سنة 1911م/1329هـ
إلى الشام
[سافر إلى الشام شتاءً في أواخر سنة 1910م (1329هـ) وهناك ألقى خطبة في الجامع الأموي، ثم طبعت في رسالة سميت "الخطبة الشامية"]
من مقدمة الخطبة الشامية
«هذه الرسالة العربية قد أُلقيتْ درساً في الجامع الأموي بدمشق منذ أربعين عاماً،([1]) وذلك بناءً على إصرار العلماء هناك، واستمع إليها ما يقرب من عشرة آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن مائة من كبار علماء الشام.
إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّها "سعيد القديم" بإحساس مسبق،
141
__________________________
فزفّها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظناً منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والاستبداد المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان([2]) قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أو خمسين عاماً.([3])
«طبعت هذه "الخطبة الشامية" مرتين في حينه. وقد شخّص فيها أمراض الأمة الإسلامية المادية منها والمعنوية. وكذلك الأسباب التي أدّت إلى تعرّض العالم الإسلامي للأسر والمهالك وبيّن فيها طرق العلاج والخلاص، وبشر المسلمين جميعاً بل الإنسانية قاطبة بأن الإسلام سيظهر على الأرض كافة مبينـاً أن أعظم رقيّ مادي ومعنوي سيحققه الإسلام، وستنجلى الحضارة الإسلامية بأبهى مظهرها وستطهّر الأرض من اللوثات، كل ذلك مقروناً بدلائل عقلية رصينة...».([4])
نموذج من الخطبة
«لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية، وعلِمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض، جعلتنا نقـف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب -وخاصة الأوربيين- نحو المستقبل.
وتلك الأمراض هي:
أولاً: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
ثانياً: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثاً: حبّ العداوة.
رابعاً: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامساً: سريان الاستبداد سريانَ الأمراض المعدية المتنوعة.
سادساً: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.
ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبسته من فيض صيدلية القرآن الحكيم -الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية- أبيّنها بست كلمات، إذ لا أعرف أسلوباً للمعالجة سواها.
142
__________________________
الكلمة الأولى: "الأمــل" أي شدة الاعتماد على الرحمة الإلهية والثقة بها.
نعم، إنه بناء على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني أن أزفّ إليكم البشرى يا معشر المسلمين، بأنه قد أزِفَ بزوغ أمارات الفجر الصادق ودنا شروق شمس سعادة عالم الإسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدم العالم الإسلامي ورقيّـه على تيقظهم وانتباههم، فإنني أعلن بقوة وجزم، بحيث أُسمع الدنيا كلها -وأنفُ اليأس والقنوط راغم- أن المستقبل سيكون للإسلام، وللإسلام وحده. وأن الحكم لن يكون إلاّ لحقائق القرآن والإيمان. فعلينا الرضى بالقدر الإلهي وبما قسّمه اللّٰه لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.
فهذه دعواي، لي عليها براهين عدة، سأذكر واحداً ونصفاً فقط منها، بعد أن أمهّد لها ببعض المقدمات...»([5]) [ثم عاد عن طريق بيروت - إزمير إلى إسطنبول واستمر في مطالبته بإنشاء مدرسة الزهراء].
مصاحبته للسلطان رشاد في سياحته
رافق السلطان رشاد في سياحته إلى "رومَلي"([6]) ممثلاً عن الولايات الشرقية، وذلك في بداية عهد الحرية.
في ذلك الوقت قال للسلطان وللاتحاديين الذين رافقوه: إن الشرق أحوج إلى مثل هذه الجامعة، فهو يتمتع بموقع المركز للعالم الإسلامي. فوعده السلطان خيراً. وباندلاع الحرب مع البلقان احتُل موقع تلك الجامعة في "قوصوا" فطلب بديع الزمان تحويل المبلغ المخصص لها إلى إنشاء جامعة في الشرق. وحصلت الموافقة عليه([7]) فمنح السلطان رشاد تسع عشرة ألف ليرة ذهبية لتأسيس تلك الجامعة، وأرسيتُ قواعدها فعلاً -في منطقة أرتَمِيتْ على ضفاف بحيرة "وان"- إلاّ أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون إكمال المشروع.([8])
143
__________________________
الحمية الدينية أم الملية؟
«كان في قطارنا معلمان اثنان، قد تلقيا العلوم في المدارس الحديثة، فجرت بيننا مباحثة، إذ سألاني: أيُّهما أقوى وأولى بالالتزام: الحمية الدينية أم الملية؟ قلت لهم -وقتئذٍ-: نحن معاشر المسلمين، الدين والملية عندنا متحدان بالذات، والاختلاف اعتباري، أي ظاهري، عرضي، بل الدين هو حياة الملية وروحها. فإذا ما نُظر إليهما بأنهما مختلفان ومتباينان، فإن الحمية الدينية تشمل العوام والخواص بينما الحمية الملية تنحصر في واحد بالمائة من الناس، ممن يضحي بمنفعته الشخصية لأجل الأمة.
وعليه فلا بد أن تكون الحمية الدينية أساساً في الحقوق العامة، وتكون الملية خادمة منقادة لها وساندة حصينة لها.
فنحن الشرقيين لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني؛ فإنّ بعث الأنبياء في الشرق يشيـر به القدرُ الإلهي إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق ويسوقه إلى التقدم والرقي، والعصر السعيد -وهو خير القرون والذي يليه- خير برهان على هذا.
فيا زملائي في هذه المدرسة السيارة، أعني القطار، ويا من تسألون عن التفاضل بين الحمية الدينية والملية، ويا أيها الدارسون في المدارس الحديثة. إني أقول لكم جميعاً: إن الحمية الدينية والملية الإسلامية قد امتزجتا في الترك والعرب مزجاً لا يمكن فصلهما، وإن الحمية الإسلامية هي أقوى وأمتن حبل نوارني نازل من العرش الأعظم، فهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وهي القلعة الحصينة التي لا تهدم».
حول مؤلّف "تعليقات" في المنطق
إن هذه الرسالة الموسومة بـ"تعليقات" هي ما كتبه بديع الزمان سعيد الكردي من حواشٍ على كتاب "برهان كلنبوي"، ودوّنها أحبّ طلابه إليه والملازم له في الدرس الملا حبيب(*) فسجل هذه التقريرات من بديع الزمان على صورة حواشٍ وهوامش.. كان ذلك في سنة 1329هـ ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى وذهب بديع الزمان والملا حبيب كواعظين مع فرقة "وان" إلى جبهة القتال في "أرضـروم"، وعادا معاً بعد عام وقد احتُلت "وان" من قبل الأرمن،
144
__________________________
فانسحبنا إلى قضـاء "كَوَاش" واستشهد الملا حبيب هناك، فحملت الرسالة التي خطها طوال سني الهجرات من مدينـة إلى أخرى ومن قصبة إلى أخرى حتى حللنا في مدينة "ملاطية" سنة 1940 ومن هناك مفتياً في قضاء "أورْكُوبْ".
كانت الرسالة أوراقاً متفرقة فجمّعتها وجلّدتها، على أمل أن يأتي زمان ويُبعث العلم والدين من جديد، ويظهر في الميدان أناس يقرؤون أمثال هذه الرسائل. وعندئذٍ يقدّر قدرها ويُعلم ما فيها من فكر عميق وذكاء نافذ.ولكن هيهات.. فلا ذاك الزمان يأتي، ولا أولئك القراء يظهرون. والسلام..
عبد المجيد 1951 ([9])
سنة 1913م/1331هـ
حادثة بتليس ([10])
«جاءني قبيل الحرب العالمية السابقة (الأولى) في مدينة "وان" بعض الأشخاص المتدينين والمتقين وقالوا لي:
هناك بعض القُواد تصدر منهم أعمال ضد الدين، فاشترك معنا لأننا سنعلن العصيان عليهم. قلت لهم:
إن تلك الأعمال اللادينية وتلك السيئات تعود إلى أمثال أولئك القواد، ولا يمكن أن نحمّل الجيش مسـؤوليتها، ففي هذا الجيش العثماني قد يوجد مائة ألف من أولياء اللّٰه. وأنا لا أستطيع أن امتشق سيفي ضد هذا الجيش، لذا لا أستطيع أن أشترك معكم.([11]) فتركني هؤلاء، وشهروا أسلحتهم، وكانت النتيجة حدوث واقعة "بتـليس" التي لم تحقق أي هدف. وبعد قليل اندلعت الحرب العالمية، واشترك ذلك الجيش في تلك الحرب تحت راية الدين ودخل حومة الجهاد،
145
__________________________
فارتقت منه مئات الآلاف من الشهداء إلى مرتبة الأولياء، فقد وقّعوا بدمائهم على شهادات الولاية. وكان هذا برهاناً وتصديقاً على صحة سلوكي وصواب تصرفي في تلك الدعوى».([12])
حادثة الأرمن
«كانت علاقة طلاب "سعيد القديم" وطيدة جداً مع أستاذهم حتى بلغت مرتبة التضحية والفداء. لذا كان "سعيد القديم" يتمكن من التصدي للفعاليات الكثيرة التي كانت تقوم بها عصابات الأرمن وفدائيو الطاشناق في حوالي مدينة "وان" و"بتليس" بل كان يوقفهم عند حدّهم إلى درجة ما.
وحينما وجد لطلابه بنادق الماوزر وتحولت مدرسته إلى ما يشبه المعسكر -إذ الكتب كانت جنباً إلى جنب مع البنادق- حضر قائد عسكري برتبة فريق وشاهد هذا المنظر.. وقال: "هذه ليست مدرسة دينية بل ثكنة عسكرية" وأمر قائلاً: "اجمعوا بنادقه" لما ساورته الشكوك من جراء حادثة "بتليس". فحصلوا منا على خمس عشرة بندقية، وبعد حوالي شهرين اندلعت الحرب العالمية الأولى، فاسترجعتُ بنادقي منهم.. وعلى كل حال.. ولمناسبة هذه المواقف والأحوال سألوني:
إن عصابات الأرمن التي تملك فدائيين رهيبين تخشاكم، حتى إنها تجنبت الاحتكاك معكم وتفرقوا بعيداً عنكم لما صعدتم جبل "أرك" في "وان". ترى ما القوة التي فيكم حتى يكون الأمر هكذا؟.
فكنت أجيبهم: إن فدائيي الأرمن الذين يقومون بهذه البطولات الخارقة، إنما يقومون بـها في سبيل الحصول على حياة دنيوية فانية، ولأجل كسب مصلحة قومية مؤقتة صغيـرة، وللحفاظ على سلامتها.. ونحن نجابه هؤلاء بالطلاب الذين يسعون في سبيل الحصول على حياة باقية خالدة، ولأجل كسب مصالح إيجابية لأمة الإسلام السامية العظيمة وقد أيقنوا بأن الأجل واحد لا يتغير. فلا شك أن هؤلاء الطلاب لا يتخلفون قطعاً عن أولئك الفدائيين. بل إذا لزم الأمر يفدون بحياتـهم وبأجلهم المحتوم وبعمر لا يعدو بضع سنوات ظاهرية،
146
__________________________
في سبيل الفوز بملايين السنوات من العمر الخالد، وفي سبيل الحفاظ على سلامة مليارات من الناس المؤمنين الأتقياء.. يفدونها دون تردد، وبكل فخر واعتزاز».([13])
رؤيا صادقة حول إعجاز القرآن
«قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وإبّان نشوبها رأيت في رؤيا صادقة مايأتي:
رأيت نفسي تحت "جبل آرارات" وإذا بالجبل ينفلق انفلاقاً هائلاً، فيقذف صخوراً عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة. وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي -رحمة اللّٰه عليها- بقربي. قلت لها: "لا تخافي يا أماه! إنه أمر اللّٰه، إنه رحيم، إنه حكيم". وإذ أنا بتلك الحالة إذا بشخص عظيم يأمرني قائلاً: "بَيّنْ إعجازَ القرآن".
أفقتُ من نومي، وأدركتُ أنه سيحدث انفلاق عظيم، وستتهدم الأسوار التي تحيط بالقرآن الكريم من جراء ذلك الانفلاق والانقلاب العظيم، وسيتولى القرآن بنفسه الدفاع عن نفسه حيث سيكون هدفاً للهجوم، وسيكون إعجازه حصنه الفولاذي، وسيكون شخص مثلي مرشحاً للقيام ببيان نوع ٍمن هذا الإعجاز في هذا الزمان -بما يفوق حدّي وطوقي كثيراً- وأدركتُ أنى مرشح للقيام بهذا العمل».([14])
نذير الحرب
[يذكر أخوه عبد المجيد:]
«بينا كنا على سطح مدرسةِ "خورخور" والأستاذ يلقي علينا درس التفسير، والحرب العالمية الأولى على وشك الاندلاع كسفت الشمس ذلك المساء كسوفاً كلياً، فأطلق بديع الزمان زفرة من أعماقه قائلاً: وا أسفى، سيأتي سيل عارم ويجرفنا جميعاً. وفعلاً أُعلنت الحرب بعد شهر. وفي فترة قصيرة عمّت البلاد كلها».([15])
[ويقول طلابه] «أخبرنا مراراً في أثناء الدرس بوقوع زلزلة عظيمة -بمعنى الحرب العمومية- فوقعت كما أخبرنا».([16])
147
__________________________
--------------------
[1]() المقصود عام 1911م.
[2]() أي منذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924م إلى سنة 1950م.
[3]() صيقل الإسلام، الخطبة الشامية.
[4]() T. Hayat, ilk hayatı
[5]() صيقل الإسلام، الخطبة الشامية.
[6]() استغرقت الرحلة من 7-26/6/1911م.
[7]() T. Hayat, ilk hayatı
[8]() الملاحق، ملحق قسطموني.
[9]() صيقل الإسلام، تعليقات.
[10]() هي حادثة عصيان قامت بها العشائر القاطنون حوالي مدينة بتليس في حزبران سنة 1913 برئاسة الشيخ سـليم لامتعاضهم من تصرفات غير إسلامية صدرت عن عدد من الضباط فأعلنوا العصيان واحتلوا المدينة لمدة أسبوع، وكادت تشترك معهم أيضاً عشائر "بيت الشباب" لولا مسارعة الأستاذ النورسي إليهم وتهدئتهم وصرفهم عن العصيان. انظر: المثنوي العربي النوري، حباب، خطاب إلى مجلس الأمة.
[11]() وكان هذا مضمون جواب الأستاذ للعديد من رؤساء العشائر الذين كانوا يرومون القيام بالثورة ضد مصطفى كمال. وهو الجواب نفسه مع اختلاف بسيط في العبارات لدى استشارة حسين باشا له في ثورة الشيخ سعيد. وبهذا الجواب حقن دماء المسلمين.
[12]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[13]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
[14]() المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، المسألة السابعة.
[15]() (ب) 227 عن مذكرات عبد المجيد 17.
[16]() حمزة، محمد شفيق، محمد مهري. إشارات الإعجاز.
