الفصل الرابع
في فريضة الجهاد
1915م/1334هـ
تشكيله فرقة المتطوعين ([1])
«في أثناء الحرب العالمية الأولى([2]) كنت مع الشهيد المرحوم الملا حبيب، نندفع بالهجوم على الروس في جبهة "باسينلر". فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائـف علينا في كل دقيقة أو دقيقتين، فمرّت ثلاث قذائف من على رؤوسنا تـماماً وعلى ارتفاع مترين. وتراجع جنودنا القابعون في الخندق. قلت للملا حبيب للتجربة والامتحان:
ما تقول يا ملا حبيب؟ لن اختبئ من قنابل هؤلاء الكفار. فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك. فوقعت الثانية على مقربة منا. فقلت للملا حبيب واثقاً من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! إن قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.
وكذا الأمر في معركة "بتليس" وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاث طلقات للروس موضعاً مميتاً مني وثقبت إحداها سروالي ومرت من بين رجليّ. كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالة روحية تترفع عن النـزول إلى الخندق، حتى قال القائد "كَل علي" والوالي "ممدوح" من الخلف: لينسحب، أو ليدخل الخندق فوراً! ورغم قولهم هذا، وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة، فلم أحاول الحفاظ على حياتي البهيجة أيام شبابي تلك».([3])
149
__________________________
وهكذا "بعد أن أدّى بديع الزمان فريضة الجهاد في جبهة القفقاس "قائداً لفرق الأنصار" على أفضل وجه حيث حظي بتقدير القائد العام أنور باشا وقواد الفرق وإعجابهم، انسحب إلى مدينة "وان" حيث كانت القوات الروسية متجهة نحوها.
وفي أثناء إخلاء الحكومة مدينة "وان" من أهاليها لإنقاذهم من هجوم القوات الروسـية عليها، قرر بديع الزمان مع قسم من طلابه الدفاع عن المدينة حتى الشهادة محتمين بقلعتها، إلاّ أنه بانسحاب الوالي والقائمقام والأهلين والجيش نحو "بتليس" هاجم فوج من فرسان القازاق الروسية على "وَسْطَان" فكان ملا سعيد وقلة من طلابه وما يقارب الأربعين من الجنود -الذين لم ينسحبوا بعد- يصدونهم، حتى حالوا دون سقوط أطفال الأهلين وأموالهم بيد العدو. فتمكن الأهلون جميعاً من النجاة أثناء الانسحاب دون أن ينال العدو منهم شيئاً.
ولأجل قذف الرعب في قلوب المهاجمين القازاق تظاهر هو وطلابه أنهم يحتلون تلاً يطل عليهم، مما أوحى إليهم أن مدداً عسكرياً ضخماً قد أتاهم، فحدّ بذلك من تقدم القازاق، فكان سبباً في عدم استيلاء الروس لقصبة "وسطان".
وفي أثناء تلك المعارك كان يعود إلى الخندق ويملي على طالبه النجيب "الملا حبيب" تفسير "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" بل كان يملي أحياناً وهو على صهوة جواده أو في خط الدفاع الأول حتى أتمّ القسم الأعظم من ذلك التفسير الجليل".([4])
من المقدمة التي كتبها لإشارات الإعجاز
«لقد تم تأليف تفسير "إشارات الإعجاز" في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى على جبهة القتال بدون مصدر أو مرجع. وقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمان أن يُكْتب هذا التفسيـر في غاية الإيجاز والاختصار لأسباب عديدة.
وقد بقيت الفاتحة والنصف الأول من التفسير على نحو أشد إجمالا واختصارا:
أولاً: لأن ذلك الزمان لم يكن يسمح بالإيضاح، نظراً إلى أن سعيداً القديم كان يعبّر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه.
150
__________________________
ثانياً: كان "سعيد" يضع درجة إفهام طلبته الأذكياء جداً موضع الاعتبار، ولم يكن يفكر في فهم الآخرين.
ثالثاً: لما كان يبيّن أدق وأرفع ما في نظم القرآن من الإيجاز المعجز، جاءت العبارات قصيرة ورفيعة.
بيد أنني أجَلت النظر فيه الآن بعين "سعيد الجديد". فوجدت أن هذا التفسير بما يحتويه من تدقيقات، يعدّ بحق تحفة رائعة من تحف سعيد القديم بالرغم من أخطائه وذنوبه.
ولما كان -أي سعيد القديم- يتوثب لنيل مرتبة الشهادة أثناء الكتابة، فيكتب ما يعنّ له بنية خالصة، ويطبق قوانين البلاغة ودساتير علوم العربية، لم أستطع أن أقدح في أي موضع منه، إذ ربما يجعل الباري عز وجل هذا المؤلَّف كفارة لذنوبه ويبعث رجالاً يستطيعون فهم هذا التفسير حق الفهم.
ولولا موانع الحرب العالمية، فقد كانت النيّـة تتجه إلى أن يكون هذا الجزء وقفاً على توضيح الإعجاز النظمي من وجوه إعجاز القرآن، وأن تكون الأجزاء الباقية كل واحد منها وقفاً على سائر أوجه الإعجاز.
ولو ضمت الأجزاء الباقية حقائقَ التفسير المتفرقة في الرسائل لأصبح تفسيراً بديعاً جامعاً للقرآن المعجز البيان.
ولعل اللّٰه يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا الجزء ومن "الكلمات" و"المكتوبات" الست والستين، بل المائة والثلاثين من أجزاء رسائل النور مصدراً، وتَكتُب في ضوئه تفسيراً من هذا القبيل...
ثم إني بينما كنت منتظراً ومتوجهاً لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك -وقد كان هذا غاية خيالي من زمان مديد- إذ سـنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرّب زلزلة عظيمة، فشرعتُ -مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي- في تقييد ما سنح لي من إشارات إعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير، فإن وافقها فبِها ونِعْمَتْ وإلاّ فالعُهدة عليّ.
151
__________________________
فوقعتْ هذه الطامة الكبـرى.. ففي أثناء أداء فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصة في خط الحرب قيدتُ ما لاح لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات. فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديـلها؛ إذ ظهرتْ في حالة من خلوص النية لا توجد الآن، فأعرضها لأنظار أهل الكمال لا لأنه تفسير للتنـزيل، بل ليصير -لو ظفر بالقبول- نوعَ مأخذٍ لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي، فإن استحسنوه شجعوني على الدوام. ومن اللّٰه التوفيق».([5])
وقد أعجب بهذا التفسير القائد العام أنور باشا(*) إعجاباً كبيراً إلى درجة أنه هرع إلى اسـتقباله([6]) بكل احترام -وهذا ما لم يفعله مع أحد- وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب، كما ذُكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خير وبكل تقدير...([7])
إنقاذ ما يمكن إنقاذه
وفي خضم تلك المعارك الدامية([8]) استشهد ما يقارب العشرين من طلابه النجباء، أما طالبه الكاتب "ملا حبيب" فبعد أن أدّى واجباً عسكرياً مع "خليل باشا" في جبهة "وان" استشهد في "وسطان".([9])
وكان الفدائيون الأرمن يذبّحون أطفال المسلمين في عدد من المناطق وكان المسلمون يقابلونهم بالمثل في ذبح أطفال الأرمن. ولكن ما إن جُمع ألوف من أطفال الأرمن في المنطقة التي كانت تحت إمرة بديع الزمان حتى أمر الجنود: "لا تتعرضوا لهؤلاء الأطفال بشيء"، ثم أطلق سراحهم جميعاً دون أن يمس أحدهم بسوء، فعادوا إلى عوائلهم التي كانت خلف الخطوط الروسية. هذا السلوك كان درساً قيماً وعبرة للأرمن مما دفعهم إلى الإعجاب بأخلاق المسلمين.
152
__________________________
وعلى إثر هذه الحادثة تخلى فدائيو الأرمن عن عادتهم في ذبح أطفال أهالي القرى التي احتلتها القوات الروسية حيث قالوا: "إن ملا سعيد لم يذبح أطفالنا بل سلّمهم إلينا فنحن كذلك نفعل بأطفال المسلمين مثله". فتعاهدوا على ذلك، أي إن بديــع الزمــان أصبح ســبباً في إنقاذ الآلاف من الأطفال الأبريــاء من كلا الجانبين.
وبعد مدة استولى الروس على مناطق "وان" و"مُوش" وفي أثناء هجومهم بثلاث فرق على "بتليس" قال الوالي "ممدوح بك" والقائد "كَل علي" لبديع الزمان:
نحن مضطرون إلى الانسحاب إذ لا نملك سوى فوج من الجنود وحوالي ألفين من المتطوعين تحت إمرتكم. فقال لهم بديع الزمان:
"بمعنى أن الأهلين الذين التجأوا إلينا من حوالينا وأهالي بتليس نفسها وأموالهم وأطفالهم ستكون تحت سيطرتهم، فنحن إذن مضطرون إلى مقاومتهم والدفاع عن المنطقة حتى الموت".
فقالوا: "إن الجنود يحاولون تحويل ثلاثين مدفعاً من مدافعنا إلى الجبهة الأخرى لـ"موش" بعد سقوطها، فإن استطعت أن تستخلص تلك المدافع بما لديك من المتطوعين، نستطيع نحن عند ذلك من الدفاع لبضعة أيام أخرى لكي ينجو الأهلون".
فقال بديع الزمان: "إما أن أموت أو آتيكم بتلك المدافع". فتسلّم قيادة ثلاثمائة متطوع واتجه ليلاً إلى صوب "نُورْشِين" حيث سحبت المدافع إليها. وأشاع جواسيسه بين الجنود الروس القازاق الذين كانوا يتولون حراسة تلك المدافع أن قائد المتطوعين الذي دافع عن "بتليس" ومعه ثلاثة آلاف من جنوده ومع القائد موسى بك المشهور مع ألف من جنوده سيأتون لتخليص المدافع.. فما إن أُشيع هذا الخبر المبالَغ فيه حتى توقف قائد القازاق من التقدم. فوزّع بديع الزمان جنوده المتطوعين على المدافع وسحبوها إلى "بتليس" حتى إنه خلّص آخر مدفع بنفسه مع اثنين ممن معه.
وهكذا حقق استخلاص ثلاثين مدفعاً من يد العدو وأرسلها إلى بتليس. فتمكن الجنود والمتطوعون من الثبات تجاه العدو بتلك المدافع لبضعة أيام أخرى، حتى نجا الأهلون جميعاً مع أموالهم وذراريهم.
153
__________________________
ومما يروى عن الفدائيين الأرمن أنهم اشتهروا بكتمان السر وعدم إفشائه مهما بلغ بهم التعذيب حتى لو كُبّ أحدهم على الجمر وتفجرت عيونه. ومع هذا كان الروس يقولون: "إن متطوعي بديع الزمان تفوقوا على فدائيي الأرمن في بسالتهم، حتى تمكنوا من سحق القازاق".
كان بديع الزمان دائم الحركة في خط الدفاع الأول، خط النار لبث الروح المعنوية والشجاعة والإقدام للجنود، وما كان يحتمي بالخندق. وعندما كان على صهوة جواده يندفع يميناً وشمالاً في الصف الأمامي في خط النار، إذ بخاطر يخطر على قلبه ويحفر في روحه فيخاطب نفسه:
إذا استشهدتُ الآن احذر أن يكون في موقعك هذا وأنت متقدم الجميع في خط النار شيء من حب الظهور الذي يثلم الإخلاص، الذي هو أحد أسس مرتبة الشهادة.. وعقب هذا الخاطر عاد إلى الخندق مباشرة ولم يعقب وانضم إلى أخلاّئه.
وبعد نجاة الوالي والقائد گل علي والأهلين بانسحابهم ليلاً مع المتطوعين والجنود، ظل بديع الزمان مع عدد من المتطوعين في "بتليس" لإنقاذ الذين عجزوا عن الهجرة. وما إن تبدد الظلام حتى رأوا أنفسهم تجاه فوج من جنود العدو فاستشهد كثيرون ممن معه، ومنهم ابن أخته "عُبيد" ولم ينج إلاّ هو وأربعة من طلابه باختراقهم صفوف العدو بشكل خارق.
فخاطب من معه مسلياً لهم: لا نستعمل سلاحنا إلاّ عندما يجابهنا العدو بعدد غفير، فلا نبيع أنفسنا رخيصة. ولا نطلق ما لدينا من طلقات على واحد أو اثنين من العدو.([10])
الأسر
«لقد أحاطتني أوضاع مخيفة جداً في تلك الحرب العالمية، حتى تمزقت المسودة الأولى لإشارات الإعجاز بيد العدو حيث أصابتني أربع قذائف دفعة واحدة، وجُرحت في إحداها، وانكسرت ساقي، فبقيت في الماء والطين أربعاً وثلاثين ساعة منتظراً الموت، ومحاصراً من قبل العدو. فهذا الوقت يعدّ أحلك أوقاتي اليائسة وأشدها رهبة».([11])
وإنها لعناية إلهية أن الجنود الروس لم يعثروا عليهم رغم البحث المستديم ورغم أنهم كانوا في وضع يرون الروس.
154
__________________________
فقال لطلابه الفدائيين: أصدقائي.. لا تقفوا في مواضعكم هكذا، اتركوني وشأني. فإني لا أسامحكم، اسعوا لإنقاذ أنفسكم.
فأجابوه: لا نتركك قطعاً وأنت في هذا الوضع. فلنستشهد ونحن في خدمتكم.
وهكذا ظلوا مع أستاذهم حتى أسَرَهُم الروس.([12])
ثم سيقوا إلى وان، جلفا، تفليس، كيلو غريف، قوصتورما. وظل في الأسر سنتين ونصف السنة تقريباً حتى تمكن من الفرار وعاد إلى إسطنبول سنة 1336هـ.([13])
[يسجل عبدالمجيد تاريخ الأسر لدى استنساخه "إشارات الإعجاز" وانسكاب الحبر بالآتي:]
هذا النقش الغريب في هذا المبحث العجيب وقع توافقاً حينما نسخته في دياربكر بدار جودت بك في تسعة عشر من شباط عصر ليلة الجمعة صادف سـقوط بتليس وأسارة المؤلف "بديع الزمان" تلك الليلة([14]) فكأن حصول هذا النقش على هذه الصحيفة في تلك الليلة إشارة -واللّٰه أعلم- إلى إراقة دماء مَن في معية المؤلف من الطلبة وأسْرِه في تلك الليلة في بتليس. اهـ..([15])
ذكريات من أيام الأسر
«عندما كنت أسيراً في روسيا، كانت الشمس لا تغرب أسبوعاً في مكان قريب منا، حتى كان الناس يخرجون لمشاهدة المنظر الغريب للغروب.([16])
155
__________________________
وقد كنا في قوصتورما، في روسيا، مع تسعين من ضباطنا الأسرى في ردهة واحدة، وكنت أُلقي عليهم أحياناً الدرس. وذات يوم حضـر القائد الروسي وشاهد الموقف وقال: إن هذا الكردي قائد المتطوعين قد ذبح كثيراً من جنودنا، ويأتي الآن ويلقى دروساً سياسية هنا، لا يمكن هذا، أمنعه قطعاً.
ولكن بعد يومين قال: يبدو أن دروسكم غير سياسية، بل دينية وأخلاقية. استمر عليها فسمح بإلقاء الدرس.([17])
وعلى الرغم من أن الروس كانوا ينظرون إليّ بصفة قائد للمتطوعين الأكراد والظالم الذي يذبح الأسرى والقازاق، إلاّ أنهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس، فكنت أُلقيها على معظم زملائي الأسرى من الضباط البالغ عددهم تسعيـن ضابطاً، حتى إن القائد الروسي استمع مرة إلى الدرس، فحسبه درساً سياسياً، لجهله باللغة التركيـة، ومنعني مرة واحدة فقط ولكنه سمح لي بعد ذلك. ثم إننا جعلنا غرفة في الثكنة التي كنا فيها مسجداً لأداء الصلاة جماعةً، وكنت أؤم الجماعة، ولم يتدخلوا في ذلك قط، ولم يمنعونا من الاختلاط والاتصال بعضنا مع البعض ولم يقطعوا عنا المراسلات.([18])
ولما كنت مع تسعين من ضباطنا -في الحرب العالمية السابقة- أسرى معتقلين في ردهة طويلة، في شمالي روسيا، كنت لا أسمح بالضوضاء والصخب بإسداء النصح لهم، إذ كانوا يحترمونني بما يفوق قدري بكثير، ولكن على حين غرة أثار الغضبُ الناشئ من توتر الأعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشاتٍ حادة. فقلت لبضعٍ منهم: "اذهبوا إلى حيث الضجيج والصياح، وساندوا المبطل دون المحق". وقد قاموا بدورهم. فانقطع دابر المناقشات الضارة.
ثم سألوني: "لِمَ قمت بهذا العمل الباطل؟".
قلت لهم: "إن المحقّ يكون منصفاً ويضحي بحقه الجزئي في سبيل راحة الآخرين ومصلحتهم التي هي كثيرة وكبيرة. أما المبطل فهو على الأغلب مغرور وأناني لا يضحي بشيء، فيزداد الصخب!"».([19])
156
__________________________
سجية تحير العقول ([20])
[يروي أحد الشهود هذه الحادثة قائلاً:]
عندما جُرحت وأُسـرتُ في موضع "بتليس" في الحرب العالمية الأولى، وقع بديع الزمان أيضاً في اليوم نفسه أسيراً. فأُرسل إلى أكبر معسكر للأسرى في سيبريا، وأُرسلتُ إلى جزيرة "نانكون" التابعة لـ"باكو".
ففي يوم من الأيام عندما يزور نيقولاي نيقولافيج المعسكر المذكور للتفتيش -يقوم له الأسرى احتراماً- وعندما يمر من أمام بديع الزمان لا يحرك ساكناً ولا يهتم به، مما يلفت نظر القائد العام، فيرجع ويمر من أمامه بحجة أخرى، فلا يكترث به أيضاً. وفي المرة الثالثة يقف أمامه، وتجري بينهما المحاورة الآتية بوساطة مترجم:
- أمَا عرفني؟
- نعم أعرفه إنه نيقولاي نيقولافيج، خال القيصر والقائد العام لجبهة القفقاس.
- فلمَ إذَن قَصَد الإهانة؟
- كلا! معذرة. إنني لم أستهن به، وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.
- وبماذا تأمره عقيدته؟
- إنني عالم مسلم أحمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قد قمت له احتراماً لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي. ولهذا لم أقم له.
- إذن فهو بإطلاقه صفة عدم الإيمان عليّ يكون قد أهانني وأهان جيشي وأهان أمتي والقيصر فلتشكّل حالاً محكمة عسكرية للنظر في استجوابه.
وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلب العفو منه، إلاّ أنه أجابـهم بالآتي: "إنني راغب في الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسـول الكريم r، فأنا بحاجة إلى جواز سفر فحسب للآخرة، ولا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني..."
157
__________________________
وتجاه هذا الكلام يُؤْثِر الجميع الصمت منتظرين النتيجة.
وتنهي المحكمة أعمالها بإصدار قرار الإعدام بموجب مادة إهانة القيصر والجيش الروسي. وتحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام. ويقوم بديع الزمان إلى الضابط الروسي قائلاً له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأؤدي واجبي.
فيقوم إلى الوضوء.. وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولاي نيقولافيج ويخاطبه: "أرجو منك المعذرة؛ كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاتخذت الإجراءات القانونية بحقكم، ولكن الآن أدركت أنكم تستلهمون هذا العمل من إيمانكم، وتنفذون ما تأمركم به عقيدتكم. لذا أبطلت قرار الحكم بحقكم. إنكم تستحقون كل تقدير وإعجاب لصلاحكم وتقواكم. أرجو المعذرة فقد أزعجتكم. وأكرر رجائي مراراً: أرجو المعذرة".
إن هذه العزة الدينية، وهذه السجية الرفيعة التي هي قدوة حسنة للمسلمين جميعاً أخبرني عنها أحد أصحابه في معسكر الأسر، وهو برتبة نقيب، وكان شاهد عيان للحادثة.
وأنا ما إن عرفت هذا حتى اغرورقت عيناي بالدموع دون اختيار مني...([21])
صحوة روحية ومدد قرآني
«كنت أسيراً أثناء الحرب العالمية الأولى في مدينةٍ قصيةٍ، في شمال شرقي روسيا تدعى "قوصترما". كان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر "فولغا" المشهور.. كنت ضجراً من بين زملائي الضباط الأسرى، فآثرت العزلة، إلاّ أنه لم يكن يسمح لي بالتجوال في الخارج دون إذن ورخصة، ثم سمح لي بأن أظل في ذلك الجامع بضمانة أهل حيّ التتار وكفالتهم، فكنت أنام فيه وحيداً، وقد اقترب الربيع، وكانت الليالي طويلة جداً في تلك البقعة النائية..
كان الأرق يصيبني كثيراً في تلك الليالي الحالكة السواد، المتسربلة بأحزان الغربة القاتـمة، حيث لا يُسمع إلاّ الخرير الحزين لنهر "فولغا"، والأصوات الرقيقة لقطرات الأمطار، ولوعة الفراق في صفيـر الرياح.. كل ذلك أيقظني -مؤقتاً- من نوم الغفلة العميق..
ورغم أنني لم أكن أعدّ نفسي شيخاً بعدُ، ولكن من يرى الحرب العالمية يشيخ،
158
__________________________
حيث يشيب من هول أيامها الولدان، وكأن سراً من أسرار الآية الكريمة ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾(المزمل:17) قد سرى فيها. ومع أنني كنت قريباً من الأربعين إلاّ أنني وجدتُ نفسي كأنني في الثمانين من عمري..
في تلك الليالي المظلمة الطويلة الحزينة، وفي ذلك الجو الغامر بأسى الغربة، ومن واقعي المؤلم الأليم، جثم على صـدري يأس ثقيل نحو حياتي وموطني، فكلما التفتُّ إلى عجزي وانفرادي انقطع رجائي وأملي. وإذ أنا في تلك الحالة جاءني المدد من القرآن الكريم.. فردد لساني: ﴿حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173). وقال قلبي باكياً: "أنا غريب.. أنا وحيد.. أنا ضعيف.. أنا عاجز.. أنشد الأمان.. أطلب العفو.. أخطب العون.. في بابك يا إلهي". أما روحي التي تذكرت أحبابي القدامى في بلدي، وتخيلت موتي في هذه الغربة، فقد تمثلت بأبيات نيازي المصري(*):
مررت بأحزان الدنيا، وأطلقت جناحي
للحرمان
طائراً في شوق، صائحاً في كل لحظة:
صديق!.. صديق..!
على أي حال.. فقد أصبح "عجزي" و"ضعفي" في تلك الليالي المحزنة الطويلة والحالكة بالفرقة والرقة والغربة وسيلتين للتقرب إلى عتبة الرحمة الإلهية، وشفيعين لدى الحضرة الإلهية، حتى إنني لا أزال مندهشاً كيف استطعت الفرار بعد أيام قليلة. وأقطع بصورة غير متوقعة مسافة لا يمكن قطعها مشياً على الأقدام إلاّ في عام كامل، ولم أكن ملمّاً باللغة الروسـية. فلقد تخلصت من الأسر بصورة عجيبة محيّرة، بفضل العناية الإلهية التي أدركتني بناء على عجزي وضعفي، ووصلت إسطنبول ماراً بـ"وارشو" و"فينا". وهكذا نجوت من ذلك الأسر بسهولة تدعو إلى الدهشة، حيث أكملت سياحة الفرار الطويل بسهولة ويسر كبيـرين، بحيث لم يكن لينجزها أشجع الأشخاص وأذكاهم وأمكرهم وممن يلمّون باللغة الروسية».([22])
159
__________________________
ثلاث صفحات فيها
خريطة و صور للأستاذ
162-161-160
__________________________
سنة 1918م/1336هـ
العودة من الأسر
«كان هناك استقبال رائع عند عودتي من الأسر إلى إسطنبول([23]) سواء من قبل الخليفة أو شيخ الإسلام، أو القائد العام، أو من قبل طلبة العلوم الشرعية، وقوبلتُ بتكريم وحفاوة أكثر مما أستحق بكثير...»([24])
في دار الحكمة الإسلامية
وقد رأت حكومة الاتحاد والترقى بالإجماع أنه -يقصد نفسه- أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر.([25]) [إذ يقول]: فلبثت في إسطنبول لخدمة الدّين في "دار الحكمة الإسلامية" حوالي ثلاث سنوات.([26])
[ويصف ابن أخيه عبد الرحمن، حالة عمه بعد عودته من الأسر:]
"بعد ما عاد عمي من الأسر سنة 1334رومي (1918م) عيّن في دار الحكمة الإسلامية دون رضاه،([27]) ولم يشارك في اجتماعاتها، لما كان يحس من حاجة ماسة إلى الراحة بعد أن قاسى ما قاسى في أيام الأسر. فأرسل عدة مرات طلباً يرجو فيه إعفاءه من العضوية، إلاّ أن طلبه رفض. ولهذا باشر بالدوام([28]) وكنت أراقب حالاته، فما كان يأخذ من المرتّب المخصص له سوى ما يقيم أوده، وعندما يُستفسر عن سبب ذلك كان يقول: "أريد أن أعيش كالسواد الأعظم، فهم يتداركون معيشتهم بهذا القدر من المبلغ، ولا أريد أن أتبع الأقلية المسرفة". وبعد أن يضع المبلغ المخصص لحد الضرورة يدفع الباقي إليّ قائلاً: "احفظ هذا". ولكني كنت أصرفه دون علمه مستنداً إلى شفقته الواسعة.
163
__________________________
ولكن قال لي يوماً: "لا يحل لنا هذا المال، لأنه ملك الأمة، فلِم صرفته؟ فقد عزلتك عن صرف المال، ونصبتُ نفسي بدلاً عنك".
مرت الأيام وخطر له أن يطبع ما ألّفه من رسائله الاثنتي عشرة،([29]) فدفع ما ادّخره من مرتّبه إلى مصاريف الطبع ووزع الرسائل مجاناً سوى رسالة أو رسالتين. وعندما سألته: لِمَ لا يبيع مؤلفاته، قال: لا يجوز لي من هذا المرتّب إلاّ حدّ الضرورة. والباقي للأمة، فأنا بدوري أعدت المال إلى أهله".([30])
«وقد صرفت كثيراً من مرتّبي الذي كنت قد قبضته وأنا في دار الحكمة الإسلامية وادخرت قليلاً منه لأداء فريضـة الحج. وقد كفتني تلك النقود القليلة ببركة القناعة والاقتصـاد، فلم يرق مني ماء الوجه. وما زالت بقية من تلك النقود المباركة موجودة.([31])
164
__________________________
حيث ما قبلت مرتّباً إلاّ لمدة سنتين تقريباً عندما كنت عضواً في "دار الحكمة الإسلامية" وهذا أيضاً صرفته لطبع كتبي وتوزيعها مجاناً على الناس، فرددت بضاعتهم إليهم».([32])
ودار الحكمة الإسلامية تابعة للمشيخة الإسلامية العامة للدولة العثمانية، وكانت لا تضم إلاّ كبار العلماء الأفاضل، كمحمد عاكف،(*) وإسماعيل حقي إزميرلي، وحمدي ألماليلي، وأمثالهم.([33])
[ولكن لما سئل في زمن احتلال إسطنبول:]
- لِمَ لم تستطع "دار الحكمة الإسلامية" القيام بواجبها على الوجه الأتم؟
أجاب: إن عدم قيامها بالخدمة -في الوقت الحاضر- أفضل خدمة لها، وعدم نشاطها اعظم نشاط لها، لأن قوة الأجانب الحاكمة حالياً تشد الخناق على كل حركة ونأمة ونشاط ليست في صالحها. ولقد شـاهدنا أن من قاموا بنشاط أكرهوا على الدعاء للكفار ودفعوا إلى إصدار فتوى بجواز قتل المجاهدين، ففي خضم هذه العاصفة الهوجاء لم تُستغل دار الحكمة أداة طيعة، حيث قوة الأجنبي -التي هي المانع القوي لنشاطها- قد مدت الفساد وشجعته بكل قوة.
165
__________________________
والسبب الثاني هو أن أعضاء دار الحكمة غير قادرين على الامتـزاج فيما بينهم، بل حتى على الاختلاط، فلكل منهم مزايا خاصة به، ولم تتولد بينهم روح الجماعة، إذ "أنا" كلٍّ منهم قوي إلى حد لا ينخرق ولا يتمزق كي يتحول إلى "نحن" لذا اضطلعوا في مساعيهم بدستور المشاركة فيما أهملوا دستور التعاون. فالمشاركة في الماديات تعظم النتائج وتجعلها فوق المعتاد، بينما تصغرها بل تجعلها بسـيطة وقبيحة في المعنويات. أما دستور التعاون فهو خلاف هذا تماماً إذ يكون في الماديات وسيلة لنتائج جليلة بالنسبة للشخص، ولنتائج صغيرة جداً بالنسبة للجماعة. بينما في المعنويات تصعد النتائج إلى حيث الأمور الخارقة.
ثم إن انتقاداتهم صارت شديدة عنيفة جداً، لا يقاومها فكر، بل يتشتت أمامها ويضمحل. لأنه أحياناً يضيع الحق لدى التنقيب عن "الأحق" فإن كان الاتفاق في الحق اختلافاً في الأحق يكون الحق أحق من الأحق. ففي أثناء تحرى الأحق هناك تسامح لوجود الباطل. أي يكون الحَسن أحياناً أحسن من الأحسن.([34])
«وقد كانت تيارات بعيدة عن روح الإسلام تحاول التدخل في أمور دار الحكمة الإسلامية ولا سيما الأجنبية منها، فكان بديع الزمان يقف أمام هذه التيارات صلباً كالجبال متصدياً للفتاوى الخاطئة بلا تردد، إذ كان الموت نصب عينيه دائما».([35])
[نورد منها جوابه الآتي للفتاوى الصادرة من المشيخة الإسلامية ضد حركة التحرير في الأناضول:]
"إنها ليست فتوى خالصة، بل فتوى تتضمن القضاء. لأن الذي يميز الفتوى عن القضاء كون موضوعها عاماً وغير معيَّن، فضلاً عن أنها غير ملزمة، بينما القضاء معيَّن مُلزم. فكل من يطّـلع على الفتوى -المذكورة- يجدها معيَّنة، يفهم المراد منها بالضـرورة، وأصبحت ملزمة حيث إن سوق عوام المسلمين ضد الحركة سبب واضح فيها. فمادامت هذه الفتوى تتضمن القضاء، والاستماع إلى كلا الخصمين ضرورة في القضاء، فكان ينبغي أن تُستجوَب حركة التحرير في الأناضول لتبدي ما لديها من مدّعيات ودعاوى،
166
__________________________
وبعد الاستماع إليها من قبل السياسيين والعلماء وتقييمها وفق المصلحة الإسلامية يمكن إصدار الفتوى، إذ حصل انقلاب في بعض الحقائق، حيث استبدلت الأضداد أسماءها ومواقعها، فيطلق العدالة على الظلم، والبغي على الجهاد، والحرية على الأسر".([36])
[واقترح لإصلاح الأوضاع في دار الحكمة الآتي:]
"إن استخدام أي شيء في غير موضعه يكون مآله التعطل، ولا يبين أثره المرجو منه. فدار الحكمة الإسلامية التي أنشئت لغاية عظيمة، إذا خرجت من طورها الحالي أشركت في الشورى مع رؤساء الدوائر الأخرى في المشيخة وعُدّت من أعضائها، واستُدعي لها نحو من عشرين من العلماء الأجلاء الموثقين من أنحاء العالم الإسلامي كافة، عندها يمكن أن يكون هناك أساس لهذه المسألة الجسيمة".([37])
سنة 1919م/1327هـ
معاناته مما لحقت بالأمة الإسلامية
عندما كان يُسأل عمّا يعانيه من آلام نتيجة المصائب والهزائم التي لحقت بالدولة العثمانية كان يجيب:
"إنني أستطيع أن أتحمل كل آلامي الشخصية، ولكن آلام الأمة الإسلامية سـحقتني. إنني أشعر بأن الطعنات التي وجّهت إلى العالم الإسلامي وجهت إلى قلبي أولاً، ولهذا ترونني مسحوق الفؤاد، ولكني أرى نوراً سينسينا هذه الأيام الحالكة بإذن اللّٰه".([38])
حوار في رؤيا
«كنت في أيلول سنة 1919 أتقلب في اضطراب شديد، من جراء اليأس البالغ الذي ولّدته حوادث الدهر. كنت أبحث عن نور بين هذه الظلمات المتكاثفة القاتمة.. لم أستطع أن أجده في يقظة هي رؤياً في منام. بل وجدته في رؤيا صادقة هي يقظةٌ في الحقيقة.
سأسجل هنا تلك النقاط التي استنطقتها وأُجريت على لساني من كلام، دون الخوض في التفاصيل. وهي كالآتي:
167
__________________________
دخلتُ عالم المثال في ليلة من ليالي الجمعة. جاءني أحدهم وقال: يدعوك مجلس موقر مهيب منعقد لبحث مصير العالم الإسلامي، وما آلت إليه حاله.
فذهبت، ورأيت مجلساً منوراً قد حضره السلف الصالحون، وممثلون من العصور، من كل عصر ممثل.. لم أر مثيلهم في الدنيا.. فتهيبت، ووقفت في الباب تأدباً وإجلالاً.
قال أحدهم موجهاً كلامه لي: "يا رجل القدر!.. ويا رجل عصر النكبة والفتنة والهلاك!.. بيّن رأيك في هذا الموضوع. فإن لك فيه رأياً".
قلت وأنا واقف: "سلوني أُجبْ!"
قال أحدهم: "ماذا ترى في عاقبة هذه الهزيمة -التي آلت إليها الدولة العثمانية- وماذا كنتَ تتوقع أن يؤول إليه أمر الدولة العثمانية لو قُدِّر لها الانتصار؟".
قلت: "إن المصيبة ليست شراً محضاً، فقد تنشأ السعادة من النكبة والبلاء، مثلما قد تفضي السعادة إلى بلاء.. فهذه الدولة الإسلامية التي أخذت على عاتقها -سـابقاً- القيام بفريضة الجهاد -فرضاً كفائياً- حفاظاً على العالم الإسلامي وهو كالجسد الواحد، ووضعت نفسها موضع التضحية والفداء لأجله، وحملت راية الخلافة إعلاء لكلمة اللّٰه وذوداً عن استقلال العالم الإسلامي.. ستعوّض عما أصابتها من مصيبة، وستزيلها السعادةُ التي سوف يرفل بها عالم الإسلام، إذ عجّلت هذه المصيبة بعث الأخوّة الإسلامية ونماءها في أرجاء العالم الإسلامي، تلك الأخوة التي هي جوهر حياتنا وروحنا، حتى إننا عندما كنا نتألم كان العالم الإسلامي يبكي، فلو أوغلت أوروبا في إيلامنا لصرخ العالم الإسلامي.
فلو متنا فسوف نموت عشرون مليوناً (من العثمانيين الأتراك) ولكن نُبعث ثلاثمائة (أي ثلاثمائة مليون من المسلمين).
نحن نعيش في عصر الخوارق. فبعد مضي سنتين أو ثلاث على موتنا سنُرى أحياءً يبعثون. لقد فقدنا بهذه الهزيمة سعادة عاجلة زائلة، ولكن تنتظرنا سعادة آجلة دائمة، فالذي يستبدل مستقبلاً زاهراً فسيحاً بحال حاضرٍ جزئي متغير محدود، لا شك أنه رابح..
وإذا بصوت من المجلس: "بيِّنْ! وضّح ما تقول!"
168
__________________________
قلت: "حروب الدول والأمم قد تخلت عن مواضعها لحروب الطبقات البشرية. والإنسان مثلما يرفض أن يكون أسيراً لا يرضى أن يكون أجيراً أيضاً. فلو كنا منتصرين غالبين، لكنا ننجذب إلى ما لدى أعدائنا من الاستعمار والتسلط، وربما كنا نغلو في ذلك. علماً أن ذلك التيار -التيار الاستعماري الاستبدادي- تيار ظالم ومنافٍ لطبيعة العالم الإسلامي، ومباين لمصالح الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضلاً عن أن عمره قصير، ومعرّض للتمزق والتلاشي. ولو كنا متمسكين بذلك التيار لكنا نسوق العالم الإسلامي إلى ما ينافي طبيعته الفطرية. فهذه المدنية الخبيثـة التي لم نرَ منها غير الضرر، وهي المرفوضة في نظر الشريعة، وقد طغت سيئاتُها على حسناتها، تحكم عليها مصلحةُ الإنسان بالنسخ، وتقضي عليها يقظةُ الإنسان وصحوته بالانقراض.
فلو كنا منتصرين لكنا نتعهد حماية هذه المدنية السفيهة المتمردة الغدارة المتوحشة معنىً في أرجاء آسيا".
قال أحدهم من المجلس: "لِمَ ترفض الشريعةُ هذه المدنية؟"([39])
قلت: "لأنها تأسست على خمسة أسس سلبية؛ فنقطة استنادها هي القوة، وهذه شأنها الاعتداء، وهدفها وقصدها المنفعة، وهذه شأنها التزاحم، ودستورها في الحياة الجدال والصراع، وهذا شأنه التنازع، والرابطة التي تربط المجموعات البشـرية هي العنصرية والقومية السلبية التي تنمو على حساب الآخرين. وهذه شأنها التصادم، كما نراه، وخدمتها للبشرية خدمة فاتنة جذابة هي تشجيع هوى المنفعة، وإثارة النفس الأمارة، وتطميـن رغباتها وتسهيل مطاليبها. وهذا الهوى شأنه إسقاط الإنسان من درجة الملائكية إلى درك الحيوانية الكلبية. وبهذا يكون سبباً لمسخ الإنسان معنوياً.
فمعظم هؤلاء المدنيين لو انقلب باطنهم بظاهرهم لوجد الخيال تجاههم صور الذئاب والدببة والحيات والقردة والخنازير.
169
__________________________
ولأجل هذا فقد دفعت هذه المدنية الحاضرة ثمانين بالمائة من البشرية إلى أحضان الشقاء وأخرجت عشرة بالمائة منها إلى سعادة مموهة زائفة. وظلت العشرة الباقية بين هؤلاء وأولئك، علماً أن السعادة تكون سعادة عندما تصبح عامة للكل أو للأكثرية؛ بيد أن سعادة هذه المدنية هي لأقل القليل من الناس.
لأجل كل هذا لا يرضى القرآن الكريم بمدنية لا تضمن سعادة الجميع أو لا تعم الغالبية العظمى.
ثم إنه بتحكم الهوى الطليق من عقاله، تحولت الحاجات غير الضرورية إلى ما يشبه الضرورية، إذ بينما كان الإنسان محتاجاً إلى أربعة أشياء في حياة البداوة والبساطة إذا به في هذه المدنية يحتاج إلى مائة حاجة، وهكذا أردَته المدنية فقيراً مدقعاً.
ثم، لأن السعي والعمل لا يكفيان لمواجهة المصاريف المتزايدة، انساق الإنسان إلى مزاولة الخداع والحيلة وأكل الحرام. وهكذا فسد أساس الأخلاق.
وبينما تعطي هذه المدنية للجماعة والنوع ثروة وغنى وبهرجة إذا بها تجعل الفرد فقيراً محتاجاً، فاسد الأخلاق.
ولقد قاءت هذه المدنية وحشية فاقت جميع القرون السابقة.
وإنه لجدير بالتأمل، استنكاف العالم الإسلامي من هذه المدنية، وعدم تلهفه لها، وتحرجه من قبولها، لأن الهداية الإلهية التي هي الشريعة تعطي خاصية الاستقلال والاستغناء عن الآخرين، ولا يمكن أن تطعّم هذه الشريعة بالدهاء الروماني ولا أن تمتـزج معها ولا يمكن أن تبلعها أو أن تتبعها. إن دهاء الرومان واليونان -أي حضارتيهما- وهما التوأمان الناشئان من أصل واحد، قد حافظا على استقلالهما وخواصهما رغم مرور العصور وتبدل الأحوال ورغم المحاولات الجادة لمزجهما بالنصرانية أو إدماجها بهما، فلقد ظل كلٌ منهما كالماء والدهن لا يقبلان الامتـزاج، بل إنهما يعيشان الآن بروحهما بأنماط متنوعة وأشكال مختلفة. فلئن كان التوأمان، مع وجود عوامل المزج والدمج والأسباب الداعية له، لم يمتـزجا طوال تلك الفترة، فكيف يمتـزج نور الهداية الذي هو روح الشريعة مع ظلمات تلك المدنية التي أساسها دهاء روما! لا يمكن بحال من الأحوال أن يمتزجا أو يهضما معاً.
170
__________________________
قالوا: فما هي المدنية التي في الشريعة؟
قلت: "أما المدنية التي تأمرنا بها الشريعة الغراء وتتضمنها، فهي التي ستنكشف بانقشـاع هذه المدنية الحاضرة، وتضع أسساً إيجابية بناءة مكان تلك الأسس النخرة الفاسدة السلبية.
نعم، إن نقطة استنادها هي الحق بدلاً من القوة، والحق من شأنه العدالة والتوازن. وهدفها الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنـها المحبة والتجاذب. وجهة الوحدة فيها والرابطة التي تربط بها المجموعات البشريةَ الرابطةُ الدينيةُ والوطنيةُ والمهنية بدلاً من العنصرية، وهذه شأنها الأخوة الخالصة، والسلام والوئام، والذود عن البلاد عند اعتداء الأجانب. ودستورها في الحياة التعاون بدل الصراع والجدال، والتعاونُ من شأنه التساند والاتحاد. وتضع الهدى بدل الهوى ليكون حاكماً على الخدمات التي تقدم للبشر، وشأن الهدى رفع الإنسانية إلى مراقي الكمالات، فهي إذ تحدد الهوى وتحدّ من النـزعات النفسانية تُطمئن الروح وتشوقها إلى المعالي.
بمعنى أننا بانهزامنا في الحرب تبعنا التيار الثاني الذي هو تيار المظلومين وجمهور الناس. فلئن كان المظلومون في غيرنا يشكلون ثمانين بالمائة منهم ففي المسلمين هم تسعون بل خمس وتسعون بالمائة.
إن بقاء العالم الإسلامي مستغنياً عن هذا التيار الثاني، أو معارضاً له، ظل دون مستند أو مرتكز، وهدر جميع مساعيه؛ فبدلاً من الذوبان والتميع تحت استيلاء المنتصـر، كان عليه أن يتصرف تصرف العاقل فيكيّف ذلك التيار إلى طراز إسلامي ويستخدمه. ذلك لأن عدو العدو صديق ما دام عدواً له، وصديق العدو عدو مادام صديقاً له.
إن هذين التيارين، أهدافهما متضادة، ومنافعهما متضادة، فلئن قال أحدهما: مت، لقال الآخر: ابعث. فنفعُ أحدهما يسلتزم ضررنا واختلافنا وتدنينا وضعفنا مثلما تقتضي منفعة الآخر قوتنا واتحادنا بالضرورة.
كانت خصومة الشرق تخنق انبعاث الإسلام وصحوته، وقد زالت وينبغي لها ذلك. أما خصومة الغرب فينبغي أن تدوم لأنها سبب مهم في تنامي الأخوّة الإسلامية ووحدتها".
171
__________________________
وإذا بأمارات التصديق تتعالى من المجلس. فقالوا: "نعم، كونوا على أمل؛ إن أعظم صوت مدوّ في انقلابات المستقبل هــو صوت الإســلام الهادر".
وسأل أحدهم أيضاً: "إن المصيبة نتيجة جناية، ومقدمة ثواب، فما الذي اقترفتم حتى حكم عليكم القدر الإلهي بـهذه المصيبة، إذ المصائب العامة تنـزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟"
قلت: "مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام: الصلاة، الصوم، الزكاة؛ إذ طلب منا الخالق سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم أربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات. أي أرغمنا على نوع من الصلاة.. وإنه سبحانه طلب منا شهراً من السنة نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسـنا فأرغمنا على صوم طوال خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا. وإنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشـراً أو واحداً من أربعين جزءاً من ماله الذي أنعم به علينا، فبخلنا وظلمنا. فأرغمنا على دفع زكاة متراكمة. فـ"الجزاء من جنس العمل".
أما ثوابنا العاجل، فرفعُه سبحانه وتعالى خُمس هذه الأمة المذنبة -أي أربعة ملايين منهم- إلى مرتبة الولاية ومنحهم درجة الشهادة والمجاهدين. فالمصيبة العامة الناشئة من خطأ العامة أزالت ذنوب الماضي".
فقال أحدهم أيضاً: "إن كان آمراً بخطأٍ ألقى الأمة إلى الهلاك؟"
قلت: "إن المصـاب يرجو الثواب؛ فإما أن تُعطى له حسنات الأمر الذي ارتكب الخطأ، وهي لا تعدّ شيئاً. أو تعطيه خزينة الغيب. وثوابه في مثل هذه الأمور من خزينة الغيب هي درجة الشهادة والمجاهدين".
رأيت أن المجلس قد استحسن هذا الكلام. وانتبهت من النوم من شدة انفعالي. ووجدت نفسي في الفراش مشبّكاً يديّ، يتصبب مني العرق.
وهكذا مضت تلك الليلة...
سكت في الحج في أثناء سرده الرؤيا، لأن إهمال الحج وإهمال ما ينطوي عليه من حكم لا يُنـزل المصيبة وحدها بل يُنـزل غضب اللّٰه وقهر الجبار. وجزاؤه ليس كفارة الذنوب بل كثّارتها.
172
__________________________
نعم، إن إهمال السياسة الإسلامية الرفيعة في الحج والمتضمنة توحيد الأفكار بالتعارف وتشريك المساعي بالتعاون هو الذي أدّى إلى تـهيئة الوسط الملائم للأعداء ليستخدموا ملايين المسلمين في العداء للإسلام.
فها هو الهندي جالس يبكي على رأس أبيه الذي قتله، ظناً منه أنه عدوّه.
وها هما التتار والقفقاس واقفان عند قدمي جثة ساعدا على قتلها.. وبعد فوات الأوان يدركان أنها والداهما.
وها هم العرب قتلوا شقيقهم البطل خطأً، ومن حيرتـهم لا يعرفون كيف يبكون وينتحبون.
وهاهي إفريقيا قتلت أخاها دون علم به، والآن تصرخ وتولول.
وها هو العالم الإسلامي ساعد على قتل ولده المقدام غافلاً دون علم به، فهو يلطم وينفّش شعره كالوالدة الحنون.
فالملايين من المسلمين دُفعوا إلى سياحات طويلة في العالم، تحت لواء العدو الذي هو الشر المحض، بدلاً من شدّ الرحال إلى الحج وهو الخير المحض.
فاعتبِروا! كما أن الضرورات تبيح المحظورات، كذلك تسهّل المشكلات.
إن الدجاجة التي يضرب بها المثل في الخوف والجبن تهاجم الجاموس الضخم حفاظاً على فراخها.. فها هي الجسارة الفائقة.
وخوف العنـز من الذئب يضرب به المثل، إلاّ أن خوفه ينقلب إلى دفاع ومقاومة في حالة الاضطرار حتى يقارع الذئب.. فها هي الشجاعة الخارقة.
نعم، إن الميل الفطري لا يُقاوَم؛ فغرفة من ماء لو وضعت في كرة من حديد لفتّت الماءُ الحديدَ كلما تعرض للبرودة في الشتاء، وذلك لميله إلى الانبساط والتمدد.
173
__________________________
فجسارة الدجاجة الرؤوم على فراخها.. وشجاعة الاضطرار لدى العنـز العزيزة النفس يمثلان هيجاناً فطرياً.. فمثل هذا الهيجان الفطري لو تعرض له ظلم الكافر البارد، لفتّـت كل شيء أمامه كالماء في كرة الحديد. (والقرويون الروس أمثلة شهود على هذا).
ومع هذا فإن الشهامة الخارقة التي تنطوي عليها ماهية الإيمان. والشجاعة التي تتحدى العالم الكامنة في طبيعة العزة الإسلامية يمكن أن تُظهر المعجزات في كل وقت وآن بانبساط الأخوّة الإسلامية وتوسعها.
ستشرق شمس الحقيقة يوماً
أ فيظل العالم في ظلام إلى الأبد؟".([40])
سنة 1920م/1338هـ
نشر الخطوات الست لمقاومة الإنكليز
عندما بدأ القائد العام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول([41]) ببذر بذور الخلاف بين المسلمين حتى خدع شيخ الإسلام وبعض العلماء الآخرين وجعل أحدهم يهاجم الآخر، ووسع الخلاف بين جماعة الاتحاديين([42]) وجماعة "الائتلاف" لكي يهيئ الجو لانتصار اليونانيين واندحار الحركة الملية الوطنية. قمت آنذاك بتأليف كتـابي "الخطوات الست" ضد الإنكليز وضد اليونانيين، وقام السيد "أشرف أديب"([43]) بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد.([44])
174
__________________________
وما إن دخل القائد الإنكليزي إسطنبول حتى سُلّمت له رسالة "الخطوات الست" التي تـهاجمهم بعنف وتفنّد أباطيلهم وتشد من عزائم المسلمين.. وعُرض عليه نشاط "بديع الزمان" الدائب في فضح سياسة المحتلين وتأليب الناس عليهم.
قرر القائد الإنكليزي إعدام الأستاذ النورسي، ولكن عندما أُعلم أن هذا القرار سيثير غضب الأمة كلها ويزيد سخطها، وسيدفعهم إلى القيام بأعمال عدائية مهما كلّفهم ذلك، تخلّى عن قرار الإعدام، إلاّ أن سلطات الاحتلال لم تفتر عن ملاحقة الأستاذ.
ولما سمع قواد حركة التحرير في الأناضول بتأثير هذه الرسالة في أوساط العامة والخاصة، وعن أعمال "بديع الزمان" ضد المحتلين في إسطنبول دَعَوه إلى "أنقرة" مرتين تقديراً لأعماله البطولية وخدماته الجليلة نحو الأمة والبلاد، إلاّ أن الأستاذ النورسي آثر البقاء في إسطنبول يجابه الأعداء مباشرة ورفض الدعوة قائلاً:
"إنني أريد أن أجاهد في أكثر الأماكن خطراً، وليس من وراء الخنادق، وأرى أن مكاني هنا أخطر من الأناضول".([45])
سنة 1921م/1339هـ
جواب للكنيسة الإنكليكية
"وحينما احتل الإنكليز إسطنبول، ودمرّوا المدافع في المضيق في إسطنبول سأل في تلك الأيام رئيس أساقفة الكنيسة الإنكليكية من المشيخة الإسلامية([46]) ستة أسئلة، وكنت حينئذٍ عضواً في دار الحكمة الإسلامية فقالوا لي:
أجب عن أسئلتهم بستمائة كلمة كما يريدون.
قلت: إن جواب هذه الأسئلة ليس ستمائة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة، بل بصقة واحدة.
لأنه عندما داست تلك الدولة بأقدامها مضايقنا وأخذت بخناقنا كما ترون، ينبغي البصاق في وجه رئيس أساقفتهم إزاء أسئلته التي سألها بكل غرور.
175
__________________________
ولهذا قلت: ابصقوا في وجوه الظلَمة التافهة.([47])
وقد سأل ذات يوم قسيسٌ حاقد، السياسي الماكر، العدوّ الألدّ للإسلام، عن أربعة أمور طالباً الإجابة عنها في ستمائة كلمة. سألها بغية إثارة الشبهات، مستنكراً ومتعالياً، وبشماتة متناهية، وفي وقت عصيب حيث كانت دولته تشد على مضايقنا الخناق.
فينبغي الإجابة بـ"تباً لك!" تجاه شماتته، وبالسكوت عليه بسخط تجاه مكره ودسيسته، فضلاً عن جواب مسكت ينـزل به كالمطرقة تجاه إنكاره. فأنا لا أضعه موضع خطابي، بل أجوبتنا لمن يلقي السمع وينشد الحق وهي الآتية:
فلقد قال في السؤال الأول: ما دين محمد r؟
قلت: إنه القرآن الكريم. أساس قصده ترسيخ أركان الإيمان الستة وتعميق أركان الإسلام الخمسة.
ويقول في الثاني: ماذا قدّم للفكر وللحياة؟
قلت: التوحد للفكر، والاستقامة للحياة. وشاهدي في هذا قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ﴾ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾(هود:112).
ويقول في الثالث: كيف يعالج الصراعات الحاضرة؟.
أقول: بتحريم الربا وفرض الزكـاة. وشاهـدي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(البقرة:275) ﴿يَمْحَقُ اللّٰهُ الْرِّبَا﴾(البقرة:276) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾(النور:76).
ويقول في الرابع: كيف ينظر إلى الاضطرابات البشرية؟
أقول: السعي هو الأساس، وألاّ تتكدس ثروة الإنسان بيد الظالمين، ولا يكنـزوها. وشاهدي قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَـعَى﴾(النجم:39) ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(التوبة:34)".([48])
176
__________________________
--------------------------------
[1]() دخل الأستاذ واعظاً في الجيش العثماني سنة 1914م، وفي سنة 1915م شكّل فرق المتطوعين "الأنصار" وقادهم في جبهة القفقاس.
[2]() احتل الروس شرقي الأناضول في 31/10/1914وتم دفعهم في 15/1/1915 بعد أن اٌستشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لاحتلال المنطقة مرة أخرى في13/1/1916 بثلاثة أضعاف القوات العثمانية ودخلوا أرضروم في 16/2/1916.
[3]() الملاحق، ملحق أميرداغ 2.
[4]() T. Hayat, ilk hayatı
[5]() إشارات الإعجاز، المقدمة.
[6]() أي استقبال الأستاذ عند عودته من الأسر.
[7]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[8]() أي ليلة سقوط مدينة بتليس.
[9]() قبل سقوط بتليس بشهر.
[10]() T. Hayat, ilk hayatı
[11]() (ب) 305 عن اللمعات - عثمانية 870.
[12]() T. Hayat, ilk hayatı. بعد أن انكسرت ساق الأستاذ اجتمعنا حوله حالاً وأخذناه إلى جدول ماء مسقف. ووضعنا عدداً من بنادقنا في جدول الماء ومددنا ساقه عليها، حتى أخذ قسطاً من الراحة. ثم توجه إلينا قائلاً: إخوتي لقد حكم عليّ القدر بالأسر، انظروا إلى أمر نجاة أنفسكم. فما إن قال هذا حتى أجهشنا بالبكاء، وقلنا: إلى أين نذهب أيها الأستاذ، فهل يمكن أن نتركك وأنت على وضعك هذا، ألم يبق لنا شرف وغيرة، فلئن متنا أو بقينا أحياء فليكن ذلك في خدمتك.
وهكذا مضت علينا أربع وثلاثون ساعة من الوقت ونحن في ذلك الموضع، والبردُ الشديد يهلكنا فالثلوج تغطى كل مكان والجوع يفتك بنا -منذ ثلاثة أيام- فضلاً عن الأرق الشديد، والخوف يلفنا من كل جانب...
وأخيراً قررنا أن يذهب أحدنا -وهو عبدالوهاب الذي يعرف شيئاً من الروسية- لإبلاغ الروس عن موضعنا... وفعلاً تم ذلك فأخذ الروس الأستاذ ممتداً في سدية على أكتافهم ونحن حوله (ب) 1/320 عن خاطرة علي جاويش باختصار.
[13]() T. Hayat, ilk hayatı.
[14]() سنة 1331 بالتاريخ الرومي، أما بالتاريخ الميلادي فيوافق 2/3/1916.
[15]() إشارات الإعجاز.
[16]() الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الثاني.
[17]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[18]() المكتوبات، المكتوب السادس عشر.
[19]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.
[20]() هذا المقال نشـر في مجلة "أهل السنة" الصادرة بإسطنبول في15/10/1948 بقلم صاحبها المحامي عبد الرحيم زابصو.
[21]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[22]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء التاسع.
[23]() في 19 من شهر رمضان المبارك 1336هـ الموافق 8/7/1918م.
[24]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الثامن.
[25]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[26]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الثالث عشر. وقد تأسست دار الحكمة الإسلامية في 25/8/1918 ودامت حتى سنة 1922.
[27]() وقد عيّن بتوصية من وزارة الحربية في 26/8/1918 أي في نهاية الشهر الثاني من عودته من الأسر وبراتب شهري قدره خـمسون ليرة ذهبية، ثم بطلب من وزير الحربية "أنور باشا" أيضاً عرض شيخ الإسلام "موسى كاظم" على السلطان "وحيدالدين خان" منح بديع الزمان مرتبة علمية عالية، وفعلاً تم تصديق السلطان عليه في 9/9/1918.
[28]() كان ذلك في 6/1919 أي إن مجموع عمله الفعلي عبارة عن عشرة أشهر إلا أربعة أيام حيث تخللته إجازات مرضية.
[29]() والرسائل هي الآتية:
1- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز (ط. 1918) باللغة العربية.
2- نقطة من نور معرفة اللّٰه جل جلاله (ط. 1919) باللغة التركية.
3- سنوحات (ط. 1920) باللغة التركية.
4- حقيقت جكردكلري / 1 (ط. 1920) باللغة التركية.
5- طلوعات (ط. 1921) باللغة التركية.
6- شعاعات من معرفة النبي r (ط. 1921) باللغة التركية.
7- قزل إيجاز على السلم (ط. 1921) باللغة العربية.
8- رموز (ط. 1921) باللغة التركية.
9- إشارات (ط. 1921) باللغة التركية.
10- لمعات (ط. 1921) باللغة التركية.
11-خطوات ستة (بدون تاريخ) باللغة العربية والتركية.
12- حقيقت جكردكلري / 2 (ط. 1921) باللغة التركية (ذيل تاريخجهء حياة لعبد الرحمن).
وطبع أيضاً في هذه الفترة: محاكمات (ط. 1911) باللغة التركية. وقد طبع من قبل كلاً من:
1- رجتة العوام ورجتة العلماء (صيقل الإسلام) (ط. 1912) باللغة العربية.
2- الخطبة الشامية -دواء اليأس- (ط. 1911و 1912) باللغة العربية.
3- مناظرات (ط. 1911) باللغة التركية.
4- تشخيص العلة (ط. 1912) باللغة التركية.
5- نطق (ط. 1912) باللغة التركية.
6- ديوان حرب عرفي (ط. 1911 و1912) باللغة التركية.
[30]() T. Hayat, ilk hayatı.
[31]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر. وقد فضُل منه 90 ليرة ذهبية دفعها إلى ناشري رسائل النور في سنة 1946مشاركاً في مصاريف الورق والطبع بالرونيو. (ب) 1/511.
[32]() الملاحق، ملحق أميرداغ 1؛ المكتوبات، المكتوب السادس عشر.
يقول ابن أخيه "عبد الرحمن" في رسالة بعث بها إلى عَمه عبدالمجيد:
"إنني محتار من أحوال عمّي (سعيد) فقد أطفأ عندي جميع الآمال الدنيوية، فالحكومة تعطيه مرتّباً جيداً، وأنا أقوم بادّخار ما يفضل عن مصاريفنا، وقد ألف كتباً عدة واستدعاني مرة قائلاً: اذهب واستدع مدير المطبعة الفُلانية. ذَهبت، وعندما قدّم مؤلفاته إلى المدير قال لي: يا عبدالرحمن! هات ما ادخرته من نقود، وادفعها للسيد المدير فنفذت له ما أراد، وعندما ذهب المدير امتلأت عيناي بالدموع، ولكنّي بدأت أعزي نفسي قائلاً:
هذه الكتب ستطبع وستباع، وإن النقود سترجع وسأدخرها. ولكن بعد عدة أيام أرسلني مرة أخرى لاستدعاء المدير، وفي هذه المرة قال للمدير: أرجو أن تكتب على كتبي بأنها توزع مجاناً على الأمة الإسلامية".
عندما خرج المدير شعرتُ بأن الرابطة الروحية التي كنت أحسها تجاه عمي الكبير قد تزحزحت، ولم أستطع أن أتمالك نفسي عن البكاء. فقلت له: يا عمي! كنتُ أدّخر بعض النقود لكي أقوم بتعمير بيتنا الذي خربته الحرب، والآن فقد قتلت ذلك الأمل.. أيجوز ذلك؟ وابتسم عمي قائلاً لي: "يا ابني.. يا عبد الرحمن! إن الحكومة كانت تعطينا مرتّباً كبيراً وليس لي أن آخذ منه الاّ كفاف النفس، أما ما زاد عن ذلك، فيجب إعادته إلى بيت المال، لذا فإنني قمت بإعادته إلى المسلمين، ولا أعتقد بأنك ستفهم هذا، ولكن اعلم بأن اللّٰه إن شاء فسيعطيك بيتاً في أي مكان كان من هذا الوطن".(ش) 185-187عن مجلة أهل السنة 2/41 في 1/11/1948.
[33]() T.Hayat, ilk hayatı. يروي المؤرخ "إسماعيل حقي" أنه استفسر من أستاذه شيخ الإسلام مصطفى صبري عن سبب ضم النورسي إلى دار الحكمة، أجابه: لأنه ضليع بعلم الحديث النبوي، وأبدى آخرون السبب نفسه " Aydınlar Konuşuyor " ص 303 لنجم الدين شاهين أر.
[34]() طلوعات (عثمانية).
[35]() T. Hayat, ilk hayatı. حيث أصدر شيخ الإسلام عبد اللّٰه درّي زادة ما يقارب خمس فتاوى ضد الحركة في 11/4/1920م، (ش) 250.
[36]() (ب) 392 عن آثار بديعية، طلوعات ص 105.
[37]() صيقل الإسلام، السانحات.
[38]() T. Hayat, ilk hayatı.
[39]() المقصود محاسن المدنية التي أسدتها إلى البشرية، وليست سيئاتها وآثامها التي يلهث وراءها الحمقى ظناً منهم أن تلك السيئات حسنات حتى أوردونا الهلاك، ولقد تلقت البشرية صفعتين مريعتين وهما الحربان العالميتان من جراء ما طفحت به كفة سيئات المدنية على حسناتها وتغلبت آثامها على محاسنها حتى أبادتا تلك المدنية الآثمة فقاءت دماً لطخت به وجه الكرة الأرضية كله. نسأل اللّٰه أن تغلب بقوة الإسلام في المستقبل محاسن المدنية لتطهّر وجه الأرض من لوثاتها وتضمن السلام العام للبشرية قاطبة. (المؤلف)
[40]() صيقل الإسلام، السانحات.
[41]() ففي 13/11/1919 دخلت خمس وخمسون سفينة حربية من أساطيل دول الحلفاء إلى إسطنبول حسب هدنة "موندروس" التي عقدت في 30/10/1918.. اثنتان وعشرون منها لإنكلترة.. واثنتا عشرة منها لفرنسا.. وسبع عشرة منها لإيطاليا.. وأربع منها لليونان.. ووجهت مدافعها نحو قصر الخليفة الذي أصبح في حكم الأسير في قصر "دولمه باغجه". واحتل الإنكليز إسطنبول في 18/3/1920.
[42]() جماعة الاتحاديين: هم جماعة الاتحاد والترقي الذين هرب قادتهم إلى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أمام قوات الحلفاء. أما جماعة "الائتلاف" فهم يمثلون تياراً سياسياً ظهر بعيد انتهاء الحرب وكانوا يؤيدون الإنكليز ويخاصمون الاتحاديين..
[43]() وهو من المجاهدين المسلمين آنذاك، ورأس تحرير مجلة "سبيل الرشاد" الإسلامية..
[44]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر. كانت هناك حكومتان: حكومة الخلافة في إسطنبول واقعة تحت احتلال دول الحلفاء ولاسيما إنكلترة وحكومة وطنية في أنقرة وعلى رأسها مصطفى كمال.
[45]() T. Hayat, ilk hayatı.
[46]() وجهت هذه الرسالة بتوقيع رئيس الأساقفة "آرثر بوت وود" (Boutwood Arther) إلى المشيخة الإسلامية في 21/12/1918 فأرسلها شيخ الإسلام حيدري زادة إبراهيم أفندي إلى دار الحكمة الإسلامية. وقد أجاب عنها فضلاً عن الأستاذ النورسي وبإجابات مطولة وافية كل من المفسر إسماعيل حقي الإزميرلي والشيخ عبد العزيز جاويش.
[47]() المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، القسم السادس.
[48]() الكلمات، اللوامع؛ الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
