Most Read in the Category of اسئلة رسائل النور

1-) الفرق بين "السؤال" و"الدعاء" في الكلمة السابعة 

معنى السؤال والدعاء:

"السؤال" يعني: الطلب، الرجاء، والبحث عن شيء. ومن هذه الناحية فهو مشابه في المعنى للدعاء، لأن جوهر السؤال هو طلب العون وطلب شيء من أحد.
  مثال على ذلك:
  جوع المعدة واحتياجها الشديد للطعام هو نوع من السؤال،
  وإرسال الله لهذا الطعام هو جواب لهذا السؤال.

- الفرق في المعنى الدقيق:

" السؤال " يميل إلى أن يكون " طلبًا فطريًا أو فعليًا "، يظهر من حاجة أو حالة.
 أما  " الدعاء" فهو طلب لفظي أو قلبي مباشر إلى الله ، يصحبه توجه وإلحاح معنوي.

الإنسان والسؤال والدعاء:

الإنسان كائن ضعيف وعاجز جدًا، لا يستطيع إنجاز شيء بذاته،
  ورأسماله الوحيد هو الإرادة الجزئية ،
  وهي عاجزة عن الخلق أو التنفيذ بذاتها.
  فالله خلق الإنسان بهذه الصورة ليكون مرآةً لأسماء الله وصفاته.

 الإنسان بفقره وضعفه يتجه إلى الله الغني القادر، فيطلب منه كل شيء.
  كما أنه بحاجته لرغيف الخبز، محتاج للشمس والهواء والماء من أجل نشوء هذا الرغيف،
  وهذا الاحتياج يجعله يشعر بوجود الله ووحدانيته،
  ويقوده إلى العبادة والتوجه إليه بالدعاء والسؤال.

 الإنسان مرآة لأسماء الله:

 خُلق الإنسان بقدرة عظيمة على التوجه بالدعاء وطلب الحاجات،
  فصار أوسع الكائنات استعدادًا ليكون مرآة لتجليات أسماء الله وصفاته.

 بهذا الاستعداد، يستطيع أن يقرأ معاني أسماء الله، ويفهم آثارها في الكون،
  ويُصبح مخاطبًا لله على وجه واسع.
  في نظر الإنسان، الكون كله يتحول إلى مائدة أو كتاب مفتوح.

 وكل شعور في الإنسان هو نافذة مفتوحة على مائدة الكون ليستفيد منها،
  فمثلاً:
  العين تستفيد من الأشياء المرئية،
  والعقل والخيال يمتدان ليشمل تفكيرهما الماضي والمستقبل.


 


2-) ما الحكمة من قول "بسم الله" عند الأعمال البسيطة

البسملة لا تعني فقط الاعتماد على الله والثقة به، بل تتضمن أيضًا معاني الشكر والذكر والتفكر، وهي كلها من وظائف العبودية. ولهذا، عندما يذكر الإنسان بسم الله في كل لحظة من لحظاته، فإنه يكون قد قام بعدة عبادات دفعة واحدة.

ثم إن تناول الطعام ليس بالأمر البسيط كما يُظن. فإذا تأملنا جيدًا، فإن مجرد حركة بسيطة من الذراع تحتاج إلى عمل منظم ومعقد تقوم به العظام والعضلات والخلايا، بالإضافة إلى أن كل الجسم يتفاعل معها، والجسم نفسه على ارتباط شامل بالكون كله ليؤدي وظيفته.

كما قيل:(  المسمار ينقذ الحدوة والحدوة تنقذ الحصان والحصان ينقذ الفارس والفارس ينقذ أمة)
وهذا المثل ينطبق أيضًا على حركاتنا التي نراها بسيطة.

فعلى سبيل المثال: حتى يرى الإنسان شيئًا بعينه، يجب أن يعمل النظام الشمسي بأكمله بتناسق؛ لأن الرؤية لا تتم من دون ضوء الشمس. إذن، النظر ليس فعلًا بسيطًا، بل يعتمد على قدرة الله المطلقة وإرادته الشاملة...

الخلاصة:
حتى أبسط الأفعال في ظاهرها، مثل الأكل أو النظر، ما هي إلا نتائج لتسخير كوني دقيق، وعندما يبدأ العبد ببسم الله في كل عمل، فإنه يعترف ضِمنًا بهذا التسخير الإلهي ويؤدي شكرًا وعبادة لله عز وجل.


3-) هل المسلم لا يعمل في أمور الدنيا؟ هل يقضي عمره كله في العبادة فقط؟

العبادات الأساسية مثل الصلاة والصيام، هي بمثابة الخميرة والأساس لحياة مستقيمة ومتزنة للمؤمن. ولكن الحياة التعبدية لا تقتصر فقط على هذه العبادات الظاهرة.

فالنظر إلى الأشياء بمعناها الإشاري (الرباني)، أي النظر إليها من جهة علاقتها بالله، هو عبادة.
وكذلك، كل عمل أو جهد يُبذل بنية طلب رضا الله يُعتبر عبادة أيضًا.
ومن هذا المنظور، لا يوجد انفصال بين الدنيا والآخرة:

  • فالصلاة التي تُؤدّى رياءً لا تُعد عملًا أخرويًا،
  • كما أن دراسة الفيزياء أو الكيمياء بنية طلب مرضاة الله ليست من أعمال الدنيا فقط، بل تُعتبر عبادة.

وقد ورد في "الكلمة الرابعة" من رسائل النور:
" وفوق ذلك فإن سائر أعمال المصلي الدنيوية المباحة ستكون له بمثابة عبادة لله، وذلك بالنية الصالحة"(1).

فكل ما يُفعل لنُصرة اسم الله ورفع شأنه يُعد عبادة.
فإذا كان للمرء قدرة وطاقة، وسخّرها في خدمة الإسلام والمسلمين، وسعى ليلًا ونهارًا، فإن كل ذلك يُحسب له من العبادة.

ويقول الأستاذ بديع الزمان النورسي في هذا المعنى عبارة مختصرة جامعة:
" الذي يقيم الصلاة دون أن ينسى نصيبَه من الرزق، يبحث عنه في مطبخ رحمة الرزاق الكريم، لئلا يكون عالةً على الآخرين فجميل عملُه، بل هو رجولة وشهامة، وهو ضرب من العبادة أيضا "(2).

 

_______________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة
  2. كليات رسائل النور - الكلمة الخامسة

 

 


4-) في "الكلمة السادسة"، إلى ماذا تشير الرموز مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات  وهل يمكنكم إعطاؤنا معلومات عن وجهها الذي يخصّنا؟ الجواب:

يفسّر الأستاذ -رحمه الله- هذا التمثيل ويفتح معانيه في سياق الموضوع بقوله:
" وتلك المزرعة والمكائن والآلات والموازين هي ما تملكينه في الحياة الدنيا من جسم وروح وقلب، وما فيها من سمع وبصر وعقل وخيال، أي جميع الحواس الظاهرة والباطنة." (1)

فالرموز المذكورة في التمثيل مثل  المكائنَ والآلاتٍ والأسلحة والحيوانات، ترمز إلى اللطائف مثل العقل، والقلب، والوجدان، والمشاعر مثل المحبة، والخوف، والأعضاء مثل العين، والأذن.

والأصل أن تُستخدم هذه الأمانات في سبيل رضا الله، وأن يكون الإنسان خليفةً أمينًا في ذلك. أما استخدامها في الاتجاه المعاكس، فيُعد خيانةً للأمانة.

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السادسة ص:22.

 


5-) كيف نفهم استخدام صيغة الماضي في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ ...}

يقول الله تعالى في سورة الأعراف (172):
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ }

وقد فُسّرت هذه الآية الكريمة بوجه عام على أن الله تعالى خلق الأرواح في عالم "الذر" أو "الأرواح"، وأشهدها على ربوبيته، وأخذ منها الميثاق. وقال بعض المفسرين إن هذا الخطاب يتوجه بشكل دائم إلى الأجنة في أرحام أمهاتهم، ويُؤخذ منهم هذا العهد هناك.

وبناءً على هذه الآية وتفاسيرها، فإن من كان من المؤمنين قد وفى بهذا العهد، فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه.

قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النوسي :
" نعم، إن الصور الذي هو بوق إسرافيل عليه السلام، ليس قاصرا عن البوق العسكري، كما أن طاعةَ الأرواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بـ ﴿ قَالُوا بَلٰى ﴾ (الأعراف:١٧٢)
عندما سمعت نداء ﴿ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (الأعراف:١٧٢) المُقبل من أعماق الأزل، ونظامَها يفوق بلا شك أضعاف أضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم.. "(1)

فالله عز وجل، لأن علمه أزلي، يرى الماضي والحاضر والمستقبل كشيء واحد، أي أن الزمن لا يُقسَّم لديه إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل كل شيء مكشوف عنده في وقتٍ واحد. لذلك فإن صيَغ الزمن في القرآن الكريم لا تُفهم بالنسبة إلى الله، بل بالنسبة إلى الإنسان، فالإنسان هو المقيَّد بالزمن.

وبما أن الله يعلم أزلاً من سيبيع نفسه وماله في سبيله ويستحق الجنة، فإنه يُخاطب بصيغة الماضي، وكأن ذلك قد وقع فعلاً. أما نحن، بسبب وجودنا في "نفق الزمن"، فإننا ننظر إلى هذا الحدث على أنه مستقبلي، أي من الغيب.

خلاصة القول:
استخدام الله لصيغة الماضي في هذه الآية إشارة إلى أزلية علمه، وأن ما سيكون، هو عنده بمنزلة ما كان.

 

____________
(1)  كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة ص:121.

 

 


6-) علاقة الإيمان بالغيب وكون الإيمان فيه الشعور بالأمان

التفسير ينقسم إلى قسمين: تفسير لفظي وتفسير إشاري.
في التفسير اللفظي، يتم التركيز على الشكل اللفظي للآية ومعانيها المباشرة.
أما في التفسير الإشاري، فيُسلَّط الضوء على المعاني العميقة والدقيقة التي لا يفهمها الجميع، ولهذا قد يبدو أحيانًا أن هذه التفسيرات بعيدة عن ظاهر الآية. ولكن في الحقيقة، هناك علاقة لطيفة ونورانية تربط بينهما.

قال تعالى:{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}(البقرة:3)
أي: "أولئك المتقون الذين يؤمنون بالله وما أخبر به، رغم أنهم لا يرونه."

في "الكلمة الثانية"، يتم بإيجاز عقد مقارنة بين نظرة المؤمنين و نظرة الكافرين إلى الحياة. ويُبيَّن أن الحياة في الجنة يمكن للإنسان أن يذوقها في الدنيا، من خلال الإيمان بالغيب.

كذلك، فإن أبرز وأوضح معنى في "الكلمة الثانية" هو تأثير الإيمان بالغيب في حياة الإنسان، وما يمنحه له من سعادة وطمأنينة.
ولذلك، هناك علاقة وثيقة جدًا بين الآية :{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} التي في بداية "الكلمة الثانية" ومحتواها.


7-) في "الكلمة الرابعة"، وردت عبارات مثل "بُعد شهرين، و بُعد يوم واحد"، فما معنى هذه المفاهيم؟ وكم تكون مدة عالم البرزخ بحسب ذلك؟

ما يُعرف بـ عالم البرزخ، أي حياة القبر، ينتهي عند قيام الساعة وبدء البعث الثاني.

بعد ذلك تأتي مراحل: المحشر، الصراط، الجنة، والنار، وهذه المراحل قد تطول أو تقصر تبعًا لأعمال كل إنسان. فبحسب العمل، تكون الرحلة إما طويلة أو قصيرة.

العبارة التي استخدمها الأستاذ النورسي – " بُعد شهرين" – تشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي بالجنة أو النار. وفي هذه الرحلة الطويلة، تُعد الحياة الدنيا أقصر مراحلها، وهي – في المتوسط – لا تتجاوز ستين سنة.

عندما يقول الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا مجازيًا يُبرز أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تُعدّ إلا كأنها يوم واحد في سياق الرحلة الأبدية. فلا يُفهم من كلامه أن "تبقى شهرًا بعد يوم"، بل المقصود هو النسبة بين قِصر الدنيا وطول الآخرة.

وبالتالي، فإن حياة البرزخ (القبر)، ويوم الحساب (المحشر)، ومرحلة الصراط، يمكن أن تُختصر وتُخفف عن الإنسان بفضل الصلاة، التي هي من أعظم الوسائل لذلك.

 

 

 


8-) في "الكلمة الرابعة"، لماذا استُخدمت تعبيرات زمنية مثل "شهران (للمزرعة)" و**"يوم واحد (للمحطة)"**؟ لماذا لم يُقل مثلًا "يومان" بدلًا من "يوم"، أو "أربعة أشهر" بدلًا من "شهرين"؟

في العبارة:" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "(1)  يُشار إلى أن العمر كله يُقدّر بيوم واحد، بينما المسافة إلى المزرعة الجميلة (أي الجنة) تُقدَّر بشهرين.

الفرق الزمني بين "يوم" و"شهرين" يُمثّل جميع المراحل التي تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، مثل: القبر، المحشر، الموقف، الميزان، والصراط.

المقصود الأساسي من هذا التصوير الزمني ليس تحديد مدة دقيقة، بل التنبيه إلى أن الحياة الدنيا قصيرة جدًا مقارنة بالحياة الأبدية، وأن الإنسان يجب أن يستعد لتلك الرحلة الطويلة.

ولو قيل "أربعة أشهر" بدلاً من "شهرين"، لكان من الممكن أن يُسأل: ولماذا لم تُقل "ثمانية"؟ وهذا لا نهاية له. فمثل هذه التعابير لا ينبغي التوقف عند الأرقام نفسها، بل ينبغي التأمل في المعنى الذي تشير إليه تلك الأرقام.

___________

  1. كليات رسائل النور- الكلمة الرابعة.

 

 


9-) هل يمكنكم شرح العبارة التالية: " فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"

هل يمكنكم شرح العبارة التالية:
" فسيدُنا كريم رحيم، لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوُه عما بدَر منك من تقصير"
الجواب:

هذه العبارة التي قالها الأستاذ النورسي (رحمه الله)، تُشير إلى رجاء العبد في رحمة الله ومغفرته، وأن الله تعالى كريمٌ وغفورٌ، وقد يعفو عن عبده ويغفر له ما اقترف من الذنوب، خاصة إن أقبل العبد على الصلاة والتوبة.
العبارة تعني باختصار:
"سيدُنا – أي الله تعالى – كريم، وقد يعفو برحمته عن ذنبك، فلا تيأس من رحمته".
هذه الفكرة مستندة إلى عدة أحاديث نبوية تُبيّن أن الصلاة من أعظم الأسباب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.
بعض الأحاديث التي تدعم هذا المعنى:
- عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إن المسلم إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه ، كما تحات هذا الورق ، ثم تلا هذه الآية:{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}(هود:114) .]

- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا ]
- وفي حديث آخر عنه أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم:[ ألا أدلُّكُم على ما يَمحو اللَّهُ بهِ الذُّنوبَ ويرفعُ الدَّرجاتِ قالوا بلى يا رسولَ اللَّهِ قال إِسباغُ الوضوءِ على المَكارِه وَكثرةُ الخُطا إلى المسجِدِ وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ فذلِكَ الرِّباطُ ثلاثَ مرَّاتٍ]
- وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ ما من امرئٍ مسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبةٌ ، فيُحسِنُ وَ ضوءَها و خشوعَها و ركوعَها ، إلا كانت كفارةً لما قبلَها من الذنوبِ ، ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ ، و ذلك الدَّهرَ كلَّه ]

النتيجة:
العبارة التي قالها الأستاذ النورسي تُظهر رجاء العبد في كرم الله ومغفرته، وتدلّ على أن العبد لا ينبغي له أن يقنط من رحمة الله، بل عليه أن يُقبل على الصلاة والطاعة، فإن الله كريمٌ رحيمٌ، ويغفر الذنوب لمن تاب وأناب. والله غفور رحيم.

 


 


10-) " إقامة الصلاة واجتناب الكبائر وظيفة حقيقية تليق بالإنسان ونتيجة فطرية ملائمة مع خلقته!" وفقًا لهذا التعبير، هل تُعدّ أمور الدنيا مهامًا غير حقيقية؟

لقد خُلق الإنسان في هذه الدنيا من أجل الإيمان، والمعرفة، والعبادة؛ لذا لا ينبغي له أن يُهمل وظيفته الأساسية، ولا أن يتخذ الدنيا غاية له. فأمور الدنيا تكون خيّرة ما دامت في سبيل الآخرة، أما إن لم تكن كذلك، فهي تُعدّ تَرْكًا للوظيفة الحقيقية. ويجب ألا ننسى أن مشاغل الدنيا مؤقتة وزائلة. فلو شاء الله، لأغدق علينا نعمه دون وسائط أو أسباب.

فإن كانت أمور الدنيا تُنسي الإنسان عبوديته لله، فإنها تصبح عدوًا له. أما إن لم تكن تشكّل عائقًا أمام أداء العبودية، فإن كل هذه الأمور تُعتبر عبادة ويُكتب أجرها في ميزان الآخرة.

فمثلًا، إذا كان عامل البناء يُؤدي صلواته في وقتها أثناء عمله اليومي، فإن جهده وعمله في البناء يُعدّ عبادة ويُكتب له في حساب الآخرة.

الإسلام يحثّ على العمل كي لا يكون الإنسان عالة على غيره، ويشجع على الغنى لأداء الزكاة. لذا يجب أداء واجب العبودية جنبًا إلى جنب مع الانشغال بأمور الدنيا. فلا ينبغي أن نُهمِل الآخرة من أجل الدنيا، ولا أن نترك الدنيا والسعي فيها. فإذا أُهمِلَت العبادات وتُركت وظيفة العبودية، فإن الانشغال وحده بأمور الدنيا لا يُعدّ عبادة.

نتيجة الخَلْق تعني غاية الخلق، وسببه، وهدفه. فمثلًا، نتيجة خلق الشمس هي أن تمنح الحرارة والنور لهذا العالم الذي يُعبد فيه الله. ونتيجة خلق النحلة هي صنع العسل في هذا العالم المخصص للعبادة. لأن العبادة إذا انقطعت كليًا، ستقوم الساعة وتنتهي مهام هذه المخلوقات أيضًا.

فجميع المخلوقات، الحية وغير الحية، لها غاية من خلقها ونتيجة من وجودها.

قال الله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }(الذاريات: 56)

بهذا الأمر الإلهي، بيّن ربّنا سبب خلق الجنّ والإنس.

فكما أن نتيجة خلق الغيوم هي المطر، ونتيجة خلق دودة القز هي الحرير، ونتيجة خلق الأشجار هي الثمار، فإن نتيجة خلق الإنسان هي: الإيمان، والمعرفة، والعبادة، والدعاء، والذكر، والتفكر.

 

 


11-) شرح قول الاستاذ: " ستدعو بالويل والثبور دائما، وستئنّ من صدمة الفراق والزوال ووطأة تكاليف الحياة التي أرهقتَ بها كاهلَك الـضعيف مع أنّ فقرَك قائم وعجزَك دائم "

من لا يتوكل على الله تعالى، يُجبر على أن يحمل أعباء هذه الحياة الثقيلة على ظهره الضعيف، مع ضعفه وفقره، فيظل دائم الشكوى والأنين.

وقد شرح أستاذنا هذه المسألة في "الكلمة الثالثة والعشرون" من "الكلمات" بمثال جميل، قال فيه:
" إن مَثلَ المتوكلِ على اللّٰه وغيرَ المتوكل كَمثَلِ رجلَين قاما بحمل أعباءٍ ثقيلةٍ حُمّلتْ على رأسيهما وعاتقهما، فقطعا التذاكر وصعدا سفينةً عظيمةً، فوضعَ أحدهُما ما على كاهِله حالما دخل السفينةَ وجلسَ عليه يرقُبُه، أما الآخرُ فلم يفعل مثلَه لحماقته وغروره، فقيل له: "ضَعْ عنك حملكَ الثقيل لترتاح من عنائك؟". فقال: "كلا، إني لست فاعلا ذاك مخافةَ الضياع، فأنا على قوةٍ لا أعبأ بحملي، وسأحتفظ بما أملُكه فوقَ رأسي وعلى ظهري".

فقيل له ثانية: "ولكن أيها الأخ إنّ هذه السفينةَ السلطانية الأمينةَ التي تأوينا وتجري بنا هي أقوى وأصلبُ عودا منا جميعا. وبإمكانها الحفاظُ علينا وعلى أمتعتنا أكثرَ مِن أنفسنا، فربما يُغمَى عليك فتهوي بنفسِك وأمتعتك في البحر، فضلا عن أنك تفقِد قوتَك رويدا رويدا، فكاهلُك الهزيل هذا وهامتُك الخرقاء هذه لن يَسَعهما بعدُ حملُ هذه الأعباء التي تتزايد رَهَقا، وإذا رآك ربّانُ السفينة على هذه الحالة فسيظنُّك مصابا بمسٍّ من الجنون وفاقدا للوعي، فيطرُدُك ويقذِفُ بكَ خارجا، أو يأمرُ بإلقاء القبضِ عليك ويُودِعك السجن قائلا: إن هذا خائن يتّهم سفينَتَنا ويستهزئُ بنا، وستُصبح أضحوكةً للناس، لأنك بإظهارك التكبّر الذي يُخفي ضعفا -كما يراه أهلُ البصائر- وبغرورِك الذي يحمل عَجزا، وبتصنّعك الذي يُبطن رياءً وذلة، قد جعلتَ من نفسك أضحوكةً ومهزلةً. ألا ترى أن الكل باتوا يضحكون منك ويستصغرونك..!"

وبعد ما سمع كلَّ هذا الكلام عاد ذلك المسكينُ إلى صوابه فوضع حِملَه على أرضِ السفينة وجلسَ عليه وقال: "الحمد للّٰه.. ليرضَ اللّٰه عنك كل الرضا فلقد أنقذتَني من التعب والهوان ومن السجن والسخرية".

فيا أيها الإنسانُ البعيدُ عن التوكل! ارجعْ إلى صوابك وعُد إلى رُشدك كهذا الرجل وتوكّل على اللّٰه لتتخلص من الحاجة والتسـوّل من الكائنات، ولتنجوَ من الارتعاد والهلع أمام الحادثات، ولتنقذَ نفسَك من الرياء والاستهزاء ومن الشقاء الأبدي ومن أغلال مضايقات الدنيا."
 

 

______________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة والعشرون ص:353

 

 


12-) في "الكلمة الخامسة"؛ هل المقصود بـ "الكبائر" في عبارة "إقامة الصلاة واجتناب الكبائر " هو "السبع الموبقات" فقط؟

نظرًا لعدم ذكر عبارة "السبع الموبقات" تحديدًا في هذا الموضع، فإن تفسير العبارة لتشمل جميع الكبائر يكون أقرب إلى الصواب. إذ أن هناك كثيرًا من الذنوب الكبيرة غير محصورة في السبع الموبقات فقط.

وقد بيّن أستاذنا النورسي رحمه الله معنى الكبائر (الكبائر السبع) على النحو التالي:

" وتسألون أيضا في رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة الرحم) والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين. "(1)

وقد قال أستاذنا النورسي أيضًا: في هذا الزمان الذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله.
وهذا تشخيص واقعي تمامًا يتوافق مع ظروف هذا العصر الخطير. فمن يبتعد عن السبع الكبائر، ويؤدي ما فرضه الله عليه، فإننا نرجو أن يحافظ على إيمانه، إن شاء الله.

وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

{ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا }(النساء: 31)

 

_____________
(1) كليات رسائل النور- ملحق  بارلا(ص:82).

 

 


13-) ما هي البسملة

أفضل من فسّر البسملة بأسلوب شامل وعميق هو أستاذنا بدیع الزمان النورسي في "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة – المقام الثاني". فإذا تأملنا هذه الرسائل بعناية، نُدرك بإذن الله عمق ومعنى البسملة.
البسملة تعني: أن يبدأ المؤمن كل عملٍ باسم الله، لأنها تعني التحرك باسم الله. ولهذا السبب، بدأ الله كتابه الكريم بهذه الآية المباركة، ليُعلِّم الإنسان هذا المعنى العظيم.
فالبسملة هي رابطة مقدسة بين العبد وربه، ومن خلال هذه الرابطة، يستمد الإنسان قوة لا نهائية من قدرة الله ورحمته.
كلمة "بسم الله" هي رمز يُشير إلى يد الله التي تدير وتُصرّف كل ما في الوجود. أي أن زمام كل شيء وتصرّفه بيده سبحانه. وكل الأسباب ليست سوى ستائر وحجج ظاهرية خلفها الفعل الإلهي. فإذا فهمنا هذا المعنى وارتبطنا بالله إيمانيًا، نرتاح من أثقال الوجود ونشعر براحة روحية عظيمة.
لكن، إذا نسبنا الأحداث إلى الأسباب وظننا أنفسنا خارج تدبير الله وتربيته، فعندئذ تصبح كل الأمور عبئًا على ظهورنا، وتتحوّل الأحداث إلى مصدر ضغط نفسي، وتصبح الحياة كأنها سجن ومصدر ألم.
فالوجود يعلن بلغة الحال أنه تحت تصرف وإرادة الله. ونحن يجب أن ننسجم مع هذا النداء الكوني بالإيمان والانتماء، وإلا نكون قد تحركنا عكس تيار الكون.
قدرة الله وبركته تعمل في الكون سواء آمنا أو لم نؤمن، لكن المهم هو أن نُدرك ونعترف بهذه القدرة الإلهية بالإيمان.
وعندما نُدرك معنى "بسم الله" عن طريق الإيمان، تتحول إلى قوة روحية وبركة لنا. فنكون قد انسجمنا مع الحقيقة، ونحصل على تسهيل مادي ومعنوي في كل أمورنا.
وقد روي [ أوحى الله تعالى إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك]
فتأخذ الكائنات وضعها وسلوكها بحسب حالتنا الروحية. فالنار أصبحت بردًا وسلامًا على إبراهيم عليه السلام، والحوت أصبح وسيلة نجاة ليونس عليه السلام، والبقرة والنحلة مسخرتان لخدمة الإنسان، وهذه أمثلة على ذلك...
 


14-) شرح قول الاستاذ: " الآن نحن في ساعة طرب " في الكلمة السابعة

عبارة "نحن في ساعة طرب وانس ومتعة" تُعبّر عن **فكرة اللهو والمرح والتمتع، وهي تمثّل ذهنية تقول:

 "الإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة، وهذه الفرصة لن تتكرر، فاستمتع بحياتك واغتنم كل لحظة."

وهذه النظرة تُشبه عقلية الحيوان الذي يأكل ويشرب ويلهو فقط، وهي ناتجة عن:

- الجهل بغاية الخلق،
- عدم القيام بوظيفة العبودية،
- التغافل عن الضعف والفقر الذاتي،
- الانقياد وراء الأهواء والشهوات.

لكن الحقيقة، كما يُبينها بديع الزمان، أن هذه الدنيا ليست دار لهو ومرح.

" فالإنسان إذن لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادةَ حياةٍ أبدية دائمة بما يُسّر له من سبُل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فإذا انعدم المرضُ، وقع الإنسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوةً خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيان الآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأسَ مال عمره الثمين هباءً منثوراً .."(1)
______________
(1) كليات رسائل النور-اللمعة الخامسة والعشرون  ص:317

 

 


 


15-) شرح قول الاستاذ: وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين....

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله:

" كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد. ولم يكن ليفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، حيث إنه أدرك يقينا أن إعاشتَه ورعايةَ شؤونه وتزويدَه بالعتاد، بل حتى مداواته إذا تمرض، بل حتى وضع اللقمة -إذا احتاج الأمر- في فمه، إنما هو من واجب الدولة. وأما واجبُه الأساس فهو التدّرب على أمور الجهاد ليس إلّا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين، وحتى في هذه الأثناء لو سُئل: «ماذا تفعل؟» لقال: «إنما أقوم ببعض واجبات الدولة تطوّعا»، ولا يجيب: «إنني أسعى لأجل كسب لوازم العيش » "(1)

التفسير:

في هذا التمثيل، يشير الطهي وغسل المواعين إلى سعي الإنسان في طلب الرزق والعمل لكسب المعاش.

وكما أن رزق الجندي ومؤونته مضمونة من قبل الدولة، فإن رزق الإنسان في هذه "الثكنة الدنيوية" هو من ضمان الله سبحانه وتعالى. لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يقلق بشأن رزقه.

فلو أن جنديًا فقد الثقة بدولته، وانشغل بالقلق على قوته، وترك تدريبه وجهاده، بل وراح يتسوّل، فهل يكون عاقلاً؟ لا، بل يتهم الدولة ضمنًا بالتقصير.

وبالمثل، فإن الإنسان إذا ترك عبادته واهتمامه بآخرته، وركز فقط على تحصيل الرزق الدنيوي، فهو بذلك يتهم ربه ويتطاول على القدر – والعياذ بالله.

تقسيم الوظائف في هذا المثال:

في هذا التمثيل، يُبيّن الأستاذ أن للجندي وظيفتين:

  1. الوظيفة التي تخص الحاكم أو الدولة: وهي تأمين معيشة الجندي، من طعام ولباس وسلاح.
    • ويمكن أن تُكلِّف الدولة الجندي بأعمال بسيطة من ضمن هذه الأمور، مثل تنظيف الأواني أو تجهيز الطعام، لكنها تبقى ليست من صلب وظيفته.
    • لذا فإنها تُعتبر "أعمالًا إضافية" (تطوعية) أي بلا مقابل مباشر، ومجرد تكليف لخدمة عامة.
  2. الوظيفة التي تخص الجندي نفسه: وهي التدريب والجهاد، أي القيام بمهمته الأصلية في حماية الدين والوطن.

ولهذا يقول النورسي: " مثلُك كمثل نفرِ عسكرٍ له وظيفة أصلية هي التعليم المخصوص، والحرب والجهاد، والسلطان مُعينُه في هذه الوظيفة بإحضارلوازماتها، ولسلطانه وظيفةٌ مخصوصة هي إعطاء أرزاق ذلك النفر وتعييناته ولباسه حتى دوائه.... فالنفر المشتغل بالتجارة لتَدارُك رزقه جاهلٌ شقيّ يُزيَّف ويؤدّب.. والتارك للتعليم والجهاد خائن عصيّ يُضرَب ويُعنَّف "(2)


_____________
(1) كليات رسائل النور- الكلمة الخامسة ص:18.
(2) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري - شما ص:372.

 

 


16-) ما هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله "الكلمة الثانية"؟

"الكلمة الثانية" تتناول بشكل عام مقارنة بين نظرة المؤمنين ونظرة المنكرين (الكافرين) إلى الكون والوقائع. أغلب أجزاء رسائل النور تدور حول هذا المحور.

كما تُعد "الكلمة الثانية" شرحًا وإثباتًا لإمكانية أن يعيش الإنسان حياة الجنة حتى في هذه الدنيا.

"إن كنتَ تريد أن تعرف مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع إلى هذه الحكاية القصيرة" (1)

فالمؤمن، بنور الإيمان، يفسّر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولذلك يرى كل شيء جميلًا ومباركًا.
أما الكافر، فينظر إلى كل شيء من خلال منظارالكفر، فينكر ويسيء الظن، ولذلك يرى كل شيء قبيحًا وتعيسًا. هذه هي خلاصة "الكلمة الثانية"، وقد تم شرح هذه المعاني في مواضع كثيرة من رسائل النور.

 

___________

(1) الكلمات، الكلمة الثانية


17-) جدول توضيحي للحكاية التمثيلية في الكلمة الثالثة

لكي نفهم الحقائق التي تُعرض في شكل تمثيلي، لا بد من فهم التمثيل نفسه بشكل جيد.
ولأجل فهم هذا التمثيل بشكل كامل، فإن إنشاء جدول مقارن يُعد وسيلة فعّالة.

وها نحن نعرض القصة التمثيلية في "الكلمة الثالثة" على شكل جدولين توضيحيين، كما يلي:

ما هي العبادة؟ أما الفسق والفجور فيؤديان إلى:
تجارة عظيمة السعادة      الخسران       الهلاك

 

الجدول المقارن لتمثيل القصة:

تسلَّم جنديان اثنان - ذات يوم - أمرا بالذهاب إلى مدينة بعيدة، فسافرا معا إلى أن وصلا مفرق طريقين

الطريق الأيمن الطريق الأيسر
لا ضرر فيه لا منفعة فيه
تسعة من كل عشرة يربحون ويستريحون تسعة من كل عشرة يخسرون
الطريقان متساويان الطريقان متساويان في الطول والقِصر
طريق منظم تحت النظام العسكري طريق فوضوي بلا قانون ولا نظام
لمسافر يحمل حقيبة وزنها أربع أوقيات المسافر يمشي بدون حقيبة
يحمل سلاحًا حكوميًا وزنه أوقيتان يمشي بلا سلاح
حمل ظاهري، لكن في الحقيقة راحة عظيمة راحة ظاهرية وخفة كاذبة
لا يخاف أحدًا، لا يستعطي من أحد،
ولا يرتجف من شيء
يرزح تحت مخاوف لا تنتهي، يستعطي الناس،
ويرتجف من كل شيء
ينال مكافأة عظيمة في نهاية الطريق يُعاقب كعاصٍ فارّ

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية:

المعنى الحقيقي الرمز
طريق الحياة؛ يبدأ من عالم الأرواح، يمر بالقبر، وينتهي بالآخرة الطريق
من يطيع أوامر الله ويسلك طريق العبادة        الذاهب في الطريق اليميني        
العاصي الذي يتبع شهواته وأهواءه الذاهب في الطريق اليساري
العبادة والتقوى الحقيبة والسلاح

 

 


18-) لماذا نبدأ الصلاة بالتكبير لا بالبسملة

في بعض العبادات والحالات، قد تأتي البسملة في المرتبة الثانية أو الثالثة، وهذا لا يناقض القاعدة القائلة: "بسم الله هي بداية كل خير". فهذه العبارة تُستخدم بمعناها العام والأغلب، وليست شرطًا يجب الالتزام به حرفيًا في كل مقام.

بدء الصلاة بالتكبير فرض. والتكبير، والتسبيح، والتحميد هي خلاصة وجوهر القرآن والصلاة. والبسملة تأتي ضمن هذا السياق.
فـنبدأ بالتكبير فدعاء الاستفتاح ، ثم تأتي البسملة، وبعدها أول آية من الفاتحة وبهذا يتحقق التناسق الكامل في افتتاح الصلاة.


19-) ما معنى الحقيبة والسلاح في "الكلمة الثالثة"؟ وكيف نفهم أن من يعتني بالتقوى يكون في أمان في عبادته؟

النظام العسكري المذكور في "الكلمة الثالثة" يرمز إلى الإسلام وشرائعه، وحب هذا النظام يعني الالتزام بأوامر الإسلام ونواهيه.

  • الحقيبة ترمز إلى العبادات
  • السلاح يرمز إلى الابتعاد عن الذنوب، أي التقوى

فالمؤمن إذا أدى عباداته في هذه الحياة الدنيا، وحافظ على نفسه من الذنوب، فإنه يُوفَّق إلى نيل السعادة الأبدية. وهذا يعني أنه يعيش في أمان واطمئنان في الدنيا والآخرة.

على سبيل المثال:
من يؤدي الصلاة، سيكون في قبره في نور وسعة بسببها، وسيشعر بالأمن والسكينة.
ويمكن أن نطبق هذا المعنى على بقية العبادات بنفس الطريقة.

  • الطريق المستقيم هو طريق الإسلام والقرآن.
  • المدينة التي يُسافر إليها، هي النهاية الحتمية للإنسان: إما الجنة أو النار.

فمن أتمّ وظيفته في الدنيا من عبادة وعبودية لله، فإنه يُستقبل في الآخرة استقبالًا كريمًا ويُكرم في مقامه.

أما الأمان من المنّة والخوف، فيعني أن المؤمن، أمام كل حادثة، يكون متوكلًا ومُسلمًا أمره لله، نابعًا من إيمانه.

أما المنكر (الملحد أو غير المؤمن)، فينظر إلى الكون على أنه لا معنى له، عبثي، تسيره الصدف العمياء، ولذلك يرى كل شيء من حوله عذابًا وضيقًا.

بينما المؤمن، يعلم أن كل شيء بتدبير الله وحكمته، وأن له معنى وفائدة، فيرى الأشياء جميلة ومليئة بالطمأنينة.

 

 


20-) الأستاذ النورسي يتحدث أحيانًا بلغة عسكرية. فكيف يمكننا أن نؤمن بالله من خلال هذه اللغة؟

قال الأستاذ النورسي رحمه الله:" أرى أن أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو ذلك الذي يتلقى الدنيا مضيفَ جندية ويذعن أنها هكذا، ويعمل وفق ذلك. فهو بهذا التلقي يتمكن من أن ينال أعظمَ مرتبة ويحظى بها بسرعة، تلك هي مرتبةُ رضى الله سبحانه، إذ لا يمنح قيمةَ الألماس الثمينة الباقية لقِطع زجاجية تافهة، بل يجعل حياتَه تمضي بهناء واستقامة."(1)

كما هو واضح هنا، فإن أسعد إنسان هو من يعتبر هذه الدنيا معسكرًا مؤقتًا، ويعتبر نفسه جنديًا فيه. وعندما نتحدث عن "الجندية"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو "الطاعة المطلقة للأوامر".

فكما أن لكل مخلوق وظيفة، فإن وظيفة الجندي الأساسية هي "التدريب والانضباط". وإذا انشغل الجندي بأعمال خارج مهمته الأساسية، فإنه يُهمِل وظيفته الحقيقية.

وكما أن الجندي مُلزَم بطاعة قوانين الجيش، فإن العبد أيضًا مُلزَم بطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.

وعندما يقول الجندي: "بندقيتي"، أو "حزامي"، فهو يقصد تمييز أدواته عن أدوات بقية الجنود، لكنها في الحقيقة ليست ملكًا له، بل هي أمانة مُعطاة له. فإن استخدم بندقيته في غير موضعها، أو أضاعها أو كسرها، يُعدّ خائنًا للأمانة ويُعاقب على ذلك. وعند تسريحه من الخدمة، يجب عليه أن يُسلّم جميع الأمانات المسجلة عليه.

وبالمثل، فإن كل الحواس والمواهب والأعضاء التي مُنحت للإنسان هي أمانات، ولا يحق له استخدامها كما يشاء.

 

____________
(1) كليات رسائل النور- المكتوب التاسع

 

 


21-) شرح قول الاستاذ: كان المُتقن واجبَه يهتم الاهتمام كلَّه بأوامر التدريب وشؤون الجهاد....

الموضوع الرئيس في "الكلمة الخامسة" هو أن شؤون الدنيا لا تُشكّل عائقًا أمام الصلاة والعبادة.

في التمثيل المذكور، ترمز حالة التعبئة العامة وساحة المعركة إلى هذه الحياة الدنيا التي نعيشها، والتي تتّسم بعدم الاستقرار، والاضطراب، والحزن، والفناء، حيث لا يستطيع أحد أن يحافظ على ما في يده.

أما الجيش، فيُشير إلى الحياة الاجتماعية.

ويمثل الجندي الحريص على أداء واجبه الإنسان المؤمن التقي، الذي يؤدي فرائضه ويتجنب المعاصي.

أما الجندي الجاهلُ بواجباته والمهمل، المتّبع لهواه ، فيُمثّل الإنسان الغارق في الدنيا، الذي نسي وظيفته الأصلية وانشغل فقط بلقمة العيش، متناسياً الآخرة.

التدريب (التعليم العسكري) يُشير إلى أداء العبادات المفروضة، وعلى رأسها الصلاة.
والجهاد يُمثّل الجهاد الأكبر، وهو مجاهدة النفس والشيطان.

أما الطعام والمؤونات (الإعاشة)، فهي ترمز إلى الرزق والنصيب الدنيوي، والذي هو من تقدير الله تعالى، وليس من مسؤولية العبد.
فالله عز وجل هو من تكفّل برزق عباده، وهو الذي يضمن لهم ما يقيم حياتهم.

ومن لا يتوكل على الله، ولا يرضى بما قسمه له، فهو في الحقيقة يعترض على القدر ويتهم ربه – والعياذ بالله.

وقد قال الأستاذ النورسي:" ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل "(1)

فالذي خلق الإنسان، والذي يرزقه من نعمه، والذي يشفيه إذا مرض، هو الله وحده.
أما وظيفة الإنسان الحقيقية فهي: العبودية لله.
فينبغي له أن يقوم بواجبه، ولا يتدخل في أمور تخص تدبير الله وتقديره.

 

___________
(1) كليات رسائل النور-  المثنوي النوري -حبة ص:228

 

 

 


22-) في بداية "الكلمة الرابعة"، يُستخدم وصف "أبله" (أي مجنون أو أحمق) للشخص الذي لا يُصلي. فما الذي ينبغي أن نفهمه من هذا التعبير؟

كلمة "أبله" تُطلق على الأشخاص الذين بلغ بهم السفه وانعدام التفكير السليم إلى درجة لا يستطيعون فيها التمييز بين ما هو ضار وما هو نافع لهم.

فعلى سبيل المثال، من يستبدل ألماسة تساوي مليارات الليرات بقطعة زجاج مكسورة ورخيصة، فهذا إنسان لا يعرف ما هو الخير أو النفع لنفسه، ومثل هذا الشخص يُعدّ أبلهاً (أي فاقدًا للعقل).

ومثال آخر:
"تخيّل موظفًا أُعطي 24 ليرة كمصاريف سفر لزيارة عدة مناطق، فأنفق 23 ليرة منها في أول منطقة دخلها. ماذا سيفعل في المناطق الأخرى؟ وماذا سيقول للحكومة عند عودته؟ هل يمكن لعاقل أن يصف هذا التصرف بأنه تصرف حكيم؟"

 

 

 


23-) شرح قول الاستاذ: " فالذي يترك صلاته لأجل هموم العيش مَثَـلُهُ كمثل ذلك الجندي الذي يترك تدريبَه وخندقَه ويتسوّل متسكعا في الأسواق. "

في هذا التشبيه، يُشبّه الشخص الذي يترك الصلاة (وهي أهم واجباته الدينية) بسبب انشغاله بطلب الرزق والمعيشة، بـ جندي في ساحة المعركة يترك تدريبه وموقعه الدفاعي في الخندق، ويذهب إلى السوق ليتسوّل!

  • وهذا التصرف من الجندي يعني فقدان الثقة في الدولة التي تكفّلت برزقه، وتجهيزه، ورعايته.
  • وبالمثل، من يترك الصلاة ويغرق في همّ المعيشة يكون قد سوء ظنّ بالله تعالى، وضعف توكّل، واتهم ربه ضمنًا بالتقصير في توفير الرزق.

 

أدلة من القرآن والسنة تؤكد وجوب التوكل ونبذ القلق على الرزق:

  1. من القرآن الكريم:
    { ... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ...} (الطلاق:2-3)
  2. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سبأ:39)
     

2. من السنة النبوية:

- حديث الطير والتوكل:

قال رسول الله ﷺ:[ لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ](الترمذي)
 

  • قصة الأخوين في زمن النبي ﷺ:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:[ كان أخوانِ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحدُهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يَحتَرِف، فَشَكَا الُمحتَرِف أَخَاه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعَلَّك تُرزَقُ بِهِ)] (الترمذي)

  • حديث الرزق يطلب العبد أكثر من الأجل:

قال ﷺ:[ إنَّ الرَّزقَ لَيطلُبُ العبدَ أكثرَ مما يطلبُه أجلُه](الطبراني)
 

  • حديث من جعل الآخرة همه:

قال النبي ﷺ:[  من كانت الدُّنيا همَّه ،فرَّق اللهُ عليه أمرَه ،وجعل فقرَه بين عينَيْه ،ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له ،ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه ،جمع اللهُ له أمرَه ،وجعل غناه في قلبِه ،وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ ](الترمذي)

خلاصة التمثيل:

  • الصلاة والعبادة هي الوظيفة الأساسية للعبد، كما أن التدريب والجهاد هي الوظيفة الأساسية للجندي.
  • التوكل على الله والثقة به هو أساس النجاح الدنيوي والأخروي.
  • القلق الزائد على الرزق، إذا أدى إلى تضييع الفرائض، كان ذلك علامة ضعف الإيمان والتوكل.

 

 


24-) ما هو تفسير قول الاستاذ  " الأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة ؟

يقول النص:
(فالأناني المغرور الذي كان متشائما لقي بلدا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءً وفاقا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة. فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكةُ كلُّها في نظره شكلَ دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجا لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعرَ بحاله، إذ صار كلُّ واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدوا يتربّص به، وأجنبيا يتنكّر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لِما يرى فيما حوله من جنائزَ مُرعبة ويتامى يبكون بكاءً يائسا مريرا.)(1)

التوضيح:

  • المؤمن ينظر إلى كل شيء بعين الإيمان، فيفسر كل شيء تفسيرًا حسنًا، ولهذا فإن كل ما يراه يبدو له جميلًا ومبشّرًا.
  • الكافر، على العكس، ينظر إلى كل شيء من خلال "منظّار الكفر"، فيرى كل ما في الوجود قبيحًا، مظلمًا، ومخيفًا. ولهذا فإن عالمه مليء بالتعاسة واليأس.

الخلاصة:

الرؤية السوداوية للعالم ليست ناتجة عن الواقع الخارجي، بل هي نتيجة زاوية النظر.
فالكافر المتشائم، لأنه لا يرى وراء الحياة أي معنى إلهي أو رحمة، يعيش في قلق دائم، يرى في الموت نهاية مرعبة، وفي الحياة عبثًا لا يُحتمل، وفي الناس أعداء، وفي الأحداث ظُلما.

بينما المؤمن، بنور الإيمان، يرى الموت بداية لا نهاية، ويرى في الناس إخوة، وفي الحياة امتحانًا فيه رحمة وحكمة، وفي الوجود كله تجليات لأسماء الله الحسنى.

 

___________

(1)  الكلمات – الكلمة الثانية من رسائل النور.

 

 

 


25-) جدول توضيحي للقصة التمثيلية الواردة في "الكلمة الثانية" ؟

كما هو الحال في هذه "الكلمة"، لفهم الحقائق المعروضة على شكل تمثيل، يجب أولاً فهم التمثيل بشكل جيد. وللوصول إلى فهم تام للتمثيل،

يمكننا تحويل القصة الواردة في "الكلمة الثانية" إلى جدول على النحو التالي:

ماذا يوجد في الإيمان؟
راحة لذة كبيرة نعمة سعادة عظيمة

 

الجدول المقارن للقصة التمثيلية
ما يراه الرجل المؤمن ما يراه الرجل الأناني
هناك فرح وبهجة عامة في كل مكان. الضعفاء المساكين يصرخون من ظلم الجبابرة.
هناك أماكن للذكر والتسبيح في كل مكان. البلاد تحوّلت إلى مأتم عام.
الجميع أصدقاء وأقارب بالنسبة له. الجميع أعداء وغرباء بالنسبة له.
لا توجد جنازات في الأفق. هناك جنازات مرعبة منتشرة في الأرجاء.
هناك فرحة التسريح والفرح بالدخول إلى الجندية مع أصوات الطبول والأناشيد والتكبير والتهليل. هناك أيتام يبكون بيأس.
سعيد ومسرور. ضميره يتعذب.

 

 

الجدول المقارن لمعاني القصة التمثيلية
نظرة المؤمن إلى الدنيا نظرة الكافر والفاسق إلى الدنيا
الدنيا دار ذكر لله الرحمن، ومعسكر تدريب للإنس والجن، ومدرسة للكائنات. الدنيا دار حزن ومأتم عام.
كل موت هو تسريح من الوظيفة، والذاهبون ينتقلون إلى عالم أجمل. كل الأصوات إما ذكر وتسبيح في بداية المهمة، أو شكر عند التسريح، أو أناشيد ناتجة عن الفرح بالعمل. الكائنات الحيّة يتامى باكون بسبب الفقد والموت.
كل الكائنات الحية جنود مكلفون، وموظفون راضون. البشر والحيوانات كائنات سائبة تمزقها يد الأجل.
جميع المخلوقات خدم مألوفون، وموظفون محبوبون، وكتب لطيفة من الله تعالى. المخلوقات العظيمة مثل الجبال والبحار كأنها جنازات مرعبة.
وأما هذه المشاهد فتمنحه لذة معنويّة. فمثل هذه المشاهد تؤلمه معنويًّا.

 

 


26-) هل المقصود بـ" الرجل الخير" المذكور في "الكلمة السابعة" هو بديع الزمان؟

في هذا الموضع استُخدم تعبير عام، وليس المقصود به شخصًا بعينه، بل يُمثّل شخصية معنوية.
وكل من يقوم بمهمة التبليغ والإرشاد يدخل ضمن هذا المفهوم.

ونحن نرى أن جميع الأنبياء في المقام الأول، ثم جميع المرشدين الذين يدلّون على الطريق المستقيم، مشمولون ضمن هذا التعبير.
 

 

 


27-) شرح قول الاستاذ:وأما الآخر فهو الفاسق الخاسر الذي يلهث وراء هموم العيش لحدّ اتهام الرزاق الحقيقي

إذا تذرّع شخص بهمّ المعيشة وطلب الرزق، وجعل ذلك سببًا لترك الصلاة وسائر العبادات الواجبة، فقد وقع في خسارة عظيمة.
فمثل هذا السلوك يتضمّن في باطنه اتهامًا لرحمة الله، وسوء ظنّ بربّه، وضعف توكّل، وقلقًا لا مبرر له بشأن الرزق الذي تكفّل به الله تعالى.

لزيادة البيان، من المفيد تأمل هذا المقطع من "اللمعة الثامنة والعشرين" من رسائل النور:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }(الذاريات:56-58)

ثم يشرح الأستاذ النورسي هذا المعنى فيقول:
" الوجه الثاني:
الإنسان مُغرمٌ بالرزق كثيراً، ويتوهم أن السعي إلى الرزق يمنعه عن العبودية، فلأجل دفع هذا التوهم، ولكي لا يُتخَذ ذريعةً لترك العبادة تقول الآية الكريمة: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وتحصر الغاية من الخلق في العبودية لله، وأن السعي إلى الرزق -من حيث الأمر الإلهي- عبوديةٌ لله أيضاً.

أما إحضارُ الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحتى رزقُ حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تُخلَقوا له، فكل ما يخص الرزق والإطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجّوا بهذا فتتركوا العبادة، فأنا الذي أُرسل رزقَ مَن يتعلق بكم من عبادي.."(1)

شواهد من القرآن والحديث:

في هذا السياق، ننقل آية كريمة وحديثًا شريفًا يدعمان المعنى:
{ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }(النور:37)

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ:[ مَنْ جَعَلَ الهَمَّ هَمًّا واحدًا كفاهُ اللهُ همَّ دُنياهُ، ومَنْ تشعَّبتْ به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديةِ الدُّنيا هلَكَ ] (2)

خلاصة المعنى:

  • من يجعل همّ المعيشة سببًا لترك الفرائض وارتكاب المعاصي، يكون قد خسر الدنيا والآخرة.
  • مثل هذا الإنسان يُعتبر فاسقًا خاسرًا، لأنه اتهم الله ضمنًا بالتقصير في الرزق.
  • العبادة هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان، بينما السعي في طلب الرزق لا ينبغي أن يشغله عنها.
  • الله هو الرازق الحقيقي، فلا يصح أن يطغى السعي الدنيوي على التكاليف الشرعية.


 

______________
(1) كليات رسائل النور- اللمعة الثامنة والعشرون ص:436
(2) مستدرك الحاكم - 7934

 

 


28-) ما المقصود بتعبير " بُعد شهرين" المذكور في "الكلمة الرابعة"؟

بادئ ذي بدء، لا بد من الانتباه إلى التنبيه المذكور في مقدمة "الكلمة العاشرة":
" إن سبب إيرادي التشبيه والتمثيلَ بصورة حكايات في هذه الرسائل هو تقريبُ المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة "(1)

وقوله:" فمغزى الحكايات إنما هو الحقائقُ التي تنتهي إليها، والتي تدل عليها كنايةً " يعني أن الغرض ليس تقديم أرقام دقيقة أو معانٍ حرفية، بل إيصال معانٍ رمزية، لذا ليس من الصواب أن نتوقع أن لكل تعبير أو جملة مقابلًا دقيقًا في الواقع.

على سبيل المثال، في عبارة:
" هناك محطة للمسافرين على بُعد يوم واحد "
يُفهم أن طول الحياة الدنيا حتى القبر لا يُعدّ شيئًا في ميزان الأبدية، بل كأنه يوم واحد فقط.

أما تعبير " بُعد شهرين" الذي استخدمه الأستاذ النورسي، فيُشير إلى الرحلة الأبدية التي تبدأ من عالم الأرواح وتنتهي إما بالجنة أو النار. وهذه الرحلة الطويلة تمر بمراحل مثل: القبر (البرزخ)، الحشر، الموقف، الميزان، الصراط، إلخ.

وأقصر مرحلة في هذه الرحلة هي الحياة الدنيا، والتي تُقدَّر في المتوسط بنحو ستين سنة.

وعندما يذكر الأستاذ "شهرين"، لا يقصد تحديدًا زمنيًا دقيقًا، بل يستخدم تعبيرًا تقريبيًا يُشير إلى أن الدنيا، بكل ما فيها، لا تتعدى "يوماً واحداً" مقارنة بطول الآخرة. فالمقصود ليس الحساب الزمني، بل المغزى الروحي.

النتيجة:
الصلاة هي الوسيلة التي تُخفف وتُسهّل علينا تلك المراحل بعد الموت: القبر، يوم القيامة، الصراط، وغيرها.

 

___________

(1) كليات رسائل النور- الكلمة العاشرة.

 

 


29-) " يخرج الخادمان بعد تسلّمهما الأوامر. كان أحدهما سعيدا محظوظا، إذ صرف شيئا يسيرا مما لديه لحين وصوله المحطة، صرفَه في تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه، فارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف "  هل يمكنكم شرح هذه العبارة؟

الأستاذ النورسي (رحمه الله) يشرح هذه العبارة في سياقها من "الكلمة الرابعة"، وهي مشهد تمثيلي يُظهر حال الإنسان في هذه الدنيا، ويقارن بين من يستثمر حياته في طاعة الله، ومن يُهملها فيضيعها.

توضيح الرموز في هذا المثال:

  • "المحطة" :  ترمز إلى القبر، حيث ينتهي طريق الحياة الدنيا ويبدأ طريق الآخرة.
  • "الخادم السعيد": يمثل الإنسان المؤمن الذي يُؤدي الصلاة والعبادات ويعيش حياته وفقًا لأوامر الله ورضاه.
  • "المال الذي أنفقه": يُشير إلى الجهد والتكاليف البسيطة التي يبذلها الإنسان في الطاعة، كأن ينهض من نومه ليصلي أو يصوم أو يزكّي.
  • " تجارةٍ رابحة يَرضى بها سيدُه ":هي العبادات والعمل الصالح، التي تُثمر رضا الله وتُضاعف الأجر.
  • " ارتفع رأسُ ماله من الواحد إلى الألف ":هو العمر الذي يستثمر في طاعة الله فيتحول إلى ثواب عظيم لا يُقارن بمقدار الجهد المبذول.

مثال يوضح الفكرة:

من يُحيي ليلة القدر في العبادة – وهي ليلة واحدة – يُكتب له أجر أكثر من 80 سنة من العبادة، لأنها "خيرٌ من ألف شهر".
فهذا مثل واضح على كيف أن القليل من الجهد بإخلاص، يُثمر أجرًا عظيمًا.

أما من يتكاسل عن العبادة ويتبع شهواته، فهو يضيع عمره (رأسماله) بلا فائدة، وسيُحاسب على هذا التبذير في الآخرة حسابًا عسيرًا.

 

النتيجة:
العبارة تُرشدنا إلى أن الحياة قصيرة، لكنها إن استُثمرت في الطاعة والعبادة، فإنها تُثمر أجرًا عظيمًا يفوق التصور، ويكون سببًا لرضا الله والفوز الأبدي.

 

 


30-) الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة

في "الكلمة السابعة" الحديث عن " تعويذتين، ودواءين، وتذكرة ".
- التعويذتان:
تفتحان لغز الكون الغامض وتفتحان باب السعادة لروح الإنسان، وهما:
1. الإيمان بالله،
2. الإيمان بالآخرة.

- الدواءان:
وهما ترياق نافع جداً، وهما:
1. التوكل على الله والتحلي بالصبره،
2. الدعاءُ والسؤال ثم القناعةُ بالعطاء، والشكرُ عليه والثقةُ برحمة الرزاق الرحيم.

- التذكرة:
زاد الآخرة، ونور القبر:
1. الاستماع للقرآن،
2. الخضوع لحكمه،
3. أداء الصلاة،
4. ترك الكبائر.

الموضوع الرئيسي للكلمة السابعة:

يتعلق بأداء الصلاة والابتعاد عن الكبائر، ويجيب عن أسئلة مثل:

- ما هو الصبر، التوكل، الشكر، القناعة؟
- كيف يكون الخوف من الله؟

إن الإيمان بالله واليوم الآخر يكشف أسرار الكون التي لا يمكن للعقل وحده أن يدركها، ويُرشد روح الإنسان إلى طريق السعادة.

مثال: إذا نظر الإنسان إلى الموت بعقله وقوته الذاتية فقط، يتوهمه فناءً، ويرى القبر كأنه بئر مظلم بلا قاع، ويقاسي من هذا الوهم البلاء والضيق، ويعاني من ألم الفقد والعدم، فتغدو حياته مُرة.
أما إذا نظر إليه بنور الإيمان والقرآن، يرى الموت " بداية لسعادة أبدية ".
فالعقل المجرد لا يستطيع فهم سر الموت، بل يحتاج إلى " تعليم وتربية القرآن ".
وبالمثل، إذا وثق الإنسان بعقله وحده في مواجهة آلاف المواقف، يتعرض للابتلاءات والمشقات.

أما إذا قابل المصائب بالصبر، والنعم بالشكر، يكون " الصبر والشكر دواءين جميلين وفعّالين "، يجعلان حياة الإنسان في الدنيا مشرقة، وفي الآخرة سعيدة ومباركة.

وأداء الصلاة وتجنب الكبائر يكون " زادًا " في رحلة الإنسان الدنيوية والأخروية، ويقيه من المشقات والصعوبات الكبرى.

وقد قرّب الأستاذ النورسي هذه الحقائق للعقل من خلال " مثال تمثيلي ".

 


 


31-) ماذا يعني "حقيبة كاملة من مستخلصات غذائية تزن أربع «أوقيات» وسلاحاً حكومياً يزن «أوقيتين» يستطيع أن يغلب به كلَّ عدو"؟

في تتمة الرسالة التي تناولت هذا الموضوع، ورد ما نصه:
" وأما تلك الحقيبة والسلاح فهما العبادةُ والتقوى."
أي أن "الأربع أوقيات" تشير إلى العبادة، و"الأوقيتين" إلى التقوى.

عندما نقول "العبادة"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أركان الإسلام الخمسة.
 ومنها: الشهادتان، وهي بمثابة عقد يدخل به الإنسان في دائرة الإسلام، ويمهد لأداء العبادات الأربع المفروضة الأخرى. فهي أقرب للإيمان والعقيدة منها إلى العبادة العملية.

ويبقى من أركان الإسلام: الصلاة، الصوم، الزكاة، والحج، وهي العبادات الفعلية. إذًا، يُحتمل أن تكون الأربع أوقيات رمزًا لهذه العبادات الأربع.

أما الرقم اثنان، فهو يشير إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن التقوى لا تتحقق إلا بإيمان راسخ بهذين الركنين. وهذا المعنى تدعمه عبارة واردة في "الكلمة السابعة"، جاء فيها:

" أن الإيمانَ بالله وباليوم الآخر، أثمنُ مفتاحَين يحلّان لروح البشر طلسمَ الكون ولُغزَه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء..." (1)

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة السابعة.

 

 


32-) شرح قول الاستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "

قول الأستاذ: " دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام "
 هو حكم عام، وينطبق على كل العصور. فالأكل، والتسلية، وسماع الموسيقى، وسائر حالات المتعة، يمكن تلبيتها كلها من خلال الوسائل المشروعة.

لكن لا يخفى أن في زماننا انتشرت أمور كثيرة يُشكّ في حلّها، من معاملات، ومأكولات، ومشروبات، حتى عمّت كل الجوانب. وفي مثل هذا الجو، يُنصح الإنسان بأن يكون شديد الحذر في ما لا يعلم يقينًا أنه حلال، وأن يعمل بالأحوط لا بالأيسر.

وفي عصر تهاجم فيه الذنوب الإنسان من كل جهة، يكون حفظ النفس صعبًا بلا شك.

والطريق الذي أشار إليه الأستاذ هو طريق السنة النبوية، ومن أمثلته:

  • الاعتدال في الطعام
  • عدم الإسراف حتى ولو كنت تتوضأ على شاطئ نهر
  • ترك المائدة وفي النفس رغبة في الأكل
  • تجنّب المشتبهات

والسير في دائرة الحلال هو السبيل الحق الذي ينبغي الثبات عليه.

 

 


33-) " سلك المحظوظُ السعيد الطريقَ الأيمن، ومضى في دربه حاملا على ظهره وكتفه رطلا من الأثقال إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف.." هل يمكنكم شرح هذه الجمل؟

كلما ازداد إيمان الإنسان بالله وتوكله عليه، ازداد أمانه وسلامه من هموم الدنيا وآلامها.
ففي الإيمان، تكمن حقيقة التوكل.
أي: إذا كنا نؤمن بأن كل شيء بيد الله وتدبيره، فالضرر والنفع أيضًا لا يكونان إلا بإذنه.

فإذا قدّر الله منفعةً للعبد، لا يستطيع أحد أن يمنعها.
وهذا الاعتقاد وهذا التسليم، يجعل الإنسان في طمأنينة وأمان من وساوس الحياة ومخاوفها.

شرح العبارة الرمزية:

  • "الجندي الذي ذهب إلى اليمين":
    هو المؤمن الذي اختار طريق الإيمان والطاعة.
  • "حمل رطلا من الأثقال ":
    يرمز إلى ثقل التكاليف الدينية والعبادات الظاهرية في هذه الدنيا، مثل:
    • الاستيقاظ للفجر في البرد
    • الوضوء بالماء البارد
    • أداء الصلاة في أوقاتها رغم الانشغال

هذه الأمور قد تبدو متعبة للنفس، لكنها مؤقتة.

  • " إلّا أنّ قلبَه وروحه قد تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنّة والخوف":
    أي أن المؤمن يرتاح من الأعباء النفسية والعقلية الثقيلة، مثل:
    • الخوف من المستقبل
    • القلق من الفقر أو المرض
    • الخضوع لأهواء الناس وطلب رضاهم
    • وهم السيطرة على كل شيء

بمعنى آخر:

( قد تتحمل القليل من التعب الجسدي في الطاعة، لكنك ترتاح من أطنان من القلق الروحي والمعنوي).

الخلاصة:

من يعيش بالإيمان والتوكل، وإن تحمّل بعض المشقة في العبادة،
إلا أن روحه تنعم براحة وطمأنينة لا تُقدّر بثمن،
لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله، وأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة.

 

 


34-) ما هو الموضوع الرئيسي للكلمة الثالثة؟

الموضوع الرئيسي في "الكلمة الثالثة" هو مقارنة حال من يؤدون واجباتهم في العبودية لله بمن لا يؤدونها، وما تكسبه العبادة، والتوكل، والتسليم للإنسان.

فالتوكل هو ثمرة التوحيد. فالمؤمن الذي يملك إيمانًا راسخًا ويقينًا كاملاً بالتوحيد، يكون في حالة توكل تام، ولا يضطرب أمام الأحداث. وكما عبّر الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: " فلو أصبحت الكرةُ الأرضية قنبلةً مُدمِّرة وانفجرت، فلربما لا تخيف عابدا لله ذا قلب منوَّر." (1)

إن هذا الثبات في الإنسان أساسه وجود عقيدة التوحيد في القلب والوجدان بشكل كامل ومطمئن. وقد تم تناول هذا الجانب من التوكل في هذه الكلمة.

_____________

(1)  كليات رسائل النور- الكلمة الثالثة.

 

 


35-) البعض لا يذكر بسم الله ولكنه سعيد

في "الكلمة الأولى"، كُتب أن من لا يقول "بسم الله" ولا يتحرك باسم الله سيؤول به الحال إلى الشقاء. لكننا في الحياة نرى عكس ذلك فهم يعيشون براحة أكثر منا ، فكيف يمكن تفسير هذا؟
الجواب:
ما ذكرتموه بقولكم: "هم يعيشون براحة أكثر منا..." يتعلق بالجانب المادي فقط. بينما ما أُشير إليه في "الكلمة الأولى" هو البُعد المعنوي والروحي.
فهل يُمكن لشخص ينتظر حبل المشنقة، وإن عاش في القصور والرفاهية، أن يشعر بالسعادة الحقيقية؟ لننظر إلى ما قاله الأستاذ بديع الزمان في اللمعة السابعة عشرة:
(أيتها الروح الخبيثة التي تنشر الكفر وتبث الجحود! تُرى هل يمكن أن يسعد إنسانٌ بمجرد تملّكه ثروة طائلة، وترفّله في زينة ظاهرة خادعة، وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائبَ هائلة؟ وهل يمكن أن نطلق عليه أنه سعيد؟ ألَا ترين أنّ مَن يَئِس من أمرٍ جزئي، وانقطع رجاؤه من أملٍ وهمي، وخابَ ظنُّه من عملٍ تافهٍ، كيف يتحول خيالُه العذبُ مُرّاً علقماً، وكيف يتعذّب مما حوله من أوضاع لطيفة، فتضيق عليه الدنيا كالسجن بما رحُبت!. فكيف بمن أُصيب بشؤمك بضربات الضلالة في أَعمق أعماق قلبه، وفي أَغوار روحه، حتى انقطعت -بتلك الضلالة- جميعُ آمالِه، فانشقت عنها جميعُ آلامه، فأيُّ سعادةٍ يمكنك أن تضمَني لمثل هذا المسكين الشقي؟ وهل يمكن أن يُطلَق لمن روحُه وقلبُه يُعذَّبان في جهنم، وجسمه فقط في جنةٍ كاذبة زائلة.. أنه سعيد؟..)
وجاء في الحديث الشريف [ لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ] (الترمذي)
يُفهم من هذا الحديث أن المعيار الحقيقي هو راحة القلب وطمأنينة الروح، لا مظاهر الدنيا.
أما الرقي المادي فقد ربطه الله بسُنة الأسباب، أي بالعمل والاجتهاد، دون النظر إلى الإيمان أو الكفر. ولذلك فإن المؤمنين الذين لم يعملوا بجد لأجل دنياهم يعانون من النقص فيها، لكنهم يعملون لأجل آخرتهم، فسيجدون السعادة هناك بإذن الله.
وأما الكفار، فبما أنهم عملوا للدنيا، فقد أُعطوا حظًا منها. ولكنهم في الآخرة سيواجهون العذاب الأليم.
والإسلام يدعو إلى السعادة في الدنيا والآخرة معًا، ولكن بما أن الدنيا فانية والآخرة باقية، فإن السعادة الأبدية هي الأهم وهي الأصل.
الخلاصة:
لا يُقاس الشقاء أو السعادة الحقيقية بالمظاهر الدنيوية. من لم يقل "بسم الله"، قد يربح ظاهرًا، لكنه خاسر في باطنه وآخرته.
 


36-) شرح قول الاستاذ: " وستُشغّل تلك المكائن والآلات التي في حوزتكم الآن في معاملي وباسمي وعُهدتي، وسترتفع أثمانُها من الواحد إلى الألف

إن المقصود من العبارة هو تشبيه أعضاء الإنسان ومواهبه (مثل العقل، والبصر، والسمع، واليد، وغيرها) بأدوات مصنع. فإذا استخدم الإنسان هذه "الآلات" أو الأعضاء في طاعة الله ووفق أوامره، فإن قيمتها تتضاعف من "واحد" إلى "ألف".
لكن إذا استُخدمت هذه الأعضاء في سبيل الشهوات والهوى والذنوب، فإنها تُبتذل وتفقد قيمتها، بل وتُستخدم في الخيانة، أي في معصية من وهبها.

شرح توضيحي:

  • العقل مثلًا:
    إذا استُخدم في التفكير في آيات الله والتأمل في خلقه وفهم حكمته، فإنه يكون مفتاحًا لرحمات لا تُحصى، ويقود صاحبه إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
    أما إذا استُخدم في التفكير في الأوهام والمخاوف والهموم فقط، وأُبعد عن الله، فإنه يصبح سببًا في التعاسة، حيث يجترّ الذكريات المؤلمة من الماضي، ويقلق صاحبه بمخاوف المستقبل.
  • العين أيضًا:
    إذا نُظر بها إلى جمال خلق الله وتأملت في بديع صنعه، فإنها تكون وسيلة للمعرفة والسمو، وتُرفع منزلتها عند الله.
    أما إذا استُخدمت في النظر إلى الحرام، فإنها تصبح أداة للذنب، ويهبط قدرها إلى الحضيض.

وهكذا يُقاس على ذلك بقية الجوارح:
اللسان، السمع، اليد، القدم... كلما كانت في خدمة الإيمان والطاعة، ارتفع قدرها، وكلما وُضعت في معصية، انحطت قيمتها.

خلاصة المعنى:

عندما تُستخدم أعضاء الإنسان باسم الله، في طاعته وخدمة خلقه، فإنها تصبح ذات قيمة عظيمة، وتُجزى بالأجر الكبير، كمن وجد "معادن نفيسة".
أما إذا تُركت بلا هدف نبيل، أو استخدمت في الحرام، فإنها تُهدر وتفقد قيمتها، تمامًا كالمصنع الذي لم يُكتشف فيه أي معدن ثمين، فيُهمل ويُترك.

 

 

 


37-) لماذا اكتفى الاستاذ بـ «بسم الله»

أولًا: أستاذنا بدیع الزمان النورسي تناول في "الكلمة الأولى" من رسائل النور جزء "بسم الله" فقط، لكنه فسّر أيضًا الاسمين "الرحمن" و"الرحيم" في "اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني". وقد رأى الأستاذ أن تُكتب هذه الرسالة في نهاية "الكلمة الأولى" بعد "اللمعات"، وبذلك يكون قد تناول "البسملة" بكاملها في مواضع متعددة.

ثانيًا: يجب النظر إلى رسائل النور كوحدة متكاملة؛ فبعض الرسائل تشرح وتفسر البعض الآخر وتُسهم في توضيح المعاني. ولو جمعنا كل المواضيع التي تتناول "البسملة" في رسائل النور لخرجنا بكُتيب مستقل. من ذلك مثلًا: شرح البسملة في "إشارات الإعجاز"، وأسماء الله "الرحمن" و"الرحيم" في مقام خاص، إلى جانب "الكلمة الأولى" و"اللمعة الرابعة عشرة - المقام الثاني"، وكل هذا ينبغي النظر إليه بوصفه وحدة مترابطة.

ثالثًا: لا شك أن قول "بسم الله الرحمن الرحيم" أفضل وأكثر فضيلة من الاقتصار على "بسم الله"، ولكن في "الكلمة الأولى"، قد يكون قصد الأستاذ تسليط الضوء على اسم "الله" وحده، لأن اسم "الله" هو اسم جامع يشير إلى الذات الإلهية بكل صفاتها وكمالاتها. بينما "الرحمن" و"الرحيم" يدلان على معانٍ خاصة في إطار الرحمة الإلهية.

وبذلك يكون اختياره متعمّدًا لتحقيق مقصد تربوي وعقائدي معيّن.


38-) ما هي علاقة الآية الواردة في بداية «الكلمة الثانية عشرة» بالموضوعات التي تناولتها هذه الكلمة؟

ترجمة الآية الكريمة التي تُعدّ محور هذه الكلمة هي:

﴿  يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾(البقرة: 269).

كلمة «الحكمة» تحمل معاني متعددة، منها: الغاية، والمنفعة، والسرّ، والعلم المقترن بالعمل، والتخلّق بأخلاق الله تعالى، واستقامة العقل واعتداله بعيدًا عن الإفراط والتفريط.

وتُعدّ هذه الكلمة (الكلمة الثانية عشرة) بمثابة تفسير معنوي لهذه الآية الكريمة.

ففي هذه الكلمة يُبيَّن أولًا كيف ينبغي لنا أن نقرأ كتاب الكون، وكيف نقوِّم الحوادث الجارية في هذا العالم ونفهمها.

ثم يُركَّز على الأسس التي تمكّن الإنسان من إدارة حياته الفردية والاجتماعية بالحكمة. فإذا نجح الإنسان في ذلك أصبح من أهل الحكمة، واستفاد من حياته الدنيا استفادة حقيقية وكاملة. فهو يدرك أنه ليس مخلوقًا عبثًا أو متروكًا سدى، فيقضي عمره كله وفق الغاية التي خُلق من أجلها، ويعيش في دائرة رضا الله مبتعدًا عن المحرّمات.

كذلك فإن الإنسان، بطبيعته المدنية والاجتماعية، يدخل في علاقات إنسانية كثيرة مع الآخرين، ولذلك تُعلِّمه هذه الكلمة كيف ينظّم تلك العلاقات على أساس الحكمة والعدل. كما تبيّن أن الذين لا يلتزمون بحكمة القرآن ويتبعون الفلسفة البشرية، تحلّ لديهم مبادئ ضارّة محلّ هذه القواعد النافعة.

وأخيرًا، تتناول الكلمة تفوّق الكلام الإلهي الذي يُسمّى **«القرآن الحكيم»** على سائر أنواع الكلام. وفي ذلك إشارة إلى أن طلاب القرآن يمتلكون أعظم مصدر يُعينهم على أن يكونوا من أهل الحكمة.
 


39-) ما الحكمة من ذكر حفظ كل شيء بعبارة «لاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ» على وجه الخصوص؟ وكيف نفهم وجود كل شيء في « كِتَابٍ مُّبِينٍ» من منظور القرآن الكريم؟

أ. الحكمة من ذكر «لاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ»

كما أن القرآن عندما يذكر السماوات والأرض بدلًا من كلمة «الكون» يلفت النظر إلى كل منهما على حدة، فكذلك الحال في التعبير بـ الرطب واليابس؛ إذ يُراد توجيه الانتباه إلى هذين المفهومين الأساسيين.

ومن وجوه قوله تعالى:{ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } أن من الأزواج: السماء والأرض، وكذلك الرطب واليابس. أي إن المخلوقات، ولا سيما الموجودة على سطح الأرض، قد خُلقت على هذين الأصلين.

فكما أن نحو ثلثي الكرة الأرضية مغطى بالمياه، والثلث الباقي يابسة، كذلك يتكون جسم الإنسان في معظمه من الماء.

وقد قال الأستاذ بديع الزمان عند حديثه عن خلق الأرض:

« فها ننظر إلى الأرض في بداية خلقها، فهي في حالة من السيولة والميوعة، فخُلقَت منها الصخور الصماء، وخُلق منها التراب.. فلو كانت الأرض باقيةً على حالتها الأولى من الميوعة لتعذرت الحياةُ عليها، ولتعذر اتخاذها مسكنا صالحا لأي نوع من أنواع السكنى. ولو كانت تلك الصخرة المهولة الصلدة -المتحولة من الميوعة- باقيةً على صلابتها لتعسرت الاستفادة منها.»(الكلمة الثالثة والثلاثون، النافذة الثانية والعشرون)

وينطبق الأمر نفسه على جسم الإنسان؛ فلو لم يكن فيه ماء أصلًا لما تكوَّن الجسم، ولو تكوَّن لما أمكنه أداء وظائفه.

وكذلك فإن أجسام الحيوانات تحتوي على نسبة كبيرة من الماء، كما يظهر ذلك أيضًا في الخضروات والفواكه.


 ب. معنى « كِتَابٍ مُّبِينٍ» ووجود كل شيء فيه

ورد في رسائل النور:

«على أحد الأقوال: إن الكتاب المبين هو القرآن الحكيم.»

أما تمثيل الأستاذ للكتاب المبين بالبذور والنوى والجذور، فيمكن اعتباره قولًا أو وجهًا آخر في تفسيره.

وتستعمل الرسائل في شأن الإمام المبين والكتاب المبين تعبير: «دفاتر اللوح المحفوظ»، وتبين أنهما من عناوين العلم الإلهي.

وبناءً على ذلك، فإن الله تعالى الذي يعلم الماضي والحاضر والمستقبل قد أظهر اسم الحفيظ بتسجيل هذا العلم في سجل معنوي يسمى الإمام المبين. كما أظهر الاسم نفسه من جهة أخرى بحفظ مخططات المخلوقات وصورها وبرامجها في البذور والنوى والجذور التي خلقها ويخلق منها المخلوقات.

ويشير الأستاذ إلى أن الكتاب المبين يشتمل على جميع هذه السجلات والبرامج الحافظة.

أما إطلاق اسم الكتاب المبين على القرآن الكريم، فلأنه يخبر عن جميع المخلوقات وجميع الحوادث والوقائع. وقد عُبِّر عن هذا الشمول بقول القرآن إن فيه خبر كل شيء رطب أو يابس؛ أي إن القرآن يشتمل على أصول المعارف والحقائق المتعلقة بجميع الموجودات والأحداث، تصريحًا أو تلميحًا، إجمالًا أو تفصيلًا.


 


40-) هل يمكنكم إعطائي معلومات عن البنية العامة لـ"الكلمة العاشرة" وممّا تتكوّن؟

تتكوّن الكلمة العاشرة من مقامين:

المقام الأول: يشتمل على مقدمة واثنتي عشرة صورة.
المقام الثاني: يشتمل كذلك على مقدمة واثنتي عشرة حقيقة.

والصور الواردة في المقام الأول هي أمثلة وتمثيلات للحقائق المذكورة في المقام الثاني، أي إن الصور في المقام الأول تُشرح وتُفسَّر من خلال الحقائق الواردة في المقام الثاني.

لذلك يمكن اتباع المنهج الآتي عند مطالعة هذا الأثر:

- قراءة الصورة الأولى أولًا، ثم الحقيقة الأولى.
- ثم الصورة الثانية، ثم الحقيقة الثانية.
- ثم الصورة الثالثة، ثم الحقيقة الثالثة... وهكذا.

أي يمكن قراءته على هيئة: صورة ثم حقيقة بالتتابع.

وهنا نودّ أن نلفت الانتباه إلى نقطة مهمة جدًا:

تُعدّ الكلمة العاشرة من أكثر رسائل رسائل النور صعوبة من حيث الفهم. وقد اتبع الأستاذ بديع الزمان النورسي فيها منهجًا خاصًا:

هناك اثنتا عشرة حقيقة لإثبات الحشر (البعث)، وقد سلك في كل حقيقة طريقًا مؤلفًا من ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى

في هذه المرحلة يُلفت النظر إلى الأفعال والتجليات الموجودة في هذا العالم.

فعلى سبيل المثال:

- في الحقيقة الأولى تُبيَّن تجليات اسم السلطان.
- وفي الحقيقة الثانية تجليات اسمي الكريم والرحيم.
- وفي الحقيقة الثالثة تجليات اسمي الحكيم والعادل.

وهذه التجليات من الأمور المشاهدة التي لا يمكن لأحد إنكارها.

 المرحلة الثانية

ينتقل الأستاذ النورسي هنا من الفعل إلى الفاعل، ومن الاسم إلى المسمّى، ومن الصفة إلى الموصوف.

ومن المعلوم أن:

- الأفعال لا تكون بلا فاعل،
- والأسماء لا تكون بلا مسمّى،
- والصفات لا تكون بلا موصوف.

وعليه فإن كل حقيقة لا تثبت الحشر فحسب، بل تثبت أيضًا وجود الله تعالى. بل إن إثبات وجود الله يأتي قبل إثبات الحشر.

 المرحلة الثالثة

في هذه المرحلة يُثبت أن ذلك الاسم الإلهي يستلزم وجود الآخرة، وأن تلك الصفة تقتضي وجودها.

وهذه هي المرحلة التي يتم فيها إثبات وجود الآخرة بشكل مباشر.

لقد اتبع الأستاذ النورسي في كل حقيقة منهجًا يجعل إنكار الآخرة مستلزمًا لإنكار هذا العالم المشاهد أمام الأعين، والتخلي عن حكم العقل. وسيتضح هذا المنهج بصورة أكبر عند دراسة شروح الحقائق وبيانها.
 


41-) في الكلمة الثانية عشرة، يُذكر أيضًا تفوّق القرآن على سائر الكلمات الإلهية. فما المقصود بذلك؟ وهل للآية المذكورة علاقة بهذا الموضوع أيضًا؟

إن المؤمنين الذين يلتزمون بالمبادئ الحكيمة للقرآن الكريم ويكونون له تلاميذ مخلصين، قد نالوا كذلك «خيرًا كثيرًا».

أما الذين خوطبوا بالكتب السماوية الأخرى وكانوا أتباعًا للأنبياء السابقين، فقد نالوا هم أيضًا الخير والهداية. غير أن المؤمنين الذين تربّوا على تعاليم القرآن، وهو آخر الكتب الإلهية وأعظمها، وكانوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم الأنبياء وسيدهم، وتلقّوا منه الهداية والتعليم؛ فإنهم يكونون أوسع حظًا وأوفر نصيبًا من «الخير الكثير» بدرجة أسمى وأعلى.

ويمكننا أن نفهم أن هذا الدرس يُذكر في خاتمة هذه الكلمة لكي ندرك قيمة هذه النعمة العظيمة، ونعمل على تنظيم حياتنا وفق القوانين الحكيمة التي جاء بها القرآن الكريم.


42-) لماذا يُصرّ أهل الإلحاد على العناد والمواجهة رغم الحقائق العلمية؟ وما سرّ إرادة الله تعالى أن يُعرِّف عباده بنفسه حتى من خلال المصائب؟

أ. لماذا يصرّ أهل الإلحاد على العناد؟

الضلالة تعني الانحراف الفكري عن الطريق الصحيح والوقوع في المعتقدات الباطلة، أما الإلحاد فيعني إنكار الدين.

والمقصود هنا بأهل الضلالة ليس الفرق الإسلامية المخالفة لبعض الأصول، وإنما الذين سلكوا طريقًا مناقضًا للإيمان، كالماديين، وعبدة الطبيعة، وأنصار بعض التوجهات الفلسفية التي تنتهي إلى إنكار الدين.

فالذين تبنّوا هذه الأفكار الباطلة وجعلوها أيديولوجية يدافعون عنها، اتخذوا موقفًا معاديًا للإسلام والإيمان، وسلكوا – بتعبير الأستاذ – طريق «قبول العدم»، أي اختيار منهج مناقض للإيمان.

أما الذين نشؤوا في بيئة إسلامية ثم انجرفوا إلى هذه الأفكار مع الزمن، فقد بُيِّنت أسباب انحرافهم بصورة جميلة في اللمعة الثانية من رسائل النور عند شرح القاعدة:

« إن في كل ذنب طريق إلى الكفر.»

ففي القرآن الكريم، كلما ذُكر الفلاح والنجاة، يُذكر بعد الإيمان العمل الصالح. وهذا يدل على أهمية العمل الصالح في تثبيت الإيمان.

وعليه، فإن من يبتعد عن الأعمال الصالحة قد يقع تدريجيًا في أعمال خاطئة، ثم إذا أدرك أن هذا الطريق يؤدي إلى الهلاك والعقاب، قد تنشأ في نفسه حالة من الاعتراض والتمرد.
وهنا يستغل الشيطان هذه المشاعر، فيدفعه شيئًا فشيئًا إلى تيارات الضلالة والانحراف.

ب. ما الحكمة من تعريف الله لعباده بنفسه عبر المصائب؟

إن عبارة:

«لتعريفه بربّه الجليل الذي يُعرض عنه»

تتعلق بالأشخاص الذين سلكوا طريقًا مضادًا للإيمان وأخذوا يدافعون عنه، مع أنهم عرفوا الحقيقة أو قامت عليهم دلائلها.

ففي مثل هذه الحالات، قد تكون المصائب والابتلاءات وسيلة للتنبيه والإيقاظ؛ إذ تُظهر للإنسان ضعفه وعجزه، وتكسر شيئًا من غروره وعناده.

ولما كان الله تعالى قد خلق الكون لأجل الإنسان، وخلق الإنسان لأجل الإيمان والمعرفة، فقد أرسل الرسل لدعوة المشركين إلى التوحيد، كما أن من مقتضيات رحمته أن يوقظ بعض عباده الغافلين بما يرسله من ابتلاءات وتنبيهات.

غير أن الله تعالى هو الغني المطلق، المستغني عن جميع خلقه؛ فهو لا يحتاج إلى ضوء الشمس، ولا إلى ثمار الأشجار، ولا إلى إيمان الناس ومعرفتهم به. فكل هذه الأمور تعود منفعتها إلى العباد أنفسهم.

لكن الله سبحانه، برحمته الواسعة، يريد لعباده الخير والهداية، ولا يرضى لهم طريق الشر والضلال. وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه، ويتكفل بحاجاته التي لا يملك تدبيرها بإرادته أو قدرته.

ولذلك لا يريد لعباده أن يسلكوا الطريق الخاطئ، فأرسل الكتب، وبعث الأنبياء، وأقام الأدلة، وجعل في بعض الابتلاءات تذكيرًا وتنبيهًا للرجوع إلى الحق.

 


43-) في الكلمة الثامنة، إلى ماذا يمكن أن يشير الزمن الذي قبل البئر، أي سير الأخوين بين الأودية والتلال، وعبورهما الصحراء، وقيام رجل عظيم بإسداء النصائح لهما؟

 

إن كل إنسان قد أُخرج في رحلة تبدأ من عالم الأرواح، وتمرّ برحم الأم، والطفولة، والشباب، والشيخوخة، والقبر، والحشر، ثم تستمر إلى الأبد

إن الرحلة التي تمتد إلى سن الخامسة عشرة تشبه المرور في القصة عبر الأودية والتلال والصحارى ؛ أي إن الإنسان أثناء رحلته من عالم الأرواح إلى رحم الأم ثم إلى مرحلة الطفولة قد يواجه أحداثاً مختلفة جداً، تكون أحياناً مخيفة ومحزنة للغاية، وأحياناً أخرى مبهجة ومفرحة جداً.

 لكن الناس في هذه الرحلة الحياتية إلى سن الخامسة عشرة لا يكونون مميّزين، ولذلك فهم غير مكلّفين ولا خاضعين للامتحان. والذين يتوفَّون قبل البلوغ، لا يُحاسبون على أعمالهم

أما بعد سن الخامسة عشرة، فبما أن الامتحان والتكليف يدخلان حيّز التنفيذ، فإن الإنسان يختار بإرادته الخير أو الشر. وفي هذا الجزء من الحياة الذي يبدأ بالشباب، ويستمر بالشيخوخة، وينتهي بالموت، يكون الإنسان مسؤولاً عن أفكاره وتصرفاته تجاه ما يمرّ به من أحداث ومعاملات. وفي حياته بعد الموت، سيُعرض أمامه هذا القسم الثاني المحمّل بالمسؤولية

أما ذلك الرجل العظيم الذي كان يقدّم النصائح للأخوين، فهم في مقدمتهم الأنبياء، ثم العلماء الربانيون.

 وهذه النصائح موجّهة إلى الجميع؛ فمن يعمل بها ينل الثواب، ومن لا يعمل بها ينل العقاب


44-) ما الحكمة من الانتقال إلى موضوع الحشر في "الكلمة العاشرة" بعد الحديث عن الصلاة في "الكلمة التاسعة"؟

يمكن الإجابة عن سؤالك من جهتين:

أولًا: من حيث ترتيب موضوعات "الكلمات"

في كتاب الكلمات نرى تسلسلًا مترابطًا في عرض الحقائق الإيمانية والعبادية:

- بدأ المؤلف بالبسملة لأنها مفتاح كل عمل صالح (الكلمة الأولى).
- ثم بيّن أهمية الإيمان بالغيب (الكلمة الثانية).
- ثم أوضح أن المؤمن ينبغي أن يُظهر إيمانه بالعبادة ويجسّده في حياته (الكلمة الثالثة).
- ثم تحدث عن الصلاة باعتبارها تاج العبادات وعمادها، وأنها عبادة يسيرة في وقتها وجهدها، عظيمة في قيمتها وثوابها (الكلمة الرابعة).
- ثم بيّن أن أداء الصلاة وحده لا يكفي، بل لا بد من اجتناب المعاصي أيضًا (الكلمة الخامسة).

بعد ذلك تناول:

- أن ما أُعطي للإنسان من نعم مادية ومعنوية يكتسب قيمة عظيمة إذا وُجِّه إلى الله تعالى، وإلا أصبح بلا قيمة حقيقية (الكلمة السادسة).
- ثم شرح قيمة الإيمان بالله والإيمان بالآخرة وما يترتب عليهما من جمال ومعنى للحياة (الكلمة السابعة).
- ثم أوضح أن روح الإنسان لا تجد السكينة والعافية إلا بالدين والإيمان، وأن الاضطراب لا يزول بغير ذلك (الكلمة الثامنة).
- ثم بيّن الحكم والأسرار الكامنة في الصلوات الخمس، باعتبارها شكرًا لله وتسبيحًا له وإعلانًا لعظمته في أوقات محددة من اليوم (الكلمة التاسعة).

وبعد هذه المقدمات كلها ينتقل إلى إثبات الآخرة والحشر في الكلمة العاشرة؛ لأن جميع تلك العقائد والعبادات، وكذلك الكفر والعصيان وضدهما، لا تظهر نتائجها الكاملة إلا في الآخرة. فلو لم تكن هناك آخرة، لفقدت هذه الأعمال والعقائد معناها الكامل وثمرتها النهائية.

 ثانيًا: من حيث العلاقة بين خاتمة "الكلمة التاسعة" وبداية "الكلمة العاشرة"

كما هو معروف، تتحدث الكلمة التاسعة عن الحكمة من تخصيص الصلاة بخمسة أوقات.

وفي خاتمة هذا المبحث، عند الحديث عن وقت صلاة العشاء، يُصوَّر الشعور الذي يعتري الإنسان في ذلك الوقت:

- فدخول الليل يذكّر بانقضاء اليوم وموته ولفّه بظلام يشبه الكفن.
- ويذكّر بفصل الشتاء وما فيه من موت ظاهري للكائنات وارتدائها كفنًا أبيض من الثلج.
- ويذكّر بموت الإنسان نفسه، ثم بوفاة من يعرفونه حتى يُنسى مع مرور الزمن وكأنه دُفن في كفن النسيان.
- كما يذكّر بانتهاء العالم وخرابه يوم القيامة.

وفي تلك اللحظات قد يشعر الإنسان بأن كل شيء زائل وفانٍ ولا بقاء له.

وعندما تتوارد إلى الذهن أسئلة مثل:

- ما مصيرنا بعد ذلك؟
- هل توجد آخرة حقًا؟

تأتي الكلمة العاشرة وكأنها تجيب:

- لا تقلقوا، فبعد هذه الدنيا توجد آخرة، ولن يضيع شيء من الوجود. فالله سبحانه باقٍ، وهو الذي يمنح مخلوقاته البقاء على الوجه الذي تقتضيه حكمته.

ولهذا فإن الكلمة العاشرة تثبت البعث والآخرة بعد الموت، بنفس درجة اليقين التي يأتي بها الصباح بعد الليل، ويأتي بها الربيع بعد الشتاء.
 


45-) ما الذي يُشرح إجمالًا في الأساس الأول من الكلمة الثانية عشرة؟ هل يمكنكم بيانه بإيجاز؟

توضح الكلمة الثانية عشرة، في خطوطها العامة، كيف ينظر القرآن والفلسفة إلى الكون، وتُبرز الفرق بين النظر إلى الأشياء بـ «المعنى الاسمي» والنظر إليها بـ «المعنى الحرفي».

«نعم، إن القرآن الحكيم هو أسمى مفسّر وأبلغ مترجم لهذا الكون العظيم الذي هو بمنزلة قرآن كوني كبير.»

فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي يشرح الكون ويترجم حقائقه بأكمل صورة وأدق بيان بين جميع الكتب الإلهية.

فعلى سبيل المثال، فإن الموت، وهو من أعظم الأحداث في حياة الإنسان، يُنظر إليه في الفلسفة المادية أو غير المؤمنة على أنه فوهة بئر مظلمة تؤدي إلى العدم والفناء الأبدي.
أما في نظر القرآن، فهو بداية السعادة الأبدية، والقبر بالنسبة للمؤمن باب مفتوح إلى عالم الآخرة وروضة من رياض الجنة.

وكذلك الدنيا؛ ففي نظر الفلسفة غير المؤمنة هي ساحة عبثية بلا غاية أو نتيجة، ولعبة في يد الطبيعة الصمّاء والقوى العمياء، ومأتم لأصحاب الشعور، ومذبح للكائنات الحية ومكان للأحزان.

أما في نظر القرآن، فالدنيا كتاب مملوء بالمعاني والحِكم، يعكس أسماء الله الحسنى، ويثمر حياة الآخرة ويقود إليها.

وبعبارة مختصرة، فإن الأصل الأول من الكلمة الثانية عشرة يبيّن أن القرآن يفسّر الكون والأحداث تفسيرًا يكشف عن حكمتها وغايتها، بينما تنظر إليها الفلسفة المادية نظرة تقتصر على ظاهرها المادي فتغفل معانيها العميقة وغاياتها الحقيقية.


46-) هل يمكننا القول إن الزلازل والكوارث الأخرى مرتبطة بذنوب الناس؟ أم قد لا يكون لها أحيانًا أي علاقة بذلك؟

إن جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى بمعنى الآية:

﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾(الحديد: 22).

وروى ابن ماجه عن رسول الله ﷺ :

1. لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بها إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ مضت في أسلافِهم الَّذين مضَوْا.

2. ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشدَّةِ المؤنةِ وجوْرِ السُّلطانِ عليهم .

3. ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ ولولا البهائمُ لم يُمطَروا

4. ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم

5.  وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ تعالَى ويتخيَّروا فيما أنزل اللهُ إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم

إن للبلايا والمصائب التي تنزل بالأفراد أو بالمجتمعات أسبابًا كثيرة، منها:

* الانحلال الأخلاقي.
* الترف والمجون.
* الفواحش.
* شرب الخمر.
* القمار.
* الربا.
* الإسراف.
* الظلم.
* خيانة الأمانة.
* منع الزكاة.
* كفران النعمة.
* التعدي على حقوق العباد.
* عقوق الوالدين.
* التقصير في العبادة والطاعة.

فهذه الأمور قد تكون سببًا في نزول البلاء والمحنة.

كما أن بعض المصائب تكون إنذارًا ربانيًا؛ فإذا ابتُلي الإنسان بمثل هذه المصائب فعليه أن يعدّها تنبيهًا من الله تعالى، فيرجع إليه بالتوبة والاستغفار والالتجاء.

وجميع البلايا والمصائب تدل على تصرف الله تعالى وتربيته لعباده، وهي كذلك وسيلة لإيقاظ الناس وتنبيههم. وقد دعا القرآن إلى الاعتبار بما حل بالأمم السابقة، فقال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ (الروم: 42).

ولكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم، وهو أن ليس كل مصيبة نتيجةً لذنب أو معصية.

فكم من أناس أمضوا حياتهم في الذنوب ولا يكادون يلاقون في الدنيا شدة تُذكر، وكم من أهل الإيمان والصلاح كانت حياتهم مليئة بالمحن والابتلاءات. ذلك أن الله تعالى يبتلي كثيرًا من عباده، بل يبتلي حتى أولياءه وأحبّاءه من العظماء، فيرفع بذلك درجاتهم.

ولذلك لا يجوز أن نفسر كل مصيبة على أنها مجرد عقوبة أو غضب إلهي. فقد أخبر النبي ﷺ أن:

[أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ]

ومن هنا يجب ألا نقع في خطأ تفسير كل بلاء بأنه تجلٍّ لاسم الله القهّار فقط.

فبحسب القاعدة التي يذكرها بديع الزمان سعيد النورسي:

«المصيبة قد تكون نتيجة جناية، وقد تكون مقدمة لمكافأة.»

فالمصيبة لا تحمل فقط آثار اسم القهّار، بل تتجلى فيها أيضًا أسماء الله الحكيم والكريم والرحيم وغيرها، من خلال ما يترتب عليها من حكم وثواب وألطاف خفية.

وعليه، عندما ننظر إلى أناس فقدوا أرواحهم أو أموالهم في زلزال مثلًا، فإن الاقتصار على اعتباره تجليًا لاسم القهّار وحده يكون نظرًا ناقصًا. بل ينبغي أن نبحث أيضًا عن الحكمة والرحمة الإلهية الكامنة وراء ذلك.

فبسبب هذه المصيبة قد تتحول الأموال الفانية التي فقدها أصحابها إلى صدقة جارية في ميزانهم، وقد ينال المتوفون بسببها ثوابًا وأجورًا خاصة في الآخرة.

ولهذا فإن الأستاذ بديع الزمان يرى أن المصائب هي من «إجراءات الربوبية الإلهية وتدبيرها»، وأنها لا تُفهم دائمًا على أنها عقوبات محضة، بل قد تكون ابتلاءً، أو تنبيهًا، أو تطهيرًا للذنوب، أو سببًا لرفع الدرجات، أو مظهرًا لحكمة ورحمة إلهيتين لا يدركهما الإنسان من النظرة الأولى.

 


 


47-) هل يمكنكم توضيح العلاقة بين الآية الواردة في بداية الكلمة الثامنة وبين الكلمة الثامنة نفسها؟

 

وردت في بداية الدرس الآيتان الكريمتان التاليتان

﴿ اَللّٰهُ لَٓا اِلٰهَ اِلَّا هُوَۚ اَلْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ (البقرة:٢٥٥)
﴿ اِنَّ الدّ۪ينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْاِسْلَامُ ﴾ (آل عمران:١٩)

وتبدأ الكلمة الثامنة بهذه العبارة

( إذا أردتَ أن تفهم ما الدنيا وما دورُ الروح الإنسانية فيها، وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب، وأن الشخصَ الملحد هو أشقى المخلوقات، وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله».. أجل، إذا كنتَ تريد أن تفهم كل ذلك، فأنصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتفكّر فيها مليا )

إن هذه الفقرة الافتتاحية تُعدّ في الوقت نفسه ملخصاً للموضوع، كما تُظهر علاقته بالآيات الكريمة

فالآية الأولى تعبّر عن أعظم مقام من مقامات التوحيد، وتلفت النظر إلى مدى حاجة الإنسان إلى التوحيد في كل لحظة من حياته. كما تُبرز مدى عبثية الحياة وفقدان معناها بالنسبة لمن لا يؤمن بمثل هذا التوحيد

أما التمثيل الوارد في بقية الدرس، فإنه يشرح هذه الحقيقة بصورة رائعة؛ إذ يبيّن كيف يمنح الإيمان بالتوحيد الإنسان سعادة حقيقية، وكيف يقع غير المؤمن في حالة مؤلمة وتعيسة. ولذلك فإن الكلمة الثامنة تُعدّ بمثابة تفسير معنوي لآية الكرسي

كما أن عبارة

(وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله»..)

تؤكد هذا المعنى أيضاً

أما قوله تعالى

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

فهو مرتبط بالعبارات التالية من الفقرة

( وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب)

أي إن السبيل والطريق الوحيد الذي يقود الإنسان إلى السعادة في الدارين هو الدين الحق، وهو الإسلام.

 


48-) في الكلمة العاشرة نرى كثيرًا كلمة "النشر" إلى جانب "الحشر". فكيف ينبغي أن نفهم معنى "النشر"؟

الحشر يعني: إحياء الخلائق من جديد ثم جمعهم في ساحة المحشر.

أما النشر فيعني: انتشار تلك المخلوقات التي جُمعت أو أُحييت، وتفرّقها وتوزّعها.

ويُستعمل هذا التعبير أيضًا في الدنيا، ولا سيما في فصل الربيع؛ حيث تُبعث الكائنات الحية من جديد (أي تُحشر)، ثم مع مرور الوقت تتكاثر وتنتشر في كل مكان.

فبعض أفراد الكائنات التي بقيت من الصيف الماضي تُحفَظ وتُصان. وعندما يحين وقتها في الربيع، تُبعث تلك الآثار الباقية وكأنها أُحييت من جديد. ثم إن هذه الكائنات التي أُعيد إحياؤها تتكاثر مع الزمن وتنتشر في كل الجهات.

وعليه، فإن النشر يعني: تكثير نماذج الإحياء والبعث، وإظهارها وانتشارها على نطاق واسع في كل مكان.

نعم، حتى في هذا العالم الذي هو دار الحكمة، توجد من أمثلة الحشر والنشر وشواهدهما ما لا يُحصى، بحيث لا ينبغي لمن يملك عقلًا سليمًا أن يتجرأ على إنكار البعث في الآخرة، وهي دار القدرة الإلهية.

وخلاصة القول:

الحشر: الإحياء بعد الموت والجمع.
النشر: انتشار الأحياء بعد إحيائهم، وتكاثرهم وتوزعهم في كل مكان.

وبعبارة أخرى، فالنشر هو إظهار آثار الحشر وتوسيعها ونشرها بصورة كثيفة وشاملة.


49-) هل يمكنكم شرح "الأساس الثاني" من الكلمة الثانية عشرة بشكل عام ومجمل؟

الإنسان الذي تربّى على الفلسفة المادية قد يصل به الأمر إلى أن يجعل نفسه وهواه معبودًا له، كما فعل فرعون، فيقدّس رغباته ويجعلها المعيار الأعلى في حياته.
وقد لا يعرف الله حق المعرفة، ومع ذلك يذلّ نفسه من أجل مصالح دنيوية تافهة، حتى إنه قد ينحطّ إلى أقصى درجات المهانة لتحقيق منفعة زائلة. فهو يتخذ من كل مصلحة دنيوية إلهًا له، ولأنه ينكر الحياة الأبدية، يحصر سعادته في اللذات الدنيئة الفانية، ولا يسعى إلا إلى إشباع شهوات نفسه ورغباتها.

وأعظم هدف عنده في الحياة هو تحقيق المنفعة الشخصية وإرضاء الهوى. ولهذا لا يُنتظر من مثل هذا الإنسان أن يبذل جهده بإخلاص من أجل الإنسانية أو الأمة؛ فهو لا يحب إلا نفسه، وإن أحب غيره فإنما يحبه لمصلحة تعود عليه.

كما أن تلميذ الفلسفة المنكر للدين يكون متصلبًا وعنيدًا في التسليم للحق، لكن هذا العناد يذوب أمام اللذات الدنيوية الرخيصة، فيصبح كالمتسوّل الحقير أمام نعم الدنيا. وسبب هذا التذلل أنه ينسب النعم إلى الأسباب لا إلى الله تعالى.

وهو كذلك متكبر ومتجبر، لكن لأنه لا يملك إيمانًا يستند إليه ويعتمد على الله من خلاله، فإنه يعيش خائفًا مرتعدًا من كل شيء ومن كل حادثة.
فكما أن الإيمان هو مصدر الشجاعة، فإن الكفر والإنكار هما مصدر الجبن والخوف.

أما التلميذ المخلص للقرآن الكريم، أي المسلم الذي تربّى على هدي القرآن، فهو عبد خالص لله تعالى. وهو عبد عزيز كريم إلى درجة أنه لا يجعل حتى نعمة عظيمة كالجنة غايةً نهائية لعبادته وعمله، بل يبتغي رضا الله قبل كل شيء.

وهو متواضع ولين الجانب، لا يتصف بالتجبر أو الخشونة في معاملته للناس، بل بالحلم والرفق. لكنه مع ذلك لا يخضع ولا يتذلل إلا لله تعالى، وذلك لما يمنحه الإيمان من عزة وكرامة.

كما أنه لا يرى في نفسه قوة أو قدرة مستقلة، بل ينسب كل خير إلى الله تعالى. ولأنه لا يطلب إلا من الله، فإنه يستغني عن الخلق ولا يشعر بالحاجة إلى التذلل لأحد أو انتظار المنة من أحد. واعتماده على قدرة الله يجعله يشعر بقوة لا حد لها.

أما هدفه في الدنيا وغاية سعيه فهي الفوز برضا الله تعالى وحده.

وهكذا يظهر الفرق العظيم بين تلميذ الوحي الإلهي وتلميذ الفلسفة المادية.
 


50-) في المصائب العامة كالزلازل، يُذكر أن الذين تشملهم الرحمة الإلهية هم الأبرياء والمظلومون.أليس الإيمان شرط لنيل عناية الرحمة الإلهية؟

يقول بديع الزمان سعيد النورسي:

« فما دامت المصيبة تصيب كلاّ من الظالمين والمظـلومين معا، وفق الحكمة الإلهية، فما نصيب أولئك المظلومين من العدالة الإلهية ورحمتها الواسعة؟»

ثم يجيب:

«  إن هناك تجليا للرحمة في ثنايا ذلك الغضب والبلاء، لأنّ أموالَ أولئك الأبرياء الفانية ستُخلَد لهم في الآخرة، وتُدّخر صدقةً لهم، أما حياتُهم الفانية فتتحول إلى حياة باقية بما تكسب نوعا من الشهادة؛ أي إن تلك المصيبة والبلاء بالنسبة لأولئك الأبرياء نوع من رحمة إلهية ضِمن عذاب أليم موقت، حيث تمنح لهم بمشقة وعذاب مؤقتين، وقليلين نسبيا، غنيمة دائمة وعظيمة.» (الكلمات، ذيل الكلمة الرابعة عشرة)

أولًا، لنتوقف قليلًا عند السؤال:

«أليس الإيمان شرطًا لنيل عناية الرحمة الإلهية؟»

إن الله تعالى رحمن، ومعنى الرحمانية أن الله يرزق جميع المخلوقات في الدنيا، مؤمنها وكافرها، إنسانها وحيوانها، ويقضي حاجاتها.

وجاء في كتاب الكلمات -اللوامع ما يلي:

« إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.»

فكما أن الرزق حقٌّ من حقوق الحياة، كذلك الشفاء أيضًا من حقوقها. ولهذا فإن تجليات أسماء الله تعالى مثل الرزاق والشافي لا تتوقف على الإيمان. فهذه التجليات لا تنظر إلى كون المخلوق مؤمنًا أو كافرًا، بل تنظر إلى حقيقة كونه حيًّا وما تحتاجه حياته، فتُمنح له تلك الحاجات.

وهذا من مقتضيات كون الدنيا دار امتحان؛ إذ لو اختصت نعم الحياة بالمؤمنين دون غيرهم لبطل سر الابتلاء.
فالنور والهواء مثلًا من ضرورات الحياة، ولو مُنعا عن غير المؤمنين لفسد نظام الامتحان.

وعليه، فإن عناية الرحمة الإلهية في الدنيا تشمل جميع الناس وسائر الأحياء. أما الرحمة الخاصة في الآخرة، ودخول الجنة ونيل نعيمها، فإن الإيمان شرط أساس لها.

ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «نوع من الشهادة» الواردة في النص تُفهم بمعنى «الشهادة الحُكمية»، وهذا لا يكون إلا لأهل الإيمان.

فكما أن المؤمن الذي يُقتل في سبيل الله يُعد شهيدًا، فقد ورد في الأحاديث أن من يموت في بعض الحوادث، أو الأمراض الشديدة، أو أثناء الولادة، أو في طلب العلم، يُعطى حكم الشهيد أيضًا. والفرق بين هؤلاء وبين الشهيد الحقيقي أن أصحاب الشهادة الحُكمية يُغسَّلون ويُكفَّنون، أما الشهيد في المعركة فيُدفن بثيابه.

أما غير المؤمنين، فإن معاناة الأبرياء والمظلومين منهم لا تذهب سدى كذلك. فليس الظالم الكافر والمظلوم الكافر سواءً في الجزاء والعقوبة.

وقد دلّ قوله تعالى في سورة الزلزلة:

- ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8)﴾(الزلزلة: 7-8)

على أن جميع الناس سيجدون أعمالهم يوم القيامة مكتوبةً أمامهم، ويرون نتائجها كاملة. فالآية لم تخص المؤمنين وحدهم، بل شملت كل البشر؛ لأن قوله تعالى «فَمَن يَعۡمَلۡ » عام يشمل الجميع.

الخلاصة:

- الرحمة العامة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، والإنسان والحيوان.
- المصائب العامة قد تتضمن وجوهًا من الرحمة والحكمة حتى لمن يصيبهم البلاء.
- الشهادة بمعنى الثواب الأخروي الخاص تكون لأهل الإيمان.
- أما غير المؤمنين فلا يضيع ما لحقهم من ظلم أو معاناة، بل يُراعى ذلك في ميزان العدل الإلهي، إذ لا يساوى المظلوم بالظالم عند الله تعالى.
- وكل عمل، خيرًا كان أو شرًا، سيظهر أثره وجزاؤه يوم القيامة.
 


51-) ما ضرورة الالتزام بالقانون والنظام؟

يوجد نوعان من القوانين والأنظمة:

النوع الأول: القوانين والسنن الفطرية الكونية التي ترجع إلى صفة الإرادة والقدرة الإلهية، وهي القوانين التي تنتظم بها شؤون الكون كافة، وتُدار وفقها جميع الموجودات والتصرفات. ومن أمثلة ذلك: قوة دفع الماء، وتأثير البرد في الإحساس بالزمهرير، وإحراق النار، وأن من جدَّ واجتهد نال ثمرة سعيه؛ فكل ذلك من نتائج سنن الله تعالى الجارية في الكون.

فمن يقول: «أنا مسلم، ولن تحرقني النار»، ثم يُدخل يده فيها، فإنه يحترق. ومن يزعم أن البرد لا يؤثر فيه، ثم يخرج في شدة الصقيع من غير وقاية، فلا يكاد يسلم من المرض. ومن أراد أن يعيش في هذه الدنيا حياة سعيدة مستقرة، فعليه أن يلتزم بسنن الله تعالى وقوانينه الكونية الجارية في الخلق. فالذين يخالفون هذه السنن يقعون في الشقاء والاضطراب، أما الذين يأخذون بأسبابها ويعملون بمقتضاها، فإنهم ينالون – بفضل الله تعالى – حياةً يسودها الرخاء والاستقرار.

أما النوع الثاني من القوانين والأنظمة: فهو ما صدر عن صفة الكلام الإلهي، مما بلّغه الله تعالى في القرآن الكريم، وبيّنه رسول الله ﷺ من أوامر ونواهٍ وتشريعات تنظّم حياة الإنسان التعبدية والاجتماعية، ويُطلق على ذلك اسم «الشريعة». ومن خالف هذه الأوامر الإلهية فإن عقوبته تكون – في الغالب – في الدار الآخرة. والمقصود بالقانون والنظام في هذا السياق ينصرف غالبًا إلى هذا النوع من التشريع.

فالذين يلتزمون بكلا النوعين من القوانين الإلهية؛ الكونية والتشريعية، ينعمون بحياة طيبة في الدنيا، ويفوزون بالسعادة الأبدية في الآخرة.

 


52-) عندما نوضح حقيقة: "لا توجد قرية بلا مختار (رئيس أو مسؤول)"، يلجأ بعض الناس إلى المغالطة ويقولون: "ولكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك ". فكيف يمكن توضيح الأمر؟

لنبيّن أولاً أن الأساليب البلاغية مثل التمثيل والتشبيه والقياس التمثيلي هي وسائل تُقرّب الحقائق إلى الأذهان وتساعد على فهمها بصورة أفضل.
وليس من الصحيح أن نُطبّق كل جزئية من هذه الوسائل على الحقيقة تطبيقاً حرفياً كاملاً.

فعلى سبيل المثال، عندما يُقال: "هذا رجل كالأسد"، فإن تشبيه الرجل بالأسد يلفت الانتباه إلى قوته وشجاعته.
ولا يصح لأحد أن يعترض قائلاً: "لكن الأسد حيوان مفترس!"؛ لأن المقصود من التشبيه هو إبراز جانب معين وإبرازه للنظر، وليس إجراء مقارنة مطابقة من جميع الوجوه.

ومثال "لا توجد قرية بلا مختار" يدل على أنه إذا وُجد في مكان ما انسجامٌ وإتقانٌ كاملان، وكانت آثار هذا النظام ظاهرة في كل جانب، فإن ذلك يشير إلى وجود مدير أو مسؤول كامل الكفاءة يدير ذلك المكان.

أما الاعتراض بقول: "لكن هناك أيضاً نظام الحكم المشترك" فهو من قبيل الجدل والمغالطة وصرف الكلام عن مقصوده.

فالنقطة الأساسية في التشبيه وموضوعه الرئيس هي هذه العلاقة والدلالة المقصودة، لا المطابقة التامة بين جميع التفاصيل.
 


53-) كيف نفهم العبارة: «الفلسفة الملحدة مغالطة لا حقيقة فيها، وهي إهانة للكون»؟

تنقسم الفلسفة إلى قسمين: فلسفة إيجابية وفلسفة سلبية.

فالفلسفة الإيجابية هي التي تتوافق مع الدين، وتؤيده وتقويه، وتسعى إلى خدمة البشرية وتحقيق الخير والمنفعة لها.
وهذا الفهم الفلسفي يساعد على إدراك حكمة القرآن، ويخدم مصلحة المجتمع وتقدمه وتطوره.

أما الفلسفة السلبية فهي التي تجعل العقل وحده أساسًا مطلقًا، وتتحدى الوحي وتعادي الدين.
وهذه الفلسفة تنظر إلى الكون والموجودات بالنظر إليها لذاتها فقط، أي إنها لا ترى الكون مدرسةً تُعرِّف بأسماء الله وصفاته، بل تعتبره مجموعة من المصادفات العمياء التي لا معنى لها ولا صانع وراءها.

ولهذا فإن الفلسفة الملحدة، أو الفلسفة التي تسير في طريق معادٍ للدين، تقوم في أساسها وجوهرها على المغالطات والجدل العقيم، وعلى محاولة إظهار الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل.

والحال أن أعظم حكمة وغاية من خلق الكون هي التعريف بالله تعالى وتحبيب الخلق إليه.
ولأن الفلسفة السلبية تحجب هذه الحكمة العظيمة وتتنكر لها، فإنها تكون قد اعتدت على حقوق الكون وأهانت منزلته.
وهذا يُعد ظلمًا كبيرًا، وجورًا وإساءة بالغة.

فعلى سبيل المثال: إذا قُرئَت الشمس وعُلِّمت للناس على أنها مجرد كتلة مادية تائهة تدور بلا هدف ولا غاية، مع أن فيها تجليات لأسماء الله الحسنى وتقوم بوظائف عظيمة في نظام الكون، فإن هذا الفهم يُعد إهانةً للشمس من حيث ما تحمله من حكم ومقاصد أودعها الله فيها.

وبعبارة أخرى: إن النظر إلى الموجودات على أنها بلا معنى ولا غاية ولا دلالة على خالقها، هو انتقاص من قيمتها الحقيقية، لأن كل موجود في الكون يؤدي دورًا في التعريف بخالقه وإظهار آثار أسمائه وصفاته.
ولذلك فإن الفلسفة التي تنكر هذه الحقيقة تكون قد احتقرت الكون وأفرغته من معناه السامي.
 

 


54-) "هل يمكنك شرح طبيعة هذا العالم وقيمته، والروح الإنسانية بداخله، ودور الدين في البشرية، وكيف سيكون العالم سجناً لو لم يكن الدين الحق موجوداً؟"

(إذا أردتَ أن تفهم ما الدنيا وما دورُ الروح الإنسانية فيها، وما قيمةُ الدين عند الإنسان، وكيف أنه لولا الدينُ الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب، وأن الشخصَ الملحد هو أشقى المخلوقات، وأن الذي يحل طلسمَ العالم ولغزَه المحيّر وينقذ الروحَ البشرية من الظلمات إن هو إلّا «يا الله».. «لا إله إلَّا الله».. أجل، إذا كنتَ تريد أن تفهم كل ذلك، فأنصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتفكّر فيها مليا)

ثم يذكر المؤلف في «الكلمة الثامنة» قصة أخوين خرجا في سفر طويل، حتى وصلا إلى مفترق طريقين، فشاهدا عنده رجلًا ذا هيبة ووقار فسألاه عن الطريق... ومن خلال هذا التمثيل يُجري مقارنة بديعة بين حال المؤمنين وحال المنكرين.

فقد بُيّن فيه أن الذين آمنوا بدين الإسلام، وطبقوا حقائقه السامية في حياتهم، يعيشون في الدنيا حياةً يسودها الطمأنينة والسكينة، وينالون في الآخرة السعادة الأبدية، بينما ينتهي حال المنكرين إلى الشقاء والضيق وسوء العاقبة.

إن الإنسان الذي ينظر إلى الموجودات والحوادث بعين الإيمان والهداية، يرى في كل شيء جانب الخير والحكمة والجمال، فيسعد بذلك ويطمئن قلبه. وحتى الأمور التي تبدو في ظاهرها شرًا أو قبحًا، فإنه يردّها إلى حكمة الله وقدره، فيعيش في مقام التسليم والتوكل، فلا تعكر صفو حياته الآلام العارضة. ومن هنا قيل: «من آمن بالقدر أمِنَ من الكدر». فالإسلام بهذا المعنى ليس دين الآخرة فحسب، بل هو كذلك وصفة لسعادة الدنيا وراحة النفس.

أما من خلا قلبه من نور الإيمان، فإنه يرى الجانب المظلم من الأشياء، أو يظن ذلك، فتتحول حياته إلى سلسلة من العذاب والقلق. فلا يكاد يعرف للطمأنينة سبيلًا، بل يهرب إلى اللهو والمتع لينسى الموت والمصير. غير أن اندفاع الإنسان وراء اللذات المحرمة، مع أن الموت يلاحقه والقبر أمامه، ليس إلا لونًا من خداع النفس وغفلتها.

وخلاصة الأمر: أن من أحسن النظر أحسن التفكير، ومن أحسن التفكير وجد لذة الحياة ومعناها.

فإن اللذة الحقيقية، والسرور الخالي من الألم، والسعادة الصافية، إنما توجد في دائرة الإيمان وحقائقه.

أما الغافلون المنغمسون في اللهو والشهوات، فقد لا يشعرون بهذه المعاني الدقيقة؛ لأنهم يفرّون إلى الملذات هربًا من آلام الفراغ الروحي والقلق الوجودي.

ولهذا قيل: مهما تكن عاقبة الدنيا، فإن ترك الشهوات المحرمة أولى بالإنسان؛ لأن العاقبة لا تخرج عن حالين:
إما سعادة أبدية تُنال بترك اللذات الفانية،
وإما شقاء دائم.

فهل يمكن لمن ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه أن يستمتع بزينة منصة الإعدام أو زخرفتها؟

وكذلك من يتوهم – بدافع الكفر – أن نهاية الإنسان هي العدم المطلق، فإنه يعيش في عذاب نفسي مستمر؛ لأن ألم الفناء والانقطاع يتجدد في قلبه كل لحظة، ولا تستطيع اللذات العابرة أن تطغى على هذا الألم العميق.

ومن هنا، فإن من يرى الموت فناءً مطلقًا، يكون أبعد الناس عن التمتع الحقيقي بالدنيا؛ لأن كل لذة عنده مشوبة بخوف الزوال والانتهاء.

وكلما اشتد تعلق الإنسان بملذات الدنيا وألفها، كان فراقها أشد ألمًا وحسرة.

وفي هذا المعنى جاء التعبير القرآني: «لا يموت فيها ولا يحيا»، تصويرًا لما يعتري الكافر من عذاب نفسي واضطراب دائم.

إن الدين والإيمان إكسير يهب الأشياء معناها الجميل، فمن رزقه الله نور الإيمان عاش في الدنيا مطمئن النفس، وفاز في الآخرة بالسعادة الأبدية، أما من حُرم هذا النور فإنه يعيش في ضيق وكدر، ويؤول أمره إلى العذاب الأليم.


55-) لماذا توجد الجنة والنار؟

لقد تم شرح وإثبات وجود الجنة والنار بشكلٍ موسّع في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين".
ونظراً لطول الموضوع، لا يمكننا تناول جميع جوانبه هنا، لكن يمكننا ذكر بعض الأمثلة بإيجاز.

إن السبب الأعظم لخلق الآخرة، أي حياة الجنة والنار، هو أن أسماء الله تعالى تقتضي ذلك. فكل اسم من أسماء الله الحسنى يستلزم وجود الآخرة.

فعلى سبيل المثال: إن اسم الله العدل، من خلال تجلّيه في الكون بصورة لا متناهية، يثبت وجود الله تعالى، كما يقتضي وجود الآخرة.
ذلك أن كثيراً من المظلومين يرحلون من الدنيا قبل أن ينالوا حقوقهم، وكثيراً من الظالمين يمضون دون أن يلقوا جزاءهم.
والحال أن العدالة المطلقة لا تسمح باستمرار هذا الظلم دون حساب؛ فلا بد إذن من دار أخرى يُفصل فيها بين الناس وتُؤدّى فيها الحقوق.
أي إن عدل الله اللامتناهي يقتضي وجود الآخرة.

وكذلك فإن جميع أسماء الله تعالى وصفاته الأخرى تثبت ضرورة وجود الحياة الآخرة وتدل على لزومها وواقعيتها.
 


56-) يستشهد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بالآيات التالية ( الأنبياء:104، الأعراف:54، يس:53 ) كدليل على أن الحقائق السامية في القرآن لا يمكن أن يعبّر عنها الأسلوب الشعري البسيط والضعيف. لكنه لا يدخل في تفاصيل ذلك ولا يشرحه. فهل يمكنكم المساعدة في شرحها؟

- { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ }(الأنبياء: 104)

- { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } (الأعراف: 54)

- { إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }(يس: 53)

هذه الآيات الكريمة تعلّم بأسلوب رفيع جدًّا قدرة الله وعظمته وعدله. وهي آيات تثير في أرواحنا معاني الدهشة والخشية والهيبة، ولا يمكن التعبير عنها بأسلوب شعري يهدف إلى الإمتاع أو التزيين اللفظي.

ومن جهة أخرى، فإن الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات، بحكم طبيعة موضوعاتها، يكون من الأنسب والأوفق بالحكمة أن تُعبَّر عنها بأسلوب واضح ومجرّد وسهل الفهم، لا بأسلوب شعري مزخرف.

وربما يُتصوَّر أن الآيات التي تتحدث عن جمال الكون الباهر والظواهر المليئة بالحكمة يمكن أن تأتي في قالب شعري. غير أن الله تعالى أنزل تلك الآيات التفكرية أيضًا بأسلوب سامٍ وعالٍ، ولم يخلط فيها خيالات الشعر وتصوراته، بل جاءت معبّرة عن الحقائق كما هي، في أرقى أساليب البيان.
 


57-) ما المقصود بالأحراش في «الكلمة الثامنة»؟ ولماذا لا يوجد ماء في البئر؟ ولماذا كان الهروب من الأسد؟ وهل في ذلك إشارة إلى الفرار من الموت والأجل؟

المقصود بـ الأحراش في هذا التمثيل هو الإشارة الكنائية إلى خفاء الأجل وغموض وقته؛ فالموت أشبه بأسدٍ كامنٍ في غابة لا يُدرى متى يخرج منها. ولما كانت أحوال الأخ الثاني في القصة مماثلة في الجملة لأحوال الأول، فقد يكون من أجل ذلك لم تُكرَّر بعض العبارات مرة أخرى.

والتمثيلات إنما تُساق لتقريب الحقائق البعيدة إلى الأذهان، فهي بمنزلة المنظار الذي يقرّب المعاني المعنوية إلى الفهم والإدراك. والبئر المذكور في «الكلمة الثامنة» يرمز إلى الحياة الدنيا المحدودة، التي يبلغ متوسطها نحو ستين سنة.

أما «الأسد» فهو رمز للأجل، وفرار الأخوين منه إشارة إلى استمرار الإنسان في التمسك بالحياة والسعي للبقاء إلى أن يأتيه الموت المحتوم. فالحياة الإنسانية تشبه نهرًا يبدأ منذ الولادة ويمضي بصاحبه حتى يبلغ نهايته.

وللهروب هنا معنى آخر كذلك، وهو التعبير عن الفطرة الإنسانية التي جُبلت على حب الحياة والخوف من الموت.

ولهذا فإن كراهية بعض الصالحين والعظماء للموت لم تكن ناشئة عن التعلق بالدنيا، وإنما لأن الموت يقطع عليهم الاستزادة من العبادة والطاعة. ومن هذا الباب ما ورد في شأن نبي الله موسى عليه السلام حين لطم ملك الموت، أي تعبيرًا عن شدة تعلقه بمقام العبودية والرغبة في مزيد من الطاعة والقرب من الله تعالى.

 


58-) في هذه الرسالة يُعرض أحد الموضوعات الثلاثة على أنه لغز خلق الإنسان. فهل لكون خلق الإنسان لغزاً علاقة بسرّ الابتلاء والامتحان الإلهي؟

المقصود باللغز هنا هو مسألة فهم الغاية الحقيقية من خلق الإنسان فهماً صحيحاً أو عدم فهمها.
وكسب هذا الامتحان أو خسارته أمرٌ متروك للإنسان نفسه.

بمعنى أن المفتاح الذي يفتح طلسم الكون وسرّ خلق الإنسان قد أُعطي للإنسان.
وهذا المفتاح هو الأنا والإرادة الجزئية الموجودة فيه.
فإذا استخدم الإنسان هذا المفتاح استخداماً صحيحاً، انفتح له ذلك الطلسم، وانحلّ ذلك اللغز، وأصبح الأمر واضحاً جليّاً.

أما إذا صرف الإنسان «الأنا» وإرادته في طريق الغفلة والضلال والكفر، فإن ذلك اللغز يتحول إلى حجاب كثيف مظلم، فلا يستطيع أن يرى حقائق الأشياء ولا أن يكتشف باطنها وحقيقتها.

وقد شُرح هذا الموضوع بالتفصيل في الكلمة الثلاثين، في مبحث الأنا.

 

 


59-) كيف يكون خلوّ القرآن من التناقض معجزة؟ فقد يكتب مؤلف كتابًا أيضًا دون أن يقع في التناقض!

إذا ألّف إنسان كتابًا في موضوع واحد بعد بحثٍ واسعٍ ومتعمّق، فمن الطبيعي أن لا يجد القارئ فيه تناقضًا أو اضطرابًا.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من المؤلفين تقع في كتبهم بعض التناقضات أو عدم الاتساق.

أما القرآن الكريم، فإنه يتناول جميع الموضوعات المتباينة والمتقابلة في انسجامٍ تام، دون أن يقع بينها أي تعارض أو تناقض.
وبيان ذلك:
فالقرآن يتحدث عن أركان الإيمان الستة بكل تفاصيلها، وأركان الإسلام الخمسة وما يتعلق بها من أحكام، والفرائض والواجبات، والحلال والحرام، وارتقاء الإنسان الروحي وانحطاطه، ونظام المجتمع وانسجامه، وأسس الحياة الاقتصادية والتجارية، وأحكام الحرب، وغيرها من الموضوعات المختلفة والمتشعبة.
ومع ذلك، لا يوجد أدنى تناقض بين المبادئ التي يقررها والأحكام التي يبينها في جميع هذه المجالات.

والإنسان لا يستطيع غالبًا أن يتعمق إلا في علمٍ أو علمين حتى يصبح متخصصًا فيهما.
أما القرآن الكريم، فإنه يشير إلى أصول العلوم كلها، ويتحدث ببيان يدل على الإحاطة بحقائقها وأسسها.

ولو كان القرآن – حاشا لله – من تأليف النبي ﷺ ومن عند نفسه، لظهر فيه كثير من التناقضات والاختلافات، ولاكتُشفت مع مرور الزمن.
غير أن القرآن منزَّه ومقدَّس عن مثل هذه التناقضات والاضطرابات، ولم يستطع أحد أن يثبت فيه تناقضًا حقيقيًا أو يدّعي ذلك بدليل قاطع.

والله أعلم.


 


60-) هل يمكنكم شرح الفكرة الرئيسية للكلمة التاسعة مع بيان لطائفها (النُّكَت) في جملة واحدة لكل منها؟

في هذه الكلمة يتم توضيح سبب أداء الصلاة خمس مرات في اليوم، مع شرح الحكمة والمصلحة الخاصة بكل وقت من أوقاتها.

اللطيفة الأولى:
يتم شرح معنى الصلاة، وبيان العلاقة بين الأذكار والتسبيحات الواردة فيها وبين حقيقة الصلاة.

اللطيفة الثانية:
يتم توضيح معنى العبادة، وشرح الدلالات والمعاني التي تعبّر عنها أقوال الصلاة وحركاتها.

اللطيفة الثالثة:
يُشار إلى شمولية الصلاة وكونها خلاصةً جامعةً لجميع أنواع العبادات.

اللطيفة الرابعة:
يتم بيان ما يقابل أوقات الصلوات الخمس في أعمار الإنسان والدنيا والكون، وشرح العلاقات القائمة بين هذه الأوقات.

اللطيفة الخامسة:
توضح حاجة العبد الروحية والقلبية إلى الصلاة في الأوقات التي يشير كل منها إلى مرحلة معينة من عمر الإنسان والكون، كما تبيّن ما ترمز إليه كل حركة من حركات الصلاة وما تعبّر عنه من معانٍ


61-) القرآن، بوصفه "مفسّر آيات كتاب الكون"، هل يمكنكم توضيح ذلك؟

التفسير يعني إظهار المعنى الخفي وشرحه، ومن يقوم بهذا العمل يُسمّى “مفسّرًا”.

وقد شرح أستاذ بديع الزمان سعيد النورسي مسألة كون القرآن مفسّرًا لهذا الكون بقوله:
(...إنّ القرآن الكريم إنّما يبحث عن الكائنات استطرادا، للاستدلال على ذات اللّٰه وصفاته وأسمائه الحسنى، أي يُفهم معاني هذا الكتاب، كتاب الكون العظيم كي يعرِّف خالقه.
أي أنّ القرآن الكريم يستخدم الموجودات لخالقها لا لأنفسها. فضلا عن أنّه يخاطب الجمهور.)(الكلمة التاسعة عشرة)

وقال أيضًا:

(.. فذكرُ الكائنات في القرآن إنما هو تبَعيّ واستطراديّ للاستدلال؛ إذ ما نزل القرآنُ لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا، بل إنما ذكرَ الكائنات للاستدلال بالصنعة الإِلهية والنِظام البديع على النَّظّام الحقيقي جلّ جلالُه، والحال أن أثر الصنعة والعمد والنظام يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكّل فلا علينا؛ إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي، فحينئذ ما دام أنه يبحث عنها للاستدلال، وما دام أنه يجب كونه معلوماً قبل المُدَّعى، وما دام أنه يُستحسن وضوحُ الدليل.. كيف لا يقتضي الإرشادُ والبلاغةُ تأنيسَ معتقداتهم الحسية، ومماشاةَ معلوماتهم الأدبية بإمالة بعض ظواهر النصوص إليها، لا ليدلّ عليها بل من قبيل الكنايات أو مستتبعات التراكيب مع وضع قرائن وأمارات تشير إلى الحقيقة لأهل التحقيق.)(إشارات الإعجاز، تفسير الآيتين 23-24 من سورة البقرة)

إذن، فإن كون القرآن مفسّرًا لهذا الكتاب العظيم (الكون) يعني الأمور التالية:

  • القرآن يتحدث عن الأسماء والصفات الإلهية المتجلية في هذا العالم، ويبيّن كيف أن كل مخلوق يعكس الأسماء الحسنى والصفات العليا.

  • القرآن يشرح شهادة المخلوقات على وجود الله ووحدانيته.

  • القرآن يُظهر عبادة المخلوقات وتسبيحها لله.

  • القرآن يعلّمنا المعاني الكامنة وراء مخلوقات هذا العالم.

  • القرآن يترجم لنا بلسان المقال ما تقوله المخلوقات بلسان الحال.

  • القرآن يبيّن كيف تشهد المخلوقات لسائر حقائق الإيمان الأخرى.

فالقرآن، من هذه الجوانب وغيرها، يعلّمنا معاني الكون وما فيه من مخلوقات، وبهذا يكون مفسّرًا للكون.

 

 


62-) ما الحكمة من انتهاء "الكلمة الثالثة عشرة" بهذه الفقرة: "إن البيانات القرآنية لا يمكن أن تستند إلى علم جزئي لبشر، ولا سيما إنسان أمي..."؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
{ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ } (الكهف: 1)

كما يبيّن المثال الذي أورده الأستاذ عن "الشجرة الغيبية" بصورة بديعة، فإن حقائق خلق الكون، وأسماء الله وصفاته وشؤونه الإلهية، وأفعاله الربانية، وأركان الإيمان والإسلام وتفصيلاتها؛ كل ذلك لا يمكن للبشر أن يحيطوا به من تلقاء أنفسهم أو أن يعلموه علمًا كاملًا.

والقرآن الكريم، بشرحه المفصل والمتقن لجميع هذه القضايا، يثبت أن الحقائق الغيبية الواردة فيه لا تستند إلى علم سيدنا رسول الله ﷺ الشخصي، وإنما إلى الوحي الإلهي.

فالله تعالى أنزل على عبده ورسوله الحبيب ﷺ القرآن الكريم، الخالي من كل تناقض أو اضطراب أو خطأ. ومهما حمدنا الله على هذه النعمة فلن نفيها حقها؛ لأننا تعلّمنا هذه الحقائق العظيمة، التي تفوق إدراك عقولنا بكثير، من نبينا الكريم ﷺ ومن الوحي الإلهي الذي نزل عليه.

فالحكمة من ختم هذا المبحث بهذه الفقرة هي التأكيد على النتيجة النهائية لما سبق بيانه: أن شمول القرآن لحقائق الغيب والكون والإيمان، مع سلامته التامة من التناقض والخطأ، دليل قاطع على أنه وحي من الله تعالى، وليس نتاج علم بشري محدود، ولا سيما علم رجل أميٍّ لم يتلقَّ علوم البشر وعلوم الفلاسفة.

والله أعلم.


63-) في الكلمة التاسعة، هل ينبغي التفكير في المعاني المذكورة للصلاة أثناء أدائها؟ وكيف يتحقق الخشوع في هذه الحالة؟

إن أعظم أركان الصلاة هو الخشوع وحضور القلب؛ أي أن يكون المصلي مدركًا أنه واقف بين يدي الله تعالى. أما بقية الأركان، كالركوع والسجود، فهي وسائل تعين على تحقيق هذا المعنى وتعميقه.

وفي هذا الشأن، يكفي أن ننقل كلام الأستاذ بديع الزمان:

( أرى انه يمكن التفكر بالمعاني الواسعة الرفيعة للتشهد وسورة الفاتحة، ولكن لا تُقصد تلك المعاني قصداً، وإنما بصورة تبعية، إذ الذي يورث الحضور القلبي نوعاً من الغفلة هي تفاصيلها. بينما معانيها المجملة تبدد الغفلة وتنور العبادة والمناجاة وتسطعها. فتظهر إظهاراً تاماً القيم الرفيعة للصلاة والفاتحة والتشهد. أما المراد من «عدم الانشغال قصداً» الوارد في ختام القسم الثاني هو أن الانشغال بتفاصيل تلك المعاني بالذات قد تنسي الصلاة أحياناً وربما تخل بسكينة القلب والحضور. وإلاّ فإني اشعر بفوائدها العظيمة إذا كان التفكر تبعي وبشكل مختصر.)( الشعاع الخامس عشر- حاشية )

 


64-) ما هي "حقيقة الصلاة"؟ هل يمكنكم توضيحها؟

يمكن تلخيص حقيقة الصلاة في أربع كلمات: التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد.

فـ “لا إله إلا الله” هي التهليل، و“الله أكبر” هي التكبير، و“سبحان الله” هي التسبيح، و“الحمد لله” هي التحميد.

وهذه الكلمات الأربع هي لبّ الإسلام، وخلاصة القرآن، وجوهر العبادة، وحقيقة الصلاة.

وقد أشارت الأحاديث النبوية إلى هذا المعنى كما يلي:

[ إنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللهِ: سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه.](مسلم)

وقال رسول الله ﷺ:
[كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ] (مسلم)

وفي الحقيقة، فإن هذه الكلمات الأربع وما تتضمنه من معانٍ تتكرر في كل حركة من حركات الصلاة؛ فالإنسان طوال صلاته يسبّح الله، ويكبّره، ويحمده، ويهلّله.

 

 


65-) في الكلمة الثالثة عشرة كيف يوجد داخل سورة الإخلاص ستٌّ وثلاثون سورة إخلاص؟

{ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4)}

يُذكر في الكلمة الخامسة والعشرين أن لسورة الإخلاص ست جمل، ويقال فيها:

- " فكلُّ جملة منها تكون دليلا للجمل الأخرى كما تكون نتيجةً لها.

- ...أي إن سورة الإخلاص تشتمل على ثلاثين سورةٍ من سور الإخلاص." ( الكلمة الخامسة والعشرون، الشعاع الأول)

كما ورد هذا العدد "ثلاثون" في مبحث الإخلاص في كتاب اللمعات. أما هنا فقد ورد العدد "ستة وثلاثون". وسنقوم أولًا بالشرح اعتمادًا على العدد "ثلاثون"، ثم نتطرق بإيجاز إلى العدد "ستة وثلاثون".

لسورة الإخلاص ست جمل، وكل جملة منها تثبت الجمل الخمس الأخرى غيرها. وبذلك يكون لدينا:

6 × 5 = 30 جملة إثبات.

 

لنأخذ مثالًا عبارة:

ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ }

فينتج عنها خمس جمل حكمية:

ما دام ٱللَّهُ صَّمَدُ،
إذن فلا حاجة له إلى الإنجاب ولا إلى أن يولد { لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ}. (1)، (2)

وإذن فلا يمكن أن يكون له مثيل أو نظير: { وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ }. (3)

وإذن فإن المتصف بهذه الصفات هو وحده: {هُوَ ٱللَّهُ}. (4)

وإذن فهو {أَحَدٌ}، أي إن ذاته واحدة. (5)

وعندما نأخذ الكلمات الخمس الأخرى بالتتابع، ونجعل كل واحدة منها في البداية ثم نرتب الكلمات الأخرى بعدها، فإننا نستخرج من الجمل الست ثلاثين جملة حكمية.

أي إننا، كما في المثال السابق، نبدأ كل مرة بقولنا: "ما دام..." ثم نستنتج حكمًا بقولنا: "إذن...". وهذه الجمل الحكمية التي تبدأ بـ "إذن" عددها:

6 × 5 = 30

أما بالنسبة للعدد "ستة وثلاثون"، فالمقصود هنا ليس عدد الأحكام (النتائج)، بل عدد الجمل.

فإذا كتبنا الكلمات الست تحت بعضها، ثم أضفنا إلى جانب كل واحدة منها خمس جمل حكمية، أصبح لدينا ستة وثلاثون عنصرًا.

أي إن:

* عدد الجمل = 36
* عدد الأحكام (النتائج) = 30

السبب — النتيجة (الحكم)

1 2 3 4 5 6

2 3 4 5 6 1

3 4 5 6 1 2

4 5 6 1 2 3

5 6 1 2 3 4

6 1 2 3 4 5


 


66-) ماذا يعني التعبير: «الأمر بالصلاة»؟

 

إن التعبير «الأمر بالصلاة» يقصد به أوامر الله تعالى المتعلقة بإقامة الصلاة، وقد تكرر هذا الأمر في آيات كثيرة من القرآن الكريم.

ومن هذه الآيات ما يلي:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (سورة البقرة: 3).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (سورة البقرة: 43).
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (سورة البقرة: 45-46).
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: 110).

فالمقصود من «الأمر بالصلاة» هو تكليف الله تعالى لعباده بإقامة الصلاة والمحافظة عليها على الوجه الذي شرعه، كما ورد في آيات القرآن الكريم المتعددة.


67-) لماذا هناك حاجة إلى الأنبياء- الكلمة الحادية عشر؟

«الكتاب المبهَم الذي لا يُفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرد أوراق لا معنى لها!..» (الكلمة الحادية عشرة)

وكما يُفهم بوضوح من هذا الكلام، فإن الغاية الأساسية من كتابة كتاب الكون هذا هي معرفة الذات التي صنعته وخلقته. وقد أُرسل الأنبياء لكي يُقرأ هذا الكتاب قراءة صحيحة. ولو لم يُرسل هؤلاء المعلّمون، لما فُهم هذا الكتاب ولما قُرئ قراءة صحيحة. ولذلك فإن الذين قرؤوا الكون قراءة خاطئة انحرفوا عن الطريق المستقيم باتباعهم «الأصنام، والزمن، والمادة، والتطور...» ونحو ذلك.

إن الرسل والأنبياء هم شخصيات مصطفاة وسفراء إلهيون أُرسلوا لتعريف الناس بالله تعالى، وإبلاغ أوامره ونواهيه، وبيان الحق والحقيقة لهم.

ويعبّر بديع الزمان سعيد النورسي في كتابه «اللمعات» عن أهمية النبوة بقوله:

«اعلم أن النبوة في البشرية فذلكةُ الخير وخلاصة الكمال وأساسه، وأن الدين الحق فهرسُ السعادة، وأن الإيمان حُسنٌ منزّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقاً ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُّ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة في مخالفيهم.» ( اللمعة السابعة عشرة، النكتة التاسعة)

ومهما بلغ الإنسان من الذكاء ودقة الفهم، فإنه بعقله المحدود والمخلوق لا يستطيع أن يصل إلى الحق والحقيقة كاملةً. فكثير من الحقائق السامية لا تُعرف إلا بواسطة الرسل والأنبياء.

وكذلك فإن المرشدين والمجددين والعلماء الذين يهدون الناس ويرشدونهم هم ورثة النبي الكريم ﷺ. وكما أن أمور الدنيا تحتاج إلى علماء ومتخصصين في مختلف المجالات، فإن العيش باستقامة والترقي الروحي يحتاج أيضًا إلى العلماء الوارثين والأطباء الروحيين الذين هم ورثة رسول الله ﷺ.

إن غاية النبوة هي أن تستنير القلوب بنور الإيمان وأن تترقى بالعبادة. وذكر الكتب السماوية للكون وما فيه من أحداث إنما هو لإثبات وجود الله ووحدانيته، وللفت الأنظار إلى تجليات أسمائه وصفاته الإلهية. أما الفلسفة ـ التي تُستعمل غالبًا بمعنى العلوم الطبيعية ـ فغايتها الأساسية أن يعرف الإنسان هذا العالم معرفة دقيقة ويستفيد منه إلى أقصى حد، ليعيش حياة دنيوية أكثر راحة وطمأنينة.

إن العقل المحروم من الوحي قد يستطيع أن يقول شيئًا عن بنية العالم المادي ووظائفه، لكنه لا يستطيع وحده أن يعرف حقائق مثل: «لماذا خُلق هذا العالم؟ ومن هو مالك الكون؟ وما أسماؤه وصفاته؟ وكيف يؤدي الإنسان شكر ربه؟ وإلى أي عالم سيذهب بعد هذه الدنيا؟». فهذه الحقائق لا تُعرف إلا بالاستفادة من نور القرآن وبإرشاد نبي.

ثم إن الإنسان، هل يستطيع أن يعيش مرتاحًا دون أن يجد جوابًا عن الأسئلة: «ما حقيقتك؟ من أين جئت؟ وإلى أين تذهب؟». إن أجوبة هذه الأسئلة لا تُعرف إلا بواسطة الأنبياء.

لقد جاء القرآن الكريم بأسس تنظم حياة المسلمين الشخصية والأسرية والاجتماعية، وشرح رسول الله ﷺ هذه الأسس لأمته بكل تفاصيلها، وطبّقها عمليًا في حياته وعلّمها للناس. فالمسلم تعلّم من النبي ﷺ كل شيء؛ من كيفية الإيمان بالله إلى كيفية أداء الصلاة، وحتى القواعد التي ينبغي اتباعها في التجارة والحياة الاجتماعية.


 


68-) عندما ننظر إلى الظاهر، نرى أن عدوَّ الإنسانية وخصمها هو الكفر والظلم والسفاهة والمنفعة الشخصية. لكننا نلاحظ في الرسائل أن هناك مقارنةً مستمرة بين الفلسفة وحكمة القرآن، وأن مجادلةً فكريةً تُخاض مع الفلسفة. فما سبب ذلك؟

لنبدأ أولًا بالجزء الأخير من السؤال، فنقدّم معلومات موجزة عن الفلسفة:

الفلسفة مفهوم دخل إلى العربية من الكلمة اليونانية"فيلوسوفيا" (Philosophia)، ومنها انتقل إلى لغتنا. وتتكوّن كلمةPhilosophia من كلمتي "فيلو" (Philo) و"صوفيا" (Sophia). وكلمة "صوفيا" تعني في اليونانية: الحكمة والمعرفة. وقد وصف اليونانيون المفكرين والفلاسفة بأنهم أهل الحكمة والمعرفة. أما كلمة الفلسفة التي نستخدمها فهي تعني: محبة الحكمة والمعرفة.

وكانت الفيلوسوفيا (الفلسفة)، التي عُدّت في العصور الأولى «محبة الحكمة والمعرفة»، تقوم على أسس من أهمها الحكمة، وهي تتضمن معنيي العلم والفضيلة معًا.
وبناءً على ذلك يمكن أن نفهم من الفلسفة معنيين:
معرفة ما يجري ويحدث، واكتشاف ما هو خير وصواب.

وقد عرّف الفيلسوف الإسلامي الشهير ابن سينا الفلسفة بقوله:

 «الفلسفة هي أن يحيط الإنسان بالأشياء وبالحقائق كلها بقدر استطاعته، وأن يسعى إلى إدراك أسرارها.»

وقد رأى الفلاسفة أن كل ما يتعلق بحياة الإنسان يمكن التفكير فيه انطلاقًا من العقل، ولذلك اعتبروا الفلسفة ميدانًا يبحث في كل شيء.

وتتألف الموضوعات التي تتناولها الفلسفة من ثلاثة أقسام رئيسية:

- الأنطولوجيا (علم الوجود).
- الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة).
- الأكسيولوجيا (علم القيم).

بعد هذا البيان المختصر ننتقل إلى جواب السؤال.

ينبغي أولًا بيان نقطة مهمة، وهي أن الفلسفة التي عارضها الأستاذ ليست الفلسفات القديمة بقدر ما هي التصورات الخاطئة للحياة التي تهيمن على عالم الفكر في هذا العصر. وهذه التصورات تفضي في كثير من الأحيان إلى الكفر والإلحاد.

وفي مواضع كثيرة من رسائل النور تُستعمل كلمة «الفلسفة» للدلالة على العلوم التي تدرس هذا الكون من زاوية «المعنى الاسمي»، أي بالنظر إلى الموجودات والآثار دون الالتفات إلى الخالق.

إن معارضة الأستاذ للفلسفة ترجع إلى أن السائرين في هذا الطريق يشتغلون بالعلوم العقلية وحدها، وينظرون إلى أنفسهم وإلى هذا العالم وكأنه بلا مالك، ويعملون للدنيا فقط دون أن يتذكروا الله أو الآخرة.

وفي كتاب المناظرات شُبّهت العلوم الدينية والعلوم الكونية بجناحين منفصلين، وقيل إن الطالب لا يستطيع التحليق والارتقاء إلا بهذين الجناحين معًا.
وفي اللمعات شُبّهت العلوم الدينية بسواد العين، والعلوم الكونية ببياضها، وأشير إلى أن العين لا تؤدي وظيفتها إلا بتعاونهما.
كما قيل: «نور العقل يأتي من القلب»، للتنبيه إلى أن الاشتغال بالعقل وحده مع إهمال القلب، وهو موطن الإيمان، يترك الإنسان في الظلمة.

فالفلسفة التي عارضها الأستاذ هي الفلسفة التي تجعل العقل وحده أساسًا لها، فتكون ذات جناح واحد وخالية من النور.
أما القول بأنه كان يعارض العلوم الكونية فلا يمكن تصوره؛ لأنه كان يرى في الكون وما فيه من حوادث دلائل على وجود الله ووحدانيته ولا نهائية صفاته، وكان يستشهد كثيرًا بالحقائق العلمية في شرح دعواه وإثباتها.

وتتحدث الرسائل عن عصرنا هذا بوصفه «عصر الأنا». ولأن هذا العصر هو أيضًا عصر العلم والصناعة، فقد انشغل الناس بالمادة إلى حد كبير، فابتعدوا عن الروحانيات، وأصبحوا ينظرون إلى الحياة على أنها الحياة الدنيا فقط، وحددوا غاية الإنسان بأنها «العيش المترف المريح». وقد أدى ذلك إلى إبعاد الناس عن الدين وربطهم بالدنيا وتوجيههم نحو السفاهة.

لقد استمر الصراع الفكري عبر التاريخ بين الأنبياء الذين كانوا يرون الأحداث ويشرحونها في ضوء الوحي، وبين الفلاسفة الذين جعلوا العقل وحده أساسًا لهم.
غير أن المقصود بالفلسفة في عصرنا ليس الفلسفة القديمة بمعناها المعروف، بل الاعتقاد بأن العلوم الناتجة عن العقل كافية وحدها للإجابة عن كل شيء.

إن المناقشات الفكرية في هذا العصر تختلف كثيرًا عن التيارات الفلسفية التي ظهرت قبل الميلاد.
ففي عصرنا استخدم بعض العلماء البعيدين عن الدين الطبيعة والمادة وسيلتين لإنكار الروحانيات، وكأنهم أعلنوا الحرب على الدين. وهناك فرق كبير بين فلاسفة الماضي الذين كانوا يكتفون بطرح آرائهم والدفاع عنها، وبين العلماء غير المؤمنين في هذا العصر. ولذلك فإن معنى الفلسفة في تلك العصور يختلف كثيرًا عن معناها في عصرنا.

وحتى وقت قريب أُدخلت تيارات الإلحاد والتطور والمادية في المناهج الدراسية في البلدان الشيوعية، وبُذلت جهود كبيرة لتنشئة جيل غير متدين. أما في البلدان المتقدمة، فقد أدى التقدم التكنولوجي المذهل إلى سيطرة المنفعة والمادة والسفاهة على حياة البشر، وكانت النتيجة كذلك ظهور أجيال مترفة وبعيدة عن الدين.

وكل ذلك نشأ نتيجة ابتعاد الناس عن الوحي وانحرافهم إلى الآراء الباطلة التي أنتجتها عقولهم.

وبناءً على ذلك، فإن استهداف الأستاذ للفلسفة يعني في الحقيقة استهدافه للإيمان المضاد للكفر والإلحاد.

- «إنّ في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار، يجريان عبرَ الأزمنة والعصور، كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانَهما وفروعَهما في كل صَوب، وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية.

إحداهما: سلسلة النبوة والدين.

والأخرى: سلسلة الفلسفة والحكمة.

فمتى كانت هاتان السلسلتان متّحدتين وممتزجتين، أي في أي وقت أو عصر استجارت الفلسفةُ بالدين وانقادت إليه وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانيةُ بالسعادة وعاشت حياةً اجتماعية هنيئة. ومتى ما انفرجت الشقةُ بينهما وافترقتا، احتشد النورُ والخير كلُّه حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرورُ والضلالات كلُّها حول سلسلة الفلسفة.» ( الكلمة الثلاثون، المقصد الأول)

 


 


69-) هل يمكنكم توضيح مصادرأقوال الاستاذ بشأن الحكمة الكامنة وراء الصلوات الخمس اليومية التي ذكرها في الكلمة التاسعة؟

كما أن لآيات القرآن معانيَ صريحةً واضحة، فلها أيضًا معانٍ إشاريّة.
فالصريحة هي دلالة الآية على معنى بشكل مباشر،
أمّا الإشارية فلها مراتب مثل الرمز، والإيماء، والتلويح، والتلميح.
فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى في سورة الإخلاص: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ».

وقد ذكر بديع الزمان سعيد النورسي في كتابه اللمعات أن هذه الآية، بمعانيها الإشارية والرمزية، تردّ على من يعتقد بألوهية المتغيّرين والمتناسلين والمتجزّئين، أي: أن عيسى عليه السلام وعزير عليه السلام لا يمكن أن يكونا إلهين، وكذلك تردّ على تأليه الملائكة، والأسباب، والطبيعة، وما يسمى بخرافة “العقول العشرة”.

إذًا، فالمعنى الإشاري للآية هو: “الذي يلد أو يولد لا يمكن أن يكون إلهًا”. وعدم إمكانية ألوهية عيسى وعزير عليهما السلام معنى إشاري، ورفض توهّم أن الملائكة بنات الله معنى رمزي، وبيان أن الأسباب لا تأثير حقيقي لها يمكن اعتباره من باب الإيماء أو التلويح.

إن رسائل النور تفسيرٌ للقرآن، والأستاذ النورسي مفسّر. وأكثر ما ورد في الرسائل من شروح هو تفاسير وتأويلات واستنباطات مستخرجة من الآيات والأحاديث.

فنعم، هناك فرق بين “المعرفة” و”الإدراك العميق”. فنحن نعرف النحلة على أنها حشرة تصنع العسل، لكن المختصين بها يدركون حقيقتها بعمق. ونحن نعرف العين بأنها عضو الإبصار، لكن طبيب العيون يدرس الطب ست سنوات ثم يتخصص ليفهمها حق الفهم.

وخلاصة القول: من الممكن جدًا أن يكون الأستاذ قد استخرج الحكم المتعلقة بتخصيص الصلاة بخمسة أوقات من المعاني العميقة للآيات ذات الصلة.

ثم إن الأستاذ يصرّح بأن الرسائل في أغلبها “إلهامات وفيوضات قلبية”. فشيءٌ أن تفسّر آيات الصلاة كلمةً كلمة، وشيءٌ آخر أن تدوّن المعاني العالية والعميقة التي تتولد في القلب إلهامًا أثناء التفكر في تلك الآيات. ولو بحثنا عن هذه الإلهامات في ظاهر الألفاظ فلن نجدها.

فعلى سبيل المثال، فإن الشروح البديعة الواردة في “الكلمة السادسة” حول الآية الكريمة التي تخبر أن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة، لم تُستخرج بتحليل ألفاظ الآية كلمةً كلمة، وإنما نتجت تلك الحقائق السامية عن تفكر العقل والقلب معًا في المعاني الواسعة للآية، ثم كُتبت ودُوّنت.

 

 

 

 


70-) في الكلمة الحادية عشرة، هل يمكنكم إجراء مقارنة بين الفئتين من خلال جدول؟
الفئة الأولى الفئة الثانية
عرفوا أنفسهم، وكانت عقولهم سليمة وقلوبهم حيّة.
  لم يعرفوا أنفسهم، وفسدت عقولهم وخمدت قلوبهم.
عندما نظروا إلى العجائب الموجودة في ذلك القصر قالوا: «إن في هذا الأمر شأناً عظيماً» عندما دخلوا القصر، غلبتهم نفوسهم فلم يلتفتوا إلى شيء سوى الأطعمة اللذيذة.
أدركوا أن هذا القصر ليس عبثاً ولا لعبةً عادية، لذلك أثار فضولهم أغمضوا أعينهم عن جميع محاسنه وجمالياته.
أخذوا يتساءلون: «ما سرّ هذا الطلسم؟ وما الذي يحتويه؟» وبينما هم يفكرون سمعوا فجأة خطاب ذلك المعلّم المعرِّف. سدّوا آذانهم عن إرشادات ذلك الأستاذ وتنبيهات تلاميذه.
أدركوا أن مفاتيح جميع الأسرار عنده، فتوجّهوا إليه وقالوا: «إن قصراً فخماً كهذا يحتاج إلى معرّف أمين ومدقّق مثلك. فأخبرنا بما أبلغك سيدنا من حقائق». أكلوا كالحيوانات ثم غلبهم النوم. وشربوا من بعض الأشربة المُعدّة لأغراض أخرى لا للشرب، فسكروا وراحوا يصرخون ويثيرون الفوضى، وأزعجوا الضيوف المتفرجين كثيراً.
فقام الأستاذ بإلقاء الخطابات المذكورة عليهم، فاستمعوا إليها جيداً، وقبلوها حق القبول، وانتفعوا بها تمام الانتفاع، وعملوا وفق ما يرضي الملك. لم يستمعوا إلى تلك الخطابات، وتصرفوا بوقاحة تجاه قوانين الملك وأوامره.
ولأن سلوكهم المهذب وأحوالهم الحسنة أرضت الملك، دعاهم إلى قصرٍ خاصّ رفيع لا يمكن وصفه، وأكرمهم بالعطاء. أما جنود صاحب القصر فألقوا القبض عليهم، وأودعوهم سجناً يليق بأمثالهم من قليلي الأدب والاحترام.

 

الخلاصة:
تمثل الفئة الأولى أهل الإيمان والمعرفة الذين يتأملون في الكون، ويصغون إلى الهداية، ويعملون وفق أوامر الله، فينالون الجزاء الحسن.

أما الفئة الثانية فتمثل أهل الغفلة الذين ينشغلون بالشهوات، ويعرضون عن الحق، فيستحقون العقوبة.

 


71-) ما العلاقة بين الآية الأولى من سورة هود والموضوعات التي تناولتها «الكلمة الرابعة عشرة»

في هذه الكلمة تم التركيز على خمس حقائق، اتُّخذت أمثلةً لبعض المسائل التي يجد بعض الناس صعوبة في فهمها،
مثل: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ﴾
﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
كما قُدِّم نموذج يوضح كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا وفهمها.

قال الله تعالى:

﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).

في هذه الآية الكريمة، يُلفت النظر أولًا إلى أن آيات القرآن قد أُحكمت ونُظِّمت بإتقان، ثم يُبيَّن أنها فُصِّلت من قِبَل الله تعالى، الذي هو الحكيم  والخبير.

ويمكن فهم معنى التفصيل المذكور هنا على وجهين:

1. أن الحقيقة التي تُذكر في آية بصورة مجملة أو مختصرة، تُبيَّن تفاصيلها في آيات أخرى.
   فمثلًا، يُذكر في سورة الفاتحة «الصراط المستقيم» بإجمال، ثم تُوضّح آية أخرى أن أهله هم: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.

2. أن الحقائق المجملة الواردة في الآيات قد فصّلها وشرحها رسول الله ﷺ.

ثم جاء علماء التفسير عبر العصور، ففسّروا هذه الحقائق القرآنية بمزيد من التفصيل، بما آتاهم الله من علم وحكمة.

وعليه، فإن الإنسان إذا لم يستطع فهم حقيقةٍ ما بعقله وحده، فعليه أولًا أن يرجع إلى شروح النبي ﷺ في الأحاديث، ثم إلى تفسيرات العلماء عند الحاجة. أما إذا اعتمد فقط على رأيه وتحليله الشخصي دون الرجوع إلى هذين المصدرين المهمين، فقد لا يطمئن قلبه، وقد تنشأ في نفسه الشكوك والترددات.

ولهذا تناول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذه الكلمة خمس مسائل على سبيل المثال، وشرحها بطريقة وسّعت آفاق الفكر، وأعطت المعرفة عمقًا أكبر، وحرّرت القارئ من النظرة السطحية. وبذلك أرشدنا إلى أنه عندما نواجه مسائل مشابهة، ينبغي أن ندرك أن للحقيقة أبعادًا وجوانب كثيرة قد تتجاوز حدود إدراكنا المباشر، مما يوجّه العقل ويهدي الفكر إلى الفهم السليم.
 


72-) في الآيات المتعلقة بالصلاة لا يظهر ما يُعادل صلاة العصر؛ ومع أن الشمس تشرق وتغرب في أربع أو ست مراحل، فلماذا أُمرنا بخمس صلوات؟ وهل توجد معلومات حول هذا الموضوع في رسائل النور؟

إن الذي يحدد شكل العبادات وأوقاتها ويأمر بها هو الله تعالى. والأساس في العبادات هو الأمر الإلهي، لا الحكمة أو الفائدة.
فلا يمكننا أن نحدد عدد الصلوات بناءً على القول: “هذا يقابل ذاك، وذلك يساويه”. فما أمر الله به في القرآن، وبلّغه نبينا ﷺ في السنة، هو عدد الصلوات وهيئتها، ولا يمكن لأي سبب أو تعليل آخر أن يغيّر هذا العدد.
ومع ذلك، فمن شاء يمكنه أن يزيد على الصلوات الخمس صلاة التهجّد؛ لأن هذه الصلاة كانت واجبة على النبي ﷺ، وسنّةً لأمته.

ومن المعروف أن في الآيتين 17 و18 من سورة الروم ذِكرًا لأربعة أوقات للصلاة:

﴿ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ * وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ﴾(سورة الروم: 17-18)

وقد فهم بعض العلماء والمفسرين من لفظة “عشيًّا” أنها تشير إلى صلاة العصر، لكن الأكثرية فهموا ـ من جهة اللغة والمعنى ـ أنها تشير إلى صلاة العشاء باعتبارها صلاة تؤدّى في آخر النهار.

أما الأساس في إثبات صلاة العصر فهو ما بيّنه وطبّقه النبي ﷺ. ومع ذلك، فقد استدلّ علماؤنا على صلاة العصر أيضًا ببعض الآيات، ومنها قوله تعالى:

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(سورة البقرة: 238)

ورغم عدم وجود دليل قطعي يحدد أي صلاة هي “الصلاة الوسطى”، فإن جمهور الصحابة والتابعين يرون أنها صلاة العصر.

وذلك لأن كلمة “الصلوات” جمع، والجمع يدل على ثلاثة فأكثر. أما عبارة “الصلاة الوسطى” فقد عُطفت بحرف الواو، مما يدل على أنها متميزة عن المذكورات قبلها. ولو كانت الصلوات ثلاثًا فقط، لما أمكن وجود “صلاة وسطى”، ولذلك ينبغي أن تكون الصلوات أربعًا على الأقل. وعليه، فإذا اعتُبرت الصلوات المذكورة في سورة الروم هي: الفجر، والظهر، والمغرب، والعشاء، فإن الصلاة الواقعة في وسطها تكون صلاة العصر، فتكون هي المقصودة بـ “الصلاة الوسطى”.