القرآن يفتح ابواب تسخير واستنطاق المخلوقات
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
ومثلا: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾(ص:18)، ﴿يَا جِبَالُ أوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَألَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ:10) ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ..﴾(النمل:16)
هذه الآيات الكريمة التي تذكر معجزات سيدنا داود عليه السلام، تدل على أنّ اللّٰه سبحانه قد منح تسبيحاتِه وأذكارَه من القوة العظيمة والصوت الرخيم والأداء الجميل ما جعل الجبالَ في وجدٍ وشوق، وكأنها حاكٍ عظيم تردّد تسبيحاتٍ وأذكارا. أو كأنها إنسان ضخم يُسبّحُ في حلقة ذكر حول رئيس الحلقة.
- أتُراك هذه حقيقة؟ وهل يمكن أن يحدث هذا فعلا؟!.
- نعم، إنها لحقيقة قاطعة، أليس كلُّ جبل ذي كهوف يمكن أن يتكلم مع كل إنسان بلسانه، ويردّد كالببغاء ما يذكره؟ فإن قلت: "الحمد للّٰه" أمام جبل، فهو يقول أيضا: "الحمد للّٰه" وذلك برَجع الصدى.. فما دام اللّٰه سبحانه وتعالى قد وهب هذه القابلية للجبال، فيمكن إذن أن تنكشف هذه القابلية وتنبسط أكثرُ من هذا. وحيث إنّ اللّٰه سبحانه قد خصّ سيدنا داود عليه السلام بخلافة الأرض فضلا عن رسالته، فقد كشف بذرةَ تلك القابلية لديه ونماها وبسطها بسطا معجزا عنده، بما يلائم شؤونَ الرسالة الواسعة والحاكمية العظيمة، حتى غدت الجبال الشمّ الرواسي منقادة إليه كأيٍّ جندي مطيع لأمره، وكأيِّ صانع أمين لديه، وكأيِّ مريد خاشع لذكره. فأصبحت تلك الجبالُ تسبّح بحمد الخالق العظيم جلّ جلاله بلسانه عليه السلام وبأمره. فما كان سيدنا داود يذكر ويسبّح إلاّ والجبال تردّد ما يذكره.
نعم، إنّ القائد في الجيش يستطيع أن يجعل جنوده المنتشرين على الجبال يرددون: "اللّٰه أكبر" بما لديه من وسائل الاتصال والمخابرات، حتى كأنّ تلك الجبال هي التي تتكلم وتهلل وتكبر! فَلئن كان قائدا من الإنس يستطيع أن يستنطق "مجازيا" الجبال بلسان ساكنيها، فكيف بقائد مهيب للّٰه سبحانه وتعالى؟ ألا يستطيع أن يجعل تلك الجبال تنطق نطقا "حقيقيا" وتُسبِّح تسبيحا حقيقيا؟. هذا فضلا عن أننا قد بينا في "الكلمات" السابقة أنّ لكل جبل شخصيةً معنويةً خاصةً به، وله تسبيح خاص ملائم له، وله عبادة مخصوصة لائقة به. فمثلما يُسبّح كل جبل برجْع الصَّدى بأصوات البشر، فإنّ له تسبيحاتٍ للخالق الجليل بألسنتِهِ الخاصة.
وكذلك: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾(ص:19) و﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ..﴾(النمل:16)..
هذه الآيات تبين أنّ اللّٰه سبحانه قد علّم سيدنا داود وسليمان عليهما السلام منطق أنواع الطيور، ولغة قابلياتها واستعداداتها، أي أيُّ الأعمال تناسبها؟ وكيف يمكن الاستفادة منها؟
نعم، هذه الحقيقة هي الحقيقة الجليلة، إذ ما دام سطح الأرض مائدةً رحمانيةً أقيمتْ تكريما للإنسان، فيمكن إذن أن تكون معظمُ الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرةً للإنسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته. فالإنسان الذي استخدم النحل ودودة القز -تلكم الخَدَمة الصَّغار- وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمامَ الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثالَه من الطيور، فضمَّ إلى الحضارة الإنسانية محاسنَ جديدة، هذا الإنسان يمكنه أن يستفيد إذن كثيرا إذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الأخرى، حيث هي أنواع وطوائفُ كثيرة جدا، كما استفاد من الحيوانات الأليفة. فمثلا: إذا عَلِم الإنسان لسانَ استعداد العصافير "من نوع الزرازير" التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، وإذا ما نسّق أعمالَها فإنّه يمكن أن يسخّرَها لمكافحة آفة الجراد. فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجانا في أمور مهمة.
فمثل هذه الأنواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الأقصى والغايةَ القُصوى.
فيقول اللّٰه سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة:
يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنودا مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته. وقد آتيتُ كلا منكم استعدادا ومواهبَ ليصبح خليفة الأرض، وأودعتُ فيكم أمانةً عُظمى، أبَتِ السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنَها، فعليكم إذن أن تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليدُ هذه المخلوقات وزمامُها، لتنقاد إليكم مخلوقاتُه المبثوثة في ملكه. فالطريق ممهَّد أمامكم إن استطعتم أن تقبضوا زِمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، وإذا سمَوتم إلى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم.
فما دامت الحقيقة هكذا فاسعَ أيَّها الإنسان أن لا تنشغل بِلهوٍ لا معنى له، وبلعبٍ لا طائلَ من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمَام والببغاء.. بل اسعَ في طلب لَهوٍ من ألطفِ اللَّهو وأزكاه، وتَسلَّ بتسلية هي من ألذِّ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود عليه السلام، وشنّف سمعك بنغمات ذِكرٍ وتسبيح الأشجار والنباتات التي تُخرج أصواتا رقيقة عذبة بمجرد مَسِّ النسيم لها وكأنها أوتارُ آلاتٍ صوتية.. فبهذا الذِّكر العُلويِّ تُظهر الجبالُ لك ألوفا من الألسنة الذاكرة المسبِّحة، وتبرز أمامكَ في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتَلبَسُ -كأنها هدهدُ سليمان- لباسَ الصديق الحميم والأنيس الودود، فتصبح خداما مطيعين لك. فتُسلّيك أيَّما تسلية، وتُلهيك لهوا بريئا لا شائبة فيه، فضلا عن أنّ هذا الذكر السَّامي يسوقك إلى انبساط قابلياتٍ ومواهبَ كانت مغمورةً في ماهيتك، فَتَحُولُ بينك وبين السقوط من ماهية الإنسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بَعدُ أضراب اللهو التي لا مغزى لها إلى حضيض الهاوية.
ومثلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾(الأنبياء:69).
هذه الآية الكريمة تبين معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفيها ثلاث إشارات لطيفة:
أولاها: النار -كسائر الأسباب- ليس أمرها بيدها، فلا تعمل كيفما تشاء حسب هواها وبلا بصيرة، بل تقوم بمهمتها وفق أمر يُفرض عليها. فلم تُحرق سيدَنا إبراهيم لأنّها أُمرَت بعدم الحرق.
ثانيتُها: إنّ للنار درجة تحرق ببرودتها، أيْ تؤثر كالاحتراق. فاللّٰه سبحانه يخاطب البرودة بلفظة: "سلاما"(8) بأن لا تحرقي أنتِ كذلك إبراهيم، كما لم تحرقه الحرارة. أي إنّ النار في تلك الدرجة تؤثر ببرودتها كأنّها تحرق، فهي نار وهي برد.
نعم إنّ النار -كما في علم الطبيعيات- لها درجات متفاوتة، منها درجة على صورة نار بيضاء لا تنشر حرارتها بل تكسب مما حولها من الحرارة، فتجمد بهذه البرودة ما حولها من السوائل، وكأنها تحـرق ببرودتها.
وهكذا الزمهرير لون من ألوان النار تحرق ببرودتها، فوجودُه إذن ضروري في جهنم التي تضم جميع درجات النار وجميع أنواعها.
ثالثتُها: مثلما الإيمان الذي هو "مادة معنوية" يمنع مفعول نار جهنم، وينجي المؤمنين منها. وكما أنّ الإسلام درع واقٍ وحصن حصين من النار، كذلك هناك "مادة مادية" تمنع تأثير نار الدنيا، وهي درع أمامها، لأنّ اللّٰه سبحانه يجري إجراءاته في هذه الدنيا، التي هي دار الحكمة، تحت ستار الأسباب. وذلك بمقتضى اسمه "الحكيم"، لذا لم تحرق النار جسمَ سيدنا إبراهيم عليه السلام مثلما لم تحرق ثيابَه وملابسه أيضا. فهذه الآية ترمز إلى:
"يا ملة إبراهيم! اقتدوا بإبراهيم، كي يكون لباسُكم لباسَ التقوى وهو لباس إبراهيم، وليكون حصنا مانعا ودرعا واقيا في الدنيا والآخرة تجاه عدوكم الأكبر، النار. فلقد خبَّأ سبحانه لكم موادا في الأرض تحفظكم من شر النار، كما يقيكم لباس التقوى والإيمان الذي ألبستموه أرواحكم، شر نار جهنم.. فهلمّوا واكتشفوا هذه المواد المانعة من الحرارة واستخرجوها من باطن الأرض والبسوها". وهكذا وجد الإنسان حصيلة بحوثه واكتشافاته مادة لا تحرقها النار، بل تقاومها فيمكنه أن يصنع منها لباسا وثيابا.
فقارن هذه الآية الكريمة، وقِسْ مدى سموّها وعلوّها على اكتشاف الإنسان للمادة المضادة للنار، واعلم كيف أنها تدل على حلّة قشيبة نُسجت في مصنع "حنيفا مسلما" لا تتمزق ولا تَخلق وتبقى محتفظة بجمالها وبهائها إلى الأبد.

التعليقات