذ نظرات تجديدية تؤكّد تميّز تعامله معها  بفروق جدية في منهجية الفهم الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ بديع الزمان.

يحاول هذا البحث الوقوف على معالم التوجيه الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ وجوانب التجديد فيها ضمن ثلاثة مطالب هي:

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنّبوّة.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات.

الخاتمة: أبرزت فيها النتائج والتوصيات.

الكلمات المفتاحية: رسائل النور، بديع الزمان النورسي، مشكل الحديث، تأويل الحديث.

 

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء وبديع الزمان

تنبه العلماء مبكرا إلى أن بعض متون الأحاديث يُتَوَهَّم منها أحيانا معاني باطلة مخالفة للثابت من نصوص الشريعة أو صريح العقل أو الحس أو العلم؛ فاشتغلوا بتفسيرها والجواب عن الإستشكالات التي حولها، من أجل فهمها فهما صحيحا يتفق مع أصول الشريعة، ويستبعد المعنى الباطل الذي يتوهمه الناظر في المتن المشكل. وقد اهتم بديع الزمان بهذه المتون وأدلى بدلوه في توجيهها توجيها إيجابيا يتفق مع ثوابت الشرع وصريح العقل، وبهذا يكون بديع الزمان قد حذا حذو العلماء السابقين ونسج على منوالهم في اعتماد المعنى الإيجابي للحديث واستبعاد المعنى السلبي والفهم الشاذ المخالف للثابت والمستقر في الشرع والعقل.

يسجّل الباحث أن الأستاذ ومع موافقته تلك امتاز بعرض مباين لهم، ذلك أنّ قارئ رسائل النور يجد بديع الزمان قد سلك منهجا مغايرا لمنهج العلماء السابقين في توجيه الأحاديث النبوية، ويتضح هذا الاختلاف في ملمحين اثنين:

الملمح الأول: بين التفسير والتأويل

اشتغل العلماء السابقون في تفسير المتون المشكلة لكشف غموضها وفك تعارضها مع غيرها بإعمال النسخ والجمع والترجيح واعتمدوا المستويات الدلالية في اللغة كالعام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والحقيقة والمجاز إلخ، وقد تعددت مناهجهم واتجاهاتهم في كشف الغموض وفك التعارض بين الأحاديث تاركين لنا ثروة علمية قيّمة لازال أهل العلم ينهلون منها ويستعينون بها فيما يستجد من إشكالات.

لكن بديع الزمان اشتغل في تأويل النصوص المشكلة وفهمها فهما إشاريا معتمدا على ثقافته الشرعية وقدرته المميزة على استكناه المعاني واستدعائها، وإبراز العلاقات الخفية بينها.

صحيح أن المعنى الذي يقدمه ليس ظاهرا يدرك مباشرة وأنه يحتاج إلى طول تدبّر للوقوف عليه وإدراك العلاقة بينه وبين لفظ الحديث؛ إلا أنه معنى يتفق مع قواعد الشريعة من جهة والقواعد العقلية والحسية من جهة أخرى مع عدم المنافاة بينه وبين لفظ الحديث ومعناه الظاهر؛ مما يشعر القارئ بالمتعة العقلية واللذة الروحية عند مطالعة هذه المعاني العميقة.

وهذا التأويل الإشاري وإن كان منهجا مطروقا في تأويل القرآن إلا أنه غير مطروق من قبل حسب علمي في تأويل مشكل الحديث؛ فيكون الاعتماد على المعنى الإشاري في تأويل مشكل الحديث إضافة مميزة وتجديدا علميا يحسب لبديع الزمان في تطوير علم مشكل الحديث.

الملمح الثاني: بين نقد السند ونقد المتن

من المعلوم أن التأويل فرع القبول؛[2] أي أن العالم إذا اشتغل بتوجيه معنى الحديث فإن هذا يدل على صحته عنده؛ فقد ثبت عنده أنه صادر عن النبي r؛ ولذلك يشتغل بمعناه، وإلاّ فلا فائدة من الاشتغال بمعنى كلام لم يصدر عن المعصوم r ولا يجوز نصب التعارض أصلا بين كلام النبي r وكلام غيره؛ لأن كلام النبي r مقدم على كلام كل أحد.

لكن الناظر في كتب مختلف الحديث يلحظ أن العلماء يبحثون في معاني أحاديث ضعيفة ويحاولون حل التعارض بينها وبين ما صح من الحديث، ولعل هذا ناشئ من أمرين:

الأول: إن هذا الحديث مختلف في صحته بين العلماء، ولعل من يشتغل بتوجيه معناه يرى أنه صحيح، وما أكثر الأحاديث المختلف في صحتها.

الثاني: إنهم يشتغلون بتوجيه معناه تنزلا؛ أي على فرض صحته، وكثير من العلماء يتوسعون في هذا إتماما لبيان الحجة ومراعاة للخلاف في صحة الحديث.

إلا أنهم لا يشتغلون في توجيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف؛ لأنها ليست أحاديث نبوية لثبوت عدم صدورها عن النبي r، وإنما ألحقت بالأحاديث النبوية تجوزا؛ لأن الوضاعين والمتروكين ادعوا أنها أحاديث فبحث العلماء دعواهم هذه ضمن نقدهم لأحاديث سائر الرواة.

أما بديع الزمان فلم أره يشتغل بنقد الأسانيد ولا يحاول أن يضعّف الأحاديث أو يحكم بأنها موضوعة من مدخل الجرح والتعديل أو علل الأسانيد، وقد تكلم في هذا الأمر بوضوح قائلا: "ولما كانت الأنظار قد لفتت إلى هذا الحديث الشريف المتشابه دون مبرر -بل بما فيه ضرر- وأن هناك أحاديث أخرى متشابهة له بكثرة؛ يلزم بيان (حقيقة) دفعاً للشبهات وإزالة للأوهام.أقول: إن ذكر هذه (الحقيقة) ضروري بغض النظر عن ثبوت الحديث".[3]

يتضح من كلامه أنه يشتغل بتوضيح المعنى الصحيح واستبعاد المعنى المتوهم خطأ عن الحديث بغض النظر عن درجة صحته، مما يدل على أنه لا يلزم أن يكون قد حكم بصحة كل حديث تأوّله. وهذا يشبه ما يتأوّله العلماء السابقون على سبيل التنزّل كما سبق بيانه. وربما غلّط بعض رواة الحديث بسبب روايتهم ما يتعذّر تأويله من المتون المنكرة كما فعل في حديث الأرض على الثور والحوت حيث قال: وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لايتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول r".[4]

وفي الوقت نفسه فإنه لا يعيب على أهل الحديث مسلكهم في رد الأحاديث الضعيفة والموضوعة بسبب الإسناد، وإنما يرى أنه قد خفي عليهم المعنى الذي يشير إليه الحديث، وأن الأولى حسب رأيه قبول الحديث وتأويله إشاريا كما يفعل دائما.[5]

ولعل الذي ألجأ بديع الزمان إلى هذا المنهج أنه ألّف الرسائل بعيدا عن الكتب والمراجع التي تحوي الجرح والتعديل وعلل الأسانيد؛ فقد قضى حياته بين السجن والنفي في ظروف لا تسمح له بمراجعة الكتب،[6] ومع ذلك فقد أبدع في التأليف مما يدل على ثقافة  واسعة في علوم الشريعة كان قد حصلها في شبابه قبل المحنة. ولا شك أن التأليف بعيدا عن المكتبة يسبب قلة النقل عن الآخرين والاعتماد الكلي على الذاكرة والقدرة على الاستنتاج وتوليد الأفكار؛ لذلك جاءت رسائل النور مليئة بالأفكار والخواطر الإيمانية التي لا تجدها عند غيره لأنها نتاج علمه، وقل ما ينقل عن غيره،[7] وهذه المواضع المنقولة سردها للاستشهاد بها أو لنقدها غالبا.

وتتبدى حافظته الحديثية عند كلامه على المعجزات النبوية فقد سرد المئات من أحاديث المعجزات وقسمها تقسيما مبتكرا للاستدلال بها على صدق النبوة.[8] أما الكلام على علل الأسانيد والجرح والتعديل فهو ميدان آخر يحتاج إلى إمعان النظر في الكتب وكثرة المذاكرة مع الأقران وهو ما تعذر إمكانه في حق بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنبوة

تعرض بديع الزمان لعدد من الأحاديث النبوية المتعلقة بالألوهية والنبوة، ورد المعاني الباطلة المتوهمة من متونها، ثم أعمل فكره في استخراج معاني إشارية تتفق مع أصول الشريعة وقطعياتها، وفيما يلي وقفات مع نماذج من تلك الأحاديث.

أولا: حديث إن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن[9]

قال بديع الزمان: "لقد ورد في حديث شريف (إناللّٰه خلق آدمَ على صـورة الرحـمن)، أو كما قال r.فسَّرَ قسمٌ من أهل الطرق الصوفية هذا الحديث الشريف تفسيراً عجيباً لايليق بالعقائد الإيمانية، ولاينسجم معها.بل بلغ ببعضٍ من أهل العشق أن نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان نظرتهم إلى صورة الرحمن! ولما كان في أغلب أهل العشق حالة استغراقية ذاهلة والتباس في الأمور، فلربما يُعذَرون في تلقّياتهم المخالفة للحقيقة. إلاّ أن أهل الصحو، وأهل الوعي والرشاد يرفضون رفضاً باتاً تلك المعاني المنافية لأسس عقائد الإيمان، ولا يقبلونها قطعاً. ولو رضي بها أحدٌ فقد سقط في خطأ وجانَبَ الصواب."[10]

يتبين من كلام بديع الزمان أنه يرفض تفسير هذا الحديث تفسيرا يعتمد على تشبيه اللّٰه بخلقه رفضا قاطعا؛ لأن تنزيه اللّٰه تعالى عن مماثلة المخلوقات أصل قطعي من أصول العقائد الدينية في الإسلام دلّت عليه أدلة سمعية وعقلية كثيرة، ومن أظهرها قول اللّٰه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.الشورى:11

ثم يبيّن المقصود من الحديث وهو " أن الإنسان مخلوق على صورة تُظهر تجلّي اسم اللّٰه الرحمن إظهارا تاما"،[11] ثم يضرب مثالا لتقريب المعنى فيقول: "وفي الحديث الشريف إشارة كذلك إلى أن في الإنسان والأحياء من المظاهر الدالة على " الرحمن الرحيم" ما هو بمثابة مرايا عاكسة لتجلياته سبحانه، فدلالة الإنسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جلية، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالة المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. فكما يمكن أن يقال لتلك المرآة: إنها الشمس، إشارةً إلى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال -وقد قيل في الحديث- إن في الإنسان صورة الرحمن، إشارة إلى وضوح دلالته على اسم الرحمن وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به."[12]

إذن، فالمقصود من الحديث أن خلق الإنسان يدل على خالقه، وعظمة خلقه تدل على عظمة خالقه ومدبّره. وهذا المعنى الإشاري الذي استنبطه بديع الزمان من الحديث قد صرّح به القرآن في غير ما آية، فقد أمر اللّٰه تعالى الإنسان أن يتفكر في نفسه فيما حوله ليستدل على خالقه، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ و َفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾،الذاريات:20-21 إن القصد من الأمر بالتفكر في المخلوقات هو الاستدلال على وجود اللّٰه وعظمته وكماله ليترسخ الإيمان به وتعظيمه وتعظيم أمره ونهيه.

ثانيا: حديث لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن[13]

قال بديع الزمان: "وكذا حسبي من جعلني مظهرا جامعا لتجليات أسمائه، وأنعم عليّ بنعمة لا تسعها الكائنات بسر حديث (لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن)، يعني أن الماهية الإنسانية مظهر جامع لجميع تجليات الأسماء المتجلية في جميع الكائنات".[14]

من الواضح أن المعنى الحرفي للحديث غير مراد، وأن المقصود باتساع قلب المؤمن باللّٰه أن هذا القلب قد امتلأ إيمانا باللّٰه ومحبة وخشية، فصارت حركاته وسكناته ناطقة بعظمة اللّٰه وكماله، واستحالت دليلا من دلائل وجوده وتوحيده وجلاله.

ويذهب بديع الزمان إلى أن امتلاء القلب باللّٰه بهذا المعنى سر كمال سعادة الحياة، فقال: "أما كمال سعادة حياتك فهو الشعور بما يتجلى من أنوار التجليات الإلهية في مرآة حياتك وحبها وإظهار الشوق إليها وأنت مالك للشعور ثم الفناء في محبتها ترسيخ تلك الأنوار المنعكسة وتمكينها في بؤبؤ عين قلبك. ولأجل هذا قيل... هذا المعنى للحديث القدسي الذي رفعك لأعلى عليين."[15]

ولعلّ أعلى عليين الذي يقصده بديع الزمان ما عبّر عنه الحديث الشريف من وصف حال من أحبه اللّٰه، فقد قال رسول اللّٰهr: "وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه".[16]

ثالثا: حديث لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك[17]

من المعلوم أن الدلالة على اللّٰه وعبادته وتوحيده هي غاية الخلق، قال اللّٰه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾،الذاريات، 56 وقد سخر اللّٰه كل ما في السماوات والأرض للإنسان كي يقوم بهذه المهمة العظيمة، مهمة عمارة الأرض بعبادة اللّٰه وتعظيمه، قال اللّٰه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ.﴾الجاثية:13

فغاية الخلق إذن ليست شخص النبي محمد r، هذا ما يدلّ عليه القرآن صراحة في آيات كثيرة، ولكن بديع الزمان أورده عدة مرات[18] مستشهدا به ومستخرجا منه معنى إشاريا بديعا يتفق مع القرآن في تقرير غاية الخلق، ويستبعد المعنى الحرفي الظاهري الباطل المخالف للثابت في الشرع.

صحيح أن بديع الزمان يقرر أن غاية خلق الكون هي محمد r حيث يقول: "إن ذلك النبي الكريم r هو علة الكون الغائية، أي أنّه موضع نظر خالق الكون، نظر إليه وخلق الكون، ويصح القول أنه لو لم يكن قد أوجده ما كان يوجد الكون".[19] ثم يقرر أن هذا المعنى مستمد من الحديث المذكور فيقول: "إن محمداً rالذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين، وسرمدية ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربّه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو أستاذ البشرية الأكبر، ونبيها الأعظم r، وفخر العالم، القمين بخطاب (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك)وكما أن حقيقته -أي الحقيقة المحمدية- هي سببُ خلق العالم، ونتيجتُه وأكملُ ثمراته. كذلك تتحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة، إذ تصبح مرايا باقية للجميل الجليل السرمدي تعكس تجليات صفاته الجليلة، وآثاره القيّمة الموظفة لدى أفعاله الحكيمة جلّ جلالُه، ورسائله البليغة المرسلة من الملأ الأعلى، وتغدو حاملة لعالم باق، منتجة دار سعادة خالدة ودار آخرة أبدية يشتاق إليها ذوو الشعور كلهم.. وأمثالها من الحقائق التي تتحقق بالحقيقة المحمدية والرسالة الأحمدية".[20]

يتضح من كلام الأستاذ أن المقصود بعلة الكون الغائية ليس شخص النبي r على الرغم من شرف شخصه الكريم، وإنما المقصود رسالته ودعوته إلى توحيد اللّٰه وعبادته، إذ أن رسالة الإسلام هي التي عرفت المخلوقات بخالقها ودلّتهم على عبادته وتوحيده، فلولا الرسالة لما كان للكون فائدة، ولولا الرسول لما كانت الرسالة. وبهذا المعنى الدقيق يتفق الحديث مع القرآن في تقرير العلة الغائية من خلق الكون.

ويزيد بديع الزمان هذا المعنى وضوحا بقوله: "واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمزَ فخرهم واعتزازهم، ألا وهو محمد r. فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية، طوال قرون عدة، حتى كأن الكائنات قد خُلقت لأجله، لبروز غاياتها جميعاً به، وظهورها بالدين الـذي بُعث به، وانجلائها بالقرآن الـذي اُنزل عليه".[21]

بعد تأمل كلام الأستاذ يتبين أنه أوّل الحديث تأويلا سائغا ووجّه الحديث توجيها يتفق مع القرآن في بيان الغاية من خلق الكون.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات

هناك بعض الأحاديث المتعلقة بخلق الملائكة والأرض يُتَوَهَّم معنى غريبا أو باطلا يتعارض مع الشرع والعقل، بعضها صحيح من حيث الإسناد وبعضها ضعيف أو شديد الضعف، وقد تأولها بديع الزمان تأويلا إشاريا لطيفا يتفق مع الشرع ولا يخالف العقل.

أولا: حديث إن للّٰه ملائكة لها أربعون أو أربعون ألف رأس، في كل رأس أربعون ألف فم، وفي كل فم أربعون ألف لسان يسبح أربعين ألف تسبيحة[22]

إن غرابة هذه الهيئة مع عدم وجود هذا الحديث في كتب الحديث وافتقاره إلى الإسناد يدفع أهل العلم إلى الحكم بوضعه وعدم الاشتغال بروايته أو تأويله، لكن الأستاذ ذكره عدة مرات[23] بألفاظ متقاربه وتأوله تأولا يدفع عنه الغرابة، ويجعله موافقا للعقل.

قال الأستاذ: "لما كانت الكرة الأرضية تسبح للّٰه بعدد رؤوس الأنواع الموجودة فيها؛ من حيوان ونبات وجماد وبعدد ألسنة أفراد تلك الأنواع وبمقدار أعضاء تلك الأفراد وبعدد أوراقها وثمارها، فإنّ تقديم هذه العبودية الفطرية غير الشعورية العظيمة جدا وتمثيلها وعرضها بعلم وشعور على الحضرة الإلهية المقدّسة يتطلّب حتما ملكا موكلا له أربعون ألف رأس وفي كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بكل لسان أربعين ألف تسبيحة، مثلما أخبر المخبر الصادق بهذه الحقيقة نفسها".[24]

يريد الأستاذ أن يقول لنا أن لا غرابة في هيئة الملك هذه؛ لأن مخلوقات اللّٰه الكثيرة والمتشعبة يسبح كل جزء منها ربه، فعادي أن يوكل بكل هذه المخلوقات ملائكة تماثلها في الضخامة كي تعرض هذه التسبيحات الكثيرة على اللّٰه تعالى.

ويستدل الأستاذ بهذه الهيئة الضخمة للملك الموكل بأعمال الإنسان أن الملك يحصي تسبيحات الإنسان بدقة متناهية فلا يفوته إحصاؤها على الرغم من الأصوات والخلجات التي لا تحد الصادرة عن الإنسان.[25] وكما أنه دقيق ومنتظم في إحصاء عبادات الإنسان فإن عبادته الخاصة أيضا في غاية الانتظام والكمال والسعة والكلية.[26]

ولا يُفَوِّت الأستاذ الفرصة بضرب الأمثلة التقريبية كما هو أسلوبه المفضل لتوضيح المعنى وتقريبه، فقال: "هناك بعض الموجودات الجسمانية الضخمة تُنجز وظائفَ عبوديتها بأربعين ألف رأس وبأربعين ألف نمط وشكل. فالسماءُ مثلا تسبّح بالشموس والنجوم، والأرضُ أيضا مع أنها واحدة من المخلوقات، فإنها تقوم بوظائف عبوديتها وتسبيحاتها لربّها بمائةِ ألف رأس، وفي كل رأس مئاتُ الألوف من الأفواه، وفي كل فم مئاتُ الألوف من الألسنة، فلأجل أن يُظهر المَلك الموكّل بكرة الأرض هذا المعنى في عالم الملكوت، لابدّ أن يَظهر هو الآخر بتلك الهيئة والصورة. حتى إنني رأيت ما يقارب الأربعين غصنا -بما يشبه الرأس-لشجرة متوسطة من أشجار اللوز، ومن ثم نظرت إلى أحد أغصانِها فكان له ما يقارب الأربعين من الأغصان الصغيرة بمثابة الألسنة، ورأيت هناك أربعين زهرة قد تفتحتْ من أحد تلك الألسنة. فنظرتُ بدقة وأمعنت بحكمة إلى تلك الأزهار، فإذا في كل زهرة ما يقارب الأربعين من الخيوط الدقيقة المنتظمة ذات الألوان البديعة والدقة الرائعة، بحيث إن كلّ خيط من تلك الخيوط يُظهر تجلّيا من تجلّيات أسماء الصانع ذي الجلال ويستنطق اسما من أسمائه الحسنى.فهل من الممكن أن صانع شجرة اللوز ذا الجلال، وهو الحكيم ذو الجمال، الذي حمّل تلك الشجرة الجامدة جميعَ تلك الوظائف ثم لا يركّب عليها مَلَكا موكلا، يناسبها، وبمثابة الروح لها، ويفهم معنى وجودها، ويعبّر عن ذلك المعنى ويعلنه للكائنات ويرفعه إلى الحضرة المقدسة؟"[27]

ولا يتبين من كلام الأستاذ السابق هل ظهور هيئة الملك بهذه الصورة هي حقيقة خلقته أم أنها صورة تقريبية يظهر بها الملك ليتمكن من القيام بوظائفه؟! وكذلك قوله في الكلمات: "إن المخبر الصادق قد صوّر مثلا الملائكة الموكلين بحمل العرش وكذا حملة الأرض والسماوات أو ملائكة آخرين – بأن للملك أربعين ألف رأس في كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بأربعين ألف نوع من التسبيحات. هذه الحقيقة الرفيعة في أمثال هذه الأحاديث الشريفة تعبّر عن انتظام العبادة وكليتها وشمولها لدى الملائكة".[28] فهل هذه الهيئة حقيقة أم مثال؟!

لكني وقفت على كلام له في توجيه حديث لطم موسى عين ملك الموت يدلّ على أن هذه الهيئة ليست خلقته الحقيقية، قال: "لقد بينّا... وحسب دلالات أحاديث نبوية شريفة: بأن هناك من الملائكة من يملكون أربعين ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان -أي لهم ثمانون ألف عين أيضاً- وكل لسان يسبح بأربعين ألف تسبيحة. فما دام الملائكة الموكلون موكلين حسب أنواع عالم الشهادة، وهم يمثلون تسبيحات تلك الأنواع في عالم الأرواح، فلابد أن يكون لهم تلك الصورة والهيأة. لأن الارض –مثلاً-ـ وهي مخلوقة واحدة، تسبح للّٰه. وهي تملك أربعين ألف نوع من الأنواع، بل مئات الألوف منها، والتي كل منها بحكم رؤوس مسبحة لها، ولكل نوع من الأنواع ألوف من الأفراد التي هي بمثابة الألسنة.. وهكذا.فالملك الموكل على الكرة الأرضية ينبغي أن يكون له أربعون ألف رأس، بل مئات الألوف من الرؤوس، ولابد أن يكون لكل رأس مئات الألوف من الألسنة.. وهكذا.فبناء على هذا المسلك: فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -ولهأن يلطم- تلك العين التيتراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. واللّٰهأعلم بالصواب ولا يعلم الغيب الاّ هو. قل إنما العلم عند اللّٰه".[29]

والخلاصة أنه ذكر أن اللطم لم يتوجه إلى حقيقة خلقة ملك الموت لكنه توجه إلى العين التي هي واحدة من ثمانين ألف عين التي يظهر بها ملك الموت للقيام بوظيفته، وهذا يدل على أنه أوّل الحديث تأويلا مجازيا وهو يرى أنّ هذه الهيئة ما سيقت إلا لبيان معنى إشاري يبين العلاقة بين ضخامة هيئة الملائكة وعملها الموكلة به وهو إحصاء تسبيحات المخلوقات الكثيرة المنتشرة في الكون، وهو عمل يقتضي أن يكون الموكل به مخلوقا بهيئة تتسم بالضخامة والكثرة حسب ضخامة وكثرة وانتشار المخلوقات التي يراقبها.

ثانيا: حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه[30]

سئل الأستاذ عن صحة حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعد أن دارت مناقشة حوله، ويبدو أن السائلين قد استغربوا معنى هذا الحديث، وزاد في استغرابهم أنه مخرج في الصحيحين، ويبدو أن المناقشة لم تسفر عن شيء مقنع؛ فأرسلوا إلى بديع الزمان ليحل لهم الإشكال، فأجاب ما ملخصه:[31]

  بما أن الحديث في الصحيحين فهو صحيح ثابت عن النبي r، وكما أن في القرآن آيات متشابهات فكذلك في الحديث النبوي أحاديث متشابهات، وهي ما يطلق عليها العلماء مشكل الحديث، فالواجب إزالة إشكاله وبيان المعنى الصحيح المقصود؛ لأن المعنى الحرفي الظاهر غير مراد قطعا.

ثم وجّه لطم موسى عين الملك ثلاثةمسالك:[32]

المسلك الأول: "إن عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روح كل فرد. فلا يمنع فعل هنا فعلاً هناك؛ لأنه نوراني، والشيء النوراني يمكنه أن يحضر ويتمثل بالذات في أماكن غير محدودة، بوساطة مرايا غير محدودة. فتمثلات النوراني تملك خواصه. وتعتبر عينه وليست غيره. فتمثلات الشمس في المرايا المختلفة مثلما تُظهر ضوء الشمس وحرارتها، فتمثلات الروحانيين -كالملائكة- تُظهرأيضاً خواصها في المرايا المختلفة في عالم المثال، فهي عين أولئك الروحانيين وليست غيرهم. فالملائكة يتمثلون في المرايا حسب قابليات المرايا. فحسب هذا المسلك: ليس محالاً قط، ولا هو بأمر فوق المعتاد، ولا هو أمر غير معقول، أن يتعرض مثال ملك الموت المتمثل للإنسان عند قبض روحه -وهو مثال جزئي إنساني- إلى لطمة سيدنا موسى عليه السلام وهو الشخصية العظيمة المهيبة من أولي العزم من الرسل، ثم فقؤه لعين تلك الصورة المثالية لملك الموت، الذي لبس زي تلك الصورة".

المسلك الثاني: "إن الملائكة العظام من أمثال سيدنا جبرائيل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام، كل منهم بمثابة ناظر عام ورئيس، لهم أعوان من نوعهم وممن يشبهونهم، ولكن بطراز أصغر، فهؤلاء المعاونون الصغار مختلفون حسب اختلاف المخلوقات الموكلين بهم. فالذين يقبضون أرواح الصالحينيختلفون عن الذين يقبضون أرواح الطالحين، فهم طوائف مختلفة من الملائكة. فحسب هذا المسلك: فإن سيدنا موسى عليه السلام، لم يلطم سيدنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسد المثالي لأحد أعوانه، وذلك بعنفوان النبوة الجليلة وبسطة جسمه وجلادة خلقه وحظوته عند ربه القدير. وهكذا يصبح الأمر معقولاً جداً".

المسلك الثالث: بما أن الملائكة لها أربعون ألف رأس وأربعون ألف لسان لتتمكن من القيام بوظائفها مع كل إنسان وفي كل مكان كما سبق الكلام عليه في المطلب الثالث "فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -وله أن يلطم- تلك العين التيتراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. واللّٰهأعلم بالصواب ولا يعلم الغيب إلاّ هو. قل إنما العلم عند اللّٰه".

والخلاصة من التوجيهات الثلاثة أن اللطم لم يكن متوجها إلى الخلقة الحقيقية للملك وإنما توجه للصورة المثالية التي تشكل بها ملك الموت أو أحد أعوانه، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه عدد من شراح الحديث أن اللطم كان للعين الإنسية في الهيئة الإنسية التي تشكل بها ملك الموت عندما جاء ليقبض روحه، وهو تصرف عادي؛ لأنه ظن أنه رجل أراد قتله.[33]

ثالثا: حديث الأرض على الثور والحوت[34]

ذكر بديع الزمان هذا الحديث مثالا على التشبيهات والتمثيلات التي يسيء الناس فهمها بحملها على الحقيقة فتتحول من تشبيهات لطيفة إلى معان باطلة تحيلها العقول، فقال: " هناك كثير من التشبيهات والتمثيلات البلاغية تؤخذ كحقائقَ مادية، إما بمرور الزمن أو بانتقالها من يد العلم إلى يد الجهل، فيقع الناسُ في الخطأ من حسبان تلك التشبيهات حقائقَ مادية.فمثلا: إن المَلَكين المسمَيين بالثور والحوت، والمتمثلين على صورتَيهما في عالَم المثال، وهما من ملائكة اللّٰه المُشرفة على الحيوانات البرية والبحرية، قد تحوّلا إلى ثورٍ ضخم وحوتٍ مجسم في ظن الناس وتصورهم الخاطئ، مما أدى إلى الاعتراض على الحديث".[35]

وقبل أن أبيّن توجيه الحديث الذي استنبطه بديع الزمان لا بد من بيان أنه لا يقرّ الخرافات الكثيرة من الإسرائيليات التي رويت مع هذا الحديث مما يحيلها العقل ولا يقبلها الشرع، قال في بيان رأيه عندما سئل عن الخرافات التي لا يقرها العلم: "تذكرون يا أخي في سؤالكم:أن علماء الدين يقولون: الأرض تقوم على الحوت والثور، علماً أن الجغرافية تراها كوكباً معلقاً يدور في السماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت!الجواب:هناك رواية صحيحة تُسند إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، تقول: سُئل الرسول r:على أي شيء تقوم الأرض؟ أجاب: على الثور والحوت. وفي رواية أخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الحوت. ولكن عدداً من المحدثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديمة وردت عن الإسرائيليات، ولاسيما من علماء بني إسرائيل الذين أسلموا فهؤلاء غيروا معنى الحديث وحولوه إلى معنى عجيب غريب جدا، حيث طبقوا الحديث على ما شاهدوه من حكايات حول الثور والحوت في الكتب السابقة".[36] وقال: "وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لايتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول r".[37]

ثم يشرع الأستاذ في بيان المعنى البلاغي الذي ارتآه، وقد بيّن أنه يمكن توجيه الحديث بثلاثة وجوه:[38]

الوجه الأول: "أما الأرض التي هي شقيقة صغيرة للسموات ورفيقة أمينة للسيارات فقد عُين لها ملكان مشرفان يحملانها، يطلق على أحدهما: "الثور" وعلى الآخر "الحوت". والحكمة في تسميتهما بهذين الاسمين هي أن الأرض قسمان: البر والبحر أي اليابسة والماء، فالذي يعمر البحر أو الماء هو الحوت أو السمك، أما الذي يعمر البر والتراب فهو الثور، حيث أن مدار حياة الإنسان على الزراعة المحمولة على كاهل الثور.فالملكان الموكلان بالأرض إذن هما قائدان لها ومشرفان عليها،لذا لهما تعلق وارتباط ومناسبة -من جهة- مع طائفة الحوت ونوع الثور. ولربما -والعلم عند اللّٰه-يتمثلان في عالم الملكوت وفي عالم المثال على صورة الحوت والثور. فإشارة إلى هذه المناسبة والعلاقة، وإيماء إلى ذينك النوعين من مخلوقات الأرض، قال الذي أوتي جوامع الكلم r: "الأرض على الثور والحوت"، فأفاد بجملة واحدة وجيزة بليغة عن حقيقة عظيمة عميقة قد لايعبر عنها في صحيفة كاملة".

الوجه الثاني: "لو قيل: بمَ تقوم هذه الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم: أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته وإقدامه وعلى دراية قلم الموظفين وعدالتهم.وحيث أن الأرض مسكن الأحياء، وسيد الأحياء الإنسان، والقسم الأعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة التي هي على عاتق الثور ومحور تجارتهم على السمك. فمثلما يمكن القول: أن الدولة تقوم على السيف والقلم يمكن كذلك القول: إن الأرض تقوم على الثور والحوت؛ لأنه متى ما أحجم الثور عن العمل ولم يلق السمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيش للإنسان وتنهار الحياة، ويدمر الخالق الحكيم سبحانه الأرض.وهكذا أجاب الرسول الكريم r عن السؤال بحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلمتين اثنتين مبيناً حقيقة واسعة تتعلق بمدى ارتباط حياة الإنسان بالحيوان فقال: الأرض على الثور والحوت".

الوجه الثالث: "إنه حري بلسان ذلك النبي الكريم المعجز أن يقول مرة: على الثور، مشيراً به إلى حقيقة عميقة لاتدرك إلا بعد قرون عديدة، حيث أن الأرض في تلك الفترة -أي فترة السؤال- كانت في الصورة المثالية لبرج الثور، بينما عندما سئل r السؤال نفسه بعد شهر قال: على الحوت؛ لأن الأرض كانت في ظل برج الحوت.وهكذا أشار r بقوله: "على الثور والحوت" إلى هذه الحقيقة العظيمة التي ستظهر في المستقبل وتتوضح... وأشار به إلى حركة الأرض وسياحتها... ورمز به إلى أن البروج السماوية الحقيقية والعاملة هي التي في مدار الأرض السنوي، والأرض هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون اجرام سيارة فيها. واللّٰه اعلم بالصواب".

   يتضح مما سبق أن المقصود بالثور والحوت ليس حقيقة اللفظ، وإنما هو معنى مجازي يقصد به الملكان الموكلان بالأرض، وأطلق عليهما لفظ الثور والحوت إشارة إلى أن الأرض إما بحر أو بر، وقوام حياة الإنسان في البحر السمك وفي البر الثور الذي يحرث الأرض. أو أن قوام حياة الإنسان إما صيد السمك من البحر أو زراعة البر بالثور فيصد أن يقال إن قيام الحياة على الأرض إنما يكون بالحوت والثور. والوجه الثالث يدل على إعجاز علمي اكتشفه الإنسان فيما بعد حيث أن الأرض تدور فتكون في زمن في ظل برج الثور، وفي زمن آخر في ظل برج الحوت.

الخاتمة

ضمّنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات:

1. اهتم بديع الزمان بتوجيه متون الأحاديث النبوية إلى المعاني الإيجابية، ويبتعد عن الفهم السلبي والشاذ المخالف لصحيح النقل أو صريح العقل.

2. يظهر التجديد في تعامل بديع الزمان مع المتون التي تُتَوَهَّم منها معاني باطلة في أمرين: الأول: اتجاهه إلى تأويل تلك المتون تأويلا إشاريا يراعي أصول الشريعة وصريح العقل ولا يجافي دلالة لفظ الحديث أيضا. الثاني: أنه يلجأ إلى تأويل المتون المشكلة بقطع النظر عن أسانيدها هل هي ثابتة عن النبي r أم لا.

3. المعاني الإشارية التي يتأوّلها بديع الزمان للمتون المشكلة فيها إبداع يُشعر القارئ باللذة العقلية والمتعة الروحية.

4. على الرغم من غنى رسائل النور بالأحاديث النبوية استدلالا وتأويلا إلا أن الجانب الحديثي في رسائل النور لم ينل ما يستحق من البحث والدراسة من قبل الباحثين؛ فأكثر ما كتب حول رسائل النور يعالج مسائل الفكر والدعوة وأسئلة النهضة، أما الدراسات الحديثية فلم أقف إلا على دراستين غير منشورتين، ولم أستطع الحصول عليهما مع الأسف.

5. من أهم القضايا الحديثية التي بحثها بديع الزمان في الرسائل وبذل جهدا مميزا في دراستها وتستحق اهتمام الباحثين: مشكل الحديث، وأحاديث الفضائل، وأحاديث أشراط الساعة، ودلائل النبوة.

* * *

 

----------------------------

[1]كلية الإلهيات، جامعة حران، شانلي أورفة/ تركيا.

[2]انظر، الشوكاني، محمد بن علي، ت (1250) هـ،إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عناية، دار الكتاب العربي، ط1، 199م ([2]/138).

[3] سعيد النورسي، المكتوبات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ،1992م، المكتوب الثامن والعشرون، ص (456).

[4] سعيد النورسي، اللمعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ،1992م، اللمعة الرابعة عشر، ص (142).

[5] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة احسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ،1992م، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (386).

[6] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص (256).

[7] انظر، المصدر السابق.

[8] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر: المعجزات الأحمدية، ص (111).

[9] أخرج البخاري، محمد بن إسماعيل، ت (256) هـ، في الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1987م، كتاب الاستئذان، باب السلام، رقم الحديث (5873)، (5/2299). وأخرج مسلم ابن الحجاج، ت (261) هـ، الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، رقم الحديث (2841)، (4/2183) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعا: " خلق الله آدم على صورته". أما اللفظ الذي ذكره الأستاذ "خلق الله آدم على صورة الرحمن" قد أخرجه عبــــــــــد الله بن أحمد، ت (290) في كتاب السنة، تحقيق محمد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، ط1، 1406هـ، (2/472)، والبيهقي، أحمد بن الحسين، ت (458) هـ في الأسماء والصفات، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، ط[9](2/64). وانظر الخلاف في تصحيحه عند ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني،ت(852) هـ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز ومحب الدين الخطيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، مصورة عن الطبعة السلفية (5/183).

[10] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[11] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[12] المصدر السابق، ص (154).

[13] ذكر ابن تيمية أن هذا الحديث من الإسرائيليات، وليس له إسناد معروف عن النبي r، وفسره تفسيرا قريبا مما ذكره بديع الزمان، انظر، ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم الحراني، ت (728)، مجموع الفتاوى، تحقيق أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، ط3، 2005م (18/376). وقال العراقي: لا أصل له، انظر، العراقي، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين، ت (806) هـ، تخريج الإحياء المسمى المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (2/712). وكذا قال كل من وقفت عليه ممن تكلم على الحديث.

[14] سعيد النورسي، الشعاعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ، 1992م،الشعاع الرابع، ص (101)، واللمعات، اللمعة التاسعة والعشرون، ص (509).

[15] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الحادية عشرة، ص (139-140).

[16]رواه البخاري في الصحيح، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث (6137)، (5/2384).

[17] ذكره الصاغاني في الموضوعات، انظر، الصاغاني، الحسن بن محمد، ت (650) هـ، الموضوعات، تحقيق نجم خلف، دار المأمون للتراث، دمشق، ط2، 1405هـ ([17]) /52)، وقال العجلوني: لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا، العجلوني، إسماعيل بن محمد، ت (1162) هـ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي (2/164).

[18] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة العاشرة، ص (75)، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (234،235،253، 254، 260)، الشعاعات، الشعاع التاسع، الشعاع الخامس عشر، ص (237،655).

[19] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (254).

[20] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (655).

[21] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (237).

[22] لم أجده في كتب الحديث.

[23] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشر والتاسعة والعشرون، ص (187،188،606)، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454)، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327)، الملاحق، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1، 1992م، ملحق أمير داغ-2، ص (357).

[24] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327).

[25] انظر، سعيد النورسي، الملاحق، ملحق أمير داغ2، ص (357).

[26] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[27] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[28] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشرة، ص (187).

[29] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454-45).

[30] عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه"، أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأنبياء، باب وفاة موسى، رقم الحديث (3226)، (3/1250)، وأخرجه مسلم في الصحيح واللفظ له، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى، رقم الحديث (2372)، (4/1842). وزيادة "ففقأ عينه في مسلم دون البخاري".

[31] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص 451-455).

[32] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (453-455).

[33] انظر، ابن حجر، فتح الباري (6/442،443).

[34] ذكر المفسرون في تفسيرنون والقلم رواية عن ابن عباس موقوفة عليه فيها ذكر الثور والحوت، انظر مثلا: الطبري، محمد ابن جرير، ت (310) هـ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000م (23/521). وصححها الحاكم في المستدرك، انظر، الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، ت ( 405) هـ، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1990م، كتاب التفسير، رقم الحديث (3840)، (2/540). وقد ذكر السيوطي روايات كثيرة بتفصيلات أخرى في هذا الموضوع، انظر، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، ت (911) هـ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 199م (8/241).

[35] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (389)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الخامس، ص (105)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، ص (326).

[36] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (138).

[37] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (142).

[38] المصدر السابق، ص (140-142).

 

 


22-) الحريّة الشرعية في أزاهير النّور

                                                                                               

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحريّة الشرعية في أزاهير النّور:

تأصـيل لمخبر التّحضّر

د.محمّد البشير الهاشمي مغلي        

أستاذ الدراسات الإسلامية العليا       

قسم الكتاب والسنة            

كلية أصول الدين والشريعة الإسلامية   

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

قسنطينة – الجزائر .         

 

 

 

         منهاج التّحرير:

 

         ليس ثمّة من هو أكثر وعيا بحرّيته من الإنسان. ذلك أنّه خليفة الله في أرضه، فالحرية هي إحدى خاصيات التكريم الإلهي فيه. لذلك يقول في الصّيقل : " أعيش بدون خبز ولا أستطيع العيش بدون حرّية ." (1) وإن كان الحيوان هو أيضا قد خلق طليقا فإنّه مسخّر لخدمة الإنسان الذي يسأل عن حبسه وتقييده بما يتعارض ومفهوم التّسخير: " وأولو المشاعر وجميع الكائنات بدورها مسخّرة وساعية لأجل الحياة، وذوو الحياة مسخّرون لذوي الأرواح وقد بعثوا إلى الدنيا لأجلهم، وذوو الأرواح مسخّرون للإنسان وفي عونه دائما ..." (2) إلاّ أن يستبدّ استبداده الاستعلائي فيضيّق على ممنوح الحرّية ولو في هرّة فيقع تحت طائلة الحديث الشريف الوارد في تلك المرأة المتطاغية التي دخلت النّار في قطّة حبستها، لأنها انتزعت منها تجبّرا وقهرا منيحة الخالق فيها .(3)

         وغير بديهي أنّ المرء يولد حقيقة حرّا في المجتمع! وإن بدا طليق الرسغين والكعبين، كما تلوّح إليه مقرّرات دوي الصّرخة القديمة: " متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " في إشارة إلى الثورة على حيف الأغلال المادّية وحثيث الدّعوة إلى كسر السلاسل الحديدية.

ولكننا نجده عند التأمّل العميق، مطوّقا منذ عطاسه الأوّل بشبكة عريضة من المكبّلات الاجتماعية، راسفا في ضروب من العادات والتقاليد والأعراف، واقعا في أسر قيود معنوية كثيرة، رازحا تحت نير كلكل من مؤثّرات داخلية وخارجية شتّى، ليس أقلّها المذهبية والأساليب الكلامية والاتجاهات الدّهرية والمناهج الفلسفية والتيارات الفكرية والانتماءات التقليدية المختلفة بمنطق غير نوراني بعيد عن " السير مع العقل تحت نظارة القلب والمضيّ مع القلب تحت نظارة العقل " (4) كما تزهر بذلك إحدى ثمرات رسائـل النّور. فضلا عن الرذائل وكلّها أغلال بدليل هذه اللمعة: " لا تتبدّل الحقائق بتبدّل الأسّماء" (5) .

         فيجيء الإسلام لينتشله من وهدة الرّسوف في رقّ استعبادي عريق، وذلك بإفراده ليس فقط بالحقّ في كامل الحريّة التكريميّة ولكن أيضا – وهنا المائز القويّ – بنجدة الإنسانية المعذّبة بمنهج التّحرّر التكريمي الحقّ، إضافة – وهنا الخصيصة المتفرّدة – إلى أساليب الحفاظ على ديمومة مكاسب الانعتاق دون غبن ليشمل سكّان المعمورة قاطبة .

         كلّ ذلك في صدوف عن مجرّد الاكتفاء بالإعلان النظري أو الاستهلاك الإعلامي أو التّبجّح بعارض التّصريح الدّعائي المتأخر والموسوم بالعالمي!! (6)

         بيد أنّ أكثر الأحرار تمتّعا بحرّيته في الدّنيا وأكرم مستكرم بها هو من لا يخضع فيها على الإطلاق إلا لسيّد واحد. وليس ذلك يرشّح لذي بصيرة غير المسلم الذي حرّره مفهوم التّوحيد في أجلى صوره وأرقى معانيه، على نحو ما تلخّصه عبارة التّهليل الرّائعة التي تسوق شهادة رمزية الانعتاق الأصلي وسمة التّحضر الدّائم والتي انطوى الشّق الأوّل منها على نفي كلّي لزيف أجناس المستعبدين ورفض كاسح لجميع عوامل الاستعباد. ليستقلّ الإثبات في الشّق الثاني بحقيقة ربوبيّة السيّد المحرّر الأوحد وبنفوذ مطلق الإقرار بألوهية واهب التّحرّر ... فالكلّ له بها عبيد أحرار. " فمن كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير " (7). وهذه لمعة نفيسة.

         فأحر بها إذن من شهادة تلقّن علم الحرّية وفنّ التحرر ومنهاج التّحرير بلا منازع وقد تشرّف بحمـل لوائها من قبل، المسلم، وتحديدا بالمواصفات التلميحية النّورسية: " المكّي" (8)  "المدني" (9)، "البدري"(10)، "الحديبي " (11)، "الشوري " (12) .

 

نطاق الحرية:

يأبى الإسلام في منظور النّورسي حرّية بهيمية سائبة كالتي تدّعيها المدنية الغربية برداءة، سيما أنّ الدّين الحنيف يدعو إلى حرّية تكريميّة مسؤولة مهذّبة وإلا فالحرّية بلا حدود وهم بحرّية زائفة والواقع أنّه لا توجد حرّية مطلقة في العالم! وإنّما هناك نسب متفاوتة في الحرّيات من حيث السّعة والبعد الإنسانيّ ودرجة التّحضـّر. ويصدق في هذا الصـدد، قول الفيلسـوف الألمـاني ليبنـتـز (1646-1716 م) : " إنّ الله وحده هو الحرّ الكامل. أمّا المخلوقات العاقلة فلا توصف بالحرّية إلاّ بقدر خلوصها من الهوى".

هذا وحرّية بلا حدود تقلّب في عبوديّة أوسع، ورسف في رقّ أشمل، بل هي تنويع في الكوابل وتلوين للقيود، أو هي تمديد في سلاسلها ...

ومعلوم أنّ التمديد في سلاسل القيد قد يوهم بالحرّية، ولكنه لا يحرّر مهما اتسعت فضاءات الحرّية “الموهومة “! وليس في الإسلام ما ألفاه نيتشه وهو " يلخّص مسيرة الصّراع بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد بالقول إنّ جميع الفترات التاريخية منذ ظهور المسيحية كانت في جملتها مسرحا لأخلاق العبيد إذ لم تكن أخلاق السّادة تظهر إلاّ عرضا، ولذلك كانت تختفي سريعا " (13) .

         ثـمّ إنّ الحـرّ بطبعه لا يقيّد نفسه، فلا يتّجه تلقائيا إلى التقليص من الحرّية، بل تراه في مطمحه يهفو إلى الاستزادة منها سجيّة... وإنّما هو يتقيّد بالإملاء والإلزام، " لأنّ الحريّة الحقيقية يلزم أن تتحلّى بآداب الشريعة وإلاّ فإنّها لا تعدّ حرّية." (14)

         ولئن اعتبرت المدنية التائهة القيد من الحرّية انتقاصا من السّيادة فهذا صحيح مادام واضع القيد بشرا وصيغ ذلك في دساتير وقوانين ونظم...

وبقدر الحدّ منها يكون الاستعباد وتحلّ التّبعية .

يكون ذلك بالفعل، بنحو أو آخر، رقّا بين النّاس بشكل منظّم أو مقنّن حين يضعه أو يسنّه الأقوى للأضعف. فهولا يخرج بحال عن مفهوم العبوديّة مهما تطوّر إطار الاستعباد أو دخل التنميق على المسمّيات. فتلك هي إذن في عين بديع الزّمان "حرّية حريّة بالنّار، لأنّها تختصّ بالكفّار ..."(15)

         أمّا إذا كان واضع القيد الإله سبحانه في جملة آداب سماوية رفيعة هي الأخلاق الشرعية، أضحت العبودية ذاتها تكريما لا يلبث أن يتحوّل بالوعي الإيمانيّ إلى عبادة حرّة وسعادة أبديّة بشعـاع آخر : " الحرّية بالنسبة إلى الإنسان تنتج العبودية أمام الله. "(16)

 وتلك الحرّية بعينها...: " عطيّة الرحمن إذ أنها خاصيّة الإيمان " (17) وساعتها : " من كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير ." (18)

         ولننظر هنينة في أمر القيود بمجهر الأداة الدقيقة التي تمنحها لنا شهادة التوحيد : فـ" لا إله " رفض لأصناف القيود ...وهاتيك القيود ذاتية مصطنعة قهرية مستعبدة استذلالية جائرة من صنع الإنسان .وهي في الحصيلة هاتكة لحريته ساحقة مبدّدة للأحرار .

         و... " إلا الله" استثناء لصنف واحد من القيود، وتلك القيود موضوعية ثابتة مقبولة محررة تكريمية، من تدبير الخالق تعالى. وهي في الحصيلة منعشة للحرّية واقية لها، جامعة مؤلفة للأحرار.

         ولذلك حذّر النّورسي من مغبة إطلاق الزمام للنوازع والفوضى باسم الحرّية وكان يدعو إلى ضبط الدّوافع بضوابط الشريعة (19):" قيّدوا الحريّة بآداب الشرع لأنّ عوام النّاس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلّوا أحرارا سائبين بلا قيد " (20) .

         ولا عاصم إذن من تلك الفوضى والفرقة ومن تضارب المصالح والانجراف الأخلاقي إلا أن تلتزم الحرّية بالدّين الأمثل.(21)

         هذا وقد يكون الإنسان حرّا وإن بدا مكبّلا بالقيود إلى الأذقان، إذا كان شعوره يفيض بمبادئ الحرّية وقيمها ومثلها فيضا بلا ليّا أو ياسريّا أو نورسيّا لغلبة الرّوح على المادة.

وقد يكون كذلك في الظاهر حرّا طليقا من كل قيد مادّي، ومع ذلك نجده في الحقيقة واقعا في أسر قيود لامرئية كثيرة، مطأطئا لشهوات عديدة، تستعبده أهواء شتّى وتسترقّه أغلال اجتماعية تجتاح روادع العقل ووازعات الضمير وزواجر الرأي العام وقوارع الدين وتخترق معالم الإنسانية فيه، لتنساب في دوّابية أحطّ من الحيوانية العجماء .

ولقد عبّر عنها صيقل الإسلام وهي مغلولة بخوارم المروءة: "بطنطنة الأغراض التي تشوّش على صدى موسيقى الحرّية ." (22)

 

الانعتاق اليوسفيّ :

         في ضوء " الكلمات " النورانية نفهم السرّ الذي من أجله آثر يوسف الصّديق، عليه السلام، في إباء وكبرياء أن يكون حرّا في سجن العزيز على أن يظّل عبدا في قصر الملك:

 " فمن عرف الله وأطاعه سعيد ولو كان في السجن، ومن نسيه فهو في السّجن ولو كان يعيش في القصور " (23).

وما كان ليدرك بانشراح سعادة هذا الانعتاق الجيّاش لولا قناعته بيقين تجريبيّ محسوس بأنّ " العبادة تحرّر من أسوار السّجن " (24) سواء كان هذا السّجن زنزانة الطاغوت أم مربض المجتمع الجاهلي. ومن قبل كم من أسير حرب كان الأسر في الإسلام يعزّ عليه ويودّ لو أنّه يفديه " بحرّيته" في غيره!

         ذلك أن أبلغ معاني الحرّية ما ارتبط في دعمها بالقيم لا ما ارتطم في دحضها بالإرادات والتحكّمات والقهر. انظر إلى الصيقل كيف يصقل وشاحها الشرعي بهذا الإخراج البلاغي المبين وهذا اليقين اليوسفيّ الرّكين:" ألا إنّ الحرية هي أن يكون المرء مطلق العنان في حركاته المشروعة مصونا من التعرض له محـفوظ الحقوق ولا يتحكّم بعض ببـعض ليتجلّى فيه نهي الآيـة الكريمـة:( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) آل عمران : 64 ولا يتأمّر عليه غير القرآن والعدالة والتأدّب لئلا يفسد حرّية إخوانه ..." (25) .

 

الحريات الفكرية في الإسلام:

         يجدر التذكير هنا بإطار المبادئ الإسلامية التي تنطلق منها أزاهير النّور حين الحديث عن الحرية الفكرية، وأنها لم تكن انتزاعية كما في الغرب، أو أنها جاءت استجابة لتطّور تاريخي، أو ثمرة نضالات مريرة أو مثخنة بحربين عالميتين، أو أعقبت محاكم التفتيش ...

 كلاّ بل هي لم تبرح قطّ من مستلزمات العقيدة ومقرّرات الدين أساسا. ولعلّ أبلغ تعبير عن هذا التّجذير الإيماني لأعماقها لألاء هذه اللّمعة البارقة: " إن الإيمان يعلّمني بأنّني مرشّح لدنيا أخرى أبديّة، وأنّي مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة." (26) أو إشراق هذا الشعاع السّاطع: " بمقدار قوّة الإيمان تتلألأ الحرّية وتسطع ..." (27) .

         وفي استقراء مرامز التحرير الإيماني الفيّاض يقول أديب إبراهيم الدّباغ إنّ هذا الإيمان : "يطلق الإنسان " من أسر الزمان والمكان، ويضع عنه قيود الدنيا وأغلالها ويمنحه سعة يسع بها الكائنات ويعطيه أمداء نحو الآزال والآباد، فيغدو عمره عمر العالم، وحاضره بحرا تصبّ فيه أنهار الأزمنة، ماضيها ومستقبلها، فيصبح بذلك إنسانا كونيا، داره الكون كلّه، وحديقته العالم جميعه، وموضع نظره البشرية بأسرها، يريد لها ما يريده لنفسه من هذا السّمو الذي سما إليه وهذا الارتقاء الذي ارتقى نحوه، فهذه هي رسالة " الإيمان " (28) .

         ذلك أنّ نجدة الإسلام الرئيسية الأولى للإنسان تتمثّل في حرية الاعتقاد حين أزاح من أمامه، في منهج اكتساب عقيدته، جميع العوائق والعقبات التي تقف دون اختياره الحرّ وإن كانت معنوية أو انتصبت بنحو غير مباشر.

 والجميل أنّه لم يستعجله البتّة في تحصيلها. وإنما اشترط في نتيجتها جدّية أن يكون الالتزام رديف اليقين كيلا تذهب ثمرتها العقلية هدرا في مجتمع عقائدي حرّ؛ وألا تظلّ حكرا على صاحبها أو حبيسة معتنقها. بل تراه أوجب مبدأ التحرير بعد التّحرّر، إيمانا منه بأنّ الانعتاق لا يكتمل إلا بالعتق خدمة لمبدإ آخر يقضي بوجوب الإقناع بعد حصول الاقتناع في غيريّة خيريّة عالميّة دفّاقة نستلهمها بيسر وغزارة من الحديث الذهبيّ الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ."

وهذا قاض بجهاد مقدّس في تحرير الآخرين بعد اكتمال التّحّرر الذاتي، إذ لا جدال في أنّ فاقد الحرّية لا يعطيها. فـ " إكسير الإيمان إذا دخل في القلب يصيّر الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجّنة، وبالكفر يصير خزفا فانيا، إذ لا إيمان يرى تحت القشر الفاني لبّا لطيفا رصينا ويرى ما يتوهّم حبابا مشمسا زائلا، ألماسا متنوّرا. والكفر يرى القشر لبّا فيتصلّب فيه فقط، فتنزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة، بل إلى الجماد " (29) .

وبتوخي الاقتضاب نقول في لمس تحليلي للخواطر:

 

حرية الرأي :

         إنّ حرية الرأي إذا كانت هادفة تكشف عن زاوية نظر مغايرة يثرى بها الرأي ويزداد سدادا، ويتعزّز بها العقل وتتربّع بها الحكمة وتنمو الملكات فأيّ ضير في إطلاقها إلا من قيدي العقيدة والأخلاق لضمان أسلوب التعامل الحضاري الرفيع والتّجاور في كنف الاحترام المتبادل؟

ولذلك تنطلق زفرة أسير الفكر الحرّ من غياهب النفي والحجر على الحرية الفكرية والدعوية وهو منكبّ على التّأمل في حفريات سرّ القول المأثور : " تفكّر ساعة خير من عبادة سنة " وفي رواية صاحب الإحياء " خير من ستين سنة " (30) والذي حدا به إلى تأليف " الحزب الأكبر النّوري " ضمن كتاب التفكير الإيماني ليزيل به عن نفسه الضيق والسآمة والإرهاق (31) تنطلق هذه الزّفرة الحرّى لتتحول إلى صرخة مدوّية لتبدّد سجوف " الحرّية العلمية " المزعومة بهذا التساؤل : " ما الجانب المحظور من التحاق شاب بريء يحتاج إلى العون والمساعدة بصفوف طلبة النّور كي ينقذ إيمانه وينجو من التّردي في هاوية الأخلاق الذّميمة ؟ " (32). اللّهم إلا إذا انقلب ظهر المجنّ على الحقائق وتبدّلت الأوضاع غير الأوضاع حينها لا يألو من "جمع في حفظـه جـمع الجوامع جمـيعه في جمعة " (33) في كشف زيف هذا الواقع الملبّس ببركانّية هذا التصريح التشنيعي الفاضح : " لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة ولبست الخيانة رداء الحمية وأطلق على الجهاد اسم البغي وعلى الأسر اسم الحرية. وهكذا تبادلت الأضداد صورها " (34) وبعد هذا الازدراء والتّهكّم في مقاومة التلبيس والتّدليس بالباطل يقرّر هذه الحقيقة:" لا يمكن بالظّلم والجور محو الحرّية (35) في أيّ شكل من أشكالها .

 

تأسيس الشورى :

         ثمّ إن الإسلام لم يكتف بالإعلان عن المبادئ، بل انبرى إلى إنشاء هياكل لترسيخها في النفوس والمجتمعات:

 حيث قرّر بكل سبق وريادة، باعتباره دينا، وهنا المفخرة، وليس منظّمة أمميّة أو حكومة أو برلمانا أو حزبا سياسيا، تأسيس الشورى. وأمر المعصوم (ص) رغم ما في عصمته من غنية، بإجراء المشورة ونشر تقاليد الاستشارة، طبعا على غير المنحى العصريّ المتعثر الذي يقف بعرجته على "العلم " دون الأخلاق ...

         وحين يقرّر بديع الزّمان عن معاناة ومكابدة بعيدا عن التجريد والتقريظ أو التنظير الدّعائي البحت أن " الحرّية التي هي ضمن نطاق الشريعة وأن مفتاح حظّ آسيا وسعد الإسلام موجود في الشورى... (36) فإنّه يخرج من إطار الأدبيات التّمجيدية إلى البوح العملي الواقعي الصادق ليعلن بعزيمة رجل السّياسة الشرعية المحنّك: " إنّ ما يفتح حظّ آسيا هو الشورى والحرية المشروطتان بتربية الشريعة الغرّاء" (37).

 وليس سواهما من ملجإ في الرّاهن دون الأنظمة المستبدّة الجائرة. وإلا كانت حقيقة بتهكّمه بمثل هذه الألقاب المتزندقة التي ندّد بها على هذا النّحو الكاشف : " جمعية تشكّلت برئاسة " الجهل " آغـا و" العناد " أفندي و" الغرض " بك و" الانتقام " باشا و" التقليد " حضرة تلري ومسيو" الثرثرة " وهي جمعية تشوّه" الشورى " التي هي منبع سعادتنا " (38).

 

         ميزة الاجتهاد في رحاب التّحضر الإسلامي:

 

         ثم ألم يؤن الأوان للمكابرين أن يعلموا أنّ حرّية الرّأي في الإسلام قد أفضت إلى إنشاء مناهج الاجتهاد وتعدّد المذاهب وانتشار مدارس الرأي وقيام علم الكلام على أساس من رحابة الصّدر في الاستماع إلى الآخرين، هذا الذي يطلقون عليه اليوم اصطلاح " حرية التعبير " أو حرية الاختلاف والتّنوع (39) وهو مسبوق لا محالة بالشعار الذهبي لحضارتنا الإسلامية الزاهرة: " لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها " وليس مثله شعار يجرّئ في الحقّ ويرفع عن القائلين حواجز الخوف ! إلاّ مرادفاته من قبيل هذه المأثورة: " فلا تأخذك في الله لومة لائم " أو قرينات هذه الآية الكريمة في تجسيد الموقف القولي المسؤول : " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون "(40) وحسبنا من هذا دليلا على كفالة حرّية التعبير التي يزخر بها تراثنا الإسلامي العتيد .

         وعودا إلى سياق الاجتهاد فإنّ العلامة النّورسي يستدرك براغماتيته بهذا التّحذير من الاستبداد الخفيّ المناهض للشورى الحقيقية بين أولي العلم والاختصاص العالي حيث يقول : " ولكن لا يكون هذا الاجتهاد موضع عمل إلاّ عندما يقترن بتصديق نوع من إجماع الجمهور. فمثل هذا الشيخ - أي شيخ الإسلام – المستند إلى المجلس الشوري – يكون قد نال هذا السرّ. فكما نرى في كتب الشريعة أن مدار الفتوى: الإجماع. ورأي الجمهور، يلزم الآن ذلك أيضا ليكون فيصلا قاطعا لدابر الفوضى الناشبة في الآراء ... " (41) .

 

مسك الختام :

 

         بهذه " اللّمع " النّيرات وفي ضوء هذه " الكلمات " النورانية وباستثمار القرآن المجيد " أستاذ الحضارات ونبع التّقدم والرقي " تتوخّى رسائل النور حركة إيجابية في الحياة تتنامى "بإكسير  الإيمان" وكأنّها " ترياق شاف من جميع جروح العصر الدّامية " (42) بعيدا عن الفلسفة المادية التي يعتبرها داعية الأناضول طاعونا معنويّا (43 ) في نشدان أزليّ شامخ شموخ الجبل سبحـان وارارات (44) للحرّية المستندة إلى الشريعة الغراء .

         تلك إذن هي ملامح ومضية من إشراقات لمع العلامة بديع الذي لا يخلو أسلوبه العلمي والأدبيّ الروحاني من البديع في بليغ رسائله المستنيرة التي احتسبها لخلاص البشرية من نكباتها ومتردّياتها بقيم حرّية تكريمية لا تتجزأ في عالم المحراب الكبير بحيث لا يرضى فيها أي إنسان، تحقّق انعتاقه بعقيدة التوحيد الصحيح" أن يكون حرّا في مجتمع العبيد كما لا يرضى أن يكون عبدا في مجتمع الأحرار " .

 

 

 

-------------------

  1. بديع الزمان سعيد النورسي. أنقرة. 1958 صيقل الإسلام ص 274.
  2. الشعاعات .ص 62.
  3. انظر الحديث .
  4. نقلا عن أديب إبراهيم الدّباغ : فجر المسلم المنتظر أفكار ومشاعر بين يدي النورسي دار الصحوة للنشر والتوزيع .القاهرة. 1420هـ -2000 م .ص 32.
  5. الصيقل. ص 271.
  6. في إشارة إلى وثيقة الأمم المتحدة المتعلقة بالإعلان لحقوق الإنسان في 1948م. ومن قبل إعلان الثورة الفرنسية في نص 1789م.
  7.  الصيقل : ص 275 .
  8. إنه " مكّي " بصورة إيمانه وعمق عقيدته، وفي تحرره من " الصنمية " بجميع أشكالها وأنواعها. وبتأجيج روح الكون في روحه. وبتحرره من ثقله الكتلوي وصيرورته طاقة حيّة يحركها حنين لا يقاوم للاندفاع نحو أعتاب الحضرة الإلهية لتسليمه كلية وجوده إليه سبحانه وتعالى ."انظر فجر المسلم المنتطر مرجع سابق. ص 22 .
  9. "مدني " في إرساء هذا البناء الإيماني الشامخ على قواعد الشرعية وأسسه العلمية في التعامل مع الحياة والمجتمع " المرجع نفسه. ص 22. 23.
  10. "بدري" في شجاعته وفي توكّله على الله ورجائه النّصر منه وحده ". المرجع نفسه. ص23.
  11. " حديبي " " في حنكته ومرونته وقدرته على التعامل مع الآخرين أخذا وعطاء من دون المساس بثوابت الإيمان والعقيدة " المرجع نفسه الصفحة نفسها.
  12. " شوري " " فيما يتخذ من قرار ويقدم عليه من فعل.المرجع نفسه.
  13. انظر : د.محمد عابد الجابري : قضايا في الفكر المعاصر .مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت .لبنان – حزيران – يونيو 1997.ص50.
  14. الشيخ سعيد النورسي: الخطبة الشامية ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي لبنان .1974 ص50.
  15. الصيقل .ص394.
  16.  Munazarat ,S,18 نقلا عن د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والديني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .ط.2. مطبعة المدني القاهرة : 1446ه/1995م. ص 276.
  17. الصيقل : 395.
  18.  Said Nursi ,Tarihçe –i Hayat , I st .91  نقلا عن المرجع السابق ص 275.
  19.  د.عشراتي سليمان : النورسي في رحاب القرآن وجهاده المعنوي في ثنايا رحلة العمر. شركة سوزلر للنشر والتوزيع .فرع القاهرة .1999م. ص 299.بتصرف قليل .
  20. الصيقل .ص 443
  21. نفسه .ص300
  22.  الصيقل / المناظرات ص 394.
  23. انظر : ص116
  24. نفسه .ض.ن.
  25. انظر :الصيقل .ص118.
  26. اللمعات .ص389.
  27. الصيقل .المناظرات .ص396.
  28. انظر : فجر المسلم المنتظر ...ص 116.
  29. الشيخ النورسي: المثنوي العربي النوري .تحقيق إحسان قاسم الصالحي .   استنبول 1969.ص 158.
  30. انظر: الغزالي : إحياء علوم الدين .ج 4.ص411.
  31. انظر طبعة بيروت 1974.ص 139و140.
  32. انظر : الشعاع الخامس.ص 433 وص470.
  33. في إشارة إلى قراءته يوميا ساعة أو ساعتين لكتاب ( جمع الطوابع ) لابن السّبكي وهو من علماء الشافعية. انظر:د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والدّيني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .مرجع سبق ذكره .ص36 .
  34. انظر: نوى الحقائق .ص604.
  35. اللّمعة 22.ص 258 .
  36. الصيقل .ص462.
  37. الصيقل .ص57.
  38. الصيقل.ص359.
  39. انظر:د.محمّد البشير الهاشمي مغلي :التقريب بين منازع الاختلاف ومنازعات الخلاف .ضمن منشورات المجلس الإسلامي الأعلى.أعمال الملتقى الدّولي للتفاهم بين المذاهب الإسلامية الجزائر –25-27 مارس. 2002 م. ص469 –494.               
  40. الزخرف: 28
  41. الصيقل. ص253.
  42. الصيقل .ص193.
  43. اللوامع .ص877.
  44.  في إشارة إلى تصريحه أمام المحكمة العرفية انظر : الصيقل / المناظرات ص463.

 

 

 


23-) السعادة والكمالات الإنسانية من خلال رسائل النور

 

السعادة والكمالات الإنسانية

من خلال رسائل النور

د.عبد المالك اعويش

كلية الشريعة-أكادير

المغرب      

 

إطار نظري عام

في هذا العرض سأحاول أن أربط المفصلات إلى مجملاتها، وأنظم  النصوص المتفرقة في موضوع السعادة والكمالات حسب ما سمح به حيز هذا البحث[1]. ذلك أن النورسي انطلق من أصول عقلية متفقة مع أصول نقلية، ثم من مجملات مضمرة إلى تفصيلات تبدو وكأنها متناثرة في كل المباحث التي طرقها. وأنطلق مما ختم به المرحوم فريد الانصاري كتابه مفاتح النور حيث يقول:

"فإننا بهذا البحث المتواضع نستطيع الوصول – إن شاء الله – إلى نتيجة، فيما يتعلق بباب الخروج من الأزمة الراهنة، التي تكبل نهوض الأمة الإسلامية اليوم. وذلك أن الدارس لكليات رسائل النور، يمكن أن يثبت بسهولة، أن للأستاذ بديع الزمان النورسي رأيا في الخلاف المشهور بين علماء الدعوة والإصلاح، في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي مداره حول سؤالين إشكاليين، هما:

  • طبيعة الأزمة ما هي؟
  • ثم كيف الخروج منها؟

ومعلوم أن الأجوبة تضاربت في ذلك وتباينت، فمن داعية يرى أن الأزمة أزمة فكرية، إلى من يرى أنها أزمة روحية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية، ... إلى غير ذلك من الاجتهادات والتصورات. ثم يختلفون بعد الاختلاف الأول في باب الخروج منها: أهو العمل السياسي الحزبي؟ أم هو العمل الثقافي العلمي؟ أم هو العمل الروحي الصوفي؟ ... وربما اتفقت أقوال بعضهم على توصيف معين للأزمة، لكنهم يختلفون في تحديد باب الخروج كيف؟"[2]

وها نحن اليوم نقف على أزمة إنسانية، ونساءل رسائل النور عن طبيعتها؟ وكيفية الخروج منها؟.

فالعالم يشكو أكثر من ذي قبل من مشاكل لا حصر لها:

- نفسية: قلق انفصام وسواس قهري..

- عقلية: جنون ضغط عصبية..

- بدنية: سرطانات وأمراض فتاكة..

- بيئية: أوبئة تلوث إشعاعات..

- اقتصادية: أزمات مالية تضخم ربا ديون فقر مجاعة..

- اجتماعية: تفكك بطالة..

- سياسية: حروب..

وعموما فإن واقعنا الآن يشهد بأن الهوى قد قام مقام الحق يعمل به، ويقضى بقضائه، ويحكم بحكمه، وقام سوء الأدب والمكر والخديعة مقام العقول، وقامت المداهنة مقام المداراة، وقام الغش مقام النصح، وقام الكذب مقام الصدق، وقام الرياء مقام الإخلاصِ، وقام الشك مقام اليقين، وقامت التهمة مقام الثقة، وقام الأمن مقام الخوف، وقام الجزع مقام الصبر، وقام السخط مقام الرضا، وقام الجهل مقام العلم، وقامت الخيانة مقام الأمانة فصار من قلة الأكياس لا تعرف الحمقى، ومن قلة أهل الصدق لا يعرف أهل الكذب إلا عند أهل الفهم والعقل والبصيرة فاعتدل الناس في قبح السريرة، وقلة الاستقامة في أمور الآخرة إلا من عصم الله[3].

وقد رسم النورسي صورة هذا الواقع الحزين في مقطع شاعري فقال:

"اعلم! أن قلبي قد يبكي في خلال أنيناته العربية بكاء تركيا، بتهييج المحيط الحزين التركي، فاكتب كما بكيت:

[لا أريد من كان زائلا لا أريد

أنا فان، من كان فانيا لا أريد، أنا عاجز، من كان عاجزا لا أريد،

سلمت روحي للرحمن، سواه لا أريد،

بل أريد،

حبيبا باقيا أريد

أنا ذرة شمسا سرمدا أريد.

أنا لا شيء ومن غير شيء، الموجودات كلها أريد.

*  *  *

لا تدعني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.

إذ لما حجبت الغفلة أنوار الحق،

رأيت الأشياء والدنيا أعداء ضارين

ذقت اللذائذ، ولكن وجدت الألم في زواله.

أما الوجود، فقد لبسته،

آه لا تسل كم عانيت من الألم في العدم.

إن قلت الحياة، فقد رأيتها عذابا في عذاب.

نعم! لما استتر نور الحق عني،

إذ بالعقل يتحول عقابا، ورأيت البقاء بلاء، والكمال هباء،

والعمر ذهب أدراج الرياح.

نعم ! بدونه، انقلبت العلوم أوهاما.

وأصبحت الحكم أسقاما، والأنوار ظلمات، والحياء أمواتا،

والأشياء أعداء.

ولمست الضر في كل شيء.

والآمال انقلبت آلاما.

والوجود هو العدم بعينه. وصار الوصال زوالا.

والألم يعصرني مما لا بقاء فيه.

نعم! إن لم تجد الله فالأشياء كلها تعاديك

أذى في أذى، بل هو عين الأذى.

وإن وجدت الله،

فلن تجده إلا في ترك الأشياء.

فرأيت بذلك النور: الجنة في الدنيا،

وبدت الأموات أحياء.

ورأيت الأصوات أذكارا وتسابيح.

والأشياء مؤنسة، واللذائذ في الآلام نفسها.

والحياة أصبحت مرآة تعكس أنوار الحق.

والبقاء رأيته في الفناء.

والذرات تلهج بالذكر.

يقطر من ألسنتها وتتفجر من عيونها،

شهد شهادة الحق.]

وفي كل شيء له آية                 تدل على أنه واحد

اعلم! يا من يتوهم اللذة والسعادة الدنيوية في الغفلة وفي عدم التقيد بالدين"[4].

 وتكاد هذه الصورة القاتمة تذهب بلب العقل الكلي الإنساني، وتهوي به في براثين الشقاء والنحس والتعاسة، بل إن الكل اليوم يتشوف إلى السعادة على أنها حلم مفقود لا يكاد يحلم به أحد حتى يصحو على نقيضه، ولا يفكر فيه حتى يعترض عليه واقعه، ولا يكاد يراه حتى يغيب عنه، ولا يقبض عليه حتى يتفلت منه. فما السبيل إلى السعادة إذن؟ وهل ما نراه سعادة هو السعادة فعلا؟ وهذا السؤال الثاني ينبغي أن يوضع قبل الأول.

فهل السعادة مال فيكون قارون ومن على شاكلته في واقعنا من البورجوازيين سعداء.

وهل السعادة عافية في الأبدان ليكون أصحاب كمال الأجسام مثالا للسعادة.

وهل السعادة سلطة ليكون القادة السياسيون مثالا لها.

إن الواقع يكذب ذلك فالسعادة لا تعدو أن تكون طريقة في التفكير ونمطا في العيش ومنهجا في الحياة، والسعادة إن تمت بقليل من المال فلا حاجة إلى كثيره وإن تمت بدونه فلا حاجة إليه، و كم من فقير يضحك ملء فيه وكم من غني لا يجد إلى الضحك سبيلا.

والسعادة أيضا ليست بالمنصب الاجتماعي ولا بالمستوى الثقافي ولا بالوظيفة ولا بالصحة حتى، فكم من عليل سقيم ومعاق لا تفارق الابتسامة محياه، وكم من صحيح في بدنه ساخط على حظه.

ولو أردنا أن نوضح أكثر فسيتضح الأمر مع السؤال الآتي: هل السعادة مطلب روحي نفسي عقلي أم مطلب مادي بدني مالي شهوي؟

العلاقة بين السعادة والكمال

يربط المرحوم بديع الزمان بين السعادة والكمال، بموضوعية عقلية ووسطية لطيفة، فالسعادة عنده ثمرة الكمال يقول:

"للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا له، حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[5]

وهذا يعني أن السعادة ليست مجرد تمثل سطحي ظاهري ولكنها معنى عميق يقوم في العقل والنفس والروح، يتجسد عمقه في الايمان بالله والمعرفة بمراتب الموجودات. وغير ذلك من مظاهر السعادة لا يعدو أن يكون مجرد سعادة وهمية، يقول سعيد في رسم هذا المعنى:

"إن الذين يجعلون غاية هذه الحياة محصورة في: "عيش برفاه، وتمتع بلذة، وتنعم بهوى" إنما يستخفون – بجهالة ممقوتة – هذه النعمة الغالية الكبرى: نعمة الحياة وهدية الشعور، وإحسان العقل ويحقرونها وينكرونها بل يكفرون بها فيرتكبون كفرانا عظيما، وإثما مبينا"[6].

ويقول أيضا: "الإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات وغرق في الكائنات، وأخذ حب الدنيا حتى غره تبسم الفانيات وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.

ولكن إذا ما رفع هذا الإنسان رأسه واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان من لسان القرآن، وتوجه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا"[7].

فالسعادة تقوم على عدة كمالات ؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

فنحن إن تصورنا الكمال الإنساني تصورا صحيحا وسعينا إليه سعيا حثيثا سليما أدركنا السعادة ولتوضيح ذلك لا بد من الوقوف على معنى الانسان الكامل أو الكمال الإنساني وتجلياته عند بديع الزمان.

مفهوم الإنسان في كليات رسائل النور

يعرف النورسي الإنسان من خلال فطرته تارة ومن خلال طبيعته تارة أخرى ومن خلال وظيفته والغاية من خلقه أحيانا فهو:

" ثمرة شجرة الخلقة أبعد شيء عن البذرة وأجمع لخصائص الكل"[8]

"إن الانسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة وأجمعها وألطفها، لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية"[9]

وهو "أكرم ضيف في قصر الكون"[10].

فهذه النصوص تظهر مكانة الإنسان بين المخلوقات الأخرى، وتوضح اختيار سعيد النورسي في تفضيل النوع الإنساني على الملائكة، وهذا اختلاف قديم تناوله المفسرون والمتكلمون أثناء تطرقهم لآيات سجود الملائكة لآدم[11]

فهذه العناية في الإبداع والصنع لا تنفك عن الوظيفة المناطة به فهو:

" أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر"[12].

والإنسانية عند بديع الزمان تنقسم إلى صغرى وكبرى وترادفها الحقة، فالصغرى هي ما تنتجه المدنية أو الحضارة البشرية أما الكبرى فهي الإسلام قال رحمه الله: "إن الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى سيسطع كالشمس في رابعة النهار، في سماء المستقبل، وعلى جنان آسيا"[13]. ويقول أيضا:  "إن الحاكم على الدهر، وعلى طبائع البشر، إلى يوم القيامة، هو حقيقة الإسلام، التي هي تجلي العدالة الأزلية في عالم الكون، والتي هي الإنسانية الكبرى، وما محاسن المدنية التي هي الإنسانية الصغرى إلا مقدمة لها"[14].

والإنسان هو الفهرست الكوني لتجليات الأسماء الحسنى، لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته، واستخلافه في الأرض لعبادة الله الواحد الأحد.

وقوله: الإنسان هو الفهرست الكوني الجامع، أي الجامع لكل الخصائص الموجودة في الكون فهو بمثابة صورة مصغرة للعالم الكبير وهذا فيه دلالة على جامعية الإنسان وشموليته الخلقية، قال رحمه الله:" كما أن الإنسان عالم صغير، كذلك العالم إنسان كبير. فهذا الإنسان يمثل خلاصة الإنسان الكبير وفهرسه. فالنماذج المصغرة في الإنسان لا بد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودة في الإنسان الأكبر بالضرورة"[15].

وقال أيضا:" لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون، فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم، إذ كما أن دماغ الإنسان- الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي­­- وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون، يكشف عنها ويبثها أيضا، فإن قلب الإنسان كذلك هو محور لما في الكون من حقائق لا تحد، ومظهر لها، بل هو ذاتها"[16].

وهذه الصورة التي رسمها لنا النورسي تنم على منطق التوازي والتماثل الموجود بين الكون والإنسان بل إن النورسي دائما يستحضر جسدية الكون فيجعل له روحا وعقلا وقلبا وجسدا كما للإنسان تماما، فالإنسان عالم قائم بذاته يشبه في تنظيمه وأسراره الكون بأسره.‏

أتزعم أنك جرْم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبرُ.‏

 فيقول:

"نعم، كما أن الحياة هي خلاصة مترشحة من هذا الكون والشعور والحس مترشحان من الحياة، فهما خلاصتها، والعقل مترشح من الشعور والحس، فهو خلاصة الشعور، والروح هي الجوهر الخالص الصافي للحياة، فهي ذاتها الثابتة المستقلة كذلك الحياة المحمدية المادية والمعنوية مترشحة من روح الكون والرسالة المحمدية كذلك مترشحة من حس الكون وشعوره وعقله. فهو أصفى خلاصته.

بل إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم المادية والمعنوية بشهادة آثارها حياة لحياة الكون. والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له. والوحي القرآني بشهادة حقائقه الحيوية روح لحياة الكون وعقل لشعوره أجل.

فإذا ما فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون لجن جنونه ولفقدت الكرة الأرضية صوابها، ولزال عقلها ولظلت دون شعور ولاصطدمت بإحدى سيارات الفضاء ولقامت القيامة"[17].

- الإنسان هو العاكس الأتم للأسماء الحسنى. وذلك بما وهب من صفات نسبية تستمد من صفات الله المطلقة كالعلم والقدرة والبصر والسمع والتملك والحاكمية..[18]

- الإنسان ساع لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته.

- الإنسان في سيره إلى الله وعبادته راجع إلى ما فطره الله عليه[19].

نعم: إن الإنسانية: هي الفطرة التعبدية لدي الإنسان، ببعدها الكوني الشامل، واستعداداتها التفكرية لتذوق الإيمان.

الكمال الإنساني

لا بد أن نميز ابتداء بأن المقصود هو الكمال في صورته الانسانية، ذلك أن الكمال الإلهي لا سبيل لتحقيقه، وقد تفرد به الحق سبحانه وتعالى، ومن نازعه فيه آل إلى أقصى دركات النقص، وانحط عن درجة العجماوات. فهناك كمال إلهي وكمال الملائكة وكمال الانسان وكمال الحيوان، ولا بد من التمييز بين كل ذلك، فكمال الإله مطلق وكمال الملك في الطاعة، ولذلك كان الملائكة المقربون. وكمال الحيوان في بدنه، وجمع الإنسان كل ذلك، مستمدا كماله من الكمال الإلهي وعاكسا لأسماءه الحسنى، إلا أن كماله كمال عبودية، وكمال الله كمال ربوبية وألوهية.

يذكر الفخر الرازي بأن التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة من وجه شريرة من وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران أحدهما الناطق الذي لا يكون مائتاً وهو الملك والآخر المائت الذي لا يكون ناطقاً وهم البهائم"[20].

وقد حصر العلماء الكمالات الإنسانية في ثلاثة أبعاد كبرى، بعد روحي وبعد عقلي وبعد بدني. وكل بعد له فروع واختص الإنسان كل فرع بعلم أجمل فيه قواعد الكمال، فقيل : العلوم عشرة علم التوحيد للأديان، وعلم السر لرد الشيطان، وعلم المعاشرة للإخوان، وعلم الشريعة للأركان، وعلم النجوم للأزمان، وعلم المبارزة للفرسان، وعلم السياسة للسلطان، وعلم الرؤيا للبيان، وعلم الفراسة للبرهان، وعلم الطب للأبدان، وعلم الحقيقة للرحمن. فكل علم يكمل جانبا من جوانب الإنسان. فكمال الدين في التوحيد، وكمال الفارس في قوة المبارزة وكمال البدن في علم الطب... وقد جمع الحديث النبوي بعض هذه الجوانب كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها "[21] .

- قال بديع الزمان: "للإنسان لطائف كثيرة جدا، كالقلب، منها العقل والروح والسر. كل لطيفة منها مكلفة بوظيفة، ومأمورة للقيام بعمل خاص بها. فالإنسان الكامل: هو – كالصحابة الكرام – يسوق جميع تلك اللطائف إلى مقصوده الأساس، وهو عبادة الله. فيسوق القلب –كالقائد- كل لطيفة منها، ويوجهها نحو الحقيقة، بطريق عبودية خاص بها. عند ذلك تسير الكثرة الكاثرة من اللطائف جنودا في ركب عظيم، وفي ميدان واسع فسيح، كما هو لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم"[22]

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف : كل ميسر لما خلق له[23]. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قيمة المرء ما يحسن[24].وفي هذه النصوص تظهر علاقة السعادة بالاستعدادات والميولات الفطرية لدى الإنسان "للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا لهن حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[25]. كما أن "ذروة الكمال الإنساني، إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية، السامية، المفصلة، والمبرهنة، النابعة من الإيمان التحقيقي"[26].

- ولذلك كان "الصحابة الكرام هم في قمة الكمال الإنساني، حيث إن التحول العظيم الذي أحدثه الإسلام في مجرى الحياة في ذلك الوقت، سواء في المجتمع أو في الفرد، قد أبرز جمال الخير والحق، وأظهر نصاعتها الباهرة"[27]

وقد حدد بديع الزمان طرق الوصول إلى الكمال فقال: "إن أصول العروج إلى عرش الكمالات –وهو معرفة الله عز وجل – أربعة:

- أولها: منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس، والسلوك الإشراقي.

- ثانيها: طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان (...)

- ثالثها: مسلك الفلاسفة.

هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات، والأوهام.

- رابعها: المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان. ونحن قد اخترنا هذا الطريق، وهو نوعان:

- الأول: دليل العناية : (...) وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل، مما يثبت قصد الصانع وحكمته وبنفي وهم المصادفة (...)

- الدليل القرآني الثاني: دليل الاختراع. وخلاصته أن الله تعالى قد أعطى كل فرد، وكل نوع، وجودا خاصا، هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة فلا نوع يتسلسل إلى الأزل"[28]. وقال أيضا عن هذا الأصل الأخير: "إذا ربى الإنسان بذرة استعداده وسقاها بماء الإسلام وغذاها بضياء الإيمان تحت تراب العبودية موجها أجهزتها المعنوية نحو غاياتها الحقيقية بامتثال الأوامر القرآنية فلا بد أنها ستنشق عن أوراق وبراعم وأغصان تمتد فروعها وتتفتح أزاهيرها في عالم البرزخ وتولد في عالم الآخرة وفي الجنة نعما وكمالات لا حد لها"[29].

والكمال كما يقول الرازي: لا ينال بالأعمال الجسدانية بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور[30]، فالكمال إذن كامن في النفس وكذا العقل فهما من أعلى مراتب الكمال الانساني، كما ذكر القاضي عياض في مادة "كمل" الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ك م ل ) قوله كمل من الرجال كثير يقال بفتح الميم وضمها وكسرها ثلاث لغات أي انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال دون نقص وقيل كمل في العقل إذ قد وصف النساء بنقص ذلك[31].

السعادة عند النورسي

يميز النورسي في السعادة بين سعادة دنيوية وسعادة أبدية أو سعادة عاجلة وآجلة ويعتبر السعادة الأبدية سعادة الدارين وهي الأصل فالسعادة شجرة ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها الإيمان بالله، والدار الآخرة.

ومن عنده أَدب جم، وذوق سليم وخلق شريف، أسعد نفسه وأسعد الناس، ونال صلاح البال والحال[32].

ويربط النورسي السعادة بسيد البشرية باعتباره موجها إليها ودالا عليها، عندما يقول: "فإن قلت : من هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسا للكون، كاشفا بدينه عن كمالات الكائنات، وما يقول؟ قيل لك: انظر واستمع ما يقول، ها هو يخبر عن سعادة أبدية ويبشر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها. وهو دلال محاسن سلطنة الربوبية ونظارها، وكشاف مخفيات كنوز السماء الإلهية ومعرفها.

فانظر إليه من جهة وظيفته، تره برهان الحق وسراج الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.

ثم انظر إليه من جهة شخصيته تره مثال المحبة الرحمانية، وتمثال الرحمة الربانية، وشرف الحقيقة الإنسانية، وأنور أزهر ثمرات شجرة الخلقة"[33]

ويضيف في نفس السياق: "اعلم أن هذا الشخص، المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حق بدرجة حقانية التوحيد... كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية، بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها ... كذلك هو بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة ووسيلة إيجادها"[34].   

ويعتبر سعادة الفرد على قدر كماله، ولذلك فاق رسول الله الانبياء والبشرية جمعاء في السعادة وفي الدعوة إليها جاء في مفاتيح الغيب كلام ينسبه الرازي إلى الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله، وحاصله أن الإنسان إما أن يكون ناقصاً أو كاملاً أو خالياً عن الوصفين، أما الناقص فإما أن يكون ناقصاً في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره وإما أن يكون ناقصاً ويكون مع ذلك ساعياً في تنقيص حال الغير فالأول هو الضال والثاني هو الضال المضل وأما الكامل فإما أن يكون كاملاً ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء وإما أن يكون كاملاً ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين، وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة وذلك مثل روح محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءاً من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس وقبح مذاهبهم 

ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ومن التجسيم إلى التنزيه ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة إذا عرفت هذا فنقول قوله ﴿وَمَا لَنَا أَن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾[35] إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم وقولهم في آخر الأمر ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَلِ المُتَوَكِلُون﴾ إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن فمن نظر في علم القرآن وكان غافلاً عنها كان محروماً من أسرار علوم القرآن والله أعلم[36].

فيا للعجب! ما يطلب هذا الذي قام على الأرض وجمع خلفه جميع الأنبياء، أفاضل بني آدم، ورفع يديه متوجها إلى العرش الأعظم ويدعو دعاء المؤمن عليه الثقلان، ويعلم من شؤونه أنه شرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، وفخر هذه الكائنات في كل آن، ويستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عين ما يطلب هو. فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضاء. فلو لم يوجد مالا يعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات – المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة – على وجود الاخرة، وكذا جميع الأسماء القدسية، أسبابا مقتضية لها، لكفى دعاء هذا الشخص النوراني لأن يبني ربه له وأبناء جنسه الجنة.[37]    

كما يربط النورسي بين السعادة والفطرة والنظام والتوازن، فيقول: "إن عدم الإسراف في الفطرة، الثابت بشهادة علم منافع الأعضاء ولا سيما أن العالم الأصغر – الإنسان – يدل على عدم الإسراف في الاستعدادات المعنوية للإنسان وآماله وأفكاره وميوله. وهذا يعني أنه مرشح للسعادة الأبدية.

نعم! لولا السعادة الأبدية لتقلصت كل المعنويات وضمرت وذهبت هباءا منثورا. فيا للعجب، إن كان الاهتمام والعناية بغلاف جوهر الروح – وهو الجسد – إلى هذه الدرجة، حتى يحافظ عليه من وصول الغبار إليه، فكيف تكون العناية بجوهر الروح نفسه؟ وكيف يمحى ويفنى إذن؟ كلا .... بل العناية بالجسد إنما هي لأجل تلك الروح".[38]

كما يربط بين السعادة والإسلام، ويستدل على ذلك بشهادة غير المسلمين كبسمارك فنراه يقول: -المثال الثاني- هو الأمير بسمارك الذي يعتبر من أشهر رجال الفكر في تاريخ أوروبا الحديث، يقول هذا الفيلسوف: " لقد درست الكتب السماوية بإمعان، فلم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية، وذلك للتحريف الذي حصل فيها. ولكني وجدت قرآن محمد صلى الله عليه وسلم يعلو على سائر الكتب، وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة. وليس هناك كتاب يحقق سعادة البشرية مثله. ولا يمكن أن يكون كتاب كهذا من كلام البشر. فالذين يدعون أن هذه الأقوال أقوال محمد صلى الله عليه وسلم يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية، أي أن كون القرآن كلام الله أمر بديهي"[39]، ويعقب النورسي على مجموع استدلالاته بالقول: أفلا تنتج المقدمات التي أسلفنا ذكرها حتى الآن: أن الإسلام وحده سيكون حاكما على قارات المستقبل حكما حقيقيا ومعنويا وأن الذي سيقود البشرية إلى السعادتين الدنيوية والأخروية ليس إلا الإسلام والنصرانية الحقة المنقلبة إلى الإسلام والمتفقة معه والتابعة للقرآن بعد تحررها من التحريفات والخرافات.[40]

كما يربط بين السعادة والإيمان فيقول: "فالإنسان الذي يظفر بالإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائنات ويتخلص من ضيق الحوادث، مستندا إلى قوة إيمانه فيبحر متفرجا على سفينة الحياة في خضم أمواج  الأحداث العاتية بكمال الأماني والسلام: قائلا: توكلت على الله ويسلم أعباءه الثقيلة أمانة إلى يد القدرة للقدير المطلق، ويقطع بذلك سبيل الدنيا مطمئن البال في سهولة وراحة حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفع طائرا إلى الجنة للدخول على السعادة الأبدية"[41]. والإيمان الذي يقصده النورسي إيمان يصدقه العمل.

"فالإيمان إذن يقتضي التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين"[42].

مراتب السعادة

إن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى[43]، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث نفسانية وبدنية وخارجية وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث السعادات النفسانية وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا "[44].

وانظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى[45] فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ[46]  وقال: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا[47] ثم إنه أول ما أوحى إليه قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ[48]  ثم قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ[49]، وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً يقول أرنا الأشياء كما هي فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة فمنها الحياة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[50] وثانيها الروح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا[51] وثالثها النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ[52] وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ[53] فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية وقال يوسف ﴿اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [54] ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح وأيضاً فقد جاء في الخبر   ( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) إن تكلم تكلم بلسانه وإن قاتل قاتل بجنانه قال الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده             فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

علامات السعادة

 - الطهارة : استمدها الرازي انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ[55]  واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة[56]

- المسارعة إلى الأعمال الصالحة : والواجب على العبد أن يسارع إلى الأعمال الصالحة فإنها من علامات السعادة والتأخير وطول الأمل من علامات الشقاوة[57]

- تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة : وقال أبو على الحسن بن علي الجوزجاني من علامات السعادة على العبد تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة في أفعاله وصحبته لأهل الصلاح وحسن أخلاقه مع الإخوان وبذل معروفه للخلق واهتمامه للمسلمين ومراعاته لأوقاته[58]

- التفقه في الدين : ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[59] وما ذاك إلا لأن الفقه في الدين، يحفز العبد على القيام بأمر الله وخشيته، وأداء فرائضه، والحذر من مساخطه، ويدعوه إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنصح لله ولعباده.

وغير هذه العلامات كثير وكان بودنا أن نذكر أسباب السعادة وموانعها لولا ضيق المقام، ولكنني سأحرص على تتبعها من خلال رسائل النور تتبعا استقرائيا.

خاتمة

نختم فنقول: السعادة تقوم على عدة كمالات؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

والسعادة دين يتبعه عمل، ويصحبه حمل النفس على المكاره، وجبلها على تحمل المشاق والمتاعب، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلد، والسعيد من آثر الباقي على الفاني وبمفهوم سعيد النورسي من آثر السعادة الأبدية على السعادة الدنيوية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً[60]. ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ[61].

إن السعادة هي الرضا بالله والقناعة بالمقسوم والثقة بالله واستمداد المعونة منه، من ذاق طعم الإيمان ذاق طعم السعادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا)[62].

وفي الأخير أقول إن سعادة البشرية هي سعادة كلية وكليتها في كلية أجزائها وأفرادها، بمعنى أنها تبنى على سعادة الأفراد فلا سعادة لمجتمع أغلب أفراده يعيشون في الشقاء والجهل والضلال والبؤس. وهذه السعادة لاتصدر إلا عن عقل كلي وتوجيه رباني ولذلك أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.

 

---------------------------------

لائحة المصادر والمراجع

- ابن الحاج، المدخل، دار الفكر، ط2، 1977م.

- ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة، مكتبة الخانجي، ط2. 1994م.

- أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث القاهرة، ط1، 2000م.

- أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، المجلد الثامن الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

- إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلواتي، ت 1127هـ، روح البيان، ضبط وتصحيح وتخريج عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003م.

- الفخر الرازي، محمد الرازي فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار الفكر، لبنان، ط1، 1981م.

- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار في شرح غريب الحديث، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.

- القرآن الكريم.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الإيمان وتكامل الإنسان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الثمرة من شجرة الإيمان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2. 2001م.   

- بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المثنوي العربي النوري. ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الحشر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الشكر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- صحيح البخاري

- صحيح مسلم.

- عائض القرني: " لا تحزن"، مكتبة العبيكان، الرياض، ط3 لجمهورية مصر العربية سنة 2005م.

- فريد الأنصاري، مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور ، دار النيل ط1، 2010.

 

 

---------------------------------

[1] - أقول هذا الكلام لأن النصوص التي وردت في هذا الشأن كثيرة ولا يستوعبها إلا بحث مستقل.

[2] -  مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور للدكتور فريد الأنصاري، دار النيل ط1 ص245.

[3] - هذا الكلام مقتبس من المدخل لابن الحاج، دار الفكر، ط2، 1977،  3/63-64.

[4] - المثنوي العربي النوري، ص289-290.

[5] - المكتوبات ص 593

[6] - رسالة الشكر، انظر غلاف الكتاب

[7] - الثمرة من شجرة الإيمان انظر غلاف الكتاب

[8] - الكلمات، ص 418.

[9] - الكلمات، ص 204.

[10] - الشعاعات، ص 272.

[11] - لولا مخافة الطول لأوردنا أقوال العلماء في ذلك.

[12] - نفسه، نفس ص.

[13] - صيقل الإسلام ص 49-50.

[14] - صيقل الإسلام ص 51-52

[15] - اللمعات، ص 127.

[16] - المكتوبات، ص 571.

[17] - رسالة الحشر

[18] - انظر مفاتيح النور للمرحوم فريد الأنصاري، ص 114.

[19] - راجع كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي، مجلد الكلمات والشعاعات، وراجع مفاتيح النور المعجم الشامل للكليات للدكتور فريد الأنصاري، مصطلح الإنسان.

[20] - مفاتيح الغيب 2/251.

[21] - مسند الحميدي رقم 439، و إتحاف السادة المتقين للزبيدي 9/87 و 273. نقلا عن موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، المجلد الثامن ص95 الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

[22] - الكلمات ص 582.

[23] - رواه مسلم في كتاب القدر من حديث مطرف عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله اعلم اهل الجنة من اهل النار فقال نعم قال ففيم يعمل العاملون قال: كل ميسر لما خلق له.

[24] - انظر ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة مكتبة الخانجي، ط2، ص 200. والنص أورده الجاحظ في البيان والتبيين ضمن مقاطع من كلام البلغاء.

[25] -  المكتوبات ص 593

[26] - الملاحق ص 278.

[27] - الكلمات ص 573.

[28] - صيقل الإسلام ص 122-124.

[29] - الإيمان وتكامل الإنسان. ص40

[30] - مفاتيح الغيب، 10/108 .

[31]- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار دار الكتب العلمية ط1/2002 ص1/554. الحديث أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 32-36. ومسلم في فضائل الصحابة حديث 70.

[32] - عائض القرني: " لا تحزن"

[33] - المثنوي العربي النوري، ص .59.

[34] - المثنوي العربي النوري، ص 62.

[35] - إبراهيم : 15

[36] - مفاتيح الغيب 19/99-100 المجلد العاشر.

[37] - المثنوي العربي النوري، ص 63.

[38] - صيقل الإسلام، ص 160.

[39] - صيقل الإسلام، ص 498.

[40] - صيقل الإسلام، ص 499.

[41] - الكلمات ص 352.

[42] - الكلمات، 353

[43] - مفاتيح الغيب. 6/8.

[44] -  مفاتيح الغيب. 7/71-72.

[45] - الضحى 7-8

[46] - الشورى 52

[47] - هود 49

[48] - العلق 1

[49] - النساء 113

[50] - الأنعام 122

[51] - الشورى 52

[52] - النور 35

[53] - البقرة 247

[54] - يوسف 55

[55] - المطففين:  

[56] - مفاتيح الغيب  31/98. المجلد السادس عشر.

[57] - روح البيان 3/64

[58] - الاعتصام 1/70.

[59] - أخرجاه في الصحيحين، من حديث معاوية رضي الله عنه.رقم الحديث في صحيح البخاري 1237.

[60] - مريم:96

[61] - الحج:32

[62] - رواه مسلم [62]