لا تخرج بلا تذكرة

إعرف ذاتك!

لَا تَتَوَقَّفْ عِنْدَ الْأَسْبَاب!

فِي قَدِيمِ الزَّمَان،
فِي أَرْضٍ بَعِيدَةٍ،
كَانَ هُنَاكَ سُلْطَانٌ عَظِيم،
 يَتَحَدَّثُ النَّاسُ عَنْ قُوَّتِهِ وَثَرْوَتِهِ.
وَذَاتَ يَوْم،

أَرَادَ هٰذَا السُّلْطَانُ أَنْ يُرْسِلَ هَدِيَّةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَن

 إِلَى رَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ كَانَ يُحِبُّهُ.
صُنْدُوقٌ مَمْلُوءٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ.

أَعْطَى السُّلْطَانُ هٰذِهِ الْهَدِيَّةَ لِأَحَدِ خَدَمِهِ،

وَأَمَرَهُ أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى ذٰلِكَ الرَّجُل،

وَقَالَ لَهُ:
«خُذْ هٰذِهِ الْهَدَايَا، وَبَلِّغْهَا لِصَاحِبِهَا بِاسْمِي».

أَخَذَ الْخَادِمُ الْأَمَانَةَ وَانْطَلَقَ فِي طَرِيقِهِ.
وَبَعْدَ أَيَّام، وَصَلَ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ سَيُعْطِيهِ الْهَدِيَّة.

عِنْدَمَا رَأَى الرَّجُلُ خَادِمَ السُّلْطَان،

 ارْتَعَدَ قَلِيلًا،
لَكِنَّ الْخَادِمَ تَحَدَّثَ وَقَال:
«أَنَا هُنَا بِاسْمِ السُّلْطَان، لَقَدْ أَرْسَلَ لَكَ هٰذِهِ الْهَدَايَا».

فَتَحَوَّلَ خَوْفُ الرَّجُلِ إِلَى فَرَحٍ لَا يُوصَفُ.
وَمن شِدَّةِ فَرَحِهِ،

قَبَّلَ يَدَيْ الْخَادِم.
وَقَالَ لَهُ:
«لَوْلَاكَ، مَنْ كَانَ سيَجْلِبَ هٰذِهِ الْهَدِيَّةَ؟!»

وَأَخَذَ يُظْهِرُ مِنَ الْمَدِيحِ وَالِامْتِنَانِ مَا جَعَلَ الْخَادِمَ يَنْسَى نَفْسَهُ،
حَتَّى بَدَأَ يَتَصَرَّفُ وَكَأَنَّ الْهَدَايَا لَهُ، وَقَالَ بِفَخْر:
«أَرَأَيْتَ؟ لَوْلَا أَنَا… مَنْ كَانَ سَيُوصِلُهَا؟»

لَقَدْ أَسْكَرَتْهُ كَلِمَاتُ الثَّنَاء
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ اسْمَ السُّلْطَان.
وَلَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُ النِّعْمَةِ الْحَقِيقِيُّ.

يَا لَهَا مِنْ غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ!

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،

كَانَتْ زَوْجَةُ الرَّجُل تُرَاقِبُ مَا يَحْدُثُ مِنْ خَلْفِ الْبَاب،
فَلَمْ تَحْتَمِلْ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ.

كَانَ فِي وَجْهِهَا حُزْنٌ وَغَضَبٌ.
نَظَرَتْ إِلَى الْخَادِمِ وَقَالَتْ:
«كَمْ نَسِيتَ سَرِيعًا! هٰذِهِ الْهَدَايَا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِكَ.
أَنْتَ مُجَرَّدُ حَامِلٍ!
السُّلْطَانُ أَعْطَاكَ هٰذَا الشَّرَفَ كَيْ تُبَلِّغَ الْهَدَايَا بِاسْمِهِ،
لٰكِنَّكَ نَسِيتَ اسْمَهُ، وَنَسَبْتَ الْإِكْرَامَ إِلَى نَفْسِكَ!»

اهْتَزَّ الْخَادِمُ، وَخَفَتَ بَرِيقُ الْغُرُورِ فِي وَجْهِهِ.
وَأَشَارَ إِلَى الذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ، لٰكِنَّ صَوْتَهُ كَانَ مُرْتَجِفًا:
«صَحِيحٌ… لَا شَيْءَ مِنْ هٰذَا مِلْكِي…
أَنَا فَقَطْ حَمَلْتُهَا وَأَوْصَلْتُهَا إِلَيْكُمْ».

ثُمَّ الْتَفَتَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَالَتْ:
«انْتَبِهْ! هٰذِهِ الْهَدَايَا لَمْ تَأْتِ مِنْ خَزِينَةِ هٰذَا الْخَادِمِ،
بَلْ مِنْ كَرَمِ السُّلْطَان.
وَجِّهْ شُكْرَكَ لِصَاحِبِهَا الْحَقِيقِيِّ!
اذْكُرِ اسْمَهُ… وَإِلَّا كُنْتَ مِنَ الْجَاحِدِين.

وَفَجْأَةً، تَغَيَّرَ حَالُ الجميع.
أخَفَضَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ،
وَسَكَتَ الْخَادِم

ثُمَّ قَالَتِ الْمَرْأَةُ:
«النَّظَرُ يَكُونُ إِلَى مَنْ أَرْسَلَ النِّعْمَةَ، لَا إِلَى مَنْ حَمَلَهَا.
فَلَوْ رَأَى السُّلْطَانُ حَالَكُمْ هٰذَا،
مَاذَا كَانَ سَيَقُولُ؟ هَلْ فَكَّرْتُمْ؟

ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ نَفْسَهُ سَبَبٌ،
أَمَّا مَنْ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ، فَهُوَ مَلِكُ الْمُلُوك:

اللَّه.
فَمَتَى سَتَشْكُرُونَهُ؟»

كَانَتْ كَلِمَاتُهَا ثَقِيلَةً، مَلَأَتِ الْغُرْفَةَ بِصَمْتٍ عَمِيق.
أَطْرَقَ الْخَادِمُ خَجَلًا،
وَأَدْرَكَ الْجَمِيعُ أَنَّهُمْ بِذٰلِكَ جَحَدُوا صَاحِبَ النِّعْمَةِ الْحَقِيقِيَّ.

نَعَمْ… كَمْ مَرَّةً نَنْسِبُ الْفَضْلَ لِمَنْ أَوْصَلَ النِّعْمَةَ، وَنَنْسَى مَنْ أَرْسَلَهَا؟
كَثِيرًا مَا نُقَدِّمُ الشُّكْرَ لِمَنْ نَاوَلَنَا النِّعْمَة،
لٰكِنَّنَا نَنْسَى أَنَّ هٰذَا الشَّخْصَ مُجَرَّدُ نَاقِلٍ
مِثلُهُ مِثْلَ الْعَامِلِ الَّذِي يُوصِلُ الطَّعَام.

الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللَّهُ.

وَفِي مُقَابِلِ كُلِّ هٰذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ،
لَا يَطْلُبُ اللَّهُ مِنْكَ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا مَالًا.
بَلْ يَطْلُبُ فَقَطْ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ:

أَوَّلًا: الذِّكْر
أَنْ تَذْكُرَهُ فِي بَدَايَةِ كُلِّ نِعْمَةٍ،
أَنْ تَقُولَ: «بِسْمِ اللَّهِ»،
وَأَنْ تَعْتَرِفَ أَنَّ النِّعْمَةَ مِنْهُ.

ثَانِيًا: الشُّكْرُ
بَعْدَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِالنِّعْمَةِ،
أَنْ تَقُولَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».

ثَالِثًا: التَّفَكُّرُ
أَنْ تَتَأَمَّلَ أَنَّ هٰذِهِ النِّعْمَةَ مَا هِيَ إِلَّا
هَدِيَّةً مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ.

اُنْظُرْ إِلَى النِّعَمِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا:
الْخُبْزُ، الْمَاءُ، الْعَسَلُ، الْفَوَاكِهُ الْمُتَنَوِّعَةُ،
الْخُضْرَوَاتُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْض…
كُلُّهَا هَدَايَا أُرْسِلَتْ مِنْ مَطْبَخِ الرَّحْمَةِ الْإِلٰهِيَّة.

وَلَيْسَ فَقَطْ مَا عَلَى مَوَائِدِنَا…
بَلِ الْيَدُ الَّتِي نَأْخُذُ بِهَا، وَالْقَدَمُ الَّتِي نَمْشِي بِهَا،
وَالْعَيْنُ، وَالْأُذُنُ، وَالنَّفَسُ، وَالْعَقْلُ، وَالذَّاكِرَةُ…
كُلُّهَا أَمَانَاتٌ مِنْ كُنُوزِ رَحْمَتِهِ.

حَتَّى الْعُمْرُ نَفْسُهُ نِعْمَةٌ.
الْإِيمَانُ، السَّلَامُ، الصِّحَّةُ، الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ، الْأَوْلَاد…
كُلَّ يَوْمٍ تُهْدَى إِلَيْنَا مِنْ جَدِيد
سَوَاءٌ لَاحَظْنَا أَمْ لَمْ نُلَاحِظْ.

وَفِي يَوْمٍ لَا شَكَّ فِيه
سَنُسْأَلُ عَنْ كُلِّ هٰذِهِ النِّعَم
فَهَلْ قُمْنَا بِالْوَاجِبَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي طَلَبَهَا اللَّهُ مِنَّا؟

• هَلْ بَدَأْنَا بِـ«بِسْمِ اللَّهِ»؟
• هَلْ أَنْهَيْنَا بِـ«الْحَمْدُ لِلَّهِ»؟
• هَلْ تَأَمَّلْنَا فِي مَصْدَرِ النِّعْمَةِ، وَالْقُدْرَةِ الَّتِي صَنَعَتْهَا، وَالرَّحْمَةِ الَّتِي أَوْصَلَتْهَا؟

نَعَمْ، أَنْ تَبْدَأَ بِذِكْرٍ، وَتَنْتَهِيَ بِشُكْرٍ، وَتَغُوصَ فِي الْفِكْر
هٰكَذَا تَتَضَاعَفُ لَذَّةُ النِّعْمَةِ، مِئَاتِ الْمَرَّاتِ.

وَإِلَّا…
سَنَكُونُ مِثْلَ ذٰلِكَ الْخَادِمِ الْمُغْرُور
وَمِثْلَ ذٰلِكَ الرَّجُلِ الْغَافِل
نُثْنِي عَلَى مَنْ أَوْصَلَ الْهَدِيَّةَ،
وَنَنْسَى مَنْ أَرْسَلَهَا.

مَهْمَا كَانَتْ يَدُ مَنْ أَوْصَلَ إِلَيْكَ النِّعْمَة…
عَلَيْكَ أَنْ تَذْكُرَ أَوَّلًا صَاحِبَ الْيَدِ الْحَقِيقِيَّة!

كُلُّ يَدٍ هِيَ سِتَارٌ…
وَالنِّعْمَةُ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا وَرَاءَ السِّتَار.

لِأَنَّ النِّعْمَةَ لَيْسَتْ فِي الْيَدِ الَّتِي تَرَاهَا،
بَلْ مِنَ الْمَالِكِ الَّذِي لَا تَرَاه

فَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ،
فَالْيَدُ تُصْبِحُ غافِلَة،
وَالنِّعْمَةُ بِلَا رُوح.

وَكُلُّ أَخْذٍ أَوْ عَطَاءٍ لَا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ،
فَهُوَ نَاقِصٌ.

 

 

التعليقات