المقامُ الثَّاني من الكلمةِ العِشرين

الأستاذ: منير توران

المقام الثاني

من الكلمة العشرين

لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء

"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام:59)

لقد كتبتُ قبل أربع عشرة سنة(5) بحثا يخص سرا من أسرار هذه الآية الكريمة في تفسيري الذي كتبته باللغة العربية الموسوم بـ"إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" والآن استجابة لطلب أخوين كريمين عزيزين عندي أكتب إيضاحا باللغة التركية لذلك البحث، مستعينا بتوفيق العلي القدير ومستلهما من فيض القرآن الكريم، فأقول:

إن "كتاب مبين" -على قولٍ- هو القرآن الكريم. فهذه الآية الكريمة تبيّن أنّه ما من رطب ولا يابس إلاَّ وهو في القرآن الكريم.

- أتراه كذلك؟

- نعم، إنّ في القرآن كلَّ شيء. ولكن لا يستطيع كلُّ واحد أن يرى فيه كلَّ شيء. لأنّ صور الأشياء تبدو في درجات متفاوتة في القرآن الكريم. فأحيانا توجد بذور الشيء أو نواه، وأحيانا مجملُ الشيء أو خلاصتُه، وأحيانا دساتيرُه، وأحيانا توجد عليه علامات. ويرد كلّ من هذه الدرجات؛ إما صراحة أو إشارة أو رمزا أو إبهاما أو تنبيها. فيعبّر القرآنُ الكريم عن أغراضه ضمن أساليب بلاغته، وحسب الحاجة، وبمقتضى المقام والمناسبة.

فمثلا: إنّ الطائرة والكهرباء والقطار واللاسلكي وأمثالها من منجزات العلم والصناعة، التكنولوجيا الحديثة، والتي تعدّ حصيلة التقدم الإنساني ورقيِّه في مضمار الصناعة والعلم، أصبحت هذه الاختراعات موضع اهتمام الإنسان، وتبوّأت مكانة خاصة في حياته المادية. لذا فالقرآن الكريم الذي يخاطب البشريةَ قاطبة، لم يهمل هذا الجانب من حياة البشر،

 

بل قد أشار إلى تلك الخوارق العلمية من جهتين:

الجهة الأولى: أشار إليها عند إشارته إلى معجزات الأنبياء عليهم السلام.

الجهة الثانية: أشار إليها عند سرده بعض الحوادث التاريخية.

فعلى سبيل المثال: فقد أشار إلى القطار في الآيات الكريمة الآتية: ﴿قُتِلَ أصْحَابُ الْأخْدُودِ % النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ % إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُود % وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُود % وَمَا نَقَمُوا مِنهُمْ إِلَّا أن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾(6) (البروج:4-8). وأيضا: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ % وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾(يس:41-42)

والآية الكريمة الآتية ترمز إلى الكهرباء علاوة على إشارتها إلى كثير من الأنوار والأسرار: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ وَالْأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنّهَا كَوْكَب دُرِّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار نُّور عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾(7) (النور:35).

ولما كان الكثيرون من الفضلاء قد انصرفوا إلى هذا القسم، وبذلوا جهودا كثيرة في توضيحه، علما أنّ القيام ببحثه يتطلب دقة متناهية ويستدعي بسطا للموضوع أكثر من هذا وإيضاحا وافيا. فضلا عن وجود أمثلة وفيرة عليه، لذا لا نفتح هذا الباب، ونكتفي بالآيات المذكورة.

أما القسم الأول الذي يشير إلى تلك الاختراعات الشبيهة بالخوارق ضمن إشارات القرآن إلى معجزات الأنبياء.. سنذكر نماذج منه.

 

المقدمة: يبيّن القرآن الكريم أنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمةَ الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسِه أنّ اللّٰه قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّادا للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضا. أي إنّه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعا كاملا في الأمور المادية والمعنوية؛ إذ كما يحض القرآنُ الكريم الإنسان على الاستزادة من نور الخصال الحميدة التي يتحلَّى بها الأنبياء عليهم السلام، وذلك عند بحثه عن كمالاتهم المعنوية، فإنّه عند بحثه عن معجزاتهم المادية أيضا يومئ إلى إثارة شوق الإنسان ليقوم بتقليد تلك المعجزات التي في أيديهم، ويشير إلى حضّه على بلوغ نظائرها، بل يصح القول: إنّ يدَ المعجزة هي التي أهدت إلى البشرية الكمالَ المادي وخوارقه لأول مرة، مثلما أهدتْ إليها الكمال المعنوي. فدونك سفينة نوح عليه السلام وهي إحدى معجزاته، وساعة يوسف عليه السلام، وهي إحدى معجزاته. فقد قدمتهما يد المعجزة لأول مرة هدية ثمينة إلى البشرية. وهناك إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة، وهي اتخاذ أغلب الصنّاع نبيا من الأنبياء رائدا لصنعتهم وقطبا لمهنتهم. فالملاحون -مثلا- اتخذوا سيدنا نوحا عليه السلام رائدهم، والساعاتيون اتخذوا سيدنا يوسف عليه السلام إمامهم، والخياطون اتخذوا سيدنا إدريس عليه السلام مرشدهم..

ولما كان العلماء المحققون من أهل البلاغة قد اتفقوا جميعا أنّ لكل آية كريمة وجوها عدة للإرشاد، وجهات كثيرة للهداية. فلا يمكن إذن أن تكون أسطعُ الآيات وهي آيات المعجزات، سردا تاريخيا، بل لابد أنها تتضمن أيضا معاني بليغة جمة للإرشاد والهداية.

نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدودَ النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعدِ نهاياتها، وغايةِ ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف. فهو بهذا يعيّن أبعدَ الأهداف النهائية لها ويحددها. ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما أنّ الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضا حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله.

وسنبين بضعة نماذج مثالا، من ذلك النبع الفياض الواسع:

 

فمثلا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْر وَرَوَاحُهَا شَهْر﴾(سبأ:12).

هذه الآية الكريمة تبين معجزةً من معجزات سيدنا سليمان عليه السلام. وهي تسخير الريح له، أي إنّه قد قطع في الهواء ما يُقطع في شهرين في يوم واحد. فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء.

فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنـزلة ما دام الطريق ممهدا أمامك. فكأن اللّٰهَ سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة: إن عبدا من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان! إن نبذتَ كسل النفس وتركته، واستفدت جيدا من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضا أن تمتطي صهوة الهواء.

ومثلا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا..﴾(البقرة:60).

هذه الآية الكريمة تبيّن معجزة من معجزات سيدنا موسى عليه السلام، وهي تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الأرض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من أرضٍ صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا.

فهذه الآية تخاطب البشرية بهذا المعنى: يمكنكم أن تجدوا الماء الذي هو ألطفُ فيض من فيوضات الرحمة الإلهية، بوساطة عصا، فاسعوا واعملوا بجد لتجدوه وتكشفوه. فاللّٰه سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآية: ما دمتُ أسلّم بيد عبدٍ يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها أن يفجّر الماء أينما شاء. فأنت أيها الإنسان إن اعتمدتَ على قوانين رحمتي، يمكنك أيضا أن تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيَّا اسعَ لتجد تلك الآلة.

 

فأنت ترى كيف أنّ هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الإنسان من استخراج الماء في أغلب الأماكن، والتي هي إحدى وسائل رقي البشرية. بل إنّ الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها، بمثل ما عيّنت الآية الأولى أبعد النقاط النهائية، وأقصى ما يمكن أن تبلغ إليه الطائرة الحاضرة.

ومثلا: ﴿وَأبْرِئُ الْأكْمَهَ وَالْأبْرَصَ وَأحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّٰهِ ..﴾(آل عمران:49).

فالقرآن الكريم إذ يحث البشرية صراحة على اتباع الأخلاق النبوية السامية التي يتحلّى بها سيدنا عيسى عليه السلام، فهو يرغّب فيها ويحض عليها رمزا إلى النظر إلى ما بين يديه من مهنة مقدسة وطب رباني عظيم.

فهذه الآية الكريمة تشير إلى أنه يمكن أن يُعثر على دواء يشفي أشدَّ الأمراض المزمنة والعلل المستعصية، فلا تيأس أيها الإنسان، ولا تقنط أيها المبتلى المصاب. فكلُّ داء مهما كان، له دواء، وعلاجُه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسِه بلون من ألوان الحياة الموقتة.

فاللّٰه سبحانه يقول بالمعنى الإشاري لهذه الآية الكريمة: لقد وهبتُ لعبد من عبادي تَرَكَ الدنيا لأجلي، وعافَها في سبيلي، هديتين: إحداهما دواء للأسقام المعنوية، والأخرى علاج للأمراض المادية. فالقلوب الميتة تُبعَث بنور الهداية، والمرضى الذين هم بحكم الأموات يجدون شفاءهم بنفث منه ونفخ، فيبرؤون به. وأنت أيها الإنسان! بوسعك أن تجد في صيدلية حِكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به.

وهكذا ترى كيف ترسم هذه الآيةُ الكريمة أقصى المدى وأبعدَ الأهداف التي يصبو إليها الطب البشري من تقدم.

 

فالآية تشير إلى ذلك الهدف وتحث الإنسانَ على الوصول إليه.

ومثلا: ﴿وَألَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ:10) ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾(ص:20).

هاتان الآيتان تخصان معجزة سيدنا داود عليه السلام. والآية الكريمة: ﴿وَأسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾(سبأ:12) تخص معجزة سيدنا سليمان عليه السلام. فهذه الآيات تشير إلى أن تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، إذ يبيّن اللّٰه به فضلَ نبيٍ عظيم. فتليينُ الحديد وجعلهُ كالعجين، وإذابةُ النحاس وإيجادُ المعادن وكشفها هو أصل جميع الصناعات البشرية، وأساسها. وهو أمُّ التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه.

فهذه الآية تشير إلى النعمة الإلهية العظمى في تليين الحديد كالعجين وتحويله أسلاكا رفيعة، وإسالة النحاس، واللذان هما محور معظم الصناعات العامة، حيث وهبها الباري الجليل على صورة معجزة عظمى لرسول عظيم وخليفةٍ للأرض عظيم. فما دام سبحانه قد كرّم مَن هو رسول وخليفة معا، فوهب للسانه الحكمة وفَصل الخطاب، وسلّم إلى يده الصنعة البارعة، وهو يحض البشرية على الإقتداء بما وهب للسانه حضا صريحا، فلابد أنّ هناك إشارةً ترغّب وتحضّ على ما في يده من صنعة ومهارة.

فسبحانه يقول بالمعنى الإشاري لهذه الآية الكريمة: يا بني آدم! لقد آتيتُ عبدا من عبادي أطاع أوامري وخضع لما كلّفته به، آتيت لسانَه فصل الخطاب، وملأتُ قلبَه حكمةً ليفصل كل شيء على بينة ووضوح. ووضعت في يده من الحقيقة الرائعة ما يكون الحديدُ كالشمع فيها، فيغيّر شكله كيفما يشاء، ويستمد منه قوة عظيمة لإرساء أركان خلافته وإدامة دولته وحُكمه. فما دام هذا الأمر ممكنا وواقعا فعلا، وذا أهمية بالغة في حياتكم الاجتماعية. فأنتم يا بني آدم إن أطعتم أوامري التكوينية تُوهَب لكم أيضا تلك الحكمة والصنعة، فيمكنكم بمرور الزمن أن تقتربوا منهما وتبلغوهما.

وهكذا فإنّ بلوغَ البشرية أقصى أمانيّها في الصناعة، وكسبَها القدرة الفائقة في مجال القوة المادية، إنما هو بتليين الحديد وبإذابة النحاس (القِطر).

 

فهذه الآيات الكريمة تستقطب أنظار البشرية عامة إلى هذه الحقيقة، وتلفت نظر السالفين وكسالى الحاضرين إليها، فتنبّه أولئك الذين لا يقدرونها حق قَدرها.

ومثلا: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْم مِّنَ الْكِتَابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ ..﴾(النمل:40).

فهذه الآية تشير إلى أنّ إحضار الأشياء من مسافات بعيدة -عينا أو صورة- ممكن، وذلك بدلالتها على تلك الحادثة الخارقة التي وقعت في ديوان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما قال أحدُ وزرائه الذي أوتي علما غزيرا في "علم التحضير": أنا آتيك بعرش بلقيس. ولقد آتى اللّٰه سبحانه سيدنا سليمان عليه السلام المُلكَ والنبوة معا، وأكرمه بمعجزة يتمكن بها من الاطلاع المباشر بنفسه وبلا تكلف ولا صعوبة على أحوال رعاياه، ومشاهدة أوضاعهم، وسماع مظالمهم. فكانت هذه المعجزة مناط عصمته وصَونه من الشطط في أمور الرعية. وهي وسيلة قوية لبسط راية العدالة على أرجاء المملكة.

فمن يعتمد على اللّٰه سبحانه إذن ويطمئن إليه، ويسأله بلسان استعداداته وقابلياته التي فُطر عليها، وسار في حياته على وفق السنن الإلهية والعناية الربانية، يمكن أن تتحول له الدنيا الواسعةُ كأنها مدينة منتظمة أمامَه كما حدث لسليمان عليه السلام، الذي طلب بلسان النبوة المعصومة إحضارَ عرش بلقيس فأحضر في طَرفة عَينٍ وصار ماثلا أمامه، بعينه أو بصورته، في بلاد الشام بعد أن كان في اليمن. ولاشك أنّ أصوات رجال الحاشية الذين كانوا حول العرش قد سُمعتْ مع مشاهدة صوَرهم.

فهذه الآية تشير إشارةً رائعة إلى إحضار الصور والأصوات من مسافات بعيدة. فالآية تخاطب: أيّها الحكام! ويا من تسلّمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسودَ العدالةُ أنحاءَ مملكتكم، فاقتدوا بسليمان عليه السلام واسعَوا مِثلهُ إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والسلطان الذي يرعى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتغاه إلاّ إذا استطاع الإطلاع -متى شاء- على أقطار مملكته. وعندئذٍ تعمّ العدالة حقا، وينقذ نفسَه من المحاسبة والتَبِعَات المعنوية.

 

 

فاللّٰه سبحانه يخاطب بالمعنى الرمزي لهذه الآية الكريمة: يا بني آدم! لقد آتيتُ عبدا من عبادي حُكمَ مملكة واسعة شاسعة الأرجاء، ومنحتُه الإطلاع المباشر على أحوال الأرض وأحداثها ليتمكن من تطبيق العدالة تطبيقا كاملا. ولما كنتُ قد وهبتُ لكل إنسان قابلية فطرية ليكون خليفة في الأرض، فلا ريب أنّي قد زوّدتُه -بمقتضى حكمتي- ما يناسب تلك القابلية الفطرية، من مواهب واستعدادات يتمكن بها من أن يشاهد الأرض بأطرافها ويدرك منها ما يدرك. وعلى الرغم من أنّ الإنسان قد لا يبلغ هذه المرتبة بشخصه إلاّ أنه يتمكن من بلوغها بنوعه. وإن لم يستطع بلوغها ماديا، فإنّه يبلغها معنويا، كما يحصل للأولياء الصالحين، فباستطاعتكم إذن الاستفادة من هذه النعمة الموهوبة لكم. فسارعوا إلى العمل الجاد واسعوا سعيا حثيثا كي تحوّلوا الأرضَ إلى ما يشبهُ حديقةً صغيرة غنّاء، تجولون فيها وترون جهاتها كلّها وتسمعون أحداثها وأخبارها من كل ناحية منها غير ناسين وظيفة عبوديتكم. تدبَّروا الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(الملك:15).

وهكذا نرى كيف تومئ الآية الكريمة المتصدرة لهذا المثال إلى إثارة همّة الإنسان، وبعثِ اهتماماته لاكتشاف وسيلة يستطيع بها إحضار الصور والأصوات من أبعد الأماكن وأقصاها ضمن أدق الصناعات البشرية.

ومثلا: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأصْفَادِ﴾(ص:38)، ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾(الأنبياء:82)

هذه الآيات الكريمة تفيد تسخير سيدنا سليمان عليه السلام الجنّ والشياطين والأرواح الخبيثة، ومنعه شرورهم واستخدامهم في أمور نافعة. فالآيات تقول: إنّ الجن الذين يلون الإنسان في الأهمية في سكنى الأرض من ذوي الشعور، يمكن أن يُصبحوا خداما للإنسان، ويمكن إيجاد علاقة ولقاء معهم،

 

بل يمكن للشياطين أن يضعوا عداءَهم مع الإنسان ويخدموه مضطرين كما سخّرهم اللّٰه سبحانه وتعالى لعبد من عباده المنقادين لأوامره.

بمعنى أنّ اللّٰه سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآيات: أيها الإنسان! إني أسخّر الجن والشياطين وأشرارهم لعبدٍ قد أطاعني واجعلهم منقادين إليه مسخرين له، فأنتَ إن سخّرت نفسَك لأمري وأطعتني، قد تُسخّر لك موجودات كثيرة بل حتى الجن والشياطين .

فالآية الكريمة تخط أقصى الحدود النهائية، وتعيّن أفضل السبل القويمة للانتفاع، بل تفتح السبيل أيضا إلى تحضير الأرواح ومحادثة الجن، الذي ترشحَ من امتزاج فنون الإنسان وعلومه، وتظاهرَ مما تنطوي عليه من قوى ومشاعر فوق العادة، المادية منها والمعنوية. ولكن ليس كما عليه الأمر في الوقت الحاضر حيث أصبح المشتغلون بهذه الأمور موضعَ استهزاء بل ألعوبة بيد الجن الذين ينتحلون أحيانا أسماءَ الأموات. وغدوا مسخّرين للشياطين والأرواح الخبيثة، وإنما يكون ذلك بتسخير أولئك بأسرار القرآن الكريم مع النّجاة من شرورهم.

ثم إن الآية الكريمة: ﴿فَأرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾(مريم:17).

هذه الآية وأمثالُها التي تشير إلى تمثّل الأرواح، وكذا الآيات المشيرة إلى جلب سيدنا سليمان عليه السلام للعفاريت وتسخيرهم له. هذه الآيات الكريمة مع إشارتها إلى تمثل الروحانيات فهي تشير إلى تحضير الأرواح أيضا. غير أنّ تحضير الأرواح الطيبة -المشار إليه في الآيات- ليس هو بالشكل الذي يقوم به المعاصرون من إحضار الأرواح إلى مواضع لَهوهم وأماكن ملاعبهم والذي هو هزْل رخيص واستخفاف لا يليق بتلك الأرواح الموقرة الجادة، التي تعمر عالما كله جدّ لا هَزْلَ فيه، بل يمكن تحضير الأرواح بمثل ما قام به أولياء صالحون لأمر جاد ولقصد نبيل هادف -من أمثال محي الدين بن عربي- الذين كانوا يقابلون تلك الأرواح الطيبة متى شاءوا، فأصبحوا هم منجذبين إليها ومنجلبين لها ومرتبطين معها ومن ثم الذهاب إلى مواضعها والتقرب إلى عالمها والاستفادة من روحانياتها. فهذا هو الذي تشير إليه الآيات الكريمة وتُشعر في إشارتها حضا وتشويقا للإنسان وتخطّ أقصى الحدود النهائية لمثل هذه العلوم والمهارات الخفية، وتعرض أجملَ صورهِ وأفضلَها.

 

 

ومثلا: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾(ص:18)، ﴿يَا جِبَالُ أوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَألَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ:10) ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ..﴾(النمل:16)

هذه الآيات الكريمة التي تذكر معجزات سيدنا داود عليه السلام، تدل على أنّ اللّٰه سبحانه قد منح تسبيحاتِه وأذكارَه من القوة العظيمة والصوت الرخيم والأداء الجميل ما جعل الجبالَ في وجدٍ وشوق، وكأنها حاكٍ عظيم تردّد تسبيحاتٍ وأذكارا. أو كأنها إنسان ضخم يُسبّحُ في حلقة ذكر حول رئيس الحلقة.

- أتُراك هذه حقيقة؟ وهل يمكن أن يحدث هذا فعلا؟!.

- نعم، إنها لحقيقة قاطعة، أليس كلُّ جبل ذي كهوف يمكن أن يتكلم مع كل إنسان بلسانه، ويردّد كالببغاء ما يذكره؟ فإن قلت: "الحمد للّٰه" أمام جبل، فهو يقول أيضا: "الحمد للّٰه" وذلك برَجع الصدى.. فما دام اللّٰه سبحانه وتعالى قد وهب هذه القابلية للجبال، فيمكن إذن أن تنكشف هذه القابلية وتنبسط أكثرُ من هذا. وحيث إنّ اللّٰه سبحانه قد خصّ سيدنا داود عليه السلام بخلافة الأرض فضلا عن رسالته، فقد كشف بذرةَ تلك القابلية لديه ونماها وبسطها بسطا معجزا عنده، بما يلائم شؤونَ الرسالة الواسعة والحاكمية العظيمة، حتى غدت الجبال الشمّ الرواسي منقادة إليه كأيٍّ جندي مطيع لأمره، وكأيِّ صانع أمين لديه، وكأيِّ مريد خاشع لذكره. فأصبحت تلك الجبالُ تسبّح بحمد الخالق العظيم جلّ جلاله بلسانه عليه السلام وبأمره. فما كان سيدنا داود يذكر ويسبّح إلاّ والجبال تردّد ما يذكره.

نعم، إنّ القائد في الجيش يستطيع أن يجعل جنوده المنتشرين على الجبال يرددون: "اللّٰه أكبر" بما لديه من وسائل الاتصال والمخابرات، حتى كأنّ تلك الجبال هي التي تتكلم وتهلل وتكبر! فَلئن كان قائدا من الإنس يستطيع أن يستنطق "مجازيا" الجبال بلسان ساكنيها، فكيف بقائد مهيب للّٰه سبحانه وتعالى؟ ألا يستطيع أن يجعل تلك الجبال تنطق نطقا "حقيقيا" وتُسبِّح تسبيحا حقيقيا؟. هذا فضلا عن أننا قد بينا في "الكلمات" السابقة أنّ لكل جبل شخصيةً معنويةً خاصةً به، وله تسبيح خاص ملائم له، وله عبادة مخصوصة لائقة به. فمثلما يُسبّح كل جبل برجْع الصَّدى بأصوات البشر، فإنّ له تسبيحاتٍ للخالق الجليل بألسنتِهِ الخاصة.

 

وكذلك: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾(ص:19) و﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ..﴾(النمل:16)..

هذه الآيات تبين أنّ اللّٰه سبحانه قد علّم سيدنا داود وسليمان عليهما السلام منطق أنواع الطيور، ولغة قابلياتها واستعداداتها، أي أيُّ الأعمال تناسبها؟ وكيف يمكن الاستفادة منها؟

نعم، هذه الحقيقة هي الحقيقة الجليلة، إذ ما دام سطح الأرض مائدةً رحمانيةً أقيمتْ تكريما للإنسان، فيمكن إذن أن تكون معظمُ الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرةً للإنسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته. فالإنسان الذي استخدم النحل ودودة القز -تلكم الخَدَمة الصَّغار- وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمامَ الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثالَه من الطيور، فضمَّ إلى الحضارة الإنسانية محاسنَ جديدة، هذا الإنسان يمكنه أن يستفيد إذن كثيرا إذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الأخرى، حيث هي أنواع وطوائفُ كثيرة جدا، كما استفاد من الحيوانات الأليفة. فمثلا: إذا عَلِم الإنسان لسانَ استعداد العصافير "من نوع الزرازير" التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، وإذا ما نسّق أعمالَها فإنّه يمكن أن يسخّرَها لمكافحة آفة الجراد. فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجانا في أمور مهمة.

فمثل هذه الأنواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الأقصى والغايةَ القُصوى.

فيقول اللّٰه سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة:
يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنودا مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته. وقد آتيتُ كلا منكم استعدادا ومواهبَ ليصبح خليفة الأرض، وأودعتُ فيكم أمانةً عُظمى، أبَتِ السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنَها، فعليكم إذن أن تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليدُ هذه المخلوقات وزمامُها، لتنقاد إليكم مخلوقاتُه المبثوثة في ملكه. فالطريق ممهَّد أمامكم إن استطعتم أن تقبضوا زِمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، وإذا سمَوتم إلى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم.

 

فما دامت الحقيقة هكذا فاسعَ أيَّها الإنسان أن لا تنشغل بِلهوٍ لا معنى له، وبلعبٍ لا طائلَ من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمَام والببغاء.. بل اسعَ في طلب لَهوٍ من ألطفِ اللَّهو وأزكاه، وتَسلَّ بتسلية هي من ألذِّ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود عليه السلام، وشنّف سمعك بنغمات ذِكرٍ وتسبيح الأشجار والنباتات التي تُخرج أصواتا رقيقة عذبة بمجرد مَسِّ النسيم لها وكأنها أوتارُ آلاتٍ صوتية.. فبهذا الذِّكر العُلويِّ تُظهر الجبالُ لك ألوفا من الألسنة الذاكرة المسبِّحة، وتبرز أمامكَ في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتَلبَسُ -كأنها هدهدُ سليمان- لباسَ الصديق الحميم والأنيس الودود، فتصبح خداما مطيعين لك. فتُسلّيك أيَّما تسلية، وتُلهيك لهوا بريئا لا شائبة فيه، فضلا عن أنّ هذا الذكر السَّامي يسوقك إلى انبساط قابلياتٍ ومواهبَ كانت مغمورةً في ماهيتك، فَتَحُولُ بينك وبين السقوط من ماهية الإنسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بَعدُ أضراب اللهو التي لا مغزى لها إلى حضيض الهاوية.

ومثلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾(الأنبياء:69).

هذه الآية الكريمة تبين معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفيها ثلاث إشارات لطيفة:

أولاها: النار -كسائر الأسباب- ليس أمرها بيدها، فلا تعمل كيفما تشاء حسب هواها وبلا بصيرة، بل تقوم بمهمتها وفق أمر يُفرض عليها. فلم تُحرق سيدَنا إبراهيم لأنّها أُمرَت بعدم الحرق.

ثانيتُها: إنّ للنار درجة تحرق ببرودتها، أيْ تؤثر كالاحتراق. فاللّٰه سبحانه يخاطب البرودة بلفظة: "سلاما"(8) بأن لا تحرقي أنتِ كذلك إبراهيم، كما لم تحرقه الحرارة. أي إنّ النار في تلك الدرجة تؤثر ببرودتها كأنّها تحرق، فهي نار وهي برد.

نعم إنّ النار -كما في علم الطبيعيات- لها درجات متفاوتة، منها درجة على صورة نار بيضاء لا تنشر حرارتها بل تكسب مما حولها من الحرارة، فتجمد بهذه البرودة ما حولها من السوائل، وكأنها تحـرق ببرودتها.

 

وهكذا الزمهرير لون من ألوان النار تحرق ببرودتها، فوجودُه إذن ضروري في جهنم التي تضم جميع درجات النار وجميع أنواعها.

ثالثتُها: مثلما الإيمان الذي هو "مادة معنوية" يمنع مفعول نار جهنم، وينجي المؤمنين منها. وكما أنّ الإسلام درع واقٍ وحصن حصين من النار، كذلك هناك "مادة مادية" تمنع تأثير نار الدنيا، وهي درع أمامها، لأنّ اللّٰه سبحانه يجري إجراءاته في هذه الدنيا، التي هي دار الحكمة، تحت ستار الأسباب. وذلك بمقتضى اسمه "الحكيم"، لذا لم تحرق النار جسمَ سيدنا إبراهيم عليه السلام مثلما لم تحرق ثيابَه وملابسه أيضا. فهذه الآية ترمز إلى:

"يا ملة إبراهيم! اقتدوا بإبراهيم، كي يكون لباسُكم لباسَ التقوى وهو لباس إبراهيم، وليكون حصنا مانعا ودرعا واقيا في الدنيا والآخرة تجاه عدوكم الأكبر، النار. فلقد خبَّأ سبحانه لكم موادا في الأرض تحفظكم من شر النار، كما يقيكم لباس التقوى والإيمان الذي ألبستموه أرواحكم، شر نار جهنم.. فهلمّوا واكتشفوا هذه المواد المانعة من الحرارة واستخرجوها من باطن الأرض والبسوها". وهكذا وجد الإنسان حصيلة بحوثه واكتشافاته مادة لا تحرقها النار، بل تقاومها فيمكنه أن يصنع منها لباسا وثيابا.

فقارن هذه الآية الكريمة، وقِسْ مدى سموّها وعلوّها على اكتشاف الإنسان للمادة المضادة للنار، واعلم كيف أنها تدل على حلّة قشيبة نُسجت في مصنع "حنيفا مسلما" لا تتمزق ولا تَخلق وتبقى محتفظة بجمالها وبهائها إلى الأبد.

ومثلا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾(البقرة:31)

تبيّن هذه الآية أنّ المعجزة الكبرى لآدم عليه السلام، في دعوى خلافته الكبرى، هي تعليم الأسماء.

فمثلما ترمز معجزاتُ سائر الأنبياء إلى خارقة بشرية خاصة لكل منهم، فإن معجزة أبي الأنبياء وفاتحِ ديوان النبوة آدم عليه السلام، تشير إشارة قريبة من الصراحة إلى منتهى الكمال البشري، وذروة رقيّه، وإلى أقصى أهدافه، فكأنّ اللّٰه سبحانه يقول بالمعنى الإشاري لهذه الآية الكريمة:

يا بني آدم!.. إنّ تفوّق أبيكم آدم في دعوى الخلافة على الملائكة كان بما علمتُه الأسماءَ كلَّها،

 

وأنتم بنوه ووارثو استعداداته، ومواهبه فعليكم أن تتعلموا الأسماء كلها لتُثبتوا جدارتكم أمام المخلوقات لتسنّم الأمانة العظمى، فلقد مُهّد الطريق أمامَكم لبلوغ أسمى المراتب العالية في الكون، وسُخّرت لكم الأرض، هذه المخلوقة الضخمة. فهيَّا انطلقوا وتقدموا، فالطريق مفتوح أمامكم.. واستمسكوا بكل اسم من أسمائي الحسنى، واعتصموا به، لتسموا وترتفعوا. واحذروا! فلقد أغوى الشيطانُ أباكم مرة واحدة، فهبط من الجنة -تلك المنـزلة العالية- إلى الأرض موقتا. فإياكم أن تتبعوا الشيطان في رقيكم وتقدمكم، فيكون ذريعة ترديكم من سماوات الحكمة الإلهية إلى ضلالة المادية الطبيعية.. ارفعوا رؤوسكم عاليا، وانعموا النظر والفكر في أسمائي الحسنى، واجعلوا علومَكم ورقيّكم سُلّما ومراقي إلى تلك السماوات، لتبلغوا حقائق علومكم وكمالكم، وتصلوا إلى منابعها الأصلية، تلك هي أسمائي الحسنى. وانظروا بمنظار تلك الأسماء ببصيرة قلوبكم إلى ربكم.

بيان نكتة مهمة وإيضاح سرّ أهم

إن كل ما ناله الإنسان -من حيث جامعية ما أودع اللّٰه فيه من استعدادات- من الكمال العلمي والتقدم الفني، ووصولِه إلى خوراق الصناعات والاكتشافات، تعبّر عنه الآية الكريمة بتعليم الأسماء: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. وهذا التعبير ينطوي على رمز رفيع ودقيق، وهو: أن لكلِّ كمالٍ، ولكل علمٍ، ولكل تقدم، ولكل فن -أيا كان- حقيقة سامية عالية. وتلك الحقيقة تستند إلى اسم من الأسماء الحسنى، وباستنادها إلى ذلك الاسم -الذي له حُجُب مختلفة، وتجليات متنوعة، ودوائر ظهور متباينة- يجد ذلك العلمُ وذلك الكمال وتلك الصنعة، كل منها كمالَه، ويُصبح حقيقةً فعلا، وإلاّ فهو ظل ناقص مبتور باهت مشوّش.

فالهندسة -مثلا- علم من العلوم، وحقيقتُها وغاية منتهاها هي الوصول إلى اسم "العدل" و"المقدِّر" من الأسماء الحسنى، وبلوغُ مشاهدة التجليات الحكيمة لذلك الاسم بكل عظمتها وهيبتها في مرآة علم "الهندسة".

والطب -مثلا- علم ومهارة ومهنة في الوقت نفسه، فمنتهاه وحقيقتُه يستند أيضا إلى اسم من الأسماء الحسنى وهو "الشافي".

 

فيصل الطبُّ إلى كماله ويُصبح حقيقةً فعلا بمشاهدة التجليات الرحيمة لاسم "الشافي" في الأدوية المبثوثة على سطح الأرض الذي يمثل صيدليةً عظمى.

والعلوم التي تبحث في حقيقة الموجودات -كالفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان ..- هذه العلوم التي هي "حكمة الأشياء" يمكن أن تكون حكمةً حقيقية بمشاهدة التجليات الكبرى لاسم اللّٰه "الحكيم" جلَّ جلالُه في الأشياء، وهي تجليات تدبير، وتربية، ورعاية. وبرؤية هذه التجليات في منافع الأشياء ومصالحها تصبح تلك الحكمة حكمةً حقا، أي باستنادها إلى ذلك الاسم "الحكيم" وإلى ذلك الظهير تصبح حكمة فعلا، وإلاّ فإمَّا أنها تنقلب إلى خرافات وتصبح عبثا لا طائل من ورائها، أو تفتح سبيلا إلى الضلالة، كما هو الحال في الفلسفة الطبيعية المادية.

فإليك الأمثلة الثلاثة كما مرت.. قِسْ عليها بقية العلوم والفنون والكمالات..

وهكذا يضرب القرآن الكريم بهذه الآية الكريمة يدَ التشويق على ظهر البشرية مشيرا إلى أسمى النقاط وأبعد الحدود وأقصى المراتب التي قصُرت كثيرا عن الوصول إليها في تقدمها الحاضر، وكأنّه يقول لها: هيَّا تقدمي.

نكتفي بهذا الجوهر النفيس من الخزينة العظمى لهذه الآية الكريمة، ونغلق هذا الباب.

ومثلا: إنّ خاتم ديوان النبوة، وسيدَ المرسلين، الذي تعدّ جميعُ معجزات الرسل معجزة واحدة لتصديق دعوى رسالته، والذي هو فخرُ العالمين، وهو الآية الواضحة المفصلة لجميع مراتب الأسماء الحسنى كلّها التي علَّمها اللّٰهُ سبحانه آدمَ عليه السلام تعليما مجملا.. ذلكم الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفع إصبعه عاليا بجلال اللّٰه فشقَّ القمرَ،(9) وخَفَضَ الإصبعَ المباركَ نفسَه بجمال اللّٰه ففجَّرَ ماءً كالكوثر..(10) وأمثالُها من المعجزات الباهرات التي تزيد على الألف.. هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أظهرَ القرآنَ الكريم معجزةً كبرى تتحدى الجنّ والإنس: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(الإسراء:88). فهذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات تجلب أنظار الإنس والجن إلى أبرز وجوه الإعجاز في هذه المعجزة الخالدة وأسطعِها، فتلفتُها إلى ما في بيانه -الحق والحقيقةَ- من جزالةٍ، وإلى ما في تعابيره من بلاغةٍ فائقة، والى ما في معانيه من جامعيةٍ وشمول، والى ما في أساليبه المتنوعة من سموٍ ورفعة وعذوبة..

 

فتحدّى القرآنُ المعجز، وما زال كذلك يتحدى الإنس والجن قاطبة، مثيرا الشوق في أوليائه، محركا ساكنَ عناد أعدائه، دافعا الجميع إلى تقليده، بشوق عظيم وترغيب شديد، للإتيان بنظيره، بل إنّه سبحانه يضع هذه المعجزة الكبرى أمام أنظار الأنام في موقع رفيع لكأن الغاية الوحيدة من مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا ليست سوى اتخاذه تلك المعجزةَ العظمى دستورَ حياته، وغايةَ مناه.

نخلص مما تقدم: أنّ كل معجزة من معجزات الأنبياء عليهم السلام تشير إلى خارقة من خوارق الصناعات البشرية. أمّا معجزة سيدنا آدم عليه السلام فهي تشير إلى فهرس خوارق العلوم والفنون والكمالات، وتشوّق إليها جميعا مع إشارتها إلى أسس الصنعة إشارة مجملة مختصرة.

أما المعجزة الكبرى للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم ذو البيان المعجِر، فلأنّ حقيقةَ تعليم الأسماء تتجلى فيه بوضوح تام، وبتفصيل أتمّ، فإنّه يبين الأهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويُظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق البشر إليها ويوجّهه نحوَها، مثيرا فيه رغبة شديدة فيها، حتى إنّه يبين بأسلوب التشويق أنْ أيها الإنسان! إن المقصد الأسمى من خلق هذا الكون هو قيامُك أنت بعبودية كلّية تجاه تظاهر الربوبية، وإنّ الغاية القصوى من خلقك أنت هي بلوغُ تلك العبودية بالعلوم والكمالات. فيعبّر بتعابير متنوعة رائعة معجزة مشيرا بها إلى أنّ البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصبّ إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلمُ زمام الحكم والقوة.

ولما كان القرآن الكريم يسوق جزالة البيان وبلاغة الكلام مقدّما ويكررهما كثيرا، فكأنّه يرمز إلى أنّ البلاغة والجزالة في الكلام، وهما من أسطع العلوم والفنون، سيلبسان أزهى حُللهما وأروعَ صوَرهما في آخر الزمان، حتى يغدو الناس يستلهمون أمضى سلاحهم من جزالة البيان وسِحره، ويستلمون أرهبَ قوتهم من بلاغة الأداء؛ وذلك عند بيان أفكارهم ومعتقداتهم لإقناع الآخرين بها، أو عند تنفيذ آرائهم وقراراتهم..

نحصل مما سبق: أنّ أكثر الآيات الكريمة إنما هي مفتاح لخزينة كمال فائق، ولكنـز علمي عظيم.

 

فإن شئتَ أن تبلغ سماوات القرآن الكريم ونجومَ الآيات فاجعل (الكلمات العشرين السابقة) عشرينَ درجا لسلم الوصول إليها،(11) وشاهد بها مدى سطوع شمس القرآن العظيم، وتأمّل كيف ينشر القرآنُ نورَه باهرا على حقيقة الألوهية وحقائق الموجودات، والمخلوقات، وكيف ينشر الضياء الساطع على كل الموجودات.

النتيجة: ما دامت الآيات التي تخص معجزات الأنبياء عليهم السلام لها نوع من الإشارة إلى خوارق التقدم العلمي والصناعي الحاضر، ولها طراز من التعبير كأنّه يخط أبعد الحدود النهائية لها.. وحيث إنّه ثابت قطعا أنّ لكل آيةٍ دلالات على معانٍ شتى بل هذا متفق عليه لدى العلماء.. ولما كان هناك أوامر مطلقة لاتباع الأنبياء عليهم السلام والإقتداء بهم، لذا يصح القول: إنّه مع دلالة الآيات المذكورة سابقا على معانيها الصريحة هناك دلالات مشوّقة بأسلوب الإشارة إلى أهم العلوم البشرية وصناعاتها.

 

جوابان مهمان عن سؤالين مهمين

أحدهما: إذا قلت: لما كان القرآن الكريم قد نـزل لأجل الإنسان، فلِم لا يصرّح بما هو المهم في نظره من خوارق المدنية الحاضرة؟ وإنّما يكتفي برمز مستتر، وإيماء خفي، وإشارة خفيفة، وتنبيه ضعيف فحسب؟

فالجواب: إنّ خوارق المدنية البشرية لا تستحق أكثر من هذا القدر، إذ إنّ الوظيفة الأساسية للقرآن الكريم هي تعليم شؤون دائرة الربوبية وكمالاتها، ووظائف دائرة العبودية وأحوالها. لذا فإنّ حق تلك الخوارق البشرية وحصتَها من تلك الدائرتين مجردُ رمزٍ ضعيف وإشارةٍ خفية ليس إلاّ.. فإنّها لو ادّعت حقوقَها من دائرة الربوبية، فعندها لا تحصل إلاّ على حق ضئيل جدا.

 

 

فمثلا: إذا طالبتْ الطائرةُ البشرية (12) القرآن الكريم قائلة: اعطني حقا للكلام، وموقعا بين آياتك. فإن طائرات دائرة الربوبية، تلك الكواكب السيّارة والأرض والقمر، ستقول بلسان القرآن الكريم: إنّكِ تستطيعين أن تأخذي مكانكِ هنا بمقدار جِرمك لا أكثر.

وإذا أرادت الغوّاصة البشرية موقعا لنفسها بين الآيات الكريمة فستتصدى لها غواصات تلك الدائرة؛ التي هي الأرض السابحة في محيط الهواء، والنجوم العائمة في بحر الأثير قائلة: إن مكانك بيننا ضئيل جدا يكاد لا يُرى!.

وإذا أرادت الكهرباء أن تدخل حرَم الآيات بمصابيحها اللامعة أمثال النجوم، فإنّ مصابيح تلك الدائرة التي هي الشموس والشُّهب والأنجم المزيّنة لوجه السماء، ستردّ عليها قائلة: إنّكِ تستطيعين أن تدخلي معنا في مباحث القرآن وبيانه بمقدار ما تمتلكين من ضوء!

ولو طالبت الخوارق الحضارية -بلسان صناعاتها الدقيقة- بحقوقها وأرادت لها مقاما بين الآيات.. عندها ستصرخ ذبابة واحدة بوجهها قائلة: اسكتوا.. فليس لكم حق. ولو بمقدار أحد جناحَيّ هذين! ولئن اجتمع كلّ ما فيكم من المصنوعات والاختراعات -التي اكتُشفت اكتسابا بإرادة الإنسان الجزئية- مع جميع الآلات الدقيقة لديكم، لن تكون أعجبَ بمقدار ما في جسمي الصغير جدا من لطائف الأجهزة ودقائق الصنعة. وإنّ هذه الآية الكريمة تبهتكم جميعا: ﴿إِنّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾(الحج:73).

وإذا ذهبت تلك الخوارقُ إلى دائرة العبودية وطلبت منها حقَّها فستتلقى منها مثل هذا الجواب: إنّ علاقتكم معنا واهية وقليلة جدا، فلا يمكنكم الدخول إلى دائرتنا بسهولة، لأنّ منهجَنا هو:

 

أنّ الدنيا دار ضيافة، وأنّ الإنسان ضيف يلبث فيها قليلا، وله وظائف جمّة، وهو مكلف بتحضير وتجهيز ما يحتاجه لحياته الأبدية الخالدة في هذا العمر القصير، لذلك يجب عليه أن يقدّم ما هو الأهم والألزم.

إلاّ أنّه تبدو عليكم -على اعتبار الأغلبية- ملامح نُسجت بحبّ هذه الدنيا الفانية تحت أستار الغفلة واللهو، وكأنها دار للبقاء ومستقر للخلود. لذا فإن حظكم من دائرة العبودية المؤسّسة على هدى الحق والتفكر في آثار الآخرة قليل جدا.

ولكن.. إن كان فيكم -أو من ورائكم- من الصنّاع المهَرة والمخترعين الملهمين -وهم قلة- وكانوا يقومون بأعمالهم مخلصين لأجل منافع عباد اللّٰه -وهي عبادة ثمينة- ويبذلون جهدَهم للمصلحة العامة وراحتهم لرقيّ الحياة الاجتماعية وكمالِها، فإنّ هذه الرموز والإرشادات القرآنية كافية بلا ريب لأولئك الذوات المرهفي الإحساس، ووافية لتقدير مهاراتهم وتشويقهم إلى السعي والاجتهاد.

السؤال الثاني:

وإذا قلت: لم تبقَ لديّ الآن بعد هذا التحقيق شبهة. فقد ثبت عندي بيقين وصدّقتُ أنّ القرآن الكريم فيه جميعُ ما يلزم السعادة الدنيوية والأخروية -كلّ حسب قيمته وأهميته- فهناك رموز وإشارات إلى خوارق المدنية الحاضرة، بل إلى أبعد منها من الحقائق الأخرى مع ما فيه من حقائق جليلة. ولكن لِمَ لم يذكر القرآن الكريم تلك الخوراق بصراحةٍ تامة كي تُجبر الكفرةَ العنيدين على التصديق والإيمان وتُطمئنَ قلوبَنا فتستريح؟.

الجواب: إنّ الدِّين امتحان، وإنّ التكاليف الإلهية تجربة واختبار من أجل أن تتسابق الأرواحُ العالية والأرواح السافلة، ويتميز بعضُها عن بعض في حلبة السباق. فمثلما يُختبر المعدن بالنار ليتميز الألماس من الفحم والذهب من التراب، كذلك التكاليف الإلهية في دار الامتحان هذه. فهي ابتلاء وتجربة وسَوق للمسابقة، حتى تتميز الجواهرُ النفيسة لمعدن قابليات البشر واستعداداته من المعادن الخسيسة.

فما دام القرآن قد نزل، في دار الابتلاء هذه، بصورة اختبار للإنسان؛ ليتم تكاملُه في ميدان المسابقة، فلابد أنّه سيشير -إشارةً فحسب- إلى هذه الأمور الدنيوية الغيبية التي ستتوضح في المستقبل للجميع،

 

فاتحا للعقل بابا بمقدار إقامة حجَّته. وإلاّ فلو ذكرَها القرآن الكريم صراحة، لاختلّتْ حكمةُ التكليف إذ تصبح بديهية، مثل كتابة "لا إله إلاّ اللّٰه" واضحا بالنجوم على وجه السماء، والذي يجعل الناس -أرادوا أم لم يريدوا- عندئذ مرغَمين على التصديق، فما كانت ثمةَ مسابقة ولا اختبار ولا تمييز، فحينئذٍ تتساوى الأرواحُ السافلة التي هي كالفحم مع التي هي كالألماس.(13)

والخلاصة:
أنّ القرآن العظيم، حكيم يعطي لكل شيء قدرَه من المقام، ويرى القرآنُ من ثمرات الغيب التقدمَ الحضاري البشري قبل ألفٍ وثلاثمائة سنة المستترة في ظلمات المستقبل، أفضلَ وأوضحَ مما نراها نحن وسنراها. فالقرآن إذن كلامُ مَن ينظر إلى كل الأزمنة، بما فيها من الأمور والأشياء في آن واحد..

فتلك لمعة من الإعجاز القرآني، تلمع في وجه معجزات الأنبياء.

اَللّٰهمَّ فَـهِّمنا أسْرَارَ الْقُرآنِ وَوفِّقْنا لِخدْمَتِهِ في كلِّ آنٍ وَزَمانٍ.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾

اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَكَرِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَولَانَا مُحَمَّدٍ، عَبدِكَ وَنَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ النّبِيِّ الْأمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّاتِهِ وَعَلَى النّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أفْضَلَ صَلَاةٍ وَأزْكَى سَلَامٍ وَأنمَى بَرَكَاتٍ، بِعَدَدِ سُوَرِ الْقُرآنِ وَآيَاتِهِ وَحُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَمَعَانِيهِ وَإِشَارَاتِهِ وَرُمُوزِهِ وَدَلَالَاتِهِ، وَاغْفِر لَنَا وَارْحَمْنَا وَالْطُفْ بِنَا يَا إِلَهنَا، يَا خَالِقَنَا، بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَالْحَمْدُ للّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

آمِينَ

 

 

https://asyilaislamiyya.com/risale-i-nur-kulliyati/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%86/269

 

التعليقات