القرآن يفتح ابواب الصناعات
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
ومثلا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ:10) ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ (ص:20).
هاتانِ الآيتانِ تخصانِ معجزةَ سيِّدِنا داودَ عليهِ السَّلام؛ والآيةُ الكريمةُ: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ (سبأ:12) تخصُّ معجزةَ سيِّدِنا سليمانَ عليهِ السَّلام؛ فهذهِ الآياتُ تشيرُ إلى أنَّ تَليينَ الحديدِ نعمةٌ إلهيةٌ عُظمى، إذ يُبيِّنُ الله به فضلَ نبيٍ عَظيمٍ؛ فتليينُ الحديدِ وجَعلَهُ كالعجينِ، وإذابةُ النُّحاسِ وإيجادُ المعادنِ وكَشفُها هو أصلُ جميعِ الصِّناعاتِ البشريةِ، وأساسُها، وهوَ أمُّ التَّقدمِ الحضاريِّ من هذا الجانبِ ومعدِنُهُ. فهذهِ الآيةُ تشيرُ إلى النعمةِ الإلهيةِ العُظمى في تَليينِ الحديدِ كالعجينِ وتَحويلِه أسلاكًا رفيعةً، وإِسالَةِ النُّحاسِ، واللذانِ هما محورُ مُعظمِ الصِّناعاتِ العامَّةِ، حيثُ وهبَها الباري الجليلُ على صورةِ مُعجزةٍ عُظمى لرسولٍ عظيمٍ وخَليفةٍ للأرضِ عظيمٍ؛ فما دامَ سبحانه قد كرَّمَ مَن هو رسولٌ وخليفةٌ معًا، فوهبَ لِلسانِهِ الحكمةَ وفَصلَ الخطابِ، وسَلَّمَ إلى يدهِ الصَّنعةَ البارعةَ، وهو يَحضُّ البشريةَ على الاقتداءِ بما وهبَ للسانِهِ حضًّا صريحًا، فلابُدَّ أنَّ هناكَ إشارةً تُرغِّبُ وتَحضُّ على ما في يدهِ من صَنعةٍ ومَهارةٍ. فسبحانه يقولُ بالمعنى الإشاريِّ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ: يا بني آدمَ! لقد آتيتُ عبدًا من عبادي أطاعَ أوامري وخَضعَ لما كلَّفتُه به، آتيتُ لسانَه فصلَ الخطابِ، وملأتُ قلبَه حكمةً ليُفَصِّلَ كلَّ شيءٍ على بَيِّنةٍ ووضوحٍ، ووضعتُ في يدهِ من الصنعةِ البارعةِ ما يكونُ الحديدُ كالشَّمعِ فيها، فيُغيِّـرُ شكلَه كيفما يشاءُ، ويَستمدُّ منه قوةً عظيمةً لإرساءِ أركانِ خلافَتِه وإدامةِ دولتِه وحُكمِهِ؛ فما دامَ هذا الأمرُ ممكنًا وواقِعًَا فِعلًا، وذا أهميةٍ بالغةٍ في حياتِكُم الاجتماعيَّةِ؛ فأنتم يا بني آدمَ إن أطعتُم أوامرِي التكوينيةَ تُوهَبُ لكم أيضًا تلكَ الحكمةُ والصَّنعةُ، فيمكنُكُم بمرورِ الزَّمنِ أن تقتربوا منهما وتَبلغُوهما. وهكذا فإنَّ بلوغَ البشريةِ أقصى أمانيِّها في الصِّناعةِ، وكَسبَها القدرةَ الفائقةَ في مجالِ القوةِ الماديَّةِ، إنَّما هو بتليينِ الحديدِ وبإذابَةِ النُّحاسِ (القِطر)؛ فهذهِ الآياتُ الكريمةُ تستقطبُ أنظارَ البشريةِ عامَّةً إلى هذهِ الحقيقةِ، وتلفِتُ نَظَرَ السَّالفينَ وكُسالى الحاضِرينَ إليها، فتُنبِّهُ أولئكَ الذين لا يُقدِّرونَها حقَّ قَدرِها.

التعليقات