من داخل السجن
يروي المدعي العام لمحكمة الجزاء الكبرى في "أسكي شهر" سنة 1935: أنه يشاهد يوماً الأستاذ في السوق، فيندهش من حيرته، ويتصل بمدير السجن مباشرة ويهدده بقوله:
كيف سمحتم لبديع الزمان بالخروج إلى السوق، فقد شاهدته بنفسي في السوق؟ ويجيبه المدير: عفواً سيدي إن بديع الزمان في السجن ويمكنكم التفضل لرؤيته في السجن الانفرادي، ويأتي المدعي العام، ويزوران معاً الزنزانة، وإذا بالأستاذ هناك. تنتشر هذه الحادثة في دوائر العدل وتتناقلها الحكام فيما بينهم رغم أنهم لا يصدقونها بعقولهم!
وحادثة أخرى مشابهة يرويها مدير سجن "أسكي شهر" آنذاك وخلاصتها: يطرق سمعه صوت بديع الزمان طالباً الخروج من السجن إلى صلاة الجمعة في "آق جامع"، فيزور زنزانته وقت الصلاة، وإذا ببديع الزمان غير موجود، والحراس كلهم في مواضعهم والأقفال على الأبواب. يسرع المدير إلى الجامع المذكور فيرى الأستاذ في الصف الأول وعلى اليمين، فيبحث عنه عقب الصلاة فلا يجده، ويعود إلى السجن فوراً فيراه يقول "اللّٰه أكبر" ويستغرق في السجود.
وقد رُويت حَوادث أخرى من رؤية الأستاذ مراراً في صلاة الفجر جماعة عندما كان في سجن "دنيزلي".
341
__________________________
وهذه الأخبار كلها مروية عن مسؤولين كانوا يعادون الأستاذ وليست من محبيه..([1])
نعم، فلقد شاهد المجاهدون في جبهات متعددة من الحرب عالِماً جليلاً فاضلاً. وذكروا له مشاهدتهم، فقال: إن بعض الأولياء قد ظهروا بمظهري وأدّوا بدلاً عنى في موضعي أعمالاً لأجل إكسابي ثواباً وليستفيد أهل الإيمان من دروسي.
ومثل هذا تماماً، فقد شاهدوني في جوامع "دنيزلي" وأنا نزيل سجنها، حتى أبلغوا ذلك إلى الجهات المسؤولة وإلى المدير والحرّاس، وقال بعضهم في قلق واضطراب: "من يفتح له باب السجن!" فالأمر نفسه يحدث هنا تماماً.
والحال أنه بدلاً من إسناد حادثة جزئية خارقة إلى شخصي المقصر جداً فإن رسالة "ختم التصديق الغيبي" تثبت خوارق لرسائل النور وتبينها كاسبةً ثقة أهل الإيمان برسائل النور أكثر بكثير من تلك الحادثة بمائة مرة بل بألف مرة. فضلاً عن تصديق أبطال النور بأحوالهم الخارقة وكتاباتهم الرائعة لمقبولية رسائل النور.([2])
342
__________________________
رسائل من سجن أسكي شهر
لطمة رحمة
«إخوتي! لقد أدركت أن التي نزلت بنا -مع الأسف- هي لطمة رحمة، أدركتها منذ حوالي ثلاثة أيام وبقناعة تامة. حتى إنني فهمت إشارة من الإشارات الكثيرة للآية الكريمة الواردة بحق العاصين للّٰه، فهمتها كأنها متوجهة إلينا وتلك الآية الكريمة هي: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ.. أَخَذْنَاهُم..﴾([3]) أي لما نسي الذين ذُكّروا بالنصائح، ولم يعملوا بمقتضاها.. أخذناهم بالمصيبة والبلاء.
نعم، لقد كُتّبنا مؤخراً رسالة تخص سر "الإخلاص" وكانت حقاً رسالة رفيعة سامية، ودستوراً أخوياً نورانياً، بحيث إن الحوادث والمصائب التي لا يمكن الصمود تجاهها إلاّ بعشرة آلاف شخص، يمكن مقاومتها -بسر ذلك الإخلاص- بعشرة أشخاص فقط. ولكن أقولها آسفاً: إننا لم نستطع وفي المقدمة أنا، أن نعمل بموجب ذلك التنبيه المعنوي، فأخذتنا هذه الآية الكريمة -بمعناها الإشاري- فابتلي قسم منا بلطمة تأديب ورحمة، بينما لم تكن لطمة تأديب لقسم آخر بل مدار سلوان لهم، وليكسبوا بها لأنفسهم الثواب.
نعم، إنني لكوني ممنوعاً عن الاختلاط منذ ثلاثة شهور لم أستطع أن أطلع على أحوال إخواني إلاّ منذ ثلاثة أيام، فلقد صدر -مالا يخطر ببالي قط- ممن كنت أحسبهم من أخلص إخواني أعمالٌ منافية لسر الإخلاص. ففهمت من ذلك أن معنىً إشارياً للآية الكريمة ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ.. أَخَذْنَاهُم﴾ يتوجه إلينا من بعيد.
إن هذه الآية الكريمة التي نزلت بحق أهل الضلال مبعث عذاب لهم، وهي لطمة رحمة وتأديب لنا؛ لتربية النفوس وتكفير الذنوب وتزييد الدرجات. والدليل على أننا لم نقدر قيمة ما نملك من نعمة إلهية حق قدرها هو: أننا لم نقنع بخدمتنا القدسية برسائل النور المتضمنة لأقدس جهاد معنوي، ونالت الولاية الكبرى بفيض الوراثة النبوية، وهى مدار سر المشرب الذي تحلى به الصحابة الكرام. وأن الشغف بالطرق الصوفية التي نفعها قليل لنا في الوقت الحاضر، واحتمال إلحاقها الضرر بوضعنا الحالي ممكن، قد سُدّ أمامه بتنبيهي الشديد عليه..
343
__________________________
وإلاّ لأفسد ذلك الهوى وحدتنا، وأدّى إلى تشتت الأفكار الذي ينـزل قيمة الترابط والتساند من ألف ومائة وأحد عشر الناشئة من اتحاد أربعة آحاد، ينـزلها إلى قيمة أربعة فحسب، ويؤدّى إلى تنافر القلوب الذي يبدّد قوتنا إزاء هذه الحادثة الثقيلة ويجعلها أثراً بعد عين.
أورد الشيخ سعدي الشيرازي(*) صاحب كتاب "كلستان" ما مضمونه: لقد رأيت أحد المتقين من أهل القلب في زاوية -التكية- يزاول السير والسلوك، ولكن بعد مضي بضعة أيام شاهدته في المدرسة بين طلاب العلوم الشرعية، فسألته: لِمَ تركت الزاوية التي تفيض بالأنوار وأتيت إلى هذه المدرسة؟ قال: هؤلاء النجباء ذوو الهمم العالية يسعون لإنقاذ الآخرين مع إنقاذهم لأنفسهم، بينما أولئك يسعون لإنقاذ أنفسهم وحدها إن وفّقوا إليها. فالنجابة وعلو الهمة لدى هؤلاء، والفضيلة والهمة عندهم، ولأجل هذا جئت إلى هنا. هكذا سجّل الشيخ سعدى خلاصة هذه الحادثة في كتابه "كلستان".
فلئن رُجّحت المسائل البسيطة للنحو والصرف التي يقرأها الطلاب مثل: نصر نصرا، نصروا.. على الأوراد التي تُذكر في الزوايا، فكيف برسائل النور الحاوية على الحقائق الإيمانية المقدسة في "آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر". ففي الوقت الذي ترشد رسائل النور إلى تلك الحقائق بأوضح صورة وأكثرها قطعية وثبوتاً حتى لأعتى المعاندين المكابرين من الزنادقة وأشد الفلاسفة تمرداً، وتلزمهم الحجة، كم يكون على خطأ من يترك هذه السبيل أو يعطّلها أو لا يقنع بها ويدخل الزوايا المغلقة دون استئذان من الرسائل تبعاً لهواه! ويبين في الوقت نفسه مدى كوننا مستحقين لهذه الصفعة، صفعة الرحمة والتأديب.([4])
لم نفقد شيئاً يُذكر
«إخوتي الأوفياء الأعزاء
كان فيما مضى مريدون كثيرون جداً ينتمون إلى شيخ جليل، في بلد من البلدان، فقلقت منهم رجالات الدولة فيها، خوفاً من تعرضهم لأمور السياسة، فأرادوا تشتيت جماعة الشيخ. فقال لهم: ليس لي إلاّ مريد واحد ونصف مريد، لا غير، وإن شئتم نُقِم عليهم التجربة والاختبار.
نصب الشيخ خيمة في ضاحية من ضواحي المدينة، ودعا الألوف من مريديه إلى هناك ثم أمر بقوله: سوف أجري امتحاناً،
344
__________________________
فمن كان حقاً مريدي ويطعْ أمري فسيمضي إلى الجنة. فدعاهم إلى الخيمة واحداً إثر واحد، إلاّ أنه ذبح خروفاً بطريقة خفية. وبدا للمريدين كأنه ذبح أحد مريديه الخواص وأرسله إلى الجنة. وما إن رأى ألوف المريدين جريان الدم من الخيمة إلى الخارج تراجعوا عنه ولم يسمعوا لأمره، بل رفضوه وأنكروا عليه، إلاّ رجلاً واحداً قال: ليكن رأسي فداء له، فذهب إليه، ثم أعقبته امرأة. أما الآخرون فتفرقوا عنه. فقال ذلك الشيخ لرجال الدولة: ها قد شاهدتم أن لي مريداً ونصف مريد!
أما نحن فنشكره تعالى ألف شكر وشكر، إذ لم تفقد رسائل النور إلاّ طالباً ونصف طالب في امتحان "أسكي شهر" ومحاكماتها، بخلاف ذلك الشيخ -في السابق- حيث انضم إلى الطلاب عشرة آلاف شخص بدلاً من الواحد والنصف الضائع، وذلك بفضل اللّٰه ثم همة وجهود أبطال "إسبارطة" وحواليها.
وبإذن اللّٰه لن يضيع الكثيرون في هذا الامتحان، بهمة أبطال شرقي البلاد وغربيها، بل نضم بدلاً من الضائع الواحد عشرة أشخاص».([5])
تنبيه في حكاية صغيرة
«كانت لعجوز ثمانية أبناء، أعطت لكل منهم رغيفاً دون أن تستبقي لها شيئاً، ثم أرجع كل منهم نصف رغيفه إليها، فأصبح لديها أربعة أرغفة، بينما لدى كل منهم نصف رغيف.
إخوتي إنني أشعر في نفسي نصف ما يتألم به كل منكم من آلام معنوية وأنتم تبلغون أربعين، إنني لا أبالي بآلامي الشخصية. ولكن اضطررت يوماً فقلت: "أهذا عقاب لخطأي وأُعاقب به" فتحريت عن الحالات السابقة، فشاهدت أنه ليس لدي شيء من تهييج هذه المصيبة وإثارتها، بل كنت أتخذ منتهى الحذر لأتجنبها.
بمعنى أن هذه المصيبة قضاء إلهيّ نازل بنا.. فلقد دُبّرت ضدنا منذ سنة من قبل المفسدين، فما كان بطوقنا تجنبها، فلقد حمّلونا تبعاتها فلا مناص لنا مهما كنا نفعل.
فللّٰه الحمد والمنة أن هوّن من شدة المصيبة من المائة إلى الواحد.
وبناء على هذه الحقيقة، فلا تمنّوا عليّ بقولكم: إننا نعاقب بهذه المصيبة من جرائك. بل سامحوني وادعوا لي.
345
__________________________
ولا ينتقدن بعضُكم بعضاً، ولا تقولوا: لو لم نفعل كذا لما حدث كذا.. فمثلاً: إن اعتراف أحد إخواننا عن عدد من أصحاب التواقيع "على الرسائل" أنقذ الكثيرين. فهوّن من شأن الخطة المرسومة في أذهان المفسدين الذين يستعظمون القضية. فليس في هذا ضرر، بل فيه نفع عام عظيم، لأنها أصبحت وسيلة لإنقاذ الكثيرين من الأبرياء.
فيا إخوتي! لا يستاء بعضكم من بعض قائلاً: إن أخي هذا لم ينصفني أو أجحف بحقي.. فهذا خطأ جسيم في هذه الحياة وفي اجتماعنا هذا. فلئن أضرك صاحبك بدرهم من الضرر، فانك باستيائك منه وهجرك إياه تلحق أربعين درهماً من الأضرار. بل يحتمل إلحاق أربعين ليرة من الأضرار برسائل النور. ولكن -وللّٰه الحمد- فإن دفاعاتنا الحقة القوية والصائبة جداً قد حالت دون أخذ أصدقائنا إلى الاستجواب وأخذ إفاداتهم المكررة، فانقطع دابر الفساد. وإلاّ لكان الاستياء الذي وقع بين الإخوة يلحق بنا أضراراً جسيمة. كسقوط قشة في العين أو سقوط شرارة في البارود».([6])
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾
«إن أيدي إخواني الأبرياء المرفوعة إلى العلي القدير كأنها كانت تزود مدفعاً ثقيلاً بالعتاد، فصُوبت على الذين أرادوا الكيد بنا وانفلقت على رؤوسهم. ولم نُصَب بأذى إلاّ بعض الجروح الطفيفة المورثة للثواب. فينبغي لنا الشكر والسرور والفرح حيث إن هذا المدفع كان يُزوّد من قبلهم منذ سنة. فنجاتنا بفضل اللّٰه خارقة. لذا لا تغدو الحياة الباقية ملكنا، لأن المفسدين قد خططوا لإنهاء حياتنا كلياً. بمعنى أن حياتنا -بعد اليوم- يجب أن نجعلها وقفاً للحق والحقيقة وليست لأنفسنا، ونسعى دوماً لرؤية وجه الرحمة وأثرها وذاتها في كل شيء فنظل شاكرين لا شاكين».([7])
عدم هجر الرسائل
«إخوتي!
لقد دافعتُ دفاعات عديدة عن طلاب النور بما يليق بهم من دفاع، وسأقولها بإذن اللّٰه في المحكمة وبأعلى صوتي، وسأُسمع صوت رسائل النور ومنـزلة طلابها إلى الدنيا بأسرها. إلاّ أنني أنبهكم إلى ما يأتي:
346
__________________________
إن شرط الحفاظ على ما في دفاعي من قيمة، هو عدم هجر رسائل النور بمضايقات هذه الحادثة وأمثالها، وعدم استياء الأخ من أستاذه، وعدم النفور من إخوانه مما يسببه الضيق والضجر، وعدم تتبع عورات الآخرين وتقصيراتهم.
إنكم تذكرون ما أثبتناه في "رسالة القدر": أن في الظلم النازل بالإنسان جهتين وحكمين.
الجهة الأولى: للإنسان. والأخرى: للقدر الإلهي
ففي الحادثة الواحدة يظلم الإنسان فيما يعدل القدر وهو العادل. فعلينا أن نفكر -في قضيتنا هذه- في عدالة القدر الإلهي والحكمة الإلهية أكثر مما نفكر في ظلم الإنسان.
نعم، إن القدر قد دعا طلاب النور إلى هذا المجلس. وإن حكمة ظهور الجهاد المعنوي قد ساقتهم إلى هذه المدرسة اليوسفية التي هي حقاً ضجرة وخانقة، فصار ظلم الإنسان وسيلة لذلك. ولهذا، إياكم أن يقول بعضكم لبعض: "لو لم أفعل كذا لما اعتُقلت"».([8])
في الشاشة المعنوية
«كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن "أسكي شهر" الذي يطل على مدرسة إعدادية للبنات.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأةً على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة. فرأيت: أن نحواً من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة يتحولن إلى تراب ويعذَّبن في القبر، وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات بلغن السبعين والثمانين من العمر، شاهت وجوههن وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام من نظرات التقزز والاستهجان من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن أيام شبابهن!.. نعم، رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخناً أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين.
فقلت لهم: "دعوني الآن وحالي... انصرفوا عني..".([9])
347
__________________________
وعندما كنت أنظر من نافذة السجن، إلى ضحكات البشرية المبكية، في مهرجان الليل البهيج، أنظر إليها من خلال عدسة التفكر في المستقبل والقلق عليه، انكشف أمام نظر خيالي هذا الوضع، الذي أبينه:
مثلما تشاهَد في السينما أوضاع الحياة لمن هم الآن راقدون في القبر، فكأنني شاهدت أمامي الجنائزَ المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من أصحاب القبور.. بكيت على أولئك الضاحكين الآن، فانتابني شعور بالوحشة والألم وراجعت عقلي، وسألت عن الحقيقة قائلاً: ما هذا الخيال؟ فقالت الحقيقة: إن خمسة من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن والذين يمرحون في نشوة وبهجة سيكونون كهولاً بعد خمسين عاماً، وقد انحنت منهم الظهور وناهز العمر السبعين. والخمسة والأربعين الباقين يُرمون في القبور.
فتلك الوجوه الملاح، وتلك الضحكات البهيجة، تنقلب إلى أضدادها. وحسب قاعدة "كل آتٍ قريب" فإن مشاهدة ما سيأتي كأنه آتٍ الآن تنطوي على حقيقة، فما شاهدته إذاً ليس خيالاً.
فما دامت ضحكات الدنيا المتسمة بالغفلة مؤقتة ومعرضة للزوال، وهي تستر مثل هذه الأحوال المؤلمة المبكية. فلا بد أن ما يسرّ قلب الإنسان البائس العاشق للخلود، ويفرح روحه الولهان بعشق البقاء، هو ذلك اللّهو البريء والمتعة النـزيهة وأفراح ومسرات تخلد بثوابه، ضمن نطاق الشرع، مع أداء الشكر باطمئنان القلب وحضوره بعيداً عن الغفلة. ولئلا تقوى الغفلة في النفوس في الأعياد، وتدفع الإنسان إلى الخروج عن دائرة الشرع، ورد في الأحاديث الشريفة ترغيب قوي وكثير في الشكر وذكر اللّٰه في تلك الأيام. وذلك لتنقلب نعم الفرح والسرور إلى شكر يديم تلك النعمة ويزيدها، إذ الشكر يزيد النعم ويزيل الغفلة.([10])
تأليف الشعاع الأول ([11])
«في سجن "أسكي شهر" وفي وقت رهيب حيث كنا أحوج ما نكون إلى سلوان قدسي خطر على القلب ما يأتي:
348
__________________________
إنك تبين شهوداً من كلام الأولياء السابقين على أحقية رسائل النور وقبولها بينما بمضمون الآية الكريمة ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام:59). فإن صاحب الكلام في هذه المسألة هو القرآن الكريم. فهل يقبل القرآن الكريم ويرضى بـرسائل النور؟ وكيف ينظر إليها؟
واجهتُ هذا السؤال العجيب، واستمددت من القرآن الكريم، وإذا بي أشعر في ظرف ساعة أن رسائل النور فردٌ داخل ضمنِ كليّةِ المعنى الإشاري الذي يمثل طبقة واحدة من طبقات التفرعات للمعنى الصريح لثلاث وثلاثين آية كريمة، وعرفتُ قرينة قوية على دخولها في ذلك المعنى وتخصيصها، فشاهدتُ قسماً منها بشيء من الوضوح وقسماً آخر مجملاً. فلم تبق في قناعتي أية شبهة وشك ووهم ووسوسة. وأنا بدوري دوّنتُ قناعتي القاطعة تلك وأعطيتها إخوتى الخواص على شرط سرّيّتها بنية الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النور. فنحن لا نقول في تلك الرسالة: إن المعنى الصريح للآية الكريمة هو هذا، حتى يقول العلماء: فيه نظر! ولم نقل فيها: إن كلية المعنى الإشاري هي هذه. بل نقول: إن تحت المعنى الصريح للآية الكريمة طبقات متعددة من المعاني، إحدى هذه الطبقات هي المعنى الإشاري والرمزي. فهذا المعنى الإشاري أيضاً هو كليّ له جزئيات في كل عصر. فـرسائل النور فردٌ في هذا العصر من أفراد كلية طبقة المعنى الإشاري ذاك. وقد جرى بين العلماء منذ القدم دستور حساب الجُمّل والجفر -حساب الأبجدية- لإيجاد القرائن والحجج، فهذا الطرز من الحساب لا يخدش الآية الكريمة ولا يجرح معناها الصريح، بل قد يكون وسيلة لبيان إعجاز القرآن وعظمة بلاغته. فلا اعتراض على هذه الإشارات الغيبية، إذ الذي لا يستطيع إنكار ما لا يعد ولا يحصى من استخراجات أهل الحقيقة من الإشارات القرآنية التي لا تحصى، لا ينبغي له أن ينكر هذا بل لا يمكنه ذلك».([12])
349
__________________________
--------------------
[1]() T. Hayat. Eskişehir Hayatı.
[2]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
ونورد هنا خاطرة من السيد "كمال طان أر" حيث يقول:
"كنت طالباً في الصف المنتهي بكلية الحقوق، كان علينا أن نزور المحاكم والسجون. فذهبت إلى سجن "أسكي شهر" يوماً لزيارة الأستاذ، وعندما دخلت عليه رأيته جالساً على سجادته منشغلاً بالأوراد عقب الصلاة فقبّلت يده وقلت له: أستاذي، يقال انه يظهر على يديكم كثير من الكرامات الغيبية، بيد أني لم أر أياً من الأحوال الخارقة منكم، فإن كانت تلك الأحوال موجودة فعلاً، فأظهروها أمامي، ولتمش مسبحتكم هذه مثلاً. تبسم الأستاذ، وذكر لي هذه الحكاية ليوضح الأمر: "كان لأحدهم ولد يحبه كثيراً، فهو وحيده، أخذه -ذات يوم- إلى محل المجوهرات ليشتري له بعض الهدايا الثمينة من الألماس والجواهر حسب رغبة ابنه المحبوب، تعبيراً عن شدة حبه له. وكان قد زين صاحب المحل محله بنفاخات ملونة متنوعة على سقف المحل ليلفت نظر الزبائن. وعندما دخل الطفل هذا المحل المزين بالنفاخات لفتت نظره ألوانها الجذابة، فقال باكياً: "أبي! أريد أن تشتري لي من هذه النفاخات.. أريد النفاخات.." فقال والده: "يا صغيري الحبيب، سأشتري لك مجوهرات ثمينة وألماسات غالية. ولكن الطفل ألحّ في طلب النفاخات.." وبعد أن أنهى الأستاذ هذا المثال قال: "أخي أنا لست إلا دلالا في محل جواهر القرآن الكريم وخادماً فيه، ولست ببائع نفاخات ملونة، فلا أبيع في محلي نفاخات وليس في محلي وسوقي إلا الألماس الخالد للقرآن الكريم، فأنا منشغل يا أخي بإعلان نور القرآن." ففهمت ما يقصده الأستاذ وأدركت خطئي". ذكريات عن سعيد النورسي ص37.
[3]() نص الآية الكريمة: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾(الأنعام:44)
[4]() اللمعات، اللمعة الثامنة والعشرون.
[5]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر.
[6]() اللمعات، اللمعة الثامنة والعشرون.
[7]() T. Hayat. Eskişehir Hayatı
[8]() اللمعات، اللمعة الثامنة والعشرون.
[9]() الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الثالثة.
[10]() اللمعات، اللمعة الثامنة والعشرون.
[11]() تأليفاته الأخرى في سجن "أسكي شهر":
1-اللمعة السابعة والعشرون (دفاعه أمام محكمة أسكي شهر).
2-اللمعة الثامنة والعشرون (رسائل مسلية إلى إخوانه في السجن).
3-اللمعة التاسعة والعشرون (رسالة التفكر الإيماني الرفيع والمعرفة التوحيدية السامية كتبها باللغة العربية).
4-اللمعة الثلاثون (في شرح الاسم الأعظم: الفرد، الحي، القيوم، الحكم، العدل، القدوس).
5- الشعاع الثاني (حول التوحيد ومعاني قل هو اللّٰه أحد).
[12]() الملاحق، ملحق قسطموني.
