الرسالةَ الأحمديةَ الرَّشحةُ الثانية عشر والثالثة عشر

الأستاذ: منير توران

 

الكلمة التاسعة عشرة

 

تخص الرسالة الأحمدية

وما مدحتُ محمدا بمقالتي، ولكن مدحتُ مقالتي بمحمد عليه الصلاة والسلام.(1)

نعم، إنّ هذه الكلمة جميلة، ولكن الشمائل المحمدية التي تفوق الحسن هي التي جمّلتها.

تتضمن هذه الكلمة (اللمعةُ الرابعة عشرة) أربعَ عشرةَ رشحة:(2)

 

الرشحة الثانية عشرة

اعلم أنّ هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنّه برهان ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حق بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛

بل كما أنّه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة إيجادها. ولمناسبة المقام نكرر هذا السر الذي ورد في مبحث الحشر.(4)

فإن شئت فانظرْ إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة وِسْعَتِها صيّرتْ هذه الجزيرة بل الأرض مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظرْ أنّه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجة كأنّه هو إمام في محراب عصره واصطَفَّ خلفَه، مقتدين به جميعُ أفاضل بني آدم، من آدم عليه السلام إلى هذا العصر إلى آخر الدنيا في صفوف الأعصار مؤتميّن به ومؤمِّنين على دعائه. ثم استمع إلى ما يفعل في تلك الصلاة بتلك الجماعة.. فها هو يدعو لحاجةٍ شديدة عظيمة عامة بحيث تشترك معه في دعائه الأرض بل السماء بل كل الموجودات، فيقولون بألسنة الأحوال: نعم يا ربنا تقبّل دعاءه؛ فنحن أيضا بل مع جميع ما تجلّى علينا من أسمائك نطلب حصولَ ما يطلب هو.. ثم انظر إلى طوره في طرز تضرعاته كيف يتضرع؛ بافتقار عظيم، في اشتياق شديد، وبحزن عميق، في محبوبية حزينة؛ بحيث يهيّج بكاء الكائنات فيبكيها فيُشركها في دعائه. ثم انظر لأيْ مقصد وغاية يتضرع؟ ها هو يدعو لمقصد لولا حصول ذاك المقصد لسقط الإنسان، بل العالم، بل كل المخلوقات إلى أسفل سافلين لا قيمة لها ولا معنى. وبمطلوبه تترقّى الموجودات إلى مقامات كمالاتها..

ثم انظرْ كيف يتضرع باستمداد مديد، في غياث شديد، في استرحام بتودد حزين، بحيث يُسمع العرش والسماوات، ويهيّج وَجْدها، حتى كأنّ العرشَ والسماوات يقول: آمين اللّٰهم آمين.. ثم انظر ممن يطلب مسؤلَه؛ نعم، يطلب من القدير السميع الكريم ومن العليم البصير الرحيم، الذي يَسمَع أخفى دعاء من أخفى حيوان في أخفى حاجة؛ إذ يجيبه بقضاء حاجته بالمشاهدة، وكذا يبصر أدنى أمَلٍ في أدنى ذي حياةٍ في أدنى غايةٍ، إذ يوصله إليها من حيث لا يحتسب بالمشاهدة، ويكرم ويرحم بصورة حكيمة، وبطرز منتظم. لا يبقى ريب في أنّ هذه التربية والتدبير من سميع عليم ومن بصير حكيم.

الرشحة الثالثة عشرة

فيا للعجب!.. ما يطلب هذا الذي قام على الأرض، وجَمَع خلفه جميع أفاضل بني آدم ورفع يديه متوجها إلى العرش الأعظم يدعو دعاءً يؤَمّن عليه الثقلان. ويُعلَم من شؤونه أنّه شرفُ نوع الإنسان، وفريدُ الكون والزمان، وفخرُ هذه الكائنات في كل آن،

ويستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عينَ ما يطلب هو؛ فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضا. فلو لم يوجد مالا يعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات -المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة على وجود الآخرة- وكذا جميع الأسماء القدسية -التي هي أسباب مقتضية- أسبابا مقتضية لها، لكفى دعاء هذا الشخص النوراني لأن يبني ربُّه له ولأبناء جنسه الجنة، كما يُنشئ لنا في كل ربيع جنانا مزينة بمعجزات مصنوعاته. فكما صارت رسالته سببا لفتح هذه الدار الدنيا للامتحان والعبودية، كذلك صار دعاؤه في عبوديته سببا لفتح دار الآخرة للمكافآت والمجازاة.

فهل يمكن أن يقبل هذا الانتظام الفائق، في هذه الرحمة الواسعة، في هذه الصنعة الحسنة بلا قصور، في هذا الجمال بلا قبح -بدرجة أنطقَ أهل التحقيق والعقل بـ"ليس في الإمكان أبدع مما كان"(5)- أن تتغير هذه الحقائق إلى قبح خشين، وظلم موحش، وتشوش عظيم. أيْ بعدم مجيء الآخرة؟ إذ سماع أدنى صوت من أدنى خلق في أدنى حاجة وقبولها بأهمية تامة، مع عدم سماع أرفع صوت ودعاء في أشد حاجة، وعدم قبول أحسن مسؤول، في أجمل أمل ورجاء؛ قبح ليس مثله قبح وقصور لا يساويه قصور، حاشا ثم حاشا وكلاّ.. لا يقبل مثل هذا الجمال المشهود بلا قصور مثل هذا القبح المحض.

فيا رفيقي في هذه السياحة العجيبة، ألاَ يكفيك ما رأيتَ؟ فإن أردتَ الإحاطة فلا يمكن، بل لو بقينا في هذه الجزيرة مائة سنة ما أحطنا ولا مللنا من النظر بجزء واحد من مائة جزء من عجائب وظائفه، وغرائب إجراآته..

فَلْنرجع القهقرى، ولْنَنظرْ عصرا عصرا، كيف اخضرَّتْ تلك العصور واستفاضت من فيض هذا العصر؟ نعم، ترى كل عصر تمر عليه قد انفتحتْ أزاهيرُه بشمس عصر السعادة، وأثمر كلُّ عصر من أمثال أبي حنيفة والشافعي وأبي يزيد البسطامي والجنيد والشيخ عبد القادر الكيلاني .. والإمام الغزالي والشاه النقشبند والإمام الرباني ونظائرهم ألوفُ ثمراتٍ منوراتٍ من فيض هداية ذلك الشخص النوراني. فلنؤخر تفصيلات مشهوداتنا في رجوعنا إلى وقت آخر،

ونصلِّي ونسلِّم على ذلك الذات النوراني الهادي، ذي المعجزات بصلوات وسلام تشير إلى قسم من معجزاته:

عَلَى مَن أنـزِلَ عَلَيهِ الْقُرآنُ الْحَكِيمُ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ألفُ ألفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ أنفَاسِ أمَّتِهِ.

عَلَى مَن بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإنجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالزُّبُرُ، وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ الْإِرْهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الْجِنِّ وَكَوَاهِنُ الْبَشَرِ وَانشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ.. سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ ألفُ ألف صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أمَّتِهِ.

عَلَى مَن جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الشَّجَرُ، وَنَـزَلَ سُرعَةً بِدُعَائِهِ الْمَطَرُ، وَأظَلَّتهُ الْغَمَامَةُ مِنَ الْحَرِّ، وَشَبَعَ مِن صَاعٍ مِن طَعَامِهِ مِآت مِنَ الْبَشَرِ، وَنَبَعَ الْمَاءُ مِن بَينِ أصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَالْكَوْثَرِ، وَأنطَقَ اللّٰهُ لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبْيَ وَالذِّئْبَ وَالْجِذْعَ وَالذِّرَاعَ وَالْجَمَلَ وَالْجَبَلَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ وَالشَّجَرَ.. صَاحِب الْمِعْرَاج وَمَا زَاغَ الْبَصَر..

سَيِّدِنَا وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ ألفُ ألفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ كُلِّ الْحُرُوفِ الْمُتَشَكِّلَةِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِ الرَّحْمنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِندَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرآنِ مِن كُلِّ قَارِئٍ مِن أوَّلِ النُّـزُولِ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَاغفِرْ لَنَا وَارْحَمنَا يَا إِلَهَنَا بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا.. آمِينَ.

 

[اعلم أن دلائل النبوة الأحمدية لا تعدّ ولا تحدّ، ولقد صنّف في بيانها أعاظم المحققين. وأنا مع عجزي وقصوري قد بينّت شعاعاتٍ من تلك الشمس في رسالة تركية مسّماة بـ"شعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم" وفي "المكتوب التاسع عشر". وكذا بينت إجمالا وجوهَ إعجاز معجزته الكبرى (أي القرآن) وقد أشرتُ بفهمي القاصر إلى أربعين وجها من وجوه إعجاز القرآن في رسالة "اللوامع"، وقد بينت من تلك الوجوه واحدا وهو البلاغة الفائقة النظمية في مقدار أربعين صحيفة من تفسيري العربي المسمى بـ"إشارات الإعجاز". فإن شئت فارجع إلى هذه الكتب الثلاثة..].

 

https://asyilaislamiyya.com/risale-i-nur-kulliyati/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A9/254

التعليقات