رسالة الخطأ

Notice :Trying to get property of non-object في include() (السطر 342 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/templates/risaleoku.tpl.php).

 

الفصل الثالث

بداية الانعطاف التاريخي

 

سنة 1908م/1326هـ

إعلان المشروطية وماهيتها ([1])

«المشروطية: مجلّى وتفسير لآيتي ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾(آل عمران:159).. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(الشورى:38) فهي المشورة الشرعية.. فقوة ذلك الوجود المنور هو الحق.. وحياته هي العدالة.. وقلبه هي المعرفة.. ولسانه هي المحبة.. وعقله هو القانون لا الشخص.. إن روح المشروطية أن تكون القوة في القانون، والأمر والنهي في يد الحق، والمرء خادماً..([2]) إذ المشروطية هي حاكمية الأمة، والحكومة ليست إلاّ خادمة. ولئن صدقت المشروطية فالقائمقام والوالي ليسا رؤساءَ بل خدّاماً مأجورين».([3])

"مشروطية" و"حرية" شرعيتان أو "استبداد جديد"

«إن أصحاب الأفكار الفاسدة، يريدون الاستبداد والمظالم تحت ستار الحرية، فلأجل ألاّ نشاهد مرة أخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان، أريد أن أقيم سداً حديداً بين الماضي والحاضر وذلك بإيضاح تاريخ حياة الحرية. وهو كالآتي:

إن هذا الانقلاب لو أعطى الحريةَ التي ولّدها لأحضان الشورى الشرعية لتـربيها فستُبعث أمجاد الماضي لهذه الأمة قوية حاكمة.

 

105
__________________________

 

بينما لو صادفت تلك الحرية الأغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها.([4])

يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر.([5]) ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة.

والبرهان الباهر على هذا الادعاء هو ما كان يرفل به عهد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين من الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من الوحشية السائدة والتحكم المقيت.([6])

"ففي بداية إعلان الحرية، أرسلتُ ما يقارب من خمسين أو ستين برقية إلى العشائر القاطنين في شرقي البلاد، وذلك بوساطة ديوان رئاسة الوزارة. كان مضمون تلك البرقيات:

"إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ما هي إلاّ العدالة الحقة والشورى الشـرعية. تلقَّوْها بقبول حسن. اسعوا للحفاظ عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية. فلقد قاسَينا الأمرَّين من الاستبداد أكثر من الآخرين".

وقد أتت من كل مكان إجابات إيجابية لهذه البرقيات. بمعنى أنني قمت بتنبيه الولايات الشرقية ولم أتركهم غافلين، يستغفلهم استبداد جديد.."([7])

وقمت بإلقاء خطب عدة على العلماء عامة وعلى كثير من طلاب الشريعة، وذلك في كل من جامع أياصوفيا وبايزيد والفاتح والسليمانية، وبينتُ العلاقة الحقيقية بين حقائق الشريعة والمشروطية. وأوضحت أن الاستبداد المتعسف لا صلة له بالشريعة الغراء، وأن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع كي تـزيل التحكم الظالم والاستبداد..

وقد قلت: "إن المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة".

 

106
__________________________

 

بمعنى أنني رضيت بالمشروطية بالدلائل الشرعية، وليس كما رضي بها بعض دعاة المدنية الغربية، إذ قبلوها تقليداً وفهموها خلافاً للشريعة. فلم أتنازل عن الشريعة ولم أُعطها أتاوة لشيء.([8])

إذ لما ارتقت المشروطية الشرعية عرش الأفكار، هزّت الحبل المتين للملّية، فاهتز بدوره الإسلام -وهو العروة الوثقى- وعرف كل مسلم أنه ليس هملاً سائباً، بل مرتبطاً بالآخرين بالمنفعة المشتركة والحسّ المجرد، فالمسلمون جميعاً مرتبطون كالعشيرة الواحدة.([9])

إن أوروبا تظن أن الشريعة هي التي تمدّ الاستبداد بالقوة وتعينه. حاش وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشـيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعين الاستبداد. لذا تألمت كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة، فكما أنني أكذّب ظنهم فقد رحّبت بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص، ولكني خشـيت من أن يقوم استبداد آخر لتصديق هذا الظن، لذا صرخت من أعماقي، وبكل ما أوتيت من قوة في خطاب أمام المبعوثيـن "النواب".. في جامع أياصوفيا وقلت: افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقوها على أساسها، ولقّنوها الآخرين على هذه الصورة كي لا تلوثها اليد القذرة لاستبداد جديد متستر وملحد باتخاذ ذلك الشيء الطيب المبارك ترساً لأغراضه الشخصية. قيّدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهليـن يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحراراً سائبين بلا قيد وشرط. ولتكن قبلتكم في صلاة العدالة على المذاهب الأربعة كي تصحّ صلاتكم، لأنني قد أعلنت دعوىً: وهو أنه يـمكن استخراج حقائق المشروطية صراحة وضمناً وإذناً من المذاهب الأربعة.([10]) ثم إن سبب افتتاني بمحبة معنى المشروطية هو أن المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة، وأن مفتاح حظ الإسلام وسعده ورقيه موجود في الشورى التي في المشروطية؛ حيث قد انسحق -لحد الآن- ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين تحت أقدام الاستبداد المعنوي للأجانب، وحيث إن الحاكمية الإسلامية مهيمنة الآن في العالم ولا سيما في آسيا، فإن كل مسلم يكون مالكاً لجزء حقيقي من الحاكمية. وإن الحرية هي العلاج الوحيد لإنقاذ ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين من الأسر.

 

107
__________________________

 

فحتى لو تضرر هنا -بفرض محال- عشـرون مليوناً من الناس في أثناء إرساء الحرية، فليكن ذلك فداءً، إذ نأخذ ثلاثمائة بدفع عشرين.

وا أسفى! إن العناصر والقوميات الموجودة عندنا مختلطة اختلاط أجزاء الهواء، ولم تمتزج امتزاج أجزاء الماء. وستمتزج تلك العناصر والقوميات بالإسلام الذي يفعل فعل التيار الكهربائي فيهم، وسيأتي بإذن اللّٰه مزاج العدالة المنصفة المتـولدة من حرارة نور المعارف الإسلامية، فلتعش المشروطية المشروعة، ولتدم الحرية النيّرة المسترشدة بتربية حقيقة الشريعة.([11])

وأقول بلا فخر: "نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ولا نتنـزّل للخداع لأجل حياة دنيوية، لأننا نعلم "إنما الحيلة في ترك الحيل". ولكن لأنني قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الاستبداد إن قابلته في أي لباس كان، حتى لو كان لابساً ملابس المشروطية أو تقلّد اسمها. وفي اعتقادي أن أعداء المشروطية هم أولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالفة للشريعة وأنها ظالمة، فيكثرون بهذا أعداء الشورى أيضاً. علماً أن القاعدة هي: "لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء"».([12])

لقاء مع مفتي الديار المصرية (*)

«في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخ بخيت -مفتى الديار المصرية- سعيداً القديم:

ما تقول في حق هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوروبائية؟

 فأجابه سعيد: "إن الدولة العثمانية حاملة بدولة أوروبائية وستلدها يوماً ما، وإن أوروبا حاملة بالإسلام وستلده يوماً ما".

فقال له الشيخ الجليل: "وأنا أصدّق ما يقوله".

ثم قال لمن حوله من العلماء: "لا يُناظَر هذا الشاب، ولا أتمكن من غلبته".

فلقد شاهدنا الولادة الأولى، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن.

 

108
__________________________

 

أما الولادة الثانية فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن اللّٰه. ستظهر في الشرق والغرب دولة إسلامية».([13])

خطاب إلى الحرية

«أيتها الحرية الشرعية!([14])

انكِ تنادين بصوت هادر، ولكنه رخيم يحمل بشارة سارة، توقظين بها كردياً بدوياً مثلي نائماً تحت طبقات الغفلة، ولولاكِ لظللتُ أنا والأمة جميعاً في سجن الأسر والقيد.إنني أُبشّرك بعمر خالد. فإذا ما اتخذتِ الشريعةَ التي هي عين الحياة، منبعاً للحياة، وترعرعتِ في تلك الجنة الوارفة البهيجة، فإنني أزف بشرى سارة أيضاً بأن هذه الأمة المظلومة سـتترقى ألف درجة عما كانت عليه في سابق عهدها، وإذا ما اتخذتك الأمة مرشدة لها، ولم تلوّثك بالمآرب الشخصية وحب الثأر والانتقام، فقد أخرَجَنا إذن مَن له العظمة والمنة من قبـر الوحشة والاستبداد، ودعانا إلى جنة الاتحاد والمحبة....

إن هذا الاتحاد، اتحاد القلوب والمحبة الموجهة للامة كافة، وهي معدن السعادة والحرية، قد أنعم بها المولى الكريم علينا مجاناً، بينما الأمم الأخرى قد ظفروا بها بعد دفع الملايين من جواهر النفوس الغالية.

إن صدى الحرية والعدالة ينفخ نفخ إسرافيل فيبعث الحياة في مشاعرنا المدنية وآمالنا الخامدة ورغباتنا القومية الرفيعة وأخلاقنا الإسلامية الحميدة، حتى يرن صماخ الكرة الأرضية المجذوبة جذبة المولوي، ويهيج الأمة جميعاً ويهزها هزّ المجذوب.

وإياكم يا إخوان الوطن أن تقضوا عليها بالموت مرة أخرى بالسفاهات والإهمال في الدين.

إن القانون الأساسي المؤسس على هذه الشريعة الغراء قد أصبح ملك الموت لقبض أرواح جميع الأفكار الفاسدة والأخلاق الرذيلة والدسائس الشيطانية والتزلفات الدنيئة. فيا إخوة الوطن! لا تعيدوا الحياةَ لتلك الرذائل بالإسرافات ومخالفة الشريعة والملذات المحرمة...

 

109
__________________________

 

وبخلافه فإن تفسير الحرية والعمل بها على أنها التحرر من القيود والانغمار في السفاهات والملذات غير المشروعة والبذخ والإسراف، وتجاوز الحدود في كل شيء اتباعاً لهوى النفس.. مماثل لمن يتحرر من أسر سلطان واحد ويدخل في استبداد حقراء سافلين كثيرين. فضلاً عن أن هذا النمط من الحرية يُظهر أن الأمة غير راشدة ومازالت في عهد الصبوة وليست أهلاً للحرية. فهي سفيهة إذن تستحق الحجر عليها، بالرجوع إلى الاستبداد السابق البائد...

وبناء على ما سبق لاينبغي أن ننخدع، بل نجعل القاعدة الآتية دستور عمل لنا وهي: "خذ ما صفا دع ما كدر" وفي ضوئها سنأخذ من الأجانب -مشكورين- كل ما يعين على الرقي المدني من علوم وصناعات. أما العادات والأخلاق السيئة، فهي ذنوب المدنية ومساوئها التي لا يتبين قبحها كثيراً لكونها محاطة بمحاسن المدنية الكثيرة.

فنحن لو أخذنا منهم المدنية -بسوء حظنا وسوء اختيارنا- بما يوافق الهوى والشهوات -كالأطفال- تاركين محاسنها التي تحتاج إلى بذل الجهد للحصول عليها، نكون موضع سخرية كالمخانيث أو كالمترجلات، إذ كيف إذا لبست المرأة ثياب الرجل ولبس الرجل ثياب المرأة يكون كل منهما موضع سخرية واستهزاء. ألا ما يكون لنا أن نتجمل بمساحيق التجميل!..

ينبغي لنا الإقتداء باليابانيين في المدنية، لأنهم حافظوا على تقاليدهم القومية التي هي قوام بقائهم وأخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا. وحيث إن عاداتنا القومية ناشئة من الإسلام وتزدهر به فالضرورة تقتضي الاعتصام بالإسلام...

نحن على أمل عظيم أن تثمر مزرعة الأناضول ورومَلي شباناً غيارى. فلا جرم أن الممالك العثمانية محل ظهور الأنبياء، ومهد الدول الحضارية، ومشرق شمس الإسلام. فإذا ما نمت هذه الاستعدادات المغروزة في الإنسانية بغيث الحرية، فإنها تتحول إلى شجرة طوبى من الأفكار النيرة وتمتد أغصانها إلى كل جهة، وسيجعل الشرق مشرقاً للغرب، إن لم تفسد وتنخر بالكسل والأغراض الشخصية...

إن الشريعة الغراء تمضي إلى الأبد لأنها آتية من الكلام الأزلي. والبرهان الباهر عليه هو أن الشريعة تتوسع وتنمو نمو الكائن الحي أي بنسبة نمو استعداد الإنسان وتشربه من نتائج تلاحق الأفكار وتغذيه عليها، ذلك الاستعداد الذي يمثل ميل الرقي الذي هو غصن من أغصان شجرة استكمال العلم.

 

110
__________________________

 

فالحرية والعدالة والمساواة التي كان يرفل بها خير القرون والخلفاء الأربعة، ولاسيما في ذلك الوقت، دليل على أن الشريعة الغراء جامعة لجميع روابط المساواة والعدالة والحرية الحقة. فآثار سيدنا عمر وسيدنا علي رضي اللّٰه عنهما وصلاح الدين الأيوبي دليل وأي دليل على هذا الادعاء.

ومن هنا فإني أقرر أن سبب تأخرنا وتَدَنّينا وسوء أحوالنا إلى الآن ناتج مما يأتي:

1- عدم مراعاة أحكام الشريعة الغراء.

2- تصرفات بعض المداهنين تصرفاً عفوياً.

3- التعصب المقيت في غير محله سواءً لدى عالم جاهل أو جاهل عالم!

4- تقليد مساوئ المدنية الأوروبية تقليداً ببغائياً -بسوء حظنا أو سوء اختيارنا- مما ولّد تركنا لمحاسن المدنية التي تستحصل بمشكلات ومصاعب.

فلو قام الموظفون خير قيام بوظائفهم وسعى الآخرون حسب الظروف المحيطة وما يتطلبه الزمان الحاضر، فلن يجد أحد متسعاً من الوقت للسفاهة؛ ولو انهمك أي منهما بها فلا يكون إلاّ جرثومة خطرة في جسم المجتمع...

كما أن الجسم محال أن يتحلل إلى ذرات دفعة واحدة كذلك تشكّله من ذرات دفعة واحدة وبصورة فجائية محال أيضاً. لذا فإن فصل الموظفين السابقين من جسم الدولة ووضع آخرين جدد في مواضعهم متعذر وإن لم يكن محالاً. علماً أن الدولة ستنبذ الموظفين الذين ينطوون على خبث دفين لا يمكن إصلاحه، بينما باب التوبة مفتوح لمن يمكن إصلاحه ما لم تطلع الشمس من مغربها. فهؤلاء يجب الاستفادة من تجاربهم، إذ إشغال مواضعهم الوظيفية يحتاج إلى أربعين سنة أخرى. وإلاّ فإن إطالة اللسان بالسوء إلى الجميع وإهانتهم يجعل هذا الاتحاد، اتحاد الأمة العظيم، معرّضاً لوباء وبيل من أفكار فاسدة وأخلاق سيئة...»([15])

 

111
__________________________

 

مع عمانوئيل كراصو (*)

حاول اليهودي المعروف "عمانوئيل كراصو" أن يجتمع ببديع الزمان في إطار محاولات التأثير فيه ولم يمانع من مقابلته. ولكن هذا اليهودي سرعان ما قطع الاجتماع وتركه هرباً من تأثيـر شخصية بديع الزمان إذ قال وهو لا يكاد يصدق نفسه:

لقد كاد هذا الرجل العجيب أن يزجّني في الإسلام بحديثه.([16])

موقفه من جون تورك ([17])

[كان الأستاذ النورسي يحسن الظن بالطيبين منهم بادئ الأمر كما هو واضح في محاورته العشائر]:

«س: كنا نسمع سابقاً وإلى الآن أن أكثر أفراد "جون تورك" هم من الماسونيين، الذين يعادون الدين.

ج: لقد ألقى الاستبداد هذه التلقينات إبقاءً لنفسه، ومما يسند هذا الوهم ويقوّيه عدم مبالاة بعضهم بالدين. لكن اطمئنوا، إن قصد من لم ينضم منهم إلى الماسونية، ليس الإضرار بالدين، بل نفع الأمة وتأمين سلامتها، ولكن البعض منهم يفرطون في الهجوم على التعصب المقيت الذي لا يليق بالدين. ويبدو أنكم تطلقون على الذين سبق منهم خدمات للحرية والمشروطية أو الذين ارتضوا بهما اسم "جون تورك". فاعلموا أن قسماً من أولئك هم مجاهدو الإسلام، وقسماً منهم فدائيو سلامة الأمة، فالذين يشكلون القسم الأعظم منهم والعقدة الحياتية لهم هم من غير الماسونيين ويمثلون أكثرية الاتحاد والترقي.([18])

 

112
__________________________

 

فهناك علماء ومشايخ في صفوف "جون تورك" بقدر عشائركم.. رغم وجود زمرة من الماسونيين المفسدين السفهاء فيهم، وهم قلّة قليلة لا يتجاوزون عشرة بالمائة منهم، بينما التسعون بالمائة الباقية منهم مسلمون ذوو عقيدة أمثالكم ومعلوم أن الحكم للأكثرية.. فأحسنوا الظن بهم، إذ إن سوء الظن يضركم ويضرهم معاً.([19])

س: لِمَ تحسن الظن -كلما أمكنك ذلك- بحكومة المشروطية وأفراد "جون تورك" غير الملحدين؟.

ج: لأنكم تسيئون الظن بهم كلما تيسّر لكم ذلك، فأنا أحسن الظن بهم، فإن كانوا بمثل ما أقول فبها ونِعمَت، وإلاّ فأنا أرشدهم إلى الصواب كي يسلكوه.

س: ما رأيك في الاتحاد والترقي؟.

ج: مع أنني أثمّن قيمتهم إلاّ أنني أعترض على الشدّة التي يزاولها سياسيوهم وأهنئ في الوقت ذاته واستحسن -إلى حدٍّ ما- فروعهم وشعبهم الاقتصادية والثقافية ولاسيما في الولايات الشرقية.([20])

إن سعيداً القديم على الرغم من معارضته الشديدة لمنظمة "الاتحاد والترقي" مال إلى حكومتها ولاسيما إلى الجيش، حيث وقف منهم موقف تقدير وإعجاب والتزام وطاعة. وما ذاك إلاّ بما كان يحس به من إحساس مسبق من أن تلك الجماعات العسكرية والجمعية الملية سيظهر منهم بعد سبع سنوات مليون من الشهداء الذين هم بمرتبة الأولياء. فمال إليهم طوال أربع سنوات دون اختيار منه، وبمـا يخالف مشربه. ولكن بحلول الحرب العالمية وخضّها لهم أُفرز الدهن المبارك من اللبن فتحول إلى مخيض لا قيمة له. فعاد "سعيد الجديد" إلى الاستمرار في جهاده وخالف سعيداً القديم.([21])

 

113
__________________________

 

وقد كنت أرى -في بداية عهد الحرية- ملحدين داخلين ضمن الاتحاديين يقولون: إن في الإسلام والشريعة المحمدية دساتير قيمة شاملة نافعة جداً وجديرة بالتطبيق للمجتمع البشري ولاسيما للسياسة العثمانية. فكانوا ينحازون إلى الشريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، أي يلتزمون الحق ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنهم أهل لأن يدعوا: "مسلمون غير مؤمنين".

أما الآن فهناك مَن يعتقد بنفسه الإيمان، فيؤمن باللّٰه ورسوله واليوم الآخر، إلاّ أنه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للأجانب، تحت اسم المدنية. ولما كان لا يلتزم بقوانين الشريعة الأحمدية التي هي الحق والحقيقة ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون إذن مؤمناً غير مسلم. ويصح القول: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكون سبباً للنجاة كذلك الإيمان بلا إسلام -على علم- لا يصمد ولا يمنح النجاة».([22])

مطاليبه من الاتحاد والترقي

أ. إنشاء مدرسة الزهراء ([23])

ب. الصدق والأمانة وضمان مستقبل العلماء

إن لي دعوى أبحثها مع الخواص، ولي مسألة مهمة مع الحكومة، مع الأشراف، مع أولئك الذين ليسوا من الماسونيين من جماعة الاتحاد والترقي.

يا طبقة الخواص! نحن العوام ومعاشر أهل المدرسة الدينية نطالبكم بحقنا!..

نريد أن تصدقوا قولكم بفعلكم، ولا تعتذروا بقصور غيركم، ولا تتواكلوا فيما بينكم وتتكاسـلوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وأن تتداركوا فيما فاتنا بسببكم، وأن تستمعوا إلى أحوالنا وتستشيروا حاجاتنا، وأن تستفسروا عن أوضاعنا، وتَدَعوا لَهوَكم جانباً!..

الحاصل: أننا نطلب ضمان مستقبل العلماء في الولايات الشرقية ونطلب نصيبنا من معنى "الاتحاد" و"الترقي" لا من الاسم، فنطلب ما هو هيّن عليكم وعظيم عندنا.([24])

 

114
__________________________

 

ج. إنشاء مجلس شورى للاجتهاد

بينا نرى الوزارة تستند أصلاً إلى ثلاثة مجالس شورى -وقد لا توفي هذه المجالس حاجاتها الكثيرة- نجد أن المشيخة قد أودعت إلى اجتهاد شخص واحد، في وقت تعقدت فيه العلاقات وتشابكت حتى في أدق الأمور، فضلا عن الفوضى الرهيبة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الأفكار وتدني الأخلاق المريع الناشئ من تسرب المدنية الزائفة فينا.

من المعلوم أن مقاومة الفرد تكون ضعيفة أمام المؤثرات الخارجية، فلقد ضُحي بكثير من أحكام الدين مسايرة للمؤثرات الخارجية.

وبينما كانت الأمور بسيطة والتسليم للعلماء وتقليدهم جارياً كانت المشيخة مودعة إلى مجلس شورى -ولو بصورة غير منتظمة- ويتركب من شخصيات مرموقة، أما الآن وقد تعقدت الأمور ولم تعد بسيطة وارتخى عنان تقليد العلماء واتباعهم.. أقول: كيف يا ترى يكون بمقدور شخص واحد القيام بكل الأعباء؟

ولقد أظهر الزمان أن هذه المشيخة الإسلامية -التي تمثل الخلافة- ليست لأهل إسطنبول خاصة أو للدولة العثمانية، وإنما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين عامة. فوضعها الحالي المنطفئ لا يؤهلها للقيام بأعباء إرشاد إسطنبول وحدها ناهيك عن إرشاد العالم الإسلامي! لذا ينبغي أن تؤول هذه المشيخة إلى درجة ومنـزلة تتمكن بها كسب ثقة العالم الإسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين. وتغدو منبعاً فياضاً للاجتهادات والأفكار. وعندها تكون قد أدت مهمتها حق الأداء تجاه العالم الإسلامي.([25])

لقد طالبت بهذه الفكرة([26]) أعضاء "تركيا الفتاة" إبان إعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتي عشرة سنة طالبتهم بها أيضاً فقبلوها ولكن المجلس النيابي قد حل. والآن أعرضها مرة أخرى على نقطة تمركز العالم الإسلامي.([27])

 

115
__________________________

 

معارضة الاتحاد والترقي وعدّ محبتهم غير مشروعة

إن خطأ أعضاء تركيا الفتاة نابع من عدم معرفتهم بأن الدين أساس الحياة. فظنوا أن الأمة شيء والإسلام شيء آخر وهما متمايزان! ذلك لأن المدنية الحاضرة أوحـت بذلك واستولت على الأفكار بقولها: "إن السعادة هي في الحياة نفسها". إلاّ أن الزمان أظهر الآن أن نظام المدنية فاسد ومضر. والتجارب القاطعة أظهرت لنا أن الدين حياة للحياة ونورها وأساسها. إحياء الدين إحياء لهذه الأمة. والإسلام هو الذي أدرك هذا. إن رقي أمتنا هو بنسبة تمسكها بالدين، وتدنيها هو بمقدار إهمالها له، بخلاف الأديان الأخرى. هذه حقيقة تاريخية، قد تنوسيت.([28])

س: كنتَ تعارض الاتحاد والترقي، إلاّ أنك تسكت عليهم الآن.

قلت: لكثرة هجوم الأعداء عليهم.

إن هدف الهجوم الذي يشنه الأعداء هو العزم والثبات اللذان يتحلّون بهما وعدم كونهم وسيلة لتنفيذ مآرب الأعداء في تسميم أفكار المسلمين. وهذا من حسناتهم. إنني أرى أن الطريق طريقان؛ ككفتي الميزان. خفة إحداهما تولد ثقل الأخرى. فأنا لا أصفع "أنور"(*) بجانب "أنترانيك"،([29]) ولا أصفع "سعيد حليم"(*) بجانب "فنـزيلوس"(*) وفي نظري أن الذي يصفعهما سافل منحط.([30])

نعم، إنني عارضت شعبة -الاتحاد والترقي- المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفرق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمشروطية بينما مثلت الاستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الاتحاد والترقي.([31])

ولقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة([32]) موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.([33])

 

116
__________________________

 

لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد. إلاّ أنها الآن تعادي الحياة بأكملها. فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق؛ فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.([34])

ومع هذا فإن القدر الإلهي يعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا هؤلاء، وذلك بسبب ما لا يستحقونه من ميلي إليهم، وفق القاعدة: "إن نتيجة محبة غير مشروعة عداوة ظالمة".

وقد كنت أوثر الصمت، لعلمي أني أسـتحق هذا العذاب، حيث إنني قد خدمت بصفة قائد للمتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وخضت المعارك، وضحيت بخيرة طلابي وأحبّائي مع نيل تقدير القائد العام للجيش أنور باشا. وسقطت جريحاً، وأُسرت. وبعد مجيئي من الأسر ألقيت بنفسي في المهالك، بتأليفي كتاب "الخطوات السـت" الذي تحديت به الإنكليز وهم يحتلون إسطنبول. فعاونت هؤلاء الأصدقاء الذين ألقوني في عذاب الأسر بغير سبب. وكان هذا جزائي نظير معاونتي لهم، فأذاقني هؤلاء من المصاعب والمتاعب في ثلاثة شهور ما يفوق المصاعب والمتاعب التي قاسيت منها في روسيا طوال ثلاث سنوات.([35])

مواقفه في الفوضى التي ضربت أطنابها عقب إعلان الحرية

«في بداية عهد الحرية "أي إعلان الدستور" تشكلت جمعيات مختلفة للّاجئين وفي المقدمة الروم والأرمن، تحت أسماء أندية كثيرة، وسببت تفرقة القلوب -كما تشتتت الأقوام بانهدام برج بابل، وتفرقوا أيدي سبأ في التاريخ- حتى كان منهم من أصبح لقمة سائغة للأجانب، ومنهم من تردى وضل ضلالاً بعيداً([36]) إذ قد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بما نشرته الصحف من مقالات محرضة، وشروع الفرقاء "الأحزاب" بتسجيل أسماء الفدائيين، وسيطرة الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريان الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقين بعض المهمليـن الجنود ما يظنونه مخالفاً للآداب الدينية. وبعد أن انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء -والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين- البذور في ذلك المستنقع الآسن -بظن الإحسان- وظلت السياسة العامة للدولة بيد الجهلاء وأطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية...»([37])

 

117
__________________________

 

تهدئته المشاعر المتهيجة

«لقد شعرت مراراً في اجتماعات ضخمة بالمشاعر المتهيجة لدى الناس، فخشيت أن يخلّ عوام الناس بالنظام وأمن البلاد بمداخلتهم في السياسة، فقمت بتهدئة تلك المشاعر الجياشة بكلام يلائم لسان طالب علم قروي قد تعلم اللغة التركية حديثاً.

فمثلاً: في اجتماع الطلاب في جامع بايزيد، وفي المولد النبوي المقام في أياصوفيا، وفي مسرح الفرح، هدّأتُ -إلى حدٍ ما- ثورة الناس وغضبهم. فلولا تلك الكلمات والخطب لعصفت بهم عاصفة هوجاء».([38])

تهدئته الحمالين

«توجستُ خيفة من أن يُلوّث صفاء القلوب لدى الولايات الشرقية، فيستغل بعضُ دعاة الأحزاب أبناء بلدي الذين يقرب تعدادهم من عشـرين ألف شخص، حيث إنهم يعملون بالحمالة وهم ذوو نفوس طيبة ساذجة غافلة. فتجولت جميع الأماكن والمقاهي التي يوجد فيها الحمالون، وبينت لهم المشروطية في السنة الماضية بقدر ما يستوعبونه. فقلت لهم بهذا المعنى:

إن الاستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة؛ فالسلطان إذا ما أطاع أوامر سيدنا الرسول الكريم صلى الله وعليه وسلم وسار في نهجه المبارك فهو الخليفة، ونحن نطيعه، وإلاّ فالذين يعصون الرسول صلى الله وعليه وسلم ويظلمون الناس هم قطاع طرق ولو كانوا سلاطين.

إن عدونا هو الجهل والضرورة (الفقر الشديد) والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح الصناعة والمعرفة والاتفاق.

 

118
__________________________

 

وسنتعاون ونتصادق يداً بيد مع الأتراك وهم إخواننا الحقيقيون الذين كانوا السبب -من جهة- لإيقاظنا من غفلتـنا ودفعنا إلى سبيل الرقي. نعم، نتعاون معهم ومع جميع من يجاورنا، لأن الخصام والعداء فساد أي فساد. فلا نملك وقتاً للخصام. ونحن لا نتدخل بشؤون الحكومة، حيث إننا لا ندرك حكمتها.

ولقد كانت لهذه النصيحة جدوىً وأثر في أولئك الحمالين الذين قاطعوا العمل في إنزال البضائع النمساوية([39]) -مثلما أقاطع البضائع الأوروبية قاطبة- حيث تصرفوا تصرفاً يتسم بالعقلانية وبعيداً عن التهور».([40])

 

سنة 1909م/1327هـ

مساندة جمعية الاتحاد المحمدي

«طرق سمعي أن جمعية باسم "الاتحاد المحمدي" قد تأسست،([41]) فتوجست خيفة شديدة من صدور تصرفات خاطئة من بعضهم تحت هذا الاسم المبارك.

ثم سمعت أن أشخاصاً مرموقين -من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق- قد حوّلوا هذا الاسم إلى شيء بسيط ويسير إذ حصروه في العبادة واتباع سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية. فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة. فخشـيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حقّ المسلمين كافة، فلا يقبل تخصصاً ولا تحديداً. فكما أني منتسـب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة -حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة- كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.

ولكن الاتحاد المحمدي الذي أعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.

 

119
__________________________

 

فالذين ينضوون تحت رايته يتجاوز عددهم ثلاثمائة مليون في هذا العصر، وإن جهة الوحدة والارتباط في هذا الاتحاد هو توحيد اللّٰه. قَسَمه وعهده هو الإيمان. والمنتسبون إليه جميع المؤمنيـن منذ الخليقة. وسِجِلّ أسماء أعضائه هو اللوح المحفوظ. وناشر أفكاره: جميع الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة اللّٰه. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية. ومركزه: الحرمان الشريفان.

فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم r. ومسلكها ومنهجها: مجاهدة كل شخص نفسه أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم r وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين وإسداء النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر. والنظام الداخلي لهذا الاتحاد: السنة النبوية. وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها. وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث إن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار. وإن تحرّي الحقيقة لا يكون إلاّ بالمحبة، بينما الخصومة تكون إزاء الوحشية والتعصب. أما أهدافه ومقاصده فهي إعلاء كلمة اللّٰه.

هذا وإن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.

والآن فإن مقصدنا هو سوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان. وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهار اسمه وإلاّ فلسـت من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.([42])

وفي الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري، وقالوا كذلك: هل انضممت إلى "الاتحاد المحمدي"؟

قلت: نعم بكل فخر واعتزاز! أنا من أصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي أعرّفه. أروني أحداً خارج ذلك الاتحاد من غير الملحدين.

 

120
__________________________

 

وهكذا فأنا أنشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وأنجي أهل الشـريعة من اليأس، وأخلّص أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التاريخ، وأنتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.([43])

نعم، إنني دعوت ظاهراً إلى هذا "الاتحاد المحمدي" من أجل مقصدين عظيمين:

المقصد الأول: إنقاذ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا ترد الشبهات والأوهام.

المقصد الثاني: ليكون سداً أمام افتراق الفرق والأحزاب الذي كان سبباً في هذه المصيبة الفائتة العظيمة، وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا أسفى لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني أيضاً.

ثم كنت أقول: لو نشب حريق فسأحاول إطفاء جزء منه في الأقل، ولكن احترقتْ حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ -برضى مني- الشهرة الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها».([44])

 

رد الأوهام

18/3/1325رومي

1/3/1909 ميلادي

«سأردّ هنا الأوهام الفاسدة التسعة التي أُسندت إلى جماعة الاتحاد المحمدي:

الوهم الأول: أن طرح المسألة الدينية في أوساط الناس لا يلائم مثل هذا الظرف الدقيق.

الجواب: نحن نحب الدين ونحب الدنيا أيضاً لأجل الدين.. ولا خير في الدنيا بلا دين.

ثانياً: ما دامت الحاكمية للشعب في المشروطية فلا بد أن يثبت الشعب وجوده. وشعبنا مسلم ومسلم فقط. فليست هناك رابطة حقيقية وقوية غير الإسلام بين العرب والترك والكرد والأرناؤوط والشركس واللاز.

 

121
__________________________

 

إن إهمالاً طفيفاً في الدين أدّى إلى إرساء قواعد طوائف الملوك وظهور الجاهليات الميتة قبل ثلاثة عشر قرناً وبالتالي إلى ظهور الـفتن والقـلاقـل. وقد ظهرت فعلاً وشاهـدناها.

الوهم الثاني: أن تخصيص هذا العنوان -أي الاتحاد المحمدي- يجعل غير المنتسبين إليه في شك من أمرهم.

الجواب: وقد قلت سابقاً: فإما لم يُقرأ أو فُهم خطأً؛ لذا أضطر إلى التكرار وهو أننا عندما نقول "الاتحاد المحمدي" الذي هو اتحاد الإسلام، فالمراد هو الاتحاد الموجود الثابت بين جميع المؤمنيـن بالقوة أو بالفعل، وليس المراد جماعة في إسطنبول أو في الأناضول إذ إن أيّ قطرة من ماءٍ تحمل صفة الماء، فلا أحد خارج هذا الاتحاد، ولا يخصص هذا العنوان بأحد. وتعريفه الحقيقي هو:

أن أساس هذا الاتحاد يمتد من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.. ومركزه: الحَرمان الشريفان.. وجهة وحدته: التوحيد الإلهي.. عهده وقَسَمه: الإيمان.. نظامه الداخلي: السنة النبوية الشريفة.. قوانينه: الأوامر والنواهي الشرعية..مقر اجتماعاته: جميع المدارس والمساجد والزوايا.. ناشرُ أفكار تلك الجماعة نشراً خالداً إلى الأبد: جميع الكتب الإسلامية وفي المقدمة القرآن الكريم وتفاسيـره، (ورسائل النور إحدى تلك التفاسير في زماننا هذا) وجميع الصحف الدينية والجرائد النـزيهة التي تهدف إلى إعلاء كلمة اللّٰه.. ومنتسبوه: جميع المؤمنين.. رئيسه: فخر العالمين r.

والآن لنقف عند الصدد وهو: تيقظ المؤمنين وإقبالهم نحو الإسلام ولا ينكر ما للرأي العام من تأثيـر.. وهدف الاتحاد وقصده: إعلاء كلمة اللّٰه.. ومسلكه: الجهاد الأكبر للنفس وإرشاد الآخرين.. وهمة هذه الهيئة المباركة مصروفة بنسبة تسع وتسعين بالمائة إلى غير السياسة من تهذيب الأخلاق واستقامة السلوك وما شابهها من الفضائل والمقاصد المشروعة، إذ إن الجمعيات المتوجهة إلى مثل هذه المقاصد نادرة، علماً أن أهميتها جليلة. وهناك واحد بالمائة من المقاصد يتعلق بالسياسة وهو إرشاد السياسيين.. سيوفهم: البراهيـن القاطعة.. مشربهم: المحبة وإنـماء المحبة المندمجة في بـذرة الأخوة الموجودة بين المـؤمنـين لتصبح شجرة طوبى مباركة.

 

122
__________________________

 

الوهم الخامس: ربما ينفر الأجانب من هذا الاتحاد؟

الجواب: إن مَن يجد في نفسه هذا الاحتمال جاهل لا محالة، إذ يردّ هذا الاحتمال ما يلقى من خطب ومحاضرات حول الإسلام وعظمته في مراكزهم وعواصمهم.

ثم إن أعداءنا ليسوا بالأجانب. وإنما الذي أردانا إلى هذا الوضع وحال بيننا وبين إعلاء كلمة اللّٰه هو مخالفتنا للشريعة الغراء نتيجة "جهلنا" بها، و"الضرورة" التي أثمرت سوء الأخلاق وسوء المعاملات و"الاختلاف" الذي انتج الأغراض الشخصية والنفاق. فاتحادنا هجوم على هذه الثلاثة من الأعداء الظلمة.

أما جهل الأجانب بالإسلام في القرون الوسطى، فالإسلام مع اضطراره إلى معاداة الجهل والهمجية قد حافظ على العدالة والاستقامة معهم فلم يُرَ في التاريخ الإسلامي أمثال محاكم التفتيش. ولما قوي ساعد المدنيين في زمن التحضر هذا. فقد زال عنهم ذلك التعصب الذميم.

إن الظهور على المدنيين من منظور الدين إنما هو بالإقناع وليس بالإكراه. وبإظهار الإسلام محبوباً وسامياً لديهم وذلك بالامتثال الجميل لأوامره وإظهار الأخلاق الفاضلة. أما الإكراه والعداء، فهما تجاه وحشية الهمجيين.

الوهم السادس: أن البعض يقول: إن اتخاذ اتحاد الإسلام اتباع السنة النبوية هدفاً له يحدد من الحرية وينافي الأخذ بمتطلبات المدنية.

الجواب: المؤمن حرّ في ذاته، فالذي هو عبد للّٰه رب العالمين لا ينبغي له أن يتذلل للناس، بمعنى أنه كلما رسخ الإيمان قويت الحرية. أما الحرية المطلقة فما هي إلاّ الوحشية المطلقة بل بهيمية، وتحديد الحرية ضروري من وجهة نظر الإنسانية..

ثالثاً: إن قسماً من السفهاء والمهملين يريدون أن يظلوا أذلاء أسارى النفس الأمارة بالسوء فلا يروق لهم العيش الحر.

الحاصل: أن الحرية الخارجة عن دائرة الشرع، إنما هي استبداد أو أسرٌ بيد النفس الأمارة بالسوء، أو بـهيمية أو وحشية.

 

123
__________________________

 

فليَعلم جيداً هؤلاء الزنادقةُ والمهملون للدين أنهم لا يستطيعون أن يحببوا أنفسهم لأي أجنبي كان يملك وجداناً بالإلحاد والسـفاهة، بل لا يمكنهم أن يتشبهوا بـهم. لأن السفيه والذي لا يسير على هدى لا يكون محبوباً، فالثياب الـلائقـة بامرأة إذا ما لبسها الرجل يكون موضع هـزء وسخرية.

الوهم السابع: أن جمعية اتحاد الإسلام إنما هي لشق الصف بين سائر الجمعيات الإسلامية وتوليد الحسد والنفرة بينها.

الجواب:

أولاً: إن الأمور الأخروية لا حسد فيها ولا تنافر ولا تزاحم، فأيما جمعية حسدت وزاحمت الاتحاد فكأنما تنافق في العبادة وترائي فيها.

ثانياً: إننا نتحد مع الجماعات المتشكّلة بدافع محبة الدين وخدمته وذلك على وفق شرطين اثنين:

الشرط الأول: المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية.

الشرط الثاني: انتهاج نهج المحبة، وعدم محاولة إظهار مزايا لها بانتقاص الجمعيات الأخرى، بل الأولى مراجعة مفتي الأمة وجماعة العلماء فيما إذا ظهر خطأ.

ثالثاً: إن الجماعة التي تهدف إلى إعلاء كلمة اللّٰه لن تكون وسيلة لأي غرض مهما كان، وإذا تشـبثت بالأغراض فلا يحالفها التوفيق قطعاً لأنه نفاق، فشأن الحق عالٍ وسام لا يُضحّى به من أجل أي شيء كان. كيف تكون نجوم الثريا مكانس، أو كيف تؤكل كعناقيد عنبٍ؟ إن الذي يريد أن يطفئ شمس الحقيقـة بالنفـخ إنما يدلّ على بلاهتـه وجنونـه.

أيتها الصحف الدينية!

إن قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف. إذ كما لا يمكن الاتحاد في المسالك والمشارب فلا يجوز أيضاً، لأن التقليد يشق طريقه ويؤدي إلى القول: "مالي وما عليّ فليفكر غيري".

الوهم الثامن: أن المنتسبين إلى الاتحاد -معنىً وصورة- أكثرهم من العوام وقسم منهم غير معروفين وهذا مدعاة إلى حدوث فتن واختلافات.

 

124
__________________________

 

 

الجواب: إنما ذلك لعدم السماح في هذا الاتحاد بالتمايز بين الناس سواء أكانوا من الخاصة أم من العامة، ثم لأن المرء في الاتحاد يدعو إلى إعلاء كلمة اللّٰه فكل ما يقوم به يثاب عليه ثواب عبادة.. ففي جامع العبادة يتساوى الملك والمتسول، فلا امتياز، بل المساواة الحقة دسـتور قائم. لأن الأكرمَ عند اللّٰه هو الأتقى، والأتقى هو المتواضع، فبناءً على هذا يتشرف الشخص بانتسابه إلى هذه الجماعة الخالصة لخدمة الدين والدعوة إلى الآخرة، وإلاّ فلا يزيد الاتحاد شرفاً، إذ القطرة لا تزيد البحر شيئاً.. ثم إن الإنسان كما لا يخرج عن الإيمان بارتكاب كبيرة، فإن باب التـوبة أيضاً مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربـها. والبحر لا يتنجس بغرفة ماء، بل يطهّر اليد فالمنتسب إلى هذا المثال المصغر للاتحاد الإسلامي يشترط عليه اتباع السنة النبوية وإحياؤها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها وعدم الإخلال بأمن البلاد ونظامها فالمجهول الذي انتسب إلى هذا الاتحاد لا يلوث قصداً هذه الحقيقة ما اسـتطاع إليه سبيلاً، وحتى لو كان المرء نفسه مذنباً فإيـمانه نزيه مقدّس. والرابطة إنما هي بالإيمان ليس إلاّ.

فتشويه هذا العنوان المقدس بحجج واهية أمثال هذه إنما ينجم عن الجهل بعظمة الإسلام فضلاً عن إظهار هذا المتحجج نفسه أنه أحمق الناس.

نحن نردّ بكل ما أوتينا من قوة تشويه سمعة اتحادنا الذي يمثل "اتحاد المسلمين" أو التعريض به مما هو دأب الجمعيات الدنيوية الأخرى، ونحن على أتم استعداد للإجابة عن أي استفسار واعتراض كان.

إن الجماعة التي أنضمُّ إليها إنما هي هذا الاتحاد الإسلامي الذي فصّلنا القول فيه. وإلاّ فليست هي تلك التي يتخيلها المعترضون بخيالهم الباطل.

إن أفراد هذه الهيئة الدينية هم معاً، سواءً أكانوا في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال».([45])

تنبيه أرباب الصحافة

«لقد دأبت الصحف على زعزعة الأخلاق الإسلامية بقياسين فاسدَين وبـما يوهن العزة والإقدام، حتى أهلكوا الأفكار العامة السائدة. فتصديت لهم بمقالات نشرتها في الجرائد وقلت لهم:

 

125
__________________________

 

يا أرباب الصحف! على الأدباء أن يلتزموا بالآداب، وعليهم أن يتأدبوا بالآداب اللائقة بالإسلام. فينبغي أن تكون أقوالهم صادرة من صدور لا تحيد لجهة، ومن قلوب عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة. ويجب تنظيم برنامج المطبوعات بما في وجدانكم من شعور ديني ونية خالصة. بينما أنتم بقياس فاسـد، أي بقياس الريف بإسطنبول، وإسطنبول بأوروبا أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن، فنبهتم عروق الأغراض الشخصية والمنافع الذاتية وأخذ الثأر، حيث يلقن الطفل الصغيـر الذي لم يدرج بعد في المدرسة، الفلسفة الطبيعية المادية. فكما لا تليق بالرجل فَسَاتِين الراقصات فلا تطبق مشاعر أوروبا في إسطنبول، إذ اختـلاف الأقوام وتخالف الأماكن والأقطار شبيهة بتباين الأزمنة والعصور. بمعنى أن الثورة الفرنسية لا تكون دستوراً لنا. فالخطأ ينجم من تطبيق النظريات وعدم التفكر بمتطلبات الوقت الحاضر.([46])

وحسب علمي أن الأدباء يكونون متأدبين، إلاّ أنني أجد بعض الصحف الخارجيـة خالية من الأدب وناشرة للنفاق. فإن كان هذا هو الأدب، والآراء العامة مختلطةً إلى هذا الحد، فاشهدوا أني تخليت عن هذا الأدب، فلست داخلاً فيهم أيضاً. وسأطالع الأجرام واللوحات السماوية النيرة على ذرى جبال موطني، قمة "باشيد"، بدلاً من مطالعة هذه الصحف.([47])

إنني أعترض على أساس فكر الصـحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك أنهم أوجدوا منفذاً ومبرراً للتضحية بالعزة والكرامة والطاعة العسكرية -التي هي أسمى من الحياة بل تضحى لأجلها بالحياة- في سبيل أعمال غيـر مشروعة، وأفعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.

ثم إنهم ظنوا أن شمس الشريعة التي تنجذب إليها الحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة أو منقادة للخلافة أو أداة لأية سياسة أخرى، فأظهروا -ما اعتقدوه- أن الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.

أقول بكل ما أملك من قوة: إنه لا رقيَّ لنا إلاّ برقي الإسلام الذي هو مِلِيَّتُـنَا، ولا رفعة لنا إلاّ بتجلي حقائق الشريعة، وبخلافه نكون مصداقاً للمثل القائل: "أضاع المشيتين".

 

126
__________________________

 

نعم، علينا أن نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجتمع، وقيمته، والحميّة الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين، ففي المضاعفات قوةٌ أية قوة».([48])

 

لتحيا الشريعة الأحمدية([49])

على صاحبها الصلاة والسلام

«إن الشريعة الغراء باقية إلى الأبد؛ لأنها آتية من الكلام الأزلي، وإن النجاة والخلاص من تحكّم النفس الأمارة بالسوء بنا هي بالاعتماد على الإسلام والاستناد إليه والتمسك بحبل اللّٰه المتين، وإن جنْي فوائد الحرية الحقة والاستفادة منها استفادة كاملة منوط بالاستمداد من الإيمان؛ ذلك لأن من أراد العبودية الخالصة لرب العالمين لا ينبغي له أن يذلّ نفسـه فيكونَ عبداً للعبيد. وحيث إن كل إنسان راعٍ في مُلكه وعالَمه فهو مكلّف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر ومأمور بالتخلق بأخلاق النـبي محمد صلى الله وعليه وسلم وإحياء سنته الشريفة.

يا أولياء الأمور! إن أردتم التوفيق فاطلبوه في موافقة أعمالكم للسنن الإلهية في الكون -أي قوانين اللّٰه- وإلاّ فلن تحصدوا إلاّ الخذلان والإخفاق. لأن ظهور الأنبياء عامة في الممالك الإسلامية والعثمانية إنما هو رمز وإشارة من القدر الإلهي إلى أن الذي يدفع أبناء هذه الممالك إلى التقدم إنما هو الدين، وأن أزاهير مزرعة آسيا وإفريقيا وبساتين نصف أوروبا ستتفتح وتزدهر بنور الإسلام.

اعلموا أن الدين لا يُضحّى به لأجل الحصول على الدنيا. فقد كانت تُعطى فيما مضى مسائل الشريعة أتاوة للحفاظ على الاستبداد البائد. أروني ماذا حصدنا من ترك مسائل الدين والتضحية بها غير الضرر والخيبة. إن إصابة الأمة في قلبها إنما هو من ضعف الدين ولن تنعم بالصحة إلاّ بتقوية الدين.

إن مشربنا: محبة المحبة، ومخاصمة الخصومة، أي إمداد جنود المحبة بين المسلميـن، وتشتيت عساكر الخصومة فيما بينهم. أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية محمد صلى الله وعليه وسلم وإحياء السنة النبوية. ومرشدنا في الحياة: الشريعة الغراء. وسيفنا: البراهين القاطعة. وهدفنا: إعلاء كلمة اللّٰه..

إن كل مؤمن هو منتسب -معنىً- لجماعتنا، وصورة هذا الانتساب هو العزم القاطع على إحياء السنة النبوية في عالمه الخاص، فنحن ندعو باسم الشريعة أولئك المرشدين -وهم العلماء والمشايخ من طلاب العلوم- إلى الاتحاد قبل أي أحد سواهم».([50])

 

127
__________________________

 

------------------------------

[1]() المشروطية: هي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية، وبموجبه أصبحت الوزارة مسؤولة أمام البرلمان وليس أمام السلطان، كما أن صلاحية تشريع القوانين أصبحت من اختصاص البرلمان. وقد أعلن السلطـان عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى في 19/3/1877 ونظراً لاستغلال نواب الأقليات غير المسلمة لهذا المجلس ودفع الدولة العثمانية إلى حرب مهلكة مع روسيا في العام نفسه وارتباط هؤلاء النواب بالجمعيات السرية المسلحة وبالدول الأجنبية فقد حل السلطان هذا المجلس دون أن يلغيه، وفي 23/7/1908 أعاد المشروطية والدستور مرة أخرى فيما سمي بـ"المشروطية الثانية".

[2]() الصيقل الإسلامي، النص العربي 142 ط. أنقرة.

[3]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[4]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[5]() نعم، لقد سقونا عبودية مسمومة جداِ باستبداد أرهب وأشد. (المؤلف)

[6]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[7]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[8]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[9]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[10]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[11]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[12]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[13]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.

[14]() ألقى الأستاذ النورسي هذا الخطاب في إسطنبول بعد إعلان الحرية بثلاثة أيام ثم ألقاه أيضاً في سلانيك. وقد نقلنا فقرات من الخطاب. ومن شاء فليراجع النص الكامل في صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[15]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[16]()       T. Hayat, ilk hayatı.

[17]() جون تورك (تركيا الفتاة): مشتقة من العبارة الفرنسية (Jeunes Turces) يطلق هذا الاسم على الجماعات والأفراد المعارضين للحكم في الدولة العثمانية منذ عهد السلطان عبد العزيز. تتلخص مطاليب هذه الجماعات والأفراد في إعلان الدستور وتأسيس حياة برلمانية. وتعدّ جمعية الاتحاد والترقي أقوى هذه الجماعات تأثيرا.

[18]() الاتحاد والترقي: جمعية سرية شكلها طالب ألباني في المدرسة الطبية العسكرية السلطانية يدعى "إبراهيم تمّو" مع قسم من أصدقائه من الطلبة سنة 1889، وكانت تهدف إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني، ورفعت شعار "حرية، مساواة، عدالة"، ساعدتها المحافل الماسونية، وانتسب كثير من أعضائها إليها، كما أن دولاً أوروبية عديدة مدت لها يد المساعدة. استفحل أمرها عندما تغلغلت في صفوف الجيش الثالث العثماني في مدينة "سلانيك" التي كانت مقراً ليهود "الدونمة" وفيها محفل الماسونية، وبدأت حركة تمرد في هذا الجيش وأرسل زعماء الحركة هذه برقيات تطالب السلطان بإعلان الدستور وإعادة مجلس المبعوثان (النواب)، واضطر السلطان حقناً للدماء إلى إعلان المشروطية الثانية سنة 1908. وبعد سنة من إعلانه الدستور تم خلعه ونفيه إلى "سـلانيك" ونُصب أخوه محمد رشاد مكانه، ورغم أن الاتحاد والترقي قد حقق إصلاحات في الإدارة والجيش إلا أنه قبض على الحكم بيد من حديد وأقام دكتاتورية ظالمة، وورط الدولة في الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان هدنة موندروس في 30/10/1918بيوم هرب زعماء هذه الجمعية إلى خارج البلاد.

[19]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[20]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[21]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[22]() الملاحق، ملحق بارلا.

[23]() لأهمية الموضوع خصص له فصل مستقل.

[24]() صيقل الإسلام، المناظرات.

[25]() صيقل الإسلام، السانحات.

[26]() المقصود إنشاء مجلس شورى للاجتهاد.

[27]() صيقل الإسلام، السانحات.

[28]() الكلمات، اللوامع.

[29]() أنترانيـك: رئيس منظمة الطاشناق الأرمنية، أشغل الدولة العثمانية مـدة طويلة من الزمـن بعدد من ثوراتـه ضـد الدولة.

[30]() صيقل الإسلام، السانحات.

[31]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[32]() حادثة 31 مارت، سيرد توضيحها في هذا الفصل.

[33]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[34]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[35]() المكتوبات، المكتوب السادس عشر.

[36]() المكتوبات، المكتوب السادس والعشرون، المبحث الثالث، المسألة الثالثة.

[37]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[38]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية. إذ كادت الفوضى التي عمت المسرح تنقلب إلى نزاع دموي، بين أنصار جمعية "الاتحاد والترقي" ومعارضيهم، فاعتلى الأستاذ النورسي المنصة وخاطب بصوته الجهوري الحاضرين ودعاهم إلى النظام والإخلاد إلى السكون أولاً ثم بيّن لهم أن عليهم أن يروّضوا أنفسهم على احترام رأي المقابل واحتـرام حرية النقاش، وأن من العار على أمة أعلنت المشروطية ألا تراعي هذا الأمر، ومذكراً إياهم برحابة صدر الرسول r وقيامه بالمشورة مع أصحابه. واستطاع فعلاً إقرار السكون والهدوء في ذلك الاجتماع الذي كاد ينقلب إلى مذبحة.

[39]() في 9 رمضان سنة 1326هـ (9/10/1908م) أعلنت النمسا ضم البوسنة والهرسك إليها مستفيدة في ذلك من أفول نجم السلطان عبد الحميد الثاني. على إثر هذا القرار تم إعلان مقاطعة جماهيرية للبضائع النمساوية وللمخازن التي تبيع هذه البضائع، وأعلن الحمالون مقاطعتهم لتفريغ البضائع النمساوية، ولكن الأمور لم تبق محصـورة في هذا المجال بل تطورت إلى حد هدد الحياة التجارية في إسطنبول، كما انحرفت وجهة المقاطعة إلى عصيان الحمالين لأوامر رؤسائهم (رؤساء الحمالين) وأصبحوا يتجمعون في بعض المقاهي وفي مركز رئيسي لهم في "خان عشيرة" فأصبح الجو مهدداً بالانفجار، فذهب إليهم "بديع الزمان" وألقى عليهم خطبة جميلة حسب مداركهم استطاع فيها الحيلولة دون التطور السيء للأحداث، حتى إن مفتش الشرطة العام لإسطنبول قدّم شكره وتقديره لمساعيه الحميدة.

[40]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[41]() تأسست في 5/4/1909م وأعلن عنها في اجتماع حاشد في جامع أياصوفيا وألقى الأستاذ النورسي هناك خطبة رائعة.

[42]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[43]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[44]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[45]() صيقل الإسلام، الخطبة الشامية.

[46]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[47]() صيقل الإسلام، المحكمة العسكرية.

[48]() المصدر نفسه.

[49]() الجريدة الدينية 77 في 18/3/1909 (5/3/1325 رومي).

[50]() صيقل الإسلام، الخطبة الشامية.

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet