Most Read in the Category of اسئلة رسائل النور

1-) الفرق بين "السؤال" و"الدعاء" في الكلمة السابعة 

معنى السؤال والدعاء:

"السؤال" يعني: الطلب، الرجاء، والبحث عن شيء. ومن هذه الناحية فهو مشابه في المعنى للدعاء، لأن جوهر السؤال هو طلب العون وطلب شيء من أحد.
  مثال على ذلك:
  جوع المعدة واحتياجها الشديد للطعام هو نوع من السؤال،
  وإرسال الله لهذا الطعام هو جواب لهذا السؤال.

- الفرق في المعنى الدقيق:

" السؤال " يميل إلى أن يكون " طلبًا فطريًا أو فعليًا "، يظهر من حاجة أو حالة.
 أما  " الدعاء" فهو طلب لفظي أو قلبي مباشر إلى الله ، يصحبه توجه وإلحاح معنوي.

الإنسان والسؤال والدعاء:

الإنسان كائن ضعيف وعاجز جدًا، لا يستطيع إنجاز شيء بذاته،
  ورأسماله الوحيد هو الإرادة الجزئية ،
  وهي عاجزة عن الخلق أو التنفيذ بذاتها.
  فالله خلق الإنسان بهذه الصورة ليكون مرآةً لأسماء الله وصفاته.

 الإنسان بفقره وضعفه يتجه إلى الله الغني القادر، فيطلب منه كل شيء.
  كما أنه بحاجته لرغيف الخبز، محتاج للشمس والهواء والماء من أجل نشوء هذا الرغيف،
  وهذا الاحتياج يجعله يشعر بوجود الله ووحدانيته،
  ويقوده إلى العبادة والتوجه إليه بالدعاء والسؤال.

 الإنسان مرآة لأسماء الله:

 خُلق الإنسان بقدرة عظيمة على التوجه بالدعاء وطلب الحاجات،
  فصار أوسع الكائنات استعدادًا ليكون مرآة لتجليات أسماء الله وصفاته.

 بهذا الاستعداد، يستطيع أن يقرأ معاني أسماء الله، ويفهم آثارها في الكون،
  ويُصبح مخاطبًا لله على وجه واسع.
  في نظر الإنسان، الكون كله يتحول إلى مائدة أو كتاب مفتوح.

 وكل شعور في الإنسان هو نافذة مفتوحة على مائدة الكون ليستفيد منها،
  فمثلاً:
  العين تستفيد من الأشياء المرئية،
  والعقل والخيال يمتدان ليشمل تفكيرهما الماضي والمستقبل.


 


2-) ما الحكمة من قول "بسم الله" عند الأعمال البسيطة

البسملة لا تعني فقط الاعتماد على الله والثقة به، بل تتضمن أيضًا معاني الشكر والذكر والتفكر، وهي كلها من وظائف العبودية. ولهذا، عندما يذكر الإنسان بسم الله في كل لحظة من لحظاته، فإنه يكون قد قام بعدة عبادات دفعة واحدة.

ثم إن تناول الطعام ليس بالأمر البسيط كما يُظن. فإذا تأملنا جيدًا، فإن مجرد حركة بسيطة من الذراع تحتاج إلى عمل منظم ومعقد تقوم به العظام والعضلات والخلايا، بالإضافة إلى أن كل الجسم يتفاعل معها، والجسم نفسه على ارتباط شامل بالكون كله ليؤدي وظيفته.

كما قيل:(  المسمار ينقذ الحدوة والحدوة تنقذ الحصان والحصان ينقذ الفارس والفارس ينقذ أمة)
وهذا المثل ينطبق أيضًا على حركاتنا التي نراها بسيطة.

فعلى سبيل المثال: حتى يرى الإنسان شيئًا بعينه، يجب أن يعمل النظام الشمسي بأكمله بتناسق؛ لأن الرؤية لا تتم من دون ضوء الشمس. إذن، النظر ليس فعلًا بسيطًا، بل يعتمد على قدرة الله المطلقة وإرادته الشاملة...

الخلاصة:
حتى أبسط الأفعال في ظاهرها، مثل الأكل أو النظر، ما هي إلا نتائج لتسخير كوني دقيق، وعندما يبدأ العبد ببسم الله في كل عمل، فإنه يعترف ضِمنًا بهذا التسخير الإلهي ويؤدي شكرًا وعبادة لله عز وجل.


3-) هل المسلم لا يعمل في أمور الدنيا؟ هل يقضي عمره كله في العبادة فقط؟

العبادات الأساسية مثل الصلاة والصيام، هي بمثابة الخميرة والأساس لحياة مستقيمة ومتزنة للمؤمن. ولكن الحياة التعبدية لا تقتصر فقط على هذه العبادات الظاهرة.

فالنظر إلى الأشياء بمعناها الإشاري (الرباني)، أي النظر إليها من جهة علاقتها بالله، هو عبادة.
وكذلك، كل عمل أو جهد يُبذل بنية طلب رضا الله يُعتبر عبادة أيضًا.
ومن هذا المنظور، لا يوجد انفصال بين الدنيا والآخرة:

  • فالصلاة التي تُؤدّى رياءً لا تُعد عملًا أخرويًا،
  • كما أن دراسة الفيزياء أو الكيمياء بنية طلب مرضاة الله ليست من أعمال الدنيا فقط، بل تُعتبر عبادة.

وقد ورد في "الكلمة الرابعة" من رسائل النور:
" وفوق ذلك فإن سائر أعمال المصلي الدنيوية المباحة ستكون له بمثابة عبادة لله، وذلك بالنية الصالحة"(1).

فكل ما يُفعل لنُصرة اسم الله ورفع شأنه يُعد عبادة.
فإذا كان للمرء قدرة وطاقة، وسخّرها في خدمة الإسلام والمسلمين، وسعى ليلًا ونهارًا، فإن كل ذلك يُحسب له من العبادة.

ويقول الأستاذ بديع الزمان النورسي في هذا المعنى عبارة مختصرة جامعة:
" الذي يقيم الصلاة دون أن ينسى نصيبَه من الرزق، يبحث عنه في مطبخ رحمة الرزاق الكريم، لئلا يكون عالةً على الآخرين فجميل عملُه، بل هو رجولة وشهامة، وهو ضرب من العبادة أيضا "(2).

 

_______________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة
  2. كليات رسائل النور - الكلمة الخامسة

 

 


4-) في "الكلمة السادسة"، إلى ماذا تشير الرموز مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات  وهل يمكنكم إعطاؤنا معلومات عن وجهها الذي يخصّنا؟ الجواب:

يفسّر الأستاذ -رحمه الله- هذا التمثيل ويفتح معانيه في سياق الموضوع بقوله:
" وتلك المزرعة والمكائن والآلات والموازين هي ما تملكينه في الحياة الدنيا من جسم وروح وقلب، وما فيها من سمع وبصر وعقل وخيال، أي جميع الحواس الظاهرة والباطنة." (1)

فالرموز المذكورة في التمثيل مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات، ترمز إلى اللطائف مثل العقل، والقلب، والوجدان، والمشاعر مثل المحبة، والخوف، والأعضاء مثل العين، والأذن.

والأصل أن تُستخدم هذه الأمانات في سبيل رضا الله، وأن يكون الإنسان خليفةً أمينًا في ذلك. أما استخدامها في الاتجاه المعاكس، فيُعد خيانةً للأمانة.

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السادسة ص:22.

 


5-) شرح قول الاستاذ: وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين....

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله:

" كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد. ولم يكن ليفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، حيث إنه أدرك يقينا أن إعاشتَه ورعايةَ شؤونه وتزويدَه بالعتاد، بل حتى مداواته إذا تمرض، بل حتى وضع اللقمة -إذا احتاج الأمر- في فمه، إنما هو من واجب الدولة. وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين، وحتى في هذه الأثناء لو سُئل: «ماذا تفعل؟» لقال: «إنما أقوم ببعض واجبات الدولة تطوّعا»، ولا يجيب: «إنني أسعى لأجل كسب لوازم العيش » "(1)

التفسير:

في هذا التمثيل، يشير الطهي وغسل المواعين إلى سعي الإنسان في طلب الرزق والعمل لكسب المعاش.

وكما أن رزق الجندي ومؤونته مضمونة من قبل الدولة، فإن رزق الإنسان في هذه "الثكنة الدنيوية" هو من ضمان الله سبحانه وتعالى. لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يقلق بشأن رزقه.

فلو أن جنديًا فقد الثقة بدولته، وانشغل بالقلق على قوته، وترك تدريبه وجهاده، بل وراح يتسوّل، فهل يكون عاقلاً؟ لا، بل يتهم الدولة ضمنًا بالتقصير.

وبالمثل، فإن الإنسان إذا ترك عبادته واهتمامه بآخرته، وركز فقط على تحصيل الرزق الدنيوي، فهو بذلك يتهم ربه ويتطاول على القدر – والعياذ بالله.

تقسيم الوظائف في هذا المثال:

في هذا التمثيل، يُبيّن الأستاذ أن للجندي وظيفتين:

  1. الوظيفة التي تخص الحاكم أو الدولة: وهي تأمين معيشة الجندي، من طعام ولباس وسلاح.
    • ويمكن أن تُكلِّف الدولة الجندي بأعمال بسيطة من ضمن هذه الأمور، مثل تنظيف الأواني أو تجهيز الطعام، لكنها تبقى ليست من صلب وظيفته.
    • لذا فإنها تُعتبر "أعمالًا إضافية" (تطوعية) أي بلا مقابل مباشر، ومجرد تكليف لخدمة عامة.
  2. الوظيفة التي تخص الجندي نفسه: وهي التدريب والجهاد، أي القيام بمهمته الأصلية في حماية الدين والوطن.

ولهذا يقول النورسي: " مثلُك كمثل نفرِ عسكرٍ له وظيفة أصلية هي التعليم المخصوص، والحرب والجهاد، والسلطان مُعينُه في هذه الوظيفة بإحضارلوازماتها، ولسلطانه وظيفةٌ مخصوصة هي إعطاء أرزاق ذلك النفر وتعييناته ولباسه حتى دوائه.... فالنفر المشتغل بالتجارة لتَدارُك رزقه جاهلٌ شقيّ يُزيَّف ويؤدّب.. والتارك للتعليم والجهاد خائن عصيّ يُضرَب ويُعنَّف "(2)


_____________
(1) كليات رسائل النور- الكلمة الخامسة ص:18.
(2) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري - شما ص:372.

 

 


6-) كيف نفهم استخدام صيغة الماضي في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ ...}

يقول الله تعالى في سورة الأعراف (172):
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ }

وقد فُسّرت هذه الآية الكريمة بوجه عام على أن الله تعالى خلق الأرواح في عالم "الذر" أو "الأرواح"، وأشهدها على ربوبيته، وأخذ منها الميثاق. وقال بعض المفسرين إن هذا الخطاب يتوجه بشكل دائم إلى الأجنة في أرحام أمهاتهم، ويُؤخذ منهم هذا العهد هناك.

وبناءً على هذه الآية وتفاسيرها، فإن من كان من المؤمنين قد وفى بهذا العهد، فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه.

قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النوسي :
" نعم، إن الصور الذي هو بوق إسرافيل عليه السلام، ليس قاصرا عن البوق العسكري، كما أن طاعةَ الأرواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بـ ﴿ قَالُوا بَلٰى ﴾ (الأعراف:١٧٢)
عندما سمعت نداء ﴿ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (الأعراف:١٧٢) المُقبل من أعماق الأزل، ونظامَها يفوق بلا شك أضعاف أضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم.. "(1)

فالله عز وجل، لأن علمه أزلي، يرى الماضي والحاضر والمستقبل كشيء واحد، أي أن الزمن لا يُقسَّم لديه إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل كل شيء مكشوف عنده في وقتٍ واحد. لذلك فإن صيَغ الزمن في القرآن الكريم لا تُفهم بالنسبة إلى الله، بل بالنسبة إلى الإنسان، فالإنسان هو المقيَّد بالزمن.

وبما أن الله يعلم أزلاً من سيبيع نفسه وماله في سبيله ويستحق الجنة، فإنه يُخاطب بصيغة الماضي، وكأن ذلك قد وقع فعلاً. أما نحن، بسبب وجودنا في "نفق الزمن"، فإننا ننظر إلى هذا الحدث على أنه مستقبلي، أي من الغيب.

خلاصة القول:
استخدام الله لصيغة الماضي في هذه الآية إشارة إلى أزلية علمه، وأن ما سيكون، هو عنده بمنزلة ما كان.

 

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة ص:121.

 

 


7-) الأستاذ النورسي يتحدث أحيانًا بلغة عسكرية. فكيف يمكننا أن نؤمن بالله من خلال هذه اللغة؟

قال الأستاذ النورسي رحمه الله:" أرى أن أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو ذلك الذي يتلقى الدنيا مضيفَ جندية ويذعن أنها هكذا، ويعمل وفق ذلك. فهو بهذا التلقي يتمكن من أن ينال أعظمَ مرتبة ويحظى بها بسرعة، تلك هي مرتبةُ رضى الله سبحانه، إذ لا يمنح قيمةَ الألماس الثمينة الباقية لقِطع زجاجية تافهة، بل يجعل حياتَه تمضي بهناء واستقامة."(1)

كما هو واضح هنا، فإن أسعد إنسان هو من يعتبر هذه الدنيا معسكرًا مؤقتًا، ويعتبر نفسه جنديًا فيه. وعندما نتحدث عن "الجندية"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو "الطاعة المطلقة للأوامر".

فكما أن لكل مخلوق وظيفة، فإن وظيفة الجندي الأساسية هي "التدريب والانضباط". وإذا انشغل الجندي بأعمال خارج مهمته الأساسية، فإنه يُهمِل وظيفته الحقيقية.

وكما أن الجندي مُلزَم بطاعة قوانين الجيش، فإن العبد أيضًا مُلزَم بطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.

وعندما يقول الجندي: "بندقيتي"، أو "حزامي"، فهو يقصد تمييز أدواته عن أدوات بقية الجنود، لكنها في الحقيقة ليست ملكًا له، بل هي أمانة مُعطاة له. فإن استخدم بندقيته في غير موضعها، أو أضاعها أو كسرها، يُعدّ خائنًا للأمانة ويُعاقب على ذلك. وعند تسريحه من الخدمة، يجب عليه أن يُسلّم جميع الأمانات المسجلة عليه.

وبالمثل، فإن كل الحواس والمواهب والأعضاء التي مُنحت للإنسان هي أمانات، ولا يحق له استخدامها كما يشاء.

 

____________
(1) كليات رسائل النور- المكتوب التاسع

 

 


8-) ما هي البسملة

أفضل من فسّر البسملة بأسلوب شامل وعميق هو أستاذنا بدیع الزمان النورسي في "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة – المقام الثاني". فإذا تأملنا هذه الرسائل بعناية، نُدرك بإذن الله عمق ومعنى البسملة.
البسملة تعني: أن يبدأ المؤمن كل عملٍ باسم الله، لأنها تعني التحرك باسم الله. ولهذا السبب، بدأ الله كتابه الكريم بهذه الآية المباركة، ليُعلِّم الإنسان هذا المعنى العظيم.
فالبسملة هي رابطة مقدسة بين العبد وربه، ومن خلال هذه الرابطة، يستمد الإنسان قوة لا نهائية من قدرة الله ورحمته.
كلمة "بسم الله" هي رمز يُشير إلى يد الله التي تدير وتُصرّف كل ما في الوجود. أي أن زمام كل شيء وتصرّفه بيده سبحانه. وكل الأسباب ليست سوى ستائر وحجج ظاهرية خلفها الفعل الإلهي. فإذا فهمنا هذا المعنى وارتبطنا بالله إيمانيًا، نرتاح من أثقال الوجود ونشعر براحة روحية عظيمة.
لكن، إذا نسبنا الأحداث إلى الأسباب وظننا أنفسنا خارج تدبير الله وتربيته، فعندئذ تصبح كل الأمور عبئًا على ظهورنا، وتتحوّل الأحداث إلى مصدر ضغط نفسي، وتصبح الحياة كأنها سجن ومصدر ألم.
فالوجود يعلن بلغة الحال أنه تحت تصرف وإرادة الله. ونحن يجب أن ننسجم مع هذا النداء الكوني بالإيمان والانتماء، وإلا نكون قد تحركنا عكس تيار الكون.
قدرة الله وبركته تعمل في الكون سواء آمنا أو لم نؤمن، لكن المهم هو أن نُدرك ونعترف بهذه القدرة الإلهية بالإيمان.
وعندما نُدرك معنى "بسم الله" عن طريق الإيمان، تتحول إلى قوة روحية وبركة لنا. فنكون قد انسجمنا مع الحقيقة، ونحصل على تسهيل مادي ومعنوي في كل أمورنا.
وقد روي [ أوحى الله تعالى إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك]
فتأخذ الكائنات وضعها وسلوكها بحسب حالتنا الروحية. فالنار أصبحت بردًا وسلامًا على إبراهيم عليه السلام، والحوت أصبح وسيلة نجاة ليونس عليه السلام، والبقرة والنحلة مسخرتان لخدمة الإنسان، وهذه أمثلة على ذلك...
 


9-) في "الكلمة الرابعة"، لماذا استُخدمت تعبيرات زمنية مثل "شهران (للمزرعة)" و**"يوم واحد (للمحطة)"**؟ لماذا لم يُقل مثلًا "يومان" بدلًا من "يوم"، أو "أربعة أشهر" بدلًا من "شهرين"؟

في العبارة:" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "(1)  يُشار إلى أن العمر كله يُقدّر بيوم واحد، بينما المسافة إلى المزرعة الجميلة (أي الجنة) تُقدَّر بشهرين.

الفرق الزمني بين "يوم" و"شهرين" يُمثّل جميع المراحل التي تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، مثل: القبر، المحشر، الموقف، الميزان، والصراط.

المقصود الأساسي من هذا التصوير الزمني ليس تحديد مدة دقيقة، بل التنبيه إلى أن الحياة الدنيا قصيرة جدًا مقارنة بالحياة الأبدية، وأن الإنسان يجب أن يستعد لتلك الرحلة الطويلة.

ولو قيل "أربعة أشهر" بدلاً من "شهرين"، لكان من الممكن أن يُسأل: ولماذا لم تُقل "ثمانية"؟ وهذا لا نهاية له. فمثل هذه التعابير لا ينبغي التوقف عند الأرقام نفسها، بل ينبغي التأمل في المعنى الذي تشير إليه تلك الأرقام.

___________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة.

 

 


10-) هل يمكنكم شرح العبارة التالية: " فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"

هل يمكنكم شرح العبارة التالية:
" فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"
الجواب:

هذه العبارة التي قالها الأستاذ النورسي (رحمه الله)، تُشير إلى رجاء العبد في رحمة الله ومغفرته، وأن الله تعالى كريمٌ وغفورٌ، وقد يعفو عن عبده ويغفر له ما اقترف من الذنوب، خاصة إن أقبل العبد على الصلاة والتوبة.
العبارة تعني باختصار:
"سيدُنا – أي الله تعالى – كريم، وقد يعفو برحمته عن ذنبك، فلا تيأس من رحمته".
هذه الفكرة مستندة إلى عدة أحاديث نبوية تُبيّن أن الصلاة من أعظم الأسباب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.
بعض الأحاديث التي تدعم هذا المعنى:
- عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إن المسلم إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه ، كما تحات هذا الورق ، ثم تلا هذه الآية:{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}(هود:114) .]

- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا ]
- وفي حديث آخر عنه أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم:[ ألا أدلُّكُم على ما يَمحو اللَّهُ بهِ الذُّنوبَ ويرفعُ الدَّرجاتِ قالوا بلى يا رسولَ اللَّهِ قال إِسباغُ الوضوءِ على المَكارِه وَكثرةُ الخُطا إلى المسجِدِ وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ فذلِكَ الرِّباطُ ثلاثَ مرَّاتٍ]
- وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ ما من امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبةٌ ، فيُحسِنُ وَ ضوءَها و خشوعَها و ركوعَها ، إلا كانت كفارةً لما قبلَها من الذنوبِ ، ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ ، و ذلك الدَّهرَ كلَّه ]

النتيجة:
العبارة التي قالها الأستاذ النورسي تُظهر رجاء العبد في كرم الله ومغفرته، وتدلّ على أن العبد لا ينبغي له أن يقنط من رحمة الله، بل عليه أن يُقبل على الصلاة والطاعة، فإن الله كريمٌ رحيمٌ، ويغفر الذنوب لمن تاب وأناب. والله غفور رحيم.

 


 


11-) " إقامة الصلاة واجتناب الكبائر وظيفة حقيقية تليق بالإنسان ونتيجة فطرية ملائمة مع خلقته!" وفقًا لهذا التعبير، هل تُعدّ أمور الدنيا مهامًا غير حقيقية؟

لقد خُلق الإنسان في هذه الدنيا من أجل الإيمان، والمعرفة، والعبادة؛ لذا لا ينبغي له أن يُهمل وظيفته الأساسية، ولا أن يتخذ الدنيا غاية له. فأمور الدنيا تكون خيّرة ما دامت في سبيل الآخرة، أما إن لم تكن كذلك، فهي تُعدّ تَرْكًا للوظيفة الحقيقية. ويجب ألا ننسى أن مشاغل الدنيا مؤقتة وزائلة. فلو شاء الله، لأغدق علينا نعمه دون وسائط أو أسباب.

فإن كانت أمور الدنيا تُنسي الإنسان عبوديته لله، فإنها تصبح عدوًا له. أما إن لم تكن تشكّل عائقًا أمام أداء العبودية، فإن كل هذه الأمور تُعتبر عبادة ويُكتب أجرها في ميزان الآخرة.

فمثلًا، إذا كان عامل البناء يُؤدي صلواته في وقتها أثناء عمله اليومي، فإن جهده وعمله في البناء يُعدّ عبادة ويُكتب له في حساب الآخرة.

الإسلام يحثّ على العمل كي لا يكون الإنسان عالة على غيره، ويشجع على الغنى لأداء الزكاة. لذا يجب أداء واجب العبودية جنبًا إلى جنب مع الانشغال بأمور الدنيا. فلا ينبغي أن نُهمِل الآخرة من أجل الدنيا، ولا أن نترك الدنيا والسعي فيها. فإذا أُهمِلَت العبادات وتُركت وظيفة العبودية، فإن الانشغال وحده بأمور الدنيا لا يُعدّ عبادة.

نتيجة الخَلْق تعني غاية الخلق، وسببه، وهدفه. فمثلًا، نتيجة خلق الشمس هي أن تمنح الحرارة والنور لهذا العالم الذي يُعبد فيه الله. ونتيجة خلق النحلة هي صنع العسل في هذا العالم المخصص للعبادة. لأن العبادة إذا انقطعت كليًا، ستقوم الساعة وتنتهي مهام هذه المخلوقات أيضًا.

فجميع المخلوقات، الحية وغير الحية، لها غاية من خلقها ونتيجة من وجودها.

قال الله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }(الذاريات: 56)

بهذا الأمر الإلهي، بيّن ربّنا سبب خلق الجنّ والإنس.

فكما أن نتيجة خلق الغيوم هي المطر، ونتيجة خلق دودة القز هي الحرير، ونتيجة خلق الأشجار هي الثمار، فإن نتيجة خلق الإنسان هي: الإيمان، والمعرفة، والعبادة، والدعاء، والذكر، والتفكر.

 

 


12-) لماذا نبدأ الصلاة بالتكبير لا بالبسملة

في بعض العبادات والحالات، قد تأتي البسملة في المرتبة الثانية أو الثالثة، وهذا لا يناقض القاعدة القائلة: "بسم الله هي بداية كل خير". فهذه العبارة تُستخدم بمعناها العام والأغلب، وليست شرطًا يجب الالتزام به حرفيًا في كل مقام.

بدء الصلاة بالتكبير فرض. والتكبير، والتسبيح، والتحميد هي خلاصة وجوهر القرآن والصلاة. والبسملة تأتي ضمن هذا السياق.
فـنبدأ بالتكبير فدعاء الاستفتاح ، ثم تأتي البسملة، وبعدها أول آية من الفاتحة وبهذا يتحقق التناسق الكامل في افتتاح الصلاة.


13-) في بداية "الكلمة الرابعة"، يُستخدم وصف "أبله" (أي مجنون أو أحمق) للشخص الذي لا يُصلي. فما الذي ينبغي أن نفهمه من هذا التعبير؟

كلمة "أبله" تُطلق على الأشخاص الذين بلغ بهم السفه وانعدام التفكير السليم إلى درجة لا يستطيعون فيها التمييز بين ما هو ضار وما هو نافع لهم.

فعلى سبيل المثال، من يستبدل ألماسة تساوي مليارات الليرات بقطعة زجاج مكسورة ورخيصة، فهذا إنسان لا يعرف ما هو الخير أو النفع لنفسه، ومثل هذا الشخص يُعدّ أبلهاً (أي فاقدًا للعقل).

ومثال آخر:
"تخيّل موظفًا أُعطي 24 ليرة كمصاريف سفر لزيارة عدة مناطق، فأنفق 23 ليرة منها في أول منطقة دخلها. ماذا سيفعل في المناطق الأخرى؟ وماذا سيقول للحكومة عند عودته؟ هل يمكن لعاقل أن يصف هذا التصرف بأنه تصرف حكيم؟"

 

 

 


14-) علاقة الإيمان بالغيب وكون الإيمان فيه الشعور بالأمان

التفسير ينقسم إلى قسمين: تفسير لفظي وتفسير إشاري.
في التفسير اللفظي، يتم التركيز على الشكل اللفظي للآية ومعانيها المباشرة.
أما في التفسير الإشاري، فيُسلَّط الضوء على المعاني العميقة والدقيقة التي لا يفهمها الجميع، ولهذا قد يبدو أحيانًا أن هذه التفسيرات بعيدة عن ظاهر الآية. ولكن في الحقيقة، هناك علاقة لطيفة ونورانية تربط بينهما.

قال تعالى:{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}(البقرة:3)
أي: "أولئك المتقون الذين يؤمنون بالله وما أخبر به، رغم أنهم لا يرونه."

في "الكلمة الثانية"، يتم بإيجاز عقد مقارنة بين نظرة المؤمنين و نظرة الكافرين إلى الحياة. ويُبيَّن أن الحياة في الجنة يمكن للإنسان أن يذوقها في الدنيا، من خلال الإيمان بالغيب.

كذلك، فإن أبرز وأوضح معنى في "الكلمة الثانية" هو تأثير الإيمان بالغيب في حياة الإنسان، وما يمنحه له من سعادة وطمأنينة.
ولذلك، هناك علاقة وثيقة جدًا بين الآية :{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} التي في بداية "الكلمة الثانية" ومحتواها.


15-) في "الكلمة الرابعة"، وردت عبارات مثل "بُعد شهرين، و بُعد يوم واحد"، فما معنى هذه المفاهيم؟ وكم تكون مدة عالم البرزخ بحسب ذلك؟

ما يُعرف بـ عالم البرزخ، أي حياة القبر، ينتهي عند قيام الساعة وبدء البعث الثاني.

بعد ذلك تأتي مراحل: المحشر، الصراط، الجنة، والنار، وهذه المراحل قد تطول أو تقصر تبعًا لأعمال كل إنسان. فبحسب العمل، تكون الرحلة إما طويلة أو قصيرة.

العبارة التي استخدمها الأستاذ النورسي – " بُعد شهرين" – تشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي بالجنة أو النار. وفي هذه الرحلة الطويلة، تُعد الحياة الدنيا أقصر مراحلها، وهي – في المتوسط – لا تتجاوز ستين سنة.

عندما يقول الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا مجازيًا يُبرز أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تُعدّ إلا كأنها يوم واحد في سياق الرحلة الأبدية. فلا يُفهم من كلامه أن "تبقى شهرًا بعد يوم"، بل المقصود هو النسبة بين قِصر الدنيا وطول الآخرة.

وبالتالي، فإن حياة البرزخ (القبر)، ويوم الحساب (المحشر)، ومرحلة الصراط، يمكن أن تُختصر وتُخفف عن الإنسان بفضل الصلاة، التي هي من أعظم الوسائل لذلك.

 

 

 


16-) في "الكلمة الخامسة"؛ هل المقصود بـ "الكبائر" في عبارة "إقامة الصلاة واجتناب الكبائر " هو "السبع الموبقات" فقط؟

نظرًا لعدم ذكر عبارة "السبع الموبقات" تحديدًا في هذا الموضع، فإن تفسير العبارة لتشمل جميع الكبائر يكون أقرب إلى الصواب. إذ أن هناك كثيرًا من الذنوب الكبيرة غير محصورة في السبع الموبقات فقط.

وقد بيّن أستاذنا النورسي رحمه الله معنى الكبائر (الكبائر السبع) على النحو التالي:

" وتسألون أيضا في رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة الرحم) والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين. "(1)

وقد قال أستاذنا النورسي أيضًا: في هذا الزمان الذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله.
وهذا تشخيص واقعي تمامًا يتوافق مع ظروف هذا العصر الخطير. فمن يبتعد عن السبع الكبائر، ويؤدي ما فرضه الله عليه، فإننا نرجو أن يحافظ على إيمانه، إن شاء الله.

وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

{ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا }(النساء: 31)

 

_____________
(1) كليات رسائل النور- ملحق  بارلا(ص:82).

 

 


17-) شرح قول الاستاذ: " الآن نحن في ساعة طرب " في الكلمة السابعة

عبارة "نحن في ساعة طرب وانس ومتعة" تُعبّر عن **فكرة اللهو والمرح والتمتع، وهي تمثّل ذهنية تقول:

 "الإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة، وهذه الفرصة لن تتكرر، فاستمتع بحياتك واغتنم كل لحظة."

وهذه النظرة تُشبه عقلية الحيوان الذي يأكل ويشرب ويلهو فقط، وهي ناتجة عن:

- الجهل بغاية الخلق،
- عدم القيام بوظيفة العبودية،
- التغافل عن الضعف والفقر الذاتي،
- الانقياد وراء الأهواء والشهوات.

لكن الحقيقة، كما يُبينها بديع الزمان، أن هذه الدنيا ليست دار لهو ومرح.

" فالإنسان إذن لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادةَ حياةٍ أبدية دائمة بما يُسّر له من سبُل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فإذا انعدم المرضُ، وقع الإنسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوةً خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيان الآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأسَ مال عمره الثمين هباءً منثوراً .."(1)
______________
(1) كليات رسائل النور-اللمعة الخامسة والعشرون  ص:317

 

 


 


18-) ما هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله "الكلمة الثانية"؟

"الكلمة الثانية" تتناول بشكل عام مقارنة بين نظرة المؤمنين ونظرة المنكرين (الكافرين) إلى الكون والوقائع. أغلب أجزاء رسائل النور تدور حول هذا المحور.

كما تُعد "الكلمة الثانية" شرحًا وإثباتًا لإمكانية أن يعيش الإنسان حياة الجنة حتى في هذه الدنيا.

"إن كنتَ تريد أن تعرف مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع إلى هذه الحكاية القصيرة" (1)

فالمؤمن، بنور الإيمان، يفسّر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولذلك يرى كل شيء جميلًا ومباركًا.
أما الكافر، فينظر إلى كل شيء من خلال منظارالكفر، فينكر ويسيء الظن، ولذلك يرى كل شيء قبيحًا وتعيسًا. هذه هي خلاصة "الكلمة الثانية"، وقد تم شرح هذه المعاني في مواضع كثيرة من رسائل النور.

 

___________

(1) الكلمات، الكلمة الثانية


19-) جدول توضيحي للحكاية التمثيلية في الكلمة الثالثة

لكي نفهم الحقائق التي تُعرض في شكل تمثيلي، لا بد من فهم التمثيل نفسه بشكل جيد.
ولأجل فهم هذا التمثيل بشكل كامل، فإن إنشاء جدول مقارن يُعد وسيلة فعّالة.

وها نحن نعرض القصة التمثيلية في "الكلمة الثالثة" على شكل جدولين توضيحيين، كما يلي:

ما هي العبادة؟ أما الفسق والفجور فيؤديان إلى:
تجارة عظيمة السعادة      الخسران       الهلاك

 

الجدول المقارن لتمثيل القصة:

تسلَّم جنديان اثنان - ذات يوم - أمرا بالذهاب إلى مدينة بعيدة، فسافرا معا إلى أن وصلا مفرق طريقين

الطريق الأيمن الطريق الأيسر
لا ضرر فيه لا منفعة فيه
تسعة من كل عشرة يربحون ويستريحون تسعة من كل عشرة يخسرون
الطريقان متساويان الطريقان متساويان في الطول والقِصر
طريق منظم تحت النظام العسكري طريق فوضوي بلا قانون ولا نظام
لمسافر يحمل حقيبة وزنها أربع أوقيات المسافر يمشي بدون حقيبة
يحمل سلاحًا حكوميًا وزنه أوقيتان يمشي بلا سلاح
حمل ظاهري، لكن في الحقيقة راحة عظيمة راحة ظاهرية وخفة كاذبة
لا يخاف أحدًا، لا يستعطي من أحد،
ولا يرتجف من شيء
يرزح تحت مخاوف لا تنتهي، يستعطي الناس،
ويرتجف من كل شيء
ينال مكافأة عظيمة في نهاية الطريق يُعاقب كعاصٍ فارّ

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية:

المعنى الحقيقي الرمز
طريق الحياة؛ يبدأ من عالم الأرواح، يمر بالقبر، وينتهي بالآخرة الطريق
من يطيع أوامر الله ويسلك طريق العبادة        الذاهب في الطريق اليميني        
العاصي الذي يتبع شهواته وأهواءه الذاهب في الطريق اليساري
العبادة والتقوى الحقيبة والسلاح

 

 


20-) " يخرج الخادمان بعد تسلّمهما الأوامر. كان أحدهما سعيدا محظوظا، إذ صرف شيئا يسيرا مما لديه لحين وصوله المحطة، صرفَه في تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه، فارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف "  هل يمكنكم شرح هذه العبارة؟

الأستاذ النورسي (رحمه الله) يشرح هذه العبارة في سياقها من "الكلمة الرابعة"، وهي مشهد تمثيلي يُظهر حال الإنسان في هذه الدنيا، ويقارن بين من يستثمر حياته في طاعة الله، ومن يُهملها فيضيعها.

توضيح الرموز في هذا المثال:

  • "المحطة" :  ترمز إلى القبر، حيث ينتهي طريق الحياة الدنيا ويبدأ طريق الآخرة.
  • "الخادم السعيد": يمثل الإنسان المؤمن الذي يُؤدي الصلاة والعبادات ويعيش حياته وفقًا لأوامر الله ورضاه.
  • "المال الذي أنفقه": يُشير إلى الجهد والتكاليف البسيطة التي يبذلها الإنسان في الطاعة، كأن ينهض من نومه ليصلي أو يصوم أو يزكّي.
  • " تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه ":هي العبادات والعمل الصالح، التي تُثمر رضا الله وتُضاعف الأجر.
  • " ارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف ":هو العمر الذي يستثمر في طاعة الله فيتحول إلى ثواب عظيم لا يُقارن بمقدار الجهد المبذول.

مثال يوضح الفكرة:

من يُحيي ليلة القدر في العبادة – وهي ليلة واحدة – يُكتب له أجر أكثر من 80 سنة من العبادة، لأنها "خيرٌ من ألف شهر".
فهذا مثل واضح على كيف أن القليل من الجهد بإخلاص، يُثمر أجرًا عظيمًا.

أما من يتكاسل عن العبادة ويتبع شهواته، فهو يضيع عمره (رأسماله) بلا فائدة، وسيُحاسب على هذا التبذير في الآخرة حسابًا عسيرًا.

 

النتيجة:
العبارة تُرشدنا إلى أن الحياة قصيرة، لكنها إن استُثمرت في الطاعة والعبادة، فإنها تُثمر أجرًا عظيمًا يفوق التصور، ويكون سببًا لرضا الله والفوز الأبدي.

 

 


21-) شرح قول الاستاذ: " ستدعو بالويل والثبور دائما، وستئنّ من صدمة الفراق والزوال ووطأة تكاليف الحياة التي أرهقتَ بها كاهلَك الـضعيف مع أنّ فقرَك قائم وعجزَك دائم "

من لا يتوكل على الله تعالى، يُجبر على أن يحمل أعباء هذه الحياة الثقيلة على ظهره الضعيف، مع ضعفه وفقره، فيظل دائم الشكوى والأنين.

وقد شرح أستاذنا هذه المسألة في "الكلمة الثالثة والعشرون" من "الكلمات" بمثال جميل، قال فيه:
" إن مَثلَ المتوكلِ على اللّٰه وغيرَ المتوكل كَمثَلِ رجلَين قاما بحمل أعباءٍ ثقيلةٍ حُمّلتْ على رأسيهما وعاتقهما، فقطعا التذاكر وصعدا سفينةً عظيمةً، فوضعَ أحدهُما ما على كاهِله حالما دخل السفينةَ وجلسَ عليه يرقُبُه، أما الآخرُ فلم يفعل مثلَه لحماقته وغروره، فقيل له: "ضَعْ عنك حملكَ الثقيل لترتاح من عنائك؟". فقال: "كلا، إني لست فاعلا ذاك مخافةَ الضياع، فأنا على قوةٍ لا أعبأ بحملي، وسأحتفظ بما أملُكه فوقَ رأسي وعلى ظهري".

فقيل له ثانية: "ولكن أيها الأخ إنّ هذه السفينةَ السلطانية الأمينةَ التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى وأصلبُ عودا منا جميعا. وبإمكانها الحفاظُ علينا وعلى أمتعتنا أكثرَ مِن أنفسنا، فربما يُغمَى عليك فتهوي بنفسِك وأمتعتك في البحر، فضلا عن أنك تفقِد قوتَك رويدا رويدا، فكاهلُك الهزيل هذا وهامتُك الخرقاء هذه لن يَسَعهما بعدُ حملُ هذه الأعباء التي تتزايد رَهَقا، وإذا رآك ربّانُ السفينة على هذه الحالة فسيظنُّك مصابا بمسٍّ من الجنون وفاقدا للوعي، فيطرُدُك ويقذِفُ بكَ خارجا، أو يأمرُ بإلقاء القبضِ عليك ويُودِعك السجن قائلا: إن هذا خائن يتّهم سفينَتَنا ويستهزئُ بنا، وستُصبح أضحوكةً للناس، لأنك بإظهارك التكبّر الذي يُخفي ضعفا -كما يراه أهلُ البصائر- وبغرورِك الذي يحمل عَجزا، وبتصنّعك الذي يُبطن رياءً وذلة، قد جعلتَ من نفسك أضحوكةً ومهزلةً. ألا ترى أن الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك..!"

وبعد ما سمع كلَّ هذا الكلام عاد ذلك المسكينُ إلى صوابه فوضع حِملَه على أرضِ السفينة وجلسَ عليه وقال: "الحمد للّٰه.. ليرضَ اللّٰه عنك كل الرضا فلقد أنقذتَني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية".

فيا أيها الإنسانُ البعيدُ عن التوكل! ارجعْ إلى صوابك وعُد إلى رُشدك كهذا الرجل وتوكّل على اللّٰه لتتخلص من الحاجة والتسـوّل من الكائنات، ولتنجوَ من الارتعاد والهلع أمام الحادثات، ولتنقذَ نفسَك من الرياء والاستهزاء ومن الشقاء الأبدي ومن أغلال مضايقات الدنيا."
 

 

______________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة والعشرون ص:353

 

 


22-) الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة

في "الكلمة السابعة" الحديث عن " تعويذتين، ودواءين، وتذكرة ".
- التعويذتان:
تفتحان لغز الكون الغامض وتفتحان باب السعادة لروح الإنسان، وهما:
1. الإيمان بالله،
2. الإيمان بالآخرة.

- الدواءان:
وهما ترياق نافع جداً، وهما:
1. التوكل على الله والتحلي بالصبره،
2. الدعاءُ والسؤال ثم القناعةُ بالعطاء، والشكرُ عليه والثقةُ برحمة الرزاق الرحيم.

- التذكرة:
زاد الآخرة، ونور القبر:
1. الاستماع للقرآن،
2. الخضوع لحكمه،
3. أداء الصلاة،
4. ترك الكبائر.

الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة:

يتعلق بأداء الصلاة والابتعاد عن الكبائر، ويجيب عن أسئلة مثل:

- ما هو الصبر، التوكل، الشكر، القناعة؟
- كيف يكون الخوف من الله؟

إن الإيمان بالله واليوم الآخر يكشف أسرار الكون التي لا يمكن للعقل وحده أن يدركها، ويُرشد روح الإنسان إلى طريق السعادة.

مثال: إذا نظر الإنسان إلى الموت بعقله وقوته الذاتية فقط، يتوهمه فناءً، ويرى القبر كأنه بئر مظلم بلا قاع، ويقاسي من هذا الوهم البلاء والضيق، ويعاني من ألم الفقد والعدم، فتغدو حياته مُرة.
أما إذا نظر إليه بنور الإيمان والقرآن، يرى الموت " بداية لسعادة أبدية ".
فالعقل المجرد لا يستطيع فهم سر الموت، بل يحتاج إلى " تعليم وتربية القرآن ".
وبالمثل، إذا وثق الإنسان بعقله وحده في مواجهة آلاف المواقف، يتعرض للابتلاءات والمشقات.

أما إذا قابل المصائب بالصبر، والنعم بالشكر، يكون " الصبر والشكر دواءين جميلين وفعّالين "، يجعلان حياة الإنسان في الدنيا مشرقة، وفي الآخرة سعيدة ومباركة.

وأداء الصلاة وتجنب الكبائر يكون " زادًا " في رحلة الإنسان الدنيوية والأخروية، ويقيه من المشقات والصعوبات الكبرى.

وقد قرّب الأستاذ النورسي هذه الحقائق للعقل من خلال " مثال تمثيلي ".

 


 


23-) ما معنى الحقيبة والسلاح في "الكلمة الثالثة"؟ وكيف نفهم أن من يعتني بالتقوى يكون في أمان في عبادته؟

النظام العسكري المذكور في "الكلمة الثالثة" يرمز إلى الإسلام وشرائعه، وحب هذا النظام يعني الالتزام بأوامر الإسلام ونواهيه.

  • الحقيبة ترمز إلى العبادات
  • السلاح يرمز إلى الابتعاد عن الذنوب، أي التقوى

فالمؤمن إذا أدى عباداته في هذه الحياة الدنيا، وحافظ على نفسه من الذنوب، فإنه يُوفَّق إلى نيل السعادة الأبدية. وهذا يعني أنه يعيش في أمان واطمئنان في الدنيا والآخرة.

على سبيل المثال:
من يؤدي الصلاة، سيكون في قبره في نور وسعة بسببها، وسيشعر بالأمن والسكينة.
ويمكن أن نطبق هذا المعنى على بقية العبادات بنفس الطريقة.

  • الطريق المستقيم هو طريق الإسلام والقرآن.
  • المدينة التي يُسافر إليها، هي النهاية الحتمية للإنسان: إما الجنة أو النار.

فمن أتمّ وظيفته في الدنيا من عبادة وعبودية لله، فإنه يُستقبل في الآخرة استقبالًا كريمًا ويُكرم في مقامه.

أما الأمان من المنّة والخوف، فيعني أن المؤمن، أمام كل حادثة، يكون متوكلًا ومُسلمًا أمره لله، نابعًا من إيمانه.

أما المنكر (الملحد أو غير المؤمن)، فينظر إلى الكون على أنه لا معنى له، عبثي، تسيره الصدف العمياء، ولذلك يرى كل شيء من حوله عذابًا وضيقًا.

بينما المؤمن، يعلم أن كل شيء بتدبير الله وحكمته، وأن له معنى وفائدة، فيرى الأشياء جميلة ومليئة بالطمأنينة.

 

 


24-) شرح قول الاستاذ: " وستُشغّل تلك المكائن والآلات التي في حوزتكم الآن في معاملي وباسمي وعُهدتي، وسترتفع أثمانُها من الواحد إلى الألف

إن المقصود من العبارة هو تشبيه أعضاء الإنسان ومواهبه (مثل العقل، والبصر، والسمع، واليد، وغيرها) بأدوات مصنع. فإذا استخدم الإنسان هذه "الآلات" أو الأعضاء في طاعة الله ووفق أوامره، فإن قيمتها تتضاعف من "واحد" إلى "ألف".
لكن إذا استُخدمت هذه الأعضاء في سبيل الشهوات والهوى والذنوب، فإنها تُبتذل وتفقد قيمتها، بل وتُستخدم في الخيانة، أي في معصية من وهبها.

شرح توضيحي:

  • العقل مثلًا:
    إذا استُخدم في التفكير في آيات الله والتأمل في خلقه وفهم حكمته، فإنه يكون مفتاحًا لرحمات لا تُحصى، ويقود صاحبه إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
    أما إذا استُخدم في التفكير في الأوهام والمخاوف والهموم فقط، وأُبعد عن الله، فإنه يصبح سببًا في التعاسة، حيث يجترّ الذكريات المؤلمة من الماضي، ويقلق صاحبه بمخاوف المستقبل.
  • العين أيضًا:
    إذا نُظر بها إلى جمال خلق الله وتأملت في بديع صنعه، فإنها تكون وسيلة للمعرفة والسمو، وتُرفع منزلتها عند الله.
    أما إذا استُخدمت في النظر إلى الحرام، فإنها تصبح أداة للذنب، ويهبط قدرها إلى الحضيض.

وهكذا يُقاس على ذلك بقية الجوارح:
اللسان، السمع، اليد، القدم... كلما كانت في خدمة الإيمان والطاعة، ارتفع قدرها، وكلما وُضعت في معصية، انحطت قيمتها.

خلاصة المعنى:

عندما تُستخدم أعضاء الإنسان باسم الله، في طاعته وخدمة خلقه، فإنها تصبح ذات قيمة عظيمة، وتُجزى بالأجر الكبير، كمن وجد "معادن نفيسة".
أما إذا تُركت بلا هدف نبيل، أو استخدمت في الحرام، فإنها تُهدر وتفقد قيمتها، تمامًا كالمصنع الذي لم يُكتشف فيه أي معدن ثمين، فيُهمل ويُترك.

 

 

 


25-) هل المقصود بـ" الرجل الخير" المذكور في "الكلمة السابعة" هو بديع الزمان؟

في هذا الموضع استُخدم تعبير عام، وليس المقصود به شخصًا بعينه، بل يُمثّل شخصية معنوية.
وكل من يقوم بمهمة التبليغ والإرشاد يدخل ضمن هذا المفهوم.

ونحن نرى أن جميع الأنبياء في المقام الأول، ثم جميع المرشدين الذين يدلّون على الطريق المستقيم، مشمولون ضمن هذا التعبير.
 

 

 


26-) شرح قول الاستاذ: كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد....

الموضوع الرئيس في "الكلمة الخامسة" هو أن شؤون الدنيا لا تُشكّل عائقًا أمام الصلاة والعبادة.

في التمثيل المذكور، ترمز حالة التعبئة العامة وساحة المعركة إلى هذه الحياة الدنيا التي نعيشها، والتي تتّسم بعدم الاستقرار، والاضطراب، والحزن، والفناء، حيث لا يستطيع أحد أن يحافظ على ما في يده.

أما الجيش، فيُشير إلى الحياة الاجتماعية.

ويمثل الجندي الحريص على أداء واجبه الإنسان المؤمن التقي، الذي يؤدي فرائضه ويتجنب المعاصي.

أما الجندي الجاهلُ بواجباته والمهمل، المتّبع لهواه ، فيُمثّل الإنسان الغارق في الدنيا، الذي نسي وظيفته الأصلية وانشغل فقط بلقمة العيش، متناسياً الآخرة.

التدريب (التعليم العسكري) يُشير إلى أداء العبادات المفروضة، وعلى رأسها الصلاة.
والجهاد يُمثّل الجهاد الأكبر، وهو مجاهدة النفس والشيطان.

أما الطعام والمؤونات (الإعاشة)، فهي ترمز إلى الرزق والنصيب الدنيوي، والذي هو من تقدير الله تعالى، وليس من مسؤولية العبد.
فالله عز وجل هو من تكفّل برزق عباده، وهو الذي يضمن لهم ما يقيم حياتهم.

ومن لا يتوكل على الله، ولا يرضى بما قسمه له، فهو في الحقيقة يعترض على القدر ويتهم ربه – والعياذ بالله.

وقد قال الأستاذ النورسي:" ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل "(1)

فالذي خلق الإنسان، والذي يرزقه من نعمه، والذي يشفيه إذا مرض، هو الله وحده.
أما وظيفة الإنسان الحقيقية فهي: العبودية لله.
فينبغي له أن يقوم بواجبه، ولا يتدخل في أمور تخص تدبير الله وتقديره.

 

___________
(1) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري -حبة ص:228

 

 

 


27-) شرح قول الاستاذ:وأما الآخر فهو الفاسق الخاسر الذي يلهث وراء هموم العيش لحدّ اتهام الرزاق الحقيقي

إذا تذرّع شخص بهمّ المعيشة وطلب الرزق، وجعل ذلك سببًا لترك الصلاة وسائر العبادات الواجبة، فقد وقع في خسارة عظيمة.
فمثل هذا السلوك يتضمّن في باطنه اتهامًا لرحمة الله، وسوء ظنّ بربّه، وضعف توكّل، وقلقًا لا مبرر له بشأن الرزق الذي تكفّل به الله تعالى.

لزيادة البيان، من المفيد تأمل هذا المقطع من "اللمعة الثامنة والعشرين" من رسائل النور:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }(الذاريات:56-58)

ثم يشرح الأستاذ النورسي هذا المعنى فيقول:
" الوجه الثاني:
الإنسان مُغرمٌ بالرزق كثيراً، ويتوهم أن السعي إلى الرزق يمنعه عن العبودية، فلأجل دفع هذا التوهم، ولكي لا يُتخَذ ذريعةً لترك العبادة تقول الآية الكريمة: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وتحصر الغاية من الخلق في العبودية لله، وأن السعي إلى الرزق -من حيث الأمر الإلهي- عبوديةٌ لله أيضاً.

أما إحضارُ الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحتى رزقُ حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تُخلَقوا له، فكل ما يخص الرزق والإطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجّوا بهذا فتتركوا العبادة، فأنا الذي أُرسل رزقَ مَن يتعلق بكم من عبادي.."(1)

شواهد من القرآن والحديث:

في هذا السياق، ننقل آية كريمة وحديثًا شريفًا يدعمان المعنى:
{ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }(النور:37)

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ:[ مَنْ جَعَلَ الهَمَّ هَمًّا واحدًا كفاهُ اللهُ همَّ دُنياهُ، ومَنْ تشعَّبتْ به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديةِ الدُّنيا هلَكَ ] (2)

خلاصة المعنى:

  • من يجعل همّ المعيشة سببًا لترك الفرائض وارتكاب المعاصي، يكون قد خسر الدنيا والآخرة.
  • مثل هذا الإنسان يُعتبر فاسقًا خاسرًا، لأنه اتهم الله ضمنًا بالتقصير في الرزق.
  • العبادة هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان، بينما السعي في طلب الرزق لا ينبغي أن يشغله عنها.
  • الله هو الرازق الحقيقي، فلا يصح أن يطغى السعي الدنيوي على التكاليف الشرعية.


 

______________
(1) كليات رسائل النور- اللمعة الثامنة والعشرون ص:436
(2) مستدرك الحاكم - 7934

 

 


28-) شرح قول الاستاذ: " فالذي يترك صلاته لأجل هموم العيش مَثَـلُهُ كمثل ذلك الجندي الذي يترك تدريبَه وخندقَه ويتسوّل متسكعا في الأسواق. "

في هذا التشبيه، يُشبّه الشخص الذي يترك الصلاة (وهي أهم واجباته الدينية) بسبب انشغاله بطلب الرزق والمعيشة، بـ جندي في ساحة المعركة يترك تدريبه وموقعه الدفاعي في الخندق، ويذهب إلى السوق ليتسوّل!

  • وهذا التصرف من الجندي يعني فقدان الثقة في الدولة التي تكفّلت برزقه، وتجهيزه، ورعايته.
  • وبالمثل، من يترك الصلاة ويغرق في همّ المعيشة يكون قد سوء ظنّ بالله تعالى، وضعف توكّل، واتهم ربه ضمنًا بالتقصير في توفير الرزق.

 

أدلة من القرآن والسنة تؤكد وجوب التوكل ونبذ القلق على الرزق:

  1. من القرآن الكريم:
    { ... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ...} (الطلاق:2-3)
  2. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سبأ:39)
     

2. من السنة النبوية:

- حديث الطير والتوكل:

قال رسول الله ﷺ:[ لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ](الترمذي)
 

  • قصة الأخوين في زمن النبي ﷺ:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:[ كان أخوانِ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحدُهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يَحتَرِف، فَشَكَا الُمحتَرِف أَخَاه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعَلَّك تُرزَقُ بِهِ)] (الترمذي)

  • حديث الرزق يطلب العبد أكثر من الأجل:

قال ﷺ:[ إنَّ الرَّزقَ لَيطلُبُ العبدَ أكثرَ مما يطلبُه أجلُه](الطبراني)
 

  • حديث من جعل الآخرة همه:

قال النبي ﷺ:[  من كانت الدُّنيا همَّه ،فرَّق اللهُ عليه أمرَه ،وجعل فقرَه بين عينَيْه ،ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له ،ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه ،جمع اللهُ له أمرَه ،وجعل غناه في قلبِه ،وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ ](الترمذي)

خلاصة التمثيل:

  • الصلاة والعبادة هي الوظيفة الأساسية للعبد، كما أن التدريب والجهاد هي الوظيفة الأساسية للجندي.
  • التوكل على الله والثقة به هو أساس النجاح الدنيوي والأخروي.
  • القلق الزائد على الرزق، إذا أدى إلى تضييع الفرائض، كان ذلك علامة ضعف الإيمان والتوكل.

 

 


29-) هل لا يزال يُخلق ملائكة جدد؟ أم أن جميع الملائكة خُلقوا دفعةً واحدة من قبل؟

يقول الأستاذ (بديع الزمان سعيد النورسي):

«وهكذا، فكما اقتضت الحقيقة وجود الملائكة والروحانيات، كذلك تقتضيه الحكمة:
لأنّ الفاطر الحكيم الذي يخلق باستمرار وبفعالية جادة حياةً لطيفةً ذات إدراك متنّور، من هذا التراب الكثيف على ضآلة علاقته بالروح، ومن الماء العكر على جزئية تعلّقه بنور الحياة. لابدّ أن يكون له أيضا مخلوقات كثيرة جدا ذوات شعور، قد خُلقت من بحر النور، وحتى من محيط الظلمة، ومن الهواء، ومن الكهرباء ومن سائر المواد اللطيفة التي هي أليقُ بالروح وأنسبُ للحياة وأقربُ إليها.»(الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، المقدمة)*

ومن العبارة الواردة أعلاه:
«يخلق باستمرار وبفعالية جادة حياةً لطيفةً ذات إدراك متنّور»

يُفهم أن عملية الخلق ما زالت مستمرة في الوقت الحاضر، وليست مقتصرة على زمن سابق فقط.

كما أن حكمة الله تعالى تقتضي استمرار الخلق وتجددَه، ولذلك فإن خلق الملائكة ليس محصورًا في أنهم خُلقوا جميعًا دفعةً واحدة في البداية، بل يدل النص على أن الله تعالى يواصل خلقهم وفق ما تقتضيه حكمته.
 


30-) ما هو تفسير قول الاستاذ  " الأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة ؟

يقول النص:
(فالأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة. فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكةُ كلُّها في نظره شكلَ دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجا لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعرَ بحاله، إذ صار كلُّ واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدوا يتربّص به، وأجنبيا يتنكّر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لِما يرى فيما حوله من جنائزَ مُرعبة ويتامى يبكون بكاءً يائسا مريرا.)(1)

التوضيح:

  • المؤمن ينظر إلى كل شيء بعين الإيمان، فيفسر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولهذا فإن كل ما يراه يبدو له جميلًا ومبشّرًا.
  • الكافر، على العكس، ينظر إلى كل شيء من خلال "منظّار الكفر"، فيرى كل ما في الوجود قبيحًا، مظلمًا، ومخيفًا. ولهذا فإن عالمه مليء بالتعاسة واليأس.

الخلاصة:

الرؤية السوداوية للعالم ليست ناتجة عن الواقع الخارجي، بل هي نتيجة زاوية النظر.
فالكافر المتشائم، لأنه لا يرى وراء الحياة أي معنى إلهي أو رحمة، يعيش في قلق دائم، يرى في الموت نهاية مرعبة، وفي الحياة عبثًا لا يُحتمل، وفي الناس أعداء، وفي الأحداث ظُلما.

بينما المؤمن، بنور الإيمان، يرى الموت بداية لا نهاية، ويرى في الناس إخوة، وفي الحياة امتحانًا فيه رحمة وحكمة، وفي الوجود كله تجليات لأسماء الله الحسنى.

 

___________

(1)  الكلمات – الكلمة الثانية من رسائل النور.

 

 

 


31-) جدول توضيحي للقصة التمثيلية الواردة في "الكلمة الثانية" ؟

كما هو الحال في هذه "الكلمة"، لفهم الحقائق المعروضة على شكل تمثيل، يجب أولاً فهم التمثيل بشكل جيد. وللوصول إلى فهم تام للتمثيل،

يمكننا تحويل القصة الواردة في "الكلمة الثانية" إلى جدول على النحو التالي:

ماذا يوجد في الإيمان؟
راحة لذة كبيرة نعمة سعادة عظيمة

 

الجدول المقارن للقصة التمثيلية
ما يراه الرجل المؤمن ما يراه الرجل الأناني
هناك فرح وبهجة عامة في كل مكان. الضعفاء المساكين يصرخون من ظلم الجبابرة.
هناك أماكن للذكر والتسبيح في كل مكان. البلاد تحوّلت إلى مأتم عام.
الجميع أصدقاء وأقارب بالنسبة له. الجميع أعداء وغرباء بالنسبة له.
لا توجد جنازات في الأفق. هناك جنازات مرعبة منتشرة في الأرجاء.
هناك فرحة التسريح والفرح بالدخول إلى الجندية مع أصوات الطبول والأناشيد والتكبير والتهليل. هناك أيتام يبكون بيأس.
سعيد ومسرور. ضميره يتعذب.

 

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية
نظرة المؤمن إلى الدنيا نظرة الكافر والفاسق إلى الدنيا
الدنيا دار ذكر لله الرحمن، ومعسكر تدريب للإنس والجن، ومدرسة للكائنات. الدنيا دار حزن ومأتم عام.
كل موت هو تسريح من الوظيفة، والذاهبون ينتقلون إلى عالم أجمل. كل الأصوات إما ذكر وتسبيح في بداية المهمة، أو شكر عند التسريح، أو أناشيد ناتجة عن الفرح بالعمل. الكائنات الحيّة يتامى باكون بسبب الفقد والموت.
كل الكائنات الحية جنود مكلفون، وموظفون راضون. البشر والحيوانات كائنات سائبة تمزقها يد الأجل.
جميع المخلوقات خدم مألوفون، وموظفون محبوبون، وكتب لطيفة من الله تعالى. المخلوقات العظيمة مثل الجبال والبحار كأنها جنازات مرعبة.
وأما هذه المشاهد فتمنحه لذة معنويّة. فمثل هذه المشاهد تؤلمه معنويًّا.

 

 


32-) ماذا يعني "حقيبة كاملة من مستخلصات غذائية تزن أربع «أوقيات» وسلاحاً حكومياً يزن «أوقيتين» يستطيع أن يغلب به كلَّ عدو"؟

في تتمة الرسالة التي تناولت هذا الموضوع، ورد ما نصه:
" وأما تلك الحقيبة والسلاح فهما العبادةُ والتقوى."
أي أن "الأربع أوقيات" تشير إلى العبادة، و"الأوقيتين" إلى التقوى.

عندما نقول "العبادة"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أركان الإسلام الخمسة.
 ومنها: الشهادتان، وهي بمثابة عقد يدخل به الإنسان في دائرة الإسلام، ويمهد لأداء العبادات الأربع المفروضة الأخرى. فهي أقرب للإيمان والعقيدة منها إلى العبادة العملية.

ويبقى من أركان الإسلام: الصلاة، الصوم، الزكاة، والحج، وهي العبادات الفعلية. إذًا، يُحتمل أن تكون الأربع أوقيات رمزًا لهذه العبادات الأربع.

أما الرقم اثنان، فهو يشير إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن التقوى لا تتحقق إلا بإيمان راسخ بهذين الركنين. وهذا المعنى تدعمه عبارة واردة في "الكلمة السابعة"، جاء فيها:

" أن الإيمانَ بالله وباليوم الآخر، أثمنُ مفتاحَين يحلّان لروح البشر طلسمَ الكون ولُغزَه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء..." (1)

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السابعة.

 

 


33-)  ما العلاقة بين النفس والبصيرة؟ إذ إن البصيرة تُعرَف عادةً بأنها انفتاح القلب واستنارته أكثر من كونها مرتبطة بالنفس.

البصيرة هي انفتاح عين القلب، ورؤية القلب للحقائق. ومع ذلك، فإن لهذه الرؤية علاقة وثيقة بالنفس. فكلما صلحت النفس وارتقت معنويًا، نمت البصيرة وتطورت بالقدر نفسه.

وقد أشار الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى هذه الحقيقة بقوله:

"إن وجودَ النفس عمىً في عينها، بل عينُ عَماها، ولو بقي من الوجود مقدارُ جناحِ الذباب يصيرُ حجاباً يمنع رؤيتَها شمسَ الحقيقة." (المثنوي النوري- ذيل القطرة)

وبناءً على ذلك، فإن ظهور شمس الحقيقة للقلوب يتطلب إزالة هذا العمى الموجود في النفس. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تهذيب النفس وتربيتها.


 


34-) ما المقصود بتعبير " بُعد شهرين" المذكور في "الكلمة الرابعة"؟

بادئ ذي بدء، لا بد من الانتباه إلى التنبيه المذكور في مقدمة "الكلمة العاشرة":
" إن سبب إيرادي التشبيه والتمثيلَ بصورة حكايات في هذه الرسائل هو تقريبُ المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة "(1)

وقوله:" فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً " يعني أن الغرض ليس تقديم أرقام دقيقة أو معانٍ حرفية، بل إيصال معانٍ رمزية، لذا ليس من الصواب أن نتوقع أن لكل تعبير أو جملة مقابلًا دقيقًا في الواقع.

على سبيل المثال، في عبارة:
" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "
يُفهم أن طول الحياة الدنيا حتى القبر لا يُعدّ شيئًا في ميزان الأبدية، بل كأنه يوم واحد فقط.

أما تعبير " بُعد شهرين" الذي استخدمه الأستاذ النورسي، فيُشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي إما بالجنة أو النار. وهذه الرحلة الطويلة تمر بمراحل مثل: القبر (البرزخ)، الحشر، الموقف، الميزان، الصراط، إلخ.

وأقصر مرحلة في هذه الرحلة هي الحياة الدنيا، والتي تُقدَّر في المتوسط بنحو ستين سنة.

وعندما يذكر الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا تقريبيًا يُشير إلى أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تتعدى "يوماً واحداً" مقارنة بطول الآخرة. فالمقصود ليس الحساب الزمني، بل المغزى الروحي.

النتيجة:
الصلاة هي الوسيلة التي تُخفف وتُسهّل علينا تلك المراحل بعد الموت: القبر، يوم القيامة، الصراط، وغيرها.

 

___________

(1) كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة.

 

 


35-) شرح قول الاستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "

قول الأستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "
 هو حكم عام، وينطبق على كل العصور. فالأكل، والتسلية، وسماع الموسيقى، وسائر حالات المتعة، يمكن تلبيتها كلها من خلال الوسائل المشروعة.

لكن لا يخفى أن في زماننا انتشرت أمور كثيرة يُشكّ في حلّها، من معاملات، ومأكولات، ومشروبات، حتى عمّت كل الجوانب. وفي مثل هذا الجو، يُنصح الإنسان بأن يكون شديد الحذر في ما لا يعلم يقينًا أنه حلال، وأن يعمل بالأحوط لا بالأيسر.

وفي عصر تهاجم فيه الذنوب الإنسان من كل جهة، يكون حفظ النفس صعبًا بلا شك.

والطريق الذي أشار إليه الأستاذ هو طريق السنة النبوية، ومن أمثلته:

  • الاعتدال في الطعام
  • عدم الإسراف حتى ولو كنت تتوضأ على شاطئ نهر
  • ترك المائدة وفي النفس رغبة في الأكل
  • تجنّب المشتبهات

والسير في دائرة الحلال هو السبيل الحق الذي ينبغي الثبات عليه.

 

 


36-) لماذا اكتفى الاستاذ بـ «بسم الله»

أولًا: أستاذنا بدیع الزمان النورسي تناول في "الكلمة الأولى" من رسائل النور جزء "بسم الله" فقط، لكنه فسّر أيضًا الاسمين "الرحمن" و"الرحيم" في "اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني". وقد رأى الأستاذ أن تُكتب هذه الرسالة في نهاية "الكلمة الأولى" بعد "اللمعات"، وبذلك يكون قد تناول "البسملة" بكاملها في مواضع متعددة.

ثانيًا: يجب النظر إلى رسائل النور كوحدة متكاملة؛ فبعض الرسائل تشرح وتفسر البعض الآخر وتُسهم في توضيح المعاني. ولو جمعنا كل المواضيع التي تتناول "البسملة" في رسائل النور لخرجنا بكُتيب مستقل. من ذلك مثلًا: شرح البسملة في "إشارات الإعجاز"، وأسماء الله "الرحمن" و"الرحيم" في مقام خاص، إلى جانب "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني"، وكل هذا ينبغي النظر إليه بوصفه وحدة مترابطة.

ثالثًا: لا شك أن قول "بسم الله الرحمن الرحيم" أفضل وأكثر فضيلة من الاقتصار على "بسم الله"، ولكن في "الكلمة الأولى"، قد يكون قصد الأستاذ تسليط الضوء على اسم "الله" وحده، لأن اسم "الله" هو اسم جامع يشير إلى الذات الإلهية بكل صفاتها وكمالاتها. بينما "الرحمن" و"الرحيم" يدلان على معانٍ خاصة في إطار الرحمة الإلهية.

وبذلك يكون اختياره متعمّدًا لتحقيق مقصد تربوي وعقائدي معيّن.


37-) ماذا يعني التعبير: «الأمر بالصلاة»؟

 

إن التعبير «الأمر بالصلاة» يقصد به أوامر الله تعالى المتعلقة بإقامة الصلاة، وقد تكرر هذا الأمر في آيات كثيرة من القرآن الكريم.

ومن هذه الآيات ما يلي:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (سورة البقرة: 3).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (سورة البقرة: 43).
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (سورة البقرة: 45-46).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: 110).

فالمقصود من «الأمر بالصلاة» هو تكليف الله تعالى لعباده بإقامة الصلاة والمحافظة عليها على الوجه الذي شرعه، كما ورد في آيات القرآن الكريم المتعددة.


38-) البعض لا يذكر بسم الله ولكنه سعيد

في "الكلمة الأولى"، كُتب أن من لا يقول "بسم الله" ولا يتحرك باسم الله سيؤول به الحال إلى الشقاء. لكننا في الحياة نرى عكس ذلك فهم يعيشون براحة أكثر منا ، فكيف يمكن تفسير هذا؟
الجواب:
ما ذكرتموه بقولكم: "هم يعيشون براحة أكثر منا..." يتعلق بالجانب المادي فقط. بينما ما أُشير إليه في "الكلمة الأولى" هو البُعد المعنوي والروحي.
فهل يُمكن لشخص ينتظر حبل المشنقة، وإن عاش في القصور والرفاهية، أن يشعر بالسعادة الحقيقية؟ لننظر إلى ما قاله الأستاذ بديع الزمان في اللمعة السابعة عشرة:
(أيتها الروح الخبيثة التي تنشر الكفر وتبث الجحود! تُرى هل يمكن أن يسعد إنسانٌ بمجرد تملّكه ثروة طائلة، وترفّله في زينة ظاهرة خادعة، وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائبَ هائلة؟ وهل يمكن أن نطلق عليه أنه سعيد؟ ألَا ترين أنّ مَن يَئِس من أمرٍ جزئي، وانقطع رجاؤه من أملٍ وهمي، وخابَ ظنُّه من عملٍ تافهٍ، كيف يتحول خيالُه العذبُ مُرّاً علقماً، وكيف يتعذّب مما حوله من أوضاع لطيفة، فتضيق عليه الدنيا كالسجن بما رحُبت!. فكيف بمن أُصيب بشؤمك بضربات الضلالة في أَعمق أعماق قلبه، وفي أَغوار روحه، حتى انقطعت -بتلك الضلالة- جميعُ آمالِه، فانشقت عنها جميعُ آلامه، فأيُّ سعادةٍ يمكنك أن تضمَني لمثل هذا المسكين الشقي؟ وهل يمكن أن يُطلَق لمن روحُه وقلبُه يُعذَّبان في جهنم، وجسمه فقط في جنةٍ كاذبة زائلة.. أنه سعيد؟..)
وجاء في الحديث الشريف [ لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ] (الترمذي)
يُفهم من هذا الحديث أن المعيار الحقيقي هو راحة القلب وطمأنينة الروح، لا مظاهر الدنيا.
أما الرقي المادي فقد ربطه الله بسُنة الأسباب، أي بالعمل والاجتهاد، دون النظر إلى الإيمان أو الكفر. ولذلك فإن المؤمنين الذين لم يعملوا بجد لأجل دنياهم يعانون من النقص فيها، لكنهم يعملون لأجل آخرتهم، فسيجدون السعادة هناك بإذن الله.
وأما الكفار، فبما أنهم عملوا للدنيا، فقد أُعطوا حظًا منها. ولكنهم في الآخرة سيواجهون العذاب الأليم.
والإسلام يدعو إلى السعادة في الدنيا والآخرة معًا، ولكن بما أن الدنيا فانية والآخرة باقية، فإن السعادة الأبدية هي الأهم وهي الأصل.
الخلاصة:
لا يُقاس الشقاء أو السعادة الحقيقية بالمظاهر الدنيوية. من لم يقل "بسم الله"، قد يربح ظاهرًا، لكنه خاسر في باطنه وآخرته.
 


39-) في الكلمة العاشرة نرى كثيرًا كلمة "النشر" إلى جانب "الحشر". فكيف ينبغي أن نفهم معنى "النشر"؟

الحشر يعني: إحياء الخلائق من جديد ثم جمعهم في ساحة المحشر.

أما النشر فيعني: انتشار تلك المخلوقات التي جُمعت أو أُحييت، وتفرّقها وتوزّعها.

ويُستعمل هذا التعبير أيضًا في الدنيا، ولا سيما في فصل الربيع؛ حيث تُبعث الكائنات الحية من جديد (أي تُحشر)، ثم مع مرور الوقت تتكاثر وتنتشر في كل مكان.

فبعض أفراد الكائنات التي بقيت من الصيف الماضي تُحفَظ وتُصان. وعندما يحين وقتها في الربيع، تُبعث تلك الآثار الباقية وكأنها أُحييت من جديد. ثم إن هذه الكائنات التي أُعيد إحياؤها تتكاثر مع الزمن وتنتشر في كل الجهات.

وعليه، فإن النشر يعني: تكثير نماذج الإحياء والبعث، وإظهارها وانتشارها على نطاق واسع في كل مكان.

نعم، حتى في هذا العالم الذي هو دار الحكمة، توجد من أمثلة الحشر والنشر وشواهدهما ما لا يُحصى، بحيث لا ينبغي لمن يملك عقلًا سليمًا أن يتجرأ على إنكار البعث في الآخرة، وهي دار القدرة الإلهية.

وخلاصة القول:

الحشر: الإحياء بعد الموت والجمع.
النشر: انتشار الأحياء بعد إحيائهم، وتكاثرهم وتوزعهم في كل مكان.

وبعبارة أخرى، فالنشر هو إظهار آثار الحشر وتوسيعها ونشرها بصورة كثيفة وشاملة.


40-) «إن حكمة الخالق الحكيم الرفيعة التي يظهرها في كل شيء حتى في ربط حكم كثيرة جليلة بشيء صغير جداً، تشير صراحة إلى أن...» هل يمكن أن تعطونا مثالًا؟

الحكمة تعني أن يُوضَع لكل شيء غايةٌ وقصد، وأن يُكسَب كل شيء معنى، وأن تُربَط بالأشياء نتائج جميلة وخيّرة.

والحكمة تأتي بمعانٍ مثل العلم، والسر، والغاية، والفائدة، والفلسفة. والحكمة هي معرفة الحق حقًّا واتباعه، ومعرفة الباطل باطلًا واجتنابه.

والحكمة هي معرفة الكون، وغاية خلق الموجودات وفوائدها.

والحكمة هي العيش على الصراط المستقيم بالابتعاد عن كل أنواع الإفراط والتفريط.

والحكمة هي إدراك حقيقة الأشياء.

والحكمة هي التخلّق بالأخلاق الإلهية، والخوف من الله، واجتناب نواهيه.

وقد قال علماء الإسلام: «الحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح».

فمثلًا، حكمة العين هي الإبصار، أما غايتها فهي التفكر في أسماء الله المتجلية على الأشياء المرئية والقيام بالعبادة.

وأعظم دليل وبرهان على الحِكَم التي ربطها الله بالأشياء هو العلوم الطبيعية. نعم، فالعلوم الطبيعية تكشف عن حِكَم الأشياء وفوائدها التي لا تُحصى.
فمن الذرة الصغيرة إلى المجرات، توجد في كل شيء حِكَم وغايات كاملة، ويدرس فرع من فروع العلوم الطبيعية هذه الحِكَم والغايات ويثبتها.

وقد كُتبت كتب كثيرة، وأُنشئت كليات، لبيان الحِكَم والغايات التي لا تُحصى المرتبطة بالذرة، وهي من أصغر مخلوقات الله؛ فهل يوجد تصريح أوضح من ذلك؟ إن كل ذلك يعبّر عن ربط حِكَم عظيمة كثيرة بشيء صغير.

 

 


41-) كيف نفهم العبارة: «الفلسفة الملحدة مغالطة لا حقيقة فيها، وهي إهانة للكون»؟

تنقسم الفلسفة إلى قسمين: فلسفة إيجابية وفلسفة سلبية.

فالفلسفة الإيجابية هي التي تتوافق مع الدين، وتؤيده وتقويه، وتسعى إلى خدمة البشرية وتحقيق الخير والمنفعة لها.
وهذا الفهم الفلسفي يساعد على إدراك حكمة القرآن، ويخدم مصلحة المجتمع وتقدمه وتطوره.

أما الفلسفة السلبية فهي التي تجعل العقل وحده أساسًا مطلقًا، وتتحدى الوحي وتعادي الدين.
وهذه الفلسفة تنظر إلى الكون والموجودات بالنظر إليها لذاتها فقط، أي إنها لا ترى الكون مدرسةً تُعرِّف بأسماء الله وصفاته، بل تعتبره مجموعة من المصادفات العمياء التي لا معنى لها ولا صانع وراءها.

ولهذا فإن الفلسفة الملحدة، أو الفلسفة التي تسير في طريق معادٍ للدين، تقوم في أساسها وجوهرها على المغالطات والجدل العقيم، وعلى محاولة إظهار الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل.

والحال أن أعظم حكمة وغاية من خلق الكون هي التعريف بالله تعالى وتحبيب الخلق إليه.
ولأن الفلسفة السلبية تحجب هذه الحكمة العظيمة وتتنكر لها، فإنها تكون قد اعتدت على حقوق الكون وأهانت منزلته.
وهذا يُعد ظلمًا كبيرًا، وجورًا وإساءة بالغة.

فعلى سبيل المثال: إذا قُرئَت الشمس وعُلِّمت للناس على أنها مجرد كتلة مادية تائهة تدور بلا هدف ولا غاية، مع أن فيها تجليات لأسماء الله الحسنى وتقوم بوظائف عظيمة في نظام الكون، فإن هذا الفهم يُعد إهانةً للشمس من حيث ما تحمله من حكم ومقاصد أودعها الله فيها.

وبعبارة أخرى: إن النظر إلى الموجودات على أنها بلا معنى ولا غاية ولا دلالة على خالقها، هو انتقاص من قيمتها الحقيقية، لأن كل موجود في الكون يؤدي دورًا في التعريف بخالقه وإظهار آثار أسمائه وصفاته.
ولذلك فإن الفلسفة التي تنكر هذه الحقيقة تكون قد احتقرت الكون وأفرغته من معناه السامي.
 

 


42-) " سلك المحظوظُ السعيد الطريقَ الأيمن، ومضى في دربه حاملا على ظهره وكتفه رطلا من الأثقال إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف.." هل يمكنكم شرح هذه الجمل؟

كلما ازداد إيمان الإنسان بالله وتوكله عليه، ازداد أمانه وسلامه من هموم الدنيا وآلامها.
ففي الإيمان، تكمن حقيقة التوكل.
أي: إذا كنا نؤمن بأن كل شيء بيد الله وتدبيره، فالضرر والنفع أيضًا لا يكونان إلا بإذنه.

فإذا قدّر الله منفعةً للعبد، لا يستطيع أحد أن يمنعها.
وهذا الاعتقاد وهذا التسليم، يجعل الإنسان في طمأنينة وأمان من وساوس الحياة ومخاوفها.

شرح العبارة الرمزية:

  • "الجندي الذي ذهب إلى اليمين":
    هو المؤمن الذي اختار طريق الإيمان والطاعة.
  • "حمل رطلا من الأثقال ":
    يرمز إلى ثقل التكاليف الدينية والعبادات الظاهرية في هذه الدنيا، مثل:
    • الاستيقاظ للفجر في البرد
    • الوضوء بالماء البارد
    • أداء الصلاة في أوقاتها رغم الانشغال

هذه الأمور قد تبدو متعبة للنفس، لكنها مؤقتة.

  • " إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف":
    أي أن المؤمن يرتاح من الأعباء النفسية والعقلية الثقيلة، مثل:
    • الخوف من المستقبل
    • القلق من الفقر أو المرض
    • الخضوع لأهواء الناس وطلب رضاهم
    • وهم السيطرة على كل شيء

بمعنى آخر:

( قد تتحمل القليل من التعب الجسدي في الطاعة، لكنك ترتاح من أطنان من القلق الروحي والمعنوي).

الخلاصة:

من يعيش بالإيمان والتوكل، وإن تحمّل بعض المشقة في العبادة،
إلا أن روحه تنعم براحة وطمأنينة لا تُقدّر بثمن،
لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله، وأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة.

 

 


43-) ماذا يعني أن أرواح الأنبياء والأولياء تترك أثقالها؟ وكيف نفهم من هذا المنطلق أن الرسول الأعظم ﷺ قام برحلة المعراج بجسده؟

المقصود بـ «الثِّقل» هو الجسد. وقد شُبِّه انفصال الروح عن الجسد بتحرر الإنسان من حمل ثقيل.

فكما أن معجزة المعراج لسيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ قد تحققت باجتماع الروح والجسد معًا، كذلك فإن رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء كان أيضًا مع بقاء الروح والجسد متحدين.
وهذه أمور تعد من المعجزات، أما السنة الإلهية الجارية في الدنيا فهي أن الأرواح لا ترتفع إلى العوالم السماوية إلا بعد خروجها من الأجساد.

إلا أن هناك أمرًا ينبغي التنبه له، وهو أن أرواح الأنبياء والأولياء تكون غالبة على أجسادهم ومسيطرة عليها.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يستعمل في حقهم تعبير «بوضع أثقالهم»، بينما استعمل في حق سائر المؤمنين تعبير «خلعوا أجسادهم».

ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار الذنوب أيضًا نوعًا من الأثقال المعنوية على سبيل المجاز؛ لأنها تكون سببًا في تعرض الإنسان لعذاب القبر، وبالتالي قد تكون مانعًا له من الارتقاء إلى العوالم السماوية.


44-) لماذا هناك حاجة إلى الأنبياء- الكلمة الحادية عشر؟

«الكتاب المبهَم الذي لا يُفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرد أوراق لا معنى لها!..» (الكلمة الحادية عشرة)

وكما يُفهم بوضوح من هذا الكلام، فإن الغاية الأساسية من كتابة كتاب الكون هذا هي معرفة الذات التي صنعته وخلقته. وقد أُرسل الأنبياء لكي يُقرأ هذا الكتاب قراءة صحيحة. ولو لم يُرسل هؤلاء المعلّمون، لما فُهم هذا الكتاب ولما قُرئ قراءة صحيحة. ولذلك فإن الذين قرؤوا الكون قراءة خاطئة انحرفوا عن الطريق المستقيم باتباعهم «الأصنام، والزمن، والمادة، والتطور...» ونحو ذلك.

إن الرسل والأنبياء هم شخصيات مصطفاة وسفراء إلهيون أُرسلوا لتعريف الناس بالله تعالى، وإبلاغ أوامره ونواهيه، وبيان الحق والحقيقة لهم.

ويعبّر بديع الزمان سعيد النورسي في كتابه «اللمعات» عن أهمية النبوة بقوله:

«اعلم أن النبوة في البشرية فذلكةُ الخير وخلاصة الكمال وأساسه، وأن الدين الحق فهرسُ السعادة، وأن الإيمان حُسنٌ منزّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقاً ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُّ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة في مخالفيهم.» ( اللمعة السابعة عشرة، النكتة التاسعة)

ومهما بلغ الإنسان من الذكاء ودقة الفهم، فإنه بعقله المحدود والمخلوق لا يستطيع أن يصل إلى الحق والحقيقة كاملةً. فكثير من الحقائق السامية لا تُعرف إلا بواسطة الرسل والأنبياء.

وكذلك فإن المرشدين والمجددين والعلماء الذين يهدون الناس ويرشدونهم هم ورثة النبي الكريم ﷺ. وكما أن أمور الدنيا تحتاج إلى علماء ومتخصصين في مختلف المجالات، فإن العيش باستقامة والترقي الروحي يحتاج أيضًا إلى العلماء الوارثين والأطباء الروحيين الذين هم ورثة رسول الله ﷺ.

إن غاية النبوة هي أن تستنير القلوب بنور الإيمان وأن تترقى بالعبادة. وذكر الكتب السماوية للكون وما فيه من أحداث إنما هو لإثبات وجود الله ووحدانيته، وللفت الأنظار إلى تجليات أسمائه وصفاته الإلهية. أما الفلسفة ـ التي تُستعمل غالبًا بمعنى العلوم الطبيعية ـ فغايتها الأساسية أن يعرف الإنسان هذا العالم معرفة دقيقة ويستفيد منه إلى أقصى حد، ليعيش حياة دنيوية أكثر راحة وطمأنينة.

إن العقل المحروم من الوحي قد يستطيع أن يقول شيئًا عن بنية العالم المادي ووظائفه، لكنه لا يستطيع وحده أن يعرف حقائق مثل: «لماذا خُلق هذا العالم؟ ومن هو مالك الكون؟ وما أسماؤه وصفاته؟ وكيف يؤدي الإنسان شكر ربه؟ وإلى أي عالم سيذهب بعد هذه الدنيا؟». فهذه الحقائق لا تُعرف إلا بالاستفادة من نور القرآن وبإرشاد نبي.

ثم إن الإنسان، هل يستطيع أن يعيش مرتاحًا دون أن يجد جوابًا عن الأسئلة: «ما حقيقتك؟ من أين جئت؟ وإلى أين تذهب؟». إن أجوبة هذه الأسئلة لا تُعرف إلا بواسطة الأنبياء.

لقد جاء القرآن الكريم بأسس تنظم حياة المسلمين الشخصية والأسرية والاجتماعية، وشرح رسول الله ﷺ هذه الأسس لأمته بكل تفاصيلها، وطبّقها عمليًا في حياته وعلّمها للناس. فالمسلم تعلّم من النبي ﷺ كل شيء؛ من كيفية الإيمان بالله إلى كيفية أداء الصلاة، وحتى القواعد التي ينبغي اتباعها في التجارة والحياة الاجتماعية.


 


45-) ما العلاقة بين الآية الأولى من سورة هود والموضوعات التي تناولتها «الكلمة الرابعة عشرة»

في هذه الكلمة تم التركيز على خمس حقائق، اتُّخذت أمثلةً لبعض المسائل التي يجد بعض الناس صعوبة في فهمها،
مثل: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ﴾
﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
كما قُدِّم نموذج يوضح كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا وفهمها.

قال الله تعالى:

﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).

في هذه الآية الكريمة، يُلفت النظر أولًا إلى أن آيات القرآن قد أُحكمت ونُظِّمت بإتقان، ثم يُبيَّن أنها فُصِّلت من قِبَل الله تعالى، الذي هو الحكيم  والخبير.

ويمكن فهم معنى التفصيل المذكور هنا على وجهين:

1. أن الحقيقة التي تُذكر في آية بصورة مجملة أو مختصرة، تُبيَّن تفاصيلها في آيات أخرى.
   فمثلًا، يُذكر في سورة الفاتحة «الصراط المستقيم» بإجمال، ثم تُوضّح آية أخرى أن أهله هم: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.

2. أن الحقائق المجملة الواردة في الآيات قد فصّلها وشرحها رسول الله ﷺ.

ثم جاء علماء التفسير عبر العصور، ففسّروا هذه الحقائق القرآنية بمزيد من التفصيل، بما آتاهم الله من علم وحكمة.

وعليه، فإن الإنسان إذا لم يستطع فهم حقيقةٍ ما بعقله وحده، فعليه أولًا أن يرجع إلى شروح النبي ﷺ في الأحاديث، ثم إلى تفسيرات العلماء عند الحاجة. أما إذا اعتمد فقط على رأيه وتحليله الشخصي دون الرجوع إلى هذين المصدرين المهمين، فقد لا يطمئن قلبه، وقد تنشأ في نفسه الشكوك والترددات.

ولهذا تناول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذه الكلمة خمس مسائل على سبيل المثال، وشرحها بطريقة وسّعت آفاق الفكر، وأعطت المعرفة عمقًا أكبر، وحرّرت القارئ من النظرة السطحية. وبذلك أرشدنا إلى أنه عندما نواجه مسائل مشابهة، ينبغي أن ندرك أن للحقيقة أبعادًا وجوانب كثيرة قد تتجاوز حدود إدراكنا المباشر، مما يوجّه العقل ويهدي الفكر إلى الفهم السليم.
 


46-) ما هو الموضوع الرئيسي للكلمة الثالثة؟

الموضوع الرئيسي في "الكلمة الثالثة" هو مقارنة حال من يؤدون واجباتهم في العبودية لله بمن لا يؤدونها، وما تكسبه العبادة، والتوكل، والتسليم للإنسان.

فالتوكل هو ثمرة التوحيد. فالمؤمن الذي يملك إيمانًا راسخًا ويقينًا كاملاً بالتوحيد، يكون في حالة توكل تام، ولا يضطرب أمام الأحداث. وكما عبّر الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: " فلو أصبحت الكرةُ الأرضية قنبلةً مُدمِّرة وانفجرت، فلربما لا تخيف عابدا لله ذا قلب منوَّر." (1)

إن هذا الثبات في الإنسان أساسه وجود عقيدة التوحيد في القلب والوجدان بشكل كامل ومطمئن. وقد تم تناول هذا الجانب من التوكل في هذه الكلمة.

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة.

 

 


47-) ما علاقة اسم "النور" بالأسئلة الواردة في الشعاع الأول من الكلمة السادسة عشرة؟

في هذا المبحث، يتم الجواب عن العديد من الأسئلة من خلال مثال الشمس.
فبعد بيان أن الشمس ذات نورانية مادية، ينتقل الكلام إلى انعكاسات الأرواح النورانية، ويُضرب مثال بـ جبريل عليه السلام.

وعند تطبيق التمثيل على الحقيقة، يُبيَّن أن جميع الموجودات النورانية ما هي إلا ظلال كثيفة للأسماء الإلهية.

وكل هذه المعاني تدل على الارتباط الوثيق بين الموضوع وبين اسم الله "النور"؛
إذ إن الشرح يدور حول النور والنورانية، والانعكاس والتجلّي، وهي مفاهيم تتصل مباشرةً بهذا الاسم الإلهي الجليل.
 


48-) «أما "الكتاب المبين" فهو: عنوانٌ للقُدرة الإلهية وإرادتها، وسجلٌ لهما وكتاب ». فهل الكتاب المبين الذي يسميه الأستاذ «دفتر القدرة» هو القدر البديهي؟

إن تعبيري «النظري» و«البديهي» يتعلقان بحال الإنسان. فالإنسان، لكونه مقيدًا بقيود كثيرة داخل هذا العالم المادي، تبدو له العوالم المعنوية بعيدةً ونظريةً، ولا يستطيع إدراك تلك العوالم إلا بالأدلة العقلية والمنطقية. ولما كان الإمام المبين عنوانًا للقدر المعنوي، فإنه يبقى نظريًا بالنسبة إلى الجانب المادي للإنسان.
أما الكتاب المبين، فلأنه عبارة عن هذا العالم المادي، فهو دائمًا أمام أعين الإنسان، ولذلك سُمِّي بالقدر البديهي.

إن الكتاب المبين هو أصلًا تجلٍّ لصفة القدرة في الكون وعنوانٌ لها، وليس المقصود أن هناك كتابًا مستقلًا تعمل القدرة في داخله.
ويُطلَق اسم الكتاب المبين على العالم المادي والكوني كله؛ أي لا يوجد هنا دفتر زائد.

ولا يتضمن الكتاب المبين خطةً أو مشروعًا مستقلًا أو مختلفًا عن الإمام المبين حتى يُقال: «ما الحاجة إليه؟» فالكتاب المبين يُكسِب الأشياءَ صورةً مادية وفقًا لخطة الإمام المبين.


49-) ما الحكمة من استعمال الأستاذ لعبارات: "يا نفسي الجاهلة"، و"يا نفسي الغافلة"، و"يا نفسي الموسوسة! يا من تجاوزتِ حدّكِ"، و"يا نفسي الكسولة"؟

لنُبيّن أولًا أن جميع هذه الأوصاف هي من صفات النفس. فالنفس قد تكون جاهلة، وغافلة، ومتجاوزة لحدودها، وكسولة في الوقت نفسه.

غير أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله كان يختار من هذه الصفات ما يناسب المقام والموضوع الذي يتحدث عنه.

"يا نفسي الجاهلة" :

 ففي المسائل المذكورة لم يكن هناك في الحقيقة أي تعارض أو تضاد، لكن النفس بسبب جهلها ظنت أن هناك تناقضًا بينها. ولذلك وُصفت النفس هنا بالجهل.

"يا نفسي الغافلة" :

ومعنى الغافل هو: الذي يسهو ويشرد بذهنه و لا يدرك بعقله أو قليل التركيزوالتفكير. وقد استُعمل هذا التعبير لأن النفس لم تستطع أن تفهم او سهت عن العلاقة بين الآيات التي تتحدث عن الخلق الفوري المباشر، والآيات التي تخبر عن الخلق التدريجي، ولم تستطع أن تدرك كيفية التوفيق بينهما.

"يا نفسي الموسوسة! يا من تجاوزتِ حدّكِ":

إن مسائل مثل القرب والبعد من الله، والمعراج، ووجود سبعين ألف حجاب، هي من الموضوعات التي قد تكون مجالًا لوساوس النفس إلى حدٍّ ما.
فإذا لم تُفهم هذه المسائل فهمًا صحيحًا، فإن النفس والشيطان قد يلقيان الوساوس في القلب بشأنها ويوقعان الإنسان في الخطأ والضلال.

"يا نفسي الكسولة":

استُعمل هذا التعبير في هذه الرسالة التي تتحدث عن حقيقة الصلاة؛ لأن النفس البشرية تتكاسل غالبًا عن أداء الصلاة، فناسب المقام أن تُوصف بالكسل.

وخلاصة الأمر: إن هذه الأوصاف المختلفة ليست متناقضة، بل كلها صفات موجودة في النفس الإنسانية، وقد اختير كل وصف منها بحسب المقام الذي يقتضيه الكلام والموضوع الذي يُعالج.

 


50-) «إذن فإن شفقة سيدنا يعقوب التي هي أسطعُ نورٍ يتلمع في أسطع سور القرآن، سورة يوسف...» هل سورة يوسف هي أسطع سورة؟ وكيف ينبغي أن نفهم ذلك؟

تُوصَف سورة يوسف في القرآن الكريم بأنها أحسن القصص. وعند القول: «إنها أسطع سور القرآن»، فإن ذلك مستند إلى هذه الآية القرآنية. أما سبب تسمية القرآن لهذه السورة بـ «أحسن القصص»، فهو شفقة يعقوب عليه السلام.

وتُعلِّمنا هذه السورة أن عاقبة الحسد الندم، وعاقبة الصبر الظفر، وعاقبة الأذى والمعاناة السرور، وعاقبة الحيلة الهلاك، وعاقبة الفراق اللقاء. ومن أهم الدروس المستفادة منها أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد الخير لشخص، فلا تستطيع أي قوة أن تحول دون ذلك.

ويمكنكم الاطلاع على المقطع الآتي الذي نقلناه من المكتوب الثالث والعشرين والمتعلق بهذا الموضوع:

«والآن يا أخي أزيد مسألة ثامنة إلى مسائلكم السبعة فأقول:

قبل يومين، تلا أحدُ الحفاظ الكرام آيات من سورة يوسف عليه السلام حتى بلغَ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾(يوسف:101) فوردتْ إلى القلب -على حين غرة- نكتة لطيفة.

إنَّ كل ما يخص القرآن والإيمان ثمينٌ جداً مهما بدا في الظاهر صغيراً، إذ هو من حيث القيمة والأهمية ثمين وعظيم. نعم، ليس صغيراً ما يُعين على السعادة الأبدية، فلا يقال: إن هذه النكتة صغيرة لا تستحق الأهمية.

فلا ريب إن "إبراهيم خلوصي" هو أول من يريد الاستماع إلى مثل هذه المسائل فهو الطالب الأول والمخاطَب الأول الذي يقدّر النكت القرآنية حق قدرها. ولهذا فاستمع يا أخي! إنها نكتة لطيفة لأحسن القصص.

إن الآية الكريمة التي تُخبر عن ختام أحسَن القصص، قصة يوسف، وهي:

﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾(يوسف:101) تتضمن نكتة بليغة سامية لطيفة تبشّر بالخير وهي معجزة في الوقت نفسه. وذلك:

إنَّ الآلام والأحزان التي يتركها الزوالُ والفراق الذي تنتهي إليهما القصصُ الأخرى المفرحة والسعيدة، تنغّص اللذائذ الخيالية الممتعة المستفادة من القصة وتكدّرها، ولاسيما عندما يخبر عن الموت والفراق أثناء ذروة الفرح والسرور والسعادة البهيجة، فيكون الألمُ أشدّ حتى إنه يورث الأسف والأسى لدى السامعين.

بينما هذه الآية الكريمة تختم أسطعَ قسم من قصة يوسف، وهو عزيزُ مصر وأقرّ اللّٰه عينَه ولقي والديه وتعارف وتحابّ هو وإخوته. وإذ تخبر الآية الكريمة عن موت يوسف في هذه الأثناء التي كان يوسف عليه السلام في ذروة السعادة والسرور تُخبر أن يوسف عليه السلام نفسه هو الذي يسأل ربَّه الجليل وفاتَه لينال سعادةً أعظم من هذه السعادة التي يرفل بها. وتوفي فنال تلك السعادة العظمى. بمعنى أن ما وراء القبر سعادةً أكبر وفرحاً أعظمَ من هذه السعادة التي ينعم بها يوسفُ وهو الأنيس بالحقيقة. إذ طلب الموتَ المرّ وهو في ذلك الوضع الدنيوي المُفرح اللذيذ كي ينال تلك السعادة العظمى هناك.

فتأمل يا أخي في بلاغة القرآن الحكيم هذه، كيف أخبر عن خاتمة قصة يوسف بذلك الخبر الذي لم يُثِر الألمَ والأسف لدى السامعين، بل زادهم بشارة وسروراً. فضلاً عن أنه يرشد إلى الآتي:

اعملوا لما وراء القبر، فإن السعادة الحقة واللذة الحقيقية هناك، زد على ذلك بيَّن مرتبة الصديقية الرفيعة السامية لسيدنا يوسف عليه السلام، إذ يقول: إنَّ أسطع حالةٍ في الدنيا وأكثرَها فرحاً وبهجة وسروراً لم تورثه الغفلةَ قطعاً ولم تفتره، بل هو دائم الطلب للآخرة.» (1)

 

 

-----------------------------
(1) المكتوبات، المكتوب الثالث والعشرون.

 

 

 

 


51-) هل يمكنكم شرح "الأساس الثاني" من الكلمة الثانية عشرة بشكل عام ومجمل؟

الإنسان الذي تربّى على الفلسفة المادية قد يصل به الأمر إلى أن يجعل نفسه وهواه معبودًا له، كما فعل فرعون، فيقدّس رغباته ويجعلها المعيار الأعلى في حياته.
وقد لا يعرف الله حق المعرفة، ومع ذلك يذلّ نفسه من أجل مصالح دنيوية تافهة، حتى إنه قد ينحطّ إلى أقصى درجات المهانة لتحقيق منفعة زائلة. فهو يتخذ من كل مصلحة دنيوية إلهًا له، ولأنه ينكر الحياة الأبدية، يحصر سعادته في اللذات الدنيئة الفانية، ولا يسعى إلا إلى إشباع شهوات نفسه ورغباتها.

وأعظم هدف عنده في الحياة هو تحقيق المنفعة الشخصية وإرضاء الهوى. ولهذا لا يُنتظر من مثل هذا الإنسان أن يبذل جهده بإخلاص من أجل الإنسانية أو الأمة؛ فهو لا يحب إلا نفسه، وإن أحب غيره فإنما يحبه لمصلحة تعود عليه.

كما أن تلميذ الفلسفة المنكر للدين يكون متصلبًا وعنيدًا في التسليم للحق، لكن هذا العناد يذوب أمام اللذات الدنيوية الرخيصة، فيصبح كالمتسوّل الحقير أمام نعم الدنيا. وسبب هذا التذلل أنه ينسب النعم إلى الأسباب لا إلى الله تعالى.

وهو كذلك متكبر ومتجبر، لكن لأنه لا يملك إيمانًا يستند إليه ويعتمد على الله من خلاله، فإنه يعيش خائفًا مرتعدًا من كل شيء ومن كل حادثة.
فكما أن الإيمان هو مصدر الشجاعة، فإن الكفر والإنكار هما مصدر الجبن والخوف.

أما التلميذ المخلص للقرآن الكريم، أي المسلم الذي تربّى على هدي القرآن، فهو عبد خالص لله تعالى. وهو عبد عزيز كريم إلى درجة أنه لا يجعل حتى نعمة عظيمة كالجنة غايةً نهائية لعبادته وعمله، بل يبتغي رضا الله قبل كل شيء.

وهو متواضع ولين الجانب، لا يتصف بالتجبر أو الخشونة في معاملته للناس، بل بالحلم والرفق. لكنه مع ذلك لا يخضع ولا يتذلل إلا لله تعالى، وذلك لما يمنحه الإيمان من عزة وكرامة.

كما أنه لا يرى في نفسه قوة أو قدرة مستقلة، بل ينسب كل خير إلى الله تعالى. ولأنه لا يطلب إلا من الله، فإنه يستغني عن الخلق ولا يشعر بالحاجة إلى التذلل لأحد أو انتظار المنة من أحد. واعتماده على قدرة الله يجعله يشعر بقوة لا حد لها.

أما هدفه في الدنيا وغاية سعيه فهي الفوز برضا الله تعالى وحده.

وهكذا يظهر الفرق العظيم بين تلميذ الوحي الإلهي وتلميذ الفلسفة المادية.
 


52-) هل يمكنكم شرح الجملة:"الوجود غير منحصر في العالم الجسماني"

المقصود بكلمة الوجود هنا هو الكيان أو الموجود، والوجود لا يقتصر على هذا العالم المادي الذي نعيش فيه.
ويمكن تقسيم الموجودات – بصورة عامة – إلى: وجود أزلي، وروحي (معنوي)، وعلمي، وغيبي، ومادي.

فعلى سبيل المثال، الوجود الأزلي هو وجود الله تعالى، وهو أكمل الموجودات وأثبتها وأرسخها.

"وإن هذا الوجود، واجب، راسخ، ذو حقيقة، إلى حدٍ عظيم. ووجود الممكنات خفيف وضعيف في منتهى الخفة والضعف، بحيث دفع الشيخ محي الدين بن عربي وأمثاله الكثيرين من أهل التحقيق أن يُنـزلوا سائر طبقات الوجود منـزلة الأوهام والخيالات، فقالوا: "لا موجود إلاّ هو"، وقرروا أنه لا ينبغي أن يقال لما سوى الوجود الواجب وجوداً، إذ لا تستحق هذه الأنواع من الوجود عنوان الوجود."(المكتوب العشرون، المقام الثاني).

فعلى سبيل المثال، البصر له وجود مادي باعتباره وظيفة مرتبطة بالعين، بينما البصيرة لها وجود معنوي وعلمي.
وكما أن الدنيا عالم مادي، فإن الجنة وجهنم من العوالم الغيبية، أي إنهما موجودتان، وإن لم تكونا داخل العالم المحسوس.

وكذلك الروح، والقلب، واللطائف هي أنواع من الموجودات تختلف عن الموجودات المادية. فوجود الروح ألطف وأشد نورانية، بينما وجود الجسد أكثف وأكثر مادية.

أما حصر الوجود في العالم المادي وحده، فهو نظرة مادية (مذهب مادي). إذ توجد عوالم كثيرة يعجز إدراكنا عن الإحاطة بها، مثل: عالم الأرواح، وعالم البرزخ، وعالم المثال، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار، وعالم المعنى، وعالم الأمر، وغيرها من مراتب الوجود التي تتجاوز حدود إدراك الإنسان.
 


53-) في المصائب العامة كالزلازل، يُذكر أن الذين تشملهم الرحمة الإلهية هم الأبرياء والمظلومون.أليس الإيمان شرط لنيل عناية الرحمة الإلهية؟

يقول بديع الزمان سعيد النورسي:

« فما دامت المصيبة تصيب كلاّ من الظالمين والمظـلومين معا، وفق الحكمة الإلهية، فما نصيب أولئك المظلومين من العدالة الإلهية ورحمتها الواسعة؟»

ثم يجيب:

«  إن هناك تجليا للرحمة في ثنايا ذلك الغضب والبلاء، لأنّ أموالَ أولئك الأبرياء الفانية ستُخلَد لهم في الآخرة، وتُدّخر صدقةً لهم، أما حياتُهم الفانية فتتحول إلى حياة باقية بما تكسب نوعا من الشهادة؛ أي إن تلك المصيبة والبلاء بالنسبة لأولئك الأبرياء نوع من رحمة إلهية ضِمن عذاب أليم موقت، حيث تمنح لهم بمشقة وعذاب مؤقتين، وقليلين نسبيا، غنيمة دائمة وعظيمة.» (الكلمات، ذيل الكلمة الرابعة عشرة)

أولًا، لنتوقف قليلًا عند السؤال:

«أليس الإيمان شرطًا لنيل عناية الرحمة الإلهية؟»

إن الله تعالى رحمن، ومعنى الرحمانية أن الله يرزق جميع المخلوقات في الدنيا، مؤمنها وكافرها، إنسانها وحيوانها، ويقضي حاجاتها.

وجاء في كتاب الكلمات -اللوامع ما يلي:

« إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.»

فكما أن الرزق حقٌّ من حقوق الحياة، كذلك الشفاء أيضًا من حقوقها. ولهذا فإن تجليات أسماء الله تعالى مثل الرزاق والشافي لا تتوقف على الإيمان. فهذه التجليات لا تنظر إلى كون المخلوق مؤمنًا أو كافرًا، بل تنظر إلى حقيقة كونه حيًّا وما تحتاجه حياته، فتُمنح له تلك الحاجات.

وهذا من مقتضيات كون الدنيا دار امتحان؛ إذ لو اختصت نعم الحياة بالمؤمنين دون غيرهم لبطل سر الابتلاء.
فالنور والهواء مثلًا من ضرورات الحياة، ولو مُنعا عن غير المؤمنين لفسد نظام الامتحان.

وعليه، فإن عناية الرحمة الإلهية في الدنيا تشمل جميع الناس وسائر الأحياء. أما الرحمة الخاصة في الآخرة، ودخول الجنة ونيل نعيمها، فإن الإيمان شرط أساس لها.

ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «نوع من الشهادة» الواردة في النص تُفهم بمعنى «الشهادة الحُكمية»، وهذا لا يكون إلا لأهل الإيمان.

فكما أن المؤمن الذي يُقتل في سبيل الله يُعد شهيدًا، فقد ورد في الأحاديث أن من يموت في بعض الحوادث، أو الأمراض الشديدة، أو أثناء الولادة، أو في طلب العلم، يُعطى حكم الشهيد أيضًا. والفرق بين هؤلاء وبين الشهيد الحقيقي أن أصحاب الشهادة الحُكمية يُغسَّلون ويُكفَّنون، أما الشهيد في المعركة فيُدفن بثيابه.

أما غير المؤمنين، فإن معاناة الأبرياء والمظلومين منهم لا تذهب سدى كذلك. فليس الظالم الكافر والمظلوم الكافر سواءً في الجزاء والعقوبة.

وقد دلّ قوله تعالى في سورة الزلزلة:

- ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8)﴾(الزلزلة: 7-8)

على أن جميع الناس سيجدون أعمالهم يوم القيامة مكتوبةً أمامهم، ويرون نتائجها كاملة. فالآية لم تخص المؤمنين وحدهم، بل شملت كل البشر؛ لأن قوله تعالى «فَمَن يَعۡمَلۡ » عام يشمل الجميع.

الخلاصة:

- الرحمة العامة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، والإنسان والحيوان.
- المصائب العامة قد تتضمن وجوهًا من الرحمة والحكمة حتى لمن يصيبهم البلاء.
- الشهادة بمعنى الثواب الأخروي الخاص تكون لأهل الإيمان.
- أما غير المؤمنين فلا يضيع ما لحقهم من ظلم أو معاناة، بل يُراعى ذلك في ميزان العدل الإلهي، إذ لا يساوى المظلوم بالظالم عند الله تعالى.
- وكل عمل، خيرًا كان أو شرًا، سيظهر أثره وجزاؤه يوم القيامة.
 


54-) لماذا توجد الجنة والنار؟

لقد تم شرح وإثبات وجود الجنة والنار بشكلٍ موسّع في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين".
ونظراً لطول الموضوع، لا يمكننا تناول جميع جوانبه هنا، لكن يمكننا ذكر بعض الأمثلة بإيجاز.

إن السبب الأعظم لخلق الآخرة، أي حياة الجنة والنار، هو أن أسماء الله تعالى تقتضي ذلك. فكل اسم من أسماء الله الحسنى يستلزم وجود الآخرة.

فعلى سبيل المثال: إن اسم الله العدل، من خلال تجلّيه في الكون بصورة لا متناهية، يثبت وجود الله تعالى، كما يقتضي وجود الآخرة.
ذلك أن كثيراً من المظلومين يرحلون من الدنيا قبل أن ينالوا حقوقهم، وكثيراً من الظالمين يمضون دون أن يلقوا جزاءهم.
والحال أن العدالة المطلقة لا تسمح باستمرار هذا الظلم دون حساب؛ فلا بد إذن من دار أخرى يُفصل فيها بين الناس وتُؤدّى فيها الحقوق.
أي إن عدل الله اللامتناهي يقتضي وجود الآخرة.

وكذلك فإن جميع أسماء الله تعالى وصفاته الأخرى تثبت ضرورة وجود الحياة الآخرة وتدل على لزومها وواقعيتها.
 


55-) يستشهد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بالآيات التالية ( الأنبياء:104، الأعراف:54، يس:53 ) كدليل على أن الحقائق السامية في القرآن لا يمكن أن يعبّر عنها الأسلوب الشعري البسيط والضعيف. لكنه لا يدخل في تفاصيل ذلك ولا يشرحه. فهل يمكنكم المساعدة في شرحها؟

- { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ }(الأنبياء: 104)

- { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } (الأعراف: 54)

- { إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }(يس: 53)

هذه الآيات الكريمة تعلّم بأسلوب رفيع جدًّا قدرة الله وعظمته وعدله. وهي آيات تثير في أرواحنا معاني الدهشة والخشية والهيبة، ولا يمكن التعبير عنها بأسلوب شعري يهدف إلى الإمتاع أو التزيين اللفظي.

ومن جهة أخرى، فإن الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات، بحكم طبيعة موضوعاتها، يكون من الأنسب والأوفق بالحكمة أن تُعبَّر عنها بأسلوب واضح ومجرّد وسهل الفهم، لا بأسلوب شعري مزخرف.

وربما يُتصوَّر أن الآيات التي تتحدث عن جمال الكون الباهر والظواهر المليئة بالحكمة يمكن أن تأتي في قالب شعري. غير أن الله تعالى أنزل تلك الآيات التفكرية أيضًا بأسلوب سامٍ وعالٍ، ولم يخلط فيها خيالات الشعر وتصوراته، بل جاءت معبّرة عن الحقائق كما هي، في أرقى أساليب البيان.
 


56-) «شفقة الوالدة، التي هي أكرم وأحلى وألطف وأعذب تجلٍّ من تجليات الرحمة الربانية، هي حقيقة من أشرف الحقائق وأكرمها في حقائق الكون». هل تشرحون ذلك؟

بالطبع، هذه ترجمة احترافية محافظة على المعنى دون زيادة أو نقصان:

 

التاريخ: 01.12.2022 - 11:09 | التحديث: 23.05.2023 - 09:05

مدة القراءة: دقيقة واحدة

الجواب

أخي الكريم؛

إن أشرق وأجلّ وأظهر وأطيب مظهر ونقطة لتجلّي شفقة الله ورحمته هي شفقة الأم. ولهذا السبب فإن شفقة الأم تصبح حقيقةً ومظهراً من أكرم حقائق هذا الكون وأشرفها. ولذلك فإن حق الأم لا يُؤدّى.

إن الأمهات لهنّ مقام ومنزلة فريدة من جهة الشفقة، والولد مكلّف بأن يُعظّمها ويُكرمها كثيراً...


57-) كيف كان تحمّل الإنسان للأمانة وقبوله لها؟ وهل هذه المسألة اختيارية أم اضطرارية؟

بما أن هذا الأمر يُعدّ من قبيل التمثيل، فلا مجال هنا للقول بوجود اختيار أو اضطرار؛ وإنما المقصود أن طبيعة الإنسان واستعداده هما اللذان يملكان القدرة على حمل الأمانة.

وقد ورد في الكلمة العاشرة، الحقيقة الحادية عشرة ما يوضح هذه المسألة بأجمل بيان:
«إن اللّٰه جلّ جلالُه وضعَ بيد الإنسان أمانةً هي: "أنا" الذي ينطوي على إشارات ونماذجَ يستدلّ بها على حقائقِ أوصافِ ربوبيته الجليلة وشؤونِها المقدسة. أي يكون "أنا" وحدةً قياسيةً تُعرَف بها أوصافُ الربوبية وشؤونُ الألوهية.»

وهذا يعني أن الذي حمل الأمانة هو استعداد الإنسان وقابليته. أما مضمون هذه الأمانة، فهو أن يحسن الإنسان الاستفادة من الصفات والأفعال والأحوال الموجودة فيه، ليعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته كلها.

فعلى سبيل المثال، الشمس لا تملك استعدادًا يجعلها تقول: «هذه قوتي»، ولذلك فهي محرومة من أن تجعل قوتها الهائلة مقياسًا لمعرفة قدرة الله تعالى.
أما الإنسان، فإذا رفع حجرًا يزن خمسة أو عشرة كيلوغرامات، استطاع أن يجعل ذلك مقياسًا فيقول:
 «كما أنني أرفع هذا الحجر، فإن خالقي يدير جميع الكواكب بسهولة، ويمسك جميع النجوم فلا تسقط.»

وكذلك فإن الشمس، لأنها لا تمتلك صفتي العلم والإرادة، لا تستطيع أن تتعرف من خلالهما على علم الله وإرادته. ولأنها لا تبصر ولا تسمع، فلا يمكنها أن تعرف الله بأنه البصير والسميع.

وأود أن أنقل هنا حادثة أراها ذات أهمية كبيرة في هذا السياق.

سألوا رجلًا أعمى:
«ماذا تفهم عندما يُقال: الإبصار أو الرؤية؟»

فأجاب جوابًا لافتًا:
«أنتم تقولون: "فلان قادم". فأتعجب وأقول: كيف عرفوا ذلك؟!»

فهذا الرجل لا يملك الاستعداد الذي يمكّنه من إدراك حقيقة الإبصار، ولذلك لا يستطيع حمل هذا المعنى أو استيعابه.

 


 


58-) هل يمكنكم شرح الفكرة الرئيسية للكلمة التاسعة مع بيان لطائفها (النُّكَت) في جملة واحدة لكل منها؟

في هذه الكلمة يتم توضيح سبب أداء الصلاة خمس مرات في اليوم، مع شرح الحكمة والمصلحة الخاصة بكل وقت من أوقاتها.

اللطيفة الأولى:
يتم شرح معنى الصلاة، وبيان العلاقة بين الأذكار والتسبيحات الواردة فيها وبين حقيقة الصلاة.

اللطيفة الثانية:
يتم توضيح معنى العبادة، وشرح الدلالات والمعاني التي تعبّر عنها أقوال الصلاة وحركاتها.

اللطيفة الثالثة:
يُشار إلى شمولية الصلاة وكونها خلاصةً جامعةً لجميع أنواع العبادات.

اللطيفة الرابعة:
يتم بيان ما يقابل أوقات الصلوات الخمس في أعمار الإنسان والدنيا والكون، وشرح العلاقات القائمة بين هذه الأوقات.

اللطيفة الخامسة:
توضح حاجة العبد الروحية والقلبية إلى الصلاة في الأوقات التي يشير كل منها إلى مرحلة معينة من عمر الإنسان والكون، كما تبيّن ما ترمز إليه كل حركة من حركات الصلاة وما تعبّر عنه من معانٍ


59-) كيف يكون اتخاذ الملائكة والروحانيات السماوات مسكناً لهم، وكيف يُصوَّر مسكنهم على أنه قصور وسرايات مزينة؟

لقد ذُكرت الأرض والسماء معاً في بعض آيات القرآن الكريم، وجُعلتا في منزلة متقاربة.
ثم إن الأرض ـ على الرغم من صغرها وحقارتها ـ تعادل الكون في الأهمية.

وليس مسكن الملائكة مقتصراً على السماء وحدها، فالأرض أيضاً مملوءة بالملائكة. ثم إن تلك الموجودات النورانية ليست بحاجة إلى مساكن أو قصور تقيم فيها.
فالله سبحانه وتعالى، الذي خلق السماء مرآةً لأسماء كثيرة من أسمائه ومظهراً لكثير من صنائع قدرته، لم يترك ذلك الملك العظيم الجميل خالياً، بل عمّره بالملائكة، وأراهم مخلوقاته ليتأملوها.

أما القصور الحقيقية فهي قصور الجنة التي تجري الأنهار من تحتها، وقد أُعدّت للمؤمنين. وفي تصوير النجوم على أنها قصور إشارةٌ إلى ترغيب المؤمنين في قصور الجنة، وحثّهم على أن يقضوا حياتهم في العبادة والطاعة على نهج الملائكة، فلا يتعلّقوا ببيوت الدنيا الفانية البسيطة، بل يرغبوا في القصور الأبدية الكاملة.

 


60-) ما هي شجرة طوبى وشجرة الزقوم؟ وماذا ترمزان إليه؟ وكيف تكون "الأنا" هي بذرة ونواة كلتا الشجرتين؟

شجرة طوبى هي شجرة من أشجار الجنة، وشجرة الزقوم هي شجرة في جهنم. فالأولى ترمز إلى السعادة الأبدية، والثانية ترمز إلى العذاب الدائم.

وجاء في الكلمة الثانية:
«الإيمان إذن يضم حقا بذرة معنوية منشقة من «طوبى الجنة». أما الكفر فإنه يخفي بذرة معنوية قد نفثته «زقومُ جهنم».»(الكلمات، الكلمة الثانية)

وفي رسالة أخرى يبيَّن أن مصدر كل حسنة هو الإيمان. وبناءً على ذلك، فإن جميع العبادات - وفي مقدمتها الفرائض - وجميع الأعمال الصالحة، وكل فروع الأخلاق الحسنة، هي ثمار شجرة الإيمان. ولأن الدنيا هي مزرعة الآخرة، فإن هذه الخيرات كلها ستتجلى في الآخرة على هيئة شجرة طوبى.

وكذلك فإن جميع صور الشرك، والعصيان، والذنوب، هي ثمار الكفر، وستتجلى في الآخرة على هيئة شجرة الزقوم.

وكلا الشجرتين تنبثقان من "الأنا"، أي من ذلك الاستعداد العظيم الذي أُودع في الإنسان، بحسب استعماله استعمالًا صحيحًا أو خاطئًا.

ولتوضيح ذلك نذكر مثالًا:

لدى الإنسان استعداد للكلام. فإذا استعمل هذا الاستعداد في الطريق الصحيح، كأن يقرأ القرآن ويبلغ حقائقه، نال بذلك أجورًا عظيمة.
أما إذا استعمل القدرة نفسها في نشر الأفكار الباطلة، فإنه يهيئ نفسه لعذاب شديد. وهكذا تخرج من الأصل نفسه ثمرتان مختلفتان.

وجاء في المثنوي النوري في وصف الإنسان:
«ثمرةُ الرحمة السميعة لنداء حاجاتك، ومتصلَّب الفعل المريد لما يريده استعدادُك.»(المثنوي النوري، "الذرة")

فشجرة التفاح لا تثمر إلا تفاحًا، ولا يمكنها أن تثمر كمثرى.
وكذلك جبريل عليه السلام هو ملك الوحي، وليس من مهمته قبض الأرواح؛ فهذه المهمة موكولة إلى عزرائيل عليه السلام، كما أن عزرائيل لا يأتي بالوحي.

أما الإنسان، فهو يختلف عن جميع المخلوقات في هذه الناحية؛ إذ أُذن له أن يستخدم استعداده الشامل والواسع كما يشاء.

فماهية الأنا عند أهل الخير وعند أهل الشر واحدة، وإنما ينشأ الاختلاف من كيفية استعمالها: استعمالًا صحيحًا أو استعمالًا خاطئًا.

إن للشعور بالأنا الذي أودعه الله في طبيعة الإنسان وجهين:

- وجهًا يتجه إلى الخير.
- ووجهًا يتجه إلى الشر.

فإذا ارتقت الأنا في اتجاه الخير، قادت الإنسان إلى الجنة. وإذا سارت في اتجاه الشر، قادته إلى جهنم. ولذلك شُبِّه الوجه الخيّر للأنا بشجرة طوبى، والوجه الشرير منها بشجرة الزقوم، وهذا تشبيه وتمثيل.

فالأنا أشبه ببذرة تحتوي في داخلها إمكانات الخير والشر جميعًا. فإذا زُرعت في تربة العبودية، وسُقيت بماء الإسلام، نمت شجرةً تثمر السعادة الأبدية.

أما إذا سُقيت بماء الكفر، والشرك، والعصيان، والظلم، فإنها تنمو لتصبح شجرة الزقوم.

وبعبارة أخرى: ليس في الأنا بذرتان منفصلتان، وإنما بذرة واحدة ذات وجهين مختلفين؛ ويتحدد مصيرها بحسب الطريقة التي تُغذى بها وتُستعمل.

 


 


61-) «فالشخص المتشرف بالكرامة إذا ما صدر عنه أمر خارق للعادة وهو يعلم، فلربما يكون صدورُ ذلك الأمر الخارق استدراجاً إن كانت نفسُه الأمارة باقيةً...» ما المقصود بقولهم: «إن كان نفسُه الأمّارة باقية»؟

من الصعب جدًا على شخص لم يُصلح نفسه إصلاحًا كاملًا، ولم يُخضعها للطاعة، أو بحسب تعبير أهل التصوف «لم يقتل نفسه»، أن يُظهر أحواله الخارقة أو كرامته، إن وُجدت، ويعلنها، ثم لا يصيبه الغرور والأنانية عندما يرى من الناس إقبالًا واهتمامًا كبيرين به. وهذا يشبه أن يقفز الإنسان في البحيرة ثم لا يبتل.

«بقاء النفس» يعني أن الشخص الذي لم يتمكن من إصلاح نفسه إصلاحًا تامًا وإخضاعها للطاعة، يكون عرضة للوقوع في أمراض معنوية مثل الرياء، والغرور، والأنانية، والعُجب. ولذلك لا يصح أن يُظهر أمثال هؤلاء ما يظهر على أيديهم من أحوال خارقة وكرامات وأن يعلنوا عنها. فإخفاؤها أَولى من إظهارها.

 

 

 


62-) ما الحكمة من انتهاء "الكلمة الثالثة عشرة" بهذه الفقرة: "إن البيانات القرآنية لا يمكن أن تستند إلى علم جزئي لبشر، ولا سيما إنسان أمي..."؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
{ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ } (الكهف: 1)

كما يبيّن المثال الذي أورده الأستاذ عن "الشجرة الغيبية" بصورة بديعة، فإن حقائق خلق الكون، وأسماء الله وصفاته وشؤونه الإلهية، وأفعاله الربانية، وأركان الإيمان والإسلام وتفصيلاتها؛ كل ذلك لا يمكن للبشر أن يحيطوا به من تلقاء أنفسهم أو أن يعلموه علمًا كاملًا.

والقرآن الكريم، بشرحه المفصل والمتقن لجميع هذه القضايا، يثبت أن الحقائق الغيبية الواردة فيه لا تستند إلى علم سيدنا رسول الله ﷺ الشخصي، وإنما إلى الوحي الإلهي.

فالله تعالى أنزل على عبده ورسوله الحبيب ﷺ القرآن الكريم، الخالي من كل تناقض أو اضطراب أو خطأ. ومهما حمدنا الله على هذه النعمة فلن نفيها حقها؛ لأننا تعلّمنا هذه الحقائق العظيمة، التي تفوق إدراك عقولنا بكثير، من نبينا الكريم ﷺ ومن الوحي الإلهي الذي نزل عليه.

فالحكمة من ختم هذا المبحث بهذه الفقرة هي التأكيد على النتيجة النهائية لما سبق بيانه: أن شمول القرآن لحقائق الغيب والكون والإيمان، مع سلامته التامة من التناقض والخطأ، دليل قاطع على أنه وحي من الله تعالى، وليس نتاج علم بشري محدود، ولا سيما علم رجل أميٍّ لم يتلقَّ علوم البشر وعلوم الفلاسفة.

والله أعلم.


63-) ما الذي يُراد بيانه في «المسألة الرابعة» من «المكتوب الحادي عشر»؟

{... فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ ...} (النساء:11).

تُبيّن هذه الآية أن أمّ المتوفى لها السدس من تركته. أما فهم المدنية الحالية للميراث، فلا يمنح الأم حقًّا في الميراث. وينتقد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذه المسألة هذا الفهم للميراث.

«فحرمان الوالدة التي تطوي جوانحها على مثل هذه الحقيقة العزيزة وإلى هذا الحد، من تركة ولدها، ظلمٌ مريع وعمل إجرامي، وإهانةٌ بحقها، وكفرانُ نعمة إزاء الحقيقة الجديرة بالتوقير، بحيث يهتز لها عرشُ الرحمة. وفوق ذلك فهو دسّ للسم في الترياق النافع لحياة البشر الاجتماعية. فإن لم يُدرك هذا وحوشُ البشرية الذين يدّعون خدمتها، فإن الناس الحقيقيين الكاملين يعلمون أن حكم القرآن الحكيم في قوله تعالى: ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾(النساء:11). عينُ الحق ومحضُ العدل.» (1)

ومن الظلم أيضًا أن المدنية نفسها، حين يرى أن إعطاء الرجل سهمين والبنت سهمًا واحدًا في الميراث وفق حكم القرآن هو أمر غير عادل، لا يطرح في المقابل مسألة عدم إعطاء الأم شيئًا من الميراث.

«إن المدنية -وهي بلا ميم- (أي الدنيّة) كما قد أصبحت سبباً لمثل هذا الظلم (المذكور في المسألة السابقة) في حق البنات بإعطائها أكثر مما تستحق » (2)

تشير هذه الجملة إلى هذه المسألة.

 

 

 

-----------------------
(1) المكتوبات، المكتوب الحادي عشر.

(2) المصدر نفسه.

 

 


64-) ما هي "حقيقة الصلاة"؟ هل يمكنكم توضيحها؟

يمكن تلخيص حقيقة الصلاة في أربع كلمات: التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد.

فـ “لا إله إلا الله” هي التهليل، و“الله أكبر” هي التكبير، و“سبحان الله” هي التسبيح، و“الحمد لله” هي التحميد.

وهذه الكلمات الأربع هي لبّ الإسلام، وخلاصة القرآن، وجوهر العبادة، وحقيقة الصلاة.

وقد أشارت الأحاديث النبوية إلى هذا المعنى كما يلي:

[ إنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللهِ: سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه.](مسلم)

وقال رسول الله ﷺ:
[كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ] (مسلم)

وفي الحقيقة، فإن هذه الكلمات الأربع وما تتضمنه من معانٍ تتكرر في كل حركة من حركات الصلاة؛ فالإنسان طوال صلاته يسبّح الله، ويكبّره، ويحمده، ويهلّله.

 

 


65-) ما معنى «العلة الغائية، والداعي، والمقتضي»؟ وهل يمكن توضيحها مع بيان الفروق بينها؟

العلة الغائية: هي الغاية والمقصود والنتيجة التي يُعمل من أجل تحصيلها. وتعريف الأستاذ لها على النحو الآتي:
«.المصالح والثمرات والفوائد التي تترتب على تلك الوظيفة والمهمة وهي التي تسمى بـ"العلة الغائية"» (1)

الداعي: يعني في الأصل السبب والمقتضي. فمثلًا، تناول الطعام هو لذة وشوق ناشئان عن الشهية، وهما يدفعان الإنسان إلى تناول الطعام. وهذا يسمى الداعي. كما تُسمّى الأسباب والوسائل التي تدفع الإنسان إلى المقصد والغاية «داعيًا».

المقتضي: يأتي بمعنى ما يلزم وما تقتضيه الحاجة، وهو في المعنى قريب من الداعي.

المقتضي والداعي: هما الصلة بين السبب والنتيجة. أما العلة الغائية فهي النتيجة. وبعبارة أخرى: الداعي والمقتضي هما الرغبة في الحصول على الشيء؛ أما العلة الغائية فهي النتيجة والمقصود المراد الحصول عليه.

«مثال ذلك: أن الأكلَ وظيفةٌ فطرية يشتاق الإنسان إلى القيام بها بدافع من لذة ناشئة من الشهية، ومن بعدها فهناك إنماء الجسم وإدامة الحياة كنتيجة للأكل وثمرة له.» (العلة الغائية) (1)

 

 

-----------------------
(1) المكتوبات، المكتوب الثامن عشر.

(2) المصدر نفسه.

 

 

 

 


66-) في الكلمة الثالثة عشرة كيف يوجد داخل سورة الإخلاص ستٌّ وثلاثون سورة إخلاص؟

{ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4)}

يُذكر في الكلمة الخامسة والعشرين أن لسورة الإخلاص ست جمل، ويقال فيها:

- " فكلُّ جملة منها تكون دليلا للجمل الأخرى كما تكون نتيجةً لها.

- ...أي إن سورة الإخلاص تشتمل على ثلاثين سورةٍ من سور الإخلاص." ( الكلمة الخامسة والعشرون، الشعاع الأول)

كما ورد هذا العدد "ثلاثون" في مبحث الإخلاص في كتاب اللمعات. أما هنا فقد ورد العدد "ستة وثلاثون". وسنقوم أولًا بالشرح اعتمادًا على العدد "ثلاثون"، ثم نتطرق بإيجاز إلى العدد "ستة وثلاثون".

لسورة الإخلاص ست جمل، وكل جملة منها تثبت الجمل الخمس الأخرى غيرها. وبذلك يكون لدينا:

6 × 5 = 30 جملة إثبات.

 

لنأخذ مثالًا عبارة:

{ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ }

فينتج عنها خمس جمل حكمية:

ما دام ٱللَّهُ صَّمَدُ،
إذن فلا حاجة له إلى الإنجاب ولا إلى أن يولد { لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ}. (1)، (2)

وإذن فلا يمكن أن يكون له مثيل أو نظير: { وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ }. (3)

وإذن فإن المتصف بهذه الصفات هو وحده: {هُوَ ٱللَّهُ}. (4)

وإذن فهو {أَحَدٌ}، أي إن ذاته واحدة. (5)

وعندما نأخذ الكلمات الخمس الأخرى بالتتابع، ونجعل كل واحدة منها في البداية ثم نرتب الكلمات الأخرى بعدها، فإننا نستخرج من الجمل الست ثلاثين جملة حكمية.

أي إننا، كما في المثال السابق، نبدأ كل مرة بقولنا: "ما دام..." ثم نستنتج حكمًا بقولنا: "إذن...". وهذه الجمل الحكمية التي تبدأ بـ "إذن" عددها:

6 × 5 = 30

أما بالنسبة للعدد "ستة وثلاثون"، فالمقصود هنا ليس عدد الأحكام (النتائج)، بل عدد الجمل.

فإذا كتبنا الكلمات الست تحت بعضها، ثم أضفنا إلى جانب كل واحدة منها خمس جمل حكمية، أصبح لدينا ستة وثلاثون عنصرًا.

أي إن:

* عدد الجمل = 36
* عدد الأحكام (النتائج) = 30

السبب — النتيجة (الحكم)

1 2 3 4 5 6

2 3 4 5 6 1

3 4 5 6 1 2

4 5 6 1 2 3

5 6 1 2 3 4

6 1 2 3 4 5


 


67-) عندما ننظر إلى الظاهر، نرى أن عدوَّ الإنسانية وخصمها هو الكفر والظلم والسفاهة والمنفعة الشخصية. لكننا نلاحظ في الرسائل أن هناك مقارنةً مستمرة بين الفلسفة وحكمة القرآن، وأن مجادلةً فكريةً تُخاض مع الفلسفة. فما سبب ذلك؟

لنبدأ أولًا بالجزء الأخير من السؤال، فنقدّم معلومات موجزة عن الفلسفة:

الفلسفة مفهوم دخل إلى العربية من الكلمة اليونانية"فيلوسوفيا" (Philosophia)، ومنها انتقل إلى لغتنا. وتتكوّن كلمةPhilosophia من كلمتي "فيلو" (Philo) و"صوفيا" (Sophia). وكلمة "صوفيا" تعني في اليونانية: الحكمة والمعرفة. وقد وصف اليونانيون المفكرين والفلاسفة بأنهم أهل الحكمة والمعرفة. أما كلمة الفلسفة التي نستخدمها فهي تعني: محبة الحكمة والمعرفة.

وكانت الفيلوسوفيا (الفلسفة)، التي عُدّت في العصور الأولى «محبة الحكمة والمعرفة»، تقوم على أسس من أهمها الحكمة، وهي تتضمن معنيي العلم والفضيلة معًا.
وبناءً على ذلك يمكن أن نفهم من الفلسفة معنيين:
معرفة ما يجري ويحدث، واكتشاف ما هو خير وصواب.

وقد عرّف الفيلسوف الإسلامي الشهير ابن سينا الفلسفة بقوله:

 «الفلسفة هي أن يحيط الإنسان بالأشياء وبالحقائق كلها بقدر استطاعته، وأن يسعى إلى إدراك أسرارها.»

وقد رأى الفلاسفة أن كل ما يتعلق بحياة الإنسان يمكن التفكير فيه انطلاقًا من العقل، ولذلك اعتبروا الفلسفة ميدانًا يبحث في كل شيء.

وتتألف الموضوعات التي تتناولها الفلسفة من ثلاثة أقسام رئيسية:

- الأنطولوجيا (علم الوجود).
- الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة).
- الأكسيولوجيا (علم القيم).

بعد هذا البيان المختصر ننتقل إلى جواب السؤال.

ينبغي أولًا بيان نقطة مهمة، وهي أن الفلسفة التي عارضها الأستاذ ليست الفلسفات القديمة بقدر ما هي التصورات الخاطئة للحياة التي تهيمن على عالم الفكر في هذا العصر. وهذه التصورات تفضي في كثير من الأحيان إلى الكفر والإلحاد.

وفي مواضع كثيرة من رسائل النور تُستعمل كلمة «الفلسفة» للدلالة على العلوم التي تدرس هذا الكون من زاوية «المعنى الاسمي»، أي بالنظر إلى الموجودات والآثار دون الالتفات إلى الخالق.

إن معارضة الأستاذ للفلسفة ترجع إلى أن السائرين في هذا الطريق يشتغلون بالعلوم العقلية وحدها، وينظرون إلى أنفسهم وإلى هذا العالم وكأنه بلا مالك، ويعملون للدنيا فقط دون أن يتذكروا الله أو الآخرة.

وفي كتاب المناظرات شُبّهت العلوم الدينية والعلوم الكونية بجناحين منفصلين، وقيل إن الطالب لا يستطيع التحليق والارتقاء إلا بهذين الجناحين معًا.
وفي اللمعات شُبّهت العلوم الدينية بسواد العين، والعلوم الكونية ببياضها، وأشير إلى أن العين لا تؤدي وظيفتها إلا بتعاونهما.
كما قيل: «نور العقل يأتي من القلب»، للتنبيه إلى أن الاشتغال بالعقل وحده مع إهمال القلب، وهو موطن الإيمان، يترك الإنسان في الظلمة.

فالفلسفة التي عارضها الأستاذ هي الفلسفة التي تجعل العقل وحده أساسًا لها، فتكون ذات جناح واحد وخالية من النور.
أما القول بأنه كان يعارض العلوم الكونية فلا يمكن تصوره؛ لأنه كان يرى في الكون وما فيه من حوادث دلائل على وجود الله ووحدانيته ولا نهائية صفاته، وكان يستشهد كثيرًا بالحقائق العلمية في شرح دعواه وإثباتها.

وتتحدث الرسائل عن عصرنا هذا بوصفه «عصر الأنا». ولأن هذا العصر هو أيضًا عصر العلم والصناعة، فقد انشغل الناس بالمادة إلى حد كبير، فابتعدوا عن الروحانيات، وأصبحوا ينظرون إلى الحياة على أنها الحياة الدنيا فقط، وحددوا غاية الإنسان بأنها «العيش المترف المريح». وقد أدى ذلك إلى إبعاد الناس عن الدين وربطهم بالدنيا وتوجيههم نحو السفاهة.

لقد استمر الصراع الفكري عبر التاريخ بين الأنبياء الذين كانوا يرون الأحداث ويشرحونها في ضوء الوحي، وبين الفلاسفة الذين جعلوا العقل وحده أساسًا لهم.
غير أن المقصود بالفلسفة في عصرنا ليس الفلسفة القديمة بمعناها المعروف، بل الاعتقاد بأن العلوم الناتجة عن العقل كافية وحدها للإجابة عن كل شيء.

إن المناقشات الفكرية في هذا العصر تختلف كثيرًا عن التيارات الفلسفية التي ظهرت قبل الميلاد.
ففي عصرنا استخدم بعض العلماء البعيدين عن الدين الطبيعة والمادة وسيلتين لإنكار الروحانيات، وكأنهم أعلنوا الحرب على الدين. وهناك فرق كبير بين فلاسفة الماضي الذين كانوا يكتفون بطرح آرائهم والدفاع عنها، وبين العلماء غير المؤمنين في هذا العصر. ولذلك فإن معنى الفلسفة في تلك العصور يختلف كثيرًا عن معناها في عصرنا.

وحتى وقت قريب أُدخلت تيارات الإلحاد والتطور والمادية في المناهج الدراسية في البلدان الشيوعية، وبُذلت جهود كبيرة لتنشئة جيل غير متدين. أما في البلدان المتقدمة، فقد أدى التقدم التكنولوجي المذهل إلى سيطرة المنفعة والمادة والسفاهة على حياة البشر، وكانت النتيجة كذلك ظهور أجيال مترفة وبعيدة عن الدين.

وكل ذلك نشأ نتيجة ابتعاد الناس عن الوحي وانحرافهم إلى الآراء الباطلة التي أنتجتها عقولهم.

وبناءً على ذلك، فإن استهداف الأستاذ للفلسفة يعني في الحقيقة استهدافه للإيمان المضاد للكفر والإلحاد.

- «إنّ في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار، يجريان عبرَ الأزمنة والعصور، كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانَهما وفروعَهما في كل صَوب، وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية.

إحداهما: سلسلة النبوة والدين.

والأخرى: سلسلة الفلسفة والحكمة.

فمتى كانت هاتان السلسلتان متّحدتين وممتزجتين، أي في أي وقت أو عصر استجارت الفلسفةُ بالدين وانقادت إليه وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانيةُ بالسعادة وعاشت حياةً اجتماعية هنيئة. ومتى ما انفرجت الشقةُ بينهما وافترقتا، احتشد النورُ والخير كلُّه حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرورُ والضلالات كلُّها حول سلسلة الفلسفة.» ( الكلمة الثلاثون، المقصد الأول)

 


 


68-) لماذا لم تُؤلَّف الرسالة الرابعة عشرة؟ وما موضوع هذه الرسالة؟ وما دام أنها لن تُكتب، فلماذا وُضع لها عنوان؟

«إن القسم الثاني من الفهرس الذي كتبتموه باسم الشعاع العاشر، قد أعطاني أملاً قوياً بأن رسائل النور قد وجدت، وستجد، في داخلكم، كثيراً من السعيدات الشباب الأقوياء، عوضاً عن هذا العاجز الهرم الضعيف المسكين مثلي. ولذلك أظن أن إكمال رسائل النور وشرحها وبيانها بالحواشي وإثباتها قد أُوكل إليكم من الآن فصاعداً. ومن علاماته أنني حاولت هذا العام مراراً أن أدوّن الحقائق التي نُبّهت إليها، لكنني لم أستطع أن أُشغَّل بذلك.»
(ملحق قسطموني- النسخة التركية - الرسالة الخامسة والثلاثون)

«إن صبري يسأل في رسالته عن حكمة كون رسائل النور قد دخلت منذ سنتين أو ثلاث في فترة توقّف من حيث التأليف، فيقول: ما حكمتها؟ والجواب عن ذلك طويل. ثم إن التأليف ليس ضمن اختيارنا. وكذلك من أجل أن تبقى لطلاب رسائل النور حصة من التأليف، فقد حالت بعض الأسباب والعوارض المهمة دون ذلك.»
(انظر المصدر نفسه، الرسالة السادسة والتسعون)

وفي فهرس المكتوب الخامس والعشرين في النسخة التركية أيضاً جملة تؤكد ذلك، وهي:
«لقد طُلب من الرحمة الإلهية أن تكون هناك "خمس وعشرون نكتة" تتعلق بخمس وعشرين آية من سورة يس، ولكنها لم تُكتب لأن وقتها لم يأتِ بعد.»
(المكتوبات - النسخة التركية - الفهرس - المكتوب الخامس والعشرون)

أما في المكتوب الرابع عشر فلم يُذكر أي سبب لذلك. وهناك في المكتوبات أيضاً جملة تقول:
« فحظينا بتيسير إلهي ذي كرامة لا يخطر على بال، سواء في نشر "الكلمات" و"الرسائل" الأخرى، أو في تصحيحها ووضعها في مواضعها وفي تسويدها وتبييضها. »
(المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، الرسالة السابعة التي هي المسألة السابعة)

وفي ملحق أميرداغ يشرح أيضاً وضع بعض الرسائل في الأماكن التي بقيت فارغة، وذلك بإشعار إلهي، فيقول:
«النقطة الثانية التي أُشعرت بها: ما دمنا قد دخلنا في الرابعة والستين بالعربية، فإن رسائل النور تكون قد اكتملت بقدوم الإشارة الغيبية. أما إذا كان التاريخ رومياً، فما زال أمامنا سنتان. والحال أن هناك رسائل مهمة جداً لم تُكتب أو أُخّرت في مواضع كثيرة. فمثلاً بقيت مراتب مهمة فارغة، مثل الرسالة الثلاثين والرسالة الثانية والثلاثين واللمعة الثانية والثلاثين. وقد أُشعرت في قلبي بأن تفسير إشارات الإعجاز، وهو أهم مؤلفات سعيد القديم، وفاتحة رسائل النور، والمطبوع باللغة العربية، سيكون الرسالة الثلاثين، وقد صار كذلك. وأُشعرت أيضاً بأن رسالة اللمعات، وهي آخر مؤلفات سعيد القديم، والتي أُلّفت في عشرين يوماً من رمضان وجاءت منظومة من تلقاء نفسها، ستكون اللمعة الثانية والثلاثين، وأن مجموعة كبيرة ظهرت أولاً في قلب سعيد الجديد على درجة من الشهود للحقيقة، وتتكون في عبارتها العربية من قطرة وحبة وشمة وذرة وحباب وزهرة وشعلة وذيولها، ستكون اللمعة الثالثة والثلاثين.»
«وكذلك أُشعرت بأن الثمرة، كما هي الشعاع الحادي عشر، ستكون مرافعة دنيزلي هي الشعاع الثاني عشر، وأن مجموعة الرسائل الصغيرة في السجن وبعده ستكون الشعاع الثالث عشر. وأنا أحيل ذلك إلى موافقة إخواني الأعزاء. فهذا يعني أن الباب مفتوح على مراتب عدة، ويمكن أن تُكتب لنا تتمات أفضل.»

(ملحق أميرداغ 1- النسخة التركية - الرسالة العشرون)

وكما يتضح من هذه النماذج، فإن أستاذنا لم يربط منهج رسائل النور بشخصه. وكما عبّر في مواضع كثيرة، فإنه يتحرك بواسطة الشخصية المعنوية. وفي التأليف أيضاً، سواء في رسائل اللاحقة، أو المرافعات، أو المجلد الثاني من رسالة الفهرس، فقد أدخل ما كتبه الإخوة الكبار في الكليات. كما أضاف بعض التقاريظ والأشعار والرسائل التي كتبها بعض الإخوة، مثل مؤتمر زبير الأخ، إلى أواخر الرسائل، وبذلك لم يجعل التأليف مقتصراً على شخصه، بل نسبه إلى الشخصية المعنوية.

وفي المقطع الذي سننقله أدناه من اللاحقة الكَسْتَمونية، أوكل أستاذنا استمرار هذه الخدمة بعده أيضاً إلى هذه الشخصية المعنوية، ومنحها صلاحيات واسعة. ولكنه في الوقت نفسه ينبهنا إلى أمر مهم بقوله: «لا تقرؤوا رسائل النور كما تقرؤون الجريدة». ثم يبيّن مباشرة بعد ذلك كيفية استعمال الصلاحية التي منحها لطلابه:
«إن الشخصية المعنوية المستخلصة والظاهرة من قوة إخلاص وتساند مجموع الهيئة العامة لطلاب رسائل النور المخلصين الخالصين، هي لكم قوة سند باقية ومقتدرة، وهي دليل ومرشد.»
(ملحق قسطموني- النسخة التركية - الرسالة الخامسة والثلاثون)

وذلك لأن بعض هذه العبارات ونحوها جعل بعض الأشخاص يستخرجون منها فتاوى خاصة بهم، فيبادرون بصورة منفردة إلى القيام بأعمال الإكمال والتحشية والتأليف والتصحيح. والذين لا يقرؤون رسائل النور بعناية يقعون غالباً في مثل هذه الأخطاء. كان بإمكان أستاذنا أن يقول ببساطة: «الشخصية المعنوية للطلاب» ويمضي. لكنه أضاف قبل كلمة «الطلاب» صفتي «المخلصين، الخالصين». وقبل «الشخصية المعنوية» أضاف أيضاً عبارة: «المستخلصة والظاهرة من قوة إخلاص وتساند مجموع الهيئة العامة». ولا شك أنه كتب هذه الكلمات لحكمة معينة.

وهنا للأسف يتجاوز الذين يقرؤونها كما يقرؤون الجريدة هذه النقاط.

إن المبادرات الفردية، فضلاً عن كونها مخالفة لمنهج النور القائم على حركة الشخصية المعنوية، لا تتوافق أيضاً مع عبارات أستاذنا. فلنستمع الآن إلى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي:
«أظن أن رسائل النور قد أحاطت تماماً بالحقائق الإيمانية العالية، فلا حاجة إلى البحث عنها في مواضع أخرى. وإنما قد تبقى أحياناً محتاجة إلى الشرح والتفصيل. ولذلك يبدو لي أن وظيفتي قد انتهت. أما وظيفتكم فهي مستمرة. وإن شاء الله ستستمر وظيفتكم بالشرح والتوضيح، وبالإكمال والتحشية، وبالنشر والتعليم، وربما بتأليف الرسالتين الخامسة والعشرين والثانية والثلاثين، وإكمال المقامات التسعة للشعاع التاسع، وتنظيم رسائل النور وترتيبها وتفسيرها وتصحيحها. إن الشخصية المعنوية المستخلصة والظاهرة من قوة إخلاص وتساند مجموع الهيئة العامة لطلاب رسائل النور المخلصين الخالصين، هي لكم قوة سند باقية ومقتدرة، وهي دليل ومرشد.»(ملحق قسطموني- النسخة التركية - الرسالة الخامسة والثلاثون)

وله عبارة مشابهة أيضاً بشأن تفسير سورة الرحمن:
«ثم إنَّ "رسائل النور" قد سعت في هذا الزمان لإثبات وجود الجن والروحانيين بحجج قاطعة لتُبطل مفهوم المادية الساري سريانَ الطاعون في البشرية. فنظرت إلى هذه المسائل بالدرجة الثالثة تاركة أمر تفاصيلها للآخرين.
ولعل اللّٰه يهيئ أحدَ طلاب النور فيفسّر "سورة الرحمن" ويحل هذه المسألة.»(الشعاعات، الشعاع الثالث عشر، ص. 338)

وهنا أيضاً يمكن أن يُفهم من عبارة «أحد طلابه» أنها فتوى بالمبادرة الفردية. ولكن حتى أستاذنا نفسه كان يسأل طلابه مراراً عن الرسائل التي ألّفها، ويسألهم: «كيف فُهمت؟» و«هل فيها شيء ضار؟»:
«أولاً: كنت أسأل عن رأيكم في بعض الأشياء التي كتبتها. وليس مقصدي أن أسأل: "هل الحقيقة التي رأيتها هي حقيقة؟" بل أسأل: "هل الطريق المفتوح إلى الحقيقة يمكن أن يكون طريقاً لعامة الناس أيضاً؟" لأنني لا أعرف تلقي عامة الناس كما تعرفونه أنتم.»( ملحق بارلا- النسخة التركية - الرسالة العاشرة بعد المئتين)

«... هل (الكلمات) المؤلفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ ...»(المكتوبات، المكتوب السادس)

« ثم إنه ما من كتاب يبحث في مثل هذه الحقائق الإلهية والإيمانية إلاّ ويترك بعضُ مسائله ضرراً في عدد من الناس، لذا ما كان يُنشَر كلُّ مسألة منه إلى الناس كافة. أما هذه الرسائل فلم تُلحق أيَّ ضرر كان ولم تؤثر تأثيراً سيئاً في أحد من الناس ولم تخدش ذهنَ أحد قط رغم استفساري عن ذلك من الكثيرين، حتى تحقق لدينا أن ذلك إشارةٌ غيبية وعناية ربانية مباشرة.»(المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، الرسالة السابعة التي هي المسألة السابعة)

أي: إذا كان رجل مثل بديع الزمان، الذي ألّف مؤلفاته بالعناية والتوفيق والإلهام، يسأل طلابه عن آرائهم وقناعاتهم بشأن تلك المؤلفات، فماذا يكون الحال إذا خرج شخص ما وقال، اعتماداً على علمه الكسبي: «لقد شرحت الكليات ووضحتها وحققتها»؟

في رأينا، لن تخلو الساحة من مثل هذه المبادرات إلى يوم القيامة. فما هو المِحك؟ تصويب جماعة النور أو عدم تصويبها. وما دليلنا؟ «إن الدعوة إلى فكرة ما متوقفة على قبول جمهور العلماء.» أي: إذا حظي ذلك العمل بالقبول العام من طلاب النور، كان ذلك دليلاً على صحته. وفي الحقيقة لا حاجة حتى إلى ذلك؛ لأن أحد طلاب النور أو مجموعة منهم، إذا قاموا بمثل هذا الأمر، كما أخبر أستاذنا، فإن ضمائر الموجودين في ذلك الزمان والمكان ستتقبله.

والنتيجة:

إن خدمة رسائل النور لم تنته بوفاة أستاذنا، بل ستستمر أيضاً بواسطة الشخصية المعنوية لطلابه الذين يتصفون بالإخلاص والصدق والتساند التام. وذلك لأن هناك في الكليات ما لا يقل عن عشر جمل بمعنى:

«هذا زمان الجماعة، وليس زمان الشخص.»

وسبب ذلك موضح في اللمعة العشرين من الإخلاص، على النحو الآتي:
« الحفاظ على الحق والعدل بإيجاد شخص معنوي؛ وذلك بالاتفاق مع أهل الحق للوقوف تجاه أهل الضلالة والباطل الذين أخذوا يُغِيرون بدهاء شخص معنوي قوي في صورة جماعة على أهل الحق -بما يتمتعون به من تساند واتفاق- ثم الإدراك بأن أية مقاومة فردية -مهما كانت قوية- مغلوبةٌ على أمرها تجاه ذلك الشخص المعنوي للضلالة.»(اللمعات، اللمعة العشرون)

وفي ملحق بارلا أيضاً الجملة الآتية:
«اقرؤوا ذلك الجواب، والجواب المختصر عن الأسئلة الأربعة السابقة وعن أسئلة الأستاذ صبري وحافظ علي المتعلقة بالمغيبات الخمس، مع خسرو. فإذا رأيتم ذلك مناسباً، فليُقم الثلاثة جميعاً مقام اللمعة السادسة عشرة، أو مقام الرسالة الرابعة عشرة التي لم تُكتب.»( ملحق بارلا- النسخة التركية - الرسالة الثانية والسبعون بعد المئتين)

لكنه قال ذلك، ثم كُتبت تلك المباحث في نهاية اللمعة السادسة عشرة، وبقيت الرسالة الرابعة عشرة فارغة مرة أخرى.

وخلاصة القول: إذا لم يكن لدى أستاذنا تفسير خاص ومستقل بشأن سبب عدم تأليف الأجزاء التي لم تُؤلَّف، فإن كل ما يقال في هذا الشأن لا يتجاوز كونه تفسيراً أو اجتهاداً.

وقد عبّر أستاذنا مراراً في مؤلفاته عن أن الرسائل أُلّفت في الغالب بالإلهام. ولذلك، فقد يكون أستاذنا قد أراد كتابة بعض الأجزاء ولم يستطع كتابتها، أو لم يُكتب له أن يكتبها. وانتُظر أن «تُكتب في المستقبل»، ولكنها بقيت فارغة لأنها لم تُكتب.

ولا توجد في الكليات أي معلومات عن سبب عدم تأليف الرسالة الرابعة عشرة. إلا أن هناك أمراً، وهو أن أستاذنا كان يقول عادةً عن المؤلفات التي لم تُكتب أصلاً أو بقيت ناقصة، ونحوها: «لم تُكتب»، مشيراً بذلك إلى أنها كانت تُكتب نتيجة الإلهام، فإذا انقطع الإلهام بقيت ناقصة.

ولننظر إلى عبارات الأستاذ التالية:
« ثم إن "الآثار" المؤلّفة و"الرسائل" -بأكثريتها المطلقة- قد أُنعمتْ عليّ بها لحاجة تولدت في روحي فجأة، ونشأت آنياً. دون أن يكون هناك سبب خارجي. »(المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، الرسالة السابعة التي هي المسألة السابعة)

 

 

 


69-) ما الحكمة من اجتماع مبحث الأنا ومبحث الذرة في الكلمة الثلاثين؟

إن العبارة التالية التي وردت للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في كتاب المثنوي النوري ، في رسالة «شَمَّة»، تبيّن العلاقة بين الأنا والذرة:

«فـ«أنا» في العالم الصغير كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت.»

أي أن الأنا في الإنسان تقابل الطبيعة في الكون. فكما أن الإنسان قد يخطئ عندما ينسب أفعاله وصفاته إلى الأنا ويجعلها مستقلة عن الله تعالى، كذلك يخطئ من ينسب ما في الكون من نظام وإبداع إلى الطبيعة، مع أن ما يُسمى بالطبيعة ليس إلا نظامًا وقوانين أجراها الله تعالى، وأساسها عالم الذرات.

ولذلك جمع الأستاذ النورسي بين مبحث الأنا ومبحث الذرة في الكلمة الثلاثين؛ لأن كليهما يعالجان أصلين من أصول الضلال:

- الأنا إذا ادّعت الاستقلال حجبت الإنسان عن معرفة ربه.
- والطبيعة المبنية على الذرات إذا اعتُقد أنها الفاعل الحقيقي حجبت الإنسان عن رؤية قدرة الله تعالى في الكون.

فالأنا والطبيعة يمثلان وجهين لادعاء الاستقلال عن الخالق؛ الأول على مستوى الإنسان، والثاني على مستوى الكون، ومن هنا جاءت الحكمة في جمعهما في موضع واحد.
 


70-) « البحث في المسائل الإيمانية والخوضَ فيها على صورة مناقشات غيرُ جائز». هل يمكنكم توضيح ذلك؟

تُبيّن هذه العبارة كيفية عدم تناول المسائل المتعلقة بالإيمان، الذي هو وثيقة السعادة الأبدية وضمانها.
فلا يجوز تناول المسائل الإيمانية بأسلوب جدلي يفتقر إلى الانضباط والرقي. وليس من الصواب جعل المسائل الإيمانية موضوعاً للنقاش كما تُناقش القضايا السياسية في المقاهي.

وذلك لأن الكلام بأسلوب يفتقر إلى الرقي والانضباط يوقظ المشاعر السلبية لدى الأشخاص ويثيرها.
وقد يقود ذلك الإنسان إلى العناد، بل حتى إلى الإنكار، فتكون عاقبته وخيمة جداً.

ولذلك، ينبغي عند مواجهة حالات يجد فيها المخاطَب صعوبة في الفهم، ويحوّل الأمر إلى عناد، التزام الصمت وعدم إطالة الحديث في المسألة.

 

 

 


71-) في الآيات المتعلقة بالصلاة لا يظهر ما يُعادل صلاة العصر؛ ومع أن الشمس تشرق وتغرب في أربع أو ست مراحل، فلماذا أُمرنا بخمس صلوات؟ وهل توجد معلومات حول هذا الموضوع في رسائل النور؟

إن الذي يحدد شكل العبادات وأوقاتها ويأمر بها هو الله تعالى. والأساس في العبادات هو الأمر الإلهي، لا الحكمة أو الفائدة.
فلا يمكننا أن نحدد عدد الصلوات بناءً على القول: “هذا يقابل ذاك، وذلك يساويه”. فما أمر الله به في القرآن، وبلّغه نبينا ﷺ في السنة، هو عدد الصلوات وهيئتها، ولا يمكن لأي سبب أو تعليل آخر أن يغيّر هذا العدد.
ومع ذلك، فمن شاء يمكنه أن يزيد على الصلوات الخمس صلاة التهجّد؛ لأن هذه الصلاة كانت واجبة على النبي ﷺ، وسنّةً لأمته.

ومن المعروف أن في الآيتين 17 و18 من سورة الروم ذِكرًا لأربعة أوقات للصلاة:

﴿ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ * وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ﴾(سورة الروم: 17-18)

وقد فهم بعض العلماء والمفسرين من لفظة “عشيًّا” أنها تشير إلى صلاة العصر، لكن الأكثرية فهموا ـ من جهة اللغة والمعنى ـ أنها تشير إلى صلاة العشاء باعتبارها صلاة تؤدّى في آخر النهار.

أما الأساس في إثبات صلاة العصر فهو ما بيّنه وطبّقه النبي ﷺ. ومع ذلك، فقد استدلّ علماؤنا على صلاة العصر أيضًا ببعض الآيات، ومنها قوله تعالى:

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(سورة البقرة: 238)

ورغم عدم وجود دليل قطعي يحدد أي صلاة هي “الصلاة الوسطى”، فإن جمهور الصحابة والتابعين يرون أنها صلاة العصر.

وذلك لأن كلمة “الصلوات” جمع، والجمع يدل على ثلاثة فأكثر. أما عبارة “الصلاة الوسطى” فقد عُطفت بحرف الواو، مما يدل على أنها متميزة عن المذكورات قبلها. ولو كانت الصلوات ثلاثًا فقط، لما أمكن وجود “صلاة وسطى”، ولذلك ينبغي أن تكون الصلوات أربعًا على الأقل. وعليه، فإذا اعتُبرت الصلوات المذكورة في سورة الروم هي: الفجر، والظهر، والمغرب، والعشاء، فإن الصلاة الواقعة في وسطها تكون صلاة العصر، فتكون هي المقصودة بـ “الصلاة الوسطى”.

 

 

 


72-) ما الحكمة من الانتقال إلى موضوع الحشر في "الكلمة العاشرة" بعد الحديث عن الصلاة في "الكلمة التاسعة"؟

يمكن الإجابة عن سؤالك من جهتين:

أولًا: من حيث ترتيب موضوعات "الكلمات"

في كتاب الكلمات نرى تسلسلًا مترابطًا في عرض الحقائق الإيمانية والعبادية:

- بدأ المؤلف بالبسملة لأنها مفتاح كل عمل صالح (الكلمة الأولى).
- ثم بيّن أهمية الإيمان بالغيب (الكلمة الثانية).
- ثم أوضح أن المؤمن ينبغي أن يُظهر إيمانه بالعبادة ويجسّده في حياته (الكلمة الثالثة).
- ثم تحدث عن الصلاة باعتبارها تاج العبادات وعمادها، وأنها عبادة يسيرة في وقتها وجهدها، عظيمة في قيمتها وثوابها (الكلمة الرابعة).
- ثم بيّن أن أداء الصلاة وحده لا يكفي، بل لا بد من اجتناب المعاصي أيضًا (الكلمة الخامسة).

بعد ذلك تناول:

- أن ما أُعطي للإنسان من نعم مادية ومعنوية يكتسب قيمة عظيمة إذا وُجِّه إلى الله تعالى، وإلا أصبح بلا قيمة حقيقية (الكلمة السادسة).
- ثم شرح قيمة الإيمان بالله والإيمان بالآخرة وما يترتب عليهما من جمال ومعنى للحياة (الكلمة السابعة).
- ثم أوضح أن روح الإنسان لا تجد السكينة والعافية إلا بالدين والإيمان، وأن الاضطراب لا يزول بغير ذلك (الكلمة الثامنة).
- ثم بيّن الحكم والأسرار الكامنة في الصلوات الخمس، باعتبارها شكرًا لله وتسبيحًا له وإعلانًا لعظمته في أوقات محددة من اليوم (الكلمة التاسعة).

وبعد هذه المقدمات كلها ينتقل إلى إثبات الآخرة والحشر في الكلمة العاشرة؛ لأن جميع تلك العقائد والعبادات، وكذلك الكفر والعصيان وضدهما، لا تظهر نتائجها الكاملة إلا في الآخرة. فلو لم تكن هناك آخرة، لفقدت هذه الأعمال والعقائد معناها الكامل وثمرتها النهائية.

 ثانيًا: من حيث العلاقة بين خاتمة "الكلمة التاسعة" وبداية "الكلمة العاشرة"

كما هو معروف، تتحدث الكلمة التاسعة عن الحكمة من تخصيص الصلاة بخمسة أوقات.

وفي خاتمة هذا المبحث، عند الحديث عن وقت صلاة العشاء، يُصوَّر الشعور الذي يعتري الإنسان في ذلك الوقت:

- فدخول الليل يذكّر بانقضاء اليوم وموته ولفّه بظلام يشبه الكفن.
- ويذكّر بفصل الشتاء وما فيه من موت ظاهري للكائنات وارتدائها كفنًا أبيض من الثلج.
- ويذكّر بموت الإنسان نفسه، ثم بوفاة من يعرفونه حتى يُنسى مع مرور الزمن وكأنه دُفن في كفن النسيان.
- كما يذكّر بانتهاء العالم وخرابه يوم القيامة.

وفي تلك اللحظات قد يشعر الإنسان بأن كل شيء زائل وفانٍ ولا بقاء له.

وعندما تتوارد إلى الذهن أسئلة مثل:

- ما مصيرنا بعد ذلك؟
- هل توجد آخرة حقًا؟

تأتي الكلمة العاشرة وكأنها تجيب:

- لا تقلقوا، فبعد هذه الدنيا توجد آخرة، ولن يضيع شيء من الوجود. فالله سبحانه باقٍ، وهو الذي يمنح مخلوقاته البقاء على الوجه الذي تقتضيه حكمته.

ولهذا فإن الكلمة العاشرة تثبت البعث والآخرة بعد الموت، بنفس درجة اليقين التي يأتي بها الصباح بعد الليل، ويأتي بها الربيع بعد الشتاء.
 


73-) هل أبواب الدعاء والشكر مفتوحة فقط للأمور الغيبية؟

إن أساس الدعاء هو عجز الإنسان وفقره ونقصه. وعدم معرفتنا بالمغيبات الخمسة ليس إلا فرعًا من فروع هذا العجز والنقص.

فالإنسان في جميع شؤونه، من غرسه للشجرة وانتظاره أن تثمر، إلى تناوله الدواء راجيًا أن يشفيه من مرضه، لا يقوم إلا بالواجب الجزئي الذي يقع على عاتقه، ثم بعد ذلك يتوجه إلى ربه بالدعاء والتضرع لكي يخلق النتيجة المطلوبة.

وهناك بعض الحوادث والأمور التي لا مجال فيها لإرادة الإنسان أو تدخله أصلًا، ومن أوضح أمثلتها المغيبات الخمس. ففي مثل هذه المسائل ليس للإنسان ما يفعله سوى الدعاء، كما أنه مكلَّف بشكر الله تعالى على النتائج التي ينالها.

وبعبارة أخرى: إن الدعاء والشكر لا يختصان بالمسائل الغيبية وحدها، بل يشملان جميع شؤون الحياة؛ لأن الإنسان في كل أمر محتاج إلى عون الله تعالى وتوفيقه، سواء كان السبب ظاهرًا له أم كانت المسألة من الأمور الغيبية التي لا سبيل له إليها.


74-) ما معنى قول: « يا أستاذي المحترم! إنَّ هذا تأويل متكلّف. أما الحقيقة فينبغي أن تكون هكذا: إنَّ تلك المشاعر والأحاسيس ليست مشاعر محبة، بل هي مرتبة من الشفقة التي هي أسطع من المحبة بمائة درجة وأوسع منها وأسمى.»؟

استُعملت كلمة «التكلُّف» هنا بمعنى التأويل المتكلَّف. فالأستاذ بديع الزمان يصف تأويل الإمام الرباني بأنه تفسير متكلَّف.

ويخالف الأستاذ بديع الزمان الإمامَ الرباني في هذه المسألة، ويرى أن المشاعر الشديدة والأحاسيس المشرقة التي كان يحملها سيدنا يعقوب عليه السلام تجاه ابنه سيدنا يوسف عليه السلام هي شفقة.

وذلك لأن الشفقة، بحسب منهج رسائل النور، أشد نفاذاً وأشد إشراقاً وأسمى وأنزه من العشق والمحبة، وهي أليق بمقام النبوة.
أما المحبة والعشق، إذا بلغا درجة شديدة تجاه غير الله، فإنهما لا يليقان بالمقام النزيه والطاهر للنبوة.

وعليه، فكما بيّن القرآن الكريم، فإن المشاعر الشديدة التي كان يحملها سيدنا يعقوب عليه السلام تجاه سيدنا يوسف عليه السلام هي درجة رفيعة من الشفقة.
أما العشق الذي يُعد وسيلة للوصول إلى اسم الله الودود، فيظهر في محبة زليخا لسيدنا يوسف عليه السلام.
فبقدر ما أظهر القرآن مشاعر سيدنا يعقوب عليه السلام أسمى من مشاعر زليخا، تكون الشفقة أسمى من العشق بالقدر نفسه.

 

 

 


75-) ما الذي يُشرح إجمالًا في الأساس الأول من الكلمة الثانية عشرة؟ هل يمكنكم بيانه بإيجاز؟

توضح الكلمة الثانية عشرة، في خطوطها العامة، كيف ينظر القرآن والفلسفة إلى الكون، وتُبرز الفرق بين النظر إلى الأشياء بـ «المعنى الاسمي» والنظر إليها بـ «المعنى الحرفي».

«نعم، إن القرآن الحكيم هو أسمى مفسّر وأبلغ مترجم لهذا الكون العظيم الذي هو بمنزلة قرآن كوني كبير.»

فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي يشرح الكون ويترجم حقائقه بأكمل صورة وأدق بيان بين جميع الكتب الإلهية.

فعلى سبيل المثال، فإن الموت، وهو من أعظم الأحداث في حياة الإنسان، يُنظر إليه في الفلسفة المادية أو غير المؤمنة على أنه فوهة بئر مظلمة تؤدي إلى العدم والفناء الأبدي.
أما في نظر القرآن، فهو بداية السعادة الأبدية، والقبر بالنسبة للمؤمن باب مفتوح إلى عالم الآخرة وروضة من رياض الجنة.

وكذلك الدنيا؛ ففي نظر الفلسفة غير المؤمنة هي ساحة عبثية بلا غاية أو نتيجة، ولعبة في يد الطبيعة الصمّاء والقوى العمياء، ومأتم لأصحاب الشعور، ومذبح للكائنات الحية ومكان للأحزان.

أما في نظر القرآن، فالدنيا كتاب مملوء بالمعاني والحِكم، يعكس أسماء الله الحسنى، ويثمر حياة الآخرة ويقود إليها.

وبعبارة مختصرة، فإن الأصل الأول من الكلمة الثانية عشرة يبيّن أن القرآن يفسّر الكون والأحداث تفسيرًا يكشف عن حكمتها وغايتها، بينما تنظر إليها الفلسفة المادية نظرة تقتصر على ظاهرها المادي فتغفل معانيها العميقة وغاياتها الحقيقية.


76-) هل يمكننا القول إن الزلازل والكوارث الأخرى مرتبطة بذنوب الناس؟ أم قد لا يكون لها أحيانًا أي علاقة بذلك؟

إن جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى بمعنى الآية:

﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾(الحديد: 22).

وروى ابن ماجه عن رسول الله ﷺ :

1. لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بها إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ مضت في أسلافِهم الَّذين مضَوْا.

2. ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشدَّةِ المؤنةِ وجوْرِ السُّلطانِ عليهم .

3. ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ ولولا البهائمُ لم يُمطَروا

4. ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم

5.  وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ تعالَى ويتخيَّروا فيما أنزل اللهُ إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم

إن للبلايا والمصائب التي تنزل بالأفراد أو بالمجتمعات أسبابًا كثيرة، منها:

* الانحلال الأخلاقي.
* الترف والمجون.
* الفواحش.
* شرب الخمر.
* القمار.
* الربا.
* الإسراف.
* الظلم.
* خيانة الأمانة.
* منع الزكاة.
* كفران النعمة.
* التعدي على حقوق العباد.
* عقوق الوالدين.
* التقصير في العبادة والطاعة.

فهذه الأمور قد تكون سببًا في نزول البلاء والمحنة.

كما أن بعض المصائب تكون إنذارًا ربانيًا؛ فإذا ابتُلي الإنسان بمثل هذه المصائب فعليه أن يعدّها تنبيهًا من الله تعالى، فيرجع إليه بالتوبة والاستغفار والالتجاء.

وجميع البلايا والمصائب تدل على تصرف الله تعالى وتربيته لعباده، وهي كذلك وسيلة لإيقاظ الناس وتنبيههم. وقد دعا القرآن إلى الاعتبار بما حل بالأمم السابقة، فقال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ (الروم: 42).

ولكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم، وهو أن ليس كل مصيبة نتيجةً لذنب أو معصية.

فكم من أناس أمضوا حياتهم في الذنوب ولا يكادون يلاقون في الدنيا شدة تُذكر، وكم من أهل الإيمان والصلاح كانت حياتهم مليئة بالمحن والابتلاءات. ذلك أن الله تعالى يبتلي كثيرًا من عباده، بل يبتلي حتى أولياءه وأحبّاءه من العظماء، فيرفع بذلك درجاتهم.

ولذلك لا يجوز أن نفسر كل مصيبة على أنها مجرد عقوبة أو غضب إلهي. فقد أخبر النبي ﷺ أن:

[أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ]

ومن هنا يجب ألا نقع في خطأ تفسير كل بلاء بأنه تجلٍّ لاسم الله القهّار فقط.

فبحسب القاعدة التي يذكرها بديع الزمان سعيد النورسي:

«المصيبة قد تكون نتيجة جناية، وقد تكون مقدمة لمكافأة.»

فالمصيبة لا تحمل فقط آثار اسم القهّار، بل تتجلى فيها أيضًا أسماء الله الحكيم والكريم والرحيم وغيرها، من خلال ما يترتب عليها من حكم وثواب وألطاف خفية.

وعليه، عندما ننظر إلى أناس فقدوا أرواحهم أو أموالهم في زلزال مثلًا، فإن الاقتصار على اعتباره تجليًا لاسم القهّار وحده يكون نظرًا ناقصًا. بل ينبغي أن نبحث أيضًا عن الحكمة والرحمة الإلهية الكامنة وراء ذلك.

فبسبب هذه المصيبة قد تتحول الأموال الفانية التي فقدها أصحابها إلى صدقة جارية في ميزانهم، وقد ينال المتوفون بسببها ثوابًا وأجورًا خاصة في الآخرة.

ولهذا فإن الأستاذ بديع الزمان يرى أن المصائب هي من «إجراءات الربوبية الإلهية وتدبيرها»، وأنها لا تُفهم دائمًا على أنها عقوبات محضة، بل قد تكون ابتلاءً، أو تنبيهًا، أو تطهيرًا للذنوب، أو سببًا لرفع الدرجات، أو مظهرًا لحكمة ورحمة إلهيتين لا يدركهما الإنسان من النظرة الأولى.

 


 


77-) كيف ينبغي أن نفهم العبارات العددية مثل: « ملايين الأولياء وملايين الملايين من الأصفياء »؟

المقصود بـ الأولياء هنا أولئك الأشخاص المباركون الذين امتلأت قلوبهم بالحماسة والفيض الروحي، ولذلك فإن التعبير بـ «ملايين الأولياء» تعبير مناسب تمامًا.

أما الأصفياء، فيُقصد بهم جميع المؤمنين الذين سلّموا عقولهم وقلوبهم للإيمان والعبادة، وهذا العدد أيضًا ينسجم مع المعنى بصورة جميلة.

ثم إن الأعداد، سواء وردت في القرآن الكريم أو في الأحاديث، تُستخدم غالبًا للدلالة على الكثرة.

والأعداد الواردة في القرآن الكريم وتفاسيره لا تحمل – في الغالب – قيمًا رياضية دقيقة ومحددة حرفيًا، بل تُستعمل عادة بما يتناسب مع سياق الكلام ونسقه.
وقد استخدم الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هذا الأسلوب كثيرًا في رسائل النور.

والأستاذ، عند استخدامه هذه الأعداد، لا يقصد بها بطبيعة الحال قيمة عددية محددة، وإنما يستخدمها لتقوية المعنى المقصود.
أي إنها طريقة في التعبير تتناسب مع سياق الكلام ونسقه.
ومثل هذه الأساليب التعبيرية، لما تحمله من قيمة أدبية، لا تُوزن بمنظار رياضي، بل هي رموز وإشارات إلى كثرة عظيمة، وينبغي أن تُفهم على هذا النحو.

 

 

 


78-) هل يمكنكم أن تذكروا بعض الأمثلة الأخرى على آلاف محاسن الإيمان، غير النقاط الخمس المذكورة في الكلمة الثالثة والعشرين؟

يقول الأستاذ الجليل في الكلمة الثالثة:

«نعم، كما أن مصدر كل حسنة حقيقية هو الإيمان والعبودية، فكذلك الشجاعة أيضاً مصدرها الإيمان والعبودية...»

وعندما ننظر إلى الموضوع في ضوء هذه العبارة، يتبين أن لجماليات الإيمان وفوائده فروعاً لا تُحصى ولا تُعد.

فجميع أنواع العبادة، وجميع شعب الأخلاق الحسنة، هي في حد ذاتها صور من الجمال والخير.

إن اجتناب جميع المحرمات، وقضاء العمر كله ضمن دائرة الحلال، والاستقامة، والعدل، والأدب، والحياء، والتواضع، والرحمة، والكرم، والإحسان، وسائر الفضائل التي لا تُعد ولا تُحصى، كلها من ثمار الإيمان.
 


79-) ما المقصود بشمولية الإنسان وكونه أزهى ثمرة في شجرة الكون؟ هل يمكنكم شرح ذلك بالتفصيل؟

عندما يُقال إن الإنسان ذو شمولية (جامعية)، فإن أول ما يُفهم من ذلك أنه مظهر لجميع أسماء الله الحسنى.

«ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال...... واسأل إنسانا هو حقا إنسان، وشاهد كيف يقرأ جميعَ الأسماء الحسنى، فهي مكتوبة على جبهته، حتى إذا أنعَمْتَ النظرَ ستقرؤها أنت بنفسك..»(الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الأول).

ومن هذه الجهة فإن الإنسان يفوق الملائكة أيضًا؛ لأن كثيرًا من أسماء الله تعالى، مثل: الرزاق، والشافي، والغفار، والتواب، لا تتجلى في الملائكة كما تتجلى في الإنسان.

وكما أن جميع خصائص الشجرة تجتمع في ثمرتها وبذرتها، كذلك فإن جميع الأسماء الإلهية المتجلية في شجرة الكون بأسرها تظهر وتتجلى في الإنسان. بل إن الإنسان، من هذه الناحية، يتجاوز الكون نفسه بمراحل.

ولهذا تؤكد رسائل النور مرارًا أن الإنسان هو ثمرة شجرة الكون، حتى لا يغرق صاحب هذه الحقيقة العظيمة في الاهتمام بالأمور الصغيرة، بل يعرف قدر نفسه، ويقوم بشكر خالقه وحمده شكرًا وحمدًا شاملين يليقان بهذه النعمة العظمى.

وجاء في كتاب الشعاعات وصفٌ طويل يبين جوانب الإنسان المختلفة، يبدأ بقوله:

«أن الإنسان:هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمع ما فيها من الصفات.. وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية..»(الشعاعات ص:258).

وكما ورد أيضًا في مواضع متعددة من رسائل النور، فإن كل إنسان يحمل في كيانه دلائل تشير إلى عوالم الوجود المختلفة، إذ:

( نعم، إن عناصر الإنسان مثلما تشير إلى عناصر الكون وعظامه تنبئ عن أحجاره وصخوره، وشعراته توحي بنباتاته وأشجاره، والدم الجاري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وأنفه وفمه تخبر عن عيون الأرض وينابيعها ومياهها المعدنية، كذلك تخبر روحُ الإنسان عن عالم الأرواح وحافظته عن اللوح المحفوظ وقوة خياله عن عالم المثال. وهكذا يخبر كل جهاز عن عالم ويشهد على وجوده شهادة قاطعة) (اللمعة الثلاثون، النكتة السادسة، الحاشية).


80-) "فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل والماثل في حضوره، ذلك لأنّه يصرف كل نظره العام وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه وإلى استحسان صنعته وتقديرها وإلى شكر آلائه ونعمائه." من المقصود بـ"الفرد" هنا؟

جاء في النص:

"ذلك لأنّ الإنسان هو الثمرةُ المجهّزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وإنّ الثمرة هي أجمعُ جزء وأبعدُه من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي.

فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل والماثل في حضوره، ذلك لأنّه يصرف كل نظره العام وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه وإلى استحسان صنعته وتقديرها وإلى شكر آلائه ونعمائه.."

في هذا الموضع يُبيَّن أولًا قدر الإنسان ومكانته عند الله تعالى مقارنة بسائر المخلوقات، وأنه مخاطب إلهي ذو قابلية شاملة، وأنه الثمرة الأكثر وعيًا وإدراكًا في شجرة الخلق.

ولكن ليس كل إنسان يبلغ هذه المرتبة الإنسانية على الوجه الكامل. فالذين تحققوا بكمال الإنسانية هم في مقدمتهم الأنبياء، ثم العلماء الربانيون، والأولياء، والأصفياء.

أما الفرد الذي يمثل هذه المرتبة بأعلى صورة وأكملها وأبهى تجلياتها فهو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي الكون سنة الاصطفاء والانتقاء؛ إذ يختار الله تعالى دائمًا الأكمل والأصفى والأفضل. وأصفى البشر وأفضلهم وأكملهم، أي مصطفى الإنسانية، هو رسول الله ﷺ.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (ص: 47)

وخلاصة الأمر: عندما يُذكر "الإنسان" بإطلاق ومن غير تقييد، فإن الذهن يتجه إلى الإنسان الكامل في أعلى درجات الكمال. ولذلك فإن أتمّ مصداق لهذا الوصف، وأعظم إنسان، وأشملهم، وأرفعهم مقامًا، هو رسول الله ﷺ.

كما أن أعظم ثمرة وأحلاها وأجلّها في شجرة الخلق هي سيدنا محمد ﷺ مع سائر الأنبياء عليهم السلام. ويُشار إلى هذا المعنى في الحديث المشهور:

[ لولاكَ لولاكَ لَمَا خَلَقتُ الأَفلاكَ]

أي أن رسول الله ﷺ هو أكمل مظهر للغاية المقصودة من الخلق.

أما سائر الناس فإنهم ينالون من هذا المقام بقدر اتباعهم لرسول الله ﷺ وتمسكهم بسنته.
ولذلك فإن عبارة "ذلك الفرد" لا تنطبق على وجه الكمال التام على أحد من البشر إلا رسول الله ﷺ، بينما ينال غيره نصيبًا منها بحسب قربه من هديه واتباعه له.
 


81-) يقول الأستاذ: «فإن المُلك ملكُه وحده، وله أن يتصرف فيه كيف يشاء.». ويستخدم في مواضع أخرى عباراتٍ مثل: «لو لم يفِ الله بوعده لكان ذلك ظلمًا ». فكيف ينبغي أن نفهم ذلك؟

إن الله، وهو العدل المطلق، منزَّه عن الظلم وعن أن يَظلِم. ويذكر أستاذنا تصرّف الله، مالك الملك، في ملكه كما يشاء، باعتبار أن ذلك من مقتضيات ملكيته المطلقة.

ولكن إذا وعد الله بشيء فإنه لا يرجع عن وعده. وينبغي النظر إلى هذا المعنى وإلى عبارة «فإن المُلك ملكُه وحده، وله أن يتصرف فيه كيف يشاء.» في سياقين مختلفين.

فمثلًا، إن سلطانًا ذا قدرة عظيمة وغنى وملك، له بلا شك، بمقتضى ملكيته واستقلاله، الحق في أن يتصرف في ملكه كما يشاء.
ولكن إذا وعد هذا السلطان رعيته بشيء، فإن جديته ووقاره يقتضيان ألا يُخلف وعده، بل أن يفي به، وإلا لكان في ذلك إخلال بجديته وعزته.

ومن هذه العبارة، ومن مقتضى جدية جميع الأسماء الإلهية، نفهم أن الله سيفي بكل ما وعد به.
ولما وعد بالثواب أو العقاب، فقد خلق الجنة والنار، وزيّنهما بشتى أنواع النعم والعذاب من أجل إنفاذ هذا الوعد.

 

 


 


82-) عندما نوضح حقيقة: "لا توجد قرية بلا مختار (رئيس أو مسؤول)"، يلجأ بعض الناس إلى المغالطة ويقولون: "ولكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك ". فكيف يمكن توضيح الأمر؟

لنبيّن أولاً أن الأساليب البلاغية مثل التمثيل والتشبيه والقياس التمثيلي هي وسائل تُقرّب الحقائق إلى الأذهان وتساعد على فهمها بصورة أفضل.
وليس من الصحيح أن نُطبّق كل جزئية من هذه الوسائل على الحقيقة تطبيقاً حرفياً كاملاً.

فعلى سبيل المثال، عندما يُقال: "هذا رجل كالأسد"، فإن تشبيه الرجل بالأسد يلفت الانتباه إلى قوته وشجاعته.
ولا يصح لأحد أن يعترض قائلاً: "لكن الأسد حيوان مفترس!"؛ لأن المقصود من التشبيه هو إبراز جانب معين وإبرازه للنظر، وليس إجراء مقارنة مطابقة من جميع الوجوه.

ومثال "لا توجد قرية بلا مختار" يدل على أنه إذا وُجد في مكان ما انسجامٌ وإتقانٌ كاملان، وكانت آثار هذا النظام ظاهرة في كل جانب، فإن ذلك يشير إلى وجود مدير أو مسؤول كامل الكفاءة يدير ذلك المكان.

أما الاعتراض بقول: "لكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك" فهو من قبيل الجدل والمغالطة وصرف الكلام عن مقصوده.

فالنقطة الأساسية في التشبيه وموضوعه الرئيس هي هذه العلاقة والدلالة المقصودة، لا المطابقة التامة بين جميع التفاصيل.
 


83-) "التصديق بالملائكة ركن من أركان الإيمان." وبما أنه ليس من الممكن أن نعرف الأنواع التي لا حصر لها من الملائكة، فكيف يكون هذا التصديق؟

كما أنه في الإيمان بالكتب السماوية لا يُشترط أن نعرف جميع الكتب المنزلة وجميع آياتها حتى نكون مؤمنين بها، وكذلك في الإيمان بالأنبياء، إذ ليس من الممكن أن نعرف جميع الأنبياء الذين يبلغ عددهم مئة وأربعةً وعشرين ألف نبي بأسمائهم وأحوالهم ورسالاتهم، فإن الأمر نفسه ينطبق على الإيمان بالملائكة؛ إذ يكفي فيه الإيمان الإجمالي.

فمعرفة جميع أصناف الملائكة ووظائفهم على وجه التفصيل أمر يفوق كثيرًا قدرة العقل البشري وإدراكه.
ولذلك فإننا نُفوِّض علم ذلك كله إلى الله تعالى، ونُعلن إيماننا بجميع الملائكة على وجه الإجمال، مؤمنين بكل ما خلقه الله منهم، سواء علمنا تفاصيلهم أم لم نعلمها.
 


84-) ماذا يعني "عدم تطابق الماهية"؟ وهل هناك فرق بين "الخاصية" و"الماهية"؟

الماهية هي الجواب عن سؤال: "ما هو الشيء؟" أو "ما حقيقة هذا الشيء؟".

فلو سُئل عن صورة الشمس المنعكسة في المرآة: "ما هذا؟"
فلا يمكن أن يقال: "إنها الشمس نفسها." ولذلك يقال إن ماهيتها لا تطابق ماهية الشمس.
فلو كانت ماهيتها مطابقة لماهية الشمس، لوجب أن تحمل جميع صفات الشمس وخصائصها على وجه الحقيقة.

أما الخاصية فتعني: المنفعة الخاصة، أو الأثر المميز، أو الصفة الخاصة التي يتميز بها الشيء.

فصورة الشمس المنعكسة في المرآة، مع أنها لا تملك ماهية الشمس الحقيقية، إلا أنها تحمل بعض خصائص الشمس مثل: الضوء، والحرارة، واللون.

الخلاصة:

  • الماهية: حقيقة الشيء وكنهه، والجواب عن سؤال: ما هو؟

  • الخاصية: الأثر أو الصفة أو المنفعة المميزة التي تظهر من ذلك الشيء.

ولهذا يمكن لشيءٍ ما أن لا يشارك شيئًا آخر في الماهية، ولكنه يشاركه في بعض الخصائص والآثار. كما أن صورة الشمس في المرآة ليست الشمس نفسها، لكنها تعكس بعض خصائصها.


85-) «إن إظهار الكرامة فيه ضرر إن لم يكن هناك ضرورة» هل يمكنكم شرح ذلك؟

الكرامة، لكونها نعمة ولطفًا قد يفتحان بابًا إلى إظهار الفضائل والغرور، فإن إظهارها والإعلان عنها قد يعرّضان الشخص من الناحية المعنوية للخطر والمجازفة.
ولذلك اختار كثير من الأولياء إخفاء كراماتهم بدلًا من إعلانها.

يقال إن الله لا يُشعر عبده الذي يحبه ويحفظه بإحسانه إليه.
لأن الله لو أشعر ذلك العبد بإحسانه وإكرامه بصورة واضحة، فقد يقع ذلك العبد في الغرور وينزلق إلى الكِبر.
والغرور والكِبر يؤديان بالإنسان إلى السقوط المعنوي.
ولهذا فإن الله الحفيظ يمنح عبده إحسانه من غير أن يشعره به، حتى لا يقع في الغرور والكِبر.

أما إكرام الله عباده الأولياء الذين أصلحوا أنفسهم، وإعطاؤهم الكرامة بصورة ظاهرة، فلا حرج فيه؛ ولذلك يمنحهم إحسانه بصورة علنية.
أما إذا مُنحت الكرامة بصورة ظاهرة لشخص لم يتمكن من إصلاح نفسه إصلاحًا كاملًا، فقد يقع ذلك الشخص في الاستدراج من جهة اعتماده على نفسه، وثقته بنفسه وبكشفه، ووقوعه في الغرور، أي أن ينسب النعم إلى نفسه ويقع في الغرور.


86-) هل يمكنكم شرح مرتبتي "أعلى عليين" و"أسفل سافلين"؟ وهل ينبغي أن نفهمهما على أنهما مقامات روحية؟

أعلى عليين تعني: أسمى السامين، وأعلى المراتب الرفيعة. ويُفهم هذا التعبير في المقام الأول على أنه يشير إلى أعلى منازل السعادة في الجنة وأرفع درجات الثواب. ومع ذلك، فإن الإنسان يكتسب أهلية الوصول إلى تلك المقامات في هذه الدنيا.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الإنسان يرتقي إلى أعلى عليين في هذه الحياة الدنيا، ويبلغ المراتب الروحية السامية فيها. وبلغة الاستعمال الشائع في العربية، يصبح إنساناً عظيماً ذا شأن رفيع.

أما أسفل سافلين فهو نقيض ذلك، ويعني: أدنى الأدنياء وأحط المراتب. وهذا التعبير يذكّر بأدنى منازل جهنم وأشد أنواع العذاب فيها. غير أن الإنسان إنما يتعرض لذلك العذاب نتيجة أعماله السيئة التي يرتكبها في الدنيا.

وعليه، فإن الإنسان عندما يصبح شخصاً دنيئاً، ذليلاً، قليل الخير، فإنه يهوي إلى أسفل سافلين في هذه الدنيا، ويكون في الوقت نفسه قد هيّأ لنفسه العذاب الذي سيلقاه في الآخرة.


87-) ما الحكمة من خلق الكواكب؟ وهل توجد فيها مخلوقات؟ وما الحكمة من خلق بعض النجوم أو الكواكب التي لم يرها أحد؟

«فإن أجلَّ نتيجة لخلق الكائن الحي هو الحظوة بالظهور أمام نظر الفاطر الجليل الذي يريد أن يرى بذاته جمالَ صنعته وجمال فطرته وجمال تجليات أسمائه في المرايا الصغيرة.»(1)

إن الله تعالى يريد أن يرى بذاته جمالَ صنعته وجمال فطرته وجمال تجليات أسمائه، رؤية تليق بالذات الإلهية وعلى نحوٍ لا نعلمه.
ومن هذه الناحية، حتى لو لم يوجد في الكون أي مخلوق ذي شعور، فإن هذا الكون سيظل يؤدي وظيفته ويعبّر عن غايته. واتساعه الكبير مهم جدًا لتحقيق هذه الغاية.
ومع ذلك، فإن لله تعالى مخلوقات لا تُحصى من الملائكة والروحانيين، والمهمة الأساسية لجميع هذه المخلوقات هي قراءة الرسائل الدالة على الله وفهمها، ثم أداء وظائف الشكر والتسبيح من خلال المخلوقات الجميلة التي خلقها الله تعالى.

وبحسب ما أثبته العلم، فإن أشعة الشمس (بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية) تصل إلى عالمنا في ثماني دقائق. ويُقال إن هناك نجومًا لم يصل ضوؤها إلى عالمنا منذ أن نشأ الكون.

إن هذا الاتساع المذهل لعالم الفضاء يُظهر أمام أنظارنا لا نهائية قدرة خالقه، وعظمته وكبرياءه. وهذه العوالم الشاسعة قد عُمّرت بما لا نهاية له من الملائكة وغيرهم من الروحانيين.

ومن أعماق البحار حيث توجد الأسماك وسائر الكائنات الحية، إلى أقصى أطراف الفضاء، كل مكان مليء بالمخلوقات التي تسبّح الله تعالى وتعظّمه.

فالنجوم والكواكب براهين نيرة تُظهر عظمة الله تعالى بوضوح، وتعلن عن وجوده. وهي شواهد على وحدانيته تعالى وعلى قدرته اللامتناهية. والملائكة، سكان تلك العوالم، يذكرون الله بألف لسان، ويتأملون الكون بألف عين.

وكل نجم وكوكب بمنزلة سفينة عظيمة من سفن الله تعالى. وهذه النجوم مملوءة بالروحانيين الذين يسبّحون الله تعالى ويحمدونه ويكبّرونه بمئة ألف لسان. والقصيدة الآتية الواردة في كتاب المكتوبات تلخّص ما سبق بيانه:

«واستمع إلى النجوم أيضاً، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ.

لترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.

إنَّها جميعاً تهتف وتقول معاً بلسان الحق:

نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال

نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.

نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.

فنحن أُلوفُ العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.

نحن أُلوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.

فنحن لأهل السماوات مساجدُ سيارة ومساكنُ دوّارة وأوكار سامية عالية ومصابيحُ نوّارة وسفائنُ جبارة وطائراتٌ هائلة!

نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال وخوارق صنعة حكيم ذي جلال. ونوادر حكمة ودواهي خلقة وعوالم نور.

هكذا نبيّن مائة ألف برهانٍ وبرهان، بمائة ألف لسانٍ ولسان، ونُسمعها إلى مَن هو إنسان حقاً.

عَميَتْ عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع أقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق.    

سكّتُنا واحدة، طُرّتُنا واحدة، مسبّحاتٌ نحن عابداتٌ لربنا، مسخّراتٌ تحت أمره.

نذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقة ذكر درب التبانة.» (2)

والإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان. وكل مسلم يؤمن بأن لله تعالى مخلوقات لطيفة تُسمى الملائكة. وهم يسبّحون الله، ويؤدون كذلك الوظائف الأخرى التي كُلّفوا بها. وهذه الموجودات النورانية التي لا تعصي الله ليست خاضعة للابتلاء مثل البشر؛ ففطرتها صافية، وهي معصومة، ومقاماتها ثابتة.

إن الله تعالى الذي سخّر في جسم الإنسان، وهو مثال صغير لهذا العالم المادي، العقل والذاكرة والخيال وآلاف الأحاسيس كالحب والخوف والفضول وغيرها، لم يترك هذا الكون المهيب خاليًا، بل عمّره كذلك بالملائكة.

وبما أن الإنسان يعيش في جزء صغير جدًا ومحدود من هذا الكون العظيم، فإن كثيرًا من الأماكن في الأرض تبدو في الظاهر خالية. ولكن توجد في الأماكن التي لا يعيش فيها البشر مخلوقات أخرى روحانية، تُسمى الملائكة والجن والروحانيات. وقد لخّص الأستاذ ذلك في عبارة موجزة فقال:
« وهذه الجبال الخاوية، وتلك الصحارى المقفرة كلُّها عامرة ومأهولة بعباد اللّٰه المكرمين، بالملائكة الكرام.» (3)

ولأن الملائكة خُلقوا قبل البشر، فقد كُلّفنا بالإيمان بهم. وهم أيضًا كانوا موجودين عندما أخبر الله تعالى الملائكة بخلق الإنسان لأول مرة. وقد تناول القرآن الكريم هذا الموضوع في عدة آيات.

وقبول وجود الملائكة أصل من أصول الإيمان الستة. ولكننا نرى أن زيادة علمنا بوظائفهم وباستسلامهم لله تعالى تمنحنا أيضًا نظرة مختلفة من ناحية إيماننا بالله تعالى.

ومن أهم الأمراض التي تخدعنا أننا نفكر في الحياة وكأنها مقتصرة على حياة الإنسان فقط، ونقبلها على هذا الأساس. والحال أن هناك حتى على وجه الأرض طبقات كثيرة مختلفة من الحياة. فمثلًا، السمك يعيش في الماء، بينما لا يستطيع الإنسان أن يعيش في الماء. والدودة تعيش تحت التراب، بينما يعيش الإنسان فوق التراب، وهكذا.

إن ظروف حياة الملائكة والجن والروحانيين تختلف كثيرًا عن ظروف حياة الإنسان. فقد يستطيع روحاني أو جني أن يعيش بسهولة في مركز الشمس، بينما لا يستطيع الإنسان أن يعيش في حرارة تبلغ خمسين درجة. ولذلك لا ينبغي النظر إلى الكون والحوادث من خلال حياة الإنسان وحدها. فقد خلق الله الكون مسجدًا، وخلق الملائكة والروحانيين جماعة ذلك المسجد. والإنسان لا يشكّل في مسجد الكون هذا إلا صفًا واحدًا، أما الصفوف الباقية فقد ملأها الله تعالى بمخلوقاته الأخرى. والنجوم والمجرات التي تبدو لنا خالية وفارغة لها سكان يناسبونها، وطريقة حياتهم لا تعتمد، مثل حياة الإنسان، على الهواء والماء والأكل والشرب.

وقد جهّز الله تعالى الكون بالملائكة التي تمثل كل مخلوق فيه وتقوم بالوكالة عنه. فكل مَلَك ينوب عن المخلوق الذي وُكّل به، لا يكتفي بتمثيل عبادته وتسبيحه وتقديمهما إلى الله تعالى بالنيابة عنه، بل يتصرف في ذلك المخلوق كما يتصرف الإنسان في أعماله الاختيارية. أي إن المَلَك يصبح بمنزلة نوع من الروح لذلك المخلوق.

فمثلًا، إذا كان المَلَك الموكّل بشجرة بمنزلة روحها، فإن الشجرة تكون بالنسبة إلى ذلك الروح بمنزلة الجسد. وكما أن الروح يتصرف في جميع بدن الإنسان، فإن المَلَك يتصرف في تلك الشجرة. وتنشأ بين المَلَك والشجرة علاقة تشبه العلاقة بين الجسد والروح. وللمَلَك أيضًا نصيب كبير في تصوير الآية للكائنات غير الحية بأنها تسبّح بطريقة حية وواعية.

وفي الكون، من الذرات إلى المجرات، هناك مَلَك يمثّل كل موجود وكل مخلوق ويقوم بالوكالة عنه. وعبارة الأستاذ: «كل قطرة مطر لها مَلَك موكل بها » تشير أيضًا إلى هذا المعنى. فالله تعالى قد وكّل ملائكة ليس بالذرات فحسب، بل حتى بالجسيمات. وكما أن المَلَك الموكّل بالعرش يثير العقول بعظمته وهيبته، فإن الملائكة الموكّلين بالذرات يثيرون العقول كذلك. ومن هذه الجهة، فإن لله تعالى نُظّارًا يراقبون كل مخلوق من مخلوقاته ويتفقدونه، وهم كثيرون جدًا.

 

 

-------------------------

1 - الشعاعات الشعاع الثاني ص:16

2 -المكتوبات، المكتوب الرابع.

3 - اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون.

 

 


88-) «بمعنى أن ميدان حشر عظيم سيُبسَط من منطقة الشام - كما في رواية - التي ستكون في حكم نواة تملأ دائرة عظيمة ». هل يمكنكم شرح مفهومي «ميدان الحشر» و«منطقة الشام » الواردين في هذه العبارة؟

«السؤال الثاني: أين ميدان الحشر؟

الجواب: العلم عند اللّٰه.. وإن حكمة الخالق الحكيم الرفيعة التي يظهرها في كل شيء حتى في ربط حكم كثيرة جليلة بشيء صغير جداً، تشير صراحة إلى أن الكرة الأرضية لا تخط في أثناء سيرها السنوي دائرة عظيمة عبثاً وعلى غير هدى. بل إنها تدور حول شيء عظيم، وتخط دائرة محيطةً لميدان عظيم، وتعيّن حدودَه، وتجول حول مشهَر عظيم، وتسلّم محاصيلَها المعنوية إليه، لتُعرَض تلك المعروضات أمام أنظار الناس في ذلك المحشر. بمعنى أن ميدان حشر عظيم سيُبسَط من منطقة الشام -كما في رواية- التي ستكون في حكم نواة تملأ دائرة عظيمة محيطُها يبلغ ما يقرب مسافة خمس وعشرين ألف سنة.

وتُرسل الآن محاصيلُ الأرض المعنوية إلى دفاتر وألواح ذلك الميدان المعنوي، المحجوب عنا تحت ستار الغيب، وحينما يُفتح الميدانُ في المستقبل، ستُفرغ الأرض أيضاً بأهليها إلى الميدان نفسه وتمضي محاصيلُها المعنوية تلك من الغيب إلى الشهادة.»(1)

تُعبّر الأحاديث عن منطقة الشام بأنها مركز ميدان الحشر ووسطه. وهذه المنطقة، بالتعبير المعاصر، هي منطقة بلاد الشام التي هي مركز ما يسمى بالشرق الأوسط .

لقد كانت منطقة الشرق الأوسط على الدوام مركزًا ومهدًا لتاريخ البشرية وحضارتها، وقد أُرسل معظم الأنبياء إلى هذه المنطقة.
وهي من جهة تشبه قلب العالم ومركزه. وكما أن الأرض بمنزلة قلب لجسد الكون، فإن الشرق الأوسط يشبه، من جميع الجهات، قلب الأرض ومركزها.
ولفظ «القارة» يشير إلى المنطقة، والشرق الأوسط يقع في أكثر المواقع مركزية في قارة آسيا.

إن المجموعة الشمسية والأرض تسيران في رسم دائرة.
وهذه الدائرة التي ترسمها دائرة واسعة وشاملة للغاية، يصعب على العقل والخيال إدراكها، وتضم المراحل الممتدة منذ بداية خلق الكون إلى قيام القيامة.
والمقصود هنا ليس الخط الذي ترسمه الأرض حول الشمس ولا الدائرة الصغيرة المتشكلة من هذا الخط.

وكما تدور الأرض حول الشمس، فإن المجموعة الشمسية تدور أيضًا حول منظومة أخرى، وتلك المنظومة تدور بدورها حول منظومة أخرى. وعليه، فإن ميدان الحشر سيتشكل داخل هذه الدائرة العظيمة التي ترسمها هذه المنظومات. وقد تكون الأرض، بحسب موقعها، بمثابة بوصلة صغيرة في مركز هذه المنظومات الهائلة؛ أي كأكثر النقاط مركزية في المدن الكبرى.

 

-----------------------
(1) المكتوبات، المكتوب العاشر.

 

 


89-) هل يقبل القلب ما لا يقبله العقل؟

يشبّه الأستاذ بديع الزمان العقل بالمعدة.
فكما أن الطعام الذي نتناوله لا يصبح جزءًا من الجسد ولا تستفيد منه الخلايا إلا بعد أن يدخل المعدة ويُهضم فيها، وما لا تقبله المعدة لا يستطيع الجسم الاستفادة منه؛ فكذلك العلوم والأفكار والمعلومات لا يمكن أن تصبح من ممتلكات القلب، ولا أن تسري إلى لطائف الروح، إلا بعد أن تمر عبر مصفاة العقل وتحظى بتصديقه.

وقد عُرِّف الإيمان في كتاب «إشارات الإعجاز»بما يلي:
« نورٌ يقذفه اللّٰه تعالى في قلب من يشاء من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري.»

ثم إن ديننا يجعل العقل سابقًا للتكليف الديني؛ فمن لا عقل له لا تكليف عليه، أي إنه غير مسؤول عن أوامر الدين ونواهيه.

وعليه، فإن الأفكار والآراء التي لا يصدقها العقل ولا يستوعبها لا يمكن أن تصبح من ممتلكات القلب.

ومع ذلك، فقد يحب القلب شيئًا أو يكرهه أحيانًا دون أن يكون للعقل نصيب في ذلك.
بل قد يؤمن الإنسان بشيء مع أن عقله لا يستطيع إدراكه أو الإحاطة به.
وهذه الحالة لا تُسمّى إيمانًا تحقيقيًا، وإنما تُسمّى إيمانًا تقليديًا أو قبولًا تقليديًا.


 


90-) "يا مَن تَعلَّم في المدارس الحديثة مسائلَ فاقدةً للروح في علم الفلك، فضاق ذهنُه، وانحدر عقله إلى عينه حتى استعصى عليه استيعاب السر العظيم لهذه الآية الجليلة.!" هل يمكنكم أن توضحوا هذا الموضوع قليلاً؟

إذا جعل الإنسان آيات القرآن، الذي هو أزلي وأبدي، نورًا لعقله، استطاع أن يتأمل الكون والعرش وجميع عوالم الغيب.

أما العلوم الطبيعية، فإنها لا تستطيع الإحاطة إلا بجزء محدود من العالم المادي، بل إن قسمًا من معلوماتها يقوم على التقديرات والافتراضات.

ومن يعتمد على نوره الجزئي المحدود وحده، كالحشرة المضيئة التي تظن أن ضوءها الصغير يكفيها بينما تبقى محاطة بالظلام الدامس، ويثق بعلمه القليل وعقله فقط دون أن يدخل تحت نور الوحي كالشمس، فإنه يقع في ظلمات الكفر والشرك.

**توضيح المعنى المقصود في العبارة:**

المقصود ليس ذمَّ العلم أو دراسة الكون، وإنما نقدُ النظرة التي تحصر الحقيقة كلها فيما تدركه الحواس والتجارب المادية فقط.
بعض الناس يرفضون الحقائق الغيبية أو المعاني الدينية لأن عقولهم اعتادت النظر إلى الجانب المادي وحده، فأصبحت عاجزة عن استيعاب ما وراء المادة من حقائق إيمانية.
لذلك يصفهم بأن « فضاق ذهنُه، وانحدر عقله إلى عينه»، أي أنهم لا يقبلون إلا ما يُرى ويُقاس بالحس، بينما الإيمان يتجاوز ذلك إلى ما يُعرف بالوحي والعقل معًا.


91-) ما المقصود بعبارة: « إذ حوّل ذلك الانـزواءَ في الجبل الذي كان معرّضاً لعوامل تُخل بالإخلاص والأمان، إلى خلوة في جبال "بارلا" يحيط بها الأمنُ والاطمئنان والإخلاص.»؟ وما الأسباب التي قد تُفسد الإخلاص؟ ألم تكن بارلا أكثر أمانًا؟

«بينما كنت منعزلاً في مغارة أحد الجبال، وقد طلّقت السياسةَ وتجردت عن الدنيا منشغلاً بأمور آخرتي، أخرجني أهلُ الدنيا من هناك ونفوني ظلماً وعدواناً. فجعل الخالق الرحيم الحكيم هذا النفيَ لي رحمة، إذ حوّل ذلك الانـزواءَ في الجبل الذي كان معرّضاً لعوامل تُخل بالإخلاص والأمان، إلى خلوة في جبال "بارلا" يحيط بها الأمنُ والاطمئنان والإخلاص. وقد عزمت عندما كنت أسيراً في روسيا ورجوتُ اللّٰه أن أنـزوي في أواخر عمري في مغارة..» (1)
يمكن فهم عبارة « تُخل بالإخلاص والأمان» على وجهين:

أولهما: أن خدمة إنقاذ إيمان المجتمع أسمى وأعظم أجرًا بكثير من الاعتزال في الجبل...
أي إن أحد الخيرين أرفع وأكثر ثوابًا من الآخر؛ ولذلك فإن بارلا أرجح من الاعتزال في الجبل من حيث الإخلاص.
ويمكن القول إن الاعتزال في الجبل يُشبه حالةً نقص فيها الإخلاص بالمقارنة مع الخدمة في بارلا. إذ إن الشخص الذي يعتزل في الجبل بإرادته من أجل العبادة والتفكر قد يكون إخلاصه معرضًا للخطر، فالشيطان كثيرًا ما ينشغل بأمثال هؤلاء الأشخاص. أما الشخص الذي نُفي قسرًا بإرادة الدولة ولم يُسمح له بلقاء أحد، فإن تسلط الشيطان عليه وإفساده لإخلاصه يصبح أكثر صعوبة.

وثانيهما: أن الخدمة بإخلاص في الأحوال الصعبة التي يتعرض فيها الإنسان للمصائب تكون أيسر.
أما في العزلة، فعلى الرغم مما فيها من ضيق ومشقة، فقد يفسد النفسُ الإخلاصَ بدافع الرغبة في الترقي. ومن أخطر ما يواجه السالك في السير والسلوك حالاتُ التحليق عاليًا؛ أي أن يحلّق النفس عاليًا ويرى نفسه في منزلة أرفع مما هو عليه.
وقد توقع هذه الحالة الإنسان في الغرور.

وكانت بارلا، من هذه الناحية أيضًا، مكانًا أكثر أمانًا وبركةً من الاعتزال في الجبل. فبينما كانت بارلا بمثابة تكية زُيّنت بالتربية الإلهية، كان جبل إرك محاولةً إرادية للترقي. فأحدهما وهبيّ والآخر كسبيّ، والوهبيّ أبدًا أفضل من الكسبيّ.
 

------------------------
1) المكتوبات، المكتوب الثالث عشر.

 

 


92-) "إنّ كمالَ الوجود مع الحياة، بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة. فالحياة نورُ الوجود، والشعور ضياءُ الحياة.." هل يمكنكم شرح هذه العبارات البليغة بشيء من التفصيل؟

"إنّ كمالَ الوجود مع الحياة، بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة."

الوجود يعني: الكون والثبوت. فالحجر موجود، والشجرة موجودة، والحيوان موجود، والإنسان موجود...

ولكن عندما يُذكر الشيء مطلقًا، فإن الذهن ينصرف إلى أكمل مراتبه. ولذلك، عندما يُقال: الوجود، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الكائنات الحية، ولا سيما حياة الإنسان.

ولما كان الوجود الحقيقي مرتبطًا بالحياة، فإن وجود الأجسام التي لا حياة فيها ليس وجودًا حقيقيًا كاملاً، بل هو أشبه بالوجود المجازي؛ فهي قريبة من العدم بقدر قربها من الوجود.

ولهذا جاء في الخلاصة:

"يصح القول: إن لم تكن هناك حياة فالوجودُ ليس بوجود، ولا يختلف عن العدم." 

فالوجود يبلغ كماله بالحياة؛ لأن المعاني والمقاصد التي أودعت في الموجودات لا تتحقق إلا بالحياة.

" بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة."

بل إن الحياة ليست مجرد كمال للوجود، وإنما هي أساسه وجوهره؛ فالموجود الذي لا حياة فيه كأنه لا وجود له.

فمثلاً: كما أن الغسالة الكهربائية من دون كهرباء لا قيمة لها ولا تؤدي أي وظيفة، فكذلك الوجود بلا حياة يصبح بمنزلة العدم.

"الحياة نورُ الوجود، والشعور ضياءُ الحياة."

لو لم تكن الحياة، لما أمكن رؤية النقوش والآثار والعلامات المودعة في الموجودات وفهمها.

فلو دخل الإنسان إلى معرض للرسوم ليلاً ثم انطفأت الأنوار، لاستحال عليه أن يرى اللوحات أو يقدّر جمالها.

وكذلك الحياة، وما يعمل بها من الحواس والمشاعر، هي بمثابة النور والضياء للموجودات؛ فبدونها يصبح الوجود مظلمًا وخاليًا من المعنى.

"والشعور ضياء الحياة."

وتحمل هذه العبارة المعنى نفسه.

فإذا تصورنا الحياة شمسًا، فإن ضياء تلك الشمس هو الشعور.

أي أن الشعور ينبثق من الحياة ويتفرع عنها؛ فلا يمكن أن يوجد شعور في شيء لا حياة فيه.

وقد بيّن الله تعالى في الآية الخامسة من سورة يونس أنه جعل الشمس ضياءً وجعل القمر نورًا.

وهناك ارتباط وثيق بين هذه الآية الكريمة وبين هذه العبارات المليئة بالحكمة.

ففي هذا الدرس شُبِّه الوجود بالشمس، وبيّن أن الحياة تستمد نورها من ذلك الوجود. ومن الواضح أن من لا وجود له لا يمكن أن تكون له حياة.

ثم يقول بديع الزمان سعيد النورسي في موضع آخر:

"والحياة رأسُ كل شيء وأساسُه.. وهي التي تجعل كلَّ شيء ملكا لكل كائن حيّ، فتجعل الشيءَ الحيّ الواحدَ بحُكم المالك لجميع الأشياء."(الكلمة التاسعة والعشرون، المقصد الأول).

فمثلاً:

- لولا الشمس لما وجدت الحياة.
- ولولا الماء لما وجدت الحياة.
- ولولا الأرض لما وجدت الحياة.
- ولو لم تتحرك النجوم والمجرات بنظام وتوازن، لما أمكن للحياة أن توجد.

ذلك أن نجمًا واحدًا لو انحرف عن مداره بمقدار ضئيل جدًا، لأدى ذلك إلى اختلال نظام الكون كله.

وهذا يدل على أن حتى النجم البعيد، الذي يبدو وكأنه لا علاقة له بالحياة، له نصيب في استمرارها وإسهام في تحققها.

ومن هنا نفهم أن الحياة ثمرةٌ وخلاصةٌ تُستخلص من الكون بأسره.

فالنحلة الصغيرة - بفضل الحياة - تصبح مرتبطة بجميع أجزاء الكون، وتكون ثمرة لاجتماع جميع الأسباب الكونية.

أي إن النحلة، مع أنها جزء صغير، ترتقي بالحياة إلى منزلة الكل، فتصبح ذات علاقة بالكون كله.

وبفضل الحياة تصبح تلك العناصر الكونية العظيمة في خدمة النحلة؛ فالحياة تجعل هذه المخلوقة الصغيرة كأنها سيدة على تلك المخلوقات العظيمة، إذ تُسخَّر جميعها لخدمتها بأمر الله تعالى.


 


93-) هل المعاني التي في القلب تنشأ من قراءة العقل للموضوعات الفلسفية أو الإيمانية، ومن رؤية العين، وسماع الأذن؟

القلب هو المركز الذي تُخزَّن فيه المعلومات وتُحلَّل.
أما الأعضاء كالأذن والعين، واللطائف كالعقل والوجدان، فهي وسائل تنقل المعلومات إلى القلب.

يقوم القلب بعجن هذه المعلومات وتحليلها، ثم يضخها إلى جميع اللطائف، إما في صورة نور وإما في صورة ظلمات.
ومن هنا جاء القول: «إن نور العقل يأتي من القلب».
فالمعاني التي تصل إلى القلب تأتي في الغالب عبر العقل بوصفه الشريان الرئيس، لكنها لا تأتي من العقل وحده.

فعلى سبيل المثال، قد يحب القلب مباشرة منظرًا جميلاً تراه العين، أو أنشودةً إيمانية مؤثرةً تسمعها الأذن.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الترتيب أن العقل يزن الأمر أولاً ثم يحب القلب بعد ذلك، بل إن العين ترى أو الأذن تسمع أولاً، ثم يحب القلب مباشرة.

والقلب هو المركز الرئيس الذي يتشكل فيه الإيمان كما يتشكل فيه الكفر ويستقران.
ولذلك، إذا فسد القلب فسدت معه جميع الأعضاء واللطائف التي تتغذى منه.

وقد أشار نبينا محمد ﷺ إلى هذه الحقيقة بقوله:
«القلب ملك وله جنود فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده،  والأذنان قمع، والعينان مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرجلان بريد، والكبد رحمة، والطحال ضحك، والكليتان مكر، والرئة نفس.» (الجامع الصغير: 6191)

وقال أيضًا:
« ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ.»(البخاري:52)


 


94-) يُذكر أن الملائكة والأرواح تنزل إلى الأرض. فمن هم هؤلاء، وكيف ينبغي أن نفهم كيفية نزولهم؟

الأرض، كما السماء، مملوءة بالملائكة. فمع كل شجرة جديدة تُغرس، وكل زهرة جديدة تتفتح، يُخلق مَلَك جديد موكَّل بها.

ويصف الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الموت بأنه «إطلاق الروح»، أي تحررها وانطلاقها،
ويقول في إحدى رسائله عن الموت:

 «... ولكن الإيمان يُري أن تلك الثمرة ليست جنازة، بل هي انطلاق لروحي المرشّحة للأبد من وكرها القديم لتسرح في النجوم..»( المقام الثاني من الكلمة السابعة عشرة )

إن أرواح المؤمنين الذين انتقلوا من الدنيا بالإيمان ولم يتعرضوا لعذاب القبر تستطيع أن تجول بين النجوم، وأن تلتقي في عالم البرزخ بكثير من أحبابها وأصدقائها. وهذه الأرواح السامية الحرة تنزل إلى الأرض في أوقات معينة، ولا سيما يوم الجمعة، ويوم عرفة، وأيام الأعياد. أما كيفية هذا النزول فلا نعلمها. غير أن في أرواحنا خصائص كثيرة تصلح أن تكون دليلاً على إمكان ذلك.

وإن قول أستاذنا: «إن عقل كل إنسان وخياله ونظره يتجه دائماً إلى السماء» يفتح لنا آفاقاً لفهم هذه المسألة.

فعلى سبيل المثال، بما أن أعيننا مادية فإنها تبقى في مكانها، أما خاصية الإبصار في الروح فتستطيع في لحظة واحدة أن ترتفع إلى السماء، وتصل إلى الشمس، وتجول بين النجوم. ومن السهل على كل عقل مستقيم أن يقبل أن الروح المتحررة من قيود الجسد تستطيع القيام بهذا الأمر بنفسها وبمنتهى اليسر. لكن الإنسان الذي لا يعرف حقيقة ماهية روحه لا يستطيع أن يدرك كيفية هذه الذهابات والإيابات ولا حقيقتها.


 


95-) كيف نفهم قول أستاذنا: «إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدَر »؟ ألا يُعَدّ هذا التعبير قولًا بالجبر؟ وإذا كان محكومًا بالقدر، فلماذا قدّم كل تلك الدفاعات والمرافعات؟

إن عبارة «إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدَر » هي تعبير عن التوكل والتسليم لله تعالى. ولما كان التوكل والتسليم يتجليان بأكمل معانيهما لدى كبار أهل الإيمان، فإنهم لا ينسبون إلى أنفسهم نصيبًا في الأمور.
وهذه الحال هي من ذروة العبودية. وليس المقصود هنا بحال من الأحوال مفهوم القدر الباطل الذي تتبناه فرقة الجبرية.

فـالجبرية تنفي إرادة الإنسان تمامًا وتتجاهلها، في حين أن رسائل النور تقرر وتثبت في مواضع كثيرة، بما يتوافق مع عقيدة أهل السنة، وجود إرادة الإنسان، وأن جميع الأخطاء والعيوب تصدر عن إرادته.
أي إن «نسبة الخير والجمال إلى الله، ونسبة الخطأ والعيب إلى النفس» من شعائر العبودية.
أما مذهب الجبرية فينسب كل شيء إلى القدر هربًا من العبودية والمسؤولية. وهناك فرق كبير جدًا بين الأمرين.

وهناك أمر آخر، وهو أن الجوانب المتعلقة بالإرادة الإلهية، أي بالقدر، فيما يقع للإنسان من أحداث، أكثر بكثير من الجوانب المتعلقة بإرادة الإنسان.
فإذا كان لإرادة الإنسان في حادثة ما نصيب قدره خمسة بالمئة، فإن نصيب القدر يكون خمسةً وتسعين بالمئة.
فما وزن هذه المسائل الصغيرة إلى جانب الجانب الغالب من حيث التوكل؟!

ويبدو أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي قد عبّر بقوله: «إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدَر » من حيث تجلّي القدر في هذه الدنيا.
فبينما كان في عهد «سعيد القديم» يقف بلا خوف في مواجهة ثلاثة قادة أشداء، وكانت تلك البطولة تنتهي بتقديرهم له، نجد أنه في عهد «سعيد الجديد» يأتي جندي فيقيّد يده ويقتاده إلى السجن، فيلتزم الصمت تجاه هذا الوضع؛ ولا بد أن في ذلك حكمًا كثيرة.

ولولا أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي قابل الآلام والمعاناة التي تفوق طاقة البشر بالصبر والثبات، فربما لم تكن هذه الآثار العظيمة بين أيدينا اليوم. وتوجد دفاعاته ومرافعاته بكثرة في كتاب الشعاعات وملحق أميرداغ وغيرها من الرسائل. وقد قُرئت جميع هذه الدفاعات في المحاكم من قِبله ومن قِبل محاميه، وصدر حكم البراءة في كثير منها.

وعلى الرغم من أن هذه الدفاعات تبدو في ظاهرها دفاعات قضائية، فإن قيمتها تنبع من كونها دفاعًا عن رسائل النور ومؤلفها. وفيما يلي نعرض على أنظاركم بعض النقاط المتعلقة بالموضوع:

1. بما أن رسائل النور تُعدّ من أعظم تفاسير القرآن الكريم في هذا العصر، فإن الدفاع عن هذه الآثار هو في الوقت نفسه دفاع عن القرآن الكريم.ولذلك فإن الذين دافعوا عن القرآن، وكذلك دفاعاتهم التي قدموها، جديرون بأن تُقرأ وتُقابل بالتقدير.

2. الإخلاص والوفاء لرسائل النور ولمؤلفها.

3. إظهار الإخلاص للقضية.

4. إن الثبات والمواقف التي أظهرها طلابه في المحاكم، دون أن يبالوا بالسجن، ليست إلا بطولةً جسورة في سبيل القرآن والإيمان.

5. إن هذه الآثار والدفاعات هي ثمرة ضغوط كثيرة، وألوان من الظلم والتعذيب التي لا تُصدّق، والآلام والمعاناة التي لا تُحتمل. وقد كُتبت جميع هذه الدفاعات نتيجةً للشدائد والآلام والمصاعب، وكانت سببًا، ولو بعد زمن طويل (ثمانية وعشرين عامًا)، في صدور أحكام البراءة بحقهم جميعًا.

6. لو لم تُكتب هذه الدفاعات، فهل كان بإمكاننا اليوم أن نقرأ هذه الآثار بسهولة واطمئنان؟

وبحسب الباحث والكاتب نجم الدين شاهينر، فقد صدرت أحكام بالبراءة في ألف وخمسمائة محكمة فيما يتعلق بآثار رسائل النور.

 

 

 


96-) في هذه الرسالة يُعرض أحد الموضوعات الثلاثة على أنه لغز خلق الإنسان. فهل لكون خلق الإنسان لغزاً علاقة بسرّ الابتلاء والامتحان الإلهي؟

المقصود باللغز هنا هو مسألة فهم الغاية الحقيقية من خلق الإنسان فهماً صحيحاً أو عدم فهمها.
وكسب هذا الامتحان أو خسارته أمرٌ متروك للإنسان نفسه.

بمعنى أن المفتاح الذي يفتح طلسم الكون وسرّ خلق الإنسان قد أُعطي للإنسان.
وهذا المفتاح هو الأنا والإرادة الجزئية الموجودة فيه.
فإذا استخدم الإنسان هذا المفتاح استخداماً صحيحاً، انفتح له ذلك الطلسم، وانحلّ ذلك اللغز، وأصبح الأمر واضحاً جليّاً.

أما إذا صرف الإنسان «الأنا» وإرادته في طريق الغفلة والضلال والكفر، فإن ذلك اللغز يتحول إلى حجاب كثيف مظلم، فلا يستطيع أن يرى حقائق الأشياء ولا أن يكتشف باطنها وحقيقتها.

وقد شُرح هذا الموضوع بالتفصيل في الكلمة الثلاثين، في مبحث الأنا.

 

 


97-) لماذا يبدأ المكتوب التاسع بـ«ثانياً»؟ ألا توجد «أولاً »؟

«تكتبون أن هيئة المباركين قد عهدت إلى خُسْرَو بجمع الرسائل الواردة من هنا إلى هناك في صورة رسالة، وأن خُسْرَو قد عهد إلى حافظ علي وصبري بحذف بعض جمله الجزئية والخاصة وبعض فقراته غير الضرورية. إن نظرة خُسْرَو إلى رسائل النور، بما فيها من كرامة ودقة وصواب وحدة، هي نظرة صحيحة. فمن الأفضل حذف الكلمات المؤقتة والجزئية والخاصة من أثر باقٍ.»(1)

نفهم من العبارة أعلاه أن الرسائل لم تُنشر كلها. أما قسم «أولاً» من الرسالة التاسعة، فلم يُنشر في «المكتوبات» ولا في الرسائل الأخرى بالصورة التي قام أستاذنا بنفسه بتصحيحها وإقرارها.

لكن بعض أجزاء هذا القسم من الرسائل موجودة لدى بعض الإخوة من طلبة النور، على هيئة «غير منشورة».

 

----------------------------
(1) ملحق قسطموني - النسخة التركية - الرسالة الخامسة والثلاثون.

 

 

 


98-) هل يمكنكم توضيح مسألة كون الإنسان "أهلا للخطاب الإلهي" وارتقائه إلى مقام "يؤهله للضيافة الربانية في الجنة"؟

إن كون الإنسان "أهلا للخطاب الإلهي" وارتقائه إلى مقام "يؤهله للضيافة الربانية في الجنة" هما جانبان مختلفان من كونه مخلوقًا في أحسن تقويم.

فكما أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بصفة الكلام مع الملائكة، فإنه يتكلم أيضًا مع الإنس والجن.
أما هذا الكلام في عالم الحيوان فيظهر على هيئة إلهام ؛ فكل حيوان يجد رزقه بالإلهام الإلهي، ويعرف أعداءه ويحذر منهم، كما يجد النباتات التي تكون شفاءً لمرضه بالإلهام نفسه.

غير أن صفة كلام الله تعالى تتجلى بأعلى درجاتها في الوحي.
ففي الخطابات الإلهية الواردة في القرآن الكريم، نجد أن بعضها موجَّه إلى جميع البشر على وجه العموم، وبعضها موجَّه إلى المؤمنين خاصة، كما توجد خطابات مشتركة موجهة إلى الإنس والجن معًا.

ومن هنا فإن أحد جوانب أحسن التقويم يتمثل في أن الإنسان هو أكثر المخلوقات تعرضًا للخطاب الإلهي وتلقيًا له.

والمقصد الأساسي من هذه الخطابات هو أن ينال الإنسان أهلية دخول الجنة .

فالله سبحانه وتعالى الذي يربي عالم النباتات بالآيات التكوينية، كالشمس والمطر والتربة، ويهيئها لتكون رزقًا للإنسان، يربي الإنسان أيضًا بآيات القرآن الكريم ليكون "يؤهله للضيافة الربانية في الجنة".

وهذه الآيات يمكن جمعها في أصلين أساسيين:

1. الآيات المتعلقة بالإيمان.
2. الآيات المتعلقة بالعمل الصالح.

فالمؤمن الذي يستنير قلبه ويتكامل بالإيمان، يُظهر من خلال الأعمال الصالحة أنه عبد مطيع لله تعالى، ويسعى لأن يكون أهلًا للجنة التي أعدها الله له، وجديرًا بدخولها.
 


99-) كيف يكون خلوّ القرآن من التناقض معجزة؟ فقد يكتب مؤلف كتابًا أيضًا دون أن يقع في التناقض!

إذا ألّف إنسان كتابًا في موضوع واحد بعد بحثٍ واسعٍ ومتعمّق، فمن الطبيعي أن لا يجد القارئ فيه تناقضًا أو اضطرابًا.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من المؤلفين تقع في كتبهم بعض التناقضات أو عدم الاتساق.

أما القرآن الكريم، فإنه يتناول جميع الموضوعات المتباينة والمتقابلة في انسجامٍ تام، دون أن يقع بينها أي تعارض أو تناقض.
وبيان ذلك:
فالقرآن يتحدث عن أركان الإيمان الستة بكل تفاصيلها، وأركان الإسلام الخمسة وما يتعلق بها من أحكام، والفرائض والواجبات، والحلال والحرام، وارتقاء الإنسان الروحي وانحطاطه، ونظام المجتمع وانسجامه، وأسس الحياة الاقتصادية والتجارية، وأحكام الحرب، وغيرها من الموضوعات المختلفة والمتشعبة.
ومع ذلك، لا يوجد أدنى تناقض بين المبادئ التي يقررها والأحكام التي يبينها في جميع هذه المجالات.

والإنسان لا يستطيع غالبًا أن يتعمق إلا في علمٍ أو علمين حتى يصبح متخصصًا فيهما.
أما القرآن الكريم، فإنه يشير إلى أصول العلوم كلها، ويتحدث ببيان يدل على الإحاطة بحقائقها وأسسها.

ولو كان القرآن – حاشا لله – من تأليف النبي ﷺ ومن عند نفسه، لظهر فيه كثير من التناقضات والاختلافات، ولاكتُشفت مع مرور الزمن.
غير أن القرآن منزَّه ومقدَّس عن مثل هذه التناقضات والاضطرابات، ولم يستطع أحد أن يثبت فيه تناقضًا حقيقيًا أو يدّعي ذلك بدليل قاطع.

والله أعلم.


 


100-) ما معنى: « وحيث إن الأمر خاطرٌ فرضي، وتداعٍ خيالي، بلا اختيار ولا رضى، فلا يتعلق به النهيُ الإلهي.»؟ وهل يجوز أن يتخيّل الإنسان الحرام بإرادته؟

« ثم إن قبح الشيء ونجاستَه وقذارتَه هو بسبب النهي الإلهي، حسب مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة. وحيث إن الأمر خاطرٌ فرضي، وتداعٍ خيالي، بلا اختيار ولا رضى، فلا يتعلق به النهيُ الإلهي. ولهذا فلا يكون الأمر قبيحاً ولا قذراً ولا نجساً مهما كان صورةً لقبيحٍ وقذرٍ ونجس..»(المكتوبات، المكتوب الحادي عشر)

يمكن، انطلاقًا من مفهوم هذه العبارة المخالف، الوصول إلى حكم مفاده أن تخيّل الشيء وتصوّره بإرادة وقصد واختيار يترتّب عليه المسؤولية.
فمثلًا، يمكن القول إن تخيّل الأمور الفاحشة عن علم وإرادة، وإن لم يكن من كبائر الذنوب، فإنه ليس أمرًا صحيحًا أيضًا.

في الآية الثانية والثلاثين من سورة الإسراء، يقول الله تعالى:{ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}  ومن خلال الأمر الوارد في كلمة «لا تقربوا»، ذهب علماء الفقه الإسلامي إلى أن كل عمل يمكن أن يجرّ الإنسان إلى الزنا هو عمل محرّم.

لسنا مسؤولين عن الصور التي تَرِد إلى عقولنا وخيالنا من غير اختيار منا.
ولكن القيام بهذه الأمور عن قصد واختيار قد يوجّهنا إلى شرور أخرى، أو قد يضرّ بحالتنا النفسية.

كما أن ملء خيالنا عن علم وقصد بمثل هذه الخيالات يعني استخدام نعمة الخيال في غير موضعها.