لماذا لم يصرح القرآن فتطمئن قلوبنا
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
جوابانِ مُهمَّانِ عن سؤالينِ مُهمَّينِ السُّؤالُ الثاني:
وإذا قلتَ: لم تبقَ لديَّ الآنَ بعدَ هذا التحقيقِ شُبهةٌ؛ فقد ثبتَ عندي بيقينٍ وصدَّقتُ أنَّ القرآنَ الكريمَ فيه جميعُ ما يلزمُ السَّعادةَ الدنيويةَ والأخرويةَ كلٌّ حسبَ قيمتِه وأهميتِه فهناكَ رموزٌ وإشاراتٌ إلى خوارقِ المدنيةِ الحاضرةِ، بل إلى أبعدَ منها من الحقائقِ الأُخرى مع ما فيهِ من حقائقَ جليلةٍ؛ ولكن لِمَ لم يذكرِ القرآنُ الكريمُ تلك الخوارقَ بصراحةٍ تامة كي تُجبِرَ الكفرةَ العنيدين على التَّصديقِ والإيمانِ وتُطَمئِنَ قلوبُنا فتستريحَ؟ الجواب: إنَّ الدِّينَ امتحانٌ، وإنَّ التكاليفَ الإلهيةَ تجربةٌ واختبارٌ من أجل أن تتسابَقَ الأرواحُ العاليةُ والأرواحُ السَّافلةُ، ويتميزَ بعضُها عن بعضٍ في حلبةِ السِّباقِ، فمثلما يُختبَرُ المعدَنُ بالنَّارِ ليتميَّـزَ الألماسُ من الفحمِ والذَّهبُ من التُّرابِ، كذلكَ التَّكاليفُ الإلهيةُ في دارِ الامتحانِ هذهِ؛ فهي ابتلاءٌ وتجربةٌ وسَوقٌ للمسابقَةِ، حتى تَتَميَّـزَ الجواهرُ النفيسةُ لمعدَنِ قابلياتِ البشرِ واستعداداتِه من المعادنِ الخسيسةِ. فما دامَ القرآنُ قد نزلَ، في دارِ الابتلاءِ هذه، بصورةِ اختبارٍ للإنسانِ؛ ليُتِمَّ تكاملَهُ في ميدانِ المسابقةِ، فلابدَّ أنّه سيشيرُ إشارةً فحسب إلى هذهِ الأمورِ الدنيويةِ الغيبيةِ التي ستتوضَّحُ في المستقبلِ للجميعِ، فاتحًا للعقلِ بابًا بمقدارِ إقامةِ حُجَّتهِ؛ وإلّا فلو ذكرَها القرآنُ الكريمُ صراحةً، لاختلَّتْ حكمةُ التكليفِ إذ تصبحُ بديهيَّةً، مثلَ كتابةِ «لا إله إلّا الله» واضحًا بالنُّجومِ على وجهِ السَّماءِ، والذي يجعلُ الناسَ أرادُوا أم لم يريدُوا عندئذٍ مرغَمين على التَّصديقِ، فما كانت ثَمَّةَ مسابقةٌ ولا اختبارٌ ولا تمييزٌ، فحينئذٍ تتساوى الأرواحُ السَّافلةُ التي هي كالفحمِ مع التي هي كالألماسِ.( ) والـخُلاصة: أنَّ القرآنَ العظيمَ حكيمٌ، يعطي لكل شيءٍ قدْرَه من المقامِ، ويرى القرآنُ من الثمراتِ الغيبيةِ والتَّقدمِ الحضاريِّ البشريِّ قبلَ ألفٍ وثلاث مئةِ سنةٍ المستترةِ في ظلماتِ المستقبلِ، أفضلَ وأوضحَ مما نراها نحنُ وما سنراها؛ فالقرآنُ إذن كلامُ مَن ينظرُ إلى كلِّ الأزمنةِ، بما فيها من الأمورِ والأشياءِ في آنٍ واحدٍ.. فتلكَ لمعةٌ من الإعجازِ القُرآني، تَلمَعُ في وجهِ معجزاتِ الأنبياءِ. اللَّهمَّ فَـهِّمنا أسْرَارَ الْقُرآنِ وَوفِّقْنا لِخدْمَتِهِ في كلِّ آنٍ وَزَمانٍ. ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ اللَّّهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَكَرِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَولَانَا مُحَمَّدٍ، عَبدِكَ وَنَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ النّبِيِّ الْأمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّاتِهِ وَعَلَى النّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أفْضَلَ صَلَاةٍ وَأزْكَى سَلَامٍ وَأنمَى بَرَكَاتٍ، بِعَدَدِ سُوَرِ الْقُرآنِ وَآيَاتِهِ وَحُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَمَعَانِيهِ وَإِشَارَاتِهِ وَرُمُوزِهِ وَدَلَالَاتِهِ، وَاغْفِر لَنَا وَارْحَمْنَا وَالْطُفْ بِنَا يَا إِلَهنَا، يَا خَالِقَنَا، بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالْحَمْدُ للَّّه رَبِّ الْعَالَمِينَ آمِينَ

التعليقات