الكلمة الاولى لا اله الا الله

الأستاذ: منير توران

 

المكتوب العشرون

 

بِاسْمِه سُبحَانَهُ

﴿وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِـّحُ بِحَمْدِهِ﴾

"لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لاَ شَر۪يكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ

وَ لَهُ الْحَمْدُ يُحْي۪ي وَيُم۪يتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ

وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَد۪يرٌ وَإِلَيْهِ الْمَص۪يرُ"([1])

 

[إن هذه الجملة التي تلخّص التوحيد، عبارة عن إحدى عشرةَ كلمة، ولقراءتها عقب صلاتَي الفجر والمغرب فضائلُ جمّة، حتى ورد في إحدى الروايات الصحيحة أنها تحمل مرتبة "الاسم الأعظم".([2]) فلا غرو إذن أن تُقطّر كلُّ كلمة من كلماتها أملاً شافياً وبشرى سارة، وأن تحمل مرتبةً جليلة من مراتب توحيد الربوبية، وتبيّن من زاوية الاسم الأعظم كبرياءَ الوحدانية وكمالَ التوحيد.

وحيث إن هذه الحقائق الواسعة الرفيعة قد وضّحت بجلاء في سائر "الكلمات" فنحيل إليها. ونكتفي هنا بوضع فهرس لها، بناءً على وعد سابق، على صورة خلاصة مجملة جداً، تتكون من "مقامين" و"مقدمة"].

 

المقدمة

 

اعلم يقيناً أن أسمى غايةٍ للخلق، وأعظمَ نتيجةٍ للفطرة الإنسانية.. هو "الإيمانُ باللّٰه".. واعلم أن أعلى مرتبة للإنسانية، وأفضل مقام للبشرية.. هو "معرفةُ اللّٰه" التي في ذلك الإيمان.. واعلم أن أزهى سعادةٍ للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو "محبةُ اللّٰه" النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن أصفى سرور لروح الإنسان، وأنقى بهجةٍ لقلبه.. هو "اللذةُ الروحية" المترشحة من تلك المحبة.

أجل، إنَّ جميع أنواع السعادة الحقة، والسرورَ الخالص، والنعمةَ التي ما بعدَها نعمةٌ، واللذةَ التي لا تفوقُها لذةٌ، إنما هي في "معرفة اللّٰه".. في "محبة اللّٰه". فلا سعادةَ، ولا مسرّة، ولا نعمة حقاً بدونها.

فكلُّ من عرف اللّٰه تعالى حق المعرفة، وملأ قلبَه من نور محبته، سيكونُ أهلاً لسعادة لا تنتهي، ولنعمةٍ لا تنضب، ولأنوارٍ وأسرار لا تنفد، وسينالها إما فعلاً وواقعاً أو استعداداً وقابلية. بينما الذي لا يعرف خالقَه حقَّ المعرفة، ولا يكنّ له ما يليق من حُبٍ ووُدٍّ، يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمَين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يُحصر.

نعم، إنَّ هذا الإنسان البائس الذي يتلوّى ألماً من فقده مولاه وحاميه، ويضطرب من تفاهةِ حياته وعدم جدواها، وهو عاجزٌ وضعيف بين جموع البشرية المنكودة.. ماذا يغنيه عمّا يعانيه ولو كان سلطانَ الدنيا كلِّها!

فما أشد بؤس هذا الإنسان المضطرب في دوّامة حياةٍ فانية زائلة وبين جموع سائبةٍ من البشر إنْ لم يجد مولاه الحق، ولم يعرف مالكَه وربَّه حق المعرفة! ولكن لو وجد ربَّه وعرف مولاه ومالكَه لالتجأ إلى كنف رحمته الواسعة، واستند إلى جلال قدرته المطلقة.. ولتحولت له الدنيا الموحشة روضةً مؤنسة، وسوقَ تجارةٍ مربحة.

 

المقام الأول

كل كلمة من كلمات هذا الكلام التوحيدي الرائع تزفّ بشرى سارة، وتبث أملاً دافئاً. وفي كل بشرى شفاء وبلسم.. وفي كل شفاء لذة معنوية وانشراح روحي.

 

الكلمة الأولى: "لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ"

هذه الكلمة تتقطر بشرى عظيمة وأملاً بهيجاً كالآتي:

إنَّ روح الإنسان المتلهفة إلى حاجات غير محدودة، والمستهدَفة من قِبل أعداءٍ لا يُعدّون.. هذه الروح المبتلاة بين حاجات لا تنتهي وأعداءٍ لا يحصرون، تجد في هذه الكلمة العظيمة منبعاً ثراً من الاستمداد، بما يفتح لها أبوابَ خزائن رحمة واسعة ترِدُ منها ما يُطمئِن جميعَ الحاجات وتضمن جميع المطالب.. وتجد فيها كذلك مرتَكزاً شديداً ومستنَداً رضيّاً يدفع عنها جميعَ الشرور، ويصرف عنها جميعَ الأضرار. وذلك بما تُري الإنسانَ من قوة مولاه الحق، وترشده إلى مالكه القدير، وتُدلّه على خالقه ومعبوده. وبهذه الرؤية السديدة والتعرّف على اللّٰه الواحد الأحد، تنقذ -هذه الكلمة- قلبَ الإنسان من ظلام الوحشة والأوهام، وتُنجي روحَه من آلام الحزن والكمد، بل تضمن له فرحاً أبدياً، وسروراً دائماً.

 

 

التعليقات