الفصل التاسع

في سجن أفيون

 

(المدرسة اليوسفية الثالثة)

28/1/1948-20/9/1949

إثارة التهم مرة أخرى

«لم يتمكن أعداء رسائل النور المتسترون أن يتحملوا تلك الفتوحات النورية، فنبهوا المسؤولين في الدولة ضدنا وأثاروهم علينا، فأصبحت الحياة -مرة أخرى- ثقيلة مضجرة، إلاّ أن العناية الإلهية تجلت على حين غرة، حيث إن المسؤولين أنفسهم -وهم أحوج الناس إلى رسائل النور- بدؤوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل اللّٰه أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث إنهم بدؤوا بتقديرها والإعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتنا هذه النتيجة منافع جمة، إذ هي خيرٌ مائةَ مرة ممّا نحن فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما نعانيه من اضطراب وقلق. ولكن ما إن مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون -وهم الأعداء المتسترون- نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ونبّهوا أذهانها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون والإرهابيون -وهم واجهة الشيوعيين- حتى إن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد علينا، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.

وبالرغم من أن بعض الموظفين المسؤولين أشاعوا دعايات مغرضة عجيبة لجرح شخصيتي وذمّها -مما لا يمكن أن يصدّقها أحد- إلاّ أنهم باؤوا بالإخفاق الذريع،

 

433
__________________________

 

فلم يستطيعوا أن يقنعوا أحداً بها. ومع ذلك أحالوني إلى الموقف لمدة يومين بحجج رخيصة تافهة جداً، ووضعوني في قاعة واسعة جداً وحيداً في تلك الأيام الشديدة البرد كالزمهرير، علماً أنني ما كنت أتحمل البرد في بيتي إلاّ على مضض وكنت أقاومه بشدة بإشعال الموقد دائماً وبإشعال المدفأة عدة مرات يومياً، وذلك لما أعانيه من ضعف ومرض».([1])

وتبدأ الأسطوانة نفسها من جديد، ويشاع في البلد أن النورسي يشكل جمعية سرية، ويحرض الناس على الحكومة محاولاً هدم نظام الدولة، ويطلق على مصطفى كمال أنه دجال المسلمين.. وأمثالها من الإشاعات والتهم، فيساق الأستاذ مع خمسين طالباً للنور معه إلى محكمة الجزاء الكبرى لأفيون ويودعون جميعاً إلى التوقيف في 23/1/1948.

وبعد إجراء التحقيقات الرسمية المشددة، لم يعثروا على مادة تدينهم قط.. ولكن المحكمة حكمت بقناعة الحاكم الوجدانية -أي دون الاعتماد على دليل- على الأستاذ النورسي بالسجن عشرين شهراً وعلى عالم فاضل ثمانية أشهر،([2]) وعلى اثنين وعشرين طالبا ستة أشهر، وأُفرج عن الباقين.([3])

اعترض الأستاذ وطلابه على هذه المعاملات الاعتباطية إلى محكمة التمييز، فأجابت بالآتي: "لما كان بديع الزمان سعيد النورسي قد أصبح بريئاً من التهمة بقرار محكمة دنيزلي، فلا تؤخذ الدعوى المصدّقة من قبل التمييز مرة ثانية بالمحكمة، حتى لو كان قرار محكمة دنيزلي خطأ".

 وعلى هذا بدأت المحكمة من جديد واستجوبت المتهمين الأبرياء. وطالب طلابُ النور المحكمة بتنفيذ قرار محكمة التمييز، إلاّ أنها تماطلت.. وفي النهاية قررت تنفيذ قرار التمييز إلاّ أن المحكمة ادّعت أنها تكمّل بعض الأمور الرسمية الناقصة. بيد أن هذه الأمور الناقصة لم تنته إلى أن قضى الأستاذ وطلاب النور الأحكام الصادرة بحقهم رغم براءتهم.([4])

 وفي هذه الأثناء تولى سلطةَ البلاد الحزبُ الديمقراطي([5]) وأعلن العفو العام وأُغلقت القضية لأنها ضمن شمولية قانون العفو العام.

 

434
__________________________

 

ولكن هيئة المحكمة لم تبرئ ساحة رسائل النور، بل استمرت في قرارها حول مصادرتها فقررت المصادرة مرتين، لكن محكمة التمييز نقضت القرارين معاً. ثم اضطرت محكمة أفيون إلى إقرار براءة رسائل النور وعدم مصادرتها. ولكن محكمة التمييز نقضت -هذه المرة- قرار محكمة أفيون لنقص في الأصول الرسمية، وطلبت تدقيق رئاسة الشؤون الدينية للرسائل، فقدّمت الرئاسة تقريراً إيجابياً بحقها. واستمرت المكاتبات الرسمية حتى سنة 1956فقررت محكمة أفيون بالإجماع براءة رسائل النور استناداً إلى تقرير الخبراء المذكور. وأصبح هذا القرار قراراً نهائياً قاطعاً. وبعد هذا القرار أصبح طبع رسائل النور مسموحاً به في كل مكان.

ولقد عانى الأستاذ النورسي في سجن أفيون معاناة تفوق بكثير عما كان عليه في سجن دنيزلي، بل إن يوماً من سجن أفيون يفوق شهراً من سجن دنيزلي من العذاب، إذ قاسى من أثر التسميم([6]) ما قاسى حتى انقطع عن تناول الغذاء لأيام عدة، وكان وحيداً في ردهة كبيرة في جو شديد البرد، ولم يسمحوا لأحد أن يخدمه أو يعاونه وهو الشيخ الكبير. إنهم كانوا ينتظرون أجله على هذه الصورة..([7])

 «فبينما كنت أتقلب من شدة الحمّى المتولدة من البرد، وأتململ من حالتي النفسية المتضايقة جداً، انكشفت في قلبي حقيقة عناية إلهية، ونُبّهت إلى ما يأتي:

 إنك قد أطلقت على السجن اسم "المدرسة اليوسفية"، وقد وَهب لك سجنُ دنيزلي من النتائج والفوائد أضعاف أضعاف ما أذاقكم من الضيق والشدة، ومنحكم فرحاً شديداً وسروراً عظيماً وغنائم معنوية كثيرة، باستفادة المساجين معكم من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الأوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلتكم في شكر دائم مستمر بدل التشكي والضجر محوّلة كل ساعة من ساعات السجن والضيق إلى عشر ساعات من العبادة، فخلّدت تلك الساعات الفانية، فهذه "المدرسة اليوسفية الثالثة" كذلك ستعطي -بإذن اللّٰه- من الحرارة الكافية ما يدفئ هذا البرد الشديد، وستمنح من الفرح والبهجة ما يرفع هذا الضيق الثقيل، باستفادة أهل المصائب والبلاء معكم من رسائل النور ووجدانهم السلوانَ فيها.

 

435
__________________________

 

أما الذين غضبتَ واحتديت عليهم، فإن كانوا من المغرّر بهم ومن المخدوعين فلا يستحقون الغضب والحدّة، إذ إنهم يظلمونك دون قصد ولا علم ولا شعور. وإن كانوا يعذبونك ويشددون عليك الخناق وهم يقومون بهذا عن علم وعن حقد دفين إرضاء لأهل الضلالة، فإنهم سيعذّبون عن قريب بالموت الذي يتصورونه إعداماً أبدياً، وسيرون الضيق الشديد الدائمي المقيم في السجن المنفرد وهو القبر. وأنت بدورك تكسب ثواباً عظيماً -نتيجة ظلمهم- وتظفر بخلود ساعاتك الفانية، وتغنم لذائذ روحية معنوية فضلاً عن قيامك بمهمتك العلمية والدينية بإخلاص.

هكذا ورد إلى روحي هذا المعنى فقلت بكل ما أوتيت من قوة: "الحمد للّٰه". وأشفقت على أولئك الظَلَمة بحكم إنسانيتي ودعوت: يا ربّي أصلح شأن هؤلاء..

ولقد ثبّت في إفادتي التي كتبتُها إلى وزارة الداخلية: أن هذه الحادثة الجديدة غير قانونية، وأثبتها بعشرة أوجه، بل إن هؤلاء الظلمة الذين يخرقون القانون باسم القانون هم المجرمون حقاً، حيث بدؤوا بالبحث عن حجج واهية جداً وتتبعوا افتراءات مختلقة إلى حدّ أن جلبوا سخرية السامعين وأبكت أهل الحق المنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف أنهم لا يجدون باسم القانون والحق أي مسوّغ للتعرض لـرسائل النور ومسّ طلابها بسوء، فيزلّون إلى البلاهة والجنون ويتخبطون خبط عشواء.

مثال ذلك: أنه لم يجد الجواسيسُ الذين راقبونا لمدة شهر شيئاً علينا، لذا لفّقوا التقرير الآتي: "إن خادم "سعيد" قد اشترى له الخمر من حانوت". إلاّ أنهم لم يجدوا أحداً يوقّع على هذا التقرير تصديقاً لهم، إلاّ شخصاً غريباً وسكيراً في الوقت نفسه، فطلبوا منه -تحت الضغط والتهديد- أن يوقع مصدقاً على ذلك التقرير، فردّ عليهم: "استغفر اللّٰه من يستطيع أن يوقع -هذا التقرير- مصدقاً هذا الكذب العجيب!" فاضطروا إلى إتلاف التقرير.

مثال آخر: لحاجتي الشديدة لاستنشاق الهواء النقي، ولِمَا يُعلم من اعتلال صحتي، فقد أعارني شخص لا أعرفه -ولم أتعرف عليه لحدّ الآن- عربةً ذات حصان، لأتنـزه بها خارج البلدة فكنت أقضي ساعة أو ساعتين في هذه النـزهة. وكنت قد وعدت صاحب العربة والحصان بأن أوفي أجرتها كتباً تثمن بخمسين ليرة، لئلا أحيد عن قاعدتي التي اتخذتها لنفسي، ولئلا أظل تحت منّة أحد من الناس وأذاه..

 

436
__________________________

 

فهل هناك احتمال لأن ينجم ضرر ما من هذا العمل؟! غير أن دائرة الشرطة ودائرة العدل والأمن الداخلي وحتى المحافظ نفسه استفسروا بأكثر من خمسين مرة: لمنْ هذا الحصان؟ ولمن هذه العربة؟ وكأنه قد حدثت حادثة سياسية خطيرة للإخلال بالأمن والنظام! مما اضطر أحد الأشخاص أن يتطوع فيدّعي أن الحصان ملكه لقطع دابر هذه الاستفسارات السخيفة المتتالية، وادّعى آخر بأن العربة له، فصدر الأمر بالقبض عليهما وأودعا معي في السجن. فبمثل هذه النماذج أصبحنا من المتفرجين على لعب الصبيان ودُماهم، فبكينا ضاحكين وحزنّا ساخرين، وعرفنا أن كل من يتعرض لرسائل النور ولطلابها يصبح أضحوكة وموضع هزء وسخرية.

وإليك محاورة لطيفة من تلك النماذج: لقد قلتُ للمدعي العام -قبل أن أطلّع على ما كتب في محضر اتهامي من الإخلال بالأمن- قلت له: لقد اغتبتك أمس، إذ قلت لأحد أفراد الشرطة الذي استجوبني نيابة عن مدير الأمن: "ليهلكْني اللّٰه -ثلاث مرات- إن لم أكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن وأكثر من ألف مدع عام..".

ثم إنني في الوقت الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إلى الإخلاد إلى الراحة وعدم الاهتمام بهموم الدنيا والابتعاد نهائياً عن البرد، فإن قيام هؤلاء بنفيي -في هذه الفترة من البرد بالذات- وتهجيري من مدينة لأخرى بما يفوق تحملي، ومن ثم توقيفي والتضييق علىّ بأكثر من طاقتي وبما يشعر أنه حقدٌ دفين وأمر متعمد مقصود.. كل ذلك ولّد عندي غيظاً وامتعاضاً غير اعتيادي تجاه هؤلاء. ولكن العناية الإلهية أغاثتني فنبهتْ القلبَ إلى هذا المعنى:

إن للقدر الإلهي -الذي هو عدل محض- حصةً عظيمة جداً فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البيّن، وإن رزقك في السجن هو الذي دعاك إلى السجن، فينبغي إذن أن تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم.

وإن للحكمة الربانية ورحمتها حظاً وافراً أيضاً كفتح طريق النور والهداية إلى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثُمَّ إحراز الثواب لكم؛ لذا ينبغي تقديم آلاف الحمد والشكر للّٰه -من خلال الصبر- تجاه هذا الحظ العظيم.

وكذا فإن لنفسك أنت أيضاً حصتها حيث إن لها ما لا تعرف من التقصيرات..

 

 

437
__________________________

 

فينبغي مقابلة هذه الحصة أيضاً بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى اللّٰه وتأنيب النفس بأنها مستحقة لهذه الصفعة.

وكذا فإن بعض الموظفين السذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون إلى ذلك الظلم بدسائس الأعداء المتسترين منهم حصة أيضاً ونصيب، فرسائل النور قد ثأرت لك ثأراً كاملاً من هؤلاء المنافقين بما أنزلت بهم من صفعاتها المعنوية المدهشة. فحسبهم تلك الضربات.

أما الحصة الأخيرة فهي لأولئك الموظفين الذين هم وسائط فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتماً من جهة الإيمان -سواء أرادوا أم لم يريدوا- عند نظرهم إلى رسائل النور وقراءتـهـم لها بنيّة النقــد أو الجـرح، فإن العـفـو والتجــاوز عنهـم وفـق دستــور ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾(آل عمران:134) هو شهامة ونجابة.

وبعد أن تلقيت هذا التنبيه والتحذير الذي كلّه حق وحقيقة قررت أن أظل صابراً وشاكراً جذلاً في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة. بل قررت أن أعاقب نفسي بتقصير لا ضرر فيه فأساعد وأعاون حتى أولئك الذين يسيئون إلى ويخاصمونني.

ثم إن من كان مثلي في الخامسة والسبعين من عمره، وقد انقطعت علاقاته مع الدنيا ولم يبق من أحبابه في الدنيا إلاّ خمسة من كل سبعين شخصاً، وتقوم سبعون ألف نسخة من رسائل النور بمهمته النورية بكل حرية، وله من الإخوان ومن الورثة مَن يؤدون وظيفة الإيمان بآلاف الألسنة بدلاً من لسان واحد.. فالقبر لمثلي إذن خير وأفضل مائة مرّة من هذا السجن. فضلاً عن أن هذا السجن هو أكثر نفعاً وأكثر راحة بمائة مرة من الحرية المقيدة في الخارج، ومن الحياة تحت تحكّم الآخرين وسيطرتهم؛ لأن المرء يتحمل مضطراً مع مئات المساجين تحكماً من بعض المسؤولين؛ أمثال المدير ورئيس الحراس بحكم وظيفتهم، فيجد سلواناً وإكراماً أخوياً من أصدقاء كثيرين من حوله، بينما يتحمل وحده في الخارج سيطرة مئات الموظفين والمسؤولين.

وكذلك الرأفة الإسلامية والفطرة البشرية تسعيان بالرحمة للشيوخ ولاسيما من هم في هذه الحالة، فتبدلان مشقة السجن وعذابه إلى رحمة أيضاً.. لأجل كل ذلك فقد رضيت بالسجن..

 

 

438
__________________________

 

وحينما قُدمتُ إلى هذه المحكمة الثالثة جلست على كرسي خارج باب المحكمة لما كنت أحسّ من النصب والضيق في الوقوف لشدة ضعفي وشيخوختي ومرضي. وفجأة أتى الحاكم وقال مغاضباً مع إهانة وتحقير: لِمَ لا ينتظر هذا واقفاً؟!

ففار الغضب في أعماقي على انعدام الرحمة للشيب، والتفتُّ وإذا بجمع غفير من المسلمين قد احتشدوا حولنا ينظرون إلينا بعيون ملؤها الرأفة، وقلوب ملؤها الرحمة والأخوّة، حتى لم يستطع أحد من صرفهم عن هذا التجمع، وهنا وردت إلى القلب هاتان الحقيقتان:

الأولى: أن أعدائي وأعداء النور المتسترين قد أقنعوا بعض الموظفين الغافلين وساقوهم إلى مثل هذه المعاملات المهينة كي يحطموا شخصيتي أمام أنظار الناس، ويصرفوا ما لا أرغبه أبداً من توجه الناس وإقبالهم علىّ، ظناً منهم أنهم يتمكنون بذلك من إقامة سدّ منيع أمام سيل فتوحات النور. فتجاه تلك الإهانة الصادرة من رجل واحد فقد صرفت العناية الإلهية نظري إلى هؤلاء "المائة" إكراماً منها للخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور وطلابها قائلة: انظر إلى هؤلاء، فقد أتوا للترحيب بكم لخدمتكم تلك، بقلوب ملآى بالرأفة والحزن والإعجاب والارتباط الوثيق!

بل حتى في اليوم الثاني عندما كنت أجيب على أسئلة حاكم التحقيق؛ احتشد ألف من الناس في الساحة المقابلة لنوافذ المقر. وكانت ملامح وجوههم تعبّر عن وضعهم، وتقول: "لا تضايقوا هؤلاء". ولشدة ارتباطهم بنا، عجزت الشرطة عن أن تفرقهم. وعند ذلك ورد إلى القلب أن هؤلاء الناس في هذا الوقت العصيب؛ ينشدون سلواناً كاملاً، ونوراً لا ينطفئ، وإيماناً راسخاً، وبشارة صادقة بالسعادة الأبدية، بل يبحثون عنها بفطرتهم، وقد طرق سمعَهم أن ما يبحثون عنه موجود فعلاً في رسائل النور، لذا يبدون هذا الاحترام والتقدير لشخصي الذي لا أهمية له بما يفوق طاقتي وحدي، من موقع كوني خادماً للإيمان، وعسى أن أكون قد قمت بشيء من الخدمة له.

الحقيقة الثانية: لقد ورد إلى القلب أنه حيال إهانتنا والاستخفاف بنا بحجة إخلالنا بالأمن العام، وإزاء صرف إقبال الناس عنا بالمعاملات الدنيئة التي يقوم بها أشخاص معدودون من المغرر بهم.. فإن هناك الترحيب الحار والتقدير اللائق لكم من قبل أهل الحقيقة وأبناء الجيل القادم.

 

439
__________________________

 

نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب المتستّر بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فإن طلاب رسائل النور يقفون بوجه ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد ويكسرون شوكته بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثاً لإحلال الأمن والنظام مكان الخوف والفوضى. فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أية حادثة كانت حول إخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثاً، في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: "إن طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، إنهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ رسائل النور بالإيمان التحقيقي حارساً ورقيباً عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام"».([8])

 

مقتطفات من دفاع الأستاذ النورسي

 أمام محكمة أفيون

ردّ على لاِئحة الادعاء

«بعد صمت دام ثمانية عشر عاماً، اضطررت إلى إعادة تقديم هذه الدعوى رداً على لائحة الادعاء، رغم تقديمها إلى المحكمة وتقديم صورة منها إلى المراجع العليا في أنقرة».

«أدناه خلاصة لدفاع قصير -هو الحقيقة عينها- قد قلته للمدعين العامين وضابطي الشرطة الذين أتوا لتحري منـزلي في "قسطموني" ثلاث مرات، وقلته أيضاً لمدير الشرطة ولثلة من أفراد الشرطة -في المرة الثالثة- ولمحكمة دنيزلي وأفيون. فليكن معلوماً لديكم أن ما قلته لهم هو: أنني أعيش معتكفاً ومنـزوياَ منذ عشرين سنة. فطوال ثماني سنوات في "قسطموني" بقيت مقابل مخفر الشرطة وكذا الحال في بقية الأماكن؛ كنت طوال هذه الفترة تحت المراقبة والترصد الدائم. وقد تحرّوا منـزلي عدة مرات، ومع ذلك لم يعثروا على أية أمارة لها علاقة بالدنيا أو بالسياسة. فلو كان لي شيء من التدخل بها لكانت الشرطة والعدلية تعلم به، أو علمتْ به ولكن لم تعر له بالاً، بمعنى أنهم مسؤولون أكثر مني.

 

440
__________________________

 

صورتان للإستاذ

 

441 - 442
__________________________

 

فما دام الأمر هكذا فلِمَ تتعرضون لي إلى هذا الحد دون داع إليه وبما يلحق الضرر بالبلاد والعباد. علماً أنه لا يُتعرض في الدنيا كلها للمنـزوين المعتكفين المنشغلين بآخرتهم.

نحن طلاب النور آلينا على أنفسنا ألاّ نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله. فضلاً عن أن القرآن الكريم قد منعنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.

نعم، إن مهمة رسائل النور الأساس هي خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يُودِي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سماً زعافاً وجحيماً لا يطاق.

ومنهجها في ذلك هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تلزم أشد الفلاسفة والمتزندقة تمرداً على التسليم بالإيمان. لذا فليس من حقنا أن نجعل رسائل النور أداة لأي شيء كان، وذلك لأسباب:

أولاً: كي لا تحول الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع زجاج متكسر في نظر أهل الغفلة، حيث يتوهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضاً معينة، وكي لا نمتهن تلك المعاني القرآنية القيمة.

 ثانياً: إن منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بشؤون السلطة الحاكمة. لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب فإن وراء كل واحد منهم عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء. فإذا نزل بأحد أولئك المبتلَيْنَ المستحقين للعقاب كارثة أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضاً سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه. وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يخل بأمن البلاد ونظامها عن طريق وسائل سياسية.

ثالثاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام. وهذه المبادئ هي:

1- الاحترام المتبادل

2- الشفقة والرحمة

 

443
__________________________

 

3- الابتعاد عن الحرام

4- الحفاظ على الأمن

5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخول في الطاعة.

والدليل على أن رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تثبت وتحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو أن رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً أن تجعل أكثر من مائة ألف رجل أعضاء نافعين للبلاد والعباد دون أن يتأذى أو يتضرر بهم أحد من الناس. ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول.

فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلا شك أن أكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية. ويعملون -سواءً بعلم أو بدون علم- لحساب الفوضوية والتطرف.

إن مائة وثلاثين رسالة من أجزاء رسائل النور التي منحت مائة وثلاثين حسنة وفائدة لهذه البلاد، لا تزيلها الأضرار الموهومة التي يتوهمها أهل الغفلة القاصرو النظر الشكاكون، من نقص وقصور في رسالتين أو ثلاث. فالذي يهوّن من شأن تلك الرسائل بهذه الأوهام والشبهات ظلومٌ مبين.

أما تقصيراتي وذنوبي التي تمس شخصي الذي لا أهمية له، فإني أضطر دون رغبة مني إلى القول بأن الذي قضى حياة الاغتراب التي هي أشبه ما تكون بالسجن الانفرادي طوال اثنتين وعشرين سنة، معتكفاً ومنـزوياً عن أحوال الناس. والذي لم يخرج باختياره طوال هذه الفترة إلى مجمع الناس في السوق وفي الجوامع الكبيرة. والذي أجري عليه أشد أنواع الضيق والعنت وخالف أمثاله من المنفيين فلم يراجع الحكومة ولو لمرة واحدة. ولم يقرأ جريدة ولم يستمع إليها، بل لم يكترث بها طوال هذه الفترة.

 وخير شاهد على هذا القريبون من أصدقائه وأحبّائه خلال سنتين في قسطموني وخلال سبع سنوات في أماكن أخرى. بل لم يعرف أحداث الحرب العالمية ولا المنتصر من المغلوب،

 

444
__________________________

 

ولم يهتم بالمعاهدة والصلح، بل لم يعرف حتى من هم أطراف الحرب، ولم يتحرك فضوله لمعرفتهم، ولم يسأل عنهم ولم يستمع إلى الراديو القريب منه خلال ثلاث سنوات سوى ثلاث مرات. والذي يواجه الكفر المطلق برسائل النور، ذلك الكفر الذي يفني الحياة الأبدية ويزيد آلام الحياة الدنيا ويجعلها عذاباً في عذاب. والشاهد الصادق لذلك مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم برسائل النور المترشحة من فيض نور القرآن العظيم والتي تجعل الموت بحق مائة ألف شخص تذكرة تسريح بدلاً من الإعدام الأبدي.

تُرى أي قانون يسمح بالتعرض لهذا الرجل -يقصد نفسه- وجعله في يأس من الحياة، ودفعه إلى البكاء والحزن، مما يدفع مائة ألف من إخوانه إلى البكاء؟ بل أية مصلحة في ذلك؟ ألا يرتكبون باسم العدالة غدراً لا مثيل له ولا نظير؟ أفلا يكون باسم القانون خروجاً عن القانون؟

أما إذا قلتم واحتججتم بتصرفكم هذا بما يحتج به فريق من الموظفين في هذه التحريات وادعيتم كما يدعون، بأنك وطائفة من رسائلك تخالفان نُظمنا ومبادءنا.

فالجواب:

أولاً: ليس من حق نظمكم ومبادئكم المبتدعة هذه أن تدخل معتكفات المنـزوين إطلاقاً.

ثانياً: إن ردّ أمر ما شيء وعدم قبوله قلبياً شيء آخر. وعدم العمل به شيء آخر تماماً. وإن ولاة الأمور إنما ينظرون إلى اليد لا إلى القلب. وهناك في كل قطر وفي كل مكان معارضون شديدون للحكومة لا يتدخلون في شؤون الإدارة والأمن. حتى إنه في عهد سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه لم يمُسّ النصارى بشيء مع أنهم كانوا ينكرون الإسلام وقوانين الشريعة.

وعلى هذا واستناداً إلى مبدأ حرية الفكر والوجدان، إذا كان بعض طلاب النور يرفضون نظمكم ومبادئكم، وينتقدونها على أساس علمي نقداً بناءً، أو إن صدرت منهم أعمال وتصرفات لا تتفق وتلك المبادئ، بما في ذلك إضمار العداء لأولى الأمر، فليس من حق القانون أن يحاسبهم على ذلك بشرط واحد وهو أن لا يتدخلوا في الشؤؤن الإدارية، وألاّ يخلّو بالأمن والنظام.

 

445
__________________________

 

أما بالنسبة للرسائل، فقد أطلقنا على تلك الرسائل أنها سرية وخاصة، وحظرنا نشرها. حتى إن أحدهم قد أتى لي بنسخة واحدة من الرسالة التي سببت هذه الحادثة لمرة أو مرتين طوال ثماني سنوات في قسطموني، وضيعناها في اليوم نفسه. وأنتم الآن تشهرونها بالقوة والإكراه، وقد اشتهرت حقاً.

ومن المعلوم أنه إذا وجد نقص يوجب الذنب في رسالة ما، فإن تلك الكلمات وحدها تُحذف ويُسمح بالبقية، ولقد وجدوا خمس عشرة كلمة فقط هي مدار النقد من بين مائة رسالة من رسائل النور بعد إجراء تدقيقات عليها دامت أربعة أشهر في محكمة "أسكي شهر". ووجدوا في صفحتين فقط من بين أربعمائة صفحة من مجموعة "ذوالفقار"([9]) موضع نقد بعدم تلاؤمها مع القانون المدني حيث فيهما تفسير الآيات الكريمة الخاصة بميراث المرأة وحجابها، ذلك التفسير الذي كتب قبل ثلاثين سنة.. كل ذلك يثبت أن هدف رسائل النور ليست الدنيا، بل الناس كافة بحاجة إليها. فلا تصادر تلك المجموعة (ذوالفقار) لأجل تلكما الصفحتين. ولترفع إذن الصفحتان وتُعَدْ لنا مجموعتنا. نعم من حقنا أن نطالب بإعادتها لنا.

أما إذا خلتم الإلحاد ضرباً من متطلبات السياسة وقلتم بزعمكم كما يزعم البعض: "إنك برسائلك هذه تفسد علينا مدنيتنا وتحول دون تمتعنا بمباهج الحياة وملذاتها"...فأنا أقول: "إنه لا يمكن لأي شعب أن يعيش بلا دين. وهذا دستور عام، معترف به في الدنيا كلها. ولا سيما إن كان هناك كفر مطلق فإنه يسبب لصاحبه عذاباً أشد إيلاماً من عذاب جهنم في الدنيا نفسها. كما أثبت ذلك بأدلة وبراهين لا تقبل المناقشة في رسالة "مرشد الشباب"، تلك الرسالة المطبوعة رسمياً، إذ لو ارتد مسلم -والعياذ باللّٰه- فإنه يقع في الكفر المطلق، ولن يبقى في الكفر المشكوك فيه الذي يمهل الحياة لصاحبه إلى حدٍ ما. ولا يكون كملاحدة الأجانب أيضاً. بل من حيث التمتع بملذات الحياة التي قد يتصورها، لا يكون حظه من ذلك سوى الهبوط إلى مرتبة أدنى من مرتبة الحيوانات بمائة مرة التي لا معنى للماضي والمستقبل لديها. وذلك لأن موت الموجودات السابقة واللاحقة وفراقها الأبدي، يترك في نفسه آلاماً مستمرة متعاقبة بسبب ضلاله.

 

446
__________________________

 

أما إذا جاء الإيمان ولامس بشاشة القلب وتمكّن فيه، فإن أولئك الأصدقاء الذين لا يحصيهم العد سيحيون فجأةً ويقولون بلسان حالهم: نحن لم نمت.. ولم نفنَ..! وحينئذٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذائذ فيحاء وروضة غناء.

 فما دامت الحقيقية هي هذه، فإنني أذكّركم بالآتي: لا تبارزوا رسائل النور المستندة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب، وإلاّ فسيكون أمر هذه البلاد مؤسفاً إذا ما حاول أحد طمس نورها وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور أيضاً.

ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كل يوم واحد منها عن جسدي، فلن أحني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها.

لا شك أنه لا ينظر إلى نقائص تقع في إفادة معتكف منذ عشرين سنة، ولا يقال إنه خرج عن الصدد، ذلك لأنه يدافع عن رسائل النور، إذ ما دامت محكمة "أسكي شهر" لم تجد غير مادة أو مادتين لرسالة أو رسالتين من بين مائة من الرسائل السرية الخاصة والعلنية العامة، أثناء إجراء التدقيق عليها خلال أربعة أشهر، علماً أن المادتين توجبان عقاباً خفيفاً، حتى إن المحكمة حكمت بالسجن لمدة ستة أشهر على خمسة عشر من المتهمين البالغ عددهم مائة وعشرين شخصاً، ونحن بدورنا قضينا هذا العقاب..

وما دامت جميع أجزاء رسائل النور قد أصبحت في متناول المسؤولين -قبل سنوات- وأعيدت إلى أصحابها بعد إجراء التدقيق عليها خلال شهور عدة..

وما دامت لم تظهر أية أمارة تمس العدلية والأمن طوال ثماني سنوات في "قسطموني" رغم التحريات الدقيقة..

وما دام قد تحقق لدى هيئة التحريات الأخيرة في "قسطموني" -قبل سنوات- أن بعض الرسائل وجدت تحت أكوام الحطب، مما يومئ إلى عدم نشرها بل فقدانها..

 

447
__________________________

 

وما دام مدير الشرطة في قسطموني ومسؤول العدلية قد وعداني وعداً قاطعاً بإعادة الكتب المخفية لي وقبل استلامي لها ساقوني في اليوم التالي بمجرد مجيء أمر التوقيف من إسبارطة..

ومادامت محكمتا "دنيزلي" و"أنقرة" قد برأتا ساحتنا أعادتا إلينا جميع الرسائل..

فلا بد وبناء على هذه الحقائق الست بمقتضى واجب محكمة "دنيزلي" ومدعيها العام كما هو من واجب عدلية "أفيون" ومدعيها العام أخذُ جميع حقوقي المهمة بنظر الاعتبار. فأنا على أمل أن المدعي العام الذي يدافع عن الحقوق العامة سيدافع عن حقوقي الشخصية التي أصبحت بمثابة الحقوق العامة لمناسبة رسائل النور. بل أنتظر ذلك منه.

إن سعيداً الجديد الذي انسحب من ميدان الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، ويجهل القوانين الحاضرة وأصول الدفاع الحالية، والتي قدم مائة صحيفة من الدفاع المبرهن ببراهين لا تجرح والذي قدّمها سابقاً إلى محكمتي "أسكي شهر ودنيزلي" وقاسى جزاء تقصيراته إلى ذلك الوقت. ومن بعده في قسطموني وفي أميرداغ حيث قضى حياته فيما يشبه السجن المنفرد وتحت الرقابة الدائمة.. أقول: إن هذا السعيد الجديد وأمره هذا، يؤثر جانب الصمت ويدع الكلام لسعيد القديم.

يقول سعيد القديم: لما كان سعيد الجديد قد أعرض عن الدنيا ولا يتكلم مع أهلها ولا يجد مبرراً للدفاع إلاّ إذا اضطر إلى ذلك. إلاّ أن المسألة تمس الكثيرين من الأبرياء من الفلاحين وأصحاب الأعمال حيث يعتقلون بمناسبة علاقتهم الواهية معنا، ويصيب أعمالهم الكساد لعجزهم عن تدارك حاجات أهليهم وأطفالهم في موسم العمل هذا.. إن هذا الأمر قد مسّ وجداني مساً قوياً وأبكاني من الأعماق.

لذا أقسم باللّٰه العظيم أنه لو كان باستطاعتي أن آخذ على عاتقي جميع مشاق أولئك لأخذتها، فالذنب كله يعود لي -إن كان هناك ذنب- وهم أبرياء أصلاً.([10])

 

448
__________________________

 

نقاط أخرى

وهناك نقاط أخرى أود أن أعرضها على إدارة مدينة أفيون ومحكمتها وشرطتها:

الأولى: أن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا وظهور أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا إشارة قدرية منذ الأزل على أن الدين هو السائد وهو الحاكم في آسيا، وتأتي الفلسفة في الدرجة الثانية. وبناءً على هذا الرمز القدري، فإن الحاكم في آسيا إن لم يكن متديناً فعليه -في الأقل- ألاّ يتعرض للعاملين في سبيل الدين، بل عليه أن يشجعهم.

الثانية: أن القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب، فلو خرج القرآن -والعياذ باللّٰه- من هذه الأرض لجنت الأرض، وليس ببعيد أن تنطح رأسها الذي أصبح خالياً من العقل بإحدى السيارات وتتسبب في حدوث قيامة.

أجل، إن القرآن هو العروة الوثقى وحبل اللّٰه المتين يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض أكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم، وهذه الرسائل التي أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة في هذا العصر وفي هذا الوطن لهذه الأمة تعد نعمة إلهية كبرى ومعجزة قرآنية لا تنطفئ، لذا فليس على الحكومة التعرض لها وترويع طلابها منها ليبتعدوا عنها، بل عليها حماية هذه الرسائل والتشجيع على قراءتها.

الثالثة: بناءً على قيام أهل الإيمان الآتين بتقديم حسناتهم إلى أرواح الذين سبقوهم مع دعواتهم بالمغفرة لهم فقد قلت في محكمة "دنيزلي":

لو سألكم أهل الإيمان -الذين يعدون بالمليارات- في يوم المحكمة الكبرى وسألوا الذين يضيقون على طلاب رسائل النور الذين يعملون في سبيل إظهار حقائق القرآن ويحكمون عليهم بالسجن، وقالوا: "إنكم كنتم في غاية التسامح مع كتب الملاحدة والشيوعيين ومنشوراتهم باسم قانون الحرية وتسامحتم مع الجمعيات التي ربّت وغذّت الفوضى، ولم تتعرضوا لهم أبداً، ولكنكم أردتم أن تقضوا على رسائل النور وعلى طلابها بالسجن وبشتى وسائل التضييق، مع أنهم كانوا يحاولون إنقاذ الوطن والأمة من الإلحاد ومن الفساد وإنقاذ مواطنيهم من الإعدام الأبدي".. لو سألوكم هذا فماذا سيكون جوابكم؟ ونحن أيضاً نوجه هذا السؤال إليكم..

 

449
__________________________

 

لقد قلت هذا لهم، وعند ذلك قام أولئك الذوات المحترمون الذين كانوا من أهل الإنصاف والعدالة بإصدار قرار بتبرئتنا وأظهروا عدالة جهاز العدالة.

الرابعة: كنت أنتظر أن تستدعيني "أنقرة" أو "أفيون" إلى لجنة الشورى وتعاطي الأسئلة والأجوبة حول المسائل الكبيرة التي أخذت رسائل النور على عاتقها القيام بها.

أجل، إن رسائل النور هي أقوى وسيلة وأنجع دواء لهذه الأمة في هذا البلد في سبيل إعادة الأخوّة الإسلامية السابقة والمحبة السابقة وحسن الظن والتعاون المعنوي بين ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم، وفي سبيل البحث عن وسائل هذا التعاون....

الخامسة: لا يمكن الوقوف أمام رسائل النور ومبارزتها، لأنها لا تُغلب؛ فهي قد أسكتت منذ عشرين سنة أكثر الفلاسفة عناداً وتعلن حقائق الإيمان كالشمس في رابعة النهار. لذا فعلى الذين يحكمون هذا البلد الاستفادة من قوتها.

السادسة: إن التهوين من شأني بأخطائي الشخصية التي لا أهمية لها وإسقاطي في نظر عامة الناس بإنزال الإهانات بي، لا يضرّ رسائل النور، بل يمدّها -من جهة- إذ لو سكت لساني الفاني فإن ألسنة مئات الآلاف من نسخ رسائل النور لن تكفّ عن النطق، ولن تسكت عن الكلام والتبليغ، كما أن الألوف من طلبتها الأوفياء الذين مُنحوا قوةَ النطق ووضوح الحجة سيديمون تلك الوظيفة النورية القدسية الكلية إن شاء اللّٰه إلى يوم القيامة، كما كان شأنهم إلى الآن.

السابعة: كما ذكرنا في دفاعاتنا أمام المحاكم السابقة والتي سردنا فيها حججنا، فإن أعداءنا السريين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين خدعوا الحكومة واستغفلوها واستغلوا الأوهام والمخاوف المتسلطة على بعض أركانها ووجهوا جهاز العدالة ضدنا، إما أنهم من المخدوعين بشكل سيئ جداً أو من المنخدعين أو هم يعملون لصالح الفوضويين من الذين يحاولون قلب نظام الحكم بشكل غادر، أو هم من أعداء الإسلام ومن المرتدين الذين يحاربون الحقيقة القرآنية ومن الملاحدة الزنادقة.. فهؤلاء لم يترددوا أبداً عندما حاربونا من إطلاق صفة النظام على الردة التامة، ومن إطلاق صفة "المدنية" على السفاهة والتسيب الأخلاقي الرهيب، ومن إطلاق صفة "القانون" على نظام الكفر القهري المنفلت والمرتبط بالأهواء.

 

450
__________________________

 

وهكذا استطاعوا أن يضيقوا علينا تضييقاً شديداً، واستغفلوا الحكومة وخدعوها ووجهوا جهاز العدالة للانشغال بنا دون أي داعٍ، لذا فإننا نحيل هؤلاء إلى قهر القهار ذي الجلال ونلتجئ إلى حصن ﴿حَسْبُنَا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ليحفظنا من شرور هؤلاء».([11])

 

تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة "أفيون"

«إن مخاطبي في هذا الاعتراض ليس محكمة أفيون   
ولا مدعيها العام، بل أولئك العاملين هنا وفى دائرة    
التحقيقات ممن تساورهم الشكوك والأوهام والأغراض
الشخصية فيتخذون مواقف عدائية ضدنا مستندين إلى  
تحقيقات ناقصة وإخباريات مختلقة استند إليها مدّعون 
عامون ومخبرون ومتحرون في أماكن أخرى».       

«أولاً: إن إطلاق اسم الجمعية -التي لا تخطر على البال- ولا أصل لها أساساً، على طلاب رسائل النور الأبرياء الذين ليس لهم أية علاقة بالسياسة. ومن ثم عدّ أولئك المساكين الداخلين في تلك الدائرة -ولا لهم غاية غير الإيمان والآخرة- ناشرين لتلك الجمعية وأعضاءها الفاعلين أو من منتسبيها، أو جعل الذين قرؤوا رسائل النور أو استقرؤوها أو استنسخوها مذنبين ودفعهم لأجل ذلك إلى المحكمة.. كل هذه الأمور بعيدة بُعداً واضحاً عن العدالة.

والحجة القاطعة عليها هي:

إن الذين يقرؤون مؤلفات ضارة كالسم الزعاف والتي تهاجم القرآن، كمؤلفات "الدكتور دوزي" وأمثاله من الزنادقة، لا يعدّون مذنبين حسب دستور حرية الفكر والحرية العلمية، بينما يعدّ ذنباً قراءة وكتابة رسائل النور التي تبين الحقائق القرآنية والإيمانية وتعلّمها المحتاجين إليها حاجة ماسة والمشتاقين إليها وتوضّحها لهم وضوح الشمس الساطعة!

ثم إنهم اتهمونا على بضع جمل فحسب وردت في رسائل اتخذناها رسائل سرية لئلا تفسر تفسيراً خاطئاً وذلك قبل الإعلان عنها في المحاكم،

 

451
__________________________

 

علماً أن تلك الرسائل قد دققتها محكمة "أسكي شهر" -سوى واحدة منها-، واتخذت ما يستوجب الأمر، ولم تعترض إلا على مسألة أو مسألتين من "رسالة الحجاب" وقد أجبت عنها في عريضتي وفى اعتراضي بأجوبة قاطعة. وقلنا: "إن ما في أيدينا نورٌ ولا نملك صولجان السياسة" وأثبتنا ذلك في محكمة أسكي شهر بعشرين وجهاً.

وإن محكمة "دنيزلي" قد دققت جميع الرسائل دون استثناء، ولم تعترض على أية رسالة منها.. ولكن أولئك المدعين غير المنصفين قد عمموا حكم تلك الجمل المعترض عليها التي لا تتجاوز جملتين أو ثلاثاً على جميع الرسائل حتى صادروا مجموعة "ذو الفقار" البالغة أربعمائة صفحة لأجل صفحات منها فقط. وجعلوا قارئي الرسائل ومستنسخيها مذنبين، واتهموني بأنني أعارض الحكومة وأتحداها. إنني أُشهد أصدقائي القريبين منى والذين يقابلونني أشهدهم مقسماً باللّٰه: إنني منذ أكثر من عشر سنوات لا أعرف سوى رئيسين للجمهورية ونائباً واحداً في البرلمان ووالي قسطمونى. فلا أعرف معرفة حقيقية أحداً غيرهم من أركان الحكومة ووزرائها وقوادها وموظفيها ونوابها، وليس لي فضول لمعرفتهم، إلاّ أن شخصاً أو شخصين أظهرا قبل سنة علاقة نحوي فعرفت عن طريقهما خمسة أو ستة من أركان الحكومة.

فهل من الممكن لمن يريد مبارزة الحكومة ألاّ يعرف من يبارز، ولا يتحرك فيه الفضول لمعرفتهم، ولا يهتم بمن يواجههم، أهم أعداء أم أصدقاء؟

يفهم من هذه الأحوال أنهم يختلقون معاذير لا أصل لها قطعاً. فمادام الأمر هكذا: فإنني أقول لأولئك الظلمة غير المنصفين ولا أخاطب هذه المحكمة:

إنني لا أعير أقل اهتمام بما تعتزمون إنزاله بي من عقاب، مهما بلغت درجته من الشدة والقسوة، لأنني على عتبة باب القبر، وفى السن الخامسة والسبعين من عمري، فهل هناك سعادة أعظم من استبدال مرتبة الشهادة بسنة أو سنتين من حياة بريئة ومظلومة كهذه؟

ثم إنني موقن كل اليقين ولا يخالجنى أدنى شك في أن الموت بالنسبة لنا تسريح وتأشيرة دخول إلى عالم الطمأنينة والسعادة. ولنا آلاف البراهين من رسائل النور على ذلك، وحتى إن كان الموت إعداماً ظاهرياً لنا فإن مشقة ساعة من الزمان تتحول بالنسبة لنا إلى سعادة ومفتاح للرحمة وفرصة عظيمة للانتقال إلى عالم البقاء والخلود.

 

452
__________________________

 

أما أنتم يا أعداءنا المتسترين ويا أولئك الذين يضللون العدالة في سبيل إرضاء الزندقة ويتسببون في خلق الأوهام الزائفة في أذهان المسؤولين في الدولة لينشغلوا بنا دون داع أو سبب.. اعلموا قطعاً، ولترتعد فرائصكم، إنكم تحكمون على أنفسكم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي الدائم. وأن الانتقام لنا يؤخذ منكم أضعافاً مضاعفة، فها نحن أولاء نرى ذلك ونشفق عليكم. ولا شك أن حقيقة الموت التي ظلت تفرغ هذه المدينة مائة مرة إلى المقابر، لا بد أن تكون لها غاية ومطلب فوق غاية العيش والحياة. وإن محاولة الخلاص من براثن ذلك الإعدام الأبدي هي قضية في مقدمة القضايا الإنسانية، بل هي من أهم الضروريات البشرية وأشدها إلحاحاً.

فما دامت هذه هي الحقيقة، أفليس من دواعي العجب والغرابة أن يتهم نفر من الناس طلاب رسائل النور-الذين اهتدوا إلى ذلك السر وعثروا على تلك الحقيقة- ويلصقوا اتهامات باطلة برسائل النور التي أثبتت تلك الحقيقة نفسها بآلاف الحجج والبراهين؟ إن كل من له مسكة من عقل -بل حتى لو كان مجنوناً- يدرك تمام الإدراك بأن أولئك النفر باتهاماتهم تلك إنما يضعون أنفسهم موضع الاتهام أمام الحقيقة والعدالة.

إن هناك ثلاث مواد توهم بوجود جمعية سياسية لا علاقة لنا بها أصلاً، هي التي خدعت هؤلاء الظلمة.

أولاها: العلاقة الوطيدة التي تربط بين طلابي منذ السابق، قد أوحت لهم وجود جمعية.

الثانية: أن بعضاً من طلاب رسائل النور يعملون بأسلوب جماعي كما هو لدى الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان والتي تسمح بها قوانين الجمهورية ولا تتعرض لها؛ لذا ظن البعض فيهم أنهم جمعية، والحال أن نية أولئك الأفراد القليلين ليس تشكيل جمعية أو ما شابهها، بل هي أخوّة خالصة وترابط وثيق أخروي بحت.

الثالثة: أن أولئك الظلمة يعرفون أنفسهم أنهم قد غرقوا في عبادة الدنيا وضلوا ضلالاً بعيداً ووجدوا بعض قوانين الحكومة منسجمة معهم، لذا يقولون ما يدور في ذهنهم: أن سعيداً ورفقاءه معارضون لنا ولقوانين الحكومة التي تساير أهواءنا، فهم إذن جمعية سياسية.

وأنا أقول: أيها الشقاة! لو كانت الدنيا أبدية خالدة، ولو كان الإنسان يظل فيها خالداً،

 

453
__________________________

 

ولو كانت وظائفه منحصرة في السياسة وحدها، ربما يكون لفريتكم هذه معنى. ولكن اعلموا أنني لو دخلت العمل من باب السياسة لكنتم ترون ألف جملة وجملة صيغت بأسلوب التحدي السياسي، لا عشر جمل في رسالة. ولنفرض فرضاً محالاً أننا نعمل -كما تقولون- ما وسعنا لمقاصد دنيوية وكسب متعها الرخيصة والحصول على سياستها -ذلك الفرض الذي لم يحاول الشيطان أن يقنع به أحداً- فما دامت جميع وقائعنا طوال عشرين سنة لا تُبرز شيئاً لملاحقتنا، إذ الحكومة تنظر إلى كسب الشخص لا إلى قلبه، والمعارضون موجودون في كل حكومة بشكل قوي. فلا شك أنكم لا تستطيعون أن تجعلونا في موضع التهمة بقوانين العدالة. كلمتي الأخيرة:

﴿حَسْبِيَ اللّٰهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾

 

ذيل تتمة الاعتراض المقدم إلى الادعاء العام لمحكمة أفيون

أولاً: أُبيّن للمحكمة أن هذا الادعاء الجديد أيضاً مبني على ادعاءات قديمة لمحكمة "أسكي شهر" و"دنيزلي" ومبني على التقرير المقدم من قبل خبراء سطحيين بعد تحقيقاتهم العابرة. وقد ادعيت في محكمتكم: إن لم أثبت مائة خطأ في هذا الادعاء فأنا راضٍ بإنزال عقاب مائة سنة من السجن بي وها أنا الآن اُثبت دعواي. إن شئتم أقدم لكم الجدول المتضمن للأخطاء التي تزيد على المائة.

ثانياً: عندما أُرسلتْ أوراقنا وكتبنا من محكمة "دنيزلي" إلى أنقرة كتبت لإخوتي -في غضون ترقبي وقلقي على صدور قرار ضدنا- الفقرةَ التي في ختام بعض دفاعاتي، وهي أنه إذا استطاع موظفو العدالة الذين يدققون رسائل النور بهدف النقد والتقييم، أن يقووا إيمانهم وينقذوه، ثم حكموا عليّ بالإعدام، اشهدوا بأنني قد تنازلت لهم عن جميع حقوقي. لأننا خدام الإيمان ليس إلاّ. وإن المهمة الأساس لرسائل النور هي تقوية الإيمان وإنقاذه. لذا نجد أنفسنا ملزمين بالخدمات الإيمانية، دونما تمييز بين عدوٍ وصديق، ومن غير تحيّز لأية جهة كانت.

وهكذا.. أيها السادة أعضاء المحكمة، استناداً إلى هذه الحقيقة، وفي ضوئها، قد استطاعت رسائل النور بحقائقها الناصعة وبراهينها الساطعة أن تستميل نحوها قلوب الكثيرين من أعضاء المحكمة وحملتهم على التعاطف معها.

 

454
__________________________

 

فلا يهمني بعدُ ما تريدون فعله، وما تقررون في حقي.. افعلوا ما شئتم فإني مسامحكم.. ولن أثور أو أغضب عليكم إطلاقاً. وهذا هو السبب في أنني تحملت أشد أنواع الأذى والجور والاستبداد والتعرض والإهانات المتكررة التي أثارت أعصابي والتي لم أُقابَل قبلُ بمثلها طوال حياتي كلها.. بل إنني لم ادعُ على أحد بالشر أو السوء.

وإن مجموعات رسائل النور التي بين أيديكم لهي دفاعي غير القابل للجرح أو الطعن، وهي خير دليل على زيف جميع الادعاءات المثارة ضدنا.

إنه لمثير للعجب والحيرة أنه في الوقت الذي دقق علماء أجلاء من مصر والشام وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة وعلماء من رئاسة الشؤون الدينية، مجموعاتِ رسائل النور ولم ينتقدوا منها شيئاً، بل استحسنوها وقدروها حق قدرها. وفي الوقت الذي حملت الرسائل مائة ألف من أهل الحقيقة على التصديق بها رغم الظروف الصعبة المحيطة، ورغم ما أعانيه من الاغتراب والشيخوخة وقلة النصير، وفضلاً عن الهجمات الشرسة المتلاحقة.. أقول: في الوقت الذي تقدّر الرسائل هكذا، إذا بالذكي([12]) الذي استجمع علينا ادعاءات واهية يتفوه بخطأ فاحش ينم عن سطحيته وسطحية نظرته للأمور، إذ قال: إن القرآن الكريم عبارة عن مائة وأربعين سورة!.. هذا الشخص نفسه يقيّم رسائل النور فيقول: "إن رسائل النور مع أنها تحاول تفسير القرآن الكريم وتأويل الأحاديث الشريفة إلاّ أنها لا تحمل ماهية علمية وقيمة راقية من حيث تقديمها المعرفة إلى قرائها". ألا يفهم من تنقيده هذا أنه بعيد كل البعد عن القانون والحقيقة والحق والعدالة!.

وأشكو إليكم أيضاً:

لقد أسمعتمونا الادعاء العام كاملاً طوال ساعتين والذي أدمى قلوبنا لما فيه من أخطاء تربو على المائة سجّلناها في أربعين صفحة. إلاّ أنكم لم تفسحوا لي مجال دقيقتين من الزمان كي أجيبه في صفحة ونصف الصفحة رغم إصراري على ذلك، لذا أطالبكم باسم العدالة بقراءة اعتراضي بتمامه.

 

455
__________________________

 

ثالثاً: إن لكل حكومة معارضين، ولا يسمح القانون بالتعرض لهم ماداموا لم يخلّوا بالنظام. أفيمكن لي ولأمثالي ممن أعرضنا عن الدنيا ونسعى للقبر أن ندع السعي للحياة الباقية على وفق المسلك الذي سلكه أجدادنا الميامين طوال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة وبهدي تربية قرآننا العظيم، وفي ضوء دساتير يقدّسها ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المؤمنين في كل عصر، ثم ننشغل بحياة دنيوية قصيرة فانية وننقاد لقوانين ودساتير غير أخلاقية للمدنية السفيهة، بل قوانين جائرة وحشية كما هي في البلشفية، وننحاز إليها تحت ضغوط أعدائنا ودسائسهم؟ فليس هناك قانون في العالم كله ولا إنسان يملك ذرة من الإنصاف يُكره الآخرين على قبول هذا بذاك.

إلاّ أننا نقول لأولئك المعارضين: إننا لم نتعرض لكم فلا تتعرضوا لنا!

وهكذا بناء على هذه الحقيقة، إننا لسنا مع زعيم أصدر أوامر حسب هواه باسم القانون، لتحويل جـامع أياصوفيا إلى دار للأصنام وجعل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات.. لسنا معه فكراً ولا موضوعاً ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة، ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.

والواقع أنه بالرغم من حياة الأسر والتشرد التي عشتها خلال هذه السنوات العشرين، والتي ذقت فيها ألواناً من العذاب، وتعرضت لأقسى وأشنع أساليب الظلم والاستبداد، ومع أن هناك مئات الألوف من إخواني النوريين الأوفياء، فإننا لم نتدخل في الأمور السياسية ولم تُسجّل حادثة واحدة تدل على تعرضنا للأمن أو إخلالنا بالنظام.

إن ما أتعرض له في أخريات أيامي هذه، من الإهانات المتكررة والمعاملات الظالمة التي أُقابل بها، وحياة الاغتراب والتشرد التي أعيشها والتي لم أر مثلها من قبل جعلني أملّ الحياة.. إنني سئمت الحرية المقيدة، تلك الحرية التي يحدها التحكم ويعقلها الجور والاستبداد. لقد رفعت إليكم طلباً لا لإطلاق سراحي وتخفيف عقابي وإبراء ساحتي، كما هو المألوف، بل لإنزال أشد العقاب بي وأقساه، نعم أشده وأقساه لا أخفه وأهونه، ذلك لأنه لا سبيل للتخلص من مثل هذه المعاملة العجيبة المنكرة سوى أحد أمرين: السجن أو القبر. إن الطريق إلى القبر مسدود أمامي لا أستطيع الحصول عليه لأن الانتحار محظور شرعاً، ثم إن الأجل سر خفي،

 

456
__________________________

 

لا يدرك الإنسان كنهه بَلْهَ أن تطاله يداه، لذا فقد رضيت بالسجن الذي أنا رهين اعتقاله وتجريده منذ حوالي ستة أشهر. إلاّ أنني لم أقدم هذا الطلب في الوقت الحاضر إلاّ نزولاً عند رغبة إخواني الأبرياء.

رابعاً: إنني خلال هذه السنوات الثلاثين من حياتي، والتي أطلقت فيها على نفسي اسم "سعيد الجديد" أدّعي فأقول: بأنني قد بذلت ما وسعني الجهد لكبح جماح نفسي الأمارة بالسوء، وصونها من العجب والتطلع إلى الشهرة والتفاخر، بل قد جرحت أكثر من مائة مرة مشاعرَ طلاب النور الذين يحملون حسن ظن مفرط بشخصي، يشهد على هذا ما كتبته في رسائل النور وحقائقها المتعلقة بشخصي، والمنصفون ممن يختلفون إليَّ بجد، والأصدقاء جميعاً. فأنا لست المالك لبضاعة النور، بل لست إلاّ دلالاً ضعيفاً بسيطاً في حانوت مجوهرات القرآن.

كما أنني بتصديق من إخواني المقربين، وبما شاهدوا من أماراتها العديدة، عازم على ألاّ أضحي بالمناصب الدنيوية وأمجادها الزائفة وحدها، بل لو أُسند إليّ -فرضاً- مقامات معنوية عظمى، فإنني أضحى بها أيضاً لخدمتي للإيمان والقرآن خشية اختلاط حظوظ نفسي بإخلاصي في الخدمة. وقد قمت بهذا فعلاً.

ومع ذلك فقد جعلت محكمتُكم الموقرة، مشاعر الاحترام التي أبداها نحوي بعض إخواني -نظير انتفاعهم برسائل النور كشكر معنوي من قبيل احترام زائد عن احترام المرء لأبيه- مع رفضي وعدم قبولي لها، جعلتها مدار استجوابنا وكأنها مسألة سياسية وحملتم فريقاً منهم على التنكر لذلك الاحترام، فيا عجباً أي ذنب وأي جريرة في امتداح جاء على لسان الغير ولم يرض به هذا العاجز ولا يرى نفسه لائقاً بذلك؟

خامساً: إني أعلن لكم بصراحة تامة أن محاولة إلصاق تهمة الانتماء إلى التكتلات والتجمعات والتدخل في الشؤون الداخلية، إلى طلبة النور الذين لا علاقة لهم بأيّ وجه بالتحزب والتجمع والتكتلات والتيارات السياسية المختلفة، ما هي إلاّ من وحي منظمة الزندقة المتسترة التي تعمل منذ أربعين سنة على هدم الإسلام ومحو الإيمان،

 

457
__________________________

 

خادمة بذلك لنوع من البلشفية والتي سبّبت -هذه المنظمة- في تغذية روح التطرف والفوضى في هذه البلاد، سواء بعلم أو بغير علم، واتخذت موقفاً مضاداً تجاهنا.

بيد أن ثلاث محاكم مختلفة قد اتفقت على تبرئة ساحة رسائل النور وطلبتها من تهمة الانتماء إلى التكتلات، سوى محكمة واحدة، وهي محكمة "أسكي شهر" حيث حكمت عليّ بالسجن لمدة عام واحد، ولمدة ستة أشهر على خمسة عشر من إخواني من مجموع مائة وعشرين شخصا. ولعل الذي دفع محكمة أسكي شهر إلى اتخاذ ذلك القرار يعود إلى ورود فقرة كُتبت قديماً جاءت ضمن رسالة صغيرة تتعلق بمسألة واحدة وهي "الحجاب"

وكان نص تلك الفقرة كما يأتي: "لقد طرق سمعنا أن صباغ أحذية قد تعرض لزوجة رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهاراً جهاراً في قلب العاصمة "أنقرة"! أليس هذا الفعل الشنيع صفعة قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟"

وإذن فإن اصطناع الأسباب الواهية والاتهامات الباطلة ضد طلبة رسائل النور الآن، إن هو إلاّ بمثابة الحكم ضد تلك المحاكم الثلاث، ومحاولة لإلصاق التهمة بها ووصمها بوصمة الخيانة والعار.

سادساً: لا يمكن المبارزة مع رسائل النور. فقد اتفقت كلمة علماء الإسلام الذين اطلعوا عليها أنها تفسير قيم صادق للقرآن الكريم، أي أنها تنطوي على براهين دامغة لحقائقه الناصعة وهي معجزة معنوية من معجزات القرآن في هذا العصر، وسد منيع أمام الأخطار والمهالك التي تتربص بهذه البلاد وبهذه الأمة من الشمال.

فالواجب يقتضي من حيث الحقوق العامة أن تعمل محكمتكم الموقرة على الترغيب في هذه الرسائل بدلاً من تخويف طلابها وترغيبهم عنها، هذا ما نعلمه، بل ننتظره منكم.

ومن المعلوم أن عدم التعرض لكتب الملاحدة وبعض الساسة المتزندقين ومجلاتهم وجرائدهم -مع ضررها الفادح على الأمة والبلاد والأمن العام- تحت ستار الحرية العلمية، يدفعنا حتماً إلى القول والتساؤل: ما الجانب المحظور من التحاق شاب برئ يحتاج إلى العون والمساعدة إلى صفوف طلبة النور،

 

458
__________________________

 

كي ينقذ إيمانه وينجو من التردي في هاوية الأخلاق الذميمة؟ أفليس من الحكمة والعدل والواجب أن تحتضن الحكومة ووزارة المعارف (التربية) هذا العمل وتشجعه وتقدره حق قدره بدلاً من أن تعمل على مكافحته وعلى ملاحقتنا دون سبب؟

كلمتي الأخيرة: نسأل اللّٰه أن يوفق الحكام إلى إحقاق الحق وإقرار العدل.. آمين

حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم المصير

 الحمد للّٰه رب العالمين».([13])

كلمتي الأخيرة

«أودّ أن أبيّن لهيئة المحكمة ما يلي:

لقد أدركت من لائحة الاتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الانفرادي بأن شخصي هو الهدف في هذه المسألة، فقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي. وقد زعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وأنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة، وردّاً على هذا فإنني أقول لكم بصراحة تامة:

لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور ولا إلى طلاب النور الميامين من أجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصيا، لأنهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، وإلاّ فسيلحق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير وقد يكون ذلك سبيلاً إلى خطر عليهما.

وأريد أن أؤكد لكم: لقد قررت أن أقبل -في ضوء مسلكي الحالي- أيّ أذى وأية إهانة وأيّ عذاب وأيّ عقاب موجه إلى شخصي، بشرط ألاّ يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء. فبينما أبكي من ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى. ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جداً، وقد شاهدتم أنتم أيضاً ورأيتم كيف حاول مَن كتب لائحة الادعاء البحث عن أسباب واهية ومعاذير باطلة،

 

459
__________________________

 

فقدم جميع ما كتبته من كتب ومن خطابات سرية خاصة وغير خاصة في ظرف عشرين أو ثلاثين سنة من حياتي كأنني قد كتبتها بأجمعها في هذه السنة، وساق لبعضها معاني خاطئة، وقدمها وكأنها لم تظهر للعيان ولم تدخل أية محكمة ولم يشملها أي قانون من قوانين العفو ولم تتعرض لمرور الزمن.. كل هذا من أجل النيل مني، والحط من شأني. ومع أنني ذكرت أكثر من مائة مرة بأني أعترف بضآلة شأني وصغر قيمتي، ومع أن معارضيّ يحاولون بكل وسيلة النيل مني وتهوين أمري إلا أن سبب محبة عامة الناس لي محبة أقلقت رجال السياسة يعود إلى أن تقوية الإيمان يحتاج في هذا الزمن وفي هذه الظروف حاجة ملحة وقطعية إلى أشخاص لا يضحون بالحقيقة -في موضوع الدين- من أجل أي شيء على الإطلاق ولا يجعل أحدهم الدين وسيلة وآلة لأي غرض ولأي شيء، ولا يعطي لنفسه حظاً، وذلك لكي يمكن الاستفادة من إرشاداته في دروس الإيمان وتحصل القناعة التامة به.

نعم، إنه لم يحدث في أي ظرف من الظروف أن اشتدت الحاجة إلى الخدمة مثلما بلغته في عصرنا هذا وذلك لأن الأخطار قد داهمتنا من الخارج بشدة وضراوة بالغتين. ومع اعترافي وإعلاني بأن شخصي العاجز لا يكفي لسد هذه الحاجة أو ملء ذلك الفراغ، فقد ذهب البعض إلى الظن بأن شيئاً من ذلك يمكن أن يتحقق على يدي، لا لمزية معينة في شخصي، بل لشدة الحاجة إلى من يقوم بمثل هذا العمل ولعدم بروز أحد بروزاً ظاهراً لتحمل تلك المسـؤولية العظمى.

ولقد تأملت منذ أمد طويل في هذه المسألة في حيرة وتعجب، إذ على الرغم من أخطائي وعيوبي الشخصية المدهشة، وعدم جدارتي للقيام بمثل هذا العمل الجليل بأي وجه كان، فقد بدأت أفهم الحكمة في التفات العامة وإبدائهم ضرباً من مشاعر الاحترام نحوي. والحكمة هي أن الحقائق التي تحتوي عليها رسائل النور، والشخصية المعنوية التي يمثلها كيان طلبتها، قد يمـمتا وجه تلك الحاجة شطرهما، ولا سيما في ظرف مثل ظرفنا ومثل وسطنا الحاليين، ومع أن حظي من الخدمة قد لا يبلغ الواحد في الألف، فإن البعض يعتقدون فيّ تجسيداً لتلك الحقيقة الخارقة وممثلاً لتلك الشخصية الأمينة المخلصة فيبدون نحوي ذلك النوع من الالتفات.

 

460
__________________________

 

والواقع أن هذا النوع من الالتفات بقدر ما هو ضارٌّ بي، ثقيل على نفسي أيضاً. حتى إنني آثرت الصمت بغير حق عن تلك الخسائر المعنوية، حفاظاً على الحقائق النورية وشخصيتها المعنوية. وربما يعود السبب في ذلك النوع من الالتفات إلى إشارة مستقبلية للإمام علي رضي اللّٰه عنه وللشيخ الكيلاني قُدس سره، ولبعض الأولياء الآخرين، بإلهام إلهيّ إلى حقيقة رسائل النور، وشخصية طلبتها المعنوية.. وما ذلك إلاّ لكون تلك الرسائل مرآة صغيرة عاكسة لمعجزة القرآن المعنوية في عصرنا الحاضر. ولعل ذلك البعض قد أخذ شخصي الضعيف بنظر الاعتبار، لا لشيء إلاّ لكوني خادماً لتلك الحقيقة الخارقة. ولقد أخطأت عندما لم أصرف التفاتهم الجزئي لشخصي -بتأويلٍ- إلى رسائل النور. والسبب في هذا يعود إلى ضعفي وكثرة الأسباب التي قد تدفع مساعديّ إلى الخوف. وما قبولي جزءاً مما يخصّ شخصي في الـظاهر إلاّ لإضفاء سمة الاعتماد وصبغة الثقة على أقوالي لا غير.

إنني أنذركم بما يلي:

لا داعي إطلاقاً للقضاء على شخصي الفاني المشارف على باب القبر. ولا داعي كذلك إلى إعطاء مثل هذه الأهمية لوجودي. وإنه مما يجب أن تعلموه جيداً هو أن المبارزة مع رسائل النور محاولة يائسة. إنكم لن تستطيعوا مبارزتها، فلا تبارزوها. إنكم لن تتغلبوا عليها. ولئن حاولتم مبارزتها، فلن تعودوا إلاّ بأضرار جسيمة على الأمة والبلاد معاً، ولكن لن تستطيعوا تشتيت شمل طلبتها أو تفكيك وحدتهم مهما حاولتم.. إذ ليس من السهل حمل أحفاد أجدادنا وأبنائهم البسلاء الذين ضحوا بأكثر من خمسين مليوناً من الشهداء في سبيل الحفاظ على القرآن وحقائقه القيمة، على التنكر والنسيان لماضيهم المجيد، ولا الحيلولة دون بطولاتهم الدينية الرائعة التي كانت دوماً محط أنظار العالم الإسلامي وموضع إعجابه. وحتى لو انسحبوا من الميدان فإن أولئك الطلاب الأوفياء لن يتخلوا عن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لتلك الحقيقة ولن يرضوا -بذلك التخلي- أن يصيب الضرر الوطن والأمة والأمن.

وآخر قولي: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰه لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(التوبة:129)»([14]).

 

461
__________________________

 

إلى رئاسة محكمة التمييز

«في جلسة محكمة التمييز التي راجعناها لإبطال القرار الجائر الذي أصدرته محكمة "أفيون" في حقنا لم يَدَعوا لي فرصة للكلام، بل تلوا علينا اتهاماً ثالثاً شديد اللّهجة، ولم يسمحوا لأحد أن يساعدني في الكتابة، وفضلاً عن رداءة خطي في الكتابة فقد كنت مريضاً، وهذه الشكوى التي كتبتها وأنا مريض أقدمها إلى مقامكم "الذي أنصفني مرتين إنصافاً تاماً" كلائحة تمييز.

هذه عريضة إلى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى إلى المقام الإلهي، ولتسمعها محكمة التمييز في الوقت الحالي والأجيال الآتية في المستقبل وليسمعها أساتذة دار الفنون "الجامعة" وطلابها المثقفون، فمن مئات المصائب والبلايا التي واجهتها طوال ثلاث وعشرين سنة اخترت عشراً منها لعرضها على عدالة المقام الإلهي ذي الجلال الحاكم المطلق مشتكيا إليه:

الأولى: مع أنني شخص مقصر، فقد نذرت كل حياتي في سبيل سعادة هذه الأمة وفي سبيل إنقاذ إيمانها، ولقد سعيت بكل جهدي للعمل برسائل النور لكي أضحى بنفسي في سبيل حقيقة افتدتها ألوف الأنفس، وهي الحقيقة القرآنية، واستطعت بتوفيق من اللّٰه تعالى وفضل منه أن أتحمل شتى ضروب التعذيب، فلم أتقهقر ولم أنسحب.

أسوق مثالاً واحداً من التصرفات الغادرة والظالمة التي واجهتها في سجن أفيون وفي محكمتها:

مع أنهم أسمعوني وأسمعوا طلاب النور الأبرياء الذين كانوا ينتظرون السلوان من عدالة المحكمة ثلاث مرات لائحة الاتهام المليئة بالافتراءات وكانت قراءة اللائحة تستغرق كل مرة ساعتين في الأقل، إلاّ أنهم لم يسمحوا لي بالكلام وبالرد إلاّ لمدة دقيقة واحدة أو دقيقتين، مع أنني رجوت منهم أن يسمحوا لي بالدفاع عن حقوقنا لمدة خمس أو عشر دقائق.

ومع أنني أُبقيت معزولاً لمدة عشرين شهراً في سجن انفرادي، إلاّ أنهم لم يأذنوا لأحد بزيارتي ورؤيتي إلاّ لصديقين أو ثلاثة ولمدة ثلاث أربع ساعات فقط، وقد ساعدتني هذه الزيارة مساعدة جزئية جداً في كتابة دفاعي. ثم منعوا هؤلاء أيضاً، وعاملوهم معاملة قاسية وعاقبوهم.

 

462
__________________________

 

وأجبرونا على سماع لائحة الاتهام للمدعي العام البالغة خمس عشرة صحيفة والتي ملأها بالأكاذيب المغرضة وبالافتراءات وبسوء الفهم.

حتى إنني أحصيت فيها واحداً وثمانين خطأً، ولم يسمحوا لي بالكلام وبالرد، ولو سمحوا لي بذلك لقلت لهم: أنتم تنكرون دينكم وتهينون أجدادكم -بوصفهم بأنهم كانوا على ضلالة- وتنكرون نبيكم r ولا تقبلون بقوانين قرآنكم الكريم، بينما لا تتعرضون لليهود ولا للنصارى ولا للمجوس، ولا للمنافقين المرتدين من الفوضويين من أنصار البلشفية، وذلك تحت شعار حرية الفكر وحرية الوجدان. وإن الحكومة البريطانية التي نعلم مدى تعصبها للنصرانية ومدى جبروتها، تسمح للملايين من المسلمين الموجودين تحت حكمها بقراءة القرآن في كل وقت وأخذ دروس منه، هذه الدروس التي ترّد كل العقائد الباطلة وكل الدساتير الكافرة للإنكليز. ثم إن المعارضين لكل حكومة يستطيعون إبداء آرائهم علناً ويستطيعون نشر هذه الأفكار، ولا تتعرض لهم محاكم هذه الحكومات. أما أنا فقد تم تدقيق أربعين سنة من حياتي وتدقيق مائة وثلاثين كتاباً من كتبي وجميع مكاتيبى ورسائلي حتى السرية منها في محكمة "إسبارطة" وفي محكمة "دنيزلي" وفي محكمة جزاء "أنقرة" وكذلك في رئاسة الشؤون الدينية، كما قامت محكمة التمييز بهذا التدقيق مرتين -وربما ثلاث مرات- وبقيت رسائل النور بكل نسخها الخاصة منها وغير الخاصة في يدها مدة حوالي ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يجدوا فيها أي شيء يستوجب عقوبة مهما كانت صغيرة. وأنا أتساءل ما هو الذنب الذي اقترفناه لكي تقوموا بإصدار عقوبة قاسية في حقنا وسجننا سجناً انفرادياً وأنا بهذه الدرجة من الضعف وفي هذا الوضع القاسي من الظلم والقهر، وأي قانون أو مصلحة أو وجدان يرضى بهذا؟ مع أن رسائل النور -التي تجدون مجموعتها كاملة بين أيديكم- أصبحت مرشداً قوياً وقويماً لأكثر من مائتي ألف طالب من طلاب النور الحقيقيين المستعدين للتضحية، فخدمت بذلك أمن البلد واستقراره. ثم إن دفاعي الذي قدمته والذي بلغ أربعمائة صفحة أثبت براءتنا بشكل قاطع لا يقبل الشك، لذا ستُسألون هذه الأسئلة أمام المحكمة الكبرى يوم الحشر دون ريب.

الثانية: لقد عدّوا تفسيري للآيات القرآنية الصريحة حول الحجاب والإرث وذكر اللّٰه وتعدد الزوجات، وقيامي برد الاعتراضات المثارة ضدها من قبل المدنية الغربية الحالية رداً مفحماً.. عدّوا ذلك إحدى التهم الموجهة إليّ.

 

463
__________________________

 

وأكرر هنا الفقرة التي أوردتها قبل خمسة عشر عاماً في محكمة "أسكي شهر" ثم في محكمة التمييز في أنقرة وستكون هذه الفقرة شكواي في محكمة الحشر الكبرى وتنبيهاً وإيقاظاً للجماعات المثقفة للأجيال القادمة وستكون هي مع "رسالة الحجة الزهراء" بمثابة لائحة تمييز، كما أنني أكرر هذه الفقرة للمدعي العام الذي لم يترك لي فرصة للكلام والذي أثبتّ ثمانين خطأ ورد في لائحته الاتهامية التي ملأها بالمغالطات وأعرضها مرة أخرى على هيئة المحكمة التي أصدرت حكما عليّ بسنتين من الحبس الانفرادي الشديد وبسنتين من النفي والإقامة الجبرية:

إنني أقول لمحكمة وزارة العدل: إن إدانة من يفسر أقدس دستور إلهيّ وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدق به ثلاثمائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرار ظالم لا بد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولا بد أن ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه. ولتسمع هذا الآذان الصماء لعصرنا الحالي.

ألا يعني إدانة شخص ترك السياسة واعتزل الحياة الاجتماعية ولا يؤمن من الناحية الفكرية العلمية ببعض القوانين الأجنبية التي قُبلت في هذا البلد بمقتضى ظروف معينة، لقيامه بتفسير هذه الآيات إنكاراً منهم للإسلام وخيانة لمليار من أجدادنا الأبطال المتدينين واتهاماً لملايين التفاسير القرآنية؟!

الثالثة: من الأسباب التي ذكروها لتبرير الحكم عليّ هي القيام بالإخلال بالأمن والاستقرار؛ وعلة هذا أنهم قاموا بتفسير خاطئ لمعنى بعض الجمل الواردة في خطابات شخصية ورسائل خاصة لا تتجاوز الخمسين جملة، مع أن رسائل النور تحوي أكثر من مائة ألف كلمة وجملة، ونظروا إلى احتمال واهٍ وبعيد جداً لا يتجاوز واحداً في المائة بل واحداً من ألف، وعدوا هذا الاحتمال البعيد واقعاً ويريدون به عقابنا.

وأنا أُشهد الذين يعرفون الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة من حياتي والآلاف من طلبة النور الأصفياء فأقول:

 

464
__________________________

 

عندما بدأ القائد العام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول ببذر بذور الخلاف بين المسلمين حتى خدع شيخ الإسلام وبعض العلماء الآخرين وجعل أحدهم يهاجم الآخر، ووسع الخلاف بين جماعة الاتحاديين وجماعة "الائتلاف"([15]) لكي يهيئ الجو لانتصار اليونانييـن واندحار الحركة المـلية الوطنية. قمـت آنذاك بتأليف كتـابي "الخطوات السـت" ضد الإنكلـيز وضد اليونانييـن، وقام السـيد "أشرف أديب"([16]) بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد، فالذي لم يحفل بتهديد القائد الإنكليزي بإعدامه ولم يهرب إلى أنقرة مع أن حكومة أنقرة استدعته تقديراً منهم لنضاله، وفي روسيا لم يحفل بقرار الإعدام الذي أصدره القائد الروسي، واستطاع في حوادث 31 مارت بخطبة واحدة تهدئة ثماني كتائب هائجة من الجيش وإعادتها إلى الطاعة. وعندما قال له باشوات المحكمة العسكرية العرفية: "أنت أيضاً رجعي فقد طالبت بحكم الشريعة" لم يحفل بتهديدهم أدنى احتفاء بل أجابهم: "إذا كانت المشروطية عندكم تعني استبداد فئة معينة فليشهد الثقلان أنني رجعي، وأنا مستعد للتضحية بروحي في سبيل مسألة واحدة فقط من مسائل الشريعة مما أذهل الضباط الكبار. وبينما كان يتوقع حكم الإعدام أصدروا قرارهم بتبرئته وتخلية سبيله. ولم يشكرهم على قرارهم هذا، بل هتف وهو في طريقه للخروج "لتعش جهنم للظالمين".

وفي ديوان الرئاسة في أنقرة -كما أدرج في قرار لمحكمة أفيون- عندما قال له مصطفى كمال في غضب: "لقد دعوناك هنا لكي نستأنس بآرائك السديدة، فإذا بك تكتب أموراً حول الصلاة فبذرت الخلاف فيما بيننا" فأجابه أمام ما يقرب من خمسين نائباً: "إن أكبر مسألة بعد مسألة الإيمان هي الصلاة، ومن لا يصلي يعدّ خائناً وحكم الخائن مردود". فاضطر ذلك القائد الصارم إلى كظم غيظه وإلى إرضائه بعض الترضية.

ثم إنه لم يسجل رجال أمن الحكومة في ست ولايات أية حادثة تخل بالأمن لطلبة النور مع أنهم يعدّون بمئات الآلاف سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي. ولم يسمع أحد أن طالباً من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم أو جناية،

 

465
__________________________

 

وما دخل السجن إلاّ وأصلح المسجونين. ومع أن مئات الآلاف من نسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهد أحد ضرراً لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة. وأصدرت ثلاث محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما أن مئات الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور.

ثم هل يجوز أن يتهم شخص منـزوٍ ومنعزل وكبير السن وفقير ويرى نفسه على حافة القبر وترك بكل قوته وقناعته الأشياء الفانية، فلا يهتم بأية رتبة دنيوية بل هو في شغل شاغل بما يكفّر عن تقصيراته السابقة وبأمور تنفع حياته الخالدة، وهو لشدة شفقته ولرغبته في تجنيب الأبرياء والشيوخ أية أضرار تلحق بهم فإنه يتجنب الدعاء على ظالميه ومعذبيه.. هل يجوز أن يُتهم مثل هذا الشخص ويقال بحقه: إن هذا الشيخ المنـزوي يحاول الإخلال بالأمن ويفسد الاستقرار، وغايته هي المؤامرات الدنيوية وهي القصد من اتصالاته ومكاتيبه، لذا فهو مذنب؟. إن من يقول هذا بحقه ويحكمون عليه في ظل ظروف قاسية لا شك أنهم مذنبون، ومذنبون جداً، وسيدفعون ثمن هذا في المحكمة الكبرى يوم الحشر.

مثل هذا الرجل الذي هدّأ ثماني كتائب عسكرية وأجبرها على الانقياد للنظام بخطبة واحدة واستطاع قبل أربعين سنة بمقالة واحدة أن يجعل الآلاف من الناس ينحازون إليه ويكونون أنصاره، ولم يُحنِ رأسه أمام ثلاثة قواد جبارين -المذكورين سابقاً- ولم يخش منهم ولم يتملق لهم وقال أمام المحاكم: ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفصل كل يوم واحد منها عن جسدي فلن أحني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، فلن أخون الوطن والأمة والإسلام. فهل يجوز بعد هذا أن يقال لمثل هذا الشخص الذي لم يكن له علاقة مع أحد في مدينة "أميرداغ" إلا مع بضعة من أصدقاء الآخرة إضافة إلى ثلاث من الذين كانوا يقومون بشؤون خدمته...

هل يجوز أن يقال: إن سعيداً هذا عمل سراً في أميرداغ كي يخل بالأمن، فقد سمم أفكار بعض أفراد الشعب هناك، فقام عشرون شخصاً هناك بمدحه وكتابة مكاتيب خاصة له، مما يبرهن على أنه يعمل سراً ضد النظام الثوري للحكومة؟ واستناداً إلى هذه التهمة فقد اتُبِعتْ سياسة عدائية ضده وحكم عليه بالحبس الشديد لمدة سنتين حيث وضع في سجن انفرادي وفي عزلة تامة،

 

466
__________________________

 

ولم يسمحوا له بالكلام والدفاع عن نفسه في المحكمة. لأجل كل هذا فإنني أحيل هؤلاء الذين عذبوني وابتعدوا هذا الابتعاد عن العدالة وعن الإنصاف إلى ضمائرهم.

وهل يعقل وهل من الممكن أن يقوم مثل هذا الشخص الذي نال توجّه الناس إليه أكثر مما يستحقه والذي حمل الألوف على الطاعة والانقياد بخطبة واحدة، وجعل الآلاف من الناس ينضمون إلى جمعية الاتحاد المحمدي بمقالة واحدة منه، واستمع إلى خطبته خمسون ألف شخص في جامع أياصوفيا بكل تقدير.. هل يعقل وهل يمكن أن يقوم مثل هذا الشخص بعمل سري طوال ثلاث سنوات في مدينة أميرداغ ثم لا يوفق إلاّ في إقناع بضعة أشخاص ويترك أمور الآخرة وينغمس في مؤامرات السياسة فيملأ قبره -القريب منه- بالظلمات بدلاً من النور؟ أيمكن هذا؟ إن الشيطان نفسه لا يمكن أن يقنع بهذا أحداً.

الرابعة: لقد أبرزوا عدم قيامي بلبس القبعة كسبب مهم لإدانتي ولم يسمحوا لي بالكلام، وقد كنت ناوياً أن أقول لهم:

لقد بقيت في مدينة "قسطموني" مدة ثلاثة أشهر موقوفاً في مركز الشرطة هناك ولم يقل لي أحد: "عليك أن تضع القبعة على رأسك". وفي ثلاث محاكم لم أضع قبعة على رأسي ولم أحسر عن رأسي في جلسات هذه المحاكم، ولم يتعرض أحد لي. صحيح أن بعض الظالمين الذين لم يكن لديهم نصيب من الدين اتخذوها حجة وتعرضوا لي بشكل غير رسمي بالأذى طوال ثلاث وعشرين سنة وضيقوا عليّ كثيراً وآذوني. وأن الأطفال والنساء وأكثر القرويين والموظفين في الدوائر الرسمية والذين يلبسون غطاء الرأس، غير مضطرين إلى لبس القبعة، إذ لا فائدة أو مصلحة مادية في ذلك، إذن فإن شخصاً منـزوياً مثلي قاسى عشرين عاماً بسبب عدم لبس القبعة والافتراءات، علماً بأن جميع المجتهدين وجميع شيوخ الإسلام منعوا لبسها، والآن يعودون إلى إيذائي وعقوبتي دون أي وجه حق، فكما لا يتعرض أحد إلى الذين يشربون الخمر جهاراً نهاراً في شهر رمضان ولا يصلون، وذلك باسم الحرية الشخصية، لذا فإن الذين يتهمونني من أجل زيي مراراً وتكراراً بهذا العناد وبهذه الشدة سوف يسألون عن هذا عندما يشاهدون الحبس الانفرادي الأبدي في القبر ويحضرون إلى المحكمة الكبرى.

 

467
__________________________

 

الخامسة: إن رسائل النور التي حازت قبول مائة ألف من أهل الإيمان والتي قدمت طوال عشرين عاماً منافع عديدة -خالصة من أية شائبة من الضرر- للأمة وللوطن تُصادر لأتفه الأسباب: فمثلا صودرت مجموعة "ذو الفقار-المعجزات الأحمدية" -التي أنقذت إيمان مائة ألف شخص- لورود تفسير صحيح ومحقّ لآيتين كريمتين في صفحتين فقط من مجموع صفحاتها البالغة أربعمائة صفحة مع أن هذه المجموعة تعرضت لمرور الوقت، وصدرت خلاله قوانين عفو عديدة، فهل يجوز مصادرة تلك المجموعة القيمة النافعة من أجل صفحتين فقط؟ والآن تتم مصادرة رسائل أخرى قيمة بسبب كلمة أو كلمتين -يفسرونها تفسيراً خاطئاً- ضمن ألف كلمة. وكل من سمع لائحة الادعاء الثالثة هذه والقرار الذي نشرناه يتأكد مما نقول.

أما نحن فإننا نقول لكل مصيبة نراها: ﴿إِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ و﴿حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

السادسة: إنني أقول للذين يتهمون المترجم المسكين لرسائل النور (أي نفسه) بسبب قيام بعض طلبة النور بثناء مبالغ فيه وحسن ظن مفرط بإرسال رسائلِ تشجيع وتهنئة وتقدير وشكر بعد أن استفادوا استفادة كبرى من البراهين الإيمانية التي لا تتزعزع واكتسابهم العلوم الإيمانية بدرجة علم اليقين... أقول لهم:

إنني شخص ضعيف وعاجز ومنفي ونصف أمي، وعندما كانوا يثيرون الناس ضدي بدعاياتهم ويخوفونهم مني، كنت كلما أجد دواء لأدوائي من أدوية القرآن الكريم ومن حقائقه الإيمانية الرفيعة كتبت تلك الحقائق القيمة إيماناً منى بأنها ستكون علاجاً شافياً لأبناء الأمة والوطن، ولما كان خطي رديئاً جداً فقد كنت بحاجة ماسة إلى معاونين، فيسّرت العناية الإلهية لي معاونين خاصين وصادقين وثابتين.

ومن الطبيعي أنني لا أستطيع أن أرد بشكل قاطع حسن ظنهم ومدحهم المخلص، أو أن أوبخهم على هذا فأجرح مشاعرهم، فمثل هذا التصرف يخالف الأنوار المستلهمة من خزينة القرآن الكريم ويعاديها ويهوّن منها. لذا فلكي لا يبتعد عني هؤلاء المعاونون من ذوي الأقلام الألماسية والقلوب الشجاعة فإنني كنت أحول مديحهم لشخصي العاجز المفلس إلى رسائل النور التي هي صاحبة الحق في هذا المديح لأنها تعكس المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، أحيلها إلى الشخصية المعنوية لطلاب النور.

 

468
__________________________

 

وعندما كنت أقول لهم: "إنكم تعطون لي حصة تزيد على حصتي بمائة مرة" كنت أوذي مشاعرهم إلى حد ما. فهل هناك مادة قانونية تضع شخصاً في موقع الاتهام واللوم لأن أفراداً آخرين يمدحونه بالرغم من أنه كاره لهذا المديح؟ أتوجد مثل هذه المادة القانونية لكي يمكن تبرير قيام موظف رسمي اتهامي باسم القانون؟

هذا مع العلم أنه قد ذكر في الصفحة رقم (54) من القرار المنشور للائحة الاتهام ضدنا قولي: "إن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان سيكون من نسل آل البيت، أما نحن معشر طلاب النور فيمكن أن نعدّ من آل البيت من الناحية المعنوية فقط. ثم إنه لا يوجد في مسلك النور مكان للأنانية أو لتبجيل شخص أو الرغبة في مقامات دنيوية، أو التطلع نحو الجاه والشهرة أبداً. بل إنني أرى نفسي مضطراً حتى لترك المقامات الأخروية -إن أُعطيت لي- كي لا أخل بالإخلاص الموجود في المسلك النوري".

كما ورد في الصفحة (22) وفي الصفحة (23) من قرار اللائحة هذه العبارات: "معرفة الإنسان تقصيره أمام اللّٰه وأدراك فقره نحوه وعجزه أمامه والالتجاء إليه بذل وخشوع... فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز أفقر وأكثر تقصيراً أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس. فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء علىّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل... لن أبوح بكثير من مساوئ شخصيتي الثالثة ومن أحوالها السيئة لئلا أنفركم عنى كلياً. فالفضل الإلهي هو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها. فالنفس أدنى من الكل والوظيفة أسمى من الكل، فألف شكر وشكر للّٰه سبحانه".

ومع أن اللائحة اقتبست العبارات أعلاه من كلامنا وأدرجتها في متنها، إلاّ أن الذين يريدون وضعي في موضع المذنب لمجرد قيام بعض الأشخاص بمدحي ووصفي بأنني مرشد عظيم ومهدى -بأنني هديتهم بالمعنى الوارد في رسائل النور- لا شك أنهم يستحقون نيل جزاءهم على ما اقترفوه من ذنوب كبيرة.

السابعة: قامت محكمة دنيزلي ومحكمة الجنايات الكبرى في "أنقرة"، ومحاكم التمييز بإصدار قراراتها بالإجماع على تبرئتنا وعلى تبرئة رسائل النور بأجمعها،

 

469
__________________________

 

حيث أعادت هذه الرسائل وكذلك جميع خطاباتنا إلينا، ومع أنهم قالوا إنه "حتى على فرض وقوع خطأ في قرار التبرئة لمحكمة دنيزلي فما دامت محكمة التمييز قامت بتبرئتكم، فإن قرار التبرئة أصبح قطعياً وثابتاً ولا يمكن سوقكم إلى المحكمة مرة أخرى". ومع أنني قضيت ثلاث سنوات في مدينة "أميرداغ" منـزوياً لا أتصل إلا مع بضعة أشخاص ممن يقومون بشؤون خدمتي بشكل متناوب "وكانوا يعملون كمساعدي خياط" ولا أتحدث مع أحد إلاّ مع بعض المتدينين في حالات نادرة وضرورية ولمدة بضع دقائق فقط، وسوى إرسال رسالة واحدة فقط في الأسبوع من أجل التشجيع على قراءة رسائل النور "حتى إنني لم أرسل إلى شقيقي المفتي إلاّ ثلاث رسائل طوال ثلاث سنوات"، بل تركت التأليف الذي كنت عاكفاً عليه منذ ثلاثين سنة سوى تأليف نكتتين اثنتين بعشرين صفحة تناولت موضوعين مهمين ومفيدين جداً لأهل الإيمان ولأهل القرآن وهما "حكمة التكرار في القرآن" و"بعض المسائل حول الملائكة"... لم أؤلف عداهما ولكني وافقت على ضم الرسائل التي برأتها المحاكم وجعْلِها بشكل مجلدات، وعندما قامت المحكمة بإرجاع خمسمائة نسخة من "رسالة الآية الكبرى" التي كانت مطبوعة بالأحرف القديمة، فقد أعطيت موافقتي لإخواني باستنساخها بوساطة جهاز الاستنساخ -لعلمي بأن القانون لا يمنع ذلك بصورة رسمية- وذلك لكي يستفيد العالم الإسلامي منها، وانشغلت فقط بتصحيحها ولم أنشغل أبداً بالسياسة، حتى إنني فضلت البقاء في غربة أليمة ولم أرجع إلى بلدتي -كما فعل جميع المنفيين الآخرين- رغم صدور الإذن الرسمي بذلك لكي لا أنشغل بالدنيا وبالسياسة.

إذن فإن القيام بتوجيه هذا الاتهام الثالث المحتوي على أمور باطلة وكاذبة وعلى تفسيرات خاطئة ومحاولة إدانة مثل هذا الرجل يحتوي على معنيين مذهلين -سوف لن أقولهما الآن- وقد أثبتت المدة الأخيرة البالغة عشرين شهراً هذا الأمر. وأنا أقول: حسبهم القبر وسقر، وأحيل أمري إلى المحكمة الكبرى يوم القيامة.

الثامنة: بعد أن بقيت رسالة "الشعاع الخامس" سنتين لدى محكمة دنيزلي ومحكمة أنقرة أعيدت إلينا. وبعد أن صدر القرار بتبرئتها سمحتُ بنشرها -مع دفاعي في تلك المحكمة- في آخر مجموعة "سراج النور". صحيح أنني كنت أحتفظ بها كرسالة خاصة ليست معروضة على الناس، ولكن ما دامت المحكمة شهرت بها وأعلنتها ثم أعادتها إلينا بعد براءتها،

 

470
__________________________

 

فقلت بأنه لا ضرر إذن من نشرها، لذا أذنت لهم بنشرها. وكان أصل هذه الرسالة قد كتب قبل حوالي أربعين سنة حول تأويلات أحاديث متشابهة كانت قد انتشرت بين الناس منذ القديم، ومع أن عدداً من علماء الحديث ضعّفوا قسماً من هذه الأحاديث، إلاّ أنني قمت بكتابة هذه الرسالة إنقاذاً لأهل الإيمان من الشبهات لأن المعاني الظاهرة لهذه الأحاديث كانت تتسبب في اعتراضات كثيرة عليها، إلاّ أن قسماً من تأويلاتها الخارقة ظهرت أمام الأعين، لذا اضطررنا إلى إخفاء هذه الرسالة وجعلها رسالة سرية خاصة لكي لا تُفسر تفسيراً خاطئاً، وبعد أن قامت عدة محاكم بتدقيقها وتشهيرها ثم إعادتها إلينا، إلاّ أنها عادت مرة أخرى إلى اتخاذها سبباً في إدانتنا، لذا فإننا نحيل مدى ابتعاد هذا العمل عن العدالة وعن الحق وعن الإنصاف إلى ضمائر هؤلاء الذين يريدون إدانتنا بسبب من قناعاتنا الوجدانية، كما نحيل شكوانا هذه إلى المحكمة الإلهية الكبرى ونقول: ﴿حَسْبُنَا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

التاسعة: وهذه نقطة مهمة جداً ولكننا نمسك عن ذكرها لئلا نغضب الذين حكموا علينا، وذلك لأجل قيامهم بقراءة رسائل النور.

العاشرة: وهذه نقطة قوية ومهمة ولكننا نمسك أيضاً عن ذكرها حاليا لكي لا تدفعهم إلى الاستياء والامتعاض».([17])

 

471
__________________________

 

-----------------------

[1]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الخامس عشر.

[2]() هو السيد أحمد فيضي قُول. (ب)  1270.

[3]() في 6/12/1948.

[4]() واُخلي سبيلهم في 20/9/1949.

[5]() وذلك في 22/5/1950.

[6]() تكررت حادثة التسميم 3 مرات في سجن أفيون وبهذا يبلغ عدد تسميم الأستاذ إلى هذه الفترة 14 مرة.

[7]() T.Hayat, Afyon Hayatı.

[8]() اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء الخامس عشر.

[9]() مجموعة تضم رسالة المعجزات القرآنية والمعجزات الاحمدية ورسالة الحشر.

[10]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ردّ على لائحة الادعاء.

[11]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، نقاط أخرى.

[12]() المقصود المدعي العام.

[13]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ذيل تتمة الاعتراض.

[14]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[15]() جماعة الاتحاديين: هم جماعة الاتحاد والترقي الذين هرب قادتهم إلى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أمام قوات الحلفاء. أما جماعة "الائتلاف" فهم جماعة سياسية ظهرت بعيد انتهاء الحرب وكانوا خصوماً للاتحاديين.

[16]() وهو من المجاهدين المسلمين آنذاك، ورأس تحرير مجلة "سبيل الرشاد" الإسلامية.

[17]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet