قوة الخَتم

إعرف ذاتك!

قوةُ الخَتْمِ

 

فِي مَدِينَةٍ ضَجَّتْ بِالْفَوْضَى مِنْ كُلِّ مَكَان،
فَظَهَرَ رَجُلٌ عَلَيْهِ سِمَا الْهُدُوء.
لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ سِلَاح
 وَلَا مِنْ خَلْفِهِ الْجُيُوش
مَا إِنْ ظَهَر
 إِلَّا وَخَيَّمَ السُّكُونُ فِي الطُّرُقَات.
اِنْتَبَهَتِ الْحُشُود،
وَبِإِشَارَةٍ مِنْهُ، تَحَرَّكَ الْجَمِيعُ فِي نَفْسِ الِاتِّجَاه،
وَنَفَّذُوا أَوَامِرَه.
تَوَقَّفَ الضَّجِيج.

اِرْتَجَفَتِ الْأَيْدِي، وَانْعَقَدَتِ الْأَلْسِنَة
وَلَكِنَّ أَحَدَهُمْ اِسْتَهْجَنَ الْأَمْر،
وَبِكُلِّ جَسَارَةٍ وَقَفَ فِي وَجْهِهِ وَقَال:
«مَنْ أَنْتَ؟
وَأَيَّ قُوَّةٍ تَمْلِكُهَا حَتَّى سَكَتَ النَّاس؟
وَمِنْ أَيْنَ سُلْطَتُكَ حَتَّى تَأْمُرَ هَؤُلَاء؟»

تَوَقَّفَ الرَّجُل.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
فَقَطْ أَشَارَ إِلَى قِلَادَةٍ عَلَى صَدْرِه.
كَانَ عَلَيْهَا خَتْمٌ مَهِيبٌ يَلْمَع
ثُمَّ تَكَلَّمَ بِهُدُوء:

(أَنَا لَا أَتَحَدَّثُ بِاسْمِي...
بَلْ أَتَحَرَّكُ بِاسْمِ الدَّوْلَةِ، وَبِنِيَابَةٍ عَنِ السُّلْطَان)

نَعَمْ،
خُطُوَاتُهُ لَمْ تَكُنْ بِاسْمِه
كَلِمَاتُهُ لَمْ تَكُنْ

صَدَى فَرْدٍ
 بَلْ صَدَى سُلْطَان.
وَمَنْ يَسِيرُ بِهَذَا الِاسْمِ، لَا يَخْشَى شَيْئًا، وَلَا يَتَرَدَّد
لِأَنَّهُ يَعْلَم:

(أَنَا لَسْتُ وَحْدِي...
أَنَا تَحْتَ ظِلِّ اسْمٍ عَظِيم
وَمَنْ يَسِيرُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، يَقِفُ بِثَبَاتٍ حَتَّى فِي وَجْهِ الْعَوَاصِف،
لِأَنَّ خَلْفَهُ جِبَالًا تُسْنِدُهُ، وَجُيُوشًا جَرَّارَة)

وَالْآنَ أَدْرَكَ الْجَمِيع...
لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، بَلِ الِاسْمُ هُوَ مَنْ كَانَ يَنْطِق.
وَلَمْ يَكُنِ الصَّوْتُ هُوَ الْآمِرَ، بَلِ الْخَتْمُ هُوَ الَّذِي حَكَم
وَبِهَذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَقِّقَ مَا يَفُوقُ قُوَّتَهُ بِأَضْعَاف

وَهَكَذَا هُوَ الْكَوْنُ بِأَسْرِهِ...
فَمَنْ يُحْسِنِ الْإِصْغَاءَ يُدْرِكِ الْحَقِيقَةَ،
وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ الِاسْم.

اُنْظُرْ إِلَى الْبَذْرَةِ...
تَقُولُ: «بِسْمِ الله»، وَتَتَحَرَّكُ بِاسْمِ الله
رَغْمَ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ بِحَجْمِ الْكَفِّ،
لَكِنَّ بِدَاخِلِهَا تُخْفِي شَجَرَةً شَامِخَةً تَمْتَدُّ حَتَّى السَّمَاء.
صَغِيرَةٌ فِي ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ أَمَانَةً عَظِيمَةً،
إِنَّهَا تَنْمو بِقَوْلِهَا: «بِسْمِ الله».

الأَشْجَارُ تَقُولُ: «بِسْمِ الله»...
بِأَغْصَانِهَا الَّتِي تَمْتَدُّ لِتُهْدِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَجْمَلَ الثِّمَار.
مِنْ تُرْبَةٍ سَوْدَاءَ، وَأَغْصَانٍ جَافَّةٍ،
تُعْطِينَا آلَافَ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ طَعْمٍ، وَلَوْنٍ، وَرَائِحَةٍ، وَشَكْلٍ،
كُلُّ ذَلِكَ بِاسْمِ الله
 بِاسْمِ الرَّحْمَن.

الْبَسَاتِينُ تَتَحَدَّث.
لَكِنْ لَا يَسْمَعُهَا إِلَّا مَنْ يُصْغِي بِأُذُنِ قَلْبِه.
وَكُلُّهَا تَهْمِسُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: «بِسْمِ الله».

بِخُضْرَةِ الْفِلْيفِلَةِ، وَسَوَادِ الْبَاذِنْجَانِ، وَحُمْرَةِ الطَّمَاطِم
كَأَنَّ الْأَرْضَ أَصْبَحَتْ قِدْرًا لِلرَّحْمَة
أَلْفُ نَكْهَةٍ

 تَغْلِي فِي قِدْرٍ وَاحِد،
لَكِنَّهَا لَمْ تُطْهَ بِأَيْدٍ مُتَعَدِّدَة،
بَلْ طَبْخَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ يَدِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّة.

وَكُلُّ حَدِيقَةٍ تَهْمِسُ لِلْقُلُوبِ الْوَاعِيَة:
«أَنَا لَا أَطْبُخُ شَيْئًا...
لَمْ أُحَضِّرِ التُّرْبَةَ، وَلَمْ أَخْلُقِ الْبُذُور.
أَنَا فَقَطْ مَائِدَةٌ فُتِحَتْ بِقَوْلِ: "بِسْمِ الله"،
وَكُلُّ نِعْمَةٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ خَرَجَتْ مِنْ مَطْبَخِ الرَّحْمَة

الْبَقَرَة...
الْجَمَل...
 الْمَاعِز...
الْخَرُوف...
كُلُّهَا خُدَّامٌ صَامِتُونَ لِلرَّحْمَة.
لَا يَعْرِفُونَ الْحِسَابَ، وَلَا يُدْرِكُونَ الْمُعَادَلَات.
فَقَطْ يَأْكُلُونَ عُشْبًا بَسِيطًا، أَخْضَرَ، عَادِيًّا.
وَمَعَ ذَلِكَ، يَفِيضُ مِنْ دَاخِلِهِمْ لَبَنٌ نَقِيٌّ، طَيِّبٌ، سَائِغٌ، وَمُمْتَلِئٌ بِالْحَيَاة

فَهُمْ خَاضِعُونَ لِأَمْرِ الْغَيْب،
وَتَحَوَّلُوا إِلَى مَنَابِعَ لَبَنٍ بِفَضْلِ فَيْضِ الرَّحْمَة
وَمَنْ يَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ فِي صَمْتِهِمْ يَفْهَمْ أَنَّهُمْ يَقُولُون

«لَا تَنْسِبْ هَذَا إِلَيَّ...
أَنَا فَقَطْ قُلْتُ: "بِسْمِ الله".
هُوَ الْمُعْطِي،
أَنَا مُجَرَّدُ بَابٍ مَفْتُوحٍ لِرَحْمَتِهِ.»

نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ: «بِسْمِ الله»...
صَوْتُ هَذَا الِاسْمِ يَتَرَدَّدُ حَتَّى مِنْ أَعْمَاقِ الْأَرْض.

اُنْظُرْ إِلَى الْجُذُور...
رَقِيقَةٌ مِثْلَ الْحَرِيرِ، هَشَّةٌ كَأَدَقِّ مَا يَكُون،
وَمَعَ ذَلِكَ، تَشُقُّ طَرِيقَهَا فِي بَاطِنِ الْأَرْض.
تَنْفَلِقُ الْحِجَارَةُ أَمَامَهَا، وَيَتَرَاجَعُ التُّرَاب.
الصَّلَابَةُ تَنْهَارُ، وَالْمَصَاعِبُ تَرْكَع،
فَقَطْ لِأَنَّهَا تَقُولُ: «بِسْمِ الله».

تَسِيرُ بِاسْمِ الرَّحْمَانِ فِي عَتَمَةِ الْأَرْض،
وَتَخْتَرِقُ الْحِجَارَةَ كَأَنَّهَا عَصَا مُوسَى،
تُشَقِّقُ الصُّخُورَ، وَتَفْسَحُ الْأَرْضَ طَرِيقًا.

فَوْقَ الْأَرْضِ، الْأَغْصَانُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ،
وَتَحْتَهَا، الْجُذُورُ تَتَحَرَّكُ بِنَفْسِ السُّهُولَةِ،
وَبِلَا مُعَانَاةٍ.
لِأَنَّهَا جَمِيعًا تَسِيرُ بِاسْمِ الله

وَحَتَّى الْأَوْرَاقُ الْهَشَّةُ الَّتِي تَهْمِسُ لِلنَّارِ تَقُولُ: «بِسْمِ الله»...
أَوْرَاقٌ رَقِيقَةٌ
هَشَّةٌ لِدَرَجَةِ أَنَّ لَمْسَةً تُمَزِّقُهَا.
لَكِنَّهَا تَظَلُّ خَضْرَاءَ لِأَشْهُرٍ، تَحْتَ شَمْسٍ حَارِقَةٍ.

لَا تَحْتَرِق.
لَا تَذْبُل.
لَا تَجِفّ.

رَغْمَ أَنَّ حَرَارَةَ الشَّمْسِ تُذِيبُ الْأَسْفَلْت،
إِلَّا أَنَّهَا لَا تُؤْذِي هَذِهِ الْأَوْرَاق.
لِأَنَّ الْأَوْرَاقَ تَعْلَم:
الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي الشِّدَّةِ، بَلْ فِي صَاحِبِ الِاسْم.

وَتَهْمِسُ فِي أُذُنِ النَّار:
«يَا نَارُ، لَا تُحْرِقِينِي كَمَا لَمْ تُحْرِقِي إِبْرَاهِيم،
فَأَنَا هُنَا بِاسْمِ اللهِ، بِاسْمِ الرَّحْمَن.» وضع الاف للرحمن

فَتَصْمُتُ النَّار.
وَتَسْجُدُ الْحَرَارَة
لِأَنَّ مَنْ يَقِفُ بِاسْمِ الرَّحْمَان،
لَا يُحْرَقُ، وَلَا يُهْدَمُ، وَلَا يُقْهَر.

فَمَا دَامَ كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ: «بِسْمِ الله»...
أَنْتَ أَيْضًا، إِذَا وَاجَهَتْكَ فِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ صُخُورًا صَلْبَةً مِنَ الصُّعُوبَات...
قُلْ: «بِسْمِ الله».

لَا تَنْسَ: كَمَا تَفَتَّتَتِ الصُّخُورُ أَمَامَ الْجُذُور،
سَوْفَ تَتَفَكَّكُ مُشْكِلَاتُكَ أَمَامَ اسْمِ الله

وَإِذَا أَحَاطَتْ بِكَ نَارُ الْمَصَائِب،
وَإِذَا مَسَّتْكَ هُمُومُكَ كَرِيحٍ حَارِقَةٍ...
فَقُلْ: «بِسْمِ الله».

لِأَنَّ تِلْكَ الْأَوْرَاقَ الْهَشَّةَ أَيْضًا لَمْ تَذْبُلْ تَحْتَ شَمْسٍ لَاهِبَةٍ،
لِأَنَّهَا وَقَفَتْ بِاسْمِ الرَّحْمَن.

اِفْعَلْ مِثْلَهَا...
حِينَ تَشْتَدُّ بِكَ الْأَحْزَانُ، قُلْ: «بِسْمِ الله»،
وَسَتُحَاطُ بِالرِّعَايَة.

لِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَتْ وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ الْأَمَانَ فِي وَجْهِ النَّار،
فَكَيْفَ يَحْتَرِقُ قَلْبٌ يَسِيرُ بِاسْمِ الرَّحْمَن؟

وَلَا تَيْأَسْ!
مَا تَظُنُّهُ مُسْتَحِيلًا، هو بِالنِّسْبَةِ لك مُسْتَحِيل،
لَا بِالنِّسْبَةِ لِرَبِّكَ.

فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ مِنَ التُّرَابِ خُضَارًا،
وَمِنَ الْأَغْصَانِ ثِمَارًا،
وَمِنَ الْبُذُورِ أَشْجَارًا،
وَمِنْ بَيْنِ الدَّمِ وَالْفَرْثِ لَبَنًا نَقِيًّا.

أَنْتَ تَقُولُ: «لَا يُمْكِن»،
وَهُوَ يَقُولُ: «كُنْ»... فَيَكُون.

أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَى نِهَايَةِ الطَّرِيق،
وَهُوَ يَفْتَحُ طَرِيقًا لِلْجَذْرِ يَشُقُّ الصُّخُورَ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْض.

فَإِذَا أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْكَ، وَضَاقَ صَدْرُكَ بِالْهُمُوم،
وَهَجَمَ الْيَأْسُ عَلَى قَلْبِك...
فَلَا تَنْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ، بَلِ انْظُرْ إِلَى رَبِّك!

وَقُلْ: «بِسْمِ الله»...
لِأَنَّ مَنْ يَسِيرُ بِهَذَا الِاسْمِ، لَنْ يَجِدَ طَرِيقًا مَسْدُودًا.

فَبِمَا أَنَّ كُلَّ شَيْء...
مِنْ مَاءٍ يَنْزِلُ مِنَ الْجَبَل،
إِلَى ثَمَرَةٍ تَسْقُطُ مِنَ الشَّجَرَةِ،
إِلَى لَبَنٍ يَنْسَابُ مِنَ الضَّرْع...
كُلُّهَا تَقُولُ بِلُغَتِهَا الْخَفِيَّةِ: «بِسْمِ الله»،

وَكُلُّ هَذِهِ النِّعَمِ لَا تَأْتِي مِنَ الْأَرْض،
وَلَا مِنَ الْغُصْن،
وَلَا مِنَ الْحَيَوَان...

بَلْ تَأْتِي بِاسْمِ اللهِ،
وَتُفْرَشُ عَلَى مَائِدَتِكَ...

فَلَا تكنْ غافلاً !
اِشْتَرِكْ فِي هَذَا الذِّكْر.

كُلَّمَا تُعْطِي: قُلْ «بِسْمِ الله»!
كُلَّمَا تَأْخُذُ: قُلْ «بِسْمِ الله»!

لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ، خَسِر.
وَمَنْ تَذَكَّرَ، وَجَدَ النِّعْمَةَ... وَوَجَدَ الْمُنْعِم.

وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُقَدِّمُ لَكَ مِنْ رِزْقِ اللهِ، وَلَكِنْ بِاسْمِهِ الشَّخْصِيِّ،
وَنَسَبَ النِّعْمَةَ لِنَفْسِهِ، وَطَلَبَ مِنْكَ الِامْتِنَان...
فَاعْلَمْ أَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ إِلَّا حِجَابًا،
وَأَنَّ الْمُعْطِيَ هُوَ اللهُ وَحْدَه.

 

التعليقات