Most Read in the Category of قطرات نورية

1-) أعدى عدوك نفسك

بسم الله الرحمن الرحيم

(ان النفس لأمّارة بالسوء) (يوسف: 53)

والحديث الشريف: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)(1).

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

أعدى عدوك نفسك.

نكتة من نكات الآية الكريمة: (ان النفس لأمّارة بالسوء)

نعم!ان الذي يحب نفسه الامارة بالسوء - غير المزّكاة - ويعجب بها، هو في الحقيقة لايحب أحداً غيرها، وحتى لو ابدى للغير حباً فلا يحبه من صميم قلبه، بل ربما يحبه لمنافعه، ولما يتوقع منه من متاع. فهو في محاولة دائمة لتحبيب نفسه للآخرين وفي سعي متواصل لأثارة اعجابهم به، يصرف كل قصورٍ عن نفسه فلا يحمّلها اي نقص كان، بل يدافع دفاع المحامي المخلص لإبراء ساحتها، ويمدحها بمبالغات بل بأكاذيب لينزّهها عن كل عيب او قصور، حتى يقربها الى التقديس، بل يبلغ به الامر ان يكون مصداق الآية الكريمة (من أتخذ ألهه هواه) (الفرقان:43) عندها تتوالى عليه صفعات هذه الآية الكريمة - حسب درجته - فينقلب مدحُه الى إعراض الناس عنه، ويتحول تحبيب نفسه اليهم الى استثقالهم له، فيجد عكس ما كان يروم، فضلاً عن أنه يضيّع الاخلاص، لما يخلط من رياء وتصنع في اعماله الأخروية، فيكون مغلوباً على أمره امام شهواته وهواه ومشاعره، تلك التي لاتبصر العقبى ولاتفكر في النتائج والمغرمة بالتلذذ الآني. بل قد تبرر له اهواؤه الضالة اموراً يرتكبها لاجل متعة لاتدوم ساعة يفضي به ان يلقى في السجن لسنة كاملة. وقد يقاسي عشر سنوات من الجزاء العادل لاجل تسكين روح الثأر لديه وشهوة الغرور التي لا تستغرق دقيقة واحدة. فيكون مثله كمثل ذلك الطفل الابله الذي لايقدر قيمة جزء المصحف الشريف الذي يتلوه ويدرسه فيبيعه بقطعة حلوى رخيصة، اذ يصرف حسناته التي هي اغلى من الالماس ويبدلها بما يشبه في تفاهتها قطع الزجاج، تلك هي حسياته وهواه وغروره. فيخسر خسارة جسيمة فيما كان ينبغي له ان يربح ربحاً عظيماً.

اللهم احفظنا من شر النفس والشيطان ومن شر الجن والانس.(*)

 

____________________

(1) اعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك«، رواه البيهقي في الزهد باسناد ضعيف وله شاهد من حديث أنس..والمشهور على الالسنة: اعدى عدوك..إهـ (كشف الخفاء 1/143) قال العراقي في تخريج الاحياء (كتاب عجائب القلب): اخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان احد الوضاعين.إهـ وقال الزبيدي في شرح الاحياء 7/206تعقيباً على العراقي: ووجدتُ بخط ابن حجر ما نصّه: وللحديث طرق اخرى غير هذه من حديث أنس.

(*) اللمعة الثامنة والعشرون - ص: 447

 


2-) اللطائف العشر

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان اللطائف العشر لدى الامام الربانى هى: القلب، الروح، السر، الخفي، الاخفى، ولكل عنصر من العناصر الاربعة في الانسان لطيفةانسانية بما يناسب ذلك العنصر. وقد بحث اجمالاً عن رقي كل لطيفة من تلك اللطائف واحوالها في كل مرتبة من المراتب اثناء السير والسلوك.

اننى ارى: ان في الماهية الانسانية الجامعة، وفي استعداداتها الحياتية، لطائف كثيرة، ولكن اشتهرت عشرة منها. وقد اتخذ الحكماء والعلماء الظاهريون تلك اللطائف العشر ايضاً وبصورة اخرى اساساً لحكمتهم، كالحواس الخمس الظاهرية والخمس الباطنية كنوافذ تلك اللطائف العشر او نماذجها.

وللطائف العشر الانسانية علاقة مع اللطائف العشر لدى اهل التصوف -كما هو متعارف بين العوام- فمثلاً: الوجدان، الاعصاب، الحس، العقل، الهوى، القوة الشهوية، القوة الغضبية وامثالها من اللطائف اذا اضيفت الى القلب والروح والسر تظهر اللطائف العشر في صورة اخرى.

وهناك لطائف كثيرة غير هذه المذكورة، كالسائقة والشائقة والحس المسبق -قبل الوقوع- فلو كتبت الحقيقة حول هذه المسألة، لطالت. لذا اضطررت الى الاقتضاب لضيق الوقت.(*)

_____________

(*)كليات رسائل النور – ملحق بارلا...ص:89


3-) الصدق اساس الاسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

1)قال الله تعالى : " إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " [غافر:28]

2) وقال تعالى :"إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُون" [النحل:105]

1)عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً )) الصحيحين صحيح البخاري / كتاب الأدب/ باب ‏قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا‏/ حديث رقم : 5629 صحيح مسلم / كتاب البر والصلة والآداب / باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله / حديث رقم : 4719

2)وعن صفوان بن سليم ، قال: « قيل: يا رسول الله: أيكون المؤمن جبانا؟ قال: "نعم" قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: "نعم" قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: "لا » . رواه المنذري في (باب: الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب) من كتابه [الترغيب والترهيب] جزء 4 ...  ورواه مالك مرسلا، وهو كما قال المنذري : حديث مرسل،

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الصدق اساس الاسلام

لقد علمتني زبدة تتبّعاتي وتحقيقاتي في الحياة بتمخض الحياة الاجتماعية أن:

"الصدق" هو أس اساس الاسلام، وواسطة العِقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية. فعلينا اذاً أن نحيي الصدق الذي هو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية في نفوسنا ونداوي به امراضنا المعنوية.

اجل!ان الصدق هو عقدة الحياة في حياة الاسلام الاجتماعية. أما الرياء فهو نوع من الكذب الفعلي، وأما المداهنة والتصنع فهو كذب دنئ مرذول. أما النفاق فهو كذب ضار جداً.والكذب نفسه انما هو افتراء على قدرة الصانع الجليل.

ان الكفر بجميع انواعه كذب. والايمان انما هو صدق وحقيقة. وعلى هذا فالبون شاسع بين الصدق والكذب بُعدَ ما بين المشرق والمغرب. وينبغي ان لا يختلط الصدق والكذب اختلاط النور والنار، ولكن السياسة الغادرة والدعاية الظالمة قد خلطتا احدهما بالآخر. فاختلطت كمالات البشرية ومثلها بسفسافها ونقائصها[1].

ان الصدق والكذب بعيدان احدهما عن الآخر بُعد الكفر عن الايمان. فان عروج محمد صلى الله عليه وسلم في خير القرون الى اعلى عليين بوساطة الصدق وما فتحه من كنوز حقائق الايمان واسرار الكون.. جعل الصدق أروَجَ بضاعة واثمن متاع في سوق الحياة الاجتماعية. بينما تردّى مسيلمة الكذاب وامثاله الى اسفل سافلين بالكذب؛ اذ لما حدث ذلك الانقلاب العظيم في المجتمع تبين ان الكذبَ هو مفتاح الكفر والخرافات، وأفسدُ بضاعة واقذرها. فالبضاعة التي تثير التقزز والاشمئزاز لدى جميع الناس الى هذا الحد لا يمكن ان تمتد اليها يدُ أولئك الذين كانوا في الصف الاول من ذلك الانقلاب العظيم، اولئك الصحابة الكرام الذين فُطروا على تناول اجود المتاع واثمنه وافخره، وحاشاهم ان يلوثوا ايديهم المباركة بالكذب ويمدوها عمداً الى الكذب ويتشبّهوا بمسيلمة الكذاب. بل كانوا بميولهم الفطرية السليمة وبكل ما اوتوا من قوة في طليعة المبتاعين للصدق الذي هو أروج مال واقوم متاع بل هو مفتاح جميع الحقائق ومرقاة عروج محمد صلى الله عليه وسلم الى اعلى عليين. ولأن الصحابة الكرام قد لازموا الصدق ولم يحيدوا عنه ما امكنهم ذلك فقد تقرر لدى علماء الحديث والفقه "ان الصحابة عدول، رواياتهم لا تحتاج الى تزكية، كل ما رووه من الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح". فهذه الحقيقة المذكورة حجة قاطعة على إتفاق هؤلاء العلماء.

وهكذا فان الانقلاب العظيم الذي حدث في خير القرون ادّى الى أن يكون البون شاسعاً بين الصدق والكذب كما هو بين الكفر والايمان. الاّ أنه بمرور الزمن قد تقاربت المسافة بين الصدق والكذب، بل اعطت الدعايات السياسية احياناً رواجاً اكثر للكذب. فبرز الكذب والفساد في الميدان واصبح لهما المجال الى حدٍ ما.

وبناءً على هذه الحقيقة فان احداً من الناس لايمكن ان يبلغ مرتبة الصحابة الكرام.

نكتفي هنا بهذا القدر ونحيل القارئ الكريم الى رسالة الصحابة التي هي ذيل الكلمة السابعة والعشرين رسالة "الاجتهاد".

ايها الاخوة في هذا الجامع الاموي ويا اخوتي الاربعمائة مليوناً من المؤمنين بعد اربعين عاماً في جامع الاسلام الكبير.

لا نجاة الاّ بالصدق، فالصدق هو العروة الوثقى، أما الكذب للمصلحة فقد نَسخَه الزمان، ولقد أفتى به بعض العلماء "مؤقت" للضرورة والمصلحة، الاّ أن في هذا الزمان لا يعمل بتلك الفتوى. إذ اُسئ استعماله الى حد لم يعد فيه نفعٌ واحد الاّ بين مئةٍ من المفاسد. ولهذا لا تُبنى الاحكام على المصلحة.

مثال ذلك: ان سبب قصر الصلاة في السفر هو المشقة، ولكن لا تكون المشقة علة القصر. اذ ليس لها حدّ معين، فقد يُساء استعمالها، لذا لاتكون العلة الاّ السفر. فكذلك المصلحة لا يمكن ان تكون علّة للكذب لأنه ليس للكذب حدّ معين، وهو مستنقع ملائم لسوء الاستعمال، فلا يناط به الحكم. وعلى هذا فالطريق اثنان لاثالث له: "اما الصدق واما السكوت" وليس الصدق او الكذب او السكوت قطعاً.

ثم ان انعدام الأمن والاستقرار في الوقت الحاضر بالكذب الرهيب الذي تقترفه البشرية وبتزييفها وافتراءاتها، ما هو إلاّ نتيجة كذبها وسوء استعمالها للمصلحة، فلا مناص للبشرية إلاّ سدّ ذلك الطريق الثالث، وإلاّ فان ما حدث خلال نصف هذا القرن من حروب عالمية وانقلابات رهيبة ودمار فظيع قد يؤدي الى أن تقوم قيامة على البشرية.

أجل!عليك ان تصدق في كل ما تتكلمه ولكن ليس صواباً ان تقول كل صدق، فاذا ما ادّى الصدق احياناً الى ضرر فينبغي السكوت. اما الكذب فلايسمح له قطعاً.

عليك ان تقول الحق في كل ما تقول ولكن لا يحق لك أن تقول كل حق، لأنه ان لم يكن الحق خالصاً فقد يؤثر تأثيراً سيئاً، فتضع الحق في غير محله.

 

________________________________________

[1] اخواني! يُفهم من هذا الدرس الذي ألقاه »سعيد القديم« قبل خمس واربعين سنة: ان سعيداً ذاك كان وثيق الصلة بالسياسة وبشؤون الاسلام الاجتماعية. ولكن حذار أن يذهب بكم الظن الى انه قد نهج اتخاذ الدين اداة للسياسة ووسيلة لها. كلا! بل كان يعمل بكل ما لديه من قوة على جعل السياسة اداةً للدين، وكان يقول:»اني افضل حقيقة واحدة من حقائق الدين على ألف قضية سياسية من سياسات الدنيا«.

نعم، لقد احسّ آنذاك - قبل ما يقارب الخمسين عاماً - ان بعض الزنادقة المنافقين يحاولون جعل الدين آلة للسياسة، فعمل هو أيضاً - بكل قوة - في مواجهة نواياهم ومحاولاتهم الفكرية تلك على جعل السياسة وسيلة من وسائل تحقيق حقائق الاسلام وخادمة لها.

بيد انه رأى بعد ذلك بعشرين سنة ان بعض الساسة المتدينين يبذلون الجهد لجعل الدين أداة للسياسة الاسلامية، تجاه جعل اولئك الزنادقة المنافقين المتسترين، الدين آلهً للسياسة بحجة التغرّب. ألا إن شمس الاسلام لن تكون تابعة لأضواء الارض ولا أداة لها. وان محاولة جعلها آلة لها تعني الحط من كرامة الاسلام ، وهي جناية كبرى بحقه حتى ان»سعيداً القديم« قد رأى من ذلك النمط من التحيز الى السياسة: ان عالماً صالحاً قد اثنى بحرارة على منافق يحمل فكراً يوافق فكره السياسي وانتقد عالماً صالحاً آخر يحمل افكاراً تخالف افكاره السياسية، حتى وَصَمَه بالفسق.فقال له» سعيد القديم«: لو ان شيطاناً أيّد فكرك السياسي لأمطرتَ عليه الرحمات، اما اذا خالف أحدٌ فكرك السياسي للعنته حتى لو كان مَلَكاً !«. لأجل هذا قال »سعيد القديم« منذ خمس وثلاثين سنة »اعوذ بالله من الشيطان والسياسة« وترك السياسة .المؤلف.

و لما كان سعيد الجديد قد ترك السياسة كلياً ولا ينظر اليها قطعاً، فقد تُرجمت هذه الخطبة الشامية لسعيد القديم التي تمس السياسة.

ثم انه لم يثبت انه استغل الدين كاداة للسياسة طوال حياته التي استغرقت اكثر من ربع قرن، وفي مؤلفاته ورسائله التي تربو على مئة وثلاثين رسالة والتي دققت بأمعان من قبل خبراء مئات المحاكم بل حتى في احلك الظروف التي تلجئه الى السياسة لشدة مضايقات الظلمة المرتدين والمنافقين، بل حتى عندما اُصدر أمر اعدامه سراً، لم يجد أحدٌ منهم اية أمارة كانت عليه حول إستغلاله الدين لأجل السياسة.

فنحن طلاب النور نرقب حياته عن كثب ونعرفها بدقائقها لا نملك انفسنا من الحيرة والاعجاب ازاء هذه الحالة، ونعدّها دليلاً على الاخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور. – طلاب النور.

صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 506

 


4-) دعوة اهل الايمان الى الاخوة والمحبة

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

(اِنَّمَا الـمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَاَصْلِحُوا بَيْنَ اَخَوَيْكُم) (الحجرات:10)

(اِدْفَعْ بِالّتـي هِـيَ اَحْسَـنُ فَاِذَا الَّـذي بَيْنَكَ وَبَيْـنَـهُ عَدَاوَةٌ كَاَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ)(فصلت: 34)

(وَالْكَاظِمينَ الْـغَــيْظَ وَالْـعَـافِينَ عَـنِ النَّاسِ والله يُحِـبُّ الْـمُحْسِنينَ)(آل عمران: 134)

 

1)عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تجسسوا, ولا تحسسوا, ولا تناجشوا, وكونوا عباد الله إخوانا ]  (2559) صحيح مسلم  وأخرجه البخاري بألفاظ وروايات متعددة.

2)عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ ‏ عَلَيْهِ ‏ وَسَلَّمَ ‏  ‏(لَا تَحَاسَدُوا وَلَا ‏ ‏تَنَاجَشُوا ‏ ‏وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا ‏ ‏تَدَابَرُوا ‏ ‏وَلَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ ‏‏ عَلَى ‏ بَيْعِ أَخِيهِ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ‏‏ الْمُسْلِمُ ‏ أَخُو ‏‏ الْمُسْلِمِ ‏ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَسْبُ امْرِئٍ ‏‏ مُسْلِمٍ ‏ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ ‏‏ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ‏ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) روى الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

دعوة اهل الايمان الى الاخوة والمحبة

ان ما يسببه التحايز والعناد والحسد من نفاق وشقاق في اوساط المؤمنين، وما يوغر في صدورهم من حقد وغل وعداء، مرفوض اصلاً. ترفضه الحقيقة والحكمة، ويرفضه الاسلام الذي يمثل روح الانسانية الكبرى. فضلاً عن ان العداء ظلم شنيع يفسد حياة البشر: الشخصية والاجتماعية والمعنوية، بل هو سم زعاف لحياة البشرية قاطبة.

سنبين "ستة اوجه" من وجوه كثيرة لهذه الحقيقة.

الوجه الاول:

ان عداء الانسان لاخيه الانسان ظلم في نظر الحقيقة.

فيا من امتلأ صدره غلاً وعداءً لاخيه المؤمن، ويا عديم المروءة! هب انك في سفينة او في دار ومعك تسعة اشخاص ابرياء ومجرم واحد. ورأيت من يحاول اغراق السفينة او هدم الدار عليكم، فلا مراء انك ـ في هذه الحالة ـ ستصرخ بأعلى صوتك محتجاً على ما يرتكبه من ظلم قبيح، اذ ليس هناك قانون يسوغ اغراق سفينة برمتها تضم مجرمين طالما فيها برئ واحد.

فكما ان هذا ظلم شنيع وغدر فاضح، كذلك انطواؤك على عداء وحقد مع المؤمن الذي هو بناء رباني وسفينة إلهية، لمجرد صفة مجرمة فيه، تستاء منها او تتضرر، مع انه يتحلى بتسع صفات بريئة بل بعشرين منها: كالايمان والاسلام والجوار..الخ.فهذا العداء والحقد يسوقك حتماً الى الرغبة ضمناً في اغراق سفينة وجوده، او حرق بناء كيانه. وما هذا الاّ ظلم شنيع وغدر فاضح.

الوجه الثاني:

العداء ظلم في نظر الحكمة، اذ العداء والمحبة نقيضان ـ كما لا يخفى ـ فهما كالنور والظلام لا يجتمعان معاً بمعناهما الحقيقي ابداً . فاذا ما اجتمعت دواعي المحبة وترجحت اسبابها فأرست اسسها في القلب، استحالت العداوة الى عداء صوري، بل انقلبت الى صورة العطف والاشفاق، اذ المؤمن يحب اخاه، وعليه ان يوده، فأيما تصّرف مشين يصدر من اخيه يحمله على الاشفاق عليه، وعلى الجد في محاولة اصلاحه باللين والرفق دون اللجوء الى القوة والتحكم. فقد ورد في الحديث الشريف:

(لا يحل لمسلم ان يهجر اخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)[1]

اما اذا تغلبت اسباب العداوة والبغضاء وتمكنت في القلب، فان المحبة تنقلب عندئذ الى محبة شكلية تلبس لبوس التصنع والتملق.

فأعلم اذن ايها الظالم!ما اشده من ظلم ان يحمل المؤمن عداء وحقداً لاخيه! فكما انك اذا استعظمت حصيات تافهة ووصفتها بأنها اسمى من الكعبة المشرفة واعظم من جبل احد، فانك بلا شك ترتكب حماقة مشينة، كذلك هي حماقة مثلها ان استعظمت زلات صدرت من اخيك المؤمن واستهولت هفواته التي هي تافهة تفاهة الحصيات، وفضلت تلك الامور التافهة على سمو الايمان الذي هو بسمو الكعبة، ورجحتها على عظمة الاسلام الذي هو بعظمة جبل اُحد. فتفضيلك ما بدر من اخيك من أمور بسيطة على ما يتحلى به من صفات الاسلام الحميدة ظلم وأي ظلم! يدركه كل من له مسكة من عقل!

نعم! ان الايمان بعقيدة واحدة، يستدعي حتماً توحيد قلوب المؤمنين بها على قلب واحد، ووحدة العقيدة هذه، تقتضي وحدة المجتمع. فأنت تستشعر بنوع من الرابطة مع من يعيش معك في طابور واحد، وبعلاقة صداقة معه ان كنت تعمل معه تحت امرة قائد واحد، بل تشعر بعلاقة اخوة معه لوجودكما في مدينة واحدة، فما بالك بالايمان الذي يهب لك من النور والشعور ما يريك به من علاقات الوحدة الكثيرة، وروابط الاتفاق العديدة، ووشائج الاخوة الوفيرة ما تبلغ عدد الاسماء الحسنى. فيرشدك مثلاً الى:

ان خالقكما واحد، مالككما واحد، معبودكما واحد، رازقكما واحد.. وهكذا واحد واحد الى ان تبلغ الالف.ثم، ان نبيكما واحد، دينكما واحد، قبلتكما واحدة، وهكذا واحد واحد الى ان تبلغ المائة. ثم، انكما تعيشان معاً في قرية واحدة، تحت ظل دولة واحدة، في بلاد واحدة..وهكذا واحد واحد الى ان تبلغ العشرة.

فلئن كان هناك الى هذا القدر من الروابط التي تستدعي الوحدة والتوحيد والوفاق والاتفاق والمحبة والاخوة، ولها من القوة المعنوية ما يربط اجزاء الكون الهائلة، فما اظلم من يعرض عنها جميعاً ويفضل عليها اسباباً واهية اوهن من بيت العنكبوت، تلك التي تولد الشقاق والنفاق والحقد والعداء. فيوغر صدره عداءً وغلاً حقيقياً مع اخيه المؤمن! أليس هذا اهانة بتلك الروابط التي توحد؟ واستخفافاً بتلك الاسباب التي توجب المحبة؟ واعتسافاً لتلك العلاقات التي تفرض الاخوة؟ فأن لم يكن قلبك ميتاً ولم تنطفئ بعد جذوة عقلك فستدرك هذا جيداً.

 

 

الوجه الثالث:

ان الآية الكريمة: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى) (الانعام:164) تفيد العدالة المحضة، اي لا يجوز معاقبة انسان بجريرة غيره. فترى القرآن الكريم ومصادر الشريعة الاخرى وآداب اهل الحقيقة والحكمة الاسلامية كلها تنبهك الى:

ان اضمار العداء للمؤمن والحقد عليه ظلم عظيم، لانه ادانة لجميع الصفات البريئة التي يتصف بها المؤمن بجريرة صفة جانية فيه. ولا سيما امتداد العداء الى اقاربه وذويه بسبب صفة تمتعض منها، فهو ظلم اعظم، كما وصفه القرآن الكريم بالصيغة المبالغة:(اِنَّ الاِنْسَانَ لَظَلُومٌ) (ابراهيم:34) أفبعد هذا تجد لنفسك مبررات وتدعي انك على حق؟

فأعلم! ان المفاسد التي هي سبب العداء والبغضاء كثيفة في نظر الحقيقة، كالتراب والشر نفسه، وشأن الكثيف انه لا يسرى ولا ينعكس الى الغير ـ الا ما يتعلمه الانسان من شر من الآخرين ـ بينما البر والاحسان وغيرهما من اسباب المحبة فهي لطيفة كالنور وكالمحبة نفسها، ومن شأن النور الانعكاس والسريان الى الغير. ومن هنا سار في عداد الامثال: "صديق الصديق صديق"وتجد الناس يرددون: "لاجل عين الف عين تكرم".

فيا ايها المجحف! ان كنت تروم الحق، فالحقيقة هي هذه، لذا فأن حملك عداء مع اقارب ذلك الذي تكره صفة فيه، وحقدك على ذويه المحبوبين لديه، خلاف للحقيقة واي خلاف!

الوجه الرابع:

ان عداءك للمؤمـن ظلـم مبين، من حيـث الحيـاة الشخصية. فإن شئت فاستمع الى بضعة دساتير هي اساس هذا الوجه الرابع.

الدستور الاول:

عندما تعلم انك على حق في سلوكك وافكارك يجوز لك ان تقول: "ان مسلكي حق او هو افضل"ولكن لا يجوز لك ان تقول: "ان الحق هو مسلكي انا فحسب".لان نظرك الساخط وفكرك الكليل لن يكونا محكاً ولا حكماً يقضي على بطلان المسالك الاخرى، وقديماً قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا(2)

الدستور الثاني:

"عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن ليس لك ان تذيع كل الحقائق. وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صواباً ان تقول كل صدق".

لان من كان على نية غير خالصة ـ مثلك ـ يحتمل ان يثير المقابل بنصائحه فيحصل عكس المراد.

الدستور الثالث:

ان كنت تريد ان تعادي احداً فعاد ما في قلبك من العداوة، واجتهد في اطفاء نارها واستئصال شأفتها. وحاول ان تعادي من هو اعدى عدوك واشد ضرراً عليك، تلك هي نفسك التي بين جنبيك. فقاوم هواها، واسع الى اصلاحها، ولا تعاد المؤمنين لاجلها. وان كنت تريد العداء ايضاً فعاد الكفار والزنادقة، فهم كثيرون. واعلم ان صفة المحبة محبوبة بذاتها جديرة بالمحبة، كما ان خصلة العداوة تستحق العداء قبل أي شئ آخر.

وان اردت أن تغلب خصمك فادفع سيئته بالحسنة، فبه تخمد نار الخصومة. اما اذا قابلت اساءته بمثلها فالخصومة تزداد. حتى لو اصبح مغلوباً ـ ظاهراً ـ فقلبه يمتلئ غيظاً عليك، فالعداء يدوم والشحناء تستمر. بينما مقابلته بالاحسان تسوقه الى الندم، وقد يكون صديقاً حميماً لك، اذ ان من شأن المؤمن ان يكون كريماً، فان اكرمته فقد ملكته وجعلته اخاً لك، حتى لو كان لئيماً ـ ظاهراً ـ الا انه كريم من حيث الايمان، وقد قال الشاعر:

اذا انت اكرمت الكريم ملكته وان انت اكرمت اللئيم تمردا[3]

نعم، ان الواقع يشهد:ان مخاطبة الفاسد بقولك له: "انك صالح، انك فاضل..".ربما يدفعه الى الصلاح وكذا مخاطبة الصالح: "انك طالح، انك فاسد...". ربما يسوقه الى الفساد، لذا استمع بأذن القلب الى قوله تعالى:

(وَاِذَا مَرّوُا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان: 72)

(وَاِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتغْفِروُا فَاِنَّ الله غَفُورٌ رَحيمٌ) (التغابن: 14)

وامثالها من الدساتير القرآنية المقدسة، ففيها التوفيق والنجاح والسعادة والامان.

الدستور الرابع:

ان الذين يملأ قلوبهم الحقد والعداوة تجاه اخوانهم المؤمنين انما يظلمون انفسهم اولاً، علاوة على ظلمهم لاخوانهم، وفضلاً عن تجاوزهم حدود الرحمة الإلهية، حيث أنه بالحقد والعداوة يوقع نفسه في عذاب أليم، فيقاسي عذاباً كلما رأى نعمة حلّت بخصمه، ويعاني ألماً من خوفه. وان نشأت العداوة من الحسد فدونه العذاب الأليم، لان الحسد اشد ايلاماً للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبه بلهيبه، اما المحسود فلا يمسه من الحسد شئ، او يتضرر طفيفاً.

وعلاج الحسد هو: ان يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك ان ما ناله محسوده من اعراض دنيوية ـ من مال وقوة ومنصب ـ انما هو اعراض زائلة فانية. فائدتها قليلة، مشقتها عظيمة.

اما اذا كان الحسد ناشئاً من دوافع اخروية، فلا حسد اصلاً. ولو تحرك عرق الحسد حتى في هذه الامور، فالحاسد اما انه مراء، يحبط حسناته الاخروية في الدنيا. او انه يسئ الظن بمحسوده فيظلمه.

ثم ان الحاسد في حسده يسخط على قدر الله، لانه يحزن من مجئ فضل من الله ورحمته على محسوده، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدر الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة. ومعلوم ان من ينتقد القدر كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها.

ترى هل هناك انصاف يرضى ان يمتلئ صدر المؤمن لسنة كاملة غيظاً وحقداً على اخيه لشئ جزئي تافه لا يساوي العداء عليه ليوم واحد؟! علماً انه لا ينبغي ان تنسب السيئة التي اتتك من اخيك المؤمن اليه وحده وتدينه بها لأن:

اولاً: القدر الإلهي له حظه في الامر، فعليك ان تستقبل حظ القدر هذا بالرضى والتسليم.

ثانياً: ان للشيطان والنفس الامارة بالسوء حظهما كذلك. فاذا ما اخرجتَ هاتين الحصتين لا يبقى امامك الا الاشفاق على اخيك بدلاً من عدائه. لانك تراه مغلوباً

على امره امام نفسه وشيطانه. فتنتظر منه بعد ذلك الندم على فعلته وتأمل عودته الى صوابه.

ثالثاً: عليك ان تلاحظ في هذا الامر تقصيرات نفسك، تلك التي لا تراها او لا ترغب ان تراها، فاعزل هذه الحصة ايضاً مع الحصتين السابقتين، تر الباقي حصة ضئيلة جزئية، فاذا استقبلتها بهمة عالية وشهامة رفيعة اي بالعفو والصفح، تنجو من ارتكاب ظلم وتتخلص من ايذاء احد.

بينما اذا قابلت اساءته بحرص شديد على توافه الدنيا ـ كأنك تخلد فيها ـ وبحقد مستديم وعداء لا يفتر، فلا جرم أن تنطبق عليك صفة "ظلوماً جهول"وتكون اشبه بذلك اليهودي الاحمق الذي صرف اموالاً طائلة لقطع زجاجية لا تساوي شيئاً وبلورات ثلجية لا تلبث ان تزول، ظناً منه انها الماس.

وهكذا فقد بسطنا امامك ما يسببه العداء من اضرار لحياة الانسان الشخصية. فان كنت حقاً تحب نفسك فلا تفسح له مجالاً ليدخل قلبك، وان كان قد دخل فعلاً واستقر فلا تصغ اليه، بل استمع الى حافظ الشيرازي[4]ذي البصيرة النافذة الى الحقيقة. انه يقول:

دنيا نه متاعيستى كه ارزد بنزاعى

أي: "ان الدنيا كلها لا تساوي متاعاً يستحق النزاع عليه".

فلئن كانت الدنيا العظيمة وبما فيها تافهة هكذا، فما بالك بجزء صغير منها. واستمع اليه ايضاً حيث يقول:

آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست

بادوستان مروت با دشمنان مدارا

أي: "نيل الراحة والسلامة في كلا العالمين توضحه كلمتان:

معاشرة الاصدقاء بالمروءة والانصاف. ومعاملة الاعداء بالصفح والصفاء".

اذا قلت: ان الامر ليس في طوقي، فالعداء مغروز في كياني، مغمور في فطرتي، فليس لي خيار، فضلاً عن انهم قد جرحوا مشاعري وآذوني، فلا استطيع التجاوز عنهم.

فالجواب: ان الخلق السئ ان لم يجر اثره وحُكمه، وان لم يُعمل بمقتضاه كالغيبة مثلاً، وعَرف صاحبه تقصيره، فلا ضير، ولا ينجم منه ضرر. فما دمت لا تملك الخيار من امرك، ولا تستطيع ان تتخلص من العداء، فان شعورك بأنك مقصر في هذه الخصلة، وادراكك انك لست على حق فيها، ينجيانك ــ باذن الله ــ من شرور العداء الكامن فيك، لان ذلك يعد ندماً معنوياً، وتوبة خفية، واستغفاراً ضمنياً. ونحن ما كتبنا هذا المبحث الا ليضمن هذا الاستغفار المعنوي، فلا يلتبس على المؤمن الحق والباطل، ولا يوصم خصمه المحق بالظلم.

وقد مرت عليَّ حادثة جديرة بالملاحظة:

رأيت ذات يوم رجلاً عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مغرض حتى بلغ به الامر الى حد تكفيره، وذلك لخلاف بينهما حول امور سياسية، بينما رأيته قد اثنى ـ في الوقت نفسه ـ على منافق يوافقه في الرأي السياسي!. فاصابتني من هذه الحادثة رعدة شديدة، واستعذت بالله مما آلت اليه السياسة وقلت: "اعوذ بالله من الشيطان والسياسة".

ومنذئذٍ انسحبت من ميدان الحياة السياسية.

الوجه الخامس:

هذا الوجه يبين مدى الضرر البالغ الذي يصيب الحياة الاجتماعية من جراء العناد والتنافر والتفرقة.

فاذا قيل:

لقد ورد في حديث شريف:(اِخْتِلافُ اُمَّتي رَحْمَةٌّ)[5]والاختلاف يقتضى التفرق والتحزب والاعتداد بالرأي.

 

 

ولكن داء التفرق والاختلاف هذا فيه وجه من الرحمة لضعفاء الناس من العوام، اذ ينقذهم من تسلط الخواص الظلمة الذين اذا حصل بينهم اتفاق في قرية او قصبة اضطهدوا هؤلاء الضعفاء ولكن اذا كانت ثمة تفرقة بينهم فسيجد المظلوم ملجأ في جهة، فينقذ نفسه.

ثم ان الحقيقة تتظاهر جلية من تصادم الافكار ومناقشة الاراء وتخالف العقول.

الجواب: نقول اجابة عن السؤال الاول:

ان الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الايجابي البنّاء المثبت. ومعناه: ان يسعى كل واحد لترويج مسلكه واظهار صحة وجهته وصواب نظرته، دون أن يحاول هدم مسالك الاخرين او الطعن في وجهة نظرهم وابطال مسلكهم، بل يكون سعيه لإكمال النقص ورأب الصدع والاصلاح ما استطاع اليه سبيلاً. اما الاختلاف السلبي فهو محاولة كل واحد تخريب مسلك الاخرين وهدمه، ومبعثه الحقد والضغينة والعداوة، وهذا النوع من الاختلاف مردود اصلاً في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل ايجابي بناء.

وجواباً عن السؤال الثاني نقول:

ان كان التفرق والتحزب لاجل الحق وبأسمه، فلربما يكون ملاذ اهل الحق، ولكن الذي نشاهده من التفرق انما هو لاغراض شخصية ولهوى النفس الامارة بالسوء. فهو ملجأ ذوي النيات السيئة بل متكأ الظلمة ومرتكزهم، فالظلم واضح في تصرفاتهم، فلو اتى شيطان الى احدهم معاوناً له موافقاً لرأيه تراه يثني عليه ويترحم عليه، بينما اذا كان في الصف المقابل انسان كالملَك تراه يلعنه ويقذفه.

اما عن السؤال الثالث فنقول:

ان تصادم الآراء ومناقشة الافكار لاجل الحق وفي سبيل الوصول الى الحقيقة انما يكون عند اختلاف الوسائل مع ا لاتفاق في الاسس والغايات، فهذا النوع من الاختلاف يستطيع ان يقدم خدمة جليلة في الكشف عن الحقيقة واظهار كل زاوية من زواياها بأجلى صور الوضوح.ولكن ان كانت المناقشة والبحث عن الحقيقة لاجل اغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء واشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهرة وحب الظهور، فلا تتلمع بارقة الحقيقة في هذا النوع من بسط الافكار، بل تتولد

شرارة الفتن. فلا تجد بين امثال هؤلاء اتفاقاً في المقصد والغاية، بل ليس على الكرة الارضية نقطة تلاق لافكارهم، ذلك لانه ليس لاجل الحق، فترى فيه الافراط البالغ دون حدود، مما يفضي الى انشقاقات غير قابلة للالتئام. وحاضر العالم شاهد على هذا..

وصفوة القول:

ان لم تكن تصرفات المؤمن وحركاته وفق الدساتير السامية التي وضعها الحديث الشريف: "الحب في الله والبغض في الله"[6] والاحتكام الى امر الله في الامور كلها، فالنفاق والشقاق يسودان.. نعم، ان الذي لا يستهدي بتلك الدساتير يكون مقترفاً ظلماً في الوقت الذي يروم العدالة.

حادثة ذات عبرة:

في احدى الغزوات الاسلامية، كان الامام علي رضى الله عنه يبارز احد فرسان المشركين فتغلب عليه الامام وصرعه. فلما اراد الامام ان يجهز عليه تفل على وجه الامام. فما كان من الامام الا ان اخلى سبيله وانصرف عنه، فاستغرب المشرك من هذا العمل.

فقال: الى اين؟

قال الامام: كنت اقاتلك في سبيل الله، فلما فعلت ما فعلت خشيت ان يكون قتلي اياك فيه ثأر لنفسي فأطلقتك لله.

فأجابه الكافر: كان الاولى ان تثيرك فعلتي اكثر فتسرع في قتلي! وما دمتم تدينون بدين هو في منتهى السماحة فهو بلا شك دين حق.[7]

وحادثة اخرى:

عزل حاكم مسلم قاضيه،لما رأى منه شيئاً من الحدة والغضب اثناء قطعه يد السارق. فما ينبغي لمن ينفذ امر الله ان يحمل شيئاً من حظ نفسه على المحكوم، بل عليه ان يشفق ـ من حيث النفس ـ على حاله دون ان تأخذه رأفة في تنفيذ حكم الله. وحيث ان شيئاً من حظ النفس قد اختلط في الامر وهو مما ينافي العدالة الخالصة فقد عُزل القاضي.

مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة اصابت الامة الاسلامية يدمي لها القلب:

ان اشد القبائل تأخراً يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند اغارة العدو الخارجي عليهم.

واذا تقدّر تلك القبائل المتأخرة مصلحتهم الاجتماعية حق قدرها، فما للذين يتولون خدمة الاسلام ويدعون اليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمهدون بها سبل اغارة الاعداء الذين لا يحصرهم العد عليهم؟! فلقد تراصف الاعداء حولهم واطبقوا عليهم من كل مكان.. ان هذا الوضع تدهور مخيف، وانحطاط مفجع، وخيانة بحق الاسلام والمسلمين.

واذكر للمناسبة حكاية ذات عبرة: كانت هناك قبيلتان من عشيرة "حسنان" و كانت بينهما ثارات دموية، حتى ذهب ضحيتها اكثر من خمسين رجلاً، ولكن ما ان يداهمهما خطر خارجي من قبيلة "سبكان" او "حيدران" الا تتكاتفان وتتعاونان وتنسيان كلياً الخلافات لحين صد العدوان. فيا معشر المؤمنين، اتدرون كم يبلغ عدد عشائر الاعداء المتأهبين للاغارة على عشيرة الايمان؟ انهم يزيدون على المائة وهم يحيطون بالاسلام والمسلمين كالحلقات المتداخلة. فبينما ينبغي ان يتكاتف المسلمون لصد عدوان واحد من اولئك، يعاند كل واحد وينحاز جانباً سائراً وفق اغراضه الشخصية كأنه يمهد السبيل لفتح الابواب امام اولئك الاعداء ليدخلوا حرم الاسلام الآمن.. فهل يليق هذا بأمة الاسلام؟

وان شئت ان تعدد دوائر الاعداء المحيطة بالاسلام، فهم ابتداء من اهل الضلالة والالحاد وانتهاء الى عالم الكفر ومصائب الدنيا واحوالها المضطربة جميعها، فهي دوائر متداخلة تبلغ السبعين دائرة، كلها تريد ان تصيبكم بسوء، وجميعها حانقة عليكم وحريصة على الانتقام منكم، فليس لكم أمام جميع اولئك الاعداء الالداء إلا ذلك السلاح البتار والخندق الامين والقلعة الحصينة، الا وهي الاخوة الاسلامية. فأفق ايها المسلم! واعلم ان زعزعة قلعة الاسلام الحصينة بحجج تافهة واسباب واهية خلاف للوجدان الحي وأي خلاف ومناف لمصلحة الاسلام كلياً.. فانتبه! ولقد ورد في الاحاديث الشريفة ما مضمونه: ان الدجال والسفياني وامثالهما من الاشخاص الذين يتولون المنافقين ويظهرون في آخر الزمان، يستغلون الشقاق بين الناس

والمسلمين ويستفيدون من تكالبهم على حطام الدنيا، فيهلكون البشرية بقوة ضئيلة، وينشرون الهرج والمرج بينها ويسيطرون على امة الاسلام ويأسرونها.[8]

ايها المؤمنون!

ان كنتم تريدون حقاً الحياة العزيزة، وترفضون الرضوخ لاغلال الذل والهوان، فأفيقوا من رقدتكم، وعودوا الى رشدكم، وادخلوا القلعة الحصينة المقدسة: (اِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ) (الحجرات: 10) وحصنوا انفسكم بها من ايدي اولئك الظلمة الذين يستغلون خلافاتكم الداخلية.. والا تعجزون عن الدفاع عن حقوقكم بل حتى عن الحفاظ على حياتكم، اذ لا يخفى ان طفلاً صغيراً يستطيع ان يضرب بطلين يتصارعان، وان حصاة صغيرة تلعب دوراً في رفع كفة ميزان وخفض الاخرى ولو كان فيهما جبلان متوازنان.

فيا معشر أهل الايمان!ان قوتكم تذهب ادراج الرياح من جراء اغراضكم الشخصية وانانيتكم وتحزبكم، فقوة قليلة جداً تتمكن من ان تذيقكم الذل والهلاك. فان كنتم حقاً مرتبطين بملة الاسلام فاستهدوا بالدستور النبوي العظيم:

(الـمُؤْمِنُ لِلْـمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً)[9]وعندها فقط تسلمون من ذل الدنيا وتنجون من شقاء الآخرة.

الوجه السادس:

ان الاخلاص واسطة الخلاص ووسيلة النجاة من العذاب، فالعداء والعناد يزعزعان حياة المؤمن المعنوية فتتأذى سلامة عبوديته لله، اذ يضيع الاخلاص!. ذلك لان المعاند الذي ينحاز الى رأيه وجماعته يروم التفوق على خصمه حتى في اعمال البر التي يزاولها. فلا يوفق توفيقاً كاملاً الى عمل خالص لوجه الله. ثم انه لا يوفق ايضاً الى العدالة، اذ يرجح الموالين لرأيه الموافقين له في احكامه ومعاملاته على غيرهم.. وهكذا يضيع اساسان مهمان لبناء البر"الاخلاص والعدالة"بالخصام والعداء.ان بحث هذا الوجه يطول،فلا يتسع هذا المقام اكثر من هذا القدر،

فنكتفي به. (*)

 

_______________________________

[1] اخرجه البخاري، كتاب الأدب 57 ومسلم 2560عن ابي ايوب الانصاري رضي الله عنه.

[2] لعبدالله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ابي طالب (ادب الدنيا والدين ص37) والبيت منسوب للامام الشافعي ايضاً. (ديوان الشافعي ص91) طبعة دار النور - بيروت. وفيه: كما ان عين السخط.. -المترجم.

[3] البيت للمتنبي. انظر العرف الطيب في شرح ديوان ابي الطيب. ص 387ــ دار القلم، بيروت. - المترجم

[4] حافظ الشيرازي: (1320- 1389م). هو شمس الدين محمد الشهير بحافظ الشيرازي اشهر شعراء فارس على الاطلاق، لايعرف إلاّ القليل عن نشأته. له (ديوان) شعر ملئ بالقصائد التي عرضت لمعظم الفنون الشائعة في عصره. انظر: كشف الظنون 1/783. - المترجم.

[5] قال السخاوي في المقاصد: رواه البيهقي في المدخل بسند منقطع.. واخرجه الطبراني والديلمي ايضاً وفيه ضعيف، وعزاه الزركشي وابن حجر لنصر المقدسي مرفوعاً من غير بيان لسنده، وعزاه العراقي لآدم بن ابي اياس بغير بيان لسنده ايضاً. وفي الموضوعات للقارى ان السيوطي قال: اخرجه نصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الاشعرية بغير سند ورواه الحليمي والقاضي حسين وامام الحرمين وغيرهم، ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل الينا. (باختصار عن كشف الخفاء 1/64) . وانظر تمييز الطيب ص11.والفتح الكبير للسيوطي 568ــ المترجم

[6] رواه مسلم والبخاري في كتاب الايمان.وابوداود في السنة 2، وفي المسند 5/ 146 المترجم.

[7] الشيخ شمس الدين السيواسي (مناقب جهار يار كوزين ) بالعثمانية/ 294

[8] المسند 3/367 ،المستدرك 4/ 529 ،530،مصنف عبد الرزاق 11/394، ابن حبان 8/ 286 ، الديلمي مسند الفردوس 5/510

[9] اخرجه البخاري برقم (481) و (3446) و(6027) ومسلم برقم (2585) و (2627) والترمذي (1993 تحفة) وقال: حديث صحيح ورواه احمد في المسند 4/404 والنسائي 5/79 والبغوي في شرح السنة برقم (3461) وابو الشيخ برقم (300) وابن ابي شيبة في المصنف برقم (11/21) وفي الايمان برقم (90) كلهم من حديث ابي موسى الاشعري

(*)   المكتوب الثاني والعشرون - ص: (339)


5-) اهل العباء

 

(ليُذهِبَ عَنكُم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّركُم تطهيراً) (الاحزاب:33) .

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان اسراراً وحكماً كثيرة في إلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم عباءه (ملاءته) المباركة التي كان يلبسها على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم اجمعين، ثم دعاؤه لهم (1) في هذا الوضع وبهذه الآية الكريمة (ليُذهِبَ عَنكُم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّركُم تطهيراً) (الاحزاب:33) .

 ولكننا لانخوض في اسراره، ولانذكر الاّ حكمة من حكمه التي تتعلق بمهمة الرسالة وهي:ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد رأى بنظر النبوة الانيس بالغيب، النافذ الى المستقبل، أنه بعد نحو ثلاثين أو أربعين سنة ستقع فتن عظيمة في صفوف الصحابة والتابعين، وستراق الدماء الزكية.

فشاهد ان ابرز من فيها هم الاشخاص الثلاثة الذين سترهم تحت عباءته. فلأجل الاعلان عن تبرئة علي في نظر الأمة.. وتسلية الحسين وعزائه.. وتهنئة الحسن واظهار شرفه ومكانته وعظيم نفعه للأمة برفعه فتنة كبيرة بالصلح.. وطهارة نسل فاطمة وشرافتهم واهليتهم بلقب أهل البيت، ذلك العنوان الشريف الرفيع..

لأجل كل ذلك ستر صلى الله عليه وسلم اولئك الاربعة مع نفسه تحت ذلك العباء واهباً لهم ذلك العنوان المشرف: آل العباء الخمسة.

نعم! ان سيدنا علياً رضي الله عنه كان خليفة للمسلمين بحقٍ، ولكن لأن الدماء الزكية التي اريقت جليلة فان براءته منها وتبرئته في نظر الامة لها اهميتها من حيث وظيفة الرسالة.

لذا يبرئ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ساحته بتلك الصورة. فيدعو الى السكوت بحقه كلَّ من ينتقده ويخطئه ويضلله من الخوارج والموالين للامويين المتجاوزين عليه.

نـعـم ان الخـوارج واتــبـاع الامـويــين المغالـين بتفريطـهم فــي حــق سيـدنا علي رضي الله عنه وتضليلهم له وإفراط الشيعة وغلوهم وبدعهم وتبرّيهم من الشيخين مع وقوع الفاجعة الاليمة على الحسين رضي الله عنه، قد اضرّ اهل الاسلام ايمّا ضرر.

فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينجي بهذا الدعاء والعباء علياً والحسين من المسؤولية والتهم، وينقذ امته من سوء الظن في حقهما كما يهنئ - من حيث مهمة الرسالة - الحسن الذي أحسن الى الامة بالصلح الذي قام به، ويعلن ان النسل المبارك الذي يتسلسل من فاطمة سينالون شرفاً رفيعاً،

 وان فاطمة ستكون كريمة من حيث ذريتها كما قالت ام مريم في قوله تعالى:(واني اعيذها بكَ وذُريتها من الشيطان الرجيم) (آل عمران:36)

 

اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الابرار وعلى اصحابه المجاهدين المكرمين الاخيار. آمين.... (*)

 ________________

(1)  حديث صحيح ذكره الاستاذ النـورسي بالمعنى مختـصراً، وللـحديث طرق كثـيرة. انـظر المسند 48، 107، 6/292، 296، 298، 304 والبخاري في التاريخ الكبير 1/2/69 والحاكم 3/147 والترمذي واحمد في فضائل الصحابة برقم 987،1149، 1404، 1170، 1392 وذكر الهيثمي في المجمع 9/166 والسيوطي في الدر المنثور 5/198 له طرقاً كثيرة مع مخرجيها عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم. اخرج الطبراني في الاوسط عن عليٍ أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بسط شملهً فجلس عليها هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ثم اخذ النبي بمجامعه فعقد عليهم ثم قال:»اللهم ارضَ عنهم كما انا عنهم راضٍ« قال الهيثمي (9/169): رجاله رجال الصحيح غير عبيد بن طفيل وهو ثقة، كنيته ابو سيدان ا هـ.  حياة الصحابة 4/105.

(*) كليات رسائل النور- اللمعات ص:143


6-) الانسان وسر القيومية

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان جلوة من تجليات القيومية على الكون، وشعاعاً من نورها مثلما يعمّ الكون بمظاهر "الواحدية والجلال"، فانه يبرز على هذا الانسان -الذي يمثل محور الكون وقطبه وثمرته الشاعرة - مظاهر "الاحدية والجمال". وهذا يعني:

ان الكائنات التي هي قائمة بسر القيومية فهي تقوم ايضاً - من جهة - بالأنسان؛ الذي يمثل اكمل مظهر من مظاهر تجلي اسم (القيوم). أي: ان القيومية تتجلى في الانسان تجلياً يجعل منه عموداً سانداً للكائنات جميعاً، بمعنى ان معظم الحِكَم الظاهرة في الكائنات وأغلب مصالحها وغاياتها تتوجه الى الانسان.

نعم ، يصح ان يقال: ان (الحي القيوم) سبحانه قد أراد وجود الانسان في هذا الكون، فخلق الكون لاجله، وذلك لان الانسان يمكنه ان يدرك جميع الاسماء الالهية الحسنى ويتذوقها بما اودع الله فيه من مزايا وخصائص جامعة. فهو يدرك - مثلاً - كثيراً من معاني تلك الاسماء بما يتذوق من لذائذ الارزاق المنهمرة عليه، بينما لا يبلغ الملائكة الى ادراك تلك الاسماء بتلك الاذواق الرزقية.

فلأجل جامعية الانسان المهمة يُشعِر "الحي القيوم" الانسان بجميع اسمائه الحسنى، ويعرّفه بجميع انواع احسانه، ويذوّقه طعوم آلائه، فمَنحَه معدةً ماديةً يستطيع بها ان يتذوق ما أغدق عليه من نِعمٍ لذيذة قد بسطها في سُفرة واسعة سعة الارض. ثم وهب له حياة، وجعل هذه الحياة كتلك المعدة المادية تستطيع ان تتنعم بأنواع من النعم المُعَدّة على سُفرة واسعة مفروشة أمامها وتتلذذ بها بما زودها -

سبحانه- من مشاعر وحواس لها القدرة ان تمتد - كالايدي - الى كل نعمة من تلك النعم، فتؤدي عند ذلك حقها من انواع الشكر والحمد.

ثم وهب له - فوق معدة الحياة هذه - معدة الانسانية، وهذه المعدة تطلب رزقاً ونعَماً ايضاً. فجعل العقل والفكر والخيال بمثابة أيدي تلك المعدة، لها القدرة على بلوغ آفاق أوسع من ميادين الحياة المشهودة، وعندها تستطيع الحياة الانسانية ان تؤدي ما عليها من شكر وحمد تجاه بارئها حيث تمتد أمامها سُفرةُ النِعَم العامرة التي تسع السماوات والارض.

ثم لأجل ان يمدّ امام الانسان سفرة نعمٍ أخرى عظيمة جعل عقائد الاسلام والايمان بمثابة معدة معنوية تطلب ارزاقاً معنوية كثيرة فمدّ سفرة مليئة بالرزق المعنوي لهذه المعدة الايمانية وبَسَطها خارج الممكنات المشاهدة. فضم الاسماء الالهية في تلك السفرة العظيمة.. ولهذا يستشعر الانسان - بتلك المعدة المعنوية - ويتمتع بأذواق رفيعة لا منتهى لها، نابعة من تجليات اسم "الرحمن" واسم "الحكيم" حتى يردد (الحمد لله على واسع رحمته وجليل حكمته).. وهكذا - مكّن الخالق المنعم الانسان - بهذه المعدة المعنوية العظمى - ليستفيد ويغنم نعماً الهية لا حد لها، ولا سيما أذواق محبته الالهية، في تلك المعدة فان لها آفاقاً لا تحد وميادين لا تحصر.

وهكذا جعل (الحي القيوم) سبحانه الانسان مركزاً للكون، ومحوراً له، بل سخّر الكون له فمدّ أمامه سفرة عظيمة عظم الكون لتتلذذ انواع معداته المادية والمعنوية.

اما حكمة قيام الكون بسر القيومية على الانسان - من جهة - فهي للوظائف المهمة الثلاث التي انيطت بالانسان:

الاولى:

تنظيم جميع انواع النعم المبثوثة في الكائنات بالانسان وربطها بأواصر المنافع التي تخص الانسان، كما تنظَّم خرز المسبحة بالخيط، فتُربط رؤوس خيوط النعم بالانسان ومصالحه ومنافعه. فيكون الانسان بما يشبه فهرساً لأنواع ما في خزائن الرحمة الالهية ونموذجاً لمحتوياتها.

 

الوظيفة الثانية:

كون الانسان موضع خطابه سبحانه بما أودع فيه من خصائص جامعة أهّلته ليكون موضع خطابه سبحانه وتعالى، ومقدّراً لبدائع صنائعه ومعجباً بها، ونهوضه بتقديم آلاء الشكر والثناء والحمد الشعوري التام. على ما بُسط أمامه من أنواع النعم والألاء العميمة.

الوظيفة الثالثة:

قيام الانسان بحياته بمهمة مرآة عاكسة لشؤون (الحي القيوم)ولصفاته الجليلة المحيطة، وذلك بثلاثة وجوه:

الوجه الاول:

هو شعور الانسان بقدرة خالقه سبحانه المطلقة ودرجاتها غير المحدودة بما هو عليه من عجز مطلق. فيدرك مراتب تلك القدرة المطلقة بما يحمل من درجات العجز. ويدرك كذلك رحمة خالقه الواسعة ودرجاتها بما لديه من فقر، ويفهم أيضاً قوة خالقه العظيمة بما يكمن فيه من ضعف... وهكذا.

وبذلك يكون الانسان مؤدياً مهمة مرآةٍ قياسية صغيرة لأدراك صفات خالقه الكاملة، وذلك بما يملك من صفات قاصرة ناقصة؛ اذ كما ان الظلام كلما اشتد سطع النور اكثر، فيؤدي هذا الظلام مهمة اراءة المصابيح، فالانسان ايضاً يؤدي مهمة اراءة كمالات صفات بارئه سبحانه بما لديه من صفات ناقصة مظلمة.

الوجه الثاني:

ان ما لدى الانسان من ارادة جزئية وعلمٍ قليل وقدرة ضئيلة وتملّك في ظاهر الحال وقابلية على إعمار بيته بنفسه، يجعله يدرك بهذه الصفات الجزئية خالق الكون العظيم ويفهم مدى مالكيته الواسعة وعظيم اتقانه وسعة ارادته وهيمنة قدرته واحاطة علمه.فيدرك ان كلاً من تلك الصفات انما هي صفات مطلقة وعظيمة لا حدّ لها ولا نهاية.وبهذا يكون الانسان مؤدياً مهمة مرآة صغيرة لأظهار تلك الصفات وادراكها.

 

أما الوجه الثالث:

من قيام الانسان بمهمة مرآة عاكسة لكمالات الصفات الالهية فله وجهان:

اظهاره بدائع الاسماء الالهية الحسنى المتنوعة وتجلياتها المختلفة في ذاته. لأن الانسان بمثابة فهرس مصغر للكون كله - بما يملك من صفات جامعة - وكأنه مثاله المصغر، لذا فتجليات الاسماء الالهية في الكون عامة نراها تتجلى في الانسان بمقياس مصغر.

الوجه الثاني:

اداؤه مهمة المرآة العاكسة للشؤون الالهية، أي ان الانسان كما يشير بحياته الى حياة (الحي القيوم) فانه بوساطة ما ينكشف في حياته الذاتية من حواس كالسمع والبصر وامثالها يفهم - ويبيّن للآخرين - صفات السمع والبصر وغيرها من الصفات الجليلة المطلقة (للحي القيوم)

ثم ان الانسان الذي يملك مشاعر دقيقة جداً وكثيرة جداً - وقد لا تنكشف ضمن حياته وانما عندما يحفَّز او يُثار - فتظهر تلك المشاعر بأشكال متنوعة وانفعالات مختلفة، فانه بوساطة هذه المشاعر الدقيقة والمعاني العميقة يؤدي مهمة عرض الشؤون الذاتية(للحي القيوم). فمثلاً: الحب والافتخار والرضى والانشراح والسرور وما شابهها من المعاني التي تتفجّر لدى الانسان في ظروف خاصة، يؤدي الانسان بها مهمة الاشارة الى هذه الانواع من الشؤون الالهية بما يناسب قدسية الذات الالهية وغناه المطلق وبما يليق به سبحانه وتعالى.

وكما ان الانسان وحدة قياس - بما يملك من جامعية حياته - لمعرفة صفات الله الجليلة، وشؤونه الحكيمة، وفهرس لتجلي اسمائه الحسنى، ومرآة ذات شعور بجهات عدة لذات (الحي القيوم).. كذلك - الانسان - هو وحدة قياس ايضاً لمعرفة حقائق الكون هذا، وفهرس له ومقياس وميزان.

فمثل:ان الدليل القاطع على وجود اللوح المحفوظ في الكون يتمثل في نموذجه المصغر وهو "القوة الحافظة" لدى الانسان. والدليل القاطع على وجود عالم المثال

نلمسه في نموذجه المصغر وهو "قوة الخيال" لدى الانسان،(1) والدليل القاطع على وجود الروحانيات في الكون ندركه ضمن نموذجها المصغر وهو "لطائف الانسان وقواه".. وهكذا يكون الانسان مقياساً مصغراً يُظهر عياناً الحقائق الايمانية في الكون بدرجة الشهود.

وهناك مهمات ووظائف وخدمات كثيرة اخرى للانسان فضلاً عمّا ذكرناه؛ اذ هو: مرآة لتجلي الجمال الباقي، وداعٍ الى الكمال السرمدي ودالّ عليه. ومحتاجٌ شاكر لأنعم الرحمة الواسعة الابدية.

فما دام الجمال باقياً والكمال سرمدياً والرحمة أبدية، فلا بد ان الانسان الذي هو المرآة المشتاقة لذلك الجمال الباقي والداعي العاشق لذلك الكمال السرمدي والمحتاج الشاكر لتلك الرحمة الابدية سيُبعث الى دار بقاء أبدية ليخلد فيها دائماً، ولابد انه سيذهب الى الابد ليرافق الباقين الخالدين هناك ويرافق ذلك الجمال الباقي وذلك الكمال السرمدي وتلك الرحمة الابدية في ابد الاباد. بل يلزم ذلك قطعاً لأن: الجمال الابدي لا يرضى بمشتاق فانٍ ومحبٍ زائلٍ. اذ الجمال يطلب محبة تجاهه مثلما يحب نفسه. بينما الزوال والفناء يحولان دون تلك المحبة ويبدلانها الى عداء.

فلو لم يرحل الانسان الى الابد، ولم يبق هناك خالداً مخلداً فسيجد في فطرته عداءً شديداً لما يحمل من سر مغروز فيه وهو المحبة العميقة نحو الجمال السرمدي. مثلما بينا ذلك في حاشيةٍ في الكلمة العاشرة (رسالة الحشر): ان حسناء بارعة الجمال عندما طردت - ذات يوم - احد عشاقها من مجلسها، انقلب عشقُ الجمال لدى العاشق المطرود قبحاً وكرهاً حتى بدأ يسلّى نفسه بقوله: تباً لها ما أقبحها! فانكر الجمال وسخط عليه.

نعم فكما ان الانسان يعادي ما يجهله، فانه يتحرى النقص والقصور فيما تقصر يدُه عنه، ويعجز عن الاحتفاظ به ومسكه.. بل تراه يتحرى فيه عن القصور بشئ من عداء وحقد يضمره، بل يتخذ مايشبه العداء له.

فما دام الكون يشهد بان المحبوب الحقيقي والجميل المطلق سبحانه يحبّب نفسَه الى الانسان بجميع اسمائه الحسنى، ويطلب منه مقابل ذلك حباً عظيماً له، فلابد انه سبحانه لايدع هذا الانسان الذي هو محبوبه وحبيبه يسخط عليه، فلا يودع في فطرته ما يثير عداءً نحوه - أي بعدم احداث الاخرة - ولا يغرز في فطرة هذا المخلوق المكرم الممتاز، المحبوب لدى الرب الرحيم والمخلوق اصلاً للقيام بعبادته، ما هو منافٍ كلياً لفطرته من عداء خفي، ولا يمكن ان يحمّل روحه سخطاً عليه سبحانه قط؛ لأن الانسان لا يمكنه ان يداوى جرحه الغائر الناشئ من فراقه الابدي عن جمال مطلق يحبّه ويقدّره الا بالعداء نحوه، أو السخط عليه، أو انكاره؛ وكون الكفار اعداء الله نابع من هذه الزاوية.. لأجل هذا فسيجعل ذلك الجمال الازلي حتماً هذا الانسان الذي هو مرآة مشتاقة اليه مبعوثاً الى طريق أبد الآباد، ليرافق ذلك الجمال المطلق والبقاء والخلود، ولا ريب ان سيجعله ينال حياة باقية في دار باقية خالدة.

وما دام الانسان مشتاقاً فطرةً لجمال باقٍ وقد خُلقَ محباً لذلك الجمال.. وان الجمال الباقي لا يرضى بمشتاق زائل.. وان الانسان يسكّن آلامه وأحزانه الناجمة عما لا تصل اليه يدُه او يعجز عن الاحتفاظ به او يجهله، بتحري القصور فيه بل يسكّنها بعداء خفي نحوه، مسلياً نفسه بهذا العداء.. وما دام الكون قد خُلق لاجل هذا الانسان، والانسان مخلوق للمعرفة الالهية ولمحبته سبحانه وتعالى.. وخالق الكون سرمديٌ باسمائه الحسنى وتجلياته باقية دائمة.. فلا بد ان هذا الانسان سيُبعث الى دار البقاء والخلود، ولا بد ان ينال حياة باقية دائمة.

هذا وان الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم وهو الانسان الاكمل والدليل الاعظم على الله قد أظهر جميع ما بيّناه من كمالات الانسان وقيمته ومهمته ومثله، فأظهر تلك الكمالات

في نفسه، وفي دينه، بأوضح صورة وأكملها، مما يدلنا على: ان الكائنات مثلما خُلقت لأجل الانسان، أي انه المقصود الاعظم من خلقها والمنتخب منها، فان اجلّ مقصود من خلق الانسان ايضاً وافضل مصطفى منه، بل أروع واسطع مرآة للأحد الصمد انما هو محمد عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام بعدد حسنات أمته...

فيا الله يارحمن يارحيم يا فرد يا حيُّ با قيوم يا حكم ياعدل ياقدوس.

نسألك بحق فرقانك الحكيم وبحُرمة حبيبك الاكرم صلى الله عليه وسلم

وبحق اسمائك الحسنى وبحرمة إسمك الاعظم

ان تحفظنا من شر النفس والشيطان ومن شر الجن والانسان.آمين

(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم) (*)

__________________

(1) نعم! ان عناصر الانسان مثلما تشير الى عناصر الكون وعظامه تنبئ عن أحجاره وصخوره، وأشعاره توحي الى نباتاته واشجاره، والدم الجاري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وانفه وفمه تخبر عن عيون الارض وينابيعها ومياهها المعدنية، كذلك تخبر روحُ الانسان عن عالم الارواح وحافظته عن اللوح المحفوظ وقوة خياله عن عالم المثال.وهكذا يخبر عن كلُ جهاز عن عالم ويشهد على وجوده شهادة قاطعة. - المؤلف.

(*) كليات رسائل النور - اللمعة الثلاثون - ص: 593

 


7-) التقوى والعمل الصالح

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد فكرت - في هذه الأيام - في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما اعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.

فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات.

والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات.

ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار - الأخلاقي والروحي - وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها..

تصبح التقوى أساساً عظيماً جداً بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث انها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ ان درء المفاسد أولى من جلب المنافع قاعدة مطردة في كل وقت.

وحيث ان التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى اعظم أساس واكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب.

فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جداً.

ان عملاً صالحاً ولو كان قليلاً يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة.

ثم ان هناك نوعاً من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لان ترك الحرام واجب والقيام بالواجب ثوابه اكثر من كثير من السنن والنوافل.

ففي مثل هذه الأزمان التي تهاجم الذنوب والسيئات الإنسان من كل جانب يكون اجتنابُ أثمٍ واحد مع عمل قليل، بمثابة ترك لمئات من الآثام - التي تترتب على ذلك الإثم - وقيام بمئات من الواجبات.

هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصل الا بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يصرف فيها جهداً.

ان أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدام القرآن الكريم، في هذا الوقت هي:

اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها، ثم التحرك وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسان ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئات من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل - دون ريب - الإنسان كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.

من المعلوم ان عشرين شخصاً في عشرين يوماً لا يستطيعون بناء عمارة واحدة في حين يستطيع ان يهدمها شخص واحد في يوم واحد.

لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي ان يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس. فالألوف من الهدامين لا يقابلهم الا معمر واحد وهو رسائل النور.

لذا فمقاومة خدام القرآن الكريم وحدهم تلك التخريبات المريعة إنما هي عمل خارق جداً. فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء - الروحي والأخلاقي - خوارق وفتوحات عظيمة جداً.

ولنضرب مثلاً واحداً فقط:

ان أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي: توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير. الا أننا نرى ان هذا الأساس قد تصدع كثيراً.

حتى إننا نسمع اخباراً مؤلمة جداً، وحوادث مفجعة جداً تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.

ولكن بفضل الله فان الرسائل القرآنية أينما حلت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المتين، بل حاولت تعميره.

فكما يعيث ياجوج وماجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فان فساداً أبشع من فساد ياجوج وماجوج قد دبّ في العالم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة وإلحاد شنيع..

فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.

لذا فان الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يعدّ -بإذن الله- جهاداً عظيم الثواب ، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يثابون بعمل قليل ثواباً عظيماً.

فيا اخوتي الأعزاء:

في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فان اعظم قوة لدينا - بعد قوة الإخلاص - هي قوة الاشتراك في الأعمال الأخروية إذ يكتب كل منكم في دفتر أعمال اخوته حسنات كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها.

وان أخاكم الفقير والعاجز هذا السعيد الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة.

ولا استبعد هذا منكم قط، فانتم أهل لهذا السعي، وانتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا اطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي.

وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليوم اكثر من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.(1)(*)

 

__________________________

(1) الملاحق- قسطموني/168

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:314

 


8-) غروب الشمس في عَينٍ حمئةٍ

 

 

﴿حتى اذا بَلَغَ مَغْربَ الشَمْس وَجَدَها تَغْرُبُ في عَينٍ حمئةٍ﴾(الكهف:86)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 

ان المعنى الظاهري لقوله تعالى هو انه رأى غروب الشمس في ماء عينٍ ذي طين وحرارة.

ان آيات القرآن الكريم مبينة على اساليب اللغة العربية، وبوجه يفهمه عموم الناس بظاهر النظر، لذا كثيراً ما بينت المسائل بالتشبيه والتمثيل.

فقوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ في عَينٍ حمئةٍ﴾

يعني: ان ذا القرنين قد شاهد الشمس تغرب في ما يشبه عيناً موحلة وحامية، عند ساحل البحر المحيط الغربي، أو شاهد غروبها في عين جبل بركاني ذي لهيب ودخان.

أي انه شاهد في ظاهر النظر غروبها في سواحل البحر المحيط الغربي، وفي جزء منه الذي تراءى له من بعيد كأنه بُركة او حوض عينٍ واسعة، فشاهد غروبها الظاهري خلف الابخرة الكثيفة المتصاعدة من مياه المستنقعات الواقعة عند سواحل البحر المحيط الغربي، لشدة حرارة شمس الصيف..

او شاهد اختفاء الشمس – التي هي عين السماء- (1) في عين ملتهبة انفلقت حديثاً على قمة جبل بركاني تقذف بحممها مازجة التراب والصخور والمعادن السائلة.

نعم ان تعابير القرآن الكريم البليغة المعجزة ترشد بهذه الجملة الى مسائل كثيرة:

فاولاً ان سياحة ذي القرنين كانت الى جهة الغرب.. وفي وقت عزّ الحر.. ونحو المستنقعات.. وموافقتها أوان غروب الشمس.. وحين انفلاق جبل بركاني.. كل هذا تشير به الآية الكريمة الى مسائل مليئة بالعبر منها استيلاء ذي القرنين على افريقيا استيلاءً تاماً.

ومن المعلوم ان الحركة المشهورة للشمس انما هي حركة ظاهرية، وهي دليل على حركة الارض الخفية – غير المحسوس بها – وهي تخبر عن تلك الحركة. وليس المراد حقيقة الغروب(2).

ثم ان كلمة (عين) انما هي للتشبيه، اذ البحر العظيم يُرى من بعيد كحوض صغير، فتشبيه البحر المشاهد من خلف الضباب والابخرة المتولدة من الستنقعات والبرك بلفح الحرارة بـ(عين حمئة) أي عين تنبع من طين، وكذا استعمال كلمة (عين) التي تعني في اللغة العربية: الينبوع والشمس والبصر، ينطوي على سرّ بلاغي دقيق وعلاقة وثيقة(3).

فكما بدا الغروب لنظر ذي القرنين من بُعد هكذا. فان الخطاب القرآني النازل من العرش الاعظم المهيمن على الاجرام السماوية،

حرىّ بهذا الخطاب السماوي ومنسجم مع عظمته ورفعته قوله بأن الشمس المسخرة سراجاً في مضيف رحماني، تختفي في (عين) ربانية وهي البحر المحيط الغربي، معبراً باسلوبه المعجز ان البحر (عين) حامية. نعم هكذا يبدو البحر للعيون السماوية.

حاصل الكلام:

ان التعبير بـ(عين حمئة) للبحر المحيط الغربي انما هي بالنسبة لذي القرنين الذي رأى من بُعد ذلك البحر العظيم كأنه عين ماء. أما النظر القرآني الذي هو قريب الى كل شيء، فلا ينظر نظر ذي القرنين من بعيد الذي يداخله خداع البصر، بل لانه نزل من السماء مطلعاً عليها، ولانه يرى الارض ميداناً او قصراً واحياناً مهداً او صحيفة، فان تعبيره بـ(عين) للبحر العظيم وهو المحيط الاطلسي الغربي المغطى بالضباب والابخرة انما يبين علوه ورفعته وسموه وعظمته.(*)

_______________________

(1) والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذي لا تثبت عليه العين. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور). – المترجم.

(2) جاء في تفسير البيضاوي: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك اذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال (وجدها تغرب) ولم يقل: كانت تغرب. – المترجم.

(3) ان التعبير بـ(عين) في قوله تعالى (عَينٍ حمئةٍ) يذكر برمزٍ الى معنى لطيف وسر دقيق من اسرار البلاغة، وهو ان وجه السماء بعد مشاهدته بعين الشمس جمال رحمته تعالى على وجه الارض، وان وجه الارض عقب رؤيته بعين البحر عظمته تعالى في السماء، تُطبق العينان احداهما في الاخرى، فتطبق العيون على وجه الارض.. فالآية الكريمة تذكر بكلمة واحدة وباعجاز جميل هذا المعنى اللطيف مشيرة الى ما ينهى وظيفة العيون. – المؤلف.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص:162


9-) اسرار العبادة

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِلله اَنْدَاداً وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 21-22]


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اسرار العبادة

 

اعلم!ان العبادة هي التي ترسِّخ العقائد وتُصيِّرها حالا ومَلَكة؛ اذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمِّها وتربِّها العبادة - التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي - تكن آثارُها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام(1) الحاضرة شاهدة.

واعلم أيضاً! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش والمعاد.. وسبب للكمال الشخصيّ والنوعيّ.. وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه.

أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه:

منه:ان الانسان خُلق ممتازاً ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، انتج ذلك المزاج فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة، وميَلاناً فطرياً الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. لكن لما لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْبَرَكِ(2)الجزء الاختياريّ - لا كالحيوانات التي حُددت قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد - تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل الاّ قانون كليّ، وما هو إلاّ الشريعة..ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقننِّ وصاحب ومبلّغ ومرجع، وما هو الاّ النبيّ عليه السلام.. ثم ان النبيّ لادامة حاكميته في الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج الى امتياز وتفوق مادةً ومعنى، سيرةً وصورة، خَلْقاً وخُلُقاً. ويحتاج أيضاً الى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس اطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج الى ادامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج الى مذكِّر مكرر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرر الا العبادة.

ومنه:ان العبادة لتوجيه الأفكار الى الصانع الحكيم. والتوجه لتأسيس الانقياد. والانقياد للإِيصال الى الانتظام الأكمل والارتباط به. واتباع النظام لتحقيق سر الحكمة.والحكمة يشهد عليها اتقان الصنع في الكائنات.

ومنه:ان الانسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة البرقية، قد التفّت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة اليه قوانين الفطرة، وانعكست متمركزة فيه اشعة النواميس الالهية في الكائنات. فلابد للبشر ان يتممها ويربطها وينتسب اليها ويتشبث باذيالها ليسري بالجريان العمومي حتى لا يُزلق ولايُطرد ولا يُلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي الا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.

ومنه:ان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للانسان نسبٌ كثيرة الى مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصير الشخص كنوعٍ؛ اذ كثير من الأوامر لاسيما التي لها تماس بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط به حيثيات ونظُم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت.

ومنه:ان الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات الاسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها مَلَكة راسخة فانما هي العبادة.

وأما جهة الكمال النفسيّ فاعلم!

ان الانسان مع صغر جرمه وضعفه وعجزه وكونه حيواناً من الحيوانات ينطوي على روح غال ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لاحصر لها ويشتمل على آمال لا نهاية لها، ويحوز افكاراً غير محصورة ويتضمن قوى غير محدودة مع ان فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم. فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء قيمته.. وأيضاً هي العلة لانكشاف استعداده ونموّه ليناسب السعادة الأبدية.. وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضاً هي السبب لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضا هي الصَيْقل لرَيْن الطبيعة على أعضائه المادية والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ الى عالم مخصوص ونوع اذا شف.. وأيضا هي الموصل للبشر الى شرفه اللائق وكماله المقدر، اذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر.

ثم ان الاخلاص في العبادة هو: ان تفعل لأنه أُمر بها، وان اشتمل كل أمر على حِكَم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلةُ هي الأمر، فان كانت الحكمةُ علةً فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجِّحة فجائزة.

 

_______________________

(1) العالم الاسلامي(ت: 92)

(2) النابض.

(*) كليات رسائل النور - إشارات الإعجاز- ص: (147)

 


10-) رموز تخص التوحيد

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اربعة رموز صغيرة تخصّ التوحيد:

الرمز الاول:

يا من يستمدّ من الاسباب، إنك (تنفخ من غيرِ ضَرم وتستسمن ذا ورم)(1) اذا رأيت قصراً عجيباً يُبنى من جواهر غريبة، لا يوجد وقت البناء بعضُ تلك الجواهر الاّ في الصين، وبعضها الاّ في الاندلس، وبعضها الاّ في اليمن، وبعضها الاّ في سيبريا. واذا شاهدت ان البناء يتم على أحسن ما يكون، وتجلب له تلك الاحجار الكريمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب باسرع وقت وبسهولة تامة وفي اليوم نفسه.. فهل يبقى لديك ريب في ان بناء ذلك القصر باسط هيمنته على الكرة الارضية؟.

وهكذا كلُ كائنٍ، بناءٌ، وقصر إلهي، ولاسيما الانسان. فهو من اجمل تلك القصور ومن اعجبها، لأن قسماً من الاحجار الكريمة لهذا القصر البديع من عالم الارواح، وقسم منها من عالم المثال واللوح المحفوظ، وقسم آخر من عالم الهواء، ومن عالم النور، ومن عالم العناصر. كما امتدت حاجاته الى الابد، وانتشرت آماله في اقطار السموات والارض، وشرّعت روابطه وعلاقاته في طبقات الدنيا والآخرة.

فيا هذا الانسان الذي يحسب نفسهُ انساناً، انت قصر عجيب جداً، وعمارة غريبة جداً. فما دامت ماهيتُك هكذا، فلا يكون خالقك اذاً الاّ ذلك الذي يتصرف في الدنيا والآخرة بيسر التصرف في منزلين اثنين، ويتصرف في الارض والسماء كتصرفه في صحيفتين، ويتصرف في الازل والابد كأنهما الامس والغدُ، فلا معبود يليق بك،ولا ملجأ لك، ولا منقذ الاّ ذلك الذي يحكم على الارض والسماء ويملك أزمة الدنيا والعقبى.

الرمز الثاني:

هناك بعضُ الحمقى يتوجهُ بحبه الى المرآة اذا ما رأى الشمس فيها. وذلك لعدم معرفته الشمس نفسها، فيحافظ على المرآة بحرصٍ شديد لاستبقاء الشمس، ولكيلا تضيع! ولكن اذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة، ولا تفنى بإنكسارها توجه بمحبته كلها الى الشمس التي في السماء. وعندئذٍ يُدرك أن الشمس التي تشاهَد في المرآة ليست تابعة للمرآة، ولا يتوقف بقاؤها ببقاء المرآة، بل ان بقاء حيوية المرآة وتلألأها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتها. فبقاء المرآة تابعٌ لبقاء الشمس.

فيا ايها الانسان! ان قلبك وهويتك وماهيتَك مرآةٌ، وما في فطرتك من حبّ البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها من تجلٍ لأسم الباقي ذي الجلال، الذي يتجلى فيها حسب استعداد كل انسان. ولكن صُرفَ وجهُ تلك المحبة الى جهة اخرى نتيجة البلاهة. فما دام الأمر هكذا فقل: ياباقي انت الباقي. فاذ انت موجود وباقٍ، فليفعل الفناء بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي.

الرمز الثالث:

ايها الانسان! إن من غرائب ما أودع الفاطر الحكيم في ماهيتك انه: بينما لا تسعك الدنيا احياناً فتقول: أفّ! أفّ! ضجراً كالمسجون المخنوق، وتبحث عن مكان اوسعَ منه، اذ بك تسعك خردلة من عمل، من خاطرة، من دقيقة، حتى تفنى فيها. فقلبك وفكرُك اللذان لا تسَعهما الدنيا الضخمة، تسَعهما الذرة الصغيرة، فتجول بأشد احاسيسك ومشاعرك في تلك الخاطرة الدقيقة الصغيرة.

 

وقد اودع الباريء سبحانه في ماهيتك أجهزةً ولطائف معنوية دقيقة، اذا ابتلع بعضها الدنيا فلا يشبع، ويضيق بعضها ذرعاً عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة – كالعين التي لا تتحمل شعرة والرأس الذي يتحملاثقالاً هائلة. فتلك اللطيفة لا تتحمل ثقلاً كالشعرة الدقيقة، أي لا تتحمل حالة هينة جداً نشأت من الضلالة ونجمت من الغفلة. بل قد تنظفىء جذوتها وتموت.

فاحذر! وخفف الوطء، وخِفْ من الغَرق، فيغرق معك ألطف لطائفك التي تبتلع الدنيا في أكلة، او كلمة، او لمعةَ، او شارة، او بقلة، او قبلة. فهناك اشياء صغيرة جداً تتمكن – في جهة – ان تستوعب ما هو ضخم جداً. فانظر ان شئت كيف تغرق السماء بنجومها في مرآة صغيرة، وكيف كتب الحق سبحانه في خردلة حافظتك اكثر ما في صحيفة اعمالك واغلب ما في صحائف اعمارك. فسبحانه من قادر قيوم!.

الرمز الرابع:

يا عابد الدنيا! ان دنياك التي تتصورها واسعةً فسيحةً ما هي الاّ كالقبر الضيق، ولكن جدرانه من مرآةٍ تتعاكس فيها الصور، فتراه فسيحاً رحباً واسعاً مدّ البصر، فينما منزلك هذا هو كالقبر تراه كالمدينة الشاسعة، ذلك لأن الجدار الأيمن والايسر لتلك الدنيا واللذين يمثلان الماضي والمستقبل – رغم انهما معدومان وغير موجودين – فانهما كالمرآة تعكسان الصور في بعضهما البعض الآخر فتوسّعان وتبسطان اجنحة زمان الحال الحاضرة الذي هو قصيرة جداً وضيق جداً. فتختلط الحقيقة بالخيال، فترى الدنيا المعدومة موجودةً. فكما ان خطاً مستقيماً وهو في حقيقته رفيعٌ جداً، إذا ما تحرك بسرعة يظهر واسعاً كأنه سطح كبير، كذلك دنياك انت، هي في حقيقتها ضيقة جداً، جدرانها قد توسعت ومدّت بغفلتك وتوهم خيالك، حتى اذا ما تحرك رأسك من جراء مصيبة اصابتك، تراه يصدم ذلك الجدار الذي كنت تتصوره بعيداً جداً. فيطير ما تحمله من خيال، ويطرد نومك. وعندئذ تجد دنياك الواسعة أضيقَ من القبر، وترى زمانك وعمرك يمضي اسرع من البرق، وتنظر الى حياتك تراها تسيل اسرع من النهر.

فما دامت الحياة الدنيا والعيش المادي والحياة الحيوانية هكذا، فانسلْ اذن من الحيوانية، ودع المادية، وادخل مدارج حياة القلب.. تجد ميدان حياةٍ أرحب، وعالم نورٍ اوسع مما كنت تتوهمه من تلك الدنيا الواسعة.

وما مفتاح ذلك العالم الأرحب الاّ معرفةُ الله، وانطاقُ اللسان وتحريك القلب، وتشغيل الروح بما تفيده الكلمة المقدسة (لا إله الاّ الله) من معانٍ واسرار.(*)

 

____________________________

(1) نفخت في غير ضرم… مثل يضرب لمن يصنع الشيء في غير موضعه. والضرم: النار أو الحطب السريع الالتهاب، ونفخ في غير ضرم أي في مكان لا نار فيه. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:205


11-) الاسباب التي تخل بالاخلاص وتمنعه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَد خَابَ مَنْ دَسّاها } [الشمس:9، 10]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , يَقُولُ : أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِيَ شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إِلا مَا أُخْلِصَ لَهُ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ , فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ , فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ ] (1)

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاسباب التي تخل بالاخلاص  وتمنعه

 

سنبين باختصار بعضاً من الاسباب العديدة التي تخل بالاخلاص وتمنعه، وتسوق الى الرياء وتدفع اليه:

"المانع الاول للاخلاص"

الحسد الناشئ من المنافع المادية. هذا الحسد يفسد الاخلاص تدريجياً، بل يشوه نتائج العمل، بل يفوّت حتى تلك المنافع المادية ايضاً.

نعم، لقد حملت هذه الامة دائماً التوقير والقدر للعاملين بجد للحقيقة والآخرة، ومدت لهم يد العون فعلاً، وذلك بنية مشاركتهم في تلك الاعمال والخدمات الصادقة الخالصة لوجه الله. فقدمت لهم هدايا وصدقات لدفع حاجاتهم المادية ولئلا ينشغلوا بها عن خدماتهم الجليلة، فأظهروا بذلك ما يكنونه من احترام للعاملين في سبيل الله. الا ان هذه المساعدات والمنافع يجب ألا تُطلب قط، بل تُوهب. فلا يُسأل حتى بلسان الحال كمن ينتظرها قلباً. وانما تُعطى من حيث لا يحتسب وإلاّ اختلّ اخـلاص المـرء وانتقـض، وكاد ان يدخـل ضمن النهي الإلهي في قوله تعالى: (وَلاَ تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنَاً قَليلاً) فيحبط قسم من اعماله.

فالرغبة في هذه المنافع المادية وترقبها بدافع من اثرة النفس الامارة وحرصها على كسب المنافع لذاتها، تثير عرق الحسد وتحرك نوازعه تجاه اخيه الحقيقي وصاحبه المخلص في الخدمة الايمانية، فيفسد اخلاصه ويفقد قدسية دعوته لله، ويتخذ طوراً منفراً لدى اهل الحقيقة، بل يفقد المنافع المادية ايضاً.. وعلى كل حال فالمسألة طويلة.

وسأذكر ما يزيد سرّ الاخلاص ويديم الوفاق الصادق بين اخوتي الصادقين. اذكره ضمن مثالين:

المثال الاول "لإدامة الاخلاص":

لقد اتخذ ارباب الدنيا "الاشتراك في الاموال" قاعدة يسترشدون بها لاجل الحصول على ثروة طائلة او قوة شديدة، بل اتخذ من لهم التأثير في الحياة الاجتماعية - من اشخاص او جماعات وبعض الساسة - هذه القاعدة رائداً لهم. ولقد كسبوا نتيجة اتباعهم هذه القاعدة قوة هائلة وانتفعوا منها نفعاً عظيماً، رغم ما فيها من اضرار واستعمالات سيئة، ذلك لان ماهية الاشتراك لا تتغير بالمساوئ والاضرار التي فيها، لأن كل شخص - وفق هذه القاعدة - يحسب نفسه بمثابة المالك لجميع الاموال، وذلك من زاوية مشاركته في المال ومن جهة مراقبته واشرافه عليه، برغم انه لا يمكنه ان ينتفع من جميع الاموال.. وعلى كل حال فان هذه القاعدة اذا دخلت في الاعمال الاخروية فستكون محوراً لمنافع جليلة بلا مساوئ ولا ضرر. لان جميع تلك الاموال الاخروية تحمل سر الدخول بتـمامـها في حـوزة كـل فـرد مـن اولئك الافـراد المشتركين فيها، دون نقصان او تجزئة.

ولنفهم هذا بمثال:

اشترك خمسة اشخاص في اشعال مصباح زيتي. فوقع على احدهم احضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرابع المصباح نفسه وعلى الاخير علبة الكبريت..فعندما اشعلوا المصباح اصبح كل منهم مالكاً لمصباح كامل. فلو كان لكل من اولئك المشتركين مرآة كبيرة معلقة بحائط، اذن لاصبح منعكساً في مرآته مصباح كامل - مع ما في الغرفة - من دون تجزؤ او نقص..

وهكذا الامر في الاشتراك في الامور الاخروية بسر الاخلاص، والتساند بسر الاخوة، وضم المساعي بسر الاتحاد، اذ سيدخل مجموع اعمال المشتركين، وجميع النور النابع منها، سيدخل بتمامه في دفتر اعمال كل منهم.. وهذا امر مشهود وواقع بين اهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة رحمة الله سبحانه وكرمه المطلق.

فيا اخوتي..! آمل اَلاّ تسوقكم المنافع المادية الى الحسد فيما بينكم ان شاء الله تعالى. الا انكم قد تنخدعون كما انخدع قسم من اهل الطرق الصوفية، من باب المنافع الاخروية. ولكن تذكروا.. اين الثواب الشخصي والجزئي من ذلك الثواب العظيم الناشئ في افق الاشتراك في الاعمال المذكورة في المثال، واين النور الجزئي من ذلك النور الباهر.

المثال الثاني "لإدامة الاخلاص":

يحصل الصناعيون واهل الحرف على الانتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة "المشاركة في الصنعة والمهارة". واليك المثال:

قام عشرة من صناعي ابر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث ابر فقط لكل منهم في اليوم الواحد.. ثم اتفق هؤلاء الاشخاص حسب قاعدة "توحيد المساعي وتوزيع الاعمال" فأتى احدهم بالحديد والاخر بالنار، وقام الثالث بثقب الابرة والاخر ادخالها النار والاخر بدأ يحدها.. وهكذا.فلم يذهب وقت احد سدى، حيث انصرف كل منهم الى عمل معين وانجزه بسرعة، لانه عمل جزئي بسيط اولاً ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانياً. وحينما وزعوا حصيلة جهودهم رأوا ان نصيب كل منهم في يوم واحد ثلاثمائة ابرة بدلاً من ثلاث ابر.. فذهبت هذه الحادثة انشودة يترنم بها اهل الصناعة والحرف، الذين يدعون الى توحيد المساعي وتوزيع الاعمال.

فيا اخوتي! ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاتفاق في امور دنيوية وفي مواد كثيفة، فكم يكون يا ترى ثواب اعمال اخروية ونورانية! وكم يكون الثواب المنعكس من اعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فرد منها!

تلك الاعمال التي لا تحتاج الى تجزئة ولا انقسام. فلكم ان تقدروا ذلك الربح العظيم..فإن مثل هذا الربـح العظيم لا يُفوّت بالحـسد وعدم الاخلاص..!

 

"المانع الثاني للاخلاص":

هو اعطاء ما يداعب انانية النفس الامارة بالسوء وما تستشرفه من منزلة ومكانة، تتوجه اليها الانظار، وحب اقبال الناس وطلب توجههم بدافع من حب الشهرة وذياع الصيت الناشئ من التطلع الى الجاه وحبه... فكما ان هذا داء روحي وبيل، فهو باب الى "الشرك الخفي" الذي هو الرياء والاعجاب بالنفس الماحق للاخلاص.

يا اخوتي! لما كان مسلكنا في خدمة القرآن الكريم مبنياً على الحقيقة وعلى الاخوة، وان سر الاخوة هو في افناء الفرد شخصيته في شخصية اخوانه [2]وايثارهم على نفسه، فما ينبغى ان يؤثر فينا مثل هذا الحسد الناجم من حب الجاه، حيث هو مناف كلياً لمسلكنا، اذ مادامت كرامة جميع الاخوان وشرفهم تعود الى كل اخ في الجماعة، فلا يمكن ان تُضحى بتلك المنزلة الرفيعة والكرامة الفائقة والشرف المعنوي السامي للجماعة، لاجل شهرة جزئية وعزة شخصية ناجمة من الانانية والحسد.. فأنا على ثقة وامل ان ذلك بعيد كل البعد عن طلاب النور.

نعم، ان قلوب طلاب النور وعقولهم وارواحهم لا تنحدر الى مثل هذه الامور السافلة، الا انه ما من احد الا يحمل نفساً امارة بالسوء، فقد تسري امورٌ ونوازع نفسانية في العروق وتتعلق بالاعصاب وتجري احكاماً برغم العقل والقلب والروح. فاعتماداً على ما تتركه رسائل النور فيكم من آثار، فلا اتهم قلوبكم وعقولكم وارواحكم. الا ان النفس والهوى والحس والوهم قد يُخدع؛ لذا يأتيكم التحذير والتنبيه احياناً بشدة وعنف.فتلك الشدة موجهة الى النفس والهوى والحس والوهم، فكونوا على حذر دائماً.

نعم لو كان مسلكنا طريقة خاصة ومشيخة، لكان هناك اذاً مقام واحد، او عدد محدود منه، ولكان هناك مرشحون كثيرون لذلك المقام. وعندها كان يمكن ان تحدث الغبطة والانانية في النفوس. ولكن مسلكنا هو الاخوة، لا غير. فلا يدعي

الاخ على اخيه الابوة، ولا يتزيا بزي المرشد له. فالمقام هنا في الاخوة فسيح واسع، لا مجال فيه للمـزاحمة بالغبطـة، وان كـان لابد فالاخ معـاون لاخيه مكمّل لعـمله، وظهير له.

ومما يدل على ان في المسالك التي فيها مقام الابوة والارشاد والاستاذية نتائج خطرة مهلكة تنجم من المنافسة والحسد حرصاً على الثواب وتطلعاً الى علو الهمة، اقول ان الدليل على ذلك هو تلك الاختلافات والمشاحنات الدائرة في ثنايا المزايا الجليلة والمنافع العظيمة التي يتمتع بها اهل الطرق الصوفية، والتي ادّت بهم الى نتائج وخيمة جعلت قواهم السامية الهائلة لا تثبت امام اعاصير البدع.

"المانع الثالث للاخلاص":

هو الخوف والطمع. نحيل الى رسالة "الهجمات الست"(3) حيث شرحت هذا المانع مع موانع اخرى بوضوح تام.

نسأل الله الرحمن الرحيم سبحانه مشفّعين جميع اسمائه الحسنى أن يوفقنا الى الاخلاص التام. آمين.

اَللّهُمَّ بِحَقِّ سُوَرَةِ الاِخلاصِ اِجعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْـمُخْلِصينَ الْـمُخلَصينَ.

آمينْ.. آمين.

(سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنآ اِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا اِنِّكَ اَنْتَ العَليمُ الحَكيمُ) (*)

 

(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 51/ 3) واللفظ له، الخطيب في المتفق والمفترق (1/341/767)، وابن قانع في معجم الصحابة (729) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (7).

(2) نعم، ان السعيد هو مَن يرمي شخصيته، ويذيب انانيته التي هي كقطعة ثلج في الحوض العظيم اللذيذ المترشح من كوثر القرآن الكريم كي يغنم ذلك الحوض. – المؤلف.

(3) وهي القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين الذي كتب تنبيهاً لتلاميذ القرآن عن ست من دسائس الشيطان

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الحادية والعشرون ص (247)

 

 

 


12-) رسـالـة الشـكر

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
(وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ)
يفيض القرآن الكريم ببيانه المعجز ويحثّ على الشكر في آيات كثيرة، منها هذه الآيات التاليات:
(اَفَلاَ يَشْكُرُون) (يس:35).... (اَفَلاَ يَشْكُرُوُن) (يس:73)
(وَسَنَجْزى الشَّاكرينَ)(آل عمران:145)
(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزيدَنَّكُمْ) (ابراهيم:7)
(بَلِ الله فَاعْبُد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين) (الزمر:66)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 

الاستغناء عن الشكر تكذيب للنعم الالهية 

ويبيّن منها: أن اجلّ عملٍ يطلُبُه الخالُق الرحيم من عباده هو: الشُكر. فيدعو الناس الى الشكر دعوة صريحة واضحة ويوليه أهمية خاصة باظهاره أن الاستغناء عن الشكرتكذيب للنعم الإلهية وكفران بها، ويهدّد إحدى وثلاثين مرة في سورة "الرحمن" بالآية الكريمة : (فَبَايّ آلاءِ رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تهديداً مُرعباً، ويُنذر الجن والإنس إنذاراً مهولاً ببيانه: ان عدم الشكر والإعراض عنه تكذيبٌ وإنكار وجحود.
ومثلما يبيّن القرآن الحكيم أن الشكر نتيجة الخلق والغاية منه، فالكون الذي هو بمثابة قرآن كبير مجسّم يُظهِر أيضاً أن اهمّ نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر؛ ذلك لأنه اذا ما أنعم النظر في الكائنات لتبيّن:
ان هيأة الكون ومحتوياته قد صُممت بشكل ووُضعت على نمط، بحيث تنتج الشكر وتُفضي اليه، فكل شئ متطلّع ومتوجّه - من جهة - الى الشكر، حتى كأن أهم ثمرة في شجرة الخلق هذه هي الشكر، بل كأن أرقى سلعة من بين السلع التي ينتجها مصنع الكون هذا هي الشكر؛ ذلك لأننا نرى:
انموجودات العالم قد صُممت بطراز يشبه دائرة عظيمة، وخُلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها، فنرى: ان جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه اليها، وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها. فخالق الكون اذن يختار الحياة ويصطفيها من بين موجوداته!
ثم نرى ان موجودات عوالم ذوى الحياة هي الاخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة بحيث يتبوّأ الانسانُ فيها مركزها؛ فالغايات المرجّوة من الاحياء عادة تتمركز في هذا الانسان. والخالق الكريم سبحانه يحشّد جميع الأحياء حول الانسان ويسخّر الجميع لأجله وفي خدمته، جاعلاً من هذا الانسان سيداً عليها وحاكماً لها. فالخالق العظيم اذن يصطفي الانسان من بين الاحياء بل يجعله موضع إرادته ونصبَ اختياره.
ثم نرى ان عالم الانسان بل عالم الحيوان ايضاً يتشكل بما يشبه دائرة كذلك، وقد وُضع في مركزها "الرزق"، وغرز الشوق الى الرزق في الانسان والحيوانات كافة، فنرى أنهم قد أصبحوا جميعاً بهذا الشوق خَدَمة الرزق والمسخَّرين له. فالرزق يحكمهم ويستولى عليهم. ونرى الرزق نفسه قد جُعل خزينة عظيمة لها من السعة والغنى ما لو تجمعت نِعَمه فلا تعد ولا تحصى (حتى نرى القوة الذائقة في اللسان قد زوّدت بأجهزة دقيقة وموازين معنوية حساسة بعدد المأكولات والمطعومات لمعرفة أذواق نوع واحد من انواع الرزق الكثيرة). فحقيقة الرزق اذن هي أعجب حقيقة في الكائنات واغناها، واغربها،وأحلاها وأجمعها.
ونرى كذلك: أنه مثلما يحيط كل شئ بالرزق ويستشرفه ويتطلع اليه، فالرزق نفسه ايض - بأنواعه جميعاً ـ قائم بالشكر معنىً ومادةً وحالاً ومقالاً، ويحصل بالشكر، وينتج الشكر، ويبيّن الشكر ويُريه؛ لان اشتهاء الرزق والإشتياق اليه نوعٌ من شكر فطري. أما الالتذاذ والتذوق فهما شكرٌ ايضاً، ولكن بصورة غير شعورية - حيث تتمتع الحيوانات كافة بهذا الشكر - بيد أن الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يغيّر ماهية ذلك الشكر الفطري بانسياقه الى الضلالة والكفر، فيتردى من الشكر الى الشرك.
ثم ان ما تحمله النعم - التي هي الرزق بعينه - من صورٍ جميلة زاهية بديعة، ومن روائح زكية طيبة شذية، ومن طعوم لذيذة ومذاقات طيبة، ما هو إلاّ دعاة وأدلاّء الى 
الشكر.فهؤلاء الادلاء والدعاة المنادون يثيرون بدعواهم الشوق لدى الاحياء، ويحضّونهم عليه، ويدفعونهم - بهذا الشوق - الى نوع من الاستحسان والتقدير والاحترام فيقروّن فيهم شكراً معنوياً. ويلفتون أنظار ذوي الشعور الى التأمل والإمعان فيها فيرغّبونهم في الاستحسان والاعجاب، ويحثونهم الى احترام النعم السابغة وتقديرها. فتُرشدهم تلك النِعم الى طريق الشكر القولي والفعلي وتدلّهم عليه وتجعلهم من الشاكرين، وتذيقهم من خلال الشكر أطيبَ طَعمٍ وألذهُ وأَزكى ذوق وأنفسه، وذلك بما تُظهر لهم بأن هذا الرزق اللذيذ او النعمة الطيبة، مع لذته الظاهرة القصيرة الموقتة يهب لك بالشكر التفكر في الالتفات الرحماني الذي يحمل لذة وذوقاً حقيقيين ودائميين وغير متناهيين. اي ان الرزق بتذكيره بالتفات الكريم المالك لخزائن الرحمة الواسعة - تلك الالتفاتة والتكرمة التي لا حدَّ للذاتها ولا نهاية لمتعته - تذيق الانسان بهذا التأمل نشوة معنوية من نشوات الجنة الباقية وهو بعدُ لم يغادر هذه الدنيا.
في الوقت الذي يكون الرزق بوساطة الشكر خزينة واسعة جامعة تطفح بالغناء والمتعة، يتردى تردياً فظيعاً جداً بالتجافي عن الشكر والاستغناء عنه.
ولقد بيّنا في "الكلمة السادسة": ان عمل القوة الذائقة في اللسان إن كان متوجهاً الى ا سبحانه وفي سبيله، أي عندما تتوجه الى الرزق أداءً لمهمة الشكر المعنوي، تكون تلك القوة والحاسة في اللسان بمثابة مشرف موقّر شاكر، وتكون بحكم ناظر محترم حامد، على مطابخ الرحمة الإلهية المطلقة. ولكن متى ما قامت بعملها رغبةً في هوى النفس الأمارة بالسوء واشباعاً لنهمها، أي اذاتوجهت الى النعمة مع عدم تذكر شكر المُنعم الذي أنعم عليه بالرزق، تهبط تلك القوة الذائقة في اللسان من ذلك المقام السامي، مقام الراصد الأمين، الى درجة بواب مصنع البطن، وحارس اسطبل المعدة. ومثلما ينتكس خادمُ الرزق هذا الى الحضيض بالاستغناء عن الشكر، فماهية الرزق نفسها وخدام الرزق الآخرون كذلك يهوون جميعاً بالنسبة نفسها من أسمى مقام الى ادناه، بل حتى يتدنى الى وضع مباين تماماً لحكمة الخالق العظيم.
ان مقياس الشكر هو القناعة، والاقتصاد، والرضا، والامتنان. أما مقياس عدم الشكر والاستغناء عنه فهو الحرص، والاسراف، وعدم التقدير والاحترام، وتناول كل ما هب ودّب دون تمييز بين الحلال والحرام.
نعم ان الحرص مثلما أنه عزوف وإعراض عن الشكر، فهو ايضاً قائد الحرمان ووسيلة الذل والإمتهان. حتى كأن النملة - تلك الحشرة المباركة المالكة لحياة اجتماعية - تُداس تحت الاقدام وتنسحق، لشدة حرصها وضعف قناعتها، اذ بينما تكفيها بضع حبات من الحنطة في السنة الواحدة تراها تجمع ألوف الحبات اذا ما قدّر لها أما النحلة الطيبة، فتجعلها قناعتها التامّة ان تطير عالياً فوق الرؤوس، حتى انها تقنع برزقها وتقدّم العسل الخالص للانسان احساناً منها بأمر الآله العظيم جل جلاله.
نعم ان إسم "الرحمن" الذي هو من أعظم أسمائه سبحانه وتعالى يعقبُ لفظ الجلالة " الله " الذي هو الاسم الاعظم والاسم العَلَمُ للذات الأقدس. فهذا الاسم "الرحمن" يشمل برعايته الرزق؛ لذا يمكن الوصول الى انوار هذا الاسم العظيم بالشكر الكامن في طوايا الرزق. علماً ان أبرز معاني "الرحمن" هو الرزاق.
ثم ان للشكر انواعاً مختلفة، الاّ أن أجمع تلك الانواع واشملها والتي هي فهرسها العام هو: الصلاة!.
وفي الشكر ايمان صافٍ رائق، وهو يحوى توحيداً خالصاً؛ لأن الذي يأكل تفاحة - مثل - باسم الله ويختم أكلها بـ "الحمد لله" إنما يعلن بذلك الشكرَ، على ان تلك التفاحة تذكار خالص صادر مباشرةً من يد القدرة الإلهية، وهي هدية مهداة مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية. فهو بهذا القول وبالاعتقاد به يسلّم كلَّ شئ - جزئياً كان أم كلي - الى يد القدرة الإلهية، ويُدرك تجلّى الرحمة الإلهية في كل شئ. ومن ثم يُظهر ايماناً حقيقياً بالشكر، ويبيّن توحيداً خالصاً به.
وسنبين هنا وجهاً واحداً فقط من بين وجوه الخسران الكثيرة التي يتردى اليها الانسان الغافل من جراء كفرانه النعمة وكنوده بها.
اذا تناول الانسان نعمةً لذيذة، ثم أدى شكره عليها، فان تلك النعمة تصبح - بوساطة ذلك الشكر ـ نوراً وضّاءً له، وتغدو ثمرة من ثمار الجنة الاُخروية، وفضلاً عما 
تمنحه من لذة، فان التفكر في أنها أثرٌ من آثار التفات رحمة الله الواسعة وتكرمة منه سبحانه وتعالى يمنح تلك النعمة لذةً عظيمة دائمة وذوقاً سامياً لاحد له. فيكون الشاكر قد بعث أمثال هذه اللّباب الخالصة والخلاصات الصافية والمواد المعنوية الى تلك المقامات السامية الرفيعة، تاركاً موادَّها المهملة وقشرتَه - التي استنفدت اغراضها وأدّت وظيفتها ولم تعد اليها حاجة - يتم تحولها الى نفايات وفضلات تعود الى أصلها من العناصر الاولية.
ولكن ان لم يشكر المنعم عليه، ربَّه على النعمة، واستنكف عنها، فان تلك اللذة الموقتة تترك بزوالها ألماً وأسفاً، وتتحول هي نفسها الى قاذورات. فتنقلب تلك النعمة التي هي ثمينة كالألماس الى فحم خسيس.
فالأرزاق الزائلة تثمر بالشكر لذائذ دائمة وثمرات باقية، أما النعم الخالية من الشكر فانها تنقلب من صورتها السامية الجميلة الزاهية الى صورة دنيئة قبيحة دميمة؛ ذلك لأن الغافل يظن ان مآل الرزق بعد اقتطاف اللذة المؤقتة منه هو الفضلات!.
حقاً، ان الرزق صورة وضّاءةً تستحق الحب والعشق، تلك التي تظهر بالشكر، والاّ فان عشق الغافلين والضالين للرزق وتلهفهم عليه ما هو إلاّ بهيمية حيوانية..
قس على هذا.. لتعلم مدى خسارة أهل الضلالة والغفلة ومدى فداحة أمرهم! 
إن اشد الاحياء حاجةً الى الرزق والى انواعه هو الانسان! فالحق سبحانه وتعالى قد خلق هذا الانسان مرآة جامعة لجميع اسمائه الحسنى، وأبدعه معجزةً دالّة على قدرته المطلقة. فهو يملك اجهزة يتمكن بها تثمين وتقدير جميع مدّخرات خزائن رحمته الواسعة ومعرفتها.. وخلقه على صورة خليفة الارض الذي يملك من الأجهزة الحساسة ما يتمكن بها من قياس أدق دقائق تجليات الاسماء الحسنى.. فلأجل كل هذا فقد اودع سبحانه في هذا الانسان فاقةً لاحدّ لها، وجعله محتاجاً الى انواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي. وما الوسيلة التي تمكّن الانسانَ من العروج بها الى اسمى مقام وهو مقام "احسن تقويم" ضمن ما يملكه من الجامعية الاّ الشكر.
فاذا انعدم الشكر يتردى الانسان الى اسفل سافلين ويكون مرتكباً ظلماً عظيماً..
الخلاصة:
ان الشكر هو اعظم اساس من الاسس الاربعة التي يستند اليها سالك اسمى طريق واعلاه اَلا وهو طريق العبودية والحب للّه تعالى والمحبوبية.
وقد عُبّر عن تلك الاسس الأربعة بـ:
در طريق عجزى مندى لازم آمد جار جيز:
عجزِ مطلق فقرِ مطلق شوقِ مطلق شكرِ مطلق أي عزيز!".(1)

اللّهُمّ اجعلنا من الشاكرين برحمتك يا ارحم الراحمين.
(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم)
اللّهم صل وسلم على سيدنا محمدٍ سيد الشاكرين والحامدين وعلى آله وصحبه اجمعين.
(وآخرُ دَعواهم أن الحمدُ لله رب العالمين).(*)


________________________________________
[1] أي: ايها العزيز، يا صاحبَ العجز، إعلم ان عليك ان تعمل باربعة اشياء: العجز المطلق، الفقر المطلق، الشوق المطلق، الشكر المطلق..
(*) كليات رسائل النور-المكتوب الثامن والعشرون - ص:469


13-) اضرار المبالغة واطلاق الكلام جزافا


بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } (سورة المائدة: 77) 
( هلك المتنطعون )(1)


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
اضرار المبالغة واطلاق الكلام جزافا
المبالغة تشوش الامور وتبلبلها، لان من سجايا البشر: مزج الخيال بالحقيقة، بميل الى الاستزادة في الكلام فيما إلتذ به، والرغبة في اطلاق الكلام جزافاً فيما يصف، والانجذاب الى المبالغة فيما يحكى. وبهذه السجية السيئة يكون الاحسان كالافساد، ومن حيث لا يعلم يتولد النقصان من حيث يزيد، وينجم الفساد من حيث يصلح، وينشأ الذم من حيث يمدح، ويتولد القبح من حيث يُحسن.. وذلك لإخلاله - من حيث لا يشعر -بالحسن الناشئ من الانسجام والموازنة (في المقاصد).
فكما ان الاستزادة من دواء شاف قلبٌ له الى داء، كذلك المبالغون في الترغيب والترهيب، المستغني عنهما الحق، كجعل الغيبة كالقتل او اظهار التبول وقوفاً بدرجة الزنا او التصدق بدرهم مكافئ لحجّة... وامثالها من الكلمات غير الموزونة التي يطلقها المبالغون انما يستخفون بالزنا والقتل ويهوّنون شأن الحج.
فبناءً على هذا: لا بد ان يكون الواعظ حكيماً، وذا دراية بالمحاكمات العقلية. 
نعم!ان الوعاظ الذين لا يملكون موازين، ويطلقون كلامهم جزافاً، قد سببوا حجب كثير من حقائق الدين النيّرة. فمثلاً: الزيادة التي زيدت في معجزة انشقاق القمر الباهرة بالمبالغة في الكلام، وهي ان القمر قد نزل من السماء ودخل تحت أبط الرسول صلى الله عليه وسلم ثم رجع الى السماء. هذه الزيادة، جعلت تلك المعجزة الباهرة كالشمس، مخفيةً كنجم السهى، وجعلت ذلك البرهان للنبوة الذي هو كالقمر، مخسوفاً، وفتحت ابواب حجج تافهة للمنكرين.
حاصل الكلام:
يجب على كل محبّ للدين وعاشق للحقيقة: الاطمئنان بقيمة كل شئ وعدم اطلاق الكلام جزافاً وعدم التجاوز. اذ المبالغة افتراء على القدرة الالهية. وهي فقدان الثقة بالكمال والحسن في العالم واستخفاف بهما واللذين ألجآ الامام الغزالي الى القول: "ليس في الامكان أبدع مما كان".
أيها السيد المخاطب! قد يؤدي التمثيل أيضاً ما يؤديه البرهان من عمل. فكما ان لكل من الالماس والذهب والفضة والرصاص والحديد قيمتها الخاصة، وخاصيتها الخاصة بها، وهذه الخواص تختلف، والقيم تتفاوت. كذلك مقاصد الدين تتفاوت من حيث القيمة والادلة. فان كان وضع أحدها الخيال، فموضع الآخر الوجدان والآخر في سر الاسرار. ان من أعطى جوهرة أو ليرة ذهبية في موضع فلس او عشر بارات، يحجر عليه لسفهه، ويمنع من التصرف في أمواله. واذا انعكست القضية فلا يسمع الاّ كلمات الاستهزاء والاستخفاف، اذ بدلاً من ان يكون تاجراً صار محتالاً يسخر منه. كذلك الامر في من لا يميز الحقائق الدينية ولايعطي لكل منها ما يستحقه من حق واعتبار، ولا يعرف سكة الشريعة وعلامتها في كل حكم. كل حكم شبيه بجزء ترس يدور على محوره لمعمل عظيم. فالذين لا يميزون يعرقلون تلك الحركة. مثلهم في هذا كمثل جاهل شاهد ترساً صغيراً لطيفاً في ماكنة جسيمة، وحاول الاصلاح وتغيير ذلك الوضع المتناسق. ولكن لعدم رؤيته الانسجام الحاصل بين حركة الترس الصغير والماكنة الكبيرة وجهله بعلم المكائن، فضلاً عن غرور النفس الذي يغريه ويخدعه بنظره السطحي؛ تراه يخلّ بنظام المعمل من حيث لا يشعر ويكون وبالاً على نفسه.


زبدة الكلام:
ان الشارع سبحانه وتعالى قد وضع سكته وختمه المعتمد على كل حكم من احكام الشرع. ولابد من قراءة تلك السكة والختم. فذلك الحكم مستغن عن كل شئ سوى قيمته وسكته. فهو في غنىً عن تزيين وتصرف الذين يلهثون وراء المبالغين والمغالين والمنمقين للّفظ.وليعلم هؤلاء الذين يطلقون الكلام جزافاً، كم يكونون ممقوتين في نظر الحقيقة في نصحهم الآخرين. فمثلاً: لم يكتف احدهم بالزجر الشرعي لتنفير الناس عن المسكرات فقال كلاماً امام جمع غفير من الناس اخجل من كتابته، وقد شطبته بعد كتابته.
فيا هذا! انك بكلامك هذا تعادي الشريعة! وحتى ان كنت صديقاً فلا تكون الاّ صديقاً أحمق، واضرّ على الدين من عدوه.
خاتمة:
ايها الظالمون الذين يحاولون جرح الاسلام ونقده من بعيد، من الخارج. زنوا الامور بالمحاكمة العقلية. ولاتنخدعوا ولاتكتفوا بالنظر السطحي. فهؤلاء الذين أصبحوا سبباً لاعذاركم الواهية - في نقد الاسلام - يسمّون بلسان الشريعة "علماء السوء". فانظروا الى ما وراء الحجاب الذي ولّده عدم موازنتهم الامور، وتعلقهم الشديد بالظاهر، سترون: ان كل حقيقة من حقائق الاسلام برهان نيّر كالنجم الساطع، يتلألأ عليه نقش الازل والابد.
نعم، ان الذي نزل من الكلام الازلي يمضي الى الابد والخلود. ولكن - يا للاسف - يلقي احدهم ذنوبه على الاخرين ليبرئ نفسه، وما ذلك الاّ من حبه لها وانحيازه اليها ومن عجزه وانانيته وغروره. وهكذا يسند كلامه الذي يحتمل الخطأ او فعله القابل للخطأ الى شخص معروف، او الى كتاب موثوق، بل حتى احياناً الى الدين، وغالباً الى الحديث الشريف، وفي نهاية المطاف الى القدر الالهي. وما يريد بهذا الا تبرئة نفسه. 
حاشلله ثم حاشَ لله. فلا يرد الظلامُ من النور. وحتى لو ستر النجوم المشاهدة في مرآته لا يستطيع ستر نجوم السماء. بل هو العاجز عن الرؤية والابصار.
أيها السيد المعترض! انه ظلم فاضح جعل الشبهات الناشئة من سوء فهم الاسلام والاحوال المضطربة الناشئة من مخالفة الشريعة، ذريعة لتلويث الاسلام. وما هذا الاّ كالعدو الذي يتذرع لأي سبب كان للانتقام والثأر. او مثل الطفل الذي يروم البكاء لأتفه سبب. اذ ان كل صفة من صفات المسلم لا يلزم ان تكون ناشئة من الاسلام.(*)
________________
(1) صحيح مسلم: كتاب العلم (2670)
(*) صيقل الإسلام/محاكمات - ص: 46


14-) حكمة انقسام المجتمع الى طوائف وقبائل

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يا ايها الناس إناّ خلقناكُم مِن ذَكَرٍ واُنثى وجَعَلناكُم شُعوباً وقبائلَ لِتعارفوا } [الحجرات:13]


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

حكمة انقسام المجتمع الى طوائف وقبائل

 

اي:خلقناكم طوائف وقبائل وامماً وشعوباً كي يعرف بعضكم بعضاً وتتعرفوا على علاقاتكم الاجتماعية، لتتعارفوا فيما بينكم، ولم نجعلكم قبائل وطوائف لتتناكروا فتتخاصموا.

في هذا المبحث سبع مسائل:

المسألة الاولى: ان الحقيقة الرفيعة التي تفيدها هذه الآية الكريمة تخص الحياة الاجتماعية، لذا اضطررت الى كتابة هذا المبحث بنية خدمة القرآن العظيم، وعلى أمل إنشاء سدٍ امام الهجمات الظالمة. فكتبته بلسان (سعيد القديم) الذي له علاقة بالحياة الاجتماعية الاسلامية، وليس بلسان (سعيد الجديد) الذي يريد اجتناب الحياة الاجتماعية.(1)

المسألة الثانية: نقول بياناً لدستور التعارف والتعاون الذي تشير اليه هذه الآية الكريمة انه:

يقسّم الجيش الى فيالق والى فرق والى ألوية والى أفواج والى سرايا والى فصائل والى حظائر، وذلك ليعرف كل جندي واجباته حسب تلك العلاقات المختلفة المتعددة، وليؤدي افراد ذلك الجيش تحت دستور التعاون وظيفة حقيقية عامة لتصان حياتهم الاجتماعية من هجوم الاعداء. والاّ فليس هذا التقسيم والتمييز الى تلك الاصناف، لجعل المنافسة بين فوجين او اثارة الخصام بين سريتين او وضع التضاد بين فرقتين.

وكذلك الامر في المجتمع الاسلامي الشبيه بالجيش العظيم، فقد قُسّم الى قبائل وطوائف، مع ان لهم ألف جهة وجهة من جهات الوحدة ؛ اذ خالقهم واحد، ورازقهم واحد، ورسولهم واحد، وقبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، ووطنهم واحد.. وهكذا واحد، واحد.. الى الألوف من جهات الوحدة التي تقتضي الاخوة والمحبة والوحدة. بمعنى ان الانقسام الى طوائف وقبائل - كما تعلنه الآية الكريمة - ماهو الاّ للتعارف والتعاون لا للتناكر والتخاصم.

المسألة الثالثة: لقد انتشر الفكر القومي وترسّخ في هذا العصر. ويثير ظالمو اوروبا الماكرون بخاصة هذا الفكر بشكله السلبي في اوساط المسلمين ليمزقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم. ولما كان في الفكر القومي ذوق للنفس، ولذة تُغفل، وقوة مشؤومة، فلايقال للمشتغلين بالحياة الاجتماعية في هذا الوقت: دعوا القومية!

ولكن القومية نفسها على قسمين:

قسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنزاع. ولهذا ورد في الحديث الشريف (أن الاسلام يجبّ ما قبله) ويرفض العصبية الجاهلية. وامر القرآن الكريم بـ (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فانزلَ الله سكينتهُ على رسولهِ وعلى المؤمنين وألزمهم كلمةَ التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً) (الفتح:26). فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضاً قاطعاً القومية السلبية وفكر العنصرية.لان الغيرة الاسلامية الايجابية المقدسة لاتدع حاجة اليها.

تُرى أيّ عنصر في العالم تعداده ثلاثمائة وخمسون مليوناً ويُكسب فكر المرء - بدل الاسلام - هذا العدد من الاخوان، بل اخواناً خالدين؟

ولقد ظهرت طوال التاريخ أضرار كثيرة نجمت عن القومية السلبية، نذكر منها:

ان الامويين خلطوا شيئاً من القومية في سياساتهم، فأسخطوا العالم الاسلامي فضلاً عما ابتلوا ببلايا كثيرة من جراء الفتن الداخلية.

وكذلك شعوب اوروبا، لما دعوا الى العنصرية واوغلوا فيها في هذا العصر نجم العداء التاريخي الملئ بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والالمان كما أظهر الدمار الرهيب الذي احدثته الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية.

وكذلك الحال فينا ؛ ففي بداية عهد الحرية (أي اعلان الدستور) تشكلت

جمعيات مختلفة للاجئين وفي المقدمة الروم والارمن، تحت اسماء أندية كثيرة، وسببت تفرقة القلوب - كما تشتتت الاقوام بانهدام برج بابل، وتفرقوا ايدي سبأ في التاريخ - حتى كان منهم من اصبح لقمة سائغة للاجانب، ومنهم من تردى وضل ضلالاً بعيداً.

كل ذلك يبين نتائج القومية السلبية وأضرارها.

اما الآن فان التباغض والتنافر بين عناصر الاسلام وقبائله ـ بسبب من الفكر القومي ـ هلاك عظيم، وخطب جسيم، اذ ان تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض، لكثرة ما وقع عليهم من ظلم وإجحاف ولشدة الفقر الذي نزل بهم ولسيطرة الاجانب عليهم، كل ذلك يسحقهم سحقاً ؛ لذا فان نظر هؤلاء بعضهم لبعض نظرة العداء مصيبة كبرى لاتوصف، بل انه جنون اشبه ما يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولايعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله.

نعم، ان أطماع اوروبا التي لاتفتر ولاتشبع هي كالثعابين الضخمة الفاتحة افواهها للابتلاع. لذا فان عدم الاهتمام بهؤلاء الاوروبيين، بل معاونتهم معنىً بالفكر العنصري السلبي، وانماء روح العداء ازاء المواطنين القاطنين في الولايات الشرقية او اخواننا في الدين في الجنوب، هلاك وأيّ هلاك وضرر وبيل.

اذ ليس بين افراد الجنوب من يستحق ان يُعادى حقاً، بل ما أتى من الجنوب الاّ نور القرآن وضياء الاسلام، الذي شعّ نوره فينا وفي كل مكان.

فالعداء لاولئك الاخوان في الدين، وبدوره العداء للاسلام، انما يمس القرآن، وهو عداء لجميع اولئك المواطنين، ولحياتَيهم، الدنيوية والاخروية.

لذا فادعاء الغيرة القومية بنية خدمة المجتمع يهدم حجر الزاوية للحياتين معاً فهي حماقة كبرى وليست حمية وغيرة قطعاً.

المسألة الرابعة: القومية الايجابية نابعة من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند، وتحقق قوة نافعة للمجتمع، وتكون وسيلة لاسناد اكثر للأخوة الاسلامية.

هذا الفكر الايجابي القومي، ينبغي ان يكون خادماً للاسلام، وان يكون قلعة حصينة له، وسوراً منيعاً حوله، لا ان يحل محل الاسلام، ولابديلاً عنه، لان الاخوة

التي يمنحها الاسلام تتضمن ألوف انواع الاخوة. وانها تبقى خالدة في عالم البقاء وعالم البرزخ.

ولهذا فلا تكون الاخوة القومية مهما كانت قوية الاّ ستاراً من استار الاخوة الاسلامية.وبخلافه، اي اقامة القومية بديلاً عن الاسلام جناية خرقاء اشبه ما يكون بوضع احجار القلعة في خزينة ألماس فيها وطرح الالماسات خارج القلعة.

يا ابناء هذا الوطن من اهل القرآن !

لقد تحديتم العالم اجمع منذ ستمائة سنة بل منذ ألف سنة من زمن العباسيين، وانتم حاملو راية القرآن والناشرون له في العالم اجمع. وقد جعلتم قوميتكم حصناً للقرآن وقلعة للاسلام، وألزمتم العالم ازاءكم الصمت والانقياد. ودفعتم المهالك العظيمة التي كادت تودي بحياة العالم الاسلامي حتى أصبحتم مصداقاً حسناً للآية الكريمة:

(فسوفَ يأتي الله بقومٍ يُحبُّهم ويُحبّونَهُ أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين يجاهدونَ في سبيل الله) (المائدة:54).

فلاتنخدعوا ولاتميلوا الى مكايد الاوروبيين ودسائس المتفرنجين. واحذروا حذراً شديداً ان تكونوا مصداق بداية هذه الآية الكريمة .(2)

حالة تثير الانتباه

ان الشعب التركي هم اكثر عدداً من اي قوم من الاقوام الاسلامية الاخرى، وانهم مسلمون في كل بقاع العالم، بينما الاقوام الاخرى، فيهم المسلمون وغير المسلمين معاً، لذا لم تنقسم الامة التركية كبقية الاقوام، فاينما توجد طائفة من الاتراك فهم مسلمون، والذين ارتدوا عن الاسلام او الذين لم يسلموا اصلاً، قد خرجوا عن وصف الترك كالمجر. علماً ان الاقوام الاخرى حتى الصغيرة منها فيهم المسلمون وغير المسلمين.

ايها الاخ التركي !

احذر وانتبه ! انت بالذات، فان قوميتك امتزجت بالاسلام امتزاجاً لايمكن فصلها عن الاسلام، ومتى ما حاولت عزلها عن الاسلام فقد هلكت اذاً وانتهى أمرك. ألا ترى ان جميع مفاخرك في الماضي قد سجّل في سجل الاسلام، وان تلك المفاخر لايمكن ان تمحى من الوجود قطعاً فلا تمحها انت من قلبك بالاستماع الى الشبهات التي تثيرها شياطين الانس.

المسألة الخامسة: ان الاقوام المتيقظة في آسيا، قد تمسكوا بالقومية، وحذوا حذو اوروبا في كل النواحي. حتى ضحوا بكثير من مقدساتهم في سبيل ذلك التقليد.

والحال ان كل قوم يلائمه لباس على قدّه وقامته، وحتى لو كان نوع القماش واحداً فانه يلزم الاختلاف في الطراز. اذ لايمكن إلباس المرأة ملابس الشرطي، ولايمكن إلباس العالم الديني ملابس الخليعات.

فالتقليد الاعمى يؤدي في كثير من الاحيان الى حالة من الهزء والسخرية كهذه.. لان:

اول:ان كانت اوروبا حانوتاً، او ثكنة عسكرية، فان آسيا تكون بمثابة مزرعة او جامع. وان صاحب الحانوت قد يذهب الى المسرح، بينما الفلاح لايكترث به. وكذلك تتباين اوضاع الثكنة العسكرية والمسجد او الجامع.

ثم ان ظهور اكثر الانبياء في آسيا، وظهور اغلب الحكماء والفلاسفة في اوروبا، رمزٌ للقدر الإلهي واشارة منه الى ان الذي يوقظ اقوام آسيا ويدفعهم الى الرقي ويحقق ادامة إدارتهم هو الدين والقلب. اما الفلسفة والحكمة فينبغي ان تعاونا الدين والقلب لا ان تحلا محلهما.

ثاني:لايقاس الدين الاسلامي بالنصرانية، اذ ان تقليد الاوروبيين في اهمالهم دينهم تقليداً أعمى خطأ جسيم؛

لان الاوروبيين متمسكون بدينهم اولاً، والشاهـد على هـذا، في المقـدمة

(ولسن)(3)و(لويد جورج)(4)و(فينزيلوس)(5) وامثالهم من عظماء الغرب، فهم متمسكون بدينهم كأي قس متعصب. فهؤلاء شهود اثبات ان اوروبا مالكة لدينها بل تعد متعصبة.

ثالث:ان قياس الاسلام بالنصرانية، قياس مع الفارق، وهو قياس خطأ محض. لان اوروبا عندما كانت متمسكة بل متعصبة لدينها، لم تكن متحضرة، وعندما تركت التعصب والالتزام بدينها تحضرت.

ولقد أثار التعصب الديني لدى اوروبا نزاعات داخلية دامت ثلاثمائة سنة، وكان الحكام المستبدون يتخذون الدين وسيلة في سحق العوام وفقراء الناس واهل الفكر والعلم منهم، حتى تولد لدى عامة الناس نوع من السخط على الدين.

اما في الاسلام ـ والتاريخ شاهد ـ فلم يصبح الدين سبباً للنزاع الداخلي الاّ مرة واحدة فقط، وقد ترقى المسلمون ـ بالنسبة لذلك الوقت ـ رقياً عظيماً ما ملكوا الدين واعتصموا به. والشاهد على هذا ؛ الدولة الاسلامية في الاندلس التي غدت استاذة عظيمة لأوروبا. ولكن متى ما اهمل المسلمون دينهم تخلّفوا وتردّوا.

ثم ان الاسلام حامي الفقراء والعوام من الناس، وذلك بوجوب الزكاة وحرمة الربا، وامثالهما من ألوف المسائل التي ترأف بحال العوام.

ثم ان الاسلام يحمي اهل العلم، ويستشهد العقل والعلم ويوقظهما في النفوس بمثل هذه الآيات الكريمة: [.. أفلا يتدبرون.. أفلا يتفكرون.. أفلا يعقلون ].

لذا كان الاسلام دوماً قلعة الفقراء وحصن العلماء وملجأهم. فلا داعي في الاسلام قطعاً لمثل هذه المجافاة.

وسر الحكمة والفرق الاساس بين الاسلام وسائر الاديان، ومنها النصرانية هو الآتي:

ان اساس الاسلام هو التوحيد الخالص، فلايسند التأثير الحقيقي الى الاسباب او الوسائط ولاقيمة لها في الاسلام من حيث الايجاد والخلق.

اما في النصرانية، فان فكرة البنوة التي ارتضوها، تعطي اهمية للوسائط وقيمة للاسباب، فلا تكسر الغرور والتكبر بل يسند قسطاً من الربوبية الالهية الى الاحبار والرهبان، حتى صدق عليهم قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (التوبة:31).

ومن هذا فان عظماء النصارى يكونون متعصبين لدينهم، مع انهم يحافظون على غرورهم وانانيتهم رغم ما يتسنمون من مهام دنيوية كبيرة، مثال ذلك: رئيس امريكا (ولسن)الذي كان رجل دين متعصباً.

بينما في الاسلام الذي هو دين التوحيد الخالص، ينبغي للمتقلدين للوظائف الكبيرة في الدولة ان يدعوا غرورهم ويتركوا انانيتهم، او لايبلغون التدين الحق، ولهذا يظل قسم منهم مهملين امور الدين، بل قد يكون منهم خارجين عن الدين.

المسألة السادسة:نقول لأولئك الذين يغالون في العنصرية وفي القومية السلبية.

اول:لقد حدثت هجرات كثيرة جداً في بقاع الارض كلها ولاسيما في بلادنا هذه، منذ سالف العصور. وتعرضت اقوام كثيرة الى تغيرات وتبدلات كثيرة، وازدادت تلك الهجرات الى بلادنا بعد ان اصبحت مركزاً للحكومة الاسلامية حتى حامت سائر الاقوام كالفراش حولها، وألقت بنفسها فيها واستوطنتها. فلا يمكن ـ والحال هذه ـ تمييز العناصر الحقيقية بعضها عن بعض الاّ بانفتاح اللوح المحفوظ.

لذا فبناء المرء اعماله وحميته على العنصرية لامعنى له البتة، فضلاً عن أضرارها.

ولاجل هذا اضطر احد دعاة العنصرية والقومية السلبية ـ الذي لايقيم وزناً للدين ـ ان يقول: اذا اتحد الدين واللغة فالامة واحدة.

ولما كان الامـر هكذا فلابد من النظر الى اللغة والدين والـروابط الوطنية لا الى العنصرية الحقيقية. فان اتحدت هذه الثلاثة، فالامة قوية اذاً بذاتها. وان نقص أحد هذه الثلاثة فهو داخل ايضاً ضمن القومية.

ثاني:نبين فائدتين ـ على سبيل المثال ـ من مئات الفوائد التي تكسبها الحمية الاسلامية المقدسة للحياة الاجتماعية لابناء هذا الوطن.

الفائدة الاولى:

ان الذي حافظ على حياة الدولة الاسلامية وكيانها ـ رغم ان تعدادها عشرون او ثلاثون مليوناً ـ تجاه جميع دول اوروبا العظيمة، هو هذا المفهوم النابع من القرآن الذي يحمله جيشه:" اذا متُّ فانا شهيد وان قتلتُ فانا مجاهد ".. هذا المفهوم دفع ابناء هذا الوطن الى استقبال الموت باسمين، مما هزّ قلوب الاوروبيين وارهبهم.

تُرى اي شيء يمكن ان يبرز في الميدان ويبعث في روح الجنود مثل هذه التضحية والفداء وهم ذوو أفكار بسيطة وقلوب صافية؟.

اية عنصرية يمكن ان تحل محل هذا المفهوم العلوي؟ واي فكر غيره يمكن ان يجعل المرء يضحي بحياته وبدنياه كلها طوعاً في سبيله ؟.

ثانياً:

ما آذت الدول الاوروبية الكبرى وثعابينها المردة ؛ هذه الدولة الاسلامية وتوالت عليها بضرباتها، الاّ وابكت ثلاثمائة وخمسين مليوناً من المسلمين في انحاء العالم، وجعلتهم يئنون لأذاها، حتى سحبت تلك الدول الاستعمارية يدها عن الاذى والتعدي لتحول دون اثارة عواطف المسلمين عامة، فتخلت عن الاذى.

فهل تُستصغر هذه القوة الظهيرة المعنوية والدائمة لهذه الدولة، وهل يمكن انكارها؟

تُرى اية قوة اخرى يمكن أن تحلّ محلها؟ فهذا ميدان التحدي فليُظهروا تلك القوة؟ لذا ينبغي الاّ نجعل تلك القوة الظهيرة العظمى تعرض عنّا لاجل التمسك بقومية سلبية وحمية مستغنية عن الدين.

المسألة السابعة:نقول للذين يبدون حماسةً شديدة للقومية السلبية:

ان كنتم حقاً تحبون هذه الامة حباً جاداً خالصاً، وتشفقون عليها، فعليكم ان تحملوا في قلوبكم غيرة تسع الاشفاق على غالبية هذه الامة لاعلى قلة قليلة منها، اذ

ان خدمة هؤلاء خدمة اجتماعية مؤقتة غافلة عن الله ـ وهم ليسوا بحاجة الى الرأفة والشفقة ـ وعدم الرأفة بالغالبية العظمى منهم ليس من الحمية والغيرة في شئ.

اذ الحمية بمفهوم العنصرية يمكن ان يجلب النفع والفائدة لاثنين من كل ثمانية اشخاص من الناس، فائدة مؤقتة، فينالون مما لايستحقونه من الحمية، اما الستة الباقون فهم إما شيخ او مريض او مبتلى ببلاء، او طفل، او ضعيف جداً، او متقٍ يخشى الله ويرجو الآخرة.. فهؤلاء يبحثون عن سلوان ونور يبعث فيهم الامل، حيث انهم يتوجهون الى حياة برزخية واخروية. فهم محتاجون الى ايدي اللطف والرحمة تمتد اليهم. فأية حمية تسمح لاطفاء نور الامل لدى هؤلاء والتهوين من سلوانهم؟

هيهات! اين الاشفاق على الامة واين التضحية في سبيلها!.

اننا لانيأس من روح الله قطعاً، فلقد سخّر سبحانه ابناء هذا الوطن وجماعاته المعظمة وجيشه المهيب منذ ألف سنة في خدمة القرآن وجعلهم رافعي رايته. لذا فأملنا عظيم في رحمته تعالى الاّ يهلكهم بعوارض موقتة ان شاء الله، وسيمد سبحانه ذلك النور ويجعله اسطع وابهر اشراقاً فيديم وظيفتهم المقدسة.(*)

___________________

[1] المقصود الامور الاجتماعية التي تمس السياسة. ـــ المترجم.

[2] وهو قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ...)ــ المترجم

المكتوب السادس والعشرون - ص:417

[3] ولسن توماس وودرو(1856ـ 1924): رئيس الولايات المتحدة(1913ـ 1921) درس القانون ومارس المحاماة، كان مدير جامعة برنستون (1902ـ 1910) فاز برئاسة الجمهورية عن الحزب الديمقراطي، كان يجاهر بعدائه لكل ألوان الاستعمار، ألف عدة كتب في النظم السياسية اهمها(تاريخ الشعب الامريكي) 5 أجزاء 1902 .ـ المترجم.

[4] لويد جورج (1863ـ1945): سياسي بريطاني حر المذهب، ولد من اسرة فقيرة بمقاطعة ويلز. عرف في اوائل حياته كراهيته للاستعمار. لمع اسمه ببلاغته الخطابية، شغل عدة مناصب وزارية، وظل عضواً بمجلس العموم حتى قبيل وفاته. ـ المترجم.

[5] فينزيلوس (1864ـ1936): سياسي يوناني، من رجال الدولة المشهورين. لعب دوراً بارزاً في ثورة كريت(1896ــ 1897) ضد الدولة العثمانية. ألف الوزارة اليونانية 1910 نظم عدة فتن مسلحة ضد الحكومة الملكية، ولكنها قمعت، وفر فينزيلوس الى فرنسا، حيث توفي العام التالي.ـ المترجم.

(*) كليات رسائل النور - المكتوب السادس والعشرون - ص:(413)

 


15-) نور العقل يشعّ من القلب

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 
نور العقل يشعّ من القلب
على المفكرين الذين غشيَهم ظلامٌ ان يدركوا الكلام الآتي:
لا يتنور الفكر من دون ضياء القلب.
فإن لم يمتزج ذلك النور وهذا الضياء، فالفكر ظلامٌ دامس يتفجّر منه الظلم والجهل. فهو ظلام قد لبس لبوس النور (نور الفكر) زوراً وبهتاناً.
ففي عينك نهار لكنه بياض مظلم، وفيها سواد لكنه منور.
فان لم يكن فيها ذلك السواد المنور، فلا تكون تلك الشحمة عيناً، ولا تقدر على الرؤية.
وهكذا، لا قيمة لبصر بلا بصيرة.
فإن لم تكن سويداء القلب في فكرة بيضاء ناصعة، فحصيلةُ الدماغ لا تكون علماً ولا بصيرة.
فلا عقل دون قلب.(*)
____________________
(*) الكلمات – اللوامع - ص: 848


16-) مفتاح العالم بيد الانسان 

بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (الاحزاب:72)


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
مفتاح العالم بيد الانسان 
ان " انا " مفتاح؛ يفتح الكنوز المخفية للاسماء الإلهية الحسنى، كما يفتح مغاليق الكون. فهو بحد ذاته طلسمٌ عجيب، ومعمىً غريب. ولكن بمعرفة ماهية "انا " ينحَلّ ذلك الطلسم العجيب وينكشف ذلك المعمى الغريب " أنا" وينفتح بدوره لغز الكون، وكنوز عالم الوجوب.
وقد ذكرنا ما يخص هذه المسألة في رسالة " شمة من نسيم هداية القرآن " كالأتي:
" اعلم!ان مفتاح العالم بيد الانسان، وفي نفسه، فالكائنات مع انها مفتحة الابواب ظاهراً إلاّ انها منغلقة حقيقةً فالحق سبحانه وتعالى أودع من جهة الأمانة في الانسان مفتاحاً يفتح كل ابواب العالم، وطلسماً يفتح به الكنوز المخفية لخلاّق الكون، والمفتاح هو ما فيك من " انا " . إلاّ ان " انا " ايضاً معمىً مغلق 
وطلسم منغلق. فاذا فتحتَ " انا " بمعرفة ماهيته الموهومة وسر خلقته انفتح لك طلسم الكائنات كالآتي " 
ان الله جل جلاله وضع بيد الانسان امانةً هي: " انا " الذي ينطوي على إشارات ونماذج يستدل بها على حقائق اوصاف ربوبيته الجليلة وشؤونها المقدسة. اي يكون " انا " وحدة قياسية تُعرَف بها اوصاف الربوبية وشؤون الالوهية.
ومن المعلوم انه لا يلزم ان يكون للوحدة القياسية وجود حقيقي، بل يمكن ان تركَّب وحدة قياسية بالفرض والخيال، كالخطوط الافتراضية في علم الهندسة. أي لا يلزم لـ "أنا " ان يكون له وجود حقيقي بالعلم والتحقيق.(*)
________________
[1] ليس المقصود من " الانانية " تلك الصفةالمذمومة في الانسان، وانما اشتقاق من "أنا " . ــ المترجم.
(*) الكلمة الثلاثون - ص: 635

 


17-) اهمية اتباع السنة عند استيلاء البدع خاصة

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَقدْ جَاءَكُم رَسُولٌ من انفُسِكُم عَزيزٌ عَليهِ ماعَنِتم حَريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رَحيم) (التوبة:128)

(فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي الله لا اله الاّ هو عَليهِ تَوكّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ) (التوبة: 129)

(قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحْببكُم الله) (آل عمران: 31).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(من تمسك بسنتي عند فساد امتي فله اجر مائة شهيد )[1].

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اهمية اتباع السنة عند استيلاء البدع خاصة

اجل!ان اتباع السنة المطهرة لهو حتما ذو قيمة عالية، ولاسيما اتباعها عند استيلاء

البدع وغلبتها، فان له قيمة أعلى وأسمى، وبالاخص عند فساد الامة، اذ تُشعر مراعاة ابسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وايمان قوي راسخ؛ ذلك لأن الاتباع المباشر للسنة المطهرة يذكّر بالرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب الى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية - كآداب الاكل والشرب والنوم وغيرها - الى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها؛ لأن الانسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر انه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه الى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة.

وهكذا، في ضوء ما تقدم فان من يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حول عاداته الى عبادات، ويمكنه ان يجعل عمره كله مثمرا، ومثابا عليه.________________________________________

[1] رواه ابن عدي في الكامل وابن بشران في الامالى 2/193 و 141 وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب للبيهقي. والثابت في الحديث الصحيح قوله صلىالله عليه وسلم:"ان من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم" اخرجه الطبراني في الكبير10394 والبزار 1/378 وقال الهيثمي في المجمع (7/282): ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلى وثقه ابن حبان. ا هـ. وفي الصحيحة(494) قال عن اسناد الطبراني: وهذا اسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.                           اللمعة الحادية عشرة - ص: 80


18-) الحقائق الإيمانية أول المقاصد

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بينما ينبغي ان تكون الحقائق الإيمانية أول مقصد وأسبقه في هذا الزمان وتبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي ان تكون خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور اجلّ وظيفة وموضع اهتمام ولهفة ومقصودة بالذات، إلاّ ان أحوال العالم الحاضرة ولاسيما الحياة الدنيوية ولاسيما الحياة الاجتماعية والحياة السياسية خاصة وأخبار الحرب العالمية بالأخص - التي هي تجل من تجليات غضب الله النازل عقاباً لضلالة المدنية الحاضرة وسفاهتها - والتي تستميل الناس إلى جانبها وتهيج الأعصاب والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكّنت فيه الرغبات الفاسدة المضرة بدلاً من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة.

فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمور ومازال، ولقّحهم بأفكاره ومازال، بحيث جعل العلماء الذين هم خارج دائرة رسائل النور، بل بعض الأولياء ينزلون حكم الحقائق الإيمانية إلى الدرجة الثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيولون حبهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم.

حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.

فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، فان خدمة رسائل النور والانشغال بها قد اسقطا من عيني التيارات السياسية الحاضرة، إلى درجة لم اهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.

ثم ان طلاب رسائل النور الخواص وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة لا ينبغى لهم أن يورثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم.

فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النور والمهمة النورانية، وأعطاهم لعباً مظلمة ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يمدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية.

فمن الخطأ التنزل إلى مشاهدة لعبهم المظلمة على حساب وظيفتنا.

فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان ووافيتان لنا.(1)(*)

 

__________________

 (1) الملاحق- قسطموني/149

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:309

 


19-) توحيد القبلة في القرآن

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

توحيد القبلة في القرآن:

هوت صفعات عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس سعيد القديم الغافل، ففكّر في قضية أن الموت حق. ووجد نفسه غارقاً في الأوحال.. استنجد، وبحث عن طريق، وتحرى عن منقذ يأخذ بيده.. رأى السبل أمامه مختلفة.. حار في الأمر واخذ كتاب فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الگيلاني رضي الله عنه وفتحه متفائلاً، فوجد أمامه العبارة الآتية:

أنت في دار الحكمة فاطلب طبيباً يداوي قلبك(1)..يا للعجب!. لقد كنت يومئذ عضواً في دار الحكمة الإسلامية وكأنما جئت إليها لأداوي جروح الأمة الإسلامية، والحال أنني كنت أشد مرضاً واحوج إلى العلاج من أي شخص آخر..فالأولى للمريض أن يداوي نفسه قبل أن يداوي الآخرين.

نعم، هكذا خاطبني الشيخ: أنت مريض.. ابحث عن طبيب يداويك!..

قلت: كن أنت طبيبي أيها الشيخ!

وبدأت أقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات.. كان شديد اللهجة يحطم غروري، فأجرى عمليات جراحية عميقة في نفسي.. فلم أتحمل.. لأني كنت اعتبر كلامه موجهاً إليّ.

نعم، هكذا قرأته إلى ما يقارب نصفه.. لم استطع إتمامه.. وضعت الكتاب في مكانه، ثم أحسست بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلفت مكانها لذائذ روحية عجيبة.. عدت إليه، وأتممت قراءة كتاب أستاذي الأول. واستفدت منه فوائد جليلة، وأمضيت معه ساعات طويلة أصغى إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة.

ثم وجدت كتاب مكتوبات للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني

فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد في رسالتين منه لفظة ميرزا بديع الزمان فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي ميرزا وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت: يا سبحان الله.ان هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأن لقب سعيد القديم كان بديع الزمان، ومع أنني ما كنت أعلم أحداً قد اشتهر بهذا اللقب غير الهمداني الذي عاش في القرن الرابع الهجري. فلابد ان يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولابد ان حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين.. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: وحّد القبلة أي: اتبع اماماً ومرشداً واحداً ولا تنشغل بغيره!(2)

لم توافق هذه الوصية - آنذاك - استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أيهما اتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيراً وكانت حيرتي شديدة جداً، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم استطع ان اكتفي بواحد منهما.

وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:

- ان بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون الا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من ان يرتشف حق الارتشاف فيض ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا ان نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب واصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته. فـالكلمات والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل ايضاً مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية.(3)(*)

_________________________________

 (1) أصل العبارة:"يا عباد الله أنتم في دار الحكمة، لابد من الواسطة، اطلبوا من معبودكم طبيباً. يطبّ امراض قلوبكم مداوياً يداويكم..." وذلك في المجلس الثاني والستين ص 245 من كتاب الفتح الرباني الذي كان مطبوعاً في طبعاته الأولى مع كتاب فتوح الغيب في مجلد واحد موسوم بـ "فتوح الغيب"

(2) نص العبارة:"وحيث قد طلبت الهمة من كمال الإلتفات فبشرى لك ترجع سالماً وغانماً، لكن لابد من أن تراعي شرطاً واحداً وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعل قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه الى التفرقة.ومن الأمثال المشهورة: أن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلاً". المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الامام الرباني 1/87 . ترجمة محمد مراد.

(3) المكتوبات/ 457 -459

(*) سيرة ذاتية -ص: 161

 


20-) المسائل الايمانية والاذواق

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاهتمام بالمسائل الايمانية في هذا الزمان

افضل من الوف الاذواق

لقد قال رائد السلسلة النقشبندية وشمسها الامام الرباني رضي الله عنه (1) في مؤلفه "مكتوبات":

"انني ارجّح وضوح مسألة من الحقائق الايمانية وانكشافها على آلاف من الاذواق والمواجيد والكرامات".(2)

وقال ايضاً: "ان منتهى الطرق الصوفية كافة هو وضوح الحقائق الايمانية وانجلاؤه"(3).

وقال كذلك: "ان الولاية ثلاثة اقسام:الولاية الصغرى: وهي الولاية المشهورة. وقسم ثان: هو الولاية الوسطى. وقسم ثالث:هو الولاية الكبرى. هذه الولاية الكبرى هو فتح الطريق الى الحقيقة مباشرة دون الدخول في برزخ التصوف وذلك بوساطة وراثة النبوة"(4).

وقال ايضاً: "ان السلوك في الطريقة النقشبندية يسير على جناحين، اي الاعتقاد الصحيح بالحقائق الايمانية، والعمل التام بالفرائض الدينية. فاذا ما حدث خلل وقصور في اي من هذين الجناحين يتعذر السير في ذلك الطريق"(5).

بمعنى ان الطريقة النقشبندية لها ثلاثة مشاهد:

اولها وأسبقها واعظمها: هو خدمة الحقائق الايمانية خدمة مباشرة ، تلك الخدمة التي سلكها الامام الرباني في اخريات ايامه.

الثاني:خدمة الفرائض الدينية والسنة النبوية تحت ستار الطريقة.

الثالث:السعي لإزالة الامراض القلبية عن طريق التصوف والسير بخطى القلب.

فالاول من هذه الطرق هو بحكم الفرض، والثاني بحكم الواجب، والثالث بحكم السنة.

فما دامت الحقيقة هكذا: فاني أخال أن لو كان الشيخ عبد القادر الكيلاني(6) والشاه النقشبند(7) والامام الرباني وأمثالهم من اقطاب الايمان رضوان آ عليهم اجمعين في عصرنا هذا، لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق الايمانية والعقائد الاسلامية، ذلك لانهما منشأ السعادة الابدية، وان اي تقصير فيهما يعني الشقاء الابدي.

نعم، لا يمكن دخول الجنة من دون ايمان، بينما يدخلها الكثيرون جداً دون تصوف. فالانسان لا يمكن ان يعيش دون خبز، بينما يمكنه العيش دون فاكهة. فالتصوف فاكهة والحقائق الاسلامية خبز.

وفيما مضى كان الصعود الى بعض من حقائق الايمان يستغرق اربعين يوماً، بالسير والسلوك، وقد يطول الى اربعين سنة، ولو هيأت الرحمة الإلهية في الوقت الحاضر طريقا للصعود الى تلك الحقائق لا يستغرق اربعين دقيقة! فليس من العقل أن لا يبالى بهذا الطريق؟!

فالذين قرأوا بانعام ثلاثاً وثلاثين رسالة من "الكلمات" يقرون بأن تلك "الكلمات" قد فتحت امامهم طريقاً قرآنياً قصيراً كهذا.

فما دامت الحقيقة هكذا. فاني اعتقد:

ان"الكلمات" التي كُتبت لبيان اسرار القرآن هي انجع دواء لأمراض هذا العصر وأفضل مرهم يمرر على جروحه، وانفع نور يبدد هجمات خيول الظلام الحالك على المجتمع الاسلامي، وأصدق مرشد ودليل لاولئك الحيارى الهائمين في وديان الضلالة.

فيا أخي! انك تعلم جيداً أن الضلالة إن كانت ناجمة من الجهل فازالتها يسير وسهل. ولكن ان كانت ناشئة من العلم فازالتهاعسير ومعضل. وقد كان هذا القسم الأخير نادراً فيما مضى من الزمان، وربما لا تجد من الألف الا واحداً يضل باسم العلم. واذا ما وجد ضالون من هذا النوع ربما يسترشد منهم واحد من الألف. ذلك لأن امثال هؤلاء يعجبون بأنفسهم، فمع انهم يجهلون يعتقدون أنهم يعلمون.

واني اعتقد ان الله سبحانه وتعالى قد منح "الكلمات" المعروفة، التي هي لمعات معنوية من اعجاز القرآن الكريم خاصية الدواء الشافي والترياق المضاد لسموم زندقة هذه الضلالة في هذا العصر.(*)

الباقي هو الباقي

سعيد النورسي

__________________

(1) الامام الرباني:هو احمد بن عبد الاحد السرهندي الفاروقي (971ــ1034هـ) الملقب بحق "مجدد الالف الثاني» برع في علوم عصره، وجمع معها تربية الروح وتهذيب النفس والاخلاص لله وحضور القلب، رفض المناصب التي عرضت عليه، قاوم فتنة "الملك اكبر» التي كادت ان تمحق الاسلام. وفّقه المولى العزيز الى صرف الدولة المغولية القوية من الالحاد والبرهمية الى احتضان الاسلام بما بث من نظام البيعة والاخوة والارشاد بين الناس، طهر معين التصوف من الاكدار، تنامت دعوته في القارة الهندية حتى ظهر من ثمارها الملك الصالح "اورنك زيب» فانتصر المسلمون في زمانه وهان الكفار. انتشرت طريقته "النقشبندية» في ارجاء العالم الاسلامي بوساطة العلامة خالد الشهرزوري المشهور بمولانا خالد (1192 ــ1243هـ). له مؤلفات عديدة اشهرها "مكتوبات»ترجمها الى العربية محمد مراد في مجلدين..ــ المترجم.

(2) المكتوبات للإمام الرباني: 1/182 ( المكتوب: 210

(3) نفسه

(4) المكتوبات: 1/240 ( المكتوب 260)

(5) المكتوبات: 1/87 (المكتوب:75) ، 1/98 (المكتوب: 91) ، 1/99 (المكتوب: 94)

(6) الكيلاني(عبد القادر): هو ابن ابي صالح ابو محمد الجيلي. ولد بجيلان سنة 470 هـ، ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه على ابي سعيد المخرمي الحنبلي، وهو احد الاقطاب المعروفين لدى اهل السنة والجماعة، ومجدد عظيم استقام على يديه كثير من المسلمين واسلم كثير من اليهود والنصارى. من مصنفاته؛ كتاب الغنية وفتوح الغيب والفتح الرباني، توفي ببغداد سنة 561 هـ . المترجم.

(7) النقشبند(الشاه):هو محمد بهاء الدين مؤسس الطريقة النقشبندية ولد في قرية قصر عارفان، قرب بخارى، ودرس في سمرقند، تزوج في الثامنة عشرة من عمره، انتسب الى شيوخ كثيرين وعاد اخيراً الى بخارى ولم يغادرها حتى وفاته، وانشأ فيها طريقته ونشرها، وتوفي 3 ربيع الأول791هـ 1389م عن (73) سنة من العمر. من مصنفاته: الاوراد البهائية، حياتنامة، تنبيه الغافلين.ــ المترجم.

(*) كليات رسائل النور - المكتوب الخامس - ص: 26

 


21-) الغيب ومعرفة جنس الجنين

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

معرفة جنس الجنين في رحم الام باشعة رونتكن، هذه المعرفة لا تنافي قطعاً ما تفيده الآية الكريمة: ﴿ويَعْلم مَا في الأرحَام﴾(لقمان:34) من معنى الغيب. لأن المراد من العلم المذكور فيها لا ينحصر في ذكورة الجنين وانوثته وانما المراد منه معرفة الاستعدادات البديعة الخاصة بذلك الطفل والتي هي مبادىء المقدرات الحياتية، وهي مدار ما سيكسبه في المستقبل من اوضاع. وحتى معرفة ختم الصمدية وسكتها الرائعة البادية على سيماه.. كلها مرادة في ذلك المعنى بحيث ان العلم بالطفل وبهذه الوجوه من الامور خاص بعلم علام الغيوب وحده، فلو اتحدت مئات الالوف من افكار البشر النافذة كأشعة رونتكن لما كشفت ايضاً عن ملامح الطفل الحقيقية في وجهه وحده تلك الملامح التي تحمل من العلامات التي تفرقها وتميزها عن كل فرد من افراد البشرية قاطبة، فكيف اذن يمكن كشف السيماء المعنوية في استعداداته وقابلياته التي هي خارقة بمئات الالوف من المرات عن ملامح الوجه!

ولقد قلنا في المقدمة: ان الوجود والحياة والرحمة من اهم حقائق الكون ولها اعلى مقام ومرتبة فيه. لذا تتوجه تلك الحقيقة الحياتية الجامعة بجميع دقائقها ولطائفها الى ارادة الله الخاصة ورحمته الخاصة ومشيئته الخاصة.

واحد اسرار ذلك هو ان الحياة بجميع اجهزتها منشأ للشكر، ومدار للعبادة والتسبيح، ولذلك لم توضع دونها القاعدة المطردة التي تحجب رؤية الارادة الإلهية الخاصة ولا الوسائط الظاهرية التي تستر رحمته الخاصة سبحانه

ان الله سبحانه وتعالى تجليين اثنين في سيماء الجنين المادي والمعنوي.

الاول:

يدل على وحدته سبحانه وأحديته وصمديته، اذ الجين يشهد على وحدانية خالقه وصانعه بتطابق اعضائه الاساس وتوافق اجهزته الانسانية مع سائر البشر. فذلك الجنين ينادي بصراحة هذا اللسان قائلاً: من الذي وهب لي هذه السيماء في الاعضاء هو ذلك الصانع الذي وهب لجميع البشر الذين يشبهونني في أساسات الاعضاء. وهو سبحانه صانع جميع ذوي الحياة.

فهذا اللسان الذي يدل به الجنين على الصانع الجليل ليس لساناً غيبياً، بل هو معلوم يمكن معرفته والوصول اليه، حيث انه يتبع قاعدة مطردة ويسير على وفق نظام معين ويستند الى نوعية الجنين، فهذا العلم لسان ناطق وغصن قد تدلى من عالم الغيب الى عالم الشهادة.

الجهة الثانية:

وهي ان الجنين ينادي بلسان سيماء استعداداته الخاصة وسيماء وجهه الشخصية فيدل على اختيار صانعه ومشيئته المطلقة وارادته الخاصة ورحمته الخاصة. فهذا اللسان لسان غيبي آت من هناك، فلا يستطيع ان يراه احد قبل وجوده غير العلم الازلي، ولا يمكن ان يحيط به سواه. فبمشاهدة جهاز من الف جهاز من سيماء الجنين في الرحم، لا يُعلم هذا الانسان.(*)

 

_______________

(*) كليات رسائل النور- اللمعات ص:169


22-) مناجاة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلموا!

اني قد اكتب تضرّع قلبي الى ربي مع ان من شأنه ان يُستَر ولا يُسطَر، رجاءً من رحمته تعالى ان يقبل نُطق كتابي، بدلاً عني إذ أسكت الموت لساني.. نعم، لا تسع توبة لساني في عمري القصير كفارة لذنوبي الكثيرة. فنطقُ الكتاب الثابت الدائم أوفى لها. فقبل ثلاث عشرة سنة واثناء اضطراب روحي عارم وفي غمرة تحول ضحكات (سعيد القديم) الى بكاء (سعيد الجديد) أفقت من ليل الشباب على صبح المشيب فسطرت هذه المناجاة باللغة العربية، اوردها هي:

ياربي الرحيم وياإلهي الكريم!

قد ضاع بسوء اختياري عمري وشبابي، وما بقي من ثمراتها في يدي الاّ آثام مؤلمة مُذلة، وآلام مضرّة مُضلة، ووساوسٌ مزعجة معجزة، وانا بهذا الحمل الثقيل، والقلب العليل، والوجه الخجيل متقربٌ – بالمشاهدة – بكمال السرعة، بلا انحراف وبلا اختيار كآبائي واحبابي واقاربي واقراني الى باب القبر، بيت الوحدة والانفراد في طريق ابد الآباد، للفراق الابدي من هذه الدار الفانية الهالكة باليقين، والآفلة الراحلة بالمشاهدة، ولا سيما الغدارة المكارة لمثلي ذي النفس الامارة.

فيا ربي الرحيم ويا ربي الكريم!

أراني عن قريب لبستُ كفني وركبت تابوتي، وودعت أحبابي، وتوجهت الى باب قبري، فأنادي في باب رحمتك: الأمان الأمان ياحنان يامنان، نجني من خجالة العصيان.

آهٍ.. كفني على عنقي، وانا قائم عند رأس قبري، أرفع رأسي الى باب رحمتك اُنادي: الأمان الأمان يارحمن ياحنان، خلصني من ثقل حمل العصيان.

آهٍ.. انا ملتف بكفني وساكن في قبري وتركني المشيعون، وانا منتظر لعفوك ورحمتك.. ومشاهدٌ بأن لا ملجأ ولا منجأ الاّ اليك، وأُنادي: الأمان الأمانَ من ضيق المكان، ومن وحشة العصيان، ومن قبح وجه الآثام. يارحمن ياحنان.. يا منان.. ويا ديان نجني من رفاقة الذنوب والعصيان..

الهي! رحمتك ملجئي ووسيلتي، واليك ارفع بثي وحزني وشكايتي.

يا خالقي الكريم، وياربي الرحيم، وياسيدي، ويامولاي.. مخلوقك، ومصنوعك وعبدك العاصي العاجز، الغافل، الجاهل العليل الذليل المسيء المسن الشقي الآبق، قد عاد بعد اربعين سنة الى بابك ملتجأً الى رحمتك، معترفاً بالذنوب والخطيئات مبتلى بالاوهام والاسقام، متضرعاً اليك.. فان تقبل وتغفر وترحم فانت لذاك اهلٌ وانت ارحم الراحمين والاّ فايّ بابٍ يُقصد غير بابك.. وانت الرّبُ المقصود والحق المعبود. ولا اله الاّ انت وحدك لا شريك لك.. آخر الكلام في الدنيا واول الكلام في الآخرة وفي القبر: اشهد ان لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:196


23-) انقاذ الايمان أعظم احسان في هذا الزمان

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمْ

{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْويمٍ_ ثُمّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلينَ_ إلاّ الذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غيرُ مَمْنونٍ } [ التين: 4- 6]

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 [انقاذ الايمان أعظم احسان في هذا الزمان]

الاعزاء الصادقين اخوتي!

ان اعظم احسان اعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو انقاذ الانسان لإيمانه والسعي لإمداد ايمان الآخرين بالقوة. فاحذر يا أخي من الانانية والغرور وتجنب من كل مايؤدي اليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والانانية، وهذا هو الالزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، انما يتأتي من الانانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة ان ينظر الى تقصيرات نفسه ويتهمها دائماً ويتحلى بالتواضع التام.

انه لمقام عظيم حفاظكم ببطولة فائقة على ايمانكم وعبوديتكم لله، تحت هذه الظروف القاسية ...

نبين خمس محاسن من بين آلاف محاسن الايمان وذلك في خمسِ نقاط

النقطة الاولى:

إن الانسانَ يسمو بنور الايمان الى اعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى اسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم، ذلك لأنّ الايمانَ يربطُ الانسانَ بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ اليه، فالايمانُ انما هو إنتسابٌ؛ لذا يكتسب الانسانُ بالايمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده.أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الانسانِ حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة.

وها نحن أولاء نبيّنُ هذا السرَّ بمثال توضيحي:

أن قيمةَ المادة تختلف عن قيمة الصنعة ومدى الاجادة فيما يصنعه الانسانُ، فنرى أحياناً القيمتين متساويتين، وقد تكون المادةُ اكثرَ قيمةً من الصنعة نفسِها، وقد يحدث ان تحتوي مادة حديد على قيمة فنيةٍ وجمالية عاليةٍ جداً، ويحدث أن تحوز صنعةٌ نادرة نفيسة جداً قيمةَ ملايين الليرات رغم كونها من مادة بسيطة جداً. فاذا عُرضَت مثل هذه التحفة النادرة في سوق الصنّاعين والحرفيين الـمُجيدين وعرفوا صانعها الباهر الماهر الشهير فانها تحوز سعر مَليون ليرة، أما إذا اُخذت التحفةُ نفسُها الى سوق الحدادين - مثل - فقد لا يتقدم لشرائها أحدٌ، وربما لا ينفق أحدٌ في شرائها شيئاً.

وهكذا الانسانُ، فهو الصنعة الخارقة للخالق الصانع سبحانه، وهو أرقى معجزةٍ من معجزات قدرته وألطفُها، حيث خلقه الباري مظهراً لجميع تجليات أسمائه الحسنى، وجعله مداراً لجميع نقوشه البديعة جلّت عظمته، وصيرّه مثالاً مصغراً ونموذجاً للكائنات بأسرها.

فإذا استقر نورُ الايمان في هذا الانسان لبيّن - ذلك النور - جميع ما على الانسان من نقوش حكيمة، بل يستقرئها الآخرين؛ فيقرأها المؤمن بتفكر، ويشعُر بها في نفسه شعوراً كاملاً، ويجعل الآخرين يطالعونها ويتملّونَها، أي كأنه يقول: "ها أنا ذا مصنوع الصانع الجليل ومخلوقُه. انظروا كيف تتجلى فيّ رحمتُه، وكرمُه".وبما شابهها من المعاني الواسعة تتجلّى الصنعة الربانية في الانسان.

اذن الايمان - الذي هو عبارة عن الانتساب الى الصانع سبحانه - يقوم باظهار جميع آثار الصنعة الكامنة في الانسان، فتتعين بذلك قيمةُ الانسان على مدى بروز تلك الصنعة الربانية، ولمعان تلك المرآة الصمدانية. فيتحول هذا الانسان - الذي لا أهمية له - الى مرتبة أسمى المخلوقات قاطبة، حيث يصبح أهلاً للخطاب الإلهي، وينال شرفاً يؤهله للضيافة الربانية في الجنة.

أما إذا تسلّل الكفر - الذي هو عبارةٌ عن قطع الانتساب الى الله - في الانسان، فعندئذٍ تسقط جميع معاني نقوش الاسماء الحسنى الإلهية الحكيمة في الظلام وتمحى نهائياً، ويتعذر مطالعتها وقراءتها؛ ذلك لانه لا يمكن ان تُفهَم الجهات المعنوية المتوجهة فيه الى الصانع الجليل، بنسيان الصانع سبحانه، بل تنقلب على عقبيها، وتندرس اكثر آيات الصنعة النفيسة الحكيمة واغلب النقوش المعنوية العالية، أما ما يتبقى منـها مـمـا يتـــراءى للعـين فـــسوف يُعزى الى الاسبــاب التـافهــة، الى الطبـيـعة، والمصادفة، فتسقط نهائياً وتزول، حـيث تتحول كل جــوهرةٍ مــن تـلك الجــواهر المتلألئة الى زجاجةٍ سوداء مظلمة، وتقتصر أهميتها آنذاك على المادة الحيوانية وحدها.وكما قلنا ان غاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول.. وهكذا يهدم الكفر الماهية الانسانية ويحيلها من جوهرة نفيسة الى فحمة خسيسة.

النقطة الثانية:

كما ان الايمان نور يضئُ الانسانَ وينوِّرُه ويُظهر بارزاً جميعَ المكاتيب الصمدانية المكتوبة عليه ويستقرِئُها، كذلك فهو يُنير الكائنات أيضاً، وينقذ القرون الخالية والآتية من الظلمات الدامسة.

وسنوضح هذا السرّ بمثال؛ استناداً الى أحد اسرار هذه الآية الكريمة:

(الله وليُّ الذين آمَنوا يُخرجُهُم مِن الظُلماتِ الى النّور)(البقرة: 257)

لقد رأيتُ في واقعةٍ خيالية أن هناك طودين شامخين متقابلين، نُصبَ على قمتيهما جسرٌ عظيم مدهش، وتحته وادٍ عميقٌ سحيق. وأنا واقف على ذلك الجسر، والدنيا يخيّم عليها ظلامٌ كثيف من كل جانب، فلا يكاد يرى منها شئ. فنظرت الى يميني فوجدت مقبرةً ضخمة تحت جنح ظلمات لا نهاية لها، اي هكذا تخيلت، ثم نظرت الى طرفي الأيسر فكأني وجدت أمواجَ ظلماتٍ عاتية تتدافع فيها الدواهي المذهلة والفواجع العظيمة وكأنها تتأهب للانقضاض، ونظرتُ الى أسفل الجسر فتراءت لعيني هوةٌ عميقةٌ لا قرار لها، وقد كنتُ لا أملك سوى مصباحٍ يدوي خافتِ النور أمامَ كل هذا الهدير العـظـيم من الظـلمات.فاستـخدمته، فبـدا لـي وضـعٌ رهيب، اذ رأيت اُسوداً وضواري ووحوشاً وأشباحاً في كل مكان حتى في نهايات وأطراف الجسر، فتمنيتُ أن لم أكن أملكُ هذا المصباحَ الذي كشف لي كلَّ هذه المخلوقات المخيفة؛ إذ إنني أينما وجَّهتُ نـورَ المصباح شهــدتُ المخــاطر المدهـشة نفـسَها، فتحسرتُ في ذات نفسي وتأوّهتُ قائلاً: "إن هذا المصباحَ مصيبةٌ وبلاءٌ عليّ". فاستشاط غيظي فالقيت المصباح الى الأرض وتحطَّمَ، وكأن بتحطُّمه قد أصبتُ زرّاً لمصباح كهربائي هائل، فإذا به يُنور الكائـناتِ جمـيعاً فانـقـشــعتْ تلك الظــلماتُ، وانكشفت وزالت نهائياً، وامتلأ كلُّ مكانٍ وكلُّ جــهةٍ بـذلك النور. وبَدَتْ حقيقةُ كلّ شئ ناصعةً واضحة. فوجدتُ أن ذلك الجسر المعلّقَ الرهيبَ ما هو إلاّ شارعٌ يـمرّ من سهلٍ مـنـبـسط. وتبـيّـنتُ أن تلــك المقـبــرةَ الهــائــلةَ التــي رأيتُها على جهة اليمين ليست الاّ مجالسَ ذكرٍ وتهليلٍ وندوة كريمة لطيفة وخِدمة جليلة، وعبادة سامية تحت إمرة رجالٍ نورانيين في جنائن خُضرٍ جميلة تشعُّ بهجةً ونوراً وتبعث في القلب سعادةً وسروراً. أما تلك الأودية السحيقةُ والدواهي المدهشةُ والحوادثُ الغامضةُ التي رأيتُها عن يساري، فلم تكن الاّ جبالاً مشجرّةً خضراء تسرُّ الناظرين، ووراءَها مضيفٌ عظيمٌ ومروجٌ رائعةٌ ومتنزَّهٌ رائع.. نعم، هكذا رأيتُها بخيالي، أما تلك المخلوقاتُ المخيفة والوحوشُ الضارية التي شاهدتُها فلم تكن الاّ حيوانات أليفة أنيسة؛ كالجمل والثور والضأن والماعز، وعندها تلوتُ الآيةَ الكريمة:

(الله وِليُّ الذينَ آمَنوا يُخرِجُهُمْ مِنَ الظُلُماتِ الى النّورِ)

وبدأتُ أردّد: الحمدلله على نور الايمان.

ثَمَّ أفقتُ من تلك الواقعةِ.

وهكذا، فذاكما الجبلان هما: بدايةُ الحياةِ ومُنتهاها، أي هما عالمُ الأرض وعالمُ البرزخ.. وذلك الجسرُ هو طريقُ الحياة.. والطرفُ الايمنُ هو الماضي من الزمن، والطرفُ الأيسرُ هو المستقبلُ منه . أما المصباحُ اليدوي فهو أنانيةُ الانسان المعتدةُ بنفسها والمتباهيةُ بما لديها من علم، والتي لا تصغي الى الوحي السماوي..أما تلك الغيلانُ والوحوشُ الكاسرة فهي حوادثُ العالم العجيبة وموجوداته.

فالانسانُ الذي يعتمد على أنانيته وغروره ويقع في شِراكِ ظلماتِ الغفلةِ ويُبتلى بأغلال الضلالة القاتلة، فإنه يشبه حالتي الأُولى في تلك الواقعة الخيالية، حيث يرى الزمنَ الماضي - بنور ذلك المصباح الناقص الذي هو معرفةُ ناقصةُ منحرفة للضلالة كمقبرةٍ عظيمة في ظلمات العدم، ويصوِّرُ الزمن من المستقبلِ موحشاً تَعبثُ فيه الدواهي والخطوب محيلاً إياه الى الصدفةِ العمياء. كما يصوِّرُ جميعَ الحوادث والموجودات - التي كل منها موظفةٌ مسخرةٌ من لدن ربّ رحيم حكيم - كأنها وحوشٌ كاسرةٌٌ وفواتك ضارية. فيحقّ عليه حُكمُ الآية الكريمة:

(والذينَ كَفَروا أوليَاؤهُم الطّاغوتُ يُخرجُونَهُم من النّورِ الى الظُلُمات) (البقرة: 257)

اما إذا أغاثت الانسانَ الهدايةُ الإلهيةُ، ووجد الايمانُ الى قلبه سبيلاً، وانكسرت

فرعونيةُ النفسِ وتحطّمتْ، وأصغى الى كتاب الله، فيكونُ أشبهَ بحالتي الثانيةِ في تلك الواقعةِ الخيالية، فتصطبغُ الكائناتُ بالنهار وتمتلىءُ بالنور الإلهي، وينطق العالمُ برمَّته : (الله نورُ السمواتِ والأرض)(النور:35)

فليس الزمنُ الغابرُ اذ ذاك مقبرةً عظمى كما يُتوهم، بل كل عصرٍ من عصوره كما تشهدُه بصيرةُ القلب، زاخرٌ بوظائفَ عبوديةٍ تحت قيادة نبيّ مُرسَلِ، أو طائفةٍ من الأولياء الصالحين، يديرُ تلك الوظيفة السامية وينشرها ويرُسِّخُ اركانَها في الرعية على أتمِّ وجهٍ وأكمل صورة. ومن بعد انتهاء هذه الجماعات الغفيرة من ذوي الأرواح الصافية من اداء وظائفها الحياتية وواجباتها الفطرية تحلّق مُرتَقيةً الى المقامات العالية مُردّدةً: "الله اكبرُ" مخترقةً حجابَ المستقبل.وعندما يلتفتُ الى يساره يتراءى له من بعيد - بمنظار نور الايمان - أن هناك وراءَ انقلاباتٍ برزخيةٍ واُخروية - وهي بضخامة الجبال الشواهق -قصور سعادة الجنان، قد مُدَّت فيها مضايفُ الرحمن مَداً لا أولَ لها ولا آخر.فيتيقن بأَن كلَّ حادثةٍ من حوادث الكون - كالأعاصير والزلازل والطاعون وامثاله - انما هي مُسخرّات موظفاتٌ مأموراتٌ، فيرى أن عواصفَ الربيع والمطر وأمثالَها من الحوادث التي تبدو حزينةً سمجةً، ما هي في الحقيقة والمعنى الا مدارُ الحِكَمِ اللطيفة، حتى إنه يرى الموتَ مقدمةً لحياةٍ أبديةٍ، ويرى القبرَ بابَ سعادةٍ خالدة.. وقسْ على هذا المنوال سائَر الجهاتِ بتطبيق الحقيقةِ على المثال.

النقطة الثالثة:

كما أن الايمانَ نورٌ وهو قوةٌ ايضاً. فالانسانُ الذي يظفر بالايمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائناتِ ويتخلصَ من ضيق الحوادثِ، مستنداً الى قوةِ ايمانه فَيبحرُ متفرجاً على سفينة الحياة في خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام قائل:تَوكَّلتُ على الله، ويسلّم أعباءه الثقيلةَ أمانةً الى يدِ القُدرةِ للقدير المطلق، ويقطعُ بذلك سبيلَ الدنيا مطمئنّ البال في سهولةٍ وراحةٍ حتى يصل الى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع ان يرتفعَ طائراً الى الجنة للدخول الى السعادة الأبدية.

أما اِذا ترك الانسانُ التوكل فلا يستطيع التحليقَ والطيرانَ الى الجنة فحسب بل ستجذبه تلك الأثقالُ الى أسفلَ سافلين.

فالايمان اذن يقتضي التوحيدَ، والتوحيدُ يقودُ الى التسليم، والتسليم يُحقق التوكلَ، والتوكلُ يسهّل الطريقَ الى سعادة الدارَين. ولا تظنن أن التوكل هو رفضُ الأسباب وردّها كلياً، وإنما هو عبارةٌ عن العلمِ بأن الأسبابَ هي حُجُب بيَدِ القدرة الإلهية، ينبغي رعايتها ومداراتها، أما التشبثُ بها أو الأخذ بها فهو نوعٌ من الدعاء الفعلي. فطلبُ المسَبَّباتِ اذن وترقّب النتائج لا يكون الاّ مِن الحقِّ سبحانه وتعالى، واَنّ المنةَ والحمدَ والثناءَ لا ترجعُ الاّ اِليه وحدَه.

ان مَثلَ المتوكلِ على الله وغيرَ المتوكل كَمثَلِ رجلَين قاما بحمل اعباءٍ ثقيلةٍ حُمّلت على رأسهما وعاتقهما، فقطعا التذاكر وصعدا سفينةً عظيمةً، فوضعَ احدهُما ما على كاهِله حالما دخل السفينة وجلسَ عليه يرقُبُه أما الآخرُ فلم يفعل مثلَه لحماقته وغروره، فقيل له:

«ضع عنك حملكَ الثقيل لترتاح من عنائك؟". فقال:

«كلا، اني لست فاعلاً ذاك مخافة الضياع، فانا على قوةٍ لا أعبأُ بحملي، وسأحتفظ بما أملُكه فوقَ رأسي وعلى ظهري". فقيل له ثانية:

«ولكن أيها الأخ إنّ هذه السفينةَ السلطانية الأمينةَ التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى وأصلبُ عوداً منا جميعاً. وبامكانها الحفاظُ علينا وعلى أمتعتنا اكثرَ مِن أنفسنا، فربما يُغمى عليك فتهوي بنفسِك وأمتعتك في البحر، فضلاً عن انك تفقُد قوتَك رويداً رويداً، فكاهلُك الهزيل هذا وهامتُك الخرقاء هذه لن يَسَعهما بعدُ حملُ هذه الأعباء التي تتزايد رَهَقاً، واذا رآك ربّان السفينة على هذه الحالة فيسظنــُّك مصاباً بَمسٍ من الجنون وفاقداً للوعي، فيطرُدُك ويقذِفُ بكَ خارجاً، أو يأمرُ بإلقاء القبضِ عليك ويُودِعك السجن قائلاً: ان هذا خائنٌ يتهم سفينَتَنا ويستهزئُ بنا، وستُصبح أضحوكةً للناس، لأنك باظهارك التكبّر الذي يُخفي ضعف - كما يراه أهلُ البصائر - وبغرورِك الذي يحمل عَجزاً، وبتصنّعك الذي يُبطن رياءً وذلة، قد جعلتَ من نفسك اُضحوكةً ومهزلةً. ألا ترى ان الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك..! وبعد ما سمع كلَّ هذا الكلام عاد ذلك المسكينُ الى صوابه فوضع حِملَه على أرضِ السفينة وجلسَ عليه وقال:

الحمد للّه... ليرضَ الله عنك كل الرضا فلقد أنقذتَني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية.

فيا أيها الانسان البعيدُ عن التوكل! ارجع الى صوابك وعُد الى رُشدك كهذا الرجل وتوكّل على الله لتتخلص من الحاجة والتسوّل من الكائنات، ولتنجوَ من الإرتعاد والهلع أمام الحادثات، ولتنقذَ نفسَك من الرياء والاستهزاء ومن الشقاء الابدي ومن أغلال مضايقات الدنيا.

النقطة الرابعة:

إن الايمانَ يجعل الانسانَ انساناً حقاً، بل يجعله سلطاناً؛ لذا كانت وظيفتُه الأساس:"الايمانُ بالله تعالى والدعاء اليه". بينما الكفرُ يجعل الانسانَ حيواناً مفترساً في غاية العجز.

وسنورد هنا دليلاً واضحاً وبرهاناً قاطعاً من بين آلاف الدلائل على هذه المسألة، وهو:التفاوتُ والفروقُ بين مجئ الحيوان والانسان الى دار الدنيا.

نعم، ان التفاوتَ بين مجئ الحيوان والانسان الى هذه الدنيا يدل على أن اكتمالَ الانسانيةِ وارتقاءها الى الانسانية الحقة إنما هو بالايمان وحدَه، وذلك لأن الحيوانَ حينما يأتي الى الدنيا يأتي اليها كأنه قد إكتملَ في عالمٍ آخرٍ، فيرُسَلُ اليها متكاملاً حسب إستعداده. فيتعلم في ظرف ساعتين أو يومين أو شهرين جميع شرائط حياته وعلاقاته بالكائنات الأخرى وقوانينَ حياته، فتحصلُ لديه مَلَكةٌ؛ فيتعلّم العصفورُ أو النحلةُ - مثل - القدرةَ الحياتية والسلوكَ العملي عن طريق الإلهامِ الرباني وهدايتِه سبحانه. ويحصلُ في عشرين يوماً على ما لا يتعلمه الانسانُ الاّ في عشرين سنة. اذن الوظيفةُ الاساس للحيوان ليست التكمّل والإكمتال بالتعلّم، ولا الترقي بكسب العلم والمعرفة، ولا الاستعانة والدعاء باظهار العجز. وانما وظيفتُه الأصلية: العمل حسب استعداده، اي العبودية الفعلية.

أما الانسانُ فعلى العكس من ذلك تماماً، فهو عندما يَقِدم الى الدنيا يقدِمُها وهو محتاجٌ الى تعلّم كل شئ وادراكه؛ اذ هو جاهلٌ بقوانين الحياة كافة جهلاً مطبقاً، حتى إنه قد لا يستوعب شرائطَ حياته خلال عشرين سنة. بل قد يبقى محتاجاً الى التعلم والتفهم مدى عمره. فضلاً عن أنه يُبعث الى الحياة وهو في غاية الضَعف والعَجز حتى إنه لا يتمكن من القيام منتصباً الاّ بعد سنتين من عمره، ولا يكاد يميّز النفَع من الضرّ الا بعد خمس عشرة سنة، ولا يمكنه أن يحقّق لنفسه منافع حياته ومصالحها ولا دفـع الضرر عنها إلاّ بالتعـاون والانخـراط فـي الحيـاة الاجتماعية البشرية.

يتضح من هذا ان وظيفة الانسان الفطرية انما هي التكمل "بالتعلم" أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية "بالدعاء". أي أن يدرك في نفسه ويستفسر: "برحمةِ مَنْ وشَفقته اُدارى بهذه الرعاية الحكيمة؟! وبمَكْرَمةِ مَنْ وسخائِه اُربّى هذه التربية المفعمةَ بالشفقة والرحمة؟ وبألطافِ مَنْ بوجُودِه اُغذّى بهذه الصورة الرازقة الرقيقة؟!". فيرى أن وظيفته حقاً هو الدعاءُ والتضرعُ والتوسلُ والرجاءُ بلسان الفقر والعجز الى قاضي الحاجات ليقضي له طلباته وحاجاته التي لا تصل يدُه الى واحدةٍ من الألفِ منها. وهذا يعني ان وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحَي "العجز والفقر"الى مقام العبودية السامي.

اذن فلقد جئ بهذا الانسان الى هذا العالم لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء؛ لأن كل شئ فيه موجَّه الى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد. فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو "معرفة الله تعالى" كما ان اُسَّ هذا الاساس هو "الايمانُ بالله جل وعل".

وحيث ان الانسان متعرضٌ لما لا يحصى من أنواع البلايا والمصائب ومهاجمة الاعداء لما يحمل من عجزٍ مطلقٍ. وله مطالبُ كثيرةٌ وحاجاتٌ عديدة مع أنه في فقرٍ مدقع لا نهاية له؛ لذا تكون وظيفتُه الفطريةُ الأساس "الدعاءَ" بعد الايمان، وهو أساسُ العبادة ومخّها. فكما يلجأ الطفلُ العاجز عن تحقيق مرامه أو تنفيذ رغبته بما لا تصل اليه يدُه، الى البكاء والعويل أو يطلب مأمولَه، أي يدعو بلسان عجزه إما قولاً أو فعلاً فيوفَّق الى مقصوده ذاك، كذلك الانسانُ الذي هو ألطفُ أنواع الأحياء وأعجزُها وأفقرُها وهو بمنزلة صبيٍّ ضعيفٍ لطيفٍ، فلابدّ له من أن يأوى الى كنفِ الرحمن الرحيم والانطراحَ بين يديه إما باكياً معبراً عن ضعفه وعجزه، أو داعياً بفقره واحتياجـه، حتـى تُلبّى حاجتُه وتُنفَّذ رغبتُهُ. وعندئذٍ يكون قد أدّى شكرَ تلك الإغاثات والتلبيات والتسخيرات. والاّ فاذا قال بغرورٍ كالطفل الأحمق. "أنا أتمكن أن اُسخّرَ جميع هذه الأشياء واستحوذَ عليها بافكاري وتدبيري" وهي التي تفوق ألوف المرات قوتَه وطاقَته! فليس ذلك الاّ كفرانٌ بنَعم الله تعالى، ومعصيةٌ كبيرة تنافي الفطرة الانسانية وتناقضها، وسببٌ لجعل نفسه مستحقّاً لعذابٍ أليمٍ.

النقطة الخامسة:

كما أن الايمانَ يقتضي "الدعاء" ويتّخذه وسيلةً قاطعةً ووساطةً بين المؤمن وربّه، وكما اَن الفطرةَ الانسانية تتلهف اليه بشدةٍ وشوق، فان الله سبحانه وتعالى ايضاً يدعو الانسانَ الى الأمر نفسه بقوله:

(قُلْ مَا يَعْبَؤا بكُم ربّي لَولا دُعَاؤكُم)(الفرقان: 77)

وبقوله تعالى: (اُدْعوني أستَجِبْ لكُم) (غافر:60)

ولعلك تقول: "إننا كثيراً ما ندعو الله فلا يُستجابُ لنا رغم ان الآية عامةٌ تُصرّح بأنّ كل دعاءٍ مستجابٌ".

الجواب:

ان إستجابةَ الدعاء شئ، وقبولَه شئ آخر. فكلُّ دعاءٍ مستجابٌ، الاّ أن قبولَه وتنفيذَ المطلوب نفسه منوطٌ بحكمة الله سبحانه.

فمثل:يستصرخ طفلٌ عليل الطبيبَ قائلاً:

"أيها الطبيب انظر اليّ واكشف عني".

فيقول الطبيب: "أمرُك يا صغيري". فيقول الطفل:

"اعطني هذا الدواء". فالطبيب حينذاك إمّا انه يُعطيه الدواء نفسَه، أو يعطيه دواءً أكثر نفعاً وأفضل له، أو يمنع عنه العلاجَ نهائياً. وذلك حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ.

وكذلك الحق تبارك وتعالى (وله المثل الاعلى) فلأنه حكيمٌ مطلقٌ ورقيبٌ حسيب في كل آن، فهو سبحانه يستجيب دعاءَ العبد، وباستجابته يُزيل وحشَته القاتمةَ وغربته الرهيبة، مُبدلاً إياها أملاً واُنساً وإطمئناناً. وهو سبحانه إما أنه يَقبل مَطلبَ العبد ويستجيب لدعائه نفسه مباشرة، أو يمنحه أفضل منه، أو يردّه، وذلك حسب اقتضاء الحكمة الربانية، لا حسبَ أهواء العبد المتحكمة وأمانيّه الفاسدة.

وكذا، فالدعاء هو ضربٌ من العبودية، وثمار العبادة وفوائدُها أخرويةٌ. أما المقاصدُ الدنيوية فهي "أوقاتُ" ذلك النوع من الدعاء والعبادة، وليست غاياتها.

فمثل:صلاةُ الاستسقاء نوعٌ من العبادة، وانقطاع المطر هو وقتُ تلك العبادة. فليست تلك العبادةُ وذلك الدعاء لأجل نزولِ المطر. فلو اُدّيَتْ تلك العبادةُ لأجل هذه النية وحدَها اذن لكانت غير حريّة بالقبول، حيث لم تكن خالصةً لوجه الله تعالى..

وكذا وقتُ غروبِ الشمس هو اعلانٌ عن صلاة المغرب، ووقتُ كسوف الشمس وخسوف القمر هو وقتُ صلاةِ الكسوف والخسوف. أي أن الله سبحانه يدعو عبادَه الى نوعٍ من العبادة لمناسبة انكساف آية النهار وانخساف آية الليل اللتين تومئان وتُعلنان عظمتَهُ سبحانه. والاّ فليست هذه العبادة لإنجلاء الشمس والقمر الذي هو معلومٌ عند الفلكي..

فكما ان الأمر في هذا هكذا فكذلك وقتُ انحباس المطر هو وقتُ صلاةِ الاستسقاء، وتهافتُ البلايا وتسلطُ الشرور والأشياء المضرة هو وقتُ بعض الادعية الخاصة، حيث يدرك الانسانُ حينئذٍ عجزَه وفقرَه فيلوذ بالدعاء والتضرع الى باب القدير المطلق. واذا لم يدفع الله سبحانه تلك البلايا والمصائب والشرور مع الدعاء الملحّ، فلا يقالُ:إن الدعاءَ لم يُستجبْ، بل يقال: إن وقت الدعاء لم ينقضِ بعدُ. وإذا ما رفع سبحانه بفضله وكرمه تلك البلايا وكشف الغمة فقد انتهى وقتُ الدعاء اذن وانقضى. وبهذا فالدعاء سرٌ من أسرار العبودية.

والعبودية لابد أن تكون خالصةً لوجه الله، بأن يأوي الانسانُ الى ربَّه بالدعاء مُظهراً عجزَه، مع عدم التدخل في اجراءات ربوبيته، أو الاعتراضِ عليها، وتسليمُ الأمر والتدبير كلّه اليه وحدَه، مع الاعتماد على حكمته من دون إتهامٍ لرحمته ولا القنوطِ منها.

نعم!لقد ثبت بالآيات البيّنات أن الموجودات في وضعِ تسبيح لله تعالى؛ كلٌ بتسبيحٍ خاصٍ، في عبادة خاصة، في سجود خاص، فتتمخض عن هذه الأوضاع العبادية التي لا تعدّ ولا تحصى سبلُ الدعاء المؤدية إلى كنف ربٍّ عظيم.

اما عن طريق لسان الاستعداد والقابلية؛ كدعاء جميع النباتات والحيوانات قاطبة، حيث يبتغي كلُّ واحدٍ منهما من الفيّاض المطلق صورةً معينةً له فيها معانٍ لأسمائه الحسنى، أو عن طريق لسان الحاجة الفطرية كأدعية جميع أنواع الاحياء للحصول على حاجاتها الضـرورية التــي هــي خــارجة عن قدرتهــا، فيطــلب كـلُّ حيٍ من الجواد المطلق؛ بلســان حــاجته الفطرية عناصرَ اســتمــرار وجوده التي هي بمثابة رزقها.

أو عن طريق لسان الاضطرار، كدعاء المضطرّ الذي يتضرع تضرعاً كاملاً الى مولاه المغيب، بل لا يتوجّه الاّ الى ربه الرحيم الذي يلّبي حاجته ويقبل التجاءَه.

فهذه الانواع الثلاثة من الدعاء مقبولةٌ إن لم يطرأ عليها ما يجعلها غير مقبولة.

النوع الرابع من الدعاء، هو دعاؤنا المعروف، فهو أيضاً نوعان:

احدهم:دعاءٌ فعلي وحالي.

وثانيهم:دعاء قلبي وقولي.

فمثل:الأخذُ بالأسباب هو دعاء فعلي، علماً أن اجتماع الأسباب ليس المرادُ منه ايجاد المسَّبب. وانما هو لإتخاذ وضعٍ ملائمٍ ومُرضٍ لله سبحانه لِطَلَب المسَّبب منه بلسان الحال. حتى إن الحراثةَ بمنزلةِ طَرْقِ بابِ خزينةِ الرحمةِ الإلهية. ونظراً لكون هذا النوع من الدعاء الفعلي موجّهٌ نحو اسم "الجواد" المطلق والى عنوانه فهو مقبولٌ لا يُردُّ في أكثر الأحيان.

أما القسم الثاني: فهو الدعاءُ باللسان والقلب. أي طلبُ الحصولِ على المطالب غير القابلة للتحقيق والحاجات التي لا تصلُ اليها اليدُ. فأهمُّ جهةٍ لهذا الدعاء وألطفُ غاياته وألذُّ ثمراته هو أن الداعي يدرك ان هناك مَن يسمع خواطر قلبه، وتصل يدُه الى كل شئ، ومَن هو القادرُ على تلبية جميع رغباته وآمالِه، ومَن يرحم عجزه ويُواسي فقرَه.

فيا أيها الانسان العاجز الفقير! اياك ان تتخلّى عن مفتاح خزينةِ رحمة واسعة ومصدر قوة متينة، ألا وهو الدعاءُ. فتشبَّث به لترتقيَ الى اعلى عليي الانسانية، واجعل دعاءَ الكائنات جزءاً من دعائك. ومن نفسك عبداً كلياً ووكيلاً عاماً بقولك (إياكَ نَسْتَعينُ) وكن أحسنَ تقويمٍ لهذا الكون.(*)

___________________________

(*) كليات رسائل النور –الكلمة الثالثة والعشرون –ص (348)


24-) نماذج من التفكر في آيات الكون

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بينما كنت على قمة جبل في (بارلا) ايام منفاي، أسرح النظر في أشجار الصنوبر والقَطِران والعَرعرَ، التي تغطي الجهات. وأتأمل في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها. إذ هَبّ نسيم رقيق حوّل ذلك الوضع المهيب الرائع إلى أوضاع تسبيحات وذكر جذابة واهتزازات نشوة شوق وتهليل. واذا بذلك المشهد البهيج السار يتقطر عبراً أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع. وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لـ(أحمد الجزري).(1)

هر كس بتماشا كه حسناته زهر جاى تشبيه نكاران بجمالا ته دنازن

أي لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك، انهم بجمالك يتغنجون ويدلون.

وتعبيراً عن معاني العبرة، بكى قلبي على هذه الصورة:

يا رب! هر حى بتماشاكه صنع تو زهر جاى بتازى

يارب! ان كل حي، يتطلع من كل مكان، فينظرون معاً إلى حسنك، ويتأملون في روائع الأرض التي هي معرض صنعك.

زنشيب از فرازى مانند دلالان بنداء بآوازى

فهم كالدعاة الأدلاء، ينادون من كل مكان، من الأرض، ومن السماوات العلى إلى جمالك.

إلى ان يقول:

أما الروح فقد تعلمت من هذه المشاهد:

ان الأشياء تتوجه إلى تجليات اسماء الصانع الجليل بالتسبيح والتهليل فهي أصوات وأصداء تضرعاتها وتوسلاتها.

قلب مي خواند أزين آياتها: سر توحيد ز علو نظم اعجازى

أما القلب فانه يقرأ من النظم الرفيع لهذا الإعجاز، سر التوحيد في هذه الأشجار كأنها آيات مجسمات.

أي ان في خلق كل منها من خوارق النظام وإبداع الصنعة وإعجاز الحكمة، ما لو اتحدت أسباب الكون كلها، وأصبحت فاعلة مختارة، لعجزت عن تقليدها.

نفس ميخواهد درين ولوله ها! زلزله ها: ذوق باقى در فناى دنيابازى

أما النفس؛ فكلما شاهدت هذا الوضع للاشجار، رأت كأن الوجود يتدحرج في دوّامات الزوال والفراق. فتحرّت عن ذوقٍ باقٍ، فتلقت هذا المعنى: انك ستجدين البقاء بترك عبادة الدنيا.

عقل مي بيند ازين زمزمه هادمدمه ها:نظم خلقت نقش حكمت كنـز رازى

أما العقل فقد وجد انتظام الخلقة، ونقش الحكمة وخزائن أسرار عظيمة في هذه الأصوات اللطيفة المنبعثة من الأشجار والحيوانات معاً، ومن انداء الشجيرات والنسائم. وسيفهم ان كل شئ يسبّح للصانع الجليل بجهات شتى.

آرزو ميدارد هوا ازين همهمه ها هوهوها مرك خود در ترك اذواق مجازى

أما هوى النفس، فانه يلتذ ويستمتع من حفيف الأشجار وهبوب النسيم ذوقاً لطيفاً ينسيها الأذواق المجازية كلها، حتى انه يريد ان يموت ويفنى في ذلك الذوق الحقيقي، واللذة الحقيقية بتركه الأذواق المجازية، التي هي جوهر حياته.

خيال بيند ازين اشجار: ملائك را جسد آمد سماوى باهزاران نى

أما الخيال فانه يرى كأن الملائكة الموكلين بهذه الأشجار قد دخلوا جذوعها ولبسوا أغصانها المالكة لقصيبات الناي بأنواع كثيرة. وكأن السلطان السرمدي قد ألبسهم هذه الأجساد في استعراض مهيب مع آلاف أنغام الناي، كي تُظهِر تلك الأشجار أوضاع الشكر والامتنان له بشعور تام، لا أجساداً ميتة فاقدة للشعور.

ازين نيها شنيدت هوش ستايشهاى ذات حى

فتلك النايات مؤثرة الأنغام صافيتها، إذ تخرج أصواتاً لطيفة كأنها منبعثة من موسيقى سماوية علوية، فلا يسمع الفكر منها شكاوى آلام الفراق والزوال، كما يسمعها كل العشاق وفي مقدمتهم (مولانا جلال الدين الرومي) بل يسمع أنواع الشكر للمنعم الرحمن، وأنواع الحمد تقدم إلى الحي القيوم.

ورقهارا زبان دارند همه(هو هو) ذكردارند به در معناي: حى حى

وإذ صارت الأشجار أجساداً. فقد صارت الأوراق كذلك ألسنة. كل منها تردد بآلاف الألسنة ذكر الله بـ(هو.. هو).. بمجرد مسّ الهواء لها. وتعلن بتحيات حياتها إلى صانعها الحي القيوم

جو (لاَ اله الا هو) برابر مى زند هر شى

لاَن جميع الأشياء تقول: (لا اِله الا هو) وتعمل ضمن حلقة ذكر الكائنات العظمى.(2) (*)

 

_____________________________________

(1) هو الملا الجزري، أصله من جزيرة بوتان (جزيرة ابن عمر) واسمه الشيخ أحمد. ولد عام (540هـ) حيث كان يحكم الجزيرة الأمير عماد الدين وهو صاحب امارة فيها. له غزليات غزيرة مدونة في ديوانه المسمى (ديوان الملا الجزري).

(2) الكلمات/242

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص:228


25-) وجوه من اخبار الايات

 

بِسمِ الله الرّحمنِ الرّحيمِ

{ لَقدْ صَدَق الله رَسُولَه الرُؤيا بالحق لَتَدْخُلُنّ المسْجدَ الحرامَ إن شَاء الله آمنينَ مُحَلّقين رؤسَكُم ومُقصّرين لاتخافونَ فَعَلِمَ مَالَم تَعلَموا فَجَعلَ مِنْ دون ذلك فتحاً قريباً _ هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه وكفى بالله شَهيداً _ محمدٌ رَسولُ الله والذينَ مَعَه اشداءُ على الكُفّار رُحماءُ بينَهم تَريــهم رُكّعاً سُجّداً يَبتَغُونَ فَضْلاً منَ الله ورِضواناً سيماهُم في وُجوهِهِم مِن أثَرِ السُّجُودِ ذلك مَثَلُهم في التَوريــة وَمَثلُهم في الانجيلِ كزَرعٍ أخرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاستَغلَظَ فاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعجِبُ الزرّاعَ ليَغيظَ بهمُ الكُفّارَ وَعَدَ الله الذينَ آمنوا وَعملوا الصالحاتِ منهُم مَغفرةً وأجراً عظيماً }

(الفتح:27 - 29)

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

هذه الايات الثلاث في سورة الفتح لها وجوه اعجازية كثيرة جداً.

فوجه من الوجوه الكلية العشرة لاعجاز القرآن هو الاخبار عن الغيب الذي يظهر في هذه الآيات الكريمة بسبعة أو ثمانية وجوه:

الوجــه الاول:

قوله تعالى:  { لَقدْ صَدَق الله رَسُولَه الرُؤيا بالحق لَتَدْخُلُنّ المسْجدَ الحرامَ إن شَاء الله آمنينَ...} الخ الآية، تُخبر اخباراً قاطعاً عن فتح مكة قبل وقوعه. وقد فتحت فعلاً بعد سنتين كما اخبرت هذه الآية.

الوجه الثاني:

قوله تعالى:  { فَجَعلَ مِن دُونِ ذلكَ فَتحاً قَريباً }

تنبئ هذه الاية: ان صلح الحديبية وإن بدا ظاهراً انه ليس في صالح المسلمين وان لقريش ظهوراً على المسلمين الى حدٍ ما، الاّ أنه سيكون بمثابة فتح معنوي مبين، ومفتاحاً لبقية الفتوحات. وان السيوف المادية وان دخلت أغمادها في الواقع الاّ أن القرآن الكريم قد سلّ سيفه الالماسي البارق وفتح القلوب والعقول، اذ بسبب الصلح اندمجت القبائل فيما بينها واختلطت فاستولت فضائل الاسلام على العناد فمزّقت انوارُ القرآن حجبَ التعصب القومي الذميم.

فمثل:ان داهية الحرب خالد بن الوليد وداهية السياسة عمرو بن العاص اللذين يأبيان أن يُغلبا، غلبهما سيف القرآن الذي سطع في صلح الحديبية، حتى سارا معاً الى المدينة المنورة وسلّما الاسلام رقابهما، وانقادا اليه انقياد خضوع وطاعة حتى اصبح خالد بن الوليد سيف الله المسلول تفتح به الفتوحات الاسلامية.

الوجه الثالث:

ان الآية الكريمة تخبر بقيد { لاتخافون } بأنكم ستدخلون البيت الحرام وتطوفون حول الكعبة بأمان تام، علماً ان معظم قبائل الجزيرة العربية ومن هم حوالي مكة المكرمة وغالبية قريش كلهم اعداء للمسلمين، فهذا الإخبار يدل على انكم تدخلون في اقرب وقت المسجد وتطوفون دون أن يداخلكم الخوف، وان الجزيرة ستدين لكم بالطاعة، وقريش تكون في حظيرة الاسلام ويعم الامن والامان. فوقع كما اخبرت الآية.

الوجـه الرابع:

قوله تعالى: {هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه}.

هذه الآية تخبر إخباراً قاطعاً: ان الدين الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سيظهر على الاديان كلها، علماً ان النصرانية واليهودية والمجوسية التي يعتنقها مئات الملايين من الناس كانت أدياناً رسمية لدول كبرى كالصين وايران وروما، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  لم يظهر بعدُ ظهوراً تاماً على قبيلته نفسها. فالآية الكريمة تخبر عن ظهور دينه على الاديان كافة وعلى الدول كافة، بل تخبر عن هذا الظهور بكل يقين وجزم اخباراً قاطعاً. ولقد صدّق المستقبل هذا الخبر الغيبي بامتداد سيف الاسلام من بحر المحيط الشرقي الى بحر المحيط الغربي.

الوجه الخامس:

 {محمدٌ رَسولُ الله والذينَ مَعَه اشداءُ على الكُفّار رُحماءُ بينَهم تَريهم رُكّعاً سُجّداً يَبتَغُونَ فَضْلاً منَ الله ورِضواناً سيماهُم في وُجوهِهِم مِن أثَرِ السُّجُودِ}.

هذه الآية صريحة في معناها من ان الصحابة الكرام هم افضل بني الانسان بعد الانبياء عليهم السلام لما يتحلون به من سجايا سامية ومزايا راقية، وفي الوقت نفسه تبين ما تتصف به طبقات الصحابة في المستقبل من صفات ممتازة مختلفة خاصة بهم،كما تبين بالمعنى الاشاري - لدى اهل التحقيق - الى ترتيب الخلفاء الذين سيخلفون مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فضلاً عن اخبارها عن ابرز صفة خاصة بكل منهم مما اشتهروا به.

وذلـــك:فـان قـوله تعـالـى:  { والذيـن معـه }  يـدل على سيدنا الصـديـق رضي الله عنه المتصف بالمعية المخصوصة والصحبة الخاصة، بل بوفاته اولاً دخل ضمن معيته ايضاً.

كما ان قوله تعالى:  { اشداء على الكفار}  يدل على سيدنا عمر رضي الله عنه الذي سيهز دول العالم ويرعبهم بفتوحاته، وسيشتهر بعدالته على الظالمين كالصاعقة.

وتخبر الآية بلفظ  { رحماء بينهم }  عن سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي لم يرض باراقة الدماء بين المسلمين حينما كانت تتهيأ اعظم فتنة في التأريخ، ففضّل بكمال رحمته ورأفته ان يضحي بروحه ويسلّم نفسه للموت، واستشهد مظلوماً وهو يتلو القرآن الكريم.

 كما ان قوله تعالى:  {تَريــهم رُكّعاً سُـجّداً يَبتَغُونَ فَضْلاً منَ الله ورِضواناً } يشير الى اوضاع سـيدنا علي رضي الله عنه الذي باشر مهام الخلافة بكمال الاستحقاق والاهلية وهو في كمال الزهد والعبادة والفقر والاقتصاد واختار الدوام على السجود والركوع كما هو مصدّق عند الناس. فضلاً عن اخبارها أنه لايكون مسؤولاً عن حروبه التي دخلها في تلك الفترة وفي المستقبل، والذي كان يبتغي فيها فضلاً من الله ورضواناً.

الوجه السادس:

 { ذلك مَثلُهُم في التَوريــة }   هذه الجهة فيها اخبار غيبي بجهتين:

الجهة الاولى:

انها تخبر عن اوصاف الصحابة الواردة في التوراة، وهي في حكم الغيب بالنسبة لرسول أمي صلى الله عليه وسلم. اذ قد وضح في المكتوب التاسع عشر ان في التوراة وصفاً لصحابة الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان معه الوف الاطهار في يمينه او معه رايات القديسين بمعنى ان اصحابه مطيعون وعبّاد صالحون واولياء لله حتى يوصفون بالقديسين الاطهار.

فعلى الرغم مما طرأ من تحريفات كثيرة على التوراة بسبب ترجماتها العديدة لألسنة متنوعة، فانها مازالت تصدّق بآيات كثيرة منها هذه الآية الكريمة في ختام سورة الفتح.. { مَثلُهم في التَوريــة }

الجهة الثانية من الاخبار الغيبي هي:

ان  { مَثلُهم في التَوريــة...} تخبر عن ان الصحابة الكرام والتابعين سيبلغون مرتبة من العبادة بحيث أن ما في ارواحهم من نور سيشع على وجوههم وستظهر على جباههم علامة ولايتهم وصلاحهم بكثرة السجود لله.

نعم، فلقد صدّق المستقبل هذا بكل يقين ووضوح وجلاء فان زين العابدين رضي الله عنه الذي كان يصلي الف ركعة ليلاً ونهاراً وطاووساً اليماني رضي الله عنه الذي صلى الفجر بوضوء العشاء طوال اربعين سنة، رغم التقلبات السياسية والاوضاع المضطربة، وكثيرين كـثـيريـن امـثـالـهما قـد بينّوا ســراً من اسـرار هـذه الآيـة الــكريمة:  { مثلهم في التَوريــة } .

الوجه السابع:

  { وَمَثلُهم في الانجيلِ كزَرعٍ أخرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاستَغلَظَ فاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعجِبُ الزرّاعَ ليَغيظَ بهمُ الكُفّارَ}  

هذه الفقرة ايضاً فيها اخبار غيبي بجهتين:

اولاهـا:

ان اخبار مافي الانجيل من اوصاف الصحابة الكرام اخبار هي في حكم الغيب بالنسبة لرسول امي صلى الله عليه وسلم.

نعم! لقد وردت آيات في الانجيل تصف الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان مثل: ومعه قضيب من حديد وامته كذلك بمعنى انه صاحب سيف ويأمر بالجهاد واصحابه كذلك اصحاب السيوف ومأمورون بالجهاد وليس كسيدنا عيسى عليه السلام الذي لم يك صاحب سيف. فضلاً عن أن ذلك الموصوف معه قضيب من حديد سيصبح سيد العالم، لأن آية في الانجيل تقول: سأذهب كي يجئ سيد العالم.

فنفهم من هاتين الفقرتين من الانجيل: ان الصحابة الكرام وإن بدا عليهم في بادئ الامر ضعف وقلة الاّ انهم سينمون نمو البذرة النابتة وسيعلون كالنبات النامي الناشئ

ويقوون حتى يغتاظ منهم الكفار، بل يرُضخون العالم بسيوفهم فيثبتون ان سيدهم الرسول الكريم هو سيد العالم. وهذا المعنى الذي تفيده آية الانجيل هي معنى الاية في ختام سورة الفتح.

الوجـه الثاني:

تفيد هذه الفقرة: ان الصحابة الكرام وان كانوا قد قبلوا بصلح الحديبية، لقلتهم وضعفهم آنذاك فانهم بعد فترة وجيزة يكسبون بسرعة قوة رهيبة بحيث ان البشرية التي انبتتها يد القدرة الإلهية في مزرعة الارض تكون سنابلها قصيرة وناقصة وممحوقة بسبب غفلتهم ازاء سنابلهم العالية الشامخة القوية المثمرة المباركة، حتى انهم يكونون من القوة والكثرة بحيث يتركون دولاً كبرى تتلظى بنار غيظها وحسدها.

نعم ان المستقبل قد بين هذا الاخبار الغيبي باسطع صورة. وفي هذا الاخبار الغيبي ايماء خفي ايضاً وهو:

انه لما اثنى على الصحابة الكرام لما يتحلون به من خصال فاضلة مهمة كان المقام يلزم وعد ثواب عظيم ومكافأة جليلة لهم، الاّ انه يشير بكلمة مغفرة الى انه ستقع اخطاء وهفوات مهمة من جراء فتن تحدث بين الصحابة، اذ المغفرة تدل على وجود تقصير في شئ وحينذاك سيكون اعظم مطلوب لهم وافضل احسان عليهم هو المغفرة. لان اعظم إثابة هو:العفو، وعدم العقاب.

فكما أن كلمة (مغفرة) تدل على هذا الايماء اللطيف كذلك فهي ذات علاقة مع مافي بداية السورة: {ليغفرَ لكَ الله مَا تَقدّم مِن ذَنبكَ ومَا تأخّر} (الفتح:2) فالمغفرة هنا ليست مغفرة ذنوب حقيقية لأن في النبوة العصمة، فلا  ثمة ذنب. وانما هي بشرى المغفرة بما يناسب مقام النبوة. وما في ختام السورة من تبشير الصحابة الكرام بالمغفرة يضم لطافة اخرى الى ذلك الايماء.

وهكذا فوجوه الاعجاز العشرة للايات الكريمة الثلاث في ختام سورة الفتح، لم نبحث فيها الاّ عن وجه الاعجاز في إخبارها الغيبي بل لم نبحث الا في سبع وجوه من الوجوه الكثيرة جداً عن هذا النوع من الإخبار.

وقد اشير الى لمعة اعجاز مهمة في اوضاع حروف هذه الآية الاخيرة في ختام الكلمة السادسة والعشرين الخاصة بالقدر والجزء الاختياري. فهذه الآية موجهة بجملها الى الصحابة الكرام كما تشمل بقيودها احوالهم ايضاً، ومثلما تفيد بالفاظها اوصاف الصحابة فهي تشير بحروفها وتكرار اعدادها الى اصحاب بدر وأحد وحنين واصحاب الصفة وبيعة الرضوان وامثالهم من طبقات الصحابة الكرام. كما تفيد اسراراً كثيرة بحساب الحروف الابجدية والتوافق الذي يمثل نوعاً من علم الجفر ومفتاحه. (*)      

__________________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص:40 

 


26-) استناد كل شيء الى اسم من الاسماء الحسنة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 
استناد كل شيء الى اسم 
من الاسماء الحسنة 
بسم الله الرحمن الرحيم
(وان من شيء الاّ يسبّح بحمده)
ان في كل شئ وجوهاً كثيرة جداً متوجهة - كالنوافذ - الى الله سبحانه وتعالى، بمضمون الآية الكريمة (وان من شيء الاّ يسبّح بحمده) اذ ان حقائق الموجودات وحقيقة الكائنات تستند الى الاسماء الإلهية الحسنى، فحقيقة كل شئ تستند الى اسم من الاسماء او الى كثير من الاسماء. وان الاتقان الموجود في الاشياء يستند الى اسم من الاسماء، حتى ان علم الحكمة الحقيقي يستند الى اسم الله " الحكيم " وعلم الطب يستند الى اسم الله " الشافي " وعلم الهندسة يستند الى اسم الله " المقدّر " .. وهكذا كل علم من العلوم يستند الى اسم من الاسماء الحسنى وينتهي اليه، كما ان حقيقة جميع العلوم وحقيقة الكمالات البشرية وطبقات الكمّل من البشر، تستند كلها الى الاسماء الإلهية الحسنى، حتى قال اولياء محققون ان:
" الحقائق الحقيقية للاشياء، انما هي الاسماء الإلهية الحسنى، أما ماهية الاشياء فهي ظلال تلك الحقائق " بل يمكن مشاهدة آثار تجلي عشرين اسماً من الاسماء على ظاهر كل ذي حياة فحسب.
نحاول تقريب هذه الحقيقة الدقيقة والعظيمة الواسعة في الوقت نفسه الى الاذهان بمثال، نصفّيه بمصاف ونحلله بمحللات مختلفة، ومهما يطل البحث بنا فانه يعدّ قصيراً، فينبغي عدم السأم.
اذا اراد فنان بارع في التصوير والنحت، رسم صورة زهرة فائقة الجمال، وعمل 
تمثال حسناء رائعة الحسن، فانه يبدأ اول ما يبدأ بتعيين بعض خطوط الشكل العام لكل منهما.. فتعيينه هذا انما يتم بتنظيم، ويعمله بتقدير يستند فيه الى علم الهندسة، فيعيّن الحدود وفقه.. فهذا التنظيم والتقدير يدلان على انهما فُعلا بعلمٍ وبحكمة.اي ان فعلَي التنظيم والتحديد يتمان وفق "بركار " العلم والحكمة، لذا تحكُم معاني العلم والحكمة وراءَ التنظيم والتحديد، اذن ستبيّن ضوابط العلم والحكمة نفسها.. نعم، وها هي تبيّن نفسها، اذ نشاهد الفنان قد بدأ بتصوير العين والاذن والانف للحسناء واوراق الزهرة وخيوطها اللطيفة الدقيقة داخل تلك الحدود التي حدّدها.
والآن نشاهد ان تلك الاعضاء التي عُيّنت وفق " بركار " العلم والحكمة أخذت صيغة الصنعة المتقنة والعناية الدقيقة، لذا تحكمُ معاني الصنع والعناية وراء " بركار " العلم والحكمة.. اذن ستبين نفسها.. نعم، وها قد بدات قابلية الحسن والزينة في الظهور مما يدل على أن الذي يحرك الصنعة والعناية هو ارادة التجميل والتحسين وقصد التزيين، لذا يحكمان من وراء الصنعة والعناية؛ وها قد بدأ (الفنان) باضفاء حالة التبسم لتمثال الحسناء، وشرع بمنح اوضاع حياتية لصورة الزهرة، اي بدأ بفعلَي التزيين والتنوير. لذا فالذي يحرك معنى التحسين والتنوير هما معنيا اللطف والكرم..نعم! ان هذين المعنيين يحكمان، بل يهيمنان الى درجة كأن تلك الزهرة لطفٌ مجسم وذلك التمثال كرمٌ متجّسد. تُرى ما الذي يحرك معاني الكرم واللطف، وما وراءهما غير معاني التودد والتعرف. اي تعريف نفسه بمهارته وفنه وتحبيبها الى الآخرين.. وهذا التعريف والتحبيب آتيان من الميل الى الرحمة وإرادة النعمة.. وحيث أن الرحمة وارادة النعمة من وراء التودد والتعرّف، فستملآن اذن نواحي التمثال بانواع الزينة والنعم، وستعلقان على الصورة، صورة الزهرة الجميلة هدية ثمينة.. وها نحن نشاهد أن (الفنان)قد بدأ بملء يدي التمثال وصدره بنعمٍ قيمة ويعلّق على صورة الزهرة درراً ثمينة..بمعنى ان معاني الترحم والتحنن والاشفاق قد حرّكت الرحمة وإرادة النعمة.. وما الذي يحرك معاني الترحم والتحنن هذه، وما الذي يسوقهما الى الظهور لدى ذلك المستغنى عن الناس، غير ما في ذاته من جمال معنوي وكمال معنوي يريدان الظهور. إذ إن اجمل ما في ذلك الجمال، وهو المحبة، وألذ ما فيه وهو الرحمة، كل منه - اي المحبة والرحمة - يريد اراءة نفسه بمرآة الصنعة، ويريد رؤية نفسه بعيون المشتاقين، لأن الجمال - وكذا الكمال - محبوب لذاته، يحب نفسه اكثر من اي شئ آخر، حيث أنه حُسن 
وعشق في الوقت نفسه، فاتحاد الحسن والعشق آتٍ من هذه النقطة.. ولما كان الجمال يحب نفسه، فلابد أنه يريد رؤية نفسه في المرايا، فالنعم الموضوعة على التمثال، والثمرات اللطيفة المعلقة على الصورة، تحمل لمعةً براقة من ذلك الجمال المعنوي - كل حسب قابليته - فتُظهر تلك اللمعات الساطعة نفسها الى صاحب الجمال، والى الآخرين معاً.
وعلى غرار هذا المثال ينظم الصانع الحكيم (ولله المثل الاعلى) الجنة والدنيا والسموات والارض والنباتات والحيوانات والجن والانس والملك والروحانيات، اي بتعبير موجز ينظم سبحانه جميع الاشياء كليّها وجزئيها.. ينظمها جميعاً بتجليات اسمائه الحسنى ويعطي لكل منها مقداراً معيناً حتى يجعله يستقرىء اسم "المقدر، المنظم، المصور" . 
وهكذا بتعيينه سبحانه وتعالى حدود الشكل العام لكل شئ تعييناً دقيقاً يُظهر اسم " العليم، الحكيم " . ثم يرسم بمسطرة العلم والحكمة ذلك الشئ ضمن الحدود المعينة، رسماً متقناً الى حد يُظهر معاني الصنع والعناية، اي اسمي: الصانع، الكريم.. ثم يضفي على تلك الصورة جمالاً وزينة، بفرشاة العناية وباليد الكريمة للصنعة، فان كانت الصورة انساناً اضفى على اعضائه كالعين والانف والاذن الواناً من الحسن والجمال.. وان كانت الصورة زهرة اضفى سبحانه الى اوراقها واعضائها وخيوطها الرقيقة الواناً من الجمال والرواء والحسن.. وان كانت الصورة ارضاً منح معادنها ونباتاتها وحيواناتها الواناً من الزينة وضروباً من الجمال والحسن.. وان كانت الصورة جنة النعيم اسبغ على قصورها الواناً من الحسن وعلى حورها انواعاً من الزينة.. وهكذا قس على هذا المنوال.
ثم يزّين ذلك الشئ وينوره بطرازٍ بديع من الزينة والنور حتى تحكُم عليه معاني اللطف والكرم فتجعل ذلك الموجود المزيَّن وذلك المصنوع المنوَّر لطفاً مجسماً وكرماً متجسداً يذكّر باسمى " اللطيـف، الكريم " والذي يسـوق ذلك اللطف والكرم الى هذا التجلي انما هو التودد والتعرّف، اي شؤون تحبيب ذاته الجليلة الى ذوي الحياة وتعريف ذاته الى ذوي الشعـور حتى يُقرأ على ذلـك الشـئ اسـماً " الودود والمعروف " اللذين هما وراء اسمي " اللطيف، الكريم " بل يُسمعان قراءته لذينك الاسمين من حال المصنوع نفسه. ثم يجمّل سبحانه ذلك الموجود المزيّن، وذلك المخلوق الجميل، بثمرات لذيذة، بنتائج محبوبة، فيحوّل - جـل وعـل - الزينة الى 
نعمة، واللطفَ الى رحمة، حتى يدفع كل مشاهد يقرأ اسمي "المنعم، الرحيم " حيث تشف تجليات ذينك الاسمين من وراء الحجب الظاهرية. ثم ان الذي يسوق اسمي الرحيم والكريم وهو المستغني المطلق، الى هذا التجلي انما هو شؤون " الترحم والتحنن " مما يجعل المشاهد يقرأ على الشئ اسمي "الحنان، الرحمن " . والذي يسوق معاني الترحم والتحنن الى التجلي، جمال وكمال ذاتيان، يريدان الظهور، مما يدفع المشاهد الى قراءة اسم "الجميل " ، واسمي " الودود، الرحيم " المندرجين فيه؛ اذ الجمال محبوب لذاته. والجمال وذو الجمال يحب نفسه بالذات فهو حسن وَهو محبة. وكذا الكمال محبوب لذاته، اي محبوب بلا داعٍ الى سبب، فهو مُحبٌّ وهو محبوب.
فما دام جمالٌ في كمال لا نهاية له، وكذا كمالٌ في جمال لا نهاية له، يُحبُّ كلٌ منهما غاية الحب ومنتهاه، وهما يستحقان المحبة والعشق، فلابد انهما يريدان الظهور في مرايا، ويريدان شهود لمعاتهما وتجلياتهم - حسب قابلية المراي - واشهادها الآخرين. 
وهذا يعني ان الجمال الذاتي والكمال الذاتي للصانع ذي الجلال، والحكيم ذي الجمال، والقدير ذي الكمال، يريدان الترحم والتحنن، فيسوقان اسمي "الرحمن، الحنان " الى التجلي. والترحم والتحنن يسوقان اسمي "الرحيم والمنعم " الى التجلي، وذلك باظهار الرحمة والنعمة معاً. والرحمة والنعمة تقتضيان شؤون التودد والتعرف وتسوقان اسمي " الودود والمعروف " الى التجلي فيظهران على المصنوع. والتودد والتعرف يحركان معنى اللطف والكرم ويستقرآن اسمي " اللطيف والكريم " ، في بعض نواحي المصنوع. وشؤون اللطف والكرم تحرك فعلَي التزيين والتنوير فتستقرىء اسمي " المزيّن المنور " بلسان حُسن المصنوع ونورانيته. وشؤون التزيين والتحسين تقتضي معاني الصنع والعناية وتستقرىء اسمي " الصانع المحسن " في السيماء الجميل لذلك المصنوع. وذلك الصنع والعناية تقتضيان العلم والحكمة فيستقرىء المصنوع اسمي "العليم والحكيم " في اعضائه المنتظمة الحكيمة. ولاشك ان ذلك العلم والحكمة تقتضيان افعال التنظيم والتصوير والتشكيل، فيستقرىء المصنوع بشكله وبهيئته، اسمي " المصوّر المقدّر " .
وهكذا خلق الصانع الجليل مصنوعاته كلها، حتى يستقرئ القسم الغالب منها ولا سيما ذوي الحياة، كثيراً جداً من الاسماء الحسنى، وكأنه سبحانه قد ألبس كل 
مصنوع عشرين حلّة متباينة متراكبة، او كأنه لف مصنوعه ذلك بعشرين غطاء وستره بعشرين ستاراً، وكتب على كل حلة، وعلى كل ستار اسماءه المختلفة. 
ففي زهرة واحدة جميلة، وفي حسناء لطيفة، مثلاً في ظاهر خلقهما صحائف كثيرة جد - كما في المثال - يمكنك ان تأخذهما مثالاً تقيس عليهما المصنوعات الاخرى العظيمة.
الصحيفة الاولى: هيئة الشئ التي تبين شكله العام ومقداره، والتي تذكّر باسماء: يا مصور يا مقدر يا منظم.
الصحيفة الثانية: صور الاعضاء المتباينة المنكشفة ضمن تلك الهيئة البسيطة للزهرة والانسان، التي تُسطر في تلك الصحيفة اسماء كثيرة امثال: العليم، الحكيم.
الصحيفة الثالثة: اضفاء الحسن والزينة على الاعضاء المتباينة لذينك المخلوقين بانماط متنوعة من الحسن والزينة حتى تكتب في تلك الصحيفة اسماء كثيرة من امثال: الصانع، البارئ.
الصحيفة الرابعة: الزينة والحسن البديع الموهوبان الى ذينك المصنوعين، حتى كأن اللطف والكرم قد تجسما فيهما، فتلك الصحيفة تذكّر وتقرأ اسماء كثيرة امثال: يا لطيف. يا كريم.
الصحيفة الخامسة: تعليق ثمرات لذيذة على تلك الزهرة، ومنح الاولاد المحبوبين والاخلاق الفاضلة لتلك الحسناء، يجعلان تلك الصحيفة، تستقرئ اسماء كثيرةً امثال: يا ودود يا رحيم يا منعم.
الصحيفة السادسة: صحيفة الإنعام والإحسان التي تقرأ اسماء أمثال: يا رحمن يا حنان.
الصحيفة السابعة: ظهور لمعات حسن وجمال واضحة في تلك النعم وتلك النتائج حتى تكون أهلاً لشكر خالص عُجن بشوق وشفقة حقيقيين، ومستحقاً لمحبة خالصة طاهرة، فتكتب تلك الصحيفة وتقرأ اسماء: يا جميل ذا الكمال يا كامل ذا الجمال.
نعم، ان كانت زهرة جميلة واحدة، وإنسية حسناء جميلة، يُظهران الى هذا الحد من الاسماء الحسنى في صورتهما الظاهرية المادية فقط، فالى اي حد من السمو والكلية تستقرىء جميع الازهار، وجميع ذوي الحياة والموجودات العظيمة الكلية، الاسماء الحسنى الإلهية. يمكنك أن تقيس ذلك بنفسك.
ويمكنك في ضوء ذلك أن تقيس ايضاً مدى ما يقرأه الانسان وما يستقرؤه من الاسماء الحسنى امثال: الحي، القيوم، المحيي، في كلٍ من صحائف الحياة واللطائف الانسانية كالروح والقلب والعقل.
وهكذا..فالجنة زهرة. والحور زهرة. وسطح الارض زهرة، والربيع زهرة، والسماء زهرة ونقوشها البديعة والنجوم والشمس زهرة والوان ضيائها السبعة اصباغ نقوش تلك الزهرة.
والعالم انسان جميل عظيم، مثلما أن الانسان عالم مصغر، فنوع الحور، وجماعة الروحانيات، وجنس الملك، وطائفة الجن، ونوع الانسان، كل من هؤلاء قد صُوّر ونُظم واُوجد في حكم انسان جميل. كما ان كلاً منهم مرايا متنوعة متباينة لإظهار جماله سبحانه وكماله ورحمته ومحبته.. وكل منهم شاهد صدقٍ لجمالٍ وكمال ورحمة ومحبة لا منتهى لها.. وكل منهم آيات جمال وكمال ورحمة ومحبة. 
فهذه الانواع من الكمالات التي لا نهاية لها، حاصلة ضمن دائرة الواحدية والاحدية، وهذا يعني ان ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليست كمالاتٍ قطعاً.
فافهم من هذا:
استناد حقائق الاشياء الى الاسماء الحسنى، بل الحقائق الحقيقية انما هي تجليات تلك الاسماء. 
وان كل شئ بجهات كثيرة وبألسنة كثيرة يذكر صانعه ويسبّحه ويقدّسه. وافهم من هذا معنىً واحداً من معاني الآية الكريمة: 
(وان من شيء الاّ يسبّح بحمده)
وقل:سبحان من اختفى بشدة ظهوره.
وافهم سراً من اسرار خواتيم الآيات وحكمة تكرار امثال: وهو العليم القدير. وهو الغفور الرحيم. وهو العزيز الحكيم.
فان لم تستطع ان تقرأ في زهرة واحدة الاسماء الحسنى وتعجز عن رؤيتها بوضوح، فانظر الى الجنة وتأمل في الربيع وشاهد سطح الارض، عند ذلك يمكنك ان تقرأ بوضوح الاسماء المكتوبة على الجنة وعلى الربيع وعلى سطح الارض، التي هي ازاهير كبيرة جداً لرحمة الله الواسعة.(*)
___________________
(*) كليات رسائل النور- الكلمة الثانية والثلاثون - الموقف الثالث ص: 749


27-) من الاسباب التي تكشف عن اسرار العناية الالهية

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

قد يستلزم التواضع كفران النعمة، بل يكون كفراناً بالنعمة عينه، وقد يكون ايضاً التحدث بالنعمة تفاخراً وتباهياً. وكلاهما مضران، والوسيلة الوحيدة للنجاة. اي لكي لايؤدي الأمر الى كفرانٍ بالنعمة ولاالى تفاخر، هي: الإقرار بالمزايا والفضائل دون ادّعاء تملّكها، اي اظهارها انها آثار إنعام المنعم الحقيقي جلّ وعلا.

مثال ذلك: اذا ألبسك أحدُهم بدلة فاخرة جميلة، وأصبحتَ بها جميلاً وأنيقاً،فقال لك الناس: ما أجملك! لقد أصبحت رائعاً بها، وأجبتهم متواضعاً: كلا! مَن أنا، أنا لست شيئاً.. أين الجمال من هذه البدلة!! فان جوابك هذا كفران بالنعمة بلاشك، وسوء أدب تجاه الصانع الماهر الذي ألبسك البدلة. وكذلك إن قلت لهم مفتخراً: نعم! انني جميل فعلاً، فأين مثلي في الجمال والأناقة! فعندها يكون جوابك فخراً وغروراً.

والاستقامة بين كفران النعمة والافتخار هو القول:نعم! انني أصبحت جميلاً حقاً، ولكن الجمال لايعود لي وانما الى البدلة، بل الفضل يخص الذي ألبسنيها.

ولو بلغ صوتي أرجاء العالم كافة لكنت أقول بكل ما اوتيت من قوة: ان (الكلمات) جميلة رائعة وانها حقائق وانها ليست مني وانما هي شعاعات التمعت من حقائق القرآن الكريم.فلم اجمّل انا حقائق القرآن، بل لم أتمكن من اظهار جمالها وانما الحقائق الجميلة للقرآن هي التي جمّلت عباراتي ورفعت من شأنها واستناداً الى قاعدة: وما مدحت محمداً بمقالتي.. ولكن مدحت مقالتي بمحمدٍ.(1) اقول:

ومامدحت القرآن بكلماتي .. ولكن مدحت كلماتي بالقرآن.

فما دام الأمر هكذا. أقول باسم جمالية الحقائق القرآنية: ان اظهار جمال (الكلمات)التي هي معاكس تلك الحقائق، وبيان العنايات الإلهية المترتبة على جمال تلك المرايا، انما هو تحدث بنعمة الله، مرغوب فيه.(*)

_________________________

(1) في مكتوبات الإمام الرباني : ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالني بمحمد –المترجم

(*) المكتوب الثامن والعشرون - ص:478


28-) وظيفة المنتسب إلى رسائل النور

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان أهم وظيفة للمنتسب إلى رسائل النور، كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها. فالذي يكتبها أو يستكتبها، يكسب عنوان طالب رسائل النور، فيغنم بهذا العنوان حظًا من مكتسباتي المعنوية، ومن دعواتي الخيرة وتضرعاتي التي ادعوها كل أربع وعشرين ساعة بمائة مرة بل يزيد احياناً. فضلاً عن ذلك يكسب حظاً من مكتسبات معنوية لألوف من إخواني البررة ومن دعواتهم الطيبة التي يدعون الله بها.

وعلاوة على ذلك فانه بكتابته الرسائل التي هي بمثابة أربعة أنواع من عبادة مقبولة يكسبها بأربعة وجوه.. إذ يقوي إيمانه.. ويسعى لإنقاذ إيمان غيره من المهالك.. وينال التفكر الإيماني الذي يكون بمثابة عبادة سنة احياناً كما ورد في الأثر ويدفع غيره إلى هذا التفكر.. ويشترك في حسنات أستاذه الذي لا يجيد الخط ويقاسي من الأوضاع الشديدة ما يقاسي بمعاونته له..

نعم، يستطيع ان يكسب أمثال هذه الفوائد الجليلة.(1)(*)

_______________________

(1) الملاحق- قسطموني/114

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:303

 


29-) الا المودة في القربى


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان معنى قوله تعالى {الاّ الموّدَة في القُربى}(الشورى:23) -على قول - هو: أن الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم لدى قيامه بمهمة الرسالة لايسأل أجراً من أحد،الاّ محبةَ آل بيته فحسب.
واذا قيل:
إن أجراً من حيث قرابة النسل قد أُخذ بنظر الاعتبار حسب هذا المعنى بينما الآية الكريمة: {ان أكرمكُم عند الله اتقاكم} (الحجرات:13) تدل على ان وظيفة الرسالة تستمر من حيث التقرب الى الله بالتقوى لامن حيث قرابة النسل. 
الجـواب:ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد شاهد بنظر النبوة الأنيس بالغيب: أن آل بيته سيكونون بمثابة شجرة نورانية عظيمة تمتد اغصانُها وفروعها في العالم الاسلامي، فالذين يرشدون مختلف طبقات العالم الاسلامي الى الهدى والخير، ويكونون نماذج شاخصة للكمالات الانسانية جمعاء،سيظهرون باكثريتهم المطلقة من آل البيت. 
وقد كشف عن قبول دعاء امته بحق آل البيت الوارد في التشهد وهو اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين، انك حميد مجيد.أي: كما ان معظم المرشدين الهادين النورانيين من ملة ابراهيم - عليه السلام - هم أنبياء من نسله وآله، كذلك رأى صلى الله عليه وسلم ان اقطاب آل بيته يكونون كأنبياء بني اسرائيل في الامة المحمدية يؤدون وظيفة خدمة الاسلام العظيمة في شتى طرقها ومسالكها. ولاجل هذا؛ اُمر صلى الله عليه وسلم ان يقول: { قُل لا اسئلكم عليه أجراً الاّ المودّةَ في القُربى} وطلب مودّة أمته لآل بيته. والذي يؤيد هذه الحقيقة هو ما جاء في روايات أخرى انه صلى الله عليه وسلم قال: [ياايها الناس اني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلو:كتاب الله وعترتي أهل بيتي ] (1) ذلك لان آل البيت هم منبع السنة الشريفة والمحافظون عليها والمكلفون أولاً بالالتزام بها. 
وهكذا وضحت حقيقة هذا الحديث بناء على ما ذكر آنفاً، أي: بالاتباع التام للكتاب والسنة الشريفة. أي: ان المراد من آل البيت من حيث وظيفة الرسالة هو إتباع السنة النبوية، فالذي يدع السنة الشريفة لايكون من آل البيت حقيقة كما لايمكن ان يكون موالياً حقيقياً لآل البيت.
ثم ان الحكمة في ارادته صلى الله عليه وسلم في جمع الأمة حول آل البيت هي: ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد علم باذن إلهي ان آل البيت سيكثر نسلهم بمرور الزمن بينما الاسلام سيؤول الى الضعف. فيلزم والحالة هذه وجود جماعة مترابطة متساندة في منتهى القوة والكثرة لتكون مركزاً ومحوراً لرقي العالم الاسلامي المعنوي. وقد علم صلى الله عليه وسلم بهذا بإذن إلهي فرغّب في جمع أمته حول آل بيته.
نعم ان افراد آل البيت وان لم يكونوا سابقين ومتقدمين على غيرهم في الايمان والاعتقاد الاّ انهم يسبقونهم كثيراً في التسليم والالتزام والولاء للاسلام، لانهم يوالون الاسلام فطرة وطبعاً ونسلاً. فالموالاة الطبعية لاتُترك ولوكانت في ضعف وعدم شهرة أو حتى على باطل، فكيف بالموالاة لحقيقة ارتبطت بها سلسلة أجداده الذين ضحوا بأرواحهم رخيصة في سبيلها فنالوا الشرف بها، فتلك الحقيقة هى في منتهى القوة وذروة الشرف وعلى الحق المبين، أفيستطيع من يشعر بداهة بمدى اصالة هذه الموالاة الفطرية ان يتركها؟ 
فأهل البيت بهذا الالتزام الشديد للاسلام وهو التزام فطري يرون الأمارة البسيطة بجانب الاسلام برهاناً قوياً لانهم يوالون الاسلام فطرة بينما غيرهم لايلتزم الاّ بعد اقتناعه بالبرهان القوي.(*)

__________________
(1)حديث صحيح: اخرجه الترمذي برقم 3786 والطبراني في الكبير2680، وللحديث شواهد كثيرة انظر الاحاديث الصحيحة رقم 1761.
(*) كليات رسائل النور - اللمعة الرابع - ص: 31


30-) اعظم الاحسان هو عدم الاحساس به

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا } [الإنسان:8-9]
 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

يا اخوتي الأوفياء الأعزاء!

قال لي أحد الأتقياء في "قسطموني" شاكياً: "لقد تردّيت، وتقهقرت عن حالي السابق اذ فقدتُ ما كنت عليه من أحوال وأذواق وأنوار".

فقلت له: بل قد ترقيت، واستعليت على الأذواق والكشفيات التي تلاطف النفس وتذيقها ثمراتها الاخروية في الدنيا، وتعطيها الشعور بالانانية والغرور. وقد طِرتَ الى مقام أعلى وأسمى وذلك بنكران الذات وترك الانانية والغرور، وبعدم التحري عن الأذواق الفانية.

نعم ان احساناً الهياً مهماً هو عدم احساس من لم يدع انانيته باحسانه، كيلا يصيبه الغرور والعجب.

فيا اخوتي!

بناءً على هذه الحقيقة، فان من يفكر مثل هذا الشخص، أو يهتم بمقامات باهرة يمنحها حسن الظن، عندما ينظر اليكم، ويرى فيكم طلاباً قد لبسوا لباس التقوى والتواضع التام وتسربلوا بخدمة الناس، يتصوركم من العوام، أو أناساً اعتياديين، فيقول: "أهؤلاء هم أبطال الحقيقة ورجالها، أوَ هؤلاء يتحدون الدنيا بأسرها! هيهات!.أين هؤلاء من اولئك المجاهدين في سبيل هذه الخدمة المقدسة، والذين سبقوا الأولياء الصالحين في هذا الزمان فأعجزوهم عن اللحاق بهم".

فان كان صديقاً تصيبه خيبة أمل، وان كان معارضاً يجد نفسه محقاً.

______________

(*) الشعاع الثالث عشر - ص: 374

 


31-) لا تحاولوا تقليد الافرنج

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي:

حينما سار (سعيد الجديد) في طريق التأمل والتفكر، انقلبت تلك العلوم الاوروبية الفلسفية وفنونها التي كانت مستقرة الى حدٍّ ما في افكار (سعيد القديم) الى أمراض قلبية، نشأت منها مصاعب ومعضلاتٌ كثيرة في تلك السياحة القلبية. فما كان من (سعيد الجديد) الاّ القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة. فرأى نفسه مضطراً الى اجراء المحاورة الآتية مع الشخصية المعنوية لأوروبا لكبح جماح ما في روحه من احاسيس نفسانية منحازة لصالح اوروبا، فهي محاورة مقتضبة من ناحية ومُسهبةٌ من ناحية اخرى.

ولئلا يُساء الفهمُ لابد أن ننبه: ان اوروبا اثنتان.

احداها: هي اوروبا النافعة للبشرية، بما استفاضت من النصرانية الحقة، وأدّت خدماتٍ لحياة الانسان الاجتماعية، بما توصلت اليه من صناعاتٍ وعلومٍ تخدم العدل والانصاف، فلا أخاطب – في هذه المحاورة – هذا القسم من اوروبا. وانما أخاطب اوروبا الثانية تلك التي تعفنت بظلمات الفلسفة الطبيعية وفسدت بالمادية الجاسية، وحَسبِتْ سيئات الحضارة حسناتٍ لها، وتوهمت مساوءها فضائل. فساقت البشرية الى السفاهة وأردتها الضلالة والتعاسة.

ولقد خاطبتُ في تلك السياحة الروحية الشخصية المعنوية الاوروبية بعد أن استثنيت محاسن الحضارة وفوائد العلوم النافعة، فوجهت خطابى الى تلك الشخصية التي اخذت بيدها الفلسفة المضرّة التافهة والحضارة الفاسدة السفيهة.. وخاطبتها قائلاً:

يا اوروبا الثانية! اعلمي جيداً أنكِ قد اخذتِ بيمينكِ الفلسفة المضلة السقيمة، وبشمالك المدنية المضرّة السفيهة، ثم تدّعين ان سعادة الانسان بهما. ألا شُلت يداكِ، وبئست الهدية هديتكِ، ولتكن وبالاً عليكِ، وستكون.

ايتها الروح الخبيثة التي تنشر الكفر وتبث الجحود! تُرى هل يمكن ان يسعد انسانٌ بمجرد تملكه ثروة طائلة، وترفله في زينة ظاهرة خادعة، وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائب هائلة؟ وهل يمكن ان نطلق عليه أنه سعيد؟! ألا ترين أنّ من يِئس من امرٍ جزئي، وانقطع رجاؤه من أملٍ وهمي، وخاب ظنه من عملٍ تافه، كيف يتحول خياله العذبُ مُراً علقماً، وكيف يتعذّب مما حوله من اوضاع لطيفة، فتضيق عليه الدنيا كالسجن بما رحُبت!. فكيف بمن أُصيب بشؤمك بضربات الضلالة في اعمق اعماق قلبه، وفي أغوار روحه، حتى انقطعت – بتلك الضلالة – جميعُ آماله، فانشقت عنها جميعُ آلامه، فايُّ سعادةٍ يمكنك ان تضمَني لمثل هذا المسكين الشَقي؟ وهل يمكن ان يُطلَق لمن روحه وقلبُه يُعذبان في جهنم، وجسمه فقط في جنةٍ كاذبة زائلة.. أنه سعيد؟..

لقد أفسدتِ – ايتها الروح الخبيثة – البشريةَ حتى طاشت بتعاليمك، فتقاسي منك العذاب المريَر، باذاقتك اِياها عذابَ الجحيم في نعيم جنة كاذبة.

ايتها النفس الامارة للبشرية! تأملي في هذا المثال وافهمي منه الى اين تسوقين البشرية:

هب أن امامنا طريقين، فسلكنا احدهما، واذا بنا نرى في كل خطوة نخطوها في الطريق الاول، مساكين عَجَزة يهجم عليهم الظالمون، يغصبون اموالهم ومتاعهم، يخرّبون بيوتهم واكواخهم، بل قد يجرحونهم جرحاً بليغاً تكاد السماء تبكي على حالتهم المفجعة، فاينما يمد النظر تُرى الحالة نفسها فلا يُسمع في هذا الطريق الاّ ضوضاء الظالمين وصَخبَهم، وأنينُ المظلومين ونُواحهم، فكأن مأتماً عاماً قد خيم على الطريق.

ولما كان الانسان – بمقتضى انسانيته – يتألم بألم الآخرين، فلا يستطيع ان يتحمل ما يراه في هذا الطريق من ألم غير محدود، اذ الوجدان لا يطيق ألماً الى هذا الحد، لذا يضطر سالك هذا الطريق الى أحد أمرين: اِما ان يتجرد من انسانيته، ويحمل قلباً قاسياً غارقاً في منتهى الوحشة لا يتألم بهلاك الجميع طالما هو سالم معافىً، او يُبطل ما يقتضيه القلبُ والعقلُ!.

فيا اوروبا التي نأتْ عن النصرانية وابتعدت عنها، وانغمست في السفاهة والضلالة! لقد اهديتِ بدهائك الاعور كالدجال لروح البشر حالة جهنمية، ثم ادركتِ ان هذه الحالة داءٌ عضال لا دواءَ له. إذ يهوي بالانسان من ذروة أعلى عليين الى درك اسفل سافلين، والى أدنى درجات الحيوان وحضيضها، ولا علاج لك امام هذا الداء الوبيل الاّ ملاهيكِ الجذابة التي تدفع الى اِبطال الحسّ وتخدير الشعور مؤقتاً، وكمالياتك المزخرفة واهواؤك المنوِّمة… فتعساً لكِ ولدوائكِ الذي يكون هو القاضي عليك.. نعم، ان ما فتحتيه امام البشرية من طريق، يشبه هذا المثال المذكور.

اما الطريق الثاني فهو ما أهداه القرآن الكريم من هديةٍ الى البشرية، فهداهم الى الصراط السوي، فنحن نرى:

في كل منزل من منازل هذا الطريق، وفي كل موضع من مواضعه، وفي كل مدينة تقع عليه، جنود مطيعون أُمناء لسلطانٍ عادل، يتجولون في كل جهة ينتشرون في كل ناحية، وبين فينة واخرى يأتي قسم من مأموري ذلك الملك العادل وموظفيه فيعفي بعض اولئك الجنود من وظائفهم بأمر السلطان نفسه ويتسلم منهم اسلحتهم ودوابهم ومعدّاتهم الخاصة بالدولة ويسلم اليهم بطاقة الاعفاء. وهؤلاء المعفون يبتهجون ويفرحون – من زاوية الحقيقة – على اعفائهم فرحاً عظيماً لرجوعهم الى السلطان وعودتهم الى دار قرار سلطنته، والمثول بزيارته الكريمة، مع انهم يحزنون في ظاهر الامر على ما أُخذ منهم من دابة ومعدات ألِفوها.. ونرى ايضاً أنه قد يلتقي اولئك المأمورون مَن لا يعرفهم من الجنود، فعندما يخاطبونه: أن سلم سلاحك! يردّ عليهم الجندي: انا جندي لدى السلطان العظيم وتحت امره وفي خدمته، واليه مصيري ومرجعي، فمن انتم حتى تسلبوا مني ما وهبني السلطان العظيم؟ فان كنتم قد جئتم باذنه ورضاه فعلي العين والرأس فأروني أمره الكريم، والاّ تنحوا عني فلأقاتلنكم ولو كنت وحدي وانتم أُلوف، اذ لا اقاتل لنفسي لانها ليست لي، بل اقاتل حفاظاً لأمانة مالكي ومولاي وصيانةً لعزته وعظمته. فانا لا ارضخ لكم!!.

فدونك مثالاً واحداً من ألوف الامثلة على ما في هذا الطريق الثاني من مصدر فرح ومدار سعادة. فانسج على منواله.

وعلى طول الطريق الثاني، وطوال مدة السفرة كلها نرى سَوقاً الى الجندية، يتم في فرح وابتهاج وسرور.. تلك هي التي تسمى بـ(المواليد). وهناك اعفاءات ورُخَص من الجندية، تتم في فرح وحبور ايضاً، وسط تهليل وتكبير.. تلك هي التي تسمى بـ(الوفيات).

هذا هو الذي اهداه القرآن الكريم للبشرية، فمن اهتدى به فقد سعد في الدارين ويمضي في طريقه – الثاني – على هذه الصورة اللطيفة بلا حزن وكدّرٍ على ما فات منه، وبلا خوف ووجل مما سيأتي عليه، حتى تنطبق عليه الآية الكريمة: ﴿لاخَوفٌ عَليهِم ولا هُمْ يحزَنون﴾(البقرة:262).

يا اوروبا الثانية الفاسدة! انك تستندين الى اسس واهية نخرة، فتزعمين:

أن كلّ كائن حي مالكٌ لنفسه، ابتداءً من اعظم ملَكَ وانتهاء الى اصغر سمك. كلٌ يعمل لذاته فقط، ولأجل نفسه فحسب، ولا يسعى أحدٌ الاّ للذته الخاصة، ولأجل هذا له حق الحياة. فغاية همته وهدف قصده هو ضمان بقائه واستمرار حياته. ثم انك ترين (قانون التعاون) جارياً فيما بين المخلوقات امتثالاً لأمر الخالق الكريم الذي هو واضح جلي في أرجاء الكون كله كامداد النباتات للحيوانات والحيوانات للانسان، ثم تحسبين هذا القانون والسنة الإلهية وتلك التجليات الكريمة الرحيمة المنبعثة من ذلك التعاون العام جدالاً وخصاماً وصراعاً، حتى حكمتِ ببلاهة ان الحياة جدال وصراع!

فيا سبحان الله!! كيف يكون امدادُ ذرات الطعام امداداً بكمال الشوق لتغذية خلايا الجسم جدالاً وخصاماً؟ بل مَا هو الاّ سنة التعاون، ولا يتم الاّ بأمر ربّ حكيم كريم!

وان ما تستندين اليه من (أن كل شيء مالك لنفسه) واضح البطلان. وأوضح دليل عليه هو ان اشرف الاسباب واوسعها ارادة واختياراً هو الانسان. والحال ليس في يد اختياره ولا في دائرة اقتداره من أظهر افعاله الاختيارية كالاكل والكلام والتفكر، الاّ جزءٌ واحد مُبهَمٌ من بين المائة. فالذي لا يملك واحداً من المائة من مثل هذا الفعل الظاهر، كيف يكون مالكاً لنفسه؟! واذا كان الاشرف والاوسع اختياراً مغلولَ الايدي عن التملك الحقيقي والتصرف التام فكيف بسائر الحيوانات والجمادات؟ أليس الذي يطلق هذا الحكم (بأن الحيوان مالك لزمام نفسه) أضلُّ من الانعام وأفقدُ للشعور من الجمادات؟

فيا اوروبا! ما ورطكِ في هذا الخطأ المشين الاّ دهاءك الأعور، أي ذكاؤك المنحوس الخارق، فلقد نسيت بذكائك هذا ربَّ كل شيء وخالقه، اذ أسندتِ آثاره البديعة الى الاسباب والطبيعة الموهومة! وقسمتِ مُلك ذلك الخالق الكريم على الطواغيت التي تُعبَد من دون الله .. فانطلاقاً من هذه الزاوية التي ينظر منها دهاؤك الاعور يضطر كلُّ ذي حياة وكل انسان يصارع وحده ما لا يعد من الاعداء، ويحصل بنفسه على ما لا يحد من الحاجات، بما يملك من اقتدارٍ كذرة، واختيارٍ كشعرة، وشعورٍ كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفي، وعمرٍ كدقيقة تنقضي، مع أنه لا يكفي كلُ ما في يده لواحدٍ من مطالبه. فعندما يصاب – مثلاٍ – بمصيبة لا يرجو الدواء لدائه الاّ من اسباب صم، حتى يكون مصداق الآية الكريمة: ﴿وما دُعاءُ الكافرين إلاّ في ضلالٍ﴾(الرعد:14). ان دهاءك المظلم قد قَلب نهارَ البشرية ليلاً، ذلك الليل البهيم بالجور والمظالم، ثم تريدين ان تنوري ذلك الظلام المخيف بمصابيح كاذبة مؤقتة!.. هذه المصابيح لا تبتسم لوجه الانسان، بل تستهزى به، وتستخف من ضحكاته التي يطلقها ببلاهة وهو متمرغ في اوحال اوضاع مؤلمة مُبكية! فكل ذي حياة في نظر تلاميذك، مسكينٌ مبتلىً بمصائب ناجمة من هجوم الظلمة. والدنيا مأتم عمومي، والاصوات التي تنطلق منها نعيات الموت، وأناتُ الآلام، ونياحات اليتامى.

ان الذي يتلقى الدرس منك ويسترشد بهدْيك يصبح (فرعوناً) طاغية.. ولكنه فرعون ذليل، إذ يعبد أخس الاشياء، ويتخذ كل شيء ينتفع منه رباً له.

وتلميذك هذا (متمردٌ) ايضاً.. ولكنه متمرد مسكين، إذ لأجل لذةٍ تافهة يقبل قدَمَ الشيطان، ولأجل منفعة خسيسة يرضى بمنتهى الذل والهوان.

وهو (جبار) ولكنه جبار عاجز في ذاته لأنه لا يجد مرتكزاً في قلبه يأوي اليه.

ان غاية ما يصبو اليه تلميذك وذروة همته: تطمينُ رغبات النفس واشباعُ هواها، حتى انه دسّاس يبحث تحت ستار الحمية والتضحية والفداء عن منافعه الذاتية، فيطمئن بدسيسته وخبثه حرصَه ويُشبع نَهمَ غروره، إذ لا يحب حقاً الاّ نفسه، بل يضحي بكل شيء في سبيلها.

اما التلميذ المخلص الخالص للقرآن الكريم فهو (عبدٌ) ولكنه لا يتنزل لعبادةِ اعظم مخلوق، فهو (عبدٌ عزيزٌ) لا يرضى حتى بالجنة، تلك النعمة العظمى غاية لعبوديته لله.

وهو (لين هين) ولكنه لا يتذلل لغير فاطره الجليل، ولغير أمره وإذنه، فهو صاحب همة عليا وعزيمة صادقة.

وهو (فقير) ولكنه مستغن عن كل شيء بما ادّخر له مالكُه الكريم من الثواب الجزيل.

وهو (ضعيف) ولكنه يستند الى قوة سيده المطلقة. فلا يرضى تلميذ القرآن الكريم الخالص حتى بالجنة الخالدة مقصداً وغاية له، فكيف به بهذه الدنيا الزائلة؟ فافهم من هذا مدى التفاوت الكبير والبونَ الشاسع بين همة هذين التلميذين!.

وكذلك يمكنكم ان تقيسوا مدى الفرق الهائل بين تلاميذ الفلسفة السقيمة وتلاميذ القرآن الحكيم من حيث مدى التضحية والفداء في كل منهما بما يأتي:

إن تلميذ الفلسفة يفر من أخيه أثرَة لنفسه، ويقيم عليه الدعوى. اما تلميذ القرآن فانه يرى جميع عباد الله الصالحين في الارض والسموات اخواناً له، ويشعر من اعماق روحه باواصر شوق تشدّه نحوهم، فيدعو لهم دعاءً خالصاً نابعاً من صميم قلبه (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) فهو يسعد بسعادتهم. حتى انه يرى ما هو اعظم الاشياء كالعرش الاعظم والشمس الضخمة مأموراً مسخراً مثله.

ثم يمكنك قياس سموّ الروح وانبساطها لدى التلميذين بما يأتي:

ان القرآن الكريم يمنح تلاميذه نماءاً سامياً للروح وانبساطاً واسعاً لها، اذ يسلم الى ايديهم بدلاً من تسع وتسعين حبةٍ من حبات المسبحة، سلسلة مركبة من ذراتٍ تسع وتسعين عالماً من عوالم الكون التي يتجلى فيها تسعٌ وتسعون اسماً من الاسماء الحسنى، ويخاطبهم: هاؤم اقرأوا أورادكم بهذه السلسلة، وهم بدورهم يقرأون اورادهم بتلك المسبحة العجيبة، ويذكرون ربهم الكريم باعدادها غير المحدودة.

فان شئت فانظر الى تلاميذ القرآن من الاولياء الصالحين امثال الشيخ الكيلاني والشيخ الرفاعي والشيخ الشاذلي (رضي الله عنهم)(1)، وانصت اليهم حينما يقرأون اورادهم، وانظر كيف أخذوا في اياديهم سلاسل الذرات، وعدد القطرات، وانفاس المخلوقات فيذكرون الله بها ويسبحونه ويقدّسونه.. تأمل كيف يتعالى ذلك الانسان الهزيل الصغير الذي يصارعه اصغر ميكروب ويصرعه أدنى كَرْب! وكيف يتسامي في التربية القرآنية الخارقة فتنبسط لطائفُه وتسطع بفيض إرشادات القرآن حتى انه يستصغر اضخم موجودات الدنيا من ان يكون مسبحةً لأوراده، بل يستقل الجنة العظمى ان تكون غاية ذكره لله سبحانه، مع انه لا يرى لنفسه فضلاً على أدنى شيء من خلق الله.. انه يجمع منتهى التواضع في منتهى العزة.. ومن هنا يمكنك ان تقدّر مدى انحطاط تلاميذ الفلسفة ومدى دناءتهم.

وهكذا فالحقائق التي تراها الفلسفة السقيمة الاوروبية بدهائها الاعور مشوهةً زائفةً يراها الهديُ القرآني واضحةً جلية، ذلك النور الذي ينظر الى كلا العالمين بعينين براقتين نافذتين الى الغيب، ويشير بكلتا يديه الى السعادتين، ويخاطب البشرية:

ايها الانسان! إن ما تملكه من نفسٍ ومال ليس ملكاً لك، بل هو أمانةٌ لديك، فمالكُ تلك الامانة قديرٌ على كل شيء، عليم بكل شيء، رحيم كريم، يشتري منك ملكه الذي عندك لسحفَظَه لك، لئلا يضيع في يدك، وسيكافؤك به ثمناً عظيماً، فانت لست الاّ جندياً مكلفاً بوظيفة، فاعمل لاجله واسعَ باسمه، فهو الذي يرسل اليك رزقَك الذي تحتاجه، ويحفظك مما لا تقدر عليه.

ان غاية حياتك هذه ونتيجتها هي أن تكون مظهراً لتجليات اسماء ذلك المالك، ومعكساً لشؤونه الحكيمة.. واذا ما اصابتك مصيبةٌ فقل: ﴿إنا لله وإنا اليهِ رَاجعُون﴾(البقرة:156). أي أنا طوعُ أمر مولاي، فان كنت قادمةً ايتها المصيبة باذنه وباسمه، فأهلاً ومرحباً بكِ، فنحن لا محالة راجعونَ اليه لا مناص من ذلك. وسنحظى بالمثول بين يديه، فنحن حقاً مشتاقون اليه.. فما دام سيُعتقنا يوماً من تكاليف الحياة فليكن ذلك على يديك ايتها المصيبة.. انا مستسلم راضٍ. ولكن إن كان الامر والارادة قد صدر اليك منه سبحانه لأجل الابتلاء والاختبار لمدى محافظتي على الامانة ولمدى قيامي بواجباتي، فلا أسلم ما استطعت امانة مالكي لأيدٍ غير أمينة. ولا استسلم لغير أمره ورضاه سبحانه.

فدونك مثالاً واحداً من بين الالوف منه على معرفة قيمة ما تلقنه دهاءُ الفلسفة، ومرتبة ما يرشده هدي القرآن من دروس.

نعم ان الوضع الحقيقي لكلا الطرفين هو على هذا المنوال، بيد أن درجات الناس متفاوتةٌ في الهداية والضلالة ومراتب الغفلة مختلفة متباينة، فلا يشعر كلُّ واحد بهذه الحقيقة في كل مرتبة، إذ الغفلة تُبطل الحس والشعور وتخدّرهما، وقد أبطلتْ في هذا الزمان الحسَ والشعورَ الى حدٍ لم يَعُد يَشعر بألم ومرارة هذا العذاب الاليم اولئك السائرون في ركاب المدنية الحاضرة. ولكن ستار الغفلة يتمزق بتزايد الاحساس العلمي، علاوةً على نذير الموت يعرض جنازة ثلاثين ألف شخص يومياً.

فيا اسفى! وياويل من ضلّ بطواغيت الاجانب وعلومهم المادية الطبيعية، ويا خسارةَ اولئك الذين يقلدونهم تقليداً اعمى، ويتبعونهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع.

فيا ابناء هذا الوطن! لا تحاولوا تقليد الافرنج! وهل بعد كل ما رأيتم من ظلم اوروبا الشنيع وعداوتهم اللدودة، تتبعونهم في سفاهتهم، وتسيرون في ركاب أفكارهم الباطلة؟ وتلتحقون بصفوفهم، وتنضمون تحت لوائهم بلا شعور؟ فانتم بهذا تحكمون على انفسكم، وعلى اخوانكم بالاعدام الابدي.. كونوا راشدين فطنين! انكم كلما اتبعتموهم في سفاهتهم وضلالهم ازددتم كذباً وافتراءً في دعوى الحمية والتضحية، لأن هذا الاتباع استخفافٌ بأمتكم واستهزاء بملتكم.

هدانا الله واياكم الى الصراط المستقيم.(*)

_____________________

(1) الرفاعي: (512 – 578هـ) احمد بن علي بن يحيى الرفاعي، ابو العباس، الامام الزاهد مؤسس الطريقة الرفاعية، ولد في قرية حسن في واسط بالعراق سنة 512هـ وتفقه وتأدب في واسط. وكان يسكن قرية ام عبيدة بالبطائح (بين واسط والبصرة) وتوفي بها سنة 578هـ. وفيات الاعيان 1/55 الطبقات الكبرى 1/140 نور الابصار 220 الاعلام 1/174 جامع كرامات الاولياء 1/490.

الشاذلي: (591 – 656هـ) هو علي بن عبدالله بن عبدالجبار الشاذلي، والشاذلة قرية من افريقيا، الضرير الزاهد نزيل الاسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، صاحب الاوراد المسماة (حزب الشاذلي). الطبقات الكبرى 2/4 الاعالام 4/305 نور الابصار 234 جامع كرامات الاولياء 2/341. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:176


32-) الاقتصاد سبب العزة

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) [الإسراء:29].


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
الاقتصاد سبب العزة 
ان المقتصد لا يعاني فاقة العائلة وعوزها كما هو مفهوم الحديث الشريف "لا يعول من اقتصد(1). اجل هناك من الدلائل القاطعة التي لا يحصرها العدّ بأن الاقتصاد سبب جازم لإنزال البركة، واساس متين للعيش الافضل. أذكر منها ما رأيته في نفسي وبشهادة الذين عاونوني في خدمتي وصادقوني باخلاص فأقول: 
لقد حصلتُ احياناً وحصل اصدقائي على عشرة اضعاف من البركة بسبب الاقتصاد. حتى انه قبل تسع سنوات(2) عندما أصرّ عليّ قسم من رؤساء العشائر المنفيين معي الى "بوردور" على قبول زكاتهم كي يحولوا بيني وبين وقوعي في الذلة والحاجة لقلة ما كانت عندي من النقود، فقلت لاولئك الرؤساء الاثرياء: برغم أن نقودي قليلة جداً الاّ انني املك الاقتصاد، وقد تعودت على القناعة، فانا أغنى منكم بكثير.فرفضتُ تكليفهم المتكرر الملح.. ومن الجدير بالملاحظة ان قسماً من اولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدَّين بعد سنتين، لعدم التزامهم بالاقتصاد، الاّ أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني - ولله الحمد - ببركة الاقتصاد الى ما بعد سبع سنوات، فلم بُرَق مني ماء الوجه، ولم بدفعني لعرض حاجتي الى الناس، ولم يفسد عليّ ما اتخذته دستوراً لحياتي وهو "الاستغناء عن الناس".
نعم ان من لا يقتصد، مدعوّ للسقوط في مهاوي الذلّة، ومعرض للانزلاق الى الاستجداء والهوان معنىً.
ان المال الذي يستعمل في الاسراف في زماننا هذا لهو مال غالٍ وباهظ جداً، حيث تدفع احياناً الكرامة والشرف ثمناً ورشوة له، بل قد تُسلب المقدسات الدينية، 
ثم يُعطى نقوداً منحوسة مشؤومة، اي يقبض بضعة قروش من نقود مادية، على حساب مئات الليرات من النقود المعنوية.
بينما لو اقتصر الانسان على الحاجات الضرورية واختصرها وحصر همّه فيها، فسيجد رزقاً يكفل عيشه من حيث لا يحتسب وذلك بمضمون الآية الكريمة: 
(ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات: 58) وأن صراحة الآية الكريمة:
(وما من دابة في الارض الاّ على الله رزقها) (هود:6) تتعهد بذلك تعهداً قاطعاً. 
نعم، ان الرزق قسمان:
القسم الاول: وهو الرزق الحقيقي الذي تتوقف عليه حياة المرء، وهو تحت التعهد الرباني بحكم هذه الآية الكريمة، يستطيع المرء الحصول على ذلك الرزق الضروري مهما كانت الاحوال، ان لم يتدخل سوء اختياره، دون ان يضطر الى فداء دينه ولا التضحية بشرفه وعزته.
القسم الثاني: هو الرزق المجازي، فالذي يسئ استعماله لا يستطيع ان يتخلّى عن الحاجات غير الضرورية، التي غدت ضرورية عنده نتيجة الابتلاء ببلاء التقليد. وثمن الحصول على هذا الرزق باهظ جداً ولاسيما في هذا الزمان، حيث لا يدخل ضمن التعهد الرباني، اذ قد يتقاضى ذلك المال لقاء تضحيته بعزته سلفاً راضياً بالذل، بل قد يصل به حد السقوط في هاوية الاستجداء المعنوي، والتنازل الى تقبيل اقدام أناس منحطين وضيعين، لا بل قد يحصل على ذلك المال المنحوس الممحوق بالتضحية بمقدساته الدينية التي هي نور حياته الخالدة. ثم ان الألم الذي ينتاب ذوي الوجدان من حيث العاطفة الانسانية- بما يرونه من آلام يقاسيها المحتاجون البائسون في هذا الزمان الذي خيّم عليه الفقر والحاجة - يشوّب لذتَهم التي يحصلونها بأموال غير مشروعة، وتزداد مرارتها ان كانت لهم ضمائر. انه ينبغي في هذا الزمان العجيب الاكتفاء بحدّ الضرورة في الاموال المريبة، لانه حسب قاعدة "الضرورة تقدر بقدره" يمكن ان يؤخذ باضطرارٍ من المال الحرام حدَّ الضرورة وليس اكثر من ذلك. وليس للمضطر ان يأكل من الميتة الى حدّ الشبع، بل له ان يأكل بمقدار ما يحول بينه وبين الموت. وكذا لا يؤكل الطعام بشراهة امام مائة من الجائعين.
نورد هنا حادثة واقعية للدلالة على كون الاقتصاد سبب العزة والكمال: 
اقام"حاتم الطائي" المشهور بكرمه وسخائه ضيافة عظيمة ذات يوم واغدق هدايا ثمينة على ضيوفه. ثم خرج للتجوال في الصحراء، فرأى شيخاً فقيراً يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً من الحطب والكلأ والشوك والدم يسيل من بعض جسمه.. فخاطبه قائلاً: 
- ايها الشيخ، ان حاتماً الطائي يقيم اليوم ضيافة كريمة ويوزع هدايا ثمينة، بادرْ اليه لعلك تنال منه اموالاً اضعاف أضعاف ما تناله من هذا الحمل!!.
قال له ذلك الشيخ المقتصد: سأحمل حملي هذا بعزة نفسي وعرق جبيني، ولا أرضى ان أقع تحت طائل منّة حاتم الطائي.
ولما سُئل حاتم الطائي يوماً: 
- مَن من الناس وجدتَهم اعزَّ منك واكرم؟.
قال:ذلك الشيخ المقتصد الذي لقيته في المفازة ذات يوم، لقد رأيته حقاً اعزّ مني واكرم.(*)
________________________________________
(1) (ما عال من اقتصد)رواه احمد عن ابن مسعود (كشف الخفاء، 2/189) وانظر 1/158 ايضاً.
(2) المقصود سنة1926م. ــ المترجم.
(*) اللمعة التاسعة عشرة - ص: 215

 


33-) انتصار القلب على الفلسفة بامداد حكمة القران

 

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

عندما رجعت من الاسر، كنت أسكن مع ابن اخي "عبد الرحمن"(1) في قصر على قمة "جاملجة" في استانبول. ويمكن ان تعتبر هذه الحياة التي كنت احياها حياة مثالية من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا؛ ذلك لانني قد نجوت من الاسر، وكانت وسائل النشر مفتوحة امامي في "دار الحكمة الاسلامية"(2) وبما يناسب مهنتي العلمية، وان الشهرة والصيت والاقبال عليّ تحفّ بي بدرجة لا استحقها، وانا ساكن في اجمل بقعة من استانبول "جاملجة"، وكل شئ بالنسبة لي على ما يرام، حيث أن ابن اخي "عبد الرحمن" - رحمه الله - معي، وهو في منتهى الذكاء والفطنة، فهو تلميذ ومضحّ وخادم وكاتب معاً، حتى كنت أعدّه ابناً معنوياً لي.

وبينما كنت احس بأني اسعد انسان في العالم، نظرت الى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، واذا بتلك الصحوة الروحية التي احسست بها في الاسر في جامع "قوصترم" تبدأ بالظهور. فأخذتُ أنعم النظر وافكر مدققاً في تلك والانشراح، حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن "لا اله الا هو" فمزق ذلك الظلام وبدده. فانشرح صدري وتنفس بكل راحة واطمئنان.. ولكن النفس والشيطان، شنّا هجوماً عنيفاً على العقل والقلب وذلك بما أخذاه من تعليمات وتلقياه من دروس من اهل الضلالة والفلسفة.فبدأت المناظرة النفسية في هذا الهجوم حتى اختتمت - ولله الحمد والمنّة - بانتصار القلب وفوزه.

ولما كان قسم من تلك المناظرات قد ورد في اغلب الرسائل، فنحن نكتفي به، الا أننا نبين هنا برهاناً واحداً فقط من بين آلاف البراهين، لنبين انتصار القلب وفوزه على النفس والشيطان، وليقوم ذلك البرهان بتطهير ارواح اولئك الشيوخ الذين لوثوا أرواحهم، واسقموا قلوبهم، واطغوا انفسهم، حتى تجاوزت حدودها، تارة بالضلالة، وتارة بما لايعنيهم من أمور تتستر تحت ستار العلوم الاجنبية والفنون الحضارية ولينجوا - باذن الله - في حق التوحيد، من شرور النفس والشيطان. والمناظرة هي كالآتي:

قالت نفسي مستفسرة باسم العلوم الفلسفية المادية: ان الاشياء الموجودة في الكون،بطبيعتها تتدخل في الموجودات، فكل شئ متوجه الى سبب وصادر منه، فالثمرة تؤخذ من الشجرة، والحبوب تطلب من التراب، فماذا يعني التضرع الى الله وطلب اصغر شئ واكثره جزئية منه سبحانه؟!

انكشف حالا سر التوحيد بنور القرآن الكريم بالصورة الآتية:

أجاب قلبي لنفسي المتفلسفة: ان اصغر شئ واكثره جزئية انما هو كأكبر شئ واعظمه، فهو يصدر من قدرة خالق الكائنات مباشرة، ويأتي من خزينته سبحانه.. فليس هناك صورة اخرى قط، وما الاسباب الاّ ستائر؛ ذلك لان اصغر المخلوقات وأتفهها - حسب ظننا - قد يكون أعظم من اكبر المخلوقات واضخمها، من حيث الخلقة والصنعة والاتقان. فالذباب مثلاً، ان لم يكن ادق وارقى من حيث الصنعة من الدجاج فليس هو بقاصر عنها، لهذا لايمكن التمييز بين الصغير والكبير من حيث الخلقة والصنعة فإما أن يُنسب خلق الجميع -صغيرُه وكبيرُه - الى الاسباب المادية، وإما أن يُسند الخلق جميعاً الى الواحد الاحد. ومثلما أن الشق الاول محال في محال، فان الشق الثاني واجب الاعتقاد به وضروري.لانه:

ما دام علم الله سبحانه وتعالى يحيط بكل شئ، والذي هو ثابت وجوده بشكل قاطع بانتظام جميع الموجودات والحِكَم التي فيها.. وما دام كل شئ يتعيّن مقداره في علمه سبحانه.. وما دامت المصنوعات والمخلوقات وهي في منتهى الروعة والاتقان تأتي بمنتهى السهولة الى الوجود من العدم كل حين كما هو مشاهد.. ومادام ذلك القدير العليم يملك قدرة مطلقة يمكنه أن يوجِد كل شئ بامر "كن فيكون" وفي لمح البصر.. كما بيّنا ذلك في كثير من الرسائل بدلائل قاطعة ولاسيما في المكتوب العشرين وختام اللمعة الثالثة والعشرين. فلا بد أن السهولة المطلقة المشاهدة، والخارقة للعادة، ماهي الاّ من تلك الاحاطة العلمية ومن عظمة تلك القدرة المطلقة.

مثل:كما انه اذا أمررت مادة كيمياوية معينة على كتاب كُتب بحبر كيمياوي لايُرى، فان ذلك الكتاب الضخم يظهر عياناً حتى يستقرئ كل ناظر اليه، كذلك يتعين مقدار كل شئ وصورته الخاصة به في العلم المحيط للقدير الازلي، فيمرر القدير المطلق قوته - التي هي تجلٍ من قدرته - بكل سهولة ويسر، كإمرار تلك المادة في المثال، على تلك الماهية العلمية، يمرره بأمر"كنْ فيكون"، وبقدرته المطلقة تلك، وبارادته النافذة.. فيعطي سبحانه ذلك الشئ وجوداً خارجياً، مُظهراً اياه امام الاشهاد، مما يجعلهم يقرأون ما فيه من نقوش حكمته..

ولكن ان لم يُسند خلق جميع الاشياء دفعة واحدة الى العليم المطلق والى القدير الازلي، فان خلق اصغر شئ عندئذ - كالذباب مثلاً - يستلزم جمع جميع ما له علاقة بالذباب من اكثر انواع العالم، جمعه بميزان خاص ودقيق جداً، اي جمع كل ذلك في جسم الذباب، بل ينبغي ان تكون كل ذرةٍ عاملةٍ في جسم الذباب عالمة تمام العلم بسرّ خلق الذباب وحكمة وجوده، بل ينبغي أن تكون متقنة لروعة الصنعة التي فيها بدقائقها وتفاصيلها كافة.

ولما كانت الاسباب المادية او الطبيعية لايمكنها ان تخلق شيئاً من العدم مطلقاً كما هو بديهي ومتفق عليه عند ارباب العقول؛ لذا فان تلك الاسباب حتى لو تمكنت من الايجاد فانها لاتتمكن ذلك الاّ بالجمع، فما دامت ستقوم بالجمع، وأن الكائن الحي

-اياً كان - ينطوي على اغلب نماذج ما في العالم من عناصر وانواع، وكأنه خلاصة الكائنات او بذرتها، فلابد اذن من جمع ذرات البذرة من شجرة كاملة، وجمع عناصر الكائن الحي وذراته من ارجاء العالم اجمع، وذلك بعد تصفيتها وتنظيمها وتقديرها بدقة واتقان حسب موازين خاصة ووفق مصاف حساسة ودقيقة جداً.. ولكون الاسباب المادية الطبيعية جاهلة وجامدة، فلا علم لها مطلقاً كي تقدّر خطة، وتنظم منهاجاً، وتنسق فهرساً، وكي تتعامل مع الذرات وفق قوالب معنوية، مصهرة اياها في تلك القوالب لتمنعها من التفرق والتشتت واختلال النظام. بينما يمكن أن يكون شكل كل شئ وهيئته ضمن أنماط لاتحد.. لذا فان اعطاء شكل معين واحد من بين تلك الاشكال غير المحدودة، وتنظيم ذلك الشئ بمقدار معين ضمن تلك المقادير غير المعدودة، دون أن تتبعثر ذرات العناصر الجارية كالسيل وبانتظام كامل. ثم بناؤها وعمارتها بعضها فوق بعض بلا قوالب خاصة وبلا تعيين المقادير، ثم اعطاء الكائن الحي وجوداً منتظماً منسقاً.. كل هذا امر واضح أنه خارج عن حدود الامكان، بل خارج عن حدود العقل والاحتمال! فالذي لم يفقد بصيرته يرى ذلك بجلاء! نعم، وتوضيحاً لهذه الحقيقة فقد جاء في القرآن الكريم {انّ الذين تَدعونَ من دون الله لن يَخلقوا ذُباباً ولو اجتمعوا له..} (الحج: 73).اي اذا اجتمعت الاسباب المادية كافة لايمكنها أن تجمع وتنسق جسم ذبابة واحدة وأجهزتها وفق موازين دقيقة خاصة حتى لو أوتيت تلك الاسباب ارادةً واختياراً، بل حتى لو تمكنت من تكوين جسم ذباب وجمعه فانها لاتستطيع ابقاءه وادامته على مقداره المعين له، بل حتى لو تمكنت من ابقائه بالمقدار المعين فلن تستطيع ان تحرك بانتظام تلك الذرات التي تتجدد دوماً وترد الى ذلك الوجود لتسعى فيه؛ لذا فمن البداهة أن الاسباب لن تكون مالكة لهذه الاشياء ولـن تكـون صاحـبتها مطلـقاً. انما صـاحبـها الحقيقي هو غـير الاسباب.. نعم، ان لها مالكاً وصاحباً حقـيقياً بحيـث أن إحياء ما على الارض مـن كائنـات سهـل عليه ويسير، كإحياء ذبابة واحدة. وايجاد الربيع عنده سهل وهين كسهولة

ايجاد زهرة واحدة.. كـما تبـينه الآية الكريمـة: {ما خلقُكُم ولا بَعثُكم الاّ كنَفسٍ واحدة} (لقمان: 28) ذلك لأنه غير محتاج الى الجمع، حيث أنه مالك لأمر "كن فيكون".. ولانه يخلق من العدم في كل ربيع أحوال موجودات الربيع وصفاتها واشكالها، مما سوى عناصرها.. ولان خطة كل شئ ونموذجه وفهرسه ومخططه متعين في علمه سبحانه.. ولان جميع الذرات لاتتحرك الاّ ضمن دائرة علمه وقدرته؛ لذا فانه يخلق كل شئ ويوجده ايجاداً بلمح البصر وفي منتهى اليسر، ولن يحيد شئ عمّا أنيط به في حركته ولو بمقدار ذرة. فتغدو الكواكب السيارة جيشاً منظماً طائعاً له، وتصبح الذرات جنوداً مطيعين لأمره، وحيث ان الجميع يسيرون على وفق تلك القدرة الازلية ويتحركون وفق دساتير ذلك العلم الازلي؛ لذا فان هذه الآثار تأتي الى الوجود حسب تلك القدرة، فلا تصغُر تلك الآثار بنظر الاستصغار، ولا تكون مهملة بعدم الاهتمام بها؛ اذ الذبابة المنتسبة الى تلك القدرة تهلك نمروداً، والنملة تدمر قصر فرعون، وبذرة الصنوبر المتناهية في الصغر تحمل على اكتافها ثقل شجرة الصنوبر الضخمة كالجبل. فكما اننا اثبتنا هذه الحقيقة في رسائل كثيرة فاننا نقول هنا كذلك: ان الجندي المنتسب الى السلطان بالجندية يمكنه أن يقوم بأعمال تفوق طاقته ألف مرة، كأن يأسر مثلاً قائداً عظيماً للعدو بانتسـابه، كذلك فان كل شـئ بانتسابه الى تلك القدرة الازلية يكون مصدراً لمعجزات الصنعة والاتقان بما تفوق تلك الاسباب الطبيعية بمائة ألف مرة.

الخلاصة:

ان الصنعة المتقنة البديعة لكل شئ، والسهولة المطلقة في ايجاده، تظهران معاً أن ذلك الشئ من آثار القدير الازلي ذي العلم المحيط، وإلاّ فهو محـــال في مائة محــال ورود ذلم الشئ الى الوجود، بل يكون - عندئذٍ - خارجاً عن دائرة الامكان وداخلاً في دائرة الامتناع، بل خارجاً من صورة الممكن الى صورة الممتنع وماهية الممتنع، بل لا يمكن ان يرد - عندئذ - شئ مهما كان الى الوجود مطلقاً.

وهكذا فان هذا البرهان وهو في منتهى القوة والدقة، ومنتهى العمق والوضوح قد أسكت نفسي التي اصبحت تلميذة مؤقتة للشيطان، ووكيلة لاهل الضلالة والفلسفة، حتى آمنت - ولله الحمد - ايماناً راسخاً، وقالت:

نعم انه ينبغي أن يكون لي ربٌ خالق يعلم ويسمع أدق خواطر قلبي وأخفى رجائي ودعائي.ويكون ذا قدرة مطلقة فيسعف أخفى حاجات روحي ويستبدل كذلك بهذه الدنيا الضخمة دنيا اخرى غيرها ليسعدني سعادة ابدية فيقيم الآخرة بعدما يرفع هذه الدنيا، وكما أنه يخلق الذباب فانه يوجد السموات ايجاداً ايضاً. وكما أنه رصّع وجه السماء بعين الشمس جعل من الذرة ترصيعاً في بؤبؤ عيني. والاّ فان الذي لا يستطيع أن يخلق ذباباً لا يمكنه أن يتدخل في خواطر قلبي، ولن يسمع تضرع روحي. وان الذي لايستطيع أن يخلق السموات لايمكنه ان يهبني السعادة الابدية؛ لذا فان ربي انما هو الذي يسمع- بل يصلح - خواطر قلبي، فمثلما أنه يملأ جو السماء بالغيوم ويفرغها منه خلال ساعة فانه سيبدل الآخرة بهذه الدنيا ويعمّر الجنة ويفتح أبوابها لي قائلاً: هيا أدخل!!

فيا اخوتي الشيوخ، ويامن صرفتم جزءاً من عمركم بسوء حظ النفس وشقائها - مثل نفسي - في مغالطات العلوم الاجنبية والفلسفة المظلمة.. اعلموا أن الذي يردده القرآن دوماً من"لا اله الاّ هو" ذلك الامر القدسي، ركن ايماني لا يتزلزل ولا يتصدع ولايتغير أبداً!! فما اقواه وما اصوبه! حيث يبدد جميع الظلمات ويضمد الجراحات المعنوية.

هذا وان درج هذه الحادثة المطولة ضمن ابواب الرجاء والامل لشيخوختي، لم يكن باختياري، بل لم أكن أرغب درجها هنا، تحاشياً من الملل، الاّ انني استطيع ان اقول قد كُتّبتها وأملِيَتْ علىّ.. وعلى كل.. لنرجع الى الموضوع الذي نحن بصدده:

نعم، هكذا جاءني النفور من تلك الحياة الدنيوية البهيجة في استانبول التي ظاهرها اللذة، من ذلك التأمل والنظر في شعيرات بيضاء لرأسي ولحيتي، ومن عدم الوفاء الذي بدر من الصديق الوفي المخلص.. حتى بدأت النفس بالبحث والتحري عن اذواق معنوية بدلا عما افتتنت به من اذواق، فطلبت نوراً وسلواناً في هذه الشيخوخة التي تبدو ثقيلة ومزعجة ومقيتة في نظر الغافلين. فـلله الحمد والمنّة وألف شكر وشكر له سبحانه أن وفقني لوجدان تلك الاذواق الايمانية الحقيقية الدائمة في "لا اله الاّ هو" وفي نور التوحيد بدلا من تلك الاذواق الدنيوية التي لاحقيقة لها ولالذة فيها، بل لا خير في عقباها. وله الحمد أن وفقني كذلك لأجد الشيخوخة خفيفة الظل أتنعم بدفئها ونورها بخلاف ما يراه أهل الغفلة من ثقل وبرودة.

نعم يااخوتي! فما دمتم تملكون الايمان، وما دامت لديكم الصلوات والدعاء اللذان ينوران الايمان، بل ينميانه ويصقلانه.. فانكم تستطيعون اذن أن تنظروا الى شيخوختكم من أنها شباب دائم، بما تكسبكم إياه من شباب خالد في دار الخلود، حيث ان الشيخوخة الباردة حقاً، والثقيلة جداً، والقبيحة، بل المظلمة والمؤلمة تماماً ليس الاّ شيخوخة اهل الضلالة، بل ربما عهد شبابهم كذلك.. فليبكوا.. ولينتحبوا.. وليقولو:وا أسفاه.. واحسرتاه!!

أما انتم ايها الشيوخ المؤمنون الموقرون فعليكم أن تشكروا ربكم بكل فرح وسرور قائلين: "الحمد لله على كل حال!".(*)


___________________

(1) هو عبد الرحمن بن عبدالله، ابن شقيق الاستاذ النورسي ولد سنة 1903 في نورس وتوفي سنة 1928 ودفن في قرية (ذو الفضل) في انقرة. كتب تاريخ حياة الاستاذ حتى عام 1918 ونشره بكتاب طبع في استانبول. ـ المترجم.

(2) هي اعلى مؤسسة علمية تابعة للمشيخة الاسلامية في الدولة العثمانية. ـ المترجم.

(*) كيات رسائل النور - اللمعة السادسة والعشرون - ص: 366

 


34-) سلاسة اسلوب القرآن

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

انظر الى درجة رحمة القرآن الواسعة وشفقته العظيمة على جمهور العوام ومراعاته لبساطة افكارهم ونظرهم غير الثاقب الى امور دقيقة، انظر كيف يكرر ويُكثر الآيات الواضحة المسطورة في جباه السموات والارض، فيقرئهم الحروف الكبيرة التي تُقرأ بكمال السهولة، كخلق السموات والارض وانزل الماء من السماء، واحياء الارض.. وامثالها من الآيات. ولا يوجه الانظار الى الحروف الدقيقة المكتوبة في الحروف الكبيرة الاّ نادراً، كيلا يصعب عليهم الامر.

ثم انظر الى جزالة بيان القرآن وسلاسة اسلوبه وفطريته، كيف يتلو على الانسان ما كتبتْهُ القدرة الإلهية في صحائف الكائنات من آيات حتى كأن القرآن قراءةٌ لما في كتاب الكائنات وانظمتها، وتلاوةٌ لشؤون بارئها المصور وافعاله الحكيمة. فان شئت استمع بقلبٍ شهيد لقوله تعالى:

﴿عَمّ يِتَساءَلون﴾(النباء:1) ﴿قل اللهم مالك الملك ﴾(آل عمران:26) وأمثالهما من الآيات الكريمة.(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:196


35-) الاقتصاد شكر معنوي والاسراف استخفاف بالنعمة

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الاعراف:31)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاقتصاد شكر معنوي والاسراف استخفاف بالنعمة.

ان الخالق الرحيم سبحانه يطلب من البشرية شكراً وحمداً إزاء ما اغدق عليها من النعم والآلاء، الاّ ان الاسراف منافٍ للشكر واستخفاف خاسر وخيم تجاه النعمة، بينما الاقتصاد توقيرٌ مربح ازاء النعمة.

اجل! إن الاقتصاد كما هو شكر معنوي، فهو توقير للرحمة الإلهية الكامنة في النعم والاحسان.. وهو سبب حاسم للبركة و الاستكثار.. وهو مدار صحة الجسد كالحِمية.. وهو سبيل الى العزة بالابتعاد عن ذلّ الاستجداء المعنوي.. وهو وسيلة قوية لإحساس ما في النعم والآلاء من لذة.. وهو سبب متين لتذوق اللذائذ المخبأة في ثنايا نعمٍ تبدو غير لذيذة.. ولكون الاسراف يخالف الحِكَم المذكورة آنفاً باتت عواقبه وخيمة.*

 

_______________________

(*) اللمعة التاسعة عشرة - ص: 212

 


36-) اعرف حدك

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

احذر ان يلتبس عليك مقامك.

(طُوبى لمنْ عَرَف حدّه ولم يتجاوز طَوره).

ان هناك تجليات للشمس على كل شيء. ابتداءً من اصغر ذرة وبلورة زجاج وقطرة ماء ومن الحوض الكبير والبحر العظيم، وانتهاءً بالقمر والكواكب السيارة. كل منها يعرف حدّه ويطبع على نفسه انعكاس الشمس وصورتها حسب قابليته. فتستطيع قطرة ماءٍ أن تقول: عندي انعكاسٌ للشمس، وذلك حسب قابليتها. ولكن لا تجرؤ على القول: انا مرآة للشمس كالبحر.

كذلك الامر في مقامات الاولياء، ففيها مراتبٌ عدّة، حسب تنوّع تجليات الاسماء الإلهية الحسنى، فكلُ اسم من الاسماء الحسنى له تجلياتٌ – كالشمس في المثال – ابتداءً من القلب وانتهاءً بالعرش.

فالقلب عرشٌ، ولكن لا يستطيع ان يقول: (أنا كالعرش الاعظم). ومن هنا كان السالك في سبيل الفخر والغرور يلتبس عليه الامر فيجعل قلبه الصغير جداً كالذرة مساوياً للعرش الاعظم، ويعتبر مقامه الذي هو كالقطرة كفواً مع مقام الاولياء العظام الذي هو كالبحر.فبدلاً من أن يصرف همه لمعرفة اساس العبادة الذي هو العجز والفقر وادراك تقصيره ونقصه امام بارئه القدير والتضرع امام عتبة ألوهيته سبحانه والسجود عندها بكل ذل وخضوع، وتراه يبدر منه التصنع والتكلف لأجل أن يلائم نفسه ويحافظ عليها مع مستوى تلك المقامات السامية، فيقع فيما لا طائل وراءه من الغرور والانانية والمشاكل العويصة.

الخلاصة:

لقد ورد في الحديث الشريف: (هَلَك الناس الاّ العالمون وهلك العالمون الاّ العاملون وهلك العاملون الاّ المخلصون والمخلصون على خطرٍ عظيم)(1).

أي ان محور النجاة ومدارها الاخلاص، فالفوز به اذن امر في غاية الاهمية لأن ذرة من عمل خالص أفضل عند الله من أطنانٍ من الاعمال المشوبة. فالذي يجعل الانسان يحرز الاخلاص هو تفكره في ان الدافع الى العمل هو الامر الإلهي لا غير، ونتيجته كسب رضاه وحده، ثم عدم تدخله في الشؤون الإلهية.

ان هناك اخلاصاً في كل شيء. حتى أن ذرةً من حُبٍ خالص تفضل على اطنان من الحب الصوري الشكلي. وقد عبر احدهم شعراً عن هذا النوع من الحب:

وما انا بالباغي على الحب رشوةً ضعيفٌ هوىً يُبغى عليه ثوابُ أي لا أطلب على الحب رشوة ولا أجرة ولا عوضاً ولا مكافأة، لأن الحب الذي يطلب ثواباً ومكافأة حبٌ ضعيف لا يدوم. فهذا الحب الخالص قد أودعه الله سبحانه في فطرة الانسان ولاسيما الوالدات عامة، فشفقة الوالدة مثال بارز لهذا الحب الخالص.

والدليل على ان الوالدات لا يطلبن تجاه محبتهن لأولادهن مكافأة ولا رشوة قط هو جُودُهن بانفسهن لأجل اولادهن، بل فداؤهن حتى باخراهن لأجلهم. حتى ترى الدجاج تهاجم الكلب انقاذاً لأفراخها من فمها علماً أن حياتها هي كل مالديها من رأسمال.(*)

 

__________________________

(1) في كشف الخفاء (2796): قال الصغاني: وهذا حديث مفترىً ملحون، والصواب في الاعراب العالمين والعاملين والمخلصين ا هـ. واقول فيه: ان السيوطي نقل في النكت عن ابي حيان أن الابدال في الاستثناء الموجب لغةً لبعض العرب، وخرج عليها قوله تعالى: ﴿فشربوا منه الاّ قليلاً﴾ (البقرة:249) ا هـ وعليه فالعالمون وما بعده بدل مما قبله.

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:200


37-) الرزق بيد القدير

 

قال تعالى:  (وكأيّن مِن دابّة لاتحملُ رزقَها الله يرُزقها واياكم)  (العنكبوت:60)
 (ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين)   (الذاريات:58)


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
بدلالة هاتين الايتين الكريمتين، الرزق بيد القدير الجليل وحده، ويخرج من خزينة رحمته دون وساطة. فرزق كل ذي حياة بعهدة ربه، فيلزم الاّ يموت أحد جوعاً. ولكن يبدو ان الذين يموتون جوعاً، أو من فقدان الرزق كثيرون. ان حل هذا السر وكشف هذه الحقيقة هو:
ان التعهد الرباني بالرزق وتكفّله له بنفسه حقيقة ثابتة. فلا أحد يموت من عدم الرزق، لان الرزق الذي يرسله الحكيم ذو الجلال الى جسم الكائن الحي يدّخر قسمٌ منه احتياطاً على هيئة شحوم ودهون داخلية. بل يدّخر قسم من الرزق المرسل في زوايا حجيرات الجسم كي يصرف منه في واجبات الجسم عند عدم مجئ الرزق من الخارج.
فالذين يموتون اذاً، انما يموتون قبل نفاد هذا الرزق الاحتياطي المدخر، اي أن ذلك الموت لاينجم من عدم وجود الرزق، وانما من مرضٍ ناشئٍ من ترك عادة  بسوء الاختيار.
نعم! ان الرزق الفطري المدخر بصورة شحوم في جسم الكائن الحي، انما يدوم ويستمر بمعدل اربعين يوماً كاملاً. بل قد يستمر ضعف ذلك، إثر مرض أو استغراق روحاني. حتى كتبت الصحف - قبل تسع وثلاثين سنة(1)- أن رجلاً  قد قضى لعناد سبعين يوماً في سجن لندن دون ان يذوق شيئاً وظل على صحة وعافية.
فما دام الرزق الفطري يدوم اربعين يوماً بل سبعين وثمانين يوماً، وان تجلي اسم الرزاق ظاهر على مدّ البسيطة بجلاء، وان الرزق يتدفق من حيث لايحتسب من الاثداء ويخرج من الاكمام. فلابد ان ذلك الاسم يمدّ الكائن ويسعفه ويحول بينه
وبين الموت جوعاً قبل انتهاء الرزق الفطري، مالم يتدخل البشر المتلبس بالشر بسوء عمله.
ولهذا فالذين يموتون جوعاً قبل اربعين يوماً، لايموتون بسبب عدم الرزق قطعاً، بل من عادة ناشئة من سوء الاختيار ومن مرض ناشئ من ترك العادة، اذ: ترك العادات من المهلكات قاعدة مطردة.
فيصح القول اذاً: انه لاموت من الجوع.
نعم! انه مشاهد امام الانظار: ان الرزق يتناسب تناسباً عكسياً مع الاقتدار والاختيار، فمثلاً. ان الطفل قبل ان يولد، وليس له من الاختيار والاقتدار شئ، ساكن في رحم الام، يسيل اليه رزقه دون ان يحتاج حتى الى حركة شفتيه. وحينما يفتح عينيه للدنيا، ولايملك اقتداراً ولا اختياراً، الاّ شئ من القابليات، وحسّ كامن فيه، فانه لايحتاج الاّ الى حركة إلصاق فمه بالثدي فحسب، واذا بمنابع الثدي تتدفق برزق هو اكمل غذاء واسهله هضماً، وبألطف صورة واعجب فطرة. ثم كلما نما لديه الاقتدار والاختيار احتجب عنه ذلك الرزق الميسور الجميل شيئاً فشيئاً، حتى ينقطع النبع ويغور، فيرسل اليه رزقه من اماكن اخرى. ولكن لأن اقتداره واختياره ليسا على استعداد بعدُ لتتبع الرزق، فان الرزاق الكريم يجعل شفقة والديه ورحمتهما ممدةً لاختياره ومسـعفة لاقتداره. ثم لما يتكامل الاقتدار والاختيار، فلا يعدو الرزق نحوه، ولا يساق اليه، بل يسكن قائلاً: تعال اطلبني، فتش عني وخذني.
فالرزق اذاً متناسب تناسباً عكسياً مع الاقتدار والاختيار، بل ان حيوانات لااقتدار لها ولااختيار تعيش افضل واحسن من غيرها كما اوضحنا ذلك في رسائل عدة.(*)

_________________
(1) المقصود سنة 1920- المترجم
(*) كليات رسائل النور- اللمعة الثانية عشر...ص:98


38-) رضى الله لا ينال الا بالاخلاص

بسم الله الرحمن الرحيم

{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين }[  الزمر2 ]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , يَقُولُ : أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِيَ شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إِلا مَا أُخْلِصَ لَهُ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ , فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ , وَلا تَقُولُوا : هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ , فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ ] (1)

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

رضى الله لا ينال الا بالاخلاص

ان علاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو:

العلم بان رضى الله لا ينال الا بالاخلاص، فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الاعمال، ذلك لان تكثير التابعين والتوفيق في الاعمال هو مما يتولاه الله سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسأل ولا يطلب بل يؤتيه الله سبحانه من يشاء.

نعم، رُبّ كلمة واحدة تكون سبباً للنجاة من النار وتصبح موضع رضى الله سبحانه، ورُبّ ارشاد شخص واحد يكون موضع رضى الله سبحانه بقدر ارشاد الف من الناس. فلا ينبغي أن تُؤخذ الكمية كثيراً بنظر الاعتبار.

ثم ان الاخلاص في العمل ونشدان الحق فيه انما يُعرف بصدق الرغبة في افادة المسلمين عامةً اياً كان مصدر الاستفادة ومن اي شخص صدر. وإلا فحصر النظر بان يؤخذ الدرس والارشاد مني فقط لأفوز بالثواب الاخروي هو حيلة النفس وخديعة الانانية.(*)

 

(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 51/ 3) واللفظ له، الخطيب في المتفق والمفترق (1/341/767)، وابن قانع في معجم الصحابة (729) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (7).

(*) كليات رسائل النور- اللمعة العشرون - ص: 230


39-) مناجاة هو الباقي


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

مناجاة 
[لقد قرأت قصيدة الاسماء الحسنى للشيخ الكيلاني (قُدس سره) بعد عصر يوم من أيام شهر رمضان المبارك، وذلك قبل خمس وعشرين سنة، فوددت ان اكتب مناجاة بالاسماء الحسنى، فكُتب هذا القدر في حينه، إذ انني اردت كتابة نظيرة لمناجاة استاذي الجليل السامي، ولكن هيهات، فاني لا املك موهبة في النظم. لذا عجزت، وظلت المناجاة مبتورة.
وقد ألحقت هذه المناجاة برسالة "النوافذ" وهي المكتوب الثالث والثلاثون ولكن لمناسبة المقام اُخذت الى هنا].
هو الباقي
حكيمُ القضايا نحـن في قَبْض حُكمه    هو الحَكَمُ العـدلُ له الارضُ والسماءُ
عليمُ الخـفايـا والغيوبُ فـي مُلكه    هو القادرُ القـيـومُ له الـعـــرش والـثراء
لطيفُ المزايا والنقوش في صُنعـه   هو الفـاطرُ الـودودُ له الحـُسن والبهاءُ
جليـلُ المرايا والشـؤون في خلقه      هو الملكُ القـدوسُ له العز والكبرياء
بديع البرايا نحن من نقش صـُنعه     هو الـدائـمُ الباقي لـــه المـلك والـبقاءُ
كريمُ العطايا نحن مِن ركبِ ضيفه     هو الرزاقُ الكافي له الحـمـد والثناء
جميل الهدايا نحن من نسج علـمـه    هو الخالقُ الـوافـي له الجودُ والـعطاء
سميـعُ الشكايـا والدعاءِ لخـَلـْقِه         هو الراحمُ الشـافي له الشـكر والثناء
غـفور الخـطايا والذنـوبِ لعبده       هو الغفّار الرحيمُ له الـعـفوُ والـرضاء
ويا نفسي! استغيثي وابكي مثل قلبي وقولي: 
انا فانٍ مَن كان فانيا لا اريد
انا عاجز من كان عاجزاً لا اريد
سلّمت روحي للرحمن، سواه لا اريد
بل اريد .. حبيباً باقياً اريد
انا ذرة.. شمساً سرمداً اريد
انا لا شئ، ومن غير شئ، الموجودات كلَّها اريد.(*)
____________________________
(*) الكلمة السابعة عشرة - ص: 241


40-) انت قلادة النعم

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } (التين4)

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } (البقرة: 30)

{ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } (الإسراء 70)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

انت قلادة النعم

اعلم!انه جئ بك من العدمِ الى الوجود، ثم رقّاك موجِدُك من ادنى اطوارِ الوجود حتى اوصَلكَ بإنعامه الى صورة الانسان المسلم. فما تخلل بينك بين مبدأ حركتك من المنازل الكثيرة المتعددة كلٌ منها نعمةٌ عليك، وفيك ثمرةٌ وصبغةٌ من كلِّ واحدٍ.فصرتَ كقلادةٍ منظّمة، وعنقودٍ نضيدٍ بحبات النِعَم، وسنبلةٍ منضدة من الرأس الى القدم، كأنك فهرستة لطبقات نِعَمه تعالى؛ ولان الوجودَ يقتضي علّةً، والعدم لايقتضي.. كما تقرر في العقول.. تُسأل ويُسألُ عنك في كل منزل في مراتب الوجود من الذرة الى العدم: كيف وصلت الى هذه النعمة؟ وبِمَ استحقيتها وب"هل شكرت؟" ولايَسأل من له مسكةُ عقلٍ عن حَجَر لماذا ماصار شجراً، وعن شجرةٍ لماذا ماصارت انساناً...

فيا أيها السعيد المسكين المغرور! انت نقطةٌ في وسط سلسلةِ الموجودات، فعليك نِعَمٌ بعددِ ماتحتَك الى العدم الصرف، وانت مسؤولٌ عن شُكرها. واما مافوقك فليس لك ولالأحدٍ أن يسأل لماذا ماوصلت الى أعلى مما انت فيه، كما لاحقَّ للذرة ان تقول:(اي واه) لِمَ ماصرتُ شمساً، ولا للنحلةِ ان تقول لصانعها: هلا خلقتَني نخلةً مثمرة؟.. اذ ماتحتك وقوعاتٌ، ومافَوقك عدمات إمكانات شبيهة الممتنعات..(*)

________________________________________

(*) المثنوي العربي النوري - ص: (242)


41-) اشد الناس بلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}﴿محمد:٣١﴾

(أشدّ الناس بلاءً الانبياء ثم الاولياء، ثم الامثل فالامثل)(1)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اشد الناس بلاء

ايها المريض المتأوه بالانين! لاتتأوه ابداً ولا تئن ناظراً الى صورة المرض القبيحة المذمومة، بل انظر الى معناه وفحواه وانبسط قائلاً: الحمد لله.

فلو لم يكن معنى المرض شيئاً جميلاً لما كان الخالق الرحيم يبتلي احبّ احبائه من عباده بالامراض والاسقام، فقد جاء في الحديث الشريف: (أشدّ الناس بلاءً الانبياء ثم الاولياء، ثم الامثل فالامثل) او كما قال. ويقف في مقدمة المبتلين النبي الصابر ايوب عليه السلام، ثم الانبياء الباقون عليهم السلام، ثم الاولياء ثم الصالحون. وقد تلقوا جميعاً تلك الامراض التي قاسوها عبادة خالصة وهدية رحمانية، فأدوا الشكر من خلال الصبر، وكانوا يرونها نوعاً من العمليات الجراحية تمنح لهم من لدن الرحمن الرحيم.

فانت ايها المريض المتأوه المتألم! إن كنت تروم الالتحاق بهذه القافلة النورانية، فأدّ الشكر في ثنايا الصبر، والاّ فان شكواك ستجعلهم يحجمون عن ضمّك الى قافلتهم، وستهوي بنفسك في هوة الغافلين! وستسلك درباً تخيم عليه الظلمات.

نعم، هناك امراض اذا اعقبتها المنية، يكلل صاحبها بشهادة معنوية تجعله يحرز مقام الولاية لله، وهي تلك الامراض التي تتمخض عن الولادة(2) وغصص البطن، والغرق والحرق والطاعون، فهذه الامراض اذا مات بها صاحبها فانه سيرتفع الى درجة الشهيد المعنوي، فهناك امراض كثيرة ذات بركة تكسب صاحبها درجة الولاية بالموت الذي تنتهي به، ولما كان المرض يخفف من شدة حب الدنيا وغلوائها ومن عشقها والعلاقة الشديدة بها فهو يخفف كذلك الفراق الاليم والمرّ لاهل الدنيا وهم يغادرونها بالموت بل قد يحببه اليهم.

___________________

(1) هناك عدة احاديث بهذا المعنى كلها صحيحة نختار واحداً منها: عن أخت حذيفة رضي الله عنهما: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اشد الناس بلاءً الانبياء ثم الصالحون، ثم الامثل فالامثل) رواه الطبراني في الكبير (انظر صحيح الجامع الصغير برقم 1005).

(2) ان كسب هذا المرض للشهادة المعنوية يمتد لغاية انتهاء فترة النفاس وهي اربعون يوماً.ـ المؤلف.

(*) اللمعة الخامسة والعشرون - ص: 328

 


42-) إزالة العوائق عن طريق القلب


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
إزالة العوائق عن طريق القلب:

قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد امراضاً قلبية.(1)إذ حينما سار سعيد الجديد في طريق التأمل والتفكر، انقلبت تلك العلوم الأوروبية الفلسفية وفنونها التي كانت مستقرة إلى حدٍّ ما في أفكار سعيد القديم إلى أمراض قلبية، نشأت منها مصاعب ومعضلاتٌ كثيرة في تلك السياحة القلبية. فما كان من سعيد الجديد الاّ القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة.(2) حيث أن سعيداً القديم والمفكرين، قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي يقبلون شيئاً منها، ويبارزونها بأسلحتها، ويعدّون قسماً من دساتيرها كأنها العلوم الحديثة فيسلّمون بها. ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل. إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور. وكأنهم بهذا يقوون الإسلام. ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليل، ولأن فيه شيئاً من التهوين لشأن الإسلام. فقد تركتُ ذلك
المسلك. وأظهرت فعلاً: أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها ابداً أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها..
ففي المسلك السابق؛ تُظن الفلسفة عميقة، بينما الأحكام الإسلامية ظاهرية سطحية، لذا يُتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الإسلام. ولكن هيهات! أنّى لدساتير الفلسفة من بلوغ تلك الأحكام.(3) (*) 
________________________________________
(1) المثنوي العربي النوري/ 158
(2) اللمعات/ 176
(3) المكتوبات / 569
(*) سيرة ذاتية - ص: 151

 

 

 

 

 


43-) القلق من كثرة الكفار

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

يامَن يضطرب ويقلق من كثرة عدد الكفار، ويامَن يتزلزل باتفاقهم على إنكار بعض حقائق الإيمان، اعلم ايها المسكين!

اولاً:

ان القيمة والاهمية ليستا في وفرة الكمية وكثرة العدد، اذ الانسان إن لم يكن انساناً حقاً انقلب حيواناً شيطاناً، لأن الانسان يكسب حيوانية هي أشدُّ من الحيوان نفسه كلما توغل في النوازع الحيوانية، كبعض الاجانب او السائرين في ركابهم. فبينما ترى قلة عدد الانسان قياساً الى كثرة عدد الحيوانات إذا بك تراه قد أصبح سلطاناً وسيداً على جميع انواعها، وصار خليفةً في الارض.

فالكفار المنكرون والذين يتبعون خطواتهم في السفاهة، هم نوعٌ خبيث من انواع الحيوانات التي خَلَقَها الفاطر الحكيم سبحانه لعمارة الدنيا. وجعلهم (واحداً قياسياً) لمعرفة درجات النعمة التي اسبغها على عباده المؤمنين، وسوف يسلمهم الى جهنم وبئس المصير التي يستحقونها، حينما يرثُ الارضَ ومَن عليها.

ثانياً:

ليس في إنكار الكفار والضالين لحقيقة من الحقائق الإيمانية قوة، ولا في نفيهم لها سندٌ، ولا في اتفاقهم اهميةٌ، لانه نفيٌ. فالفٌ من النافين هم في حكم نافٍ واحد فقط. مثال ذلك:

اذا نَفى اهل استانبول جميعهم رؤيتهم للهلال في بداية رمضان المبارك، فان إثبات اثنين من الشهود، يُسقط قيمة إتفاق كل ذلك الجمع الغفير. فلا قيمة اذن في اتفاق الكفار الكثيرين ما دامت ماهيةُ الكفر والضلالة نفياً، وانكاراً، وجهلاً، وعدماً. ومن هنا يُرجح حُكمُ مؤمنين اثنين يستندان الى الشهود في المسائل الإيمانية الثابتة اثباتاً قاطعاً على إتفاق ما لا يحد من اهل الضلالة والانكار ويتغلب عليهم.

وسرّ هذه الحقيقة هو ما يأتي:

ان دعاوى النافين متعددة، برغم انها تبدو واحدة في الظاهر، إذ لا يتحد بعضها مع بعض الآخر كي يعززه ويشدّ من عضده. بينما دعاوى المثبتين تتحد وتتساند ويمدّ بعضها البعض الآخر ويقويه ويدعمه، فالذي لا يرى هلال رمضان في السماء يقول: ان الهلال في نظري غير موجود، وعندي غير موجود.. والآخر يقول مثله، فكلٌ منهم ينفي من زاوية نظره، وليس من واقع الحال، ومن الامر بذاته، لذا فاختلافُ نظرهم وتنوعُ الاسباب الداعية الى حَجب الرؤية، وتعدد موانع النظر لدى الاشخاص، يجعل دعاواهم متباينة ومختلفة لا تسند احداهما الاخرى.

اما المثبتون فلا يقول احدهم: الهلال موجود في نظري، او عندي، بل يقول: ان الهلال موجود فعلاً، وهو في السماء بذاته.. والمشاهدون جميعاً يصدّقونه في دعواه هذه، ويؤيدونه في الامر نفسه قائلين: الهلال موجود في واقع الحال.. أي ان جميع الدعاوى واحدة.

ولما كان نظر النافين مختلفاً، فقد اصبحت دعاواهم كذلك مختلفة، فلا يسري حُكمهم على الامر بذاته، لأنه لا يمكن اثبات النفي في الحقيقة، إذ يلزم الاحاطةُ. ومن هنا صارت من القواعد الاصولية أن (العَدَم المطلق لا يُثبَتُ إلاّ بمشكلات عظيمة).

نعم! اذ قلت: إن شيئاً ما موجود في الدنيا، فيكفي لاثباته إراءته فقط. ولكن ان قلتَ: انه معدومٌ، غير موجود في الدنيا. أي اذا نفيت وجوده، فينبغي لإثبات هذا النفي او العدم ان تبحث عنه في اطراف الدنيا كافة وإراءتها واشهادها.

وبناء على هذا السر: يتساوى في انكار الكفار لحقيقة واحدة الواحد مع الالف، لعدم وجود التساند فيه. يشبه ذلك، حل مسألة ذهنية، أو المرور من ثقب، او القفز من فوق الخندق، التي لا تساند فيها.

اما المثبتون فلأنهم ينظرون الى الامر نفسه، أي الى واقع الحال، فان دعاواهم تتحد وتتعاون ويمدُّ بعضها البعض الآخر قوةً، بمثل التعاون الحاصل في رفع صخرةٍ عظيمة، فكلما تكاثرت الايدي عليها، سهُل رفعُها اكثر، حيث يستمد كلٌ منهم القوة من الآخر.(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:184


44-) اسرار الصلاة 

بسم الله الرحمن الرحيم

{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون:1-2]


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اسرار الصلاة 

اعلم! ان وجه النظم أظهر من الشمس في رابعة النهار. وان في تخصيص "الصلاة" من بين حسنات القالب إشارة الى أنها فهرستة كل الحسنات وانموذجها ومَعْكسها. كالفاتحة للقرآن، والانسان للعالم. لاشتمالها على نوع صومٍ وحج وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على انواع عبادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، والحيوان الراكع..

ثم انه أقام "يقيمون" مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية الواسعة والانتباه الروحاني الإلهي في العالم الاسلامي الى نظر السامع ووضع تلك الوضعية المستحسنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصب عين الخيال، ليهيج ويوقظ ميلان السامع للتأسِّي؛ إذ من تأمل في تأثير النداء بالآلة المعروفة(1) في نفرات العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك النداء لهم دفعة، والقاء انتباه فيهم، وافراغهم في وضع مستحسن، وجمعهم تحت نظام مستملح يرى في نفسه اشتياقا لأن ينساب اليهم. فهكذا الاذان المحمَّدي بين الانسان في صحراء العالم (ولله المَثَلُ الاعْلَى)..

وإنما لم يقتصر في مسافة الايجاز على "يصلّون" بل اتمها بـ (يقيمون الصلاة) للاشارة الى اهمية مراعاة معاني "الاقامة" في الصلاة من تعديل الاركان، والمداومة، والمحافظة، والجد، وترويجها في سوق العالم. تأمل!

ثم ان الصلاة نسبة عالية، ومناسبة غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان الازل، فمن شأن تلك النسبة ان يعشقها كل روح.. وأركانها متضمنة للأسرار التي شرحها

أمثال "الفتوحات المكية"، فمن شأن تلك الأسرار أن يحبها كل وجدان.. وانها دعوة صانع الازل الى سرادق حضوره خمس دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي هي في حكم المعراج. فمن شأنها ان يشتاقها كل قلب.. وفيها ادامة تصور عظمة الصانع في القلوب وتوجيه العقول اليها لتأسيس اطاعة قانون العدالة الالهية، وامتثال النظام الرباني والانسان يحتاج الى تلك الادامة من حيث هو إنسان لانه مدنيّ بالطبع.. فيا ويلَ من تركها! و يا خسارة من تكاسل فيها! و يا جهالة من لم يعرف قيمتها! فسحقاً وبعداً وافّاً وتفًّاً(2) لنفسِ مَن لم يستحسنها. (*)

_______________________

(1) البوق العسكرى.

(2) الاف والتف: وسخ الاذن والاظفار، ثم استعملا عند كل شئ يُضجر منه (الزاهر للانباري).

(*) كليات رسائل النور - إشارات الإعجاز- ص: 52

 


45-) غاية العبادة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

احذر ان يلتبس عليك غاية عبادتك.

ان غاية امتثالُ امر الله ونيلُ رضاه، فالداعي الى العبادة هو الامر الإلهي، ونتيجتها نيلُ رضاه سبحانه. اما ثمرتها وفوائدها فأخروية. الاّ انه لا تنافي العبادة اذا مُنحت ثمراتٌ تعود فائدتها الى الدنيا، بشرط الاّ تكون علتها الغائية، وألاّ يُقصد في طلبها. فالفوائد التي تعود الى الدنيا والثمرات التي تترتب عليها من نفسها وتمنح من دون طلب لاتنافي العبادة، بل تكون بمثابة حث (وترجيح) للضعفاء. ولكن اذا صارت الفوائد الدنيوية او منافعها علةً، او جزءاً من العلة لتلك العبادة او لذلك الورد او الذكر فانها تُبطل قسماً من تلك العبادة. بل تجعل ذلك الورد الذي له خصائص عدة عقيماً دون نتيجة.

فالذين لا يفهمون هذا السر، ويقرأون (الاوراد القدسية للشاه النقشبند) مثلاً التي لها مئات من المزايا والخواص، او يقرأون (الجوشن الكبير) الذي له ألفٌ من المزايا والفضائل وهم يقصدون بعض تلك الفوائد بالذات، لا يجدون تلك الفوائد، بل لن يجدوها ولن يشاهدوها، وليس لهم الحق لمشاهدتها البتة؛ لأنه لا يمكن ان تكون تلك الفوائد علة لتلك الاوراد، فلا تُطلب منها تلك الفوائد قصداً، لان تلك الفوائد تترتب بصورة فضل إلهي على ذلك الوِرد الذي يُقرأ قراءة خالصةً دون طلب شيءٍ. فأما اذا نواها القاريء فان نيتها تُفسد اخلاصه جزئياً، بل تخرجها من كونها عبادةً، فتسقط قيمتها.

بيد ان هناك امراً آخر، هو أن اشخاصاً ضعفاء بحاجة دائمة الى مشوّق ومرجح فاذا ما قرأ الاوراد قراءة خالصة لله متذكراً تلك الفوائد فلا بأس في ذلك، بل هو مقبول.

ولعدم ادراك هذه الحكمة، يقع الكثيرون فريسة الريب والشك عند عدم وجدانهم تلك الفوائد التي رُويت عن الاقطاب والسلف الصالحين، بل قد ينكرونها. (*)

 

__________________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:199


46-) على البشرية قتل جميع انواع الربا ان كانت تريد الحياة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

على البشرية قتل جميع انواع الربا ان كانت تريد الحياة

لقد انقطعت صلة الرحم بين طبقة الخواص والعوام. فانطلقت من العوام اصداء الاضطرابات وصرخات الانتقام،ونفثات الحسد والحقد. ونزلت من الخواص على العوام نار الظلم والاهانة وثقل التكبر ودواعي التحكم.

بينما ينبغي ان يصعد من العوام: الطاعة والتودد والاحترام والانقياد، بشرط ان ينزل عليه من الخواص: الاحسان والرحمة والشفقة والتربية.

فان ارادت البشرية دوام الحياة فعليها ان تستمسك بالزكاة وتطرد الربا.

اذ إن عدالة القرآن واقفة بباب العالم وتقول للربا: "ممنوع، لا يحق لك الدخول ارجع!" .

ولكن البشرية لم تصغ الى هذا الأمر، فتلقّت صفعة قوية(1).وعليها ان تصغي اليه قبل أن تتلقى صفعة اخرى أقوى وأمرّ.(*)

____________________

(1) اشارة مستقبلية قوية حيث لم تسمع البشرية هذا النداء فتلقت صفعة قوية من يد الحرب العالمية الثانية (المؤلف)

(*) الكلمات - اللوامع - ص: 851

 


47-) مهمة الداعية لا تنتهي

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد أصررتم يا أستاذي المحترم في رسالتيكم الأخيرتين على الإجابة عن سؤال قد تفضلتم به سابقاً. فسمعاً وطاعةً. ولكن ازاء هذا السؤال العسير ليس لي الاّ الالتجاء إلى العناية الإلهية والتشبث بالكرم الإلهيوالاستمداد من روحانية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، ذلك لاني في منتهى العجز والفقر. ولأجل ان يكون الجواب مطابقاً للحق منطبقاً على الحقيقة، أقول:

لا شك ان (الكلمات) المباركة هي لمعات من نور الكتاب المبين. وعلى الرغم من انها تحتاج إلى إيضاح وشرح في بعض المواضع بسبب أسلوبها الرفيع، فلا نقص ولا قصور فيها بكليتها، ويمكن لكل طبقة من الناس ان تأخذ منها حظها. ويكفي لصحة قناعتنا؛ عدم قيام أحد بانتقادها لحد الآن، بل إبداء كل مشرب ومسلك الرضى عنها وبقاء الملحدين ازاءها صماً بكماً..

وها انذا ادرج البراهين التي تمكنتُ من التفكر فيها، والتي تدل على عدم انتهاء مهمتكم:

اولاً: ان واجب العلماء هو الصدع بالحق وعدم السكوت عنه عند انتشار البدع، وقد ورد الزجر عن السكوت عن الحق في الحديث الشريف.

ثانياً: نحن مكلفون باتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فضرورة أداء هذه المهمة مستمرة مدى الحياة.

ثالثاً: ان هذه الخدمة ليست محصورة برأيكم، بل انتم تُستخدمون فيها. فأنا على قناعة تامة من ان مهمة أستاذي المحترم إذا ما كمُلت فانه تعالى يُلهم قلبه بختام مهمته. مثلما بُلّغ بختام الرسالة مبلّغ القرآن فخر العالمين، حبيب رب العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالآية الكريمة: ﴿اليوم أكملتُ لكم دينكم﴾(المائدة:3).

رابعاً: ان عدم ورود أي نقد على (الكلمات) والسكوت عليها ليس دليلاً على ان هذا الوضع سيستمر على هذا المنوال إلى النهاية.

 فإنكم يا أستاذي المحترم مكلفون اولاً بالإجابة عن الهجمات المحتملة التي ستأتي عليها وانتم ما زلتم على قيد الحياة.

خامساً: أظنكم لا تدعون الإجابات والاستيضاحات جانباً، تلك التي يرجوها من ارتبط بـ(الكلمات). فان لم يكن هناك الا هذا السبب، فلا يمكنكم نسيان الدنيا حتى لو أردتم ذلك.

سادساً: ان الذين أحبوكم لله ويستوضحون منكم اموراً حول كتاباتكم القيمة وتقريراتكم في مجالسكم العلمية من مسائل متنوعة لم تُدرج كلها في (الكلمات). مما تبين بقطعية تامة ان الحاجة لم تنته بعد، والخدمةالإيمانية لم تبلغ نهاية المطاف.(1)(*)

 

___________________________

(1) الملاحق - بارلا/18-19

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص :244

 


48-) مرض اجتماعي خطر

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة اصابت الامة الاسلامية يدمي لها القلب:

ان اشد القبائل تأخراً يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند اغارة العدو الخارجي عليهم.

واذا تقدّر تلك القبائل المتأخرة مصلحتهم الاجتماعية حق قدرها، فما للذين يتولون خدمة الاسلام ويدعون اليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمهدون بها سبل اغارة الاعداء الذين لا يحصرهم العد عليهم؟! فلقد تراصف الاعداء حولهم واطبقوا عليهم من كل مكان.. ان هذا الوضع تدهور مخيف، وانحطاط مفجع، وخيانة بحق الاسلام والمسلمين.

واذكر للمناسبة حكاية ذات عبرة: كانت هناك قبيلتان من عشيرة "حسنان" و كانت بينهما ثارات دموية، حتى ذهب ضحيتها اكثر من خمسين رجلاً، ولكن ما ان يداهمهما خطر خارجي من قبيلة "سبكان" او "حيدران" الا تتكاتفان وتتعاونان وتنسيان كلياً الخلافات لحين صد العدوان. فيا معشر المؤمنين، اتدرون كم يبلغ عدد عشائر الاعداء المتأهبين للاغارة على عشيرة الايمان؟ انهم يزيدون على المائة وهم يحيطون بالاسلام والمسلمين كالحلقات المتداخلة. فبينما ينبغي ان يتكاتف المسلمون لصد عدوان واحد من اولئك، يعاند كل واحد وينحاز جانباً سائراً وفق اغراضه الشخصية كأنه يمهد السبيل لفتح الابواب امام اولئك الاعداء ليدخلوا حرم الاسلام الآمن.. فهل يليق هذا بأمة الاسلام؟

وان شئت ان تعدد دوائر الاعداء المحيطة بالاسلام، فهم ابتداء من اهل الضلالة والالحاد وانتهاء الى عالم الكفر ومصائب الدنيا واحوالها المضطربة جميعها، فهي دوائر متداخلة تبلغ السبعين دائرة، كلها تريد ان تصيبكم بسوء، وجميعها حانقة عليكم وحريصة على الانتقام منكم، فليس لكم أمام جميع اولئك الاعداء الالداء إلا ذلك السلاح البتار والخندق الامين والقلعة الحصينة، الا وهي الاخوة الاسلامية. فأفق ايها المسلم! واعلم ان زعزعة قلعة الاسلام الحصينة بحجج تافهة واسباب واهية خلاف للوجدان الحي وأي خلاف ومناف لمصلحة الاسلام كلياً.. فانتبه! ولقد ورد في الاحاديث الشريفة ما مضمونه: ان الدجال والسفياني وامثالهما من الاشخاص الذين يتولون المنافقين ويظهرون في آخر الزمان، يستغلون الشقاق بين الناس

والمسلمين ويستفيدون من تكالبهم على حطام الدنيا، فيهلكون البشرية بقوة ضئيلة، وينشرون الهرج والمرج بينها ويسيطرون على امة الاسلام ويأسرونها.(1)

ايها المؤمنون!

ان كنتم تريدون حقاً الحياة العزيزة، وترفضون الرضوخ لاغلال الذل والهوان، فأفيقوا من رقدتكم، وعودوا الى رشدكم، وادخلوا القلعة الحصينة المقدسة: {اِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) وحصنوا انفسكم بها من ايدي اولئك الظلمة الذين يستغلون خلافاتكم الداخلية.. والا تعجزون عن الدفاع عن حقوقكم بل حتى عن الحفاظ على حياتكم، اذ لا يخفى ان طفلاً صغيراً يستطيع ان يضرب بطلين يتصارعان، وان حصاة صغيرة تلعب دوراً في رفع كفة ميزان وخفض الاخرى ولو كان فيهما جبلان متوازنان.

فيا معشر أهل الايمان!ان قوتكم تذهب ادراج الرياح من جراء اغراضكم الشخصية وانانيتكم وتحزبكم، فقوة قليلة جداً تتمكن من ان تذيقكم الذل والهلاك. فان كنتم حقاً مرتبطين بملة الاسلام فاستهدوا بالدستور النبوي العظيم:

[الـمُؤْمِنُ لِلْـمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً](2) وعندها فقط تسلمون من ذل الدنيا وتنجون من شقاء الآخرة.

______________

(1) المسند 3/367 ،المستدرك 4/ 529 ،530،مصنف عبد الرزاق 11/394، ابن حبان 8/ 286 ، الديلمي مسند الفردوس 5/510

(2) اخرجه البخاري برقم (481) و (3446) و(6027) ومسلم برقم (2585) و (2627) والترمذي (1993 تحفة) وقال: حديث صحيح ورواه احمد في المسند 4/404 والنسائي 5/79 والبغوي في شرح السنة برقم (3461) وابو الشيخ برقم (300) وابن ابي شيبة في المصنف برقم (11/21) وفي الايمان برقم (90) كلهم من حديث ابي موسى الاشعري

(*) المكتوب الثاني والعشرون - ص: 349

 


49-) بيان موجز لاعجاز القرآن

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

رأيت في الماضي فيما يرى النائم: انني تحت جبل (آرارات). انفلق الجبل على حين غرة، وقذف صخوراً بضخامة الجبال الى انحاء العالم، فهزّ العالم وتزلزل.

وفجأة وقف بجنبي رجل، قال لي: بيّن بايجاز ما تعرفه مجملاً من أنواع الاعجاز... اعجاز القرآن.

فكرتُ في تعبير الرؤيا، وأنا ما زلت فيها وقلت:

ان ما حدث هنا من انفلاق مثالٌ لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى القرآن بلا ريب عالياً ومهيمناً في هذا الانقلاب. وسيأتي يوم يبين فيه اعجازه.

أجبتُ ذلك السائل قائلاً:

ان اعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية، ويتركب من سبعة عناصر.

المنبع الأول:

سلاسة لسانه من فصاحة اللفظ؛ اذ تنشأ بارقة بيانه من جزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الاساليب. فيتولد نقش بياني عجيب، وصنعة لسان بديع، من امتزاج كل هذه في نوع اعجاز لا يملّ الانسان من تكراره أبداً.

أما العنصر الثاني:

فهو الاخبار السماوي عن الغيوب في الحقائق الغيبية الكونية والاسرار الغيبية للحقائق الإلهية. فمن أمور الغيب المنطوية في الماضي، ومن الأحوال المستترة الباقية في المستقبل تنشأ خزينة علم الغيوب. فهو لسان عالم الغيوب يتكلم مع عالم الشهادة، في أركان (الايمان) يبينها بالرموز، والهدف هو نوع الانسان، وما هذا الاّ نوع من لمعة نورانية للاعجاز.

اما المنبع الثالث فهو:

ان للقرآن جامعية خارقة من خمس جهات: في لفظه، في معناه، في أحكامه، في علمه، في مقاصده.

لفظه:يتضمن احتمالات واسعة ووجوهاً كثيرة بحيث ان كل وجهٍ تستحسنه البلاغة، ويستصوبه علم اللغة العربية، ويليق بسر التشريع.

في معناه: لقد أحاط ذلك البيان المعجز بمشارب الأولياء واذواق العارفين ومذاهب السالكين، وطرق المتكلمين، ومناهج الحكماء، بل قد تضمن كلَّها. ففي دلالاته شمولٌ وفي معناه سعة.

فما أوسع هذا الميدان ان أطللت من هذه النافذة!.

الاستيعاب في الاحكام: هذه الشريعة الغراء قد اُستنبطتْ منه، اذ قد تضمن طراز بيانه جميع دساتير سعادة الدارين، ودواعي الأمن والاطمئنان، وروابط الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية، وحقائق الأحوال.

استغراق علمه: لقد ضم ضمن سُورِ سوره العلوم الكونية والعلوم الإلهية، مراتب ودلالات ورموزاً واشارات.

في المقاصد والغايات: لقد راعى الرعاية التامة في الموازنة والاطراد والمطابقة لدساتير الفطرة، والاتحاد في المقاصد والغايات، فحافظ على الميزان.

وهكذا الجامعية الباهرة في احاطة اللفظ وسعة المعنى واستيعاب الاحكام واستغراق العلم وموازنة الغايات.

اما العنصر الرابع:

فافاضته النورانيةَ حسب درجة فهم كل عصر، ومستوى أدب كل طبقة من طبقاته وعلى وفق استعدادها ورتب قابليتها.

فبابُه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن ذلك الكلام الرحماني ينزل في كل مكان في كل حين.

فكلما شاب الزمان شبّ القرآنُ وتوضحت رموزه، فذلك الخطيب الإلهي يمزق ستار الطبيعة وحجاب الاسباب فيفجّر نورَ التوحيد من كل آية، في كل وقت. رافعاً راية الشهادة شهادة التوحيد على الغيب.

ان علو خطابه يلفت نظر الانسان ويدعوه الى التدبّر؛ اذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.

يُخلَص من هذا العنصر: أن شبابيته الخارقة شاملة محيطة، وأنسيته جعلته محبوب الانس والجان، وذلك بالتنزلات الإلهية الى عقول البشر لتأنيس الأذهان، والمتنوعة بتنوع أساليب التنزيل.

أما المنبع الخامس:

فنُقولُه واخبارُه في اسلوب بديع غزير المعاني، فينقل النقاط الأساس للاخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها. ينقل هكذا لينبّه بها البشر.

ومنقولاته هي الآتية: اخبار الأولين وأحوال الآخرين وأسرار الجنة والجحيم، حقائق عالم الغيب، واسرار عالم الشهادة، والاسرار الإلهية والروابط الكونية. تلك الاخبار المشاهَدة شهود عيان حتى انه لا يردّها الواقع ولا يكذّبها المنطق بل لا يستطيع ردّها ابداً ولو لم يدركها.

فهو مطمَح العالم في الكتب السماوية، اذ ينقل الاخبار عنها مصدّقاً بها في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصححاً لها في مواضع الاختلاف.

ألا انه لمعجزة هذا الزمان ان يصدر مثل هذه الأمور النقلية من " أميّ " !

اما العنصر السادس:

فانه مؤسس دين الاسلام ومتضمنه. ولن تجد مثل الاسلام ان تحريت الزمان والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل. انه حبل الله المتين، يمسك الأرض لئلا تفلت، ويديرها دوراناً سنوياً ويومياً. فلقد وضع وقاره وثقله على الأرض، وساسها وقادها وحال بينها وبين النفور والعصيان.

أما المنبع السابع:

فان الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها مع بعض، فيصدر شعاع حُسنٍ فائق، ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية.

والذي يصدر عن هذا: ذوق، يُدرَك به الاعجاز.

لساننا يعجز عن التعبير عنه، والفكر يقصر دونه.

فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُستمسك.

طوال ثلاثة عشر قرناً من الزمان يحمل أعداء القرآن روح التحدي والمعارضة..

وتولدت في أوليائه واحبائه.. روح التقليد والشوق اليه.

وهذا هو بذاته برهان للاعجاز،

اذ كُتبت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايين الكتب بالعربية، فلو قورنت تلك الملايين من الكتب مع القرآن الكريم، لقال كلُ من يشاهد ويسمع، حتى أكثر الناس عامية، دونك الذكي الحكيم:

ان هذه الكتب بشرية.. وهذا القرآن سماوي.

وسيحكم حتماً:

ان هذه الكتب كلها لا تشبه هذا القرآن ولا تبلغ شأوه قطعاً.

لذا فإما انه أدنى من الكل. وهذا معلوم البطلان وظاهر بالبداهة.

اذن فهو فوق الكل.

ولقد فتح أبوابه على مصراعيه للبشر ونشر مضامينه أمامهم طوال هذه المدة الطويلة. ودعا لنفسه الأرواح والأذهان.

ومع هذا لم يستطع البشر معارضته، ولا يمكنهم ذلك. فلقد انتهى زمن الامتحان.

ان القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعاً.

اذ نزل في عشرين سنة ونيف نجماً نجماً ــ لحكمة ربانية ــ لمواقع الحاجات نزولاً متفرقاً متقطعاً. ولأسباب نزول مختلفة متباينة. وجواباً لأسئلة مكررة متفاوتة.وبياناً لحادثات أحكام متعددة متغايرة. وفي أزمان نزول مختلفةمتفارقة. وفي حالات تَلَقٍّ متنوعة متخالفة. ولأفهام مخاطبين متعددة متباعدة. ولغايات ارشاداتٍ متدرجة متفاوتة.

وعلى الرغم من هذه الأسس فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند في بيانه وجوابه وخطابه، ودونك علم البيان وعلم المعاني.

وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: لأنك اذا سمعت كلاماً من أحدٍ فانك ترى صاحب الكلام خلفه أو فيه فالاسلوب مرآة الأنسان.

أيها السائل المثالي!

لقد أردت الاعجاز، وها قد أشرتُ اليه.

وان شئت التفصيل، فذلك فوق حدّي وطوقي. أتقدر الذبابة مشاهدة السماوات؟

وقد بيّن كتاب (اشارات الاعجاز) واحداً من أربعين نوعاً من ذلك الاعجاز، ولم تفِ مائة صفحة من تفسير لبيان نوع واحد.

بل أنا الذي أريد منك التفصيل، فقد تفضّل المولى عليك بفيضٍ من الهامات روحية.

لا تبلغ يد الأدب الغربي ذي الاهواء والنزوات والدهاء..

شأن أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.

اذ الحالة التي ترضى الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس وتُطمئنهم، لا تسرّ أصحاب الاهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تسلّيهم، فبناءً على هذه الحكمة؛

فان ذوقاً سفيهاً سافلاً، ترعرع في حمأة الشهوة والنفسانية، لا يستلذ بالذوق الروحي، ولا يعرفه أصلاً.

فالأدب الحاضر؛ المترشح من أدب أوروبا، عاجز عن رؤية ما في القرآن الكريم

من لطائف عالية ومزايا سامية، من خلال نظرته الروائية، بل هو عاجز عن تذوقها، لذا لا يستطيع ان يجعل معياره محكّاً له.

والأدب يجول في ثلاثة ميادين، دون ان يحيد عنها:

ميدان الحماسة والشهامة..

ميدان الحسن والعشق..

ميدان تصوير الحقيقة والواقع..

فالأدب الأجنبي:

في ميدان الحماسة؛

لا ينشد الحق، بل يلقّن شعور الافتتان بالقوة بتمجيده جَور الظالمين وطغيانهم.

وفي ميدان الحسن والعشق؛

لا يعرف العشق الحقيقي، بل يغرز ذوقاً شهوياً عارماً في النفوس.

وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع؛

لا ينظر الى الكائنات على انها صنعة إلهية، ولا يراها صبغة رحمانية، بل يحصر همه في زاوية الطبيعة ويصور الحقيقة في ضوئها، ولا يقدر الفكاك منها.. لذا يكون تلقينه عشق الطبيعة، وتأليه المادة، حتى يمكّن حبها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.

ثم ان ذلك الأدب المشوب بالسفه، لا يغني شيئاً عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة من الضلالة والواردة منه أيضاً، ولربما يهدئها وينيّمها.

وفي حسبانه انه قد وجد حلاً، وكأن العلاج الوحيد، وهو رواياته. وهي:

في كتاب.. ذلك الحي الميت.

وفي سينما.. وهي أموات متحركة.

وفي مسرح.. الذي تبعث فيه الأشباح وتخرج سراعاً من تلك المقبرة الواسعة المسماة بالماضي!

هذه هي أنواع رواياته.

وأنّى للميت ان يهب الحياة!..

وبلا خجل ولا حياء!.. وضع الأدب الأجنبي لساناً كاذباً في فم البشر.. وركّب عيناً فاسقة في وجه الانسان.. وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة.

فمن أين سيعرف هذا الأدب؛ الحسنَ المجرد.

حتى لو أراد ان يُري القارئ الشمسَ؛ فانه يذّكره بممثلة شقراء حسناء.

وهو في الظاهر يقول: " السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق بالانسان"..

ثم يبين نتائجها المضرة..

الاّ انه يصورها تصويراً مثيراً الى حد يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، اذ يضرم في الشهوات، ويهيج النزوات. حتى لا يعود الشعور ينقاد لشئ.

* اما أدب القرآن الكريم:

فانه لا يحرك ساكن الهوى، لا يثيره، بل يمنح الانسان الشعور بنشدان الحق وحبه، والافتتان بالحسن المجرد، وتذوّق عشق الجمال، والشوق الى محبة الحقيقة.. ولا يخدع أبداً.

فهو لا ينظر الى الكائنات من زاوية الطبيعة، بل يذكرها صنعة إلهية، صبغة رحمانية، دون ان يحير العقول.

فيلقّن نور معرفة الصانع..

ويبين اياته في كل شئ..

والأدبان..كلاهما يورثان حزناً مؤثراً. الاّ انهما لا يتشابهان.

فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ من فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن رفيع سامٍ .

اذ استلهام الشعور من طبيعة صماء، وقوة عمياء يملاؤه بالالام والهموم حتى يغدو العالم مليئاً بالاحزان، ويلقي الانسان وسط اجانب وغرباء دون أن يكون له حامٍ ولامالك!فيظل في مأتمه الدائم..

وهكذا تنطفىء أمامه الآمال.

فهذا الشعور الملئ بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الانسان، فيسوقه الى الضلال، والى الالحاد، والى انكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة الى الصواب، بل قد لا يعود أصلاً.

أما أدب القرآن الكريم:

فانه يمنح حزناً سامياً علوياً، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم.

ينظر الى الكائنات؛ على أنها صنعة إلهية، رحيمة، بصيرة بدلاً من طبيعة عمياء. بل لا يذكرها اصلاً، وانما يبين القدرة الإلهية الحكيمة، ذات العناية الشاملة، بدلاً من قوة عمياء.

فلا تلبس الكائنات صورة مأتم موحش، بل تتحول ـ امام ناظريه ـ الى جماعة متحابّة، اذ في كل زاوية تجاوب. وفي كل جانب تحابب. وفي كل ناحية تآنس.. لا كدر ولا ضيق.

هذا هو شأن الحزن العاشقي.

وسط هذا المجلس يستلهم الانسان شعوراً سامياً، لا حزناً يضيق منه الصدر.

الأدبان..كلاهما يعطيان شوقاً وفرحاً.

فالشوق الذي يعطيه ذلك الأدب الأجنبي؛ شوق يهيج النفس، ويبسط الهوس.. دون ان يمنح الروح شيئاً من الفرح والسرور.

بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم؛ شوق تهتز له جنبات الروح، فتعرج به الى المعالي.

وبناءً على هذا السر:

فقد نهت الشريعة الغراء عن اللهو، وما يُلهي.. فحرّمت بعض آلات اللهو، واباحت أخرى.

بمعنى:

ان الآلة التي تؤثر تأثيراً حزيناً حزناً قرآنياً وشوقاً تنزيلياً، لا تضر. بينما ان أثرت في الانسان تأثيراً يتيمياً وهيّجت شوقاً نفسانياً شهوياً. تحرم الآلة.

تتبدل حسب الاشخاص هذه الحالة..

والناس ليسوا سواء.(*)

____________________________

(*) الكلمات –اللوامع - ص: 880

 


50-) كل الالام في الـضلالة وكل اللذائذ في الايمان

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

" حقيقة كبرى تزيّت بزي الخيال "

ايها الصديق الفطن!

ان شئت ايها العزيز ان ترى الفرق الواضح بين "الصراط المستقيم " ذلك المسلك المنور " وطريق المغضوب عليهم والضالين " ذلك الطريق المظلم! تناول اذن يا اخي وهْمَك واركب متن الخيال. سنذهب سوية الى ظلمات العدم، تلك المقبرة الكبرى المليئة بالاموات. ان القدير الجليل قد أخرجنا من تلك الظلمات بيد قدرته، واركبنا هذا الوجود، وأتى بنا الى هذه الدنيا.. الخالية من اللذة الحقة.

فها نحن قد اتينا الى هذا العالم، عالم الوجود.. هذه الصحراء الواسعة. وأعيُننا قد فُتحت فنظرْنا الى الجهات الست، وصوّبنا نظرنا الى الامام واذا البلايا والالام تريد الانقضاض علينا كالاعداء.. ففزعنا منها، وتراجعنا عنها.

ثم نظرنا الى اليمين والى الشمال مسترحمين العناصر والطبائع، فرأيناها قاسية القلوب لا رحمة فيها، وقد كشرت عن اسنانها تنظر الينا بنظرات شزرة. لا تسمع دعاءً ولا تلين بكثرة التوسل. فرفعنا ابصارنا مضطرين الى الاعلى مستمدين العون من الاجرام، ولكن رأيناها مرعبة مهيبة، تهددنا، اذ إنها كالقذائف المنطلقة تسير بسرعة فائقة تجوب بها انحاء الفضاء، من دون اصطدام! يا تُرى لو أخطأت سيرها وضلّت، اذاً لانفلق كبد العالم، عالم الشهادة. والعياذ باللّه. أليس امره موكولاً الى المصادفة، هل يأتي منها خير؟! فصرفنا انظارنا عن هذه الجهة يائسين، ووقعنا في حيرة أليمة، وخفـضنا رؤوسنا وفي صدورنا استترنا، ننظر الى نفوسنا ونطالع ما فيها.. فاذا بنا نسمع ألوف صيحات الحاجات والوف أنّات الفاقات، تنطلق كلها من نفوسنا الضعيفة.فنستوحش منها في الوقت الذي ننتظر منها السلوان، لاجدوى اذن من هذه الجهة كذلك.لجأنا الى وجداننا، نبحث عن دواء. ولكن وا أسفاه لا دواء. بل علينا وقع العلاج، اذ تجيش فيه الوف الآمال والرغبات والوف المشاعر والنزعات، الممتدة الى اطراف الكون..تراجعنا مذعورين.. نحن عاجزون عن اغاثتها. فلقد تزاحمت الآمال في الانسان حتى امتدت اطرافها من الازل الى الأبد، بل لو ابتلعت الدنيا كلها لما شبعت.

وهكذا اينما ولّينا وجوهنا، قابَلَنا البلاء.. هذا هو طريق "الضالين والمغضوب عليهم" لأن النظر مصوّب الى المصادفة والضلال.

وحيث أننا قلّدنا ذلك المنظار، وقعنا في هذه الحال، ونسينا موقتاً الصانع والحشر والمبدأ والمعاد. انها أشد ايلاماً للروح من جهنم واشد احراقاً منها.. فما جنينا من تلك الجهات الست الاّ حالة مركبة من خوف واندهاش وعجز وارتعاش وقلق واستيحاش مع يتم ويأس.. تلك التي تعصر الوجدان..

فلنحاول دفعها ولنجابهها..

فنبدأ مقدماً بالنظر الى قدرتنا. فوا أسفاه! انها عاجزة ضعيفة.

ثم نتوجه الى تطمين حاجات النفس العطشى، تصرخ دون انقطاع ولكن ما من مجيب ولا من مغيث لإسعاف تلك الآمال التي تستغيث!

فظننا كل ما حولنا اعداءً.. كل شئ غريب. فلا نستأنس بشئ، ولا شئ يبعث الاطمئنان.. فلا متعة ولا لذة حقيقية.

ومن بعد ذلك كلما نظرنا الى الاجرام، امتلأ الوجدان خوفاً وهلعاً ووحشة، والعقول اوهاماً وريباً.

فيا أخي!

هذه هي طريق الضلال. وتلك ماهيتها. فلقد رأينا فيها ظلام الكفر الدامس.

هيا الآن يا اخي لنرجع الى العدم، ثم لنعود منه، فطريقنا هذه المرة في " الصراط المستقيم " ودليلنا العناية الإلهية، وإمامُنا القرآن الكريم.

نعم!لما ارادنا المولى الكريم، اخرجتنا قدرتُه من العدم، رحمةً منه وفضلاً. واركبنا قانون المشيئة الإلهية، وسيّرنا على الاطوار والادوار.. ها قد أتى بنا، وخلع علينا خلعة الوجود وهو الرؤوف، واكرمنا منزلة الأمانة، شارتُها الصلاة والدعاء.

كل دور وطور منزل من منازل الضعف في طريقنا الطويلة هذه، وقد كتب القدر على جباهنا أوامره لتيسير امورنا، فاينما حللنا ضيوفاً نُستقبل بالترحاب الاخوى. نسلّمهم ما عندنا ونتسلّم من اموالهم.. هكذا تجري التجارة في محبة ووئام. يغذّوننا، ثم يحمّلوننا بالهدايا، ويشيّعوننا.. هكذا سرنا في الطريق، حتى بلغنا باب الدنيا، نسمع منها الاصوات.

وها قد اتيناها ودخلناها، وطأت اقدامنا عالم الشهادة، معرض الرحمن، مشهر مصنوعاته، وموضع صخب الانسان وضجيجه. دخلناها ونحن جاهلون بكل ما حولنا، دليلنا وإمامنا مشيئة الرحمن، ووكيلها عيوننا اللطيفة.

ها قد فتحت عيونُنا، أجلناها في اقطار الدنيا.. أتذكر مجيئنا السابق الى ههنا؟ كنا ايتاماً غرباء، بين اعداء لا يعدّون من دون حامٍ ولا مولى.

أما الآن، فنور الايمان " نقطة استناد " لنا، ذلك الركن الشديد تجاه الاعداء.

حقاً، ان الايمان بالله نورحياتنا، ضياء روحنا، روح ارواحنا، فقلوبنا مطمئنة بالله لا تعبأ بالاعداء، بل لا تعدّهم اعداء.

في الطريق الاولى، دخلنا الوجدان، سمعنا الوف الصيحات والاستغاثات، ففزعنا من البلاء.اذ الآمال والرغبات والمشاعر والاستعدادات لا ترضى بغير الأبد. ونحن نجهل سبيل اشباعها. فكان الجهل منا، والصراخ منها.

أما الآن، فاللّه الحمد والمنة، فقد وجدنا " نقطة استمداد " تبعث الحياة في الآمال والاستعدادات، وتسوقها الى طريق أبد الآباد. فيتشرب الاستعداد منها والآمال ماء الحياة، وكلٌ يسعى لكماله.

فتلك النقطة المشوقة، نقطة الاستمداد، هي القطب الثاني من الايمان، وهو الايمان بالحشر.والسعادة الخالدة هي درّة ذلك الصدف.

ان برهان الايمان هو القرآن والوجدان، ذلك السر الانساني.

ارفع رأسك يا اخي، وألق نظرة في الكائنات، وحاورها، أما كانت موحشة في طريقنا الاولى والآن تبتسم وتنشر البشر والسرور؟ الا ترى قد اصبحت عيوننا كالنحلة تطير الى كل جهة في بستان الكون هذا، وقد تفتحت فيه الازهار في كل مكان، وتمنح الرحيق الطهور.ففي كل ناحية انس وسلوان، وفي كل زاوية محبة ووئام.. فهي ترتشف تلك الهدايا الطيبة، وتقطّر شهد الشهادة، عسلاًِ على عسل.

وكلما وقعت انظارنا على حركات النجوم والشموس، تسلِّمها الى يد حكمة الخالق، فتستلهم العبرة وجلوة الرحمة. حتى كأن الشمس تتكلم معنا قائلة:

«يا اخوتي! لا تستوحشوا مني ولا تضجروا! فأهلاً وسهلاً بكم. فقد حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً. انتم اصحاب المنزل، وانا المأمور المكلف بالاضاءة لكم. انا مثلكم خادم مطيع سخرّني الأحد الصمد للاضاءة لكم، بمحض رحمته وفضله. فعليّ الاضاءة والحرارة وعليكم الدعاء والصلاة.

فيا هذا! هلاّ نظرت الى القمر.. الى النجوم.. الى البحار.. كل يرحب بلسانه الخاص ويقول: حياكم وبياكم. فأهلاً وسهلاً بكم!

فانظر يا اخي بمنظار التعاون، واستمع بصماخ النظام، كل منها يقول: " نحن ايضاً خدّام مسخرون. نحن مرايا رحمة الرحمن. لا نسأم من العمل ابداً. لا تتضايقوا من " .

فلا تخيفنكم نعرات الزلازل وصيحات الحوادث، فهي ترنمات الاذكار ونغمات التسبيحات، وتهاليل التضرعات.. نعم ان الذي ارسلكم الى هنا، هو ذلك الجليل الجميل الذي بيده زمام كل اولئك.. ان عين الايمان تقرأ في وجوهها آيات الرحمة.

ايها المؤمن ياذا القلب اليقظ!

ندع عيوننا لتخلد الى شئ من الراحة، ونسلّم آذاننا للايمان بدلاً منها.

ولنستمع من الدنيا الى نغمات لذيذة.. فالاصوات التي كانت تتعالى في طريقنا السابقة ــ وظنناها اصوات مآتم عامة ونعيات الموت.. هي اصوات اذكار في هذه الطريق وتسابيح وحمد وشكر.

فترنمات الرياح ورعدات الرعود ونغمات الامواج.. تسبيحات سامية جليلة وهزجات الامطار وسجعات الاطيار.. تهاليل رحمة وعناية..

كلها مجازات تومئ الى حقيقة.

نعم!ان صوت الاشياء، صدى وجودها، يقول: انا موجود.

وهكذا تنطق الكائنات كلها معاً وتقول: ايها الانسان الغافل لا تحسبنا جامدات! فالطيور تنطق، في تذوق نعمةٍ، أو نزول رحمةٍ فتزقزق باصوات عذبة، بافواه دقيقة ترحاباً بنزول الرحمة المهداة. حقاً النعمة تنزل عليها، والشكر يديمها، وهي تقول رمز:ايتها الكائنات! يا اخوتي! ما اطيب حالنا! ألا نُربّى بالشفقة والرأفة.. نحن راضون عما نحن عليه من احوال.. وهكذا تبث اناشيدها بمناقيرها الدقيقة، حتى تحول الكائنات كلها الى موسيقى رفيعة.

ان نور الايمان هو الذي يسمع اصداء الاذكار وانغام التسابيح، حيث لا مصادفة ولا اتفاقية عشواء.

ايها الصديق!

ها نحن نغادر هذا العالم المثالي، ونقف على عتبة العقل وندخل ميدانه، لنزن الامور بميزانه كي نميّز الطرق المختلفة.

فطريقنا الاولى: طريق المغضوب عليهم والضالين. تورث الوجدان حساً أليماً وعذاباً شديداً حتى في اعمق اعماقه، فتطفح تلك المشاعر المؤلمة الى الوجوه، فنخادع انفسنا مضطرين للنجاة من تلك الحالة، ونحاول التسكين والتنويم وابطال الشعور وإلغائه.. وإلاّ لا نطيق تجاه استغاثات وصيحات لا تنقطع! فالهوى يبطل الحس ويخدّر الشعور، والشهوات الساحرة تطلب اللهو، كي تخدع الوجدان وتستغفله وتنيم الروح وتسكّنها لئلا تشعر بالألم. لأن ذلك الشعور يحرق الوجدان حتى لا يكاد يطاق صراخه من شدة الالم.. ألا ان ألم اليأس لا يطاق حقاً!

اذ كلما ابتعد الوجدان عن الصراط المستقيم اشتدت عليه تلك الحالة، حتى ان كل لذة تترك أثراً من الألم، ولا تجدي بهرجة المدنية الممزوجة بالشهوات والهوى واللهو.. انها مرهم فاسد وسمّ منوّم للضيق الذي يولده الضلال.

فيا صديقي العزيز!

لقد شعرنا بالراحة من حالتنا في الطريق الثانية المنورة، فتلك هي منبع اللذات وحياة الحياة، بل تنقلب فيها الآلام الى لذائذ.. هكذا عرفناها، فهي تبعث الاطمئنان الى الروح ــ حسب قوة الايمان ــ والجسد متلذذ بلذة الروح، والروح تتنعم بنعم الوجدان.

ان في الوجدان سعادة عاجلة مندرجة فيه، انها فردوس معنوي مندمج في سويداء القلب.والتفكر يقطّرها ويذيقها الانسان. أما الشعور فهو الذي يُظهرها.

ونعلم الآن: انه بمقدار تيقظ القلب، وحركة الوجدان، وشعور الروح، تزداد اللذة والمتعة، وتنقلب نار (الحياة) نوراً وشتاؤها صيفاً.

وهكذا تنفتح ابواب الجنان على مصراعيها في الوجدان، وتغدو الدنيا جنة واسعة تجول فيها ارواحنا، بل تعلو علو الصقور، بجناحي الصلاة والدعاء.

واستودعكم الله يا صديقي الحميم. ولندع معاً كلٌ لأخيه. نفترق الآن والى لقاءٍ.

اللّهم اهدنا الصراط المستقيم.(*)

_______________________________

(*) الكلمات - اللوامع - ص: 890


51-) التقوى والعمل الصالح

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد فكرت -في هذه الأيام- في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما اعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.

فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات.

ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقي والروحي- وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساساً عظيماً جداً بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث انها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ ان درء المفاسد أولى من جلب المنافع قاعدة مطردة في كل وقت.

وحيث ان التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى اعظم أساس واكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب. فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جداً.

ان عملاً صالحاً ولو كان قليلاً يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة.

ثم ان هناك نوعاً من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لان ترك الحرام واجب والقيام بالواجب ثوابه اكثر من كثير من السنن والنوافل.

ففي مثل هذه الأزمان التي تهاجم الذنوب والسيئات الإنسان من كل جانب يكون اجتنابُ أثمٍ واحد مع عمل قليل، بمثابة ترك لمئات من الآثام -التي تترتب على ذلك الإثم- وقيام بمئات من الواجبات.

هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصل الا بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يصرف فيها جهداً.

ان أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدام القرآن الكريم، في هذا الوقت هي:

اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها، ثم التحرك وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسان ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئات من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل -دون ريب- الإنسان كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.

من المعلوم ان عشرين شخصاً في عشرين يوماً لا يستطيعون بناء عمارة واحدة في حين يستطيع ان يهدمها شخص واحد في يوم واحد.

لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي ان يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس. فالألوف من الهدامين لا يقابلهم الا معمر واحد وهو رسائل النور.

لذا فمقاومة خدام القرآن الكريم وحدهم تلك التخريبات المريعة إنما هي عمل خارق جداً. فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء -الروحي والأخلاقي- خوارق وفتوحات عظيمة جداً.

ولنضرب مثلاً واحداً فقط:

ان أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي: توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير. الا أننا نرى ان هذا الأساس قد تصدع كثيراً. حتى إننا نسمع اخباراً مؤلمة جداً، وحوادث مفجعة جداً تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.

ولكن بفضل الله فان الرسائل القرآنية أينما حلت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المتين، بل حاولت تعميره.

فكما يعيث ياجوج وماجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فان فساداً أبشع من فساد ياجوج وماجوج قد دبّ في العالم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة وإلحاد شنيع.. فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.

لذا فان الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يعدّ -بإذن الله- جهاداً عظيم الثواب ، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يثابون بعمل قليل ثواباً عظيماً.

فيا اخوتي الأعزاء:

في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فان اعظم قوة لدينا -بعد قوة الإخلاص- هي قوة الاشتراك في الأعمال الأخروية إذ يكتب كل منكم في دفتر أعمال اخوته حسنات كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها.

وان أخاكم الفقير والعاجز هذا السعيد الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة.

ولا استبعد هذا منكم قط، فانتم أهل لهذا السعي، وانتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا اطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي.

وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليوم اكثر من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.(*)

 

_________________________________

(*) كليات رسائل النور – الملاحق- قسطموني/168

 


52-) استعداد الاسلام للرقي المعنوي

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

فاعلموا!ان التاريخ الذي يسجل الوقائع الحقيقية، اصدق شاهد على حقيقة الأحداث؛ فها هو التاريخ يرينا أن القائد الياباني الذي هزم الروس يدلي بالشهادة الاتية في صدد عظمة الاسلام وحقانيته: "انه بنسبة قوة الحقائق الاسلامية وبنسبة التزام المسلمين تلك الحقائق، يزدادون رقياً وتقدماً، هكذا يرينا التاريخ. ويرينا إيضاً انه بقدر ضعف تمسكهم بتلك الحقائق يصابون بالتوحش والتخلف والاضمحلال والوقوع في ألوان من الهرج والمرج والاضطرابات. ويُغلَبون على أمرهم". أما سائر الاديان الاخرى فالامر فيها على عكس الاسلام، أي: بقدر ضعف تمسّك اتباعها وضعف تعصبهم وصلابتهم في دينهم يزدادون رقياً وتقدماً، وعلى قدر تعصبهم وتمسكهم بدينهم يتعرّضون للانحطاط والاضطرابات.

هذا هو حكم التاريخ.. وهكذا مرّ الزمانُ الى الآن.

وما ارانا التاريخ قط منذ خير القرون والعصر السعيد الى الآن أن مسلماً قد ترك دينه مرجّحاً عليه - بالمحاكمة العقلية والدليل اليقيني - ديناً آخر، على حين ان كثيراً من اتباع الاديان الاخرى - حتى المتعصبين منهم، كالروس القدامى والانكليز - قد رجّحوا بالمحاكمة والدليل العقلي دين الاسلام على أديانهم فدخلوا في الاسلام.ولاعبرة هنا بتقليد العوام الذي لايستند الى دليل، كما لاعبرة بالمروق عن الدين والخروج على حقائقه، فهذه مسألة اخرى. علماً أن التاريخ يفيدنا بأن عدد من يدينون بالاسلام - بالمحاكمة العقلية - جماعات وافواجاً يزداد يوماً بعد يوم(1).

ولو اننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم اخلاق الاسلام وكمال حقائق الايمان، لدخل اتباع الاديان الاخرى في الاسلام جماعات وأفواجاً. بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للاسلام.

ان البشرية التي اخذت تصحو وتتيقّظ بنتائج العلوم والفنون الحديثة، ادركت كنه الانسانية وماهيتها، وتيقّنت انه لا يمكنها ان تعيش هملاً بغير دين، بل حتى اشد الناس إلحاداً وتنكراً للدين مضطر الى أن يلجأ الى الدين في آخر المطاف؛ لأن:

"نقطة استناد" البشر عند مهاجمة المصائب والاعداء من الخارج والداخل، مع عجزه وقلّة حيلته، وكذا "نقطة استمداده" لآماله غير المحدودة الممتدة الى الأبد مع فقره وفاقته، ليس الاّ "معرفة الصانع" والايمان به والتصديق بالآخرة، فلا سبيل للبشرية المتيقّظة الى الخلاص من غفوتها سوى الاقرار بكل ذلك.

ومالم يوجد في صَدَفة القلب جوهر الدين الحق، فسوف تقوم قيامات مادية ومعنوية على رأس البشر، وسيكون اشقى الحيوانات وأذلّها.

خلاصة الكلام:

لقد تيقّظ الانسان في عصرنا هذا، بفضل العلوم والفنون ونُذُر الحروب والاحداث المذهلة، وشعر بقيمة جوهر الانسانية واستعدادها الجامع، وادرك ان الانسان باستعداده الاجتماعي العجيب لم يُخلق لقضاء هذه الحياة المتقلّبة القصيرة، بل خُلق للأبد والخلود، بدليل آماله الممتدة الى الابد. وان كل انسان بدأ يشعر - حسب استعداده -أن هذه الدنيا الفانية الضيقة لاتسع لتلك الآمال والرغبات غير المحدودة، حتى اذا قيل لقوّة الخيال التي تخدم الانسانية:

"لك ان تعمّري مليون سنة مع سلطنة الدنيا، نظير قبولك موتاً ابدياً لاحياة بعده اطلاقاً." فلابد ان خيال ذلك الانسان المتيقّظ الذي لم يفقد انسانيته سيتأوه كَمَداً وحزناً - بدلاً من أن يفرح ويستبشر- لفقده السعادة الابدية.

وهذا هو السر في ظهور ميل شديد الى التحري عن الدين الحق في اعماق كل انسان، فهو يبحث قبل كل شئ عن حقيقة الدين الحق لتنقذه من الموت الابدي. ووضع العالم الحاضر خير شاهد على هذه الحقيقة.

لقد بدأت قارات العالم ودوله بعد مرور خمسة واربعين عاماً وبظهور الإلحاد تدرك ادراك كل فرد هذه الحاجة البشرية الشديدة.

ثم ان اوائل اكثر الايات القرآنية وخواتمها، تحيل الانسان الى العقل قائلة: راجع عقلك وفكرك ايها الانسان وشاورهما، حتى يتبين لك صدق هذه الحقيقة. فانظروا مثلاً الى قوله تعالى (فاعلموا.. فاعلم.. أفلا يعقلون.. أفلم ينظروا.. أفلا يتذكرون.. أفلا يتدبرون.. فاعتبروا يا اولى الأبصار..)وامثالها من الايات التي تخاطب العقل البشري. فهي تسأل: لِمَ تتركون العلم وتختارون طريق الجهل؟ لِمَ تعصُبون عيونَكم وتتعامَوْن عن رؤية الحق؟ ما الذي حملكم على الجنون وانتم عقلاء؟ أي شئ منعكم من التفكر والتدبّر في احداث الحياة، فلا تعتبرون ولاتهتدون الى الطريق المستقيم؟ لماذا لا تتأملون ولا تحكّمون عقولكم لئلا تضلوا؟.

ثم تقول ايها الناس انتبهوا واعتبروا! انقذوا انفسكم من بلايا معنوية تنزل بكم باتعاظكم من القرون الخوالي.

يا اخواني الذين يضمهم هذا الجامع الاموي، ويااخواني في جامع العالم الاسلامي!اعتبروا انتم ايضاً! وقيّموا الامور في ضوء الاحداث الجسام التي مرت خلال السنوات الخمس والاربعين الماضية. كونوا راشدين يامن يعدّون انفسهم من أولي الفكر والعلم.

نحصل مما سبق:

نحن معاشر المسلمين خدام القرآن نتّبع البرهان ونقبل بعقلنا وفكرنا وقلبنا حقائقَ الايمان، لسنا كمن ترك التقلد بالبرهان تقليداً للرهبان كما هو دأب اتباع سائر الاديان!

وعلى هذا فان المستقبل الذي لاحكمَ فيه الاّ للعقل والعلم، سوف يسوده حكم القرآن الذي تستند أحكامُه الى العقل والمنطق والبرهان.

وها قد اخذت الحجب التي كانت تكسف شمس الاسلام تنزاح وتنقشع، وأخذت تلك الموانع بالانكماش والانسحاب. ولقد بدأت تباشير ذلك الفجر منذ خمس واربعين سنة، وها قد بزغ فجرها الصادق سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة والف

أو هو على وشك البزوغ، وحتى ان كان هذا الفجر فجراً كاذباً فسيطلع الفجر الصادق بعد ثلاثين أو أربعين عاماً ان شاء الله.

نعم فلقد حالت ثمانية موانع دون استيلاء حقائق الاسلام على الزمان الماضي استيلاءً تاماً وهي:

المانع الاول والثاني والثالث:

جهل الاجانب

وتأخرهم عن عصرهم (أي بُعدهم عن الحضارة)

وتعصبهم لدينهم

فهذه الموانع الثلاثة بدأت تزول بفضل التقدم العلمي ومحاسن المدنية.

المانع الرابع والخامس:

تحكّم القسيسين وسيطرة الزعماء الروحانيين على افكار الناس واذهانهم.

وتقليد الاجانب لاولئك القسيسين تقليداً أعمى.

فهذان المانعان ايضاً يأخذان بالزوال بعد انتشار حرية الفكر وميل النوع البشري الى البحث عن الحقائق.

المانع السادس والسابع:

تفشي روح الاستبداد فينا.

وانتشار الاخلاق الذميمة النابعة من مجافاة الشريعة ومخالفتها.

فان زوال قوة إستبداد الفرد الآن يشير الى زوال استبداد الجماعة والمنظمات الرهيبة بعد ثلاثين أو اربعين سنة. ثم ان فوران الحمية الاسلامية والوقوف على النتائج الوخيمة للاخلاق الذميمة كفيلان برفع هذين المانعين بل هما على وشك ان يُرفعا، وسيزولان زوالاً تاماً إن شاء الله.

المانع الثامن:

توهم وجود نوع من التناقض بين مسائل من العلم الحديث والمعنى الظاهري لحقائق الاسلام؛ هذا التوهم سبّب الى حدٍ ما وقف استيلاء الحقائق الاسلامية في

الماضي.فمثلاً: ان "الثور والحوت" اللذين هما عبارة عن مَلَكين روحانيين مأمورين بالاشراف على الارض بأمر الله. تخيّلهما البعضُ انهما حيوانان حقيقيان مجسّمان، أي: ثور ضخم وحوت جسيم، فوقف اهلُ العلوم الحديثة موقف المعارض للاسلام لعـدم اطـلاعهم على حقيقـة التشبيه والمجاز.

وهناك مئات من الامثلة كهذا، إذ بعد الاطلاع على الحقيقة لا يجد أعتى الفلاسفة مفراً من الاستسلام والانصياع. حتى ان رسالة "المعجزات القرآنية" قد اشارت الى كل آية من الآيات التي تعرّضَ لها أهل العلم الحديث، واظهرت ان في كلٍ منها لمعة رائعة من لمعات اعجاز القرآن، وبيّنت ما ظنّه اهلُ العلم مدارَ نقدٍ في جُمَل القرآن وكلماته: أن في كل منها من الحقائق السامية الرفيعة ما لا تطاوله يد العلم، وألجأ الفلاسفة العنيدين الى الاستسلام والرضوخ.وهذه الرسائل في متناول الجميع، وفي امكان كل واحد الاطلاع عليها بسهولة، وعليه ان يطلع عليها، ليرى كيف انهار هذا المانع فعلاً، بعدما قيل منذ خمس واربعين سنةً.

نعم، ان هناك مؤلفات قيمة لعلماء الاسلام في هذا المجال، وكل الامارات تدل على ان هذا المانع الثامن سيضمحل تماماً.

واذا لم يحدث ذلك الآن، فانه بعد ثلاثين أو اربعين عاماً سوف يتجهّز العلم، والمعرفة الحقيقية، ومحاسن المدنية، بوسائل واعتدة كاملة فتتغلب - هذه القوى الثلاث - على الموانع الثمانية المذكورة وتقضي عليها. وذلك ببعثها روح التحري عن الحقائق، والانصاف والمحبة الانسانية وارسالها الى جبهات محاربة تلك الاعـداء الثمانـية.

وقد بدأت تهزمها فعلاً، وسوف تقضي عليها قضاءً تاماً بعد نصف قرن ان شاء الله.

نعم،"الفضل ما شهدت به الاعداء".

واليكم مثالين فقط من بين مئات الامثلة:

المثال الأول: ان مستر كارلايل احد مشاهير فلاسفة القرن التاسع عشر واشهر فيلسوف من القارة الامريكية يلفت انظار الفلاسفة وعلماء النصرانـيـة بقـولـه:

لقد جاء الاسلام على تلك الملل الكاذبة والنحل الباطلة فابتلعها وحق له ان يبتلعها، لأنه حقيقة خارجة من قلب الطبيعة، وما كاد يظهر الاسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدليات النصرانية وكل ما لم يكن بحق فانها حطب ميت أكلته نار الاسلام فذهب، والنار لم تذهب".(2)

ويزيد مستر كارلايل فيقول بحق الرسول صلى الله عليه وسلم:

"هو الرجل العظيم الذي علّمه الله العلم والحكمة فوجب علينا ان نصغي اليه قبل كل شئ".(3)

ويقول ايضاً:

"ان كنت في ريب من حقائق الاسلام فالأولى بك أن ترتاب في البديهيات والضروريات القطعية، لأن الاسلام من أبده الحقائق واشدها ضرورة".

وهكذا فقد سجّل هذا الفيلسوف الشهير هذه الحقائق حول الاسلام في اماكن متفرقة من مؤلفه.

المثال الثاني: هو الامير بسمارك(4) الذي يعتبر من أشهر رجال الفكر في تاريخ اوروبا الحديث. يقول هذا الفيلسوف:

"لقد درست الكتب السماوية بإمعان، فلم اجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية، وذلك للتحريف الذي حصل فيها. ولكني وجدت قرآن محمد صلى الله عليه وسلم يعلو على سائر الكتب. وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة. وليس هناك كتاب يحقق سعادة البشرية مثله. ولا يمكن أن يكون كتابٌ كهذا من كلام البشر. فالذين يدّعون ان هذه الاقوال اقوال محمد صلى الله عليه وسلم يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية، أي أن كون القرآن كلام الله امرٌ بديهي".

وهكذا تنتج حقول الذكاء في امريكا واوروبا محاصيل رائعة من امثال مستر كارلايل وبسمارك من جهابذة المحققين.

وفي ضوء هذه الحقيقة اقول وبكل اطمئنان واقتناع:

ان اوروبا وامريكا حَبَالى بالاسلام، وستلدان يوماً ما دولة اسلامية، كما حَبِلت الدولة العثمانية باوروبا وولدت دولة اوروبية.

ايها الاخوة في الجامع الاموي، ويا اخواني في الجامع الاسلامي بعد نصف قرن! أفلا تنتج المقدمات التي أسلفنا ذكرها حتى الآن:

أن الاسلام وحده سيكون حاكماً على قارات المستقبل حكماً حقيقياً ومعنوياً وان الذي سيقود البشرية الى السعادتين الدنيوية والاخروية ليس الاّ الاسلام والنصرانية الحقّة المنقلبة الى الاسلام والمتفقة معه والتابعة للقرآن بعد تحررها من التحريفات والخرافات!(*)

____________________________

(1) والدليل على هذه الدعوى هو، انه مع قيام حربين عالميتين رهيبتين، وظهور استبداد مطلق قاسٍ نجد أنه بعد خمس واربعين سنة:

1 - قبول بعض الدول الصغيرة كالسويد والنرويج وفنلندا تدريس القرآن في مدارسها، وقبولها له ليكون سداً منيعاً امام الشيوعية والالحاد.

2 - قيام عدد من الخطباء الانكليز المشهورين باقناع الانكليز وحملهم على قبول القرآن.

3 - موالاة اكبر دول المعمورة في الوقت الحاضر- وهي امريكا - لحقائق الدين بكل قواها، واعترافها بأن آسيا وافريقيا ستجدان السعادة والأمن والسلام في ظل الاسلام. فضلاً عن تعاطفها مع دول اسلامية حديثة الولادة ومحاولتها الاتفاق معها.. كل ذلك يثبت صدق هذه الدعوى التي قيلت قبل خمس واربعين سنة، وشاهد قوي عليها.المؤلف.

(2) من ترجمة الاستاذ محمد السباعي لكتاب "الابطال". المترجم

(3) من ترجمة الاستاذ محمد السباعي لكتاب "الابطال". المترجم

(4) من مشاهير السياسيين الالمان (1815 - 1898) وأحد الذين حققوا الوحدة الألمانية. وجعلوها في مقدمة الدول في القرن التاسع عشر. المترجم

(*) صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 493

 


53-) انه خلق الخلق ليعرف

 

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلم! انه يشاهد للمدقق؛ ان طوائف المخلوقات واصناف المصنوعات تتسابق بالرقابة والاشتياق الى التبرّج والتزين، للعرض والظهور، لنظر شاهد جليل يشاهدها كلها، ودائما، وبجميع دقائق محاسنها؛ اذ المصنوعات تظهر بالمشاهدة هيئة تتضمن مالا يتناهى من لطائف اتقان الصنعة الجالبة لنظر الدقة، والاستحسان والحيرة.. فما هذا التهالك بالمسابقة للظهور، متزينةً الاّ لاجل العرض لنظر لايتناهى. وما هو الا نظر الشاهد الازلي الذي خَلَقَ الخلق ليشاهد في مرايا اطوارها جلوات انوار جماله وجلاله وكماله.. ثم يستشهد عليها شهداء تعرّف اليهم، باراءة ذلك الكنز الخفي.

فاعلى غايات وجود الشئ واغلى حقوق حياة الحي ؛ هو المشهودية والظهور لنظر فاطره، بمظهريته لآثار اسمائه. والذّ لذائذ هذه الحياة، هو الشعور بهذا الشهود..

واما الظهور لانظار اخوانه من المخلوقات، فهو ايضا غاية. لكن نسبتها الى الغاية الاولى، كنسبة المتناهي الى غير المتناهي..

واما ما اشتهر بين الناس من "حق الحياة" وهو حفظ الحياة مع نوع راحة ؛ فاقل واصغر وادنى واحقر من ان يكون جزءاً من ملايين اجزاء "حق الحياة" تلك الحياة التي هي من أعلى واغلى واعجب واغرب والطف واشرف معجزات قدرة الحي القيوم الاحد الصمد. بل ماهو الا وسيلة وانما يتشرف ما بقي وسيلةً. فاذا ترقى الى المقصدية، سقط بالزوال هباءً منثوراً..

اتظن ايها الغافل! ان غاية عجيب صنعة الرمانة مثلا، هي اكلُك ومضغك في دقيقة بغفلة..كلا، بل انما هي كلمة افادت معناها للمكوّن سبحانه، وللكون؛ فوفّت فتوفّت فدفنت مِن فيكَ فيك، ويكفي من الزمان والبقاء لهذه الغاية آن سيال، فلا عبثية.

وكذا فاعلم ان من له جمال فائق، فلذته الحقيقية في المشاهدة لجماله شهوداً بالذات، وشهوداً باراءة مصنوعاته لمخلوقاته فيشهدونها.. فيشهد ايضا في شهودهم بشهودهم..

واما لذة التفوق بملاحظة الغير فغيرذاتية، بل عرضية ضعيفة، ومشوبة مخصوصة بالامور النسبية..

واما ذو الكمال الذاتي والجمال الحقيقي المجرد السرمدي، المحبوب لذاته، لذاته الذي له المثل الاعلى، فقد اخبرنا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام؛ "انه خلق الخلق ليُعرف"(1).. أي صوّر مرايا ليشاهد فيها تجليات جماله المحبوب لذاته بذاته..(*)

_______________

(1) وهذا مقارب بالمعنى ماورد (كنت كنزاً لا اعرف فاحببت ان اعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم لي فعرفوني): لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف الاّ ان على القاري قال : ولكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى(وما خلقت الجن والانس الاّ ليعبدون) اي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما . (كشف الخفاء 2 / 132 باختصار)

(*) كليات رسائل النور - المثنوي العربي النوري - ص: 416

 


54-) حصيلة اربعين سنة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة على نبيه

اعلم!اني حصلتُ في اربعين سنة في سفر العمر، وثلاثين سنة في سير العلم: اربع كلمات، واربع جمل. سيجئ تفصيلها. اشير هنا الى الاجمال..

اما الكلمة فهي:

المعنى الحرفي، والمعنى الاسمي،(1) والنية، والنظر.

اعني:ان النظر الى ما سواه تعالى، لابد ان يكون بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وان النظر الى الكائنات بالمعنى الاسمي اي بحساب الاسباب خطأ. ففي كل شئ وجهان: وجهٌ الى الحق، ووجه الى الكون. فالتوجه الى الوجه الكوني لابد ان يكون حرفياً وعنواناً للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته اليه تعالى. مثلا: لابد أن يُرى النعمةُ مرآةً للانعام، والوسائطُ والاسبابُ مرايا لتصرف القدرة..

وكذا، ان النظر، والنيّة يغيرّان ماهيات الاشياء، فيقلبان السيئات حسناتٍ. كما يقلب الاكسيرُ الترابَ ذهباً، كذلك تقلب النيةُ الحركات العادية عباداتٍ. والنظر يقلب علومَ الاكوان معارفَ إلهية.. فان نُظر بحساب الاسباب والوسائط فجهالات، وان نُظر بحساب الله فمعارف إلهية..

واما الكلام:

فالاول:"اني لست مالكي" وان مالكي هو مالك الملك ذو الجلال والاكرام... فتَوهَّمْتُني مالكاً(2)، لأفهم صفات مالكي بالمقايسة. ففهمت بالمتناهي الموهوم، الغيرَ المتناهي. فجاء الصباح وانطفأ المصباح المتخيل..

الثاني:"الموت حق" فهذه الحياة وهذا البدن، ليسا بقابلين لان يصيرا عمودَين تُبنى عليهما هذه الدنيا العظيمة؛ اذ ما هما بأبديين ولا من حديد ولاحجر بل من لحم ودم وعظم، ومتخالفات توافقوا في ايام قليلة هم على جناح التفرق في كل آن.. فكيف يُبنى بالآمال قصرٌ يسع الدنيا على هذا الاساس الرخو الفاسد والعمود المدَوّد(3)الكاسد..

الثالث:"ربي واحد": كل السعادات لكلِ واحدٍ هو التسليمُ لرب واحد. والاّ لاحتاج الى الارباب المتشاكسين من مجموع الكائنات؛ اذ لجامعية الانسان، له احتياجات الى كل الاشياء، وعلاقات معها، وتألمات وتأثرات، شعورياً وغير شعوري بكل منها، فهذه حالة جهنميّة. فمعرفة الرب الواحد الذي كل هذه الارباب الموهومة حجابٌ رقيق على يد قدرته هي حالة فردوسية دنيوية..

الرابع:ان "ان" نقطة سوداء، وواحد قياسي، التفّ على رأسه خطوط الصنعة الشعورية، تشاهَد فيها ان مالكه اقربُ اليه منه..

سيجي تفصيل هذه الجمل في خاتمة الباب الاول.

________________________________________

(1) سيرد شرح هذين المصطلحين في ثنايا الكتاب فالحرف يعرف في النحو: مادلّ على معنى في غيره، اما الاسم فيعرف : مادلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان.

والمقصود ان النظرة القرآنية الى الموجودات تجعلها بمثابة حروف تعبّر عن معنى تجليات الاسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم سبحانه

(2) اي : توهمت اني مالك .

(3) المنخور.

(*) المثنوي العربي النوري - ص: 105


55-) تأليف الشعاع الأول

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
تأليف الشعاع الأول (1)

«في سجن "أسكي شهر" وفي وقت رهيب حيث كنا أحوج ما نكون إلى سلوان قدسي خطر على القلب ما يأتي:

إنك تبين شهوداً من كلام الأولياء السابقين على أحقية رسائل النور وقبولها بينما بمضمون الآية الكريمة ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام:59). فإن صاحب الكلام في هذه المسألة هو القرآن الكريم. فهل يقبل القرآن الكريم ويرضى بـرسائل النور؟ وكيف ينظر إليها؟

واجهتُ هذا السؤال العجيب، واستمددت من القرآن الكريم، وإذا بي أشعر في ظرف ساعة أن رسائل النور فردٌ داخل ضمنِ كليّةِ المعنى الإشاري الذي يمثل طبقة واحدة من طبقات التفرعات للمعنى الصريح لثلاث وثلاثين آية كريمة، وعرفتُ قرينة قوية على دخولها في ذلك المعنى وتخصيصها، فشاهدتُ قسماً منها بشيء من الوضوح وقسماً آخر مجملاً. فلم تبق في قناعتي أية شبهة وشك ووهم ووسوسة. وأنا بدوري دوّنتُ قناعتي القاطعة تلك وأعطيتها إخوتى الخواص على شرط سرّيّتها بنية الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النور. فنحن لا نقول في تلك الرسالة: إن المعنى الصريح للآية الكريمة هو هذا، حتى يقول العلماء: فيه نظر! ولم نقل فيها: إن كلية المعنى الإشاري هي هذه. بل نقول: إن تحت المعنى الصريح للآية الكريمة طبقات متعددة من المعاني، إحدى هذه الطبقات هي المعنى الإشاري والرمزي. فهذا المعنى الإشاري أيضاً هو كليّ له جزئيات في كل عصر. فـرسائل النور فردٌ في هذا العصر من أفراد كلية طبقة المعنى الإشاري ذاك. وقد جرى بين العلماءمنذ القدم دستور حساب الجُمّل والجفر -حساب الأبجدية- لإيجاد القرائن والحجج، فهذا الطرز من الحساب لا يخدش الآية الكريمة ولا يجرح معناها الصريح، بل قد يكون وسيلة لبيان إعجاز القرآن وعظمة بلاغته. فلا اعتراض على هذه الإشارات الغيبية، إذ الذي لا يستطيع إنكار ما لا يعد ولا يحصى من استخراجات أهل الحقيقة من الإشارات القرآنية التي لا تحصى، لا ينبغي له أن ينكر هذا بل لا يمكنه ذلك».(2)(*)

______________________________

(1) تأليفاته الأخرى في سجن "أسكي شهر":

     1-اللمعة السابعة والعشرون (دفاعه أمام محكمة أسكي شهر).

     2-اللمعة الثامنة والعشرون (رسائل مسليةإلى إخوانه في السجن).

     3-اللمعة التاسعة والعشرون (رسالة التفكر الإيماني الرفيع والمعرفة التوحيدية السامية كتبها باللغة العربية).

     4-اللمعة الثلاثون (في شرح الاسم الأعظم: الفرد، الحي، القيوم، الحكم، العدل، القدوس).

     5- الشعاع الثاني (حول التوحيد ومعاني قل هو اللّٰه أحد).

(2) الملاحق، ملحق قسطموني/179.

(*) كليات رسائل النور- السيرة الذاتية ص:301


56-) الاسماء الحسنى بينها تعاكس

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

اعلم! ان الاسماء الحسنى كلٌ منها يتضمن الكلَّ اجمالاً، كتضمن الضياء للألوان السبعة.. وكذا كلٌ منها دليل على كلّ منها، ونتيجةٌ لكلٍ منها، بينها تعاكسٌ كالمرايا. فيمكن ذكرها كالقياس الموصول النتائج متسلسلاً، وكالنتيجة المترتبة الدلائل.

إلا أن الاسم الاعظم الواحد يتضمن الكلَّ فوق هذا التضمن العام. فيمكن للبعض الوصول الى نور الاسم الاعظم بغيره من الاسماء الحسنى. فيتفاوت الاسم الاعظمُ بالنظر الى الواصلين.

والله اعلم بالصواب. (*)

_______________

(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:236


57-) من اسباب كسب الاخلاص رابطة الموت و التأمل الايماني في المخلوقات

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185)

(اِنَّكَ مَـيّـتٌ وَاِنَّـهُمْ مَـيّـتُون) (الزمر:30)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

من اسباب كسب الاخلاص

رابطة الموت و التأمل الايماني في المخلوقات.

فيا اخوتي في خدمة القرآن!

ان اهم سبب لكسب "الاخلاص" واعظم وسيلة مؤثرة للمحافظة عليه هو: "رابطة الموت":

فكما ان طول الامل يثلم الاخلاص ويفسده ويسوق الناس الى حب الدنيا والى الرياء، فان "رابطة الموت" تنفّر من الرياء، وتجعل المرابط معه يحرز الاخلاص. اذ تخلصه من دسائس النفس الأمارة، وذلك بتذكر موته وبملاحظة فناء الدنيا وزوالها. هذا ولقد اتخذ المتصوفة واهل الحقيقة العلمية "رابطة الموت" اساساً في منهج سلوكهم، وذلك بما تعلموه من الآية الكريمة: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185) (اِنَّكَ مَـيّـتٌ وَاِنَّـهُمْ مَـيّـتُون) (الزمر:30) فازالوا بتلك الرابطة توهم البقاء وحلم الابدية الذي يولد طول الامل، حيث افترضوا خيالاً وتصوروا انفسهم امواتاً.. فالان يُغسلون.. والآن يوضعون في القبر..وحينما يتفكرون بهذه الصورة تتأثر النفس الامارة بهذا التخيل اكثر فتتخلى شيئاً فشيئاً عن آمالها العريضة. فلهذه الرابطة اذن فوائد جمة ومنافع شتى. ويكفى ان الحديث الشريف يرشدنا اليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (اَكْثِروُا ذِكْرَ هَاذِمِ الَّلذَّاتِ)(1). وحيث ان مسلكنا حقيقة علمية وليست طريقة صوفية، فلا نرى انفسنا مضطرين مثلهم الى مباشرة تلك الرابطة بالافتراض والخيال. فضلاً عن ان هذا الاسلوب لايلائم منهج الحقيقة. اذ التفكر بالعقبى ليس هو بجلب المستقبل الى الحاضر خيالاً، بل الذهاب فكراً من الحاضر الى المستقبل، ومشاهدة المسقبل من خلال الحاضر الواقع كما هو الحقيقة، فلا حاجة الى الخيال، ولا يلزم الافتراض، اذ الانسان يمكنه مشاهدة جنازته وهي ثمرة محمولة على شجرة عمره القصير، واذا ما حول نظره قليلاً لا يرى موته وحده، بل يرى ايضاً موت عصره، حتى اذا جال بنظره اكثر يرى موت الدنيا ودمارها، وعندها ينفتح امامه الطريق الى "الاخلاص التام".

والسبب الثاني في احراز الاخلاص هو: ان يكسب المرء حضوراً وسكينة بالايمان التحقيقي وباللمعات الواردة عن التفكر الايماني في المخلوقات. وهذا التأمل يسوق صاحبه الى معرفة الخالق سبحانه، فتنسكب الطمأنينة والسكينة في القلب.حقاً ان تلمع هذا النوع من التأمل في فكر الانسان يجعله يفكر دائماً في حضور الخالق الرحيم سبحانه ورؤيته له، اي انه حاضر وناظر اليه دائماً. فلا يلتفت عندئذٍ الى غيره، ولا يستمد من سواه. حيث ان النظر والالتفات الى ماسواه يخل بأدب الحضور وسكينة القلب. وبهذا ينجو الانسان من الرياء ويتخلص منه، فيظفر بالاخلاص باذن الله.

وعلى كل حال فان في هذا "التأمل" درجات كثيرة ومراتب عدة. فحظ كل شخص ما يكسبه، وربحه ما يستفيد منه حسب قابلياته وقدراته.

نكتفي بهذا القدر ونحيل الى رسائل النور حيث ذكرت كثيراً من الحقائق حول النجاة من الرياء واحراز الاخلاص.(*)
------------------------

[1] اكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت: رواه احمد والترمذي وحسنه. والنسائي من حديث ابي سلمة عن ابي هريرة به مرفوعاً. وصححه ابن حبان والحاكم. واعلّه الدارقطني بالارتباك. (تمييز الطيب لابن الديبع الشيباني) ومعنى هاذم: قاطع. ــ المترجم.

(*) اللمعة الحادية والعشرون - ص: 246

 


58-) العلوم تعرّف بالخالق قطرة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

جاءني فريق من طلاب الثانوية في (قسطموني)(1) قائلين:

عرّفنا بخالقنا، فإن مدرسينا لا يذكرون الله لنا !.

فقلت لهم:

إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فاصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين..

فمثلا: لو كانت هناك صيدلية ضخمة، في كل قنينة من قنانيها أدوية ومستحضرات حيوية، وضِعت فيها بموازين حساسة، وبمقادير دقيقة؛ فكما أنها ترينا أن وراءها صيدلياً حكيماً وكيميائياً ماهراً،كذلك صيدلية الكرة الأرضية التي تضم اكثر من أربعمائة ألف نوع من الأحياء -نباتا وحيوانا- وكل واحد منها في الحقيقة بمثابة زجاجة مستحضرات كيماوية دقيقة، وقنينة مخاليط حيوية عجيبة فهذه الصيدلية الكبرى تُري حتى للعميان صيدليّها الحكيم ذا الجلال، وتعرّف خالقها الكريم سبحانه بدرجة كمالها، وانتظامها، وعظمتها، قياسا على تلك الصيدلية التي في السوق، على وفق مقاييس علم الطب الذي تقرأونه..

[ثم يستطرد في ذكر الأمثلة إلى ان يقول:]

ومثلاً: لو كان هناك كتاب، كتب في كل سطر منه كتاب بخط دقيق، وكُتب في كل كلمة من كلماته سورة قرآنية، وكانت جميع مسائله ذات مغزى ومعنى عميق، وكلها يؤيد بعضها البعض، فهذا الكتاب العجيب يبين بلا شك مهارة كاتبه الفائقة، وقدرة مؤلفه الكاملة. أي أن مثل هذا الكتاب يعرّف كاتبه ومصنّفه تعريفا يضاهي وضوح النهار، ويبين كماله وقدرتَه، ويثير من الإعجاب والتقدير لدى الناظرين إليه ما لا يملكون معه الا ترديد: تبارك الله سبحان الله ما شاء الله! من كلمات الاستحسان والإعجاب؛ كذلك هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتب في صحيفة واحدة منه -وهي سطح الأرض- ويُكتب في ملزمة واحدة منه-وهي الربيع- ثلاثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معا ومتداخلة بعضها ببعض دون اختلاط، ولا خطأ، ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال بل يُكتب في كل كلمة منه -كالشجرة- قصيدة كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه -كالبذرة- فهرس كتاب كامل. وان هذا مشاهد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد وراءه قلماً سيالاً يسطر. فلكم ان تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمة وحكم شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم -وهو العالم- إلى بارئه سبحانه وإلى كاتبه جل وعلا، قياسا إلى ذلك الكتاب المذكور في المثال. وذلك بمقتضى ما تقرأونه من علم حكمة الأشياء او فن القراءة والكتابة، وتناولوه بمقياس اكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير وبذلك تفهمون كيف يعرّف الخالق العظيم بـ(الله اكبر) وكيف يعلّم التقديس بـ (سبحان الله) وكيف يحبّب الله سبحانه إلينا بثناء (الحمد لله).

وهكذا فان كل علم من العلوم العديدة جداً، يدل على خالق الكون ذي الجلال - قياسا على ما سبق - ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته. وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادة باصرة، ونظرات ذات عبرة.

فقلت لأولئك الطلبة الشباب: ان حكمة تكرار القرآن الكريم من: ﴿خلقَ السمواتِ والأرض﴾ و﴿ربّ السموات والأرض﴾ إنما هي لأجل الإرشاد إلى هذه الحقيقة المذكورة، وتلقين هذا البرهان الباهر للتوحيد، ولأجل تعريفنا بخالقنا العظيم سبحانه. فقالوا: شكراً لربنا الخالق بغير حد، على هذا الدرس الذي هو الحقيقة السامية عينها، فجزاك الله عنا خير جزاء ورضي عنك.(*)

_______________________________

(1) في تلك السنوات الحالكة مُسح مفهوم (الاله) ومسخت فكرة (الخالق) من الاذهان، وكانت معاول الهدم تهدم الإيمان بالله في نفوس الجيل الجديد، وتثير الحيرة فيها. يتحدث "عبد الله يكن" عن حيرته هذه عندما كان طالباً في المدرسة المتوسطة، فيقول بان مدرسيه لم يكونوا يتحدثون مطلقاً عن (الله) فكان يذهب هو وصديق له يدعى "رفعت" لزيارة بديع الزمان:

"كنا أنا وصديقي رفعت نزوره على الدوام، فكان يتحدث معنا عن اهمية الإيمان، وعن وحدانية الله، وان الانسان لم يخلق للعيش بدون ضوابط، وكنا نحسّ في أعقاب كل زيارة بأننا قد ولدنا من جديد، وكانت نفوسنا تطفح بالسعادة المعنوية وبالبشر والفرح".ش/331

(*) كليات رسائل النور –  الشعاعات/257

 


59-) صداقة الأبطال

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

أخي فيضي!(1)

ان كنت ترغب ان تكون مثيل أبطال ولاية اسپارطة، عليك أن تشبههم وتكون مثلهم تماماً. فلقد كان معنا في السجن(2) شيخ عظيم ومرشد مرموق ذو جاذبية من أولياء الطريقة النقشبندية - رحمه الله - جالَسَ ما يقرب من ستين من طلاب النور طوال أربعة اشهر وحاورهم محاورات مغرية لجلبهم إلى الطريقة، الاّ انه لم يتمكن الاّ على ضم واحدٍ منهم إلى صفه، وبصورة مؤقتة.

أما الباقون فقد ظلوا مستغنين عنه وهو الولي الصالح، إذ كفتهم الخدمة الإيمانية الرفيعة التي تقدمها رسائل النور، واطمأنوا بها. ولقد فقه أولئك الأبطال بقلوبهم الواعية ورأوا ببصيرتهم النافذة الحقيقة الآتية:

ان خدمة رسائل النور هي إنقاذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فهي تكسب المرء مراتب الولاية.

وان إنقاذ إيمان شخص من الضلال أهم بكثير واجزل ثواباً من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة الولاية؛ حيث أن الإيمان بمنحه للإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكاً أوسع من الأرض كلها.

 أما الولاية فإنها توسّع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وابهر.

وكما ان رفع مرتبة إنسان اعتيادي إلى سلطان، أعظم من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد، كذلك الثواب اعظم واجزل في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة، من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء صالحين.

فهذا السر الدقيق هو الذي أبصرته القلوب النفاذّة لإخوانك في اسپارطة، وان لم تره عقول قسم منهم. ولهذا فضّلوا صداقة شخص ضعيف مذنب مثلي، على صداقة أولياء عظام بل على مجتهدين ان وجدوا.


فبناء على هذه الحقيقة:

لو ان قطباً من أقطاب الأولياء أو شيخاً جليلاً كالگيلاني، أتى إلى هذه المدينة وقال لك سأرفع مرتبتك إلى مرتبة الولاية في عشرة أيام، وذهبت إليه تاركاً رسائل النور، فلا تستطيع أن تصادق أبطال اسپارطة.(3)(*)

 

_____________________________________

(1) هو محمد فيضي ولد في قسطموني سنة 1912. لازم الأستاذ ست سنوات في قسطموني وسجن معه سنة 1943 في دنيزلي وسنة 1948 في افيون صاحب تقوى وعلم يشار إليه. توفي سنة 1990 تغمده الله برحمته الواسعة.

(2) المقصود سجن اسكي شهر

(3) الملاحق- قسطموني/132

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:308

 

 

 


60-) أُضحي بكل شئ في سبيل النور

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اخوتي الاعزاء الصديقين!

نبارك من كل قلوبنا وارواحنا حلول شهر رمضان المبارك ونسأله تعالى ان يجعل ليلة القدر لكم خيراً من ألف شهر. آمين.. ويقبلها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.

ثانياً: انني اعتقد ان بقاءنا هنا إلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة. إذ لو اُفرج عنا لحُرمنا من خيرات هذه المدرسة اليوسفية، فضلاً عن اننا سننشغل بامور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي هو شهر اُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.

اذن فالخير فيما اختاره الله، وستكون ان شاء الله افراح كثيرة وخيرات اكثر. لقد علمتم ايضاً يا اخوتي في المحكمة انهم لا يستطيعون وجدان شئ علينا حتى بقوانينهم انفسهم، لذا يتشبثون بامور جزئية جداً لاتمسُ القانون بشئ ولو بقدر جناح بعوضة فينقبون في مكاتب جزئية وامور جزئية خاصة جداً، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمة وسيلة تكون سبباً للتعرض لنا.

ثم ان لنا مصلحة أخرى وهي انهم ينشغلون بشخصي الذي لا اهمية له فيهوّنون من شأني بدلا من انشغالهم بطلاب النور الكثيرين ورسائل النور الواسعة الانتشار. فلا يسمح القدر الالهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النور بل يشغلهم بشخصي فحسب، وانا بدوري ابيّن لكم ولجميع اصحابي واصدقائي:

انني ارضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما املك من روح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم انتم. فكما ان الجنة ليست رخيصة فان جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.

 

ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي ينزلها بنا اعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونأخذ ثأرنا بأضعاف اضعافها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.

فنحن بدلاً من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.

فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على الله والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، مندون ان يساورنا القلق. مع اخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدّ اواصر المحبة ووشائج الالفة والمسامرة المباركة مع اخوتنا هنا في الايام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائه في جوّ من الاخوة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالاوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الالف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظ عظيم يؤتيه الله من يشاء.

 

هذا وان دروس النور المؤثرة تأثيراً جيداً في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات نورية لها اهميتها وقيمتها.

 

حاشية: ان انكار بعض اخواننا كونه طالباً من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم انه عمل سئ. الاّ ان خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم. (*)

___________________________

(*) كليات رسائل النور - الشعاعات/557


61-) امثلة لادامة الاخلاص

بسم الله الرحمن الرحيم

{ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَد خَابَ مَنْ دَسّاها } [الشمس:9، 10]


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

امثلة لادامة الاخلاص

وسأذكر ما يزيد سرّ الاخلاص ويديم الوفاق الصادق بين اخوتي الصادقين. اذكره ضمن مثالين:

المثال الاول "لإدامة الاخلاص":

لقد اتخذ ارباب الدنيا "الاشتراك في الاموال" قاعدة يسترشدون بها لاجل الحصول على ثروة طائلة او قوة شديدة، بل اتخذ من لهم التأثير في الحياة الاجتماعية - من اشخاص او جماعات وبعض الساسة - هذه القاعدة رائداً لهم. ولقد كسبوا نتيجة اتباعهم هذه القاعدة قوة هائلة وانتفعوا منها نفعاً عظيماً، رغم ما فيها من اضرار واستعمالات سيئة، ذلك لان ماهية الاشتراك لا تتغير بالمساوئ والاضرار التي فيها، لأن كل شخص - وفق هذه القاعدة - يحسب نفسه بمثابة المالك لجميع الاموال، وذلك من زاوية مشاركته في المال ومن جهة مراقبته واشرافه عليه، برغم انه لا يمكنه ان ينتفع من جميع الاموال.. وعلى كل حال فان هذه القاعدة اذا دخلت في الاعمال الاخروية فستكون محوراً لمنافع جليلة بلا مساوئ ولا ضرر. لان جميع تلك الاموال الاخروية تحمل سر الدخول بتـمامـها في حـوزة كـل فـرد مـن اولئك الافـراد المشتركين فيها، دون نقصان او تجزئة.

ولنفهم هذا بمثال:

اشترك خمسة اشخاص في اشعال مصباح زيتي. فوقع على احدهم احضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرابع المصباح نفسه وعلى الاخير علبة الكبريت..فعندما اشعلوا المصباح اصبح كل منهم مالكاً لمصباح كامل. فلو كان لكل من اولئك المشتركين مرآة كبيرة معلقة بحائط، اذن لاصبح منعكساً في مرآته مصباح كامل - مع ما في الغرفة - من دون تجزؤ او نقص..

وهكذا الامر في الاشتراك في الامور الاخروية بسر الاخلاص، والتساند بسر الاخوة، وضم المساعي بسر الاتحاد، اذ سيدخل مجموع اعمال المشتركين، وجميع النور النابع منها، سيدخل بتمامه في دفتر اعمال كل منهم.. وهذا امر مشهود وواقع بين اهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة رحمة الله سبحانه وكرمه المطلق.

فيا اخوتي..! آمل اَلاّ تسوقكم المنافع المادية الى الحسد فيما بينكم ان شاء الله تعالى. الا انكم قد تنخدعون كما انخدع قسم من اهل الطرق الصوفية، من باب المنافع الاخروية. ولكن تذكروا.. اين الثواب الشخصي والجزئي من ذلك الثواب العظيم الناشئ في افق الاشتراك في الاعمال المذكورة في المثال، واين النور الجزئي من ذلك النور الباهر.

المثال الثاني "لإدامة الاخلاص":

يحصل الصناعيون واهل الحرف على الانتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة "المشاركة في الصنعة والمهارة". واليك المثال:

قام عشرة من صناعي ابر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث ابر فقط لكل منهم في اليوم الواحد.. ثم اتفق هؤلاء الاشخاص حسب قاعدة "توحيد المساعي وتوزيع الاعمال" فأتى احدهم بالحديد والاخر بالنار، وقام الثالث بثقب الابرة والاخر ادخالها النار والاخر بدأ يحدها.. وهكذا.فلم يذهب وقت احد سدى، حيث انصرف كل منهم الى عمل معين وانجزه بسرعة، لانه عمل جزئي بسيط اولاً ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانياً. وحينما وزعوا حصيلة جهودهم رأوا ان نصيب كل منهم في يوم واحد ثلاثمائة ابرة بدلاً من ثلاث ابر.. فذهبت هذه الحادثة انشودة يترنم بها اهل الصناعة والحرف، الذين يدعون الى توحيد المساعي وتوزيع الاعمال.

فيا اخوتي! ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاتفاق في امور دنيوية وفي مواد كثيفة، فكم يكون يا ترى ثواب اعمال اخروية ونورانية! وكم يكون الثواب المنعكس من اعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فرد منها!

تلك الاعمال التي لا تحتاج الى تجزئة ولا انقسام. فلكم ان تقدروا ذلك الربح العظيم..فإن مثل هذا الربـح العظيم لا يُفوّت بالحـسد وعدم الاخلاص..!(*)

-----------------------

(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 51/ 3) واللفظ له، الخطيب في المتفق والمفترق (1/341/767)، وابن قانع في معجم الصحابة (729) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (7).

(*) كليات رسائل النور- اللمعة الحادية والعشرون - ص: 248

 


62-) موازنة بين الحضارة الحاضرة والشريعة الغراء، والدهاء العلمي والهدى الإلهي

 

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

مجلس في عالم المثال

 

(موازنة بين الحضارة الحاضرة

والشريعة الغراء، والدهاء العلمي

 والهدى الإلهي)        

 

ابان الهدنة، نهاية الحرب العالمية الاولى، وفي ليلة من ليالي الجمعة، دخلت مجلساً مهيباً في عالم المثال، وذلك في رؤيا صادقة، فسألوني:

- ماذا سيحدث لعالم الاسلام عقب هذه الهزيمة؟

اجبت بصفتي ممثلاً عن العصر الحاضر، وهم يستمعون اليّ:

- ان هذه الدولة التي اخذت على عاتقه - منذ السابق - حماية استقلال العالم الاسلامي، واعلاء كلمة الله بالقيام بفريضة الجهاد - فرضاً كفائي - ووضعت نفسها موضع التضحية والفداء عن العالم الاسلامي الذي هو كالجسد الواحد حاملة راية الخلافة، اقول: ان هذه الدولة، وهذه الامة الاسلامية، ستعوّض عن هذا البلاء الذي أصابها، سعادة يرفل بها العالم الاسلامي، وحرية يتمتع بها، وستتلافى المصائب والاضرار الماضية، فالذي يكسب ثلاثمائة بدفع ثلاثٍ لا شك انه غير خاسر، وذو الهمة يبدل حاله الحاضرة الى مستقبل زاهر. فهذه المصيبة قد بعثت الشفقة والاخوة والترابط بين المسلمين بعثاً خارقاً.

ان تنامي الاخوة بين المسلمين يُسرع في هزّ المدنية الحاضرة ويقرب دمارها، وستتبدل صورة المدنية الحاضرة، وسيقوض نظامها. وعندها تظهر المدنية الاسلامية، وسيكون المسلمون اول من يدخلونها بارادتهم.

وان اردت الموازنة بين المدنية الشرعية والمدنية الحاضرة، فدقق النظر في اسس كلٍ منهما ثم انظر الى آثارهما.

ان اسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي اسس خمسة، تدور عليها رحاها.

فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز والتعرض، ومن هذا تنشأ الخيانة.

هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الجناية.

دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشأن الخصام: التنازع والتدافع، ومن هذا تنشأ السفالة.

رابطتها الاساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين وشأن القومية السلبية والعنصرية: التصادم المريع، وهو المشاهد. ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك.

وخامسته:هي ان خدمتها الجذابة، تشجيع الاهواء والنوازع، وتذليل العقبات امامهما، واشباع الشهوات والرغبات. وشأن الاهواء والنوازع دائماً: مسخ الانسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الانسانية وتمسخ مسخاً معنوياً.

ان معظم هؤلاء المدنيين، لو قلبتَ باطنهم على ظاهرهم، لرأيت في صورتهم سيرة القرد والثعلب والثعبان والدب والخنزير.

نعم!ان خيالك ليمس فراء تلك الحيوانات وجلودها.. وآثارهم تدل عليهم.

انه لا ميزان في الارض غير ميزان الشريعة. انها رحمة مهداة نزلت من سماء القرآن العظيم.

أما اسس مدنية القرآن الكريم، فهي ايجابية تدور سعادتها على خمسة اسس ايجابية.

نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائماً: العدالة والتوازن. ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.

وهدفه:الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة: المحبة والتقارب، ومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة.

دستورها في الحياة: التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور: الاتحاد والتساند اللذان تحيا بهما الجماعات.

وخدمتها للمجتمع: بالهدى بدل الاهواء والنوازع، وشأن الهدى: الارتقاء بالانسان ورفاهه الى ما يليق به مع تنوير الروح ومدّها بما يلزم.

رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني وعلاقة الصنف والمهنة واخوة الايمان. وشأن هذه الرابطة: اخوة خالصة، وطرد العنصرية والقومية السلبية.

وبهذه المدنية يعم السلام الشامل، اذ هو في موقف الدفاع ضد اي عدوان خارجي.

والآن! ندرك لِمَ اعرض العالم الاسلامي عن المدنية الحاضرة، ولم يقبلها، ولم يدخل المسلمون فيها بارادتهم.

انها لا تنفعهم، بل تضرهم. لانها كبّلتهم بالاغلال، بل صارت سماً زعافاً للانسانية بدلاً من ان تكون لها ترياقاً شافياً؛ اذ ألقت ثمانين بالمائة من البشرية في شقاء، لتعيش عشرة بالمائة منها في سعادة مزيفة. اما العشرة الباقية فهم حيارى بين هؤلاء وهؤلاء.

وتتجمع الارباح التجارية بايدي أقلية ظالمة، بينما السعادة الحقة، هي في اسعاد الجميع، أو في الأقل ان تصبح مبعث نجاة الاكثرية.

والقرآن الكريم النازل رحمة للعـالمين لا يقبل الاّ طرازاً من المدنية التي تمنح السعادة للجميع او الاكثرية، بينما المدنية الحاضرة قد اطلقت الاهواء والنوازع من عقالها، فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل اصبح يستبد، والشهوة تتحكم، حتى جعلتا الحاجات غير الضرورية في حكم الضرورية. وهكذا مُحيت راحة البشرية؛ اذ كـان الانسان في البداوة محتاجاً الى اشياء اربعة، بينما، افقرته المدنية الحاضرة الآن وجعلته في حاجة الى مائة حاجة وحاجة. حتى لم يعد السعي الحـلال كافياً لسد النفقات، فدفعت المدنية البشرية الى ممارسة الخداع والانغماس فـي الحرام. ومن هنا فسدت اسس الاخلاق، اذ أحاطت المجتـمع والبشرية بهالة من الهيبة ووضعت في يدها ثروة الناس فاصبح الفرد فقيراً وفاقداً للأخلاق.

والشاهد على هذا كثير، حتى ان مجموع ما ارتكبته البشرية من مظالم وجرائم وخيانات في القرون الاولى قاءتها واستفرغتها هذه المدنية الخبيثة مرة واحدة. وسوف تصاب بالمزيد من الغثيان في قابل أيامها(1)

ومن هنا ندرك لِمَ يتوانى العالم الاسلامي في قبولها ويتحرج. ان استنكافه منها له مغزى، يلفت النظر.

نعم!ان النور الإلهي في الشريعة الغراء يمنحها خاصة مميزة وهي: الاستقلال الذي يؤدي الى الاستغناء.

هذه الخاصية لا تسمح ان يتحكم في ذلك النور دهاء(2) روم - الممثل لروح هذه المدنية - ولا يطعّم بها ولا يمتزج معها. ولن تكون الشريعة تابعة لذلك الدهاء.

اذ الشريعة تربي في روح الاسلام الشفقة وعزة الايمان. فلقد اخذ القرآن بيده حقائق الشريعة. كل حقيقة منها عصا موسى (في تلك اليد). وستسجد له تلك المدنية الساحرة سجدة تبجيل واعجاب.

والآن دقق النظر في هذا:

كانت روما القديمة واليونان يملكان دهاءً، وهما دهاءان توأمان، ناشئان من أصل واحد.احدهما غلب الخيال عليه. والآخر عبد المادة. ولكنهما لم يمتزجا، كما لا يمتزج الدهن بالماء. فحافظ كل منهما على استقلالها، رغم مرور الزمان، ورغم سعي المدنية لمزجهما، ومحاولة النصرانية لذلك. الاّ ان جميع المحاولات باءت بالاخفاق.

والآن، بدلت تلكما الروحان جسديهما، فاصبح الألمان جسد احدهما والفرنسيون جسد الآخر.وكأنهما قد تناسخا منهما.

ولقد أظهر الزمان: ان ذينك الدهاءين التوأمين قد ردّا أسباب المزج بعنف، ولم يتصالحا الى الوقت الحاضر.

فلئن كان التوأمان، الصديقان، الاخوان الرفيقان في الرقي قد تصارعا ولم يتصالحا، فكيف يمتزج هدى القرآن - وهـو من اصل مغاير ومعدن آخر ومطلع مختلف - مع دهاء روما وفلسفتها؟! فذلك الدهاء، وهذا الهدى مختلفان في المنشأ.

الهدى نزل من السماء.. والدهاء خرج من الارض.

الهدى فعّال في القلب، يدفع الدماغ الى العمل والنشاط. بينما الدهاء فعال في الدماغ، ويعكرّ صفو القلب ويكدّره.

الهدى ينور الروح حتى تثمر حباتها سنابل، فتتنور الطبيعة المظلمة، وتتوجه الاستعدادات نحو الكمال. ولكن يجعل النفس الجسمانية خادمة مطيعة. فيضع في سيماء الانسان الساعي الجاد صورة المَلَك.

أما الدهاء فيتوجّه مقدماً الى النفس والجسم ويخوض في الطبيعة، ويجعل النفس المادية مزرعة لإنماء الاستعداد النفساني وترعرعه. بينما يجعل الروح خادمة، حتى تتيبس بذورها وحباتها، فيضع في سيماء الانسان صورة الشيطان.

الهدى يمنح السعادة لحياة الانسان في الدارين وينشر فيهما النور والضياء، ويدفع الانسان الى الرقي. اما الدهاء الاعور كالدجال، فيفهم الحياة انها دار واحدة فحسب، لذا يدفع الانسان ليكون عبد المادة، متهالكاً على الدنيا حتى يجعله وحشاً مفترساً.

نعم!ان الدهاء يعبد الطبيعة الصماء، ويطيع القوة العمياء.

أما الهدى فانه يعرف الصنعة المالكة للشعور، ويقدّر القدرة الحكيمة.

الدهاء يسدل على الارض ستار الكفران.. والهدى ينثر عليها نور الشكر والامتنان.

ومن هذا السر: فالدهاء أعمى أصم.. والهدى سميع بصير.

اذ في نظر الدهاء: لا مالك للنعم المبثوثة على الارض ولا مولى يرعاها، فيغتصبها دون شكران، اذ الاقتناص من الطبيعة يولد شعوراً حيوانياً.

أما في نظر الهدى فان النعم المبسوطة على الارض هي ثمرات الرحمة الإلهية، وتحت كلٍ منها يد المحسن الكريم. مما يحض الانسان على تقبيل تلك اليد بالشكر والتعظيم.

زد على ذلك:

فمما ينبغي الاّ ننكر ان في المدنية محاسن كثيرة، الاّ انها ليست من صنع هذا العصر، بل هي نتاج العالم وملك الجميع، اذ نشأت بتلاحق الافكار وتلاقحها،

وحث الشرائع السماوية - ولا سيما الشريعة المحمدية - وحاجة الفطرة البشرية. فهي بضاعة نشأت من الانقلاب الذي احدثه الاسلام. لذا لا يتملكها احدٌ من الناس.

وهنا عاد رئيس المجلس فسأل قائلاً:

يا رجل هذا العصر! ان البلاء ينزل دوماً نتيجة الخيانة، وهو سبب الثواب. ولقد صفع القدر صفعته ونزل القضاء بهذه الامة. فبأىٍ من اعمالكم قد سمحتم للقضاء والقدر حتى أنزل القضاء الإلهي بكم البلاء ومسّكم الضر؟ فان سبب نزول المصائب العامة هو خطأ الاكثرية من الناس.

قلت:

ان ضلال البشرية وعنادها النمرودي وغرورها الفرعوني، تضخّم وانتفش حتى بلغ السماء ومسّ حكمة الخلق، وأنزل من السموات العلا ما يشبه الطوفان والطاعون والمصائب والبلايا.. تلك هي الحرب العالمية الحاضرة. اذ أنزل الله سبحانه لطمة قوية على النصارى بل على البشرية قاطبة. لأن أحد أسبابها التي يشترك فيها الناس كلهم هو الضلال الناشئ من الفكر المادي، والحرية الحيوانية، وتحكّم الهوى.

أما ما يعود الينا من سبب فهو:

اهمالنا اركان الاسلام وتركنا الفرائض؛ اذ طلب منا سبحانه وتعالى ساعة واحدة من اربع وعشرين ساعة، طلبها لأجلنا نحن، لأداء الصلوات الخمس، فتقاعسنا عنها. واهملناها غافلين، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أرغمنا على نوع من الصلاة!

وانه سبحانه طلب منا شهراً من السنة نصوم فيه رحمة بأنفسنا. فعزّت علينا نفوسُنا فأرغمنا على صوم طوال خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا.

وانه سبحانه طلب منا الزكاة عُشراً أو واحداً من اربعين جزءاً من ماله الذي اعطاه لنا، فبخلنا وظلمنا وخلطناه بالحرام، ولم نعطها طوعاً. فأرغمنا على دفع زكاة متراكمة.وانقذنا من الحرام، فالجزاء من جنس العمل.

ان العمل الصالح نوعان:

احدهم:ايجابي واختياري.

والآخر:سلبي واضطراري.

فالآلام والمصائب كلها اعمال صالحة سلبية اضطرارية، كما ورد في الحديث الشريف وفيه سلواننا وعزاؤنا.

ولهذا، فلقد تطهرت هذه الامة المذنبة وتوضأت بدمها. وتابت توبة فعلية.

وكان ثوابها العاجل رفع خُمس هذه الامة العثمانية - اي اربعة ملايين من الناس - الى مرتبة الولاية ومنحهم درجة الشهادة والمجاهدين.. هكذا كفّر عن الذنوب.

استحسن مَن في المجلس الرفيع المثالي هذا الكلام.

وانتبهتُ من نومي، بل قد نمتُ مجدداً باليقظة. لأنني اعتقد ان اليقظة رؤيا والرؤيا نوع من اليقظة.

سعيد النورسي هنا

ممثل العصر هناك

__________________

(1) معنى انها ستتقيأ قيئاَ اشد وافظع. نعم ! لقد قاءت واستفرغت بحربين عالميتين حتى لطخت بالدم البر والبحر والهواء ـ المؤلف(*)

(2) كلمة "الدهاء" في هذا المبحث يقصد منها، المفاهيم المادية التي تتبناها حضارة الغرب. أو الفكر المادي في فلسفته. ولقد أبقينا الكلمة كما هي لما فيها من تجانس جميل مع الهدى. - المترجم.

(*)الكلمات - اللوامع - ص: 854

 


63-) التماس اللذة لاجل الشكر

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

قلنا في النكتة الثانية آنفاً: ان القوة الذائقة تؤدي دور الحارس. نعم، هي كذلك عند الغافلين الذين لم يَسمُوا بعدُ روحياً والذين لم يتقدموا في مضمار الشكر والعروج في مدارجه. نعم إنه لا ينبغي اللجوء الى الاسراف - كصرف عشرة أضعاف الثمن، لأجل تلذذ تلك الحاسة الحارسة. ولكن القوة الذائقة لدى الشاكرين

حقاً ولدى اهل الحقيقة واهل القلوب واولي الابصار بمثابة راصدة وناظرة مفتشة لمطابخ الرحمة الإلهية (كما وضح ذلك في المقارنة المعقودة في الكلمة السادسة). وان ما يتم في تلك القوة الذائقة من عملية تقدير قيمة النعم الاَلهية ومن التعّرف عليها بأنواعها المختلفة بما فيها من موازين دقيقة حساسة عديدة بعدد الاطعمة، انما هو لإبلاغ الجسد والمعدة، بما ينّم عن شكر معنوي.

فلا تقتصر وظيفة القوة الذائقة على رعاية الجسد رعاية مادية وحدها، بل هي ايضاً أرقى حكماً من وظيفة المعدة وأرفع منزلة منها، لما لها من رعاية للقلب والروح والعقل ومن عناية لكل منها، علماً أنها تستطيع ان تمضي في سبيل الحصول على لذتها - بشرط عدم الاسراف - انجازاً لمهمة الشكر الخالص المقدرة لها، وبنيّة التعرف والاطلاع على انواع النعم الإلهية بتذوقها والشعور بها بشرط مشروعيتهاوعدم كونها وسيلة للتذلل والاستجداء، اي اننا نستطيع ان نستعمل ذلك اللسان الحامل للقوة الذائقة في الشكر لاجل التفضيل بين الاطعمة اللذيذة.

واليكم هذه الحادثة اشارة الى هذه الحقيقة، وهي كرامة من كرامات الشيخ الكيلاني "قُدس سره": كان لعجوز رقيقة لطيفة ابنٌ وحيد يتربّى على يد الشيخ، دخلت تلك العجوز الموقرة ذات يوم على ابنها ورأت انه يأكل من كسرة خبز يابس أسمر مزاولاً رياضة روحية حتى ضعف ونحل جسمه. أثارت هذه الحالة شفقة والدته الرؤوم ورقّت لحاله فذهبت لتشتكيه الى الشيخ الكيلاني واذا بها ترى الشيخ يأكل دجاجاً مشوياً. ولشدة رقتها ولطافتها قالت: ايها الشيخ ان ابني يكاد يموت جوعاً وها انت ذا تأكل الدجاج؟! فخاطب الشيخ الدجاج قائلاً: "قم باذن الله" فوثب ذلك الدجاج المطبوخ الى خارج الوعاء بعد ان اكتمل دجاجاً حياً بالتئام عظامه. لقد نقل هذا الخبر بالتواتر المعنوي ثقاتٍ كثيرون(1) اظهاراً لكرامة واحدة من صاحب الكرامات المشهورة في العالم، الشيخ الكيلاني قُدس سرّه. ومما قاله الشيخ لتلك العجوز : متى ما بلغ إبنك هذه الدرجة.. فليأكل الدجاج هو الآخر.

فمغزى هذا الامر الصادر من الشيخ الكيلاني هو: متى حَكمت روحُ ابنك جَسَدَهُ وهيمن قلبُه على نفسه، وسادَ عقلُه معدته، والتمس اللذةَ لاجل الشكر.. عندئذ يمكنه أن يتناول ما لذّ وطاب من الاطعمة.(*)

________________

(1)وقال اليافعي رضى الله عنه: صح بالسند المتصل الى الشيخ القطب عبدالقادر الجيلاني رحمه الله تعالى:أن أم شاب عنده دخلت عليه وهو يأكل في دجاجة، فانكرت أكله الدجاجة وإطعامه ابنها أرذل الطعام،

فقال لها: اذا صار ابنك بحيث يقول لمثل هذه الدجاجة قومي بأذن الله فقامت ولها اجنحة وطارت بها حق له ان يأكل الدجاج. (الفتاوى الحديثية لابن حجر ص80 )- المترجم .

(*) كليات رسائل النور - اللمعة التاسعة عشرة - ص: 213

 


64-) إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اخوتي الأعزاء الصادقين!

ان اعظم إحسان اعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه والسعي لإمداد إيمان الآخرين بالقوة. فاحذر يا أخي من الأنانية والغرور وتجنب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتي من الأنانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة ان ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائماً ويتحلى بالتواضع التام.

انه لمقام عظيم حفاظكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم لله، تحت هذه الظروف القاسية ...

نعم ان رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر. بل أرغمت رسمياً أعتى المعاندين لها على قبول نشرها. حتى انه منذ سنتين وبعد إجراء التدقيقات صدّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.

ان مما يثبت أن رسائل النور معجزة معنوية للقرآن الكريم في هذا العصر هو عدم انهزام مسلك رسائل النور -كسائر المسالك والطرق الصوفية- بل انتصاره وإدخاله الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جداً. ولقد أقنعتنا الحوادث انه لن تكون خدمة الدين خارج دائرة رسائل النور خدمة كاملة -في الأغلب في هذه البلاد- حيث هو عمل خاص جزئي وحيد وشخصي أو مستتر منهزم، أو متساهل مع البدع ضمن تحريفات بتأويلات فاسدة.

ما دمت يا أخي تملك همة عالية وقوة راسخة من الإيمان، فكن طالباً لرسائل النور واستمسك بها بإخلاص تام وتواضع تام وثبات تام. كي تشارك في المغانم الأخروية لألوف، بل مئات الألوف من الطلاب وذلك على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال. وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسنات وخيرات كلية جماعية تكسبك تجارة رابحة في الآخرة بعد ان كانت حسنات جزئية فردية.(*)

 

________________________

(*) كليات رسائل النور- الملاحق - أميرداغ 1/259-260

 


65-) لوحة تشير الى حقيقة الدنيا لدى أهل الهداية

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لما زالت الغفلة، أبصرت نور الحق عياناً.

واذا الوجود برهان ذاته، والحياة مرآة الحق..

واذا العقل مفتاح الكنز، والفناء باب البقاء.

وانطفأت لمعة الكمال، واشرقت شمس الجمال..

فصار الزوال عين الوصال، والألم عين اللذة.

والعمر هو العمل نفسه، والأبد عين العمر.

والظلامُ غلاف الضياء، وفي الموت حياة حقة..

وشاهدت الأشياء مؤنسة، والأصوات ذكراً..

فالموجودات كلها ذاكرات مسبحات.

ولقد وجدت الفقر كنز الغنى وابصرت القوة في العجز.

إن وجدت الله فالاشياء كلها لك.

نعم ان كنت عبداً لمالك الملك، فملكه لك..

وان كنت عبداً لنفسك معجباً بها، فابصر بلاءً وعبئاً بلا عدٍّ، وذقها عذاباً بلا حد.

وان كنت عبداً لله حقاً مؤمناً به، فابصر صفاءً بلا حدٍ، وذق ثواباً بلا عد، ونِل سعادة بلا حدٍ.(*)

___________________

(*) كليات رسائل النور - الكلمة السابعة عشرة - اللوحة الثانية  ص: 240 

 

 


66-) امداد القران يزيل الياس

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الاسراء:82)
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

امداد القران يزيل الياس

حينما وطأت قدماي عتبة الشيخوخة، كانت صحتي الجسدية التي ترخي عنان الغفلة وتمدّها قد اعتلّت ايضاً فاتفقت الشيخوخة والمرض معاً على شن الهجوم عليّ، وما زالا يكيلان على راسي الضربات تلو الضربات حتى أذهبا نوم الغفلة عنّي. ولم يكن لي ثمة ما يربطني بالدنيا من مال وبنين وما شابههما، فوجدت ان عصارة عمري الذي اضعته بغفلة الشباب، انما هي آثام وذنوب، فاستغثتُ صائحاً مثلما صاح نيازي المصري:

ذهب العُمر هباءً، لم أفز فيه بشئ

ولقد جئت اسير الدرب، لكنْ

رحل الرّكبُ بعيداً

وبقيتْ

ذلك النائي الغريب

وبكيتْ

همتُ وحدي تائهاً اطوي الطريق

وبعينيّ ينابيع الدموع

وبصدري حرقة الشوق

حار عقلي..!

 

كنت حينها في غربة مضنية، فشعرت بحزن يائس، واسف نادم، وحسرة ملتاعة على ما فات من العمر. صرخت من اعماقي اطلب امداد العون، وضياء الرجاء.. واذا بالقرآن الحكيم المعجز البيان يمدّني، ويسعفني، ويفتح امامي باب رجاء عظيم، ويمنحني نوراً ساطعاً من الامل والرجاء يستطيع ان يزيل اضعاف اضعاف يأسي، ويمكنه ان يبدد تلك الظلمات القاتمة من حولي.

نعم، ايها الشيوخ وايتها العجائز المحترمون، يامَن بدأت اوثاق صلتهم بالانفصام عن الدنيا مثلي! ان الصانع ذا الجلال الذي خلق هذه الدنيا كأكمل مدينة وأنظمها، حتى كأنها قصر منيف، هل يمكن لهذا الخالق الكريم الاّ يتكلم مع احبائه واكرم ضيوفه في هذه المدينة او في هذا القصر؟ وهل يمكن الاّ يقابلهم؟!!

فما دام قد خلق هذا القصر الشامخ بعلم، ونظمه بارادة، وزيّنه باختيار، فلابد انه يتكلم؛ اذ كما ان الباني يعلم، فالعالم يتكلم. وما دام قد جعل هذا القصر دار ضيافة جميلة بهيجة، وهذه المدينة متجراً رائعاً، فلابد ان يكون له كتب وصحف يبين فيها ما يريده منا، ويوضح علاقاته معنا.

ولاشك ان اكمل كتاب من تلك الكتب المقدسة التي انزلها، انما هو القرآن الحكيم المعجز، الذي ثبت اعجازه بأربعين وجهاً من وجوه الاعجاز، والذي يتلى في كل دقيقة بألسنة مائة مليون شخص في الاقل، والذي ينشر النور ويهدي السبيل. والذي في كل حرف من حروفه عشر حسنات، وعشر مثوبات في الاقل، واحياناً عشرة آلاف حسنة، بل ثلاثين ألف حسنة، كما في ليلة القدر. وهكذا يمنح من ثمار الجنة ونور البرزخ ما شاء الله ان يمنح. فهل في الكون اجمع كتاب يناظره في هذا المقام، وهل يمكن ان يدّعي ذلك احد قط؟

فما دام هذا القرآن الكريم الذي بين ايدينا هو كلام رب العالمين، وهو أمره المبلّغ الينا، وهو منبع رحمته التي وسعت كل شئ، وهو صادر من خالق السموات والارض ذي الجلال، من جهة ربوبيته المطلقة، ومن جهة عظمة ألوهيته، ومن جانب رحمته المحيطة الواسعة، فاستمسك به واعتصم، ففيه دواء لكل داء، ونور لكل ظلام، ورجاء لكل يأس..وما مفتاح هذه الخزينة الابدية الاّ الايمان والتسليم، والاستماع اليه، والانقياد له، والاستمتاع بتلاوته.(*)

__________________

(*) اللمعة السادسة والعشرون - ص: 345

 


67-) ازدياد المرض في ازدياد الفلسفة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ازدياد المرض في ازدياد الفلسفة

قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في أزديادِ المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالامراض المعنوية توصِلُ الى علوم عقلية، كما ان العلوم العقلية تولّد امراضاً قلبية.

وكذا شاهدت الدنيا ذات وجهين:

وجه:ظاهرهُ مأنوس في الجملة مؤقتاً، باطنهُ موحشٌ الى مالايحد.

ووجه:ظاهره موحِش في الجملة، وباطنهُ مؤنس الى مالانهاية.

فالقرآن يوجّه الانظار الى الوجه الثاني، الذي يتصل بالآخرة. والوجه الاول الذي يتصل بالعدم ضد الآخرة، وضرّتها ومعكوستها حسنه قبيحها، قبيحه حسنها.

وكذا شاهدتُ ان ما في الممكن من وجه الوجود بالانانية يوصِل الى العدم وينقلبُ اليه، وما فيه من وجه العدم بتركِ الانانية ينظرُ الى الوجود الواجب. فان اَحببتَ الوجودَ فانعدم لِتَجِد الوجود..(*)

______________________

(*) المثنوي العربي النوري - ص: 158


68-) الاقتصاد انسجام مع الحكمة الالهية والاسراف يناقضها

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}(الفرقان:67) 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاقتصاد انسجام مع الحكمة الالهية والاسراف يناقضها.

لقد خلق الفاطر الحكيم جسم الانسان بما يشبه قصراً كامل التقويم وبما يماثل مدينة منتظمة الاجزاء، وجعل حاسة الذوق المغروزة في فمه كالبّواب الحارس، والاعصاب والاوعية بمثابة اسلاك هاتف وتلغراف (تتم خلالها دورة المخابرة الحساسة بين القوة الذائقة والمعدة التي هي في مركز كيان الانسان) بحيث تقوم حاسة الذوق تلك إبلاغ ما حلّ في الفم من المواد، وتحجز عن البدن والمعدة الاشياء الضارة التي لاحاجة للجسم لها قائلة: "ممنوع الدخول" نابذةً اياها، بل لاتلبث أن تدفع وتبصق باستهجان في وجه كل ما هو غير نافع للبدن فضلاً عن ضرره ومرارته.

ولما كانت القوة الذائقة في الفم تؤدي دور الحارس. وان المعدة هي سيدة الجسد وحاكمته من حيث الادارة، فلو بلغت قيمة هديةٍ تُقدَّم الى حاكم القصر مائة درجة فان خمساً منها فقط يجوز أن يعطى هبةً للحارس لا اكثر، كيلا يختال الحارس وينسى وظيفته ويقحم في القصر كل مخلّ عابث يرشوه قرشاً اكثر.

وهكذا، بناءً على هذا السرّ، نفترض الآن امامنا لقمتان، لقمة منها من مادة مغذّية -كالجبن والبيض مثلاً - يُقدّر ثمنها بقرش واحد، واللقمة الاخرى حلوى من نوع فاخر يُقدّر ثمنها بعشرة قروش، فهاتان اللقمتان متساويتان قبل دخولهما الفم ولا فرق بينهما، وهما متساويتان كذلك من حيث إنماء الجسم وتغذيته بعد دخولهما الفم ونزولهما عبر البلعوم. بل قد يغذّي الجبن - الذي هو بقرش واحد - تغذية افضل وتنمية أقوى من اللقمة الاخرى. اذن ليس هناك من فرق الاّ ملاطفة القوة الذائقة في الفم التي لاتستغرق سوى نصف دقيقة. فليقدر إذن مدى ضرر الاسراف ويوازن مدى التفاهة في صرف عشرة قروش بدلاً عن قرش واحد في سبيل الحصول على لذة تستغرق نصف دقيقة!

وهكذا فان اثابة الحارس تسعة اضعاف ما يُقدّم الى حاكم القصر من هدايا تُفضي به لا محالة الى الغرور والجشع وتدفعه بالتالى الى القول: انما انا الحاكم. فمن كافأه بهبة اكثر ولذة أزيد دفعه الى الداخل، مسبّباً إخلال النظام القائم هناك، مضرماً فيه ناراً مستعرة وملزماً صاحبه الاستغاثة صارخاً: هيّا اسرعوا الىّ بالطبيب حالاً ليخفف شدة حرارتي ويطفئ لظى نارها.

فالاقتصاد والقناعة منسجمان انسجاماً تاماً مع الحكمة الإلهية، اذ يتعاملان مع القوة الذائقة معاملة الحارس، ويقفانها عند حدّها ويكافئانها حسب تلك الوظيفة. اما الاسراف فلأنه يسلك سلوكاً مخالفاً لتلك الحكمة، فسرعان ما يتلقّى المسرف صفعات موجِعة، اذ تحدث الاختلاطات المؤلمة في المعدة التي تؤدي الى فقدان الشهية الحقيقية نحو الاكل، فيأكل بشهية كاذبة مصطنعة بتنويع الاطعمة مما يسبب عسراً في الهضم. (*)

 

_______________________

(*) اللمعة التاسعة عشرة - ص: 212

 


69-) الاسباب مرايا لتصرف القدرة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاسباب مرايا لتصرف القدرة

ان النظر الى ما سواه تعالى، لابد ان يكون بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وان النظر الى الكائنات بالمعنى الاسمي اي بحساب الاسباب خطأ. ففي كل شئ وجهان: وجهٌ الى الحق، ووجه الى الكون. فالتوجه الى الوجه الكوني لابد ان يكون حرفياً وعنواناً للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته اليه تعالى. مثلا: لابد أن يُرى النعمةُ مرآةً للانعام، والوسائطُ والاسبابُ مرايا لتصرف القدرة..

وكذا، ان النظر، والنيّة يغيرّان ماهيات الاشياء، فيقلبان السيئات حسناتٍ. كما يقلب الاكسيرُ الترابَ ذهباً، كذلك تقلب النيةُ الحركات العادية عباداتٍ. والنظر يقلب علومَ الاكوان معارفَ إلهية.. فان نُظر بحساب الاسباب والوسائط فجهالات، وان نُظر بحساب الله فمعارف إلهية..(*)

__________________

(*) المثنوي العربي النوري  ص 105


70-) اتخذ الصانع ماهية كل نوع من الموجودات مقياساً

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد ذكرنا في خواتيم الكلمة السادسة والعشرين: ان صنّاعاً ماهراً، يكلف رجلاً فقيراً لقاء اجرة يستحقها ، ليقوم له بدور النموذج " الموديل " ليخيط لباساً راقياً، فاخراً في اجمل زينة واكثرها بهاءً، اظهاراً لمهارته وصنعته. لذا يفصّل على ذلك الرجل اللباس ويقصه ويقصره ويطوله، ويقعد الرجل وينهضه، ويجعله في اوضاع مختلفة.. فهل يحق لهذا الرجل الفقير ان يقول للصنّاع: لِمَ تبدل هذا اللباس الذي يجمّلني؟ ولِمَ تغيره؟ فتقعدني تارة وتنهضني اخرى فتفسد راحتي؟!

وكذلك الصانع الجليل (وله المثل الاعلى) قد اتخذ ماهية كلِ نوع من الموجودات مقياساً ونموذجاً "موديل"فألبس كل شئ لباساً مرصعاً بالحواس، ونقش عليه نقوشاً بقلم قضائه وقدره، واظهر جلوات اسمائه الحسنى، ابرازاً لكمال صنعته بنقوش اسمائه. فضلاً عن انه سبحانه يمنح كل موجود ايضاً كمالاً ولذة وفيضاً بمثابة اجرة ملائمة له.

فهل يحق لشئ ان يخاطب ذلك الصانع الجليل الذي هو مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء ويقول:" انك تتعبني وتفسد عليّ راحتي "؟ حاش للّه وكلا!

انه ليس للموجودات حق باية جهة كانت ازاء واجب الوجود، وليس لها ان تدّعي باي حقٍ مهما كان، بل حقها القيام بالشكر الدائم والحمد الدائم، اداءً لحق مراتب الوجود التي منحها اياها.لأن جميع مراتب الوجود الممنوحة للموجود انما هي وقوعات تحتاج الى علّة. بينما مراتب الوجود التي لم تمنح هي امكانات، والامكانات عدمٌ، وهي لاتتناهى، والعدم لايحتاج الى علة، فما لانهاية له لاعلة له.

مثل:لايحق للمعادن ان تشكو قائلة: لِمَ لم نصبح نباتاتٍ؟ بل حقها أن تشكر فاطرها الجليل على ما انعم عليها من نعمة الوجود كمعادن.

وكذا النبات ليس له حق الشكوى، فليس له أن يقول: لِمَ لم اصبح حيواناً؟ بل حقه الشكر للّه الذي وهب له الوجود والحياة معاً . وكذا الحيوان ليس له حق

الشكوى ويقول: لِمَ لم اكن انساناً؟ بل عليه حق الشكر لما أنعم الله عليه من الوجود، والحياة وجوهر الروح الراقي.. وهكذا فقس.

ايها الانسان الشاكي!انك لم تبق معدوماً، بل لبست نعمة الوجود. وذقت طعم الحياة. ولم تبق جماداً ولم تصبح حيواناً، فقد وجدت نعمة الاسلام، ولم تبق في غياهب الضلال، وتنعمت بنعمة الصحة والأمان.. وهكذا..

ايها الغارق في الكفران! أفبعد هذا تدعّي حقاً لك على ربك، انك لم تشكر ربك بعدُ على ما أنعم عليك من مراتب الوجود التي هي نعم خالصة. بل تشكو منه جل وعلا لما لم ينعم عليك من نعم غالية من انواع الامكانات وانواع العدم ومما لاتقدر عليه ولاتستحقه ،فتشكو بحرص باطل وتكفر بنعمه سبحانه.

ترى لو أن رجلاً أُصعد على قمة منارة عالية ذات درجات وتسلَّم في كل درجة منها هدية ثمينة ثم وجد نفسه في قمة المنارة، في مكان رفيع، أيحق له أن لايشكر صاحب تلك النعم ويبكي ويتأفف ويتحسر قائلاً: لِمَ لم اقدر على صعود ما هو أعلى من هذه المنارة..

ترى كم يكون عمله هذا باطلاً لو تصرف هكذا وكم يسقط في هاوية كفران النعمة! وكم هو في ضلالة مقيتة!. حتى البلهاء يدركون هذا.

ايها الانسان الحريص غير القانع! ويا ايها المسرف غير المقتصد! ويا ايها الشاكي بغير حق! ايها الغافل!

اعلم يقيناً: ان القناعة شكران رابح، بينما الحرص كفران خاسر، والاقتصاد توقير للنعمة جميل ونافع، بينما الاسراف استخفاف بالنعمة مضرّ ومشين.

فان كنت راشداً، عوّد نفسك على القناعة وحاول بلوغ الرضى. وان لم تطق ذلك فقل: ياصبور! وتجمّل بالصبر.وارض بحقك ولاتشكُ. واعلم ممن وإلى مَن تشكو! ألزم الصمت. واذا اردت الشكوى لامحالة فاشكُ نفسك الى الله، فان القصور منها.(*)

______________________

(*) كليات رسائل النور- المكتوب الرابع والعشرون - ص: 368

 


71-) تأمل بالعربية

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بينما كنت متأملاً ومستغرقاً في تفكر يخص الأحدية، نظرت إلى ثمرات شجرة الدلب القريبة من غرفتي، فخطر إلى القلب تفكر متسلسل بعبارات عربية، فكتبتُه كما ورد بالعربية وسأذكر توضيحاً مختصراً له.

فالبذورُ والاثمارُ، والحبوبُ والازهارُ معجزاتُ الحكمة.. خوارقُ الصنعة.. هدايا الرحمة.. براهينُ الوحدة.. شواهدُ لطفِه في دار الآخرة.. شواهدُ صادقة بان خلاّقها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. قد وَسِع كل شيء بالرحمة والعلم والخلق والتدبير والصنع والتصوير. فالشمسُ كالبذرة، والنجمُ كالزهرة، والأرض كالحبة، لا تثقل عليه بالخلق والتدبير، والصنُع والتصوير. فالبذور والأثمار مرايا الوحدة في أقطار الكثرة، اشاراتُ القَدَر، رموزاتُ القُدْرَة بان تلك الكثرة من منبع الوحدة، تصدُرُ شاهدةً لوحدِة الفاطر في الصنع والتصوير. ثم إلى الوحدة تنتهي ذاكرةً لِحكمة الصانعِ في الخلق والتدبير.. وتلويحات الحكمة بأن خالق الكل -بكُلِّية النَظَر إلى الجزئي- ينظُرُ ثَمَّ إلى جزئه، إذ إن كان ثمراً فهو المقصود الأظهرُ مِن خلق هذا الشجر..

فالبشر ثمرٌ لهذه الكائنات، فهو المقصود الأظهر لخالق الموجودات. والقلبُ كالنواة، فهو المرآة الأنور، لصانع المخلوقات من هذه الحكمة.

فالإنسان الأصغرُ في هذه الكائنات هو المدار الأظهرُ للنشر والمحشر في هذه الموجودات، والتخريبِ والتبديلِ والتحويلِ والتجديد لهذه الكائنات.

ومبدأ هذه الفقرة العربية هو:

فسبحان مَن جعل حديقةَ أرضِه مَشْهَر صَنعتِه، مَحْشَرَ فِطرتَه، مَظْهَر قُدرته، مَدار حِكمته، مَزْهَر رحمته، مَزْرَع جنته، ممرَّ المخلوقات، مَسيلَ الموجودات، مَكيلَ المصنوعات.

فمُزَيَّنُ الحيواناتِ، مُنَقّشُ الطيورات، مثمَّرُ الشجرات، مزهَّرُ النباتات؛ معجزاتُ عِلمه، خوارقُ صُنعه، هدايا جُودِه، براهينُ لطفه.

تبسُّمُ الازهارِ من زينةِ الأثمار، تسجُّعُ الأطيار في نَسمةِ الأسحار، تهزُّجُ الأمطارِ على خدودِ الأزهار، ترحُّمُ الوالدات على الأطفال الصغارِ.. تعرُّفُ ودودٍ، تودّد رحمن، ترحُّم حنّان، تحنن منّان، للجن والإنسان، والروح والحيوان والملك والجان.(1)(*)

____________________________

(1) الكلمات/732

(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص :232


72-) وجوه الدنيا والاشياء


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
ان للدنيا وللاشياء ثلاثة وجوه:
الوجه الاول: 
ينظر الى الاسماء الإلهية الحسنى، فهو مرآة لها، ولايمكن أن يعرض الزوال والفراق على هذا الوجه، بل فيه التجدد.
الوجه الثاني: 
ينظر الى الآخرة، ويرنو الى عالم البقاء، وهو في حكم مزرعتها. ففي هذا الوجه تنضج ثمرات باقيات. فهذا الوجه يخدم البقاء، لأنه يحوّل الفانيات الى حكم الباقيات، وفيه جلوات الحياة والبقاء لا الموت والزوال.
الوجه الثالث: 
ينظر الى الفانين، اي ينظر الينا نحن، فهو وجه يعشقه الفانون واهل الهوى، وهو موضع تجارة اهل الشعور، وميدان امتحان الموظفين المأمورين. وهكذا ففي حقيقة هذا الوجه الثالث جلوات اللقاء والحياة تكون مرهماً على جراحات آلام الفناء والزوال والموت والعدم في هذا الوجه للدنيا.
حاصل الكلام:
ان هذه الموجودات السيالة، وهذه المخلوقات السيارة، ما هي الاّ مرايا متحركة، ومظاهر متبدلة لتجديد انوار ايجاد الواجب الوجود .(*)
_____________
(*) كليات رسائل النور - المكتوب الرابع والعشرون - ص:375

 


73-) انه لا يُسأل عما يفعل

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلم!(1)انه لايُسأل عما يفعلْ. فلا حقّ لشئ ولا لعلمٍ ولحكمةٍ اَن يَسأل عنه؛ اذ يتصرف في مُلكه كيف يشاء وهو عليم حكيم. يعلم ما لا نعلم. فعدم علمنا بحكمةِ شئ لا يدلّ على عدمها. اذ شهود الحكمة في الأكثر المطلق شاهدٌ على وجود حكمة مستورة عنا هنا أيضاً.

مثل:نتألّم من موت ذوي الحياة.. ولا نرى حسناً في قِصَر عُمر بعض الحيوانات اللطيفة..ولانفهم وجه الرحمة في انقراض بعض المصنوعات الحيويّة الطالبة للحياة في أمثال الشتاء.. والحال ان هذا التألم والاعتراض المعنوي انّما ينشأ من جهلنا بحقيقة الحال، اِذ ما من ذي حياة الاّ وهو كَنَفرٍ موظفٍ وعبدٍ مأمورٍ بإيفاء وظائف تكاليف الحياة، الكاتبة تلك الوظائف تسبيحات وتحميداتٍ بحساب خالق الموت والحياة وبإسمه. وحقوق الحياة وغاياتها عائدة اليه سبحانه، يكفي لشهوده آنٌ، بل تكفي النيّةُ الحالية بالقوة، كما في نيّة النواتات والبذور. فما الموت الاّ ترخيص وتحرير واِذنٌ وترويجٌ ودعوةُ حضور، كما قال {ثم الى ربهم يُحشرون}( الانعام: 38) على ان من كمال رحمته ان لايُبقي ذوي الحياة في أرذل العمر، وأن لا يديمهم في شدائد العمر في الشرائط المزعجة، كترخيص عشاق الأزاهير وسفرائها والمتلذذين بالخضراوات وامرائها من الوظيفة التي صارت كُلفة بعد ما كانت لذة، فاستعملهم صانعُهم واستخدمهم سيّدُهم في مدة شوقهم مع موافقة شرائط الحياة وسهولة حمل تكاليف الحياة.فاذ تعبّس في وجوههم شرائط الحياة بامثال الشيب والشتاء واستيلاء سلطنتها بتحولات الشؤون وانطفاء شوقهم، أمدَّهُم رحمةُ الرحمن بالإذن والترخيص. الى ان يُرسل امثالهم فينسجون على منوالهم فيسبّحون مولاهم.. يبتدؤن في أعمالهم من حيث انتهت أعمال أسلافهم..

فيا أيّها الغافل المتفرعن الزاعم انّك مالكٌ نفسك وحياتك والمتوهم ان سعادتك في بقاء حياتك بالراحة! أخطأتَ وخَلَطتَ وغلطتَ وعصيتَ وَقِسْتَ الحيوان الممنون المأمور والمتمِثل المسرور على نفسك الناسية لمالكها، فتراءت لكَ وَلْوَلَةُ جلوات الرحمة العامة في الشؤون "واويلاه" نعيات المأتم العمومي، فلا تتألم لهم حتى يكون

"التألم" شفقة ممدوحة، بل "تألم" لنفسك المفروضة في موقعهم، الفانية بطريق القياس فيهم.

واما تسليط (2) بعض الحيوانات على بعضٍ فلحمل الضّعفاء على الحزم والتيقظ والجوالية والخفّة واستعمال جهازاتها اللطيفة واخراج استعداداتها من القوة الى الفعل وغير ذلك.

فوازن بين الأهلية والوحشية كَيْ ترى هذه الحكمة ظاهرةً باهرةً. (*)

__________________

(1) الكلمة السابعة عشرة توضح مسألة وجه الرحمة في الموت والانقراض الذي يعترى الموجودات.

(2) النقطة الثانية من الكلمة الثامنة عشرة تشرح الحكمة في هذا.

(*)كليات رسائل النور - المثنوي العربي النوري - ص: 450

 

 

 

 

 


74-) شهادة الفطرة صادقة لا كذبَ في الفطرة

{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( 30 )

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 
شهادة الفطرة صادقة

لا كذبَ في الفطرة، فما تقوله صدق؛ فميلان النمو الكامن في النواة يقول: سأنمو وأثمر.والواقع يصدّقه.
في داخل البيضة، يقول ميلان الحياة، في تلك الاعماق: سأكون فرخاً .. ويكون باذن الله فعلاً، ويُصدّق كلامه.
واذا نوت غرفة من ماء داخل كرة من حديد الانجماد، فان ميلان انبساطها اثناء البرودة يقول: توسَّع ايها الحديد، أنا محتاج الى مكان اوسع. فيحاول الحديد الصلب الاّ يكذّبه، بل ما فيه من اخلاص وصدق الجنان يفتّت ذلك الحديد.
كلٌ ميلٍ من هذه الميول، أمرٌ تكويني، حكمٌ إلهي، شريعة فطرية، تجلٍّ للإرادة الإلهية في ادارة الاكوان.
فكلُ ميل، وكل امتثال، انقيادٌ لأمر إلهي تكويني.
فالتجلي في الوجدان جلوة كهذه، بحيث أن الانجذاب والجذبة صافيان كالمرآة المجلوة، ينعكس فيهما نور الايمان وتجلّي الجمال الخالد.(*)
____________________
(*) الكلمات - اللوامع - ص: 843

 


75-) ارقى وظائف القوة الذائقة

 

﴿وكلوا واشربُوا وَلا تُسرِفُوا﴾(الاعراف:31)

(هذه الآية الكريمة تلقن درساً في غاية الاهمية وترشد

إرشاداً حكيماً بليغاً بصيغة الأمر الى الاقتصاد، ونهي

صريح عن الاسراف. ومن نكاتها).

 

ان القوة الذائقة تؤدي دور الحارس. نعم، هي كذلك عند الغافلين الذين لم يَسموا بعدُ روحياً والذين لم يتقدموا في مضمار الشكر والعروج في مدارجه، نعم إنه لا ينبغي اللجوء الى الاسراف – كصرف عشرة أضعاف الثمن، لأجل تلذذ تلك الحاسة الحارسة. ولكن القوة الذائقة لدى الشاكرين حقاً ولدى اهل الحقيقة واهل القلوب واولى الابصار بمثابة راصدة وناظرة مفتشة لمطابخ الرحمة الإلهية (كما وضح ذلك في المقارنة المعقودة في الكلمة السادسة). وان ما يتم في تلك القوة الذائقة من عملية تقدير قيمة النعم الاَلهية ومن التعرف عليها بأنواعها المختلفة بما فيها من موازين دقيقة حساسة عديدة بعدد الاطعمة، انما هو لإبلاغ الجسد والمعدة، بما ينم عن شكر معنوي.

فلا تقتصر وظيفة القوة الذائقة على رعاية الجسد رعاية مادية وحدها، بل هي ايضاً أرقى حكماً من وظيفة المعدة وأرفع منزلة منها، لما لها من رعاية للقلب والروح والعقل ومن عناية لكل منها، علماً أنها تستطيع ان تمضي في سبيل الحصول على لذتها – بشرط عدم الاسراف – انجازاً لمهمة الشكر الخالص المقدرة لها، وبنية التعرف والاطلاع على انواع النعم الإلهية بتذوقها والشعور بها بشرط مشروعيتها وعدم كونها وسيلة للتذلل والاستجداء، أي اننا نستطيع ان نستعمل ذلك اللسان الحامل للقوة الذائقة في الشكر لاجل التفضيل بين الاطعمة اللذيذة.

واليكم هذه الحادثة اشارة الى هذه الحقيقة، وهي كرامة من كرامات الشيخ الكيلاني (قُدس سره): كان لعجوز رقيقة لطيفة ابنٌ وحيد يتربى على يد الشيخ، دخلت تلك العجوز الموقرة ذات يوم على ابنها ورأت انه يأكل من كسرة خبز يابس أسمر مزاولاً رياضة روحية حتى ضعف ونحل جسمه. أثارت هذه الحالة شفقة والدته الرؤوم ورقت لحالة فذهبت لتشتكيه الى الشيخ الكيلاني واذا بها ترى الشيخ يأكل دجاجاً مشوياً. ولشدة رقتها ولطافتها قالت: ايها الشيخ ان ابني يكاد يموت جوعاً وها انت ذا تأكل الدجاج؟! فخاطب الشيخ الدجاج قائلاً: (قم باذن الله) فوثب ذلك الدجاج المطبوخ الى خارج الوعاء بعد ان اكتمل دجاجاً حياً بالتئام عظامه. لقد نقل هذا الخبر بالتواتر المعنوي ثقاتٍ كثيرون(1) اظهاراً لكرامة واحدة من صاحب الكرامات المشهورة في العالم، الشيخ الكيلاني قُدس سرّه. ومما قاله الشيخ لتلك العجوز: متى ما بلغ إبنك هذه الدرجة.. فليأكل الدجاج هو الآخر.

فمغزى هذا الامر الصادر من الشيخ الكيلاني هو: متى حَكمت روحُ ابنك جَسَدَهُ وهيمن قلبُه على نفسه، وسادَ عقله معدته، والتمس اللذةَ لاجل الشكر.. عندئذ يمكنه أن يتناول ما لذّ وطاب من الاطعمة. (*)

_______________________

(1) وقال اليافعي رضي الله عنه: صح بالسند المتصل الى الشيخ القطب عبدالقادر الجيلاني رحمة الله تعالى: أن أم شاب عنده دخلت عليه وهو يأكل في دجاجة، فأنكرت أكله الدجاجة وإطعامه ابنها أرذل الطعام، فقال لها: اذا صار ابنك بحيث يقول لمثل هذه الدجاجة قومي بأذن الله فقامت ولها اجنحة وطارت بها حق له ان يأكل الدجاج. (الفتاوى الحديثية لابن

(*) كليات رسائل النور- اللمعة التاسعة عشر..ص:213


76-) الشعور الذي ينجز الخدمات


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

سأبين لكم دستوراً في الاخوة عليكم الأخذ به بجد.
ان الحياة نتيجة الوحدة والإتحاد، فاذا ذهب الإتحاد المندمج الممتزج، فالحياة المعنوية تذهب ايضاً أدراج الرياح. فالآية الكريمة: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾(الأنفال:46) تشير إلى ان التساند والترابط إذا اختل تفقد الجماعة مذاقها.
إنكم تعلمون ان ثلاث ألفات إذا كتبت منفردة متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة واحد عشر. فان بضع أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال فان قوتهم تكون بقوة ثلاثة او أربعة أشخاص، بينما إذا ما عملوا متساندين باخوة حقيقية، مفتخراً كل منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الاخوة ان يكون أحدهم هو الآخر بنفسه، اقول: انهم إذا ما عملوا هكذا فان قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.
إنكم يا إخوتي بمثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء إلى بلد عظيم وليس إلى اسپارطة وحدها، فدواليب الماكينة مضطرة إلى التعاون فيما بينها. فإن كلاً من تلك الدواليب -ناهيك عن الغيرة والاستياء- تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكها الدواليب الأخرى حيث انها تخفف عنه عبء الوظيفة.
ان الذين يحملون على أكتافهم أعباء خدمة الإيمان والقرآن والتي هي بمثابة خزينة الحق والحقيقة العظيمة الرفيعة يفتخرون كلما انضم إليهم أكتاف قوية متعاونةً معهم، فيشكرون ربهم.
حذار حذار من فتح باب النقد فيما بينكم. ان ما يستحق النقد خارج الصف كثير بل كثير جداً. فكما أنني افتخر بمزاياكم، وأجد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حرمت منها، واعدّها كأنها عندي وأنا المالك لها، فأنتم كذلك عليكم النظر إلى مزايا إخوانكم على هذا النمط. فليكن كل منكم ناشراً لفضائل الآخرين.
ولما كنت أرى ان الشعور الأخوي الخالص الذي أبداه أخونا (الحافظ علي)( 1) تجاه أحد إخواننا الذي سيكون منافساً له في الاستنساخ اليدوي جدير بأن تطلعوا عليه، أذكره لكم وهو الآتي:
جاءني (الحافظ علي) وقلت له : ان خط الأخ (فلان) أجود من خطه وانه اكثر منه عملاً ونشاطاً. واذا بي أجد ان الحافظ علي يفتخر بإخلاص ومن الصميم بتفوق الآخر عليه، بل إلتذ بذلك وانشرح، وذلك لان الآخر قد استطاع جلب محبة أستاذه وثنائه عليه. راقبت قلبه أمعنت فيه بدقة، وعلمت انه ليس تصنعاً قط. بل شعرت انه شعور خالص. فشكرت الله تعالى على ان في إخواننا من يحمل هذا الشعور السامي، وسينجز هذا الشعور بأذن الله كثيراً جداً من الخدمات. والحمد لله فان ذلك الشعور الأخوي قد سرى تدريجياً في صفوف إخواننا في هذه المنطقة.(2)(*)
_______________________
(1) هو من اوائل الذين تتلمذوا على يد الأستاذ النورسي، كان دؤوباً في الاستنساخ، لما انعم الله عليه من جودة الخط ومن علو الهمة، يرد اسمه كثيراً في الرسائل، استشهد في سجن (دنيزلي) سنة 1944 من أثر التسمم عن (46) سنة من العمر رحمه الله رحمة واسعة.
(2) الملاحق - بارلا/58
(*) كليات رسائل النور – سيرة ذاتية  ص:248


77-)  الاجرة داخلة في العمل

بسم الله الرحمن الرحيم

{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97]


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اللذة والسعادة في العمل، و الألم والشقاء في الكسل

 الاجرة داخلة في العمل

يامَن لايدرك مدى اللذة والسعادة في السعي والعمل.. ايها الكسلان! اعلم، ان الحق تبارك وتعالى قد ادرج لكمال كرمه جزاءَ الخدمة في الخدمة نفسها، وادمج ثوابَ العمل في العمل نفسه.

ولأجل هذا كانت الموجودات قاطبة بما فيها الجمادات - من زاوية نظر معينة - تمتثل الأوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة، عند ادائها لوظائفها الخاصة بها والتي تطلق عليها "الاوامر التكوينية". فكل شئ ابتداءً من النحل والنمل والطير.. وإنتهاء الى الشمس والقمر، كلٌّ منها يسعى بلذة تامة في اداء مهماتها. أي: اللذة كامنة في ثنايا وظائف الموجودات، حيث انها تقوم بها على وجه من الاتقان التام، برغم أنها لا تعقل ما تفعل ولا تدرك نتائج ما تعمل.

*فان قلت: ان وجود اللذة في الاحياء ممكنٌ، ولكن كيف يكون الشوقُ واللذة ُ موجودين في الجمادات؟

فالجواب:ان الجمادات تطلب شَرَفاً ومقاماً وكمالاً وجمالاً وانتظاماً، بل تبحث عن كل ذلك وتفتش عنه لأجل إظهار الاسماء الإلهية المتجلية فيها، لا لذاتها، لذا فهي تتنور وتترقى وتعلو اثناء إمتثالها تلك الوظيفة الفطرية، حيث أنها تكون بمثابة مرايا ومعاكس لتجليات اسماء"نور الانوار".

فمثل:قطرةٌ من الماء - وقطعة من الزجاج - رغم أنها تافهةٌ وقاتمة في ذاتها، فإذا ما توجهت بقلبها الصافي الى الشمس، تتحول الى نوع من عرشٍ لتلك الشمس، فتلقاك بوجه مضئ!

وكذلك الذرات والموجودات - على غرار هذا المثال - من حيث قيامها بوظيفة مرايا عاكسة لتجليات الاسماء الحسنى لذي الجلال والجمال والكمال المطلق، فانها تسمو وتعلو الى مرتبة من الظهور والجلاء والتنوّر هي غاية في العلو والسمو، إذ ترتفع تلك القطرة وتلك القطعة من حضيض الخمود والظلمة الى ذروة الظهور والتنور. لذا يمكن القول: بأن الموجودات تقوم باداء وظائفها في غاية اللذة والمتعة ما دامت تكتسب بها مرتبة نورانية سامية، واللذة ممكنة ان كانت للموجود حصة من الحياة العامة. وأظهر دليل على ان اللذة كامنة في ثنايا الوظيفة نفسها هو ما يأتي:

تأمل في وظائف اعضائك وحواسّك، ترَ أن كلاً منها يجد لذائذ متنوعة اثناء قيامه بمهامه -في سبيل بقاء الشخص او النوع - فالخدمة نفسها، والوظيفة ُعينها تكون بمثابة ضربٍ من التلذذ والمتعة بالنسبة لها، بل يكون ترك الوظيفة والعمل عذاباً مؤلماً لذلك العضو.

وهناك دليل ظاهر آخر هو: ان الديك - مثلاً - يؤثر الدجاجات على نفسه، فيترك ما يلتقطه من حبوب رزقه إليهن دون ان يأكل منها. ويُشاهد انه يقوم بهذه المهمة وهو في غاية الشوق وعزّ الافتخار وذروة اللذة.. فهناك إذن لذةٌ في تلك الخدمة اعظم من لذة الاكل نفسه. وكذا الحال مع الدجاجة - الراعية لأفراخها - فهي تُؤْثرها على نفسها، إذ تدع نفسَها جائعةً في سبيل اشباع الصغار، بل تضحي بنفسها في سبيل الافراخ، فتهاجم الكلب المُغير عليها لأجل الحفاظ على الصغار.

ففي الخدمة اذن لذة تفوق كل شئ، حتى انها تفوق مرارة الجوع وترجّح على ألم الموت.فالوالدات من الحيوانات تجد منتهى اللذة في حمايتها لصغارها طالما هي صغيرة. ولكن ما إن يكبر الصغير حتى تنتهي مهمة الأم فتذهب اللذة ايضاً. وتبدأ الأم بضرب الذي كانت ترعاه، بل تأخذ الحَب منه.. هذه السّنة الإلهية جارية ٌفي الحيوانات الاّ في الانسان إذ تستمر مهمة الام نوعاً ما، لأن شيئاً من الطفولة يظل في الانسان حيث الضعف والعجز يلازمانه طوال حياته، فهو بحاجة الى الشفقة والرأفة كل حين.

وهكذا، تأمل في جميع الذكور من الحيوانات كالديك، وجميع الوالدات منها كالدجاج، وافهم كيف انها لا تقوم بتلك الوظيفة ولا تنجز اي شئ لأجل نفسها ولالكمالها بالذات حيث تفدي نفسها اذا احتاج الامر. بل انها تقوم بتلك المهمة في سبيل المُنعم الكريم الذي انعم عليها، وفي سبيل الفاطر الجليل الذي وظّفها في تلك الوظيفة فأدرج برحمته الواسعة لذةً ضمن وظيفتها، ومتعةً ضمن خدمتها.

وهناك دليل آخر على ان الاجرة داخلةٌ في العمل نفسه وهو ان النباتات والاشجار تمتثل اوامر فاطرها الجليل بما يُشعر ان فيها شوقاً ولذة، لأن ما تنشره من روائح طيبة، وما تتزين به من زينة فاخرة تستهوي الانظار، وما تقدمه من تضحيات وفداء حتى الرَمَق الاخير لأجل سنابلها وثمارها.. كل ذلك يعلن لأهل الفطنة:

ان النباتات تجد لذةً فائقة في إمتثالها الاوامر بما يفوق اية لذة اخرى، حتى انها تمحو نفسها وتهلكها لأجل تلك اللذة.. ألا ترى شجرة جوز الهند، وشجرة التين كيف تُطعم ثمرتها لبناً خالصاً تطلبه من خزينة الرحمة الإلهية بلسان حالها وتتسلمه منها وتظل هي لا تُطعم نفسها غير الطين. وشجرة الرمان تسقي ثمرتها شراباً صافياً، وَهبَها لها ربُّها، وهي ترضى قانعةً بشراب ماءٍ عكر. حتى انك ترى ذلك في الحبوب كذلك، فهي تُظهر شوقاً هائلاً للتسنبل، بمثل اشتياق السجين الى رحب الحياة.

ومن هذا السرّ الجاري في الكائنات المسمى ب"سُنّة الله" ومن هذا الدستور العظيم، يكون العاطل الكسلان الطريح على فراش الراحة أشقى حالاً وأضيق صدراً من الساعي المجدّ، ذلك لأن العاطل يكون شاكياً من عمره، يريد ان يمضي بسرعة في اللهو والمرح. بينما الساعي المجدّ شاكرٌ لله وحامدٌ له، لايريد ان يمضي عمرَه سدىً. لذا اصبح دستوراً عاماً في الحياة: "المستريح العاطل شاكٍ من عمره والساعي المجدّ شاكرٌ". وذهب مثلاً: "الراحةُ مندمجة في الزحمة والزحمة مندمجة في الراحة".

نعم اذا ما أُمعن النظر في الجمادات فان السنة الإلهية المذكورة تظهر بوضوح؛ فالجمادات التي لم تتكشف استعداداتُها وباتت ناقصةً من هذه الناحية، تراها تسعى بشدة، وتبذل جهداً عظيماً لكي تنبسط وتنتقل من طور "القوة" الكامنة الى طور "الفعل". وعندها يشاهد عليها ما يشير الى أن في تلك الوظيفة الفطرية شوقاً، وفي ذلك التحول لذةً، جرياً بدستور سنّة الله، فان كانت لذلك الجامد حصة في الحياة العامة، فالشوق يعود اليه، والاّ فهو يعود الى الذي يمثل ذلك الجامد ويشرف عليه، بل يمكن أن يقال بناء على هذا السر: ان الماء اللطيف الرقراق ما ان يتسلم امراً بالانجماد، حتى يمتثل ذلك الامر بشدة وشوق الى حدّ انه يكسر الحديد ويحطّمه.فاذن عندما تبلّغ البرودة ُودرجاتُ الانجماد أمراً ربانياً بالتوسع، الى الماء الموجود داخل كرة حديدٍ مقفلة، فان الماء يمتثل الامر بشدة وشوق بحيث يحطّم كرة الحديد تلك، وينجمد.

وعلى هذا فقس جميع ما في الكون من سعي وحركة، ابتداءً من دوران الشموس في افلاكها وانتهاءً الى دوران الذرات - كالمولوي العاشق - ودوراتها واهتزازاتها.. فلا تجد أحداً الاّ ويجري على قانون القَدَر الإلهي، ويظهر الى الوجود بالامر التكويني الصادر من يد القدرة الإلهية والمتضمن العلم الإلهي وأمره وارادته.. حتى ان كل ذرة، وكل موجود، وكل ذي حياة، انما هو كالجندي في الجيش، له علاقات متباينة ووظائف مختلفة، وارتباطات متنوعة مع كل دائرة من دوائره. فالذرة الموجودة في عينيك -مثلاً - لها علاقة مع خلايا العين، ومع اعصاب العين في الوجه، ومع الشرايين والاوردة في الجسم، وعلى اساس هذه العلاقات والروابط تُعَيَّنُ لها وظيفة، وعلى ضوئها تنتج فوائد ومصالح وهكذا..

فقس على هذا المنوال كل شئ في الوجود.(*)

 

___________________

(*) كليات رسائل النور - اللمعة السابعة عشرة - ص:(188)

 

 


78-) أغلقتُ منافذ النفس

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اخوتي الأوفياء الصادقين!

جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ. الاّ أنني لم أفاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلاً في شؤون الأمراض التي المّت بي رغم ان الآلام كانت تعصرني وأنا في أمسّ الحاجة إليهم. فلما رأوني لا أدير الحديث حول المرض قطعاً، اعتراهم قلق واضطراب. لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة. وها أنذا أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضاً.

قلت لهم: ان أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسوء، ينقبان معاً -بإيحاء من الشيطان- عن طبع ضعيف عندي وعرق واهٍ في خلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخلّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة ويعرقلوا نشر الأنوار.

حقاً! ان أضعف جانب عند الإنسان، واخطر مانع للعمل، إنما هو المرض، لانه إذا اهتم المريض بمرضه كثيراً اشتدت أحاسيس الجسد عليه وسيطرت حتى يجد نفسه مضطراً.. فتُسكت الروحَ والقلب عندئدٍ وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجؤه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته.

وهذا هو الذي يخلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.

ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة الاّ انهم لم ينالوا شيئاً من هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشئ من أحكامهم حتى باعداماتهم.

ثم ان هناك خُلقاً ضعيفاً وعرقاً واهياً لدى الإنسان، وهما الاهتمام بهموم العيش والطمع، فقد بحثوا عنهما كثيراً للاستفادة منهما، ولكن لم يجنوا شيئاً بفضل الله من ذلك الجانب الضعيف، حتى خلصوا إلى ان متاع الدنيا الذي يضحون في سبيله بمقدساتهم، تافه لا يساوي شيئاً عندنا. وقد تحقق ذلك عندهم بحوادث كثيرة، حتى انه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا اكثر من مائة مرة استفساراً رسمياً من الإدارات المحلية: بِمَ يعيش؟.

ثم ان طلب الشهرة والتطلع إلى المراتب، عرق ضعيف في الإنسان وجانب واهٍ فيه، فقد أمرت -السلطات- ان يُستغل ذلك العرق الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور. ولكنهم -بفضل الله- لم يوفقوا إلى شئ، وأدركوا ادراكاً قاطعاً ان ما يتطلعون إليه -لحد العبادة- من الشهرة الدنيوية نفهمها رياءً واعجاباً بالنفس مضرّاً بالإنسان. وان ما يولون من اهتمام بالغ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنا شروى نقير، بل نعدّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.

ثم ان ما يعدّ فينا -من حيث خدمتنا- جانباً ضعيفاً وعرقاً لا يقاوم، مع انه -من حيث الحقيقة- جانب مقبول لدى الناس كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقاماً معنوياً ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات. فهذا الجانب رغم انه لا ضرر فيه البتة، وليس له غير النفع، الاّ انه في زمان قد استولت فيه الأنانية وطغت فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حتى انحصر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه.. اقول ان القيام بخدمة الإيمان فيهذا الزمان -تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى ان تستغل لأي شئ كان- تقتضي عدم البحث عن مقامات معنوية شخصية، بل يجب الاّ تومئ حتى حركات المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يلزم عدم التفكير فيها أصلاً. وذلك لئلا يفسد سر الإخلاص الحقيقي.

ومن هنا أدرك الذين يسعون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديّ باني لا أتحرى خارج خدمة النور ما يتحراه كل إنسان من كشف وكرامات وخوارق ومزايا أخرى روحية فرجعوا خائبين من هذا الجانب.

تحياتنا إلى إخواننا فرداً فرداً.. ونسأله تعالى برحمته الواسعة ان يجعل ليلة القدر المقبلة بمثابة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه. (*)

 

________________________

(*) كليات رسائل النور- الملاحق - أميرداغ 1/310


79-) لا تحمل ما لا يطيق

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلم ايها السعيد الغافل! انك ترى الدنيا الزائلة سريعاً، كأنها دائمة لا تموت، فعندما تنظر ما حولك من الآفاق وتراها ثابتةً مستمرةً – الى حد ما – نوعاً وجملةً، ومن ثم ترجع بالمنظار نفسه فتنظر الى نفسك الفانية، تظنها ثابتةً ايضاً. وعندها لا تندهش الاّ من هَول القيامة، وكأنك تدوم الى أن تقوم الساعة!.

عُدْ الى رشدك، فانت ودنياك الخاصة بك معرضان في كلّ آن الى ضربات الزوال والفناء.. ان مَثَلَكَ في خطأ شعورك وغَلَط حسك هذا، يشبه مَن في يده مرآة تواجه قصراً او بلداً او حديقةً، وترتسمالصورة المثاليةُ للقصر او البلد او الحديقة فيها، فاذا ما تحركت المرآة أدنى حركة، وتغيرت اقلّ تغير، فسيحدث الهرج والمرج في تلك الصورة المثالية، فلا يفيدك بعدُ البقاءُ والدوام الخارجيان في نفس القصر او البلد او الحديقة، اذ ليس لك منها الاّ ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها.

فاعلم ان حياتك وعمرك مرآة! وانها عماد دنياك وسندها ومرآتها ومركزها. فتأمل في مرآتك، وإمكان موتها، وخرابِ ما فيها في كل دقيقة، فهي في وضع كأن قيامتك ستقوم في كل دقيقة.

فما دام الامر هكذا فلا تحمل حياتك ودنياك ما لا طاقة لهما به.(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:175


80-) خروج النساء من بيوتهن

 

 

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 اضلت النساء البشرية بخروجهن من بيوتهن فعليهن العودة اليها

(( اذا تأنث الرجال السفهاء بالهوسات اذاً ترجل النساء الناشزات بالوقاحات )) 

 لقد اطلقت المدنية السفيهة النساء من أعشاشهن. وامتهنت كرامتهن. وجعلتهن متاعاً مبذولاً.

بينما شرعُ الاسلام يدعو النساء الى اعشاشهن رحمة بهنّ. فكرامتهن فيها، وراحتهن في بيوتهن وحياتهن في دوام العائلة.

الطهـر زينتـهـن

الخُـلق هيبتـهـن

العـفة جـمالهـن

الشفقة كمالهـن

الاطفال لهوهـن.

ولا تصمد ازاء جميع هذه الاسباب المفسدة الاّ ارادة من حديد.

كلما دخلتْ حسناء في مجلس تسود فيه الأخوة، أثارت فيهم عروق الرياء والمنافسة والحسد والأنانية، فتتنبه الأهواء الراقدة.

ان تكشّف النساء تكشفاً دون قيد، أصبح سبباً لتكشّف اخلاق البشر السيئة وتناميها.

هذه الصور التي هي جنائز مصغرة، وأموات متبسمة، لها دور خطير جداً في الروح الرعناء للانسان المتحضر. بل ان تأثيرها مخيف مرعب.ان الهياكل والتماثيل الممنوعة شرعاً والصور المحرمة، اما انها ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى منجمد. أو طلسم يجلب تلك الأرواح الخبيثة.(*)

 

_________________

(*) كليات رسائل النور - الكلمات - اللوامع - ص: 874

 


81-) الاحتجاج بالقدر

بسم الله الرحمن الرحيم

{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً } .(الانسان 2-3-4)

{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها , قد أفتح من ذكاها وقد خاب من دساها } (سورة الشمس / 7-10)

{ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا } (الفتح 11)

{ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28)وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (29) (التكوير)

«.. واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لكَ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضرُّوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ عليكَ»   رواه الترمذي2518-2516.

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاحتجاج بالقدر

اعلم!انه كثيراً ما اصادف الغافلين وهم يتحججون بمسألة القدر، ويتعمقون في مسألة الجزء الاختياري، وخلق الافعال.. مع انهم بلسان غفلتهم ينكرون القدر رأساً ويعطون الازمّة ليد التصادف، يتوهمون انفسهم فاعلين على الاطلاق، ويقسمون مال الله وصنعه على ابناء جنسهم وعلى الاسباب. فالنفس الكافرة او الغافلة في وقت الغفلة تسلب الكل باطناً وان اثبتت ظاهراً. والمؤمنة العارفة تثبت الكلَّ له ايماناً واذعاناً؛ فهاتان المسألتان في الكلام، غايتان لحدود التوكّل والايمان، ولمراقي التوحيد والاسلام، لاهل الصحو والحضور من العارفين، وبرزخ حاجز[1]. فاين انتم ايها الغافلون المتفرعنون في انانيتكم؟ واين التحقق بهاتين المسألتين ! فان ترقيت في المحوية والعبودية الى درجة نفي الجزء الاختياري، والى مقام احالة كل شئٍ على القَدرَ، فلا بأس عليك، اذ فيك نوعٌ من السكر؛ اذ هما حينئذٍ من المسائل الايمانية الحالية، لا العلمية التصورية.. (*)

________________________________________

(1) وبرزخ حاجز لأهل الغفلة

(*) المثنوي العربي النوري - ص: 375


82-) انجُ بنفسك

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

كنت قد خاطبتُ نفسي قائلاً: اعلم ايها السعيد الغافل! انه لا يليق بك ان تربط قلبك وتعلقه بما لا يرافقك بعد فناء هذا العالم، بل يُفارقُك بخراب الدنيا! فليس من العقل في شيء ربطُ القلب بأشياء فَانية!

فكبف بما يتركك بانقراض عصرك ويدير ظهره لك؟

بل فكيف بما لا يصاحبك في سَفر البرزخ؟

بل فكيف بما لا يشيعك الى باب القبر؟

بل فكيف بما يفارقك خلال سنة او سنتين فراقاً ابدياً، مُورّثِاً اِثمَه ذمتَك، محملاً خطاياه على ظهرك؟

بل فكيف بما يتركك على رغمك في آنِ سرورك بحصوله؟

فان كنت فطناً فلا تهتم ولا تغتم، واترك ما لا يقتدر ان يرافقك في سفر الابد والخلود، بل يضمحل ويفنى تحت مصادمات الدنيا وانقلاباتها، وتحت تطورات البرزخ، وتحت انفلاقات الآخرة.

ألا ترى ان فيك لطيفةً لا ترضى الاّ بالأبد والأبدي، ولاتتوجه الاّ الى ذلك الخالد، ولاتتنزل لما سواه؟ حتى اذا ما اُعطيت لها الدنيا كُلها، فلا تُطَمأن تلك الحاجة الفطرية.. تلك هي سلطان لطائفك ومشاعرك.. فأطع سلطان لطائفك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله، وانجُ بنفسك..(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:174

 

 


83-) ذكرى وعبرة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعنت، تزعجني نفسي الجزعة الفارغة من الصبر، فاسكتتها هذه الفقرة، والزمتها الحجة، ودفعتها إلى الشكر لله.

أقدم هذه الفقرة الموضوعة فوق رأسي طي رسالتي هذه لعلها تفيدكم أيضاً.

1- يا نفسي! لقد أخذت نصيبك من الأذواق -في غضون ثلاث وسبعين سنة- اكثر مما أخذها تسعون بالمائة من الناس. فلم يبق لكِ بغية فيها.

2- انتِ ترومين دوام الأذواق وبقاءها وهي فانية آنية، لذا تبكين عشر ساعات عن ضحك دام دقيقة واحدة.

3- ان المظالم التي أتت عليك، والمصائب التي نزلت بك، تنطوي على عدالة القدر. فيظلمونك لما لم ترتكبيه، بينما القدر يؤدبك بيد تلك المصيبة -بناء على أخطاء خفية- ويكفّر عن خطاياك.

4- يا نفسي الجزعة! لقد اقتنعت قناعة تامة -بمئات من تجاربك- ان المصائب الظاهرية ونتائجها تنشق عن ثمرات عناية إلهية في منتهى اللذة. فالآية الكريمة: ﴿وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾(البقرة:216) تلقن درس حقيقة يقينية. تذكّري دائماً هذا الدرس

القرآني. ثم ان الناموس الإلهي الذي يدير عجلة الكون، ذلك القانون القدري الواسع العظيم لا يبدّل لأجلك.

5- اتخذي هذا الدستور السامي دليلاً: (من آمن بالقدر أمِنَ من الكدر). ولا تلهثي وراء لذائذ موقتة تافهة كالطفل الغرير. فكري دوماً ان الأذواق الفانية تورث فيك حسرات وآلاماً معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوبة أخروية. فان لم تكوني بلهاء يمكنك ان تتحري عن الأذواق الموقتة للشكر وحده، وما اُعطيت اللذات الاّ للشكر. (*)

_______________________

(*) الملاحق - أميرداغ 1/290


84-) ادم على صورة الرحمن

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد ورد في حديث شريف ( ان الله خلق آدمَ على صـورة الرحـمن )(1)أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فسَّرَ قسمٌ من اهل الطرق الصوفية هذا الحديث الشريف تفسيراً عجيباً لايليق بالعقائد الايمانية، ولاينسجم معها. بل بلغ ببعضٍ من أهل العشق ان نظروا الى السيماء المعنوي للانسان نظرتهم الى صورة الرحمن! ولما كان في اغلب اهل العشق حالة استغراقية ذاهلة والتباس في الامور، فلربما يُعذَرون في تلقّياتهم المخالفة للحقيقة. الاّ أن اهل الصحو، واهل الوعي والرشاد يرفضون رفضاً باتاً تلك المعاني المنافية لاسس عقائد الايمان، ولا يقبلونها قطعاً. ولو رضي بها أحدٌ فقد سقط في خطأ وجانَبَ الصواب.

نعم، ان الذي يدبر امور الكون ويهيمن على شؤونه بسهولة ويسر كادارة قصر أو بيت.. والذي يحرك النجوم واجرام السماء كالذرات بمنتهى الحكمة والسهولة.. والذي تنقاد اليه الذرات وتأتمر بأمره وتخضع  لحكمه..

نعم، ان الذي يفعل هذا كله هو الله القدوس سبحانه.. فكما انه منزّه ومقدّس عن الشرك؛ فلا شريكَ له، ولا نظيرَ، ولا ضدّ ولا ندّ، فليس له قطعاً مثيلٌ ولا مثالٌ ولا شبيهٌ ولاصورةٌ ايضاً، وذلك بنص الآية الكريمة (ليس كَمِثْلِه شئٌ وهو السَّميعُ البَصيرُ) (الشورى: 11) الاّ أن شؤونه الحكيمة وصفاته الجليلة واسماءه الحسنى يُنظر اليها بمنظار التمثيل والمَثَل حسب مضمون الآية الكريمة: (ولَه المَثَلُ الأعلى في السّمـــوات والأرض وهو العزيزُ الحكيمُ) (الروم:27) . أي ان المَثَل والتمثيل واردٌ في النظر الى شؤونه الحكيمة سبحانه.

ولهذا الحديث الشريف مقاصد جليلة كثيرة، منها: ان الانسان مخلوق على صورة تُظهر تجلي اسم الله "الرحمن " اظهاراً تاماً.

نعم، لقد بينا في الأسرار السابقة انه مثلما يتجلى اسمُ " الرحمن " من شعاعات مظاهر ألف اسمٍ واسم من الأسماء الحسنى على وجه الكون، ومثلما يُعْرَض اسم " الرحمن " بتجليات لاتحد للربوبية المطلقة على سيماء الأرض، كذلك يُظهِر سبحانه التجلي الأتم لذلك الأسم " الرحمن " في الصورة الجامعة للأنسان، يُظهِره بمقياس مصغر بمِثلِ ما يُظهره في سيماء الأرض وسيماء الكون بمقياس اوسع واكبر.

 

وفي الحديث الشريف اشارة كذلك الى ان في الانسان والاحياء من المظاهر الدالة على " الرحمن الرحيم " ما هو بمثابة مرايا عاكسة لتجلياته سبحانه، فدلالة الانسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جلية، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالة المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. فكما يمكن ان يقال لتلك المرآة: انها الشمس، اشارةً الى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال - وقد قيل في الحديث - ان في الانسان صورة " الرحمن " ، اشارة الى وضوح دلالته على اسم " الرحمن " وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به. هذا وان المعتدلين من اهل وحدة الوجود قد قالوا: " لا موجود الاّ هو " بناء على هذا السر من وضوح الدلالة، وعنواناً على كمال المناسبة.

اللهمَ يا رَحمن يا رّحِيم بحق " بسْم الله الرَحمن الرّحيم " إرحمنا كما يليق برحيميتك، وفهّمنا أسرار " بسْم الله الرَحمن الرّحيم " كما يليق برحمانيتك آمين.(*)

______________________

(1) (خلق الله عز وجل آدم على صورته..) حديث صحيح اخرجه البخاري برقم 6227 ومسلم برقم 2841 واحمد 2/315 وابن خزيمة في التوحيد ص29. أما حديث (ان الله خلق آدم على صورة الرحمن) فقد عزاه الحافظ في الفتح 5/183 لابن ابي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحافظ باسناد رجاله ثقات.

(*) كليات رسائل النور-اللمعات ص:153


85-) الاقتصاد سبب للبركة واللذة

بسم الله الرحمن الرحيم
قوله جل وعلا: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان:67].


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
الاقتصاد سبب للبركة واللذة 
ان من كمال كرم الله سبحانه وتعالى، أنه يُذيقُ لذّة نِعمه لأفقر الناس، كما يذيقها أغناهم، فالفقير يستشعر اللذة ويتذوقها كالسلطان. 
نعم ان اللذة التي ينالها فقير من كسرة خبز اسود يابس بسبب الجوع والاقتصاد تفوق ما يناله السلطان او الثري من اكله الحلوى الفاخرة بالملل وعدم الشهية النابعين من الاسراف.
ومن العجب حقاً ان يجرؤ بعض المسرفين والمبذّرين على اتهام المقتصدين بالخسّة.. حاشَ لله، بل الاقتصاد هو العزة والكرم بعينه، بينما الخسة والذلة هما حقيقة ما يقوم به المسرفون والمبذرون من سخاء ظاهري.
وهناك حادثة جرت في غرفتي في "اسبارطة" في السنة التي تم فيها تأليف هذه الرسالة، تؤيد هذه الحقيقة وهي:
اصرّ احد طلابي اصراراً شديداً على ان أقبل هديته التي تزن اوقيتين ونصف الاوقية(1) من العسل،خرقاً لدستور حياتي(2)، ومهما حاولت في بيان ضرورة التمسك بقاعدتي لم يقنع، فاضطررت الى قبولها مرغماً على نية ان يشترك ثلاثةُ اخوةٍ معي في الغرفة فيها ويأكلوا منه باقتصاد طوال اربعين يوماً من شهري شعبان ورمضان المبارك، ليكسب صاحبه المُهدي ثواباً، ولا يبقوا دون حلاوة. لذا أوصيتهم بقبول الهدية لهم علماً انّي كانت عندي أوقية من العسل.. 
وبرغم ان اصدقائي الثلاثة كانوا على استقامة حقاً وممن يقدّرون الاقتصاد حق قدره، الاّ انهم - على كل حال - نَسوه نتيجة قيامهم باكرام بعضهم بعضاً ومراعاتهم شعور الآخرين والايثار فيما بينهم، وامثالها من الخصال الحميدة، فانفدوا ماعندهم من العسل في ثلاث ليالٍ فقط، فقلت مبتسماً: 
- لقد كانت نيتي ان اجعلكم تتذوقون طعم العسل ثلاثين يوماً او اكثر، ولكنكم انفدتموه في ثلاثة ايام فقط.. فهنيئاً لكم!. في حين انني بت اصرف ما كنتُ املكه من العسل بالاقتصاد، فتناولته طوال شهري شعبان ورمضان، فضلاً عن انه اصبح ولله الحمد سبباً لثواب عظيم، حيث اعطيتُ كل واحد من اولئك الاخوة ملعقة واحدة منه(3) وقت الافطار.
ولربما حَسِب الذين شاهدوا حالي تلك انها خسّة، واعتبروا اوضاع اولئك الاخوة في الليالي الثلاث حالة عزيزة من الكرم! ولكن شاهَدنا تحت تلك الخسة الظاهرية عزةً عاليةً وبركة واسعة وثواباً عظيماً من زاوية الحقيقة. وتحت ذلك الكرم والاسراف - ان لم يكن قد تُرك - استجداءً وترقباً لما في ايدي الآخرين بطمع وامثالها من الحالات التي هي أدنى بكثير من الخسة.

________________________________________
(1) الاوقية تساوي1.280 كيلو. ـ المترجم.
(2) وهو ان الاستاذ النورسي ما كان ليقبل الهدايا بلا مقابل. ـ المترجم.
(3) اي ملعقة شاي كبيرة (ملعقة كوب). ـ المؤلف.
(*) اللمعة التاسعة عشرة - ص: 217

 


86-) الانتظام الاكمل ووحدة المواد

 

الانتظام الاكمل ووحدة المواد

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اي وحدة الانتظام الاكمل في مجموع الكون واركانه واجزائه بل في كل موجود فيه، ووحدة موظفي ومواد الكـون الواسع التي هـي محور ادارته ومتعلقة بهيئته العامة. وكون الاسماء والافعال المصّرفة لتلك المدينة العظيمة والمحشر العجيب محيطة وشاملة كل شئ، فالاسم هو نفسه والفعل هو نفسه والماهية هي نفسها في كل مكان، رغم تداخل بعضه في البعض الآخر، وكون العناصر والانواع التي هي الاساس في بناء ذلك القصر الفخم وفي إدارته وفي اضفاء البهجة عليه، محيطة بسطح الارض بانتشارها في اكثر بقاعها، مع بقاء العنصر نفسه، والنوع نفسه واحداً، وذا ماهية واحدة في كل مكان رغم تداخل بعضه في البعض الآخر.. كل ذلك يقتضي بداهة، ويدل ضرورة ويُشهد ويُري ان صانع هذا الكون ومدبّره، وان سلطان هذه المملكة ومربيها، وان صاحب هذا القصر وبانيه، واحد أحد فرد، ليس كمثله شئ، لاوزير له ولامعين، لاشريك له ولاند، منزّه عن العجز، متعال عن القصور.

نعم ان الانتظام التام انما هو دليل بذاته على الوحدة؛ إذ يستدعى منظماً واحداً، فلا يسعه الشرك الذي هو محور المجادلة والمشاكسة.

فما دام هناك انتظام حكيم ودقيق في الكون كله - كلياً كان الشئ أم جزئياً - ابتداءً من دوران الارض اليومي والسنوي، الى سيماء الانسان، والى منظومة شعوره، والى دوران الكريات الحمر والبيض وجريانهما في الدم، فلا يمكن لشئ أن يمد يده ويتدخل قصداً وايجاداً سوى القادر المطلق والحكيم المطلق، بل يبقى كل شئ سواه منفعلاً ومتلقياً ومظهراً للقبول ليس الاّ.

وما دام القيام بالتنظيم ومنح النظام وبخاصة تعقّب الغايات وتتبعها وتنظيمها بابراز المصالح، لايكون الاّ بالعلم والحكمة، والاّ بالارادة النافذة والاختيار، فلابد ان هذا الانتظام الذي يدور مع الحكمة، وهذه الانواع المتنوعة من الانتظام في المخلوقات غير المحدودة التي تتراءى امام أنظارنا والدائرة حول المصالح، يدل بداهة ويشهد بكل

حال ان خالق هذه الموجودات ومدبرها واحد، وهو الفاعل، وهو الذي بيده الاختيار، فكل شئ يخرج الى الوجود إنما يخرج بقدرته هو، ويأخذ وضعاً خاصاً بارادته هو، ويتخذ صورة منتظمة باختياره هو.

ومادام السراج الوهاج لهذه الدنيا المضيف واحداً، وان قنديلها المتدلي لعدّ الايام واحد، وان معصراتها ذات الرحمة واحدة، وان مطبخها ذا الموقد واحد، وان شرابها الذي يبعث على الحياة واحد، وان مزرعتها المحمية واحدة.. واحد.. واحد.. واحد الى ألف وواحد، فلابد أن هذه الآحاد الواحدة تشهد بداهة ان صانع هذا المضيف وصاحبه، واحد، وهو كريم لضيوفه في منتهى الكرم والسخاء حتى أنه يسخر كبار موظفيه هؤلاء ويجعلهم خدماً طائعين لضمان راحة ضيوفه الاحياء.

وما دامت واحدةً تلك الاسماء الحسنى والشؤون الإلهية والافعال الربانية التي تصرف امور الكون والتي تظهر تجلياتها ونقوشها واثارها في كل انحاء العالم.. فالاسماء الحسنى "الحكيم، المصور، المدبر، المحيي، المربي" وامثالها هي نفسها في كل مكان.. وشؤون "الحكمة والرحمة والعناية" وامثالها هي نفسها في كل مكان.. وأفعال "التصوير والادارة والتربية" وامثالها هي نفسها في كل مكان..وكل منها متداخل بعضه في البعض الآخر، وكل منها في اسمى مرتبة واوسع إحاطة وهيمنة، كما أن كلا منها يكمل نقش الآخر حتى لكأن تلك الاسماء والافعال تتحد مع بعضها اتحاداً، فتصبح القدرة عين الحكمة والرحمة، وتصبح الحكمة عين العناية والحياة.فعندما يظهر - مثلاً - تصرف اسم المحيي في شئ ما، يظهر تصرف اسم الخالق والمصور والرزاق واسماء اخرى كثيرة كذلك في الوقت نفسه، في كل مكان وبالنظام نفسه، فلابد ولامحالة ان ذلك يشهد بداهة على ان مسمّى تلك الاسماء المحيطة، وفاعل تلك الافعال الشاملة والظاهرة في كل مكان بالطراز نفسه، إنما هو فاعل واحد أحد فرد.. آمنــا وصدّقنا !.

ومادامت العناصر التي هي مكونات المصنوعات وجواهرها واسسها، تحيط سطح الارض وتتوزع عليه، وكل نوع من انواع المخلوقات - الحاملة لاختام مختلفة تظهر الوحدانية - قد انتشر على ظهر الارض واستولى عليه، رغم كونه نوعاً واحدا،ً فلابد أن تلك العناصر بمشتملاتها، وتلك الانواع بأفرادها، إنما هي مُلك لواحد،

ومصنوعات مأمورة لدى ذلك الواحد القادر الذي يستخدم بقدرته المطلقة تلك العناصر الضخمة المستولية كأنها خَدَمة طائعات، ويسخّر تلك الانواع المتفرقة في كل جهة من الارض كأنها جنود نظاميون.. وحيث ان (رسائل النور) قد أثبتت هذه الحقيقة وأوضحتها، نقتصر عليها بهذه الاشارة القصيرة.

فلقد أحسّ صاحبنا السائح المسافر بنشوة إيمانية بعد ان اكتسب الفيض الايماني والتذوق التوحيدي من فهمه لهذه الحقائق الخمس فأنشأ يترجم ملخصاً انطباعاته ومشاهداته مخاطباً قلبه:

انظر الى الصحيفة الملونة الزاهية لكتاب الكون الوسيع.

كيف جرى قلم القدرة وصوّر البديع..

لم تبق نقطة مظلمة لأرباب الشعور..

لكأن الرب قد حرّر آياته بالنور.

واعلم ايضاً بأن:

هذه الابعاد غير المحدودة صحائف كتاب العالم

وهذه العصور غير المعدودة سطور حادثات الدهر

قد سطّر في لوح الحقيقة المحفوظ:

كل موجود في العالم، لفظ مجسم حكيم

وانصت كذلك:

جو لا اله الاّ الله برابر ميذنند هرشى دمادم جويدند ياحق سراسر كويدنند ياحي(1)

نعم؛ وفي كل شئ له آية تدل على انه واحدٌ.

وهكذا صدّق قلب السائح نفسه، وقالا معاً: نعم، نعم.

هذا وقد جاءت في المنزل الثاني من الباب الثاني من المقام الاول إشارة قصيرة الى ماشاهده سائح الكون والضيف فيه من الحقائق التوحيدية الخمس، وهي:

[لا إله إلاّ الله الواحـد الاحـد الذي دلّ على وحدته في وجوب وجوده: مشاهدة حقيقة الكبرياء والعظمة فـي الكمال والاحاطة. وكذا مشاهدة حقيقة ظهور الافعال بالاطلاق وعدم النهاية، لا تقيدها الاّ الارادة والحكمة. وكذا مشـاهدة حقيقة ايجاد الموجودات بالكثرة المطلقة فـي السرعة المطلقة، وخلق المخلوقات بالسهولة المطلقة في الاتقان المطلق، وابداع المصنوعات بالمبذولية المطلقة فـي غاية حسن الصنعة وغلو القيمة. وكذا مشاهدة حقيقة وجود الموجودات على وجه الكل والكلية والمعية والجامعية والتداخل والمناسبة. وكـذا مشاهدة حقيقة الانتظامات العامة المنافية للشركة. وكذا مشاهدة وحدة مدارات تدابير الكائنات الدالة علـى وحدة صانعها بالبداهة. وكذا وحدة الاسماء والافعال المتصرفة المحيطة، وكـذا وحدة العناصر والانواع المنتشرة المستولية على وجه الارض]. (*)

_______________

(1) يعني: كل شئ في الوجود ينطق ويردد معاً: لاإله إلاّ الله، ويلهج دوماً كل آن: يا حق.. فالكل ينطق والجميع يهتف: ياحي.- المترجم.

(*) كليات رسائل النور - الشعاع السابع - ص: 208

 


87-) رسالة تستنطق النجوم


قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

كنت يوماً على ذروة قمة من قمم جبل "جام" نظرت الى وجه السماء في سكون الليل، واذا بالفقرات الآتية تخطر ببالي، فكأنني استمعت خيالاً الى ما تنطق به النجوم بلسان الحال.. كتبتها كما خطرت دون تنسيق على قواعد النظم والشعر لعدم معرفتي بها.
وقد اُخذت الى هنا من المكتوب الرابع، ومن ختام الموقف الاول من الكلمة الثانية والثلاثين.
واستمع الى النجوم ايضاً، الى حلو خطابها الطيب اللذيذ.
لترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.
انها جميعاً تهتف وتقول معاً بلسان الحق:
نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال
نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.
نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الارض.
فنحن الوف العيون الباصرة تطل من السماء الى الارض وترنو الى الجنة.(1)
نحن الوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى اغصان درب التبانة.
فنحن لأهل السموات مساجدٌ سيارة ومساكنٌ دوّارة وأوكار سامية عالية ومصابيح نوّارة وسفائن جبارة وطائرات هائلة!
نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال وخوارق صنعة حكيم ذي جلال. ونوادر حكمة ودواهي خلقة وعوالم نور.
هكذا نبيّن مائة الف برهان وبرهان، بمائة الف لسان ولسان، ونُسمعها الى مَن هو انسان حقاً.
عميت عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع اقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق. 
سكتنا واحدة، طُرتنا واحدة، مسبّحات نحن عابدات لربنا، مسخّرات تحت امره.
نذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات الى حلقة ذكر درب التبانة.(*)
________________
(1) اي أن وجه الارض مشتل ازاهير الجنة ومزرعتها،، تعرض فيه ما لايحد من معجزات القدرة الإلهية. ومثلما تتفرج ملائكة عالم السموات وتشاهد تلك المعجزات تشاهدها ايضاً النجوم التي هي بمثابة عيون الاجرام السماوية الباصرة. فهي كلما نظرت كالملائكة الى تلك المصنوعات اللطيفة التي تملأ وجه الارض، نظرت الى عالم الجنة ايضاً، فتشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورتها الباقية هناك. اي انها عندما تلقى نظرة الى الارض تلقى الاخرى الى الجنة، بمعنى ان لها اشرافاً على ذينك العالَمين معاً. ــ المؤلف. 
(*) كليات رسائل النور - الكلمة السابعة عشرة - ص: 246 


88-) الامراض تفجّر كنوز العجز والفقر في الانسان

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ان الله سبحانه قد أدرج في الانسان عجزاً لاحد له، وفقراً لانهاية له، اظهاراً لقدرته المطلقة وابرازاً لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بحيث يتألم بما لايحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لايعد من الجهات، اظهاراً للنقوش الكثيرة لاسمائه الحسنى. فابدعه سبحانه على صورة ماكنة عجيبة تحوي مئات الالات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها ومهمتها وثوابها وجزاؤها، فكأن الاسماء الإلهية المتجلىة في العالم الذي هو انسان كبير تتجلى اكثرها ايضاً في هذا الانسان الذي هو عالم أصغر، وكما أن ما فيه من أمور نافعة - كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها - تدفعه الى الشكر وتسوق تلك الماكنة الى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الانسان كأنه ماكنة شكر. كذلك الامر في المصائب والامراض والالام 
وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليب الاخرى لتلك الماكنة الى العمل والحركة وتثيرها من مكمنها فتفجّر كنوز العجز والضعف والفقر المندرجة في الماهية الانسانية. فلا تمنح المصائبُ الانسانَ الالتجاء الى البارئ بلسان واحد، بل تجعله يلتجئ اليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الانسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض يغدو قلماً يتضمن آلاف الاقلام، فيكتب مقّدرات حياته في صحيفة حياته أو في اللوح المثالي، وينسج لوحة رائعة للاسماء الإلهية الحسنى، ويصبح بمثابة قصيدة عصماء ولوحة اعلان.. فيؤدي وظيفة فطرته.(*)
__________________
(*) كليات رسائل النور - اللمعة الثانية - ص: 19


89-) شواهد معرفة الله

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

ايها السعيد الغافل المتخبط بسوء حاله! اعلم، ان الوصول الى نور معرفة الحق سبحانه، والى مشاهدة تجلياته في مرايا الآيات والشواهد والنظر اليه من مسامات البراهين والدلائل يقتضي الاّ تتجسّس بأصابع التنقيد على كل نورٍ جرى عليك، وورَد الى قلبك، وتظاهر الى عقلك، والاّ تنقده بيد التردد.

فلا تمدّن يدك لأخذ نورٍ اضاء لك. بل تجرّد من اسباب الغفلة، وتعرّض لذلك النور، وتوجّه اليه،

فاني قد شاهدت أن شواهد معرفة الله وبراهينها ثلاثة اقسام:

قسم منه: كالماء يُرى ويحسّ، ولكن لا يمسك بالاصابع. ففي هذا القسم عليك بالتجرّد عن الخيالات، والانغماس فيه بكليتك، فلا تتجسس باصبع التنقيد، فانه يسيل ويذهب، اذ لا يرضى ماءُ الحياة ذلك بالاصبع محلاً.

القسم الثاني: كالهواء، يحسّ ولكن لا يُرى، ولا يُتخذ ولا يُستمسك، فتوجه لنفحات تلك الرحمة، وتعرّض لها، وقابلها بوجهك وفمك وروحك، فان نظرت الى هذا القسم بيد التردد والريب ومددت اليه يد التنقيد، بدلاً من الانتعاش روحياً، فانه ينطلق، إذ لا يتخذ يدك مسكناً له ولا يرضى بها منزلاً.

القسم الثالث: فهو كالنور، يُرى ولكن لا يحس، ولا يؤخذ ولا يستمسك، فتعرّض له وقابله ببصيرة قلبك ونظر روحك، وتوجه اليه ببصرك، ثم انتظر، فلربما يأتي بذاته ومن نفسه. لان النور لا يؤخذ باليد، ولا يُصاد بالاصابع، بل بنور البصيرة يُصاد. فاذا مددت اليه يداً مادية حريصةً، ووزنته بموازين مادية، فانه يختفي وإن لم ينطفىء، لان نوراً كهذا مثلما انه لا يرضى بالماديّ حبساً، ولا يدخل بالقيد ابداً، فانه لا يرضى بالكثيف مالكاً وسيداً عليه.(*)

____________

(*) كليات رسائل النور – اللمعة السابعة عشرة .. ص:195


90-) الشيئ لا يعمل لنفسه

 

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلم!ان الآلات الجامدة والحيوانات وجهلة العَملة المستخدمة في بناء قصر عجيب لسلطان عظيم، وترسيم نقوشه، يعلم كلُّ مَن رآها انها "لا تعمل بحساب انفسها بل بحساب من يستخدمه" في مقاصده العالية الواسعة واغراضه الرقيقة التي تتقاصر عن ادراكها افكارُ خواص العلماء، فكيف بجَهلَة العوام وبهيمة الانعام وجامدات الاقلام.. كذلك من امعن في جلوات الازاهير وتودداتها وتحبباتها الى انظار ذوي الحياة تيقَّن: ان الازاهير موظفون - من جانب حكيمٍ كريمٍ - بالخدمة والتودد لضيفان ذلك الكريم النازلين بإذنه في أرضه، وكذلك الحيوانات.

نعم اين حس الزهرة وشعور البهيمة، واين درك غايات نقوش الحِكَم ولطائف محاسن الكرم المودعة في جلوات الازاهير بتزييناتها، وتطورات الأنعام بمنافعها؟ فما هذه الحالات الا تعرُّفُ ربٍ كريم وتودُده وتحبّبه الى عباده وضيوفه جلّ جلاله وعمَّ نواله وشمل احسانهُ..(*)

 

___________________
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري - ص: 213

 


91-) الالوهية المطلقة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

إن إنهماك كل طائفة من طوائف البشرية بنوع من انواع العبادة وانشغالهم به انشغالاً كأنه فطري.. وقيام سائر ذوي الحياة بل حتى الجمادات بخدماتها ووظائفها الفطرية التي هي بحكم نوع من انواع العبادة.. وكون كلٍ من النعم والآلاء المادية والمعنوية التي تغمر الكائنات وسيلة عبادة وشكر لمعبودية تمدّهم بسبل العبادة والحمد..واعلان الوحي والالهام ما ترشح وما تجلى معنوياً من الغيب، بمعبودية الاِله الواحد.. كل هذا يثبت بالبداهة تحقق الالوهية الواحدة المطلقة وهيمنتها.

فما دامت حقيقة هذه الالوهية كائنة وموجودة، فلن تقبل إذاً المشاركة معها؛ لأن الذين يقابلون تلك الالوهية (اي المعبودية) بالشكر والعبادة هم ثمرات ذات مشاعر في قمة شجرة الكائنات، لذا فان إمكان وجود آخرين يشدّون انتباه اولئك الشاعرين، ويجذبونهم اليهم، ويجعلونهم ممتنين لهم وشاكرين، محاولين تنسيتهم معبودهم الحق - الذي يمكن أن ينسّى بسرعة لغيابه عن الرؤية ولاحتجابه عن الانظار - مناقض لماهية الالوهية ومناف لمقاصدها القدسية، ولايمكن قبوله إطلاقاً. ومن هنا أفاض القرآن الكريم في رفض الشرك بشدة، وهدد المشركين بعذاب جهنم.(*)

______________

(*) كليات رسائل النور - الشعاع السابع - ص: 193

 


92-) انا مفتاح لتنوير الصفات

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اعلم!ان من الاعاجيب: ان الانسان خُلق ليكون فاتحاً وكاشفاً مريئاً، وبرهاناً نيّراً، ودليلاً مبصّراً، ومعكساً نورانياً، وقمراً مستنيراً للقدير الازلي، ومرآة شفافة لتجلي الجمال الازلي. وقد انجلت وتصيقلت بحمل الامانة التي تدهّشتْ من حملها السموات والارض والجبال. اذ من مضامين تلك الامانة صيرورة الانسان واحداً قياسياً لفهم الصفات المحيطة، وصيرورة ما فيه من "ان" - الذي هو النقطة السوداء بالغفلة والشرك الخفي - مفتاحاً لتنوير الصفات. فكيف ولأي شئ صار اكثر الانسان حجاباً وباباً وسداً. وكان لازماً عليه ان يفتح فاغلق.. وان ينوِّر فاظلم.. وان يوحِّد فاشرك.. وان ينظر بمرصاده الى الله فيسلم الملك اليه ، لكن نظر الى الخلق بمرصاد "ان"، فقسّم ملك الله عليهم.. نعم، ان الانسان لظلوم جَهُول. (*)

 

____________________

(*) كليات رسائل النور - المثنوي العربي النوري - ص: 303

 


93-) تتغير ماهية الخصال بتغير المنازل

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

تتغير ماهية الخصال بتغير المنازل

خصلة واحدة في مواضع متباينة وصورة واحدة تكون تارة غولاً بشعاً وتارة مَلَكاً رقيقاً ومرةً صالحة واخرى طالحة. أمثلة ذلك الآتي:

ان عزة النفس التي يشعر بها الضعيف تجاه القوي، لو كانت في القوي لكانت تكبراً وغروراً. وكذا التواضع الذي يشعر به القوي تجاه الضعيف لو كان في الضعيف لكان تذللاً ورياءً.

ان جدّية ولي الأمر في مقامه وقارٌ، اما لينه فذلةٌ.

كما ان جديته في بيته دليل على الكبر، ولينه دليل على التواضع.

ان صفح المرء عن المسيئين وتضحيته بما يملك، عمل صالح. بينما هو خيانة وعمل طالح ان كان متكلماً عن الجماعة.

ان التوكل في ترتيب المقدمات كسل، بينما تفويض الأمر الى الله في ترتّب النتيجة توكل يأمر به الشرع.

ان رضى المرء عن ثمرة سعيه وقسمته قناعةٌ ممدوحة. تقوي فيه الرغبة في مواصلة السعي.بينما الاكتفاء بالموجود قناعة لا ترغب، بل تقاصر في الهمة.

وهناك أمثلة كثيرة على هذا.

فالقرآن الكريم يذكر الصالحات و التقوى ذكراً مطلقاً. ويرمز في ابهامهما الى تأثير المقامات والمنازل. فايجازه تفصيل. وسكوته كلام واسع.(*)

______________

(*) الكلمات - اللوامع - ص: 870


94-) التفسير نوعان

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اخوتي الاعزاء الصديقين!

اولاً: ربما كان عدد منا يسافر لاداء فريضة الحج في هذه السنة لو كان السفر اليه حراً مسموحاً به.(1) نسأل الله تعالى أن يقبل نياتنا هذهوكأننا سافرنا إلى الحج فعلاً، ويمنح خدمتنا الإيمانية والنورية ثواباً عظيماً كثواب الحج ونحن نعاني هذه الاحوال المليئة بالمضايقات والمشقات.

ثانياً: ان رسائل النور تفسير قيم وحقيقي للقرآن الكريم. لقد كررنا هذا الكلام. وخطر الآن للقلب بيان حقيقته وذلك لعدم وضوح معناه الحقيقى.

التفسير نوعان:

الأول: التفاسير المعروفة التى تبين وتوضح وتثبت معانى عبارات القرآن الكريم وجمله وكلماته.

القسم الثانى من التفسير: هو ايضاح وبيان واثبات الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، اثباتاً مدعماً بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة. ولهذا القسم اهمية كبيرة جداً.

اما التفاسير المعروفة والمتداولة فانها تتناول هذا النوع الأخير من التفسير تناولاً مجملاً احياناً. إلاّ ان رسائل النور إتخذت هذا القسم أساساً لها مباشرة. فهي تفسير معنوي للقرآن الكريم بحيث تلزم اعتى الفلاسفة وتسكتهم. (*)

 

___________________________

(1) سمح بالسفر الى الحج لأول مرة في تركيا في سنة 1947

(*) كليات رسائل النور- الشعاعات ص: 562 

 


95-) تجلي اسم الله الحفيظ

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

يامَن يريد ان يرى دليلاً على حقيقة الآيتين الكريمتين:

﴿فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يَره * ومَن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يَره﴾(الزلزال:7-8)

اللتين تشيران الى التجلي الأتم لاسم الله (الحفيظ).

ان التجلي الاعظم لاسم الله الحفيظ ونظير الحقيقة الكبرى لهاتين الآيتين مبثوثٌ في الارجاء كافة، يمكنك أن تجده بالنظر والتأمل في صحائف كتاب الكائنات، وذلك الكتاب المكتوب على مسطر الكتاب المبين وعلى موازينه ومقاييسه.

خذ – مثلاً – غُرفةً بقبضتك من اشتات بذور الازهار والاشجار، تلك البذيرات المختلطة والحبتّات المختلفة الاجناس والانواع وهي المتشابهة في الاشكال والاجرام، أدفن هذه البُذيرات في ظلمات تراب بسيط جامد، ثم اسقها بالماء الذي لاميزان له ولايميز بين الاشياءفاينما توجهه يسيل ويذهب. ثم عُدْ اليه عند الربيع الذي هو ميدان الحشر السنوى، وانظر وتأمل كيف ان مَلَك الرعد ينفخُ في صُوره في الربيع كنفخ اسرافيل، مُنادياً المطر ومُبشراً البذيرات المدفونة تحت الارض بالبعث بعد الموت. فانت ترى ان تلك البذيرات التي هي في منتهى الاختلاط والامتزاج مع غاية التشابه تمتثل تحت انوار تجلي اسم (الحفيظ)، إمتثالاً تاماً بلا خطأ الأوامر التكوينية الآتية اليها من بارئها الحكيم. فتلائم اعمالها وتوافق حركاتها مع تلك الاوامر بحيث تستشف منها لمعان كمال الحكمة والعلم والارادة والقصد والشعور.

الا ترى كيف تتمايز تلك البذيرات المتماثلة، ويفترق بعضها عن البعض الآخر. فهذه البُذيرة قد صارت شجرةَ تينٍ تنشر نِعم الفاطر الحكيم فوق رؤوسها وتنثرها عليها وتمدّها الينا بايدي اغصانها. وهاتان البُذيرتان المتشابهتان بها قد صارتا زهرة الشمس وزهرة البنفسج.. وامثالها كثير من الازهار الجميلة التي تتزين لأجلنا وتواجهنا بوجه طليق مبتسم متوددةً الينا.. وهناك بذيراتٌ اخرى قد صارت فواكه طيبة نشتهيها، وسنابل ملأى، واشجاراً يافعة، تثير شهيتنا بطعومها الطيبة، وروائحها الزكية، واشكالها البديعة فتدعونا الى انفسها، وتُفديها الينا، كي تصعد من مرتبة الحياة النباتية الى مرتبة الحياة الحيوانية. حتى نمت تلك البذيرات نمواً واسعاً الى حد صارت تلك الغرفة منها – باذن خالقها – حديقة غناء وجنةً فيحاء مزدهرة بالازهار المتنوعة والاشجار المختلفة، فانظر هل ترى خطأ او فطوراً ﴿فارجع البصر هل ترى من فطور ﴾(الملك:3).

لقد اظهرت كلُ بذرة بتجلي اسم الله الحفيظ واحسانه ما ورثَته من ميراث ابيها واصلها بلا نقصان وبلا التباس.

فالحفيظ الذي يفعل هذا الحفظ المعجز يشير به الى إظهار التجلي الاكبر للحفيظية يوم الحشر الاكبر والقيامة العظمى.

نعم، ان اظهار كمال الحفظ والعناية في مثل هذه الامور الزائلة التافهة بلا قصور، لهو حجةٌ بالغة على محافظة ومحاسبة ما له اهمية

عظيمة وتأثير ابدي كأفعال خلفاء الارض وآثارهم، واعمال حملة الامانة واقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الاحد وسيئاتهم..

﴿أيحسَبُ الانسانُ أنْ يُترَكَ سُدىً.. ﴾(القيامة:36) بلى إنه لمبعوثٌ الى الابد، ومرشحٌ للسعادة الابدية او الشقاء الدائم، فيحاسَبُ على السَبَد واللبَد(1) فاما الثواب واما العقاب.

وهكذا فهناك ما لا يحد ولا يُعد من دلائل التجلي لإسم الله الحفيظ، وشواهد حقيقة الآية المذكورة.

فهذا المثال الذي تنسج على منواله ليس الاّ قبضة من صُبرة(2)، او غرفة من بحر، او حبة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء(3)، وقطرة من زلال السماء، فسبحانه من حفيظ رقيب وشهيد حسيب. (*)

﴿سُبحانَكَ لاعِلم لنا إلاّ ما عَلمتَنا إنك أنتَ العَليم الحكيم﴾

__________________________

(1) السَبَد: جمع أسباد: القليل من الشعر، يقال: (ما له سبدٌ ولا لَبَد) أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر مجمع الامثال للميداني). – المترجم.

(2) الصُبرة: ماجمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. – المترجم.

(3) الفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع: الفيافي. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور- اللمعات ص:208


96-) مصير الأبرياء من الكفار في البلايا

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

لقد مسّ مسّاً شديداً مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس... ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى:

ان هذه المصائب وامثالها ينطوي تحتها نوع من الرحمة والمجازاة -حتى على الكافر- بحيث يهوّن تلك المصيبة، فتظل هينة بسيطة بالنسبة إليهم. واصبح هذا التنبيه مرهماً شافياً لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئاً عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.

نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى -التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صغاراً وإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، من أي دين كانوا. فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهوّن عليهم تلك المصيبة.

أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فان كانوا أبرياء مظلومين، فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم من جهنم، لأن الدين -ولاسيما الإسلام- يُستر بستار اللامبالاة في آخر الزمان، وان الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام سيحكم ويتكاتف مع الإسلام. فيمكن القول بلاشك ان ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات الفترة وما يقاسونه من الويلات تكون بحقهم نوعاً من الشهادة. ولاسيما الكهول واهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.

وقد بلغتني من الحقيقة: ان تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب المتأتية من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.

وبهذا وجدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ الله شكراً لا نهاية له.

أما أولئك الظالمون الذين يسعّرون نار تلك الفتن والنكبات، أولئك السفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها اشباعاً لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.

ولكن ان كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يهرعون إلى نجدة المظلومين ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية. فلابد ان النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرة جداً بحيث تجعل تلك الويلات بحقهم مدار شرف واعتزاز لهم بل وتحببها إليهم.(1)(*)

 

_____________________________________

(1) الملاحق- قسطموني/146

(*) كليات رسائل النور- الملاحق ص:312

 


97-) يمكنكم مجالسة سعيد

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد قلت لكم سابقاً: لا اهمية لشخصي "سعيد" كي يُرغب في مجالسته ومحاورته.

أما "سعيد" الذى هو استاذكم فيمكنكم مجالسته ومحاورته كلما فتحتم رسالة من الرسائل.

أما "سعيد" الذى هو اخوكم في الآخرة، فهو معكم صباح مساء في الدعاء والتضرع الى المولى الكريم. فالسيد "سزائي" يمكنه ان يرى استاذه واخاه "سعيد" في اي وقت يشاء.

أما شخص "سعيد" فيندم بعض من يراه، حسب المثل "تسمع بالمعيدى خير من ان تراه"(1) ويقول: ليتني لم اره! انه شبيه بطبل حسن الصوت من البعد فارغ في القرب.(*)

الباقي هو الباقي

                                                                         اخوكم    

سعيد النورسي

 

____________

(7) المثل للنعمان بن منذر اورده الميدانى (655) 1/ 178 والعسكري في جمهرة الامثال 1/266 والزمخشري في المستقصى 1/ 148، وابن منظور في لسان العرب مادة (معد) - المترجم.

(*)كليات رسائل النور – ملحق بارلا ..ص:85

 

 


98-) الاستفادة من توحيد المساعي

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

الاستفادة من توحيد المساعي

اخوتي الاعزاء الصادقين الاوفياء الثابتين!

ابيّن حالة من احوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا اخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من اكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعى المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.

ان ما اقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت اقاسيه في شهر في سجن "اسكى شهر". لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونياً ظالماً، كي يجدوا مبرراً من قولي: "كفى الى هذا الحد" النابع من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم اياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سبباً لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته اكاذيبهم.

انني أصبر شاكراً، واعدّه أثراً خارقاً من آثار إحسان إلهي، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب اكثر ونيل أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: "خير الأمور أحمزه"(1) لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.

ثم ان المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالافراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين اننا قد نذرنا حياتنا على حقيقة جليلة اسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. لأجل ذلك ما ينبغي ان يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة الى ان نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم الذي تفضل به علينا.(*)

_______________________

(1) أي أقواها وأشدها (انظر كشف الخفاء 1/155)

(*) الشعاع الثالث عشر - ص: 367

 


99-) لاتتفوهوا بكلام جارح

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

اخوتى الاعزاء الاوفياء!

ان سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطع تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، الاّ انهم ابدوا حجة تافهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا. بل ان انشغالهم بشخصي الذي لا اهمية له، وانصرافهم عن شد الخناق على رسائل النور وطلابها، وانزالهم الاهانات والعذاب بي، وايلامي قلباً وحقيقةً مع عدم تعرضهملرسائل النور يجعلني في رضىً عن هذا الوضع بل اشكر ربي صابراً فلا اضطرب ولا اقلق ابداً وانتم كذلك لا تتألموا. فاني على قناعة من ان صرف اعدائنا المتسترين انظار الموظفين في السجن اليّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامة ومصلحة رسائل النور وطلابها.

فعلى بعض الاخوة الاّ يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم، دون ابداء القلق والاضطراب. ولا يفتحوا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لان هناك جواسيس يحرّفون كلام اخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذ الحذر ويصرفون كلامهم إلى معاني مغايرة ويستهولون الأمور التافهة، ويخبرون المسؤولين بها. ان وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه. ومع هذا فلا تضطربوا قطعاً واعلموا اننا تحت رعاية العناية الإلهية وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم لله. فنحن مكلفون بالشكر لأن درهماً من التعب والمشقة يورث طناً من الثواب والرحمة. (*)

___________________________

(*) كليات رسائل النور- الشعاعات/536

 


100-) نصيحة للاخوة الديمقراطيين

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 

((إن أمضى اسلحة عبيد العهد الماضي من الماسونيين الذين هدروا الدين والإيمان والارواح في البلاد أثناء حكم الدكتاتورية والرئاسة الفردية وهم في انفاسهم الاخيرة، الموجهة ضد الديمقراطيين، هي السعي في اظهارهم وكأنهم اقل ديناً مما كانوا عليه. ويتلبس نفر منهم بازياء التدين فيشيعون بان الديمقراطيين لن يفوا بوعودهم للشعب في اطلاق الحريات الدينية. ويتهم نفر آخر منهم الديمقراطيين بحماية (الرجعية الدينية) لصدهم عن معاضدة حرية الدين وتوجههم إلى تخريب الدين والمؤسسات الدينية وفرض الشدة على أهل الدين.

ان تصرف الحزب الديمقراطي بحزم ضد الشيوعيين منذ استلامه للسلطة، واطلاق حرية الأذان المحمدي بصورته الشرعية وكسبه محبة الشعب لهذا السبب وحصوله على قوة تعدل قوته عشرين ضعفاً، اقلق حزب الشعب الجمهوري غاية القلق.

نحن نثق بان الديمقراطيين لن يقعوا في الفخ لانهم يدركون ان هذا الوضع الذي وقع فيه أولئك كان بسبب سياسة العهد الماضي الظالمة ضد أهل الدين وضد جماعة النور، أهل القرآن.

ان الشعار المعلن للنظام السابق معلوم للجميع. وينبغي للديمقراطيين، ما داموا يريدون البقاء، ان يتخذوا سياسة مناقضة لذلك الشعار مناقضة تامة: وهي التشدد ضد الشيوعية من جهة، وحماية الدين واهل الدين من جهة أخرى. انهم ملزمون بسلوك هذا السبيل في وضوح وجرأة. وان أي بادرة ضعف كان او بادرة فتور بهذا الشأن، يوقعهم في شراك حزب الشعب الجمهوري.

نحن، طلاب النور لا نشتغل في السياسة قطعاً. واملنا الوحيد ضمان حرية الدين في الوطن، ورفع الظلم والتضييق الواقع منذ ربع قرن على الدين واهله وجماعة النور، أهل القرآن. وننصح الاخوة الديمقرطيين ألاّ ينخدعوا بحيل النظام السابق الشيطانية ومصائدهم، وألاّ يخوضوا في الضلالة التي خاضوها، وألاّ يستخفوا بروح الشعب وارادته مثلما استخفوا. وليمضوا بعزم في الطريق السليم الذي سلكوه ازاء الشيوعية والدين)).

عن طلاب النور

صادق و صونغور و ضياء (*)
_____________

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:440