زاوية النظر

إعرف ذاتك!

زَاوِيَةُ النَّظَر!
مَاذَا تَرَى؟

فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلَانِ مُسَافِرَان.
كِلَاهُمَا خَرَجَ فِي رِحْلَةٍ بِغَرَضِ السَّفَرِ وَالتِّجَارَة.

أَحَدُهُمَا كَانَ أَنَانِيًّا، مُتَشَائِمًا، لَا يَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَى نَفْسِه،
أَمَّا الآخَرُ فَكَانَ نَقِيَّ القَلْبِ، سَعِيدًا، يَثِقُ بِرَبِّه

اقْتَرَبَ الاثْنَانِ مِنْ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ ذَاتِ أَسْوَارٍ مُرْتَفِعَةٍ وَمَهِيبَةٍ.
دَخَلَا مِنْ بَوَّابَةٍ وَاسِعَةٍ، وَسَارَا فِي أَزِقَّةٍ ضَيِّقَةٍ جَنْبًا إِلَى جَنْب

لَكِنْ سُرْعَانَ مَا افْتَرَقَتِ الطُّرُق
فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جِهَةٍ مُخْتَلِفَة

وَبِالرَّغْمِ أَنَّهُمَا كَانَا فِي نَفْسِ المَدِينَة
إِلَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَأَى عَالَمًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الآخَر.

المُسَافِرُ المُتَشَائِم

كُلَّمَا تَقَدَّمَ، رَأَى مَشَاهِدَ كَئِيبَةً.
كَانَتِ الظُّلْمَةُ تَزْدَادُ فِي عَيْنَيْهِ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ.

فَالمَشْهَدُ أَمَامَهُ كَانَ مُرْعِبًا:
• أَيْتَامٌ يَبْكُونَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ،
• مَظْلُومُونَ يَئِنُّون،
• رِجَالٌ قُسَاةٌ يَبْطِشُونَ بِالضُّعَفَاء
• نِسَاءٌ يَنْتَحِبْنَ
• جُثَثٌ مُتَرَامِيَةٌ،
• أَرْوَاحٌ تَنْتَظِرُ المَوْتَ فِي يَأْس.

شَعَرَ وَكَأَنَّ البَلَدَ كُلَّهُ فِي حِدَاد
كُلُّ رُكْنٍ بَدَا لَهُ قَبْرًا مَفْتُوحًا.

ضَمِيرُهُ لَمْ يَحْتَمِلْ، نَفْسُهُ تَعِبَتْ،
السَّمَاءُ بَدَتْ لَهُ كَالكَفَنِ الأَسْوَد
حَتَّى الشَّمْسُ انْطَفَأَتْ فِي عَيْنَيْهِ.

فَلَمْ يَجِدْ عَزَاءً إِلَّا فِي السُّكْر،
ظَنَّ أَنَّ الشَّرَابَ يُنْسِيهِ، لَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا…

كُلُّ صَرْخَةٍ كَانَتْ كَخَنْجَرٍ يَخْتَرِقُ أُذُنَيْه.
تَحَوَّلَتِ الدُّنْيَا فِي نَظَرِهِ إِلَى سِجْنٍ مُظْلِم
لَا صَدِيق، لَا أَخ، بَلْ أَعْدَاءٌ فَقَطْ.

المُسَافِرُ السَّعِيدُ:

أَمَّا الرَّجُلُ الآخَر، فَشَعَرَ وَكَأَنَّهُ دَخَلَ إِلَى مَيْدَانِ احْتِفَال!

• النَّاسُ مُبْتَسِمُون،
• يُعَامِلُونَ بَعْضَهُمْ كَالإِخْوَة
• التَّكْبِيرُ وَالذِّكْرُ يُسْمَعُ مِنْ كُلِّ زَاوِيَة،
• الوَلَائِمُ مَنْصُوبَة،
• الجَمِيعُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِسُرُور...

حَتَّى المَوْتُ لَمْ يَرَهُ مَأْتَمًا،
بَلِ احْتِفَالًا بِالتَّسْرِيحِ مِنَ الخِدْمَة!

المَوْتَى لَيْسُوا ضَحَايَا، بَلْ جُنُودٌ أَدَّوْا مَهَامَّهُمْ وَغَادَرُوا بِفَرَح
وَالمَوَالِيدُ، جُنُودٌ جُدُدٌ فِي طَرِيقِهِمْ لِأَدَاءِ مَهَامِّهِمْ.

كُلُّ الأَصْوَاتِ كَانَتْ:
• إِمَّا ذِكْرًا، أَوْ شُكْرًا، أَوْ نَشِيدَ فَرَحٍ وَعِبَادَة.

حِينَمَا كَانَ الأَوَّلُ يُعَانِي نَفْسِيًّا لِمَا يَرَاه،
كَانَ الثَّانِي سَعِيدًا، وَيُشَارِكُ النَّاسَ الفَرَح
وَعَادَ بِرِبْحٍ عَظِيمٍ، وَشَكَرَ اللَّه

==================

 

ثُمَّ تَلَاقَيَا مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ رِحْلَتِهِمَا،
فَجَلَسَ المُسَافِرُ المُكْتَئِبُ مُنَكِّسَ الرَّأْسِ، شَاحِبَ الوَجْه.

اقْتَرَبَ مِنْهُ الرَّجُلُ السَّعِيدُ وَسَأَلَه:
– مَا بِكَ؟ لِمَاذَا أَنْتَ حَزِينٌ هَكَذَا؟

فَبَدَأَ الأَوَّلُ يَسْرُدُ مَا رَأَى:
"أَيْتَامٌ يَبْكُونَ، جَنَازَاتٌ مُفْزِعَةٌ، مَظْلُومُونَ يَئِنُّون
الدُّنْيَا تَحَوَّلَتْ فِي عَيْنِي إِلَى بَيْتِ حُزْن".

ابْتَسَمَ المُسَافِرُ السَّعِيدُ وَقَال:
– هَلْ رَأَيْتَ هَذَا فِي نَفْسِ المَدِينَة!
أَنَا كُنْتُ فِي نَفْسِ المَكَان…
لَكِنَّكَ خَدَعْتَ نَفْسَكَ بِأَوْهَامِك!
ظَلَامُكَ الدَّاخِلِيُّ غَطَّى عَيْنَيْك
رَأَيْتَ الحَقَائِقَ بِالمَقْلُوب

هَذِهِ المَدِينَةُ لَيْسَتْ سِجْنًا،
بَلْ مَمْلَكَةٌ لِمَلِكٍ عَادِلٍ رَحِيم.

نَظِّفْ قَلْبَكَ، وَأَعِدِ النَّظَر…
سَتَرَاهَا مَيْدَانَ ذِكْرٍ، وَسَاحَةَ فَرَح

كَلِمَاتُهُ صَعَقَتْ قَلْبَ الرَّجُلِ المُكْتَئِب
تَبَدَّدَتْ ظُلْمَةُ الغَفْلَة
دَمِعَتْ عَيْنَاه
وَبِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَال

"نَعَمْ… لَقَدْ كُنْتُ أَعْمَى.
جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا… لَقَدْ أَنْقَذْتَنِي مِنْ ظُلْمَةِ نَفْسِي."

====================

نَعَمْ، هَذِهِ قِصَّةٌ رَمْزِيَّة
لَكِنَّ المَغْزَى عَمِيق

ذَلِكَ الرَّجُلُ المُكْتَئِبُ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي يُنْكِرُ اللَّهَ أَوْ يَعِيشُ فِي غَفْلَة
وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ رَبَّه
تَحَوَّلَ قَلْبُهُ إِلَى ظُلْمَة
وَرَأَى الدُّنْيَا كُلَّهَا دَارَ حِدَاد

• كُلُّ طَرِيقٍ يُؤَدِّي إِلَى القَبْر
• كُلُّ نَفَسٍ يَحْمِلُ أَنِينًا،
• كُلُّ فَرَحٍ تَحْتَهُ ظِلُّ المَوْت،
• كُلُّ مَوْلُودٍ مُسَافِرٌ إِلَى العَدَم

فَالعَالَمُ بَدَا لَهُ كَأَنَّهُ مَيْدَانُ جَنَازَات،
لَا صَاحِبَ لَهَا،
كُلُّ شَيْءٍ تَائِه،

حَتَّى زَقْزَقَةُ العَصَافِيرِ بَدَتْ لَهُ أَنِينًا،
وَصَوْتُ المَطَرِ بُكَاءً خَافِتًا.

لِأَنَّهُ يَرَى المَوْتَ نِهَايَةً مُطْلَقَة
رَأَى الكُلَّ كَضَحَايَا عَاجِزِين
وَالحَيَاةَ كَأَنَّهَا مَجْزَرَة
وَالنَّاسَ فِي انْتِظَارِ دَوْرِهِمْ.

حَتَّى الجِبَالُ أَصْبَحَتْ فِي عَيْنَيْهِ جُثَثًا حَجَرِيَّة
وَالبِحَارُ صَامِتَةٌ كَالكَفَن.

وَرَأَى كُلَّ مُصِيبَةٍ وَكَأَنَّهَا مِنْ فِعْل
الطَّبِيعَةِ العَمْيَاءِ، وَالصُّدَفِ الظَّالِمَة
لَا حِكْمَةَ فِيهَا وَلَا عَدَالَة

• المَرَضُ يُسَاوِي تَعْذِيبًا،
• المُصِيبَةُ تُسَاوِي وَحْشًا يُهَاجِم
• الأَلَمُ يُسَاوِي صَوْتَ السَّلَاسِل

فَامْتَلَأَ قَلْبُهُ بِـ:
• ضِيقٍ شَدِيد
• فَرَاغٍ مُرْعِب
• خَوْفٍ بِلَا قَرَار…

وَصَارَ يَعِيشُ جَحِيمَهُ الدَّاخِلِي
حَتَّى قَبْلَ الآخِرَة

=====================

أَمَّا الرَّجُلُ السَّعِيدُ، فَهُوَ المُؤْمِن

يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِ العَالَم
لَكِنَّهُ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُه…
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ، وَيُؤْمِنُ بِالآخِرَة

• الدُّنْيَا فِي نَظَرِهِ لَيْسَتْ مَيْدَانَ حُزْن
بَلْ وَلِيمَةٌ إِلَهِيَّة

• السَّمَاءُ لَيْسَتْ كَفَنًا،
بَلْ قَصْرٌ مَلُوكِيٌّ مُضِيءٌ بِالنُّجُوم

• كُلُّ مَوْلُودٍ لَيْسَ ضَحِيَّة
بَلْ جُنْدِيٌّ جَدِيدٌ فِي طَرِيقِهِ لِمُهِمَّة

• وَكُلُّ مَيِّتٍ لَيْسَ إلى الفَنَاء
بَلْ مُجَنَّدٌ أَنْهَى مُهِمَّتَهُ، وَسُرِّحَ بِسَعَادَة.

• المُصَائِب
لَيْسَتْ ظُلُمَات
بَلِ اخْتِبَارَاتٌ تُؤَدِّي إِلَى التَّرْقِيَةِ وَالمُكَافَأَة.

المُؤْمِنُ يَرَى أَنَّ:

• كُلَّ كَائِنٍ هُوَ مُوَظَّفٌ فِي جَيْشِ اللَّه،
• كُلَّ ذَرَّةٍ خَاضِعَةٌ لِأَمْرِه،
• كُلَّ مَخْلُوقٍ يُؤَدِّي وَظِيفَتَهُ بِإِتْقَان.

كُلُّ صَوْتٍ… لَيْسَ عَبَثًا:
• فِيهِ ذِكْرٌ،
• شُكْرٌ،
• أَوْ نَغْمَةُ حُبٍّ رَبَّانِيٍّ.

الكَوْنُ كُلُّهُ، فِي نَظَرِ المُؤْمِن،
مَمْلَكَةٌ يُسَيِّرُهَا اللَّهُ بِحِكْمَةٍ.

• النُّجُومُ: مَصَابِيحُ مِنْ نُورٍ فِي صَدْرِ السَّمَاء،
• الشَّمْسُ: خَادِمٌ أَمِينٌ يُسَخِّنُ الأَرْض،
• الغُيُومُ: رُسُلٌ تَحْمِلُ هَدَايَا الرَّحْمَة.

وَالدُّنْيَا؟
لَيْسَتْ سِجْنًا،
بَلْ قَصْرٌ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ، يَسِيرُ بِرَحْمَةِ اللَّه.

====================

نَعَمْ، هَذَانِ الرَّجُلَانِ نَظَرَا إِلَى نَفْسِ المَكَان،
لَكِنَّ الإِيمَانَ كَانَ نَظَّارَةً جَعَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَاضِحًا،
وَالكُفْرُ كَانَ سِتَارًا أَخْفَى كُلَّ الجَمَال.

• الإِيمَانُ يَحْمِلُ فِي القَلْبِ بَذْرَةَ جَنَّةٍ،
• الكُفْرُ يَحْمِلُ فِيهِ نَوَاةَ جَحِيم.

لِهَذَا، السَّعَادَةُ، الأَمَانُ، وَالطُّمَأْنِينَة
لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الإِسْلَامِ، وَلَا تُنَالُ إِلَّا بِالإِيمَان.

• مَنْ يَنْظُرْ بِالإِيمَانِ، يَرَ النُّور،
• وَمَنْ يَنْظُرْ بِالكُفْرِ، يَرَ ظَلَامًا.

• فِي عَيْنِ المُؤْمِنِ: الكَوْنُ كِتَابٌ مِنْ نُور،
• فِي عَيْنِ الكَافِرِ: وَرَقَةٌ سَوْدَاءُ مُمَزَّقَةٌ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ بِأَلْسِنَتِنَا وَقُلُوبِنَا
عَلَى نِعْمَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَام

 

التعليقات