(الذي خَلَقَ الموت والحياةَ ليبلوَكُم ايّكُم أحْسَنُ عَمَلاً) (الملك:2)
ان الآية الكريمة وامثالها في القران الحكيم، تعد الموت مخلوقاً كالحياة، وتعتبره نعمة إلهية. ولكن الملاحظ ان الموت انحلال وعدم وتفسخ، وانطفاء لنور الحياة، وهادم اللذات... فكيف يكون "مخلوق" وكيف يكون "نعمة"؟
الجواب: لقد ذكرنا في ختام الجواب عن السؤال الأول: ان الموت في حقيقته تسريح وانهاء لوظيفة الحياة الدنيا، وهو تبديل مكان وتحويل وجود، وهو دعوة الى الحياة الباقية الخالدة ومقدمة لها؛ اذ كما ان مجئ الحياة الى الدنيا هو بخلق وبتقدير إلهي، كذلك ذهابها من الدنيا هو ايضاً بخلق وتقدير وحكمة وتدبير إلهي؛ لأن موت ابسط الأحياء - وهو النبات - يُظهر لنا نظاماً دقيقاً وابداعاً للخلق ما هو اعظم من الحياة نفسها وانظم منها، فموت الأثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهراً تفسخاً وتحللاً هو في الحقيقة عبارة عن عجن لتفاعلات كيمياوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكّل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث ان هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل وللنبات الباسق المثمر. وهذا يعني ان موت البذرة هو مبدأ حياة النبات الجديدة، أزهاراً وأثماراً.. بل هو بمثابة عين حياته الجديدة؛فهذا الموت اذن مخلوق منتظم كالحياة..
وكذلك فان ما يحدث في معدة الانسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني، هو في حقيقته بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في اجزاء الحياة الانسانية الراقية. فذلك الموت اذن مخلوق اكثر انتظاماً من حياة تلك الاغذية.
فلئن كان موت النبات - وهو في ادنى طبقات الحياة - مخلوقاً منتظماً بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الانسان وهو في ارقى طبقات الحياة؟ فلا شك ان موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ، تماماً كالبذرة الموضوعة تحت التراب والتي تصبح بموتها نباتاً رائع الجمال والحكمة في (عالم الهواء).
اما كيف يكون الموت نعمة؟..
فالجواب: سنذكر اربعة وجوه فقط من اوجه النعمة والامتنان الكثيرة للموت.
اولها: الموت انقاذ للانسان من اعباء وظائف الحياة الدنيا ومن تكاليف المعيشة المثقلة. وهوباب وصال في الوقت نفسه مع تسعة وتسعين من الاحبة الاعزاء في عالم البرزخ، فهو اذن نعمة عظمى!
ثانيها: انه خروج من قضبان سجن الدنيا المظلم الضيق المضطرب، ودخول في رعاية المحبوب الباقي وفي كنف رحمته الواسعة، وهو تنعم بحياة فسيحة خالدة مستنيرة لا يزعجها خوف، ولا يكدرها حزن ولا همّ.
ثالثه:ان الشيخوخة وامثالها من الاسباب الداعية لجعل الحياة صعبة ومرهقة، تبيّن مدى كون الموت نعمة تفوق نعمة الحياة. فلو تصورت ان اجدادك مع ما هم عليه من احوال مؤلمة قابعون امامك حالياً مع والديك اللذين بلغا ارذل العمر، لفهمت مدى كون الحياة نقمة، والموت نعمة. بل يمكن ادراك مدى الرحمة في الموت ومدى الصعوبة في ادامة الحياة ايضاً بالتأمل في تلك الحشرات الجميلة العاشقة للازاهير اللطيفة، عند اشتداد وطأة البرد القارس في الشتاء عليها.
رابعها: كما ان النوم راحة للانسان ورحمة، ولا سيما للمبتلين والمرضى والجرحى، كذلك الموت - الذي هو اخو النوم - رحمة ونعمة عظمى للمبتلين ببلايا يائسة قد تدفعهم الى الانتحار.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور- المكتوبات ص:8
2-)
لما قال القرآن (انزال الأنعام) ولم يقل خلق
السؤال :
لما قال القرآن (انزال الأنعام) ولم يقل خلق ؟
الجواب :
بِسْم الله الرّحمــن الرّحيم
{ وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ يَخْلُقُكُم في بُطونِ اُمّهاتِكُم خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلقٍ في ظُلُماتٍ ثَلـــث..} (الزمر:6 )
نعم، ان القرآن الكريم يقول في سورة الزمر: {وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج} ولا يقول: "وخلق لكم من الانعام ثمانية ازواج" وذلك للإفادة بان ثمانية ازواج من الحيوانات المباركة قد انزلت لكم وارسلت اليكم من خزينة الرحمة الإلهية وكأنها مرسلة من الجنة، لان تلك الحيوانات المباركة نعمة بجميع جهاتها للبشرية كافة. فمن أشعارها واوبارها يستفيد البدو في حلّهم وترحالهم، ومنها تنسج الملابس، ومن لحومها تهيأ ألذّ المأكولات، ومن ألبانها تستخرج أطيب الاطعمة، ومن جلودها تصنع الاحذية والنعال وغيرها من المواد النافعة، حتى ان روثها يكون رزقاً للنباتات ووقوداً للانسان. فكأن تلك الحيوانات المباركة قد تجسمت واصبحت النعمة بعينها والرحمة بنفسها. ولهذا اُطلق عليها اسم "الأنعام" مثلما اطلق على المطر اسم "الرحمة". فكأن الرحمة قد تجسمت مطراً والنعمة تجسدت في صور شتى من اشكال المعزى والضأن والبقر والجاموس والابل.
وعلى الرغم من ان موادها الجسمانية تُخلق في الارض، فان صفة النعمة ومعنى الرحمة قد غلبتا واستحوذتا على مادتها، فعبّر القرآن عنها بـ "انزلن" الذي يفيد: ان الخالق قد أنزل هذه الحيوانات المباركة من خزينة الرحمة مباشرة، اي ان الخالق الرحيم قد ارسلها من مرتبة رحمته الرفيعة، ومن جنته المعنوية العالية، هدية الى وجه الارض بلا وساطة.
نعم، تُدرج احياناً صنعةٌ تقدّر بخمس ليرات في مادة لا تساوي خمسة قروش، فلا تؤخذ مادة الشئ بنظر الاعتبار، بل تعطى الاهمية للصنعة الموجودة عليها،كالصنعة الربانية العظيمة الموجودة في الجرم الصغير للذباب. واحياناً تكون صنعة زهيدة في مادة ثمينة، فالحكم عندئذٍ للمادة.
على غرار هذا المثال: فان مادة جسمانية قد تحمل من معاني الرحمة ومعاني النعمة الكثيرة بحيث تفوق مائة مرة في الاهمية على مادتها. حتى لكأن مادة ذلك الشئ تختفي وتنزوي امام عظم اهمية النعمة والرحمة، لذا فالحكم هنا يتوجه الى حيث النعمة.
وكما تخفي المنافع العظيمة للحديد وفوائده الكثيرة مادتَه المادية، فان النعمة الموجودة في كل جزء من اجزاء هذه الحيوانات المباركة المذكورة كأنها قد قلبت مادتها الجسمانية الى نعمة، فأُخذت صفاتها المعنوية بنظر الاعتبار دون مادتها الجسمانية.لذا عُبّرت عنها في الاية الكريمة "وانزل ... وانزلن".
نعم، ان عبارة "وانزل.. وانزلن" كما تفيد النكات السابقة من حيث الحقيقة فانها تفيد ايضاً معنى بلاغياً مهماً إفادة معجزة. وذلك :
ان منح الحديد خواص مميزة، كوجوده في كل مكان، وسهولة تليينه كالعجين، نعمة إلهية.حيث يمكن الحصول عليه واستعماله في كل عمل رغم صلابته واختفائه ووجوده في الاعماق فطرة، لذا فان التعبير بـ {وانزلنا الحديد}انما يبين هذا المعنى اي كأن الحديد نعمة من النعم الفطرية السماوية التي يمكن الحصول عليها بيسر، وكأن مادة الحديد تنزل من مصنع علوي رفيع وتسلّم بيد الانسان بسهولة.
وكذلك الحيوانات الضخمة كالبقر والجاموس والابل وغيرها من المخلوقات الجسيمة، مسخّرة وذليلة ومطيعة ومنقادة حتى لصبي صغير ، اذ تسلم قيادها له وتطيعه. لذا فالتعبير بـ{وانزل لكم من الانعام} يفيد ان هذه الحيوانات المباركة ليست حيوانات دنيوية يُستوحش منها وتلحق بنا الضرر كالبعوض والحية والعقرب والذئب والسبع وما شابهها من الضوارى المفترسة، بل كأنها حيوانات آتية من جنة معنوية، لها منافع جليلة، ولا يأتي منها ضرر، بل كأنها تنزل من الاعلى ، اي من خزينة الرحمة.
ولعل المقصود من قول بعض المفسرين: ان هذه الحيوانات قد اُنزلت من الجنة ناشئ من هذا المعنى المذكور(1).
ان كتابة صحيفة كاملة حول ايضاح ما في حرف واحد من القرآن الكريم من مسائل ونكات لا تعد اطناباً، فليس اذن من الاسراف في شئ كتابتنا ثلاث صفحات لبيان نكات العبارة القرآنية "انزلن". بل قد يكون احياناً حرف واحد من القرآن الكريم مفتاحاً لخزينة معنوية عظيمة.
_______________
(1) لقد قال بعض المفسرين : ان مبادى هذه الحيوانات قد أتت من السموات. ومرادهم في ذلك: ان بقاء هذه الحيوانات المسماة بالأنعام، انما هو بالرزق، وان ارزاقها هي الاعشاب والنباتات، ورزق الاعشاب آت من المطر، والمطر باعث على الحياة ورحمة نازلة من السماء، فالرزق آت من السموات. والآية الكريمة ( وفي السماء رزقكم)(الذاريات:22) تشير الى هذا المعنى. اذ لما كانت ادامة اجسام الحيوانات المتجددة هي بالمطر النازل من السموات، فان التعبير بـ »انزلنا« هو في موضعه اللائق - المؤلف.
(*) كليات رسائل النور - اللمعة الثامنة والعشرون - ص: 425
3-)
إننا كثيراً ما ندعو الله فلا يُستجابُ لنا
قال الله تعالى: [قُلْ مَا يَعْبَؤا بكُم ربّي لَولا دُعَاؤكُمي](1)
وقال : [اُدْعوني أستَجِبْ لكُم] (2)
السؤال :
إننا كثيراً ما ندعو الله فلا يُستجابُ لنا رغم ان الآية عامةٌ تُصرّح بأنّ كل دعاءٍ مستجابٌ؟
الجواب:
ان إستجابةَ الدعاء شئ، وقبولَه شئ آخر. فكلُّ دعاءٍ مستجابٌ، الاّ أن قبولَه وتنفيذَ المطلوب نفسه منوطٌ بحكمة الله سبحانه.
فمثل:يستصرخ طفلٌ عليل الطبيبَ قائلاً:
"أيها الطبيب انظر اليّ واكشف عني".
فيقول الطبيب: "أمرُك يا صغيري". فيقول الطفل:
"اعطني هذا الدواء". فالطبيب حينذاك إمّا انه يُعطيه الدواء نفسَه، أو يعطيه دواءً أكثر نفعاً وأفضل له، أو يمنع عنه العلاجَ نهائياً. وذلك حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ.
وكذلك الحق تبارك وتعالى (وله المثل الاعلى) فلأنه حكيمٌ مطلقٌ ورقيبٌ حسيب في كل آن، فهو سبحانه يستجيب دعاءَ العبد، وباستجابته يُزيل وحشَته القاتمةَ وغربته الرهيبة، مُبدلاً إياها أملاً واُنساً وإطمئناناً. وهو سبحانه إما أنه يَقبل مَطلبَ العبد ويستجيب لدعائه نفسه مباشرة، أو يمنحه أفضل منه، أو يردّه، وذلك حسب اقتضاء الحكمة الربانية، لا حسبَ أهواء العبد المتحكمة وأمانيّه الفاسدة.
وكذا، فالدعاء هو ضربٌ من العبودية، وثمار العبادة وفوائدُها أخرويةٌ. أما المقاصدُ الدنيوية فهي "أوقاتُ" ذلك النوع من الدعاء والعبادة، وليست غاياتها.
فمثل:صلاةُ الاستسقاء نوعٌ من العبادة، وانقطاع المطر هو وقتُ تلك العبادة. فليست تلك العبادةُ وذلك الدعاء لأجل نزولِ المطر. فلو اُدّيَتْ تلك العبادةُ لأجل هذه النية وحدَها اذن لكانت غير حريّة بالقبول، حيث لم تكن خالصةً لوجه الله تعالى..
وكذا وقتُ غروبِ الشمس هو اعلانٌ عن صلاة المغرب، ووقتُ كسوف الشمس وخسوف القمر هو وقتُ صلاةِ الكسوف والخسوف. أي أن الله سبحانه يدعو عبادَه الى نوعٍ من العبادة لمناسبة انكساف آية النهار وانخساف آية الليل اللتين تومئان وتُعلنان عظمتَهُ سبحانه. والاّ فليست هذه العبادة لإنجلاء الشمس والقمر الذي هو معلومٌ عند الفلكي..
فكما ان الأمر في هذا هكذا فكذلك وقتُ انحباس المطر هو وقتُ صلاةِ الاستسقاء، وتهافتُ البلايا وتسلطُ الشرور والأشياء المضرة هو وقتُ بعض الادعية الخاصة، حيث يدرك الانسانُ حينئذٍ عجزَه وفقرَه فيلوذ بالدعاء والتضرع الى باب القدير المطلق. واذا لم يدفع الله سبحانه تلك البلايا والمصائب والشرور مع الدعاء الملحّ، فلا يقالُ:إن الدعاءَ لم يُستجبْ، بل يقال: إن وقت الدعاء لم ينقضِ بعدُ. وإذا ما رفع سبحانه بفضله وكرمه تلك البلايا وكشف الغمة فقد انتهى وقتُ الدعاء اذن وانقضى. وبهذا فالدعاء سرٌ من أسرار العبودية.
والعبودية لابد أن تكون خالصةً لوجه الله، بأن يأوي الانسانُ الى ربَّه بالدعاء مُظهراً عجزَه، مع عدم التدخل في اجراءات ربوبيته، أو الاعتراضِ عليها، وتسليمُ الأمر والتدبير كلّه اليه وحدَه، مع الاعتماد على حكمته من دون إتهامٍ لرحمته ولا القنوطِ منها.(*)
ما الحكمة في اخراج سيدنا آدم عليه السلام من الجنة؟ وما الحكمة في ادخال قسم من بني آدم جهنم؟
الجواب: حكمته: التوظيف.. فقد بُعثَ الى الارض موظفاً، موكولاً اليه مهمة جليلة، بحيث ان نتائج تلك الوظيفة هي جميع انواع الرقي المعنوي البشري، وانكشاف جميع استعدادات البشر ونمائها، وصيرورة الماهية الانسانية مرآة جامعة للاسماء الإلهية الحسنى كلها
فلو كان سيدنا آدم عليه السلام باقياً في الجنة لبقى مقامه ثابتاً كمقام المَلَك، وَلما نمت الاستعدادات البشرية. بينما الملائكة الذين هم ذوو مقام ثابت مطرد كثيرون فلا داعي الى الانسان للقيام بذلك النوع من العبودية. فاقتضت الحكمة الإلهية وجود دار تكليف تلائم استعدادات الانسان التي تتمكن من قطع مقامات لا نهاية لها.ولذلك اُخرج آدم عليه السلام من الجنة بالخطيئة المعروفة التي هي مقتضى فطرة البشر خلاف الملائكة.
اي ان اخراج آدم عليه السلام من الجنة، هو عين الحكمة ومحض الرحمة. كما ان ادخال الكفار جهنم حق وعدالة، مثلما جاء في "الاشارة الثالثة من الكلمة العاشرة" ان الكافر وإن عمل ذنباً في عمر قصير، الاّ أن ذلك الذنب ينطوي على جناية لا نهاية لها؛ ذلك لأن الكفر تحقير للكائنات جميعاً وتهوين من شأنها.. وتكذيب لشهادة المصنوعات كلها للوحدانية.. وتزييف للاسماء الحسنى المشهودة جلواتها في مرايا الموجودات.. ولهذا يلقى القهارالجليل، سلطان الموجودات، الكفارَ في جهنم ليخلدوا فيها، أخذاً لحقوق الموجودات كلها منهم.
والقاؤهم في جهنم ابداً هو عين الحق والعدالة، لأن جناية بلا نهاية تقتضي عذاباً بلا نهاية.(*)
قال صلى الله عليه وسلم [عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة](1).
سؤال مهم ومثير للدهشة:
لماذا يختلف اصحاب الدين والعلماء وارباب الطرق الصوفية وهم اهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم في حين يتفق اهل الدنيا والغفلة بل اهل الضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم. مع ان الاتفاق هو من شأن اهل الوفاق والوئام، والخلاف ملازم لاهل النفاق والشقاق. فكيف استبدل الحق والباطل مكانهما، فأصبح الحق بجانب هؤلاء والباطل بجانب اولئك؟
الجواب:
سنبين سبعة من الاسباب العديدة لهذه الحالة المؤلمة التي تقض مضجع الغيارى الشهمين.
السبب الاول:
ان اختلاف اهل الحق غير نابع مـن فقدان الحقيقة، كما ان اتفاق اهل الغفلة ليس نابعاً من ركونهم الى الحقيقة، بل ان وظائف اهل الدنيا والسياسة والمثقفين وامثالهم من طبقات المجتمع قد تعيّنت وتميزت. فلكل طائفة وجماعة وجمعية مهمة خاصة تنشغل بها، وما ينالونه من اجرة مادية - لقاء خدماتهم ولإدامة معيشتهم - هي كذلك متميزة ومتعينة، كما ان ما يكسبونه من اجرة معنوية كحب الجاه وذيوع الصيت والشهرة، هي الاخرى متعينة ومخصصة ومتميزة(2). فليس هناك اذن ما يولد منافسة او مزاحمة او حسداً فيما بينهم. وليس هناك ما يوجب المناقشة والجدال، لذا تراهم يتمكنون من الاتفاق مهما سلكوا من طرق الفساد.
أما اهل الدين واصحاب العلم وارباب الطرق الصوفية فان وظيفة كل منهم متوجهة الى الجميع، وأن اجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة، كما ان حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس اليهم والرضى عنهم لم يتخصص ايضاً.
فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيد كثيرة جداً الى اية اجرة - مادية كانت او معنوية- ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة. فيتبدل الوفاق نفاقاً والاتفاق اختلافاً وتفرقاً.
فلا يشفى هذا المرض العضال الا مرهم الاخلاص الناجع، اي:
ان ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة: (إنْ اَجرِىَ إلاَّ عَلَى الله) (يونـس: 72) بايثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثرة النفس.. وان يحصل له امتثال بالآية الكريمة: (وَمَا عَلى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبينُ) (النور: 54):باستغنائه عن الاجر المادي والمعنوي - المقبلين من الناس – (3) مدركاً ان استحسان الناس كلامه وحسن تأثيره فيهم ونيل توجههم اليه هو مما يتولاه الله سبحانه وتعالى ومن احسانه وفضله وحده، وليس داخلاً ضمن وظيفته التي هي منحصرة في التبليغ فحسب. بل لا يلزمه ذلك ولا هو مكلف به اصلا.
فمن وفّقه الله الى ما ذُكر آنفاً يجد لذة الاخلاص، وإلاّ يفوته الخير الكثير.
السبب الثاني:
ان اتفاق اهل الضلالة نابع من ذلتهم، بينما اختلاف اهل الهداية نابع من عزتهم، اذ لما كان اهل الدنيا والضلالة الغافلون لا يستندون الى الحق والحقيقة فهم ضعفاء واذلاء، يشعرون بحاجة ماسة الى اكتساب القوة ويتشبثون بشدة الى معاونة الآخرين والاتفاق معهم، ويحرصون على هذا الاتفاق ولو كان مسلكهم ضلالة، فكأنهم يعملون حقاً في تساندهم على الباطل، ويخلصون في ضلالهم، ويبدون ثباتاً واصراراً على إلحادهم، ويتفقون في نفاقهم، فلاجل هذا يوفّقون في عملهم، لان الاخلاص التام ولو كان في الشر لا يذهب سدى، ولا يكون دون نتيجة. فما من سائل يسأل باخلاص امراً الا قضاه الله له(4).
اما اهل الهداية والدين واصحاب العلم والطريقة فلانهم يستندون الى الحق والحقيقة، ولان كلاً منهم اثناء سيره في طريق الحق لا يرجو الا رضى ربه الكريم ويطمئن اليه كل الاطمئنان، وينال عزة معنوية في مسلكه نفسه، اذ حالما يشعر بضعف ينيب الى ربه دون الناس،ويستمد منه وحده القوة، زد على ذلك يرى امامه اختلاف المشارب مع ما هو عليه، لذا تراه لا يستشعر بدواعي التعاون مع الآخرين بل لا يتمكن من رؤية جدوى الاتفاق مع مخالفيه ظاهراً ولا يجد في نفسه الحاجة اليه.
واذا ما كان ثمة غرور وانانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقاً ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الاخلاص ويحبط عمله ويكون اثراً بعد عين.
والعلاج الوحيد لهذه الحالة والحيلولة دون رؤية نتيجتها الوخيمة هو في تسعة امور آتية:
1 - العمل الايجابي البنّاء، وهو عمل المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب، من دون ان يرد الى تفكيره، او يتدخل في علمه عداء الآخرين او التهوين من شأنهم، أي لا ينشغل بهم اصلاً.
2- بل عليه ان يتحرى روابط الوحدة الكثيرة التي تربط المشارب المعروضة في ساحة الاسلام - مهما كان نوعها - والتي ستكون منابع محبة ووسائل اخوة واتفاق فيما بينها فيتفق معها.
3- واتخاذ دستور الانصاف دليلاً ومرشداً، وهو ان صاحب كل مسلك حق يستطيع القول: "ان مسلكي حق وهو افضل واجمل" من دون ان يتدخل في امر مسالك الآخرين، ولكن لا يجوز له ان يقول: "الحق هو مسلكي فحسب" او "ان الحسن والجمال في مسلكي وحده" الذي يقضي على بطلان المسالك الاخرى وفسادها.
4- العلم بان الاتفاق مع اهل الحق هو احد وسائل التوفيق الالهي وأحد منابع العزة الاسلامية.
5 - الحفاظ على الحق والعدل بايجاد شخص معنوي، وذلك بالاتفاق مع اهل الحق للوقوف تجاه اهل الضلالة والباطل الذين اخذوا يغيرون بدهاء شخص معنوي قوي في صورة جماعة على اهل الحق - بما يتمتعون به من تساند واتفاق - ثم الادراك بان اية مقاومة فردية - مهما كانت قوية -مغلوبة على امرها تجاه ذلك الشخص المعنوي للضلالة.
بهذه النقاط التسع يُظفر بالاخلاص ويوفي الانسان وظيفته حق الوفاء ويؤديها على الوجه المطلوب .(5)
السبب الثالث:
ان اختلاف اهل الحق ليس ناشئاً عن الوضاعة وفقدان الهمة، كما ان اتفاق اهل الضلالة ليس ناشئاً عن علو الهمة، بل ان اختلاف اهل الهداية نابع من سوء استعمال علو الهمة والافراط فيه، واتفاق اهل الضلالة مردّه الضعف والعجز الحاصلان من انعدام الهمة.
والذي يسوق اهل الهداية الى سوء استعمال علو الهمة وبالتالي الى الاختلاف والغيرة والحسد، انما هو المبالغة في الحرص على الثواب الاخروي - الذي هو في حد ذاته خصلة ممدوحة - وطلب الاستزادة منها دون قناعة وحصرها على النفس. وهذا يستدرج الحريص شيئاً فشيئاً حتى يصل به الامر ان يتخذ وضعاً منافساً ازاء اخيه الحقيقي الذي هو بأمس الحاجة الى محبته ومعاونته واخوته والاخذ بيده، كأن يقول - مثلاً - لأغنم انا بهذا الثواب، ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وامثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه. او يقول: لماذا يذهب تلاميذي الى فلان وعلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة؟ فتجد روح الانانية لديه - بهذا الحوار الداخلي -الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز، فتسوقه تدريجياً الى التلوث بصفة مذمومة، تلك هي التطلع الى حب الجاه، فيفوته الاخلاص وينسد دونه بابه، بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه.
ان علاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو:
العلم بان رضى الله لا ينال الا بالاخلاص، فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الاعمال، ذلك لان تكثير التابعين والتوفيق في الاعمال هو مما يتولاه الله سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسأل ولا يطلب بل يؤتيه الله سبحانه من يشاء.
نعم، رُبّ كلمة واحدة تكون سبباً للنجاة من النار وتصبح موضع رضى الله سبحانه، ورُبّ ارشاد شخص واحد يكون موضع رضى الله سبحانه بقدر ارشاد الف من الناس. فلا ينبغي أن تُؤخذ الكمية كثيراً بنظر الاعتبار.
ثم ان الاخلاص في العمل ونشدان الحق فيه انما يُعرف بصدق الرغبة في افادة المسلمين عامةً اياً كان مصدر الاستفادة ومن اي شخص صدر. وإلا فحصر النظر بان
يؤخذ الدرس والارشاد مني فقط لأفوز بالثواب الاخروي هو حيلة النفس وخديعة الانانية.
فيامن يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من اعمال للآخرة! اعلم ان الله سبحانه قد بعث انبياء كراماً، وما آمن معهم إلاّ قليل. ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملاً غير منقوص. فليس السبق والفضل اذن في كثرة التابعين المؤمنين، وانما في نيل شرف رضى الله سبحانه. فمن انت ايها الحريص حتى ترغب ان يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول ان تتدخل في تدبير الله وتقديره؟ اعلم واجبك، ولا تحاول ان تتدخل في تدبير الله وتقديره. اعلم ان تصديق الناس كلامك وقبولهم دعوتك وتجمعهم حولك انما هو من فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا تُشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همك في القيام بما انيط بك من واجب.
ثم ان الاصغاء الى الحق والحقيقة، ونوال المتكلم بهما الثواب ليس منحصراً على الجنس البشري وحده، بل لله عباد من ذوي الشعور ومن الروحانيين والملائكة قد ملأوا اركان الكون وعمروها. فان كنت تريد مزيداً من الثواب الاخروي فاستمسك بالاخلاص واتخذه اساساً لعملك واجعل مرضاة الله وحدها الهدف والغاية في عملك، كي تحيا افراد تلك الكلمات الطيبة المنطوقة من شفتيك منتشرة في جو السماء بالاخلاص وبالنية الخالصة لتصل الى اسماع مخلوقات من ذوي المشاعر الذين لا يحصرهم العد، فتنوّرهم، وتنال بها الثواب العظيم اضعافاً مضاعفة. ذلك لانك اذا قلت: "الْحَمْدُ لله" مثلا فستُكتب بأمر الله على اثر نطقـك بهـذه الكلمة ملايين الملايين مـن "الْحَمْد لله" صغيرة وكبيرة في الفضاء. فلقد خلق سبحانه ما لا يعد من الآذان والاسماع تصغي الى تلك الكلمات الكثيرة الطيبة، حيث لا عبث ولا اسراف في عمل البارئ الحكيم. فاذا ما بعث الاخلاصُ والنية الصادقة الحياةَ في تلك الكلمات المنتشرة في ذرات الهواء فستدخل اسماع اولئك الروحانيين لذيذة طيبة كلذة الفاكهة الطيبة، ولكن اذا لم يبعث رضى الله والاخلاص الحياة في تلك الكلمات، فلا تستساغ، بل تنبو عنها الاسماع، ويبقى ثوابه منحصراً فيما تفوّه به الفم.
فليصغ الى هذا قراء القرآن الكريم الذين يتضايقون من افتقار اصواتهم الى الجودة والاحسان فيشكون من قلة السامعين لهم!.
السبب الرابع:
ان اختلاف اهل الهداية وتحاسدهم ليس كائناً من عدم التفكر في مصيرهم ولا من قصر نظرهم، كما ان الاتفاق الجاد بين اهل الضلالة ليس كائناً من القلق على المصير ولا من سمو نظرهم وعمق رؤيتهم. بل ان عجز اهل الهداية عن الثبات على الاستقامة في السير، وتقصيرهم عن الاخلاص في العمل يحرمهم من التمتع بمزايا ذلك المستوى الرفيع، فيسقطون في هوة الاختلاف رغم كونهم يسترشدون بالعقل والقلب البصيرين للعاقبة ويستفيضون من الحق والحقيقة ولا يميلون مع شهوات النفس بمقتضى أحاسيسهم الكليلة عن رؤية العقبى.
اما اهل الضلالة فباغراء النفس والهوى وبمقتضى المشاعر الشهوية والاحاسيس النفسانية الكليلة عن رؤية العقبى والتي تفضل درهما من لذة عاجلة على ارطال من الآجلة، تراهم يتفقون فيما بينهم اتفاقاً جاداً ويجتمعون حول الحصول على منفعة عاجلة ولذة حاضرة.
نعم، ان عبيد النفس السفلة من ذوي القلوب الميتة والهائمين على الشهوات الدنيئة يتحدون ويتفقون فيما بينهم على منافع دنيوية عاجلة.. بينما ينبغي لأهل الهداية الاتفاق الجاد والاتحاد الكامل والتضحية المثمرة والاستقامة الرصينة فيما بينهم، حيث انهم يتوجهون بنور العقل وضياء القلب الى جني كمالات وثمرات اخروية خالدة آجلة، ولكن لعدم تجرّدهم من الغرور والكبر والافراط والتفريط يضيّعون منبعاً عظيماً ثراً يمُدهم بالقوة، ألا هو الاتفاق. فيضيع بدوره الاخلاص ويتحطم، وتتضعضع الاعمال الاخروية وتذهب سدى، ويصعب الوصول الى نيل رضى الله سبحانه.
وعلاج هذا المرض الوبيل ودواؤه هو:
الافتخار بصحبة السالكين في منهج الحق، وربط عرى المحبة معهم تطبيقاً للحديث الشريف: "الحب في الله"(6) ثم السير من خلفهم وترك شرف الامامة لهم وترك الاعجاب بالنفس والغرور، بناء على احتمال كون سالك الحق اياً كان هو خيراً
منه وافضل، وذلك ليسهل نيل الاخلاص. ثم العلم بأن درهماً من عمل خالص لوجه الله اولى وارجح من ارطال من اعمال مشوبة لا اخلاص فيها. ثم ايثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع الى تسلم المسؤولية التي قلما تسلم من الاخطار.
بهذه الامور يعالج هذا المرض الوبيل ويعافى منه، ويظفر بالاخلاص، ويكون المؤمن ممن ادى اعماله الاخروية حق الأداء.
السبب الخامس:
ان اختلاف اهل الهداية وعدم اتفاقهم ليس نابعاً من ضعفهم، كما أن الاتفاق الصارم بين اهل الضلالة ليس نابعاً من قوتهم. بل ان عدم اتفاق اهل الهداية ناجم عن عدم شعورهم بالحاجة الى القوة، لما يمدهم به ايمانهم الكامل من مرتكز قوي. وان اتفاق اهل الغفلة والضلالة ناجم عن الضعف والعجز، حيث لايجدون في وجدانهم مرتكزاً يستندون الى قوته. فلفرط احتياج الضعفاء الى الاتفاق تجدهم يتفقون اتفاقاً قوياً، ولضعف شعور الاقوياء بالحاجة الى الاتفاق يكون اتفاقهم ضعيفاً. مثلهم في هذا كمثل الاسُود والثعالب التي لا تشعر بالحاجة الى الاتفاق فتراها تعيش فرادى، بينما الوعل والماعز الوحشي تعيش قطعاناً خوفاً من الذئاب. أي ان جمعية الضعفاء والشخص المعنوي الممثل لهم قوي كما ان جمعية الاقوياء والشخص المعنوي الممثل لهم ضعيف(7).وهناك اشارة لطيفة الى هذا السر في نكتة قرآنية ظريفة وهي: انه اسنـد الفـعل "قَـالَ" بصيغة الـمذكر الى جماعة الإناث مع كونها مؤنثة مضاعفة، وذلـك فـي قوله تعـالـى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ في الْمَدينَة) ِ (يوسف:30)، بينما جاء الفعل "قـالـت" بـصيغة المـؤنث في قوله تعالـى: (قَـالَــتِ الاَعْرَابُ) (الحجرات:14)، وهم جماعة من الذكور، مما تشير اشارة لطيفة الى ان جماعة النساء الضعيفات اللطيفات تتخاشن وتتقوى وتكسب نوعاً من الرجولة، فاقتضت الحال صيغة المذكر، فجاء فعل "قال" مناسباً وفي غاية الجمال. أما الرجال الاقوياء فلانهم يعتمدون على
قوتهم ولا سيما الاعراب البدويون فتكون جماعتهم ضعيفة كأنها تكسب نوعاً من خاصية الانوثة من توجس وحذر ولطف ولين فجاءت صيغة التأنيث للفعل ملائمة جداً في قوله تعالى: (قَالَتِ الاَعْرَابُ).
نعم ان الذين ينشدون الحق لايرون وجه الحاجة الى معاونة الآخرين لما يحملون في قلوبهم من ايمان قوي يمدهم بسند عظيم ويبعث فيهم التوكل والتسليم، حتى لو احتاجوا الى الآخرين فلا يتشبثون بهم بقوة . اما الذين جعلوا الدنيا همّهم، فلغفلتهم عن قوة استنادهم ومرتكزهم الحقيقي يجدون في انفسهم الضعف والعجز في انجاز امور الدنيا، فيشعرون بحاجة ملحة الى من يمد لهم يد التعاون فيتفقون معهم اتفاقاً جاداً لا يخلو من تضحية وفداء.
وهكذا فلأن طلاب الحق لا يقدرون قوة الحق الكامنة في الاتفاق ولا يبالون بها ينساقون الى نتيجة باطلة وخيمة تلك هي الاختلاف، بينما اهل الباطل والضلالة فلأنهم يشعرون -بسبب عجزهم وضعفهم - بما في الاتفاق من قوة عظيمة فقد نالوا امضى وسيلة توصلهم الى اهدافهم، تلك هي الاتفاق.
وطريق النجاة من هذا الواقع الباطل الاليم، والتخلص من هذا المرض الفتاك، مرض الاختلاف الذي المّ بأهل الحق هو اتخاذ النهي الالهي في الآية الكريمة:
(وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَْفشَلوُا وَتَذْهَبَ ريحُكُم) (الانفال:46) واتخاذ الامر الرباني في الآية الكريمة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى) (المائدة:2) دستورين للعمل في الحياة الاجتماعية.. ثم العلم بمدى مايسببه الاختلاف من ضرر بليغ في الاسلام والمسلمين وبمدى ما ييسر السبيل امام اهل الضلالة ليبسطوا ايديهم على اهل الحق..ثم الالتحاق بقافلة الايمان التي تنشد الحق والانخراط في صفوفها بتضحية وفداء وبشعور نابع من عجز كامل وضعف تام، وذلك مع نكران الذات والنجاة من الرياء ابتغاء الوصول الى نيل شرف الاخلاص.
السبب السادس:
ان اختلاف اهل الحق ليس ناشئاً من فقدان الشهامة والرجولة ولا من انحطاط الهمة وانعدام الحمية، كما ان الاتفاق الجاد بين الغافلين الضالين الذين يبغون الدنيا في امورهم ليس ناشئاً من الشهامة والرجولة ولا من الحمية وعلو الهمة. بل ان اهل
الحق وجّهوا نظرهم الى ثواب الآخرة - على الاكثر - فتوزع ما لديهم من حمية وهمة وشهامة الى تلك المسائل المهمة والكثيرة، ونظراً لكونهم لايصرفون اكثر وقتهم - الذي هو رأس مالهم الحقيقي - الى مسألة معينة واحدة، فلا ينعقد اتفاقهم عقداً محكماً مع السالكين في نهج الحق، حيث ان المسائل كثيرة والميدان واسع جداً.
اما الدنيويون الغافلون، فلكونهم يحصرون نظرهم حصراً في الحياة الدنيا - فهي اكبر همهم ومبلغ علمهم - تراهم يرتبطون معها بأوثق رباط وبكل ما لديهم من مشاعر وروح وقلب.فأيما شخص يمد لهم يد المساعدة يستمسكون بها بقوة، فهم يحصرون وقتهم الثمين جداً في قضايا دنيوية لا تساوي شيئاً في الحقيقة لدى اهل الحق. مثلهم في هذا كمثل ذلك الصائغ اليهودي المجنون الذي اشترى قطعاً زجاجية تافهة بأثمان الاحجار الكريمة الباهظة. فابتياع الشيء بأثمان باهظة، وصرف المشاعر كلها نحوه يؤدي حتماً الى النجاح والتوفيق ولو كان في طريق باطل، لان فيه اخلاصاً جاداً. ومن هنا يتغلب اهل الباطل على اهل الحق، فيفقد اهل الحق الاخلاص ويسقطون في مهاوي الذل والتصنع والرياء، ويضطرون الى التملق والتزلف الى ارباب الدنيا المحرومين من كل معاني الشهامة والهمة والغيرة.
فيا اهل الحق! ويا اهل الشريعة والحقيقة والطريقة! ويا من تنشدون الحق لاجل الحق!اسعوا في دفع هذا المرض الرهيب، مرض الاختلاف بتأدبكم بالادب الفرقاني العظيم، الا وهو: (وَاِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان: 72)، فاعفوا عن هفوات اخوانكم واصفحوا عن تقصيراتهم، وغضوا ابصاركم عن عيوب بعضكم البعض الآخر، ودعوا المناقشات الداخلية جانباً. فالاعداء الخارجيون يغيرون عليكم من كل صوب، واجعلوا انقاذ اهل الحق من السقوط والذلة من اهم واجباتكم الاخروية واولاها بالاهتمام، وامتثلوا بما تأمركم به مئات الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة من التآخي والتحابب والتعاون، واستمسكوا بكل مشاعركم بعرى الاتفاق والوفاق مع اخوانكم في الدين ونهج الحق المبين باشد مما يستمسك به الدنيويون الغافلون، واحذروا دائماً من الوقوع في شباك الاختلاف. ولا يقولن احدكم: "سأصرف وقتي الثمين في قراءة الاوراد والاذكار والتأمل، بدلاً من ان أصرفه في
مثل هذه الامور الجزئية" فينسحب من الميدان ويصبح وسيلة في توهين الاتفاق والاتحاد وسبباً في اضعاف الجماعة المسلمة، ذلك لان المسائل التي تظنونها جزئية وبسيطة ربما هي على جانب عظيم من الاهمية في هذا الجهاد المعنوي.فكما ان مرابطة جندي في ثغر من الثغور الاسلامية - ضمن شرائط خاصة مهمة - لساعة من الوقت قد تكون بمثابة سنة من العبادة، فان يومك الثمين هذا الذي تصرفه في مسألة جزئية من مسائل الجهاد المعنوي ولا سيما في هذا الوقت العصيب الذي غُلب اهل الحق فيه على أمرهم، اقول ان يومك هذا ربما يأخذ حكم ساعة من مرابطة ذلك الجندي، اي يكون ثوابه عظيماً، بل ربما يكون يومك هذا كألف يوم. اذ ما دام العمل لوجه الله وفي سبيله فلا يُنظر الى صغره وكبره ولا الى سموه وتفاهته، فالذرة في سبيل رضاه سبحانه مع الاخلاص تصبح نجمة متلألئة، فلا تؤخذ ماهية الوسيلة بنظر الاعتبار وانما العبرة في النتيجة والغاية، وحيث انها رضى الله سبحانه، وأن اساس العمل هو الاخلاص، فلن تكون تلك المسألة اذن مسألة صغيرة، بل هي كبيرة وعظيمة.
السبب السابع:
ان اختلاف اهل الحق والحقيقة ومنافستهم ليس ناشئاً من الغيرة فيما بينهم ولا من الحرص على حطام الدنيا، كما ان اتفاق الدنيويين الغافلين ليس من كرامتهم وشهامتهم. بل ان اهل الحقيقة لم يتمكنوا من الحفاظ على الفضائل والمكارم التي يحصلون عليها من تمسكهم بالحقيقة ولم يستطيعوا البقاء والثبات ضمن منافسة شريفة نزيهة في سبيل الحق بتسلل القاصرين منهم في هذا الميدان؛ لذا فقد اساءوا - بعض الاساءة - الى تلك الصفات المحمودة، وسقطوا في الاختلاف والخلاف نتيجة التحاسد فأضروا انفسهم وجماعة المسلمين ايما ضرر.
اما الضالون والغافلون فنظراً لفقدانهم المروءة والحمية لعجزهم ولذلتهم فقد مدوا ايديهم واتحدوا اتحاداً صادقاً مع اناس اياً كانوا، بل مع الدنيئين الوضيعين من الناس كيلا تفوتهم منافع يلهثون وراءها، ولا يُسخطوا اصدقاءهم ورؤساءهم الذين يأتمرون بأوامرهم الى حد العبادة لاجلها، لذا اتفقوا مع من يشاركهم في الامر اتفاقاً جاداً واجتمعوا مع من يجتمع حول تلك المنافع بأي شكل من اشكال الاجتماع، فبلغوا الى ما يصبون اليه من جراء هذا الجد والحزم في الامر.
فيا اهل الحق واصحاب الحقيقة ويا من ابتليتم ببلوى الاختلاف! لقد ضيعتم الاخلاص في هذا الظرف العصيب ولم تجعلوا رضى الله غاية مسعاكم فمهدتم السبل لاسقاط اهل الحق مغلوبين على امرهم، وجرعتموهم مرارة الذل والهوان.
اعلموا انه ما ينبغي ان يكون حسد ولا منافسة ولاغيرة في امور الدين والآخرة، فليس فيها في نظر الحقيقة امثال هذه الامور. ذلك لان منشأ الحسد والمنافسة انما هو من تطاول الايدي الكثيرة على شئ واحد وحصر الانظار الى مقام واحد وشهية المعدات الكثيرة الى طعام واحد، فتؤول المناقشة والمسابقة والمزاحمة الى الغبطة والحسد. ولما كانت الدنيا ضيقة ومؤقتة ولا تشبع رغبات الانسان ومطاليبه الكثيرة، وحيث ان هناك الكثيرين يتهالكون على شيء واحد، فالنتيجة اذن السقوط في هاوية الحسد والمنافسة.اما في الآخرة الفسيحة فلكل مؤمن جنة عرضها السموات والارض تمتد الى مسافة خمسمـائة سنة(8)، ولكل منهم سبعون الفاً من الحور والقصور، فلا موجب هناك اذن الى الحسد والمنافسة قط، فيدلنا هذا على انه لاحسد ولامشاحنة في اعمال صالحة تفضي الى الآخرة، اي لامجال للمنافسة والتحاسد فيها، فمَن تحاسد فهو لاشك مراء اي انه يتحرى مغانم دنيوية تحت ستار الدين ويبحث عن منافع باسم العمل الصالح. او انه جاهل صادق لا يعلم اين وجهة الاعمال الصالحة ولم يدرك بعد ان الاخلاص روح الاعمال الصالحة واساسها، فيتهم سعة الرحمة الالهية كأنها لا تسعه، ويبدأ بالحسد والمنافسة والمزاحمة منطوياً في قرارة نفسه على نوع من العداء مع اولياء الله الصالحين الصادقين.
وسأذكر هنا حادثة تؤيد هذه الحقيقة: كان احد اصدقائنا السابقين يحمل في قلبه ضغينة وعداء نحو شخص معين. وعندما أُثني على هذا الشخص امامه في مجلس وقيل في حقه: "انه رجل صالح، انه ولي من اولياء الله" رأينا ان هذا الكلام لم يثر فيه شيئاً فلم يبد ضيقاً من الثناء على عدوه. ولكن عندما قال احدهم:"انه قوي وشجاع" رأيناه قد انتفض عرق الحسد والغيرة لديه. فقلنا له: "يا هذا ان مرتبة الولاية والتقوى من اعظم المراتب في الآخرة فلا يقاس عليها شئ آخر، فأين الثرى من الثريا؟!. لقد شاهدنا ان ذكر هذه المرتبة لم يحرك فيك ساكنا بينما ذكر القوة العضلية التي تملكها حتى الثيران والشجاعة التي تملكها السباع قد اثارتا فيك نوازع الحسد". اجاب: "لقد استهدفنا كلانا هدفاً ومقاماً معيناً في هذه الدنيا، فالقوة والشجاعة وامثالهما هي من وسائل الوصول الى ما استهدفناه من مرتبة دنيوية، فلاجل هذا شعرت بدواعي المنافسة والحسد. اما منازل الآخرة ومراتبها فلا تحد بحدود، وربما يصبح هناك من كان عدواً لي احب صديق واعزه.
فيا اهل الحقيقة والطريقة! ان خدمة الحق ليس شيئاً هيناً، بل هو اشبه ما يكون بحمل كنز عظيم ثقيل والقيام بالمحافظة عليه، فالذين يحملون ذلك الكنز على اكتافهم يستبشرون بأيدي الاقوياء الممتدة اليهم بالعون والمساعدة ويفرحون بها اكثر. فالواجب يحتّم ان يُستقبل اولئك المقبلون بمحبة خالصة، وان يُنظر الى قوتهم وتأثيرهم ومعاونتهم اكثر من ذواتهم وان يُتلقوا بالافتخار اللائق بهم، فهم اخوة حقيقيون ومؤازرون مضحّون. ولئن كان الواجب يحتم هذا، فلِمَ اذن ينظر اليهم نظر الحسد ناهيك عن المنافسة والغيرة، حتى يفسد الاخلاص نتيجة هذه الحالة، وتكون اعمالكم ومهمتكم موضع تهم الضالين. فيضعونكم في مستوى اقل منكم واوطأ من مسلككم بكثير، بل يقرنونكم مع اولئك الذين يأكلون الدنيا بالدين ويضمنون عيشهم تحت ستار علم الحقيقة ويجعلونكم من المتنافسين الحريصين على حطام الدنيا، وامثالها من الاتهامات الظالمة؟!
ان العلاج الوحيد لهذا المرض هو: اتهام المرء نفسه، والانحياز الى جهة رفيقه في نهج الحق الذي ازاءه وعدم الانحراف عن دستور الانصاف وابتغاء الحق، الذي ارتضاه علماء فن الآداب والمناظرة والذي يتضمن: "اذا اراد المرء ان يظهر الحق على لسانه دون غيره - في مناظرة معينة - وانسرّ لذلك واطمأن ان يكون خصمه على باطل وخطأ فهو ظالم غير منصف" فضلاً عن انه يتضرر نتيجة ذلك لانه لم يتعلم شيئاً جديداً - من تلك المناظرة - بظهور الحق على لسانه، بل قد يسوقه ذلك الى الغرور فيتضرر، بينما اذا ظهر الحق على لسان خصمه فلا يضره شئ ولا يبعث فيه الغرور بل ينتفع بتعلمه شيئاً جديداً. اي ان طالب الحق المنصف يسخط نفسه لاجل الحق، واذا ما رأى الحق لدى خصمه رضى به وارتاح اليه.
فلو اتخذ اهل الدين والحقيقة والطريقة والعلم هذا الدستور دليلاً لهم في حياتهم وعملهم فانهم يظفرون بالاخلاص بأذن الله ويفلحون في اعمالهم الاخروية، وينجون برحمة منه سبحانه وفضله من هذه المصيبة الكبرى
(2) تحذير: ان اقبال الناس وتوجههم لايطلب، بل يوهب، ولو حصل الاقبال فلا يُسرّ به. واذا ما ارتاح المرء لتوجه الناس اليه فقد ضيع الاخلاص ووقع في الرياء.
اما التطلع الى نيل الشهرة والصيت التي تتضمن توجه الناس والرغبة في اقبالهم فهو ليس بأجرة ولا ثواب، بل عتاب وعقاب نابعان من فقدان الاخلاص.
نعم ، ان توجه الناس واقبالهم لايراد، لان ما فيه من لذة جزئية تضر بالاخلاص الذي هو روح الاعمال الصالحة، ثم انه لايستمر الا الى حد باب القبر. فضلا عن انه يكتسب ما وراء القبر صورة اليمة من عذاب القبر، فلا يُرغب في توجه الناس ونيل رضاهم اذن، بل يلزم الفرار والتهيب منه. فليصغ الى هذا عباد الشهرة والمتلهفون على كسب رضى الناس ـ المؤلف.
(3) لابد من جعل شيمة"الايثار" التي تحلى بها الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ونالوا بها ثناء القرآن الكريم نصب العين، واتخاذها دليلا ومرشداً، وهذا يعني:
تفضيل الاخرين على النفس عند قبول الهدايا والصدقات، وعدم قبول شئ مقابل ما يقوم به المرء من خدمات في سبيل الدين، بل لا يطلبه قلبا. واذا حصل شئ من هذا القبيل فليعده احساناً الهياً محضاً، من دون البقاء تحت منة الناس. اذ ما ينبغي ان يسأل شئ في الدنيا لقاء خدمات في سبيل الدين، لئلا يضيع الاخلاص. فالامة وان كان عليها ان تضمن معاش هؤلاء، كما انهم يستحقون الزكاة، الا ان هؤلاء العاملين لا يسألون الناس شيئاً وربما يوهب لهم، حتى لو وهب لهم شئ فلا يأخذونه لقيامهم في خدمة الدين فالافضل ايثار من هم اهل لها على النفس، والرضى بما قسم الله من رزق والقناعة به، كي يحظى المرء بالثناء القرآني العظيم (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر: 9)، وعندئذ يكون ظافراً بالاخلاص ومنقذا نفسه من شرور هذه التهلكة الخطرة. ـ المؤلف.
(4) نعم ان "من طلب وَجَدّ وَجَدَ" دستور من دساتير الحقيقة له من السعة والشمول ما يشمل مسلكنا ايضاً .ـ المؤلف.
(5) لقد ثبت في الحديث الصحيح ان المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين الى اهل القرآن للوقوف معاً تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فاهل الايمان والحقيقة في زماننا هذا ليسوا بحاجة الى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون ايضاً الى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعاً لعدوهم المشترك الملحد المتعدي. ــ المؤلف.
(6) والحب في الله والبغض في الله من الايمان. البخاري ـ كتاب الايمان.
(7) ان ما يؤيد دعوانا هذه هو: ان اقوى المنظمات الاوربية واكثرها تأثيراً في المجتمع واشدها ـ من ناحية ـ هي منظمات النساء - وهن الجنس اللطيف - في امريكا التي تطالب بحقوق المرأة وحريتها.. وكذلك منظمات الارمن الذين هم اقلية وضعفاء بين الامم، فتراهم يبدون تضحية وبسالة فائقة. - المؤلف.
(8) سؤال مهم وارد من جانب عظيم الاهمية: كيف تستوعب عقولنا الدنيوية القاصرة حقيقة ماروي ان المؤمن يمُنح جنة عرضها خمسمائة سنة ؟
الجواب:كما ان لكل شخص في هذه الدنيا دنيا مؤقتة خاصة به، قوامها حياته يستمتع منها بما يشاء بحواسه الظاهرة والباطنة، حتى يمكنه ان يقول: الشمس مصباح لي والنجوم قناديل لي، فلا ينازعه في ملكيته هذه وجود سائر المخلوقات وذوي الارواح، بل يعمرون دنياه الخاصة ويُجمّلونها.
كذلك الامر في الجنة ـ مع فارق عظيم ـ فلكل مؤمن ـ فضلا عن روضته الخاصة التي تضم الوف القصور والحور العين ـ له جنة خاصة بسعة خمسمائة سنة من الجنة العامة، يستمتع بها المؤمن استمتاعاً يليق بالجنة والخلود بما تنكشف له من حواسه وتنبسط من مشاعره حسب درجة كل مؤمن، فلا ينقص وجود الاخرين معه ومشاركتهم له شيئا من تنعمه وتلذذه وتملكه بل يعمرون جنته الخاصة وجنته الواسعة ويزينونها. نعم، فكما يتمتع الانسان في الدنيا بفمه واذنه وعينه واذواقه الاخرى ومشاعره وحواسه كلها في مسافة ساعة يقضيها في حديقة، او في مسافة يوم يمضيه في سياحة، او في مسيرة شهر كامل في مملكة، او في سنة من عمره يستجم بها في رحلة وسفرة.. كذلك الامر هناك في الجنة ولكن تتمتع حاسة الذوق والشم في تلك المملكة الخالدة في مسافة سنة كاملة ما كانت تتمتع به في هذه الحياة الفانية في ساعة من حديقة غناء، وتتمتع حاسة الابصار والسمع في تلك المملكة الابدية الزاهية من اقصاها الى اقصاها ضمن رحلة امدها خمسمائة سنة تمتعا يلائم خلودها ما تتمتع به من سياحة وتجوال ورحلات يمضيها الانسان في سنة في هذه الدنيا.فلكل مؤمن حسب درجته وحسب ما يناله من ثواب على اعماله التي قام بها في الدنيا وحسب نسبة ونوعية حسناته تنكشف مشاعره وتنبسط حواسه، فتستمتع تلك المشاعر والحواس هناك في الجنة بما يلائم خلودها. ـ المؤلف.
(*) كليات رسائل النور - اللمعة العشرون - ص: 226
6-)
السد و يأجوج ومأجوج
السؤال :
اين يقع سد ذي القرنين؟
ومَن يأجوج ومأجوج؟
الجواب:
نشير اشارة في غاية الاختصار الى نكتتين او ثلاث فحسب تعود الى هذه المسألة وهي:
انه بناءً على ما بينه اهل العلم المحققون، وابتداء اسماء عدد من ملوك اليمن بكلمة (ذي) – كذي يزن – وما يشير اليه عنوان (ذي القرنين) فان ذا القرنين هذا ليس هو الاسكندر الرومي (المقدوني) وانما هو احد ملوك اليمن الذي عاصر سيدنا ابراهيم عليه السلام
وتلقى الدرس من سيدنا الخضر عليه السلام. بينما جاء الاسكندر الرومي قبل الميلاد بحوالي ثلاثمائة سنة ودرس على يد ارسطو.
ان التاريخ الذي دوّنه الانسان يضبط الحوادث الى حد ما قبل ثلاثة آلاف عام. لذا فان نظر هذا التاريخ الناقص القاصر لا يستطيع ان يحكم بصواب على حوادث ما قبل زمن سيدنا ابراهيم عليه السلام، فإما يذكرها مشوبة بالخرافات، أو ينكرها او يوردها باختصار شديد.
أما سبب اشتهار (ذي القرنين) اليماني هذا في التفاسير بالاسكندر، فيعود الى:
أن احد اسماء ذي القرنين هو الاسكندر، فهو الاسكندر الكبير، والاسكندر القديم. او نظراً لأن القرآن الكريم لدى ذكره لحادثة جزئية يذكرها لكونها طرفاً لحوادث كلية، فان الاسكندر الكبير الذي هو ذو القرنين؛ مثلما اسس سدّ الصين الشهير بارشاداته النبوية بين الاقوام الظالمة والمظلومة وليصدّ عنهم غاراتهم فان قواداً عظاماً عديدين كالاسكندر الرومي وملوكاً اقوياء اقتدوا بذي القرنين – في الجهة المادية – وان قسماً من الانبياء والاقطاب الاولياء – وهم ملوك معنويون للانسانية، ساروا على اثره في الجهة المعنوية والارشاد.. فهؤلاء اسسوا السدود بين الجبال(1) التي هي من الوسائل المهمة لإنقاذ المظلومين من شر الظالمين. ثم بنوا القلاع في قمم الجبال، فشيدوا تلك الموانع إما بقوتهم المادية الذاتية أو بارشاداتهم وتوجيهاتهم وتدابيرهم. حتى بنوا الاسوار حول المدن والحصون في اواسطها، الى ان بلغ الامر الى استعمال وسيلة أخيرة هي المدافع الثقيلة والمدرعات الشبيهة بالقلاع السيارة.
فذلك السد الذي بناه ذو القرنين وهو اشهر سد في العالم ويبلغ طوله مسيرة ايام انما بناه ليصد به هجمات اقوام شريرة اطلق عليهم القرآن الكريم اسم يأجوج ومأجوج ويعبر عنهم التاريخ بقبائل المانجور والمغول الذين دمروا الحضارة البشرية مرات ومرات. وظهروا من وراء جبال هملايا فأهلكوا العباد وخرّبوا البلاد شرقاً وغرباً.
فصار ذلك السد المبني بين جبلين قريبين من سلسلة هملايا مانعاً امام هجمات هؤلاء الاقوام الهمجية، وحائلاً دون غاراتهم العديدة على المظلومين في الصين والهند.. ومثلما اسس ذو القرنين هذا السد فقد بنيت سدود كثيرة اخرى بهمة ملوك ايران القدماء في جبال القفقاس في منطقة المضيق صداً للنهب والسلب والغارات التي امتهنتها اقوام التتر. وهناك سدود كثيرة من هذا النوع.
فالقرآن الكريم لأنه يخاطب البشرية كافةً، فانه يذكر ظاهراً حادثة جزئية ويذكر بها احداثاً مشابهة لها.
فمن زاوية النظر هذه تختلف الروايات واقوال المفسرين حول السد ويأجوج ومأجوج.
ثم ان القرآن الحكيم قد ينتقل من حادثة الى اخرى بعيدة عنها وذلك من حيث المناسبات الكلامية وعلاقاتها. فالذي لا يعرف هذه العلاقات يظن ان زمانَي الحادثتين قريبان.
وهكذا فإخبار القرآن عن قيام الساعة عقب خراب السد، ليس هو لقرب الزمان، وانما لأجل نكتتين من حيث المناسبات الكلامية، أي: كما ان هذا السد سيُدمر فستدمر الدنيا كذلك.
ثم ان الجبال التي هي سدود فطرية إلهية راسخة وقوية لا تُنسف الاّ بقيام الساعة، فهذا السد ايضاً قوي كالجبال لا يدكّ الاّ بقيام الساعة، وسيبقى الكثير منه ويدوم حتى لو عملت فيه عوامل التغيير على مدى الزمان من خراب وهدم.
نعم ! ان سد الصين الذي هو فرد من كلية سد ذي القرنين ما زال باقياً مشاهداً على الرغم من مرور الوف السنين،
وانه يُقرأ كسطر طويل كتب بيد الانسان على صحيفة الارض، يقرأ سطراً مجسماً متحجراً ذا مغزى من التاريخ القديم. (*)
_______________________
(1) هناك سدود اصطناعية على وجه الارض تحولت بمرور الزمن الى هيئة جبال حتى لا تعرف انها كانت سدوداً. – المؤلف.
(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص:164
7-)
ما هو الاسم الاعظم
السؤال: ما هو الاسم الاعظم ؟
الجواب:
ان الاسم الاعظم مخفي، مثلما الاجل مخفي في العمر، وليلة القدر في شهر رمضان. واستتار الاسم الاعظم ضمن الاسماء الحسنى فيه حِكَم كثيرة. و من حيث زاوية نظري ان الاسم الاعظم الحقيقي مخفي. يُعرّف به الخواص. ولكن لكل اسم مرتبة عظمى بحيث تكون بمثابة الاسم الاعظم.
فتباين وجدان الاولياء للاسم الاعظم نابع من هذا السر الدقيق. فالاسم الاعظم للامام علي رضي الله عنه ستة اسماء، كما ذكر في ارجوزته الواردة في كتاب
مجموعة الاحزاب"(1). وقد بيّن الامام الغزالي مزايا ما ذكره الامام علي رضي الله عنه من الاسم الاعظم وتلك الاسماء الستة المحيطة به، وشرحها في كتابه "جُنة الاسماء" وتلك الاسماء الستة هى: فرد، حيّ، قيوم، حكم، عدل، قدوس..(*)
______________
(1) للشيخ أحمد ضياء الدين طموشخانوي، جمع فيه الادعية المأثورة عن الائمة والأقطاب والاولياء العظام في ثلاثة مجلدات. طبع باسطنبول بخط اليد سنة 1311 وفي حاشيته شرح لبعض الادعية - المترجم.
(*)كليات رسائل النور -الملاحق - ملحق بارلا، ص: 80
8-)
الايمان لا يتجزأ
السؤال:
لِمَ يُعتبر كافراً من يُنكرُ جزءاً من حقيقة ايمانية، ولايُعد مسلما مَن لم يقبلها، مع ان نور الايمان بالله واليوم الآخر كالشمس يبدد كل ظلام ؟
ثم، لِمَ يصبح مرتدا مَن ينكر حقيقة او ركناً ايمانياً ويرديه الى الكفر المطلق، ومَن لم يقبلها يخرج من دائرة الاسلام. بينما ينبغي أن ينقذه ايمانه بالاركان الاخرى - ان وجد - من ذلك الكفر المطلق ؟
الجواب:
ان الايمان حقيقة واحدة نابعة من ستة اركان متحدة وموحدة لاتقبل التفريق، وهو كليّ لايتحمل التجزأة، وهو كلٌ لاتقبل اركانه الانقسام، ذلك لان كل ركن من تلك الاركان الايمانية - مع حججها التي تثبته - يثبت بقية الاركان، فيصبح كل ركن حجة قاطعة عظمى لكل من الاركان الاخرى. لذا فالذي لايتمكن من جرح جميع الاركان مع جميع أدلتها يعجز كليا - من وجهة الحقيقة - نفي ركن واحد منها؛ وتفنيد حقيقة واحدة من حقائقها، الا ان يغمض المنكر عينيه ويتشبث بعدم القبول او الرفض، فيدخل عندئذ الكفر العنادي، ويسوقه ذلك بمرور الزمن الى الكفر المطلق، فتنعدم انسانيته ويولى الى جحيم مادي فضلا عمّا هو فيه من جحيم معنوي
سنبين هنا باشارات مختصرة جدا ومجملة المغزى العميق العظيم لهذه الاية معتمدين على عنايته سبحانه. وذلك في ست نقاط:
النقطة الاولى:
ان (الايمان بالله) بحججه القاطعة يثبت (الايمان بالآخرة) مع اثباته سائر الاركان الايمانية الاخرى.
نعم؛ ان سلطنة الربوبية وقدرتها الازلية وقوتها الباقية وغناها المطلق وحاكمية الالوهية الابدية الدائمة التي تدير هذا الكون غير المحدود - مع جميع لوازمه وضرورياته - كادارة قصر او مدينة.. والتي تصرف جميع شؤونه ضمن نظام وميزان، وتغيره على وفق حكم كثيرة.. والتي تدير الذرات والكواكب،وتجهز الذباب والنجوم معا كالجنود المطيعين للجيش المنسق.. والتي تسوق الجميع - ضمن ارادتها وأمرها - الى استعراض هائل عام للعبودية الخالصة، من خلال مناورة سامية وابتلاء واختبار وتدريب على الوظائف وتعليم لها، بفعالية ونشاط دائم وسير وجولان مستمر.. هل يمكن، ام هل يعقل، لا بل هل هناك اي احتمال قط في الاّ يكون هناك مقر باق، ومملكة دائمة، وظهور خالد وتجل سرمدي في دار أبدية لمثل هذه السلطنة الابدية ولمثل هذه الحاكمية الباقية الدائمة؟ حاشا وكلا.. والف مرة كلا.
فسلطنة ربوبية الله جل وعلا وعظمتها اذاً، واغلب اسماء الله الحسنى وجميع دلائل وحجج وجوب وجوده سبحانه وتعالى، تشهد جميعا وتدل على (الآخرة) وتقتضيها.
فما اعظم مرتكز هذا الركن الايماني العظيم، وما أمتن نقطة استناده ! ألا فادرك ذلك، وصدق به كأنك تراه.
* * *
ثم ان (الايمان بالله) كما لايمكن ان يكون دون (الايمان بالآخرة) كذلك لايمكن ولايعقل، ان يكون (الايمان بالله) دون (الايمان بالرسل)
ان الله تعالى الذي خلق هذا الكون اظهاراً لالوهيته ومعبوديته، على هيئة كتاب صمداني مجسم بحيث تعبّر كل صحيفة من صحائفه عن معاني كتاب، ويُظهر كل سطر من اسطره معنى صحيفة.. وخَلقه على شكل قرآن سبحاني مجسم بحيث ان كل آية من آياته التكوينية، وكل كلمة من كلماته، بل حتى كل حرف منه وكل نقطة بمثابة معجزة تقدسه وتسبحه.. وخلقه على صورة مسجد رحماني مهيب وزيّنه بما لايحد من الآيات والنقوش الحكيمة، بحيث أن في كل زاوية من زواياه طائفة منهمكة بنوع من العبادة الفطرية لخالقهم الرحمن..
فهل يمكن الاّ يرسل هذا الخالق المعبود الحق اساتذة ليدرسّوا معاني مافي ذلك الكتاب الكبير ويعلموا مافيه؟.. أم هل يمكن الاّ يبعث مفسرين ليفسروا آيات ذلك القرآن المجسم الصمداني؟.. أم هل يمكن الاّ يعيّن ائمة لذلك المسجد الاكبر ليؤموا الذين يعبدونه بانماط واشكال مختلفة من العبادات؟.. أم هل يمكن الاّ يزود اولئك الاساتذة والمفسرين والائمة بالاوامر السلطانية؟ حاش لله وكلا.. وألف مرة كلا.!
ثم ان الخالق الرحيم الكريم الذي خلق هذا الكون اظهاراً لجمال رحمته على ذوي الشعور وحسن رأفته بهم وكمال ربوبيته لهم وليحثهم على الشكر والحمد، قد خلقه على هيئة دار ضيافة فخمة، ومعرض رائع واسع، ومتنزه جميل بديع. وأعد فيه ما لا يحد من النعم اللذيذة المتنوعة المختلفة، ونظم فيه ما لايعد من خوارق الصنعة وبدائعها الرائعة..
فهل يمكن الاّ يتكلم هذا الخالق الرحيم الكريم - بواسطة رسله - مع ذوي الشعور من مخلوقاته في دار ضيافته الفاخرة هذه.. أم هل يعقل الاّ يعلمهم وظائف شكرهم وكيفية امتنانهم تجاه تلك النعم الجسيمة، ومهام عبوديتهم تجاه رحمته السابغة وتودده الظاهر؟! كلا.. ثم ألف ألف مرة كلا.!
ثم ان الخالق الذي يحب خلقه وصنعته، ويريد جلب الاعجاب والتقدير اليه، بل يطلب استحسانه وإكباره، بدلالة ايداعه الإحساس بآلاف الانواع من الاذواق في الافواه، فيعرّف نفسه سبحانه بكل مخلوق من مخلوقاته ويظهر به نوعاً من جماله المعنوي ويجعله موضع حب مخلوقاته، فزيّن هذا الكون ببدائع صنائعه ومخلوقاته.
فهل يعقل الاّ يتكلم هذا الخالق البديع مع أفاضل الانسان الذي هو سيد المخلوقات؟.. وهل يمكن ألاّ يبعث من اولئك الافاضل رسلا، فتظل تلك الصنائع الجميلة دون تقدير، ويظل جمال تلك الاسماء الحسنى الخارقة دون استحسان ولا اعجاب، ويظل تعريفه وتحبيبه دون مقابل ؟! حاش لله وكلا.. ثم ألف مرة كلا.!
ثم ان المتكلم العليم الذي يستجيب - في الوقت المناسب - لدعوات جميع ذوي الحياة، ملبيا حاجاتها الفطرية، ومغيثا تضرعاتها ورغباتها المرفوعة اليه بلسان الحال، فيتكلم صراحة فعلاً وحالاً بإحساناته غير النهائية لهم وانعاماته غير المحدودة عليهم، مُظهراً القصد والاختيار والارادة. فهل يمكن وهل يعقل ان يتكلم هذا المتكلم العليم مع أصغر كائن حي فعلاً وحالاً ويسعف داءه، ويغيثه باحسانه، ويسد حاجاته، ثم لايقابل الرؤساء المعنويين للانسان الذي هو سيد اغلب المخلوقات الارضية، وهو خليفة الله في ارضه، وهو النتيجة المستخلصة من الكائنات؟.. ام هل يعقل ألاّ يتكلم معهم قولا وكلاما مثلما يتكلم مع كل ذي حياة فعلا وحالا؟.. ام هل يمكن الاّ يرسل معهم اوامره، وصحفه وكتبه المقدسة؟ حاشا لله.. ثم ألف مرة كلا.!
وهكذا يثبت " الايمان بالله " مع حججه القاطعة الثابتة الايمان (بكتبه) المقدسة (وبرسله) الكرام عليهم السلام.
* * *
ثم ان الذي جعل الكون يدوي بحقيقة القرآن ويترنم بها، والذي عرف وعرّف باكمل وجه ذلك الخالق البديع فأحبه وحببه، وأدى شكره له ودلّ الآخرين على القيام بشكره، بل جعل الارض تردد " سبحان الله والحمد لله والله اكبر " حتى اسمعت السموات العلى.. والذي قابل الربوبية الظاهرة للخالق بعبودية واسعة كلية، فقاد خمس البشرية كمية ونصفها نوعية خلال ألف وثلاثمائة سنة قيادة اهاج بها البر والبحر وملأهما شوقا ووجدا.. والذي هتف بالقرآن الكريم في اذن الكون وعلى مدى جميع العصور ازاء المقاصد الالهية، فألقى درسا عظيما، ودعاً بدعوة كريمة، مظهراً وظيفة الانسان وقيمته، ومبيناً مرتبته ومنزلته.. ذلك هو محمد الامين صلى الله عليه وسلم الصادق المصدق بألف معجزة ومعجزة.
فهل يمكن ألا يكون هذا العبد العزيز المصطفى المختار اكرم رسول لذلك المعبود الحق؟.. وهل يمكن الاّ يكون أعظم نبي له ؟ حاشا وكلا.. ألف ألف مرة كلا.!
فحقيقة (اشهد ان لا إله إلا الله) مع حججها اذاً تثبت حقيقة (اشهد أن محمداً رسول الله).
* * *
ثم ان الخالق الذي جعل مخلوقاته يتبادلون الكلام بمئات الآلاف من الالسنة واللغات وهو الذي يسمع كلام الجميع ويعرفه، فهل يمكن ألاّ يتكلم هو ؟.. كلا ثم كلا ! ثم هل يعقل الاّ يعلّم مقاصده الإلهية بكتاب عظيم كالقرآن الكريم الذي يجيب عن ثلاثة اسئلة تحار العقول امامها: من اين تأتي هذه المخلوقات ؟ والى اين المصير ؟ ولماذا تتعاقب ثم لاتلبث أن تغيب ؟... كلا.
فالقرآن الكريم الذي نوّر ثلاثة عشر قرنا واضاءها..والذي يتناقله في كل ساعة مائة مليون لسان بكل اجلال وتوقير.. والذي سُطر في صدور ملايين الحفاظ بكل سمو وقداسة.. والذي أدار بقوانينه القسم الاعظم من البشرية، وربّى نفوسهم وزكّى ارواحهم، وصفى قلوبهم وأرشد عقولهم.. والذي هو معجزة خالدة كما اثبتنا اعجازه بأربعين وجها في رسائل النور، فوضح ان له اعجازاً لكل طبقة من الطبقات الاربعين للناس (كما جاء في المكتوب التاسع عشر ذات الكرامة الخارقة).. هذا القرآن العظيم استحق بحق ان يطلق عليه " كلام الله " فاصبح محمد صلى الله عليه وسلم مع آلاف من معجزاته معجزة باهرة له.
فهل يمكن ألاّ يكون هذا القرآن الكريم كلام ذلك المتكلم الازلي سبحانه ؟ وهل يمكن ألاّ يكون اوامر ذلك الخالق السرمدي جل وعلا ؟ حاش لله وكلا ألف ألف مرة كلا !
ف " الايمان بالله " مع جميع حججه اذاً يثبت ان القرآن الكريم كلام الله عز وجل.
ثم ان السلطان ذا الجلال الذي يملأ سطح الارض بذوي الحياة باستمرار ويفرغه، معمراً دنيانا بذوي الشعور لاجل معرفته سبحانه وعبادته وتسبيحه.
هل يمكن لهذا السلطان ذي الجلال ان يترك السموات والنجوم خالية فارغة، ولايعمر تلك القصور السماوية بأهالي وسكنة تناسبها؟..
وهل يمكن ان يترك (هذا السلطان العظيم) سلطنة ربوبيته في اوسع ممالكه بلا هيبة وعظمة، وبلا موظفين مأمورين، وبلا سفراء رسل، وبلا ناظرين مشرفين، وبلا مشاهدين معجبين، وبلا عباد مكرمين، وبلا رعايا مطيعين ؟ حاش لله وكلا.. بعدد الملائكة.
ثم ان الحاكم الحكيم والعليم الرحيم الذي كتب هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجل تاريخ حياة كل شجرة في كل بذر من بذورها، ودوّن وظائف حياة كل عشب ومهام كل زهر في جميع نواها. وكتّب جميع حوادث الحياة لكل ذي شعور في قواه الحافظة الصغيرة كحبة الخردل. واحتفظ بكل عمل في ملكه كافة وبكل حادثة في دوائر سلطنته بالتقاط صورها المتعددة، والذي خلق الجنة والنار والصراط والميزان الاكبر لاجل تجليات وتحقق العدالة والحكمة والرحمة التي هي اهم اساس للربوبية..
فهل يمكن لهذا الحاكم الحكيم ولهذا العليم الرحيم الاّ يسجل اعمال الانسان التي تتعلق بالكائنات؟..
وهل يمكن الاّ يدون افعاله للثواب والعقاب ولايكتب سيئاته وحسناته في الواح القدر ؟! حاش لله وكلا بعدد حروف ما كتب في اللوح المحفوظ للقدر.
اي ان حقيقة " الايمان بالله " مع حججها تثبت حقيقة " الايمان بالملائكة " كما تثبت حقيقة " الايمان بالقدر " ايضا اثباتا قاطعا. كالشمس التي تظهر النهار والنهار الذي يدل على الشمس.
وهكذا فالاركان الايمانية يثبت بعضها البعض الآخر.
النقطة الثانية:
ان جميع ما دعت اليه الكتب والصحف السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم وجميع الدعوات التي قام بها الانبياء عليهم السلام وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم تدور على اسس ثابتة، واركان معينة. ولقد سعى جميعهم لاثبات الاسس وتلقينها للآخرين. لذا فجميع الحجج والدلائل التي تشهد على نبوتهم وصدقهم متوجهة معا الى تلك الاسس والاركان مما يزيدها قوة وأحقية. وما تلك الاسس الا الايمان بالله، وباليوم الآخر، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى.
فلا يمكن اذن التفريق بين اركان الايمان الستة اطلاقاً، حيث أن كل ركن من الاركان يثبت الاركان عامة بل يستدعيها ويقتضيها، لذا فان الاركان الستة كلٌ لايقبل التجزأة البتة، وكلّي لا يمكن ان ينقسم ابداً. فكما ان كل غصن من اغصان الشجرة المباركة (شجرة طوبى) الممتد جذرها في السماء، وكل ثمر من ثمارها وكل ورقة من اوراقها يستند على الحياة الخالدة لتلك الشجرة، فلا يمكن لأحد ان ينكر حياة ورقة واحدة متصلة بتلك الشجرة ما لم يتمكن له إنكار حياة تلك الشجرة الظاهرة ظهوراً ساطعاً كالشمس. ولئن انكر فان تلك الشجرة تكذبه بعدد اغصانها وثمارها واوراقها وتسكته، كذلك الايمان بأركانه الستة هو بالصورة نفسها.
هذا ولقد كانت النية معقودة على بيان الاركان الايمانية الستة في ست نقاط وفي كل نقطة خمس نكات ذات مغزى، وكانت الرغبة متوجهة الى اجابة السؤال المثير الوارد في المقدمة ببيان اكثر وتوضيح أوسع، الا أن عوائق وعوارض حالت دون ذلك. بيد أنني أخال أن " النقطة الاولى " لم تدع سبيلا لايضاح اكثر لاهل الدراية، حيث انها مقياس كاف للموضوع.
وهكذا وضح تماماً انه؛ اذا ما انكر المسلم اية حقيقة ايمانية كانت فانه يتردى الى الكفر المطلق؛ اذ تسلسلت الاركان الايمانية بعضها ببعض، وفصّل الاسلام ووضح ماأجمل في الاديان الاخرى. فالمسلم الذي لايعرف محمداً صلى الله عليه وسلم ولايصدق به فلايعرف الله سبحانه (بصفاته) ولايعرف الآخرة كذلك.. فايمان المسلم قوي ورصين الى درجة لايتزعزع ابداً ولايدع مجالاً للانكار قطعاً لاستناده الى حجج كثيرة جداً، حتى كأن العقل يرضخ رضوخاًلقبول هذا الايمان.
النقطة الثالثة:
قلت ذات مرة " الحمد لله " . ثم بحثت عن نعمة عظيمة جداً تقابل معناها الواسع جداً، فخطر على القلب الجملة الآتية:
[الحمد لله على الايمان بالله، وعلى وحدانيته، وعلى وجوب وجوده وعلى صفاته، واسمائه، حمداً بعدد تجليات اسمائه من الازل الى الابد].
إن الإلهامات الصادقة مع أنها تتشابه -من جهة- مع الوحي، من حيث إنها نوع من المكالمة الربانية، إلاّ أن هناك فرقين:
اولهما:
ان معظم الوحي الذي هو أسمى واعلى من الالهام بكثير إنما يتم بوساطة الملائكة، بينما اغلب الالهام يتم دون وساطة. ولإيضاح ذلك نورد المثال الآتي:
من المعلوم ان هناك شكلين من صور التخاطب واصدار الاوامر للسلطان:
الاول:باسم الدولة وعظمتها وحاكميتها وسيادتها على الجميع. فيرسل احد مبعوثيه الى احد ولاته، ويجتمع - أحياناً - معه، ومن ثم يبلّغ الامر، وذلك اظهاراً لعظمة تلك الحاكمية واهمية ذلك الامر.
الثاني:باسمه الشخصي، وليس باسم السلطنة، ولا بعنوان السلطان، فيتكلم كلاماً خاصاً، بهاتفه الخاص، في أمر خاص، وفي معاملة جزئية، مع خادمه الخاص او مع أحد رعيته من العوام.
وكذلك كلام سلطان الازل سبحانه وتعالى. فله كلام بالوحي والالهام الشامل - الذي يقوم بوظائف الوحي - يتكلم باسم رب العالمين، وبعنوان خالق الكون. وله ايضاً طراز آخر من الكلام، وبشكل خاص، ومن وراء حجب واستار، مع كل فرد ومع كل ذي حياة، حسب قابلياتهم، وذلك لكونه ربهم وخالقهم.
الفرق الثاني:
ان الوحي صاف، ودون ظل، خاص للخواص. أما الالهام ففيه ظل واختلاط ألوان. وهو عام وله اشكال متنوعة ومتفاوتة جداً؛ كإلهامات الملائكة، وإلهامات الانسان، والهامات الحيوانات.وهي بأنواعها المختلفة واشكالها المتباينة جداً، تبين مدى سعة وكثرة الكلمات الربانية التي تزيد على عدد قطرات البحار.. ففهم السائح من هذا وجهاًً من تفسير الآية الكريمة: { قل لو كان البحرُ مداداً لكلمات ربّي لَنَفِدَ البحرُ قبلَ أن تنفَدَ كلماتُ ربي..}(الكهف: 109).
ثم نظر الى ماهية الالهام يستبطن سره ويتعرف على حكمته وشهادته، فرأى ان ماهيته، وحكمته، ونتيجته، تتركب من اربعة أنوار:
النور الاول: انه مثلما يتودد الله سبحانه الى مخلوقاته عن طريق افعاله فيهم الذي يُعرف(بالتودد الإلهي) فان من مقتضيات الودودية والرحمانية (اي كونه ودوداً ورحمان) ان يتحبب اليهم ويتودد قولاً وحضوراً وصحبة ايضاً.
النور الثاني: انه مثلما يستجيب سبحانه الى دعاء عباده بأفعاله. فان من شأن الرحيمية إجابته لهم قولاً ايضاً من وراء الحجب.
النور الثالث: انه مثلما يمدّ سبحانه بالأفعال استمداد مخلوقاته المصابين بالبلايا العسيرة والنوائب الشديدة واستغاثتهم وتضرعهم فان من لازم الربوبية أن يؤنسهم ويبدد وحشتهم فيمدّهم بأقوال إلهامية هي في حكم نوع من كلامه.
النور الرابع: انه مثلما يُشعر سبحانه فعلاً بوجوده وحضوره وحمايته لأرباب الشعور من خلقه - الذين هم في عجز وضعف شديدين، وفي فقر واضطرار كبيرين، وفي أشد الحاجة والشوق لمعرفة مالكهم وحاميهم ومدبرهم وحفيظهم - فانه من مقتضى رأفة الالوهية ورحمة الربانية، وضرورة لازمة لهما، ان يُشعر كذلك بحضوره ومعيّته ووجوده، لمخلوق معين، بوجه خاص، حسب قابليته، بوساطة قسم من الالهامات الصادقة، قولاً الى هاتف قلبه، مما يعدّ في حكم نوع من المكالمة الربانية.
ثم نظر الى شهادة الالهام فرأى انه لو كانت للشمس حياة وشعورٌ - فرضاً - وكانت الألوان السبعة التي في ضيائها - فرضاً - سبع صفات لها، لكان لها اذاً نمط من التكلم باشعتها وتجلياتها التي في ضيائها. ففي هذه الحالة: فان وجود صورتها وانعكاسها في الاشياء الشفافة؛ اي تكلمها مع كل مرآة عاكسة، ومع كل شئ لماع، ومع قطع الزجاج وحباب البحر وقطراته، حتى مع الذرات الشفافة حسب قابلية كل منها.. واستجابتها لحاجات كل منها..كل ذلك سيكون شاهد صدق على وجود الشمس، وعلى عدم ممانعة فعل عن فعل ولا مزاحمة كلام من كلامها لآخر..
فمثلما يشاهد هذا بوضوح، كذلك الامر في مكالمة سلطان الازل والابد ذي الجلال، وخالق جميع الموجودات ذي الجمال، النور الازلي، هي مكالمة كليّة ومحيطة، كعلمه سبحانه وقدرته.لذا يدرك بداهة تجليّها الواسع حسب قابلية كل شئ، من دون ان يزاحم سؤال سؤالاً، ولا يمنع فعل فعلاً، ولا يختلط خطاب بخطاب.
فعلم السائح بعلم يقيني اقرب ما يكون الى عين اليقين، ان جميع تلك التجليات والمكالمات والالهامات كل منها، وبمجموعها، تدل وتشهد بالاتفاق على وجوب ذلك المنّور الازلي سبحانه، وعلى حضوره سبحانه، وعلى وحدته، وعلى احديته.
وهكذا ذكرت إشارة مختصرة الى ما تلقاه هذا السائح المتلهف من درس المعرفة من عالم الغيب في المرتبة الرابعة عشرة والخامسة عشرة من المقام الاول:
[لا إله إلاّ الله الواجب الوجود الواحد الاحد الذي دلّ على وجوب وجوده فـي وحدته: إجماع جميع الوحيات الحقة المتضمنة للتنزلات الإلهية، وللمكالمات السـبحانية، وللتعرفات الربانية، وللمقابلات الرحمانية، عند مناجاة عباده، وللاشـعارات الصمدانية لـوجوده لمخلوقاته، وكذا دلّ علـى وجوب وجوده في وحدته: إتــفاق الالهامـات الصـادقة المتضمنة للتوددات الالـهية، وللاجابات الرحمانية لدعوات مخلوقاته، وللامـدادات الربانية لاسـتغاثات عباده، وللاحسـاسـات الســبحانية لـوجوده لمصنوعاته].(*)
_____________________
(*) الشعاع السابع - ص: 163
10-)
الحمية الدينية والملية
باسمه سبحانه
أيها المستخلف المبارك
السؤال :
ايُّما أقوى وأولى بالإلتزام الحمية الدينية أم الملية؟
الجواب :
نحن معاشر المسلمين، الدين والملية عندنا متحدان بالذات والاختلاف إعتباري، أي ظاهري، عرضي، بل الدين هو حياة الملية وروحها. فإذا ما نُظر إليهما بأنهما مختلفان ومتباينان، فإن الحمية الدينية تشمل العوام والخواص بينما الحمية الملية تنحصر في واحد بالمائة من الناس، ممن يضحي بمنفعته الشخصية لأجل الأمة.
وعليه فلابد أن تكون الحمية الدينية أساساً في الحقوق العامة، وتكون الملية خادمة منقادة لها وساندة حصينة لها.
فنحن الشرقيين لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني؛ فإنّ بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدرُ الإلهي إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق ويسوقه إلى التقدم والرقي، والعصر السعيد -وهو خير القرون والذي يليه- خير برهان على هذا.
فيا من تسألون عن التفاضل بين الحمية الدينية والملية، ويا أيها الدارسون في المدارس الحديثة. اني اقول لكم جميعاً:
ان الحمية الدينية والملية الإسلامية قد امتزجتا في الترك والعرب مزجاً لا يمكن فصلهما، وان الحمية الإسلامية هي أقوى وأمتن حبل نوارني نازل من العرش الأعظم، فهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وهي القلعة الحصينة التي لا تهدم.
قيال ما دليلك؟ يلزم لمثل هذه الدعوى الكبيرة حجة عظيمة ودليل قوي. فما الدليل؟.(1)(*)
___________________________
يمكن مراجعة النص الكامل في صيقل الإسلام -الخطبة الشامية / 516
(*) السيرة الذاتية ص 117
11-)
حكم تغليف الاسنان
السؤال : ما حكم تغليف الاسنان ؟
الجواب:
ان المضمضة سنة في الوضوء وليست فرضاً. بينما هي فرض في الاغتسال، فلا يجوز بقاء داخل الفم دون غَسل ولو شيئاً جزئياً. ولهذا لم يجرأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الاسنان. والامام ابو حنيفة والامام محمد "رضى الله عنهما" لهما فتاوى في جواز صنع الاسنان من الفضة او الذهب بشرط الاّ يكون تغليفاً ثابتاً. بينما هذه المسألة منتشرة بحيث اخذت طور البلوى العامة، لا يمكن رفعها.
فوردت الى القلب فجأة هذه النقطة:
انه ليس في طوقي ولا من حدّي التدخل في مهمة المجتهدين، ولكني اقول على الرغم من عدم ميلي الى ضرورة عموم البلوى:
اذا أوصى طبيب حاذق متدين بتغليف السن، عند ذاك تخرج السن من كونها من ظاهر الفم وتكون بمثابة باطنه. فلا يبطل الاغتسال بعدم غسلها، لان غلافها يغسل فحل محلها. فكما يحل شرعاً غسل اغلفة الجرح محل الجرح نفسه لوجود المضرة، فغسل هذا الغلاف الثابت -المبني على الحاجة- يحل محل غسل السن، فلا يبطل الاغتسال. والعلم عند الله. ولما كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك ان الذي يقوم بتغليف الاسنان او حشوها للتجميل لا يستفيد من هذه الرخصة، لانه لو عمل ذلك بسوء اختياره حتى في حالة الضرورة لا تباح له ذلك. ولكن لو كان قد حدث دون علمه فالجواز للضرورة.(*)
________________
(*) كليات رسائل النور – ملحق بارلا ...ص:71
12-)
البعث بعد الموت
سؤال يرد بمناسبة مبحث الحشر:
ان ما ورد في القرآن الكريم مراراً (اِنْ كَانَتْ اِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً )(يس:29)، (وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ اِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ )(النحل:77) يـبين لنا ان الحشر الاعظم سيظهر فجأة الى الوجود، في آن واحد بلا زمان.ولكن العقول الضيقة تطلب امثلة واقعية مشهودة كي تقبل وتذعن لهذا الحدث الخارق جداً والمسألة التي لا مثيل لها.
الجواب:
ان في الحشر ثلاث مسائل هي: عودةُ الارواح الى الاجساد، وإحياءُ الاجساد، وانشاء الاجساد وبناؤها.
المسألة الأولى: وهي مجئ الارواح وعودتها الى اجسادها ومثاله هو:
اجتماع الجنود المنتشرين في فترة الاستراحة والمتفرقين في شتى الجهات على الصوت المدوي للبوق العسكري.
نعم، ان الصور الذي هو بوق اسرافيل عليه السلام، ليس قاصراً عن البوق العسكري كما أن طاعة الارواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت ب( قَالُوا:بَلى) (الاعراف:172) عندما سمعت نداء ( اَلَسْتُ بِرَبِكُم )(الاعراف:172) المقبل من اعماق الازل ونظامها يفوق بلاشك أضعاف اضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم. وقد اثبتت"الكلمة الثلاثون" ببراهين دامغة ان الارواح ليست وحدها جيش سبحاني بل جميع الذرات ايضاً جنوده المتأهبون للنفير العام.
المسألة الثانية: وهي إحياء الاجساد.ومثالُه هو:
مثلما يمكن اِنارة مئات الآلاف من المصابيح الكهربائية ليلة مهرجان مدينة عظيمة، من مركز واحد في لحظة واحدة، كأنها بلا زمان. كذلك يمكن انارة مئات الملايين من مصابيح الأحياء وبعثها على سطح الارض من مركز واحد. فما دامت الكهرباء وهي مخلوقة من مخلوقات الله سبحانه وتعالى وخادمة إضاءة في دار ضيافته، لها هذه الخصائص والقدرة على القيام بأعمالها حسب ما تتلقاه من تعليمات وتبليغات ونظام من خالقها، فلابد ان الحشر الاعظم سيحدث كلمح البصر ضمن القوانين المنظمة الإلهية التي يمثلها آلاف الخدم المنوّرِين كالكهرباء.
لمسألة الثالثة: وهي انشاء الاجساد فوراً ومثاله هو:
انشاء جميع الاشجار والاوراق التي يزيد عددها ألف مرة على مجموع البشرية، دفعة واحدة في غضون بضعة ايام في الربيع، وبشكل كامل، وبالهيئة نفسها التي كانت عليها في الربيع السابق.. وكذلك ايجاد جميع أزهار الاشجار وثمارها واوراقها بسرعة خاطفة، كما كانت في الربيع الماضي.. وكذلك تنبّه البُذيرات والنوى والبذور وهي لا تحصى ولا تعد والتي هي منشأ ذلك الربيع في آن واحد معاً وانكشافها واحياؤها.. وكذلك نشور الجثث المنتصبة والهياكل العظمية للاشجار، وامتثالها فوراً لأمر "البعث بعد الموت" .. وكذلك احياء افراد انواع الحيوانات الدقيقة وطوائفها التي لا حصر لها بمنتهى الدقة والاتقان..وكذلك حشر أمم الحشرات ولا سيما الذباب (الماثل امام اعيننا والذي يذكرنا بالوضوء والنظافة لقيامه بتنظيف يديه وعيونه وجناحيه باستمرار وملاطفته وجوهنا) الذي يفوق عدد ما ينشر منه في سنة واحدة عدد بنى آدم جميعهم من لدن آدم عليه السلام.. فحشر هذه الحشرة في كل ربيع مع سائر الحشرات الاخرى واحياؤها في بضعة ايام، لا يعطي مثالاً واحداً بل آلاف الامثلة على انشاء الاجساد البشرية فوراً يوم القيامة.
نعم، لما كانت الدنيا هي دار "الحكمة" والدار الآخرة هي دار "القدرة" فان ايجاد الاشياء في الدنيا صار بشئ من التدريج ومع الزمن. بمقتضى الحكمة الربانية وبموجب اغلب الاسماء الحسنى امثال "الحكيم، المرتّب، المدبر، المربي". اما في الاخرة فان "القدرة" و "الرحمة" تتظاهران اكثر من"الحكمة" فلا حاجة الى المادة والمدة والزمن ولا الى الانتظار. فالاشياء تنشأ هناك نشأة آنية. وما يشير اليه القرآن الكريم بـ (وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ) (النحل:77)، هو ان ما ينشأ هنا من الاشياء في يوم واحد وفي سنة واحدة ينشأ في لمحة واحدة كلمح البصر في الآخرة.
واذا كنت ترغب ان تفهم ان مجئ الحشر أمر قطعي كقطعية مجئ الربيع المقبل وحتميته، فانعم النظر في"الكلمة العاشرة" و "الكلمة التاسعة والعشرين". وان لم تصدق به كمجئ هذا الربيع، فلك ان تحاسبني حساباً عسيراً.
المسألة الرابعة: وهي موت الدنيا وقيام الساعة، ومثاله:
انه لو اصطدم كوكب سيار او مذنّب بأمر رباني بكرتنا الارضية التي هي دار ضيافتنا، لدمّر مأوانا ومسكننا - أي الارض - كما يُدمّر في دقيقة واحدة قصر بُني في عشر سنوات.(*)
___________________
(*) الكلمة العاشرة - ص: 121
13-)
التوفيق بين القدر والجزء الاختياري
سؤال : كيف يمكن التوفيق بين القدر والجزء الاختياري؟
الجواب:بسبعة وجوه:
الاول: ان العادل الحكيم الذي تشهد لحكمته وعدالته الكائنات كلها، بلسان الانتظام والميزان، قد اعطى للانسان جزءاً اختيارياً مجهول الماهية، ليكون مدار ثواب وعقاب.فكما ان للحكيم العادل حكَماً كثيرة خفية عنا، كذلك كيفية التوفيق بين القدر والجزء الاختياري خافية علينا. ولكن عدم علمنا بكيفية التوفيق لا يدل على عدم وجوده.
الثاني: ان كل انسان يشعر بالضرورة ان له ارادة واختياراً في نفسه، فيعرف وجود ذلك الاختيار وجداناً. وان العلم بماهية الموجودات شئ والعلم بوجودها شئ آخر. فكثير من الاشياء وجودها بديهي لدينا الاّ أن ماهيتها مجهولة بالنسبة الينا. فهذا الجزء الاختياري يمكن ان يدخل ضمن تلك السلسلة، فلا ينحصر كل شئ في نطاق معلوماتنا، وان عدم علمنا لا يدل على عدمه.
الثالث: ان الجزء الاختياري لا ينافي القدر، بل القدر يؤيد الجزء الاختياري؛ لأن القدر نوع من العلم الإلهي، وقد تعلق العلم الإلهي باختيارنا، ولهذا يؤيد الاختيار ولا يبطله.
الرابع: القدر نوع من العلم، والعلم تابع للمعلوم، اي على اية كيفية يكون المعلوم يحيط به العلم ويتعلق به، فلا يكون المعلوم تابعاً للعلم، اي ان دساتير العلم ليست اساساً لإدارة المعلوم من حيث الوجود الخارجي، لأن ذاتَ المعلوم ووجوده الخارجي ينظر الى الارادة ويستند الى القدرة.
ثم ان الازل ليس طرفاً لسلسلة الماضي كي يُتخذ اساساً في وجود الاشياء ويُتصور اضطراراً بحسبه، بل الازل يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل - كاحاطة السماء بالارض - كالمرآة الناظرة من الاعلى.
لذا ليس من الحقيقة في شئ تخيل طرفٍ ومبدأٍ في جهة الماضي للزمان الممتد في دائرة الممكنات واطلاق اسم الازل عليه، ودخول الاشياء بالترتيب في ذلك العلم الازلي، وتوهم المرء نفسه في خارجه، ومن ثم القيام بمحاكمة عقلية في ضوء ذلك.
فانظر الى هذا المثال لكشف هذا السر:
اذا وجدت في يدك مرآة، وفرضتَ المسافة التي في يمينها الماضي. والمسافة التي في يسارها المستقبل، فتلك المرآة لا تعكس الاّ ما يقابلها، وتضم الطرفين بترتيب معين، حيث لا تستوعب اغلبهما، لأن المرآة كلما كانت واطئة عكست القليل، بينما اذا رفعت الى الاعلى فان الدائرة التي تقابلها تتوسع، وهكذا بالصعود تدريجياً تستوعب المرآة المسافة في الطرفين معاً في نفسها في آن واحد.
وهكذا يرتسم في المرآة في وضعها هذا كل ما يجري من حالات في كلتا المسافتين. فلا يقال ان الحالات الجارية في احداها مقدمة على الاخرى، أو مؤخرة عنها، او توافقها، أو تخالفها.
وهكذا فالقدر الإلهي لكونه من العلم الازلي، والعلم الازلي "في مقام رفيع يضم كل ما كان وما يكون، ويحيط به " كما يُعبّر عنه في الحديث الشريف، لذا لا نكون نحن ولا محاكماتنا العقلية خارجَين عن هذا العلم قطعاً، حتى نتصوره مرآة تقع في مسافة الماضي.
الخامس: ان القدر يتعلق تعلقاً واحداً بالسبب وبالمسبب مع - فالارادة لا تتعلق مرة بالمسبب ثم بالسبب مرة اخرى - اي ان هذا المسبَّب سيقع بهذا السبب. لذا يجب الاّ يقال: ما دام موت الشخص الفلاني مقدّراً في الوقت الفلاني، فما ذنب من يرميه ببندقية بارادته الجزئية؛ اذ لو لم يرمه لمات ايضا؟
سؤال: لِمَ يجب الاّ يقال؟
الجواب: لأن القدر قد عّين موته ببندقية ذاك، فاذا فرضت عدم رميه، عندئذٍ تفرض عدم تعلق القدر. فبِمَ تحكم اذن على موته. الاّ اذا تركت مسلك اهل السنة والجماعة ودخلت ضمن الفرق الضالة التي تتصور قدراً للسبب وقدراً للمسبب، كما هو عند الجبرية. أو تنكر القدر كالمعتزلة. أما نحن اهل الحق فنقول: لو لم يرمه فان موته مجهول عندنا. أما الجبرية فيقولون: لو لم يرمه لمات ايضاً. بينما المعتزلة يقولون: لو لم يرمه لا يموت.
السادس: ان الميلان الذي هو اس اساس الجزء الاختياري، أمر اعتباري عند الماتريدية، فيمكن أن يكون بيد العبد، ولكن الميلان أمر موجود لدى الاشعريين، فليس هو بيد العبد، الاّ ان التصرف عندهم أمر اعتباري بيد العبد. ولهذا فذلك الميلان وذلك التصرف فيه، امران نسبيان، ليس لهما وجود خارجي محقق. أما الامر الاعتباري فلا يحتاج ثبوته ووجوده الى علة تامة والتي تستلزم الضرورة الموجبة لرفع الاختيار، بل اذا اتخذت علة ذلك الامر الاعتباري وضعاً بدرجة من الرجحان، فانه يمكن ان يثبت،ويمكن ان يتركه في تلك اللحظة، فيقول له القرآن آنئذٍ: هذا شر! لا تفعل.
نعم! لو كان العبد خالقاً لأفعاله وقادراً على الايجاد، لَرُفع الاختيار؛ لأن القاعدة المقررة في علم الاصول والحكمة أنه (ما لم يجب لم يوجد) اي لا ياتي الى الوجود شئ مالم يكن وجوده واجباً، اي لابد من وجود علة تامة ثم يوجد. أما العلة التامة فيقتضي المعلول بالضرورة وبالوجوب. وعندها لا اختيار.
اذا قلت:
الترجيح بلا مرجّحٍ محال، بينما كسب الانسان الذي تسمونه امراً اعتبارياً، بالعمل احياناً وبعدمه اخرى، يلزم الترجيح بلا مرجّح ان لم يوجد مرجّح موجِب، وهذا يهدم اعظم اصل من اصول الكلام!
الجواب: ان الترجّح بلا مرجّح محال - اي الرجحان بلا سبب ولا مرجّح - دون الترجيح بلا مرجّح الذي يجوز وهو واقع، فالارادة الإلهية صفة من صفاته تعالى وشأنها القيام بمثل هذا العمل (اي اختياره تعالى هو المرجّح).
اذا قلت:
ما دام الذي خلق القتل هو الله سبحانه وتعالى، فلماذا يقال لي: القاتل؟
الجواب: ان اسم الفاعل مشتق من المصدر الذي هو أمر نسبي، حسب قواعد علم الصرف ولا يشتق من الحاصل بالمصدر الذي هو أمر ثابت. فالمصدر هو كسبنا، ونتحمل عنوان القاتل نحن، والحاصل بالمصدر مخلوق الله سبحانه، وما يشم منه المسؤولية لا يشتق من الحاصل بالمصدر.
السابع: ان ارادة الانسان الجزئية وجزأه الاختياري، ضعيف وأمر اعتباري. الاّ ان الله سبحانه وهو الحكيم المطلق قد جعل تلك الارادة الجزئية الضعيفة شرطاً عادياً لارادته الكلية. اي كأنه يقول معنىً: يا عبدي ايّ طريق تختاره للسلوك، فانا اسوقك اليه. ولهذا فالمسؤولية تقع عليك، فمثلاً (ولا مشاحة في الامثال) اذا أخذت طفلاً عاجزاً ضعيفاً على عاتقك وخيّرته قائلاً: الى اين تريد الذهاب، فسآخذك اليه. وطلب الطفل الصعود على جبلٍ عالٍ، وانت اخذته الى هناك، ولكن الطفل تمرض او سقط. فلا شك ستقول له: انت الذي طلبت! وتعاتبه. وتزيده لطمة تأديب. وهكذا.. ولله المثل الاعلى. فهو سبحانه أحكم الحاكمين جعل ارادة عبده الذي هو في منتهى الضعف شرطاً عادياً لارادته الكلية.
حاصل الكلام:
ايها الانسان! ان لك ارادة في منتهى الضعف، الاّ ان يدها طويلة في السيئات والتخريبات وقاصرة في الحسنات، هذه الارادة هي التي تسمى بالجزء الاختياري. فسلّم لإحدى يدى تلك الارادة الدعاء، كي تمتد وتطال الى الجنة التي هي ثمرة من ثمار سلسلة الحسنات وتبلغ السعادة الابدية التي هي زهرة من ازاهيرها.. وسلّم لليد الاخرى الاستغفار كي تقصر يدها عن السيئات، ولا تبلغ ثمرة الشجرة الملعونة زقوم جهنم. اي أن الدعاء والتوكل يمدّان ميلان الخير بقوة عظيمة، كما ان الاستغفار والتوبة يكسران ميلان الشر ويحدّان من تجاوزه.
_________________________
كليات رسائل الشام - الكلمة السادسة والعشرون - ص: 545
14-)
ما هي الطبيعة
السؤال : ما هذه الطبيعة التي زلّ اليها اهل الضلال والغفلة فدخلوا الكفر والكفران وسقطوا الى اسفل سافلين بعد ان كانوا في مرتبة احسن تقويم؟
الجواب: ان ما يطلقون عليه بـ"الطبيعة" هو : الشريعة الفطرية الالهية الكبرى، التي هى عبارة عن مجموع قوانين عادة الله، التي تبين تنظيم الافعال الالهية ونظامها.
من المعلوم ان القوانين امور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي. ولكن الغفلة والضلالة ادت بهم الى الجهل بالكاتب والنقاش الازلي، لذا ظنوا الكتاب والكتابة كاتباً، والنقش نقاشاً والقانون قدرةً، والمسطر مصدراً والنظام نظّاماً والصنعة صانعاً!
فكما اذا دخل انسان جاهل لم ير الحياة الاجتماعية الى معسكر عظيم وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الانظمة المعنوية، تخيل انهم مربوطون بحبال مادية، او دخل مسجداً عظيماً وشاهد الاوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة او العيد، تخيل انهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك اهل الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون الذي هو معسكر عظيم - لمن له جنود السموات والارض سلطان الازل والأبد - او يدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الازلي، ثم يذكرون انظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحكم غير المتناهية انها كالقوة او كالمادة صماء عمياء جامدة مختلطة.
فلا شك انه لا يقال عن مثل هذا: انه انسان، بل حتى لا يقال له حيوان وحشي، لان ما تخيله "طبيعة" يفرض عليه ان يمنح كل ذرة، وكل سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلماً محيطاً بكل شئ، بل عليه ان يمنح كلَّ ذرة وكل سبب جميع صفات الواجب الوجود. وما ذاك الاّ محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.
فـ"الكلمات" ورسائل اخرى قد أردتْ مفهوم الطبيعة قتيلاً في مائة موضع وموضع والى غير رجعة! وكذا الكلمة الثانية والعشرين اثبتت هذا الأمر اثباتاً قاطعاً.
الحاصل: لقد اثبتت في "الكلمات" اثباتاً قاطعاً: ان الذى يؤلّه الطبيعة يضطر الى قبول آلهة غير متناهية لانكاره الإله الواحد، فضلاً عن ان كل إله قادر على كل شئ، وضد كل إله، ومثله.. وذلك لينتظم الكون!. والحال انه لا موضع للشريك قطعاً بدءاً من جناح ذبابة الى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يتدخل في شؤونه تعالى غيره؟
نعم ان الآية الكريمة ﴿لو كان فيهما آلهة الاّ الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾(الأنبياء: 22) تقطع اساس الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور – ملحق بارلا ص :69
15-)
ما هي اقسام الدعاء
السؤال :
ما هي اقسام الدعاء ؟
الجواب :
اعلم!ان الدعاء على ثلاثة افسام:
الاول: دعاء الانسان، بهذا اللسان بالقول. وكذا الحيوانات الصائحات بالسنتها المخصوصة، في الحاجات المشعورة لهم.
والثاني: الدعاء بلسان الاحتياج، كدعاء جميع النباتات، والاشجار "لا سيما في الربيع". وكذا في كل الحيوانات في الحاجات الضرورية الغير المشعورة..
والثالث: الدعاء بلسان الاستعداد، كدعاء كل ما فيه نشوء ونماء، وتحوّل وتكمل. فكما ان: { وانْ من شئٍ الاَّ يُسبحُ بِحَمْدِهِ} ( الاسراء: 44) كذلك إن من شئٍ الا ويدعوه، ويشكره بذاته وحاله دائما، كما قد يدعو بلسانه.(*)
_______________
(1) الدهر : المقدرات الالهية : القدر
(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري - ص: 403
16-)
ترجمة القرآن الكريم
السؤال : هل يمكن ترجمة القرآن الكريم ؟
الجواب :
لايمكن ترجمة القرآن الكريم ترجمة حقيقية، ولايمكن قطعاً ترجمة اسلوبه الرفيع في اعجازه المعنوي. وانه من الصعوبة جداً إفهام الذوق، وبيان الحقيقة النابعين من ذلك الاسلوب الرفيع في اعجازه المعنوي إلاّ اننا نشير للدلالة فحسب الى جهة او جهتين منه. وذلك: بقوله تعالى:
{ومن آياته خلق السّمواتِ والارضِ واختلافُ ألسنتكم وألوانِكم}(الروم:22)
{والسّمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ}(الزمر: 67)
{يخلقكم في بطون أُمهاتكم خلقاً من بعدِ خلقٍ في ظلماتٍ ثلاث}(الزمر:6)
{خلق السّموات والارض في ستة ايام} (الاعراف:54)
{يحول بين المرءِ وقلبه} (الانفال:24)
{لايعزبُ عنه مثقالُ ذرة} (سبأ:3)
{يولجُ الليلَ في النهارِ ويولجُ النهارَ في الليلِ وهو عليمٌ بذاتِ الصدورِ} (الحديد: 6)
هذه الآيات الكريمة وأمثالها تضع نصب الخيال تصورحقيقة الخلاّقية، في اسلوب رفيع معجز وفي جمع خارق بديع. اذ يبين:
ان صانع العالم وباني الكون مثلما يمكّن الشمس والقمر في مواقعهما، يمكّن الذرات ايضاً في مواضعها في بؤبؤ عين الأحياء مثلاً، فيمكّن كلاً منها في موضعها بالآلة نفسها، في اللحظة نفسها.. وانه مثلما ينظم السّماوات طباقاً ويفتحها أبواباً وينسقها تنسيقاً، ينظّم طبقات العين ويفتح أغطيتها بالميزان بالاداة نفسها والآلة المعنوية نفسها، في اللحظة نفسها.. وانه مثلما يسمّر النجوم في السماوات، ينقّش مالايحد من نقاط العلامات الفارقة في وجه الانسان ويشق فيه الحواس الظاهرة والباطنة، بآلة القدرة المعنوية نفسها.
بمعنى ان ذلك الصانع الجليل لأجل إراءة أفعاله ملء البصر والسمع واظهار مباشرته أفعاله؛ يطرق بكلمةٍ من آياته القرآنية طرقةً على الذرة فيثبتها في موضعها، ويطرق بكلمةٍ اخرى من الآية نفسها طرقةً على الشمس ويثبتها في مركزها، فيبيّن الوحدانية في عين الأحدية، ومنتهى الجلال في منتهى الجمال، ومنتهى العظمة في منتهى الخفاء، ومنتهى السعة في منتهى الدقة، ومنتهى الهيبة في منتهى الرحمة، ومنتهى البعد في منتهى القرب. أي يظهر أبعد مراتب جمع الأضداد ـ الذي يُعدّ محالاً ـ في صورة درجة الواجب، مثبتاً ذلك بأبلغ أسلوب وأرفعه.
وهذا الاسلوب المعجز هو الذي يُخضع رقاب فطاحل الادباء فيخرون لبلاغته سُجّداً.
ومثلاً ؛ قوله تعالى:
{ ومن آياته ان تقومَ السّماءُ والارض بأمره ثم اذا دعاكم دعوةً من الارضِ اذا أنتم تخرجون} (الروم:25).
تبيّن هذه الآية الكريمة عظمة ربوبيته سبحانه في اسلوب عالٍ رفيع. وذلك:
ان السماوات والارض بمثابة معسكرين في أتم طاعة وانقياد، وفي صورة ثكنة لجيشين عظيمين على أتم نظام وانتظام. وما فيهما من موجودات راقدة تحت غطاء الفناء وستار العدم تمتثل بسرعة تامة وطاعة كاملة أمراً واحداً او اشارة من نفخ في صور، لتخرج الى ميدان الحشر والامتحان.. فانظر كيف عبّرت الآية الكريمة عن
الحشر والقيامة باسلوب معجز رفيع، وكيف أشارت الى دليل اقناعي في ثنايا المدّعى، مثلما تخرج البذور التي تسترت في جوف الارض كالميتة، والقطرات التي انتشرت مستترة في جو السماء وانتشرت في كرة الهواء، وتحشر بانتظام كامل وفي سرعة تامة، فتخرج الى ميـدان التـجـربة والامتحـان في كـل ربـيع، حتى تتـخذ الحبوب في الارض والقطـرات في السماء صورة الحـشر والنشور، كما هو مشاهد. وهكذا الامر في الحشر الاكبر وبالسهولة نفسها. واذ تُشاهد هذا هنا، فلا تقدرون على انكار الحشر.
وهكذا، فلكم ان تقيسوا على هذه الآية ما في الآيات الاخرى من درجة البلاغة.
فهل يمكن ـ ياترى ترجمة أمثال هذه الآيات الكريمة ترجمة حقيقية؟. لاشك انها غير ممكنة.
فان كان ولابد، فإما أن تعطى معاني اجمالية مختصرة للآية الكريمة او يلزم تفسير كل جملة منها في حوالي ستة أسطر.
النكتة الخامسة:
لنأخذ مثلاً، جملة قرآنية واحدة، وهي:"الحمد للّه"، فان أقصر معنى من معانيها كما تقتضيه قواعد علم النحو والبيان، هو:
"كل فرد من افرادالحمد من اي حامد صدر وعلى اي محمود وقع من الازل الى الابد خاصٌ ومستحق للذات الواجب الوجود المسمى بالله
فقولنا:"كل فرد من افراد الحمد" ناشئ من "أل" الاستغراق.
ومن"اي حامدا كان" فقد صدر من كون "الحمد" مصدراً، فيفيد العموم في مثل هذا المقام، لأن فاعله متروك.
"وعلى اي محمود وقع" يفيد العموم والكلية، في مقام الخطاب، لترك المفعول.
أما"من الازل الى الابد"، فيفيده الدوام والثبات، حسب قاعدة انتقال الجملة الفعلية الى جملة اسمية.
وان لام الجر في "للّه" تفيد معنى "خاصاً ومستحق" لأن تلك اللام للاختصاص والاستحقاق.
اما"للذات الواجب الوجود المسمى باللّه" فان لفظ "الله" يدل دلالة التزامية على "الواجب الوجود" لأنه لفظ جامع لسائر الاسماء والصفات، وانه الاسم الاعظم، ولان "واجب الوجود" لازم ضروري للالوهية وهو عنوان لملاحظة الذات الجليلة.
فلئن كان أقصر المعاني الظاهرية لجملة "الحمدلله" على هذه الصورة، كما اتفق عليها علماء اللغة العربية، فكيف بترجمة القرآن الكريم الى لغة أخرى بنفس الاعجاز والقوة نفسها؟
ثم ان هناك لغة فصيحة واحدة فقط من بين ألسنة العالم ولغاته مما سوى اللغة العربية الفصحى، وهي لاتبلغ قطعاً جامعية اللغة العربية وشموليتها.
ان كلمات القرآن التي جاءت بتلك اللغة العربية الفصحى الجامعة الخارقة، وفي صورة معجزة، وصادرة من علم محيط بكل شئ يدير الجهات كلها كيف توفي حقهاكلمات ألسنة اخرى تركيبية وتصريفية في ترجمة مَن هو جزئي الذهن قاصر الشعور مشوش الفكر، مظلم القلب؟ أم كيف تملأ كلمات ترجمة محل تلك الكلمات المقدسة؟ حتى استطيع القول، واثبت ايض:ان كل حرف من حروف القرآن الكريم بمثابة خزينة من خزائن الحقائق، بل قد يحوي حرف واحد فقط من الحقائق ما يملأ صحيفة كاملة.
النكتة السادسة:
لأجل تنوير هذا المعنى سأذكر لكم ما جرى عليَّ من حالة نورانية خاصة ومن خيال ذي حقيقة، توضيحاً لمعنى كلمة "(...نعبد) " وتبياناً لجانب خفي من سرَّها:
تأملت ذات يوم في "ن" المتكلم مع الغير في: {اياك نعبد وإيّاك نستعين} وتحرّى قلبي وبحث عن سبب انتقال صيغة المتكلم الواحد الى صيغة الجمع (نعبد).. فبرزت فجأة فضيلة صلاة الجماعة وحكمتها من تلك "النون"، اذ رأيت انه بسبب مشاركتي للجماعة في الصلاة التي أدَّيتها في جامع "بايزيد" يكون كل فرد منها بمثابة شفيع لي.(*)
________________
(*) كليات رسائل النور - المكتوب التاسع والعشرون - ص:503
أتشمل هذه الآية الكريمة:[ كلّ شيء هالكٌ الاّ وَجْهَه ] الآخرة والجنة وجهنم واهليها، ام لا؟
الجواب:
لقد صارت هذه المسألة موضع بحث كثير جداً من العلماء المحققين واصحاب الكشف والاولياء الصالحين، فالقول قولهم في هذه المسألة فضلاً عن أن لهذه الآية الكريمة سعة عظيمة جداً مع تضمنها لمراتب كثيرة جداً. فقد قال القسم الاعظم من المحققين: لا تشمل هذه الآية عالم البقاء. في حين قال اخرون: ان تلك العوالم تتعرض ايضاً لنوع من الهلاك في زمن قصير جداً بحيث يعدّ آناً، وهو زمان قصير الى درجة لا يُشعر بذهابها الى الفناء والعودة منه.
أما ما يحكم به بعض اصحاب الكشف المفرطين في افكارهم من حدوث الفناء المطلق، فليس حقيقة ولا صواباً، لأن ذات الله سبحانه وتعالى دائمى وسرمدي، فلابد أن صفاته واسماءه ايضاً دائمية وسرمدية. ولما كانت صفاته واسماؤه دائمية فلابد أن أهل البقاء والباقيات الموجودة في عالم البقاء - التي هي مراياها وجلواتها ونقوشها ومظاهره - لا تذهب بالضرورة الى الفناء المطلق قطعاً.
وحالياً وردت نقطتان من فيض القرآن الحكيم الى البال نكتبها اجمالاً:
اولاها: ان قدرة الله جل وعلا لا حدود لها، حتى أن الوجود والعدم بالنسبة الى قدرته وارادته تعالى كمنزلَين، يرسل اليهما الاشياء ويجلبها منهما بكل يسر وسهولة، فان شاء يجلبها في يوم واحد أو في آن واحد.
ثم ان العدم المطلق لا وجود له اصلاً لوجود العلم المحيط، علماً انه لا شئ خارج دائرة العلم الإلهي، كي يُلقى اليه شئ. والعدم الموجود ضمن دائرة العلم هو عدم خارجي، وعنوان صار ستاراً على الوجود العلمي، حتى حدا ببعض العلماء المحققين التعبير عن هذه الموجودات العلمية أنها "اعيان ثابتة". لذا فالذهاب الى الفناء، انما هو نزع الاشياء لألبستها الخارجية مؤقتاً، ودخولها في وجود معنوي وعلمي، اي أن الهالكات والفانيات تترك الوجود الخارجي وتلبس ماهياتها وجوداً معنوياً وتخرج من دائرة القدرة داخلة في دائرة العلم.
النقطة الثانية: لقد اوضحنا في كثير من "الكلمات": ان كل شئ فانٍ بمعناه الاسمي، وبالوجه الناظر الى ذاته، فليس له وجود مستقل ثابت بذاته، وليست له حقيقة قائمة بذاتها وحدها. ولكن الشئ في الوجه الناظر الى الله سبحانه - اي اذا صار بالمعنى الحرفي - فليس فانياً، لأن فيه جلوات ظاهرة لأسماء باقية فلا يكون معدوماً، لانه يحمل ظلاً لوجود سرمدي، وله حقيقة ثابتة وهي حقيقة سامية لأنها نالت نوعاً من ظل ثابت لإسم باقٍ.
ثم ان قوله تعالى (كلُّ شيء هالكٌ الاّ وَجْهَه)سيفٌ ليقطع يد الانسان عمّا سوى الله تعالى، حيث ان الآية تقطع العلائق مع الاشياء الفانية، في دنيا فانية، في غير سبيل الله. فحكم الآية الكريمة اذاً تنظر الى الفانيات في الدنيا، بمعنى أن الشئ ان كان في سبيل الله، اي ان كان بالمعنى الحرفي، اي ان كان لوجه الله، فلا يدخل ضمن ما سواه تعالى اي لا يضرب عنقه بسيف الآية الكريمة (كل شيء هالك الاّ وجهه).
حاصل الكلام: اذا كان الأمر لله، ووجد الله، فلا غير اذن، حتى يُقطع رأسه، ولكن ان لم يجد الله، ولم ينظر في سبيل الله فكل شئ غيرٌ. فعليه أن يسلّ سيف(كلّ شيء هالكٌ الاّ وَجْهَه) ويمزّق الحجاب حتى يجده سبحانه تعالى.(*)
18-)
ارتباط معرفة صفات الله واسمائه الحسنى بأنانية الانسان
السؤال :
سؤال لِمَ ارتبطت معرفة صفات الله جلّ جلاله واسمائه الحسنى "بأنانية"(1)الانسان؟
الجواب:ان الشئ المطلق والمحيط، لا يكون له حدود ولانهاية؛ فلا يُعطى له شكل ولا يُحكَم عليه بحكم، وذلك لعدم وجود وجه تعيّنٍ وصورةٍ له؛ لذا لاتُفهم حقيقة ماهيته.
فمثل:الضياء الدائم الذي لا يتخلله ظلام ، لا يُشعَر به ولا يُعرَف وجودُه الاّ اذا حُدّد بظلمة حقيقية أو موهومة.
وهكذا، فان صفات الله سبحانه وتعالى كالعلم والقدرة واسماءه الحسنى كالحكيم والرحيم لانها مطلقة لا حدود لها ومحيطة بكل شئ، لا شريك لها ولاندّ، لايمكن الاحاطة بها أو تقييدها بشئ، فلا تُعرف ماهيتها، ولا يُشعر بها؛ لذا لابد من وضع حدٍّ فرضي وخيالي لتلك الصفات والاسماء المطلقة، ليكون وسيلة لفهمها حيث لا حدود ولا نهاية حقيقية لها وهذا ما تفعله " الانانية " اي ما يقوم به " انا " ؛ اذ يتصور في نفسه ربوبيةً موهومة، ومالكيةً مفترضة وقدرة وعلماً، فيحدّ حدوداً معينة، ويضع بها حداً موهوماً لصفاتٍ محيطة واسماء مطلقة فيقول مثلاً: من هنا الى هناك لي، ومن بعده يعود الى تلك الصفات. أي: يضع نوعاً من تقسيم الامور، ويستعد بهذا الى فهم ماهية تلك الصفات غير المحدودة شيئاً فشيئاً، وذلك بما لديه من موازين صغيرة ومقاييس بسيطة.
فمثل:يفهم بربوبيته الموهومة التي يتصورها في دائرة مُلكه، ربوبيةَ خالقه المطلقة سبحانه وتعالى في دائرة الممكنات.
ويدرك بمالكيته الظاهرية، مالكيةَ خالقه الحقيقية، فيقول: كما انني مالك لهذا البيت فالخالق سبحانه كذلك مالك لهذا الكون.
ويعلم بعلمه الجزئي، علمَ الله المطلق.
ويعرف بمهارته المكتسبة الجزئية، بدائعَ الصانع الجليل، فيقول مثلاً: كما انني شيدتُ هذه الدار ونظّمتها، كذلك لابد من منشئ لدار الدنيا ومنظّم لها.
وهكذا..فقد اندرجت في " أنا " آلاف الاحوال والصفات والمشاعر المنطوية على آلاف الاسرار المغلقة التي تستطيع ان تدل وتبيّن ـ الى حدٍ ما ـ الصفات الإلهية وشؤونها الحكيمة كلها.
أي أن " أنا " لايحمل في ذاته معنىً، بل يدل على معنىً في غيره ؛ كالمرآة العاكسة، والوحدة القياسية، وآلة الانكشاف.(*)
_______________________
(1) ليس المقصود من ((الانانية )) تلك الصفة المذمومة في الانسان وانما اشتقاق من ((أنا))._المترجم .
(*) الكلمة الثلاثون - ص: 637
19-)
الدعاء مخ العبادة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال :[ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ] (1)
وقال:[الدعاء مخ العبادة] (2)
السؤال :
يُدعى أحياناً بدعاء خالص لأمور تقع قطعاً كالدعاء في صلاة الكسوف والخسوف، وقد يدعى احياناً لامور لا يمكن وقوعها..
الجواب:
ان الدعاء نوع من العبادة، حيث يعلن الانسان عجزه وفقره بالدعاء. أما المقاصد الظاهرية فهي اوقات تلك الادعية والعبادة الدعائية، وهي ليست نتائج الادعية وفوائدها الحقيقية، لان فائدة العبادة وثمرتها متوجهة الى الآخرة، اي يجنيها الداعي في الآخرة، لذا لو لم تحصل المقاصد الدنيوية التي يتضمنها الدعاء فلا يجوز القول: ان الدعاء لم يستجب، وانما يصح القول: انه لم ينقض بعد وقت الدعاء.
فهل يمكن يا ترى ألاّ يستجاب دعاء للسعادة الخالدة، يسألها جميع اهل الايمان في جميع الازمنة، يسألونه بالحاح وخلوص نية وباستمرار. فهل يمكن الا يقبل الرحيم المطلق والكريم المطلق ــ التي تشهد الكائنات لسعة رحمته وشمول كرمه ــ هذا الدعاء، وهل يمكن الا تتحقق تلك السعادة الابدية!؟ كلا ثم كلا..(*)
(*) المكتوب الرابع والعشرين – الذيل الاول ص :(389)
20-)
كيف يكون الموت مخلوق وكيف يكون نعمة
السؤال:
ان الآية الكريمة: (الذي خَلَقَ الموت والحياةَ ليبلوَكُم ايّكُم أحْسَنُ عَمَلاً) (الملك:2) وامثالها في القران الحكيم، تعد الموت مخلوقاً كالحياة، وتعتبره نعمة إلهية. ولكن الملاحظ ان الموت انحلال وعدم وتفسخ، وانطفاء لنور الحياة، وهادم اللذات... فكيف يكون "مخلوق" وكيف يكون "نعمة"؟
الجواب: ان الموت في حقيقته تسريح وانهاء لوظيفة الحياة الدنيا، وهو تبديل مكان وتحويل وجود، وهو دعوة الى الحياة الباقية الخالدة ومقدمة لها؛ اذ كما ان مجئ الحياة الى الدنيا هو بخلق وبتقدير إلهي، كذلك ذهابها من الدنيا هو ايضاً بخلق وتقدير وحكمة وتدبير إلهي؛ لأن موت ابسط الأحياء - وهو النبات - يُظهر لنا نظاماً دقيقاً وابداعاً للخلق ما هو اعظم من الحياة نفسها وانظم منها، فموت الأثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهراً تفسخاً وتحللاً هو في الحقيقة عبارة عن عجن لتفاعلات كيمياوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكّل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث ان هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل وللنبات الباسق المثمر. وهذا يعني ان موت البذرة هو مبدأ حياة النبات الجديدة، أزهاراً وأثماراً.. بل هو بمثابة عين حياته الجديدة؛فهذا الموت اذن مخلوق منتظم كالحياة..
وكذلك فان ما يحدث في معدة الانسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني، هو في حقيقته بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في اجزاء الحياة الانسانية الراقية. فذلك الموت اذن مخلوق اكثر انتظاماً من حياة تلك الاغذية.
فلئن كان موت النبات - وهو في ادنى طبقات الحياة - مخلوقاً منتظماً بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الانسان وهو في ارقى طبقات الحياة؟ فلا شك ان موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ، تماماً كالبذرة الموضوعة تحت التراب والتي تصبح بموتها نباتاً رائع الجمال والحكمة في (عالم الهواء).
اما كيف يكون الموت نعمة؟..
فالجواب: سنذكر اربعة وجوه فقط من اوجه النعمة والامتنان الكثيرة للموت.
اولها: الموت انقاذ للانسان من اعباء وظائف الحياة الدنيا ومن تكاليف المعيشة المثقلة. وهو باب وصال في الوقت نفسه مع تسعة وتسعين من الاحبة الاعزاء في عالم البرزخ، فهو اذن نعمة عظمى!
ثانيها: انه خروج من قضبان سجن الدنيا المظلم الضيق المضطرب، ودخول في رعاية المحبوب الباقي وفي كنف رحمته الواسعة، وهو تنعم بحياة فسيحة خالدة مستنيرة لا يزعجها خوف، ولا يكدرها حزن ولا همّ.
ثالثه: ان الشيخوخة وامثالها من الاسباب الداعية لجعل الحياة صعبة ومرهقة، تبيّن مدى كون الموت نعمة تفوق نعمة الحياة. فلو تصورت ان اجدادك مع ما هم عليه من احوال مؤلمة قابعون امامك حالياً مع والديك اللذين بلغا ارذل العمر، لفهمت مدى كون الحياة نقمة، والموت نعمة. بل يمكن ادراك مدى الرحمة في الموت ومدى الصعوبة في ادامة الحياة ايضاً بالتأمل في تلك الحشرات الجميلة العاشقة للازاهير اللطيفة، عند اشتداد وطأة البرد القارس في الشتاء عليها.
رابعها: كما ان النوم راحة للانسان ورحمة، ولا سيما للمبتلين والمرضى والجرحى، كذلك الموت - الذي هو اخو النوم - رحمة ونعمة عظمى للمبتلين ببلايا يائسة قد تدفعهم الى الانتحار.
اما اهل الضلال، فالموت لهم كالحياة نقمة عظمى وعذاب في عذاب، كما اثبتنا ذلك في "كلمات" متعددة اثباتاً قاطعاً وذلك خارج بحثنا هذا. (*)
(*) المكتوب الأول - ص:8
21-)
الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
سؤال: ما حكمة كثرة الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وما سر ذكر السلام معها؟
الجواب: ان الصلاة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحدها طريق الحقيقة، فمع انه صلى الله عليه وسلم قد حظي بمنتهى الرحمة الالهية اظهر الحاجة الى منتهى الصلاة عليه، ذلك لان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذو علاقة مع آلام الامة جميعاً، وله حظ بسعاداتهم. ولعلاقته بسعادة جميع الأمة المتعرضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبل غير محدود يمتد الى ابد الآباد، أظهر صلى الله عليه وسلم الحاجة الى منتهى الصلاة عليه.
ثم ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبد وهو رسول في الوقت نفسه. فيحتاج الى "الصلاة" من حيث العبودية. ويحتاج الى "السلام" من حيث الرسالة. اذ العبودية تتوجه من الخلق الى الخالق حتى تنال المحبوبية والرحمة، فـ "الصلاة" تفيد هذا المعنى.
اما الرسالة فهى بعثة من الخالق سبحانه الى الخلق فتطلب السلامة (للمبعوث) والتسليم له، وقبول مهمته والتوفيق لإجراء وظيفته. فلفظ "السلام" يفيد هذا المعنى.
ثم اننا نقول "سيدنا" ونعبّر به: يا رب! ارحم رئيسنا الذي هو رسولكم الينا ومبعوثنا الى ديوان حضرتكم، كي تسرى تلك الرحمة فينا.
اللهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور – ملحق بارلا ص:67
22-)
الفرق بين خلق الشر و كسب الشر
السؤال:
نزه المعتزلة الله عن خلق الشر فقالوا ان البشر هم يخلقون افعالهم فهل خلق الشرِ شرٌ؟
الجواب
ان خلق الشرّ ليس شرّاً، وانما كسب ُ الشرّ شرٌ، لأن الخلق والايجاد يُنظر اليه من حيث النتائج العامة. فوجود شر ٍ واحد، اِن كان مقدمةً لنتائج خيّرة كثيرة، فان ايجاده يصبح خيراً باعتبار نتائجه، اي يدخل في حكم الخير
فمثل:النار لها فوائد ومنافع كثيرة جداً، فلايحق لأحد أن يقول: ان ايجاد النار شرّ اذا ما أساء استعمالها باختياره وجعلها شرّاً ووبالاً على نفسه.
وكذلك خلقُ الشياطين وايجادهم فيه نتائج كثيرة ذات حكمة للانسان، كسموّه في سلم الكمال والرقي. فلا يسيغ لمن استسلم للشيطان - باختياره وكسبه الخاطئ - ان يقول: ان خلق الشيطان شرٌ. اذ قد عمل الشر لنفسه بكسبه الذاتي.
أما الكسب الذي هو مباشرةٌ جزئيةٌ للامر، فانه يصبح شراً لأنه وسيلةٌ تُفضي الى شرّ خاصٍ معين، فيكون كسبُ الشرّ بذلك شرّاً، بينما لايكون الايجاد شراً، بل يكون خيراً، لأنه يرتبط بجميع النتائج المترتبة فلا يكون اذن خلق الشرّ شرّاً.
وهكذا ولعدم ادراك المعتزلة هذا السرّ ضلّوا، اِذ قالوا: إن خلق الشر شرٌ وايجاد القُبح قبحٌ. فلم يردّوا الشر الى الله سبحانه وتعالى تقديساً وتنزيهاً له، وتأولوا الركن الايماني: وبالقدر خيره وشرّه من الله تعالى.(1)
نعم!ان في الخلق والايجاد خيراً كثيراً مع تضمنه لشر جزئي، وان ترك خير كثير لأجل شر جزئي، يحدث شراً كثيراً، لذا فان ذلك الشر الجزئي يعدّ خيراً وفي حكمه.فليس في الخلق الإلهي شرٌ ولا قبح، بل يعود الشر الى كسب العبد والى استعداده.(2)
يقول قسم من أهل الضلالة ان الذي يغيّر الكائنات بفعالية دائمة ويبدلها، يلزم ان يكون هو متغيراً ومتحولاً أيضاً.
الجواب:
كلا ثم كلا. حاش لله ألف ألف مرة حاش لله!
ان تغيّر اوجه المرايا في الارض، لا يدل على تغير الشمس في السماء، بل يدل على اظهار تجدد تجليات الشمس. فكيف بالذي هو أزلي وأبدي وسرمدي وفي كمال مطلق وفي استغناء مطلق (عن الخلق) وهو الكبير المتعال المقدس عن المادة والمكان والحدود، والمنزّه عن الامكان والحدوث، فتغيّر هذا الذات الاقدس محال بالمرة.
ثم ان تغير الكائنات، ليس دليلاً على تغيّره هو، بل هو دليل على عدم تغيره، وعدم تحوّله سبحانه وتعالى. لان الذي يحرّك اشياءً عديدة بانتظام دقيق ويغيّرها، لابد الاّ يكون متغيراً والاّ يتحرك.. مثال ذلك: انك اذا كنت تحرك كرات كبيرة وصغيرة مرتبطة بعدة خيوط؛ حركة منتظمة ودائمة، وتضعها في اوضاع منتظمة، ينبغي ان تكون أنت ثابتاً في مكانك دون ان تتحول عنه والاّ اختل الانتظام.
ومن القواعد المشهورة: ان الذي يحرّك بانتظام ينبغي الاّ يتحرك، والذي يغيّر باستمرار ينبغي الاّ يكون متغيراً. كي يستمر ذلك العمل في انتظامه.
ثانياً: ان التغير والتبدل ناشئ من الحدوث، ومن التجدد بقصد الوصول الى الكمال، ومن الحاجة، ومن المادية، ومن الامكان.
أما الذات الاقدس؛ فهو قديم أزلي، وفي كمال مطلق، وفي استغناء مطلق، منزّه عن المادة، وهو الواجب الوجود، فلا بد ان التبدل والتغير محال في حقه وغير ممكن أصلاً. (*)
25-)
ان الحديد يخرج من الارض ولا ينزل من السماء حتى يقال: "انزلنا"
السؤال:
يقال:ان الحديد يخرج من الارض ولا ينزل من السماء حتى يقال: "انزلنا". فلِمَ لم يقل القران الكريم : "اخرجن" بدلاً عن "انزلنا" الذي لا يوافق الواقع ظاهراً؟
الجواب:
ان القرآن الكريم قد قال كلمة " انزلن" لأجل التنبيه الى جهة النعمة العظيمة التي ينطوي عليها الحديد والتى لها اهميتها في الحياة.فالقرآن الكريم لا يلفت الانظار الى مادة الحديد نفسها ليقول "اخرجن" بل يقول "انزلن" للتنبيه الى النعمة العظيمة التي في الحديد والى مدى حاجة البشر اليه. وحيث ان جهة النعمة لا تخرج من الاسفل الى الاعلى بل تأتى من خزينة الرحمة، وخزينة الرحمة بلا شك عالية وفي مرتبة رفعية معنى، فلا بد ان النعمة تنزل من الاعلى الى الاسفل، وان مرتبة البشر المحتاج اليها في الاسفل، وان الإنعام هو فوق الحاجة. ولهذا فالتعبير الحق الصائب لورود النعمة من جهة الرحمة اسعافاً لحاجة البشر هو: "انزلن" وليس "اخرجن".
ولما كان الاخراج التدريجي يتم بيد البشر، فان كلمة "الاخراج" لا يُشعر جهة النعمة ولا يجعلها محسوسةً بأنظار الغافلين.
نعم لو كانت مادة الحديد هي المرادة، فالتعبير يكون " الاخراج" باعتبار المكان المادي. ولكن صفات الحديد، والنعمة التي هي المعنى المقصود هنا، معنويتان،؛ لذا لا يتوجه هذا المعنى الى المكان المادي، بل الى المرتبة المعنوية.
فالنعمة الآتية من خزينة الرحمة التى هي احدى تجليات مراتب سمو الرحمن ورفعته غير المتناهية تُرسل من اعلى مقام الى اسفل مرتبة بلاشك ؛ لذا فالتعبير الحق لهذا هو:انزلنا. والقرآن الكريم ينبه البشر بهذا التعبير الى ان الحديد نعمة إلهية عظيمة.نعم، ان الحديد هو منشأ جميع الصناعات البشرية ومنبع جميع رقيها ومحور قوتها، فلاجل التذكير بهذه النعمة العظمى يذكر القرآن بكل عظمة وهيبة وفي مقام الامتنان والإنعام قائلاً : {وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} كما يعبّر عن اعظـم معجزة لسيـدنا داود عليه السلام بقوله تعالى { وألنّا له الحديد}. اي انه يبين تليين الحديد معجزة عظيمة ونعمة عظيمة لنبي عظيم.
ثاني:ان "الاعلى" و"الاسفل" تعبيران نسبيان، فيكون الاعلى والاسفل بالنسبة الى مركز الكرة الارضية. حتى ان الذي هو اسفل بالنسبة الينا هو الاعلى بالنسبة لقارة امريكا.بمعنى ان المواد الاتية من المركز الى سطح الارض تتغير اوضاعها بالنسبة الى من هم على سطح الارض.
فالقرآن المعجز البيان يقول بلسان الاعجاز: ان للحديد منافع كثيرة وفوائد واسعة، بحيث انه ليس مادة اعتيادية تخرج من مخزن الارض التي هي مسكن الانسان، وليس هو معدناً فطرياً يستعمل في الحاجات كيفما اتفق. بل هو نعمة عظيمة أنزلها خالق الكون بصفته المهيبة "رب السموات والارض" انزلها من خزينة الرحمة وهيأها في المصنع العظيم للكون، ليكون مداراً لحاجات سكنة الارض. فعبّر عنه بالانزال قائلاً {وانزلنا الحديد} لأجل بيان المنافع العامة التي ينطوي عليها الحديد وفوائده الشاملة، كما للحركة والحرارة والضياء الآتي من السماء فوائد. تلك التي ترسل من مصنع الكون. فالحديد لا يخرج من المخازن الضيقة لكرة الارض، بل هو في خزينة الرحمة التي هي في قصر الكون العظيم ثم ارسل الى الارض ووضع في مخزنها كيما يمكن استخراجه من ذلك المخزن حسب حاجة العصور تدريجياً.
فلا يريد القرآن الكريم ان يبين استخراج الحديد هذا تدريجياً من هذا المخزن الصغير، الارض. بل يريد ان يبين ان تلك النعمة العظمى قد انزلت من الخزينة الكبرى للكون مع كرة الارض، وذلك لاظهار الحديد انه هو اكثر ضرورة لخزينة الارض. بحيث ان الخالق الجليل عندما فصل الارض من الشمس انزل معها الحديد
ليحقق اكثر حاجات البشر ويضمنها. فالقرآن الحكيم يقول باعجاز، ما معناه: انجزوا بهذا الحديد اعمالكم واسعوا للاستفادة منه باخراجه من باطن الارض.
وهذه الآية الجليلة تبين نوعين من النعم التي هي محور لدفع الاعداء وجلب المنافع. ولقد شوهد تحقق منافع الحديد المهمة للبشرية قبل نزول القرآن، إلاّ ان القرآن يبين ان الحديد سيكون في المستقبل في صور تحيّر العقول سيراً في البحر والهواء والارض حتى انه يسخّر الارض ويظهر قوة خارقة تهدد بالموت، وذلك بقوله تعالى {فيه بأس شديد} مظهراً لمعة اعجاز في إخبار غيبي.
* * *
عندما تطرق البحث عن النكتة السابقة انفتح الكلام حول هدهد سليمان. فيسأل احد اخواننا الذي يلح في السؤال: ان الهدهد يصف الخالق الكريم سبحانه بقوله { يخرج الخبء في السمـوات والارض} (النمل:25) فما سبب ذكره في هذا المقام الجليل هذا الوصف الرقيق بالنسبة الى الاوصاف الجليلة؟.
الجواب:ان احدى مزايا الكلام البليغ هو ان يُشعر الكلامُ صنعةَ المتكلم التي ينشغل بها.فهدهد سليمان الذي يمثل عريف الطيور والحيوانات كالبدوي العارف الذى يكشف بالفراسة الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء جزيرة العرب الشحيحة بالماء. فهو طير ميمون مأمور بايجاد الماء ويعمل عمل المهندس لدى سيدنا سليمان عليه السلام، فلذلك يُثبت بمقياس صنعته الدقيقة، كون الله معبوداً ومسجوداً له، باخراجه سبحانه ما خبئ في السماوات والارض، فيعرّف اثباته هذا بصنعته الدقيقة.
ألا ما أحسن رؤية الهدهد! اذ ليس من مقتضى فطرة ما تحت التراب من المعادن والنوى والبذور التي لا تحصى، ان تخرج من الاسفل الاعلى. لأن الاجسام الثقيلة التي لا روح لها ولا اختيار لا تصعد بنفسها الى الاعلى، وانما تسقط من الاعلى الى الاسفل.فاخراج جسم مخفي تحت التراب، من الاسفل الى الاعلى ونفض التراب الثقيل الجسيم من على كاهله الجامد لا بد ان يكون بقدرة خارقة لا بذاته.فادرك الهدهد أخفى براهين كون الله تعالى معبوداً ومسجوداً له وكشفها بعارفيته ووجد أهم تلك البراهين بصنعته، والقرآن الحكيم منح اعجازاً بالتعبير عنه.(*)
لما كان " الحق يعلو " أمراً حقاً لا مراء فيه، فلِمَ ينتصر الكافرُ على المسلم، وتغلُب القوة على الحق؟.
الجواب :
قلت:تأمل في النقاط الاربع الآتية، تنحل المعضلة.
النقطة الاولى:
لا يلزم ان تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كل حقٍّ حقاً، كما لا يلزم ايضاً ان تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كلِّ باطلٍ باطلاً.
فالنتيجة اذن: ان وسيلةً حقة (ولو كانت في باطل) غالبةٌ على وسيلةٍ باطلة (ولو كانت في الحق).
وعليه يكون: حقٌ مغلوب لباطل، مغلوبٌ بوسيلته الباطلة، اي مغلوبٌ موقتاً، والاّ فليس مغلوباً بذاته، وليس دائماً، لأن عاقبة الأمور تصير للحق دوماً.
أما القوة، فلها من الحق نصيبٌ، وفيها سرٌّ للتفوق كامنٌ في خلقتها.
النقطة الثانية:
بينما يجب أن تكون كلُّ صفةٍ من صفات المسلم مسلمةً مثله، الا ان هذا ليس أمراً واقعاً، ولا دائماً!
ومثله، لا يلزم ايضاً ان تكون صفات الكافر جميعها كافرةً ولا نابعةً من كفره.
وكذا الأمر في صفات الفاسق، لا يشترط ان تكون جميعُها فاسقة، ولا ناشئة من فسقه.
إذن، صفةٌ مسلمةٌ يتصف بها كافرٌ تتغلب على صفةٍ غير مشروعة لدى المسلم. وبهذه الوساطة(والوسيلة الحقة) يكون ذلك الكافر غالباً على ذلك المسلم (الذي يحمل صفة غير مشروعة).
ثم ان حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعاً لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.
النقطة الثالثة:
لله سبحانه وتعالى تجليان ــ يتجلى بهما على المخلوقات ــ وهما تجليان شرعيان صادران من صفتين من صفات كماله جل وعلا.
اولهم:
الشرع التكويني ـ أو السنة الكونية ـ الذي هو المشيئة والتقدير الإلهي الصادر من صفة " الارادة الإلهية " .
والثاني:
الشريعة المعروفة الصادرة من صفة " الكلام الرباني " .
فكما ان هناك طاعةً وعصياناً تجاه الاوامر الشرعية المعروفة، كذلك هناك طاعةٌ وعصيانٌ تجاه الاوامر التكوينية.
وغالباً ما يرى الاول ـ مطيع الشريعة والعاصي لها ـ جزاءه وثوابه في الدار الآخرة. والثاني ـ مطيع السنن الكونية والعاصي لها ـ غالباً ما ينال عقابه وثوابه في الدار الدنيا.
فكما ان ثواب الصبر النصرُ.
وجزاء البطالة والتقاعس الذلُّ والتسفّل.
كذلك ثواب السعي الغنى،
وثواب الثبات التغلب.
مثلما ان نتيجة السمِّ المرضُ.
وعاقبةَ الترياقِ والدواء الشفاء والعافية.
وتجتمع احياناً اوامر الشريعتين معاً في شئ.. فلكلٍ جهة.
فطاعةُ الأمر التكويني الذي هو حق، هذه الطاعة غالبة ـ لأنها طاعة لأمر إلهي ـ على عصيان هذا الأمر بالمقابل، لأن العصيان ـ لأي أمر تكويني ـ يندرج في الباطل ويصبح جزءاً منه.
فاذا ما اصبح حقٌ وسيلةً لباطلٍ فسينتصر على باطلٍ اصبح وسيلةً لحق، وتظهر النتيجة:
حقٌ مغلوب أمام باطل! ولكن ليس مغلوباً بذاته، وانما بوسيلته. اذن فــ " الحق يعلو " يعلو بالذات، والعقبى هي المرادة ــ فليس العلو قاصراً في الدنيا ـ الاّ ان التقيّد والأخذ بحيثيات الحق مقصود ولابد منه.
النقطة الرابعة:
ان ظلَّ حقٌ كامناً في طور القوة ـ اي لم يخرج الى طور الفعل المشاهَد ـ أو كان مشوباً بشئ آخر، أو مغشوشاً، وتطلّب الأمر كشف الحق وتزويده بقوة
جديدة، وجعله خالصاً زكياً، يُسلّط عليه مؤقتاً باطلٌ حتى يخلُص الحق ـ نتيجة التدافع ـ من كل درن فيكون طيباً.
ولتظهر مدى قيمة سبيكة الحق الثمينة جداً.
فاذا ما انتصر الباطل في الدنيا ـ في مكان وزمان معينين ـ فقد كسب معركة ولم يكسب الحرب كلها، لأن " العاقبة للمتقين " هي المآل الذي يؤول اليه الحق.
وهكذ الباطل مغلوب ـ حتى في غلبه الظاهر ـ وفي "الحق يعلو " سرٌّ كامن عميق يدفع الباطل قهراً الى العقاب في عقبى الدنيا أو الآخرة، فهو يتطلع الى العقبى. وهكذا الحق غالب مهما ظهر انه مغلوب!.(*)
_______________
(*) الكلمات - اللوامع - ص: 871
27-)
وحدة الوجود
السـؤال:
ان ابن عربي يعد مسألة وحدة الوجود أرفع مرتبة ايمانية، حتى ان قسماً من اولياء عظام من اهل العشق اتبعوه في مسلكه.
بيد انك تقول: ان هذا المسلك ليس هو من أرفع المراتب الإيمانية، ولاهو بمسلك حقيقي، وانما هو مشرب اهل السكر والاستغراق واصحاب الشوق والعشق.
فان كان الامر هكذا كما تقول، فبين لنا باختصار: ما اعلى مرتبة من مراتب التوحيد التي بينتها وراثة النبوة وصراحة القرآن الكريم؟.
الجواب:
ان عاجزاً مسكيناً مثلي، لاقيمة له ولا أهمية، أنّى له ان يقتحم غمار هذه المراتب السامية الرفيعة ويجري فيها محاكمات عقلية بعقله القاصر، انما هو امر فوق الحد بمائة مرة.. ولكني سأذكر ذكرا مختصرا جدا نكتتين فقط وردتا من فيض القرآن الكريم الى القلب، فلعل فيهما فائدة ونفعاً.
النكتة الاولى:
ان هناك اسباباً عدة للانجذاب نحو مشرب وحدة الوجود. سأبين باختصار شديد سببين منها:
السبب الاول: انهم لم يستطيعوا ان يستوعبوا في اذهانهم خلاقية الربوبية في اعظم مراتبها، وكذا لم يستطيعوا ان يمكّنوا في قلوبهم تمكينا تاما انه سبحانه بأحديته مالك بالذات لزمام كل شئ في قبضة ربوبيته، وان كل شئ يخلق بقدرته واختياره وارادته سبحانه. فلأنهم لم يستطيعوا ادراك ذلك فقد رأوا انفسهم مضطرين امام القول: كل شئ هو تعالى، او: لاشئ موجود، او: ان الموجود خيال، او: من التظاهر أو من الجلوات.
السبب الثاني: ان صفة العشق لاتريد الفراق اصلا، وتفر منه بشدة، وترتعد فرائص العاشق من الافتراق، ويرهب من التنائي رهبته من جهنم، وينفر من الزوال نفرة شديدة، ويحب الوصال حبه لروحه ونفسه، ويرغب بشوق لاحد له - كشوقه للجنة - للقرب الإلهي، لذا يرى ان التشبث بتجلى الأقربية الإلهية في كل شئ، يجعل الفراق والتنائي كأنهما معدومان،فيظن اللقاء والوصال دائمين بقوله:لاموجود إلا هو.
ولانهم يتصورون بسكر العشق وبمقتضى شوق البقاء واللقاء والوصال، ان في وحدة الوجود مشرباً حالياً في منتهى الذوق، لذا يجدون ملجأهم في مسألة وحدة الوجود لأجل التخلص من فراقات رهيبة.
أي ان منشأ السبب الاول:
هو عدم بلوغ العقل قسماً من حقائق الايمان الواسعة للغاية والسامية جداً، وعدم استطاعته الاحاطة بها، مع عدم انكشاف العقل انكشافا تاماً من حيث الايمان.
أما منشأ السبب الثاني:
فهو انكشاف القلب انكشافاً فوق المعتاد، بتأثير العشق وانبساطه انبساطاً خارقاً للعادة.
أما مرتبة التوحيد العظمى التي يراها بصراحة القرآن الاولياء العظام اعنى الاصفياء الذين هم اهل الصحو واهل وراثة النبوة، فانها مرتبة رفيعة عالية جداً، اذ تفيد المرتبة العظمى للربوبية والخلاقية الإلهية، وتبين ان جميع الاسماء الحسنى هي أسماء حقيقية، وهي تحافظ على الاسس من دون اخلال بموازنة أحكام الربوبية، لأن اهلها يقولون:
ان الله سبحانه باحديته الذاتية وتنزهه عن المكان قد أحاط - من دون وساطة - بكل شئ علما وشخّصه بعلمه ورجّحه وخصّصه بارادته واوجده وابقاه بقدرته. فانه سبحانه يوجد جميع الكون ويخلقه ويدبر أموره كايجاده لشئ واحد وارادته اياه، فكما انه يخلق الزهرة بسهولة فانه يخلق الربيع العظيم بالسهولة نفسها. فلا يمنع شئ شيئاً قط، فلا تجزؤ في توجهه سبحانه. فهو موجود بتصرفه وبقدرته وبعلمه في كل مكان، في كل آن. فلا انقسام ولا توزع في تصرفه سبحانه.
ولقد وضحنا هذا الامر واثبتناه في الكلمة السادسة عشرة، وفي المقصد الثاني من الموقف الثاني من الكلمة الثانية والثلاثين.
سأورد هنا مثالا ينطوي على نقص كثير (ولامشاحة في الامثال) وذلك لفهم شئ من الفرق بين المشربين:
لنفرض ان هناك طاووساً خارقاً لامثيل له، وهو في غاية الكبر، ومنتهى الزينة وانه يتمكن من الطيران من الشرق الى الغرب في لمحة بصر، وله القدرة على بسط جناحيه الممتدين من الشمال الى الجنـوب، وقبضهما في آن واحـد، وعليـه مئات ألوف النقوش البديعة حتى ان على كل ريش من جناحيه ابداعاً واتقاناً في منتهى الجمال والروعة.
ولنفرض الآن هناك شخصان يتفرجان على هذا الطاووس العجيب، ويريدان التحليق بجناحي العقل والقلب الى المراتب العالية الرفيعة لهذا الطير وبلوغ زينته الخارقة.
فطفق الأول يتأمل في وضع هذا الطاووس وهيكله ونقوش خوارق القدرة في كل ريشة منه، فيغمره العشق والشوق والمحبة تجاه هذا الطير فيترك شيئاً من التفكير العميق الى جانب مستمسكاً بالعشق، ولكنه يرى أن تلك النقوش المحبوبة تتحول وتتبدل يوما بعد يوم، وان تلك المحبوبات التي يوليها الحب والشغف تغيب وتزول كل يوم. فكان ينبغي له ان يقول: ان هذه النقوش المتقنة انما هي لنقاش مالك للخلاقية الكلية مع احديته الذاتية، وله الربوبية المطلقة مع وحدانيته الحقيقية. الا انه لم يتمكن من ان يستوعب هذا ويدركه، فبدأ يسلي نفسه ويقول بدلا من ذلك الاعتقاد:
ان روح هذا الطاووس روح سامية عالية بحيث ان صانعه فيه، أو قد أصبح هو نفسه! وان تلك الروح العالية متحدة مع جسد الطاووس، ولأن جسده ممتزج مع صورته الظاهرة، فان كمال تلك الروح وعلو ذلك الجسد هما اللذان يظهران هذه الجلوات على هذه الصورة البديعة، حتى يظهر في كل دقيقة نقشاً جديداً وحسناً مجدداً، فليس هذا ايجاد باختيار حقيقي، بل هو جلوة وتظاهر.
أما الشخص الاخر فيقول: ان هذه النقوش الموزونة المنظمة المتقنة تقتضي يقينا ارادة واختياراً وقصداً ومشيئة، فلا يمكن ان تكون جلوة بلا ارادة ولاتظاهرا بلا اختيار.
نعم! ان ماهية الطاووس جميلة ورائعة، ولكن ماهيته ليست فاعلة قطعاً وانما منفعلة، ولايمكن ان تتحد مع فاعله مطلقاً. وان روحه عالية سامية ولكن ليست
موجدة ولامتصرفة، وانما مظهر ومدار ليس الا. لأنه يشاهد في كل ريش منه اتقان قد تم بحكمة مطلقة بالبداهة، ونقش زينة نقشها بالقدرة المطلقة.
وهذا لايمكن ان يكون دون ارادة واختيار قطعاً.
فهذه المصنوعات البديعة التي تبين كمال الحكمة في كمال القدرة، وكمال الربوبية والرحمة في كمال الاختيار، لايمكن ان تكون هذه المصنوعات نتيجة جلوة أو ماشابهها.
ان الكاتب الذي كتب سطور هذا السجل المذهب لايمكن أن يكون في السجل نفسه، ولايمكن ان يتحد معه. وليس لذلك السجل الاّ تماس بطرف قلم ذلك الكاتب. لذا فان زينة جمال ذلك الطاووس المثالي الذي هو يمثل الكائنات، ليس إلا رسالة من قلم خالق ذلك الطاووس.
فالآن تأمل في طاووس الكائنات واقرأ تلك الرسالة، وقل لكاتبها:
مـا شـاء الله..
تــبـارك الله..
سبحان الله...
فالذي يظن الرسالة كاتبها أو يتخيل الكاتب في الرسالة نفسها، أو يتوهم الرسالة خيالا لاشك انه قد ستر عقله بستار العشق ولم يبصر الصورة الحقيقية للحقيقة.
ان أهم جهة من انواع العشق التي تسبب الانسلاك الى مشرب وحدة الوجود هي عشق الدنيا، اذ حينما يتحول عشق الدنيا الذي هو عشق مجازي الى عشق حقيقي ينقلب الى وحدة الوجود.
ان شخصاً اذا أحب انساناً محبة مجازية، ما ان يشاهد فناءه لايستطيع ان يمكّن هذا الزوال في قلبه، تراه يمنح معشوقه عشقاً حقيقياً، فيتشبث بحقيقة عشقه ليسلي بها نفسه، وذلك باضفاء البقاء على محبوبه بعشق حقيقي فيقول:
أنه مرآة جمال المعبود والمحبوب الحقيقي.
كذلك الأمر فيمن احب الدنيا العظيمة وجعل الكون برمته معشوقه، فحينما تتحول هذه المحبة المجازية الى محبة حقيقة بسياط الزوال والفراق التي تنزل بالمحبوب، يلتجئ ذلك العاشق الى وحدة الوجود انقاذاً لمحبوبه العظيم من الزوال والفراق.
فان كان ذا ايمان رفيع راسخ يكون له هذا المشرب مرتبة ذات قيمة نورانية مقبولة كما هي لدى ابن عربي وأمثاله، وإلا فلربما يسقط في ورطات وينغمس في الماديات ويغرق في الاسباب.
أما وحدة الشهود فلا ضرر فيها، وهي مشرب عال لأهل الصحو.(*)
_______________
(*)كليات رسائل النور –اللمعات... ص:61
28-)
لماذا اهمية الرزق كأهمية الحياة
السؤال :
لماذا اهمية الرزق كأهمية الحياة ؟
الجواب : {وما من دآبة في الارض الاّ على الله رزقها} (هود:6)
الرزق ذو اهمية عظيمة كاهمية الحياة في نظر القدرة الإلهية، اذ القدرة هي التي تُخرج وتوجِد الرزق، والقَدر يلبسه اللباس المعين، والعناية الإلهية ترعاه.
فالقدرة الإلهية - بفعّالية عظيمة - تحوّل العالم الكثيف الى عالم لطيف. ولاجل أن تكسب ذرات الكائنات حظاً من الحياة فانها تعطيها الحياة بادنى سبب وبحجة بسيطة، وبالاهمية نفسها تحضر القدرة الرزق متناسباً مع انبساط الحياة.
فالحياة محصّلة مضبوطة اي مشاهدة محدّدة، اما الرزق فغير محصّل - اي لايحصل آنياً - وانما بصورة تدريجية ومنتشرة تدفع الانسان الى التأمل فيه.
ومن وجهة نظر معينة يصح أن يقال: انه ليس هناك موت جوعاً. لان الانسان لا يموت قبل ان ينتهي الغذاء المدخر على صورة شحوم وغيرها.
اي ان المرض الناشئ من ترك العادة هو الذي يسبب موت الانسان وليس عدم الرزق.(*)
قال عليه الصلاة والسلام: ( من مات وهو يعلم انه لا إله إلا الله، دخل الجنة)..(1)
السؤال: كفاية " لا اله الاّ الله " فحسب
تسألون ياأخي عن كفاية " لا اله الاّ الله " فحسب، اي من دون ذكر "محمد رسول الله" في جعل المرء من اهل النجاة.
الجواب : ان جواب هذا السؤال طويل، الاّ اننا نقول الآن:
ان كلمتي الشهادة لاتنفك احداهما عن الاخرى ولاتفترقان، بل تثبت احداهما الاخرى وتتضمنها، فلا تكون احداهما الاّ بالاخرى.
وحيث ان الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء عليهم السلام، ووارث جميع المرسلين، فلاشك انه في مقدمة كل الطرق الموصلة الى الله وفي رأسها، فليست هناك طريق حقة ولاسبيل نجاة غير جادته الكبرى وصراطه المستقيم.
ويقول جميع أئمة اهل المعرفة والتحقيق ما يعبّر عنه سعدي الشيرازي شعراً:
(اي: من المحال ان يظفر أحد بطريق السلامة والصفاء من دون اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم )..وكذا قالوا: ان كل الطرق مسدودة الاّ المنهاج المحمدي.
ولكن قد يكون احياناً ان بعضهم يسلكون الجادة الاحمدية ولكنهم لايعلمون انها جادة احمدية او انها داخلة ضمنها.
وقد يكون احياناً انهم لايعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الطريق التي يسلكونها هي جزء من الجادة الاحمدية.
وقد يكون احياناً انهم لايفكرون في الجادة المحمدية مكتفين: ب" لا اله الاّ الله" إما بسبب من حالة الجذب او الاستغراق او بسبب وضع من اوضاع الانزواء والعزلة.
ومع هذا فان اهم جهة في هذه الامور هي:
ان عدم القبول شئ وقبول العدم شئ آخر. فان أمثال هؤلاء من اهل الجذب والعزلة او ممن لم يسمع او لايعلم وامثالهم ممن لايعرفون النبي صلى الله عليه وسلم او لايتفكرون فيه ليقبلوه ويرضوا به فانهم يظلون جاهلين في تلك النقطة ولايعرفون غير " لا اله الاّ الله" في معرفة الله ، فهؤلاء ربما يكونون من اهل النجاة، ولكن الذين سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا دعوته، ان لم يصدّقوه يكونون من الذين يعرفون الله ولا يؤمنون به، لان قول: " لا اله الاّالله" لا يفيد لأمثال هؤلاء التوحيد الذي هو سبب النجاة، حيث ان تلك الحالة ليست حالة ناشئة من عدم قبول نابع من الجهل والذي يُعدّ عذراً، بل هو قبول العدم، وهو انكار. فالذي ينكر محمداً عليه الصلاة والسلام وهو مدار فخر الكون وشرف البشرية بمعجزاته وآثاره الجليلة، لاشك انه لاينال نوراً قط ولايكون مؤمناً بالله.(*)
اِن الشيوخ الذين هم نصف البشرية، انما يتحملون ويصبرون وهم على شفير القبر ب"الايمان بالآخرة". ولايجدون الصبر والسلوان من قرب انطفاء شعلة حياتهم العزيزة عليهم، ولا من انغلاق باب دنياهم الحلوة الجميلة في وجوههم إلاّ في ذلك الايمان. فهؤلاء الشيوخ الذين عادوا كالاطفال واصبحوا مرهفي الحس في ارواحهم وطبائعهم، انما يقابلون ذلك اليأس القاتل الأليم الناشئ من الموت والزوال ويصبرون عليه بالامل في الحياة الآخرة. وإلاّ فلولا هذا الايمان بالآخرة لشعر هؤلاء الآباء والامهات - الذين هم اجدر بالشفقة والرأفة والذين هم في أشد الحاجة الى الاطمئنان والسكينة والحياة الهادئة - ضراماً روحياً واضطراباً نفسياً وقلقاً قلبياً، ولضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، ولتحولت سجناً مظلماً رهيباً، ولانقلبت الحياة الى عذاب أليم قاسٍ.(*)
________________________
(*) الشعاع التاسع - ص: 229
31-)
ما هي اصول العروج الى المعرفة الالهية
السؤال :
ما هي اصول العروج الى المعرفة الالهية
وهناك اصول اربعة للعروج الى عرش الكمالات وهو "معرفة الله" جلّ جلاله:
اوله:منهج الصوفية، المؤسس على تزكية النفس والسلوك الاشراقي.
ثانيه:منهج علماء الكلام المبني على "الحدوث والامكان" في اثبات واجب الوجود.
ومع ان هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن الكريم، ألاّ أن البشر قد افرغهما في صور شتى، لذا اصبحا منهجين طويلين، وذوي مشاكل فلم يبقيا مصانين من الاوهام والشكوك.
رابعها واولاها: طريق القرآن الكريم الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، وبجزالته الساطعة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو اقصر طريق الى الله، واقربه الى الله، واشمله لبني الانسان.
ولبلوغ عرش هذا الاصل هناك اربع وسائل: الالهام، التعليم، التزكية، التدبر. (*)
______________________
(*) المثنوي العربي النوري - ص: 428
32-)
هل نزول المصائب و البلايا ظلم على الابرياء
السؤال:
ان الله سبحانه وتعالى ينزل المصائب ويسـلط البلايا، ألا يكون هذا ظلماً على الابرياء بل حتى على الحيوانات؟
الجواب:
حاشَ لله وكلا.. فان المُلك ملكه وحده، وله أن يتصرف فيه كيف يشاء. تُرى لو ان صنّاعاً ماهراً جعلك نموذجاً "موديل" مقابل اجرة، وألبسك ثوباً زاهياً خاطه بأفضل ما يكون، ثم بدأ يقصّره ويطوله ويقصه.. ثم يقعدك وينهضك
ويثنيك..كل ذلك لكي يبين حذاقته ومهارته، فهل لك أن تقول له: لقد شوهت جمال ثيابي الذي زادني جمالاً، وقد ارهقتنى لكثرة ما تقول لي: اجلس.. إنهض! فلا ريب انك لا تقدر على هذا القول. بل لو قلته، فهو دليل الجنون ليس الاّ.
وعلى غرار هذا فان الصانع الجليل قد ألبسك جسماً بديعاً مزيناً بالعين والاذن والانف وغيرها من الاعضاء والحواس. ولأجل اظهار آثار اسمائه الحسنى المتنوعة يبتليك بانواع من البلايا فيمرضك حيناً ويمتعك بالصحة احياناً اخرى، ويجيعك مرة ويشبعك تارة ويظمئك اخرى. وهكذا يقلبك في امثال هذه الاطوار والاحوال لتتقوى ماهية الحياة وتظهر جلوات اسمائه الحسنى.
فان قلت: لماذا يبليني بهذه المصائب؟ فان مائة من الحِكَم الجليلة تسكتك، كما اشير اليها في المثال السابق. اذ من المعلوم ان السكون والهدوء والرتابة والعطالة نوع من العدم والضرر، وبعكسه الحركة والتبدل وجودٌ وخير. فالحياة تتكامل بالحركة وتترقى بالبلايا وتنال حركات مختلفة بتجليات الاسماء وتتصفى وتتقوى وتنمو وتتسع، حتى تكون قلماً متحركاً لكتابة مقدراتها، وتفى بوظائفها، وتستحق الاجر الاخروي.(*)
اعلم!ان "سبحان الله والحمد لله" يتضمنان التوصيف بصفات الله: الجلال بالاول.. والجمال بالثاني. "فسبحان الله" ينظر الى بُعد العبد والممكن عن الله الواجب الوجود العلي العظيم.و"الحمد لله" ينظر الى قُرب الله بالرحمة واللطف الى العبد ومخلوقاته. فكما ان الشمس قريبةٌ منك تُوصل حرارتها وضياءها اليك
وتتصرف فيك باذن خالقها، الذى صيّرها مرآة لجلوة اسمه" النور" وظرفاً لنعمه التى هى الحرارة والضياء مع انك بعيد عنها لايصل يدك اليها، وانت بالنسبة اليها قابل فقط لافاعل ولامؤثر.. كذلك (ولله المثل الاعلى) ان الله جلّ جلاله قريبٌ منا فنحمده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه. فاحمده وانت تنظر الى قربه برحمته. وسبّحه وانت تنظر الى بُعدك بإمكانك. ولاتخلط بين المقامين، ولاتمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحق والاستقامة. لكن يمكن لك - بشرط عدم الالتباس والمزج - ان تنظر الى القرب في جهة البُعد.. والى وجه البُعد في جهة القرب.. والى الوجهين معا فتقول: "سبحان الله وبحمده"(*)
_____________________
(*) المثنوي العربي النوري - ص: 227
35-)
اسباب اختلاف المفسرين
السؤال:
ان قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيان والوضوح وحفظ الاذهان عن التشتت، فما بال المفسرين اختلفوا اختلافاً مشتتاً، واظهروا احتمالات مختلفة، وبينوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟
الجواب :
قيل لك: قد يكون الكل حقاً بالنسبة الى سامعٍ فسامعٍ؛ اذ القرآن ما نزل لأهل عصرٍ فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الانسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكلٍ فيه حصة ونصيب من الفهم. والحال أن فهم نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقَه يتفاوت جهة جهة.. وميلَه يتشتت جانباً جانباً.. واستحسانه يتفرق وجهاً وجهاً.. ولذته تتنوع نوعاً نوعاً.. وطبيعته تتباين قسما قسما. فكم من أشياء يستحسنها نظرُ طائفة دون طائفة، وتستلذها طبقة ولا تتنزل اليها طبقة. وقس!..
فلأجل هذا السر والحكمة أكْثَرَ القرآنُ من حذف الخاص للتعميم ليقدِّر كلٌ مقتضى ذوقه واستحسانه. ولقد نظم القرآن جُمَله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه محتملة لمراعاة الافهام المختلفة ليأخذ كلُ فهمٍ حصته. وقس!.. فإذاً يجوز أن يكون الوجوه بتمامها مرادة بشرط أن لا تردها علوم العربية، وبشرط ان تستحسنها البلاغة، وبشرط ان يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
فظهر من هذه النكتة ان من وجوه اعجاز القرآن نظمه وسبكه في اسلوب ينطبق على افهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة.(*)
___________________
(*) إشارات الإعجاز - ص: 49
36-)
الاطلاق والأبهامَ في القران ومسلك التعليم والارشاد
ايها المستخلف المبارك
السؤال:
لماذا اطلق القرآن الكريم وأبهمَ في حقائق الخِلقة وفنون الكائنات مع انه مناف لمسلك التعليم والارشاد؟
الجواب
فاعلم!ان في شجرة العالم ميلَ الاستكمال، وتشعَّبَ منه في الانسان ميلُ الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشوّه ونماءه بواسطة التجارب الكثيرة، ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار؛ فيثمر فنوناً مترتبة بحيث لا ينعقد المتأخر الاّ بعد تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم مقدمة للمؤخر الا بعد صيرورته كالعلوم المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فنٍ أو تفهيم علمٍ - وهو انما تولد بتجارب كثيرة -ودعا الناس اليه قبل هذا بعشرة أعصر لا يفيد الاّ تشويش اذهان الجمهور، ووقوع الناس في السفسطة والمغلطة.
مثل:لو قال القرآن الكريم" ايها الناس انظروا الى سكون الشمس(1) وحركة الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع" لأَوْقع الجمهورَ إما في التكذيب واما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها بسبب ان حسهم الظاهريّ - أو غلط الحس - يرى سطحية الأرض ودوران الشمس من البديهيات المشاهَدة.والحال ان تشويش الاذهان - لا سيما في مقدار عشرة أعصر لتشهِّي بعض أهل زماننا -منافٍ لمنهاج الارشاد وروح البلاغة.
يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة(2)..اذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الامكان فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الامكان والاحتمال في نظرهم - بحكم غلط الحس - الى درجة البداهة عندهم فحقه في نظر البلاغة الابهام والاطلاق احتراما لحسياتهم وحفظاً لاذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك اشار القرآن الكريم ورمز ولوّح الى الحقيقة، وفتح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب امارات وقرائن. فيا هذا ! ان كنت من المنصفين اذا تأملت في دستور "كلِّم الناس على قدر عقولهم" ورأيت ان أفكار الجمهور لعدم اعداد الزمان والمحيط لا تتحمل ولاتهضم التكليف بمثل هذه الأمور - التي انما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت ان ما اختاره القرآن الكريم من الابهام والاطلاق من محض البلاغة ومن دلائل اعجازه. (*)
_____________
(1) قد سنح لى في المرض بين النوم واليقظة في والشمس تجرى لمستقر لها اى في مستقرها، لاستقرار منظومتها، اى جريانها لتوليد جاذبتها النظامة للمنظومة الشمسية، ولو سكنت لتناثرت(هذه الحاشية النومية دقيقة لطيفة) - المؤلف.
(2) اى لا تظنن ان امور الآخرة واحوالها التى هى مجهولة لنا كتلك النظريات التى يكشف عنها المستقبل (ت:133)
(*) كليات رسائل النور- إشارات الإعجاز- ص: 175
37-)
لم تُفضَّل الدنيا على الآخرة
السؤال :
لم تُفضَّل الدنيا على الآخرة ؟
ان خاصية هذا العصر هي أنها تجعل المرء يفضّل - بعلم - الحياة الدنيا على الحياة الباقية. حتى اصبح تفضيل قطع الزجاج القابلة للكسر على الألماس الباقية عن علم، يجري وكأنه دستور وقاعدة عامة.
فكنت أحار من هذا حيرة شديدة، ولكن أُخطر على قلبي في هذه الايام الآتي:
كما انه إذا اشتكى عضو من الجسد تداعى له سائر الجسد تاركاً قسماً من وظائفه، كذلك جهاز الحرص على الحياة والحفاظ عليها والتلذذ بالحياة وعشقها، المندرج في فطرة الانسان قد جُرح في هذا العصر فبدأ يُشغل سائر اللطائف به لأسباب عديدة محاولاً دفعها الى نسيان وظائفها الحقيقية.
فلو كان هناك حفل بهيج جذاب حافل بالسفاهة والسكر لانجذب اليه حتى الذين لهم مقامات رفيعة والنساء المحجبات العفيفات كما ينجذب الاطفال والسائبون، فيشتركون معاً بجاذبية ذلك الحفل تاركين وظائفهم الحقيقية
كذلك الحياة الانسانية في هذا العصر ولاسيما الحياة الاجتماعية فقد اتخذت وضعاً مخيفاً ولكن ذات جاذبية، وحالة أليمة ولكن تثير اللهفة والفضول، بحيث تجعل عقل الانسان وقلبه ولطائفه الرفيعة تابعة لنفسه الامارة بالسوء حتى تحوّم كالفراش حول نار تلك الفتنة وترديها فيها.
نعم، هناك في حالات الضرورة رخصة شرعية في تفضيل الحفاظ على الحياة الدنيوية وترجيحها مؤقتاً على بعض الامور الاخروية. ولكن لا يمكن تفضيلها بناء على ضرر لا يلحقه هلاك ولأجل حاجة فحسب، فلا رخصة في هذا.
والحال ان هذا العصر قد غرز حب الحياة الدنيوية في عروق الانسان، حتى انه يترك اموراً دينية ثمينة جداً كالالماس لحاجة صغيرة تافهة، او لئلا يصيبه ضرر دنيوي اعتيادي.
نعم، ان هذا العصر الذي رُفعت منه البركة من جراء الاسراف المتزايد وعدم مراعاة الاقتصاد، ومن عدم القناعة مع الحرص الشديد، فضلاً عن تزايد الفقر والحاجة والفاقة وهموم العيش، مما سبب جروحاً بليغة في تطلع الانسان للعيش وفي نزوعه لحفظ الحياة، علاوة على تشعب متطلبات الحياة المرهقة، زد على ذلك استمرار اهل الضلالة بتوجيه كل الانظار الى الحياة.. كل ذلك عمّق تلك الجروح حتى دفع الانسان ليفضّل ادنى حاجة من حاجات الحياة على مسألة ايمانية عظيمة.
نعم، انه لايصمد تجاه هذا المرض العجيب لهذا العصر العجيب ولسقمه الرهيب إلاّ رسائل النور الناشرة لأدوية القرآن المبين التي لها فعل المضاد للسموم.
ولا يمكن ان يقاوم هذا المرض العضال الاّ طلاب رسائل النور الاقوياء الثابتون الذين لا يتزعزعون، الخالصون الصادقون المضحون.
ولهذا ينبغي الاسراع الى الالتحاق بدائرة النور والالتزام بها مع كامل الوفاء والثبات والجدية والاخلاص والثقة، حتى يمكن الخلاص من آثار ذلك المرض العجيب الرهيب.
تحياتنا الى الاخوة جميعاً فرداً فرداً مع الدعاء لهم بالخير.
يااخوتي!ان فعالياتكم ونشاطكم وثباتكم هى بمثابة النابض المحرك لدائرة رسائل النور بحيث تحفزوننا على الحركة والعمل هنا، وفي اماكن اخرى كثيرة. ليرضَ الله عنكم ابداً.آمين آمين ألف ألف آمين.(*)
السؤال : لماذا يتغلب اهل الكفر والضلال على اهل الهداية في الدنيا؟
الجواب: لان اللطائف الانسانية واستعداداتها التي منحت لشراء الالماس الابدى تحيلها بلاهة الكفر وسُكر الضلالة وحيرة الغفلة الى قطع زجاجية تافهة وبلورات ثلجية سرعان ما تزول. فلا شك ان الزجاج المتكسر الجماد لانه قد أُشتري بثمن الالماس، يصبح كأنه افضل زجاج واجلى جماد!
كان فيما مضى جوهرى ثرى، فقد عقله واصبح معتوهاً، ولما ذهب الى السوق اخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا
تساوي شيئاً. ولما رأى الناس هذا منه، بدأوا يعطونه ما لديهم من زجاج، حتى الاطفال اعطوه بلورات ثلجية لقاء قطعة ذهب.
وكذا، فقد سكر سلطان في زمن ما، ودخل ضمن الاطفال ظناً منه انهم وزراء وقواد، وبدأ باصدار اوامر سلطانية اليهم. سُرّ الاطفال بذلك، وقضى هو لهواً بينهم لطاعتهم له.
وهكذا الكفر بلاهة والضلالة سكر والغفلة حيرة بحيث يشترى المتاع الفاني بدلاً من الباقي. وهذا هو السر في شدة شعور اهل الضلالة. فيشتد العناد والحرص والحسد وامثالها من الاحاسيس لديهم، حتى ترى احدهم يعاند لسنة كاملة لما لا يساوى دقيقة واحدة من الاهتمام.
نعم، انه ببلاهة الكفر وسكر الضلالة وحيرة الغفلة تهوي اللطيفة الانسانية التى خلقت فطرة للابد والابدية، فتأخذ اشياء فانية بدلاً من الباقية وتعطيها ثمناً غالياً.
وهناك مرض عصبى او مرض قلبى ينتاب المؤمن ايضاً حتى انه -كأهل الضلالة- يعطي اهتماماً لما لا يستحق الاهتمام به. لكن سرعان ما يدرك خطأه فيستغفر ربه ولا يصر عليه.(*)
_______________
(*) كليات رسائل النور – ملحق بارلا ص:69
40-)
عبادة الرسول قبل النبوة
سؤال :
ان الخامس عشر من العمر يعدّ سن التكليف، فكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعبد قبل النبوة؟.
الجواب:
كان يتعبد بالبقية الباقية من دين سيدنا ابراهيم عليه السلام الذي ظل جارياً في الجزيرة العربية تحت حجب كثيرة. ولكن التعبد هذا لم يكن على صورة الفرض والواجب بل كان تعبداً اختيارياً يُؤدّى ندباً.
هذه الحقيقة طويلة، لتظل الآن مختصرة.(*)
______________________
(*) كليات رسائل النور- المكتوبات - ص622
41-)
كيف يبقى مؤمناً من ارتكب الكبائر
قال تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } (1)
وفي الصحيحين ، من حديث الشفاعة الطويل ، وفيه : فيقول الله عز وجل : [" ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، فأخرجوه من النار " . وفي لفظ : " أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار ، فيخرجون خلقا كثيرا "] (2) .
السؤال:
كيف يبقى مؤمناً من ارتكب الكبائر؟
الجواب:
إن النفس الانسانية تُفضّل درهماً من اللذة الحاضرة المعجّلة على رطل من اللذة الغائبة المؤجّلة، وهي تتحاشى صفعةً حاضرة اكثر من تحاشيها سنة من عذاب في المستقبل. وعندما تهيج أحاسيسُ الانسان لا ترضخ لموازين العقل، بل الهوى هو الذي يتحكم، فيرجح عندئذ لذةً حاضرةً ضئيلة جداً على ثواب عظيم في العقبى، ويتجنب ضيقاً جزئياً حاضراً اكثر من تجنبه عذاباً أليماً مؤجلاً. ولما كانت الدوافع النفسانية لا ترى المستقبل بل قد تنكره، وان كان هناك حثّاً لها من النفس وعوناً، فان القلب والعقل اللذين هما محل الايمان، يسكتان، فيُغلبان على أمرهما. فلا يكون عندئذ ارتكاب الكبائر ناتجاً من عدم الايمان، بل من غلبة الهوى وسيطرة الوهم والحسّ المادي، وانهزام العقل والقلب وغَلَبة كل اولئك عليهما. (*)
ان الاسباب القوية التي تدفع الاسلام الى الرقي تبين أن الاسلام سيسود المستقبل مادياً ايضاً.
لأن في قلب الشخصية المعنوية للعالم الاسلامي قد اجتمعت وامتزجت خمس قوىً لا تُقهر، وهي في منتهى الرسوخ والمتانة(1):
القوة الاولى:
"الحقيقة الاسلامية" التي هي استاذ جميع الكمالات والمثل، الجاعلة من ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم كنفسٍ واحدة والمجهّزة بالمدنية الحقيقية والعلوم الصحيحة، ولها من القوة ما لا يمكن ان تهزمها قوة مهما كانت.
القوة الثانية:
"الحاجة الملحة" التي هي الاستاذ الحقيقي للمدنية والصناعات والمجهّزة بالوسائل والمبادئ الكاملة.. وكذا "الفقر" الذي قصم ظهرنا. فالحاجة والفقر قوتان لاتسكتان ولا تُقهران.
القوة الثالثة:
"الحرية الشرعية" التي ترشد البشرية الى سبل التسابق والمنافسة الحقّة نحو المعالي والمقاصد السامية، والتي تمزق انواع الاستبداد وتشتتها، والتي تهيّج المشاعر الرفيعة لدى الانسان، تلك المشاعر المجهّزة بانماط من الاحاسيس كالمنافسة والغبطة والتيقظ التام والميل الى التجدد والنزوع الى التحضر. فهذه القوة الثالثة: "الحرية الشرعية" تعني التحلي باسمى ما يليق بالانسانية من درجات الكمال والتشوق والتطلع اليها.
القوة الرابعة:
"الشهامة الايمانية" المجهّزة بالشفقة والرأفة. أي:ان لايرضى الذلّ لنفسه امام الظالمين، ولا يلحقه بالمظلومين. وبعبارة اخرى: عدم مداهنة المستبدّين وعدم التحكم بالمساكين أو التكبّر عليهم، وهذا أساس مهم من اسس الحرية الشرعية.
القوة الخامسة:
"العزة الاسلامية" التي تعلن اعلاء كلمة الله. وفي زماننا هذا يتوقف اعلاء كلمة الله على التقدم المادي والدخول في مضمار المدنية الحقيقية. ولاريب ان شخصية العالم الاسلامي المعنوية سوف تدرك وتحقق في المستقبل تحقيقاً تاماً ما يتطلـبه الايـمان من الحفـاظ على عزة الاسلام..
وكما ان رقي الاسلام وتقدمه في الماضي كان بالقضاء على تعصب العدو وتمزيق عناده ودفع اعتداءاته.. وقد تم ذلك بقوة السلاح والسيف. فسوف تُغلب الاعداء ويُشتت شملهم بالسيوف المعنوية - بدلاً من المادية - للمدنية الحقيقية والرقي المادي والحق والحقيقة.
اعلموا أيها الاخوان!
ان قصدنا من المدنية هو محاسنها وجوانبها النافعة للبشرية، وليس ذنوبها
وسيئاتها، كما ظن الحمقى من الناس أن تلك السيئات محاسن فقلّدوها وخرّبوا الديار، فقدموا الدين رشوة للحصول على الدنيا فما حصلوا عليها ولا حصلوا على شئ.
انه بطغيان ذنوب المدنية على محاسنها، ورجحان كفة سيئاتها على حسناتها، تلقت البشرية صفعتين قويتين بحربين عالميتين، فأتتا على تلك المدنية الآثمة، وقاءت دماءً لطخت وجه الارض برمتها. وسوف تتغلب باذن الله محاسن المدنية بفضل قوة الاسلام التي ستسود في المستقبل، وتطهّر وجه الارض من الأدناس وتحقق ايضاً سلاماً عاماً للبشرية قاطبة.
نعم لما كانت مدنية اوروبا لم تتأسس على الفضيلة والهدى بل على الهوس والهوى، وعلى الحسد والتحكم، تغلبت سيئات هـذه المدنـيـة على حسناتها الى الان. واصبحت كشجرة منخورة بديدان المنظمات الثورية الارهابية ، وهذا دليل قوي ومؤشر على قرب انهيارها وسبب مهم لحاجة العالم الى مدنية آسيا "الاسلامية" التي ستكون لها الغلبة عن قريب.
فاذا كان امام اهل الايمان والاسلام امثال هذه الاسباب القوية والوسائل القويمة للرقي المادي والمعنوي، وطريقٌ سويٌ ممهد كسكة الحديد للوصول الى السعادة في المستقبل، فكيف تيأسون، وتثبطون روح العالم الاسلامي المعنوية وتظنون ظن السوء وفي يأس وقنوط: أن الدنيا دار ترقٍ وتقدم للاجانب وللجميع بينما اصبحت دار تدنٍ وتأخـّر للمسلمـين المساكـين وحدهم. انكم بهـذا ترتكبون خطأ شنيعـاً.
اذ ما دام الميل نحو الكمال قانوناً فطرياً في الكون وقد اُدرج في فطرة البشرية، فان الحق والحقيقة سيظهران في المستقبل على يد العالم الاسلامي ان شاء الله سعادةً دنيوية ايضاً كفّارة لما اقترفته البشرية من آثام، مالم تقم قيامة مفاجئة بما ارتكبت من مفاسد ومظالم.
فانظروا الى الزمن، انه لايسير على خط مستقيم حتى يتباعد المبدأ والمنتهى، بل يدور ضمن دائرة كدوران كرتنا الارضية. فتارة يرينا الصيف والربيع في حال الترقي، وتارة يرينا الشتاء والخريف في حال التدني. وكما ان الشتاء يعقبه الربيع والليل
يخلفه النهار، فسيكون للبشرية ربيع ونهار ان شاء الله، ولكم ان تنتظروا من الرحمة الالهية شروق شمس حقيقة الاسلام، فتروا المدنية الحقيقية في ظل سلام عام شامل.
لقد قلنا في بداية هذا الدرس اننا سنقيم برهاناً ونصف برهان على دعوانا. وقد انتهى الآن البرهان مجملاً.
وجاء دور نصف البرهان وهو الآتي:
لقد ثبت بالبحث والتحري الدقيق والاستقراء والتجارب العديدة للعلوم أن:
الخير والحسن والجمال والاتقان والكمال هو السائد المطلق في نظام الكون وهو المقصود لذاته، أي هو المقاصد الحقيقية للصانع الجليل. بدليل ان كل علمٍ من العلوم المتعلّقة بالكون يطلعنا بقواعده الكلية على ان في كل نوع وفي كل طائفة انتظاماً وابداعاً بحيث لايمكن للعقل أن يتصور أبدع واكملَ منه.
فمثل:علم التشريح الذي يخص الطب، علم المنظومة الشمسية الذي يخص الفلك وبقية العلوم التي تخص النباتات والحيوانات، كل منها تفيدنا بقواعدها الكلية وبحوثها المتعددة النظام المتقن للصانع الجليل في ذلك النوع وقدرته المبدعة وحكمته التامة فتبيّن جميعها حقيقة الآية الكريمة {الذي احسَن كلَّ شئٍ خَلقَه} (السجدة: 7)
كما ان الاستقراء التام والتجارب الشاملة يثبت أن:
الشر والقبح والباطل والسيئات جزئي وتَبَعي وثانوي في خلقة الكون.
فالقبح مثلاً في الكون والمخلوقات ليس هدفاً لذاته وانما هو وحدة قياسية، لتنقلب حقيقةٌ واحدة للجمال الى حقائق كثيرة. والشر كذلك، بل حتى الشيطان نفسه انما خلق وسلّط على البشرية ليكون وسيلة لترقيات البشر غير المحدودة نحو الكمال التي لا يُـنال إلاّ بالتسـابق والمجـاهـدة.
وامثال هذه الشرور والقبائح الجزئية خُلقت في الكون لتكون وسيلة لإظهار انواع الخير والجمال الكليين. وهكذا يثبت بالاستقراء التام أن المقصد الحقيقي في الكون والغاية الاساسية في الخلق انما هو: الخير والحسن والكمال، لذا فالانسان الذي لوّث وجه الارض بكفره الظالم وعصيانه الله لايمكن ان يفلت من العقاب، ويذهب الى العدم من دون ان يحق عليه المقصود الحقيقي في الكون. بل سيدخل سجن جهنم!
كما ثبت بالاستقراء التام وتحريات العلوم وابحاثها ان الانسان هو اكرم المخلوقات واشرفها. لأنه يستطيع أن يكشف بعقله عن مراتب الاسباب الظاهرية في خلق الكائنات ونتائجها، ويعرف العلاقات بين العلل والاسباب المتسلسلة، ويستطيع ان يقلّد بمهارته الجزئية الصنائع الالهية والايجاد الرباني المنتظم الحكيم، ويستطيع أن يدرك بعلمه الجزئي وبمهارته الجزئية اتقان الافعال الالهية، وذلك بجعل ما لديه من جزء اختياري ميزاناً جزئياً ومقياساً مصغّراً لدرك تلك الافعال الالهية الكلية والصفات الجليلة المطلقة.
كل ذلك يثبت ان الانسان اشرف مخلوق واكرمه.
وثبت ايضاً بشهادة الحقائق التي قدّمها الاسلام للبشرية والتي تخص البشر والكائنات: ان المسلمين هم افضل البشر واشرفهم وهم اهل الحق والحقيقة، كما ثبت بشهادة التاريخ والوقائع والاستقراء التام: ان اشرف اهل الحق المشرَّفين من بين البشر المكرَّمين وأفضلَهم هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشهد له ألفٌ من معجزاته وسمو اخلاقه ومكارمه وحقائق الاسلام والقرآن.
ولما كان نصف البرهان هذا قد بين هذه الحقائق الثلاث أفيمكن أن يقدح نوعُ البشر بشقاوته شهادةَ هذه العلوم جميعها، وينقض هذا الاستقراء التام، ويتمرّد في وجه المشيئة الالهية والحكمة الازلية؛ فيستمر في قساوته الظالمة وكفره المتمرد ودماره الرهيب ؟ أفيمكن ان تستمر هذه الحالة في عداء الاسلام هكذا؟
انني اقسم بما آتاني الله من قوة بل لو كان لي مالايعد ولايحصى من الألسنة لأقسمت بها جميعاً، بالذي خلق العالم بهذا النظام الاكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات الى السيارات السابحات في اجواز الفضاء، ومن جناح البعوضة الى قناديل النجوم المتلألئة في السموات، ذلكم الحكيم ذو الجلال والصانع ذو الجمال، أقسم به سبحانه بألسنة لا تحد انه لا يمكن ان يخرج البشر على سنة الله الجارية في الكون ويخالف بقية اخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضي بغلبة الشر على الخير فيهضم تلك المظالم الزقومية على مدى ألوف السنين! فهذا لا يمكن قطعاً!
نعم، انه لا يمكن ذلك إلاّ بافتراضٍ محالِ هو أن الانسان ليس خليفة الله في الارض، الحامل للأمانة الكبرى والاخ الاكبر الاكرم لسائر انواع المخلوقات، انما هو ادنى مخلوق واردأه وارذله واضرّه وأحقره، دخل الكون متلصصاً ليفسده! فهذا الفرض المحال باطل من اساسه لا يمكن قبوله باية جهة كانت.
فلأجل هذه الحقيقة يمكن أن نستنتج من نصف برهاننا هذا:
كما أن وجود الجنة والنار ضروري في الآخرة فان الغلبة المطلقة ستكون للخير وللدين الحق في المستقبل، حتى يكون الخير والفضيلة غالبين في البشرية كما هو الامر في سائر الانواع الاخرى، وحتى يتساوى الانسان مع سائر اخوانه من الكائنات، وحتى يحق ان يقال: انه قد تحقق وتقرر سرّ الحكمة الازلية في النوع البشري أيضاً.
وحاصل الكلام:
ما دام البشر - طبقاً للحقائق المذكورة القاطعة - افضل نتيجة منتَخبة من الكائنات، وأنه أكرم مخلوق لدى الخالق الكريم، وان الحياة الباقية تقتضي وجود الجنة وجهنم بالبداهة، فتستلزم المظالم التي ارتكبتها البشرية حتى الآن وجود جهنم، كما تستلزم ما في استعداداته الكمالية المغروزة في فطرته وحقائقه الايمانية التي تهم الكائنات بأسرها وجود الجنة بالبداهة، فلابد، ولامحالة ان البشر لن يهضموا ولن يغفروا الجرائم التي ارتكبت خلال الحربين العظيمتين والتي جرت الويلات والمصائب على العالم باجمعه واستقاءت زقوم شرورها التي استعصت على الهضم فلطّخت وجه الارض، وتركت البشرية تعاني البؤس والشقاء وهدمت صرح المدنية الذي بنته البشرية طوال الف عام. فما لم تقم قيامة مفاجئة على البشرية فاننا نرجو من رحمة الرحمن الرحيم، ان تكون الحقائق القرآنية وسيلة لانقاذ البشرية من السقوط الى أسفل سافلين، وتطهّر وجه الارض من الادناس والادران وتقيم سلاماً عاماً شاملاً.
والعبر.وأملنا بالله عظيم أن يتخلى العرب عن اليأس ويَمدّوا يدَ العون والوفاق الصادق الى الترك الذين هم جيش الاسلام الباسل فيرفعوا معاً راية القرآن عالية خفّاقة في ارجاء العالم،ان شاء الله.(*)
_________________________________
(1) نعم نفهم من استاذية القرآن واشارات درسه: ان القرآن بذكره معجزات الانبياء، انما يدل البشرية على ان نظائر تلك المعجزات سوف تتحقق في المستقبل بالترقي، ويحث الانسان على ذلك وكأنه يقول له: هيا اعمل وإسعَ لتنجز امثال هذه المعجزات، فاقطع مثلاً مسافة شهرين في يوم واحد كما قطعها سليمان عليه السلام، واعمل على مداواة اشد الامراض المستعصية كما داواها عيسى عليه السلام، واستخرج الماء الباعث على الحياة من الصخر وانقذ البشرية من العطش كما فعله موسى عليه السلام بعصاه. وابحث عن المواد التي تقيك شر الحرق بالنار، وألبسها كما لبسها ابراهيم عليه السلام. والتقط أبعد الاصوات واسمعها وشاهد الصور من اقصى المشرق والمغرب كما فعل ذلك بعض الانبياء.وألِن الحديد كالعجين كما فعله داود عليه السلام، واجعل الحديد كالشمع في يدك ليكون مداراً لجميع الصناعات البشرية، كما تستفيدون فوائد جمة من الساعة والسفينة اللتين هما من معجزات سيدنا يوسف وسيدنا نوح عليهما السلام. فاعملوا على محاكاتهما وتقليدهما. وهكذا قياساً على هذا نجد أن القرآن الكريم يسوق البشرية الى الرقي المادي والمعنوي، ويلقي علينا الدروس ويثبت انه أستاذ الجميع. المؤلف.
(*) صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 499
43-)
كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الارض
السؤال :
كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الارض
الجواب :
وأما جملة (ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان من فسد وتورط في الوحل يطلب أن يكون له رفقاء متورطون ليتخفف عنه دهشة الحال بسر "اذا عمّت البلية
طابت"وكذا اذا وقع في قلب أحد اختلالٌ، تخرب في قلبه الكمالاتُ وتتساقط الحسيات العالية، فيتولد فيه ميل التخريب فينتج له لذة في التخريب فيتحرى لذته في الافساد والاختلال.
فان قلت: كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الأرض المشار اليه بلفظ في الأرض؟
قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة ، حتى ان النظام مبني على الموازنة فتداخل شئ حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وان لم يُحس. والميزان الذي في كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة..(*)
_________________________
(*) إشارات الإعجاز- ص: 212
44-)
اهمية الاخرة للشباب
السؤال :
اهمية الاخرة للشباب ؟
الجواب :
ان الشباب والمراهقين الذين يمثلون محور الحياة الاجتماعية لايهدّئ فورة مشاعرهم، ولايمنعهم من تجاوز الحدود الى الظلم والتخريب، ولايمنع طيش انفسهم ونزواتها، ولايؤمّن السير الافضل في علاقاتهم الاجتماعية إلاّ الخوف من نار جهنم، فلولا هذا الخوف من عذاب جهنم لقلب هؤلاء المراهقون الطائشون الثملون بأهوائهم الدنيا الى جحيم تتأجج على الضعفاء والعجائز حيث الحُكمُ للغالب، ولحوّلوا الحياة الانسانية السامية الى حياة حيوانية سافلة .(*)
_______________________
(*) الشعاع التاسع - ص: 229
45-)
كيف يتصور عذاب القبر
سؤال:
كيف يتصور عذاب القبر؟
اعلم! ان باشارة آية (اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)(1) وكذا برمز تعقيب هذه بـ ثم اليه ترجعون مع النظر إلى ايجاز القرآن، ايماء الى حياة القبر كما تدل على حياة الحشر.
فإن قلت: كيف يتصور عذاب القبر مع انه لو وضعت بيضة على صدر جنازة بأيام لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟
قيل لك: ان العالم المثاليّ قد بُرهن عليه في موقعه، حتى ان وجوده قطعي عند المحققين الإلهيين. وخاصةُ ذلك العالم تحويلُ المعاني أجساماً والأعراضُ جواهرَ والمتغيرات ثابتةً. والعيون الناظرة من عالم الشهادة اليه، الرؤيا الصادقة والكشف الصادق والأجسام الشفافة فانها تلوِّح بوجوده. ثم ان عالم البرزخ اثبتُ حقيقةً من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظل هذا العالم عالم الرؤيا، وظل هذا عالم الخيال، ونظير هذا الاجسام الشفافة كالمرآة. فاذ تفهمت هذا فانظر في عالم الرؤيا وتأمل في شخص نام عندك وهو ساكن وساكت مع انه في عالمه يقاتل ويضارب فيصير مجروحا أو تلدغه الحية فيتألم. ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه وتقول له: يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة وحلفتَ له ألف يمين لما يصدقك. ويقول لك: هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أما ترى هذا وبيده السيف، واما ترى الحية تهجم عليّ؛ اذ تجسم معنى وجع الكتف أو نزلة الرأس(2) في صورة سيف جارح، اذ النتيجة واحدة. أو تصوَّر معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس الحية اذ الألم واحد. فيا هذا! اذ ترى ذاك في ظل عالم المثال أفلا تصدقه في عالم البرزخ الذي هو أثبت حقيقة بدرجات وأبعد منا؟ أما (يحييكم) بالنظر الى الحياة الأخروية. فاعلم! ان تلك الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقة ثابتة ولانقلبت الحقائقُ - كالنعمة -نقمةً. وقس!.. ولقد لخصنا دلائلها في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون)..(*)
________________________________________
(1) سورة غافر: 11.
(2) مرض الزكام.
(*) إشارات الإعجاز - ص: 218
46-)
اشارة القرآن الى المعجزات
سؤال:
أن القرآن الكريم فيه جميع ما يلزم السعادة الدنيوية والأخروية كل حسب قيمته وأهميته، فهناك رموز واشارات الى خوارق المدنية الحاضرة بل الى أبعد منها من الحقائق الأخرى مع ما فيه من حقائق جليلة ولكن لِمَ لم يذكر القرآن الكريم تلك الخوارق بصراحة تامة كي تجبر الكفرة العنيدين على التصديق والايمان وتطمئن قلوبنا فتستريح؟.
الجواب:
ان الدين امتحان، وان التكاليف الإلهية تجربة واختبار من أجل أن تتسابق الارواح العالية والارواح السافلة، ويتميز بعضها عن بعض في حلبة السباق.
فمثلما يختبر المعدن بالنار ليتميز الالماس من الفحم والذهب من التراب؛ كذلك التكاليف الإلهية في دار الامتحان هذه. فهي ابتلاء وتجربة وسَوق للمسابقة حتى تتميز الجواهر النفيسة لمعدن قابليات البشر واستعداداته من المعادن الخسيسة.
فما دام القرآن قد نزل - في دار الابتلاء هذه - بصورة اختبار للانسان ليتم تكامله في ميدان المسابقة، فلابد انه سيشير - اشارة فحسب - الى هذه الأمور الدنيوية الغيبية التي ستتوضح في المستقبل للجميع، فاتحاً للعقل باباً بمقدار اقامة حجته. وإلاّ فلو ذكرها القرآن الكريم صراحة، لاختلتْ حكمة التكليف اذ تصبح بديهية مثل كتابة (لا إله إلاّ الله) واضحاً بالنجوم على وجه السماء، والذي يجعل الناس - أرادوا أم لم يريدوا - عندئذ مرغمين على التصديق، فما كانت ثمة مسابقة ولا اختبار ولا تمييز فحينئذٍ تتساوى الارواح السافلة التي هي كالفحم مع التي هي كالالماس (1) (*)
____________________________________
(1) فكان أن ظهر ابو جهل اللعين مع ابي بكر الصديق ` في مستوىً واحد. ولضاع التكليف. ــ المؤلف.
(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص:295
47-)
جواب موجّه الى الكنيسة الانكليكية
سأل ذات يوم قسيس حاقد، ذلك السياسي الماكر، العدوّ الألدّ للاسلام، عن اربعة امور طالباً الإجابة عنها في ستمائة كلمة. سألها بغية اثارة الشبهات، مستنكراً ومتعالياً، وبشماتة متناهية، وفي وقت عصيب حيث كانت دولته تشد الخناق في مضايقنا.
فينبغي الإجابة بـ: تباً لك! تجاه شماتته، وبالسكون عليه بسخط تجاه مكره ودسيسته، فضلاً عن جواب مسكت ينزل به كالمطرقة تجاه انكاره. فأنا لا أضعه موضع خطابي، بل اجوبتنا لمن يلقي السمع وينشد الحق وهي الاتية:
فلقد قال في السؤال الأول: ما دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟. قلت: انه القرآن الكريم.أساس قصده ترسيخ اركان الايمان الستة وتعميق اركان الاسلام الخمسة.
ويقول في الثاني: ماذا قدّم للفكر وللحياة؟ قلت: التوحيد للفكر، والاستقامة للحياة.وشاهدي في هذا: قوله تعالى { قل هو الله أحد} { فاستقم كما اُمرت}.
ويقول في الثالث: كيف يعالج الصراعات الحاضرة؟. اقول: بتحريم الربا وفرض الزكـاة.وشاهـدي قوله تعـالى: { واحل الله البيـع وحرم الربـا } {يمحـق الله الــربا } { واقيموا الصلاة واتوا الزكاة }.
ويقول في الرابع: كيف ينظر الى الاضطرابات البشرية؟ اقول: السعي هو الاساس، والاّ تتكدس ثروة الانسان بيد الظالمين، ولا يكنزوها. وشاهدي قوله تعالى: { وأن ليس للانسان الاّ ما سعى } { والذين يكنزون الذهـب والفـضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم } (1) (*)
________________________________________
(1) ما شاء الله على هذا الجواب بمائة مرة. - المؤلف.
(*) كليات رسائل النور – الكلمات - اللوامع - ص: 895
48-)
تسمية الرسائل بالنور
السؤال:ما هو سبب اطلاق اسم النور على رسائل النور ؟
الجواب :ان سبب اطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوباً) واللمعات (وهي احدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعاً) هو: ان كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
قريتي اسمها: نورس.
اسم والدتي المرحومة: نورية.
اسم استاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.
واحد اساتذتي في الطريقة القادرية: نور الدين.
واحد اساتذتي في القرآن: نوري.
واكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور .
واكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
واكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الالهية هو: اسم "النور" من الاسماء الحسنى.
ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فان إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي الله عنه.(*)
___________
(*) كليات رسائل النور – ملاحق بارلا ص:70
49-)
لماذا خلقت الشياطين
السؤال :
لماذا خلقت الشياطين؟ فلقد خلق الله سبحانه وتعالى الشيطان والشرور، فما الحكمة فيه؟ اذ خلق الشر شر وخلق القبح قبيح!.
الجواب:
حاشَ لله.. وكلا.. ان خلق الشر ليس شراً، بل كسب الشر شر، لأن الخلق والايجاد يتطلع الى جميع النتائج ويتعلق بها، بينما الكسب يتعلق بنتائج خصوصية، لأنه مباشرةٌ خاصة. فمثلاً: ان النتائج المترتبة على نزول المطر تبلغ الالوف، وجميعها نتائج حسنة وجميلة، فاذا ما تضرر أحدهم من المطر بسوء تصرفه وعمله، فليس له الحق ان يقول: ان ايجاد المطر لا رحمة فيه. وليس له أن يحكم بأن خلق المطر شر، بل صار شراً في حقه بسوء اختياره وسوء تصرفه وبكسبه هو بالذات.
وكذا خلق النار، فيه فوائد كثيرة جداً، وجميعها خير، ولكن لو تأذى أحدهم من النار بسوء كسبه وباستعماله السئ لها، فليس له أن يقول: ان خلق النار شر، اذ النار لم تخلق لإحراقه فقط، بل هو الذي أدخل يده في النار التي تطبخ له طعامه، فجعل بسوء عمله تلك الخادمة المطيعة عدوة له.
حاصل الكلام: ان شراً قليلاً يُقبل به للحصول على خير كثير، اذ لو ترك شرٌ ينتج خيراً كثيراً للحيلولة دون حصول ذلك الشر القليل، لحصل عندئذٍ شر كثير.
مثال ذلك: عند سوق الجيش الى الجهاد لابد من حدوث اضرار وشرور جزئية مادية وبدنية، ومن المعلوم كذلك ان في الجهاد خيراً كثيراً حيث ينجو الاسلام من سيطرة الكفار، فلو ُترك الجهاد خشية حدوث تلك الاضرار والشرور القليلة لحصل اذاً شر كثير من دون الحصول على خير كثير، وهذا هو عين الظلم. ومثال آخر: ان قطع الأصبع التي اصابها(الغرغرينا) فيه خير وهو حسن، بينما يبدو ذلك القطع في الظاهر شراً، ولكن لو لم تقطع تلك الاصبع لقطعت اليد، فيحصل آنذاك شر أكبر.
وهكذا فان خلق الشرور والاضرار والبلايا والشياطين، ليس شراً ولا قبيحاً لأن هذه الامور خُلقت للحصول على نتائج مهمة كثيرة جداً. فالملائكة مثلاً لا درجات رقي لهم، وذلك لعدم تسلط الشياطين عليهم؛ لذا يكون مقامهم ثابتاً لا يتبدل. وكذا الحيوانات فان مراتبها ثابتة وناقصة حيث لم تسلط عليها الشياطين. بينما في عالم الانسان تمتد المسافة بين مراتب الرقي ودركات التدني الى أبعاد مديدة طويلة جداً، اذ بدءً من النماردة والفراعنة وانتهاءً الى الصدّيقين والاولياء والانبياء عليهم السلام هناك مراتب للرقي والتدني؛ لذا بخلق الشياطين؛ وبسر التكليف، وبارسال الانبياء، انفتح ميدان الامتحان والتجربة والجهاد والمسابقة، وبه تتميز الارواح السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الارواح العالية التي هي كالالماس في نفاسته.
فلولا المجاهدة والمسابقة لبقيت الاستعدادات كامنة في جوهر الانسانية، اي لتساوى الفحم والالماس. اي لتساوت الروح السامية لسيدنا ابى بكر الصديق رضى الله عنه وهي في اعلى عليين مع روح ابي جهل التي هي في اسفل سافلين!
اذاً فخلق الشياطين والشرور وايجادها ليس شراً وليس؛ قبيحاً؛ لأنه متوجه نحو نتائج كلية وعظيمة. بل الشرور والقبائح الناتجة انما هي حاصلة من سوء الاستعمال ومن الكسب الانساني الذي هو مباشرةٌ خاصة، راجعة الى الكسب الانساني وليست الى الخلق الإلهي.(*)
يقولون: ان سعيداً لا يقتني كتباً أخرى لديه، بمعنى انه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كتب الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلفاته.
فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألا ان الذين يروجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضاً من أهل التصوف وسيلة لذلك.
الجواب:
ونحن نقول تجاه هذا:
حاش لله مائة مرة حاش لله... ان مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزإلى، والذود عنه ما وسعهم وإنقاذه من هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي الله عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة-كما في هذا العصر- يزعزع أركان الإسلام. لذا فالأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية لا يُحصل عليها بسرعة، بل يحتاج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهراً تاماً. الاّ ان رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تمزق العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانع أسلحة أولئك الافذاد السامين الميامين. لان القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعاً ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد اصبح استاذاً كاملاً لرسائل النور. فضلاً عن ذلك فالوقت ضيق ونحنضعفاء، فلا نجد متسعاً من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية، علاوة على ذلك فان هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. والاّ -حاش وكلاّ- فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا، ولكن لكل منا دماغ واحد ويد واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث أننا شاهدنا آخر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك السلاح والاعتصام به.(1)(*)
_______________________
(1) الملاحق- قسطموني/192
(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:316
51-)
الموقف من سياسة المنافقين
السؤال :
بينما كان ينبغي القيام بمحاولة، والشروع بتدبير، ازاء وضع سياسي مهيج، في غضون هذين الشهرين، إذ كانت تؤدي تلك المحاولة – باحتمال قوي – الى ما يفرحني ويدخل البهجة في قلوب الكثيرين من اخوتي المقربين؛ لم أعبأ بذلك الوضع، بل قمت خلافاً له احمل فكراً في صالح اهل الدنيا الذين يضايقونني! فظلّ البعض في حيرة مضاعفة من امري، اذ قالوا: ان السياسة التي يتبعها ضدك هذا المبتدع وثلة من المنافقين الرؤساء، كيف تجدها حتى لا تهاجمها؟
الجواب :
ان اعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم. وان العلاج الوحيد لإصلاح القلب وانقاذ الإيمان انما هو النور واراءة النور. فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها واُحرز النصر، تدنى اولئك الكفار الى درك المنافقين. والمنافق – كما هو معلوم – أشد خطراً من الكافر وأفسد منه. فصولجان السياسة اذاً لا يصلح القلب في مثل هذا الوقت، حيث يُنزل الكفر الى اعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقاً.
ثم ان شخصاً عاجزاً مثلي، لا يمكنه ان يستعمل النور والهراوة معاً في هذا الوقت، لذا فانا مضطر الى الاعتصام بالنور بما املك من قوة، فيلزم عدم الالتفات الى هراوة السياسة اياً كان نوعها. أما ما يقتضيه الجهاد المادي، فتلك الوظيفة ليست مناطة بنا حالياً. نعم! ان الهراوة هي لوقف تجاوز الكافر أو المرتد عند حدّه، ولكن لا نملكسوى يدين، بل لو كانت لنا مائة من الايدي ما كانت تكفي الاّ للنور فلا يد لنا تمسك بهراوة السياسة.(*)
____________
(*)كليات رسائل النور – اللمعات ص:158
52-)
كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة المعدودة
السؤال:
كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة المعدودة؟
الجواب :
ان في التعاون والاجتماع سراً عجيباً. لأنه اذا اجتمع حسنُ ثلاثة اشياء صار كخمسة، وخمسة كعشرة، وعشرة كأربعين بسر الانعكاس. اذ في كل شئ نوع من الانعكاس ودرجة من التمثيل. كما اذا جمعت بين مرآتين تتراءى فيهما مرايا كثيرة، أو نوَّرتَهما بالمصباح يزداد ضياء كل بانعكاس الأشعة؛ فكذلك اجتماع النكت والنقط. ومن هذا السر والحكمة ترى كل صاحب كمال وصاحب جمال يرى من نفسه ميلاً فطرياً الى ان ينضم الى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حسناً الى حسنه. حتى ان الحجر مع حَجَريته اذا خرج من يد المعقِّد الباني في السقف المحدب يميل ويُخضع رأسَه ليماسّ رأس أخيه ليتماسكا عن السقوط. فالانسان الذي لايدرك سر التعاون لهو أجمد من الحجر؛ اذ من الحجر من يتقوس لمعاونة اخيه!.(*)
__________________
(*) كليات رسائل النور - إشارات الإعجاز - ص: 49
53-)
عدم تصريح القرآن بأهم الخوارق
سؤال:
لما كان القرآن الكريم قد نزل لأجل الانسان، فَلِمَ لا يصرّح بما هو المهم في نظره من خوارق المدنية الحاضرة؟ وانما يكتفي برمز مستتر، وايماء خفي، واشارة خفيفة، وتنبيه ضعيف فحسب؟
فالجواب: ان خوارق المدنية البشرية لا تستحق أكثر من هذا القدر، اذ إن الوظيفة الاساسية للقرآن الكريم هي تعليم شؤون دائرة الربوبية وكمالاتها ووظائف دائرة العبودية وأحوالها.
لذا فان حق تلك الخوارق البشرية وحصتها من تلك الدائرتين مجرد رمز ضعيف واشارة خفية ليس إلاّ.. فانها لو ادّعت حقوقها من دائرة الربوبية، فعندها لا تحصل إلاّ على حق ضئيل جداً.
فمثلاً: اذا طالبت الطائرة البشرية(1) القرآن الكريم قائلة:
(أعطني حقاً للكلام، وموقعاً بين آياتك). فان طائرات دائرة الربوبية تلك الكواكب السيّارة والارض والقمر، ستقول بلسان القرآن الكريم:
- (انكِ تستطيعين أن تأخذي مكانكِ هنا بمقدار جرمك لا أكثر).
واذا أرادت الغواصة البشرية موقعاً لنفسها بين الآيات الكريمة فستتصدى لها غواصات تلك الدائرة؛ التي هي الارض السابحة في محيط الهواء، والنجوم العائمة في بحر الأثير قائلة:
- (ان مكانك بيننا ضئيل جداً يكاد لا يُرى!).
واذا ارادت الكهرباء ان تدخل حرم الآيات بمصابيحها اللامعة أمثال النجوم، فان مصابيح تلك الدائرة التي هي الشموس والشهب والانجم المزيّنة لوجه السماء، سترد عليها قائلة:
-(انك تستطيعين أن تدخلي معنا في مباحث القرآن وبيانه بمقدار ما تمتلكين من ضوء!!).
ولو طالبت الخوارق الحضارية - بلسان صناعاتها الدقيقة - حقوقها وارادت لها مقاماً بين الآيات.. عندها ستصرخ ذبابة واحدة بوجهها قائلة:
- اسكتوا.. فليس لكم حق. ولو بمقدار أحد جناحيّ هذين! ولئن اجتمع كل ما فيكم من المصنوعات والأختراعات - التي اكتشف إكتساباً بارادة الانسان الجزئية - مع جميع الآلات الدقيقة لديكم، لن تكون أعجب بمقدار ما في جسمي الصغير جداً من لطائف الاجهزة ودقائق الصنعة. وان هذه الآية الكريمة تبهتكم جميعاً:
﴿إنَّ الذينَ تَدعون مِن دونِ الله لن يَخلُقوا ذباباً ولو اجتَمعوا له، وإن يسلُبْهم الذبابُ شيئاً لايستنقذوهُ منه، ضعُفَ الطالبُ والمطلوبُ﴾ (الحج:73)
واذا ذهبت تلك الخوارق الى دائرة العبودية وطلبت منها حقها فستتلقى منها مثل هذا الجواب:
-ان علاقتكم معنا واهية وقليلة جداً، فلا يمكنكم الدخول إلى دائرتنا بسهولة، لأن منهجنا هو:
ان الدنيا دار ضيافة، وان الانسان ضيف يلبث فيها قليلاً، وله وظائف جمة، وهو مكلف بتحضير وتجهيز ما يحتاجه لحياته الأبدية الخالدة في هذا العمر القصير، لذلك يجب عليه ان يقدّم ما هو الأهم والألزم.
إلاّ أنه تبدو عليكم - على اعتبار الأغلبية - ملامح نسجت بحب هذه الدنيا الفانية تحت أستار الغفلة واللهو وكأنها دار للبقاء ومستقر للخلود.
لذا فان حظكم من دائرة العبودية المؤسّسة على هدى الحق والتفكر في آثار الآخرة، قليل جداً.
ولكن.. ان كان فيكم - أو من ورائكم - من الصناع المهرة والمخترعين الملهمين - وهم قلة - وكانوا يقومون بأعمالهم مخلصين لأجل منافع عباد الله - وهي عبادة ثمينة - ويبذلون جهدهم للمصلحة العامة وراحتهم لرقي الحياة الاجتماعية وكمالها، فان هذه الرموز والارشادات القرآنية كافية بلا ريب لأولئك الذوات المرهفي الاحساس، ووافية لتقدير مهاراتهم وتشويقهم الى السعي والاجتهاد.(*)
____________________________________
(1) لقد انساق القلم دون ارادتي في هذا الموضوع الجاد الى هذا الحوار اللطيف فتركته وشأنه، على أمل ألاّ يخل لطافة الاسلوب بجدية الموضوع. ــ المؤلف.
(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص:293
54-)
عدم وقوع اخبارات اهل الكشف
أخبر احد اخواننا وهو السيد عبدالله جابرازادة كما اخبر أناس آخرون ايضاً عن أن اهل الكشف قد قالوا بحدوث بشارات وفتوح لاهل السنة والجماعة وتكشف عنهم الغمة في رمضان الماضي، ولكن لم يظهر شيء من هذا القبيل!
السؤال:
كيف يخبر امثال هؤلاء من اهل الولاية والكشف عما هو خلاف الواقع؟
الجواب :
لقد ورد في الحديث الشريف ما معناه: ان البلاء ينزل وتقابله الصدقة فتردّه(1).
يتبين من هذا الحديث الشريف: ان المقدرات عندما تأتي من الغيب للوقوع، تأتي مرتبطة ببعض الشروط. فتتأخر عن الوقوع بتأخر الشروط. فتتأخر ايضاً المقدّرات التي اطلع عليها الاولياء من اصحاب الكشف اذ ليست مقدرات مطلقة، بل مقيدة ببعض الشروط، فلعدم حدوث تلك الشروط لا تقع تلك الحادثة. إذ تلك الحادثة كالأجل المعلق، قد كتبت في لوح المحو والاثبات، الذي هو نوع من انواع سجل اللوح الازلي. فالكشف قلما يرقي الى اللوح الازلي، بل لا يستطيع معظم الكشوف الرقي الى هناك. فبناءً على هذا:
ان الاخبار التي اُخبرت عنها في شهر رمضان الفائت وعيد الاضحى وفي اوقات اخرى، وبناء على الاستنباط أو بنوع من الكشفيات، لم تجد شروطها المعلقة بها، لذا لم تأت الى ميدان الواقع. فالمخبرون عنها لا يُكذّبون، لأن تلك الحوادث كانت مقدّرة، الاّ انها لا تقع الاّ بمجيء شروطها، واذ لم تأت الشروط فلا تقع الحادثة.
نعم! ان الدعاء الخالص الذي يرفعه معظم اهل السنة والجماعة في رمضان المبارك دفعاً للبدع، كان شرطاً وسبباً مهماً له، ولكن
دخول البدع في الجوامع في الشهر المبارك مع الاسف حجبت الاستجابة والقبول، فلم تفرج الكربة ولم تكشف الغمة؛ اذ كما تدفع الصدقةُ البلاءَ – بدلالة الحديث الشريف – فالدعاء الخالص من الاكثرين يجذب الفرج العام الشامل. ولكن لأن القوة الجاذبة لم تأتِ الى الوجود، فلم توهب الفرج والفتح.(*)
_____________
(1) اصل الحديث: عن عائشة رضي الله عنها ان النبيyقال: (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وان البلاء لينزل، فيتلقاه الدعاء فيعتلجان الى يوم القيامة) حديث حسن اخرجه الحاكم. وحديث (لا يردّ القضاء الاّ الدعاء) قال الترمذي: حسن غريب (تمييز الطلب لابن الديبع الشيباني). – المترجم.
(*) كليات رسائل النور –اللمعات ص:156
55-)
اهمية الاخرة للحياة العائلية
السؤال :
اهمية الاخرة للحياة العائلية
الجواب :
ان الحياة العائلية هي مركز تجمع الحياة الدنيوية ولولبها وهي جنة سعادتها وقلعتها الحصينة وملجأها الامين. وان بيت كل فرد هو عَالمه ودنياه الخاصة. فلا سعادة لروح الحياة العائلية إلاّ بالاحترام المتبادل الجاد والوفاء الخالص بين الجميع، والرأفة الصادقة والرحمة التي تصل الى حد التضحية والايثار. ولا يحصل هذا الاحترام الخالص والرحمة المتبادلة الوفية إلاّ بالايمان بوجود علاقات صداقة أبدية ورفقة دائمة ومعيّة سرمدية في زمن لانهاية له وتحت ظل حياة لاحدود لها، تربطها علاقات أبوةٍ محترمة مرموقة واخوّةٍ خالصة نقية وصداقةٍ وفيّة نزيهة حيث يحدّث الزوج نفسه: "ان زوجتي هذه رفيقة حياتي وصاحبتي في عالم الابد والحياة الخالدة، فلا ضير إن اصبحت الآن دميمة او عجوزاً، اذ ان لها جمالاً أبدياً سيأتي، لذا فأنا مستعد لتقديم اقصى ما يستوجبه الوفاء والرأفة، وأضحى بكل ما تتطلبه تلك الصداقة الدائمة".. وهكذا يمكن أن يكنّ هذا الرجل حباً ورحمة لزوجته العجوز كما يكنّه للحور العين. والاّ فان صحبة وصداقة صورية تستغرق ساعة او ساعتين ثم يعقبها فراق أبدي ومفارقة دائمة لهي صحبة وصداقة ظاهرية لا اساس لها ولاسند. ولايمكنها ان تعطي الاّ رحمة مجازية، واحتراماً مصطنعاً، وعطفاً حيواني المشاعر، فضلاً عن تدخل المصالح والشهوات النفسانية وسيطرتها على تلك الرحمة والاحترام فتنقلب عندئذٍ تلك الجنة الدنيوية الى جحيم لاتطاق.(*)
_________________________
(*) الشعاع التاسع - ص: 229
56-)
الطبيعة التي زلّ اليها اهل الضلال والغفلة
السؤال: ما هذه الطبيعة التي زلّ اليها اهل الضلال والغفلة فدخلوا الكفر والكفران وسقطوا الى اسفل سافلين بعد ان كانوا في مرتبة احسن تقويم؟
الجواب: ان ما يطلقون عليه بـ"الطبيعة" هو : الشريعة الفطرية الالهية الكبرى، التي هى عبارة عن مجموع قوانين عادة الله، التي تبين تنظيم الافعال الالهية ونظامها.
من المعلوم ان القوانين امور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي. ولكن الغفلة والضلالة ادت بهم الى الجهل بالكاتب والنقاش الازلي، لذا ظنوا الكتاب والكتابة كاتباً، والنقش نقاشاً والقانون قدرةً، والمسطر مصدراً والنظام نظّاماً والصنعة صانعاً!
فكما اذا دخل انسان جاهل لم ير الحياة الاجتماعية الى معسكر عظيم وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الانظمة المعنوية، تخيل انهم مربوطون بحبال مادية، او دخل مسجداً عظيماً وشاهد الاوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة او العيد، تخيل انهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك اهل الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون الذي هو معسكر عظيم - لمن له جنود السموات والارض سلطان الازل والأبد - او يدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الازلي، ثم يذكرون انظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحكم غير المتناهية انها كالقوة او كالمادة صماء عمياء جامدة مختلطة.
فلا شك انه لا يقال عن مثل هذا: انه انسان، بل حتى لا يقال له حيوان وحشي، لان ما تخيله "طبيعة" يفرض عليه ان يمنح كل ذرة، وكل سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلماً محيطاً بكل شئ، بل عليه ان يمنح كلَّ ذرة وكل سبب جميع صفات الواجب الوجود. وما ذاك الاّ محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.
فـ"الكلمات" ورسائل اخرى قد أردتْ مفهوم الطبيعة قتيلاً في مائة موضع وموضع والى غير رجعة! وكذا الكلمة الثانية والعشرين اثبتت هذا الأمر اثباتاً قاطعاً.
الحاصل: لقد اثبتت في "الكلمات" اثباتاً قاطعاً: ان الذى يؤلّه الطبيعة يضطر الى قبول آلهة غير متناهية لانكاره الإله الواحد، فضلاً عن ان كل إله قادر على كل شئ، وضد كل إله، ومثله.. وذلك لينتظم الكون!. والحال انه لا موضع للشريك قطعاً بدءاً من جناح ذبابة الى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يتدخل في شؤونه تعالى غيره؟
نعم ان الآية الكريمة ﴿لو كان فيهما آلهة الاّ الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾(الأنبياء: 22) تقطع اساس الشرك والاشتراك ببراهين دامغة. (*)
________________
(*)كليات رسائل النور- ملحق بارلا ص:68
كيف نتأدب مع علام الغيوب، البصير العليم، الذي لايخفى عليه شئ، حيث ان هناك حالات تدعو الانسان الى الخجل، ولايمكن اخفاؤها عنه سبحانه، ولا التستر منه، بينما ستر مثل هذه الحالات المستكرهة احد انواع الأدب؟.
الجـواب:
اولا:كما ان الصانع ذا الجلال يظهر صنعته اظهاراً جميلاً في نظر مخلوقاته، ويأخذ الامور المستكرهة تحت أستار وحجب، ويزين نِعَمه ويجمّلها حتى لتشتاقها الابصار. كذلك يطلب سبحانه من مخلوقاته وعباده ان يظهروا امام ذوي الشعور بأجمل صورهم واكثرها حسناً؛ اذ ان ظهورهم للمخلوقات في حالات مزرية قبيحة، واوضاع مستهجنة، يكون منافياً للأدب الجميل، ونوعاً من العصيان تجاه قدسية اسمائه أمثال: الجميل، المزين، اللطيف، الحكيم. وهكذا فالادب الذي في السنة النبوية الطاهرة انما هو تأدب بالادب المحض الذي هو ضمن الاسماء الحسنى للصانع الجليل.
ثاني:ان الطبيب له ان ينظر الى أشد الاماكن حرمة لمن يحرم عليه، من زاوية نظر الطب والعلاج. بل يكشف له - في حالات الضرورة - تلك الاماكن ولايعد ذلك خلافاً للأدب، وانما يعتبر ذلك من مقتضيات الطب. الا ان ذلك الطبيب نفسه لا يجوز له ان ينظر الى تلك الاماكن المحرمة من حيث كونه رجلا او واعظاً او عالماً، فلا يسمح الادب قطعاً باظهارها له بتلك العناوين والصفات. بل يعد ذلك انعداماً للحياء.
كما يقتضي اسم الغفار وجود الذنوب، واسم الستار وجود التقصيرات، فان اسم الجميل لايرضى برؤية القبح. وان الاسماء الجمالية والكمالية، امثال: اللطيف، الكريم، الحكيم، الرحيم، تقتضى ان تكون الموجودات في احسن الصور، وفي افضل الاوضاع الممكنة. فتلك الاسماء الجمالية والكمالية تقتضى اظهار جمالها؛ بالاوضاع الجميلة للموجودات وتأدبها بالاداب الحسنة، امام انظار الملائكة والعالم الروحاني والجن والانس.
وهكذا فالاداب التي تتضمنها السنة المطهرة اشارة الى هذه الاداب السامية، ولفتة الى دساتيرها ونماذجها.(*)
________________
(1) حديث معناه صحيح، ابن السمعاني في ادب الاملاء عن ابن مسعود (شرح المناوى على الجامع الصغير) وقال ابن تيمية (18/375): معناه صحيح ولكن لا يعرف له اسناد ثابت وايده السخاوي والسيوطي. راجع (كشف الخفاء 1/70) وسلسلة الاحاديث الضعيفة برقم 72.
(2) مثنوي الرومي ج1/ص3 ط. بومبي
(*) كليات رسائل النور-اللمعات ص:87
59-)
عدالة للذكر مثل حظ الانثيين
السؤال:
ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﴿ﻓﻠﻠﺬﻛﺮ ﻣﺜﻞُ ﺣﻆِّ ﺍﻟﺎﻧُﺜﻴﻴﻦ﴾ كيف يكون ﻣﺤﺾُ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ؟ و كيف يكون ﻋﻴﻦُ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ للنساء؟
يقولون: ما دام الذي في ايديكم نور، وليس هراوة وصولجاناً، فالنور لايُعارض ولايُهرب منه، ولا ينجم من إظهاره ضرر، فلم اذاً توصون اصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من ابراز رسائل نيّرة كثيرة للناس كافة؟.
الجواب:
مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو:
ان رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لا يقرأون، واذا قرأوا لا يفهمون، فيؤولونه الى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون. لذا، وللحيلولة دون الهجوم ينبغي عدم اظهار النور لهم لحين افاقتهم واسترجاع رشدهم.
ثم ان هناك غير منصفين كثيرين، ينكرون النور، أو يغمضون اعينهم دونه، لاغراض شخصية خاصة، أو خوفاً أو طعماً..
ولأجل هذا اوصى اخوتي ايضاً ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم الاّ يعطوا الحقائق احداً من غير اهلها، والاّ يقوموا بعمل يثير اوهام اهل الدنيا وشبهاتهم عليهم(1).(*)
_________________________
(1) حادثة لطيفة يمكن ان تكون وسيلة لمسألة جادة:
جاءني اول امس السيد محمد وهو صهر أحد اصدقائي، وقال مسروراً ومبشراً: لقد طبعوا في اسبارطة كتاباً من كتبك. وكثير من الناس يقرأونه. قلت: ذلك ليس طبع محظور، وانما هو ما أخذ من النسخ، فلا تعترض عليه الدولة. وقلت له ايضاً: اياك أن تحدث بهذا الخبر صديقيك المنافقين، اذ هما يتحريان امثال هذه الامور ليجعلوها وسيلة للهجوم.
وهكذا فيا اخوتي! على الرغم من ان هذا الشخص صهر احد اصدقائي، فيعدّ من احبابي بهذه العلاقة، الاّ انه بحكم مهنته الحلاقة صديق للمعلم الفاقد للوجدان واللمدير المنافق. وقد اخبره بهذا الخبر احد اخواننا هناك دون علم منه. وحسناً فعل أن اخبرني لأول مرة فنبهته. وبدوري نبهت الاخوة ايضاً. وسدّ بذلك الفساد. ونشرت آلة الرونيو الوف النسخ تحت هذا الستار. – المؤلف.
(*) كليات رسائل النور –اللمعات ص:159
61-)
حقيقة جنة عرضها خمسمائة سنة
السؤال : كيف تستوعب عقولنا الدنيوية القاصرة حقيقة ما روي ان المؤمن يمُنح جنة عرضها خمسمائة سنة ؟
الجواب:
كما ان لكل شخص في هذه الدنيا دنيا مؤقتة خاصة به، قوامها حياته يستمتع منها بما يشاء بحواسه الظاهرة والباطنة، حتى يمكنه ان يقول: الشمس مصباح لي والنجوم قناديل لي، فلا ينازعه في ملكيته هذه وجود سائر المخلوقات وذوي الارواح، بل يعمرون دنياه الخاصة ويُجمّلونها.
كذلك الامر في الجنة ـ مع فارق عظيم ـ فلكل مؤمن ـ فضلا عن روضته الخاصة التي تضم الوف القصور والحور العين ـ له جنة خاصة بسعة خمسمائة سنة من الجنة العامة، يستمتع بها المؤمن استمتاعاً يليق بالجنة والخلود بما تنكشف له من حواسه وتنبسط من مشاعره حسب درجة كل مؤمن، فلا ينقص وجود الاخرين معه ومشاركتهم له شيئا من تنعمه وتلذذه وتملكه بل يعمرون جنته الخاصة وجنته الواسعة ويزينونها. نعم، فكما يتمتع الانسان في الدنيا بفمه واذنه وعينه واذواقه الاخرى ومشاعره وحواسه كلها في مسافة ساعة يقضيها في حديقة، او في مسافة يوم يمضيه في سياحة، او في مسيرة شهر كامل في مملكة، او في سنة من عمره يستجم بها في رحلة وسفرة.. كذلك الامر هناك في الجنة ولكن تتمتع حاسة الذوق والشم في تلك المملكة الخالدة في مسافة سنة كاملة ما كانت تتمتع به في هذه الحياة الفانية في ساعة من حديقة غناء، وتتمتع حاسة الابصار والسمع في تلك المملكة الابدية الزاهية من اقصاها الى اقصاها ضمن رحلة امدها خمسمائة سنة تمتعا يلائم خلودها ما تتمتع به من سياحة وتجوال ورحلات يمضيها الانسان في سنة في هذه الدنيا.فلكل مؤمن حسب درجته وحسب ما يناله من ثواب على اعماله التي قام بها في الدنيا وحسب نسبة ونوعية حسناته تنكشف مشاعره وتنبسط حواسه، فتستمتع تلك المشاعر والحواس هناك في الجنة بما يلائم خلودها.(*)
لقد شعرتُ - بدافع العطف الانساني - بحزن أليم جداً للبشرية المضطربة في هذا لشتاء القارس، والشتاء المعنوي الرهيب الذي يلطخ البشرية بالدماء، فأمدّت حكمة الخالق الكريم ورحمته تعالى قلبي المحزون، وهو ارحم الراحمين واحكم الحاكمين - كما بينته ذلك في كثير من الاماكن - فورد هذا المعنى الى القلب:
ان تألمك هذا الشديد، يجرى مجرى الانتقاد لحكمة ذلك الحكيم ورحمة ذلك الرحيم سبحانه وتعالى. فلا رأفة - في دائرة الامكان - تسبق الرحمة الآلهية، ولا حكمة اكمل من حكمته الربانية. فكّر: ان العصاة ينالون جزاءهم والابرياء والمظلومون سينالون ثوابهم بعشرة اضعاف مما قاسوا. فعليك النظر الى الحوادث الواقعة خارج دائرة اقتدارك من زاوية رحمته وحكمته وعدالته وربوبيته تعالى.
وهكذا نجوت من الألم الشديد النابع من الشفقة بفضل الله.
يُنقل ادناه جواب سعيد القديم حول سؤال، اورده في مؤلفه "المناظرات" المطبوع قبل ثلاثين سنة.
لقد سئل قبل ثلاثين سنة اثناء تجواله بين العشائر:
سؤال:أما تكون الشكوى من الزمان والاعتراض على الدهر اعتراضاً على بدايع صنعة الصانع جل جلاله؟
الجواب:كلا، ثم كلا، بل ربما تعني الشكوى ما يأتي:
كأن الشاكي يقول: ان ماهية العالم المنظمة بدستور الحكمة الأزلية غير مستعدة لانجاز الأمر الذي أطلبه، والشئ الذي أبغيه، والحالة التي اشتهيها، ولايسمح به قانون الفلك المنقش بيد العناية الأزلية، ولاتوافقه طبيعة الزمان المطبوعة بمطبعة المشيئة الأزلية، ولا تأذن له الحكمة الإلهية المؤسّسِة للمصالح العامة.. لذا لا يقطف عالمُ الممكنات من يد القدرة الإلهية تلك الثمرات التي نطلبها بهندسة عقولنا وتَشَهّي هوانا وميولنا. وحتى لو أعطتها لَماَ تمكن من قبضها والاحتفاظ بها، ولو سقطتْ لَمَا تمكّن من حملها. نعم لا يمكن أن تسكن دائرة عظيمة عن حركاتها المهمة لاجل هوى شخص...
هذا وتُلحق رسائل النور هامشاً في بحث الزلزلة، كالآتي:
بينما لكل عنصر من العناصر وكل حادثة من الحوادث المادية والمعنوية - كالشتاء والزلزال - مئات من النتائج والغايات الخيرة. فان ايقافه لئلا يأتي شرٌ ونتيجةٌ ذات ضرر وشر، ارتكابٌ لمئات الشر، بترك تلك المئات من النتائج الخيرة، وهذا منافٍ للحكمة والحقيقة والربوبية.
ولكن الافراد الذين يتضايقون من القوانين الكلية، يمدّ الرحمن الرحيم سبحانه كل فرد عاجز ضعيف منهم بالعنايات الخاصة والامدادات الخصوصية والاحسانات المخصوصة ويسعفهم بدواء لدائهم. ولكن ليس وفق هوى ذلك الفرد، بل وفق منفعته الحقيقية، وقد يُعطى له ألماساً في الاخرة على ما طلبه من زجاج في الدنيا.(*)
______________________________
(*) الملاحق - ملحق قسطموني، ص: 205
63-)
مطاليب الاستاذ من الاتحاد والترقي
مطاليبه من الاتحاد والترقي
أ. إنشاء مدرسة الزهراء
ب. الصدق والأمانة وضمان مستقبل العلماء
إن لي دعوى أبحثها مع الخواص، ولي مسألة مهمة مع الحكومة، مع الأشراف، مع أولئك الذين ليسوا من الماسونيين من جماعة الاتحاد والترقي.
يا طبقة الخواص! نحن العوام ومعاشر أهل المدرسة الدينية نطالبكم بحقنا!..
نريد أن تصدقوا قولكم بفعلكم، ولا تعتذروا بقصور غيركم، ولا تتواكلوا فيما بينكم وتتكاسـلوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وأن تتداركوا فيما فاتنا بسببكم، وأن تستمعوا إلى أحوالنا وتستشيروا حاجاتنا، وأن تستفسروا عن أوضاعنا، وتَدَعوا لَهوَكم جانباً!..
الحاصل: أننا نطلب ضمان مستقبل العلماء في الولايات الشرقية ونطلب نصيبنا من معنى «الاتحاد» و«الترقي» لا من الاسم، فنطلب ما هو هيّن عليكم وعظيم عندنا.
ج. إنشاء مجلس شورى للاجتهاد
بينا نرى الوزارة تستند أصلاً إلى ثلاثة مجالس شورى -وقد لا توفي هذه المجالس حاجاتها الكثيرة- نجد أن المشيخة قد أودعت إلى اجتهاد شخص واحد، في وقت تعقدت فيه العلاقات وتشابكت حتى في أدق الأمور، فضلا عن الفوضى الرهيبة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الأفكار وتدني الأخلاق المريع الناشئ من تسرب المدنية الزائفة فينا.
من المعلوم أن مقاومة الفرد تكون ضعيفة أمام المؤثرات الخارجية، فلقد ضُحي بكثير من أحكام الدين مسايرة للمؤثرات الخارجية.
وبينما كانت الأمور بسيطة والتسليم للعلماء وتقليدهم جارياً كانت المشيخة مودعة إلى مجلس شورى -ولو بصورة غير منتظمة- ويتركب من شخصيات مرموقة، أما الآن وقد تعقدت الأمور ولم تعد بسيطة وارتخى عنان تقليد العلماء واتباعهم.. أقول: كيف يا ترى يكون بمقدور شخص واحد القيام بكل الأعباء؟
ولقد أظهر الزمان أن هذه المشيخة الإسلامية -التي تمثل الخلافة- ليست لأهل إسطنبول خاصة أو للدولة العثمانية، وإنما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين عامة. فوضعها الحالي المنطفئ لا يؤهلها للقيام بأعباء إرشاد إسطنبول وحدها ناهيك عن إرشاد العالم الإسلامي! لذا ينبغي أن تؤول هذه المشيخة إلى درجة ومنـزلة تتمكن بها كسب ثقة العالم الإسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين. وتغدو منبعاً فياضاً للاجتهادات والأفكار. وعندها تكون قد أدت مهمتها حق الأداء تجاه العالم الإسلامي.
لقد طالبت بهذه الفكرة أعضاء «تركيا الفتاة» إبان إعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتي عشرة سنة طالبتهم بها أيضاً فقبلوها ولكن المجلس النيابي قد حل. والآن أعرضها مرة أخرى على نقطة تمركز العالم الإسلامي.
64-)
معارضت الحرب بشدة
السؤال :
ان هجوم الاجانب كانكلترا وايطاليا على هذه الحكومة في الآونة الأخيرة يؤدي الى إثارة الحمية الإسلامية وهي ركيزة حقيقية ومنبع قوة معنوية لحكومات خلت في هذا الوطن منذ أمد بعيد وستصبح وسيلة لإحياء الشعائر الإسلامية – الى حدٍ ما – ولدفع شيء من البدع.. فلم عارضتَ هذه الحرب بشدة وسألت الله أن تحل القضية بسلام وأمان. فقد اصبحت منحازاً لحكومة المبتدعين، وهذا بذاته وبنتائجه موالاة للبدع!؟
الجواب:
نحن نسأل الله الفرج والبشارة والسرور والفتح، ولكن ليس بسيف الكفار.. فسحقاً لسيوفهم ولتكن وبالاً عليهم. نحن لسنا بحاجة ولا نرجو الفائدة من سيوفهم، لأن اولئك الاجانب المتمردين هم الذين سلطوا المنافقين على أهل الأيمان، وهم الذين ربّوا الزنادقة في احضانهم.
أما مصيبة الحرب وبلاؤها، فهي ضرر بالغ لخدمتنا القرآنية، لأن معظم اخواننا العاملين المضحين الفضلاء لا يتجاوز اعمارهم الخمس والاربعين سنة، فيضطرون الى الذهاب للحرب تاركين الخدمة القرآنية المقدسة. ولو أن لي مبلغاً من المال، لكنت ادفعه – بكل رضاي – لأجل انقاذ هؤلاء الاخوة الاكارم، حتى لو كان البدل النقدي ألف ليرة! ان انخراط مئات من اخواننا العاملين في الجندية، ومزاولتهم الجهاد المادي خسارة فادحة لخدمتنا، أشعر أنها تعدل اكثر من مائة ألف ليرة. بل ان ذهاب (ذكائي) الى الجندية خلال السنتين الماضيتين، أفقدنا اكثر من ألف ليرة من الفوائد المعنوية.
وعلى كل حال فان القدير ذا الجلال الذي يطهر وجه السماء الملبد بالغيوم ويبرز الشمس الساطعة في وجه السماء اللامع خلال دقيقة واحدة، هو القادر ايضاً على ان يزيل هذه الغيوم السوداء المظلمة الفاقدة للرحمة، ويُظهر حقائق الشريعة كالشمس المنيرة بكل يسر وسهولة وبغير خسارة.
اننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه الاّ يكلفنا ذلك ثمناً غالياً. وان يمنح رؤوس الرؤساء العقل ويهب لقلوبهم الإيمان. وهذا حسبنا، وحينها تتعدل الامور بنفسها وتستقيم..(*)
____________
(*)كليات رسائل النور –اللمعات ص:158
65-)
لما يسلك الكثيرون سبيل الكفر مع الالم الموجود فيه
السؤال :
لما يسلك الكثيرون سبيل الكفر مع الالم الموجود فيه ؟.
فالجواب:انهم ساقطون فيها، فلا يمكنهم الخروج منها، ولا يرغبون في الخروج مما هم فيه، فيتسلّون بلذة حاضرة مؤقتة، لأن قوى الانسان النباتية والحيوانية لاتفكر في العاقبة ولاتراها، وأنها تتغلب على لطائفه الانسانية.
ثم اذا قيل: لما كان في الكفر هذا الالم الشديد وهذا الخوف الداهم، وان الكافر - باعتباره انساناً - حريصٌ على حياته ومشتاق الى ما لايحصى من الاشياء وهو يرى بكفره: أن موته عدمٌ وفراقٌ أبدي. ويرى دوماً بعينه ان الموجودات وجميع احبّائه سائرون الى العدم والفراق الأبدي. فكل شئ أمامه - بهذا الكفر - اذن الى زوال، فالذي يرى بالكفر هذا، كيف لايتفطّر قلبه ولاينسحق تحت ضغط هذا الألم؟ بل كيف يسمح له كفره ان يتمتع بالحياة ويتذوقَها؟.
الجواب:انه يخادع نفسه بمغالطة شيطانية عجيبة، ويعيش مع الظن بتلذذ ظاهري، وسنشير الى ماهيتها بمثال متداول:
يحكى انه قيل للنعامة "ابل الطير": لماذا لاتطيرين؟ فانك تملكين الجناح، فقبضتْ وطوتْ جناحيها قائلةً: أنا لست بطائر بل إبل، فأدخلت رأسها في الرمل تاركةً جسدها الضخم للصياد فاستهدفها. ثم قالوا لها: فاحملي لنا اذن هذا الحمل ان
كنتِ ابلاً كما تدّعين، فعندها صفّت جناحيها ونشرتهما قائلة: أنا طائر. وتفلتت من تعب الحمل. فظلت فريدة وحيدة دون غذاء ولا حماية من أحد وهدفاً للصيادين.
وهكذا الكافر، بعد أن تزحزح من كفره المطلق أمام النُذر السماوية القرآنية تردّى في كفر مشكوك. فاذا سُئل: كيف تستطيع العيش وامامك الموت والزوال اللذان تدعي أنهما اِنعدام أبدي؟ فهل يتمكن من الحياة ويتمتع بها مَن كان يسير بخطاه الى حبل المشنقة؟ يجيب: لا، ليس الموت عَدَماً، بل هناك احتمال للبقاء بعدَه، ذلك بعدما أخذ حَظَه من شمول نور القرآن للعالمين ورحمته لهم فبدأ يتشكك في كفره المطلق، او انه يدسّ رأسه في رمل الغفلة كالنعامة، كي لايراه الأجل ولاينظر اليه القبر، ولايرميه الزوال بسهم!. (*)
لقد اثبتّ في الاشارات السابقة(1) أن طريق الضلالة تجاوزٌ وتعدٍّ وتخريب، وسلوكها سهل وميسور للكثيرين، بينما أوردت في رسائل أخرى (2) دلائل قطعية على أن طريق الكفر والضلالة فيها من الصعوبة والمشكلات ما لايمكن ان يسلكها أحد، وطريق الايمان والهداية فيها من السهولة والوضوح بحيث ينبغي ان يسلكها الجميع؟!.
الجواب:ان الكفر والضلالة قسمان:
الاول:هو نفيٌ للأحكام الايمانية نفياً عملياً وفرعياً، فهذا الطراز من الضلالة سهلٌ سلوكه وقبوله لأنه "عدمُ قبول" الحق، فهو تركٌ وعدمٌ ليس الاّ، وهذا القسم هو الذي ورد بيان سهولة قبوله في الرسائل.
أما القسم الثاني: فهو حكمٌ اعتقادي وفكري وليس بعملي ولا فرعي، ولا نفيٌ للايمان وحده بل سلوك لطريق مضادٍ للايمان، وقبول للباطل واثباتُ نقيض الحق. فهذا هو خلاف الايمان وضده، لذا فهو ليس "بعدم قبولٍ" كي يكون سهلاً وانما هو قبولٌ للعدم". وحيث انه لايتم الاّ بعد الاثبات، أي اثبات العدم. و"العدم لايثبت" قاعدة اساسية، فليس من السهل اذن اثباته وقبوله.
وهكذا فان ما بُينَ في سائر الرسائل هو هذا القسم من طريق الكفر والضلالة التي هي عسيرة وذات اِشكال بل ممتنع سلوكها بحيث لايسلكها من له ادنى شعور.
وكذلك أُثبتت في الرسائل اثباتاً قاطعاً أن في هذه الطريق من الآلام المخيفة والظلمات الخانقة ما لا يمكن ان يطلبها مَن عنده ذرة من العقل والادراك.
__________________________
(1) اللمعة الثالثة عشر
(2) لازم مراجعة
(*) كليات رسائل النور- اللمعة الثالثة عشر - ص (120)
67-)
ان ما في يدك نور فلِمَ توص بأخذ الحذر
السؤال :
ان ما في يدك نور فلِمَ توص بأخذ الحذر ؟
يقولون:ما دام الذي في ايديكم نور، وليس هراوة وصولجاناً، فالنور لايُعارض ولايُهرب منه، ولا ينجم من إظهاره ضرر. فلِمَ اذاً توصون اصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من ابراز رسائل نيّرة كثيرة للناس كافة؟.
مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو:
ان رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لايقرأون، واذا قرأوا لايفهمون، فيؤولونه الى معنى خطأ، ثم يعترضون ويهاجمون. ولسد الطريق في وجه هجومهم ينبغي عدم اظهار النور لهم لحين افاقتهم واسترجاع رشدهم.
ثم ان هناك غير منصفين كثيرين، ينكرون النور، أو يغمضون اعينهم دونه، لاغراض شخصية خاصة، أو خوفاً أو طمعاً..
ولأجل هذا اوصى اخوتي ايضاً ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم الاّ يعطوا الحقائق احداً من غير اهلها، والاّ يقوموا بعمل يثير اوهام اهل الدنيا وشبهاتهم عليهم(1).(*)
________________________________________
(1) حادثة لطيفة يمكن ان تكون وسيلة لمسألة جادة:
جاءني اول امس السيد محمد وهو صهر أحد اصدقائي، وقال مسروراً ومبشراً: لقد طبعوا في اسبارطة كتاباً من كتبك. وكثير من الناس يقرأونه. قلت: ذلك ليس طبع محظور، وانما هو ما أخذ من النسخ، فلا تعترض عليه الدولة. وقلت له ايضاً: اياك أن تحدث بهذا الخبر صديقيك المنافقين، اذ هما يتحريان امثال هذه الامور ليجعلوها وسيلة للهجوم.
وهكذا فيا اخوتي! على الرغم من ان هذا الشخص صهر احد اصدقائي، فيعدّ من احبابي بهذه العلاقة، الاّ انه بحكم مهنته الحلاقة صديق للمعلم الفاقد للوجدان وللمدير المنافق. وقد اخبره بهذا الخبر احد اخواننا هناك دون علم منه. وحسناً فعل أن اخبرني لأول مرة فنبهته.وبدوري نبهت الاخوة ايضاً. وسدّ بذلك الفساد. ونشرت آلة الرونيو الوف النسخ تحت هذا الستار. ــ المؤلف.
(*) اللمعة السادسة عشرة ص 159
68-)
كيف يكون البقاء في جهنم عدلاً
سؤال:
كيف يكون البقاء في سجن جهنم بقاءاً خالداً جزاءً عادلاً لكفر في زمن قصير؟
الجواب:
ان القتل الذي يحصل في دقيقة واحدة يعاقب عليه بسبع ملايين وثمانمائة واربع وثمانين الفاً من الدقائق - على اعتبار السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً. فان كان هذا قانوناً عدلاً، فالذي يقضي عشرين سنة من عمره في احضان الكفر ويموت عليه يستحق جزاءً بمقتضى هذا القانون العادل للبشر سجناً يدوم سبعة وخمسين ترليوناً وواحداً ومائتي ملياراً ومائتي مليوناً من السنين، باعتبار دقيقة من الكفر تعـادل ألف قـتل ويمكـن ان يُفـهم مـن هـذا وجـه الانسـجام مـع عدالة قـوله تعالى: {خالدين فيها ابدا} (البيـّنة: 8).
ان سر العلاقة بين العددين المتباعدين جداً بعضهما عن بعض، هو ان الكفر والقتل تخريب وتعدّ على الآخرين، ولهما تأثير في الآخرين، فالقتل الذي يحصل في دقيقة واحدة يسلب خمس عشرة سنة في الاقل من حياة المقتول، حسب ظاهر الحال، لذا يسجن القاتل بدلاً منه، فدقيقة واحدة في الكفر الذي هو انكار لألف اسم واسم من الاسماء الحسنى وتزييف لنقوشها البديعة.. واعتداء على حقوق الكائنات.. وانكار لكمالاتها.. وتكذيب لدلائل الوحدانية التي لايحد وردّ لشهاداتها.. تلقي بالكافر في اسفل سافلين لاكثر من الف سنة، فتسجنه في قوله تعالى {خالدين….} (*)
________________
(*) اللمعة الثامنة والعشرون - ص: 448
69-)
هل الإنسان مسؤول عن ﺗﺪﺍﻋﻲ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﺎﺕ
السؤال:
هل الإنسان مسؤول عن ﺗﺪﺍﻋﻲ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﺎﺕ، ﻭﺗﺨﻄّﺮ ﺍﻟﻔﺮﺿﻴﺎﺕ التي هي ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﺴﺎﻡٍ ﻏﻴﺮ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻱ؟
ان كثيراً من الناس يسقطون في هاوية الكفر والضلال بوجود الشياطين ويتضررون من جرائهم على الرغم من بعثة الانبياء عليهم السلام. وحيث ان الحكم جار على الاكثرية، وان الاكثرين يتضررون، فخلق الشر اذاً شر، بل يمكن ان يقال ان بعثة الانبياء ليست رحمة!
الجواب:
انه لا اعتبار للكمية بالنسبة الى النوعية، فالاكثرية في الحقيقة متوجهة اصلاً الى النوعية، لا الى الكمية. فلو كانت هناك مائة نواة للتمر - مثل - ولم توضع تحت التراب ولم تسق بالماء، اي إن لم تحدث فيها تفاعلات كيمياوية، اي ان لم تنل مجاهدة حياتية، فانها تظل على حالها مائة نواة وتساوي قيمتها مائة درهم. بينما اذا سقيت بالماء وتعرضت لمجاهدة حياتية فتفسخت من جرائها، وبسوء طبعها، ثمانون منها، ونمت عشرون منها نخلاً مثمراً، أفيمكنك ان تقول: ان سقي تلك البذور شر حيث أفسد الكثير منها! لا تستطيع قول ذلك بلا شك، لان تلك النوى العشرين قد اصبحت بمثابة عشرين الف نواة، فالذي يفقد الثمانين ويكسب العشرين ألفاً لاشك انه غانم لم يتضرر، فلا يكون السقي اذاً شراً.
وكذا لو وجدت مائة من بيض الطاووس - مثل - فثمنها يساوي ثمن البيض وهو خمسمائة قرش ولكن اذا حضنت تلك المائة من البيض وفرخ عشرون منها، وفسدت الثمانون الباقية، هل يمكن ان يقال حينئذٍ ان ضرراً كبيراً قد حدث، أو أن هذه المعاملة شر، أو أن حضانة الطاووسة على البيض عمل قبيح.. لاشك ان الجواب ليس كذلك، بل العمل هذا خير، لأن الطاووس وبيضه قد كسبا عشرين طاووساً اثمانها باهظة بدلاً عن تلك البيوض الكثيرة الزهيدة الثمن.
وهكذا فقد غنم النوع البشري مائة الف من الانبياء عليهم السلام وملايين الاولياء وملايين الملايين من الاصفياء الذين هم شموس عالم الانسانية واقمارها ونجومها، ببعثة الانبياء وبسر التكليف وبمحاربة الشياطين، ازاء ما خسره من المنافقين - الكثيرين كماً والتافهين نوع - والكفار الذين هم ضرب من الحيوانات المضرة.(*)
الجواب: إننا نجيب عن حقيقة الوضع الذي فهمناه من أستاذنا:
أولاً: إن الدستور الذي سار عليه أستاذنا طوال حياته هو الدستور القرآني والقاعدة الجليلة ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرٰى ﴾ (الأنعام:١٦٤) بمعنى أن الأخطاء التي ارتكبتها حكومة ذلك العهد لا تُسند إلى السلطان. ولهذا حمل نحوه حسن الظن، بل سعى -تجاه معارضيه- لتأويل ما اضطر إليه من أخطاء وتقصيرات.
ثانياً: لقد أثنى أستاذنا ثناءً حسناً على الحرية الشرعية بداية عهد الحرية، ودعا الناس في خطبه إليها، وقال للمعارضين لها:
«إن لم تنضبط الحرية بالشريعة فإن ما أطلقتموه من استبداد ضعيف جزئي اضطر إليه شخص، يصبح استبداداً عظيما يوزع على الناس كافة. ويغدو كل شخص مستبداً بذاته، فيتولد عندئذٍ استبداد مطلق، وينقلب الاستبداد الواحد إلى الألوف، بمعنى أن الحرية ستموت ويولد استبداد مطلق».
حتى إن أستاذنا وجّه إلى المحكمة التي نصبت لأجل الإعدامات ما يأتي:
«إن كانت المشروطية تعني مخالفة الشريعة واستبداد جماعة معينة -الاتحاديين- فليشهد الثقلان أني مرتجع».
ثالثاً: لقد شعر أستاذنا بنوع من إحساس مسبق، نجاة العالم الإسلامي الحالي من سيطرة الأجانب وتوجهه إلى الاتفاق على صورة جماهير متحدة إسلامية فكان يتمنى هذا ويتصوره، بل دعا إليه بكل ما أوتي من قوة، لذا قدّر الحرية الشرعية حق قدرها. وقال في خطبه آنذاك: «إن لم تربّ الحرية بالتربية الإسلامية فستموت، ويولد مكانها الاستبداد المطلق».
رابعاً: لقد سمعنا من أستاذنا وعرفنا منه عن كثب أنه كان يعتقد أن السلطان عبد الحميد -من بين السلاطين- في حكم ولي من الصالحين، لوقوفه بصمود تجاه دسائس الأجانب وقواهم، وكونه خليفة معظم العالم الإسلامي، وسوقه العشائر الرحّل في الولايات الشرقية إلى مراقي المدنية والعسكرية بالقوات الحميدية، ومراعاته الشعائر الإسلامية ما استطاع إليها سبيلا وأدائه صلاة الجمعة في المسجد، واتخاذه شيخاْ فاضلا ومرشدا معنوياّ بصورة دائمة في قصره. فضلاً عن حسناته الأخرى.
طلاب النور الملازمون للأستاذ، ١٩٥٣.
72-)
حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة
سؤال:
سؤال في منتهى الأهمية، يسألنيه من له علاقة بي، ويرد في نفسي أيضاً، فهو سؤال معنوي ومادي في الوقت نفسه. وهو:
لِمَ تقوم بما لم يقم به أحد من الناس، لمَ لا تلتفت إلى قوى على جانب عظيم من الأهمية، تستطيع ان تعينك في أمورك، فتخالف جميع الناس. بل تظهر استغناءً عنهم؟.
ثم لِمَ ترفض بشدة مقامات معنوية رفيعة يجدك طلاب النور الخواص أهلاً لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلاً عن انها ستقدم خدمات جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟
الجواب:
إن أهل الإيمان - في الوقت الحاضر- محتاجون أشد الحاجة إلى حقيقة جليلة نزيهة بحيث لا يمكن ان تكون وسيلة للوصول إلى شئ، ولا تابعة لأي شئ كان، ولا سلماً للوصول إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أي غرض أو أي قصد كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النزيهة لترشدهم إلى حقائق الإيمان، حفاظاً على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولة الضلالة التي تراكمت شبهاتها منذ ألف سنة.
فانطلاقاً من هذه النقطة فان رسائل النور لا تعبأ بالذين يمدّون لها يد المعاونة سواءً من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم. وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامة وسيلة للوصول إلى غايات دنيوية ولن تكون الا وسيلة خالصة للحياة الخالدة الباقية. لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والريوب المهاجمة على الإيمان.
أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدى أهل الحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تلحق ضرراً بإخلاصكم -حتى لو قبلتها لا يرفضون قبولك لكثرة ما لديهم من حجج وبراهين عليها- الاّ انك ترفض تلك المقامات بغضب وحدّة لا تواضعاً او تجرداً وترفعاً منك، بل حتى تجرح مشاعر إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، فتتجنبها بشدة..! فلماذا؟
الجواب:
كما ان شخصاً غيوراً يضحِّي بنفسه إنقاذاً لحياة أصدقائه، كذلك لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صولة أعداء خطرين، أضحي إذا لزم الأمر وهو يلزم لا بتلك المقامات التي لا استحقها، بل أيضاً بمقامات حقيقية لحياة أبدية. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، الا وهو الشفقة على الخلق.
نعم! ان الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذا الوقت، وبخاصة عند استيلاء الغفلة التي أنشأتها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصر كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، تحاول المقامات الكبيرة دائماً ان تجعل كل شئ أداة طيعة لها، وتستغل كل وسيلة في سبيل غاياتها، حتى تجعل مقدساتها وسيلة لبلوغ مناصب دنيوية. ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالاً أكثر، وتُتخذ وسيلة أكثر طواعية من غيرها؛ لذا يظل دوماً تحت ظل الإتهام، إذ يقول العوام: انه يجعل خدمات مقدسة وحقائق سامية وسائل وسلالم لبلوغ مآربه، حفاظاً على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهل لتلك المقامات.
وهكذا فلئن كان قبول المقامات المعنوية يفيد الشخص والمقام فائدة واحدة فانه يلحق ألف ضرر وضرر بالناس عامة وبالحقائق نفسها بما يصيبها من كساد بسبب الشبهات الواردة.
حاصل الكلام:
ان حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن ان يكون وسيلة إلى كسب شهرة لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.
نعم، انه على الرغم من ان هذا يؤثر تأثيراً سيئاً في خدمة النور، الاّ أنني أرى أن إرشاد عشرة من الناس إرشاد خادم لحقائق الإيمان إرشاداً خالصاً حقيقياً وتعليمهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شئ، أهم من ارشاد ألف من الناس بقطبية عظيمة، لان النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يرون تلك الحقائق أسمى من أي شئ آخر. فيثبتون، ويمكن ان تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة. أما أولئك الألوف، فانهم بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفة وهجومها عليهم، ربما يتفرقون من حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة!
لذا أرجح الإتصاف بالخدمة، على نيل المقامات. حتى أنني قلقتُ ودعوت الله الاّ يصيب شئ - في هذه المرة- ذلك الشخص المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوه من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذاً لخطط وضعها أعدائي. حيث ان المسألة انتشرت بين الناس، فخشيت ان يمنحوني مقاماً، فلربما يعدّون حدوث شئ ما نتيجة كرامةٍ خارقةٍ.
لذا قلت: (يارب اصلح شأن هذا، أو جازه بما يستحقه من دون ان يكون عقاباً يومئ إلى كرامة معنوية).(1) (*)
________________________
(1) الملاحق - أميرداغ 1/265-267
(*) كليات رسائل النور-سيرة ذاتية ص:370
73-)
مطاليب الاستاذ من السلطان عبد الحميد
كانت مطاليب بديع الزمان سعيد النورسي من السلطان عبد الحميد على النحو التالي
أ. إصلاح أوضاع شرقي الأناضول بإنشاء مدرسة الزهراء
ب. إصلاح القصر
«انطلاقاً من مفهوم الحفاظ على مركز الخلافة وهو مركز المسلمين وموضع رابطتهم، والحيلولة دون ضياعه.. وظناً من كون حضرة السلطان عبد الحميد الثاني على استعداد لاسـتيضاح الأمر والندم على أخطائه الاجتماعية السـابقة.. وأخذاً بالقاعدة الجليلة ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء:١٢٨) لتخفيف الأحداث الحالية التي سارت بعنف وبذرت بذور الفتن والاضطرابات، وتحويلها إلى افضل ما يمكن.. لأجل كل ذلك قلت بلسان الجريدة للسلطان السابق ما يأتي:
اجعل قصر يلدز، ذلك النجم المنخسف، جامعة للعلوم ليرتفع إلى الأعالي كالثريا.
وأسكن فيه أهل الحقيقة وملائكة الرحمة بدلاً من السوّاح وزبانية جهنم ليصبح مبهجاً كالجنة.
وأعد إلى الأمة ما أهدته لك من ثروات في القصر بصرفها في إنشاء جامعات دينية لتزيل الجهل الذي هو داء الأمة الوبيل.
ووطّن الثقة بمروءة الأمة ومحبتها، فهي المتكفلة بإدارتكم السلطانية. دع الدنيا قبل أن تدعك واصرف زكاة العمر في سبيل العمر التالي. إنه ينبغي التفكر في الآخرة وحدها بعد هذا العمر».
74-)
تعرض صديق القرآن للّطمة
سؤال:
انك تعد المصائب التي تصيب اخوانك الخواص واصدقاءك تأديباً ربانياً ولطمة عتاب لفتورهم عن خدمة القرآن، بينما الذين يعادون خدمة القرآن ويعادونكم يعيشون في بحبوحة من العيش وفي سلام وأمان. فلمَ يتعرض صديق القرآن للّطمة ولايتعرض عدوه لشئ؟
الجواب:
يقول المثل الحكيم: (الظلم لايدوم والكفر يدوم) فأخطاء العاملين في صفوف خدمة القرآن هي من قبيل الظلم تجاه الخدمة، لذا يتعرضون بسرعة للعقاب ويجازون بالتأديب الرباني، فان كانوا واعين يرجعون الى صوابهم.
أما العدو فان صدوده عن القرآن وعداءه لخدمته انما هو لأجل الضلالة، وان تجاوزه على خدمة القرآن - سواء شعر به أم لم يشعر - انما هو من قبيل الكفر والزندقة، وحيث ان الكفر يدوم، فلا يتلقى معظمهم الصفعات بذات السرعة، اذ كما يعاقب من يرتكب أخطاء طفيفة في القضاء او الناحية، بينما يساق مرتكبو الجرائم الكبيرة الى محاكم الجزاء الكبرى، كذلك الاخطاء الصغيرة والهفوات التي يرتكبها أهلُ الايمان وأصدقاء القرآن يتلقون على إثرها جزاءاً من العقاب بسرعة في الدنيا ليكفّر عن سيئاتهم ويتطهروا منها، أما جرائم أهل الضلالة فهي كبيرة وجسيمة الى حد لاتسع هذه الحياة الدنيا القصيرة عقابهم، فيمهّلون الى عالم البقاء والخلود
والى المحكمة الكبرى لتقتص منهم العدالة الإلهية القصاص العادل، لذا لايلقون غالباً عقابهم في هذه الدنيا.
وفي الحديث الشريف: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (1) اشارة الى هذه الحقيقة التي ذكرناها، أي أن المؤمن ينال نتيجة تقصيراته قسماً من جزائه في الدنيا، فتكون بحقه كأنها مكان جزاء وعقاب، فضلا عن أن الدنيا بالنسبة لما أعده الله له من نعيم الآخرة سجن وعذاب. أما الكفار فلأنهم مخلّدون في النار، ينالون قسماً من ثواب حسناتهم في الدنيا، وتُمهَل سيئاتهم العظيمة الى الآخرة الخالدة، فتكون الدنيا بالنسبة لهم دار نعيم لما يلاقونه من عذاب الآخرة. والا فالمؤمن يجد من النعيم المعنوي في هذه الدنيا ما لايناله أسعد انسان. فهو أسعد بكثير من الكافر من زاوية نظر الحقيقة وكأن ايمان المؤمن بمثابة جنة معنوية في روحه وكفر الكافر يستعر جحيماً في ماهيته.(*)
_____________________
(1) رواه مسلم (برقم 2959) وابن ماجة (4113) والترمذي (2324) واحمد في مسنده (2/485) وكلهم عن ابي هريرة.
(*) كليات رسائل النور- اللمعات ص:78
75-)
عمَ يبحث القران الكريم والرسول الاكرم
القران الكريم والاحاديث الشريفة فيهما حقائق الكون والخلق واسس الحكمة
السؤال :
عمَ يبحث القران الكريم والرسول الاكرم عليه الصلاة والسلام
الجواب :
اعلم!ان القرآن والمنَزل عليه القرآن يبحثان عن مسائل عظيمة، ويثبتان حقائق جسيمة.ويبنيان اساسات واسعة. كامثال
(والارضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه). (2)
(ومَا امْرُ السَّاعة الاَّ كَلَمْحِ البَصَرٍ) (3)
بالنسبة اليه. (وتُسَبحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والارضُ ومَنْ فيهن) (4)
(وخَلَقَ السَّمَواتِ والارْضَ في سِتَةِ اَيَّامِ) (5)
(ويُحْيي الارْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (6)
ويحشر في تلك الاحياء ازيد من ثلاثمائة الف حشر ونشر وقيامات، باحياء انواع النباتات والحيوانات، وكتابتها على صحيفة الارض في نهاية الاختلاط والاشتباك، مع غاية التمييز بلا خبط ولا غلط. مع انّ حشر واحد من تلك القيامات المشهودة ليس بأهون من حشر طائفة الانسان، اذ يزيد عدد طائفة واحدة من طوائف الذباب الذي يوجد في عمر سنة على عدد الانسان في عمر الدنيا.
وهكذا من عظائم المسائل المبرهنة المهمة، فليس نظرهما في الكائنات كنظر الفنون الفلسفية والعقول الانسانية، بل مَثَلهما كمثل من يعرّفك صنعةً لتعريف صانعه، والمصنوعُ في قبضته يقلّبه، ويريك باطنه وصحائفه وتلافيفه وغايات جهازاته عند صانعه، ويعلّمك كتاباً بمعانيه واشاراته.. ومثلُ الانسان وفلسفته كمثل من يعرّفك مصنوعاً بعيداً من يدكما ومن فهمكما - وانما يصل نظركما الى سطحه ولا ينفذ الى باطنه - فيلقمك مسائل سطحية كوساوس شطحية لا تسمن ولا تغني، وكمثل اجنبي أعجمي لا يعرف من العربية كلمةً، لكن له معرفة بمناسبات النقوش والصور، فشرع يعلمك كتاب الفصوص المذهب ببيان مناسبات نقوش الحروف، وكيفية صورها ووضعية بعض الى بعضٍ. وهكذا، من سفاسف واهيةٍ صورية.
فاذا كان هذا هكذا؛ فلا تجعل مقاييس العلوم الانسانية محكاً لحقائقهما، ولا تزنهما بميزانها؛ اذ لا توزن الجبال الراسيات، بميزان الجواهر النادرات، ولا تطلب تزكيتهما بها بجعل دساتيرها الارضية، مصداقاً على تلك النواميس السماوية. فلا تظنن التزلزل بتحريك الاهواء الضالة لبعض التفرعات الجزئية، فاهمية الشئ بقدر قيمته.(*)
الجواب: نعم تتأثر حسب درجاتها، كما تتأثر الملائكة تأثراً خاصاً بهم بالتجليات القهرية، اذ كما لو إطّلع من كان في مكان دافئ على اناس يرتجفون في الثلوج يتأثر
ويتألم لحالهم لما يحمل من عقل ووجدان، كذلك الارواح الباقية التي لها شعور ذات علاقة مع الكون، تتأثر بالحوادث العظيمة التي تجري فيه. كلٌ حسب درجته، والاشارات القرآنية تبين تأثر الارواح بألم ان كانت من اهل العذاب، وإن كانت من اهل السعادة فانها تتأثر بالاستحسان والإعجاب، بل بنوع من الاستبشار. ولما كان القرآن الحكيم يذكر عجائب اهوال القيامة في اسلوب تهديد وزجر قائلاً : (لَتَرونّها)بينما الذين سيرون تلك الاهوال بأجسامهم الانسانية هم الذين يبلغون قيام الساعة من الناس، اذن الارواح التي رُمّت اجسادها في القبور لها نصيبها من هذا التهديد القرآني ايضاً. (*)
_______________________________
(*) المكتوبات /المكتوب الخامس عشر - ص: 73
77-)
اهمية الاخرة للاطفال
السؤال :
اهمية الاخرة للاطفال ؟
الجواب :
ان الاطفال الذين يمثلون نصف البشرية، لايمكنهم ان يتحملوا تلك الحالة التي تبدو مؤلمةً ومفجعةً للموت والوفاة إلاّ بما يجدونه في انفسهم وكيانهم الرقيق اللطيف من القوة المعنوية الناشئة من "الايمان بالجنة". ذلك الايمان الذي يفتح باب الامل المشرق امام طبائعهم الرقيقة التي لاتتمكن من المقاومة والصمود وتبكي لأدنى سبب. فيتمكنون به من العيش بهناء وفرح وسرور. فيحاور الطفل المؤمن بالجنة نفسه : "ان اخي الصغير او صديقي الحبيب الذي توفي، أصبح الآن طيراً من طيور الجنة، فهو اذن يسرح من الجنة حيث يشاء، ويعيش أفضل وأهنأ من". وإلاّ فلولا هذا الايمان بالجنة لهدم الموت الذي يصيب أطفالاً امثاله - وكذلك الكبار - تلك القوة المعنوية
لاولئك الذين لاحيلة لهم ولاقوة، ولحطّم نفسياتهم، ولدمّر حياتهم ونغّصها، فتبكي عندئذٍ جميع جوارحهم ولطائفهم من روح وقلب وعقل مع بكاء عيونهم. فاما أن تموت احاسيسهم وتغلظ مشاعرهم او يصبحوا كالحيوانات الضالة التعسة.(*)
______________________________
(*) الشعاع التاسع - ص: 228
78-)
ﺗﺪﺍﻋﻲ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﺎﺕ ﺍﻟﻮﺳﺎﻭﺱ ﻭﺍﻟﺸﺒﻬﺎﺕ
السؤال:
هل الإنسان مسؤول عن ﺗﺪﺍﻋﻲ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﺎﺕ، ﻭﺗﺨﻄّﺮ ﺍﻟﻔﺮﺿﻴﺎﺕ التي هي ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﺴﺎﻡٍ ﻏﻴﺮ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻱ؟