القرآن مفتاحٌ لخزينةِ كمالٍ فائقٍ
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
ومثلا: إنَّ خاتَمَ ديوانِ النُّبوةِ، وسيِّدَ المرسَلِينَ، الذي تُعدُّ جميعُ معجزاتِ الرُّسلِ معجزةً واحدةً لتصديقِ دعوى رسالتِه، والذي هو فَخرُ العالمينَ، وهو الآيةُ الواضحةُ المفَصَّلةُ لجميعِ مراتبِ الأسماءِ الحسنى كلِّها التي علَّمَها الله سبحانَه آدمَ عليه السَّلام تعليمًا مُجملًا.. ذلكم الرَّسولُ الحبيبُ محمدٌ ﷺ الذي رفعَ أُصبُعَهُ عاليًا بجلالِ الله فشقَّ القمرَ،( ) وخَفَضَ الأُصبُعَ المباركَ نفسَه بجمالِ الله ففجَّرَ ماءً كالكوثرِ..( ) وأمثالُها من المعجزاتِ الباهراتِ التي تزيدُ على الألفِ.. هذا الرسولُ الكريمُ ﷺ أظهرَ القرآنَ الكريمَ معجزةً كبرى تتحدى الجنَّ والإنسَ: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88). فهذهِ الآيةُ الكريمةُ وأمثالُها من الآياتِ تَجلِبُ أنظارَ الإنسِ والجِنِّ إلى أبرزِ وجوهِ الإعجازِ في هذهِ المعجزةِ الخالدَةِ وأسطَعِها، فتُلفِتُها إلى ما في بيانِهِ الحقِّ والحقيقةِ من جزالةٍ، وإلى ما في تعابيرِه من بلاغةٍ فائقةٍ، وإلى ما في معانيه من جامعيةٍ وشمولٍ، وإلى ما في أساليبِه المتنوعةِ من سموٍ ورِفعةٍ وعُذوبةٍ.. فتحدَّى القرآنُ المعجزُ، وما زال كذلك يتحدَّى الإنسَ والجنَّ قاطبةً، مُثيرًا الشَّوقَ في أوليائِهِ، مُحركًا ساكنَ عنادِ أعدائِهِ، دافعًا الجميعَ إلى تقليدِه، بشوقٍ عظيمٍ وتَرغيبٍ شَديدٍ، للإتيانِ بنظيرهِ، بل إنَّه سبحانه يضعُ هذه المعجزةَ الكبرى أمامَ أنظارِ الأنامِ في موقعٍ رفيعٍ لكأَنَّ الغايةَ الوحيدةَ من مجيءِ الإنسانِ إلى هذهِ الدنيا ليست سِوى السَّعيِ إلى نَتيجَةِ خِلقَته بِــاتِّخاذِهِ تلكَ المعجزةَ العظمى دستورَ حياتِه، وغايةَ مُناهُ. نَخلُصُ مما تَقدَّمَ: أنَّ كلَّ معجزةٍ من معجزاتِ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ تشيرُ إلى خارقةٍ من خوارقِ الصِّناعاتِ البَشريةِ؛ أمَّا مُعجزةُ سيِّدِنا آدمَ عليه السَّلام فهي تشيرُ إلى فِهرِسِ خوارقِ العلومِ والفنونِ والكمالاتِ، وتُشوِّقُ إليها جميعًا مع إشارَتِها إلى أُسُسِ الصَّنعةِ إِشارةً مجملةً مُختصرةً. أمَّا المعجزةُ الكبرى للرسولِ الأعظمِ ﷺ وهي القرآنُ الكريمُ ذو البيانِ المُعجِزِ، فلأنَّ حقيقةَ تعليمِ الأسماءِ تَتجلَّى فيهِ بوضوحٍ تامٍّ، وبتفصيلٍ أتمَّ، فإنَّه يبينُ الأهدافَ الصَّائبةَ للعلومِ الحقَّةِ وللفنونِ الحقيقيَّةِ، ويُظهرُ بوضوحٍ كمالاتِ الدنيا والآخرةِ وسَعادتَهما، فيسوقُ البشرَ إليها ويوجِّهُه نحوَهَا، مثيرًا فيهِ رغبةً شديدةً فيها، حتى إنَّه يبين بأسلوبِ التَّشويقِ أنْ: أيها الإنسانُ! إنَّ المقصِدَ الأسمى من خلقِ هذا الكونِ هو قيامُكَ أنت بعبوديةٍ كلِّيَّةٍ تجاهَ تظاهُرِ الرُّبوبيةِ، وإنَّ الغايةَ القُصوى من خلقِكَ أنت هي بلوغُ تلك العُبوديةِ بالعلومِ والكمالاتِ؛ فيعبِّرُ بتعابيرَ متنوعةٍ رائعةٍ معجزةٍ مُشيرًا بها إلى أنَّ البَشريةَ في أواخرِ أيَّامِها على الأرضِ ستنسابُ إلى العلومِ، وتَنصبُّ إلى الفنونِ، وستَستمدُّ كلَّ قُوَّتِها من العلومِ والفنونِ فيتسلَّمَ العلمُ زمامَ الحكمِ والقوةِ. ولما كان القرآنُ الكريمُ يسوقُ جزالةَ البيانِ وبلاغَةَ الكلامِ مقدَّمًا ويكرِّرُهما كثيرًا، فكأنَّه يرمزُ إلى أنَّ البلاغةَ والجزالةَ في الكلامِ، وهما من أسطعِ العُلومِ والفُنونِ، سيلبَسَانِ أزهى حُلَلِهِما وأروعَ صوَرِهِما في آخرِ الزمانِ، حتى يَغدُو الناسُ يستلهمُون أمضى سلاحِهم من جزالةِ البيانِ وسِحرِه، ويستلمونَ أرهبَ قوَّتِهم من بلاغةِ الأداءِ؛ وذلك عند بيانِ أفكارِهم ومُعتقداتِهم لإقناعِ الآخرينَ بها، أو عندَ تنفيذِ آرائِهم وقراراتِهم.. نَحصُلُ ممَّا سبقَ: أنَّ أكثرَ الآياتِ الكريمةِ إنما هي مفتاحٌ لخزينةِ كمالٍ فائقٍ، ولكنـزٍ علميٍّ عظيمٍ؛ فإن شئتَ أن تبلغَ سماواتِ القُرآنِ الكريمِ ونجومَ الآياتِ فاجعلِ (الكلماتِ العشرينَ السَّابقةَ) عشرينَ درجًا لسلَّمِ الوصولِ إليها،( ) وشاهد بها مدى سطوعِ شمسِ القرآنِ العظيمِ، وتأمَّل كيف ينشـرُ القرآنُ نورَه باهرًا على حقيقةِ الألوهيةِ وحقائقِ الموجوداتِ، والمخلوقاتِ، وكيفَ ينشـرُ الضياءَ السَّاطعَ على كلِّ الموجوداتِ. النتيجةُ: ما دامت الآياتُ التي تخصُّ معجزاتِ الأنبياءِ عليهمُ السَّلام لها نوعٌ من الإشارةِ إلى خوارقِ التَّقدمِ العلميِّ والصِّناعيِّ الحاضرِ، ولها طِرازٌ من التَّعبيرِ كأنَّه يخطُّ أبعدَ الحدودِ النهائيةِ لها.. وحيث إنَّه ثابتٌ قطعًا أنَّ لكلِّ آيةٍ دلالاتٍ على معانٍ شتَّى بل هذا مُتَّفقٌ عليه لدى العلماءِ.. ولما كان هناكَ أوامرُ مطلقةٌ لاتِّباعِ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ والاقتداءِ بهم، لذا يصحُّ القولُ: إنَّه مع دلالةِ الآياتِ المذكورةِ سابقًا على معانيها الصَّريحةِ هناكَ دلالاتٌ مشوِّقةٌ بأسلوبِ الإشارةِ إلى أهمِّ العلومِ البشريةِ وصناعاتِها.

التعليقات