بيانِ لمعةِ الإعجازِ في تكراراتِ القُرآنِ
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
فانظرْ إلى بيانِ لمعةِ الإعجازِ في تكراراتِ القُرآنِ التي يتوهمُها القاصرونَ نقصًا في البلاغةِ: اعلم أنَّ القرآنَ لأنَّهُ كتابُ ذِكرٍ، وكتابُ دُعاءٍ، وكتابُ دعوةٍ، يكونُ تَكرارُهُ أحسنَ وأبلغَ بل ألزمَ، وليسَ كما ظَنَّهُ القاصرونَ، إذ الذكرُ يُكرَّرُ، والدُّعاءُ يُردَّدُ، والدَّعوةُ تُؤكَّدُ، إذ في تكريرِ الذِّكرِ تنويرٌ وفي ترديدِ الدُّعاءِ تقريرٌ وفي تكرارِ الدَّعوةِ تأكيدٌ. واعلمْ أنَّه لا يمكنُ لكلِ أحدٍ في كل وقتٍ قراءةُ تمامِ القرآنِ الذي هو دواءٌ وشفاءٌ لكلِّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ؛ فلهذا أدْرَجَ الحكيمُ الرحيمُ أكثرَ المقاصدِ القرآنيَّةِ في أكثرِ سُوَرِهِ؛ لا سيَّما الطـويلةِ مِـنها، حتَّى صارَت كلُّ سورةٍ قرآنًا صغيرًا، فسهَّل السبيلَ لكلِ أحدٍ، دون أن يَحرِمَ أحدًا، فكرَّرَ التَّوحيدَ والحشـرَ وقصةَ موسى عليهِ السَّلام. اعلم أنَّه كما أنَّ الحاجاتِ الجِسمانيَّةَ مختلفةٌ في الأوقاتِ؛ كذلك الحاجاتُ المعنويَّةُ الإنسانيَّةُ أيضًا مختلفةُ الأوقاتِ؛ فإلى قسمٍ في كلِّ آنٍ كـ«هوَ اللهُ» للروحِ كحاجةِ الجسمِ إلى الهواءِ وإلى قسمٍ في كلِّ ساعةٍ كـ«بسمِ الله» وهكذا فقسْ؛ فتكرارُ الآياتِ والكلماتِ إذنْ للدلالةِ على تَكرُّرِ الاحتياجِ، وللإشارةِ إلى شدَّةِ الاحتياجِ إليها، ولتنبيهِ عِرقِ الاحتياجِ وإيقاظِهِ، وللتشويقِ على الاحتياجِ، ولتحريكِ اشتهاءِ الاحتياجِ إلى تلكَ الأغذيةِ المعنويَّةِ. اعلمْ أنَّ القرآنَ مؤسِّسٌ لهذا الدِّينِ العظيمِ المتينِ، وأساساتٌ لهذا العالَـمِ الإسلاميِّ، ومقلِّبٌ لاجتماعياتِ البشرِ ومُحوِّلُـها ومُبَدِّلُـها، وجوابٌ لمكرَّرَاتِ أسئلةِ الطبقاتِ المختلفةِ للبشريَّةِ بألسنةِ الأقوالِ والأحوالِ.. ولابدَّ للمؤسِّسِ من التَّكريرِ للتثبيتِ، ومن التَّرديدِ للتَأكيدِ، ومن التَّكرارِ للتقريرِ والتَّأييدِ. اعلم أنَّ القرآنَ يبحثُ عن مسائلَ عظيمةٍ ويدعو القلوبَ إلى الإيمانِ بها، وعن حقائقَ دقيقةٍ ويدعو العقولَ إلى معرفتِها؛ فلابُدَّ لتقريرِها في القلوبِ وتَثبيتِها في أفكارِ العامَّةِ من التَّكرارِ في صورٍ مُختلفَةٍ وأساليبَ مُتنوعَةٍ. اعلم أنَّ لكلِّ آيةٍ ظَهرًا وبطنًا وحدًّا ومَطلِعًا، ولكلِّ قصةٍ وجوهًا وأحكامًا وفوائدَ ومقاصدَ، فتُذكَرُ في موضعٍ لوجهٍ، وفي آخرَ لأخرى، وفي سورةٍ لمقصدٍ وفي أخرى لآخرَ وهكذا، فعلى هذا لا تَكرارَ إلَّا في الصورةِ.

التعليقات