القرآن يفتح ابواب علم التحضبر

الأستاذ: منير توران

المقام الثاني

من الكلمة العشرين

لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء

"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"

 

 

ومثلا: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْم مِّنَ الْكِتَابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ ..﴾(النمل:40).

فهذه الآية تشير إلى أنّ إحضار الأشياء من مسافات بعيدة -عينا أو صورة- ممكن، وذلك بدلالتها على تلك الحادثة الخارقة التي وقعت في ديوان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما قال أحدُ وزرائه الذي أوتي علما غزيرا في "علم التحضير": أنا آتيك بعرش بلقيس. ولقد آتى اللّٰه سبحانه سيدنا سليمان عليه السلام المُلكَ والنبوة معا، وأكرمه بمعجزة يتمكن بها من الاطلاع المباشر بنفسه وبلا تكلف ولا صعوبة على أحوال رعاياه، ومشاهدة أوضاعهم، وسماع مظالمهم. فكانت هذه المعجزة مناط عصمته وصَونه من الشطط في أمور الرعية. وهي وسيلة قوية لبسط راية العدالة على أرجاء المملكة.

فمن يعتمد على اللّٰه سبحانه إذن ويطمئن إليه، ويسأله بلسان استعداداته وقابلياته التي فُطر عليها، وسار في حياته على وفق السنن الإلهية والعناية الربانية، يمكن أن تتحول له الدنيا الواسعةُ كأنها مدينة منتظمة أمامَه كما حدث لسليمان عليه السلام، الذي طلب بلسان النبوة المعصومة إحضارَ عرش بلقيس فأحضر في طَرفة عَينٍ وصار ماثلا أمامه، بعينه أو بصورته، في بلاد الشام بعد أن كان في اليمن. ولاشك أنّ أصوات رجال الحاشية الذين كانوا حول العرش قد سُمعتْ مع مشاهدة صوَرهم.

فهذه الآية تشير إشارةً رائعة إلى إحضار الصور والأصوات من مسافات بعيدة. فالآية تخاطب: أيّها الحكام! ويا من تسلّمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسودَ العدالةُ أنحاءَ مملكتكم، فاقتدوا بسليمان عليه السلام واسعَوا مِثلهُ إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والسلطان الذي يرعى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتغاه إلاّ إذا استطاع الإطلاع -متى شاء- على أقطار مملكته. وعندئذٍ تعمّ العدالة حقا، وينقذ نفسَه من المحاسبة والتَبِعَات المعنوية.

فاللّٰه سبحانه يخاطب بالمعنى الرمزي لهذه الآية الكريمة: يا بني آدم! لقد آتيتُ عبدا من عبادي حُكمَ مملكة واسعة شاسعة الأرجاء، ومنحتُه الإطلاع المباشر على أحوال الأرض وأحداثها ليتمكن من تطبيق العدالة تطبيقا كاملا. ولما كنتُ قد وهبتُ لكل إنسان قابلية فطرية ليكون خليفة في الأرض، فلا ريب أنّي قد زوّدتُه -بمقتضى حكمتي- ما يناسب تلك القابلية الفطرية، من مواهب واستعدادات يتمكن بها من أن يشاهد الأرض بأطرافها ويدرك منها ما يدرك. وعلى الرغم من أنّ الإنسان قد لا يبلغ هذه المرتبة بشخصه إلاّ أنه يتمكن من بلوغها بنوعه. وإن لم يستطع بلوغها ماديا، فإنّه يبلغها معنويا، كما يحصل للأولياء الصالحين، فباستطاعتكم إذن الاستفادة من هذه النعمة الموهوبة لكم. فسارعوا إلى العمل الجاد واسعوا سعيا حثيثا كي تحوّلوا الأرضَ إلى ما يشبهُ حديقةً صغيرة غنّاء، تجولون فيها وترون جهاتها كلّها وتسمعون أحداثها وأخبارها من كل ناحية منها غير ناسين وظيفة عبوديتكم. تدبَّروا الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(الملك:15).

وهكذا نرى كيف تومئ الآية الكريمة المتصدرة لهذا المثال إلى إثارة همّة الإنسان، وبعثِ اهتماماته لاكتشاف وسيلة يستطيع بها إحضار الصور والأصوات من أبعد الأماكن وأقصاها ضمن أدق الصناعات البشرية.

 

https://asyilaislamiyya.com/risale-i-nur-kulliyati/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%86/269

التعليقات