Most Read in the Category of اسئلة رسائل النور

1-) الفرق بين "السؤال" و"الدعاء" في الكلمة السابعة 

معنى السؤال والدعاء:

"السؤال" يعني: الطلب، الرجاء، والبحث عن شيء. ومن هذه الناحية فهو مشابه في المعنى للدعاء، لأن جوهر السؤال هو طلب العون وطلب شيء من أحد.
  مثال على ذلك:
  جوع المعدة واحتياجها الشديد للطعام هو نوع من السؤال،
  وإرسال الله لهذا الطعام هو جواب لهذا السؤال.

- الفرق في المعنى الدقيق:

" السؤال " يميل إلى أن يكون " طلبًا فطريًا أو فعليًا "، يظهر من حاجة أو حالة.
 أما  " الدعاء" فهو طلب لفظي أو قلبي مباشر إلى الله ، يصحبه توجه وإلحاح معنوي.

الإنسان والسؤال والدعاء:

الإنسان كائن ضعيف وعاجز جدًا، لا يستطيع إنجاز شيء بذاته،
  ورأسماله الوحيد هو الإرادة الجزئية ،
  وهي عاجزة عن الخلق أو التنفيذ بذاتها.
  فالله خلق الإنسان بهذه الصورة ليكون مرآةً لأسماء الله وصفاته.

 الإنسان بفقره وضعفه يتجه إلى الله الغني القادر، فيطلب منه كل شيء.
  كما أنه بحاجته لرغيف الخبز، محتاج للشمس والهواء والماء من أجل نشوء هذا الرغيف،
  وهذا الاحتياج يجعله يشعر بوجود الله ووحدانيته،
  ويقوده إلى العبادة والتوجه إليه بالدعاء والسؤال.

 الإنسان مرآة لأسماء الله:

 خُلق الإنسان بقدرة عظيمة على التوجه بالدعاء وطلب الحاجات،
  فصار أوسع الكائنات استعدادًا ليكون مرآة لتجليات أسماء الله وصفاته.

 بهذا الاستعداد، يستطيع أن يقرأ معاني أسماء الله، ويفهم آثارها في الكون،
  ويُصبح مخاطبًا لله على وجه واسع.
  في نظر الإنسان، الكون كله يتحول إلى مائدة أو كتاب مفتوح.

 وكل شعور في الإنسان هو نافذة مفتوحة على مائدة الكون ليستفيد منها،
  فمثلاً:
  العين تستفيد من الأشياء المرئية،
  والعقل والخيال يمتدان ليشمل تفكيرهما الماضي والمستقبل.


 


2-) ما الحكمة من قول "بسم الله" عند الأعمال البسيطة

البسملة لا تعني فقط الاعتماد على الله والثقة به، بل تتضمن أيضًا معاني الشكر والذكر والتفكر، وهي كلها من وظائف العبودية. ولهذا، عندما يذكر الإنسان بسم الله في كل لحظة من لحظاته، فإنه يكون قد قام بعدة عبادات دفعة واحدة.

ثم إن تناول الطعام ليس بالأمر البسيط كما يُظن. فإذا تأملنا جيدًا، فإن مجرد حركة بسيطة من الذراع تحتاج إلى عمل منظم ومعقد تقوم به العظام والعضلات والخلايا، بالإضافة إلى أن كل الجسم يتفاعل معها، والجسم نفسه على ارتباط شامل بالكون كله ليؤدي وظيفته.

كما قيل:(  المسمار ينقذ الحدوة والحدوة تنقذ الحصان والحصان ينقذ الفارس والفارس ينقذ أمة)
وهذا المثل ينطبق أيضًا على حركاتنا التي نراها بسيطة.

فعلى سبيل المثال: حتى يرى الإنسان شيئًا بعينه، يجب أن يعمل النظام الشمسي بأكمله بتناسق؛ لأن الرؤية لا تتم من دون ضوء الشمس. إذن، النظر ليس فعلًا بسيطًا، بل يعتمد على قدرة الله المطلقة وإرادته الشاملة...

الخلاصة:
حتى أبسط الأفعال في ظاهرها، مثل الأكل أو النظر، ما هي إلا نتائج لتسخير كوني دقيق، وعندما يبدأ العبد ببسم الله في كل عمل، فإنه يعترف ضِمنًا بهذا التسخير الإلهي ويؤدي شكرًا وعبادة لله عز وجل.


3-) هل المسلم لا يعمل في أمور الدنيا؟ هل يقضي عمره كله في العبادة فقط؟

العبادات الأساسية مثل الصلاة والصيام، هي بمثابة الخميرة والأساس لحياة مستقيمة ومتزنة للمؤمن. ولكن الحياة التعبدية لا تقتصر فقط على هذه العبادات الظاهرة.

فالنظر إلى الأشياء بمعناها الإشاري (الرباني)، أي النظر إليها من جهة علاقتها بالله، هو عبادة.
وكذلك، كل عمل أو جهد يُبذل بنية طلب رضا الله يُعتبر عبادة أيضًا.
ومن هذا المنظور، لا يوجد انفصال بين الدنيا والآخرة:

  • فالصلاة التي تُؤدّى رياءً لا تُعد عملًا أخرويًا،
  • كما أن دراسة الفيزياء أو الكيمياء بنية طلب مرضاة الله ليست من أعمال الدنيا فقط، بل تُعتبر عبادة.

وقد ورد في "الكلمة الرابعة" من رسائل النور:
" وفوق ذلك فإن سائر أعمال المصلي الدنيوية المباحة ستكون له بمثابة عبادة لله، وذلك بالنية الصالحة"(1).

فكل ما يُفعل لنُصرة اسم الله ورفع شأنه يُعد عبادة.
فإذا كان للمرء قدرة وطاقة، وسخّرها في خدمة الإسلام والمسلمين، وسعى ليلًا ونهارًا، فإن كل ذلك يُحسب له من العبادة.

ويقول الأستاذ بديع الزمان النورسي في هذا المعنى عبارة مختصرة جامعة:
" الذي يقيم الصلاة دون أن ينسى نصيبَه من الرزق، يبحث عنه في مطبخ رحمة الرزاق الكريم، لئلا يكون عالةً على الآخرين فجميل عملُه، بل هو رجولة وشهامة، وهو ضرب من العبادة أيضا "(2).

 

_______________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة
  2. كليات رسائل النور - الكلمة الخامسة

 

 


4-) في "الكلمة السادسة"، إلى ماذا تشير الرموز مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات  وهل يمكنكم إعطاؤنا معلومات عن وجهها الذي يخصّنا؟ الجواب:

يفسّر الأستاذ -رحمه الله- هذا التمثيل ويفتح معانيه في سياق الموضوع بقوله:
" وتلك المزرعة والمكائن والآلات والموازين هي ما تملكينه في الحياة الدنيا من جسم وروح وقلب، وما فيها من سمع وبصر وعقل وخيال، أي جميع الحواس الظاهرة والباطنة." (1)

فالرموز المذكورة في التمثيل مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات، ترمز إلى اللطائف مثل العقل، والقلب، والوجدان، والمشاعر مثل المحبة، والخوف، والأعضاء مثل العين، والأذن.

والأصل أن تُستخدم هذه الأمانات في سبيل رضا الله، وأن يكون الإنسان خليفةً أمينًا في ذلك. أما استخدامها في الاتجاه المعاكس، فيُعد خيانةً للأمانة.

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السادسة ص:22.

 


5-) شرح قول الاستاذ: وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين....

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله:

" كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد. ولم يكن ليفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، حيث إنه أدرك يقينا أن إعاشتَه ورعايةَ شؤونه وتزويدَه بالعتاد، بل حتى مداواته إذا تمرض، بل حتى وضع اللقمة -إذا احتاج الأمر- في فمه، إنما هو من واجب الدولة. وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين، وحتى في هذه الأثناء لو سُئل: «ماذا تفعل؟» لقال: «إنما أقوم ببعض واجبات الدولة تطوّعا»، ولا يجيب: «إنني أسعى لأجل كسب لوازم العيش » "(1)

التفسير:

في هذا التمثيل، يشير الطهي وغسل المواعين إلى سعي الإنسان في طلب الرزق والعمل لكسب المعاش.

وكما أن رزق الجندي ومؤونته مضمونة من قبل الدولة، فإن رزق الإنسان في هذه "الثكنة الدنيوية" هو من ضمان الله سبحانه وتعالى. لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يقلق بشأن رزقه.

فلو أن جنديًا فقد الثقة بدولته، وانشغل بالقلق على قوته، وترك تدريبه وجهاده، بل وراح يتسوّل، فهل يكون عاقلاً؟ لا، بل يتهم الدولة ضمنًا بالتقصير.

وبالمثل، فإن الإنسان إذا ترك عبادته واهتمامه بآخرته، وركز فقط على تحصيل الرزق الدنيوي، فهو بذلك يتهم ربه ويتطاول على القدر – والعياذ بالله.

تقسيم الوظائف في هذا المثال:

في هذا التمثيل، يُبيّن الأستاذ أن للجندي وظيفتين:

  1. الوظيفة التي تخص الحاكم أو الدولة: وهي تأمين معيشة الجندي، من طعام ولباس وسلاح.
    • ويمكن أن تُكلِّف الدولة الجندي بأعمال بسيطة من ضمن هذه الأمور، مثل تنظيف الأواني أو تجهيز الطعام، لكنها تبقى ليست من صلب وظيفته.
    • لذا فإنها تُعتبر "أعمالًا إضافية" (تطوعية) أي بلا مقابل مباشر، ومجرد تكليف لخدمة عامة.
  2. الوظيفة التي تخص الجندي نفسه: وهي التدريب والجهاد، أي القيام بمهمته الأصلية في حماية الدين والوطن.

ولهذا يقول النورسي: " مثلُك كمثل نفرِ عسكرٍ له وظيفة أصلية هي التعليم المخصوص، والحرب والجهاد، والسلطان مُعينُه في هذه الوظيفة بإحضارلوازماتها، ولسلطانه وظيفةٌ مخصوصة هي إعطاء أرزاق ذلك النفر وتعييناته ولباسه حتى دوائه.... فالنفر المشتغل بالتجارة لتَدارُك رزقه جاهلٌ شقيّ يُزيَّف ويؤدّب.. والتارك للتعليم والجهاد خائن عصيّ يُضرَب ويُعنَّف "(2)


_____________
(1) كليات رسائل النور- الكلمة الخامسة ص:18.
(2) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري - شما ص:372.

 

 


6-) كيف نفهم استخدام صيغة الماضي في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ ...}

يقول الله تعالى في سورة الأعراف (172):
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ }

وقد فُسّرت هذه الآية الكريمة بوجه عام على أن الله تعالى خلق الأرواح في عالم "الذر" أو "الأرواح"، وأشهدها على ربوبيته، وأخذ منها الميثاق. وقال بعض المفسرين إن هذا الخطاب يتوجه بشكل دائم إلى الأجنة في أرحام أمهاتهم، ويُؤخذ منهم هذا العهد هناك.

وبناءً على هذه الآية وتفاسيرها، فإن من كان من المؤمنين قد وفى بهذا العهد، فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه.

قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النوسي :
" نعم، إن الصور الذي هو بوق إسرافيل عليه السلام، ليس قاصرا عن البوق العسكري، كما أن طاعةَ الأرواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بـ ﴿ قَالُوا بَلٰى ﴾ (الأعراف:١٧٢)
عندما سمعت نداء ﴿ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (الأعراف:١٧٢) المُقبل من أعماق الأزل، ونظامَها يفوق بلا شك أضعاف أضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم.. "(1)

فالله عز وجل، لأن علمه أزلي، يرى الماضي والحاضر والمستقبل كشيء واحد، أي أن الزمن لا يُقسَّم لديه إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل كل شيء مكشوف عنده في وقتٍ واحد. لذلك فإن صيَغ الزمن في القرآن الكريم لا تُفهم بالنسبة إلى الله، بل بالنسبة إلى الإنسان، فالإنسان هو المقيَّد بالزمن.

وبما أن الله يعلم أزلاً من سيبيع نفسه وماله في سبيله ويستحق الجنة، فإنه يُخاطب بصيغة الماضي، وكأن ذلك قد وقع فعلاً. أما نحن، بسبب وجودنا في "نفق الزمن"، فإننا ننظر إلى هذا الحدث على أنه مستقبلي، أي من الغيب.

خلاصة القول:
استخدام الله لصيغة الماضي في هذه الآية إشارة إلى أزلية علمه، وأن ما سيكون، هو عنده بمنزلة ما كان.

 

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة ص:121.

 

 


7-) ما هي البسملة

أفضل من فسّر البسملة بأسلوب شامل وعميق هو أستاذنا بدیع الزمان النورسي في "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة – المقام الثاني". فإذا تأملنا هذه الرسائل بعناية، نُدرك بإذن الله عمق ومعنى البسملة.
البسملة تعني: أن يبدأ المؤمن كل عملٍ باسم الله، لأنها تعني التحرك باسم الله. ولهذا السبب، بدأ الله كتابه الكريم بهذه الآية المباركة، ليُعلِّم الإنسان هذا المعنى العظيم.
فالبسملة هي رابطة مقدسة بين العبد وربه، ومن خلال هذه الرابطة، يستمد الإنسان قوة لا نهائية من قدرة الله ورحمته.
كلمة "بسم الله" هي رمز يُشير إلى يد الله التي تدير وتُصرّف كل ما في الوجود. أي أن زمام كل شيء وتصرّفه بيده سبحانه. وكل الأسباب ليست سوى ستائر وحجج ظاهرية خلفها الفعل الإلهي. فإذا فهمنا هذا المعنى وارتبطنا بالله إيمانيًا، نرتاح من أثقال الوجود ونشعر براحة روحية عظيمة.
لكن، إذا نسبنا الأحداث إلى الأسباب وظننا أنفسنا خارج تدبير الله وتربيته، فعندئذ تصبح كل الأمور عبئًا على ظهورنا، وتتحوّل الأحداث إلى مصدر ضغط نفسي، وتصبح الحياة كأنها سجن ومصدر ألم.
فالوجود يعلن بلغة الحال أنه تحت تصرف وإرادة الله. ونحن يجب أن ننسجم مع هذا النداء الكوني بالإيمان والانتماء، وإلا نكون قد تحركنا عكس تيار الكون.
قدرة الله وبركته تعمل في الكون سواء آمنا أو لم نؤمن، لكن المهم هو أن نُدرك ونعترف بهذه القدرة الإلهية بالإيمان.
وعندما نُدرك معنى "بسم الله" عن طريق الإيمان، تتحول إلى قوة روحية وبركة لنا. فنكون قد انسجمنا مع الحقيقة، ونحصل على تسهيل مادي ومعنوي في كل أمورنا.
وقد روي [ أوحى الله تعالى إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك]
فتأخذ الكائنات وضعها وسلوكها بحسب حالتنا الروحية. فالنار أصبحت بردًا وسلامًا على إبراهيم عليه السلام، والحوت أصبح وسيلة نجاة ليونس عليه السلام، والبقرة والنحلة مسخرتان لخدمة الإنسان، وهذه أمثلة على ذلك...
 


8-) في "الكلمة الرابعة"، لماذا استُخدمت تعبيرات زمنية مثل "شهران (للمزرعة)" و**"يوم واحد (للمحطة)"**؟ لماذا لم يُقل مثلًا "يومان" بدلًا من "يوم"، أو "أربعة أشهر" بدلًا من "شهرين"؟

في العبارة:" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "(1)  يُشار إلى أن العمر كله يُقدّر بيوم واحد، بينما المسافة إلى المزرعة الجميلة (أي الجنة) تُقدَّر بشهرين.

الفرق الزمني بين "يوم" و"شهرين" يُمثّل جميع المراحل التي تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، مثل: القبر، المحشر، الموقف، الميزان، والصراط.

المقصود الأساسي من هذا التصوير الزمني ليس تحديد مدة دقيقة، بل التنبيه إلى أن الحياة الدنيا قصيرة جدًا مقارنة بالحياة الأبدية، وأن الإنسان يجب أن يستعد لتلك الرحلة الطويلة.

ولو قيل "أربعة أشهر" بدلاً من "شهرين"، لكان من الممكن أن يُسأل: ولماذا لم تُقل "ثمانية"؟ وهذا لا نهاية له. فمثل هذه التعابير لا ينبغي التوقف عند الأرقام نفسها، بل ينبغي التأمل في المعنى الذي تشير إليه تلك الأرقام.

___________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة.

 

 


9-) هل يمكنكم شرح العبارة التالية: " فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"

هل يمكنكم شرح العبارة التالية:
" فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"
الجواب:

هذه العبارة التي قالها الأستاذ النورسي (رحمه الله)، تُشير إلى رجاء العبد في رحمة الله ومغفرته، وأن الله تعالى كريمٌ وغفورٌ، وقد يعفو عن عبده ويغفر له ما اقترف من الذنوب، خاصة إن أقبل العبد على الصلاة والتوبة.
العبارة تعني باختصار:
"سيدُنا – أي الله تعالى – كريم، وقد يعفو برحمته عن ذنبك، فلا تيأس من رحمته".
هذه الفكرة مستندة إلى عدة أحاديث نبوية تُبيّن أن الصلاة من أعظم الأسباب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.
بعض الأحاديث التي تدعم هذا المعنى:
- عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إن المسلم إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه ، كما تحات هذا الورق ، ثم تلا هذه الآية:{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}(هود:114) .]

- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا ]
- وفي حديث آخر عنه أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم:[ ألا أدلُّكُم على ما يَمحو اللَّهُ بهِ الذُّنوبَ ويرفعُ الدَّرجاتِ قالوا بلى يا رسولَ اللَّهِ قال إِسباغُ الوضوءِ على المَكارِه وَكثرةُ الخُطا إلى المسجِدِ وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ فذلِكَ الرِّباطُ ثلاثَ مرَّاتٍ]
- وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ ما من امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبةٌ ، فيُحسِنُ وَ ضوءَها و خشوعَها و ركوعَها ، إلا كانت كفارةً لما قبلَها من الذنوبِ ، ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ ، و ذلك الدَّهرَ كلَّه ]

النتيجة:
العبارة التي قالها الأستاذ النورسي تُظهر رجاء العبد في كرم الله ومغفرته، وتدلّ على أن العبد لا ينبغي له أن يقنط من رحمة الله، بل عليه أن يُقبل على الصلاة والطاعة، فإن الله كريمٌ رحيمٌ، ويغفر الذنوب لمن تاب وأناب. والله غفور رحيم.

 


 


10-) الأستاذ النورسي يتحدث أحيانًا بلغة عسكرية. فكيف يمكننا أن نؤمن بالله من خلال هذه اللغة؟

قال الأستاذ النورسي رحمه الله:" أرى أن أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو ذلك الذي يتلقى الدنيا مضيفَ جندية ويذعن أنها هكذا، ويعمل وفق ذلك. فهو بهذا التلقي يتمكن من أن ينال أعظمَ مرتبة ويحظى بها بسرعة، تلك هي مرتبةُ رضى الله سبحانه، إذ لا يمنح قيمةَ الألماس الثمينة الباقية لقِطع زجاجية تافهة، بل يجعل حياتَه تمضي بهناء واستقامة."(1)

كما هو واضح هنا، فإن أسعد إنسان هو من يعتبر هذه الدنيا معسكرًا مؤقتًا، ويعتبر نفسه جنديًا فيه. وعندما نتحدث عن "الجندية"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو "الطاعة المطلقة للأوامر".

فكما أن لكل مخلوق وظيفة، فإن وظيفة الجندي الأساسية هي "التدريب والانضباط". وإذا انشغل الجندي بأعمال خارج مهمته الأساسية، فإنه يُهمِل وظيفته الحقيقية.

وكما أن الجندي مُلزَم بطاعة قوانين الجيش، فإن العبد أيضًا مُلزَم بطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.

وعندما يقول الجندي: "بندقيتي"، أو "حزامي"، فهو يقصد تمييز أدواته عن أدوات بقية الجنود، لكنها في الحقيقة ليست ملكًا له، بل هي أمانة مُعطاة له. فإن استخدم بندقيته في غير موضعها، أو أضاعها أو كسرها، يُعدّ خائنًا للأمانة ويُعاقب على ذلك. وعند تسريحه من الخدمة، يجب عليه أن يُسلّم جميع الأمانات المسجلة عليه.

وبالمثل، فإن كل الحواس والمواهب والأعضاء التي مُنحت للإنسان هي أمانات، ولا يحق له استخدامها كما يشاء.

 

____________
(1) كليات رسائل النور- المكتوب التاسع

 

 


11-) علاقة الإيمان بالغيب وكون الإيمان فيه الشعور بالأمان

التفسير ينقسم إلى قسمين: تفسير لفظي وتفسير إشاري.
في التفسير اللفظي، يتم التركيز على الشكل اللفظي للآية ومعانيها المباشرة.
أما في التفسير الإشاري، فيُسلَّط الضوء على المعاني العميقة والدقيقة التي لا يفهمها الجميع، ولهذا قد يبدو أحيانًا أن هذه التفسيرات بعيدة عن ظاهر الآية. ولكن في الحقيقة، هناك علاقة لطيفة ونورانية تربط بينهما.

قال تعالى:{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}(البقرة:3)
أي: "أولئك المتقون الذين يؤمنون بالله وما أخبر به، رغم أنهم لا يرونه."

في "الكلمة الثانية"، يتم بإيجاز عقد مقارنة بين نظرة المؤمنين و نظرة الكافرين إلى الحياة. ويُبيَّن أن الحياة في الجنة يمكن للإنسان أن يذوقها في الدنيا، من خلال الإيمان بالغيب.

كذلك، فإن أبرز وأوضح معنى في "الكلمة الثانية" هو تأثير الإيمان بالغيب في حياة الإنسان، وما يمنحه له من سعادة وطمأنينة.
ولذلك، هناك علاقة وثيقة جدًا بين الآية :{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} التي في بداية "الكلمة الثانية" ومحتواها.


12-) في "الكلمة الرابعة"، وردت عبارات مثل "بُعد شهرين، و بُعد يوم واحد"، فما معنى هذه المفاهيم؟ وكم تكون مدة عالم البرزخ بحسب ذلك؟

ما يُعرف بـ عالم البرزخ، أي حياة القبر، ينتهي عند قيام الساعة وبدء البعث الثاني.

بعد ذلك تأتي مراحل: المحشر، الصراط، الجنة، والنار، وهذه المراحل قد تطول أو تقصر تبعًا لأعمال كل إنسان. فبحسب العمل، تكون الرحلة إما طويلة أو قصيرة.

العبارة التي استخدمها الأستاذ النورسي – " بُعد شهرين" – تشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي بالجنة أو النار. وفي هذه الرحلة الطويلة، تُعد الحياة الدنيا أقصر مراحلها، وهي – في المتوسط – لا تتجاوز ستين سنة.

عندما يقول الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا مجازيًا يُبرز أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تُعدّ إلا كأنها يوم واحد في سياق الرحلة الأبدية. فلا يُفهم من كلامه أن "تبقى شهرًا بعد يوم"، بل المقصود هو النسبة بين قِصر الدنيا وطول الآخرة.

وبالتالي، فإن حياة البرزخ (القبر)، ويوم الحساب (المحشر)، ومرحلة الصراط، يمكن أن تُختصر وتُخفف عن الإنسان بفضل الصلاة، التي هي من أعظم الوسائل لذلك.

 

 

 


13-) " إقامة الصلاة واجتناب الكبائر وظيفة حقيقية تليق بالإنسان ونتيجة فطرية ملائمة مع خلقته!" وفقًا لهذا التعبير، هل تُعدّ أمور الدنيا مهامًا غير حقيقية؟

لقد خُلق الإنسان في هذه الدنيا من أجل الإيمان، والمعرفة، والعبادة؛ لذا لا ينبغي له أن يُهمل وظيفته الأساسية، ولا أن يتخذ الدنيا غاية له. فأمور الدنيا تكون خيّرة ما دامت في سبيل الآخرة، أما إن لم تكن كذلك، فهي تُعدّ تَرْكًا للوظيفة الحقيقية. ويجب ألا ننسى أن مشاغل الدنيا مؤقتة وزائلة. فلو شاء الله، لأغدق علينا نعمه دون وسائط أو أسباب.

فإن كانت أمور الدنيا تُنسي الإنسان عبوديته لله، فإنها تصبح عدوًا له. أما إن لم تكن تشكّل عائقًا أمام أداء العبودية، فإن كل هذه الأمور تُعتبر عبادة ويُكتب أجرها في ميزان الآخرة.

فمثلًا، إذا كان عامل البناء يُؤدي صلواته في وقتها أثناء عمله اليومي، فإن جهده وعمله في البناء يُعدّ عبادة ويُكتب له في حساب الآخرة.

الإسلام يحثّ على العمل كي لا يكون الإنسان عالة على غيره، ويشجع على الغنى لأداء الزكاة. لذا يجب أداء واجب العبودية جنبًا إلى جنب مع الانشغال بأمور الدنيا. فلا ينبغي أن نُهمِل الآخرة من أجل الدنيا، ولا أن نترك الدنيا والسعي فيها. فإذا أُهمِلَت العبادات وتُركت وظيفة العبودية، فإن الانشغال وحده بأمور الدنيا لا يُعدّ عبادة.

نتيجة الخَلْق تعني غاية الخلق، وسببه، وهدفه. فمثلًا، نتيجة خلق الشمس هي أن تمنح الحرارة والنور لهذا العالم الذي يُعبد فيه الله. ونتيجة خلق النحلة هي صنع العسل في هذا العالم المخصص للعبادة. لأن العبادة إذا انقطعت كليًا، ستقوم الساعة وتنتهي مهام هذه المخلوقات أيضًا.

فجميع المخلوقات، الحية وغير الحية، لها غاية من خلقها ونتيجة من وجودها.

قال الله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }(الذاريات: 56)

بهذا الأمر الإلهي، بيّن ربّنا سبب خلق الجنّ والإنس.

فكما أن نتيجة خلق الغيوم هي المطر، ونتيجة خلق دودة القز هي الحرير، ونتيجة خلق الأشجار هي الثمار، فإن نتيجة خلق الإنسان هي: الإيمان، والمعرفة، والعبادة، والدعاء، والذكر، والتفكر.

 

 


14-) لماذا نبدأ الصلاة بالتكبير لا بالبسملة

في بعض العبادات والحالات، قد تأتي البسملة في المرتبة الثانية أو الثالثة، وهذا لا يناقض القاعدة القائلة: "بسم الله هي بداية كل خير". فهذه العبارة تُستخدم بمعناها العام والأغلب، وليست شرطًا يجب الالتزام به حرفيًا في كل مقام.

بدء الصلاة بالتكبير فرض. والتكبير، والتسبيح، والتحميد هي خلاصة وجوهر القرآن والصلاة. والبسملة تأتي ضمن هذا السياق.
فـنبدأ بالتكبير فدعاء الاستفتاح ، ثم تأتي البسملة، وبعدها أول آية من الفاتحة وبهذا يتحقق التناسق الكامل في افتتاح الصلاة.


15-) في "الكلمة الخامسة"؛ هل المقصود بـ "الكبائر" في عبارة "إقامة الصلاة واجتناب الكبائر " هو "السبع الموبقات" فقط؟

نظرًا لعدم ذكر عبارة "السبع الموبقات" تحديدًا في هذا الموضع، فإن تفسير العبارة لتشمل جميع الكبائر يكون أقرب إلى الصواب. إذ أن هناك كثيرًا من الذنوب الكبيرة غير محصورة في السبع الموبقات فقط.

وقد بيّن أستاذنا النورسي رحمه الله معنى الكبائر (الكبائر السبع) على النحو التالي:

" وتسألون أيضا في رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة الرحم) والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين. "(1)

وقد قال أستاذنا النورسي أيضًا: في هذا الزمان الذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله.
وهذا تشخيص واقعي تمامًا يتوافق مع ظروف هذا العصر الخطير. فمن يبتعد عن السبع الكبائر، ويؤدي ما فرضه الله عليه، فإننا نرجو أن يحافظ على إيمانه، إن شاء الله.

وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

{ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا }(النساء: 31)

 

_____________
(1) كليات رسائل النور- ملحق  بارلا(ص:82).

 

 


16-) في بداية "الكلمة الرابعة"، يُستخدم وصف "أبله" (أي مجنون أو أحمق) للشخص الذي لا يُصلي. فما الذي ينبغي أن نفهمه من هذا التعبير؟

كلمة "أبله" تُطلق على الأشخاص الذين بلغ بهم السفه وانعدام التفكير السليم إلى درجة لا يستطيعون فيها التمييز بين ما هو ضار وما هو نافع لهم.

فعلى سبيل المثال، من يستبدل ألماسة تساوي مليارات الليرات بقطعة زجاج مكسورة ورخيصة، فهذا إنسان لا يعرف ما هو الخير أو النفع لنفسه، ومثل هذا الشخص يُعدّ أبلهاً (أي فاقدًا للعقل).

ومثال آخر:
"تخيّل موظفًا أُعطي 24 ليرة كمصاريف سفر لزيارة عدة مناطق، فأنفق 23 ليرة منها في أول منطقة دخلها. ماذا سيفعل في المناطق الأخرى؟ وماذا سيقول للحكومة عند عودته؟ هل يمكن لعاقل أن يصف هذا التصرف بأنه تصرف حكيم؟"

 

 

 


17-) ما هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله "الكلمة الثانية"؟

"الكلمة الثانية" تتناول بشكل عام مقارنة بين نظرة المؤمنين ونظرة المنكرين (الكافرين) إلى الكون والوقائع. أغلب أجزاء رسائل النور تدور حول هذا المحور.

كما تُعد "الكلمة الثانية" شرحًا وإثباتًا لإمكانية أن يعيش الإنسان حياة الجنة حتى في هذه الدنيا.

"إن كنتَ تريد أن تعرف مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع إلى هذه الحكاية القصيرة" (1)

فالمؤمن، بنور الإيمان، يفسّر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولذلك يرى كل شيء جميلًا ومباركًا.
أما الكافر، فينظر إلى كل شيء من خلال منظارالكفر، فينكر ويسيء الظن، ولذلك يرى كل شيء قبيحًا وتعيسًا. هذه هي خلاصة "الكلمة الثانية"، وقد تم شرح هذه المعاني في مواضع كثيرة من رسائل النور.

 

___________

(1) الكلمات، الكلمة الثانية


18-) جدول توضيحي للحكاية التمثيلية في الكلمة الثالثة

لكي نفهم الحقائق التي تُعرض في شكل تمثيلي، لا بد من فهم التمثيل نفسه بشكل جيد.
ولأجل فهم هذا التمثيل بشكل كامل، فإن إنشاء جدول مقارن يُعد وسيلة فعّالة.

وها نحن نعرض القصة التمثيلية في "الكلمة الثالثة" على شكل جدولين توضيحيين، كما يلي:

ما هي العبادة؟ أما الفسق والفجور فيؤديان إلى:
تجارة عظيمة السعادة      الخسران       الهلاك

 

الجدول المقارن لتمثيل القصة:

تسلَّم جنديان اثنان - ذات يوم - أمرا بالذهاب إلى مدينة بعيدة، فسافرا معا إلى أن وصلا مفرق طريقين

الطريق الأيمن الطريق الأيسر
لا ضرر فيه لا منفعة فيه
تسعة من كل عشرة يربحون ويستريحون تسعة من كل عشرة يخسرون
الطريقان متساويان الطريقان متساويان في الطول والقِصر
طريق منظم تحت النظام العسكري طريق فوضوي بلا قانون ولا نظام
لمسافر يحمل حقيبة وزنها أربع أوقيات المسافر يمشي بدون حقيبة
يحمل سلاحًا حكوميًا وزنه أوقيتان يمشي بلا سلاح
حمل ظاهري، لكن في الحقيقة راحة عظيمة راحة ظاهرية وخفة كاذبة
لا يخاف أحدًا، لا يستعطي من أحد،
ولا يرتجف من شيء
يرزح تحت مخاوف لا تنتهي، يستعطي الناس،
ويرتجف من كل شيء
ينال مكافأة عظيمة في نهاية الطريق يُعاقب كعاصٍ فارّ

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية:

المعنى الحقيقي الرمز
طريق الحياة؛ يبدأ من عالم الأرواح، يمر بالقبر، وينتهي بالآخرة الطريق
من يطيع أوامر الله ويسلك طريق العبادة        الذاهب في الطريق اليميني        
العاصي الذي يتبع شهواته وأهواءه الذاهب في الطريق اليساري
العبادة والتقوى الحقيبة والسلاح

 

 


19-) " يخرج الخادمان بعد تسلّمهما الأوامر. كان أحدهما سعيدا محظوظا، إذ صرف شيئا يسيرا مما لديه لحين وصوله المحطة، صرفَه في تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه، فارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف "  هل يمكنكم شرح هذه العبارة؟

الأستاذ النورسي (رحمه الله) يشرح هذه العبارة في سياقها من "الكلمة الرابعة"، وهي مشهد تمثيلي يُظهر حال الإنسان في هذه الدنيا، ويقارن بين من يستثمر حياته في طاعة الله، ومن يُهملها فيضيعها.

توضيح الرموز في هذا المثال:

  • "المحطة" :  ترمز إلى القبر، حيث ينتهي طريق الحياة الدنيا ويبدأ طريق الآخرة.
  • "الخادم السعيد": يمثل الإنسان المؤمن الذي يُؤدي الصلاة والعبادات ويعيش حياته وفقًا لأوامر الله ورضاه.
  • "المال الذي أنفقه": يُشير إلى الجهد والتكاليف البسيطة التي يبذلها الإنسان في الطاعة، كأن ينهض من نومه ليصلي أو يصوم أو يزكّي.
  • " تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه ":هي العبادات والعمل الصالح، التي تُثمر رضا الله وتُضاعف الأجر.
  • " ارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف ":هو العمر الذي يستثمر في طاعة الله فيتحول إلى ثواب عظيم لا يُقارن بمقدار الجهد المبذول.

مثال يوضح الفكرة:

من يُحيي ليلة القدر في العبادة – وهي ليلة واحدة – يُكتب له أجر أكثر من 80 سنة من العبادة، لأنها "خيرٌ من ألف شهر".
فهذا مثل واضح على كيف أن القليل من الجهد بإخلاص، يُثمر أجرًا عظيمًا.

أما من يتكاسل عن العبادة ويتبع شهواته، فهو يضيع عمره (رأسماله) بلا فائدة، وسيُحاسب على هذا التبذير في الآخرة حسابًا عسيرًا.

 

النتيجة:
العبارة تُرشدنا إلى أن الحياة قصيرة، لكنها إن استُثمرت في الطاعة والعبادة، فإنها تُثمر أجرًا عظيمًا يفوق التصور، ويكون سببًا لرضا الله والفوز الأبدي.

 

 


20-) شرح قول الاستاذ: " ستدعو بالويل والثبور دائما، وستئنّ من صدمة الفراق والزوال ووطأة تكاليف الحياة التي أرهقتَ بها كاهلَك الـضعيف مع أنّ فقرَك قائم وعجزَك دائم "

من لا يتوكل على الله تعالى، يُجبر على أن يحمل أعباء هذه الحياة الثقيلة على ظهره الضعيف، مع ضعفه وفقره، فيظل دائم الشكوى والأنين.

وقد شرح أستاذنا هذه المسألة في "الكلمة الثالثة والعشرون" من "الكلمات" بمثال جميل، قال فيه:
" إن مَثلَ المتوكلِ على اللّٰه وغيرَ المتوكل كَمثَلِ رجلَين قاما بحمل أعباءٍ ثقيلةٍ حُمّلتْ على رأسيهما وعاتقهما، فقطعا التذاكر وصعدا سفينةً عظيمةً، فوضعَ أحدهُما ما على كاهِله حالما دخل السفينةَ وجلسَ عليه يرقُبُه، أما الآخرُ فلم يفعل مثلَه لحماقته وغروره، فقيل له: "ضَعْ عنك حملكَ الثقيل لترتاح من عنائك؟". فقال: "كلا، إني لست فاعلا ذاك مخافةَ الضياع، فأنا على قوةٍ لا أعبأ بحملي، وسأحتفظ بما أملُكه فوقَ رأسي وعلى ظهري".

فقيل له ثانية: "ولكن أيها الأخ إنّ هذه السفينةَ السلطانية الأمينةَ التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى وأصلبُ عودا منا جميعا. وبإمكانها الحفاظُ علينا وعلى أمتعتنا أكثرَ مِن أنفسنا، فربما يُغمَى عليك فتهوي بنفسِك وأمتعتك في البحر، فضلا عن أنك تفقِد قوتَك رويدا رويدا، فكاهلُك الهزيل هذا وهامتُك الخرقاء هذه لن يَسَعهما بعدُ حملُ هذه الأعباء التي تتزايد رَهَقا، وإذا رآك ربّانُ السفينة على هذه الحالة فسيظنُّك مصابا بمسٍّ من الجنون وفاقدا للوعي، فيطرُدُك ويقذِفُ بكَ خارجا، أو يأمرُ بإلقاء القبضِ عليك ويُودِعك السجن قائلا: إن هذا خائن يتّهم سفينَتَنا ويستهزئُ بنا، وستُصبح أضحوكةً للناس، لأنك بإظهارك التكبّر الذي يُخفي ضعفا -كما يراه أهلُ البصائر- وبغرورِك الذي يحمل عَجزا، وبتصنّعك الذي يُبطن رياءً وذلة، قد جعلتَ من نفسك أضحوكةً ومهزلةً. ألا ترى أن الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك..!"

وبعد ما سمع كلَّ هذا الكلام عاد ذلك المسكينُ إلى صوابه فوضع حِملَه على أرضِ السفينة وجلسَ عليه وقال: "الحمد للّٰه.. ليرضَ اللّٰه عنك كل الرضا فلقد أنقذتَني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية".

فيا أيها الإنسانُ البعيدُ عن التوكل! ارجعْ إلى صوابك وعُد إلى رُشدك كهذا الرجل وتوكّل على اللّٰه لتتخلص من الحاجة والتسـوّل من الكائنات، ولتنجوَ من الارتعاد والهلع أمام الحادثات، ولتنقذَ نفسَك من الرياء والاستهزاء ومن الشقاء الأبدي ومن أغلال مضايقات الدنيا."
 

 

______________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة والعشرون ص:353

 

 


21-) ما معنى الحقيبة والسلاح في "الكلمة الثالثة"؟ وكيف نفهم أن من يعتني بالتقوى يكون في أمان في عبادته؟

النظام العسكري المذكور في "الكلمة الثالثة" يرمز إلى الإسلام وشرائعه، وحب هذا النظام يعني الالتزام بأوامر الإسلام ونواهيه.

  • الحقيبة ترمز إلى العبادات
  • السلاح يرمز إلى الابتعاد عن الذنوب، أي التقوى

فالمؤمن إذا أدى عباداته في هذه الحياة الدنيا، وحافظ على نفسه من الذنوب، فإنه يُوفَّق إلى نيل السعادة الأبدية. وهذا يعني أنه يعيش في أمان واطمئنان في الدنيا والآخرة.

على سبيل المثال:
من يؤدي الصلاة، سيكون في قبره في نور وسعة بسببها، وسيشعر بالأمن والسكينة.
ويمكن أن نطبق هذا المعنى على بقية العبادات بنفس الطريقة.

  • الطريق المستقيم هو طريق الإسلام والقرآن.
  • المدينة التي يُسافر إليها، هي النهاية الحتمية للإنسان: إما الجنة أو النار.

فمن أتمّ وظيفته في الدنيا من عبادة وعبودية لله، فإنه يُستقبل في الآخرة استقبالًا كريمًا ويُكرم في مقامه.

أما الأمان من المنّة والخوف، فيعني أن المؤمن، أمام كل حادثة، يكون متوكلًا ومُسلمًا أمره لله، نابعًا من إيمانه.

أما المنكر (الملحد أو غير المؤمن)، فينظر إلى الكون على أنه لا معنى له، عبثي، تسيره الصدف العمياء، ولذلك يرى كل شيء من حوله عذابًا وضيقًا.

بينما المؤمن، يعلم أن كل شيء بتدبير الله وحكمته، وأن له معنى وفائدة، فيرى الأشياء جميلة ومليئة بالطمأنينة.

 

 


22-) شرح قول الاستاذ: " الآن نحن في ساعة طرب " في الكلمة السابعة

عبارة "نحن في ساعة طرب وانس ومتعة" تُعبّر عن **فكرة اللهو والمرح والتمتع، وهي تمثّل ذهنية تقول:

 "الإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة، وهذه الفرصة لن تتكرر، فاستمتع بحياتك واغتنم كل لحظة."

وهذه النظرة تُشبه عقلية الحيوان الذي يأكل ويشرب ويلهو فقط، وهي ناتجة عن:

- الجهل بغاية الخلق،
- عدم القيام بوظيفة العبودية،
- التغافل عن الضعف والفقر الذاتي،
- الانقياد وراء الأهواء والشهوات.

لكن الحقيقة، كما يُبينها بديع الزمان، أن هذه الدنيا ليست دار لهو ومرح.

" فالإنسان إذن لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادةَ حياةٍ أبدية دائمة بما يُسّر له من سبُل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فإذا انعدم المرضُ، وقع الإنسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوةً خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيان الآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأسَ مال عمره الثمين هباءً منثوراً .."(1)
______________
(1) كليات رسائل النور-اللمعة الخامسة والعشرون  ص:317

 

 


 


23-) الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة

في "الكلمة السابعة" الحديث عن " تعويذتين، ودواءين، وتذكرة ".
- التعويذتان:
تفتحان لغز الكون الغامض وتفتحان باب السعادة لروح الإنسان، وهما:
1. الإيمان بالله،
2. الإيمان بالآخرة.

- الدواءان:
وهما ترياق نافع جداً، وهما:
1. التوكل على الله والتحلي بالصبره،
2. الدعاءُ والسؤال ثم القناعةُ بالعطاء، والشكرُ عليه والثقةُ برحمة الرزاق الرحيم.

- التذكرة:
زاد الآخرة، ونور القبر:
1. الاستماع للقرآن،
2. الخضوع لحكمه،
3. أداء الصلاة،
4. ترك الكبائر.

الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة:

يتعلق بأداء الصلاة والابتعاد عن الكبائر، ويجيب عن أسئلة مثل:

- ما هو الصبر، التوكل، الشكر، القناعة؟
- كيف يكون الخوف من الله؟

إن الإيمان بالله واليوم الآخر يكشف أسرار الكون التي لا يمكن للعقل وحده أن يدركها، ويُرشد روح الإنسان إلى طريق السعادة.

مثال: إذا نظر الإنسان إلى الموت بعقله وقوته الذاتية فقط، يتوهمه فناءً، ويرى القبر كأنه بئر مظلم بلا قاع، ويقاسي من هذا الوهم البلاء والضيق، ويعاني من ألم الفقد والعدم، فتغدو حياته مُرة.
أما إذا نظر إليه بنور الإيمان والقرآن، يرى الموت " بداية لسعادة أبدية ".
فالعقل المجرد لا يستطيع فهم سر الموت، بل يحتاج إلى " تعليم وتربية القرآن ".
وبالمثل، إذا وثق الإنسان بعقله وحده في مواجهة آلاف المواقف، يتعرض للابتلاءات والمشقات.

أما إذا قابل المصائب بالصبر، والنعم بالشكر، يكون " الصبر والشكر دواءين جميلين وفعّالين "، يجعلان حياة الإنسان في الدنيا مشرقة، وفي الآخرة سعيدة ومباركة.

وأداء الصلاة وتجنب الكبائر يكون " زادًا " في رحلة الإنسان الدنيوية والأخروية، ويقيه من المشقات والصعوبات الكبرى.

وقد قرّب الأستاذ النورسي هذه الحقائق للعقل من خلال " مثال تمثيلي ".

 


 


24-) هل المقصود بـ" الرجل الخير" المذكور في "الكلمة السابعة" هو بديع الزمان؟

في هذا الموضع استُخدم تعبير عام، وليس المقصود به شخصًا بعينه، بل يُمثّل شخصية معنوية.
وكل من يقوم بمهمة التبليغ والإرشاد يدخل ضمن هذا المفهوم.

ونحن نرى أن جميع الأنبياء في المقام الأول، ثم جميع المرشدين الذين يدلّون على الطريق المستقيم، مشمولون ضمن هذا التعبير.
 

 

 


25-) شرح قول الاستاذ: كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد....

الموضوع الرئيس في "الكلمة الخامسة" هو أن شؤون الدنيا لا تُشكّل عائقًا أمام الصلاة والعبادة.

في التمثيل المذكور، ترمز حالة التعبئة العامة وساحة المعركة إلى هذه الحياة الدنيا التي نعيشها، والتي تتّسم بعدم الاستقرار، والاضطراب، والحزن، والفناء، حيث لا يستطيع أحد أن يحافظ على ما في يده.

أما الجيش، فيُشير إلى الحياة الاجتماعية.

ويمثل الجندي الحريص على أداء واجبه الإنسان المؤمن التقي، الذي يؤدي فرائضه ويتجنب المعاصي.

أما الجندي الجاهلُ بواجباته والمهمل، المتّبع لهواه ، فيُمثّل الإنسان الغارق في الدنيا، الذي نسي وظيفته الأصلية وانشغل فقط بلقمة العيش، متناسياً الآخرة.

التدريب (التعليم العسكري) يُشير إلى أداء العبادات المفروضة، وعلى رأسها الصلاة.
والجهاد يُمثّل الجهاد الأكبر، وهو مجاهدة النفس والشيطان.

أما الطعام والمؤونات (الإعاشة)، فهي ترمز إلى الرزق والنصيب الدنيوي، والذي هو من تقدير الله تعالى، وليس من مسؤولية العبد.
فالله عز وجل هو من تكفّل برزق عباده، وهو الذي يضمن لهم ما يقيم حياتهم.

ومن لا يتوكل على الله، ولا يرضى بما قسمه له، فهو في الحقيقة يعترض على القدر ويتهم ربه – والعياذ بالله.

وقد قال الأستاذ النورسي:" ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل "(1)

فالذي خلق الإنسان، والذي يرزقه من نعمه، والذي يشفيه إذا مرض، هو الله وحده.
أما وظيفة الإنسان الحقيقية فهي: العبودية لله.
فينبغي له أن يقوم بواجبه، ولا يتدخل في أمور تخص تدبير الله وتقديره.

 

___________
(1) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري -حبة ص:228

 

 

 


26-) شرح قول الاستاذ:وأما الآخر فهو الفاسق الخاسر الذي يلهث وراء هموم العيش لحدّ اتهام الرزاق الحقيقي

إذا تذرّع شخص بهمّ المعيشة وطلب الرزق، وجعل ذلك سببًا لترك الصلاة وسائر العبادات الواجبة، فقد وقع في خسارة عظيمة.
فمثل هذا السلوك يتضمّن في باطنه اتهامًا لرحمة الله، وسوء ظنّ بربّه، وضعف توكّل، وقلقًا لا مبرر له بشأن الرزق الذي تكفّل به الله تعالى.

لزيادة البيان، من المفيد تأمل هذا المقطع من "اللمعة الثامنة والعشرين" من رسائل النور:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }(الذاريات:56-58)

ثم يشرح الأستاذ النورسي هذا المعنى فيقول:
" الوجه الثاني:
الإنسان مُغرمٌ بالرزق كثيراً، ويتوهم أن السعي إلى الرزق يمنعه عن العبودية، فلأجل دفع هذا التوهم، ولكي لا يُتخَذ ذريعةً لترك العبادة تقول الآية الكريمة: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وتحصر الغاية من الخلق في العبودية لله، وأن السعي إلى الرزق -من حيث الأمر الإلهي- عبوديةٌ لله أيضاً.

أما إحضارُ الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحتى رزقُ حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تُخلَقوا له، فكل ما يخص الرزق والإطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجّوا بهذا فتتركوا العبادة، فأنا الذي أُرسل رزقَ مَن يتعلق بكم من عبادي.."(1)

شواهد من القرآن والحديث:

في هذا السياق، ننقل آية كريمة وحديثًا شريفًا يدعمان المعنى:
{ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }(النور:37)

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ:[ مَنْ جَعَلَ الهَمَّ هَمًّا واحدًا كفاهُ اللهُ همَّ دُنياهُ، ومَنْ تشعَّبتْ به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديةِ الدُّنيا هلَكَ ] (2)

خلاصة المعنى:

  • من يجعل همّ المعيشة سببًا لترك الفرائض وارتكاب المعاصي، يكون قد خسر الدنيا والآخرة.
  • مثل هذا الإنسان يُعتبر فاسقًا خاسرًا، لأنه اتهم الله ضمنًا بالتقصير في الرزق.
  • العبادة هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان، بينما السعي في طلب الرزق لا ينبغي أن يشغله عنها.
  • الله هو الرازق الحقيقي، فلا يصح أن يطغى السعي الدنيوي على التكاليف الشرعية.


 

______________
(1) كليات رسائل النور- اللمعة الثامنة والعشرون ص:436
(2) مستدرك الحاكم - 7934

 

 


27-) شرح قول الاستاذ: " فالذي يترك صلاته لأجل هموم العيش مَثَـلُهُ كمثل ذلك الجندي الذي يترك تدريبَه وخندقَه ويتسوّل متسكعا في الأسواق. "

في هذا التشبيه، يُشبّه الشخص الذي يترك الصلاة (وهي أهم واجباته الدينية) بسبب انشغاله بطلب الرزق والمعيشة، بـ جندي في ساحة المعركة يترك تدريبه وموقعه الدفاعي في الخندق، ويذهب إلى السوق ليتسوّل!

  • وهذا التصرف من الجندي يعني فقدان الثقة في الدولة التي تكفّلت برزقه، وتجهيزه، ورعايته.
  • وبالمثل، من يترك الصلاة ويغرق في همّ المعيشة يكون قد سوء ظنّ بالله تعالى، وضعف توكّل، واتهم ربه ضمنًا بالتقصير في توفير الرزق.

 

أدلة من القرآن والسنة تؤكد وجوب التوكل ونبذ القلق على الرزق:

  1. من القرآن الكريم:
    { ... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ...} (الطلاق:2-3)
  2. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سبأ:39)
     

2. من السنة النبوية:

- حديث الطير والتوكل:

قال رسول الله ﷺ:[ لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ](الترمذي)
 

  • قصة الأخوين في زمن النبي ﷺ:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:[ كان أخوانِ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحدُهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يَحتَرِف، فَشَكَا الُمحتَرِف أَخَاه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعَلَّك تُرزَقُ بِهِ)] (الترمذي)

  • حديث الرزق يطلب العبد أكثر من الأجل:

قال ﷺ:[ إنَّ الرَّزقَ لَيطلُبُ العبدَ أكثرَ مما يطلبُه أجلُه](الطبراني)
 

  • حديث من جعل الآخرة همه:

قال النبي ﷺ:[  من كانت الدُّنيا همَّه ،فرَّق اللهُ عليه أمرَه ،وجعل فقرَه بين عينَيْه ،ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له ،ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه ،جمع اللهُ له أمرَه ،وجعل غناه في قلبِه ،وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ ](الترمذي)

خلاصة التمثيل:

  • الصلاة والعبادة هي الوظيفة الأساسية للعبد، كما أن التدريب والجهاد هي الوظيفة الأساسية للجندي.
  • التوكل على الله والثقة به هو أساس النجاح الدنيوي والأخروي.
  • القلق الزائد على الرزق، إذا أدى إلى تضييع الفرائض، كان ذلك علامة ضعف الإيمان والتوكل.

 

 


28-) ما هو تفسير قول الاستاذ  " الأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة ؟

يقول النص:
(فالأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة. فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكةُ كلُّها في نظره شكلَ دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجا لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعرَ بحاله، إذ صار كلُّ واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدوا يتربّص به، وأجنبيا يتنكّر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لِما يرى فيما حوله من جنائزَ مُرعبة ويتامى يبكون بكاءً يائسا مريرا.)(1)

التوضيح:

  • المؤمن ينظر إلى كل شيء بعين الإيمان، فيفسر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولهذا فإن كل ما يراه يبدو له جميلًا ومبشّرًا.
  • الكافر، على العكس، ينظر إلى كل شيء من خلال "منظّار الكفر"، فيرى كل ما في الوجود قبيحًا، مظلمًا، ومخيفًا. ولهذا فإن عالمه مليء بالتعاسة واليأس.

الخلاصة:

الرؤية السوداوية للعالم ليست ناتجة عن الواقع الخارجي، بل هي نتيجة زاوية النظر.
فالكافر المتشائم، لأنه لا يرى وراء الحياة أي معنى إلهي أو رحمة، يعيش في قلق دائم، يرى في الموت نهاية مرعبة، وفي الحياة عبثًا لا يُحتمل، وفي الناس أعداء، وفي الأحداث ظُلما.

بينما المؤمن، بنور الإيمان، يرى الموت بداية لا نهاية، ويرى في الناس إخوة، وفي الحياة امتحانًا فيه رحمة وحكمة، وفي الوجود كله تجليات لأسماء الله الحسنى.

 

___________

(1)  الكلمات – الكلمة الثانية من رسائل النور.

 

 

 


29-) شرح قول الاستاذ: " وستُشغّل تلك المكائن والآلات التي في حوزتكم الآن في معاملي وباسمي وعُهدتي، وسترتفع أثمانُها من الواحد إلى الألف

إن المقصود من العبارة هو تشبيه أعضاء الإنسان ومواهبه (مثل العقل، والبصر، والسمع، واليد، وغيرها) بأدوات مصنع. فإذا استخدم الإنسان هذه "الآلات" أو الأعضاء في طاعة الله ووفق أوامره، فإن قيمتها تتضاعف من "واحد" إلى "ألف".
لكن إذا استُخدمت هذه الأعضاء في سبيل الشهوات والهوى والذنوب، فإنها تُبتذل وتفقد قيمتها، بل وتُستخدم في الخيانة، أي في معصية من وهبها.

شرح توضيحي:

  • العقل مثلًا:
    إذا استُخدم في التفكير في آيات الله والتأمل في خلقه وفهم حكمته، فإنه يكون مفتاحًا لرحمات لا تُحصى، ويقود صاحبه إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
    أما إذا استُخدم في التفكير في الأوهام والمخاوف والهموم فقط، وأُبعد عن الله، فإنه يصبح سببًا في التعاسة، حيث يجترّ الذكريات المؤلمة من الماضي، ويقلق صاحبه بمخاوف المستقبل.
  • العين أيضًا:
    إذا نُظر بها إلى جمال خلق الله وتأملت في بديع صنعه، فإنها تكون وسيلة للمعرفة والسمو، وتُرفع منزلتها عند الله.
    أما إذا استُخدمت في النظر إلى الحرام، فإنها تصبح أداة للذنب، ويهبط قدرها إلى الحضيض.

وهكذا يُقاس على ذلك بقية الجوارح:
اللسان، السمع، اليد، القدم... كلما كانت في خدمة الإيمان والطاعة، ارتفع قدرها، وكلما وُضعت في معصية، انحطت قيمتها.

خلاصة المعنى:

عندما تُستخدم أعضاء الإنسان باسم الله، في طاعته وخدمة خلقه، فإنها تصبح ذات قيمة عظيمة، وتُجزى بالأجر الكبير، كمن وجد "معادن نفيسة".
أما إذا تُركت بلا هدف نبيل، أو استخدمت في الحرام، فإنها تُهدر وتفقد قيمتها، تمامًا كالمصنع الذي لم يُكتشف فيه أي معدن ثمين، فيُهمل ويُترك.

 

 

 


30-) جدول توضيحي للقصة التمثيلية الواردة في "الكلمة الثانية" ؟

كما هو الحال في هذه "الكلمة"، لفهم الحقائق المعروضة على شكل تمثيل، يجب أولاً فهم التمثيل بشكل جيد. وللوصول إلى فهم تام للتمثيل،

يمكننا تحويل القصة الواردة في "الكلمة الثانية" إلى جدول على النحو التالي:

ماذا يوجد في الإيمان؟
راحة لذة كبيرة نعمة سعادة عظيمة

 

الجدول المقارن للقصة التمثيلية
ما يراه الرجل المؤمن ما يراه الرجل الأناني
هناك فرح وبهجة عامة في كل مكان. الضعفاء المساكين يصرخون من ظلم الجبابرة.
هناك أماكن للذكر والتسبيح في كل مكان. البلاد تحوّلت إلى مأتم عام.
الجميع أصدقاء وأقارب بالنسبة له. الجميع أعداء وغرباء بالنسبة له.
لا توجد جنازات في الأفق. هناك جنازات مرعبة منتشرة في الأرجاء.
هناك فرحة التسريح والفرح بالدخول إلى الجندية مع أصوات الطبول والأناشيد والتكبير والتهليل. هناك أيتام يبكون بيأس.
سعيد ومسرور. ضميره يتعذب.

 

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية
نظرة المؤمن إلى الدنيا نظرة الكافر والفاسق إلى الدنيا
الدنيا دار ذكر لله الرحمن، ومعسكر تدريب للإنس والجن، ومدرسة للكائنات. الدنيا دار حزن ومأتم عام.
كل موت هو تسريح من الوظيفة، والذاهبون ينتقلون إلى عالم أجمل. كل الأصوات إما ذكر وتسبيح في بداية المهمة، أو شكر عند التسريح، أو أناشيد ناتجة عن الفرح بالعمل. الكائنات الحيّة يتامى باكون بسبب الفقد والموت.
كل الكائنات الحية جنود مكلفون، وموظفون راضون. البشر والحيوانات كائنات سائبة تمزقها يد الأجل.
جميع المخلوقات خدم مألوفون، وموظفون محبوبون، وكتب لطيفة من الله تعالى. المخلوقات العظيمة مثل الجبال والبحار كأنها جنازات مرعبة.
وأما هذه المشاهد فتمنحه لذة معنويّة. فمثل هذه المشاهد تؤلمه معنويًّا.

 

 


31-) ماذا يعني "حقيبة كاملة من مستخلصات غذائية تزن أربع «أوقيات» وسلاحاً حكومياً يزن «أوقيتين» يستطيع أن يغلب به كلَّ عدو"؟

في تتمة الرسالة التي تناولت هذا الموضوع، ورد ما نصه:
" وأما تلك الحقيبة والسلاح فهما العبادةُ والتقوى."
أي أن "الأربع أوقيات" تشير إلى العبادة، و"الأوقيتين" إلى التقوى.

عندما نقول "العبادة"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أركان الإسلام الخمسة.
 ومنها: الشهادتان، وهي بمثابة عقد يدخل به الإنسان في دائرة الإسلام، ويمهد لأداء العبادات الأربع المفروضة الأخرى. فهي أقرب للإيمان والعقيدة منها إلى العبادة العملية.

ويبقى من أركان الإسلام: الصلاة، الصوم، الزكاة، والحج، وهي العبادات الفعلية. إذًا، يُحتمل أن تكون الأربع أوقيات رمزًا لهذه العبادات الأربع.

أما الرقم اثنان، فهو يشير إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن التقوى لا تتحقق إلا بإيمان راسخ بهذين الركنين. وهذا المعنى تدعمه عبارة واردة في "الكلمة السابعة"، جاء فيها:

" أن الإيمانَ بالله وباليوم الآخر، أثمنُ مفتاحَين يحلّان لروح البشر طلسمَ الكون ولُغزَه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء..." (1)

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السابعة.

 

 


32-) ما المقصود بتعبير " بُعد شهرين" المذكور في "الكلمة الرابعة"؟

بادئ ذي بدء، لا بد من الانتباه إلى التنبيه المذكور في مقدمة "الكلمة العاشرة":
" إن سبب إيرادي التشبيه والتمثيلَ بصورة حكايات في هذه الرسائل هو تقريبُ المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة "(1)

وقوله:" فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً " يعني أن الغرض ليس تقديم أرقام دقيقة أو معانٍ حرفية، بل إيصال معانٍ رمزية، لذا ليس من الصواب أن نتوقع أن لكل تعبير أو جملة مقابلًا دقيقًا في الواقع.

على سبيل المثال، في عبارة:
" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "
يُفهم أن طول الحياة الدنيا حتى القبر لا يُعدّ شيئًا في ميزان الأبدية، بل كأنه يوم واحد فقط.

أما تعبير " بُعد شهرين" الذي استخدمه الأستاذ النورسي، فيُشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي إما بالجنة أو النار. وهذه الرحلة الطويلة تمر بمراحل مثل: القبر (البرزخ)، الحشر، الموقف، الميزان، الصراط، إلخ.

وأقصر مرحلة في هذه الرحلة هي الحياة الدنيا، والتي تُقدَّر في المتوسط بنحو ستين سنة.

وعندما يذكر الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا تقريبيًا يُشير إلى أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تتعدى "يوماً واحداً" مقارنة بطول الآخرة. فالمقصود ليس الحساب الزمني، بل المغزى الروحي.

النتيجة:
الصلاة هي الوسيلة التي تُخفف وتُسهّل علينا تلك المراحل بعد الموت: القبر، يوم القيامة، الصراط، وغيرها.

 

___________

(1) كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة.

 

 


33-) شرح قول الاستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "

قول الأستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "
 هو حكم عام، وينطبق على كل العصور. فالأكل، والتسلية، وسماع الموسيقى، وسائر حالات المتعة، يمكن تلبيتها كلها من خلال الوسائل المشروعة.

لكن لا يخفى أن في زماننا انتشرت أمور كثيرة يُشكّ في حلّها، من معاملات، ومأكولات، ومشروبات، حتى عمّت كل الجوانب. وفي مثل هذا الجو، يُنصح الإنسان بأن يكون شديد الحذر في ما لا يعلم يقينًا أنه حلال، وأن يعمل بالأحوط لا بالأيسر.

وفي عصر تهاجم فيه الذنوب الإنسان من كل جهة، يكون حفظ النفس صعبًا بلا شك.

والطريق الذي أشار إليه الأستاذ هو طريق السنة النبوية، ومن أمثلته:

  • الاعتدال في الطعام
  • عدم الإسراف حتى ولو كنت تتوضأ على شاطئ نهر
  • ترك المائدة وفي النفس رغبة في الأكل
  • تجنّب المشتبهات

والسير في دائرة الحلال هو السبيل الحق الذي ينبغي الثبات عليه.

 

 


34-) لماذا اكتفى الاستاذ بـ «بسم الله»

أولًا: أستاذنا بدیع الزمان النورسي تناول في "الكلمة الأولى" من رسائل النور جزء "بسم الله" فقط، لكنه فسّر أيضًا الاسمين "الرحمن" و"الرحيم" في "اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني". وقد رأى الأستاذ أن تُكتب هذه الرسالة في نهاية "الكلمة الأولى" بعد "اللمعات"، وبذلك يكون قد تناول "البسملة" بكاملها في مواضع متعددة.

ثانيًا: يجب النظر إلى رسائل النور كوحدة متكاملة؛ فبعض الرسائل تشرح وتفسر البعض الآخر وتُسهم في توضيح المعاني. ولو جمعنا كل المواضيع التي تتناول "البسملة" في رسائل النور لخرجنا بكُتيب مستقل. من ذلك مثلًا: شرح البسملة في "إشارات الإعجاز"، وأسماء الله "الرحمن" و"الرحيم" في مقام خاص، إلى جانب "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني"، وكل هذا ينبغي النظر إليه بوصفه وحدة مترابطة.

ثالثًا: لا شك أن قول "بسم الله الرحمن الرحيم" أفضل وأكثر فضيلة من الاقتصار على "بسم الله"، ولكن في "الكلمة الأولى"، قد يكون قصد الأستاذ تسليط الضوء على اسم "الله" وحده، لأن اسم "الله" هو اسم جامع يشير إلى الذات الإلهية بكل صفاتها وكمالاتها. بينما "الرحمن" و"الرحيم" يدلان على معانٍ خاصة في إطار الرحمة الإلهية.

وبذلك يكون اختياره متعمّدًا لتحقيق مقصد تربوي وعقائدي معيّن.


35-) البعض لا يذكر بسم الله ولكنه سعيد

في "الكلمة الأولى"، كُتب أن من لا يقول "بسم الله" ولا يتحرك باسم الله سيؤول به الحال إلى الشقاء. لكننا في الحياة نرى عكس ذلك فهم يعيشون براحة أكثر منا ، فكيف يمكن تفسير هذا؟
الجواب:
ما ذكرتموه بقولكم: "هم يعيشون براحة أكثر منا..." يتعلق بالجانب المادي فقط. بينما ما أُشير إليه في "الكلمة الأولى" هو البُعد المعنوي والروحي.
فهل يُمكن لشخص ينتظر حبل المشنقة، وإن عاش في القصور والرفاهية، أن يشعر بالسعادة الحقيقية؟ لننظر إلى ما قاله الأستاذ بديع الزمان في اللمعة السابعة عشرة:
(أيتها الروح الخبيثة التي تنشر الكفر وتبث الجحود! تُرى هل يمكن أن يسعد إنسانٌ بمجرد تملّكه ثروة طائلة، وترفّله في زينة ظاهرة خادعة، وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائبَ هائلة؟ وهل يمكن أن نطلق عليه أنه سعيد؟ ألَا ترين أنّ مَن يَئِس من أمرٍ جزئي، وانقطع رجاؤه من أملٍ وهمي، وخابَ ظنُّه من عملٍ تافهٍ، كيف يتحول خيالُه العذبُ مُرّاً علقماً، وكيف يتعذّب مما حوله من أوضاع لطيفة، فتضيق عليه الدنيا كالسجن بما رحُبت!. فكيف بمن أُصيب بشؤمك بضربات الضلالة في أَعمق أعماق قلبه، وفي أَغوار روحه، حتى انقطعت -بتلك الضلالة- جميعُ آمالِه، فانشقت عنها جميعُ آلامه، فأيُّ سعادةٍ يمكنك أن تضمَني لمثل هذا المسكين الشقي؟ وهل يمكن أن يُطلَق لمن روحُه وقلبُه يُعذَّبان في جهنم، وجسمه فقط في جنةٍ كاذبة زائلة.. أنه سعيد؟..)
وجاء في الحديث الشريف [ لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ] (الترمذي)
يُفهم من هذا الحديث أن المعيار الحقيقي هو راحة القلب وطمأنينة الروح، لا مظاهر الدنيا.
أما الرقي المادي فقد ربطه الله بسُنة الأسباب، أي بالعمل والاجتهاد، دون النظر إلى الإيمان أو الكفر. ولذلك فإن المؤمنين الذين لم يعملوا بجد لأجل دنياهم يعانون من النقص فيها، لكنهم يعملون لأجل آخرتهم، فسيجدون السعادة هناك بإذن الله.
وأما الكفار، فبما أنهم عملوا للدنيا، فقد أُعطوا حظًا منها. ولكنهم في الآخرة سيواجهون العذاب الأليم.
والإسلام يدعو إلى السعادة في الدنيا والآخرة معًا، ولكن بما أن الدنيا فانية والآخرة باقية، فإن السعادة الأبدية هي الأهم وهي الأصل.
الخلاصة:
لا يُقاس الشقاء أو السعادة الحقيقية بالمظاهر الدنيوية. من لم يقل "بسم الله"، قد يربح ظاهرًا، لكنه خاسر في باطنه وآخرته.
 


36-) " سلك المحظوظُ السعيد الطريقَ الأيمن، ومضى في دربه حاملا على ظهره وكتفه رطلا من الأثقال إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف.." هل يمكنكم شرح هذه الجمل؟

كلما ازداد إيمان الإنسان بالله وتوكله عليه، ازداد أمانه وسلامه من هموم الدنيا وآلامها.
ففي الإيمان، تكمن حقيقة التوكل.
أي: إذا كنا نؤمن بأن كل شيء بيد الله وتدبيره، فالضرر والنفع أيضًا لا يكونان إلا بإذنه.

فإذا قدّر الله منفعةً للعبد، لا يستطيع أحد أن يمنعها.
وهذا الاعتقاد وهذا التسليم، يجعل الإنسان في طمأنينة وأمان من وساوس الحياة ومخاوفها.

شرح العبارة الرمزية:

  • "الجندي الذي ذهب إلى اليمين":
    هو المؤمن الذي اختار طريق الإيمان والطاعة.
  • "حمل رطلا من الأثقال ":
    يرمز إلى ثقل التكاليف الدينية والعبادات الظاهرية في هذه الدنيا، مثل:
    • الاستيقاظ للفجر في البرد
    • الوضوء بالماء البارد
    • أداء الصلاة في أوقاتها رغم الانشغال

هذه الأمور قد تبدو متعبة للنفس، لكنها مؤقتة.

  • " إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف":
    أي أن المؤمن يرتاح من الأعباء النفسية والعقلية الثقيلة، مثل:
    • الخوف من المستقبل
    • القلق من الفقر أو المرض
    • الخضوع لأهواء الناس وطلب رضاهم
    • وهم السيطرة على كل شيء

بمعنى آخر:

( قد تتحمل القليل من التعب الجسدي في الطاعة، لكنك ترتاح من أطنان من القلق الروحي والمعنوي).

الخلاصة:

من يعيش بالإيمان والتوكل، وإن تحمّل بعض المشقة في العبادة،
إلا أن روحه تنعم براحة وطمأنينة لا تُقدّر بثمن،
لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله، وأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة.

 

 


37-) ما هو الموضوع الرئيسي للكلمة الثالثة؟

الموضوع الرئيسي في "الكلمة الثالثة" هو مقارنة حال من يؤدون واجباتهم في العبودية لله بمن لا يؤدونها، وما تكسبه العبادة، والتوكل، والتسليم للإنسان.

فالتوكل هو ثمرة التوحيد. فالمؤمن الذي يملك إيمانًا راسخًا ويقينًا كاملاً بالتوحيد، يكون في حالة توكل تام، ولا يضطرب أمام الأحداث. وكما عبّر الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: " فلو أصبحت الكرةُ الأرضية قنبلةً مُدمِّرة وانفجرت، فلربما لا تخيف عابدا لله ذا قلب منوَّر." (1)

إن هذا الثبات في الإنسان أساسه وجود عقيدة التوحيد في القلب والوجدان بشكل كامل ومطمئن. وقد تم تناول هذا الجانب من التوكل في هذه الكلمة.

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة.

 

 


38-) في الكلمة العاشرة نرى كثيرًا كلمة "النشر" إلى جانب "الحشر". فكيف ينبغي أن نفهم معنى "النشر"؟

الحشر يعني: إحياء الخلائق من جديد ثم جمعهم في ساحة المحشر.

أما النشر فيعني: انتشار تلك المخلوقات التي جُمعت أو أُحييت، وتفرّقها وتوزّعها.

ويُستعمل هذا التعبير أيضًا في الدنيا، ولا سيما في فصل الربيع؛ حيث تُبعث الكائنات الحية من جديد (أي تُحشر)، ثم مع مرور الوقت تتكاثر وتنتشر في كل مكان.

فبعض أفراد الكائنات التي بقيت من الصيف الماضي تُحفَظ وتُصان. وعندما يحين وقتها في الربيع، تُبعث تلك الآثار الباقية وكأنها أُحييت من جديد. ثم إن هذه الكائنات التي أُعيد إحياؤها تتكاثر مع الزمن وتنتشر في كل الجهات.

وعليه، فإن النشر يعني: تكثير نماذج الإحياء والبعث، وإظهارها وانتشارها على نطاق واسع في كل مكان.

نعم، حتى في هذا العالم الذي هو دار الحكمة، توجد من أمثلة الحشر والنشر وشواهدهما ما لا يُحصى، بحيث لا ينبغي لمن يملك عقلًا سليمًا أن يتجرأ على إنكار البعث في الآخرة، وهي دار القدرة الإلهية.

وخلاصة القول:

الحشر: الإحياء بعد الموت والجمع.
النشر: انتشار الأحياء بعد إحيائهم، وتكاثرهم وتوزعهم في كل مكان.

وبعبارة أخرى، فالنشر هو إظهار آثار الحشر وتوسيعها ونشرها بصورة كثيفة وشاملة.


39-) هل لا يزال يُخلق ملائكة جدد؟ أم أن جميع الملائكة خُلقوا دفعةً واحدة من قبل؟

يقول الأستاذ (بديع الزمان سعيد النورسي):

«وهكذا، فكما اقتضت الحقيقة وجود الملائكة والروحانيات، كذلك تقتضيه الحكمة:
لأنّ الفاطر الحكيم الذي يخلق باستمرار وبفعالية جادة حياةً لطيفةً ذات إدراك متنّور، من هذا التراب الكثيف على ضآلة علاقته بالروح، ومن الماء العكر على جزئية تعلّقه بنور الحياة. لابدّ أن يكون له أيضا مخلوقات كثيرة جدا ذوات شعور، قد خُلقت من بحر النور، وحتى من محيط الظلمة، ومن الهواء، ومن الكهرباء ومن سائر المواد اللطيفة التي هي أليقُ بالروح وأنسبُ للحياة وأقربُ إليها.»(الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، المقدمة)*

ومن العبارة الواردة أعلاه:
«يخلق باستمرار وبفعالية جادة حياةً لطيفةً ذات إدراك متنّور»

يُفهم أن عملية الخلق ما زالت مستمرة في الوقت الحاضر، وليست مقتصرة على زمن سابق فقط.

كما أن حكمة الله تعالى تقتضي استمرار الخلق وتجددَه، ولذلك فإن خلق الملائكة ليس محصورًا في أنهم خُلقوا جميعًا دفعةً واحدة في البداية، بل يدل النص على أن الله تعالى يواصل خلقهم وفق ما تقتضيه حكمته.
 


40-) ما هي شجرة طوبى وشجرة الزقوم؟ وماذا ترمزان إليه؟ وكيف تكون "الأنا" هي بذرة ونواة كلتا الشجرتين؟

شجرة طوبى هي شجرة من أشجار الجنة، وشجرة الزقوم هي شجرة في جهنم. فالأولى ترمز إلى السعادة الأبدية، والثانية ترمز إلى العذاب الدائم.

وجاء في الكلمة الثانية:
«الإيمان إذن يضم حقا بذرة معنوية منشقة من «طوبى الجنة». أما الكفر فإنه يخفي بذرة معنوية قد نفثته «زقومُ جهنم».»(الكلمات، الكلمة الثانية)

وفي رسالة أخرى يبيَّن أن مصدر كل حسنة هو الإيمان. وبناءً على ذلك، فإن جميع العبادات - وفي مقدمتها الفرائض - وجميع الأعمال الصالحة، وكل فروع الأخلاق الحسنة، هي ثمار شجرة الإيمان. ولأن الدنيا هي مزرعة الآخرة، فإن هذه الخيرات كلها ستتجلى في الآخرة على هيئة شجرة طوبى.

وكذلك فإن جميع صور الشرك، والعصيان، والذنوب، هي ثمار الكفر، وستتجلى في الآخرة على هيئة شجرة الزقوم.

وكلا الشجرتين تنبثقان من "الأنا"، أي من ذلك الاستعداد العظيم الذي أُودع في الإنسان، بحسب استعماله استعمالًا صحيحًا أو خاطئًا.

ولتوضيح ذلك نذكر مثالًا:

لدى الإنسان استعداد للكلام. فإذا استعمل هذا الاستعداد في الطريق الصحيح، كأن يقرأ القرآن ويبلغ حقائقه، نال بذلك أجورًا عظيمة.
أما إذا استعمل القدرة نفسها في نشر الأفكار الباطلة، فإنه يهيئ نفسه لعذاب شديد. وهكذا تخرج من الأصل نفسه ثمرتان مختلفتان.

وجاء في المثنوي النوري في وصف الإنسان:
«ثمرةُ الرحمة السميعة لنداء حاجاتك، ومتصلَّب الفعل المريد لما يريده استعدادُك.»(المثنوي النوري، "الذرة")

فشجرة التفاح لا تثمر إلا تفاحًا، ولا يمكنها أن تثمر كمثرى.
وكذلك جبريل عليه السلام هو ملك الوحي، وليس من مهمته قبض الأرواح؛ فهذه المهمة موكولة إلى عزرائيل عليه السلام، كما أن عزرائيل لا يأتي بالوحي.

أما الإنسان، فهو يختلف عن جميع المخلوقات في هذه الناحية؛ إذ أُذن له أن يستخدم استعداده الشامل والواسع كما يشاء.

فماهية الأنا عند أهل الخير وعند أهل الشر واحدة، وإنما ينشأ الاختلاف من كيفية استعمالها: استعمالًا صحيحًا أو استعمالًا خاطئًا.

إن للشعور بالأنا الذي أودعه الله في طبيعة الإنسان وجهين:

- وجهًا يتجه إلى الخير.
- ووجهًا يتجه إلى الشر.

فإذا ارتقت الأنا في اتجاه الخير، قادت الإنسان إلى الجنة. وإذا سارت في اتجاه الشر، قادته إلى جهنم. ولذلك شُبِّه الوجه الخيّر للأنا بشجرة طوبى، والوجه الشرير منها بشجرة الزقوم، وهذا تشبيه وتمثيل.

فالأنا أشبه ببذرة تحتوي في داخلها إمكانات الخير والشر جميعًا. فإذا زُرعت في تربة العبودية، وسُقيت بماء الإسلام، نمت شجرةً تثمر السعادة الأبدية.

أما إذا سُقيت بماء الكفر، والشرك، والعصيان، والظلم، فإنها تنمو لتصبح شجرة الزقوم.

وبعبارة أخرى: ليس في الأنا بذرتان منفصلتان، وإنما بذرة واحدة ذات وجهين مختلفين؛ ويتحدد مصيرها بحسب الطريقة التي تُغذى بها وتُستعمل.

 


 


41-) هل يمكنكم شرح الجملة:"الوجود غير منحصر في العالم الجسماني"

المقصود بكلمة الوجود هنا هو الكيان أو الموجود، والوجود لا يقتصر على هذا العالم المادي الذي نعيش فيه.
ويمكن تقسيم الموجودات – بصورة عامة – إلى: وجود أزلي، وروحي (معنوي)، وعلمي، وغيبي، ومادي.

فعلى سبيل المثال، الوجود الأزلي هو وجود الله تعالى، وهو أكمل الموجودات وأثبتها وأرسخها.

"وإن هذا الوجود، واجب، راسخ، ذو حقيقة، إلى حدٍ عظيم. ووجود الممكنات خفيف وضعيف في منتهى الخفة والضعف، بحيث دفع الشيخ محي الدين بن عربي وأمثاله الكثيرين من أهل التحقيق أن يُنـزلوا سائر طبقات الوجود منـزلة الأوهام والخيالات، فقالوا: "لا موجود إلاّ هو"، وقرروا أنه لا ينبغي أن يقال لما سوى الوجود الواجب وجوداً، إذ لا تستحق هذه الأنواع من الوجود عنوان الوجود."(المكتوب العشرون، المقام الثاني).

فعلى سبيل المثال، البصر له وجود مادي باعتباره وظيفة مرتبطة بالعين، بينما البصيرة لها وجود معنوي وعلمي.
وكما أن الدنيا عالم مادي، فإن الجنة وجهنم من العوالم الغيبية، أي إنهما موجودتان، وإن لم تكونا داخل العالم المحسوس.

وكذلك الروح، والقلب، واللطائف هي أنواع من الموجودات تختلف عن الموجودات المادية. فوجود الروح ألطف وأشد نورانية، بينما وجود الجسد أكثف وأكثر مادية.

أما حصر الوجود في العالم المادي وحده، فهو نظرة مادية (مذهب مادي). إذ توجد عوالم كثيرة يعجز إدراكنا عن الإحاطة بها، مثل: عالم الأرواح، وعالم البرزخ، وعالم المثال، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار، وعالم المعنى، وعالم الأمر، وغيرها من مراتب الوجود التي تتجاوز حدود إدراك الإنسان.
 


42-)  ما العلاقة بين النفس والبصيرة؟ إذ إن البصيرة تُعرَف عادةً بأنها انفتاح القلب واستنارته أكثر من كونها مرتبطة بالنفس.

البصيرة هي انفتاح عين القلب، ورؤية القلب للحقائق. ومع ذلك، فإن لهذه الرؤية علاقة وثيقة بالنفس. فكلما صلحت النفس وارتقت معنويًا، نمت البصيرة وتطورت بالقدر نفسه.

وقد أشار الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى هذه الحقيقة بقوله:

"إن وجودَ النفس عمىً في عينها، بل عينُ عَماها، ولو بقي من الوجود مقدارُ جناحِ الذباب يصيرُ حجاباً يمنع رؤيتَها شمسَ الحقيقة." (المثنوي النوري- ذيل القطرة)

وبناءً على ذلك، فإن ظهور شمس الحقيقة للقلوب يتطلب إزالة هذا العمى الموجود في النفس. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تهذيب النفس وتربيتها.


 


43-) "التصديق بالملائكة ركن من أركان الإيمان." وبما أنه ليس من الممكن أن نعرف الأنواع التي لا حصر لها من الملائكة، فكيف يكون هذا التصديق؟

كما أنه في الإيمان بالكتب السماوية لا يُشترط أن نعرف جميع الكتب المنزلة وجميع آياتها حتى نكون مؤمنين بها، وكذلك في الإيمان بالأنبياء، إذ ليس من الممكن أن نعرف جميع الأنبياء الذين يبلغ عددهم مئة وأربعةً وعشرين ألف نبي بأسمائهم وأحوالهم ورسالاتهم، فإن الأمر نفسه ينطبق على الإيمان بالملائكة؛ إذ يكفي فيه الإيمان الإجمالي.

فمعرفة جميع أصناف الملائكة ووظائفهم على وجه التفصيل أمر يفوق كثيرًا قدرة العقل البشري وإدراكه.
ولذلك فإننا نُفوِّض علم ذلك كله إلى الله تعالى، ونُعلن إيماننا بجميع الملائكة على وجه الإجمال، مؤمنين بكل ما خلقه الله منهم، سواء علمنا تفاصيلهم أم لم نعلمها.
 


44-) كيف نفهم العبارة: «الفلسفة الملحدة مغالطة لا حقيقة فيها، وهي إهانة للكون»؟

تنقسم الفلسفة إلى قسمين: فلسفة إيجابية وفلسفة سلبية.

فالفلسفة الإيجابية هي التي تتوافق مع الدين، وتؤيده وتقويه، وتسعى إلى خدمة البشرية وتحقيق الخير والمنفعة لها.
وهذا الفهم الفلسفي يساعد على إدراك حكمة القرآن، ويخدم مصلحة المجتمع وتقدمه وتطوره.

أما الفلسفة السلبية فهي التي تجعل العقل وحده أساسًا مطلقًا، وتتحدى الوحي وتعادي الدين.
وهذه الفلسفة تنظر إلى الكون والموجودات بالنظر إليها لذاتها فقط، أي إنها لا ترى الكون مدرسةً تُعرِّف بأسماء الله وصفاته، بل تعتبره مجموعة من المصادفات العمياء التي لا معنى لها ولا صانع وراءها.

ولهذا فإن الفلسفة الملحدة، أو الفلسفة التي تسير في طريق معادٍ للدين، تقوم في أساسها وجوهرها على المغالطات والجدل العقيم، وعلى محاولة إظهار الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل.

والحال أن أعظم حكمة وغاية من خلق الكون هي التعريف بالله تعالى وتحبيب الخلق إليه.
ولأن الفلسفة السلبية تحجب هذه الحكمة العظيمة وتتنكر لها، فإنها تكون قد اعتدت على حقوق الكون وأهانت منزلته.
وهذا يُعد ظلمًا كبيرًا، وجورًا وإساءة بالغة.

فعلى سبيل المثال: إذا قُرئَت الشمس وعُلِّمت للناس على أنها مجرد كتلة مادية تائهة تدور بلا هدف ولا غاية، مع أن فيها تجليات لأسماء الله الحسنى وتقوم بوظائف عظيمة في نظام الكون، فإن هذا الفهم يُعد إهانةً للشمس من حيث ما تحمله من حكم ومقاصد أودعها الله فيها.

وبعبارة أخرى: إن النظر إلى الموجودات على أنها بلا معنى ولا غاية ولا دلالة على خالقها، هو انتقاص من قيمتها الحقيقية، لأن كل موجود في الكون يؤدي دورًا في التعريف بخالقه وإظهار آثار أسمائه وصفاته.
ولذلك فإن الفلسفة التي تنكر هذه الحقيقة تكون قد احتقرت الكون وأفرغته من معناه السامي.
 

 


45-) "إنّ كمالَ الوجود مع الحياة، بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة. فالحياة نورُ الوجود، والشعور ضياءُ الحياة.." هل يمكنكم شرح هذه العبارات البليغة بشيء من التفصيل؟

"إنّ كمالَ الوجود مع الحياة، بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة."

الوجود يعني: الكون والثبوت. فالحجر موجود، والشجرة موجودة، والحيوان موجود، والإنسان موجود...

ولكن عندما يُذكر الشيء مطلقًا، فإن الذهن ينصرف إلى أكمل مراتبه. ولذلك، عندما يُقال: الوجود، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الكائنات الحية، ولا سيما حياة الإنسان.

ولما كان الوجود الحقيقي مرتبطًا بالحياة، فإن وجود الأجسام التي لا حياة فيها ليس وجودًا حقيقيًا كاملاً، بل هو أشبه بالوجود المجازي؛ فهي قريبة من العدم بقدر قربها من الوجود.

ولهذا جاء في الخلاصة:

"يصح القول: إن لم تكن هناك حياة فالوجودُ ليس بوجود، ولا يختلف عن العدم." 

فالوجود يبلغ كماله بالحياة؛ لأن المعاني والمقاصد التي أودعت في الموجودات لا تتحقق إلا بالحياة.

" بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة."

بل إن الحياة ليست مجرد كمال للوجود، وإنما هي أساسه وجوهره؛ فالموجود الذي لا حياة فيه كأنه لا وجود له.

فمثلاً: كما أن الغسالة الكهربائية من دون كهرباء لا قيمة لها ولا تؤدي أي وظيفة، فكذلك الوجود بلا حياة يصبح بمنزلة العدم.

"الحياة نورُ الوجود، والشعور ضياءُ الحياة."

لو لم تكن الحياة، لما أمكن رؤية النقوش والآثار والعلامات المودعة في الموجودات وفهمها.

فلو دخل الإنسان إلى معرض للرسوم ليلاً ثم انطفأت الأنوار، لاستحال عليه أن يرى اللوحات أو يقدّر جمالها.

وكذلك الحياة، وما يعمل بها من الحواس والمشاعر، هي بمثابة النور والضياء للموجودات؛ فبدونها يصبح الوجود مظلمًا وخاليًا من المعنى.

"والشعور ضياء الحياة."

وتحمل هذه العبارة المعنى نفسه.

فإذا تصورنا الحياة شمسًا، فإن ضياء تلك الشمس هو الشعور.

أي أن الشعور ينبثق من الحياة ويتفرع عنها؛ فلا يمكن أن يوجد شعور في شيء لا حياة فيه.

وقد بيّن الله تعالى في الآية الخامسة من سورة يونس أنه جعل الشمس ضياءً وجعل القمر نورًا.

وهناك ارتباط وثيق بين هذه الآية الكريمة وبين هذه العبارات المليئة بالحكمة.

ففي هذا الدرس شُبِّه الوجود بالشمس، وبيّن أن الحياة تستمد نورها من ذلك الوجود. ومن الواضح أن من لا وجود له لا يمكن أن تكون له حياة.

ثم يقول بديع الزمان سعيد النورسي في موضع آخر:

"والحياة رأسُ كل شيء وأساسُه.. وهي التي تجعل كلَّ شيء ملكا لكل كائن حيّ، فتجعل الشيءَ الحيّ الواحدَ بحُكم المالك لجميع الأشياء."(الكلمة التاسعة والعشرون، المقصد الأول).

فمثلاً:

- لولا الشمس لما وجدت الحياة.
- ولولا الماء لما وجدت الحياة.
- ولولا الأرض لما وجدت الحياة.
- ولو لم تتحرك النجوم والمجرات بنظام وتوازن، لما أمكن للحياة أن توجد.

ذلك أن نجمًا واحدًا لو انحرف عن مداره بمقدار ضئيل جدًا، لأدى ذلك إلى اختلال نظام الكون كله.

وهذا يدل على أن حتى النجم البعيد، الذي يبدو وكأنه لا علاقة له بالحياة، له نصيب في استمرارها وإسهام في تحققها.

ومن هنا نفهم أن الحياة ثمرةٌ وخلاصةٌ تُستخلص من الكون بأسره.

فالنحلة الصغيرة - بفضل الحياة - تصبح مرتبطة بجميع أجزاء الكون، وتكون ثمرة لاجتماع جميع الأسباب الكونية.

أي إن النحلة، مع أنها جزء صغير، ترتقي بالحياة إلى منزلة الكل، فتصبح ذات علاقة بالكون كله.

وبفضل الحياة تصبح تلك العناصر الكونية العظيمة في خدمة النحلة؛ فالحياة تجعل هذه المخلوقة الصغيرة كأنها سيدة على تلك المخلوقات العظيمة، إذ تُسخَّر جميعها لخدمتها بأمر الله تعالى.


 


46-) كيف كان تحمّل الإنسان للأمانة وقبوله لها؟ وهل هذه المسألة اختيارية أم اضطرارية؟

بما أن هذا الأمر يُعدّ من قبيل التمثيل، فلا مجال هنا للقول بوجود اختيار أو اضطرار؛ وإنما المقصود أن طبيعة الإنسان واستعداده هما اللذان يملكان القدرة على حمل الأمانة.

وقد ورد في الكلمة العاشرة، الحقيقة الحادية عشرة ما يوضح هذه المسألة بأجمل بيان:
«إن اللّٰه جلّ جلالُه وضعَ بيد الإنسان أمانةً هي: "أنا" الذي ينطوي على إشارات ونماذجَ يستدلّ بها على حقائقِ أوصافِ ربوبيته الجليلة وشؤونِها المقدسة. أي يكون "أنا" وحدةً قياسيةً تُعرَف بها أوصافُ الربوبية وشؤونُ الألوهية.»

وهذا يعني أن الذي حمل الأمانة هو استعداد الإنسان وقابليته. أما مضمون هذه الأمانة، فهو أن يحسن الإنسان الاستفادة من الصفات والأفعال والأحوال الموجودة فيه، ليعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته كلها.

فعلى سبيل المثال، الشمس لا تملك استعدادًا يجعلها تقول: «هذه قوتي»، ولذلك فهي محرومة من أن تجعل قوتها الهائلة مقياسًا لمعرفة قدرة الله تعالى.
أما الإنسان، فإذا رفع حجرًا يزن خمسة أو عشرة كيلوغرامات، استطاع أن يجعل ذلك مقياسًا فيقول:
 «كما أنني أرفع هذا الحجر، فإن خالقي يدير جميع الكواكب بسهولة، ويمسك جميع النجوم فلا تسقط.»

وكذلك فإن الشمس، لأنها لا تمتلك صفتي العلم والإرادة، لا تستطيع أن تتعرف من خلالهما على علم الله وإرادته. ولأنها لا تبصر ولا تسمع، فلا يمكنها أن تعرف الله بأنه البصير والسميع.

وأود أن أنقل هنا حادثة أراها ذات أهمية كبيرة في هذا السياق.

سألوا رجلًا أعمى:
«ماذا تفهم عندما يُقال: الإبصار أو الرؤية؟»

فأجاب جوابًا لافتًا:
«أنتم تقولون: "فلان قادم". فأتعجب وأقول: كيف عرفوا ذلك؟!»

فهذا الرجل لا يملك الاستعداد الذي يمكّنه من إدراك حقيقة الإبصار، ولذلك لا يستطيع حمل هذا المعنى أو استيعابه.

 


 


47-) "  فاسرح ببصرك فيها للعبرة،... وأعرض عن الوجه القبيح..." هل ظاهر كل شيء قبيح؟ وهل الوجوه المتجهة إلى الجميل الباقي كلها خفية وجميلة؟

في رسائل النور تُقسَّم الجمالات إلى نوعين:

 1. الجمال الذاتي (حُسنٌ بالذات)

وهو ما يكون جميلًا في ذاته وطبيعته. ومن أمثلته:

 جمال السماء.
 جمال الربيع.
 جمال البحر.
 جمال الغابة.
 جمال النهار.
 جمال الصحة.

فهذه كلها تدخل في باب الجمال الذاتي.

2. الجمال العرضي أو غير الذاتي (حُسنٌ بالغير)

وهو ما يبدو قبيحًا في الظاهر، لكنه جميل من حيث نتائجه وعواقبه.

ومن الأمثلة المشهورة:

 الزهرة جميلة بذاتها، أما السماد فجميل من حيث الثمرة والنتيجة التي يؤدي إليها.

ويمكن توسيع هذا المثال:

 الصحة جميلة بذاتها، أما المرض فهو جميل من جهة كونه سببًا لتكفير الذنوب ورفع درجات المؤمن.
 النهار جميل بذاته، أما الليل فهو جميل بما يترتب عليه من راحة وسكينة وفوائد.
 الحياة جميلة بذاتها، أما الموت فهو جميل من حيث إنه وسيلة للانتقال إلى عالم أفضل من الدنيا.

 الموت ومعرفة حقيقة الدنيا

الموت هو الرحيل من هذه الدنيا بكل ما فيها إلى عالم آخر. ومن أهم أسباب تخفيف ألم هذا الفراق الكبير أن يعرف الإنسان حقيقة الدنيا وطبيعتها الزائلة.

 هل كل الوجوه المتجهة إلى «الجميل الباقي» جميلة؟

المقصود بـ«الجميل الباقي» هو الله تعالى. وكل وجه أو جانب من الأشياء يدل على الله تعالى أو يُظهر أسماءه الحسنى فهو جميل.

ويمكن فهم ذلك بطريقتين:

1. أن نتائج كل شيء في النهاية جميلة؛ لأن كل شيء يجري بتقدير الله، وقدره كله خير وجميل.
2. أن الأشياء والأحداث التي تبدو لنا قبيحة هي أيضًا مرايا لتجليات الأسماء الإلهية. ولما كانت أسماء الله كلها جميلة، فإن المرايا التي تعكس هذه الأسماء تحمل نصيبًا من هذا الجمال.

ولهذا جاء في النص:

 "نعم، إنّ كل شيء في الوجود، بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء، فيه جهة حُسنٍ حقيقية، فما من شيء في الكون، وما من حادث يقع فيه إلاّ وهو جميل بذاته، أو جميل بغيره، أيْ جميل بنتائجه التي يفضي إليها.. فهناك من الحوادث التي تبدو في ظاهر أمرها قبيحةً مضطربةً ومشوشةً، إلاّ أنّ تحت ذلك الستار الظاهري أنواعا من جمال رائق، وأنماطا من نظم دقيقة."(الكلمة الثامنة عشرة)

 ما المقصود بـ«القوافل التي أهملتك وجاوزتك»؟

ذُكر في الكلمة الرابعة والعشرون أن من أمثلتها:

 الشباب.
 المال.

ويمكن إضافة أمثلة أخرى:

 الصحة.
 المنصب.
 الجاه.
 الشهرة.
 اللذات والمتع الدنيوية.

فهذه الأمور تمنح الإنسان متعة مؤقتة، لكنها لا تبقى معه. فالمتع تتحول إلى ذكريات وحنين، والمناصب تنتقل إلى غيره، والصحة قد يعقبها المرض، والشباب يعقبه الهرم.

وفي النهاية، عندما يموت الإنسان لا يرافقه إلى قبره شيء من متاع الدنيا أو أقاربه، وإنما يبقى معه عمله فقط.

وقد ورد في الحديث الشريف:

 [ يتبعُ الميِّتَ ثلاثٌ فيرجِعُ اثنانِ ويبقَى واحِدٌ يتبعُه أَهلُه ومالُه وعملُه فيرجعُ أَهلُه ومالُه ويبقى عملُهُ ] (متفق عليه).

 


48-) ماذا يعني أن أرواح الأنبياء والأولياء تترك أثقالها؟ وكيف نفهم من هذا المنطلق أن الرسول الأعظم ﷺ قام برحلة المعراج بجسده؟

المقصود بـ «الثِّقل» هو الجسد. وقد شُبِّه انفصال الروح عن الجسد بتحرر الإنسان من حمل ثقيل.

فكما أن معجزة المعراج لسيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ قد تحققت باجتماع الروح والجسد معًا، كذلك فإن رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء كان أيضًا مع بقاء الروح والجسد متحدين.
وهذه أمور تعد من المعجزات، أما السنة الإلهية الجارية في الدنيا فهي أن الأرواح لا ترتفع إلى العوالم السماوية إلا بعد خروجها من الأجساد.

إلا أن هناك أمرًا ينبغي التنبه له، وهو أن أرواح الأنبياء والأولياء تكون غالبة على أجسادهم ومسيطرة عليها.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يستعمل في حقهم تعبير «بوضع أثقالهم»، بينما استعمل في حق سائر المؤمنين تعبير «خلعوا أجسادهم».

ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار الذنوب أيضًا نوعًا من الأثقال المعنوية على سبيل المجاز؛ لأنها تكون سببًا في تعرض الإنسان لعذاب القبر، وبالتالي قد تكون مانعًا له من الارتقاء إلى العوالم السماوية.


49-) ماذا يعني التعبير: «الأمر بالصلاة»؟

 

إن التعبير «الأمر بالصلاة» يقصد به أوامر الله تعالى المتعلقة بإقامة الصلاة، وقد تكرر هذا الأمر في آيات كثيرة من القرآن الكريم.

ومن هذه الآيات ما يلي:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (سورة البقرة: 3).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (سورة البقرة: 43).
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (سورة البقرة: 45-46).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: 110).

فالمقصود من «الأمر بالصلاة» هو تكليف الله تعالى لعباده بإقامة الصلاة والمحافظة عليها على الوجه الذي شرعه، كما ورد في آيات القرآن الكريم المتعددة.


50-) ما الحكمة من اجتماع مبحث الأنا ومبحث الذرة في الكلمة الثلاثين؟

إن العبارة التالية التي وردت للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في كتاب المثنوي النوري ، في رسالة «شَمَّة»، تبيّن العلاقة بين الأنا والذرة:

«فـ«أنا» في العالم الصغير كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت.»

أي أن الأنا في الإنسان تقابل الطبيعة في الكون. فكما أن الإنسان قد يخطئ عندما ينسب أفعاله وصفاته إلى الأنا ويجعلها مستقلة عن الله تعالى، كذلك يخطئ من ينسب ما في الكون من نظام وإبداع إلى الطبيعة، مع أن ما يُسمى بالطبيعة ليس إلا نظامًا وقوانين أجراها الله تعالى، وأساسها عالم الذرات.

ولذلك جمع الأستاذ النورسي بين مبحث الأنا ومبحث الذرة في الكلمة الثلاثين؛ لأن كليهما يعالجان أصلين من أصول الضلال:

- الأنا إذا ادّعت الاستقلال حجبت الإنسان عن معرفة ربه.
- والطبيعة المبنية على الذرات إذا اعتُقد أنها الفاعل الحقيقي حجبت الإنسان عن رؤية قدرة الله تعالى في الكون.

فالأنا والطبيعة يمثلان وجهين لادعاء الاستقلال عن الخالق؛ الأول على مستوى الإنسان، والثاني على مستوى الكون، ومن هنا جاءت الحكمة في جمعهما في موضع واحد.
 


51-) ما العلاقة بين الآية الأولى من سورة هود والموضوعات التي تناولتها «الكلمة الرابعة عشرة»

في هذه الكلمة تم التركيز على خمس حقائق، اتُّخذت أمثلةً لبعض المسائل التي يجد بعض الناس صعوبة في فهمها،
مثل: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ﴾
﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
كما قُدِّم نموذج يوضح كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا وفهمها.

قال الله تعالى:

﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).

في هذه الآية الكريمة، يُلفت النظر أولًا إلى أن آيات القرآن قد أُحكمت ونُظِّمت بإتقان، ثم يُبيَّن أنها فُصِّلت من قِبَل الله تعالى، الذي هو الحكيم  والخبير.

ويمكن فهم معنى التفصيل المذكور هنا على وجهين:

1. أن الحقيقة التي تُذكر في آية بصورة مجملة أو مختصرة، تُبيَّن تفاصيلها في آيات أخرى.
   فمثلًا، يُذكر في سورة الفاتحة «الصراط المستقيم» بإجمال، ثم تُوضّح آية أخرى أن أهله هم: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.

2. أن الحقائق المجملة الواردة في الآيات قد فصّلها وشرحها رسول الله ﷺ.

ثم جاء علماء التفسير عبر العصور، ففسّروا هذه الحقائق القرآنية بمزيد من التفصيل، بما آتاهم الله من علم وحكمة.

وعليه، فإن الإنسان إذا لم يستطع فهم حقيقةٍ ما بعقله وحده، فعليه أولًا أن يرجع إلى شروح النبي ﷺ في الأحاديث، ثم إلى تفسيرات العلماء عند الحاجة. أما إذا اعتمد فقط على رأيه وتحليله الشخصي دون الرجوع إلى هذين المصدرين المهمين، فقد لا يطمئن قلبه، وقد تنشأ في نفسه الشكوك والترددات.

ولهذا تناول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذه الكلمة خمس مسائل على سبيل المثال، وشرحها بطريقة وسّعت آفاق الفكر، وأعطت المعرفة عمقًا أكبر، وحرّرت القارئ من النظرة السطحية. وبذلك أرشدنا إلى أنه عندما نواجه مسائل مشابهة، ينبغي أن ندرك أن للحقيقة أبعادًا وجوانب كثيرة قد تتجاوز حدود إدراكنا المباشر، مما يوجّه العقل ويهدي الفكر إلى الفهم السليم.
 


52-) إذا كان القرآن قد بيّن كل شيء بيانًا كاملًا واضحًا، فما الحاجة إلى التفسير والتأويل؟ ولماذا وُضعت تفاسير كثيرة؟

القرآن كلام الله الأزلي، الصادر عن علمه اللامحدود، والمتضمن لطبقات لا حصر لها من المعاني والدقائق والأسرار.

قال تعالى:
﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام: 59)

وجاء في الحديث الشريف:
[أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرُفٍ ، لكلِّ آيةٍ منها ظهرٌ وبطنٌ ، ولكلٍّ حدٌّ ومَطلَعٌ] 

ومعنى ذلك أن لكل آية مستويات متعددة من المعاني والدلالات.

فالتفسير لا يقتصر على بيان المعنى الظاهر للآية، بل يكشف أيضًا ما فيها من إشارات ولطائف وأحكام وأسرار بلاغية وعقدية وفقهية.
وقد ألّف العلماء عبر القرون آلاف التفاسير، ومع ذلك لم يدّع أحد منهم أنه أحاط بجميع معاني القرآن.

كما أن للقرآن معاني دقيقة وعميقة لا يدركها إلا من امتلك أدوات العلم اللازمة، مثل علوم اللغة العربية والبلاغة وأصول التفسير والحديث والفقه وغيرها.
ولذلك استخرج العلماء عبر العصور من الآيات معاني وحِكمًا كثيرة لم تكن ظاهرة لعامة الناس.

قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ ﴾(النساء: 59)

وقد أشار كثير من العلماء إلى أن "أولي الأمر" يشملون أيضًا أهل العلم الراسخين الذين يُرجع إليهم في فهم القرآن والدين.

وقال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ ﴾(الزمر: 9)

فلا يصح مساواة العلماء المتخصصين في علوم القرآن بمن لم يتعمق في هذه العلوم. لذلك فإن قول شخص: "أقرأ القرآن وأفهمه دون حاجة إلى العلماء أو التفاسير" يدل على جهل بطبيعة النص القرآني وعلومه.

وقال تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ﴾(البقرة: 269)

وقال أيضًا:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ ﴾(فاطر: 28)

وقال:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(النحل: 43)

وقال:
﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾(العنكبوت: 43)

وتدل هذه الآيات على أهمية الرجوع إلى أهل العلم لفهم القرآن والاستفادة منه.

فكما أن لكل علم أهله، ولكل مهنة خبراؤها، كذلك فإن فهم القرآن واستنباط أحكامه ومعانيه العميقة يحتاج إلى علماء متخصصين.
وكما يُرجع في تشخيص المرض إلى الطبيب، وفي سلامة البناء إلى المهندس، فإن المرجع في تفسير القرآن وبيان أحكامه هم العلماء الراسخون في العلم.

ولهذا فإن قراءة التفاسير والانتفاع بجهود العلماء وسيلة مهمة لفهم القرآن فهمًا صحيحًا، أما تفسير الآيات وفق الأهواء أو الآراء الشخصية المجردة فقد يؤدي إلى الخطأ والانحراف عن المراد الصحيح للنص. وقد كان أول مفسر للقرآن هو نبينا ﷺ، ثم سار على نهجه العلماء والمجتهدون والمفسرون عبر العصور.

 


53-) هل يقبل القلب ما لا يقبله العقل؟

يشبّه الأستاذ بديع الزمان العقل بالمعدة.
فكما أن الطعام الذي نتناوله لا يصبح جزءًا من الجسد ولا تستفيد منه الخلايا إلا بعد أن يدخل المعدة ويُهضم فيها، وما لا تقبله المعدة لا يستطيع الجسم الاستفادة منه؛ فكذلك العلوم والأفكار والمعلومات لا يمكن أن تصبح من ممتلكات القلب، ولا أن تسري إلى لطائف الروح، إلا بعد أن تمر عبر مصفاة العقل وتحظى بتصديقه.

وقد عُرِّف الإيمان في كتاب «إشارات الإعجاز»بما يلي:
« نورٌ يقذفه اللّٰه تعالى في قلب من يشاء من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري.»

ثم إن ديننا يجعل العقل سابقًا للتكليف الديني؛ فمن لا عقل له لا تكليف عليه، أي إنه غير مسؤول عن أوامر الدين ونواهيه.

وعليه، فإن الأفكار والآراء التي لا يصدقها العقل ولا يستوعبها لا يمكن أن تصبح من ممتلكات القلب.

ومع ذلك، فقد يحب القلب شيئًا أو يكرهه أحيانًا دون أن يكون للعقل نصيب في ذلك.
بل قد يؤمن الإنسان بشيء مع أن عقله لا يستطيع إدراكه أو الإحاطة به.
وهذه الحالة لا تُسمّى إيمانًا تحقيقيًا، وإنما تُسمّى إيمانًا تقليديًا أو قبولًا تقليديًا.


 


54-) ما علاقة اسم "النور" بالأسئلة الواردة في الشعاع الأول من الكلمة السادسة عشرة؟

في هذا المبحث، يتم الجواب عن العديد من الأسئلة من خلال مثال الشمس.
فبعد بيان أن الشمس ذات نورانية مادية، ينتقل الكلام إلى انعكاسات الأرواح النورانية، ويُضرب مثال بـ جبريل عليه السلام.

وعند تطبيق التمثيل على الحقيقة، يُبيَّن أن جميع الموجودات النورانية ما هي إلا ظلال كثيفة للأسماء الإلهية.

وكل هذه المعاني تدل على الارتباط الوثيق بين الموضوع وبين اسم الله "النور"؛
إذ إن الشرح يدور حول النور والنورانية، والانعكاس والتجلّي، وهي مفاهيم تتصل مباشرةً بهذا الاسم الإلهي الجليل.
 


55-) "إنّ كل شيء في الوجود، بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء، فيه جهة حُسنٍ حقيقية." بعد أن قيل: " كل شيء في الوجود"، فما الحكمة من إضافة عبارة: " بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء"؟

لقد بيّنت الآية الكريمة 

﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾(السجدة:8)

أي أن الله تعالى خلق كل شيء على أجمل وجه . أما الأشياء التي يظهر جمالها وفائدتها وحكمتها للناس بوضوح، فلا يقع بشأنها تردد أو إشكال.

ولكن لأن الجمال الكامن في الأشياء التي تبدو قبيحة لا يراه كل أحد، فقد أُضيف هذا القيد للتنبيه إلى أن لفظ "كل شيء" يشمل أيضًا الأشياء والأحداث التي نراها نحن قبيحة في ظاهرها.

إن الوجوه المتجهة إلى الجميل الباقي (الله تعالى) كلها جميلة. ويمكن فهم هذا من جهتين:

الأولى: أن عاقبة كل شيء جميلة، وذلك بتقدير الله تعالى، ولذلك قيل:

"كل ما في القدر جميل."

فالإنسان الغافل قد يرى:

"حجاب الموت مظلمًا وأسود وقبيحًا."

وذلك لأنه يتألم من مفارقة الحياة الدنيا بكل ما فيها. وأهم شرط لئلا تتألم الروح من هذا الفراق العظيم هو معرفة حقيقة الدنيا وماهيتها.

فكثير من الناس لا يستطيعون رؤية الجمال الكامن في الموت. مع أن رسول الله ﷺ أخبرنا بقوله:

" إنَّما القبرُ روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ أو حفرةٌ من حفرِ النَّارِ." (الترمذي)

فالذين يسعون بالإيمان والعمل الصالح إلى أن يجدوا قبورهم روضة من رياض الجنة، يرون بسهولة هذا الوجه الجميل للموت.

ويقول بديع الزمان سعيد النورسي:

" الموت للمؤمن إعفاءٌ وإنهاء من كلفة وظيفة الحياة ومشقتها..
وهو تسريح من العبودية التي هي تعليم وتدريب في ميدان ابتلاء الدنيا..
وهو بابُ وصال لالتقاء تسعة وتسعين من الأحبة والخلاّن الراحلين إلى العالم الآخر..
وهو وسيلةٌ للدخول في رحاب الوطن الحقيقي والمقام الأبدي للسعادة الخالدة..
وهو دعوة للانتقال من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنة وحدائقها..
وهو الفرصة الواجبة لتسلّم الأجرة إزاء الخدمة المؤداة، تلك الأجرة التي تُغدَق سخية من خزينة فضل الخالق الرحيم."

ثم يقول: " فما دامت هذه هي ماهية الموت - من زاوية الحقيقة - فلا ينبغي أن يُنظَر إليه كأنه شيء مخيف، بل يجب اعتباره تباشيرَ الرحمة والسعادة.
حتى إن قسماً من "أهل اللّٰه" لم يكن خوفُهم من الموت بسبب وحشة الموت ودهشته، وإنما بسبب رغبتهم في كسب المزيد من الخير والحسنات بإدامة وظيفة الحياة."

 " نعم، إنَّ الموت لأهل الإيمان باب الرحمة." (اللمعة الخامسة والعشرون- الدواء العاشر)

الخلاصة:

إن إضافة عبارة " بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء" جاءت للتأكيد على أن الجمال لا يقتصر على ما تدركه عقولنا وأنظارنا مباشرة، بل إن كثيرًا مما نراه قبيحًا أو مؤلمًا في الظاهر يخفي وراءه حكمًا ومصالح وجمالات حقيقية لا تنكشف إلا عند النظر إلى عواقبه وغاياته، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الموت بالنسبة للمؤمن.


56-) هل المعاني التي في القلب تنشأ من قراءة العقل للموضوعات الفلسفية أو الإيمانية، ومن رؤية العين، وسماع الأذن؟

القلب هو المركز الذي تُخزَّن فيه المعلومات وتُحلَّل.
أما الأعضاء كالأذن والعين، واللطائف كالعقل والوجدان، فهي وسائل تنقل المعلومات إلى القلب.

يقوم القلب بعجن هذه المعلومات وتحليلها، ثم يضخها إلى جميع اللطائف، إما في صورة نور وإما في صورة ظلمات.
ومن هنا جاء القول: «إن نور العقل يأتي من القلب».
فالمعاني التي تصل إلى القلب تأتي في الغالب عبر العقل بوصفه الشريان الرئيس، لكنها لا تأتي من العقل وحده.

فعلى سبيل المثال، قد يحب القلب مباشرة منظرًا جميلاً تراه العين، أو أنشودةً إيمانية مؤثرةً تسمعها الأذن.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الترتيب أن العقل يزن الأمر أولاً ثم يحب القلب بعد ذلك، بل إن العين ترى أو الأذن تسمع أولاً، ثم يحب القلب مباشرة.

والقلب هو المركز الرئيس الذي يتشكل فيه الإيمان كما يتشكل فيه الكفر ويستقران.
ولذلك، إذا فسد القلب فسدت معه جميع الأعضاء واللطائف التي تتغذى منه.

وقد أشار نبينا محمد ﷺ إلى هذه الحقيقة بقوله:
«القلب ملك وله جنود فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده،  والأذنان قمع، والعينان مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرجلان بريد، والكبد رحمة، والطحال ضحك، والكليتان مكر، والرئة نفس.» (الجامع الصغير: 6191)

وقال أيضًا:
« ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ.»(البخاري:52)


 


57-) في الكلمة الثامنة، إلى ماذا يمكن أن يشير الزمن الذي قبل البئر، أي سير الأخوين بين الأودية والتلال، وعبورهما الصحراء، وقيام رجل عظيم بإسداء النصائح لهما؟

 

إن كل إنسان قد أُخرج في رحلة تبدأ من عالم الأرواح، وتمرّ برحم الأم، والطفولة، والشباب، والشيخوخة، والقبر، والحشر، ثم تستمر إلى الأبد

إن الرحلة التي تمتد إلى سن الخامسة عشرة تشبه المرور في القصة عبر الأودية والتلال والصحارى ؛ أي إن الإنسان أثناء رحلته من عالم الأرواح إلى رحم الأم ثم إلى مرحلة الطفولة قد يواجه أحداثاً مختلفة جداً، تكون أحياناً مخيفة ومحزنة للغاية، وأحياناً أخرى مبهجة ومفرحة جداً.

 لكن الناس في هذه الرحلة الحياتية إلى سن الخامسة عشرة لا يكونون مميّزين، ولذلك فهم غير مكلّفين ولا خاضعين للامتحان. والذين يتوفَّون قبل البلوغ، لا يُحاسبون على أعمالهم

أما بعد سن الخامسة عشرة، فبما أن الامتحان والتكليف يدخلان حيّز التنفيذ، فإن الإنسان يختار بإرادته الخير أو الشر. وفي هذا الجزء من الحياة الذي يبدأ بالشباب، ويستمر بالشيخوخة، وينتهي بالموت، يكون الإنسان مسؤولاً عن أفكاره وتصرفاته تجاه ما يمرّ به من أحداث ومعاملات. وفي حياته بعد الموت، سيُعرض أمامه هذا القسم الثاني المحمّل بالمسؤولية

أما ذلك الرجل العظيم الذي كان يقدّم النصائح للأخوين، فهم في مقدمتهم الأنبياء، ثم العلماء الربانيون.

 وهذه النصائح موجّهة إلى الجميع؛ فمن يعمل بها ينل الثواب، ومن لا يعمل بها ينل العقاب


58-) هل الملائكة والروحانيات شيء واحد من حيث الحقيقة والكيان؟

كما أن الإنسان مخلوق من عنصرين هما الجسد والروح، كذلك فإن للملائكة أيضًا روحًا وجسدًا. إلا أن أجساد الملائكة ليست مادية وثقيلة كأجسادنا، بل هي نورانية ولطيفة.
ولأن أجسادهم النورانية تتميز بخفة الروح وشفافيتها، فهي تتمتع – كالأرواح – بالتحرر من القيود والكمال.
ولهذا السبب سُمِّي الملائكة روحانيين، وليس معنى ذلك أنهم أرواح مجردة بلا أجساد.

وقد عرَّف الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الروح وبيَّن أصلها بقوله:
(« الروح قانون نوراني، وناموس ألبس وجودا خارجيا. أُودع فيه الشعور. فهذا الروح الموجود -وجودا خارجيا- وذاك القانون المعقول -المدرَك عقلا- أصبحا أخوَين وصديقين.»

ويقول أيضًا:
« إذ هذا الروح آتٍ من عالم الأمر، ومن صفة الإرادة، كالقوانين الفطرية الثابتة الدائمة.وإن القدرة الإلهية تكسو الروحَ وجودا حسيا، وتودع فيه الشعور، فتَجعل سيالةً لطيفة صَدَفةً لذلك الجوهر.»

ويقول كذلك:
«ولو ألبست قدرةُ الخالق القوانينَ الجارية في الأنواع، وجودا خارجيا، لأصبح كل منها روحا. ولو نـزع الروحُ هذا الوجودَ، وطرح عنه الشعور، لأصبح قانونا باقيا.»)
(الكلمات-اللوامع)

 شرح المصطلحات

- عالم الأمر:
هو العالم الذي تتجلى فيه صفة الإرادة الإلهية وتكون هي الغالبة والحاكمة. وفي هذا العالم توجد أوامر الله وقوانينه المتعلقة بكل ما سيقع في الكون. ويمكن تقريب المعنى بمثال الحاسوب؛ فالمبرمج يضع أولًا الأوامر والتعليمات، ثم يعمل البرنامج وفق تلك الأوامر، وتتكون الصور والعمليات بناءً عليها.

- الوجود الخارجي:
هو أن تُنفَّذ الأوامر والقوانين الصادرة من عالم الأمر بقدرة الله، فتُكسى وجودًا ماديًا محسوسًا. فالإرادة تصدر الأمر، والقدرة تنفذه، وما ينتج عن هذا التنفيذ يصبح موجودًا في الخارج.

- القانون:
هو اسم يُطلق على كل مظهر من مظاهر عالم الأمر وتجلياته. فمثلًا، نسمي القانون الذي يجعل الأرض تجذب الأجسام قانون الجاذبية.

- الروح:
الروح قانون صادر من عالم الأمر الذي تهيمن عليه صفة الإرادة. وقد ألبسته القدرة الإلهية وجودًا خارجيًا وجسدًا، فأصبح موجودًا مشخصًا. وعلى سبيل الفرض، لو أن الله ألبس قانون الجاذبية جسدًا ومنحه شعورًا، لأصبح كائنًا حيًا.
ولذلك وصف الأستاذ النورسي الروح والقوانين بأنهما أخوان؛ لأن كليهما من عالم الأمر، غير أن الروح مُنحت وجودًا مشخصًا وشعورًا.


 


59-) هل يمكنكم توضيح معنى كون القرآن الكريم "هو الترجمةُ الأزلية لكتاب الكائنات الكبير.."؟

يشبه الكون كتابًا، لكنه كتاب عظيم إلى درجة يستحيل معها الإحاطة بحدوده.

إن كتاب الكون صادر عن صفة القدرة لله تعالى، أما القرآن الكريم فهو صادر عن صفة الكلام لله تعالى، وهو يترجم لنا معاني كتاب الكون ويبينها. وهذه الترجمة ترجمة أزلية؛ لأن صفة الكلام الإلهية، كسائر صفات الله تعالى، أزلية وأبدية.
 


60-) ما الذي يُشرح إجمالًا في الأساس الأول من الكلمة الثانية عشرة؟ هل يمكنكم بيانه بإيجاز؟

توضح الكلمة الثانية عشرة، في خطوطها العامة، كيف ينظر القرآن والفلسفة إلى الكون، وتُبرز الفرق بين النظر إلى الأشياء بـ «المعنى الاسمي» والنظر إليها بـ «المعنى الحرفي».

«نعم، إن القرآن الحكيم هو أسمى مفسّر وأبلغ مترجم لهذا الكون العظيم الذي هو بمنزلة قرآن كوني كبير.»

فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي يشرح الكون ويترجم حقائقه بأكمل صورة وأدق بيان بين جميع الكتب الإلهية.

فعلى سبيل المثال، فإن الموت، وهو من أعظم الأحداث في حياة الإنسان، يُنظر إليه في الفلسفة المادية أو غير المؤمنة على أنه فوهة بئر مظلمة تؤدي إلى العدم والفناء الأبدي.
أما في نظر القرآن، فهو بداية السعادة الأبدية، والقبر بالنسبة للمؤمن باب مفتوح إلى عالم الآخرة وروضة من رياض الجنة.

وكذلك الدنيا؛ ففي نظر الفلسفة غير المؤمنة هي ساحة عبثية بلا غاية أو نتيجة، ولعبة في يد الطبيعة الصمّاء والقوى العمياء، ومأتم لأصحاب الشعور، ومذبح للكائنات الحية ومكان للأحزان.

أما في نظر القرآن، فالدنيا كتاب مملوء بالمعاني والحِكم، يعكس أسماء الله الحسنى، ويثمر حياة الآخرة ويقود إليها.

وبعبارة مختصرة، فإن الأصل الأول من الكلمة الثانية عشرة يبيّن أن القرآن يفسّر الكون والأحداث تفسيرًا يكشف عن حكمتها وغايتها، بينما تنظر إليها الفلسفة المادية نظرة تقتصر على ظاهرها المادي فتغفل معانيها العميقة وغاياتها الحقيقية.


61-) ما المقصود بـ«الأمانة» و«المفتاح» و«النور» في رسالة المعراج؟

إن أعظم أمانة قدَّمها رسول الله ﷺ إلى الله تعالى باسم جميع المخلوقات في المعراج هي عبادات المخلوقات وأدعيتها التي تؤديها بلسان الحال ولسان المقال.

فقد عرض رسول الله ﷺ في المعراج على الله تعالى الرغبات والطلبات المشتركة لجميع المخلوقات، إلى جانب دعائه وطلبه الخاص.
وأعظم ما تطلبه المخلوقات هو البقاء والخلود.

أما النور الذي يغيّر لون الكون وصورته فهو نور الإيمان والعبادة.
نعم، إن الإيمان والعبادة نورٌ لا تُدرك به حقيقة الأشياء وأسرارها إلا من خلاله.
وقد بُيِّن في ثمرات المعراج كيف يغيّر هذا النور صورة العالم.

فعلى سبيل المثال، يُعدّ الموت أعظم حادثة تؤلم جميع المخلوقات. فإذا لم تُعرف حقيقة الموت، بقيت المخلوقات تعاني دائمًا من هوله وفزعه.

والمقصود بـ الأمانة هنا – في رأينا – هو ما يتعلق بكون رسول الله ﷺ رحمةً للعالمين. فمع أن معراجه كان ارتقاءً شخصيًا، فإنه في الوقت نفسه يخصّ عالم الوجود كله؛ لأنه ﷺ هو سفير الأمة بين يدي الحضرة الإلهية.

أما المفتاح، فيمكن فهمه على أنه الإيمان والصلاة وسائر الأصول الأساسية للدين.

ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار جميع حقائق الإيمان والإسلام في آنٍ واحد أمانةً، ونورًا، ومفتاحًا.

فنور الإيمان والعبادة الذي جاء به رسول الله ﷺ لم يكشف حقائق الأشياء وبواطنها فحسب، بل كشف أيضًا حقيقة الموت، وحوّل ظلمة الكون في نظر المخلوقات إلى نور وإشراق.

لقد شاهد رسول الله ﷺ في المعراج جميع المنازل التي سيعيش فيها الناس حياةً أبدية بعد الموت، ثم أخبرنا بها، فغيّر بذلك نظرتنا إلى العالم.

وكما أن ذات النبي ﷺ ونوره كانا سببًا في خلق هذا الكون، فإن دعاءه وعبادته كانا أيضًا بمنزلة المفتاح والباب المؤديين إلى العوالم الأبدية.


 


62-) ما العلاقة بين الآية الكريمة المذكورة في النقطة الثالثة من الكلمة الثامنة عشرة وبين الفقرة التي تليها؟

لقد بيّنت الآية الكريمة أن مقياس محبة الله هو اتباع رسول الله ﷺ.
أما في الفقرتين اللتين تليانها، فيُوضَّح أن الله تعالى يحب صنعته التي أبدعها، ويحب أن تُعرض وتُشاهَد آثارها، وأنه يحب الإنسان – وهو أعظم مصنوعاته – محبةً خاصة.
كما يُبيَّن أن رسول الله ﷺ هو أكثر الخلق معرفةً بالله تعالى، وأكثرهم محبةً له.

ومن هنا، فإن من أحب الله تعالى لا بد له أن يقتدي برسول الله ﷺ في هذا الأمر كما يقتدي به في سائر الأمور.

ومعلوم أن سنن النبي ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1. أفعاله.
2. أقواله.
3. أحواله.

أي أن نحرص على أداء أعمالنا كما كان يؤديها، وأن نعمل بأقواله وتوجيهاته، وأن نجتهد في التخلق بأحواله وصفاته.

فعلى سبيل المثال، يقول النبي ﷺ:
[ما بالُ أقوامٍ يَتَنَزَّهونَ عَنِ الشَّيءِ أصنَعُه؟! فواللهِ إنِّي لَأعلَمُهم باللهِ، وأشَدُّهم له خَشيةً.] (رواه البخاري ومسلم)

وهذا الحديث الشريف يعلّمنا سنةً من سننه المتعلقة بالأحوال والصفات القلبية.

فدلّ ذلك على أن معرفة الله و محبته وخشيته من أعظم السنن النبوية.

ومقياس محبة الله هو العمل الصالح، أما مقياس الخشية منه فهو التقوى.

إن هذه الفقرات التي تبين محبة الله للإنسان تدل كذلك بوضوح على أن الإنسان ينبغي له أن يحب الله تعالى.

ويقول الأستاذ بديع الزمان:

«لقد جُبل هذا الإنسانُ على محبة غير متناهية لخالق الكون، وذلك لأن الفطرة البشرية تكنّ حباً للجمال، وودّاً للكمال، وافتتاناً بالإحسان.»(اللمعة الحادية عشرة)

فالقلب السليم الذي لم يفسد، والوجدان الحي الذي لم ينطفئ، يجد نفسه مضطرًا إلى محبة ربه أمام التجليات اللامتناهية للجمال والكمال والإحسان التي تحيط به من كل جانب، وإلى الإعجاب بصنعته، والتعلق بإحسانه وإنعامه.

ولما كان رسول الله ﷺ هو الذي أدّى هذه الوظائف على أكمل وجه وأتم صورة، فإن اتباعه والاقتداء به هو الطريق الذي يوصل العبد إلى محبة الله تعالى. قال الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)

فالعلاقة بين الآية والفقرة اللاحقة هي أن الآية تضع اتباع النبي ﷺ معيارًا لمحبة الله، بينما تشرح الفقرة الأسباب التي تدعو الإنسان إلى محبة الله، وتبين أن أكمل طريق لتحقيق هذه المحبة هو الاقتداء برسول الله ﷺ.
 


63-) ما معنى قوله: « فلو تدخّل غيرُه لأفسد.»؟ وما المقصود بأن «فأنّى لك أيها المدَّعي أن تمدّ إصبعك في شؤوننا »؟

هذا السؤال يتعلق بقوله تعالى في سورة الأنبياء، الآية (22):
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ 

أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، لفسد نظامهما واختلّ انتظامهما. فالله سبحانه، رب العرش، منزه عما يصفه به المشركون.

إن الحقيقة التي يقررها هذا الدرس القرآني تنطبق على جميع الموجودات.

ففي الذرة الواحدة، تعمل الإلكترونات مرتبطة بنواة واحدة، كما أن جميع الكواكب في المجموعة الشمسية تدور مرتبطة بالشمس نفسها. ولو كان الأمر على غير ذلك، لفسد نظام الذرة، كما لفسد نظام المجموعة الشمسية.

ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة بوضوح في أنفسنا أيضاً؛ فجميع أعضاء الجسم تعمل بأمر روح واحدة، ولذلك يستمر نظام البدن وانتظامه.

أما لو كان في الجسد روحان، فأرادت إحداهما أن يتجه الإنسان إلى اليمين، وأرادت الأخرى أن يتجه إلى اليسار، لاختل عمل القدمين، ولوقعتا في الحيرة، ولما استطاع الإنسان أن يسير في أي اتجاه.

فالمقصود من العبارة «فلو تدخّل غيرُه لأفسد» هو أن النظام المحكم في الكون قائم على وحدة المدبِّر والإرادة؛ فلو شارك اللهَ تعالى في التدبير شريكٌ آخر، لتعارضت الإرادات، واختل النظام، وفسد الكون. وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ..﴾.


64-) هل يمكنكم توضيح العلاقة بين الآية الواردة في بداية الكلمة الثامنة وبين الكلمة الثامنة نفسها؟

 

وردت في بداية الدرس الآيتان الكريمتان التاليتان

﴿ اَللّٰهُ لَٓا اِلٰهَ اِلَّا هُوَۚ اَلْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ (البقرة:٢٥٥)
﴿ اِنَّ الدّ۪ينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْاِسْلَامُ ﴾ (آل عمران:١٩)

وتبدأ الكلمة الثامنة بهذه العبارة

( إذا أردتَ أن تفهم ما الدنيا وما دورُ الروح الإنسانية فيها، وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب، وأن الشخصَ الملحد هو أشقى المخلوقات، وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله».. أجل، إذا كنتَ تريد أن تفهم كل ذلك، فأنصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتفكّر فيها مليا )

إن هذه الفقرة الافتتاحية تُعدّ في الوقت نفسه ملخصاً للموضوع، كما تُظهر علاقته بالآيات الكريمة

فالآية الأولى تعبّر عن أعظم مقام من مقامات التوحيد، وتلفت النظر إلى مدى حاجة الإنسان إلى التوحيد في كل لحظة من حياته. كما تُبرز مدى عبثية الحياة وفقدان معناها بالنسبة لمن لا يؤمن بمثل هذا التوحيد

أما التمثيل الوارد في بقية الدرس، فإنه يشرح هذه الحقيقة بصورة رائعة؛ إذ يبيّن كيف يمنح الإيمان بالتوحيد الإنسان سعادة حقيقية، وكيف يقع غير المؤمن في حالة مؤلمة وتعيسة. ولذلك فإن الكلمة الثامنة تُعدّ بمثابة تفسير معنوي لآية الكرسي

كما أن عبارة

(وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله»..)

تؤكد هذا المعنى أيضاً

أما قوله تعالى

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

فهو مرتبط بالعبارات التالية من الفقرة

( وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب)

أي إن السبيل والطريق الوحيد الذي يقود الإنسان إلى السعادة في الدارين هو الدين الحق، وهو الإسلام.

 


65-) " كتبتُ بحثا حول "الاجتهاد" في رسالة بالعربية.واستجابةً لرغبة أخوين عزيزين كتبت هذه "الكلمة" إرشادا لمن لا يعرف حدَّه في هذه المسألة، ليدرك ما يجب أن يقف عنده. " فمن هو الشخص الذي كان سببًا في كتابة رسالة الاجتهاد؟

إن الأستاذ هنا لا يقصد شخصًا بعينه، وإنما يوجّه كلامه إلى فكرة ومنهج فكري.
فالجواب الذي أورده ليس ردًا على فرد معين، بل هو رد على أصحاب هذه العقلية الذين ظهروا في الماضي، ويظهرون في الحاضر، وسيظهرون إلى قيام الساعة.

وفي الغالب، فإن الجماعات المتحمسة للاجتهاد ليست ممن يريدون استخدام الاجتهاد لفهم الدين فهمًا صحيحًا أو لتيسير العمل به، وإنما هم اهل البدع يستعملون الاجتهاد وسيلةً لتمييع الدين والتهاون بأحكامه.

وهؤلاء هم الذين استهدفهم الأستاذ في كلامه؛ أي أصحاب الفكر المؤيدون للبدع.

ولمواجهة هذه التأويلات المنحرفة وسوء المقاصد، ألّف كلٌّ من الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي وعلماء أهل السنة والجماعة مؤلفاتٍ تبين الحق وتحول دون انتشار تلك الأفكار.

ومن هنا، فإن الغاية من تأليف رسالة الاجتهاد هي إقامة حاجز أمام هذه الأفكار الفاسدة ومنع انتشارها.

ومن الحقائق الثابتة أيضًا أن الأستاذ لم يكن ينشغل بالأشخاص في حدّ ذاتهم، وإنما كان يوجّه نقده إلى الأفكار التي يمثلونها.
ولهذا السبب كان يتجنب دائمًا ذكر أسماء الأشخاص صراحة.

وبناءً على ذلك، فإذا كان أستاذنا لم يذكر اسم ذلك الشخص، فليس من الصواب أن نقوم نحن بذكر اسمه.


 


66-) هل يمكننا القول إن الزلازل والكوارث الأخرى مرتبطة بذنوب الناس؟ أم قد لا يكون لها أحيانًا أي علاقة بذلك؟

إن جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى بمعنى الآية:

﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾(الحديد: 22).

وروى ابن ماجه عن رسول الله ﷺ :

1. لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بها إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ مضت في أسلافِهم الَّذين مضَوْا.

2. ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشدَّةِ المؤنةِ وجوْرِ السُّلطانِ عليهم .

3. ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ ولولا البهائمُ لم يُمطَروا

4. ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم

5.  وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ تعالَى ويتخيَّروا فيما أنزل اللهُ إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم

إن للبلايا والمصائب التي تنزل بالأفراد أو بالمجتمعات أسبابًا كثيرة، منها:

* الانحلال الأخلاقي.
* الترف والمجون.
* الفواحش.
* شرب الخمر.
* القمار.
* الربا.
* الإسراف.
* الظلم.
* خيانة الأمانة.
* منع الزكاة.
* كفران النعمة.
* التعدي على حقوق العباد.
* عقوق الوالدين.
* التقصير في العبادة والطاعة.

فهذه الأمور قد تكون سببًا في نزول البلاء والمحنة.

كما أن بعض المصائب تكون إنذارًا ربانيًا؛ فإذا ابتُلي الإنسان بمثل هذه المصائب فعليه أن يعدّها تنبيهًا من الله تعالى، فيرجع إليه بالتوبة والاستغفار والالتجاء.

وجميع البلايا والمصائب تدل على تصرف الله تعالى وتربيته لعباده، وهي كذلك وسيلة لإيقاظ الناس وتنبيههم. وقد دعا القرآن إلى الاعتبار بما حل بالأمم السابقة، فقال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ (الروم: 42).

ولكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم، وهو أن ليس كل مصيبة نتيجةً لذنب أو معصية.

فكم من أناس أمضوا حياتهم في الذنوب ولا يكادون يلاقون في الدنيا شدة تُذكر، وكم من أهل الإيمان والصلاح كانت حياتهم مليئة بالمحن والابتلاءات. ذلك أن الله تعالى يبتلي كثيرًا من عباده، بل يبتلي حتى أولياءه وأحبّاءه من العظماء، فيرفع بذلك درجاتهم.

ولذلك لا يجوز أن نفسر كل مصيبة على أنها مجرد عقوبة أو غضب إلهي. فقد أخبر النبي ﷺ أن:

[أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ]

ومن هنا يجب ألا نقع في خطأ تفسير كل بلاء بأنه تجلٍّ لاسم الله القهّار فقط.

فبحسب القاعدة التي يذكرها بديع الزمان سعيد النورسي:

«المصيبة قد تكون نتيجة جناية، وقد تكون مقدمة لمكافأة.»

فالمصيبة لا تحمل فقط آثار اسم القهّار، بل تتجلى فيها أيضًا أسماء الله الحكيم والكريم والرحيم وغيرها، من خلال ما يترتب عليها من حكم وثواب وألطاف خفية.

وعليه، عندما ننظر إلى أناس فقدوا أرواحهم أو أموالهم في زلزال مثلًا، فإن الاقتصار على اعتباره تجليًا لاسم القهّار وحده يكون نظرًا ناقصًا. بل ينبغي أن نبحث أيضًا عن الحكمة والرحمة الإلهية الكامنة وراء ذلك.

فبسبب هذه المصيبة قد تتحول الأموال الفانية التي فقدها أصحابها إلى صدقة جارية في ميزانهم، وقد ينال المتوفون بسببها ثوابًا وأجورًا خاصة في الآخرة.

ولهذا فإن الأستاذ بديع الزمان يرى أن المصائب هي من «إجراءات الربوبية الإلهية وتدبيرها»، وأنها لا تُفهم دائمًا على أنها عقوبات محضة، بل قد تكون ابتلاءً، أو تنبيهًا، أو تطهيرًا للذنوب، أو سببًا لرفع الدرجات، أو مظهرًا لحكمة ورحمة إلهيتين لا يدركهما الإنسان من النظرة الأولى.

 


 


67-) إلى أي مدى يمكن أن تندرج معجزات الحضارة والعلوم ضمن حكم قوله تعالى: «وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ»؟

يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي:

«إنّ الطائرة والكهرباء والقطار واللاسلكي وأمثالها من منجزات العلم والصناعة، التكنولوجيا الحديثة، والتي تعدّ حصيلة التقدم الإنساني ورقيِّه في مضمار الصناعة والعلم، أصبحت هذه الاختراعات موضع اهتمام الإنسان، وتبوّأت مكانة خاصة في حياته المادية. لذا فالقرآن الكريم الذي يخاطب البشريةَ قاطبة، لم يهمل هذا الجانب من حياة البشر.»(الكلمة العشرون، المقام الثاني.)

وكما يُفهم من تتمة النص، فإن القرآن الكريم لم يُهمل منجزات الحضارة واكتشافاتها، بل أشار إليها إمّا من خلال معجزات الأنبياء، أو عبر بعض الحوادث التاريخية.
وهذه الإشارات تكفي للدلالة عليها؛ إذ إن حق هذه الأمور في الخطاب القرآني - على حد تعبير الأستاذ - لا يتجاوز هذا القدر من الإشارة.

فإذا نظرنا إلى منجزات الحضارة على أنها نعمٌ منحها الله تعالى للبشر على أيديهم، أمكن اعتبار الحديث عنها دليلاً على وجود الله ووحدانيته وعلمه وحكمته.

غير أن معظم الناس ينسبون هذه الاختراعات إلى جهود العلماء الفردية وقدراتهم الشخصية، ولذلك فإن ذكرها لا يحتل إلا حيزًا محدودًا جدًا ضمن المقاصد الأساسية للقرآن الكريم.

والحال أن كل خير من الله تعالى، وكل نعمة بيده سبحانه.
فكما أن الضوء ثمرة الشمس، والتفاحة ثمرة الشجرة، والرؤية ثمرة العين، فإن التفكير أيضًا ثمرة العقل.

وكما أن الله تعالى جعل الأسباب الظاهرة وسائط للوصول إلى الثمار، فقد جعل من البحث العلمي والتفكير والاجتهاد وسائل للوصول إلى منجزات الحضارة واكتشافاتها.
فلا تُنال تلك الثمار إلا بالسعي في هذه الأسباب التي أودعها الله في الكون.


 


 


68-) هل يمكنكم أن تذكروا بعض الأمثلة الأخرى على آلاف محاسن الإيمان، غير النقاط الخمس المذكورة في الكلمة الثالثة والعشرين؟

يقول الأستاذ الجليل في الكلمة الثالثة:

«نعم، كما أن مصدر كل حسنة حقيقية هو الإيمان والعبودية، فكذلك الشجاعة أيضاً مصدرها الإيمان والعبودية...»

وعندما ننظر إلى الموضوع في ضوء هذه العبارة، يتبين أن لجماليات الإيمان وفوائده فروعاً لا تُحصى ولا تُعد.

فجميع أنواع العبادة، وجميع شعب الأخلاق الحسنة، هي في حد ذاتها صور من الجمال والخير.

إن اجتناب جميع المحرمات، وقضاء العمر كله ضمن دائرة الحلال، والاستقامة، والعدل، والأدب، والحياء، والتواضع، والرحمة، والكرم، والإحسان، وسائر الفضائل التي لا تُعد ولا تُحصى، كلها من ثمار الإيمان.
 


69-) ما الحكمة من استعمال الأستاذ لعبارات: "يا نفسي الجاهلة"، و"يا نفسي الغافلة"، و"يا نفسي الموسوسة! يا من تجاوزتِ حدّكِ"، و"يا نفسي الكسولة"؟

لنُبيّن أولًا أن جميع هذه الأوصاف هي من صفات النفس. فالنفس قد تكون جاهلة، وغافلة، ومتجاوزة لحدودها، وكسولة في الوقت نفسه.

غير أن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله كان يختار من هذه الصفات ما يناسب المقام والموضوع الذي يتحدث عنه.

"يا نفسي الجاهلة" :

 ففي المسائل المذكورة لم يكن هناك في الحقيقة أي تعارض أو تضاد، لكن النفس بسبب جهلها ظنت أن هناك تناقضًا بينها. ولذلك وُصفت النفس هنا بالجهل.

"يا نفسي الغافلة" :

ومعنى الغافل هو: الذي يسهو ويشرد بذهنه و لا يدرك بعقله أو قليل التركيزوالتفكير. وقد استُعمل هذا التعبير لأن النفس لم تستطع أن تفهم او سهت عن العلاقة بين الآيات التي تتحدث عن الخلق الفوري المباشر، والآيات التي تخبر عن الخلق التدريجي، ولم تستطع أن تدرك كيفية التوفيق بينهما.

"يا نفسي الموسوسة! يا من تجاوزتِ حدّكِ":

إن مسائل مثل القرب والبعد من الله، والمعراج، ووجود سبعين ألف حجاب، هي من الموضوعات التي قد تكون مجالًا لوساوس النفس إلى حدٍّ ما.
فإذا لم تُفهم هذه المسائل فهمًا صحيحًا، فإن النفس والشيطان قد يلقيان الوساوس في القلب بشأنها ويوقعان الإنسان في الخطأ والضلال.

"يا نفسي الكسولة":

استُعمل هذا التعبير في هذه الرسالة التي تتحدث عن حقيقة الصلاة؛ لأن النفس البشرية تتكاسل غالبًا عن أداء الصلاة، فناسب المقام أن تُوصف بالكسل.

وخلاصة الأمر: إن هذه الأوصاف المختلفة ليست متناقضة، بل كلها صفات موجودة في النفس الإنسانية، وقد اختير كل وصف منها بحسب المقام الذي يقتضيه الكلام والموضوع الذي يُعالج.

 


70-) هل يمكنكم توضيح معنى كون القرآن الكريم "مفسّرُ كتاب عالَم الغيب والشهادة.."؟

قال الله تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾(الأنعام: 73، التوبة: 105، الرعد: 9، السجدة: 6...)

ومن هذه الآية نشأ اصطلاح "عالم الغيب والشهادة"؛ فالغيب هو العالم الذي لا نراه، أما الشهادة فهو العالم الذي نشاهده ونُدركه بحواسنا.

فالقرآن الكريم يفسر لنا كلاً من العالم الذي لا نراه والعالم الذي نراه. فمثلًا، الملائكة والجن من سكان العالم الغيبي، والقرآن يحدثنا عنهم كما يحدثنا عن النباتات والحيوانات، فيبين لنا تلك العوالم الغيبية بوضوح.

وكذلك فإنه يلفت أنظارنا إلى معانٍ خفية في العالم المشهود الذي نراه.
فمثلًا، الجبال والأشجار أشياء نراها بأعيننا، لكن تسبيحها لله تعالى وذكرها له أمور لا يمكن لعقولنا المجردة أن تصل إليها من تلقاء نفسها، وإنما عرفناها من خلال القرآن.

وعالم الغيب هو كل ما لا تستطيع الحواس الظاهرة للإنسان أن تراه أو تدركه.
غير أن لفظ الغيب هنا قد قُيِّد بلفظ الشهادة، فأصبح المقصود به على وجه الخصوص عوالم الآخرة.

وعليه، فإن المقصود بـ عالم الغيب هنا هو عالم الآخرة.

إن العقل الإنساني المجرد، وحواس الإنسان التي لا تنفذ إلى الغيب، لا تستطيع أن تتحدث عن تلك العوالم الأخروية الغيبية أو تكتشفها بنفسها.
ولذلك فإن الله تعالى، الذي يراها ويعلمها، وصفها لنا وعرّفنا بها عن طريق كلامه، وهو القرآن الكريم.
ولولا هذا الوحي، لما استطاع الإنسان بعقله أو بحواسه أن يعرف شيئًا عن تلك العوالم أو يفهم حقيقتها.
فالإنسان، على سبيل المثال، لا يمكنه أن يرى ما يجري وراء عالم القبر.

وخلاصة القول:
إن عالم الغيب، أي عالم الآخرة، أعظم وأبقى من هذا الكون المادي الذي نعيش فيه.
ولا يستطيع أن يفسر حقيقة ذلك العالم ويصفه وصفًا صحيحًا إلا الله تعالى، علّام الغيوب.
 


71-) هل يمكنكم شرح "الأساس الثاني" من الكلمة الثانية عشرة بشكل عام ومجمل؟

الإنسان الذي تربّى على الفلسفة المادية قد يصل به الأمر إلى أن يجعل نفسه وهواه معبودًا له، كما فعل فرعون، فيقدّس رغباته ويجعلها المعيار الأعلى في حياته.
وقد لا يعرف الله حق المعرفة، ومع ذلك يذلّ نفسه من أجل مصالح دنيوية تافهة، حتى إنه قد ينحطّ إلى أقصى درجات المهانة لتحقيق منفعة زائلة. فهو يتخذ من كل مصلحة دنيوية إلهًا له، ولأنه ينكر الحياة الأبدية، يحصر سعادته في اللذات الدنيئة الفانية، ولا يسعى إلا إلى إشباع شهوات نفسه ورغباتها.

وأعظم هدف عنده في الحياة هو تحقيق المنفعة الشخصية وإرضاء الهوى. ولهذا لا يُنتظر من مثل هذا الإنسان أن يبذل جهده بإخلاص من أجل الإنسانية أو الأمة؛ فهو لا يحب إلا نفسه، وإن أحب غيره فإنما يحبه لمصلحة تعود عليه.

كما أن تلميذ الفلسفة المنكر للدين يكون متصلبًا وعنيدًا في التسليم للحق، لكن هذا العناد يذوب أمام اللذات الدنيوية الرخيصة، فيصبح كالمتسوّل الحقير أمام نعم الدنيا. وسبب هذا التذلل أنه ينسب النعم إلى الأسباب لا إلى الله تعالى.

وهو كذلك متكبر ومتجبر، لكن لأنه لا يملك إيمانًا يستند إليه ويعتمد على الله من خلاله، فإنه يعيش خائفًا مرتعدًا من كل شيء ومن كل حادثة.
فكما أن الإيمان هو مصدر الشجاعة، فإن الكفر والإنكار هما مصدر الجبن والخوف.

أما التلميذ المخلص للقرآن الكريم، أي المسلم الذي تربّى على هدي القرآن، فهو عبد خالص لله تعالى. وهو عبد عزيز كريم إلى درجة أنه لا يجعل حتى نعمة عظيمة كالجنة غايةً نهائية لعبادته وعمله، بل يبتغي رضا الله قبل كل شيء.

وهو متواضع ولين الجانب، لا يتصف بالتجبر أو الخشونة في معاملته للناس، بل بالحلم والرفق. لكنه مع ذلك لا يخضع ولا يتذلل إلا لله تعالى، وذلك لما يمنحه الإيمان من عزة وكرامة.

كما أنه لا يرى في نفسه قوة أو قدرة مستقلة، بل ينسب كل خير إلى الله تعالى. ولأنه لا يطلب إلا من الله، فإنه يستغني عن الخلق ولا يشعر بالحاجة إلى التذلل لأحد أو انتظار المنة من أحد. واعتماده على قدرة الله يجعله يشعر بقوة لا حد لها.

أما هدفه في الدنيا وغاية سعيه فهي الفوز برضا الله تعالى وحده.

وهكذا يظهر الفرق العظيم بين تلميذ الوحي الإلهي وتلميذ الفلسفة المادية.
 


72-) ما المقصود بشمولية الإنسان وكونه أزهى ثمرة في شجرة الكون؟ هل يمكنكم شرح ذلك بالتفصيل؟

عندما يُقال إن الإنسان ذو شمولية (جامعية)، فإن أول ما يُفهم من ذلك أنه مظهر لجميع أسماء الله الحسنى.

«ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال...... واسأل إنسانا هو حقا إنسان، وشاهد كيف يقرأ جميعَ الأسماء الحسنى، فهي مكتوبة على جبهته، حتى إذا أنعَمْتَ النظرَ ستقرؤها أنت بنفسك..»(الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الأول).

ومن هذه الجهة فإن الإنسان يفوق الملائكة أيضًا؛ لأن كثيرًا من أسماء الله تعالى، مثل: الرزاق، والشافي، والغفار، والتواب، لا تتجلى في الملائكة كما تتجلى في الإنسان.

وكما أن جميع خصائص الشجرة تجتمع في ثمرتها وبذرتها، كذلك فإن جميع الأسماء الإلهية المتجلية في شجرة الكون بأسرها تظهر وتتجلى في الإنسان. بل إن الإنسان، من هذه الناحية، يتجاوز الكون نفسه بمراحل.

ولهذا تؤكد رسائل النور مرارًا أن الإنسان هو ثمرة شجرة الكون، حتى لا يغرق صاحب هذه الحقيقة العظيمة في الاهتمام بالأمور الصغيرة، بل يعرف قدر نفسه، ويقوم بشكر خالقه وحمده شكرًا وحمدًا شاملين يليقان بهذه النعمة العظمى.

وجاء في كتاب الشعاعات وصفٌ طويل يبين جوانب الإنسان المختلفة، يبدأ بقوله:

«أن الإنسان:هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمع ما فيها من الصفات.. وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية..»(الشعاعات ص:258).

وكما ورد أيضًا في مواضع متعددة من رسائل النور، فإن كل إنسان يحمل في كيانه دلائل تشير إلى عوالم الوجود المختلفة، إذ:

( نعم، إن عناصر الإنسان مثلما تشير إلى عناصر الكون وعظامه تنبئ عن أحجاره وصخوره، وشعراته توحي بنباتاته وأشجاره، والدم الجاري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وأنفه وفمه تخبر عن عيون الأرض وينابيعها ومياهها المعدنية، كذلك تخبر روحُ الإنسان عن عالم الأرواح وحافظته عن اللوح المحفوظ وقوة خياله عن عالم المثال. وهكذا يخبر كل جهاز عن عالم ويشهد على وجوده شهادة قاطعة) (اللمعة الثلاثون، النكتة السادسة، الحاشية).


73-) "فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل والماثل في حضوره، ذلك لأنّه يصرف كل نظره العام وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه وإلى استحسان صنعته وتقديرها وإلى شكر آلائه ونعمائه." من المقصود بـ"الفرد" هنا؟

جاء في النص:

"ذلك لأنّ الإنسان هو الثمرةُ المجهّزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وإنّ الثمرة هي أجمعُ جزء وأبعدُه من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي.

فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل والماثل في حضوره، ذلك لأنّه يصرف كل نظره العام وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه وإلى استحسان صنعته وتقديرها وإلى شكر آلائه ونعمائه.."

في هذا الموضع يُبيَّن أولًا قدر الإنسان ومكانته عند الله تعالى مقارنة بسائر المخلوقات، وأنه مخاطب إلهي ذو قابلية شاملة، وأنه الثمرة الأكثر وعيًا وإدراكًا في شجرة الخلق.

ولكن ليس كل إنسان يبلغ هذه المرتبة الإنسانية على الوجه الكامل. فالذين تحققوا بكمال الإنسانية هم في مقدمتهم الأنبياء، ثم العلماء الربانيون، والأولياء، والأصفياء.

أما الفرد الذي يمثل هذه المرتبة بأعلى صورة وأكملها وأبهى تجلياتها فهو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي الكون سنة الاصطفاء والانتقاء؛ إذ يختار الله تعالى دائمًا الأكمل والأصفى والأفضل. وأصفى البشر وأفضلهم وأكملهم، أي مصطفى الإنسانية، هو رسول الله ﷺ.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (ص: 47)

وخلاصة الأمر: عندما يُذكر "الإنسان" بإطلاق ومن غير تقييد، فإن الذهن يتجه إلى الإنسان الكامل في أعلى درجات الكمال. ولذلك فإن أتمّ مصداق لهذا الوصف، وأعظم إنسان، وأشملهم، وأرفعهم مقامًا، هو رسول الله ﷺ.

كما أن أعظم ثمرة وأحلاها وأجلّها في شجرة الخلق هي سيدنا محمد ﷺ مع سائر الأنبياء عليهم السلام. ويُشار إلى هذا المعنى في الحديث المشهور:

[ لولاكَ لولاكَ لَمَا خَلَقتُ الأَفلاكَ]

أي أن رسول الله ﷺ هو أكمل مظهر للغاية المقصودة من الخلق.

أما سائر الناس فإنهم ينالون من هذا المقام بقدر اتباعهم لرسول الله ﷺ وتمسكهم بسنته.
ولذلك فإن عبارة "ذلك الفرد" لا تنطبق على وجه الكمال التام على أحد من البشر إلا رسول الله ﷺ، بينما ينال غيره نصيبًا منها بحسب قربه من هديه واتباعه له.
 


74-) "ثلاث وثلاثين نافذة" ماذا تعني؟ وما الحكمة من استعمال تعبير "النافذة"؟

إن الكلمة الثالثة والثلاثين تشرح وتثبت وجود الله تعالى ووحدانيته تحت عنوان "ثلاث وثلاثين نافذة"، وذلك من خلال ثلاثة وثلاثين وجهًا مختلفًا.

ولعل الحكمة من استعمال تعبير "النافذة" هي ما يلي: فمن المعلوم أن النوافذ تُستعمل غالبًا للنظر إلى الخارج وتأمل ما حول الإنسان.
وكذلك هنا، فقد يكون المقصود بـ " ثلاث وثلاثين نافذة " النظر إلى آثار الله تعالى وإلفات الأنظار إليها من ثلاث وثلاثين زاوية مختلفة.
فكل نافذة تمثل دليلًا مستقلًا على وجود الله تعالى ووحدانيته. أما العدد 33، فإنه يوافق عدد تسبيحات الصلاة.

ويقول الأستاذ بديع الزمان في الكلمة السادسة:
"العينُ حاسة، تطل الروحُ منها على هذا العالم."

وفي مقدمة الكلمة الثالثة والثلاثين شُبِّه هذا العالم بـ "  قصر الكون البديع " و" شجرةِ الكائنات العظيمة".
فالإنسان هو أكرم ضيف في هذا القصر، وأكمل ثمرة في  شجرةِ الكائنات العظيمة. فهذا الضيف يتأمل القصر من نافذة العين، أو أن هذه الثمرة الواعية تشاهد الشجرة من خلال هذه النوافذ. وكل نافذة وردت في هذه الكلمة تُظهر وجود الله تعالى ووحدانيته من جهة مستقلة، وتقدم درسًا في ذلك.

" وفَتَح من كل منـزل، ومن كل طبقة، ومن كل عالم، ومن كل طائفة، ومن كل فرد، ومن كل شيء نوافذ تتطلع إليه وتظهره، أي تُبين وجوده الحق ووحدانيته، فأودع في كل قلب هاتفا يتصل به."(الكلمات، الكلمة الثالثة والثلاثون).


75-) ما ضرورة الالتزام بالقانون والنظام؟

يوجد نوعان من القوانين والأنظمة:

النوع الأول: القوانين والسنن الفطرية الكونية التي ترجع إلى صفة الإرادة والقدرة الإلهية، وهي القوانين التي تنتظم بها شؤون الكون كافة، وتُدار وفقها جميع الموجودات والتصرفات. ومن أمثلة ذلك: قوة دفع الماء، وتأثير البرد في الإحساس بالزمهرير، وإحراق النار، وأن من جدَّ واجتهد نال ثمرة سعيه؛ فكل ذلك من نتائج سنن الله تعالى الجارية في الكون.

فمن يقول: «أنا مسلم، ولن تحرقني النار»، ثم يُدخل يده فيها، فإنه يحترق. ومن يزعم أن البرد لا يؤثر فيه، ثم يخرج في شدة الصقيع من غير وقاية، فلا يكاد يسلم من المرض. ومن أراد أن يعيش في هذه الدنيا حياة سعيدة مستقرة، فعليه أن يلتزم بسنن الله تعالى وقوانينه الكونية الجارية في الخلق. فالذين يخالفون هذه السنن يقعون في الشقاء والاضطراب، أما الذين يأخذون بأسبابها ويعملون بمقتضاها، فإنهم ينالون – بفضل الله تعالى – حياةً يسودها الرخاء والاستقرار.

أما النوع الثاني من القوانين والأنظمة: فهو ما صدر عن صفة الكلام الإلهي، مما بلّغه الله تعالى في القرآن الكريم، وبيّنه رسول الله ﷺ من أوامر ونواهٍ وتشريعات تنظّم حياة الإنسان التعبدية والاجتماعية، ويُطلق على ذلك اسم «الشريعة». ومن خالف هذه الأوامر الإلهية فإن عقوبته تكون – في الغالب – في الدار الآخرة. والمقصود بالقانون والنظام في هذا السياق ينصرف غالبًا إلى هذا النوع من التشريع.

فالذين يلتزمون بكلا النوعين من القوانين الإلهية؛ الكونية والتشريعية، ينعمون بحياة طيبة في الدنيا، ويفوزون بالسعادة الأبدية في الآخرة.

 


76-) «كتبت هذه "الكلمة" إرشادا لمن لا يعرف حدَّه في هذه المسألة..» هل يوجد في عصرنا أناس من هذا القبيل؟ وهل رسالة الاجتهاد كافية حقًا للرد على مفاهيمهم الخاطئة ودعاواهم؟

لهذا السؤال جانبان:

 أولًا: هل يوجد في عصرنا من تجاوز حدَّه في هذا الباب؟

نعم، بل يوجد منهم في هذا العصر أكثر مما وُجد في أي عصر مضى.

فمنهم:
- من ينكر القدر.
- ومن لا يعترف بالمذاهب الفقهية.
- ومن ينكر حقائق الإيمان مثل المعجزات، والكرامات، والتوسل، والشفاعة، وحياة القبر.
- ومن يرفض السنة النبوية.

وباختصار، كما أن هذا العصر قد اجتمعت فيه جميع أنواع المعاصي التي ارتُكبت في العصور السابقة، فقد اجتمعت فيه أيضًا شتى أنواع الانحرافات العقدية، بدءًا من الإلحاد والكفر، ووصولًا إلى تفسير آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وفق الأهواء والآراء الشخصية، واتباع النفس.

ومن هذه الجهة، فإن الذين تجاوزوا حدودهم كثيرون، ومنهم من يحاول ـ تحت شعار الإصلاح ـ تحريف حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية فيما يتعلق بمسألة الاجتهاد.

ولهذا جاءت هذه الرسالة ردًا على أصحاب هذه الأفكار الباطلة دون ذكر أسمائهم؛ لأن العبرة ليست بالأشخاص، وإنما بالأفكار.
فإذا زالت الأفكار الباطلة، زال أصحابها وزال من سار على نهجهم.


ثانيًا: هل هذه الرسالة كافية للرد عليهم؟

إن من يقرأ رسالة الاجتهاد بإنصاف، وضمير حي، وعقل متأمل، ونظرة موضوعية، لا يسعه إلا أن يُسلِّم بما فيها من حقائق.

أما من ينظر إليها بعين التعصب، أو بعقلية متحجرة، أو بروح العناد والمكابرة، فمن الصعب جدًا أن يعترف بالحق.

وهذا لا يختص بهذه الرسالة وحدها، بل هو شأن سائر رسائل النور، بل وشأن جميع الحقائق؛ إذ إن قبول الحق مرتبط بسلامة القصد والاستعداد لقبوله.

وعلى وجه الخصوص، فإن الخاتمة التي تتناول الإجابة عن السؤالين:

- ما الأسباب التي أدت إلى وجود المذاهب الفقهية المختلفة؟
- وهل يمكن أن تكون الحقيقة متعددة؟

تتضمن أجوبة بالغة القوة، شديدة التأثير، ومقنعة إلى حد كبير.

وكذلك فإن تحليل الموانع الستة التي تحول دون الاجتهاد يُعد تحليلًا علميًا دقيقًا، كما أنه يُمثل تشخيصًا عميقًا من الناحية الاجتماعية والنفسية.

وكذلك فإن المنهج الذي سلكه الأستاذ في الجواب عن السؤال:

«لماذا لا يستطيع الناس بعد الصحابة أن يبلغوا منزلتهم؟»

هو منهج فريد ومتميز، بالغ التأثير.

ولا سيما ما ذكره عن اتساع الفارق بين الحق والباطل في عصر الصحابة، وكيف ترسخت الصدق والاستقامة في أعماق نفوسهم، وكيف كانت آثار الثورة التي أحدثها الإسلام آنذاك ما تزال غضةً طازجةً قوية التأثير؛ فكل ذلك من التحليلات البديعة والمقنعة للغاية.

ولهذا، فإن كل من ينظر إلى هذه الرسالة بعين الإنصاف وضميرٍ حي، يدرك سريعًا أنها رسالة عظيمة وفائقة القيمة.
 


77-) في المصائب العامة كالزلازل، يُذكر أن الذين تشملهم الرحمة الإلهية هم الأبرياء والمظلومون.أليس الإيمان شرط لنيل عناية الرحمة الإلهية؟

يقول بديع الزمان سعيد النورسي:

« فما دامت المصيبة تصيب كلاّ من الظالمين والمظـلومين معا، وفق الحكمة الإلهية، فما نصيب أولئك المظلومين من العدالة الإلهية ورحمتها الواسعة؟»

ثم يجيب:

«  إن هناك تجليا للرحمة في ثنايا ذلك الغضب والبلاء، لأنّ أموالَ أولئك الأبرياء الفانية ستُخلَد لهم في الآخرة، وتُدّخر صدقةً لهم، أما حياتُهم الفانية فتتحول إلى حياة باقية بما تكسب نوعا من الشهادة؛ أي إن تلك المصيبة والبلاء بالنسبة لأولئك الأبرياء نوع من رحمة إلهية ضِمن عذاب أليم موقت، حيث تمنح لهم بمشقة وعذاب مؤقتين، وقليلين نسبيا، غنيمة دائمة وعظيمة.» (الكلمات، ذيل الكلمة الرابعة عشرة)

أولًا، لنتوقف قليلًا عند السؤال:

«أليس الإيمان شرطًا لنيل عناية الرحمة الإلهية؟»

إن الله تعالى رحمن، ومعنى الرحمانية أن الله يرزق جميع المخلوقات في الدنيا، مؤمنها وكافرها، إنسانها وحيوانها، ويقضي حاجاتها.

وجاء في كتاب الكلمات -اللوامع ما يلي:

« إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.»

فكما أن الرزق حقٌّ من حقوق الحياة، كذلك الشفاء أيضًا من حقوقها. ولهذا فإن تجليات أسماء الله تعالى مثل الرزاق والشافي لا تتوقف على الإيمان. فهذه التجليات لا تنظر إلى كون المخلوق مؤمنًا أو كافرًا، بل تنظر إلى حقيقة كونه حيًّا وما تحتاجه حياته، فتُمنح له تلك الحاجات.

وهذا من مقتضيات كون الدنيا دار امتحان؛ إذ لو اختصت نعم الحياة بالمؤمنين دون غيرهم لبطل سر الابتلاء.
فالنور والهواء مثلًا من ضرورات الحياة، ولو مُنعا عن غير المؤمنين لفسد نظام الامتحان.

وعليه، فإن عناية الرحمة الإلهية في الدنيا تشمل جميع الناس وسائر الأحياء. أما الرحمة الخاصة في الآخرة، ودخول الجنة ونيل نعيمها، فإن الإيمان شرط أساس لها.

ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «نوع من الشهادة» الواردة في النص تُفهم بمعنى «الشهادة الحُكمية»، وهذا لا يكون إلا لأهل الإيمان.

فكما أن المؤمن الذي يُقتل في سبيل الله يُعد شهيدًا، فقد ورد في الأحاديث أن من يموت في بعض الحوادث، أو الأمراض الشديدة، أو أثناء الولادة، أو في طلب العلم، يُعطى حكم الشهيد أيضًا. والفرق بين هؤلاء وبين الشهيد الحقيقي أن أصحاب الشهادة الحُكمية يُغسَّلون ويُكفَّنون، أما الشهيد في المعركة فيُدفن بثيابه.

أما غير المؤمنين، فإن معاناة الأبرياء والمظلومين منهم لا تذهب سدى كذلك. فليس الظالم الكافر والمظلوم الكافر سواءً في الجزاء والعقوبة.

وقد دلّ قوله تعالى في سورة الزلزلة:

- ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8)﴾(الزلزلة: 7-8)

على أن جميع الناس سيجدون أعمالهم يوم القيامة مكتوبةً أمامهم، ويرون نتائجها كاملة. فالآية لم تخص المؤمنين وحدهم، بل شملت كل البشر؛ لأن قوله تعالى «فَمَن يَعۡمَلۡ » عام يشمل الجميع.

الخلاصة:

- الرحمة العامة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، والإنسان والحيوان.
- المصائب العامة قد تتضمن وجوهًا من الرحمة والحكمة حتى لمن يصيبهم البلاء.
- الشهادة بمعنى الثواب الأخروي الخاص تكون لأهل الإيمان.
- أما غير المؤمنين فلا يضيع ما لحقهم من ظلم أو معاناة، بل يُراعى ذلك في ميزان العدل الإلهي، إذ لا يساوى المظلوم بالظالم عند الله تعالى.
- وكل عمل، خيرًا كان أو شرًا، سيظهر أثره وجزاؤه يوم القيامة.
 


78-) كيف نفهم عبارة الأستاذ: «وبعد مرور فترة طويلة على هذا القول، أصغيت إلى نفسي »؟

في مثل هذه العبارات للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي توجد رسالة مهمة جدًا ينبغي أن نستفيد منها، وهي:

عند بيان حقيقة من الحقائق للناس، يكون من الأنفع غالبًا أن تُعرض بطريقة غير مباشرة، بدلًا من مخاطبتهم مباشرةً وكشف أخطائهم صراحةً. لأن النفس البشرية إذا وُجه إليها النقد مباشرةً سارعت إلى الدفاع عن نفسها، وقد تتخذ موقفًا معارضًا للكلام منذ البداية، فتردّه ولو كان قويًا ومقنعًا.

ولهذا اختار بعض علماء الإسلام أسلوب النصح غير المباشر، ومن أبرزهم جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي. فهؤلاء لم يكونوا دائمًا يخاطبون الناس مباشرة، بل كانوا يقدّمون المعاني المقصودة من خلال الأمثال والقصص والحكايات أو على ألسنة الحيوانات والرموز.

وقد أشار الأستاذ في هذا الدرس إلى أن النفوس البشرية تطرح أسئلة متشابهة، فتوجه بالكلام إلى نفسه، بينما كان في الحقيقة يخاطب جميع النفوس. وبهذا الأسلوب يُدعى صاحب السؤال وغيره إلى الاستفادة من هذا الحوار.

وبعد هذا التمهيد نأتي إلى المقصود:

إن كلمة «النفس» الواردة في هذا النص تُراد بها النفس الأمّارة بالسوء، أي النفس التي تدعو إلى الشر، ولا تميل بطبعها إلى الطاعة والخير، وتثقل عليها العبادة.

وفي هذا المعنى يقول سيدنا يوسف كما ورد في القرآن الكريم:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53).

أما الأستاذ بديع الزمان، بوصفه وارثًا للأنبياء، فهو داخل في زمرة «الذين رحمهم الله» المشار إليهم في تتمة الآية.
ولذلك لا يمكن أن يُتصوَّر أن رجلاً قضى عمره كله في الدعوة إلى الإيمان والعبادة قد ضجر من الصلاة أو نفر منها.

وعليه، فالمقصود من قوله: «أصغيت إلى نفسي» ليس أنه يصف حاله الشخصية على الحقيقة، وإنما هو أسلوب تربوي وتعليمي غير مباشر؛ إذ جعل نفسه مخاطَبًا ظاهريًا ليقدّم الأجوبة والنصائح التي تحتاج إليها جميع النفوس البشرية.

والله أعلم.
 


79-) هل يمكنكم شرح مرتبتي "أعلى عليين" و"أسفل سافلين"؟ وهل ينبغي أن نفهمهما على أنهما مقامات روحية؟

أعلى عليين تعني: أسمى السامين، وأعلى المراتب الرفيعة. ويُفهم هذا التعبير في المقام الأول على أنه يشير إلى أعلى منازل السعادة في الجنة وأرفع درجات الثواب. ومع ذلك، فإن الإنسان يكتسب أهلية الوصول إلى تلك المقامات في هذه الدنيا.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الإنسان يرتقي إلى أعلى عليين في هذه الحياة الدنيا، ويبلغ المراتب الروحية السامية فيها. وبلغة الاستعمال الشائع في العربية، يصبح إنساناً عظيماً ذا شأن رفيع.

أما أسفل سافلين فهو نقيض ذلك، ويعني: أدنى الأدنياء وأحط المراتب. وهذا التعبير يذكّر بأدنى منازل جهنم وأشد أنواع العذاب فيها. غير أن الإنسان إنما يتعرض لذلك العذاب نتيجة أعماله السيئة التي يرتكبها في الدنيا.

وعليه، فإن الإنسان عندما يصبح شخصاً دنيئاً، ذليلاً، قليل الخير، فإنه يهوي إلى أسفل سافلين في هذه الدنيا، ويكون في الوقت نفسه قد هيّأ لنفسه العذاب الذي سيلقاه في الآخرة.


80-) عندما نوضح حقيقة: "لا توجد قرية بلا مختار (رئيس أو مسؤول)"، يلجأ بعض الناس إلى المغالطة ويقولون: "ولكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك ". فكيف يمكن توضيح الأمر؟

لنبيّن أولاً أن الأساليب البلاغية مثل التمثيل والتشبيه والقياس التمثيلي هي وسائل تُقرّب الحقائق إلى الأذهان وتساعد على فهمها بصورة أفضل.
وليس من الصحيح أن نُطبّق كل جزئية من هذه الوسائل على الحقيقة تطبيقاً حرفياً كاملاً.

فعلى سبيل المثال، عندما يُقال: "هذا رجل كالأسد"، فإن تشبيه الرجل بالأسد يلفت الانتباه إلى قوته وشجاعته.
ولا يصح لأحد أن يعترض قائلاً: "لكن الأسد حيوان مفترس!"؛ لأن المقصود من التشبيه هو إبراز جانب معين وإبرازه للنظر، وليس إجراء مقارنة مطابقة من جميع الوجوه.

ومثال "لا توجد قرية بلا مختار" يدل على أنه إذا وُجد في مكان ما انسجامٌ وإتقانٌ كاملان، وكانت آثار هذا النظام ظاهرة في كل جانب، فإن ذلك يشير إلى وجود مدير أو مسؤول كامل الكفاءة يدير ذلك المكان.

أما الاعتراض بقول: "لكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك" فهو من قبيل الجدل والمغالطة وصرف الكلام عن مقصوده.

فالنقطة الأساسية في التشبيه وموضوعه الرئيس هي هذه العلاقة والدلالة المقصودة، لا المطابقة التامة بين جميع التفاصيل.
 


81-) ماذا يعني "عدم تطابق الماهية"؟ وهل هناك فرق بين "الخاصية" و"الماهية"؟

الماهية هي الجواب عن سؤال: "ما هو الشيء؟" أو "ما حقيقة هذا الشيء؟".

فلو سُئل عن صورة الشمس المنعكسة في المرآة: "ما هذا؟"
فلا يمكن أن يقال: "إنها الشمس نفسها." ولذلك يقال إن ماهيتها لا تطابق ماهية الشمس.
فلو كانت ماهيتها مطابقة لماهية الشمس، لوجب أن تحمل جميع صفات الشمس وخصائصها على وجه الحقيقة.

أما الخاصية فتعني: المنفعة الخاصة، أو الأثر المميز، أو الصفة الخاصة التي يتميز بها الشيء.

فصورة الشمس المنعكسة في المرآة، مع أنها لا تملك ماهية الشمس الحقيقية، إلا أنها تحمل بعض خصائص الشمس مثل: الضوء، والحرارة، واللون.

الخلاصة:

  • الماهية: حقيقة الشيء وكنهه، والجواب عن سؤال: ما هو؟

  • الخاصية: الأثر أو الصفة أو المنفعة المميزة التي تظهر من ذلك الشيء.

ولهذا يمكن لشيءٍ ما أن لا يشارك شيئًا آخر في الماهية، ولكنه يشاركه في بعض الخصائص والآثار. كما أن صورة الشمس في المرآة ليست الشمس نفسها، لكنها تعكس بعض خصائصها.


82-) كيف يُفهم قولهم: عن آيات " مسَّتها شبهاتُ شياطين الجن والإنس وأوهامُهم "؟ وكيف يُعرف ما يوسوس به الجن؟

إن الآيات القرآنية لم تُنزَّل للإنس وحدهم، بل هي خطاب يشمل الجن أيضًا. وكل شبهة أو وسوسة تخطر ببال الإنسان أو يمكن أن تخطر بباله، يمكن أن تخطر كذلك ببال الجن؛ لأن طريق العقل واحد.
بل إن الجن أشد ميلًا إلى إثارة الشبهات والوساوس، وهم أكثر تقدّمًا فيها من البشر.
حتى إنهم يقومون بدور المعلِّم والمرشد في إلقاء الوساوس والشبهات إلى الناس.
وقد أشارت آيات كثيرة إلى هذه الحقيقة.

قال تعالى:
﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)﴾(سورة الناس: 1-6)
فالشيطان من الجن، ومن أسمائه الوسواس. وكلمة «الوسواس» مشتقة من الوسوسة، وهي صيغة مبالغة، أي: كثير الوسوسة والإلقاء للشبهات.

وقال تعالى:
﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾(الأعراف: 20)

وقال أيضًا:
﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾(طه: 120)

وخلاصة القول:
إذا كانت بعض الآيات قد تكون موضع شبهة أو وسوسة عند الإنسان، فمن باب أولى أن تكون موضع شبهة أو وسوسة عند الجن أيضًا، لما عُرف عنهم من الميل إلى الوسوسة وإثارة الشبهات. ولا يلزم لمعرفة ذلك إقامة اتصال بالجن؛ إذ يمكن استنتاجه من طبيعتهم كما وصفها القرآن.
ثم إن بعض الناس يرى أن الاتصال بالجن ليس أمرًا مستحيلًا، وإن كان ذلك لا يلزم لإثبات هذه الحقيقة.


 


83-) هل يمكنكم أن تشرحوا باختصار جواب السؤال الوارد في رسالة المعراج: "ما حقيقة المعراج؟"

إن الله تعالى، في حادثة المعراج، أطلع نبيه محمدًا ﷺ على جميع عوالم ملكه وسلطانه، وطوّفه فيها، وأراه إياها بأدق تفاصيلها.

وفي هذا الملك العظيم، فإن كل طبقة من طبقات السماوات يغلب عليها تجلٍّ لاسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، وفي كل طبقة يوجد نبيٌّ بلغ أعلى درجات التجلّي لذلك الاسم الإلهي. ومن هنا تكمن الحكمة والمعاني الدقيقة واللطيفة في زيارة النبي ﷺ للأنبياء أثناء المعراج.

ولكل اسم من أسماء الله تعالى عرشٌ للتجلّي. والمقصود بالعرش هنا: المقام أو الموضع الذي يظهر فيه ذلك الاسم أو الصفة الإلهية بأكمل صورها وأعظمها إشراقًا وتجليًا. ولذلك فإن لكل اسم ولكل صفة من صفات الله تعالى عرشًا خاصًا به.

ولما كانت أسماء الله وصفاته تختلف بعضها عن بعض في معانيها وآثارها وأحكامها، فإن المقام الذي يكون عرشًا لتجلّي كل اسم يختلف عن غيره.

فعلى سبيل المثال:

- الماء هو الحاجة الأساسية لجميع الكائنات الحية، وهو مصدر حياة النباتات والحيوانات، ولذلك فهو يُعد عرشًا لتجلّي اسم الله المنعم وآثار رحمته وإحسانه.
- وكذلك عنصر التراب، بما أنه أصل الحياة ومنشؤها، فإنه يُعد مظهرًا لتجلّي اسمي الله الحفيظ والمحيي؛ لأن الأرض هي التي تحفظ البذور في باطنها وترعاها حتى تنبت، وهذه البذور هي سبب استمرار حياة جميع الكائنات الحية.

وخلاصة الأمر: لكل اسم وصفة من أسماء الله تعالى موضعٌ ومجالٌ يغلب فيه تجلّيه وظهوره أكثر من غيره.

وقد جاء في الكلمات:
«إنها عبارة عن سير الذات الأحمدي وسلوكه صلى الله عليه وسلم في مراتب الكمالات.
وهذا يعنى أن آياتِ الربوبية وآثارَها التي جلاّها سبحانه وتعالى في تنظيم المخلوقات، بأسماءٍ وعناوينَ مختلفة، وأظهرَ عظمةَ ربوبيته بالإيجاد والتدبير في سماء كل دائرة من الدوائر التي أبدعها، كلُّ سماءٍ مدار عظيم لعرشِ الربوبية ومركز جليل لتصرف الألوهية.. هذه الآيات الكبرى والآثار الجليلة أطْلعَها سبحانه وتعالى واحدةً واحدةً لذلك العبد المخصّص المختار..»(الكلمة الحادية والثلاثون، الأساس الثاني).

وتشير هذه العبارة إلى أن كل واحدة من طبقات السماوات السبع يغلب عليها اسم من أسماء الله تعالى، فيتجلّى فيها ذلك الاسم على وجه أتم ويظهر حكمه فيها أكثر من غيره.

فعلى سبيل المثال، في طبقة السماء التي يوجد فيها سيدنا عيسى عليه السلام، يغلب تجلّي صفة القدرة الإلهية.

ولهذا فقد شاهد رسول الله ﷺ، بمعجزة المعراج، جميع هذه الطبقات والعوالم، وتأمل تجليات كل اسم من أسماء الله تعالى بأعلى درجات التأمل والمعرفة.

وفي النهاية، فإن المعراج هو مظهر من مظاهر المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة التي خصّ الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ عنده.


 


84-) كيف يشرح الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الرسالة الأحمدية (رسالة النبي محمد ﷺ) في رسائل النور؟ وهل يمكنكم إعطاء معلومات عن جانبي النبوة والرسالة عند النبي ﷺ؟ وكيف تُعالَج محبة النبي في رسائل النور؟

تُثبِت رسائل النور رسالةَ النبي محمد ﷺ بأدلة قاطعة وواضحة للغاية.
وعلى وجه الخصوص، يتم في الكلمة التاسعة عشرة والرسالة التاسعة عشرة شرحُ رسالة النبي ﷺ وإثباتها بأدلة مقنعة وقوية.

ولا تقتصر رسائل النور على جانب إثبات الرسالة المحمدية فحسب، بل تبيّن كذلك شخصيته المعنوية ومقامه الرفيع بأفضل صورة.
ولا سيما الكلمة الحادية والثلاثون المعروفة برسالة المعراج، واللمعة الحادية عشرة المعروفة برسالة السنة السنية، حيث تعرضان شخصيته المعنوية بأسلوب جميل ولطيف للغاية.

تتناول رسائل النور النبيَّ الكريم ﷺ من جهتين:

1. جهة النبوة والرسالة.
2. الجهة البشرية وجهة الولاية.

في كتب التاريخ والسيرة يُسلَّط الضوء غالبًا على الجوانب البشرية من حياة رسول الله ﷺ.
والذين يركّزون فقط على هذه الجوانب البشرية قد يجدون صعوبة في إدراك عظمته الروحية ومكانته السامية.

وفي المقابل، هناك من يركّز فقط على جانب الرسالة والنبوة، حتى إنه لا يستطيع استيعاب بشريته، فيتصوره كأنه مَلَك.
وهذا أيضًا أمر خطير؛ لأن النبي ﷺ ليس مجرد رسول من عند الله، بل هو كذلك ممثلٌ وقدوةٌ للبشر، وإمامٌ ومرشدٌ لهم.
ولو كان في مقام ملائكي فوق بشري، لما أمكنه أن يكون قدوةً ونموذجًا يُقتدى به.

أما في رسائل النور، فقد شُرحت شخصية الرسول الأكرم ﷺ المعنوية وجوانبه البشرية معًا بصورة متوازنة ورائعة.
ولذلك فإن محبة النبي ﷺ عند من يقرأ رسائل النور تكون بعيدة عن الإفراط والتفريط، وتسير على طريق الاعتدال والاستقامة.

ولهذا يرى من يقرأ رسائل النور بجدية ويتدبرها أن محبة النبي ﷺ تتناسب طرديًا مع فهم عظمته الروحية ومقامه السامي.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في المرتبة الأولى؛ لأنهم نهلوا مباشرة من إكسير النبوة.
كما أن طلاب رسائل النور، السائرين على منهج الصحابة، يمثلون في هذا العصر نهج أولئك العظماء ويسيرون على خطاهم.
 


85-) ماذا تعني عبارة: "هذه الكلمة هي "الكلمة الثالثة والثلاثون" من جهة وهي "المكتوب الثالث والثلاثون" من جهة أخرى. "؟

إن العبارة الواردة في بداية قسم المقدمة: "هذه الكلمة هي "الكلمة الثالثة والثلاثون" من جهة وهي "المكتوب الثالث والثلاثون" من جهة أخرى."، وكذلك العبارة الواردة في آخرها: "

هذه الكلمة هي "الكلمة الثالثة والثلاثون" من جهة وهي "المكتوب الثالث والثلاثون" من جهة أخرى.

الرسالة الثالثة والثلاثون من الكلمة الثالثة والثلاثين"، تفيدان أن هذه الرسالة هي نفسها الرسالة الثالثة والثلاثون.


86-) "هل يمكنك شرح طبيعة هذا العالم وقيمته، والروح الإنسانية بداخله، ودور الدين في البشرية، وكيف سيكون العالم سجناً لو لم يكن الدين الحق موجوداً؟"

(إذا أردتَ أن تفهم ما الدنيا وما دورُ الروح الإنسانية فيها، وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب، وأن الشخصَ الملحد هو أشقى المخلوقات، وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله».. أجل، إذا كنتَ تريد أن تفهم كل ذلك، فأنصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتفكّر فيها مليا)

ثم يذكر المؤلف في «الكلمة الثامنة» قصة أخوين خرجا في سفر طويل، حتى وصلا إلى مفترق طريقين، فشاهدا عنده رجلًا ذا هيبة ووقار فسألاه عن الطريق... ومن خلال هذا التمثيل يُجري مقارنة بديعة بين حال المؤمنين وحال المنكرين.

فقد بُيّن فيه أن الذين آمنوا بدين الإسلام، وطبقوا حقائقه السامية في حياتهم، يعيشون في الدنيا حياةً يسودها الطمأنينة والسكينة، وينالون في الآخرة السعادة الأبدية، بينما ينتهي حال المنكرين إلى الشقاء والضيق وسوء العاقبة.

إن الإنسان الذي ينظر إلى الموجودات والحوادث بعين الإيمان والهداية، يرى في كل شيء جانب الخير والحكمة والجمال، فيسعد بذلك ويطمئن قلبه. وحتى الأمور التي تبدو في ظاهرها شرًا أو قبحًا، فإنه يردّها إلى حكمة الله وقدره، فيعيش في مقام التسليم والتوكل، فلا تعكر صفو حياته الآلام العارضة. ومن هنا قيل: «من آمن بالقدر أمِنَ من الكدر». فالإسلام بهذا المعنى ليس دين الآخرة فحسب، بل هو كذلك وصفة لسعادة الدنيا وراحة النفس.

أما من خلا قلبه من نور الإيمان، فإنه يرى الجانب المظلم من الأشياء، أو يظن ذلك، فتتحول حياته إلى سلسلة من العذاب والقلق. فلا يكاد يعرف للطمأنينة سبيلًا، بل يهرب إلى اللهو والمتع لينسى الموت والمصير. غير أن اندفاع الإنسان وراء اللذات المحرمة، مع أن الموت يلاحقه والقبر أمامه، ليس إلا لونًا من خداع النفس وغفلتها.

وخلاصة الأمر: أن من أحسن النظر أحسن التفكير، ومن أحسن التفكير وجد لذة الحياة ومعناها.

فإن اللذة الحقيقية، والسرور الخالي من الألم، والسعادة الصافية، إنما توجد في دائرة الإيمان وحقائقه.

أما الغافلون المنغمسون في اللهو والشهوات، فقد لا يشعرون بهذه المعاني الدقيقة؛ لأنهم يفرّون إلى الملذات هربًا من آلام الفراغ الروحي والقلق الوجودي.

ولهذا قيل: مهما تكن عاقبة الدنيا، فإن ترك الشهوات المحرمة أولى بالإنسان؛ لأن العاقبة لا تخرج عن حالين:
إما سعادة أبدية تُنال بترك اللذات الفانية،
وإما شقاء دائم.

فهل يمكن لمن ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه أن يستمتع بزينة منصة الإعدام أو زخرفتها؟

وكذلك من يتوهم – بدافع الكفر – أن نهاية الإنسان هي العدم المطلق، فإنه يعيش في عذاب نفسي مستمر؛ لأن ألم الفناء والانقطاع يتجدد في قلبه كل لحظة، ولا تستطيع اللذات العابرة أن تطغى على هذا الألم العميق.

ومن هنا، فإن من يرى الموت فناءً مطلقًا، يكون أبعد الناس عن التمتع الحقيقي بالدنيا؛ لأن كل لذة عنده مشوبة بخوف الزوال والانتهاء.

وكلما اشتد تعلق الإنسان بملذات الدنيا وألفها، كان فراقها أشد ألمًا وحسرة.

وفي هذا المعنى جاء التعبير القرآني: «لا يموت فيها ولا يحيا»، تصويرًا لما يعتري الكافر من عذاب نفسي واضطراب دائم.

إن الدين والإيمان إكسير يهب الأشياء معناها الجميل، فمن رزقه الله نور الإيمان عاش في الدنيا مطمئن النفس، وفاز في الآخرة بالسعادة الأبدية، أما من حُرم هذا النور فإنه يعيش في ضيق وكدر، ويؤول أمره إلى العذاب الأليم.


87-) هل يمكن أن يُفتح باب الاجتهاد في المستقبل، أم أنه سيظل مغلقًا في جميع الأزمنة؟

نود هنا أن نتعرض لمسألة مهمة:

ينبغي أولًا تحديد المقصود بالاجتهاد الذي قال عنه الأستاذ إنه «مغلق».

فالاجتهاد الذي يقوم به علماء أهل السنة والجماعة، وذلك باستنباط الأحكام للمسائل المستجدة اعتمادًا على فتاوى الأئمة المجتهدين، واجتهاداتهم، والقواعد الشرعية التي أصلوها، هو أيضًا نوع من الاجتهاد، وهذا الاجتهاد سيستمر بلا شك إلى قيام الساعة.

أما الاجتهاد بمعنى إحداث مذاهب جديدة أو القيام بما يسمى «الإصلاح الديني»، فهذا الباب مغلق.

والفترة التي أشار إليها الأستاذ بقوله: «هناك ستة موانع» تمتد من عصره إلى قيام الساعة، وهي كذلك الفترة التي أشار إليها رسول الله ﷺ بقوة، وهي فترة آخر الزمان. ففي هذه المرحلة أصبحت أصول الدين، وعلى رأسها الإيمان والعبادات، عرضة للأخطار، ولذلك لم يعد الاهتمام منصرفًا إلى المسائل الفرعية كمسألة الاجتهاد.

ثم إن المذاهب الأربعة الصحيحة قد عالجت هذه القضية إلى حد كبير، من خلال اجتهاداتها وفتاواها، بما يكفي الأمة إلى قيام الساعة.
أما المسائل الجديدة والقليلة التي قد تستجد، فلا تستدعي فتح باب الاجتهاد بمعناه المذكور.

وقد أوضح الأستاذ هذا المعنى بقوله:

«إنّ الضروريات الدينيةَ التي لا مجال فيها للاجتهاد لقطعيتها وثبوتها، والتي هي في حُكم القوت والغذاء، قد أهملت في العصر الحاضر وأخذت بالتصدع.فالواجبُ يحتّم صرفَ الجهود وبذلَ الهمم جميعا لإحياء هذه الضروريات وإقامتها، حيث إن الجوانبَ النظرية للإسلام قد استَثرتْ بأفكار السلف الصالحين وتوسعت باجتهاداتهم الخالصة، حتى لم تعُد تضيق بالعصور جميعا؛ لذا فإن تركَ تلك الاجتهادات الزكيّة والانصراف عنها إلى اجتهادات جديدة اتّباعا للهوى إنما هو خيانة مبتدَعة.»(الكلمة السابعة والعشرون)

إن المشكلات الأساسية في عصرنا، وكذلك في الأزمنة القادمة، هي **مشكلات الإيمان والأخلاق**، ولذلك ينبغي أن تُوجَّه الجهود إليها.

ففي زمن الأستاذ كانت القضية الكبرى هي الإيمان، أما اليوم فقد انضمت إليها أيضًا الأخلاق والعبادة.

وحين يكون أكثر الناس يعانون من التقصير في العبادة والأخلاق، فإن الانشغال بالاجتهاد ليس أمرًا حكيمًا.

وهذا الحكم والمعنى لا يختصان بعصرنا فحسب، بل يصدقان كذلك على المستقبل.


 


88-) "يا مَن تَعلَّم في المدارس الحديثة مسائلَ فاقدةً للروح في علم الفلك، فضاق ذهنُه، وانحدر عقله إلى عينه حتى استعصى عليه استيعاب السر العظيم لهذه الآية الجليلة.!" هل يمكنكم أن توضحوا هذا الموضوع قليلاً؟

إذا جعل الإنسان آيات القرآن، الذي هو أزلي وأبدي، نورًا لعقله، استطاع أن يتأمل الكون والعرش وجميع عوالم الغيب.

أما العلوم الطبيعية، فإنها لا تستطيع الإحاطة إلا بجزء محدود من العالم المادي، بل إن قسمًا من معلوماتها يقوم على التقديرات والافتراضات.

ومن يعتمد على نوره الجزئي المحدود وحده، كالحشرة المضيئة التي تظن أن ضوءها الصغير يكفيها بينما تبقى محاطة بالظلام الدامس، ويثق بعلمه القليل وعقله فقط دون أن يدخل تحت نور الوحي كالشمس، فإنه يقع في ظلمات الكفر والشرك.

**توضيح المعنى المقصود في العبارة:**

المقصود ليس ذمَّ العلم أو دراسة الكون، وإنما نقدُ النظرة التي تحصر الحقيقة كلها فيما تدركه الحواس والتجارب المادية فقط.
بعض الناس يرفضون الحقائق الغيبية أو المعاني الدينية لأن عقولهم اعتادت النظر إلى الجانب المادي وحده، فأصبحت عاجزة عن استيعاب ما وراء المادة من حقائق إيمانية.
لذلك يصفهم بأن « فضاق ذهنُه، وانحدر عقله إلى عينه»، أي أنهم لا يقبلون إلا ما يُرى ويُقاس بالحس، بينما الإيمان يتجاوز ذلك إلى ما يُعرف بالوحي والعقل معًا.


89-) "قال لي أحدهم يوما وهو كبير سنا وجسما ورتبة..." هل يمكنكم إعطاء معلومات عن هوية صاحب السؤال وشخصيته؟

لقد كان الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يركّز على الأفكار لا على الأشخاص، فيناقش الآراء ويجيب عنها دون التعرض لأصحابها. وذلك لأن ذكر أسماء الأشخاص قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى الغيبة، ولا سيما إذا نُشرت هذه الغيبة كتابةً على نطاق واسع، فإن خطرها يكون أكبر.
ولذلك تجنب هذا المسلك تمامًا.

ومع أنه ذكر في مبحث الغيبة أن غيبة الفاسق المجاهر بمعصيته قد تكون جائزة، إلا أنه قيّد ذلك بشروط مهمة، منها أن يكون الكلام خاليًا من الأغراض الشخصية، وأن يكون لمجرد بيان الحق وتحقيق المصلحة.

وقد اختار الأستاذ عدم نقل السؤال بصورته المباشرة، بل أشار إلى بعض صفات صاحبه، وهذا يستحق التأمل.

فقوله:
«قال لي أحدهم يوماً وهو كبير سنا وجسما ورتبة...»

يدل على أن صاحب السؤال لم يكن كبيرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما كان كبيرًا من حيث العمر والجسم والرتبة أو المنصب فقط. وفي ذلك إشارة إلى أن السؤال نفسه يحمل طابعًا ساذجًا أو طفوليًا.

فنحن نرى أحيانًا طفلًا يقف فوق طاولة ثم يقول لأبيه:

"لقد أصبحت أطول منك!"

والحقيقة أن الذي جعله يبدو أطول هو ارتفاع الطاولة، فإذا نزل منها ظهر طوله الحقيقي.

وكذلك المناصب والمراتب؛ فكبر المنصب أو علوّ المكانة الوظيفية لا يجعل الإنسان عظيمًا في ذاته، وإنما يمنحه لفترة محدودة صلاحيات أوسع، وقد يجعله يحظى باحترام يمتزج أحيانًا بالخوف أو المجاملة.

ومن جهة أخرى، فإن علو الرتبة والمنصب قد يكون وسيلة لتحقيق مصالح عظيمة إذا استُخدم في موضعه الصحيح، لكنه في الوقت نفسه امتحان صعب؛ لأنه قد يزيد من الغرور والكبرياء.

ويرى الكاتب أن الذي شجّع ذلك الشخص على توجيه مثل هذا السؤال الساذج إلى عالم كبير كالأستاذ بديع الزمان هو شعوره بالقوة المستمدة من منصبه ورتبته.

أما قوله:

«إنّ أداء الصلاة حسن وجميل، ولكن تكرارها كل يوم، وفي خمسة أوقات كثير جدا فكثرتها هذه تجعلها مملّة!..»

فقد يُفهم منه لأول وهلة أن الرجل لا يعترض على الصلاة نفسها، بل على تكرارها واستمرارها، وأن هذا ناتج عن الكسل.

غير أن المعروف عنه - بحسب النص - أنه كان في الحقيقة معارضًا للصلاة ذاتها، لكنه أخفى مقصده الحقيقي وراء عبارة: «إنّ أداء الصلاة حسن وجميل»، وجعل اعتراضه منصبًّا على كثرتها.

ومع ذلك، فإن الغاية الأساسية من كتابة هذا الدرس لم تكن الرد على ذلك الشخص بعينه، بل إرشاد جميع النفوس التي قد تردد هذا الكلام أو تحمل المعنى نفسه. ولذلك فإن شخصية صاحب السؤال ومقصده الخاص ليسا محل اهتمام رئيسي.

ولهذا ينبغي لنا أيضًا أن نلتزم بهذا المنهج الدقيق؛ فإذا واجهنا مثل هذه الآراء فعلينا أن نرد على الفكرة نفسها، وأن نراعي في جوابنا أيضًا من قد يقع في الخطأ نفسه من الآخرين، وألا نفضح صاحب الفكرة أو نُشهِّر به ما لم توجد مصلحة شرعية معتبرة تقتضي ذلك.

والله أعلم.
 


90-) كيف يحجب ظلام الكفر الصنعة الربانية؟ مع أن في الكافر أيضًا تتجلى الصنائع الإلهية لله تعالى!

إن الحقيقة الواردة في الرسالة التاسعة والعشرين:

«إن الخدمات المشاهدة التي يُعبَّر عنها بوظائف الأشياء هي عناوين لعبادتها.»

تنطبق كذلك على جميع أعضاء الكافرين وخلاياهم ومشاعرهم وأحاسيسهم؛ فلكل واحد منها تسبيحه الخاص وعبادته المخصوصة.

غير أن الذين لا يؤمنون لا يدركون هذا التسبيح ولا يشعرون به.
فكما لا يمكن قراءة الكتاب في الظلام، كذلك هم بسبب ظلمة الكفر التي تملأ أرواحهم لا يستطيعون قراءة تجليات الأسماء والصفات الإلهية المعروضة في ذواتهم وأجسادهم.

إنهم لا يعملون إلا للدنيا، ويسعون وراء مصالحهم، ويعيشون حياة لهوٍ وغفلة.
يعيشون بلا تفكر، ويأكلون ويشربون بلا شكر.
لذلك فإنهم يقضون حياتهم على نحوٍ يشبه حياة الحيوانات، بل هم أضل منها كما أخبر القرآن الكريم.

قال تعالى:

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾(سورة الفرقان: 44)

أي إنهم كالحيوانات، بل هم أكثر ضلالًا منها في الطريق والهداية.
 


91-) لماذا توجد الجنة والنار؟

لقد تم شرح وإثبات وجود الجنة والنار بشكلٍ موسّع في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين".
ونظراً لطول الموضوع، لا يمكننا تناول جميع جوانبه هنا، لكن يمكننا ذكر بعض الأمثلة بإيجاز.

إن السبب الأعظم لخلق الآخرة، أي حياة الجنة والنار، هو أن أسماء الله تعالى تقتضي ذلك. فكل اسم من أسماء الله الحسنى يستلزم وجود الآخرة.

فعلى سبيل المثال: إن اسم الله العدل، من خلال تجلّيه في الكون بصورة لا متناهية، يثبت وجود الله تعالى، كما يقتضي وجود الآخرة.
ذلك أن كثيراً من المظلومين يرحلون من الدنيا قبل أن ينالوا حقوقهم، وكثيراً من الظالمين يمضون دون أن يلقوا جزاءهم.
والحال أن العدالة المطلقة لا تسمح باستمرار هذا الظلم دون حساب؛ فلا بد إذن من دار أخرى يُفصل فيها بين الناس وتُؤدّى فيها الحقوق.
أي إن عدل الله اللامتناهي يقتضي وجود الآخرة.

وكذلك فإن جميع أسماء الله تعالى وصفاته الأخرى تثبت ضرورة وجود الحياة الآخرة وتدل على لزومها وواقعيتها.
 


92-) هل يمكنكم شرح جملة: "فتذهب الآمال أدراج الرياح وتبقى الآلام محفورة في الأرواح"؟

"إنّ الإنسان المغرور، المعتدَّ بنفسه، ويحسبها أبديا، محكوم عليه بالزوال. إنّه يذهب سريعا. أمّا الدنيا التي هي مَأْواهُ؛ فستهوي في ظلمات العدم، فتذهب الآمال أدراج الرياح وتبقى الآلام محفورة في الأرواح."(المقام الثاني من - الكلمة السابعة عشرة)

إذا بنى الإنسان حياته على الدنيا لا على الآخرة، فإن روحه تعاني -جزاءً لذلك- ألمًا وضيقًا شديدين. وذلك لأن أعظم عذاب وألم للإنسان هو فقدان الأشياء التي يحبها ويتعلق بها، أو الافتراق عنها.

فعندما يفقد شبابه الذي أحبه وتعلّق به، أو صحته، أو ماله، أو أولاده، فإن روحه تتألم من ذلك ألمًا شديدًا وحقيقيًا.
 


93-) في الكلمة الخامسة والعشرين من رسائل النور وردت ثلاثة تعريفات شاملة للقرآن الكريم؛ فما الفرق بينها؟ ومن أي جهة عرَّفت كلُّ واحدة منها القرآن؟

التعريف الأول:

هذا التعريف يبرز صفة القرآن في بيان حقائق العوالم المختلفة، وشرح ماهياتها وأحوالها وتفسيرها.

فالقرآن الكريم يُصوَّر هنا وكأنه خريطة شاملة لجميع العوالم، وفي الوقت نفسه دليل يفسر لغتها ويكشف معانيها. فهو يعرّف الإنسان بالعوالم التي يجهلها، ويبين له كيفية التعامل معها، ويرشده إلى الطريق الذي ينبغي أن يسلكه فيها.

التعريف الثاني:

في هذا التعريف يُلفت النظر إلى عظمة مصدر القرآن ومنزلته السامية من حيث منشؤه وموضع نزوله، أي أنه تعريف للقرآن من جهة مصدره ومنبعه.

فالقرآن كتابٌ نزل من أعلى مراتب الأسماء الإلهية، ومن الاسم الأعظم.

ولهذا يخاطب القرآن البشرية كلها بصفة أن الله تعالى هو رب جميع العوالم وجميع الحقائق.

أما الكتب السماوية والصحف السابقة، فلأنها كانت تجليات لأسماء إلهية مخصوصة، وكانت موجهة إلى أقوام معينين، فلم تكن شاملة وعالمية كالقرآن الكريم، ولم تبلغ منزلته من حيث المقام والمصدر.

ولكلام الله تعالى مراتب ودرجات من حيث الخصوص والعموم؛ فالله سبحانه يخاطب جميع أصناف المخلوقات، من الجمادات إلى البشر، لكن هذه الخطابات ليست في مرتبة واحدة، بل تختلف درجاتها.

وأعظم هذه الخطابات، وأشملها، وأكثرها إحاطة، والذي يجمع أعظم تجليات جميع الأسماء الحسنى، هو القرآن الكريم.

ولهذا فإن هذا التعريف يركّز على هذه الحقيقة.

التعريف الثالث:

أما هذا التعريف فيسلط الضوء على أن القرآن منزه عن كل نقص وعيب، وأنه معجزة قاطعة ثابتة من جميع الوجوه والجوانب.

أي إنه مهما نظرنا إلى القرآن من أي ناحية كانت، وجدناه كاملاً ومعجزًا.

والمقصود بالجوانب هنا: كونه كاملًا في جميع الميادين، مثل:

- الأدب والبيان.
- العلوم والمعارف.
- العلوم الكونية والتجريبية.
- العقل والمنطق.
- الإلهامات القلبية والبصيرة.
- تنمية المشاعر والأحاسيس وتهذيبها.
- البحث والتحقيق والتدقيق.
- الإرشاد والتربية والتعليم.
- الخطابة والبلاغة.

فأيًّا كانت الزاوية العلمية التي يُنظر منها إلى القرآن، فإنه لا يظهر فيه نقص ولا خلل.

وقد صوّر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هذه المعاني من خلال ست جهات بيّن بها أوجه إعجاز القرآن وكماله.


 


94-) يستشهد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بالآيات التالية ( الأنبياء:104، الأعراف:54، يس:53 ) كدليل على أن الحقائق السامية في القرآن لا يمكن أن يعبّر عنها الأسلوب الشعري البسيط والضعيف. لكنه لا يدخل في تفاصيل ذلك ولا يشرحه. فهل يمكنكم المساعدة في شرحها؟

- { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ }(الأنبياء: 104)

- { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } (الأعراف: 54)

- { إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }(يس: 53)

هذه الآيات الكريمة تعلّم بأسلوب رفيع جدًّا قدرة الله وعظمته وعدله. وهي آيات تثير في أرواحنا معاني الدهشة والخشية والهيبة، ولا يمكن التعبير عنها بأسلوب شعري يهدف إلى الإمتاع أو التزيين اللفظي.

ومن جهة أخرى، فإن الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات، بحكم طبيعة موضوعاتها، يكون من الأنسب والأوفق بالحكمة أن تُعبَّر عنها بأسلوب واضح ومجرّد وسهل الفهم، لا بأسلوب شعري مزخرف.

وربما يُتصوَّر أن الآيات التي تتحدث عن جمال الكون الباهر والظواهر المليئة بالحكمة يمكن أن تأتي في قالب شعري. غير أن الله تعالى أنزل تلك الآيات التفكرية أيضًا بأسلوب سامٍ وعالٍ، ولم يخلط فيها خيالات الشعر وتصوراته، بل جاءت معبّرة عن الحقائق كما هي، في أرقى أساليب البيان.
 


95-) يُذكر أن "الكلمة الثانية والثلاثين" هي شرح وذيل لـ"اللمعة الثامنة من الكلمة الثانية والعشرين". فما العلاقة بينهما؟

في كلتا الرسالتين يُعرض مسار فكري يبدأ من الصغير إلى الكبير،
أي من الجزء إلى الكل، ومن الفرد إلى النوع، ومن الذرة إلى الكون.
فكما أن من لا يستطيع أن يخلق البذرة لا يستطيع أن يخلق الشجرة، ومن لا يستطيع أن يخلق زهرة واحدة لا يستطيع أن يخلق الربيع، ومن لا يستطيع أن يخلق الإنسان لا يستطيع أن يخلق الكون.

والفرق الوحيد بينهما هو أن اللمعة الثامنة من الكلمة الثانية والعشرين تتناول الموضوع بالتحليل المباشر،
أما الكلمة الثانية والثلاثون فتتناوله من خلال مخاطبة شخصٍ افتراضي يدّعي أنه يريد أن يكون ربًّا لأي موجود، ومن خلال هذا الأسلوب تردّ على جميع تيارات الكفر والإنكار.

وننقل هنا مقطعًا من اللمعة الثامنة من الكلمة الثانية والعشرين:

(... كأن كلّ زهرة، وكلّ ثمرة، وكل حيوان، آيةُ ذلكم الربّ الكريم وختمُه وطغراؤه، فأينما يحل أيُّ منها يقول بلسان حاله:
"مَن كنتُ آيتَه، فهذه الأرض مصنوعتُه، ومَن كنتُ ختمَه فهذا المكان مكتوبُه، ومَن كنتُ علامتَه فهذا الموطن منسوجُهُ..".)
 


96-) ما معنى "رَشْحَة"

كلمة "رَشْحَة" من قطرة ماء تعني: الرذاذ، أو التناثر، أو التسرّب.

فإذا سقطت قطرة ماء على جسم صلب، فإن القطرات الصغيرة التي تتناثر منها إلى الجوانب تُسمّى رشحات.

وقد شبّه الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الشخصية المعنوية لرسول الله ﷺ ببحرٍ عظيم، وبيّن أن هذه المباحث الأربعة عشر التي كتبها عنه ﷺ لا تعدو أن تكون أربع عشرة رشحة من ذلك البحر الزاخر؛ أي قطرات يسيرة منه.

وجاء في أحد الأحاديث القدسية أن سعة ملك الله تعالى شُبّهت بالبحر، حيث يقول سبحانه:
 « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.» (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة )

أي أن عطاء الله تعالى لجميع الخلق لا ينقص من ملكه شيئًا يُذكر، كما أن الإبرة إذا غُمست في البحر ثم أُخرجت منه لا تُنقص من ماء البحر إلا مقدارًا لا يكاد يُلاحظ.
 


97-) كيف يمكن لجميع الموجودات وخصائصها أن تشهد على وجود الله الواجب ووحدانيته؟ وكيف ينبغي أن نفهم علاقة هذه الشهادة بضوء الشمس؟

إن واجب الوجود يعلِّم أن وجود الله واجب، وأن وجود جميع المخلوقات ممكن.

فوجود الله واجب؛ أي إن وجوده ذاتي، أزلي وأبدي، واستحال عدمه.

أما وجود جميع المخلوقات فهو ممكن؛ أي إن وجودها ليس ذاتيًا، وإنما توجد بإيجاد الله لها، وهي حادثة (وجدت بعد أن لم تكن) وفانية، واستواء وجودها وعدمها من حيث ذاتها.

ويمكننا أن نوضح هذه المسألة باختصار كما يلي:

إن وجود الله ذاتي، أزلي وأبدي، أما وجود المخلوقات فهو بإيجاد الله لها.

فالأنوار الموجودة في الفقاعات التي تضيئها أشعة الشمس ليست من ذاتها، وإنما تأتي من الشمس.
أما ضوء الشمس فهو ـ إلى حدٍّ ما ـ ذاتي لها، ولذلك فإن التجليات التي تظهر في القطرات تزول عند حلول المساء، بينما يبقى ضوء الشمس مستمرًا في وجوده.
وهكذا فإن وجودات الممكنات تشبه تلك الأنوار الموجودة في القطرات؛ فهي كما وُجدت بإيجاد الله لها، فإنها تغيب في العدم إذا أعدمها الله.

وهكذا فإن عالم المخلوقات كله، بذواته وصفاته، هو من آثار الله، ويدل على وجوده.

ولما كان الوجود نورًا، والعدم ظلمة، فإن كل مخلوق يدل بوجوده على وجود الله، لأنه هو الذي منحه نور الوجود.

وكذلك فإن حياة كل موجود تدل على صفة الحياة لله، لأن حياتهم هي تجلٍّ لاسم المحيي، كما أن الضوء في الفقاعات يأتي من الشمس.

وكذلك فإن القوة الموجودة فيهم تأتي من قدرة الله، وهي تجلٍّ لاسم القدير.

وكل موجود يشهد أيضًا على وحدانية الله؛ إذ إن كل موجود، من زهرة في الأرض إلى الإنسان، قد نُسج في نول الكون، أو هو ثمرة من ثمار شجرة الكون.
فمن لا ينفذ حكمه إلى الكون كله، لا يستطيع أن يخلق زهرة واحدة. ويمكننا توضيح هذه الحقيقة بمثال الشمس كما يلي:
إن جميع الأنوار، من كل قطرة إلى جميع الأنهار والبحار، إنما تأتي من شمس واحدة.


 


98-) ما المقصود بالأحراش في «الكلمة الثامنة»؟ ولماذا لا يوجد ماء في البئر؟ ولماذا كان الهروب من الأسد؟ وهل في ذلك إشارة إلى الفرار من الموت والأجل؟

المقصود بـ الأحراش في هذا التمثيل هو الإشارة الكنائية إلى خفاء الأجل وغموض وقته؛ فالموت أشبه بأسدٍ كامنٍ في غابة لا يُدرى متى يخرج منها. ولما كانت أحوال الأخ الثاني في القصة مماثلة في الجملة لأحوال الأول، فقد يكون من أجل ذلك لم تُكرَّر بعض العبارات مرة أخرى.

والتمثيلات إنما تُساق لتقريب الحقائق البعيدة إلى الأذهان، فهي بمنزلة المنظار الذي يقرّب المعاني المعنوية إلى الفهم والإدراك. والبئر المذكور في «الكلمة الثامنة» يرمز إلى الحياة الدنيا المحدودة، التي يبلغ متوسطها نحو ستين سنة.

أما «الأسد» فهو رمز للأجل، وفرار الأخوين منه إشارة إلى استمرار الإنسان في التمسك بالحياة والسعي للبقاء إلى أن يأتيه الموت المحتوم. فالحياة الإنسانية تشبه نهرًا يبدأ منذ الولادة ويمضي بصاحبه حتى يبلغ نهايته.

وللهروب هنا معنى آخر كذلك، وهو التعبير عن الفطرة الإنسانية التي جُبلت على حب الحياة والخوف من الموت.

ولهذا فإن كراهية بعض الصالحين والعظماء للموت لم تكن ناشئة عن التعلق بالدنيا، وإنما لأن الموت يقطع عليهم الاستزادة من العبادة والطاعة. ومن هذا الباب ما ورد في شأن نبي الله موسى عليه السلام حين لطم ملك الموت، أي تعبيرًا عن شدة تعلقه بمقام العبودية والرغبة في مزيد من الطاعة والقرب من الله تعالى.

 


99-) إذا كان الأستاذ يقول إن باب الاجتهاد قد أُغلق، فهل يعني ذلك أننا لن نستخرج من القرآن معاني جديدة؟ ألا يُلقي هذا بظلال من الشك على عالمية القرآن وشموله لكل زمان ومكان؟

أولًا:
إن الأستاذ لا يقول إن باب الاجتهاد قد أُغلق، وإنما يقول:
« باب الاجتهاد مفتوح، إلاّ أنّ هناك ستةَ موانع في هذا الزمان تحُول دون الدخول فيه.»(الكلمة السابعة والعشرون)
وهذا هو نص عبارته.

ثانيًا:
إن الاجتهاد الذي تحول هذه الموانع دون ممارسته هو الاجتهاد الفقهي العملي والمذهبي.

أما فهم الأدلة الباهرة في القرآن الكريم، واكتشافها، وإظهارها، واستنباط معانيه الدقيقة واللطيفة، وشرحها وبيانها، فبابه مفتوح دائمًا.

ورسائل النور خير مثال على ذلك، وأوضح دليل عليه.

فالتدبر في آيات القرآن، والسعي إلى فهمها، والبحث عن معانيها الجميلة والعذبة، لا يدخل في دائرة الاجتهاد الفقهي العملي، حتى يُقال إن هذا الباب قد مُنع الناس من دخوله.

ثالثًا:
إن نحو تسعين بالمائة من القرآن الكريم يتناول الأحكام والمحكمات الواضحة الثابتة، وهي أصلًا ليست مجالًا للاجتهاد المذهبي.

أما الاجتهاد المقصود هنا، فإنه يتعلق بالعشرة بالمائة الباقية من النصوص التي تحتمل الاجتهاد.

وقد وُضعت في عصر السعادة(العصور الثلاثة الأولى) اجتهادات واسعة في هذه المسائل تكفي حاجات جميع العصور.

فعلى سبيل المثال، لم يظهر إلى يومنا هذا مذهب جديد تجاوز مذهب الإمام أبو حنيفة الحنفي أو حلّ محله.

فالمذهب الحنفي، إلى جانب المذاهب الثلاثة الصحيحة الأخرى، قد عالج - بوجه عام - مشكلات الناس وأحكامهم.

ولا شك أنه قد تستجد في كل عصر بعض المسائل الجزئية الخاصة، ولكن القول بأن المذاهب الأربعة لم تعد تكفي هذا العصر، أو أصبحت عاجزة عن معالجة قضاياه بصورة عامة، لا ينسجم مع الإنصاف.

رابعًا:
إن الموانع الستة التي ذكرها الأستاذ، إذا زالت، وتوفرت بيئة مناسبة وخصبة، فإنه يمكن عندئذٍ أن تبرز اجتهادات جديدة.

أما في هذا العصر الذي أصبح فيه وجود الله تعالى نفسه موضع نقاش عند التيارات المادية، فإن فتح باب الجدل حول المسائل العملية التي تمثل نسبة يسيرة من الدين، يُعد بالفعل ضربًا من قلة البصيرة.


 


100-) يُذكر أن الملائكة والأرواح تنزل إلى الأرض. فمن هم هؤلاء، وكيف ينبغي أن نفهم كيفية نزولهم؟

الأرض، كما السماء، مملوءة بالملائكة. فمع كل شجرة جديدة تُغرس، وكل زهرة جديدة تتفتح، يُخلق مَلَك جديد موكَّل بها.

ويصف الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الموت بأنه «إطلاق الروح»، أي تحررها وانطلاقها،
ويقول في إحدى رسائله عن الموت:

 «... ولكن الإيمان يُري أن تلك الثمرة ليست جنازة، بل هي انطلاق لروحي المرشّحة للأبد من وكرها القديم لتسرح في النجوم..»( المقام الثاني من الكلمة السابعة عشرة )

إن أرواح المؤمنين الذين انتقلوا من الدنيا بالإيمان ولم يتعرضوا لعذاب القبر تستطيع أن تجول بين النجوم، وأن تلتقي في عالم البرزخ بكثير من أحبابها وأصدقائها. وهذه الأرواح السامية الحرة تنزل إلى الأرض في أوقات معينة، ولا سيما يوم الجمعة، ويوم عرفة، وأيام الأعياد. أما كيفية هذا النزول فلا نعلمها. غير أن في أرواحنا خصائص كثيرة تصلح أن تكون دليلاً على إمكان ذلك.

وإن قول أستاذنا: «إن عقل كل إنسان وخياله ونظره يتجه دائماً إلى السماء» يفتح لنا آفاقاً لفهم هذه المسألة.

فعلى سبيل المثال، بما أن أعيننا مادية فإنها تبقى في مكانها، أما خاصية الإبصار في الروح فتستطيع في لحظة واحدة أن ترتفع إلى السماء، وتصل إلى الشمس، وتجول بين النجوم. ومن السهل على كل عقل مستقيم أن يقبل أن الروح المتحررة من قيود الجسد تستطيع القيام بهذا الأمر بنفسها وبمنتهى اليسر. لكن الإنسان الذي لا يعرف حقيقة ماهية روحه لا يستطيع أن يدرك كيفية هذه الذهابات والإيابات ولا حقيقتها.