رسالة الخطأ

Notice :Trying to get property of non-object في include() (السطر 342 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/templates/risaleoku.tpl.php).

 

 

الفصل السادس

في منفى قسطموني

 

(المدرسة النورية الثانية)

1936-1943م

مدرسة نورية ثانية

«عندما ساقوني منفياً إلى قسطموني بعد أن أكملت سنة محكوميتي في سجن "أسكي شهر"([1]) وأنا الشيخ الهرم، مكثت موقوفاً هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة أشهر. ولا يخـفى عليكم مدى الأذى الذي يلحق بمثلي في مثل هذه الأماكن، وقد انعزل عن الناس، ولا يتحمل البقاء حتى مع أصدقائه الأوفياء، ولا يطيق أن يبدل زيّه الذي اعتاد عليه.([2])

فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، إذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، إذ أصبح أفراد الشرطة المسؤولون في ذلك المخفر بمثابة أصدقاء أوفياء، حتى كانوا يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلاً عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة مطلقاً.

ثم دخلتُ المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في قسطموني([3]) وبدأت بتأليف الرسائل، وبَدأ كلٌ مِن "فيضي وأمين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين" وأمثالهم من أبطال النور([4]) يداومون في تلك المدرسة لأجل نشر الرسائل وتكثيرها،

 

350
__________________________

 

وأبدوا في مذاكراتهم العلمية القيّمة التي أمضوها هناك جدارة تفوق ما كنت قضيتها أيام شبابي مع طلابي السابقين».([5])

العلوم تعرّف بالخالق

«جاءني فريق من طلاب الثانوية في "قسطموني"([6]) قائلين:

عرّفنا بخالقنا، فإن مدرسينا لا يذكرون اللّٰه لنا!.

فقلت لهم: إن كل علم من العلوم التي تقرؤونها يبحث عن اللّٰه دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين..

 

351
__________________________

 

فمثلا: لو كانت هناك صيدلية ضخمة، في كل قنينة من قنانيها أدوية ومستحضرات حيوية، وضِعت فيها بموازين حساسة، وبمقادير دقيقة؛ فكما أنها ترينا أن وراءها صيدلياً حكيماً وكيميائياً ماهراً، كذلك صيدلية الكرة الأرضية التي تضم أكثر من أربعمائة ألف نوع من الأحياء -نباتا وحيوانا- وكل واحد منها في الحقيقة بمثابة زجاجةِ مستحضرات كيماوية دقيقة، وقنينة مخاليط حيوية عجيبة، فهذه الصيدلية الكبرى تُرِي حتى للعميان صيدليّها الحكيم ذا الجلال، وتعرّف خالقها الكريم سبحانه بدرجة كمالها، وانتظامها، وعظمتها، قياسا على تلك الصيدلية التي في السوق، على وفق مقاييس علم الطب الذي تقرؤونه..

[ثم يستطرد في ذكر الأمثلة إلى أن يقول:]

ومثلاً: لو كان هناك كتاب، كُتِبَ في كل سطر منه كتابٌ بخط دقيق وكُتِبَ في كل كلمة من كلماته سورةٌ قرآنية، وكانت جميعُ مسائله ذات مغزى ومعنى عميق، وكلُّها يؤيد بعضُها البعض، فهـذا الكتاب العجيب يُبِّينُ بلا شك مهارةَ كاتبه الفائقة، وقدرة مؤلّفه الكاملة. أي إن مثل هذا الكتاب يُعرّف كاتبَه ومصنّفه تعريفاً يضاهي وضوح النهار، ويبين كمـالَه وقـدرتَه، ويثير من الإعجاب والتقدير لدى الناظرين إليه ما لا يملكون معه إلاّ ترديد: "تبارك اللّٰه، سبحان اللّٰه، ما شاء اللّٰه!" من كلمات الاستحسان والإعجاب؛ كذلك هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتَب في صحيفة واحدة منه، وهي سطح الأرض، ويُكتبُ في ملزمة واحدة منه، وهي الربيع، ثلثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة، وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات، كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معاً ومتداخلاً بعضها ببعض بلا اختلاط ولا خطأ ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال، بل يُكتب في كل كلمة منه كالشجرة قصيدة كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه كالبذرة فهرسُ كتابٍ كامل. فكما أنّ هذا مشاهَد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد أن وراءه قلماً سيالاً يسطر، فلكم إذن أن تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمّة وحِكَمٌ شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم وهو العالم، على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جل وعلا، قياساً إلى ذلك الكتاب المذكور في المثال. وذلك بمقتضى ما تقرؤونه من "علم حكمة الأشياء" أو "فن القراءة والكتابة"، وتناوله بمقياس أكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير.

 

352
__________________________

 

بل تفهمون كيف يُعرّف الخالقَ العظيم بـ"اللّٰه أكبر" وكيف يعلّم التقديس بـ"سبحان اللّٰه" وكيف يحبّب اللّٰه سبحانه إلينا بثناء "الحمد للّٰه".

وهكذا، فإن كل علم من العلوم العديدة جداً، يدل على خالق الكون ذي الجلال -قياساً على ما سبق- ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته. وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادة باصرة، ونظرات ذات عبرة.

فقلت لأولئك الطلبة الشباب: إنَّ حكمة تكرار القرآن الكريم من: ﴿خَلَق السَّماوَاتِ وَالأَرْض﴾ و﴿رَبُّ السَّماوَاتِ وَالأَرْض﴾ إنما هي لأجل الإرشاد إلى هذه الحقيقة المذكورة، وتلقين هذا البرهان الباهر للتوحيد، ولأجل تعريفنا بخالقنا العظيم سبحانه.

فقالوا: شكراً لربنا الخالق بغير حدّ، على هذا الدرس الذي هو الحقيقة السامية عيُنها، فجزاك اللّٰه عنا خير الجزاء ورضي عنك..»([7])

سعاة بريد النور

بقي بديع الزمان في "قسطموني" ثماني سنوات استمر خلالها في مراسلة طلابه بشتى الوسائل متخطّياً العيون المترصدة لحركاته، إذ كانت رسائله تنقل سراً، ثم تستنسخ باليد ثم توزع على القرى والنواحي والمدن القريبة، فتشكلت بهذا "سعاة بريد النور" الذين كان واجبهم ينحصر في نقل الرسائل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، كما انتظمت وقويت مسألة استنساخ الرسائل، فهناك بعض الطَلبة الذين استنسخوا وحدهم أكثر من ألف رسالة، وبهذه الطريقة استُنسخت رسائل النور كتابة باليد ستمائة ألف نسخة، وانتشرت في أرجاء تركيا تدريجياً منتصرة على جيوش الظلام، ومعلنةً بأنه لا يمكن إطفاء نور الإسلام أبداً.

جمعت الرسائل التوجيهية التي تشمل نواحي دقيقة في فقه الدعوة إلى اللّٰه، ومسائل إيمانية دقيقة، تحت عنوان "ملحق قسطموني".([8])

 

353
__________________________

 

نماذج من الرسائل التوجيهية

نتائج دنيوية في العمل للنور

«إخوتي الأعزاء الصادقين!

أهنئكم بالعيد السعيد، وأثمن خدماتكم الجليلة، وأدعوه تعالى أن يوفقكم فيها، وأشكر خالقي الرحيم شكراً لا يتناهي إذ جعل من إخوة ثابتين مضحين من أمثالكم مالكين لرسائل النور وناشرين لها. فكلما تذكرتكم امتلأت روحي انشراحاً وقلبي فرحاً، فلا تكون مغادرتي الدنيا موضع أسف، بل أنظر إلى الموت كصديق، لدوام حياتي ببقائكم أنتم، فأنتظر أجلي دون قلق واضطراب.

ليرضَ اللّٰه عنكم أبداً... آمين. آمين.

مثلما يشعر أغلب العاملين من طلاب رسائل النور نوعاً من الكرامة والإكرام الإلهيين، يشعر أخوكم هذا العاجز بأغلب أنواعها وأنماطها، وذلك لشدة حاجته إليها.

وطلاب النور الموجودون في هذه المناطق يعترفون مقسمين باللّٰه: أننا كلما انشغلنا في خدمة النور وجدنا السعة في المعيشة والانشراح في القلب، وفرحاً غامراً يملأ كياننا. إنني كذلك أشعر بهذا في كياني كله شعوراً تاماً بحيث تسكت نفسي الأمارة وشيطاني أيضاً محتارَين أمام تلك البداهة».([9])

وظيفة المنتسب إلى رسائل النور

«إن أهم وظيفة للمنتسب إلى رسائل النور، كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها؛ فالذي يكتبها أو يستكتبها، يكسب عنوان طالب رسائل النور، فيغنم بهذا العنوان حظًا من مكتسباتي المعنوية، ومن دعواتي الخيرة وتضرعاتي التي أدعوها كل أربع وعشرين ساعة بمائة مرة بل تزيد أحياناً. فضلاً عن ذلك يكسب حظاً من مكتسبات معنوية لألوف من إخواني البررة ومن دعواتهم الطيبة التي يدعون اللّٰه بها.

 

354
__________________________

 

وعلاوة على ذلك فإنه بكتابته الرسائل التي هي بمثابة أربعة أنواع من عبادة مقبولة يكسبها بأربعة وجوه.. إذ يقوي إيمانه.. ويسعى لإنقاذ إيمان غيره من المهالك.. وينال التفكر الإيماني الذي يكون بمثابة عبادة سنة أحياناً كما ورد في الأثر ويدفع غيره إلى هذا التفكر.. ويشترك في حسنات أستاذه الذي لا يجيد الخط ويقاسي من الأوضاع الشديدة ما يقاسي بمعاونته له.. نعم، يستطيع أن يكسب أمثال هذه الفوائد الجليلة».([10])

صداقة الأبطال

«أخي فيضي!(*) إن كنت ترغب أن تكون مثيل أبطال ولاية إسبارطة، فعليك أن تشبههم وتكون مثلهم تماماً. فلقد كان معنا في السجن([11]) شيخ عظيم ومرشد مرموق ذو جاذبية من أولياء الطريقة النقشبندية -رحمه اللّٰه- جالَسَ ما يقرب من ستين من طلاب النور طوال أربعة أشهر وحاورهم محاورات مغرية لجلبهم إلى الطريقة، إلاّ أنه لم يتمكن إلاّ من ضم واحدٍ منهم إلى صفه، وبصورة مؤقتة. أما الباقون فقد ظلوا مستغنين عنه وهو الولي الصالح، إذ كفتهم الخدمة الإيمانية الرفيعة التي تقدمها رسائل النور، واطمأنوا بها. ولقد فقه أولئك الأبطال بقلوبهم الواعية ورأوا ببصيرتهم النافذة الحقيقة الآتية:

إن خدمة رسائل النور هي إنقاذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فهي تكسب المرء مراتب الولاية. وإن إنقاذ إيمان شخص من الضلال أهم بكثير وأجزل ثواباً من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة الولاية؛ حيث إن الإيمان بمنحه للإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكاً أوسع من الأرض كلها. أما الولاية فإنها توسّع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وأبهر. وكما أن رفع مرتبة إنسان اعتيادي إلى سلطان، أعظم من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد، كذلك الثواب في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة أعظم وأجزل من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء صالحين. فهذا السر الدقيق هو الذي أبصرته القلوب النفاذّة لإخوانك في إسبارطة، وإن لم تره عقول قسم منهم. ولهذا فضّلوا صداقة شخص ضعيف مذنب مثلي، على صداقة أولياء عظام بل على مجتهدين إن وجدوا.

 

355
__________________________

 

فبناء على هذه الحقيقة لو أن قطباً من أقطاب الأولياء أو شيخاً جليلاً كالكيلاني، أتى إلى هذه المدينة وقال لك سأرفع مرتبتك إلى مرتبة الولاية في عشرة أيام، وذهبت إليه تاركاً رسائل النور، فلا تستطيع أن تصادق أبطال إسبارطة».([12])

ورطة المتدينين

«إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيق عليه مواردها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضاً، ومن التمسك بعادات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت.

فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجاباً دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جعلها أمراً ثانوياً أو ثالثياً بالنسبة له. لذا جوزي الإنسان على خطئه هذا بلطمة قوية شديدة حوّلت دنياه إلى جحيم لا تطاق. وهكذا يتورط المتدينون أيضاً في هذه المصيبة الرهيبة، ولا يشعر قسم منهم أنهم قد وقعوا في الورطة.

وأذكر مثالاً: رأيت عدداً من الأشخاص -من أهل التقوى- يرغبون في الدين ويحبون أن يقيموا أوامره كي يوفقوا في حياتهم الدنيوية ويفلحوا في أعمالهم. حتى إن منهم من يطلب الطريقة الصوفية لأجل ما فيها من كرامات وكشفيات. بمعنى أنه يجعل رغبته في الآخرة وثمارها تكأة ومرتبة سلم للوصول إلى أمور دنيوية، ولا يعلم هذا أن الحقائق الدينية التي هي أساس السعادة الدنيوية كما هي أساس السعادة الأخروية، لا تكون فوائدها الدنيوية إلاّ مرجحة ومشوقة، فإذا ارتقت تلك الفائدة إلى مرتبة العلة لِعَمَلِ البر، فإنها تبطله، وفي الأقل يفسد إخلاصه، ويذهب ثوابه. وقد ثبت بالتجربة أن أفضل منقذ من ظلم هذا العصر المريض الغادر المشؤوم ومن ظلماته الدامسة؛ هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة. يشهد على صدق هذا أربعون ألف شاهد.

بمعنى أن القريبين من دائرة رسائل النور إن لم يدخلوها، فهناك احتمال قوي لهلاكهم».([13])

 

356
__________________________

 

الحقائق الإيمانية أول المقاصد

«بينما ينبغي أن تكون الحقائق الإيمانية أول مقصد وأسبقه في هذا الزمان، وأنْ تبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي أن تكون خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور أجلّ وظيفة وموضع اهتمام ولهفة ومقصودة بالذات، إلاّ أن أحوال العالم الحاضرة ولاسيما الحياة الدنيوية ولاسيما الحياة الاجتماعية والحياة السياسية خاصة وأخبار الحرب العالمية بالأخص -التي هي تجل من تجليات غضب اللّٰه النازل عقاباً لضلالة المدنية الحاضرة وسفاهتها- والتي تستميل الناس إلى جانبها وتهيج الأعصاب والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكّنت فيه الرغبات الفاسدة المضرة بدلاً من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة. فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمور ومازال، ولقّحهم بأفكاره ومازال، بحيث جعل العلماء الذين هم خارج دائرة رسائل النور، بل بعض الأولياء يُنـزلون حكم الحقائق الإيمانية إلى الدرجة الثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيُولُون حبهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم. حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.

فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، فإن خدمة رسائل النور والانشغال بها قد أسقطا من عيني التيارات السياسية الحاضرة، إلى درجة لم أهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.

ثم إن طلاب رسائل النور الخواص وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة لا ينبغي لهم أن يورثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم؛ فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النور والمهمة النورانية، وأعطاهم لعباً مظلمة ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يمدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية. فمن الخطأ التنـزل إلى مشاهدة لعبهم المظلمة على حساب وظيفتنا.

 

357
__________________________

 

فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان ووافيتان لنا».([14])

تعديل الشفقة المفرطة

«لما كانت شفقة الإنسان تجلياً من تجليات الرحمة الربانية، لا ينبغي تجاوز درجة الرحمة الإلهية والمغالاة أكثر من رحمة من هو رحمة للعالمين r، فلو تجاوزها وغالى بها فإنها ليست رحمة ولا رأفة قط، بل هي مرض روحي وسقم قلبي يفضي إلى الضلالة والإلحاد.

فمثلاً: إن الانسياق إلى تأويل عذاب الكفار والمنافقين في جهنم، وما يترتب على الجهاد وأمثالها من الحوادث -من جراء ضيق شفقة المرء عن استيعابه وعدم تحملها له- إنكار لقسم عظيم من القرآن الكريم والأديان السماوية وتكذيب له، وهو ظلم عظيم وعدم رحمة في منتهى الجور في الوقت نفسه؛ لأن حماية الوحوش الكاسرة والعطف عليها، وهي التي تمزق الحيوانات البريئة، غدر عظيم تجاه تلك الحيوانات البريئة، ووحشية بالغة نابعة من فقدان الوجدان والضمير.

فالتعاطف إذن وموالاة أولئك الذين يبيدون حياة ألوف المسلمين الأبدية ويمحونها، ويسوقون مئات المؤمنين إلى سوء العاقبة بدفعهم إلى ارتكاب الذنوب والخطايا، والدعاء لأولئك الكفار والمنافقين، رحمةً بهم وعطفاً عليهم لينجوا من العقاب الشديد، لا شك أنه ظلم عظيم وغدر شنيع تجاه أولئك المؤمنين المظلومين.

وقد أثبتتْ رسائل النور إثباتاً قاطعاً: أن الكفر والضلالة تحقير عظيم للكائنات وظلم شنيع للموجودات، ووسيلة لرفع الرحمة الإلهية ونزول المصائب والبلايا، حتى وردت روايات من أن الأسماك التي في قعر البحر تشكو إلى اللّٰه ظلم الجناة، لسلبهم راحتها.

ولهذا فالذي يرأف ويعطف على تجرع الكافر صنوف العذاب في النار، يعني أنه لا يرأف ولا يعطف على أبرياء لا يحصيهم العد ممن هم أليق بالرأفة وأجدر بالعطف بل ولا يشفق عليهم، بل يظلمهم ظلماً فاضحاً.

 

358
__________________________

 

ولكن هناك أمر آخر وهو أن البلاء عندما ينـزل بالمستحقين له، يُبتلى به الأبرياء أيضاً. وعندها لا يمكن عدم الرأفة بهم. إلاّ أن هناك رحمة خفية لأولئك الأبرياء المظلومين الذين تضرروا من ذلك البلاء النازل بالجناة.

ولقد كنت -في وقت ما في الحرب العالمية الأولى- أتألم كثيراً من المظالم والقتل الذي يرتكبه الأعداء تجاه المسلمين ولاسيما تجاه أطفالهم وعوائلهم، وكنت أتعذّب عذاباً يفوق طاقتي -لما فيّ من شفقة مفرطة ورأفة متزايدة- وحينها ورد على القلب فجأة الآتي:

إن أولئك الأبرياء المقتولين يُستشهدون ويصبحون أولياء صالحين، وإن حياتهم الفانية تُبدل إلى حياة باقية، وإن أموالهم الضائعة تصبح بحكم الصدقة فتبدل أموالاً باقية. بل حتى لو كان أولئك المظلومون كفاراً فإن لهم من خزينة الرحمة الإلهية مكافآت كثيرة بالنسبة لهم -مقابل ما عانوا من البلاء في الدنيا- بحيث لو رفع ستار الغيب فإن ما ينالونه من رحمة ظاهرة يدفعهم إلى أن يلهجوا بـــ"الشكر للّٰه والحمد للّٰه".

عرفتُ هذا، واقتنعت به قناعة تامة، ونجوت بفضل اللّٰه من الألم الشديد الناشئ من الشفقة المفرطة».([15])

مصير الأبرياء من الكفار في البلايا

«لقد مسّ مسّاً شديداً مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس... ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى أن هذه المصائب وأمثالها تنطوي على نوع من الرحمة والمجازاة -حتى على الكافر- بحيث يهوّن تلك المصيبة، فتظل هينة بسيطة بالنسبة إليهم. وأصبح هذا التنبيه مرهماً شافياً لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئاً عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.

نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى -التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صغاراً وإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، من أي دين كانوا. فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهوّن عليهم تلك المصيبة.

 

359
__________________________

 

أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فإن كانوا أبرياء مظلومين، فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم من جهنم، لأن الدين -ولاسيما الإسلام- يُستر بستار اللامبالاة في آخر الزمان، وأن الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام سيحكم ويتكاتف مع الإسلام. فيمكن القول بلا شك أن ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات "الفترة" وما يقاسونه من الويلات تكون بحقهم نوعاً من الشهادة. ولاسيما الكهول وأهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.

وقد بلغني من الحقيقة أن تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب النابعة من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.

وبهذا وجدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذِّب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ اللّٰه شكراً لا نهاية له.

أما أولئك الظالمون الذين يسعّرون نار تلك الفتن والنكبات، أولئك السفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها إشباعاً لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.

ولكن إن كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يهرعون إلى نجدة المظلومين ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا بد أن النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرة جداً بحيث تجعل تلك الويلات بحقهم مدار شرف واعتزاز لهم بل وتحببها إليهم».([16])

خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن

«جاءني موظف مسؤول له علاقة معنا ومع السياسة ومنشغل بمراقبتنا كثيراً فقلت له:

إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم أقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لم أسأل ولو مرة واحدة عما يحدث في العالم، ولم أستمع إلى الراديو الذي يُسمع هنا منذ ثلاث سنوات. كل ذلك كي لا يلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.

 

360
__________________________

 

والسبب في ذلك هو أن خدمة الإيمان وحقائق الإيمان هي أجلّ من كل شيء في الكون، فلا تكون أداة لأي شيء كان؛ فإن خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كلياً من السياسة. حيث إن أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا ويستبدلون بالألماس القطعَ الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.

فأنتم يا أهل السياسة والحكومة! لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق أمامنا، لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة وتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب. فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها».([17])

زمان الجماعة

«إن هذا الزمان -لأهل الحقيقة- زمان الجماعة، وليس زمان الشخصية الفردية وإظهار الفردية والأنانية. فالشخص المعنوي الناشئ من الجماعة هو الذي ينفّذ حكمه ويصمد تجاه الأعاصير. فلأجل الحصول على حوض عظيم، ينبغي للفرد إلقاء شخصيته وأنانيته التي هي كقطعة ثلج في ذلك الحوض وإذابتها فيه. وإلاّ فستذوب حتماً تلك القطعة من الثلج، وتذهب هباءً وتفوت الفرصة من الاستفادة من ذلك الحوض أيضاً.

إنه لمن العجب وموضع الأسف أن يضيّع أهل الحق والحقيقة القوة العظمى في الاتفاق بالاختلاف فيما بينهم، بينما يتفق أهل النفاق والضلالة للحصول على القوة المهمة فيه -رغم اختلاف مشاربهم- فيغلبون تسعين بالمائة من أهل الحقيقة مع أنهم لا يتجاوزون العشرة بالمائة».([18])

التقوى والعمل الصالح

«لقد فكرت -في هذه الأيام- في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما أعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.

 

361
__________________________

 

فالتقوى هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح هو فعل المأمور لكسب الخيرات.

ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقي والروحي- وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساساً عظيماً جداً بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث إنها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ إن "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" قاعدة مطردة في كل وقت.

وحيث إن التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى أعظم أساس وأكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب. فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن اللّٰه، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جداً، وإن عملاً صالحاً ولو كان قليلاً يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة.

ثم إن هناك نوعاً من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لأن ترك الحرام واجب والقيام بالواجب ثوابه أكثر من كثير من السنن والنوافل، ففي مثل هذه الأزمان التي تهاجم الذنوب والسيئات الإنسان من كل جانب يكون اجتنابُ أثمٍ واحد مع عمل قليل، بمثابة ترك لمئات من الآثام -التي تترتب على ذلك الإثم- وقيام بمئات من الواجبات.

هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصل إلاّ بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يَصرِف فيها جهداً.

إن أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدام القرآن الكريم، في هذا الوقت هي اتخاذُ التقوى أساساً في الأعمال كلها، ثم التحرك وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسان ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئات من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل -دون ريب- الإنسانَ كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.

من المعلوم أن عشرين شخصاً في عشرين يوماً لا يستطيعون بناء عمارة واحدة في حين يستطيع أن يهدمها شخص واحد في يوم واحد، لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي أن يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس.

 

362
__________________________

 

فالألوف من الهدامين لا يقابلهم إلا معمِّر واحد وهو رسائل النور. فمقاومة خدام القرآن الكريم وحدهم تلك التخريبات المريعة إنما هي عمل خارق جداً. فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء -الروحي والأخلاقي- خوارق وفتوحات عظيمة جداً.

ولنضرب مثلاً واحداً فقط: إن أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير. إلا أننا نرى أن هذا الأساس قد تصدع كثيراً، حتى إننا نسمع أخباراً مؤلمة جداً، وحوادث مفجعة جداً تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.

ولكن بفضل اللّٰه فإن الرسائل القرآنية أينما حلت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المتين، بل حاولت تعميره.

فكما يعيث يأجوج ومأجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فإن فسـاداً أبشع من فساد يأجوج ومأجوج قد دبّ في العـالم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة وإلحاد شنيع.. فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.

لذا فإن الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يعدّ -بإذن اللّٰه- جهاداً عظيم الثواب، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم الذين يثابون بعملٍ قليل ثواباً عظيماً.

فيا إخوتي الأعزاء! في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فإن أعظم قوة لدينا -بعد قوة الإخلاص- هي قوة "الاشتراك في الأعمال الأخروية" إذ يَكتب كلٌ منكم في دفتر أعمال إخوته حسناتٍ كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها. وإن أخاكم الفقير والعاجز هذا "السعيد" الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة. ولا أستبعد هذا منكم قط، فأنتم أهل لهذا السعي، وأنتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا أطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي.

 

363
__________________________

 

وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليوم أكثر من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية».([19])

لِمَ ننشغل بالرسائل وحدها؟

«يقولون: إن سعيداً لا يقتني كتباً أخرى لديه، بمعنى أنه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كتب الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلفاته.

فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألاَ إن الذين يروّجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضاً من أهل التصوف وسيلة لذلك.

ونحن نقول تجاه هذا: حاش للّٰه مائة مرة حاش للّٰه... إن مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزالى، والذود عنه ما وسعهم وإنقاذه من هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي اللّٰه عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة يزعزع أركان الإسلام -كما في هذا العصر-. فلا يحصل بسرعة على الأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية، بل يحتاج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهراً تاماً. إلاّ أن رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تمزق صفوف العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانع أسلحة أولئك الأفذاد السامين الميامين. لأن القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعاً ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد أصبح أستاذاً كاملاً لرسائل النور. فضلاً عن ذلك فالوقت ضيق ونحن ضعفاء، فلا نجد متسعاً من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية، علاوة على ذلك فإن هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. وإلاّ فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا،

 

364
__________________________

 

ولكن لكل منا دماغ واحد ويد واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث إننا شاهدنا آخر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك السلاح والاعتصام به».([20])

 أسس العمل مع المعترضين

«لمّا كان أولياء اللّٰه الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب -إن لم يلهمهم اللّٰه سبحانه تعالى- حيث لا يعلم الغيب إلاّ اللّٰه؛ فإن أعظم وليّ صالح لا يستطيع أن يطلع على حقيقة وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعنى أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنـزلتها، إلاّ إذا كان هناك أمر يخالف ظاهر الشريعة مخالفة كلية.

فاتباعاً لدستور الآية الكريمة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾(آل عمران: 134)، وحفاظاً على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم، وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة -مع كونها محقة- على اعتراضات باطلة، واجتناباً لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معاً.

على طلبة النور -حسب الأسس المذكورة-: ألاّ يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمثل. بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته -التي هي كقطعة ثلج بطول قامته- ولا يرغب في تغييرها، بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائماً. وها هنا ينشأ النـزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.

 

365
__________________________

 

إن حادثة الاعتراض في إسطنبول تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظاً على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه أتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث علينا بالتأني، وضبط النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة...

فلو افترض -فرضاً محالاً- أن اعتراضاً على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراض ذلك القطب الأعظم على صورة التفاتة كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيل يده وإيضاح مدار الاعتراض على أستاذهم العظيم».([21])

رزق طالب العلم

«لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنني في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشاف وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبي وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة. وقد شعرت من إخوتي الكثيرين -سواءً هنا أم هناك- الحالة نفسها ومازلت أشعر بها، وكثيرون يعترفون قائلين: "إننا نشعر بها أيضاً". حتى إنني أعتقد -كما كتبته لكم في السنة الماضية- أن السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك البركة.

وقد روي عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه أنه قال: "أنا ضامن رزق طالب العلم الخالص؛ لأن في رزقه بركة وسعة".

ولما كانت هذه هي الحقيقة وأن طلاب رسائل النور قد أظهروا الأهلية التامة لعنوان "طالب العلم" في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع المنتشر، مع إدراك أن أفضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدم ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثاً وراء متطلبات العيش».([22])

 

366
__________________________

 

الحكمة في قراءة الرسائل

«قبل حوالي ثلاثة أيام استمعت إلى الكلمة الثانية والعشرين أثناء تصحيحها، ورأيت أن فيها: ذكراً كلياً، وفكراً واسعاً، وتهليلاً كثيراً، ودرساً إيمانياً قوياً، وحضوراً بلا غفلة، وحكمة سامية، وعبادة فكرية رفيعة وأمثالها من الأنوار وأدركت الحكمة في قيام قسم من الطلاب بكتابة الرسائل أو قراءتها أو الاستماع إليها بنية العبادة، فباركت عملهم وصدّقتهم».([23])

لا تفسحوا المجال للانتقاد

«إخوتي الأعزاء الأوفياء! حذار حذار.. لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر، فيستغل أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلوا دساتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائماً. وبخلاف هذا فإن اختلافاً طفيفاً في هذا الوقت يمكن أن يلحق أضراراً بليغة برسائل النور».([24])

تأليف رسالة الآية الكبرى([25])

أنموذج من الرسالة ([26])

«نودّ هنا بيان ثلاثة أمثلة عن الأفعال الربانية -من بين الآلاف منها- مما تشير إليها الآيات الثلاث المتصلة بعضها ببعض في سورة النحل،

 

367
__________________________

 

ومع أن كل فعل منها يحتوي على نكات لا حصر لها إلاّ أننا نذكر منها هنا ثلاثاً فقط.

الآية الأولى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾(النحل:68).

نعم، إنَّ النحلة معجزةُ القدرة الربانية فطرةً ووظيفةً، ويا لها من معجزة عظيمة حتى سُمّيت باسمها سورة جليلة في القرآن الكريم؟!  ذلك لأن تسجيلَ البرامج الكاملة لوظيفتها الجسيمة في رأس صغير جداً لماكنة عسل صغيرة.. ووضعَ أطيب الأطعمة وألذّها في جوفها الصغير وطبخها فيه.. واختيارَ المكان المناسب لوضع سمّ قاتل مهدم لأعضاء حية في رميحته دون أن يؤثر في الأعضاء الأخرى للجسم.. لا يمكن أن يتم -كل هذا- إلاّ بمنتهى الدقة والعلم، وبمنتهى الحكمة والإرادة، وغاية الموازنة والانتظام؛ لذا لن يتدخل مطلقاً ما لا شعورَ له ولا نظام ولا ميزان من أمثال الطبيعة الصماء أو المصادفة العمياء في مثل هذه الأفعال البديعة.

وهكذا نرى ثلاث معجزاتٍ في هذه الصنعة الإلهية، ونشاهد ظهور هذا الفعل الرباني أيضاً فيما لا يحد من النحل في أرجاء المعمورة كافة، فبروز هذا الفعل الرباني وإحاطته بالجميع، وبالحكمة نفسها، والدقة نفسها، والميزان نفسه، وفي الوقت عينه، وبالنمط عينه، يدل على الوحدة بداهة ويثبت الوحدانية.

الآية الثانية: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾(النحل:66).

 

368
__________________________

 

إنَّ هذا الأمر الإلهي ليتقطّر عِبَراً ودروساً. نعم، إنَّ إسقاء اللبن الأبيض الخالص، النظيف الصافي، المغذي اللذيذ، من مصانع الحليب المغروزة في أثداء الوالدات. وفي مقدمتها البقرة والناقة والمعز والنعجة، الذي يتدفق بسخاء من بين فرثٍ ودم دون أن يختلط بهما أو يتعكر.. وإن غرس ما هو ألذّ من اللبن وأحلى منه وأطيب وأثمن، في أفئدة تلك الوالدات وهو الحنان والشفقة التي تصل حد الفداء والإيثار.. ليحتاج حتماً إلى مرتبة من الرحمة والحكمة والعلم والقدرة والاختيار والدقة مما لا يكون قطعاً من فعل المصادفات العشوائية والعناصر التائهة والقوى العمياء، لذا فإن تصرف هذه الصنعة الربانية، وإحاطة هذا الفعل الإلهي، وتجليها في الحكمة نفسها، والدقة نفسها، والإعجاز نفسه، وفي آن واحد، وطراز واحد، في أفئدة تلك الآلاف المؤلفة من أضراب الوالدات وفي أثدائها، وعلى وجه الأرض كافة، يثبت الوحدة بداهة ويدل على الوحدانية.

الآية الثالثة: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(النحل:67).

تلفت هذه الآية الكريمة النظر والانتباه إلى النخيل والأعناب، فتنبّه الإنسان إلى أن في هاتين الثمرتين آية عظيمة لأولي الألباب، وحجة باهرة على التوحيد.

نعم، إن الثمرتين المذكورتين تعتبران غذاءً وقوتاً، وثمرة وفاكهة في الوقت نفسه، وهما منشأ كثير من المواد الغذائية اللذيذة، رغم أنَّ شجرة كلٍّ منهما تنمو في تراب جامد، وتترعرع في أرض قاحلة. فكلٌّ منهما معجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الربانية. وكل منهما مصانع سُكَّر وحلويات، ومعامل شراب معسّل، وصنائع ذات ميزان دقيق حساس وانتظام كامل، ومهارة حكيمة، وإتقان تام، بحيث إن الذي يملك مقدار ذرة من عقل وبصيرة يضطر إلى القول: "إنَّ الذي خلق هذه الأشياء هكذا، هو الذي أوجد الكائنات قاطبة"؛ لأنَّ ما نراه أمام أعيننا -مثلاً- من تدلي ما يقارب عشرين عنقوداً من العنب، من هذا الغصن الصغير النحيف، كل عنقود منه يحمل ما يقارب المائة من الحبات اللطيفة واللباب المعسلة، وكل حبَّة من تلك الحبَّات مغلفةٌ بغلاف رقيق لطيف ملوّن زاهٍ، وتضم في جوفها الناعم نوى صلدة حاملة لتواريخ الحياة ومنهاجها..

 

369
__________________________

 

نعم، إنَّ خلق كل هذا وغيره في جميع العنب وأمثاله -وهي لا تعد ولا تحصى- على وجه البسيطة كافة، بالدقة نفسها، والحكمة عينها، وإيجاد تلك الصنعة الخارقة المعجزة بأعدادها الهائلة في وقت واحد، وعلى نمط واحد، لَيُثبتُ بالبداهة أنَّ الذي يقوم بهذا الفعل إنْ هو إلاّ خالق جميع الكائنات، وأنَّ هذا الفعل الذي اقتضى تلك القدرة المطلقة والحكمة البالغة، ليس إلاّ من فعل ذلك الخالق الجليل.

نعم، إنَّ القوى العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة المشتتة، لا يمكن لها أن تمدّ أيديها وتتدخل في ذلك الميزان الرقيق الحساس، بالمهارة البالغة، والانتظام الحكيم لتلك الصنعة، بل هي تستخدم وتسخّر بأمر رباني في الأفعال الربانية، فهي ذات مفعولية وقبول، بل ليست إلاّ ستائرَ وحجباً مسخرة بيده سبحانه.

وهكذا، فكما تشير هذه الآياتُ الثلاث إلى حقائق ثلاث، وتدلّ كل منها على التوحيد بثلاث نكات، فهناك ما لا يُحدّ من الأفعال الربانية وما لا يُحد من تجليات التصرفات الربانية، تدل متفقة على الواحد الأحد وتشهد شهادة صادقة على ذات الواحد الأحد ذي الجلال والإكرام».([27])

فقرة من رسالة المناجاة

«يَا رَبَّ العالمين! يَا إله الأولين والآخِرين! يَا رَبَّ السَّمواتِ والأرضين!

لقد علِمتُ بتعليم الرَّسُولِ الأكرم r وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت بأن الرَّسُول الأكرم r -في المُقدمة- مستنداً إلى مئات من معجزاته الباهرة، والقرآن الكريم مستنداً إلى آياته الجازمة، ثم جميع الأنبياء عليهم السلام وهم ذوو الأرواح النيرة، وجميع الأولياء وهم أقطاب ذوي القلوب النورانية، وجميع الأصفياء وهم أرباب العقول المُنورة.. يبشرون الجن والأنس بالسعادة الأبدية وينذرون الضالين بجهنم -وهم يؤمنون بهذا ويشهدون عليه- استناداً إلى ما ذكرتَه مراراً وتكراراً من الوعد والوعيد في جميع الكتب السماوية والصحف المُقدسة، واعتماداً على صفاتك وشؤونك القُدسية كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ووثوقاً بعزة جلالك وسلطان ربوبيتك، ويبشرون بكشفياتهم ومشاهداتهم وبعقيدتهم الراسخة بعلم اليقين.

 

370
__________________________

 

يَا قَادرُ يَا حَكيمُ، يَا رَحمَنُ يَا رَحيمُ، يَا صَادِقَ الوَعدِ الكريم، يَا قَهَّارُ يَاذا الجَلالِ، ويَاذا العِزَّةِ وَالعَظمَةِ والجَلالِ!..

إنك مقدس مطلق، وأنت متعال منـزّه مطلق عن أن تَصِمَ بالكذب كلَّ هذا العدد من أوليائك الصادقين ووعودك العديدة وصفاتك الجليلة وشؤونك المُقدسة.. فتحجب ما تقتضيه حتماً سلطنةُ ربوبيتك، وترد ما لا يحد من أدعية ودعوات صادرة ممن لا يعد من عبادك المقبولين الذين أحببتهم وأحبوك وحببوا أنفسهم إليك بالإيمان والتصديق والطاعة… فأنت منـزّه، وأنت متعال مطلق مستغن عن تصديق أهل الضلالة والكفر الذين يتعرضون لعظمة كبريائك في إنكارهم الحشر، ويتسببون في التجاوز على عزة جلالك ويمسون هيبة ألوهيتك ورأفة ربوبيتك بكفرهم وعصيانهم وبتكذيبهم إياك في وعدك.

فأنا أقدّس عدالتك وجمالك ورحمتك غير المُتناهية -بلا حد ولانهاية- وأنزهها عن هذا الظلم والقبح غير المتناهيين وأرغب أن أتلو بعدد ذرات وجودي الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾(الإسراء:43). بل إن رسلك الصادقين -أولئك الذين هم دعاة سلطنتك الحقيقيون- يشهدون ويبشرون ويشيرون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين إلى خزائن رحمتك الأخروية وكنوز آلائك في عالم البقاء، وإلى انكشاف تجليات أسمائك الحُسنى تجلياً تاماً خارقاً في دار السعادة، ويرشدون عبادك المُؤمنين بأن أعظم شعاع لاسم "الحقّ" الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها هو: حقيقة الحشر الكبرى».([28])

السَوق إلى "إسبارطة" فـ"دنيزلي"

«لقد خبأتُ بعض الرسائل الخاصة والمجموعات المهمة ولاسيما التي تبحث عن دجّال المسلمين "السفياني" وعن كرامات رسائل النور، خبّأتها تحت أكوام من الحطب والفحم لأجل أن تنشر بعد وفاتي، أو بعد أن تصغي آذان الرؤساء وتعي رؤوسهم الحقيقة ويرجعوا إلى صوابهم. كنت مطمئن البال من هذا العمل، ولكن ما إن داهم موظفو التحريات ومعاون المدعي العام البيت وأخرجوا تلك الرسائل المهمة المخبوءة من تحت أكوام الفحم والحطب،

 

371
__________________________

 

حتى ساقوني إلى سجن إسبارطة([29]) وأنا أعاني من اعتلال صحتي ما أعاني. وبينما كنت متألماً بالغ الألم ومستغرقاً في التفكير حول ما أصاب رسائل النور من أضرار، إذا بالعناية الربانية تأتي لأغاثتنا جميعاً حيث بدأ المسؤولون الذين هم في أمسّ الحاجة إلى قراءة تلك الرسائل المخبوءة القيمة، بدؤوا بدراستها بكل اهتمام ولهفة، فتحولتْ تلك المحافل الرسمية إلى ما يشبه المدارس النورية، إذ انقلب النقد والجرح عندهم إلى نظرة الإعجاب والتقدير. حتى إنه في "دنيزلي" قرأ الكثيرون سواء من المسؤولين أو غيرهم -دون علمنا- رسالة "الآية الكبرى" المطبوعة بسرية تامة فازدادوا إيماناً وأصبحوا سبباً لجعل مصيبتنا كأن لم تكن».([30])

الشعاع الخامس سبب المحاكمة

«إن الحصول على رسالة كُتب أصلها قبل خمس وعشرين سنة "أي الشعاع الخامس" في مكان بعيد، والتي لم أحصل عليها إلاّ مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيّعت في الوقت نفسه دفع أشباه العلماء إلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.

وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة "الآية الكبرى" بالحروف الجديدة -مع عدم موافقتي- بدلاً من رسالة "مفتاح الإيمان"([31]) التي كنت أرغب في طبعها، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس -هذا الخبر- على الدوائر الحكومية، فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى. فكأن "الشعاع الخامس" قد طبع، خلافاً للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة. حتى زجّونا ظلماً وعدواناً في هذا المعتكف (السجن).

إننا نقول إزاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم: إن "الشعاع السابع" (رسالة الآية الكبرى) من أوله إلى آخره بحث في الإيمان، فلقد التبس عليكم الأمر وانخدعتم. وإن الشعاع الخامس يختلف عنه كلياً وهو رسالة خاصة وسرّيّة للغاية حتى لم يعثَر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة.

 

372
__________________________

 

وإن اصل هذه الرسالة قد كتب قبل عشرين سنة فنحن لا نرضى بطبعها وحدها بل ولا بإراءتها أيضاً إلى أي أحد كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحداً».([32])

 

373
__________________________

 

--------------------------------

[1]() في 27/3/1936.

[2]() حيث أُكره الناس على لبس القبعة والزي الأوروبي بعد صدور (قانون القيافة).

[3]() بيت صغير يقع أمام المخفر مباشرة، لكي يكون تحت المراقبة الدائمة، كان البيت مؤلفاً من طابقين: الطابق الأرضي مخزن للوقود، أما الطابق الثاني فكان مكوناً من غرفتين، وكان بديع الزمان يدفع إيجار هذا البيت بنفسه.

[4]() هؤلاء الطلاب تعارفوا مع الأستاذ النورسي وعملوا لرسائل النور بعد سنتين من نفي الأستاذ إلى قسطموني أي سنة 1938 إلا أمين جاير وهو من أشراف العشائر الكردية في الولايات الشرقية، ومن بين المنفيين إلى قسطموني، نصب له زاوية صغيرة لعمل الشاي للناس فاشتهر بـ"أمين جايجي" هداه إخلاصه إلى التعرف على الأستاذ النورسي. كان المحور في نشر الرسائل.. لازم الأستاذ النورسي في أغلب أوقاته في قسطموني. ثم سجن معه في سجن دنيزلي، توفي رحمه اللّه في "وان" عام 1967 حيث مسقط رأسه. وقد تعارف مع الأستاذ بهذه الوسيلة:

    "في أحد الأيام وقع بصري على رجل عليه ملامح الوقار والعلم، فتوجهت نحوه وبعد السلام عليه سألته: "من أين أنت؟" أجابني: "لا تقترب مني فرجال الشرطة يراقبونني، أخشى أن يصيبك منهم أذى".

    وكان ما في هذا اللقاء من صدق وإخلاص كافيين في جذبي إليه، والبحث عنه في كل مكان في المدينة، حتى وجدته في مركز الشرطة الكائن في السوق. وعرفت بعد ذلك أنه يصعد أحياناً إلى قلعة "قسطموني" واحد أفراد الشرطة يتعقبه. فذات يوم جاءني شرطي ودعاني إلى القلعة حيث الأستاذ هناك، وعندما التقينا قال للشرطي:

    "أخي! إن هذا الرجل من معارفي، فلو سمحت لنا أن نتحدث معاً.. ابتعد الشرطي عنا وبدأ الأستاذ يشرح لي وضعه وظروفه الصعبة واعتلال صحته من أثر السم الذي دس له في الطعام. ثم قال انه محتاج إلى شيء من السكر والشاي وما إلى ذلك من الحوائج". وقال: "إنهم لا يسمحون لأحد من الناس أن يراني، فأنا أريد أن أقول للمفوض بأنني أرغب في بيع فراشي لكي يكون هذا البيع وسيلة اتصال بيني وبينك إلى أن تحل هذه المعضلة". فمد يده إلى جيبه وأخرج ثلاث ليرات ذهبية ووضعها في يدي وقال: "إن هذه الليرات الذهبية من بقايا أيام الحرب العالمية الأولى، كنت أحتفظ بها منذ سنوات طويلة. فخذها واصرفها حسب احتياجاتي". قلت له: "إن حالتي المعاشية جيدة ولا أحتاج إلى نقودك". فأجابني بقوله: "إنني لا أقبل شيئاً دون مقابل".

    فأخذت القطع الذهبية وبدلت إحداها في السوق بالنقود المتداولة الحالية، وفي اليوم التالي ناداني المفوض وقال: إن هذا الأستاذ يريد أن يبيع فراشه. فهل تشتري فراشه؟ فأجبته: نعم. ثم قال: "كيف تعرف هذا الرجل؟ ومن أين؟" أجبت: "إنه أحد معارفي السابقين وكثيراً ما كان يرى بعضنا البعض الآخر". وبعدما أبديت رغبتي واستعدادي لشراء الفراش أخذني الشرطي إلى المركز لمقابلة الأستاذ وهو في الطابق الثاني. فرأيت الفراش وقدّرته بثمن خمس وعشرين ليرة وأجّرته للأستاذ مرة أخرى فقلت: "على شرط أن يدفع لي ثمن المبيت عليه يومياً". وهكذا أصبحت بواسطة هذا الفراش أذهب إلى المركز يومياً بحجة استلام الأجرة، فآخذ معي ما يحتاجه الأستاذ من ضروريات". ذكريات عن سعيد النورسي ص46.

[5]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء السادس عشر.

[6]() في تلك السنوات الحالكة مُسح مفهوم "الإله" ومسخت فكرة "الخالق" من الأذهان، وكانت معاول الهدم تهدم الإيمان باللّه في نفوس الجيل الجديد، وتثير الحيرة فيها. يتحدث "عبد اللّه يكن" عن حيرته هذه عندما كان طالباً في المدرسة المتوسطة، فيقول بأن مدرسيه لم يكونوا يتحدثون مطلقا عن "اللّه" فكان يذهب هو وصديق له يدعى "رفعت" لزيارة بديع الزمان، يقول: "كنت أنا وصديقي رفعت نزوره على الدوام، فكان يتحدث معنا عن أهمية الإيمان، وعن وحدانية اللّه، وأن الإنسان لم يخلق للعيش بدون ضوابط، وكنا نحسّ في أعقاب كل زيارة بأننا قد ولدنا من جديد، وكانت نفوسنا تطفح بالسعادة المعنوية وبالبشر والفرح".ش331.

[7]() الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة السادسة.

[8]() T.H.Kastamonu Hayatı بلغ عدد المكاتيب المسلية والتوجيهية الملحقة التي بعثها الأستاذ النورسي من قسطموني إلى طلابه في إسبارطة وغيرها من المدن (275) مكتوباً، منها العامة والخاصة.(ب)2 /844.

[9]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[10]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[11]() المقصود سجن أسكي شهر.

[12]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[13]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[14]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[15]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[16]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[17]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[18]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[19]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[20]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[21]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[22]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[23]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[24]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[25]() تأليفاته الأخرى في قسطموني:

    1-الشعاع الثالث (رسالة المناجاة).

    2-الشعاع الرابع (الرسالة الحسبية).

    3-الشعاع الخامس (رسالة أشراط الساعة وصفات الدجال والسفياني "تنظيم").

    4-الشعاع السادس (في معاني التشهد والصلوات).

    5-الشعاع الثامن (الكرامة العلوية).

    6-الشعاع التاسع (في إثبات الحشر).

    7، 8، 9-تبييض الشعاع الأول والثاني، وتنظيم رسالة "الحزب الأكبر النوري" المستخلص من اللمعة التاسعة والعشرين.

[26]() ويجمل في هذا المقام أن ننقل فقرة من مقدمة الأخ العزيز الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد لرسالة الآية الكبرى. إذ يقول: يتقدم النورسي في هدوء ذكي، ليأخذ بيد طالب الحقيقة في جولة رائعة، شاسعة هائلة، كي يفتح له فيها مغاليق عقله وقلبه، ويوقفه أمام لوحة الوجود، وجمالها الأخاذ ومظاهرها البديعة، بادئاً رحلته الكونية من عجائب الآفاق العلوية إلى مدهشات الكائنات السفلية، سابرا غورها، واصفاً اتساقها وتوازنها، ولوحاتها الفنية الرائعة، التي تأخذ بالألباب وتضرب على أوتار القلوب، فتوقظ الغافل، وتنير بصيرة الذاهل، وتأخذ بيد الجاهل، إلى عالم من حقائق العلم والمعرفة في إطار السببية الحاسمة، والغائية العميقة، والتخطيط الكوني الشامل الجامع الذي يقطع بوجود الخالق العظيم الذي تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن...كل ذلك بأسلوب شاعري خصب، بعيداً عن قيود المصطلحات الكلامية، وجمود المقدمات الفلسفية التي تزيد في الحيرة، دون أن تنقذ في عصرنا هذا عقيدة، أو تبني إيماناً، أو تدخل إشراق الروحانية الإسلامية المتزنة في كيان الإنسان المسلم. تستهل الرسالة بتنبيه مهم ومقدمة توضح ورطتين تزعزعان اليقين الإيماني وسبل النجاة منهما

    وفي الباب الأول: براهين الوجود: تبدأ بدلالة السماوات والجو وكرة الأرض والبحار والأنهار والجبال والصحارى بجميع ما فيها وما عليها، وأنواع الأشجار والنباتات المسبحات، وأنواع الحيوانات والطيور وشهادتها على التوحيد، وإجماع الأنبياء بمعجزاتهم، واتفاق الأصفياء ببراهينهم، وإجماع الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم، واتفاق الملائكة والعقول المستقيمة والقلوب السليمة، وحقيقة الوحي، والفرق بين الإلهام، والوحي وماهية الإلهام ودلالات صدق نبوة محمد r والقرآن الكريم، وبيان عظمته، ودلالة الكون بحقيقة الحدوث والإمكان وبحقيقة التعاون ودلالة مقام المعرفة الحضورية بحقيقة الفعالية المهيمنة على الكون وبحقيقة التكلم الإلهي.

    وفي الباب الثاني: براهين التوحيد تتضمن حقائق الألوهية المطلقة والربوبية المطلقة والكمالات والحاكمية المطلقة، ثم حقيقة العظمة والكبرياء، وظهور الأفعال الربانية ظهوراً مطلقاً، وحقيقة الإيجاد والإبداع، وكلية الموجودات وظهورها معا، والانتظام الأكمل ووحدة المواد ثم حقيقة الفتاحية والرحمانية والتدبير والإدارة والرحيمية والرزاقية.

[27]() الشعاعات، الشعاع السابع.

[28]() الشعاعات، الشعاع الثالث.

[29]() داهم أفراد الشرطة بيت الأستاذ ثلاث مرات؛ الأولى في 31/8/1943م والأستاذ بديع الزمان يعاني من حمى شديدة، من جراء التسمم. والثانية في 18 أيلول من السنة نفسها، ولكنهم لم يعثروا أيضاً إلاّ على بعض الرسائل التي تبحث عن مسائل الإيمان والآخرة والأخلاق. والثالثة في 20 أيلول، وسيق الأستاذ برفقة الشرطة إلى أنقرة مع مئة وستة وعشرين من طلاب النور جُمّعوا من مختلف المدن، بحجة الحصول على "الشعاع الخامس" الذي يبحث عن الدجال والسفياني.

[30]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء السادس عشر.

[31]() كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور..

[32]() الشعاعات، الشعاع الثالث عشر. وقد سُفّر بديع الزمان إلى أنقرة بإحدى سيارات النقل العمومية في أواخر شهر رمضان وفي يوم شديد الحر، ولكنه وهو في الطريق لا ينسى أن يؤدي واجب التبليغ والإرشاد إذ يلتفت إلى حارسه قائلاً له: "هل يمكن الإيعاز إلى السيد السائق بأن يوقف السيارة؟ فلا إكراه في الدين ولكن عندي بعض النصائح أريد أن أسديها للركاب". فوقّف السائق السيارة، والتفت بديع الزمان إلى الركاب مخاطباً: إن هذه الليلة ليلة القدر على أغلب الاحتمال، وإن ثواب قراءة القرآن الكريم في الأيام الاعتيادية هو عشر حسنات لكل حرف من القرآن وفي أيام رمضان ألف حسنة، أما في ليلة القدر فهو ثلاثون ألف حسنة، فلو عرض أحدهم عليكم خمس ليرات ذهبية لقاء عمل ما، أما ترغبون في الحصول عليها؟! أجاب الركاب: "نعم.. نرغب في ذلك.." فقال لهم: "إذن فليقرأ كل مسلم منكم الآن سورة الفاتحة ثلاث مرات، وسورة الإخلاص مرة واحدة وآية الكرسي مرة واحدة، فإنها ستكون لكم ذخراً في حياتكم الأبدية". وفي الطريق عندما كان يحين وقت الإفطار تقف السيارة، حيث يفطر الأستاذ بديع الزمان مع الركاب، ويصلي معهم صلاة المغرب.

    وفي أنقرة طلبه الوالي "نوزاد طان دوغان" حيث جرت بينهما مشادة حول زيّه، إذ حاول الوالي تبديل زيّه قسراً، فيرد عليه الأستاذ بديع الزمان من أنه شخص منـزو، وأن قانون الأزياء لا يشمله، وأن هذه العمامة لا تُرفع إلاّ مع هذا الرأس مشيراً إلى عنقه!.

    ومن تجليات القدر الداعية للتأمل أن هذا الوالي الفظ الذي تلفظ بكلمات جارحة مهينة ضد الأستاذ قد انتحر في (9/7/1946) بإطلاق رصاصة على صدغه" (ش) 340 ويذكر الأستاذ نفسه هذه الحادثة بقوله: "أراد والي أنقرة السيد نوزاد أن يتعرض لزيّي إلا أنه لم يوفق في مسعاه وبانتحاره نال عقابه بيده" (ب)2 ص985 عن ملف دنيزلي مخطوط.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet