Most Read in the Category of القضاء والقدر

1-) القدر الاضطراري والقدر الاختياري

القدر ينقسم إلى قسمين: القدر الاضطراري والقدر الاختياري.

القدر الاضطراري: هو ما قدره الله للإنسان من الأمور التي لا تتعلق بإرادة الإنسان. مثل تحديد من سيكون والده، وفي أي عصر سيولد، وما إذا كان ذكرًا أم أنثى. وغير ذلك من الاقدار الاضطرارية، فلا جدوة من طرح الكثير من الأسئلة حول هذا القسم من القدر، لأن هذه الأسئلة لن تنتهي. فإذا سأل شخص لماذا ولد في القرن الواحد والعشرين، فسوف يطرح نفس السؤال حتى لو وُلد في أي عصر آخر.

وعلى العموم الإنسان غير مسؤول عن هذا النوع من القدر، لأنها تحدث خارج إرادته. بل كله خاضع لعلم الله وإرادته.

أما القدر الاختياري: فهو القدر المرتبط بالأفعال التي يقوم بها الانسان بإرادته ورغبته. فالإرادة الجزئية للإنسان هي التي تقرر القيام بهذه الأفعال ، وهذا النوع من القدر هو الذي يُحاسب عليه الإنسان. على سبيل المثال، إذا درس الطالب واجتهد وحقق شروط النجاح، فيكون في قدر الله ايضا ناجحاً. وإذا قصر الطالب ولم يكن اهلا للنجاح، فسيكون في قدر الله راسباً، هذه قاعدة عامة، إذا اجتهد الانسان سينجح وإذا تكاسل سيرسب.

نعم نحن نستخدم إرادتنا الجزئية، لكن الإرادة الكلية هي إرادة الله، الامر بيد الله فلابد ان تتعلق إرادة الله أيضا بنجاحنا أو عدمه. فلا يجوز أن نقول: "لقد اجتهدت، ويجب أن أنجح حتمًا". علينا ان نقوم بواجبنا والتوفيق من الله

على سبيل المثال، نعتني بحديقة المنزل، فإن قصرنا في سقايتها قد نكون سبباً في جفافها، وبالتالي نحن المسؤولون. أما إذا سقيناها، فقد قمنا بواجبنا، ولكن الامر بيد الله هل ستنمو أو تذبل. فإذا أنبتها الله، سنشكره لأنه أكرمنا بالنتيجة. وإذا لم يحقق لنا ما اردناه، فلن نعترض ونقر ان هناك حكمة ورحمة إلهية خفية منعت حصول ما نريد.

كذلك الأمر بالنسبة للعمل والدراسة: إذا درسنا ونجحنا، نشكر الله، وإذا رسبنا نصبر ونرضى بحكمه.


2-) ما هي الإرادة الجزئية

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن الأفعال التي تظهر في الانسان تقسم إلى نوعين:

النوع الأول يشمل الأفعال التي تحدث تماماً خارج إرادتنا. على سبيل المثال، نبض القلب، دوران الدم، التنفس، وفتح وإغلاق الجفون. تُعرف هذه الأفعال باسم الأفعال " الاضطرارية  او اللا إرادية ". بما أن الإنسان لا يتدخل في هذه الأفعال بإرادته، فلا يُكافأ ولا يُسأل عليها.

أما النوع الآخر من أفعالنا فهو ما نقوم به بإرادتنا، مثل الأكل، الشرب، النظر، التحدث، والمشي، باختيارنا وتفضيلنا نقوم بها.

يمكن النظر إلى الحلال أو الحرام، ويمكن تناول الطعام الحلال أو الحرام، ويمكننا التحدث بالخير أو الكذب والغيبة.

تُعرف هذه الأفعال باسم الأفعال "الاختيارية".

الإرادة الجزئية هي القدرة على الاختيار والترجيح بين هذه الأفعال التي نسميها "الأفعال الاختيارية".
نعم الله هو خالق جميع افعالنا الاختيارية و الاضطرارية. ولكن في الأفعال الاختيارية، إرادة الانسان تدخل، ويُطلق على هذا التدخل اسم الإرادة الجزئية.

يعني أن الإنسان في الأفعال الاختيارية هو من يطلب، والله هو من يخلق الفعل.

بناءً على هذا الطلب، يصبح الإنسان مطيعاً أو عاصياً.

على سبيل المثال، الله هو الذي يخلق فعل الكتابة في الانسان، ولكن الانسان قد يكتب ما فيه خير له ولغيره وقد تكون كتابته شر في شر. فالإنسان يختار ما فيه الفائدة أوغير ذلك وعندما يقرر الانسان ويختار ما سيكتبه، يخلق الله الكتابة بناءً على قراره، فيتحمل الإنسان المسؤولية عن اختياره وقراره.

سنطرح أمثلة لشرح الإرادة الجزئية

المثال الأول:

تخيل أننا في ضيافة سلطان في قصره، حيث تُعرض النعم والخيرات في كل طابق، وتزداد هذه النعم كلما صعدنا للأعلى. وفي الطابق السفلي توجد العقوبات.

نستخدم المصعد للصعود والنزول. فنضغط على زر المصعد ليصعد بنا أو ينزل بنا.

المصعد ليس من صنعنا ولا نُديره بقوتنا، لكنه أيضًا لا يتحرك من تلقاء نفسه، نستخدم إرادتنا في اختيار الطابق، والمصعد يأخذنا إلى هناك.

نستنتج من ذلك ان المصعد يتحرك بناءً على طلبنا، فنحن نختار الطابق، ولكن الحركة تتم بقوة المصعد.

 المثال الثاني:

تخيل ميناءً مليئاً بالسفن، وأمام هذه السفن جزيرتان. أمر السلطان بالإبحار إلى الجزيرة التي على اليمين ومنع الذهاب إلى الجزيرة التي على اليسار. السلطان اعطى للقبطان السفينة وما يحتاجه في رحلته، ولكن  القبطان هو يختار الاتجاه. السفينة تتحرك بقوة السلطان، ولكن الوجهة تعتمد على اختيار القبطان، فهل سيلتزم باوآمر السلطان فيتجه الى الجزيرة التي في اليمين ام انه سيخالفه ويتجه نحو اليسار

 المثال الثالث:

نتخيل طفلاً يركب على ظهر بطل قوي. هناك جبلان أمامهما: الجبل الأيمن مليء بالخيرات، والجبل الأيسر مليء بالمخاطر. الطفل لا يستطيع صعود الجبل بمفرده، لكن البطل يستجيب لرغبة الطفل، ويصعد به إلى الجبل الذي يختاره.

ولله المثل الاعلى في هذا المثال، نحن نمثل الطفل، والبطل هو قدرة الله. فنحن نطلب من الله أن يخلق الأفعال التي نرغب بها، والله يخلق هذه الأفعال بناءً على إرادتنا.

الخلاصة:

الإرادة الجزئية هي القوة التي تُمكّن الإنسان من اختيار أفعاله الاختيارية، نحن نطلب، والله هو الخالق، مسؤوليتنا تكمن في استخدام إرادتنا لطلب الأعمال الصالحة،فطوبى لمن يستخدم إرادته في ذلك، وويل لمن يستخدم إرادته في طريق المعاصي!


3-) ما هي الإرادة الكلية

 

الإرادة الكلية هي الإرادة الإلهية التي تستطيع أن تريد عددًا لا يحصى من الأفعال في آنٍ واحد. أما الإرادة الجزئية، فهي إرادة الإنسان التي لا تستطيع أن تريد إلا شيئًا واحدًا في لحظة معينة ولا يمكنها أن تريد شيئين في نفس الوقت.

يقال إن جسم الإنسان يحتوي على حوالي مئة تريليون خلية، وكل خلية لها العديد من الوظائف. فكيف يمكن للإنسان أن يفسر كل هذه الأنشطة العديدة في جسده بينما هو لا يستطيع أن يريد شيئين في آنٍ واحد؟ هذا يعني أن الإنسان لا يملك السيطرة على نفسه. فهو عبد، وجسده يُدار ويُنظم بإرادة كلية.

فالعبد المؤمن المدرك للحقيقة ولم يغفل عنها يقول في نفسه "طالما أن أعضائي وخلايا جسمي ليست بلا هدف، فلا يمكن أن أكون انا ايضاً بلا هدف! كل الأمور التي تجري في داخلي تحمل الحكمة والفائدة. إذن، يجب علي أن أستخدم إرادتي بطريقة صحيحة وألا أسعى وراء أعمال فارغة لا تفيدني لا في دنياي ولا في آخرتي. طالما أن خلايا جسدي، والنجوم في السماء، وكل نظام في الكون يتحرك بإرادة كلية، فيجب علي أن أستخدم إرادتي الجزئية بما يتوافق مع تلك الإرادة الكلية. ينبغي علي ألا أقصر في واجب العبودية، وأداء عباداتي بشكل كامل."

ثم يعمم هذه الفكرة فيقول "كما أنني لا أستطيع التدخل في ما يجري في بدني، فإن الشجرة أيضًا ليست هي من تقوم بادارة المصنع الذي يعمل في داخلها، وتلك الآلية المنتظمة ليست بالمعرفة والقدرات الخاصة بها. فهناك حكمة، وقدرة، وعلم وراء برمجة شجرة لتنتج التفاح وأخرى لتنتج الليمون.
فكما انني لا أعلم شيئًا عن كريات الدم البيضاء والحمراء الموجودة في دمي، فالبحر كذلك لا يعرف عن الأسماك التي بداخله، ولا السماء تعرف نجومها.
وكما أنني لم أخلق شعري، فإن الأشجار أيضًا لا تلبس أوراقها بنفسها وكذلك كل شيء في هذا الكون من الغابات والنجوم وجميع المخلوقات  ."

وبالتالي عندما ننظر إلى هذه الأعمال غير المتناهية التي تحدث في الكون، نرى بوضوح وجود إرادة كلية مطلقة.

فلنفكر في الأمر: كم هو عدد الأفعال المختلفة التي تحدث في هذا العالم في لحظة واحد!

في كل لحظة، من عالم الجراثيم والبكتيريا إلى كريات الدم الحمراء والبيضاء، من الحشرات إلى الطيور والإنسان، العديد من الكائنات الحية تموت وفي نفس الوقت تخلق اعداد جديدة وتدوم الحياة في هذا الكون.

وكذلك في نفس الوقت إن اعداد لا تحصى من الكائنات تصاب بالمرض، واعدادًا آخرى تشفى.

وهكذا الكثير من الأحوال المختلفة تجري في الكون في نفس اللحظة، وتكون في كثير من الأحيان متناقضة، لا يمكن أن تكون إلا بإرادة كلية،و تُظهر تجليات أسماء إلهية متنوعة.

فلابد للإنسان ان يتأمل في إرادته الجزئية ويقارنها بهذه الإرادة الكلية العظيمة، ليدرك ضعفه ونقصه، ويفكر في هذه الأفعال اللامتناهية بدهشة وإعجاب، ليكتمل إيمانه.


4-) حكم التحدث في موضوع القدر

قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شريف: " لا تكلموا في القدر ، فإنه سر الله، فلا تفشوا الله سره " (كنز العمال، ج 1، ص: 132).

ليس مقصد الحديث الشريف الامتناع عن البحث في مسالة القدر بشكل عام فالقدر ينقسم إلى قسمين:

1. الجزء المتعلق بإرادة الإنسان.

2. الأحداث التي تقع خارج إرادة الإنسان وقوته، والتي لا يمكنه التدخل فيها.

مثال على القسم الثاني: كون الشخص ذكرًا أو أنثى، الزمن الذي ولد فيه، المكان الذي ولد وعاش فيه، مدة حياته، من يكون والديه، كونه معاقًا أو سليمًا، جميلًا أو قبيحًا، غنيًا أو فقيرًا. هذه الأمور وغيرها هي من اختصاص الله وحده.

محاولة فهم سر التقدير الإلهي في هذه الأمور والتساؤل "لماذا فعل الله ذلك بهذا الشكل؟" هو أمر عديم الفائدة للإنسان وقد يؤدي به إلى الهلاك، إذ قد ينتهي به المطاف إلى الاعتراض على القدر الإلهي. هذه الأسرار ستنكشف بجميع تفاصيلها يوم القيامة في يوم العدل.

إذن، الحديث الذي نهانا فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الحديث عن القدر ويقول فيه " القدر سر الله، فلا تفشوا الله سره " يشير إلى جزء القدر الذي لا يتدخل فيه الإنسان.

أما التفكير في الجزء الأول من القدر الذي يتصل بإرادة الإنسان، فهو أمر محمود ويعتبر عبادة تأملية. وقد بذل علماء العقيدة جهدًا كبيرًا في دراسة هذا الجزء وكتبوا مؤلفات حوله.


5-) من يرسم قدر الإنسان وهل يتغير

معنى القدر هو أن الله يعلم كل ما سيحدث وكل ما قد حدث.

 إذا دققنا في الأمر، سنجد أن ذلك لا يلغي إرادة الإنسان.

فالمعرفة شيء، والقيام بالفعل شيء آخر.

االله هو العالم المحيط بكل شيء، والقائم بالفعل هو الإنسان.

نعم قدرنا مكتوب في الماضي ولكن نقطة مهمة نحن لا نفعل الأشياء لأن الله كتبها، بل كتبها الله لأنه يعلم أننا سنفعلها. فلا يمكن تصور أن الله لا يعلم المستقبل.

فان لم يكن يعلم أو لم يستطع أن يعلم، فلن يكون هو الإله الخالق.

لنأخذ مثالاً لتوضيح الفكرة:

تخيل معلمًا يقول لأحد طلابه: "سأختبرك غدًا في هذا الكتاب".

ولكن المعلم بناءاً على خبرته ومعرفته بالطالب ، ويعلم أنه سيقضي الليل في مشاهدة الأفلام والمباريات ولن يستعد للامتحان، فيكتب في كرّاسه "صفر" قبل بدء الاختبار.

وفي اليوم التالي، الطالب لم يستطيع الإجابة على الأسئلة، واستحق بالفعل الصفر، وعندها اخرج المعلم دفتره وقال: "كتبت لك الصفر مسبقًا لأنني كنت أعلم أنك لن تدرس وسترسب".

فهل يمكن للطالب أن يقول: "يا أستاذ لقد حصلت على الصفر لأنك كتبته لي، ولو كتبت لي درجة النجاح لكنت نجحت؟"

 

ولله المثل الاعلى فالله لم يكتب قدرنا في الماضي لنفعله، بل كتبه لأنه يعلم ما سنفعله. وهذا هو القدر.

 

القدر ينقسم إلى قسمين:

 ما لا يتعلق بإرادة الإنسان، وما يتعلق بإرادته. مثلاً، لون عيون الإنسان، وما إذا كان ذكرًا أم أنثى، يدخل ضمن القسم الأول، ولا يُسأل أحد عن هذه الأمور.

أما القسم الآخر، فيتعلق بما نريده نحن في حياتنا، لقد خُلقنا لنكون في اختبار. مثلاً، عندما يُرفع الأذان، يذهب أحدهم إلى المسجد، بينما يذهب آخر إلى مكان لهو. فكل انسان بإراته يختار وجهته

 

كل إنسان في الدنيا خاضع للقدر. الله يعلم في علمه الأزلي ما سيفعله الإنسان وما سيحدث له. ولكن معرفة الله لا تجبر الإنسان على فعل الشيء. لأن الله وضع أمام الإنسان خيارات، وبحسب ما يختار الإنسان، يخلقه الله. وبالتالي، المسؤول عن أفعاله هو الإنسان نفسه.

 

يُضرب في هذا السياق مثال:

تخيل أن الطوابق العلوية في أحد المباني مليئة بالنعم، بينما الطوابق السفلية مليئة بأدوات التعذيب. وشخص يقف في المصعد. إذا ضغط على زر الطابق العلوي، سيصل إلى النعم، وإذا ضغط على زر الطابق السفلي، سيتعرض للعذاب. هنا، دور الإرادة هو فقط اختيار الزر الذي سيضغطه. المصعد يتحرك وفق قوانين فيزيائية، وليس بإرادة الشخص أو قوته. وبالتالي، الشخص لا يصعد أو ينزل بقوته، لكن ما يحدد الاتجاه هو إرادة الشخص في اختيار الزر المناسب.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن علم الله الأزلي بكل شيء لا يعفي الفاعل من المسؤولية. لأن المعرفة شيء والفعل شيء آخر. الشخص الذي يرتكب الجريمة هو المسؤول، وليس الشخص الذي يعرف أو يرى الجريمة.


6-) التوكل ما هو وكيف يكون

من المواضيع المرتبطة بالقدر مسألة "التوكل". التوكل هو نتيجة لإيمان المسلمين بالقدر.

 

كلمة التوكل تعني اتخاذ وكيل. الشخص الذي يريد أن يتخذ وكيلاً يعتمد على شخص أقوى منه، أكثر شفقة، وأكثر علمًا وحكمة. التوكل يعني أن يقوم الإنسان بجميع واجباته ثم يترك النتيجة لله، ويتقبل ما يخلقه الله برضا وثقة. باختصار، هو أن يثق بالله ولا يقلق على مصيره.

المسلم الذي يتوكل على الله يفكر بهذه الطريقة: "كل الخير الذي يمكن أن يصيبني لا يأتي إلا منه، وكل الشرور والأضرار لا تُدفع إلا بأمره."

وضع الله قانون الأسباب لايجاد الاشياء وخلقها ، وطلب منا أن نتمسك بالاخذ بالأسباب إذا أردنا حدوث شيء معين.

على سبيل المثال، إذا كنا نريد الحصول على المزيد من المال في عملنا وتجارتنا، فعلينا أن نأخذ بالأسباب التي تحقق لي الأرباح الإضافية . أما القول: "أنا أثق بالله، وإذا أراد سيعطيني" دون بالاخذ بالأسباب، فليس هذا من التوكل على الله بل هو كسل وتواكل وعدم فهم لمراد الله.

المسلم يعلم أنه لا يمكنه الحصول على شيء ما دون السعي والعمل، تمامًا كما يعلم أنه لا يمكنه دخول الجنة بدون طاعة الله وعبادته واتباع أوامره واجتناب نواهيه. يقوم بواجبه في الطاعة والعبادة ثم يتوكل على الله.

التوكل يعني الرضا بما يعطيه الله بعد أن يبذل الإنسان الأسباب ويتخذ التدابير اللازمة. ومن يتوكل بهذه الطريقة يعيش حياة هادئة، دون ارهاق و قلق على الرزق، ومصدر امله حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:

[ لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ]

فالتوكل لا يعني أبدًا ترك العمل أو عدم بذل الأسباب.

 يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} (النجم/39).

وفي الحديث [ قال رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل] (الترمذي، القيامة، 60)

وبهذا البيان علمنا النبي صلى الله عليه وسلم التوكل الصحيح وبابسط مثال واجمله.


7-) ما هو الإيمان بالقضاء والقدر؟

القدر هو علم الله تعالى الأزلي بكل ما حدث وسيحدث من خير وشر، وتحديده وتقديره لجميع الأمور، من زمان وقوعها ومكانها وجميع خصائصها، منذ الأزل.

أما القضاء، فهو خلق الله للأشياء والأحداث عند حلول وقتها، وفقًا لعلمه الأزلي وتقديره.

خلق الله الكون وكل ما فيه من الكائنات الحية والجامدة وفقًا لتقدير محدد. والله يعلم كل ما سيحدث في الكون، فإنه يعلم أدق التفاصيل، حتى حركة أصغر ذرة. لقد شمل علمه كل شيء.

النظام البديع والتنظيم العجيب الذي نراه في الكون يدل على أن الله قد قدر خطط وبرمج كل شيء بعلمه، ويخلق كل شيء وفقًا لهذا التقدير والتخطيط عندما يحين وقته.

إذن، يُطلق على هذا التقدير وهذا التخطيط والبرنامج الذي رسمه الله في الأزل قبل خلق الكون اسم "القدر". وتنفيذ ما قدر ورسم عند حلول وقته يُسمى "القضاء".

وبناءً على ذلك، فإن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الإيمان بأن الله يعلم كل شيء في هذا الكون، وقد قدر وخطط له في الأزل، ثم يخلق الأشياء والأحداث وفقًا لذلك العلم والتقديرعندما يحين وقتها، دون أي شك أو تردد.


8-) حكمة إدخال الإيمان بالقضاء والقدر ضمن أركان الإيمان

الإيمان بالقضاء والقدر هو في الحقيقة مسألة دقيقة جدًا تتعلق بالحال والوجدان، وهو يُظهر الإيمان في اقصى درجاته.

المؤمن بالقدر، أي المؤمن بأن الخير والشر من عند الله، يُسلم كل شيء، حتى نفسه وأفعاله، إلى الله سبحانه وتعالى.

وفي هذه الحالة، يظهر أمامه الإرادة الجزئية لكي لا يتهرب من المسؤولية، ويقول له: "أنت تفعل بإرادتك واختيارك، إذن أنت مسؤول".

عندما يستند الإنسان إلى إرادته الجزئية وينسب الفضل إلى نفسه بسبب الأعمال الصالحة والخير الذي يقوم به ويغتر، يقف أمامه الإيمان بالقدر ويقول له: "اعرف حدودك، الفاعل والمُقدر والمُريد هو الله، وليس أنت".

وبالتالي فإن دخول القدر ضمن أركان الإيمان يخلص النفس من الغرور والتكبر، بينما الإرادة الجزئية تمنع الإنسان من التهرب من المسؤولية.

بينما إذا تعلق الإنسان بالقدر للهروب من المسؤولية، أو تعلق بالإرادة الجزئية ليتفاخر بأفعاله وأعماله الصالحة، فإن ذلك يتنافى مع سر وحكمة الإيمان بالقدر.


9-) الآثار الإيجابية للإيمان بالقضاء والقدر على الإنسان

الإيمان بالقضاء والقدر هو الدواء الأكبر لليأس والإحباط والحزن. عندما تأتي المصائب والشدائد في حياة الإنسان، فإنه ينظر إليها من خلال إيمانه بالقدر، ويعتبرها تقديراً من الله، مما يخفف عنه الألم ويوفر له السلوى. يرضى بتقدير الله ويشعر أنه تحت رعاية رب قدير لا حدود لقدراته.

ولأن تلك المصائب جاءت من الله، يلجأ إليه وحده طالباً الخلاص، ويعلم أن المصيبة قد تكون كفارة لذنوبه وفرصة للمغفرة، فيصبر ويثبت.

وقد قيل: "من آمن بالقدر، أَمِن من الكدر."

الإيمان بالقدر يخلص الإنسان من الأعباء الثقيلة.
فالإنسان يظن أن جميع ما في الكون بين يديه، وأهدافه ورغباته وآماله لا حدود لها، بينما قدراته وإرادته وحريته محدودة. وغالباً ما يعجز عن تحقيق ابسط الطموحات والتطلعات، فيتأثر نفسياً ويشعر بالإحباط. في مثل هذه الحالات، يصبح الإيمان بالقدر مصدراً كبيراً للعزاء، ويحفزه على العمل والأمل، وهو الملجأ لرفع تلك الأعباء.

الإيمان بالقدر يقي الإنسان من الغرور والتكبر. يحميه من أن تستولي عليه النفس والأنانية وتجره إلى الضلال، يمنعه من أن يصبح متكبراً ومغروراً كفرعون. كما يجعله متواضعاً وذو نفس منكسرة.


10-) ما هو دفتر القدر؟

كل ما في الكون من الانسان إلى النجوم فالجبال والأشجار والبساتين يُعتبرون كلمات تدل على القدرة الإلهية. لقد خُلقوا وفقًا لما هو في القدر. فالجمال والنظام في بناءٍ ما، يظهر نتيجة مخطط رسمه مهندس بدقة. فلو افترضنا أنه قد تمت الدراسة والبرمجة بحيث كل قطعة في البناء ستوضع في مكانٍ وزمانٍ وطريقةٍ محددة، فهذا التخطيط يحدد قدر البناء. وبناءً على هذا المخطط، يتشكل البناء.

هذا المخطط هو كدفتر القدر كل ما يظهر في الكون في هذا العالم المادي يكون مرسوم في دفتر القدر وقد تجسد في مكانه وزمانه

كل واحد منا كان موجودًا في دفتر القدر وفي علم الله قبل أن يُخلق. وبعد الخلق دخلنا في دائرة القدرة، أي أصبحنا جزءًا من هذا العالم المادي.

فخلق الأشياء من العدم يعني إخراجها من دائرة العلم الإلهي إلى دائرة القدرة.

دفتر القدر الخاص بكل كائن حي يتضمن نسخة من الخطة التي رسمت لحياته وهي موجودة في بذوره أو خلاياه.

على سبيل المثال، يحتوي مخطط شجرة التفاح، بما في ذلك شكلها وبنيتها ولون ورائحة أزهارها وعلى جميع المعلومات المشفرة في كروموسومات خلاياها.

 جميع هذه المخططات والبرامج التي تحدد التكوين الجيني هي نسخة صغيرة من دفتر القدر. يتم تشكيل بنية كل كائن حي وفقًا لمخطط القدر باستخدام العناصر التي تتحرك وفقًا لذلك.

لا فائدة من التحدث عن مخطط البناء مع شخص لا يعترف بوجود المهندس الذي وضع هذا المخطط. وبالمثل، من غير المنطقي الحديث عن القدر مع شخص لا يؤمن بالله الذي وضع هذه الخطط واقدار المخلوقات.

كل شيء في هذا الكون، بما في ذلك أعضاء الإنسان، وُضع في مكانه وحجمه الأمثل بناءً على مخطط وتقدير. كل سمة من سمات الإنسان قد سُجلت بقلم القدر المعنوي في خلاياه. في جسد الإنسان، تموت الآلاف من الخلايا كل لحظة وتأتي خلايا جديدة مكانها. وهكذا، تحدث تغييرات مستمرة في جسم الإنسان، حيث يطبق الله بخطته القدرية قدرته أمام أعيننا.


11-) الإيمان بالقدر من أركان الإيمان

هل إذا لم يؤمن شخص بالقدر وأنكره، يخرج من دائرة الإيمان؟

الإجابة على هذا السؤال هي "نعم".

الإيمان بالقدر هو شرط من شروط الإيمان، ومن ينكر القدر يخرج من دائرة الإيمان.

القرآن الكريم يشير في العديد من الآيات إلى الإيمان بالقدر وأن كل شيء في هذا الكون موجود في علم الله منذ الأزل.

ومن هذه الآيات:

-{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }(سورة الأنعام: 59)

-{ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }(سورة التوبة: 51)

-{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }(سورة الحديد: 22)

-{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ }(سورة يس: 12)

-{ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }(سورة الرعد: 8)

-{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }(سورة الحج: 70)

هذه بعض الآيات التي تبين لنا أن الأشياء كانت موجودة في علم الله قبل أن تُخلق. وليس من المنطق القول بغير ذلك، لأن علم الله شامل لكل شيء، ولكل زمان ومكان.

وإنكار هذا يعني اتهام الله بالجهل، وحاشاه من ذلك.

إذا لم يكن للإنسان قدر مُحدد، هذا يعني ان الله سيعلم بأفعال الإنسان  بعد قيامه بها ، وبالتالي فإن علم الله سيكون محدودًا بزمان ومكان، وسيكون هناك زيادة أو نقصان أو تغيير في صفة العلم، وهذا غير جائز في حق الله.

علم الله يشمل كل شيء: الماضي، الحاضر، والمستقبل، الظاهر والباطن، الخفي والمعلن. لا شيء يخفى عليه أو يخرج عن نطاق علمه. ولذلك، إنكار القدر يعني القول بأن الله لا يعلم المستقبل، وهذا غير صحيح، فالله يعلم المستقبل،

 إن للإنسان قدر، وهذا القدر موجود بالفعل.


12-) الإنسان مسيّر أم مخيّر

 

ان الله خلق الانسان وارسله الى هذه الدنيا حتى يختبره، وبناءً على أفعاله، سيحصل إما على مكافأة أو عقاب. ولكي يكون هناك مكافأة وعقاب، يجب أن يكون الإنسان حراً في أفعاله. فالله العادل قد أوضح للإنسان طريق الخير والشر، لكنه ترك له حرية الاختيار بينهما. يمكننا تأكيد ذلك بآيتين من القرآن الكريم:

{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} (يونس: 108)

{ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } (الكهف: 29)

كذلك فنحن نرى ان الإنسان لم يُجبر على اختيار طريق الخير أو الشر، بل أُعطي حرية الاختيار. وكل منا يعلم ذلك في داخله وأنه حر في تصرفاته، فهو يرفع يده عندما يريد رفعها، واذا أراد الذهاب إلى المسجد أو إلى ماكن أخرى ذهب بإرادته.

من يزعم ويقول أنه ارتكب خطيئة لأنه كان "مجبراً ومسيراً" أي لم يكن باردته، فهل له ان يتذكر نفس الحجة عندما يرتكب شخص آخر جريمة ضده؟
على سبيل المثال، إذا قال شخص أنه سَرَقَ لأن قدره كان كذلك، فهل اذا سُرِقَ بيته هل سيقبل هذه الحجة من السارق؟
 أو هل سيقبل شخصٌ قُتل أحد أفراد أسرته حجة القاتل بأنه كان "مجبوراً" بفعل قدره؟

لو كان الإنسان مجبراً بالفعل على أفعاله، لكان ذلك يعارض مبدأ المسؤولية والعقاب على الخطأ، ولكان ارسال الرسل والانبياء بلا معنى.
و لو كان الإنسان مسيراً لما كان هناك داعٍ للتوبة ولما كان الله يدعو عباده للتوبة ولما كان يحذرهم من الوقوع في الشر.

ثم ان المسؤولية ترفع عن الانسان في حالة النسيان والجنون لانه غير قادر على التصرف بإرادته. وهذا يثبت أن الإنسان ليس محكوماً بالقدر، وإلا لما كان هناك داعِ لهذا الاستثناء.

وفي الختام ان الله رحيمٌ لا يظلم عباده، فمن يتهم الله بالظلم ويزعم أن أفعاله مكتوبة وانه مجبور على القيام بها، فإنه يحرم نفسه من رحمة الله.