الفصل الخامس

في سجن أسكي شهر

(المدرسة اليوسفية الأولى)

 

25/4/1935 - 27/3/1936

 

إن أعداء الإسلام الذين يتربصون الدوائر بكل حركة تمدّ الإيمان وتخدم القرآن ما إن شعروا أن رسائل النور تنتشر والإيمان يترسخ في قلوب الناس، حتى دبّروا مكيدة لإلقاء القبض على الأستاذ النورسي وطلاب النور واتهامهم بتشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم ومما يهدم أسسه.. وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أُخذ الأستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الأيدي إلى "أسكي شهر" لمحاكمتهم.. كان رئيس المفرزة السيد "روحي" مشفقاً على الأستاذ فأمر بفك أغلاله. حتى إنه أصبح صَديقاً له ولطلاب النور بعد ما أدرك الحقيقة.

 وقد أتى وزير الداخلية بنفسه ورئيس الجندرمة في 27/4/1935 مع ثلة من مفارز عسكرية مسلحة إلى "إسبارطة"،([1]) وأقاموا على طريق "إسبارطة-أفيون" قوة عسكرية من الجنود الفرسان ووضعوا ولاية "إسبارطة" وما حولها تحت السيطرة العسكرية.

 ومن جهة أخرى بدأ رئيس الحكومة آنذاك "عصمت إينونو" بزيارة تفقدية في مناطق شرقي الأناضول خشية قيام ثورة فيها لاعتقال الأستاذ النورسي. حيث أشاع أعداء الدين المتسترون أن بديع الزمان وطلابه سيُعدَمون، بغية إلقاء الرعب والخوف في قلوب الناس. علماً أن بديع الزمان لم يتحرك حركة منافية للنظام والأمن طوال حياته بل كان رائده دوماً الحركة الإيجابية البناءة قائلاً: لا يجوز الإضرار بمئات من الناس بجريرة أفراد قلائل. ولهذا لم تحدث حادثة ولو واحدة رغم جميع المظالم التي نزلت به وبطلابه.

 

295
__________________________

 

بل كان يحث دوماً طلابه على الصبر والثبات والاستمرار في العمل للإيمان وعدم القيام بأي عمل تخريبي، إذ إن مثل تلك الأعمال التخريبية لا يفيد منها سوى اللادينيين.

وهكذا اقتيد الأستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم. لكن الأستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الإرشاد والتوجيه، فتحوّل كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى.

وعلى الرغم من جمع رسائل النور من بيوت الطلاب وإجراء التحريات الدقيقة فإن المحكمة لم تعثر على مادة للاتهام، ولكن مع هذا حكمت بمقتضى قناعة الحاكم الشخصية([2]) على الأستاذ النورسي بالسجن أحد عشر شهراً، وعلى خمسة عشر من طلاب النور بستة شهور وأُطلق سراح البقية وهم مائة وخمسة طلاب. علماً أن الاتهامات لو كانت حقيقية لكانت عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة في الأقل. ولأجل هذا فقد اعترض الأستاذ النورسي على قرار المحكمة الجائر الاعتباطي موضحاً أن هذه العقوبة إنما تنـزل على سارق بغل أو مختطف بنت، فطالب المحكمة بالبراءة أو الإعدام أو مائة سنة من السجن.([3])

 

دفاع الأستاذ النورسي

في محكمة "أسكي شهر" ([4])

جوابي في المحكمة

بدهي أن لا يَعلم ولا يَقدر على رعاية الأصول الرسمية والقوانين من انزوى في الحياة مدة ثلاث عشرة سنة. لذا أرجو أن تستمعوا إلى إفادتي هذه بدلاً عن تلك الأسئلة والأجوبة الرسمية، فإني قد استُجوبت ثلاث مرات في إسبارطة رسمياً، ولن تترككم إفادتي الطويلة الجديدة هذه حيارى، بل تنير درب تحقيقاتكم بشأني وتجعلها صائبة حقاً، وتنجيكم من التحقيق والتفتيش عما في الكتب الثلاثين التي هي بين أيديكم الآن.

296
__________________________

 

إن هذه هي الحقيقة نفسها، المعروضة على هيئة حكام المحكمة ووزير الداخلية ورئاسة مجلس المبعوثان (البرلمان)، وهي "طلب استدعاء" و"عرض حال" يتعلق بالحياة الأبدية لكثير من الناس.

أيتها الهيئة الحاكمة المحترمة! لقد اتهموني ببضع مواد فأوقَفوني:

المادة الأولى: وقوع إخبار بوجود النية بالسعي للإخلال بالأمن العام عن طريق استغلال الدين بقصد إرجاع الشريعة (الرجعية).

الجواب:

 أولا: الإمكان شيء والوقوع شيء آخر؛ فمن الممكن أن يقتل أي إنسان أناساً كثيرين. فهل يحاكَم أحد بتهمة "إمكان القتل"؟ ومن الممكن أن يحرق عود الكبريت بيتاً كاملاً. فهل يمحى وجود الكبريت بناء على هذا الممكن؟

ثانياً: حاش للّٰه ألف مرة! إن العلوم الإيمانية التي هي شغلنا الشاغل تأبى أن تُستغل لشيء سوى رضا اللّٰه. نعم، لن يكون الإيمان الذي هو المفتاح النوراني والقدسي للحياة الأبدية وشمس الحياة الأخروية، آلة بيد الحياة الاجتماعية السياسية الدنيوية، مثلما لا يمكن أن تتبع الشمس آثار القمر!. نعم، فلا توجد مسألة كونية تزيد أهميتها على مسألة سر الإيمان الذي هو أعظم مسألة في هذا الكون وأكبر سر في خلقة العالم، حتى تستغل هذه المسألة (سر الإيمان) آلةً من أجلها! حاش للّٰه!

أيتها الهيئة الحاكمة! صدِّقوني إذ أقول: "لو كان توقيفي المعذِّب هذا يتعلق بحياتي الدنيوية وبشخصي فقط، لأدمت سكوتي كما أنا ساكت منذ عشر سنين، لكن لتعلق توقيفي بالسعادة الأبدية لكثير من الناس وبـرسائل النور التي تفسِّر وتكشِف طلسم الكائنات العظيم، فلن أتخلى عن هذا السر العظيم، حتى إنه لو كان لي مائة رأس ويقطع منها كل يوم رأس. فلئن نجوت منكم، فلا منجى من قبضة الأجل".

أنا رجل عجوز على حافة القبر. انظروا إلى مسألة سر الإيمان المتعلق بالأجل والقبر الذي لا ينجو منهما أحد، وهي مسألة من مئات المسائل العائدة لهذا الطلسم الذي تفسره رسائل النور تلك الرسائل التي تفسر -كرأي العين- الكشف المعظم للقرآن الحكيم الذي هو كشاف طلسم الكائنات.

 

297
__________________________

 

فيا عجبي! هل تَكْبُر في عين رجل آمن بالأجل والموت كلُّ مسائل الدنيا السياسية العظيمة أكثر منهما، حتى يجعل منهما آلة استغلال لبلوغ مآربه؟.. علماً أن الأجل الذي يقطع الرقاب في كل لحظةٍ وقتُه غير معلوم.. فإما أنه إعدام أبدي، أو تسريح وتذكرة لرحلة إلى عالم أجمل. والقبر الذي لا يُغلق أبداً، إما باب حفرة للعدم والظلمات الأبدية، أو باب لدنيا أنور وأبقى وخيراً مكثاً.

فإن رسائل النور تبدي للعيان بفيض القرآن بدرجة قطعية -مثلما حاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعا- أن هناك حلاً يقينياً وقطعياً، لتحويل الأجل من الإعدام الأبدي إلى وثيقة ترخيص، ولتحويل القبر من حفرة للعدم لا قرار لها إلى بابٍ للجنان. ألا إني أفدي بلا إحجام سلطنة الدنيا كلها لو ملّكوني إياها، لبلوغ هذا الحل. نعم، هذا ما يفعله كل ذي عقل.

فيا أيها السادة! أي إنصاف يسمح بأن ينظر إلى رسائل النور التي تكشف وتوضح مئات المسائل الإيمانية كهذه المسألة، على أنها كتب مُغرضة تُستغل للتيارات السياسية، وكأنها نشريات فاسدة مضرة، حاشاها مائة ألف مرة عن ذلك؟ وأي عقل يرضاه؟ وأي قانون يستلزمه؟

ألا يسأل الجيلُ الآتي مستقبلاً وأهلُ الآخرة التي هي المستقبل الحقيقي وحاكم الآخرة ذو الجلال والإكرام هذا السؤال من هؤلاء المسببين؟ نعم، يلزم لحكام هذه الأمة المتدينة فطرةً في هذا الوطن المبارك أن ينحازوا إلى جانب الدين ويشجعوا التدين من جهة وظيفة الحكم. ثم إنهم إن حافظوا على حيادهم إزاء اللادينيين باسم الجمهورية العلمانية ومبادئها ولم يمسوهم بسوء، فلا ينبغي بداهة أن يتذرعوا بذرائع ليمسوا المتدينين بسوء.

ثالثاً: قبل اثنتي عشرة سنة، دعاني رؤساء أنقرة إليها، تقديراً لجهادي ضد الإنكليز في مؤلَّفي المسمى "الخطوات الست"، فذهبت. لكن لم تنسجم أحاسيس الشيخوخة عندي مع أحوالهم وأطوارهم.

 

298
__________________________

 

 قالوا: "اعمل معنا". قلت: "إن سعيداً الجديد يريد أن يعمل للآخرة، ولن يعمل معكم، لكنه لا يتعقبكم أيضاً".

نعم، لم أتعقب أعمالهم، ناهيكم عن اشتراكي مع من يتعقبهم أو الميل إليهم، بل أسفت لهم، لأن ذلك صار وسيلة -مع الأسف- لتحويل دهاء عسكري عجيب -كان بالإمكان استعماله لصالح أعراف الملة الإسلامية- إلى نقيض هذه الأعراف إلى حد ما. نعم.. لقد أحسست في رؤساء أنقرة، وفي رئيس الجمهورية خاصة، دهاء عنيداً وكبيراً. فقلت: لا يجوز تحويل هذا الدهاء ضد الأعراف بإثارة شبهاته. فسعيت -لذلك- أن أسحب نفسي من دنياهم ما وسعني الجهد، ولم أخض فيها. فانسحبتُ من السياسة منذ ثلاث عشرة سنة. وقد مر علي عشرون عيداً أمضيته -عدا عيداً أو عيدين- عموماً في هذه الغربة، وحيداً كالسجين في غرفتي، لئلا يتوهم أحد أني أخوض في السياسة.

والدلائل التي تدل على عدم تعقبي لأعمال الحكومة وعدم رغبتي في الخوض فيها هي:

الدليل الأول: يعلم أخلائي في قرية "بارلا" التي كنت فيها لمدة تسع سنين، وفي "إسبارطة" التي كنت فيها لمدة تسعة أشهر، أني لم أقرأ منذ ثلاث عشرة سنة الجرائد التي هي لسان حال السياسة. عدا ما طرق سمعي مرة بغير رغبتي، أثناء حجزي في إسبارطة، فقرة من تهجم صحفي على طلبة رسائل النور بعيد جداً عن الإنصاف وبشكلٍ ينُمّ عن كفر.

الدليل الثاني: لم يبد علينا أي إشارة أو علامة على اهتمامنا بالسياسة مذ كنت في ولاية إسبارطة طوال ثلاث عشرة سنة خلال التحولات العالمية الكثيرة.

الدليل الثالث: هو اعتراف دائرة الولاية ودائرة الشرطة بعدم وجود شيء في كتبي يتعقب سياسة الحكومة، بعد أن دُوهِم محل إقامتي وأُجرِيَ التحري الدقيق على حين غرة وبغير توقع. وأخذوا كتبي وأكثر أوراقي الخصوصية المتراكمة منذ عشر سنوات. أليس عجيبا أن تكشف أشد الأوراق خصوصية لرجل -مثلي أنا- تعرض ولو لمدة عشرة أشهر -وليس عشر سنوات- للنفي والتغريب بلا سبب والظلم بلا رحمة والترصد والتضييق المعذب، ثم لا تظهر في هذه الأوراق عشر مواد تذرّ في وجوه الظالمين؟

فإن قيل: قد كشفنا أكثر من عشرين رسالة لك.

 

299
__________________________

 

أقول: أتستكثرون علي عَشْر رسائل أو عشرين أو مائة، مرسلة إلى عشرة أخلاء خلال عشر سنوات؟ ألا إنها ليست جريمة وإن كانت ألف رسالة ما دام التراسل مسموحاً به وما دامت لا تتعقب دنياكم؟

الدليل الرابع: إنكم ترون أن كتبي المُصادَرة كلها قد ولّت ظهرها عن السياسة وتوجهت بقوتها كلها إلى الإيمان والقرآن والآخرة، ما عدا رسالتين أو ثلاث رسائل ترك فيها سعيد القديم سكوته، واحتد على تعذيب نفر من الموظفين الغادرين. فاعترض على أولئك الموظفين الذين يسيؤون استعمال وظيفتهم وليس على الحكومة، فكتب مشتكياً الظلم. ومع ذلك، اعتبرتُ تلك الرسائل خصوصية ولم آذن بنشرها. فانحصرتْ عند عدد من أخلائي.

 إن الحكومة تهتم بالعمل وتترقب الظاهر، ولا يحق لها النظر في القلب والأمور الخفية الخاصة. لذلك يستطيع كل إنسان أن يفعل ما يشاء في قلبه وفي بيته، ويستطيع أن يذم الحكام ولا يرضى عنهم.

فمثلا: كتبت رسالة قصيرة قبل سبع سنوات ومن قبل إحداث الأذان الجديد- أي بالتركية- إزاء تدخل نفر من الموظفين في عمامتي وعبادتي الخاصة وفقاً للمذهب الشافعي. ثم استحدث الأذان بالتركية بعد مدة فقلتُ: إن تلك الرسالة خصوصية ومَنعتُ نشرها.

ومثلاً: كتبت جواباً عندما كنت في "دار الحكمة الإسلامية" عن اعتراض صدر من أوروبا ضد آية الحجاب. وقد سجل الجواب -المسمى رسالة "الحجاب"- قبل أكثر من سنة، مستلاً من رسائلي القديمة، كمسالة من مسائل "اللمعة السابعة عشرة"، ثم سُميت "اللمعة الرابعة والعشرون".. ولقد حجبت رسالة "الحجاب" حتى لا تمسّ القوانين اللاحقة الجديدة.. ولا أدري كيف حصل خطأ فأُرسلتْ إلى جهة ما. ثم إن هذه الرسالة جواب علميّ ومفحم عن اعتراض المدنية على آية كريمة في القرآن، وإن حرية العلم هذه لا يمكن أن تقيد في عصر الجمهورية.!

الدليل الخامس: هو اختياري العزلة والانزواء في قرية بإرادتي منذ تسع سنوات، والانسلاخ عن الحياة الاجتماعية والسياسية، وعدم مراجعتي إطلاقاً خلال عشر سنوات الدوائر الرسمية متحملاً أنواع العذاب المصبوب عليّ مرات عديدة مثل هذه المرة، كل ذلك لأجل عدم الخوض في السياسة الدنيوية.

 

300
__________________________

 

ولو أني راجعت لكنت أُقيم في إسطنبول بدلاً عن "بارلا" مثلما فعل غيري. وربما سببُ توقيفي الغادر هذه المرة، هو إثارة والي إسبارطة ونفر من موظفي الحكومة الشكوك لدى وزارة الداخلية، لسخطهم عليّ وثلم عزتهم بعدم مراجعتي إياهم، فجعلوا من الحبة قبةً لحقدهم وعجزهم.

الحاصل: يعلم جميع أخلائي الذين يعرفونني عن كثب، بأن الخوض في السياسة، أو التعلق بها، بل حتى التفكير فيها يخالف مقصدي الأساس وأحوالي النفسية وخدمتي القدسية الإيمانية. لقد مُنحتُ نوراً لا صولجان سياسة. إن حكمةً من حِكَم حالي هذه هي أنني أعتقد أن اللّٰه تعالى جعل في قلبي نفوراً شديداً من السياسة وكرهاً لها، حتى لا يقع كثير من الداخلين في مسلك الوظيفة والمشتاقين جداً إلى الحقائق الإيمانية، في النظر إلى هذه الحقائق بقلق أو بعين منتقصة، وحتى لا يحرموا منها.

المادة الثانية: التي عليها مدار اتهامي: التواقيع المشاهدة في أواخر رسالة "المعجزات الأحمدية" ورسالة "بقاء الروح والحشر الأعظم". كأنها تواقيع لأفراد جمعية أو دراويش طريقة!

الجواب: إني أطمئنكم بكل قوتي، أن لا ذنب لأصحاب تلك التواقيع في هذا العمل. إن كان ذنباً فهو ذنبي أنا. ترى هل هو ذنبٌ أن يوقّع للذكرى رجلٌ استحسن كرامة رآها رأي العين لبحث "المعجزات الأحمدية"، وعرف التوافقات العجيبة لأحرف "الألِف" في "الكلمة التاسعة والعشرين" إمضاءً غيبياً لحقانيتها؟ أو رجلٌ زارني ونادراً ما يستطيع زيارتي؟ وهل تسمى "جمعية" التواقيع التي يوقع في دفاتر الذكرى لدور الضيافة أو الأسماء التي تكتب في دفاتر البقالين؟ وهل يعقل عاقل أن يكون أصحاب هذه التواقيع التي ظلت معلقة مثل لوحة -ويمكن أن تقع في يد من يشاء- مدة ثلاث سنوات أو أربع في غرفتي في "بارلا"، أفراداً منتمين إلى جمعية سرية؟ إن أكثر أصحاب التواقيع هم من ضيوفي الذين زاروني. ومنهم من لا علاقة له بالسياسة من إخوة الآخرة. فلا تؤذوننا -نحن أصحاب التواقيع- كثيراً. فإن أحد إخوتنا الأطهار غاية الطهارة والمستقيم غاية الاستقامة المقدّم المتقاعد المرحوم السيد عاصم قد استجوب في دائرة استجوابِ إسبارطة. فعلم إن صَدَق يلحق ضررٌ بأستاذه، وإن كذبَ يلحق عبء ثقيل بشرفة العسكري الطويل المستقيم والنظيف.

 

301
__________________________

 

فدعا ربه: "يا رب اقبض روحي". فتقبل اللّٰه دعاءه وقُبضت روحه لساعته. فمات شهيدَ الاستقامة، وذهب ضحية الغلط القبيح لمن توهم الخطأ في تعاونٍ على الخير وتصديقٍ لا يمكن أن يعدّه أي قانون في الدنيا ذنباً.

نعم، إن من اقتبس درساً من رسائل النور، يعب شراب الأجل -الذي يعده مذكرة تسريح- بسهولة مثلما يشرب الماء. ولولا أني أفكر في تألم إخوتي الذين يبقون في الدنيا، لدعوت: "يارب، اقبض روحي" مثلما دعا أخي الكريم الشهم السيد عاصم... فللّٰه الأمر!

المادة الثالثة، التي هي سبب اتهامي هو أن رسائل النور تقف في القابل سداً أمام مبدأ التحرر للحكومة، وتخل بالأمن العام، بسبب انتشارها بغير إذن حكومي، وتقويتها للمشاعر الإيمانية.

الجواب: إن رسائل النور نور، ولا يتولد ضرر من النور. وقد ألقت بصولجان السياسة جانباً منذ ثلاث عشرة سنة، وتُرسّخ الحقائق القدسية التي هي أسس الحياتين -الدنيا والآخرة- لهذا الشعب وهذا الوطن. وأُشهد جميع الذين قرؤوا أجزاءها على نفعها -من غير أي ضرر تسببه- لتسعة وتسعين في المائة من هذه الملة المباركة. فليخرج واحد وليدّع أنه رأى فيها ضرراً!

ثانياً: أنا لا أملك مطبعة ولا عندي كتّاب عديدون، وقد أجد بصعوبة كاتباً واحداً يكتب لي. وليس عندي خط حسن، فإني نصف أمي، ولا أطيق الكتابة أكثر من صفحة في الساعة الواحدة بخطي الناقص الرديء.

وقد ساعدني ذواتٌ محترمون مثل المرحوم السيد عاصم بخطهم الجميل، فكتبوا مذكراتي الحزينة جداً في غربتي كذكرى لي. ثم طلب قراءةَ هذه الأنوار الإيمانية آخرون وجدوا فيها دواء شافياً لدائهم، فقرؤوها، فرأوا بحق اليقين أنها ترياق شاف لحياتهم الأبدية، واستنسخوها لأنفسهم. فهل هناك قانون يمنع ذلك؟

إن رسالة "الفهرست" التي وقعتْ في أيديكم ووضعتْ تحت نظر التفتيش، تدل على أن كل جزء من رسائل النور تفسّر حقيقة لآية قرآنية. ولاسيما الآيات المتعلقة بالأركان الإيمانية فتفسرها تفسيراً جلياً إلى درجة يفسد خطط الهجوم على القرآن التي أعدها فلاسفة الغرب منذ ألف سنة ويبدد أسسها.

 

302
__________________________

 

ففي الرجاء الحادي عشر من "رسالة الشيوخ" -التي هي بين أيديكم الآن- برهان واحد من آلاف البراهين الإيمانية والتوحيدية. انظروا إليه كأنموذج، وأنعموا النظر، فستفهمون إن كانت دعواي صحيحة أو خطأ. وأيضاً، كأنموذج على مدى نفعها للوطن والشعب، لا أظن أحداً ينظر بإنصاف إلى "رسالة الاقتصاد" من أجزاء رسائل النور، والرسالة المشحونة بخمسة وعشرين دواء نابعاً من الإيمان "للمرضى" والرسالة المشحونة بستة وعشرين رجاء وسلوى نابعاً من الإيمان للشيوخ، إلا ويرى فيها خزينة ثروة ثمينة للغاية وترياقاً شافياً وضياءً نافعاً لطائفة الفقراء والمرضى والشيوخ الذين هم أزيد من نصف هذه الملة المباركة.

ثم أقول لمساعدتكم في مهمة التحقيق. إن "رسالة الفهرست" فهرست لقسم من الرسائل التي عمرها عشرون عاماً. أصل بعض رسائلها يبدأ من "دار الحكمة الإسلامية" وأيضاً الأرقام التي في "الفهرست" ليست على ترتيب التأليف؛ فمثلاً كُتِبَتْ "الكلمة الثانية والعشرون" قبل "الكلمة الأولى" و"المكتوب الثاني والعشرون" قبل "المكتوب الأول" وأمثالها كثير.

ثالثاً: إن أجزاء رسائل النور التي ليست سوى علوم إيمانية تؤسس الأمن والنظام، ذلك لأن الإيمان الذي هو منبع الخُلُق الحسن والخصال الحميدة ومنشؤها، لن يخلّ بالأمن بل يحققه ويضمنه. أما ما يخل بالأمن فهو عدم الإيمان بسوء خُلُقه وسجيته.

واعلموا أن وزير المستعمرات البريطاني قال قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً: "إننا لن نستطيع أن نحكم المسلمين حقاً مادام هذا القرآن في أيديهم، فينبغي أن نسعى لرفعه وتضييعه". إن كلام هذا الكافر العنيد حوّل نظري منذ ثلاثين سنة إلى فلاسفة أوروبا، فأنا أجاهدهم بعد جهاد نفسي، ولا ألتفت إلى ما في الداخل، إذ أرى النقص والتقصير في الداخل هو نتيجة ضلال أوروبا وإفسادها، لذا أحتدّ على فلاسفة أوروبا وألطمهم لطمات تأديب. فللّٰه الحمد، إن رسائل النور خيبت آمال أولئك الكفار العنيدين، مثلما أسكتت تماماً الفلاسفة الماديين والطبيعيين. ولا توجد حكومة في الدنيا -مهما كان شكلها- تمنع محصولاً مباركاً لوطنها ومنجماً عظيماً لقوتها المعنوية مثل هذه الرسائل، تَدِينُ ناشرها.

 

303
__________________________

 

إن الحرية التي يتمتع بها الرهبان في أوروبا ترينا أن أي قانون كان لا يتابع تاركي الدنيا والعاملين بقواهم الذاتية للآخرة والإيمان.

الحاصل: أجزم أنه لا قانون في الدنيا يقول بمنع، أو يَقدر أن يمنع، كتابة الخواطر العلمية بشأن الإيمان الذي هو مفتاح السعادة الأبدية لرجل عجوز، محكوم عليه بالتغريب لمدة عشر سنوات، وممنوع عن الاختلاط بالناس والمراسلة. وإنّ عدم تعرض هذه الخواطر إلى الجرح والانتقاد من قبل أي عالم كان، يثبت أنها عين الحق ومحض الحقيقة.

المادة الرابعة: لبيان سبب اتهامي وتوقيفي هو: وقوع إخبار عني أنني أدرّس الطريقة التي منعتها الدولة.

الجواب:

أولاً: كتبي التي في أيديكم كلها تشهد أني منشغل بالحقائق الإيمانية. ولقد كتبت مرات عديدة في رسائلي "أن هذا الزمان ليس زمان الطريقة، بل زمان إنقاذ الإيمان. وكثيرون جداً يدخلون الجنة بغير طريقة، ولكن لا أحد يدخلها بغير إيمان. لذلك ينبغي العمل للإيمان".

ثانياً: أنا موجود في ولاية إسبارطة منذ عشر سنين. فليدّع إنسان واحد أني علّمته درساً في الطريقة. نعم.. قد درّست بعض الخواص من إخوة الآخرة دروساً في العلوم الإيمانية والحقائق العالية باعتباري عالماً. إن هذا ليس تعليم طريقة، بل تدريس حقيقة. ثمّ شيء أُنبه إليه: أنا شافعي المذهب، وتسبيحاتي بعد الصلاة تختلف قليلاً عن تسبيحات الأحناف. وأيضاً، أنشغل في خلوة مع نفسي للاستغفار عن ذنوبي وتلاوة آيات كريمة وما شابه ذلك، ولا أستقبل في أثنائها أحداً من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وقبل الفجر. ولا أظن أن أي قانون في الدنيا يمنع هذه الحال.

لمناسبة مسألة الطريقة هذه، يسألني موظف الحكومة والمحكمة: "بمَ تعيش؟"

الجواب: يعلم أخلائي الذين يتصلون بي أنى أعيش -بمشاهدة أهل "بارلا" التي أقيم فيها منذ تسع سنوات- بأربعين بارة يومياً غالب أيامي أو بمصروف أقل من ذلك، ببركات شدة الاقتصاد وبخزينة القناعة التامة. حتى إني استكفيت بسبع ليرات ورقية في سبع سنوات لحاجات مثل الملبوسات والنعال.

 

304
__________________________

 

ثم، يعلم أخلائي الذين يخدمونني وبشهادة سيرة حياتي التي في أيديكم، أني تعففت طوال عمري عن قبول الهدايا والصدقات من الناس، وجرحت شعور أصدق خلاني برفض هداياهم. فإن اضطررت إلى قبول هدية فقد أخذتها بشرط الرد بمثلها. ولقد صرفت أكثر مرتّباتي التي أخذتها في "دار الحكمة الإسلامية" في طبع الكتب التي صنّفتها في ذلك الوقت، وادخرت القليل منها بقصد الحج. إن تلك النقود القليلة كفتني عشر سنوات ببركات الاقتصاد والقناعة وحفظت ماء وجهي، وعندي حتى الآن بقية من ذلك المال المبارك.

أيتها الهيئة الحاكمة!

لا ينبغي أن تملوا من سماع إفادتي الطويلة هذه، لأن ما يقرب من ثلاثين من الكتب قد أدخلت ضمن أوراق مذكرة التوقيف، فهذه الإفادة الطويلة تعد قصيرة للغاية قياساً بأوراق اتهامي. أنا أجهل القوانين بسبب انعزالي عن سياسة الدنيا منذ ثلاث عشرة سنة. وتشهد سيرة حياتي أني ترفّعت عن الخداع في الدفاع عن نفسي. لقد بينتُ حقيقة الحال كما هي. وأنتم لكم وجدانكم، وتعلمون وجه إنفاذ القوانين بغير غدر. فاحكموا بشأني.

 واعلموا أن بعض الموظفين غير الكفوئين، نظروا في شأني بالنظارات المكبرة وجعلوا من الحبة قبة ضمن ألاعيبِ إعداد الأرضية لإنفاذ قوانين التحرر الجديدة، بسبب عدم كفاءتهم، أو أوهامهم، أو من قبيل إظهار ذريعة الذئب للحَمَل، أو الحصول على الرتب، أو التزلف للحكومة. وألحقوا بنا أضراراً تبلغ آلاف الليرات. وأملنا فيكم هو: أن تروا أن ما ظنوه قبة إنما هو حبة بقدرتكم وكفاءتكم. أعنى أن تقلبوا النظارات المكبرة وتنظروا من طرفها الآخر.

ثم لي رجاء: إن قيمة كتبي التي صودرت تزيد على ألف ليرة عندي، فأعيدوها إليّ. لقد أعلن مدير مكتبة أنقرة في الصحف بفخر وشكر عن قبول قسم مهم منها في المكتبة قبل اثنتي عشرة سنة. وأريد -بموافقة هيئتكم التي تتحكم في حياتي الآن- أن تعطوا صورة من إفادتي هذه إلى المدعي العام لغرض إقامة الدعوى على من تسببوا في إيقاع الأذى والضرر بي، وصورة إلى وزارة الداخلية وصورة إلى مجلس المبعوثان (البرلمان).

 

305
__________________________

 

إلى أنظار حضرة المحقق والهيئة الحاكمة

أضيف ثلاث مواد إلى إفادتي السابقة:

المادة الأولى: إن ما يحيّرنا ويدهشنا للغاية، ويجعلنا نحس بوجود كيد، ومن قبيل الالتزام بإيجاد سبب للاتهام من العدم - هو سؤالهم -وبإصرار- الذي يوحي بوجود جمعية أو تنظيم فعلاً، فيقولون: من أين تجدون المال لتأسيس هذا التنظيم؟.

الجواب:

أولاً: وأنا أسأل هؤلاء السائلين: هل توجد وثيقة أو أمارة على تأسيسنا لجمعية سياسية، وهل وجدوا دليلاً أو حجة على تشكيلنا لتنظيم بالمال، حتى يصروا على السؤال إلى هذا الحد؟ أنا موجود في ولاية إسبارطة منذ عشر سنوات تحت الرقابة الشديدة. ولست وحدي الذي يقابل بالمقت افتراء الذين يتهمون رجلاً لا يقابل أحداً إلا خادماً أو خادمين أو ضيفاً أو ضيفين في عشرة أيام، غريباً، وحيداً، ضجراً من الدنيا، كارهاً السياسة أشد الكره، ومشاهداً بصورة متكررة الضررَ والعقم الذي جنته الجمعيات السياسية المعارضة القوية بنتيجة ردود الأفعال، ورافضاً الجمعيات والتحركات السياسية في أهم فرصة سانحة وسط قومه والآلاف من أحبائه بعدم الاشتراك فيها، ومُوَليّاً عن السياسة كالهارب من الشيطان لعدّه الإيمان التحقيقي خدمةً قدسيةً للغاية لا يجوز أن تُفسد بأي ثلمة وأن إضعافها بالغرض السياسي جناية، ومتخذاً لنفسه "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة" دستوراً منذ عشر سنوات، وواجداً الحيلة في ترك الحيلة، وعصبيَّ المزاجِ يفشي أسراره بغير تحسّب، واستطاع أن يخفي جمعية مثل هذه عشر سنوات عن موظفي ولاية إسبارطة الحساسين والجساسين! إن الذي يقول لمثل هذا الرجل: "توجد جمعية مثـل هذه، وأنت تدير دولاب كيد سياسي"! لا يقابَل إلا بالمقت، بل يشاركني في المقت أهل ولاية "إسبارطة" ومن يعرفني جميعاً، وربما كل ذي عقل ووجدان، قائلين: إنكم تتهمونه زوراً وبهتاناً.

ثانياً: إن قضيتنا هي الإيمانُ، ولنا إخاء مع تسع وتسعين بالمائة من أهل هذه البلاد وأهل إسبارطة بالأخوة الإيمانية. بينما الجمعية، اتفاق الأقلية من بين الأكثرية. فلا ينتظم في جمعية تسعة وتسعون رجلاً مقابل رجل واحد. إن من يُشيع ذلك إنما يشيعه بنية تحقير هذا الشعب المبارك المتديّن، ولا يكون إلا عديم الإنصاف والدين، متوهماً الجميع -حاشا للّٰه- مثله بلا دين.

 

306
__________________________

 

ثالثاً: إن رجلاً مثلي أحبَّ بجدٍ الشعبَ التركي، ووقّر الشعب التركي كثيراً من جهة نيله لثناء القرآن، وساند هذا القوم بقوة لحمله راية القرآن، وخدم فعلاً الشعبَ التركي بقدر ألفِ قوميّ تركي وبشهادة ألف تركي، واختار هذه الغربة مرجحاً ثلاثين أو أربعين شاباً تركيا طيباً على ثلاثين ألفاً ممن لا يقيمون الصلاة من أهل مدينته، وحافظ على العزة العلمية بكرامة أهل العلم، ودرّس الحقائق الإيمانية بأوضح وجه، هل تستكثرون عليه أو هل من ضرر أن يكون له إخوةُ آخرةٍ وطلاب ليسوا عشرين أو ثلاثين بل مائة أو ألف، خلال عشر سنوات وربما عشرين أو ثلاثين عاماً، مرتبطين بإخلاص معه في الإيمان والحقيقة والآخرة فقط؟ وهل يُجيز أهل الوجدان والإنصاف انتقاصهم؟ وهل ينظر إليهم كجمعية سياسية؟

رابعاً: إن أهل الإنصاف يعرفون كم بعيد عن الإنصاف الذين يقولون "من أين المال الذي تعيش به وتقيم به جمعية" لرجل أقام حاله بمائة ليرةٍ ورقيةٍ أثناء عشر سنوات، وصرف أحياناً أربعين بارةً فقط في اليوم، ولبس سبع سنين عباءةً مرقعةً بسبعين رقعة.

المادة الثانية: لقد جلبوني جبراً من بارلا إلى إسبارطة، بتدبير مثيل مزيف لحادثة "مَنَمَنْ"، وإرهاب الشعب، وخداع الحكومة بدسيسة تيسير تطبيق القوانين التحررية، بالزعم الماكر "أن ذلك يساعد في تنفيذ قوانينها التحررية" ولكنهم رأوا أنى لا أُستغل آلةً في مثل هذه الفتن، ولا أميل إلى أي مسعى عقيم يضر بالوطن والأمة والدين، ولما فهموا ذلك بدّلوا خططهم، فاستفادوا من شهرتي الكاذبة التي لا أعجب بها، فألبسوني مثيلاً موهوماً للحادثة المظلومة المعروفة بـ"منمن" بمؤامرات لا تخطر على بالنا. فالحقوا أضراراً جسيمة بالأمة والحكومة وبكثير من أفراد الشعب الأبرياء الموقوفين. ولما ظهر كذبهم عياناً، أخذوا يسعون الآن في إيجاد حجج كما يختلق الذئب الحجج لافتراس الحمل، لخداع موظفي العدل. فأنا أذكّر موظفي العدل بحاجتهم إلى عظيم الدقة والحذر من جهة حقوقي المدنية. إنهم هم الذين يجب أن يُتهموا إذ يتزلفون لبعض أركان الحكومة بإحداث حادثة صغيرة بتهييج الضعفاء الأبرياء السذج، تحت قناع جمعية وهمية، افتراءً وزوراً،

 

307
__________________________

 

ثم يخدعون الحكومة بإظهار الحبة قبةً مثل الشياطين، ويتسببون في سحق كثير من الأبرياء، ويضرون البلد ضرراً كبيراً، ويلقون أوزارهم على كاهل الآخرين. إن مسألتنا هذه هي هكذا تماماً.

المادة الثالثة: إن المحاكم -بلا ريب- أكثر دوائر الدولة المكلفة بالمحافظة على حريتها بأعظم قدر، واستقلالها عن المؤثرات الخارجية ما أمكنها، وحيادها والنظر بعيداً عن الأحاسيس والأهواء ما استطاعت. فاستناداً إلى الحرية التامة للمحاكم، من حقي أن أدافع بحرية على هذه الصورة عن حقوق حريتي.

نعم، ففي كل المحاكم قضايا بشأن الأموال والأنفس. فإذا احتدّ حاكم لسبب ما وقتل قاتلاً، يكون الحاكم قاتلاً أيضاً. إذن، إن لم يتحرر موظفو العدل عن الأحاسيس والأهواء والمؤثرات الخارجية تحرراً تاماً، فثمّ احتمال أن يخوضوا في آثام غليظة ضمن عدالةٍ شكليةٍ.

ثم إن للجناة ولمن لا ظهير لهم وللمعارضين حقاً أيضاً. وللتحري عن حقهم هذا، يبحثون عن مرجع محايد غاية الحياد.

وإنه شيء يقلب جوهر العدل إلى ظلمٍ، ويوحي إلى الانحياز من وجهة العدل، هو التعبير الذي يطلق عليّ بتسميتي وفي كل مرة: "سعيد الكردي"، مع أن اسمي "سعيد النورسي" هنا وفي إسبارطة في التحقيقات وذكرهم إياي بأني كردي. وبهذا يوقظون حساً ضدي عند إخوتي في الآخرة يتعلق بالحمية القومية، فضلاً عن أن هذا تغيير لمجرى المحكمة وماهيةِ عدالتها تغييراً تاماً.

نعم، رغم وجود وقائع تاريخية كثيرة وبالألوف عن أن الشرط الأول للعدل هو نظر الحاكم والمحكمة بغاية الحياد والبراءة من شائبة الانحياز، مثل جلوس سيدنا علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه في زمن خلافته في المحكمة سوية مع يهودي، وحضور كثير من السلاطين في محاكم العدل مع عوام الناس، أقول لأولئك الذين يريدون أن يضللوا العدالة بإلقاء ظلال البعد عن التحضر عليّ:

أيها السادة! قبل كل شيء أنا مسلم، وولدت في كردستان. لكني خدمت الترك، وإن تسعاً وتسعين من خدماتي النافعة حصلت للترك، وأمضيت معظم عمري بين الترك، وأخلص إخواني وأصدقهم ظهروا من الترك، وأستطيع أن أُشهد ألفاً من شباب الترك الحقيقيين الشهمين،

 

308
__________________________

 

بأني خدمت الملة التركية أكثر من ألف من هؤلاء الذين يظهرون أنفسهم محبين لقوميتهم وينعتونني بـ"الكردي"، حيث إن حب الترك وتأييدهم أكثر من الملل الأخرى هو من مقتضيات خدمتي القدسية، خدمة القرآن، لأنهم أشد أبطال الجيوش الإسلامية شجاعة.

وأُشهد كذلك الثلاثين أو الأربعين كتاباً -المحفوظة لدى الهيئة الحاكمة- خصوصاً رسائل "الاقتصاد والشيوخ والمرضى" منها، التي تخدم أربعة أخماس الشعب التركي من أهل المصائب والفقراء والمرضى والشيوخ وأهل العبادة والتقوى بقدر ألف داعية إلى القومية التركية، ليست متداولة في أيدي الكرد، بل في أيدي الشباب الترك. أقول -بعد الاستئذان من الهيئة الحاكمة- للظالمين الملحدين الذين ألقوا بنا في هذا البلاء وخدعوا بعض أركان الحكومة وحاكوا المؤامرات تحت ستار القومية:

أيها السادة! هل من "القومية" أن يُلقى في هذا البلاء -كمن ارتكب جنايةً كبيرةً- أكثر من أربعين من خيرة شباب الترك ومن أعظم شيوخهم وقاراً بسبب مادة لم تثبت بحقي، وإن ثبتت لا تُعدّ جريمةً، وإن عُدّتْ جريمةً فأنا المسؤول عنها وحدي؟ بلى… إن من بين الذين تعرضوا إلى عذاب الحجز هذا بغير سبب ذواتاً هم مدار الفخر لشباب الترك. فهل من "القومية" أن يُسحب مثل هؤلاء من بين أهليهم وأولادهم كالجناة ويلقى بهم في هذا البلاء لأني أحسست من بعيد بقيمة أحدهم فسلّمت عليه مجرد سلام، أو أرسلت إليه رسالة إيمانية. أقول، فأنا الذي من ملة غير متحضرة ومن غير ملتكم في نظركم،لا أستبدل واحداً من الموقوفين الشباب الشهمين والشيوخ الموقرين بمائة شخص من ملتي. وإن فيهم من تركت من أجله منذ خمس سنين الدعاء على الظالمين الذين يظلمونني منذ عشر سنوات. وإن فيهم من رأيت فيه بكمال الإعجاب والتقدير أنقى نماذج الخصال السامية متمثلةً في هؤلاء الترك النجباء. وقد فهمت سر تفوق الملة التركية بهم. وأقول مُشهِداً وجداني وأماراتٍ كثيرة، بأني لو كان لي أنفسٌ بعدد هؤلاء الموقوفين الأبرياء، أو استطعت أن أصب المشقات التي أصابتهم جميعاً على نفسي، فقَسَماً كنت أرضى وبكل فخر أن أحل محلهم. وإن شعوري هذا نحوهم نابع من قيمتهم الذاتية، وليس لفائدة شخصية لي، لأن منهم من تعرفت عليه حديثاً، وأن منهم من استفاد مني، وأصابني منه ضرر. ولكن لو لحق بي منهم ألف ألف ضرر وضرر، فلا تقل قيمتهم في نظري.

 

309
__________________________

 

فيا أيها الظالمون الملحدون الذين يدّعون القومية التركية!

هل "القومية" قهرُ وإذلالُ هؤلاء الذوات -وهم مدار فخر الترك- بأوهن وأوهى الحجج بسبب كردي مثلي -حسب تعبيركم-؟ هل هذه "وطنية"؟ هيا.. أحيل ذلك إلى وجدانكم الظالم!.

لقد أخْلَت المحكمة العادلة سبيل أكثرهم إذ علمت براءتهم. فإن كان ثمّ جرم فهو جرمي. وهم -لسجيتهم السامية- قاموا طلباً لرضا اللّٰه بنية خالصة بأشغالي الصغيرة، أنا الشيخ الغريب الكبير في السن، مثل إشعال الموقد، وجلب الماء، وطبخ الطعام، وتبييض رسالة خاصة بي، وكذلك وقعوا تطييباً لخاطري من أجل التذكر على أواخر رسالتين من رسائلي تعدّان بمثابة دفتر خواطر.فيا ترى هل في الدنيا قانون أو أصول أو مصلحة يؤاخذ عليه هؤلاء الرجال بمثل هذه الحجج الواهية!

التتمة الثانية لدفاعي

أيتها الهيئة الحاكمة!

قد تجدون في بياناتي الآتية ما لا جدوى فيها لمهمتكم. لكن هذه المسائل تتعلق بعموم البلاد بل الدنيا كلها. فلستم وحدكم تسمعون، بل أولئك أيضاً يسمعون حُكماً ومعنىً. ثم ترون سوء الانتظام في بياناتي، ذلك بسبب سلبي حقاً مهماً من حقوقي. إن خطي غير جميل، وقد رجوت كثيراً أن تعطوني كاتباً يكتب لي في هذه القضية التي هي قضية حياة وممات، كي أستكتب دفاعاً عن نفسي. لكن لم أُعط كاتباً بل منعوني بظلم عظيم حتى من التكلم حوالي شهرين من الزمن. لذلك لم أتمكن من كتابةٍ منتظمة بخطي الناقص والمشوش للغاية.

وآخر بياناتي هو الآتي: لنفرض-فرضاً محالاً- وكما وقع في إخبار المفسدين، أن رسائل النور "لا تتوافق مع بعض سياسات الحكومة وبعض قوانينها، أو تتخالف معها؛ وأنها قناعات سياسية مغايرة وأفكار مختلفة، وأن عموم الرسائل لا تبحث في الإيمان بل في السياسة".

فإذا قُبلت فرية جلية مثل هذه فرضاً، أقول جواباً: لما كانت الحرية في أوسع حالها هي الجمهورية، وأن الحكومة قد رضيت بأكثر صور الجمهورية تحرراً نظاماً لها،

 

310
__________________________

 

فإن من البدهي أن القناعات العلمية والأفكار الصائبة الحقيقية والقطعية وغير القابلة للرفض، لا يمكن لحرية الجمهورية أن تتسلط على تلك الحرية العلمية باستبداد، بشرط عدم إخلالها بالأمن، ولا يمكن أن تعد تلك الحرية جريمة. نعم.. هل توجد حكومة في الدنيا كلها يجتمع شعبها على قناعة سياسية واحدة فقط؟ لنفرض أنى قد كتبت قناعتي السياسية في خفاء لنفسي، ثم أطلعتُ عليها بعض أخلائي الخواص، فلم أسمع بقوانين تعد ذلك جريمة. والواقع أن رسائل النور تبحث في نور الإيمان، ولم تسقط في ظلمة السياسة، ولا تتردى إليها.

فإن قال مَن لا دين له وجاهلٌ لماهية الجمهورية العلمانية: "إن رسائلك تبعث تياراً دينياً قوياً، فتعارض مبادئ الجمهورية اللادينية".

الجواب: نحن نعلم أن الجمهورية العلمانية للحكومة هي فصلُ الدين عن الدنيا. ولا يَقْبَل أن تكون العلمانية رفضاً للدين وانسلاخاً عن الدين تماما إلا أحمقُ لا دين له وفي غاية الحمق. نعم، لا يوجد شعب في العالم يعيش بلا دين، والأتراك -كشعب ممتاز في كل العصور- أينما كانوا في أقطار الأرض هم مسلمون. بينما عموم العناصر الإسلامية فيهم زمرة -ولو صغيرة- ليسوا مسلمين. إن اتهام كذابين لا دين لهم ولا ملة، لملةٍ مباركةٍ تديّنت بالدين بصدقٍ وحقيقةٍ، وأرست مفاخرها الملية على وجه الأرض بملايين المصادر الدينية وكتبتها بسيوفها كشعب هو الجيش الشجاع لهذا الدين منذ ألف سنة، بأنه "سوف يرفض الدين أو يكون بلا دين"، إنما يرتكبون جريمة يستحقون بها عقاباً في الدرك الأسفل من النار. والواقع أن رسائل النور لا تبحث في الدين بدائرته الواسعة التي تحيط بقوانين الحياة الاجتماعية أيضاً. بل موضوعها الأصلُ وهدفُها هو البحث في الأركان العظيمة للإيمان الذي هو اللب الخاص للدين وأسمى أقسامه.

ثم إن أكثر من أتوجه إليهم هي نفسي، وبعدها فلاسفة أوروبا، وفي تصوري إن الشياطين وحدهم يتوهمون الضرر من مثل هذه المسائل القدسية بشرط الصحة، غير أن ثلاث رسائل أو أربعاً، توجهت نحو نفر من الموظفين بشكل شكاوى انتقاديةٍ. لكن هذه الرسائل لم تكن من أجل مبارزة الحكومة ونقدها، بل ضد موظفين ظلموني وأساؤوا استعمال وظيفتهم. وحتى لا تكون مصدراً لسوء الفهم، منعتُ نشر تلك الرسائل فيما بعد باعتبارها خاصة بي.

 

311
__________________________

 

إن أكثر الرسائل الأخرى ألّفت منذ أربع سنوات أو خمس، ومنها ما ألّفت قبل ثماني سنوات أو عشر، وبعضها قبل ثلاث عشرة سنة. إلاّ أن "رسالة الاقتصاد ورسالة الشيوخ والمرضى" فقط ألّفتُها السنة الماضية. ومع ذلك، يطمئن ويصدّق من يملك ذرة إنصاف ويحقق في الرسائل بحياد أن الرسائل لا تخالف قوانين الحكومة ولا تخل بالأمن ولا تضلل الشعب، بل ينبغي أن تنال التشجيع والتقدير من الحكومة. ولو فرضنا أنها تخالف وجهة نظر الحكومة في نقاط كثيرة، فبموجب قانون العفو المنشور أخيراً، الذي يعفو عن مثل هذه الجرائم لما قبل 28/7/1933، أدّعي ألاّ محل لمتابعة هذه الرسائل قانوناً، وأطلبُ دفعَ الظلم عنا فوراً وإعادة الرسائل.

فإن قال سكران ثمل ومن لا وجدان له ويتلقى كنه الإنسانية في أسوأ وأدنى درجات الحيوانية، ويتوهم الدنيا خالدة دائمة، ويتخيل الإنسان باقيا لا يموت: "إن رسائلك كلها تعطي درساً إيمانياً قوياً جداً، وتصرف النظر عن الدنيا، وتُحوّله نحو الآخرة. أما نحن، فيمكن أن نعيش في هذا العصر بالتوجه إلى الحياة الدنيا بكل قوتنا واهتمامنا وعقلنا. لأن ديمومة الحياة والحذر من الأعداء صار صعبا في الوقت الحاضر".

الجواب: إن دروس الإيمان التحقيقي، مع توجيهها الأنظار إلى الآخرة، تُعلّم أن الدنيا مزرعةٌ للآخرة وسوقٌ ومعملٌ لها، وتدفع إلى السعي الحثيث في الحياة الدنيا، ثم إنها تُكسب القوة المعنوية المنهارة في غياب الإيمان قوةً، وتسوق اليائسين الساقطين في العطالة واللامبالاة إلى الشوق والهمة وتحثهم إلى السعي والعمل. فهل يرضى الذين يريدون أن يحيوا في هذه الدنيا بوجود قانون يمنع دروس الإيمان التحقيقي الذي يضمن لذة الحياة الدنيوية والشوق للعمل والقوة المعنوية للصمود بوجه مصائب الدنيا الكثيرة، وهل يمكن أن يوجد قانون مثل هذا؟

فإن قال قائلٌ يتظاهر بالغيرة والحمية، جاهلٌ بالأسس الحقيقية لإدارة الشعب وأمن البلاد: "نحن نرقبك باحتمال حصول شغب بقوة الرسائل، من جهة استناد من يريد إفساد الأمن واضطراب الإدارة إلى رسائلك، أو إنك تهمل الحذر وتعترض على الإدارة الحاضرة".

الجواب: إن من دَرسَ رسائل النور، لن يخوض في فتن تهدر دماء أبرياء كثيرين وتضيّع حقوقهم، ولن يقترب بأي وجه من فتن تكرّر فشلها وضررها. وإن عشر فتن في هذه السنوات العشر، لم يشترك فيها عُشر طلاب رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحد منهم، إنما يدل على أن الرسائل ضدها وأنها مدار تحقيق الأمن والنظام.

 

312
__________________________

 

واعجباً! أيهما أسهل من جهة الإدارة وحفظ الأمن: ألف رجل مؤمن أم عشرة رجال بلا دين لا يضبطهم ضابط؟ نعم، إن الإيمان بفيض الخصال اللطيفة، يمنح حسّ الرحمة والميلَ إلى الحذر من إلحاق الضرر. أما إهمالي للحذر، فإن أهل ولاية إسبارطة يعلمون أنى في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة أبذل ما في وسعي وطاقتي لعدم لفت نظر الحكومة وعدم الخوض معها وعدم التدخل في أمورها مفضلاً العيش الألطف في الخلوة والانزواء عن الناس وفي المشقة وفي اجتناب السياسة.

يا عديمي الإنصاف الذين ساقوني إلى هذا البلاء! يبدو أنكم غضبتم وحنقتم لأني لم أتحرك ضد الأمن العام، وأوقفتموني بدافع عدائكم للسكون. نعم، الذين يريدون إفساد الأمن والسكون واضطراب الإدارة ضللوا الحكومة بشأني وشَغلوا العدالة بغير طائل فأوقفوني. وينبغي على الهيئة الحاكمة، وعلى رأسها المدعي العام، أن تفتح دعوى عليهم، ليس من أجلنا، بل باسم البلاد.

فإن قيل: "لستَ موظفاً، ويلزم أن تحترم الشعب وأن لا تُدرّس دروساً دينية مثل موظفٍ، وتوجَد دائرةٌ رسمية تعطي دروساً دينية، ويلزم أن تحصل على موافقتها".

الجواب:

أولاً: ليس عندي مطبعة أو كتّابٌ يقومون بوظيفة النشر. فشؤوننا خاصة بنا، وضمن قاعدة حرية الاعتقاد، حرية الشؤون الخاصة، ولاسيما إن كانت إيمانية ووجدانية.

وثانياً: إن توظيف حكومة الاتحاد والترقي إياي بالاتفاق، بوظيفةٍ في "دار الحكمة الإسلامية" لإثبات الحقائق الإسلامية إزاء أوروبا وإعطاء دروس للشعب، وتعيينَ الرئاسة الدينية في ولاية "وان" إياي واعظاً هناك، وتداول أكثر من مائة رسالة لي في أيدي العلماء حتى الآن وعدم تعرضها للانتقاد، يُثبت أني صاحب حق في التدريس للشعب.

وثالثاً: لو أُغلق باب القبر وصار الإنسان خالداً لا يموت، لصارت الوظائف عسكرية وإدارية ورسمية فحسب. ولكن مادام ثلاثون ألف شاهد يومياً في الأقل يُمضون بتوابيتهم على دعوى "الموت حق"، فلا بد من وجود وظائف إيمانية أهم من الوظائف العائدة للدنيا. فـرسائل النور توفي بهذه الوظائف بأمر القرآن.

 

313
__________________________

 

وما دام القرآن الذي هو آمر رسائل النور وحاكمها وقائدها، يحكم ثلاثمائة وخمسين مليوناً مُصدِراً إليهم أوامره، ويدفع أربعة أخماسهم إلى الدعاء والالتجاء إلى أبواب الرحمة الإلهية خمس مرات يومياً في الأقل، ويستقرئ أوامره القدسية والسماوية بخشوع في المساجد والجماعات والصلوات كلها، فلا بد أن تقوم رسائل النور، التي هي تفسير حقيقي له ونور من شمسه وموظف من موظفيه، بهذه الوظيفة الإيمانية، بإذن اللّٰه، دون تعريضها إلى الصدمات. إذن، أهل الدنيا وأهل السياسة في غنى عن مبارزتها، بل هم بحاجة شديدة إلى الإفادة منها.

نعم، توجد أجزاء كثيرة لـرسائل النور مثل "الكلمة التاسعة والعشرين" التي تكشف طلسم الكائنات المغلق وتفتح أسرارَ: من أين، وإلى أين المصير؟ و"الكلمةِ الثلاثين" التي تكشف السر المغلق لتحولات الذرات، و"المكتوب الرابع والعشرين" الذي يحل ويكشف الطلسم العجيب للخلاّقية العامة والفعالية الدائمة في فناء الكائنات وزوالها، و"المكتوب العشرين" الذي يكشف ويحل ويوضح أعمق وأهم سرٍ للتوحيد ويبرهن يُسرَ الحشر البشري بيُسر إحياء ذبابة، و"اللمعة الثالثة والعشرين" المسماة "رسالة الطبيعة" التي تزلزل وتخرّب أساس الفكرِ الكفري لِعبّادِ الطبيعة. إن من يطالع هذه الرسائل بدقة يؤمن ويصدق أن عالِماً أو أديباً أو أستاذاً جامعياً لو كشف واحدة من هذه الأسرار فقط، وفي أي حكومة من الحكومات، لكرّم بمكافأة أو جائزة!

لا ينبغي أن يُظن أن بياناتي تفصيلٌ خارج الموضوع. فإن أكثر من مائة رسالةٍ من رسائل النور هي ضمن الأوراق التحقيقية لقضيتي، والهيئة الحاكمة مكلّفة بتدقيقها، وأنا مُلزمٌ بالإيضاح والإجابة من جهة تعلقها بالقرآن والعالم الإسلامي والمستقبل. وهناك حاجة إلى بيان احتمالٍ ولو بعيدٍ يتعلق بمسألتنا، إذ إن الوضوح التام لأي مسألة لا يتم إلا ببيان الاحتمالات كلها، البعيدةِ والقريبة وكالآتي:

إذا قال نفر من الشقاة الذين اتخذوا اللادينية والكفر مسلكاً لهم، وحلّوا في بعض أركان الحكومة تحت ستار مقصدٍ سياسي، فضللوها، أو دخلوا سلك الوظائف وأرادوا محو رسائل النور بالدسائس، وإسكاتي بالتهديد: "لقد مضى زمن التعصب - على القديم- وينبغي نسيان الماضي والتوجه نحو المستقبل بكل قوتنا، ولا نرغب في تدريسك الديني والإيماني القوي بصورته الرجعية".

 

314
__________________________

 

الجواب:

أولاً: ما يُظنّ أنه الماضي قد صار مستقبلاً، بل هو المستقبل الحقيقي. ونحن إليه سائرون.

ثانياً: لقد ارتبطت رسائل النور بالقرآن الكريم من جهة كونها تفسيراً له. والقرآن حقيقةٌ جاذبةٌ كالجاذبية العمومية التي تربط الأرض بالعرش. ولا يطيق الذين يحكمون في آسيا مبارزة تفسير للقرآن مثل رسائل النور، بل يصالحونها، ويفيدون منها، ويحمونها.

أما سكوتي، فإن كانت رؤوس كثيرة لأهل العزة قد افتُديت في سبيل اكتشافٍ عاديٍ ولاتباع فكرٍ سياسي لا أهمية له ومن أجل كرامةٍ دنيويةٍ، ففي سبيل ثروةٍ تُشترى بها الجنةُ العظيمة، وإكسير حياة يُكسِبُ الحياة الأبدية، وكشفياتٍ تُذهل الفلاسفة جميعاً، لو ملكتُ رؤوساً بعدد ذرات بدني، واقتضى أن افتديها، لفديتُها بلا تردد. ثم إن إسكاتي بالتهديد أو الإزالة، سيجعل ألف لسانٍ ينطق بدل لسانٍ واحد. ورجائي في اللّٰه أن يُنطقَ الرحيمُ الكريم ذو الجلال آلافَ الألسن بدل لساني الواحد الساكتِ، برسالة النور التي وقرتْ في الأرواح عبر عشرين سنةً الماضية.

مسألة تافهة إلاّ أنني سُئلت عنها كذنب كبير

يقولون: إنك لا تضع القبعة على رأسك ولا تنـزع عمامتك في المحكمة وأمثالها من الدوائر الرسمية، بمعنى أنك ترفض تلك القوانين، علماً أن رفضها يوجب عقوبة شديدة.

الجواب: إن ردّ القوانين شيء، وعدم العمل بها شيء آخر مغاير عنه تماماً؛ فإن كانت عقوبة الأول الإعدامَ، فعقوبة الآخر يوم واحد من السجن أو غرامة نقدية قدرها ليرة واحدة، أو إنذار أو توبيخ. فأنا لا أعمل بتلك القوانين، ولست مكلفاً بها، لأنني أعيش عيش الانزواء، فهذه القوانين لا تسرى على المعكتفين المنـزوين.

تنبيه: على الرغم من أن محاكم "إسبارطة" و"أسكي شهر" و"وزارة الداخلية" قد صادرت كتبي الخاصة -المتراكمة منذ عشر سنوات- ورسائلي الخاصة، فإنهم مازالوا ينقبون عمّا اتهمونا به من وجود منظمة سرية، واعترفوا بأنهم لم يعثروا على شيء قط، رغم جميع تدقيقاتهم الصارمة.

 

315
__________________________

 

فأنا أقول: "أيها السادة! عبثاً ترهقون أنفسكم؛ إن كان ما تبحثون عنه موجوداً، فعدم استطاعتكم العثور عليه طوال هذه المدة يعني أن وراء هذا الأمر قوة لا تُقهر ودهاء لا يُغلب ولا يُصد. فلا مناص لكم إلاّ مصالحته. وإلاّ أمَا يكفيكم إلحاق الضرر بالكثيرين من الأبرياء، بما يمسّ غيرة اللّٰه، فيكون وسيلة لنـزول المصائب أمثال الغلاء والقحط والوباء؟ علماً أن من هو مثلي عصبي المزاج يبوح بأخفى أسراره إلى الغرباء دون تحسب، وقد دافع أمام المحكمة العسكرية العرفية دفاع الرجال الأبطال، والذي يضطر في الشيخوخة إلى التحرز واتخاذ الحيطة والحذر -وفق مسلكه- عن الحوادث المجهولة العاقبة... أقول إن اتهام هذا الرجل بإقامة تنظيم سري -لا يمكن كشفه قط- سذاجة في منتهى البلاهة، أو كيد مدبّر بلا شك.

أطالب حقاً لي من الهيئة الحاكمة!

إن ما صودر من كتبي تفوق قيمتها -عندي- أكثر من ألف ليرة، حيث إن قسماً منها قبلته مكتبة أنقرة بكل اعتزاز وامتنان قبل اثنتي عشرة سنة، ولاسيما ما هو إيماني أخروي خالص كـ"المكتوب التاسع عشر" و"الكلمة التاسعة والعشرين" فلهما أهميتهما لديّ، فهما حصيلة حياتي وكل ما أملك من ثروة معنوية، ذلك لأنهما يبينان قسماً من عشرة أقسام من إعجاز القرآن بياناً واضحاً. فضلاً عن أنني استكتبتهما مذهّبتين خاصتين لنفسي. علاوة على نسخة من رسالة الشيوخ -من بين ثلاثِ أو أربعِ نسخٍ- ولما لم يكن في هذه الرسائل شيء يخص الدنيا فأطالب بكل كياني إعادة هذه الرسائل والرسائل العربية التي تخص ذكريات شيخوختي، فتلك الكتب أُنسي وسلواني وأصدقائي في هذه الدنيا التي أثقلت كاهلي بخمسة أصناف من الاغتراب، حتى لو كنت في السجن أو القبر.

فحرماني من تلك الكتب يعني دفعي إلى غربة لا يمكن أن تطاق. فاحذروا الآهات والزفرات التي تنطلق نتيجة هذه المضايقات الثقيلة المرهقة.

أطالب رئيس المحكمة وأعضاءها بحق مهم

وهو أنني لست وحدي موضوع البحث في هذه القضية كي تُحل ببراءتي بعد إطلاعكم على حقيقة الحال؛ ذلك لأن الشخص المعنوي لأهل العلم والتقوى قد أُسقط عليه ظل الاتهام لدى الشعب، وأصبحت الحكومة أيضاً تنظر إليهم نظر ارتياب وعدم اطمئنان،

 

316
__________________________

 

مما يلزم أهل العلم والتقوى أن يعرفوا كيف يتجنبون محاولات مضرة مخلّة. لذا أطلب نشر دفاعي الذي كتبت القسم الأخير منه مطبوعاً بالحروف الجديدة، كي لا ينخدع أهل العلم والتقوى بالمؤامرات ولا يتقربوا إلى محاولات فيها ضرر وخطورة، ولينجو الشخص المعنوي من التهمة لدى الشعب، ولتطمئن الحكومة كذلك إلى أهل العلم والتقوى ويزال سوء الفهم ولا تتكرر أمثال هذه الحوادث المضرة التي تلحق الأضرار بالحكومة والشعب والوطن.

حكاية أوردتها في لائحة الاعتراض

لقد بينت هذه الحكاية في لائحة الاعتراض، وهي تُصوِّر حال غربتي وانعدام النصير، وعدم اهتمام أحد بالسؤال عني، ولو برسالة منذ أربعة شهور والمعزول عن الناس، وهو يقتحم قضية مصيرية بين الموت والحياة، فضلاً عن تنفير الناس عنه ببث الإشاعات المغرضة.

والحكاية هي أنه ابتُلي سلطان في غابر الزمان بداء لا دواء له إلاّ دم طفل، فأعطى والدٌ طفله قرباناً مقابل ثمن، بناء على فتوى الحاكم. ولكن الطفل بدأ يضحك أمام المجلس بدلاً من البكاء والاستنجاد، فقيل له: لِمَ لا تستغيث! ولا تشكو بل تضحك؟ فأجابهم: إذا ابتلى الإنسان ببلاء فإن أول ما يلتجئ إليه هو والده، ثم إلى الحاكم، ثم إلى السلطان؛ فوالدي يبيعني لأُذبح، والحاكم يصدر قراره بقتلي، وها هو السلطان ينتظر دمي. فهذه الحالة العجيبة الغريبة والقبيحة المنفرة والتي لم يشاهَد مثلها لا تقابل إلاّ بالضحك.

وهكذا يا سيد "شكري قايا"([5]) أصبحنا نحن كذلك بمثابة ذلك الطفل، فبينما يقتضي أن نعرض وضعنا إلى والي المدينة الذي يمثل الحكومة، ثم إلى عدالة المحكمة،

 

317
__________________________

 

ثم إلى وزارة الداخلية لبيان الظلم الواقع علينا وتخليصنا من أيدي الظالمين، إذا بنا نشاهد أن وزير الداخلية -الذي هو آخر مرجع يستمع إلينا- هو المبتلى بداء الغرور فيطلب دمنا ويريد القضاء علينا بحجج واهية تافهة، سائراً على خطأ كبير بإضفائه لون الحقيقة للأوهام التي لا أصل لها قطعاً.

ونحن بدورنا نشكو شخص شكري قايا إلى وزير الداخلية شكري قايا. فإن كانت هذه المحكمة تريد الحفاظ على الحرية التامة حقاً ولا ترضخ أمام الضغوط أياً كانت وتحكم وفق ما في وجدان الهيئة من الشعور بالعدل، كنا أول من يقيم الدعوى على شخص شكري قايا لو نعلم أنهم يستمعون إلينا، ذلك لأنه منذ سنة والجواسيس يرفعون التقارير اليومية عنا إليه وبناء على طلبه اليومي أو -في الأقل- الأسبوعي. وبذلك لفت أنظار الجواسيس وأفراد الأمن إلينا وأعدّنا للذبح كما تعدّ الأضحية.

 وفي الوقت الذي لا ينبغي لهيئة الحكومة أن تفكر في شيء سوى العدالة -وهم حقاً متمسكون بها- إلاّ أنهم لم يتحملوا ضغط السيد شكري قايا، لذا لا يخلّون سبيلنا بل يماطلون.

أما الوالي وأفراد الأمن للحكومة المحلية بولاية إسبارطة، فكان واجبهم الوجداني حماية الموقوفين الأبرياء من إسبارطة -أكثر من غيرهم- والسعي لإخلاء سبيلهم بسرعة، إلاّ أنهم -بخلاف ذلك- يسعون للقضاء عليهم بالتجويع ولاسيما الفقراء المحتاجين منهم، فقطعوا عنهم الأرزاق المقررة لهم بناء على معاذير تافهة باطلة.

فهذه الحالة التي تثير أقصى درجات البكاء، نقابلها بالضحك -لا بالشكوى- بمثل ضحك ذلك الطفل، محيلين قضيتنا إلى اللّٰه العزيز الجبار ومتوكلين عليه.

مقدمة أُلحقت مؤخراً للدفاع الأخير

لقد أُخطر على قلبي فجأة في اليوم الثالث من الحمّى الشديدة الثقيلة عليّ، من جراء التسمم. فمنعتني من تناول شيء خلال ثلاثة أيام إلاّ كأساً من لبن وكأساً من حليب، فكتبت تلك الخاطرة -تبركاً- كمقدمة لدفاعي في المحكمة، فإن كانت فيها شدة ونقص فتعود إلى مرضي، وقد حاولت أن أبيّن الحقيقة صائباً ما وسعنى ذلك وأُظهرها كما هي بهذا القدر حيث إنني اضطررت إلى الدفاع عن مائة شخص، مع الإرهاق الذي أصاب الدماغ والبؤس الذي نعانيه والأحوال المزعجة التي نعايشها.

 

318
__________________________

 

إن قصدي من أسلوبي الذي ينطوي على مبارزة منظمةٍ سرية رهيبةٍ في جميع صفحات دفاعي هي الآتي:

إن الحكومة الجمهورية التي قبلت "فصل الدين عن الدولة" لا ينبغي لها أن تتعرض للمتدينين بسبب دينهم كما لا تتعرض للملحدين بسبب إلحادهم.

وكذا أريد أن أميّز حكومة الجمهورية التي ينبغي أن تكون حيادية وهي متحررة، عن المنظمات السرية الرهيبة المنحازة للإلحاد والتي تحيك المؤامرات وتستغفل موظفي الحكومة. فأريد أن تظل الحكومة بعيدة كل البعد عن هذه المنظمات. فأنا -في الحقيقة- إنما أجاهد أولئك المتآمرين الذين تسلل بعض منهم إلى وظائف الدولة، فهؤلاء يتعقبون بجد المتدينين، ولديهم تهمتان جاهزتان، يلصقونهما بالمتدينين الذين يحقدون عليهم، ويسعون لاستغفال الحكومة بهما.

إحداها: الرجعية التي تعني عدم الميل إلى إلحادهم.

والأخرى: استغلال الدين أداة للسياسة، بمعنى اتباع هذه الحكومة الإسلامية الإلحاد حاشا ثم حاشا.([6])

نعم، إن الحكومة الجمهورية لا تروّج أفكار تلك المنظمات السرية المفسدة المضرة بالوطن والشعب ولا تنحاز إليها بلا شك. بل مقتضى قانون الجمهورية منعها، إذ الانحياز إلى أمثال هؤلاء المفسدين لا يحقق تنفيذ الأسس الحقيقية للجمهورية حيث يكون بالضد منها. فعلى الحكومة أن تظل حَكَماً عدلاً بيننا وبين أولئك المفسدين. فأيّ منا كان ظالماً ومتعدياً فلتحكم بيننا بالعدل.

نعم، لا ينكر أن الكفر والإيمان يتصارعان منذ بدء الخليقة وسيبقيان هكذا إلى يوم القيامة. فكل من يقف على كنه قضيتنا هذه يدرك أن الهجوم الذي شُن علينا تعدٍّ صارخ من الكفر على المتدينين مباشرة، ليس إلاّ.

 

319
__________________________

 

إن ظهور أكثر الفلاسفة والحكماء من الغرب وأوروبا وبعثة أكثر الأنبياء في الشرق وآسيا رمز من القدر الإلهي، أن المهيمن على آسيا هو الدين. ولا شك أن الحكومة الجمهورية التي هي في مقدمة آسيا ستستفيد من هذه الناحية الفطرية لآسيا. وتجعل قاعدتها في الحياد تميل إلى جهة التدين أكثر من ميلها إلى الكفر.

المادة الثانية: ربما تطرح مسألة، وهي وجود مسائل في أجزاء رسائل النور تعارض القانون. فهذه الجهة تخص المحكمة. ولكن الرسائل نفسها تضم أكثر من مائة من الكشفيات المعنوية فينبغي صيانة حق الكاشف وعدم ضياع حق كشف واحد منها. ذلك لأن هذه الكشفيات لها أهميتها لدى أهل الحقيقة وأهل العلم والأدباء، فلا يمكن أن يتملك أحد كشف الكاشف، وإذا ما ادّعى تملكه فعلى الكاشف أن يقيم عليه الدعوى. وهذا قانون جار في الدول كلها.

إن رسائل النور التي أرغب في نشرها باستحصال موافقة الحكومة في المستقبل، قد سعيت منذ ما يقرب من ثلاثين سنة على تأليفها وكشفها، فهي نتيجة مساعيّ وثمرة تدقيقاتي ومجاهداتي الفكرية وتحرياتي الجارية في منابع مختلفة منذ خمسين سنة، فهي تُظهر مائة من الكشفيات المعنوية الحاوية على أُلوف من الحقائق، كل ذلك في أجزاء يفوق عددها على مائة رسالة. لذا فطرح خمس عشرة نقطة منها -لا توافق بعض القوانين- وجعلها في صورة اتهام، تهيئ المجال لسرقتها وتملكها من قبل الآخرين. حيث يسبب ضياعَ هذه الحقائق وضياع حقوقي المتعلقة بها. ومن هنا فإني أطالب -قبل كل شيء- بصيانة حقي باسم الحقيقة والحقوق وأرجو أن تكون هذه أول جهة تنظر إليها محكمتكم العادلة.

إن الحقائق التي تتضمنها رسائلي المصادرة نتيجة توهمها أداة جرم يجب أن تكون بين يديّ، لأنها مصدر إثباتي تجاه أهل العلم والفلسفة ومحققي الدراسات الأكاديمية، فأطلب إعادتها لي لإجراء تثبيت الكشفيات والمناظرات العلمية التي فيها. وحتى لو حكمتم عليّ فلا تكون تلك الرسائل محكومة. ولا بد أن تكون رفيقتي في السجن. ولا شك أن المحكمة العادلة تترفع عن الإنصات إلى أقوال الحاقدين والذي يخدش كرامة المحكمة وشرفها وعدالتها وستجعل إن شاء اللّٰه مؤامراتهم عقيمة بائرة.

 

320
__________________________

 

فأنا لا أقول باسمي وحده، بل باسم الحقيقة السامية التي ترتبط بها حقائق كثيرة وحقوق أبرياء كثيرين مستنداً إلى أن المحكمة لا تعرف مقاماً أسمى من إحقاق الحق والعدل. بل إن إنقاذ العدالة والبعد عن أي تأثير خارجي هو مقتضى العدالة التي تنفذها. فينبغي الإسراع في دفع هذه الأوهام الباطلة بإعلان الحرية لرسائل النور.

المادة الثالثة: يفهم من الذنب الموهوم الذي يسند إلينا استلزام محكوميتي، حيث يراد أن يمسنا ظاهر "المادة 163" ([7]) من قانون الجزاء وعموميتها، وبتعبيرها العام من دون أخذ القيود الاحترازية بنظر الاعتبار. رغم أن دفاعاتي المسجلة في المضابط الرسمية لديكم تضم أجوبة حقيقية قاطعة لما أُسند إلينا. فتُنتقد وتُعاقب رسائل النور بسبب عشر أو خمس عشرة نقطة بدلاً من أن تُكافأ وتقدّر حق قدرها لاحتوائها على مائة من الكشفيات المعنوية ومئات من الحقائق المهمة وهي في أكثر من مائة جزء. أليس من حقي أن أطالب بحقي هذا، وحق حرية رسائل النور؟ بل هذا أمر ضروري.

المادة الرابعة: إن الذين يهاجمونني إلى الآن ويثيرون الحكومة علينا، أصحاب أغراض وأحقاد بلا شك. إذ ما تركوا باباً إلاّ وطرقوه لأجل ضربنا. فبدؤوا أولاً باتهامنا بـأننا "أصحاب طريقة صوفية" ولم يعثروا على شيء يثبت اتهامهم، ثم تهمة "تأسيس جمعية" ثم تهمة "معارضة قوانين الانقلاب وتشكيل تنظيمات سرية معارضة للدولة والقيام بنشريات دون إذن حكومي".. وأمثالها من الاتهامات الكثيرة، ومع هذا لم يجدوا شيئاً لإدانتنا. وفي النهاية يريدون سحب مادة قانونية علينا -بما لا يقبله عاقلٌ ولا يعطي لهم الحق منصفٌ- من دون اعتبار بقيودها الاحترازية، مستفيدين من عمومية ظاهرها.

نعم، لا يقبَل من له ذرة من عقل وله ذرة من إنصاف في الدنيا كلها المادة التي سنبحثها بل سيقول حتماً إنه افتراء وبهتان محض؛ تلك هي "أن سعيداً الكردي يستغل الدين لأجل السياسة" فالدلائل التي تفند هذا الزعم تبلغ أكثر من عشرين دليلاً، وما يقرب من عشرة منها أدرجت في المضابط الرسمية لدفاعاتي. أذكر أحد الأدلة فقط بشهادة مئات الشهود:

بمشاهدة أهالي قرية "بارلا" التي مكثت فيها تسع سنوات، وبشهادة أخلائي في إسبارطة التي أقمت فيها تسعة أشهر، وبإشهاد أخلائي الذين يعرفونني عن كثب،

 

321
__________________________

 

إني لم أقرأ ولم أستمع ولم أطلب أية جريدة التي هي لسان حال السياسة منذ ثلاث عشرة سنة. بل لم أرغب في الاطلاع على الجرائد التي تطرقت إلى وقائع يظن أن لها مساساً مع شخصي وتثير الفضول لدى الناس، ولم أقرأها ولم أستقرئها. أيُقال لسعيد: إنه "يجعل الدين أداة للسياسة" والذي يعني أن الدين الحق الذي آمن به وهو الحقيقة السامية المقدسة والإيمان الحقيقي يجعله آلة للسياسة، أي آلة لمقصد دنيء عقيم تضيع فيه حقوق الكثيرين، لمقصد مختلطٍ فيه الإثمُ الكثير، بماذا؟ بـرسائل النور التي تبينت بعد التدقيقات العميقة التي أجرتها الحكومة، أنها متوجهة للآخرة والإيمان وإلى الحقيقة لا غير، فيما عدا خمس عشرة مادة فيها.. ألا يَفهم من يتفوه بهذا الكلام أنه أبعد من العقل والوجدان؟ فلا ريب أن المحكمة العادلة ستدفع بمثل هذه الأوهام الباطلة والإسنادات الظالمة وتحق الحق في حقنا.

فعلى الرغم من أن الجهل بالقوانين لا يشكل عذراً لدى الأكثرية، فإن من كان في قرية نائية، تحت الترصد والمراقبة، وفي بلد غير بلده، عازفاً عن الدنيا، ومقيماً إجبارياً منفياً هناك، وتتوالى عليه الإزعاجات باستمرار، لا شك أن جهله بالقوانين يشكل عذراً لدى المنصفين.

فذاك الرجل هو أنا، فلم أكن أعلم أية مادة قانونية التي يؤاخذونني بها بوهم خاطئ. بل لم أكن أستطيع التوقيع بالحروف الجديدة. وقد لا ألتقي أحداً طوال عشرة أيام سوى من يعينني في أموري الخاصة، فالجميع يهربون من أن يمدّوا إليّ يد التعاون. علاوة على ذلك لا أتمكن من توكيل محام يدافع عني. وقد اتخذت دستور "إنما الحيلة في ترك الحيلة" دستوراً طوال حياتي، فمازلت أقول الصدق والحق والحقيقة والصواب في المحاكمات. وبناء على ما ذكر فمن مقتضى العدالة النظر بالتسامح إلى تعابيري التي لا توافق القوانين الحاضرة والأصول الرسمية في دفاعاتي أو في عدد من رسائل النور.

إن النقاط التي ظلت مجملة في دفاعاتي موضّحة في رسالة الاعتراض على لائحة الادعاء، وما جاء في الاعتراض من مواد مجملة موضحة في الدفاعات، فالواحدة تكمل الأخرى.

إن ما تضمنته "المادة 163" مع القيود الاحترازية من معنى، وما قصد بها واضع القانون هو ألاّ يكون مبعثاً للإخلال بالأمن. وحيث إنه ليس هناك إشارة ولا أمارة ولا ترشح يومئ إلى الإخلال بالأمن، لا فيّ ولا في رسائلي، فهذه المادة إذن لا علاقة لها بقضيتنا إطلاقاً وليس هناك جهة تستلزم العقوبة.

 

322
__________________________

 

وقد أثبتنا هذا إثباتاً قاطعاً كما في المضابط الرسمية. لذا لا يليق بجلال العدالة إبراز هذه المادة القانونية ومؤاخذتنا بها بتأثير الأوهام المذكورة في البداية. فأنا أطالب ببراءتي وأقول كلمتي الأخيرة:

﴿حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.

اعتراض على لائحة الادعاء

أيتها الهيئة الحاكمة ويا أيها المدعي العام!

إن كل مادة وردت في لائحة الادعاء العام حول سبب اتهامي أجيب عنها في دفاعاتي المسجلة في المضابط الرسمية لدى دائرة التحقيق. و"دفاعي الأخير" البالغ خمساً وثلاثين صفحة أقدمه بدلاً من الاعتراض، ولكن لأجل أن ألفت نظر العدالة والإنصاف إلى نقطة مهمة أقول:

 أيّ إنصاف أو وجدان يقبل اتهامي بمحاولة الإخلال بالأمن والنظام، رغم عدم وجود أية أمارة أو ترشّح حول الإخلال بالأمن والنظام منذ عشر سنوات صادر مني، وأنا المظلوم وتحت المضايقات في ولاية إسبارطة؟

فلو فسّر وجه تنفيذ "المادة القانونية 163" بحقنا فيجب أن يشمل أولاً رئاسة الشؤون الدينية، وجميع الأئمة والخطباء والوعاظ، لأننا مشتركون معهم في الإرشاد والتوجيه إلى الحياة الدينية. إذ لو فسّر هذا المفهوم الخطأ الواضح، أي إن الإرشاد الديني يخل بالأمن والنظام الداخلي فعندئذ يصبح شاملاً للجميع.

نعم، إن لي جهة تفوق عليهم وهي إيضاح الحقائق الإيمانية إيضاحاً قاطعاً لا شبهة فيه ولا ريب. ولو فرض -فرضاً محالاً- ورود اعتراض على أهل الدين عموماً فإن هذه الحالة تكون وسيلة لإنقاذنا من الاعتراض.

إنه بلا شك لا يليق بنظر العدالة إلقاء عشرين من الأبرياء في السجن وجعلهم في حالة بؤس وشقاء بعيدين عن أهليهم وذويهم وعن مساعيهم وشغلهم بسببـي أنا،

 

323
__________________________

 

وبناء على مادة لم يثبت منها شيء عليّ بعد إجراء التحقيقات بشأني إلى هذا الحد، بل حتى لو ثبت فلا يشكل ذنباً من وجهة نظر العدالة الحقة، وحتى لو كان ذنباً فأنا المسؤول عنه. نعم، فلقد تضرر ضرراً بالغاً -بالتوقيف والحجز- كثيرون جداً من الأبرياء بسبب أدنى علاقة معي.

ورد في لائحة الادعاء حول نفيي ما ينمّ عن الاشتراك في حوادث الشرق "الشيخ سعيد".

فأنا أجيب: "إنني نفيت من قبيل الأخذ بالحيطة والحذر ليس إلا،ّ وتوجد تفاصيل حول الموضوع في سجلي لدى الحكومة. فلقد كنت آنذاك -وكما هو الآن- منـزوياً عن الناس. إذ لما كنت وحيداً فريداً في مغارة على جبل، مع خادم، أخذوني وفرضوا عليّ الإقامة الإجبارية لمدة عشر سنوات، تسع منها في قرية وسنة واحدة في "إسبارطة". وفي النهاية ابتلوني بهذه المصيبة".

لائحة الادعاء الثالثة

وردت الفقرة الآتية في اللائحة:

"حينما كان في بارلا أنشأ علاقات مع الناس، البعيد والقريب، وضمن منهم المعونات المادية والمعنوية، وبدأ نشاطَه مؤلِّفاً رسائل عدة سماها رسائل النور واستكتب جزءاً جزءاً منها بالتتابع وكثّرها بنسخ كثيرة ونشرها بصورة خفية بدلالة رجاله وبوسائل شتى حتى نشرها في كل من أنطاليا وأيدن وميلاس وأغريدر ودينار ووان وأمثالها من المناطق، ووضع على بعض هذه الرسائل التي تؤثر في الأمن الداخلي أنها رسائل سرية خاصة أو شبه خاصة، وبهذا أظهر ما كان يستهدفه من هذه الرسائل..."

أقدم الجواب الآتي القاطع الواضح، مع "الدفاع الأخير" المسجل في المضابط الرسمية والبالغ خمساً وثلاثين صفحة، على صورة رسالة اعتراض فأقول:

"حاشا ومائة ألف مرة حاشا للّٰه.. لا ولن أجعل علم الإيمان أداة لشيء قط سوى مرضاة اللّٰه. ولا يحق لأحد كائناً من كان أن يجعله.. وقد ألفت مائة وخمساً وعشرين رسالة تحت اسم رسائل النور خلال عشرين سنة.. والتي عليها "رسائل خاصة سرية" ثلاثة منها. وجعلناها خاصة لئلا تكون مدار غرور ورياء.

 

324
__________________________

 

والآن أضطر إلى نزع ستار السرية عن تلك الرسائل فأقول: إن إحدى تلك الرسائل الخاصة هي "الكرامة الغوثية". والثانية "الكرامة العلوية" والثالثة "رسائل تخص الإخلاص". والرسالتان في الكرامة عبارة عن إشارات الإمام على رضي اللّٰه عنه والشيخ الكيلاني قدس سره إلى تقدير خدمتي القرآنية وتثمينها بما يفوق حدي مائة مرة. أما الرسالة الخاصة بسر الإخلاص فهي تنجي -بإذن اللّٰه- من الرياء والغرور والأنانية وهي تخص إخوتي الخواص. فما علاقة هذه الرسائل بالأمن الداخلي حتى تكون موضع اتهام.

أما القسم الثاني من الرسائل الخاصة فهو بضع رسائل كتبتها قبل تسع سنوات عندما كنت في "دار الحكمة الإسلامية" رداً على اعتراضات أوروبا والهجوم الكفري السافر لـ"عبد اللّٰه جودت"(*) ورسالتين كتبتهما على صورة شكوى من التعدي الظالم الشنيع عليّ من قبل بعض الموظفين. وهما مذكورتان في دفاعي.

وبعد تأليف هذه الرسائل الأربع بمدة، منعتُ نشرها لئلا تمس قوانين التحرر وشؤون الحكومة بأي شكل من الأشكال، وقلت إنها رسائل خاصة. فانحصرت في واحد أو اثنين من إخوتي الخواص. ودليلي هو عدم وجود هذه الرسائل في أي مكان كان رغم تحرّياتكم الكثيرة. إلاّ أنكم حصلتم على "الفهرست" لجميع الرسائل، وفي ضوئها استلزم استيضاح هذه النقاط. وقد أجبت عنها وسُجلت في مضابطكم الرسمية.

ترد في لائحة الادعاء أسماء مناطق عديدة ومحاولتي نشر رسائل النور بوساطة رجالي هناك. أقول جواباً: إني أعيش غريباً وبلا نصير في قرية نائية، ولا أجيد الكتابة، يتجنب الناس عن معاونتي لكوني تحت المراقبة والترصد الدائم. فكم هو خلاف الحقيقة إطلاق الكلام جزافاً: "إنه يحاول النشر وتعميم الرسائل".. لإرسالي بعض الخواطر الإيمانية إلى عدد محدود جداً من أحبتي-كذكرى جميلة- لا يتجاوزون خمسة أشخاص؟.. قدّروا الموقف.. إذن فكيف يقال: إنها نشرياتٌ إرسال رسالة أو رسالتين إيمانيتين إلى صديق في "وان" علماً أنني انشغلت بالتدريس هناك خمس عشرة سنة ونلت توجه الناس وإقبالهم عليّ أكثر من حدّي بكثير. لا شك أنى لا أستطيع النشر حيث لا مطبعة لي ولا كتّاب ولا أجيد الكتابة، ولكن رسائل النور لها جاذبية تنتشر بنفسها.

 

325
__________________________

 

إلاّ الكلمة العاشرة التي تخص الحشر قد طبعناها، قبل إقرار الحروف الجديدة، وحصل عليها مسؤولو الحكومة والنواب والولاة، ولم يعترض أحد منهم عليها. ونُشرت منها ثمانمائة نسخة. ولمناسبة انتشارها حصل بعض الناس على رسائل مشابهة لها من الرسائل الإيمانية الأخروية الخالصة، ولا جرم أني قد انشرحتُ بهذا الانتشار الذي حصل بنفسه، ودون اختيارنا. وقد كتبت تقديري هذا على صورة حث في بعض مكاتيبي الخاصة، وبنتيجة التحريات الدقيقة منذ ثلاثة شهور عثروا على كتبي لدى خمسة عشر أو عشرين شخصاً في هذه البلاد الواسعة. ترى كيف تكون "نشرياتٍ" وجدانُ رسائلَ لدى عشرين من أصدقاءِ مَن قضى ثلاثين سنة من عمره في التأليف والنشر؟ وكيف يقال: إنه يستهدف شيئاً وراء هذه النشريات؟

أيها السادة! لو كنت أبتغي دنياً أو سياسة لكانت علاقتي تظهر بمائة ألف شخص وليس بخمسة عشر أو عشرين شخصاً.

وعلى كل حال ففي "دفاعي" لديكم تفاصيل أكثر وإيضاح بخصوص هذه النقطة.

* * *

جاء في لائحة الادعاء اعتراض على حقيقة وهي الجواب العلمي وفي غاية الوضوح على اعتراض المدنية الحديثة حول الآيتين الجليلتين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾(النساء:11) ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾(النساء:11) علماً أن تلك الحقيقة وردت في جميع التفاسير.

وورد في لائحة الادعاء -نقلاً من "الفهرست" أيضاً- انتقاد العبارة الآتية: "لا تحل الترجمة محل الألفاظ القرآنية والأذكار المأثورة".

هذه المسألة حدثت قبل ثماني سنوات وهي حقيقة علمية لا تقبل الاعتراض قطعاً. ولكن الحكومة بعد مدة طويلة قبلت -حسب بعض متطلبات الوقت الحاضر- ترجمتها. فكيف تستعمل إذن تلك الحقيقة العلمية ضدي؟

ورسالة شكوى عبارة عن أربع نقاط لم أسلّمها لأحد من الناس. ولهذا لم يعثر عليها، تبحث عن التعدي الظالم الوحشي على مسجدي من قبل مدير الناحية وثلة من أصدقائه، وسوء تصرف القائمقام ومأموريه معه.

 

326
__________________________

 

وورد في لائحة الادعاء بحث في التوافقات اللطيفة أن عدد سطور "رسالة الحشر" يوافق تاريخ تأليفها، وتاريخ إعلان الجمهورية اللادينية العلمانية التي تفصل الدين عن الدنيا والذي هو أمارة إنكار الحشر... وهذا يعني أنه من المحتمل أن يُظهر أهل الضلالة والإلحاد إنكار الحشر مستفيدين من حياد الجمهورية التي لا تتعقب الدين ولا الكفر، وتظل على الحياد. وليس في ذلك اعتراض على الحكومة، بل إشارة إلى حياد الحكومة.

نعم، لقد أخرسَتْ "الكلمة العاشرة" بنسخها الثمانمائة أهلَ الضلالة، فلم يطيقوا أن يخرجوا أضغانهم، فدفنتْ إنكارَهم الحشرَ في قلوبهم ولم تُتح لهم فرصة كي ينطقوا به، فكمّت أفواههم ببراهينها الدامغة.

نعم، إن الكلمة العاشرة التي تبحث عن ركن إيمانيّ عظيم وهو الحشر أصبحت كالسور الفولاذي حول الإيمان. وأسكتت أهل الضلالة. فلا جرم أن الحكومة الجمهورية قد سُرّت ورضيت بها حتى تناقلتها أيدي المسؤولين الكبار بحرية تامة..

أيتها الهيئة الحاكمة!

لو كان هدف رسائل النور الدنيا أو قُصد بها قصدٌ دنيويٌ لكانت عشراتُ الألوف من مواضع النقد في مائة وعشرين رسالة تلفت إليها الأنظار.. فهل يجوز منع بستان طيب وإدانة صاحبه بوجود خمس عشرة فاكهة مُرة بالنسبة لكم من بين مائة وعشرين ألف فاكهة طيبة لذيذة.. أُحيلُ ذلك إلى وجدانكم العادل.

ولقد بينتُ في دفاعي الأخير أنني منذ ثلاثين سنة أجبتُ ومازلت أجيب على اعتراضات فلاسفة أوروبا ومن يعمل على حسابهم في داخل البلاد من الملحدين الذين يحيكون مؤامرات المكر السيء. فكل من يدقق رسائلي يدرك أن مخاطبي فيها بعد نفسي هم أولئك.

والآن أسألكم: بأي صورة تكون اللطمات العلمية التي أُنزلها على فلاسفة أوروبا وأضرب بها وجه كل ملحد يعمل لحساب الأجانب، أنها ضد الحكومة؟ إننا لا نستوعب هذا، إذ كيف يكون هذا الأمر ضد الحكومة بل لا نورد احتمالاً له قط! بل نرى أن حكومة الجمهورية الداعية إلى الحرية ترحب بهذه اللطمات العلمية المحقة، ترحب بها باسمها وباسم القانون، فلا تعتبرها مواد مسؤولية واتهام.

 

327
__________________________

 

اعتذار: كتب هذا الاعتراض خلال ثلاثة أيام بعد تبليغ لائحة الادعاء، ففي اليوم الأول أتت اللائحة متأخرة وقرئت حتى المساء. وفي اليوم الثاني تُرجم القسم الأعظم منها. فكتب هذا الاعتراض الطويل بسرعة حيث لم أجد مجالاً لكتابته إلاّ حوالي ست ساعات.

ولما كنت قد مُنعت من الاختلاط بالناس، فإني أجهل القوانين والأصول الرسمية الحاضرة -كما ورد في دفاعي- لذا فهذا الاعتراض الذي كتبته في خلال أربع أو خمس ساعات سيكون غير منتظم ومشوشاً بلا شك، أرجو أن تنظروا له بنظر التسامح.

 

الدفاع الأخير

المقدم إلى حاكم الجزاء

باسمه سبحانه

"دفاع عن الاتهامات الواردة في اثنتي عشرة صفحة 
الخاصة بي، من بين قرار الاتهام البالغ ستين صفحة".

إن الأجوبة القاطعة عن المواد المذكورة في قرار الاتهام موجودة في دفاعي المسجل لدى المضابط الرسمية لديكم. وأبرز هذا الدفاع هو الأخيرُ البالغ تسعاً وعشرين صفحة مع رسالة الاعتراض البالغة تسع عشرة صفحة تجاه هذا القرار الباطل والاتهامات الموهومة.

فهذان الدفاعان يردّان ويفنّدان بصورة قاطعة جميع نقاط المؤاخذة وأسس الاتهامات الواردة في قرارات حكام التحقيق، ويبينان أن تلك القرارات باطلة لا أصل لها إطلاقاً. وسأبين هنا في خمس "عُمدات" من أين استُغفِل الذين اتهمونا، ومن أين اقتبسوا هذه المؤاخذة الباطلة علينا وما مستند هذا القرار؟..

العُمدة الأولى: جواباً على الاتهام الباطل الذي لا أصل له إطلاقاً وهو أنني ورسائل النور نعارض دساتير الحكومة وضدّ نظامها ونخلّ بالأمن الداخلي وحجتهم الخمس عشرة فقرة التي وردت في بضع أجزاء من رسائل النور البالغة مائة وعشرين جزءاً.

 

328
__________________________

 

فأنا أقول: لقد قبلت حكومة الجمهورية قسماً من قوانين المدنية التي هي الملك المشترك لأوروبا -بناء على إلجاءات الوقت الحاضر فقط- لذا كيف يقال لدفاعاتي العلمية في سبيل إحقاق الحقائق القرآنية تجاه الجزء القاصر من تلك المدنية -وليس النافع منها- أنها تعارض دساتير الحكومة وتخالف نظامها أو أنها حركة ضد الأعمال الانقلابية للحكومة؟

ترى هل تتنـزل هذه الحكومة لتكون محامية دفاع عن الجزء القاصر من مدنية أوروبا؟ فهل هدف الحكومة منذ زمن طويل هو قوانين ذلك الجزء القاصر من المدنية المخالفة للإسلام؟ فأين اتخاذ طور المعارض للحكومة وأين الدفاع عن الحقائق القرآنية دفاعاً علمياً تجاه قوانين المدنية القاصرة. ألا يعد حقداً ظاهراً ووهماً باطلاً واضحاً اتهامي بأن له قصد المعارضة لقوانين الانقلاب ومخالفة دساتير الحكومة والنظام فيما كتبته -قبل ثلاثين سنة- من الحقائق القدسية للآيات الكريمة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ..﴾(الأحزاب:59) ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾(النساء:3) إلى آخر الآيات الكريمة، تجاه اعتراض فلاسفة أوروبا وتعديهم. تلك الآيات التي فسّرها المفسرون في ملايين تفاسيرهم منذ ألف وثلاثمائة سنة والتي تزخر المكتبات بها في الوقت الحاضر.

فلو لم يكن الأمر متعلقاً بهذه المحكمة لما كنت أرى الأمر يستحق الدفاع والجواب.

ويا عجبي، كيف تؤخذ دفاعاتي العلمية أنها ضد الحكومة؟! علماً أنها تجاه الملحدين والمفسدين الذين يضمرون إضرار هذا الوطن والشعب والذين يعملون لحساب المنظمات الملحدة الأوروبية فينثرون بذور الإلحاد والاختلاف والفساد بوساطة جمعيات الروم والأرمن؟! وكيف تومئ دفاعاتي العلمية معنى التعرض للحكومة؟! وأي إنصاف يرضى أن يملّك الإلحاد الحكومة ومن ثمة يتهم من يتعرض له بمعارضة الحكومة؟! وأي وجدان يرضى وأي إنصاف يقبل عدّ دفاعاتي العلمية الغالبة على المفسدين الملحدين منذ عشرين سنة أنها "استغلال الدين للسياسة" وتحريض الناس على الاعتراض على الحكومة؟! وكيف يملّك الإلحاد على بعض دساتير الحكومة، علماً أن الأسس المتينة للحكومة الجمهورية هي ضد أمثال هؤلاء الملحدين؟!

نعم، إنني أعلن للدنيا قاطبة وليس لهذه المحكمة وحدها، أنني دافعت ومازلت أدافع عن الحقائق الإيمانية المقدسة تجاه فلاسفة أوروبا ولاسيما الملحدين منهم وبالخاصة أولئك الذين يجعلون السياسة أداة للإلحاد ويخلون -ضمناً- بالأمن والنظام.

 

329
__________________________

 

إنني أعلم أن الحكومة الجمهورية حكومة إسلامية لا تفسح المجال للتيارات الإلحادية المضرة بالوطن والشعب وقد قبلت ضمن إلجاءات الزمان الحاضر بعض القوانين المدنية.

إنني لا أوجّه كلامي هذا إلى حكام التحقيق الذين يؤدون واجبهم، بل أوجّهه إلى الملحدين الظالمين الذين استُنِدَ إلى أقوالهم في قرار الاتهام. وأقول: إنني أتهمكم بأنكم تريدون استغلال السياسة في سبيل الإلحاد، تجاه اتهامكم إياي بأني أستغل الدين للسياسة. لأنني أثبتُّ بمائة دليل قاطع أن هذه فرية فاضحة وباطل لا أساس له من الصحة.

كان فيما مضى سلطان خبّ، يقترف مظالم كثيرة باسم العدل، فقال له عالم فاضل يوماً: "أيها الحاكم! أنت تظلم رعيتك باسم العدل، لأن رؤيتك المتسمة بالخب والانتقاد تجمع السيئات المتفرقة عبر الزمان وتتصورها في آن واحد، فتُعاقِب صاحبها بعقاب أليم، ثم تجمع سيئات القوم الناجمة من أفراده المتفرقين، مرة واحدة -برؤيتك الناقدة المتسمة بالخب الخدّاعة- وتَحذَر كل فرد من أفراد ذلك القوم، وتَنفر منهم جميعاً وتُنـزل ضربة ظالمة عليهم. فإنك بلا شك تغرق في ما تبصقه في ظرف سنة واحدة لو خرج منك في يوم واحد. والعلاج المر الذي تستعمله في أوقات متفرقة إذا استعمله عدد من الأفراد في يوم واحد ربما يؤدي إلى موتهم.. وهكذا، فبينما الأمر يقتضي ستر السيئات المتخللة بين المحاسن، فإنك لا تفكر بالمحاسن المزيلة للسيئات في رعيتك، بل تجمع -برؤيتك الخب الخدّاعة- السيئات كلها وتعاقب عليها عقاباً أليماً".. ويستمع السلطان إلى ذلك العالم الجليل، فينجو من الظلم.

إن قوة خفية تريد الحكم عليّ بالإدانة، وأشعر أنها تحاول بشتى الوسائل أن تجد حججاً ومعاذير مهما كانت لجعلي محكوماً، كمن يجمع الماء من ألف وادٍ، بل أغرب من دعوى الذئب للحمل.

 فمثلاً يرددون هذه الكلمة منذ ثلاثة شهور: "إن سعيداً الكردي يستغل الدين للسياسة". وأنا أقسم بجميع المقدسات أنه لو كان عندي ألف سياسة لكنت فديتها للحقائق الإيمانية. فكيف أجعل الحقائق الإيمانية أداة لسياسة الدنيا؟ فمع أنني فنّدت هذا الاتهام في مائة موضع إلاّ أنهم لا يزالون يرددون النقرات نفسها، بمعنى أنهم يريدون بالاستلزام أن يجعلوني مسؤولاً مهما كلّف الأمر.

 

330
__________________________

 

وأنا بدوري أتهم الظالمين الملحدين الذين يحاولون العمل ضدنا بأنهم يستغلون السياسة للإلحاد، فهم يحاولون ستر هذا المعنى -وهو موضع اتهامهم- باتهامي أن سعيداً يستغل الدين للسياسة.

فمادام الأمر هكذا، وهم يريدون الحكم عليّ مهما كلف الأمر، فأنا أقول لأهل الدنيا قاطبة: إنني أترفع ولا أتنـزل لأجل سنة أو سنتين من عمر الشيخوخة هذا.

العمدة الخامسة: عبارة عن أربع نقاط:

النقطة الأولى: الكلمات تُحرّف عن مواضعها في القرار، إذ يستخرج منها التعريض. علماً أن الكلمة لا يقصد بها ذلك، والحال أن هدف رسائل النور مخالف تماماً لما يذكرونه. فالتعاريض غير المقرونة بقصد كلماتها بل حتى التصاريحُ لا بد أن يُنظر إليها بنظر العفو والتسامح. والمثال الآتي مقياس لإيضاح هذه النقطة:

إني أستهدف قصداً معيناً وأسعى راكضاً إليه، وإذا بي أصطدم برجل كبير دون اختيار مني وسقط الرجل على الأرض، فاعتذرت منه قائلاً: "يا سيدي أرجو المعذرة فإني اصطدمت بك دون قصد وأنا في طريقي إلى ما أذهب إليه"، فلا شك أن الرجل سيعفو عني ولا يتألم مني. بينما إن وضعت إصبعاً في أذنه بقصد الإزعاج فسيسخط عليّ بلا شك لعدّه هذا التصرف مني إهانة وتحقيراً مقصوداً.

نحن لا نقصد الاصطدام بكم في أثناء سيرنا نحو هدفنا، ولكن لو اصطدمتْ كلماتٌ قوية في رسائل النور في أثناء حركتها العلمية الفكرية بكم فلا بد أن يكون ذلك موضع العفو والتسامح حيث إن هدف رسائل النور الإيمان والآخرة.

لقد تعرضت لظلم لا مثيل له

وهو الآتي: على الرغم مما بينته في دفاعي الأخير، وفي اعتراضاتي الثلاثة بدلائل قاطعة بعشرين وجهَ أن "المادة 163" لا تمسني إطلاقاً، وكذا ما بينته في رسائلي البالغ عددها مائة وعشرين رسالة المؤلفة خلال عشرين سنة -ولم يجدوا فيها إلاّ أقل من عشرين كلمة لا تروق لهم- وكذا ما وضّحته في دفاعاتي العلمية التي كتبتها في أوقات مختلفة تجاه فلاسفة أوروبا الكفرة وتلامذتهم الملحدين، وهي رسائل نافعة قيمة أخروية،

 

331
__________________________

 

بمناسبة كوني عضواً في "دار الحكمة الإسلامية" لم توافق عشرٌ أو خمس عشرة كلمة منها من بين مئات الألوف من الكلمات، بعضَ المواد للقانون المدني الذي قُبل بعد مدة طويلة تحت إلجاءات الزمان... مع كل هذا تُطالَب بمحكوميتي، وتُصادر المتداول من رسائل النور البالغ عددها مائة وعشرين رسالة والحاوية على كشفيات معنوية مهمة. فضلاً عن رفض جميع دعاواي ودفاعاتي العلمية المنطقية القانونية لدى المحكمة بصورة غير قانونية وبدون ذكر الأسباب الموجبة.

إن "المادة القانونية 163" التي تنص على الذين يستغلون الشعور الديني للإخلال بالأمن، لا بد أن يكون لها تفسير، حيث إنها واسعة شاملة جداً. إذ لها قيود احترازية. وإلاّ فهذه المادة وهذا المعنى الواسع كما يُدينني يدين جميع أهل الدين وفي مقدمتهم رئاسة الشؤون الدينية والأئمة والخطباء والوعاظ، ولئن كان يشملني هذا المعنى الشامل لهذه المادة مع ما قدمت في أكثر من مائة صفحة من الدفاعات القاطعة الحقيقية، يشمل أيضاً كل ناصح يرشد إلى الخير، بل يشمل كل إنسان تحت حكمه. وينبغي أن يكون معنى هذه المادة القانونية كالتالي:

إنه لصد الذين يتبعون سياسةً معارِضة "للحكومة" تحت ستار التعصب ويعيقون الرقي الحضاري.

ولقد أثبتنا أن هذه المادة بهذا المعنى لا تمسنا إطلاقاً بدلائل قاطعة كثيرة جداً.

نعم، لا يمكن أن تكون هذه المادة بهذا المعنى الذي لا تفسير له ولا حدود ولا قيود احترازية، حيث تكون عند ذلك ملائِمة لكل حاقد أن يتهم بها من يشاء من الناس.

 إنني أعيش تحت النَظَارة والمراقبة المستديمة منذ عشر سنوات، وقد ألفتُ خلال عشرين سنة التي خلت مائة وعشرين رسالة، لم يعثروا على أمارة واحدة فيها تخل بالأمن، لا فيّ ولا في رسائل النور بعد إجراء تحقيقات عميقة.. فضلاً عن أنني أثبت بعشرين وجها، وأُشهد الذين يعرفونني عن كثب بأنني استعذت باللّٰه من السياسة استعاذتي من الشيطان، ولم أتدخل في أمور الدنيا متخذاً العملَ للإيمان أعظم هدف لي من الحياة.. وعلى الرغم من كل هذا نراهم يشيعون "أن سعيداً يستغل الدين للسياسة ويحاول الإخلال بالأمن" محاولين بذلك أن تشملني "المادة 163" ليدينوني بها.

 

332
__________________________

 

إن هذه حادثة عدلية لم يُر مثلها، وأعتقد أنها تمس كرامة المحاكم والعدلية وشرفها في الدنيا بأسرها.

إن إظهار الحكام العظام والقواد الصناديد الانقياد التام في محاكم صغيرة يدل على أن للمحاكم كرامتها وشرفها الذي لا يثلمه شيء. لذا أدافع عن حقوقي بكل حرية اعتماداً على هذا الشرف الرفيع للمحكمة وأقول: هل يحكم على مائة وخمسة عشر كتاباً بريئاً نافعاً بمصادرة المتداول منها، لأن فيها رسالتين تضمان خمس عشرة كلمة تورث الوهم والشكوك لدى نظر الحالة الحاضرة بينما يسمح بنشر مقالة بعد رفع الرقابة عنها بضع كلمات تشتبه أنها مضرة. علماً أن عشرين كتاباً منها ألف في أوقات متباينة، وأن قسماً مهماً منها قبلته مكتبة أنقرة باعتزاز وضمته بين كتبها.

فلا شك أن هذا العمل يمس شرف العدلية على الأرض قاطبة، ولا ريب أن محكمة التمييز ستصون هذا الشرف والكرامة.

من بين المسائل العشر أو الخمس عشرة، هناك مسألتان مهمتان توجهت إليها الانتقادات بكثرة وأصبحتا السبب في مؤاخذة الكتب الأخرى.

والمسألتان هما الآيتان الكريمتان ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فهاتان المسألتان هما أولى المسائل التي أُدان بهما، أنا وكتبي.

فقد كتبتُ باللغة العربية والتركية -منها مطبوعة وغير مطبوعة- حوالي أربعين سنة رسائلَ اتخذتُ فيها إعجاز القرآن أساساً، فأسقطتُ اعتبارَ النقاط التي تخالف المدنيةُ القرآنَ الكريم وأثبتُّ إعجاز القرآن الكريم بعجز المدنية الدنية -كما أطلقت عليها- والمليئةِ بالسيئات والأضرار وليست المدنية النافعة.

لقد تناولت -قبل مدة- مواد القانون المدني التي تخص الإرث والمخالِفة للآيتين المذكورتين، وأظهرت من الأدلة القاطعة ما يُلزِم أعتى فلاسفتهم. وقد كتبت هذه المسألة تجاه المدنية والفلاسفة، ودافعت عنها قبل قبول حكومة الجمهورية لقسم من المواد من القانون المدني بإلجاءات الزمان، وبينت أن القرآن الكريم قد صان باهتمام بالغ حقوقَ المرأة التي ضاعت في القرون الأولى والوسطى.

 

333
__________________________

 

والآن تُعرَض بياناتي في هاتين المسألتين كأنها مخالفة لقانون الحكومة الجمهورية، فيدينونني بــ"المادة 163" من القانون. وأنا بدوري أقول للمحكمة العليا وللعدلية:

استناداً إلى ما حكم به واتفق عليه ثلاثمائة وخمسون ألف تفسير لدستور إلهيّ هو الحق والحقيقة واحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية خلال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وتوقيراً لجميع أجدادنا، ذكرت الآيتين الكريمتين قبل خمس عشر سنة وقبل عشر سنين وقبل تسع سنوات في كتابين اثنين لي، إظهاراً لإعجاز القرآن الكريم لملاحدة أوروبا. والآن يُحكَم عليّ بسبب مسألة أو مسألتين كهذه بسجن لا يمكن أن تدوم في ظروفه الحياةُ مع اعتلالي الصحي، وكأنه يُحكم عليّ بالإعدام، كما حكم على مائة وخمس عشرة رسالة من رسائلي. إن هذا القرار الظالم لا بد أن ترفضه العدالة إن كانت على الأرض عدالة، ولا بد أن يُردّ هذا الحكم ويُنقض.

إن أكثر ما يحيرنا ويوقعنا في اليأس هو أننا لا نقول إلاّ الصدق مهما كلف الأمر، حيث لا جواز لكذب في مذهبنا بأية جهة كانت، حتى ولو على أنفسنا. لذا أقول تجاه القرار المتخذ بحقي، بناء على أوهام وإخباريات لا تستند إلى حقيقة، وجعل الحبة قبة في إسبارطة: إنني دافعت عن نفسي في مائة وعشرين صفحة أوردت فيها الدلائل القاطعة القوية المنطقية، وأثبتُّ أن لا تماس لي بهذا القانون قطعاً، ولكن اتُّخذ القرار من دون النظر إلى دفاعاتي ودلائلي، ومُزج تاريخ التأليف وتاريخ الاستنساخ بل وتاريخ إرسالي رسالة إلى شخص. مزج بعضها مع بعض في مغلطة واضحة. ونُظر إلى العمل الذي تم خلال عشرين سنة وكأنه تم في سنة واحدة. والأمر نفسه كرر في قرار حكام التحقيق، وفي لائحة الادعاء العام، وفي القرار الأخير للمحكمة التي حكمت علينا دون الأخذ لدفاعاتنا الحقة بنظر الاعتبار.

إنني منتظر بلهفة رفع هذا الحيف والإجحاف والظلم فوراً والذي ترتعد منه فرائص أهل الحق والحقيقة، وإعلانَ براءة رسائل النور، أنتظر هذا من المحكمة التي هي أعلى مقام للعدلية وأرفعه. وإن لم تُعِر المحكمة سمعاً وهي أرفع مقام للعدلية لندائي هذا الحق القوي -فرضاً محالاً- أقول من شدة يأسي:

 

334
__________________________

 

أيها الظالمون الملاحدة يا من اصطنعتم هذه الحادثة ودفعتموني في هذا البلاء دفعاً! مادمتم قد عقدتم العزم على إعدامي بأي شكل كان، فلِمَ إذن دبرتم الأمر بيد العدلية التي تحافظ على حقوق المظلومين الضعفاء ومكرتم المكر السيء واختلقتم المؤامرات الدنيئة التي تجرح شرف العدلية وتثلم كرامتها؟ كان عليكم أن تجابهوني مباشرة قائلين برجولة: نحن لا نريد وجودك في هذه الدنيا.

إن المسألة التي انشغل بها حكام التحقيق طوال ما يقرب من أربعة أشهر مع استجواب مائة وسبعة عشر شخصاً والتحقيق معهم، نظرت إليها محكمة الجزاء الكبرى في يوم ونصف اليوم نظراً في غاية السطحية، غاضة عن النقائص والأخطاء. ولاسيما ما ادّعيته بأني سأثبت وأوضح في أثناء مواجهتي للهيئة الأكاديمية حول الكشفيات المعنوية في رسائل النور ودفاعاتي العلمية التي لا تجرح، إلاّ أنهم استعجلوا بالحكم فحكموا بنظر سطحي عابر. مما يدل على أنهم لا يبغون الحق والعدل، فحكموا بهذا القرار الخاطئ جداً ولا صواب فيه إطلاقاً من الوجهة القانونية، مما يوجب النقض والتدقيق.

النتيجة: تبين من تدقيق أوراق الحضور في المحكمة ومطالعتها ولاسيما رسائلي المصادَرة المطبوعة وغير المطبوعة، أن جميع اعتراضاتي العلمية والقانونية والمنطقية لم تؤخذ بنظر الاعتبار، ورفضت مباشرة بمطالعةٍ شخصية اعتباطية سواءً من قبل حكام التحقيق أو المحكمة من دون ذكر الأسباب الموجبة ومن دون دليل وقانون. وأن رسائلي التي تدافع عن الحقوق الإسلامية التركية منذ ثلاثين سنة تجاه فلاسفة أوروبا والقسمِ السفيه من المدنية، والرسائل التي كشفت طلسم الكائنات وأسرارها والحاويةَ على الكشفيات المعنوية قد صودرت. فضلاً عن أنني عوقبت بعقاب جسماني رغم اعتلال صحتي التي لا تتحمل ذلك.

فسواء الأسباب التي أوردتها أعلاه أو الاعتراضات التي قدمتها إلى الادعاء العام أو الاعتراض النهائي الذي قدمته تحريرياً في الجلسة الأخيرة للمحكمة والحاوية على خمس عُمَد، أو في دفاعي الأخير الذي وضحت فيه المسألة بتفصيل علميّ وقانونيّ وأوردتُ النقائص القانونية التي تصادَف عند التدقيق.. كل ذلك يستلزم بصورة واضحة جداً وصريحة جداً أنني قد غُدرت في هذا الحكم. ولهذا أنتظر من هيئتكم إظهار العدالة بنقض هذا الحكم أتوكل على اللّٰه وألتجئ إليه قائلاً: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰه إِنَّ اللّٰه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(غافر:44).

* * *

 

335
__________________________

 

إن الصفحات السبع من مائة ونيف من الصفحات التي هي مجموع دفاعاتي، مع أنها قُرئت عدة مرات في المحكمة وسُجلت في سجلات المحاكم، إلاّ أن لائحة التصحيح الآتية لم تقرأ ولم تسجل في المضابط الرسمية، حيث إن أوراقنا لم تأت بعد من محكمة التمييز فلا شك أنها ستُدوّن في السجلات في وقت قريب.

 

عريضة مقدمة إلى مجلس الوزراء

يا أهل الحل والعقد!

لقد تعرضت لظلم يندر وجوده في الدنيا. ولما كان السكوت على هذا الظلم يعدّ استهانة بالحق وعدم احترام له فقد اضطررت إلى إفشاء حقيقة مهمة جداً، فأقول:

إما قوموا بإعدامي وببيان ذنبي الذي استلزم حكماً مقداره مائة سنة وسنة ضمن دائرة القانون وإطاره، أو برهِنوا على أنني مجنون وفاقد للعقل، أو أعطوا لرسائلنا ولنا ولأصدقائنا الحرية الكاملة وحاسِبوا الذين تسببوا في إيقاع الأذى بنا.([8])

أجل، لا بد أن يكون لكل حكومة قانون واحد، وأصول واحدة، حيث تُعطى العقوبات على أساس ذلك القانون، فإذا لم يكن في قوانين الحكومة الجمهورية ما يبرر إيقاع الأذى الشديد بي وبأصدقائي فإن من المفروض ومن الواجب تقديم الترضية الضرورية والتقدير والمكافأة لنا مع إعطائنا كامل الحرية، ذلك لأنه لو كانت خدمتي القرآنية تعدّ عملاً عدائياً موجهاً ضد الحكومة، فإنه يلزم إصدار حكم عليّ بالسجن لمدة مائة سنة وسنة أو بالإعدام، وكذلك إصدار عقوبات قاسية على الذين ارتبطوا معي في هذه الخدمة بشكل جدي بدلاً من الحكم عليّ بسنة واحدة وعلى أصدقائي بستة أشهر. فإن لم تكن خدماتنا هذه موجهة ضد الحكومة، فعليها أن تقابلنا بالتقدير والمكافأة بدلاً من العقاب والسجن والأذى والاتهام. ذلك لأن مائة وعشرين رسالة، أصبحت ترجماناً لهذه الخدمة، واستطاعت أن تتحدى فلاسفة أوروبا وأن تهدم كل أسسهم الفكرية وتجعلها أثراً بعد عين.

 

336
__________________________

 

لا شك أن هذه الخدمة الفعالة والمؤثرة ستؤدي إما إلى نتيجة مخيفة، أو إلى ثمرة علمية راقية ونافعة جداً، لذا لا يمكن إصدار قرار بحبسي سنة واحدة وكأننا نلعب لعب الأطفال من أجل ذر الرماد على العيون واستغفال العامة والتستر على مؤامرات الظالمين ضدنا، ذلك لأن أمثالي إما أن يصعدوا على المشنقة بكل فخر ويعدموا، وإما أن يكونوا أحراراً في الموقع الذي يستحقونه.

أجل، إن اللص الماهر الذي يستطيع أن يسرق ألماسات بقيمة آلاف الليرات، إن قام بسرقة قطع زجاجية بقيمة عدة قروش وتم الحكم عليه بنفس الحكم من سرقة ألماسات ثمينة، فإنه ما من لص أو ذي عقل وشعور يفعل ذلك. لأن أمثال هذا اللص يكون ذكياً وحاذقاً ولا يتورط في عمل في غاية الحمق والبلاهة.

أيها السادة!

لنفرض أنني كنت مثل ذلك اللص حسب ما تتوهمون، فلماذا أختار ناحية بائسة من نواحي مدينة "إسبارطة" حيث بقيت منـزوياً فيها مدة تسع سنوات. إذن فبدلاً من توجيه أفكارِ بضعةٍ من الأفراد المخلصين "الذين تم الحكم عليهم بأحكام خفيفة" نحو معاداة الحكومة وإلقاءِ نفسي ورسائلِ النور -التي هي غاية حياتي وهدفها- في الخطر فقد كان من الأفضل لي البقاء في موقع كبير في "أنقرة" أو في "إسطنبول" -كما كنت في السابق- وتوجيه الآلاف من الناس نحو الغاية التي ابتغيها، عند ذلك كنت أستطيع أن أتدخل وأن أشارك في أمور الدنيا بعزة تليق بمسلكي بدلاً من التعرض لمثل هذه العقوبة التافهة والذليلة.

ولأجل أن أبين مدى الخطأ الذي يقع فيه الذين يريدون دفعي إلى رتبة واطئة لا نفع فيها ولا أهمية لها، فإنني أقول مضطراً مذكراً ببعض أنانيتي وريائي السابقين وليس من أجل الفخر والمدح:

إن الذين تيسرت لهم رؤية دفاعي الذي طبع تحت عنوان "شهادة مدرستين للمصيبة" يشهدون أنه استطاع بخطبة واحدة جلب ثماني كتائب من الجنود إلى الطاعة في أحداث 31 مارت، وكما كتبتْ الجرائد آنذاك استطاع بمقالة واحدة في زمن حرب الاستقلال باسم "الخطوات الست" أن يحوّل رأى العلماء في إسطنبول ضد الإنكليز،

 

337
__________________________

 

مما كان له أثر إيجابي كبير في الحركة الملية "الوطنية" وفي جامع أياصوفيا استمع الآلاف إلى خطبته، وفي مجلس المبعوثان "المجلس النيابي" في أنقرة استُقبل بتصفيق حار وقام مائة وثلاث وستون نائباً بالموافقة على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لمدرسة دار الفنون "الجامعة"، وعندما دعا إلى الصلاة قابل حدة رئيس الجمهورية في ديوان الرئاسة وردّ عليه دون خوف أو وجل([9]) وعندما كان في "دار الحكمة الإسلامية" رأت حكومة الاتحاد والترقى بالإجماع أنه أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر. أما كتابه "إشارات الإعجاز" الذي ألّفه في جبهات القتال -والذي تمت مصادرته الآن- فقد أعجب به القائد العام أنور باشا إعجاباً كبيراً إلى درجة أنه هرع إلى استقباله بكل احترام -وهذا ما لم يفعله مع أحد- وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب، كما ذُكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خير وبكل تقدير..

فمثل هذا الرجل لا يستطيع أن يسكت على معاملته بهذه الصورة وكأنه تورط في جرائم تافهة كسرقة بغلة أو خطف بنت أو نشل جيب، لأنه لو سكت لكان هذا وصمة له ولعزته العلمية القدسية ولخدماته وللألوف المؤلفة من أصدقائه الغالين، لأنكم عندما تعاقبونه بحبسه سنة واحدة فكأنكم تعاملونه معاملة سارق نعجة أو خروف. فبعد قيامكم بوضعه دون أي سبب تحت الإقامة الجبرية وتحت المراقبة مدة عشر سنوات مليئة بالمضايقات وبالآلام، وبعد هذا التعذيب تقومون الآن بحبسه سنة واحدة وبإبقائه تحت الإقامة الجبرية سنة أخرى. وبدلاً من معاناته من تحكم وتجبر شرطي عادي أو رجل بوليس سري عادي -وهو الذي لم يتحمل تحكم السلطان- فإنه من الأفضل والأولى له أن يُشنق. ولو أن مثل هذا الرجل أراد التدخل في أمور الدنيا ورغب في ذلك، وكانت وظيفته ومهمته المقدسة تسمح له بذلك، إذن لاستطاع أن يقود أمراً أعظم بعشرات المرات من حادثة "منمن" ومن ثورة "الشيخ سعيد" أي لأسمعكم صوتاً راعداً كدوي المدافع وليس طنيناً كطنين أجنحة الذباب!

 

338
__________________________

 

أجل، إنني أعرِض أمام أنظار حكومة الجمهورية بأن ما أتعرض له حالياً من مصائب ومن بلايا هو نتيجة لمؤامرات ودعايات منظمة بلشفية سرية، فهناك جو من الدعايات العامة الشاملة التي لم يشاهَد لها مثيل في السابق وجو من الخوف ومن الإرهاب، والدليل على هذا هو أنه ما من أحد من أصدقائي -الذين يبلغ عددهم مائة ألف- استطاع أن يبعث لي رسالة واحدة منذ ستة أشهر ولم يستطع أن يرسل لي تحية أو سلاماً. وأصحاب المؤامرات هذه الذين يحاولون خداع الحكومة واستغفالها استطاعوا بتقاريرهم السرية ترتيب تحقيقات واستجوابات وتحريات في كل مكان بدءً من الولايات الشرقية للبلد إلى الولايات الغربية.

إن الخطة التي كان المتآمرون يحيكونها رتبت وكأن هناك حادثة مهمة أعاقَب عليها -مع الآلاف من الأشخاص مثلي- عقاباً قاسياً، ولكنها انتهت في الأخير إلى عقوبة تافهة جداً يمكن أن تفرض على أي شخص اعتيادي قام بحادثة سرقة تافهة، إذ عوقب خمسة عشر شخصاً بريئاً من بين مائة وخمسة عشر بالسجن لمدة ستة أشهر. فهل هناك شخص يملك شعوراً وعقلاً يقوم بوخز أسد كبير في ذيله وخزة خفيفة بسيف قاطع حاد يحمله في يده فيثيره ضده؟ ذلك، لأنه لو كان يريد حفظ نفسه من ذلك الأسد أو لو كان يريد قتله لاستعمل ذلك السيف القاطع في موضع آخر من ذلك الوحش.

إن قيــامكم بإصدار عقوبة خفيفة ضدي يــدل على أنكم تتوهمون أنني مثل هذا الرجـل. ولو أنني كنت شخصاً يتصرف مثل هذا التصرف البعيد عن العقل وعن الشعور فلماذا ملأتم هذا البلد بطوله وعرضه بجو من الخوف؟ وما الداعي لكل هذه الدعايات التي تســتهدف جلب عداء الرأي العام ضدي؟ لقد كان من المفروض أن تتعاملوا معي كتعاملكم مــع مجنون عـادي فترســـلوني إلى مســتشــفى المجاذيب.

أما لو كنت شخصاً مهماً كأهمية التدابير التي تتخذونها ضدي، فليس من العقل ومن المنطق وخز ذلك الأسد أو ذلك الوحش في ذيله وإثارته للهجوم عليه، بل عليه أن يحافظ قدر الإمكان على نفسه منه. وهكذا فإنني فضلت حياة الانزواء منذ عشر سنوات باختياري وتحملت من الآلام والمضايقات مالا يتحمله إنسان، ولم أتدخل في أي شأن من شؤون الحكومة ولم أرغب في ذلك أصلاً، ذلك لأن مهمتي المقدسة تمنعني من هذا.

 

339
__________________________

 

يا أهل الحل والعقد!

هل من الممكن لمن استطاع قبل خمس وعشرين سنة -بشهادة جرائد ذلك الوقت- أن يكسب إلى جانب أفكاره ثلاثين ألف شخص بمقالة واحدة كتبها، وجلب نحوه أنظارَ واهتمامَ جيشِ الحركة، وأجاب بست كلمات على أسئلةِ كبيرِ قساوسةِ إنكلترة الذي طلب الإجابة عليها بستمائة كلمة، والذي كان يخطب في بداية عهد الحرية كأي سياسي متمرس... هل من الممكن ألاّ يوجد في مائة وعشرين رسالة من رسائل هذا الشخص سوى خمس عشرة كلمة تتعلق بالسياسة وبأمور الدنيا؟ أيمكن لأي عقل أن يقتنع بأن مثل هذا الرجل يسلك طريق السياسة وله أهداف دنيوية؟ لأنه لو كان يهتم بالسياسة وبالتعرض للحكومة لظهر ذلك صراحةً أو إيماءً في مائة موضع من كتاب واحد فقط. ولو كانت غايته توجيه النقد السياسي أمَا كان بإمكانه أن يجد ما ينقده غير موضوع الحجاب وغير موضوع الميراث وهما من المواضيع ومن الدساتير الموجودة منذ السابق؟

إن أي شخص يملك فكراً سياسياً معيناً يستطيع أن يجد مئات الآلاف من المواضيع التي ينتقدها لنظام هذه الحكومة التي قامت بانقلاب كبير، ولا يقتصرَ على موضوعين معلومين فقط. فهل يمكن حصر الانقلاب الذي قامت به حكومة الجمهورية على مسألتين صغيرتين فقط؟ ومع أنني لم أقصد توجيه أي انتقاد لها فقد التقطوا كلمتين أو ثلاثاً وردت في كتاب أو كتابين كتبتهما سابقاً وادّعوا بأنني أهاجم نظام الحكومة وأهاجم انقلابها. وأنا أسألكم الآن: هل يعقل إشغال البلد بطوله وعرضه ونشر جو من الخوف فيه لمجرد تناولي لمسألة علمية لا تتطلب إصدار أية عقوبة من جرائها مهما كانت صغيرة؟

إن القيام بإصدار عقوبة خفيفة وتافهة في حقي وفي حق بضعة أشخاص من أصدقائي ونشر دعايات مكثفة وشديدة ضدنا في عموم البلد، وإشاعة جو من الخوف والإرهاب بين الناس لكي ينفّروهم منا ويبغّضونا في أعينهم، وجلب وزير الداخلية "شكري قايا" قوة كبيرة إلى مدينة إسبارطة لتقوم بمهمةٍ يستطيع القيام بها جندي واحد -وهي القيام بإلقاء القبض علي وسجني- وقيام رئيس الوزراء عصمت "إينونو" بزيارة الولايات الشرقية بهذه المناسبة، وكذلك منعي من الحديث والتكلم شهرين كاملين في السجن وعدم السماح لأي أحد بالسؤال عن حالي أو إرسال تحية لي وأنا وحيد في هذه الغربة..

 

340
__________________________

 

كل هذا يشير إلى وضع غريب جداً لا معنى له ولا حكمة فيه لا تليق بأية حكومة في الدنيا -علما بأن مصدر كلمة "الحكومة" هو تناول الأمور بالحكمة- وليس فقط بحكومة الجمهورية التي من المفروض أنها تراعي القوانين وتحترمها.

إنني أريد حفظ حقوقي في إطار القانون. كما أتهم كل من يخالف القانون ويدوس عليه باسم القانون بأنه يرتكب جناية، ولا شك أن قوانين حكومة الجمهورية ترفض أعمال هؤلاء الجناة، وآمل أن تعاد لي حقوقي».

سعيد النورسي([10])

 

341
__________________________

 

-----------------------

[1]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[2]() قرار محكمة الجزاء الكبرى لأسكي شهر رقم 121 في 19/8/1939 وتصديق محكمة التمييز الأولى رقم2111 في 12/10/1935 (ب 2 /832).

[3]() T. Hayat. Eskişehir Hayatı.

[4]() هذا الدفاع ترجمة كاملة عن T. Hayat. Eskişehir Hayatı وقد تفضل الأخ "عوني عمر" بترجمة القسم الأول منه، جزاه اللّٰه خيراً.

[5]() والدليل على مدى انخداع شكري قايا بالأوهام الواهية ومدى حقده الدفين هو أنه يأتي بنفسه من أنقرة مع مائة من رجال الجندمة (الدرك) وخمسة عشر من رجال الشرطة، لأجل دفع شخص غريب مثلي مع ثلة من إخواني المساكين إلى المحكمة. وكأن ما في "إسبارطة" من قوة الجندرمة وفرقة من الجيش غير كافية للغرض. مما ولّد جواً من الإرهاب والقلق لدى الناس.

    إن هذه المهمة يمكن أن يؤديها شرطي واحد، لكنه بفعله هذا خسّر الشعبَ ألفين أو ثلاثة آلاف ليرة، إذ صرف لنقل الأبرياء -الذين أخليت سبيلهم- من "إسبارطة" إلى "أسكي شهر" خمسمائة ليرة فضلاً عن تعريضهم إلى ألوف الأضرار، علاوة على زعزعة موقعهم الاجتماعي لدى الناس.

    فهذه الأوضاع تبين مدى إلحاقه الضرر بإدارة الداخلية وبأمن البلاد وبسعى الشعب المسكين. ففي الوقت الذي تحتاج الداخلية إلى النظام والأمن والسكون.. فإن إحداث قضية كبيرة من لاشيء والتسبب في أضرار جسيمة وجعل الحبة مائة قبة وإجراء أمور غير قانونية باسم القانون، يجعلنا ندّعي أن شخص شكري قايا قد ارتكب جرماً قانونياً كبيراً فنشكوه إلى وزير الداخلية شكري قايا.(المؤلف)

[6]() أي إنهم يقولون "إن سياسة الحكومة هي الإلحاد، وفق نظرهم وإن خدمتنا لتحقيق الإيمان برسائل النور المترشحة من نصوص القرآن الحكيم، سياسة تخالف سياسة الحكومة. فيفترون افتراءً عظيماً جداً".

[7]() ينص هذا القانون على معاقبة كل من سعى لإقامة دولة دينية في تركيا أو استغل الشعور الديني في هذا السبيل، وهو القانون الذي اتكأت عليه جميع الحكومات لضرب الحركات الإسلامية في تركيا.

[8]() هذه لائحة لتصحيح الحكم الصادر بحقنا تقدم إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب ووزارة الداخلية ووزارة العدل، إن لم يرد النقض من محكمة التمييز. فلئن لم أتمكن من أن أسمع مصيبتي الحقة وحقي الجدير بالاهتمام هذه المراجع، يستوجب عليّ أن أودّع هذه الحياة، لأن سكوتي يعني تضييع ألوف الحقوق مع حقي الشخصي. (المؤلف)

[9]() يطلب سعيد القديم حق الكلام ويقول: لم تسمحوا لي بالكلام منذ ثلاث عشرة سنة، والآن يلزم كلامي معهم لأنهم يتهمونك بأخذهم إياي تحت النظر ويتوجسون منك خيفة؛ يلزم إظهار الأنانية -رغم أنها صفة ذميمة - تجاه الأنانية المغرورة العنيدة، ولكن بصورة حقة ودفاعاً عن النفس فحسب وحفاظاً عليها. لذا لا أتكلم مثل سعيد الجديد بالتواضع التام وإنكار الذات وبالقول اللين.. وأنا بدوري أعطيت له حق الكلام مع أنى لا أشترك في أنانيته وتمدّحه. (المؤلف)

[10]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، عريضة مقدمة إلى مجلس الوزراء.

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet